Полный текст (4 464 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
جَهْلِ الْوَقْتِ كَالْجَعَالَةِ.
(وَ) مَنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا (طَلِّقْنِي بِهِ) أَيْ: بِأَلْفٍ (عَلَى أَنْ تُطَلِّقَ ضَرَّتِي، أَوْ) قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ (عَلَى أَنْ تُطَلِّقَهَا) أَيْ: الضَّرَّةَ (صَحَّ الشَّرْطُ وَالْعِوَضُ) لِأَنَّهَا بَذَلَتْهُ فِي طَلَاقِهَا وَطَلَاقِ ضَرَّتِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ (وَإِنْ لَمْ يَفِ) لَهَا بِشَرْطِهَا مِنْ طَلَاقِ ضَرَّتِهَا أَوْ عَدَمِهِ (فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْهُ) أَيْ: الْأَلْفِ (وَمِنْ الْمَهْرِ) الْمُسَمَّى إنْ كَانَ ثَمَّ مُسَمًّى، وَإِلَّا يَكُنْ مُسَمًّى فَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ الْأَقَلَّ مِنْ الْأَلْفِ أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ إلَّا بِعِوَضٍ، فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ رَجَعَ إلَى مَا مَضَى بِكَوْنِهِ عِوَضًا؛ وَهُوَ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَلْفٍ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَلَهُ الْأَلْفُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِكَوْنِهِ عِوَضًا عَنْهَا وَعَنْ شَيْءٍ آخَرَ، فَإِذَا جُعِلَ كُلُّهُ عَنْهَا كَانَ أَحَظَّ لَهُ.
(وَ) مَنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: (طَلِّقْنِي) طَلْقَةً (وَاحِدَةً بِأَلْفٍ وَاحِدٍ، أَوْ) طَلِّقْنِي (وَاحِدَةً عَلَى أَلْفٍ) أَوْ طَلِّقْنِي وَاحِدَةً وَلَك أَلْفٌ وَنَحْوُهُ؛ كَطَلِّقْنِي وَاحِدَةً عَلَى أَنْ أُعْطِيَك أَلْفًا (فَطَلَّقَهَا أَكْثَرَ) بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (اسْتَحَقَّهُ) أَيْ: الْأَلْفَ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ مَا اسْتَدْعَتْهُ وَزِيَادَةً لِوُجُودِ الْوَاحِدَةِ فِي ضِمْنِ الثِّنْتَيْنِ أَوْ الثَّلَاثِ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً؛ وَقَعَتْ فَيَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ بِالْوَاحِدَةِ، وَالزِّيَادَةُ الَّتِي لَمْ تَبْذُلْ الْعِوَضَ فِيهَا لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا شَيْئًا.
(وَلَوْ أَجَابَ) قَوْلَهَا طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ (بِ) قَوْلِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ بَانَتْ بِالْأُولَى) مِنْهُ لِوُقُوعِهَا فِي مُقَابَلَةِ الْعِوَضِ، وَلَمْ يَلْحَقْهَا مَا بَعْدَهَا (وَإِنْ ذَكَرَ الْأَلْفَ عَقِبَ) الطَّلْقَةِ (الثَّانِيَةِ) بِأَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ بِأَلْفٍ وَطَالِقٌ (بَانَتْ بِهَا) أَيْ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا بِعِوَضٍ (وَ) وَقَعَتْ الطَّلْقَةُ (الْأُولَى رَجْعِيَّةً وَلَغَتْ الثَّالِثَةُ) لِأَنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ، (وَإِنْ ذَكَرَهُ) أَيْ: الْأَلْفَ، عَقِبَهَا، أَيْ بِأَنْ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ بِأَلْفٍ (طَلُقَتْ ثَلَاثًا) وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْأَلْفَ وَنَوَى أَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الْكُلِّ بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ يَلْحَقْهَا مَا بَعْدَهَا، وَلَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ
стр. 3397
بِإِيقَاعِهَا بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِخَمْسِمِائَةٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ بِالْأُولَى، وَبَانَتْ بِهَا.
(وَ) مَنْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا (طَلِّقْنِي ثَلَاثًا) بِأَلْفٍ (أَوْ) قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي (مِائَةً بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) كَوَاحِدَةٍ أَوْ ثِنْتَيْنِ، بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ (وَلَوْ يَنْوِ) بِقَوْلَةِ ذَلِكَ الطَّلَاقَ، (الثَّلَاثَ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا) مِنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ لَمْ يُجِبْهَا إلَيْهِ؛ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَوَقَعَ مَا أَجَابَهَا بِهِ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ الثَّلَاثِ إلَّا مَا أَوْقَعَهُ وَلَمْ تَعْلَمْ) هِيَ بِذَلِكَ (اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ) لِأَنَّهَا حَصَّلَتْ مَا يَحْصُلُ بِالثَّلَاثِ مِنْ الْبَيْنُونَةِ وَالتَّحْرِيمِ (فَإِنْ قَالَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ الْأُولَى بِأَلْفٍ وَالثَّانِيَةُ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ وَقَعَتْ الْأُولَى فَقَطْ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَالَ) وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ (الْأُولَى بِغَيْرِ شَيْءٍ وَقَعَتْ وَحْدَهَا) ، لِأَنَّ الثَّلَاثَ تَمَّتْ بِهَا (وَلَمْ يَسْتَحِقَّ) شَيْئًا مِنْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا عِوَضًا (وَتَمَّتْ الثَّلَاثُ) طَلْقَاتٍ (وَإِنْ قَالَ) وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ (إحْدَاهُمَا بِأَلْفٍ لَزِمَهَا الْأَلْفُ) وَكَمَّلَتْ الثَّلَاثَ؛ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
(وَ) مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ فَقَالَتْ قَبِلْت وَاحِدَةً بِأَلْفٍ) وَقَعَ الثَّلَاثُ (أَوْ) قَالَتْ وَاحِدَةً (بِأَلْفَيْنِ وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ وَ) إنْ قَالَتْ مَقُولٌ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ (قَبِلْت) وَاحِدَةً (بِخَمْسِمِائَةٍ) لَمْ يَقَعْ (أَوْ) قَالَتْ قَبِلْتُ (وَاحِدَةً مِنْ الثَّلَاثِ بِثُلُثِ الْأَلْفِ لَمْ يَقَعْ) وَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا (وَ) إنْ قَالَ لَهَا: (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا بِأَلْفٍ وَقَعَتْ بِهَا وَاحِدَةٌ، وَوَقَعَتْ الْأُخْرَى بِقَبُولِهَا) هَذَا مَعْنَى مَا فِي " الْمُبْدِعِ وَ " الشَّرْحِ " قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
[تَتِمَّةٌ قَالَتْ طَلِّقْنِي عَشْرًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ]
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ قَالَتْ طَلِّقْنِي عَشْرًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَلَا شَيْءَ
стр. 3398
لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهَا إلَى مَا سَأَلَتْهُ وَبَذَلَتْ الْعِوَضَ فِيهِ؛ وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ لِأَنَّهُ أَجَابَهَا إلَى سُؤَالِهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا نِهَايَةُ مَا يَمْلِكُهُ مِمَّا سَأَلَتْهُ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا لَغْوٌ، وَإِنْ قَالَتْ مَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ وَاحِدَةً أَبِينُ بِهَا وَاثْنَتَيْنِ فِي نِكَاحٍ آخَرَ، فَقَالَ الْقَاضِي الصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ فِي التَّطْلِيقَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي طَلَاقٍ، وَمُعَاوَضَةٌ عَلَيْهِ قَبْلَ نِكَاحٍ؛ وَهُوَ لَا يَصِحُّ قَبْلَهُ، وَكَذَا الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ، وَيَنْبَنِي عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَإِذَا قُلْنَا تُفَرَّقُ فَلَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ.
(وَلَوْ قَالَ) لِزَوْجٍ (امْرَأَتَاهُ طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا بَانَتْ بِقِسْطِهَا) مِنْ الْأَلْفِ فَيُقَسَّطُ عَلَى مَهْرِ مِثْلَيْهِمَا (وَلَوْ قَالَتْهُ) أَيْ: طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ (إحْدَاهُمَا) فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ (فَرَجْعِيٌّ) سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ السَّائِلَةَ أَوْ ضَرَّتَهَا (وَلَا شَيْءَ لَهُ) لِأَنَّهَا جَعَلَتْ الْأَلْفَ فِي مُقَابَلَةِ طَلَاقِهِمَا، وَلَمْ يُجِبْهَا إلَى مَا سَأَلَتْ؛ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا مَا بَذَلَتْ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَرَضُهَا فِي بَيْنُونَتِهِمَا جَمِيعًا مِنْهُ، فَإِذَا طَلَّقَ إحْدَاهُمَا لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُهَا، فَلَمْ يَلْزَمْهَا عِوَضٌ.
(وَيَتَّجِهُ) فَلَوْ طَلَّقَهَا عَقِبَ قَوْلِ إحْدَاهُمَا طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ (بَانَتَا) مَعًا (وَعَلَى السَّائِلَةِ الْأَلْفُ) ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ جَائِزٌ (إلَّا إنْ) ثَبَتَ أَنَّهَا (وَكَّلَتْهَا الْأُخْرَى) فَيُقَسَّطُ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) إنْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: (أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ وَاحِدَةٌ) مِنْهُمَا (طَلُقَتْ بِقِسْطِهَا) مِنْ الْأَلْفِ، وَإِنْ قَالَ لَهُمَا (أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ إنْ شِئْتُمَا، فَقَالَتَا لَفْظًا شِئْنَا، وَلَوْ تَرَاخَى لَفْظُهُمَا بِالْمَشِيئَةِ أَوْ رَجَعَ) الزَّوْجُ عَنْ اشْتِرَاطِهِ الْمَشِيئَةَ قَبْلَ تَلَفُّظِهِمَا بِهَا (وَإِحْدَاهُمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (غَيْرُ رَشِيدَةٍ؛ وَقَعَ) الطَّلَاقُ (بِهَا) أَيْ: غَيْرِ الرَّشِيدَةِ (رَجْعِيًّا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا) مِنْ الْأَلْفِ، أَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا فَلِأَنَّ لَهَا،
стр. 3399
مَشِيئَةً وَلِذَلِكَ رَجَعَ إلَى مَشِيئَتِهَا فِي النِّكَاحِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ رَجْعِيًّا فَلِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ لِعَدَمِ نُفُوذِ تَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا (وَ) وَقَعَ الطَّلَاقُ (بِالرَّشِيدَةِ بَائِنًا بِقِسْطِهَا مِنْ الْأَلْفِ) لِصِحَّةِ مَشِيئَةِ الرَّشِيدَةِ وَنُفُوذِ تَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا، وَيُقَسَّطُ عَلَى مَهْرِ مِثْلَيْهَا.
(وَ) إنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ، أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (عَلَى أَلْفٍ، أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ) ذَلِكَ مِنْهُ (بِالْمَجْلِسِ بَانَتْ) مِنْهُ (وَاسْتَحَقَّهُ) أَيْ: الْأَلْفَ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ عَلَى عِوَضٍ قَدْ اُلْتُزِمَ فِيهِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ كَانَ بِسُؤَالِهَا (وَإِلَّا) تَقْبَلْ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ (رَجْعِيًّا) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ اشْتِرَاطُ الْعِوَضِ عَلَى مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ فَلَغَا الشَّرْطُ (وَلَا يَنْقَلِبُ) الطَّلَاقُ (بَائِنًا إنْ بَذَلَتْهُ) أَيْ: الْأَلْفَ (بِهِ) أَيْ: الْمَجْلِسِ (بَعْدَ رَدِّهَا) كَمَا لَوْ بَذَلَتْهُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ (وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ) أَيْ: الزَّوْجِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ أَوْ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ أَوْ بِأَلْفٍ (قَبْلَ قَبُولِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ ذَلِكَ مِنْهُ؛ فَلَا تَبِينُ كَرُجُوعِ مَنْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ قَبْلَ قَبُولِهِ.
[فَصْلٌ خَالَعَتْهُ الزَّوْجَةُ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا الْمَخُوفِ]
فَصْلٌ (إذَا خَالَعَتْهُ) الزَّوْجَةُ (فِي مَرَضِ مَوْتِهَا) الْمَخُوفِ، فَالْخُلْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَصَحَّ فِي الْمَرَضِ كَالْبَيْعِ، وَمَتَى اخْتَلَفَ الْمُسَمَّى فِيهِ وَإِرْثُهُ مِنْهُ (فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْعِوَضِ) الْمُسَمَّى فِي الْخُلْعِ (أَوْ إرْثُهُ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا تُهْمَةَ فِيهِ؛ بِخِلَافِ الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا، فَإِنَّ الْخُلْعَ إنْ وَقَعَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْمِيرَاثِ تَطَرَّقَتْ إلَيْهِ التُّهْمَةُ مِنْ قَصْدِ إيصَالِهَا إلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ عَلَى وَجْهٍ لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْصَتْ أَوْ أَقَرَّتْ لَهُ، وَإِنْ وَقَعَ أَقَلَّ مِنْ الْمِيرَاثِ فَالْبَاقِي هُوَ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهُ؛ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ؛ فَتَعَيَّنَ اسْتِحْقَاقُ الْأَقَلِّ مِنْهُمَا، وَإِنْ صَحَّتْ مِنْ مَرَضِهَا الَّذِي خَالَعَتْهُ فِيهِ، فَلَهُ جَمِيعُ مَا خَالَعَهَا بِهِ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ مَوْتِهَا.
стр. 3400
(وَإِنْ طَلَّقَهَا) رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، ثُمَّ وَصَّى لَهَا بِزَائِدٍ عَنْ إرْثِهَا (أَوْ أَقَرَّ لَهَا بِزَائِدٍ عَنْ إرْثِهَا لَمْ تَسْتَحِقَّ الزَّائِدَ) عَنْ إرْثِهَا إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ لِلتُّهْمَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إلَى إيصَالِ ذَلِكَ إلَيْهَا وَهِيَ فِي حِبَالِهِ فَطَلَّقَهَا لِيُوصِلَهُ إلَيْهَا؛ فَمُنِعَ مِنْهُ كَالْوَصِيَّةِ لَهَا (وَإِنْ خَالَعَهَا) فِي مَرَضِ مَوْتِهِ الْمَخُوفِ (وَحَابَاهَا) بِأَنْ أَخَذَ مِنْهَا دُونَ مَا أَعْطَاهَا أَوْ دُونَ مَا يُمْكِنُهُ الْأَخْذُ مِنْهَا بِبَذْلِهَا لَهُ (فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ) أَيْ: لَا يَحْتَسِبُ مَا حَابَاهَا بِهِ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا بِلَا عِوَضٍ صَحَّ؛ فَمَعَهُ أَوْلَى.
(وَمَنْ صَحَّ خُلْعُهُ) وَهُوَ الزَّوْجُ الَّذِي يَعْقِلُ الْخُلْعَ (صَحَّ تَوْكِيلُهُ وَوَكَالَتُهُ فِيهِ) كَسَائِرِ الْفُسُوخِ وَالْعُقُودِ (مِنْ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَذَكَرٍ وَأُنْثَى وَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَرَشِيدٍ وَمُفْلِسٍ) وَغَيْرِهِ (وَمَنْ) (وَكَّلَ فِي خَلْعِ امْرَأَتِهِ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُقَدِّرْ عِوَضًا؛ صَحَّ التَّوْكِيلُ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَالْمُسْتَحَبُّ النَّقْدَانِ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمُ مِنْ الْغَرَرِ وَأَسْهَلُ عَلَى الْوَكِيلِ (فَخَالَعَ) الْوَكِيلُ زَوْجَةَ مُوَكِّلِهِ (بِ) عِوَضٍ (أَنْقَصَ مِنْ مَهْرِهَا) (صَحَّ وَضَمِنَ) الْوَكِيلُ (النَّقْصَ) مِنْ مَهْرِهَا، وَصَحَّ الْخُلْعُ لِانْصِرَافِ الْإِذْنِ إلَى إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ الْبُضْعِ بِالْعِوَضِ الْمُقَدَّرِ شَرْعًا وَهُوَ مَهْرُهَا، فَإِذَا أَزَالَهُ بِأَقَلَّ مِنْهُ، ضَمِنَ النَّقْصَ كَالْوَكِيلِ الْمُطْلَقِ فِي الْبَيْعِ إذَا بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ (وَإِنْ عَيَّنَ) زَوْجٌ (لَهُ) أَيْ الْوَكِيلِ (الْعِوَضَ) كَأَنْ قَالَ اخْلَعْهَا عَلَى عَشَرَةٍ (فَنَقَصَ مِنْهُ) كَأَنْ خَلَعَهَا عَلَى تِسْعَةٍ (لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ) لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِيهِ بِشَرْطِ مَا قَدَّرَهُ مِنْ الْعِوَضِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الْمُقَدَّرُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ، فَيُشْبِهُ خُلْعَ الْفُضُولِيِّ (وَإِنْ زَادَ مَنْ وَكَّلَتْهُ) أَيْ: الزَّوْجَةُ فِي خُلْعِهَا (وَأَطْلَقَتْ) بِأَنْ لَمْ تُقَدِّرْ لَهُ عِوَضًا (عَلَى مَهْرِهَا) أَوْ زَادَ (مَنْ عَيَّنَتْ لَهُ الْعِوَضَ) عَلَى مَا عَيَّنَتْ لَهُ (صَحَّ الْخُلْعُ) فِيهِمَا (وَلَزِمَتْهُ) أَيْ: الْوَكِيلَ (الزِّيَادَةُ) لِأَنَّ الزَّوْجَةَ رَضِيَتْ بِدَفْعِ الْعِوَضِ الَّذِي يُمْلَكُ الْخُلْعُ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، أَوْ بِالْقَدْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مَعَ التَّقْدِيرِ وَالزِّيَادَةُ
стр. 3401
لَازِمَةٌ لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهَا عِوَضٌ بَذَلَهُ فِي الْخُلْعِ؛ فَصَحَّ مِنْهُ (وَلَزِمَهُ) ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا (وَإِنْ خَالَفَ) وَكِيلُ الزَّوْجِ أَوْ وَكِيلُ الزَّوْجَةِ (جِنْسًا) بِأَنْ وُكِّلَ أَنْ يُخَالِعَ عَلَى نَقْدٍ، فَخَالَعَ عَلَى عِوَضٍ (أَوْ) بِالْعَكْسِ، أَوْ خَالَفَ (حُلُولًا) بِأَنْ وُكِّلَ أَنْ يُخَالِعَ عَلَى نَقْدٍ، بِمِائَةٍ حَالَّةٍ فَخَالَعَ عَلَى مِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ (أَوْ) خَالَفَ (نَقْدَ الْبَلَدِ) .
بِأَنْ وُكِّلَ أَنْ يُخَالِعَ بِمِائَةٍ، فَخَالَعَ بِمِائَةٍ مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ (لَمْ يَصِحَّ) الْخُلْعُ؛ لِلْمُخَالَفَةِ (إلَّا وَكِيلُهُمَا) إذَا خَالَفَ (حُلُولًا، فَأَجَّلَ) فَيَصِحُّ (وَيَتَّجِهُ) (أَوْ) أَيْ: وَإِلَّا (وَكِيلُهُ) أَيْ: الزَّوْجِ إذَا خَالَفَ (مُؤَجَّلًا فَعَجَّلَ) فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ وَكَّلَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ (وَاحِدًا) فَلَهُ أَنْ (يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ كَنِكَاحٍ) وَبَيْعٍ (وَلَا يَسْقُطُ بَيْنَ مُتَخَالِعَيْنِ) مِنْ حُقُوقِ نِكَاحٍ كَمَهْرٍ وَنَفَقَةٍ (أَوْ غَيْرِهِ) كَقَرْضٍ (بِسُكُوتٍ عَنْهُمَا) حَالَ خُلْعٍ، فَيَتَرَاجَعَانِ بِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْحُقُوقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ؛ فَلَا يَسْقُطُ بِلَفْظِ الْخُلْعِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (فَلَا تَسْقُطُ مُتْعَةُ مُفَوِّضَةٍ) خُولِعَتْ (وَلَا) تَسْقُطُ (نَفَقَةُ عِدَّةِ حَامِلٍ وَلَا بَقِيَّةُ مَا خُولِعَ عَلَى بَعْضِهِ) كَسَائِرِ الْفُسُوخِ وَكَالْفُرْقَةِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ.
[فَرْعٌ الْخُلْعُ حِيلَةً لِإِسْقَاطِ يَمِينِ طَلَاقٍ]
(فَرْعٌ يَحْرُمُ الْخُلْعُ حِيلَةً لِإِسْقَاطِ يَمِينِ طَلَاقٍ وَيَتَّجِهُ أَوْ) أَيْ: وَيَحْرُمُ الْخُلْعُ حِيلَةً لِأَجْلِ إسْقَاطِ (تَعْلِيقِهِ) أَيْ: الطَّلَاقِ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا إذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَلَعَهَا قَبْلَ قُدُومِهِ حِيلَةً لِإِسْقَاطِ تَعْلِيقٍ؛ فَيَحْرُمُ كَسَائِرِ الْحِيَلِ، وَلَا يَقَعُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ بَطَّةَ، وَذَكَرَهُ عَنْ الْآجُرِّيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَالْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ " وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " الِانْتِصَارِ " وَقَالَ هُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا؛ وَكَذَا قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي " الْمُغْنِي " هَذَا يُفْعَلُ حِيلَةً عَلَى إبْطَالِ الطَّلَاقِ
стр. 3402
الْمُعَلَّقِ، وَالْحِيَلُ خِدَاعٌ لَا تُحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ - تَعَالَى.
انْتَهَى.
أَقُولُ: إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَلَا فَائِدَةَ لِهَذَا الِاتِّجَاهِ بَعْدَ تَصْرِيحِ الْأَصْحَابِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
(وَلَا يَصِحُّ) أَيْ: لَا يَقَعُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: خُلْعُ الْحِيلَةِ لَا يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْفُرْقَةَ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ مِنْهُ بَقَاءُ الْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا، كَمَا فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، وَالْعَقْدُ لَا يُقْصَدُ بِهِ نَقِيضُ مَقْصُودِهِ (خِلَافًا " للرعايتين " " وَ " الْحَاوِي ") فِي قَوْلِهِمْ: وَيَحْرُمُ الْخُلْعُ حِيلَةً وَيَقَعُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَشَذَّ فِي الرِّعَايَةِ " فَذَكَرَهُ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْتُ: غَالِبُ النَّاسِ وَاقِعٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَيَسْتَعْمِلُهَا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، فَفِي هَذَا الْقَوْلِ فَرَجٌ لَهُمْ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَصَدَ الْمُحَلِّلُ التَّحْلِيلَ وَقَصَدَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَصْدًا مُحَرَّمًا كَبَيْعِ عَصِيرٍ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ، فَيُقَالُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَا قِيلَ فِي الْآخَرِ.
(وَفِي وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ: يُسْتَحَبُّ إعْلَامُ) الْمُفْتِي (الْمُسْتَفْتِيَ) أَيْ: طَالِبَ الْفُتْيَا (بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْمُفْتِي (إنْ كَانَ) الْمُسْتَفْتِي (أَهْلًا لِلرُّخْصَةِ كَطَالِبِ التَّخَلُّصِ مِنْ) الْوُقُوعِ فِي (الرِّبَا) وَلَمْ يَجِدْ لَهُ وَجْهًا فِي مَذْهَبِهِ (فَيَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَرَى التَّحَيُّلَ لِلْخَلَاصِ مِنْهُ) أَيْ: الرِّبَا (وَالْخُلْعِ) فَيُفْتِيهِ ذَلِكَ الْغَيْرُ بِصِحَّةِ الْخُلْعِ (وَعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ) لِئَلَّا يُضْطَرَّ فَيَقَعَ فِي الْمَحْظُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ إذْ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ بِحَيْثُ إنَّهُ يَعْتَقِدُ صَوَابَهُ وَخَطَأَ غَيْرِهِ، وَإِلَّا لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ، وَاَللَّهُ لَمْ يُكَلِّفْ عِبَادَهُ مَا لَا يُطِيقُونَهُ، وَإِنَّمَا جَعَلَ اخْتِلَافَ الْمَذَاهِبِ رَحْمَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ (وَ) مِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فُرُوعِهِ أَنَّ أُنَاسًا (جَاءُوا) الْإِمَامَ (أَحْمَدَ بِفَتْوَى) سَأَلُوهُ عَنْهَا (فَلَمْ تَكُنْ عَلَى مَذْهَبِهِ، فَقَالَ عَلَيْكُمْ بِحَلْقَةِ الْمَدَنِيِّينَ) فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ إذَا جَاءَهُ
стр. 3403
الْمُسْتَفْتِي، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبٍ لَهُ فِيهِ رُخْصَةٌ انْتَهَى.
تَتِمَّةٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَوْ اعْتَقَدَ الرَّجُلُ الْبَيْنُونَةَ بِخُلْعِ الْحِيلَةِ، ثُمَّ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ؛ فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ ظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً: أَنْتِ طَالِقٌ، فَبَانَتْ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ؛ فَتَبِينُ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ.
وَلَوْ خَالَعَ حِيلَةً وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا زَوَالَ النِّكَاحِ، وَلَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْخُلْعِ حِيلَةً؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ؛ فَبَانَ بِخِلَافِ ظَنِّهِ، فَيَحْنَثُ بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ.
قَالَ فِي " التَّفْتِيحِ ": وَغَالِبُ النَّاسِ وَاقِعٌ فِي ذَلِكَ، أَيْ: فِي الْخُلْعِ لِإِسْقَاطِ يَمِينِ الطَّلَاقِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَيُشْبِهُهُ مَنْ يَخْلَعُ الْأُخْتَ ثُمَّ يَتَزَوَّجُ أُخْتَهَا، ثُمَّ يَخْلَعُ الثَّانِيَةَ وَيُعِيدُ الْأُولَى، وَهَلُمَّ جَرًّا، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ: خُلْعُ الْحِيلَةِ لَا يَصِحُّ، وَقَوْلِهِمْ: وَالْحِيَلُ كُلُّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِزَوْجَتِهِ خَالَعْتكِ بِأَلْفٍ مَثَلًا فَأَنْكَرَتْهُ]
فَصْلٌ (إذَا قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (خَالَعْتكِ بِأَلْفٍ) مَثَلًا (فَأَنْكَرَتْهُ) أَيْ: الْخُلْعَ بَانَتْ بِإِقْرَارِهِ (وَ) تَحْلِفُ لِنَفْيِ الْعِلْمِ، أَوْ لَمْ تُنْكِرْ الْخُلْعَ لَكِنْ (قَالَتْ إنَّمَا خَالَعَكَ غَيْرِي؛ بَانَتْ) مِنْهُ بِإِقْرَارِهِ بِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ (وَتَحْلِفُ) الزَّوْجَةُ (لِنَفْيِ الْعِوَضِ) ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهَا (وَإِنْ أَقَرَّتْ) بِأَنَّهَا خَالَعَتْهُ (وَقَالَتْ ضَمِنَهُ) أَيْ: عِوَضَ الْخُلْعِ (غَيْرِي) ، لَزِمَهَا (أَوْ) قَالَتْ: عِوَضُ الْخُلْعِ (فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ: الْغَيْرِ (قَالَ) الزَّوْجُ (بَلْ فِي ذِمَّتِكِ؛ لَزِمَهَا) الْعِوَضُ؛ لِإِقْرَارِهَا بِالْخُلْعِ، وَدَعْوَاهَا أَنَّهُ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهَا، أَوْ أَنَّهُ ضَمِنَهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، مَا لَمْ يُصَدِّقْهَا الْغَيْرُ، فَإِنْ صَدَّقَهَا فِي أَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ؛ لَزِمَهُ الْغُرْمُ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِذَلِكَ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْمُتَخَالِعَانِ (فِي قَدْرِ عِوَضِهِ) أَيْ: الْخُلْعِ، بِأَنْ قَالَ خَالَعْتكِ بِأَلْفٍ، فَقَالَتْ بَلْ بِسَبْعِمِائَةٍ؛
стр. 3404
فَقَوْلُهَا، أَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِهِ - أَيْ الْعِوَضِ - بِأَنْ قَالَ خَالَعْتكِ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ، فَقَالَتْ بَلْ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ؛ فَقَوْلُهَا (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي (صِفَتِهِ) أَيْ: الْعِوَضِ، بِأَنْ قَالَ خَالَعْتكِ عَلَى عَشَرَةٍ صِحَاحٍ، فَقَالَتْ: بَلْ مُكَسَّرَةٍ؛ فَقَوْلُهَا (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي تَأْجِيلِهِ أَيْ: عِوَضِ الْخُلْعِ بِأَنْ قَالَ خَالَعْتكِ عَلَى مِائَةٍ حَالَّةٍ، فَقَالَتْ بَلْ مُؤَجَّلَةٍ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا) نَصًّا؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ لِلزَّائِدِ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ وَكَذَا إنْ اخْتَلِقَا فِي جِنْسِهِ؛ فَقَوْلُهَا؛ لِأَنَّهَا غَارِمَةٌ.
وَإِنْ قَالَ سَأَلْتنِي طَلْقَةً بِأَلْفٍ، فَقَالَتْ: بَلْ سَأَلْتُكِ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقْتَنِي وَاحِدَةً؛ بَانَتْ بِإِقْرَارِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي إسْقَاطِ الْعِوَضِ، وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى نَقْدٍ مُطْلَقًا؛ لَزِمَهَا مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا أَرَادَا دَرَاهِمَ رَائِجَةً؛ لَزِمَهَا مَا اتَّفَقَتْ إرَادَتُهُمَا عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِرَادَةِ فَمِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ.
(وَإِنْ عَلَّقَ) زَوْجٌ (طَلَاقَهَا) أَيْ زَوْجَتِهِ بِصِفَةٍ، (أَوْ) عَلَّقَ سَيِّدٌ (عِتْقَهُ) أَيْ قِنِّهِ (بِصِفَةٍ) كَقَوْلِهِ لَهَا: إنْ كَلَّمْتِ أَبَاكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَلِقِنِّهِ إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ، (ثُمَّ أَبَانَهَا) بِخُلْعٍ أَوْ بِطَلَاقٍ (وَلَوْ بِالثَّلَاثِ خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ) مِنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وَغَيْرُهُمَا (ثُمَّ تَزَوَّجَهَا) بَعْدَ أَنْ أَبَانَهَا (أَوْ اشْتَرَاهُ) بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ، (فَوُجِدَتْ الصِّفَةُ) بِأَنْ كَلَّمَتْ الْمَرْأَةُ أَبَاهَا وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ أَوْ فِي عِدَّةِ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ؛ أَوْ دَخَلَ الْقِنُّ الدَّارَ، وَهُوَ فِي مِلْكِهِ؛ (طَلُقَتْ) الزَّوْجَةُ (وَعَتَقَ) الْقِنُّ.
نَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الصِّفَةِ وَوُجُودَهَا وُجِدَا فِي النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ؛ فَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تُحَلِّلْهُ بَيْنُونَةٌ وَلَا بَيْعٌ (وَلَوْ كَانَتْ لِصِفَةٍ وُجِدَتْ حَالَ بَيْنُونَتِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (أَوْ) حَالَ (خُرُوجِهِ) أَيْ: الْقِنِّ (عَنْ مِلْكِهِ) إذْ لَا يُقَالُ إنَّ الصِّفَةَ انْحَلَّتْ بِفِعْلِهَا حَالَ الْبَيْنُونَةِ أَوْ زَوَالِ الْمِلْكِ ضَرُورَةَ أَنْ لَا تَقْتَضِيَ التَّكْرَارَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا انْحَلَّتْ عَلَى وَجْهٍ يَحْنَثُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَلٌّ وَعَقْدٌ
стр. 3405
وَالْعَقْدُ يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ، فَكَذَا الْحَلُّ، وَالْحِنْثُ لَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ الصِّفَةِ حَالَ الْبَيْنُونَةِ وَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ طَلُقَتْ بِذَلِكَ لَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِشَرْطٍ سَابِقٍ عَلَى النِّكَاحِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ دَخَلَتْ؛ لَمْ تَطْلُقْ، قِيلَ: الْفَرْقُ أَنَّ النِّكَاحَ الثَّانِيَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَوَّلِ فِي عَدَدِ الطَّلْقَاتِ وَسُقُوطِ اعْتِبَارِ الْعِدَّةِ فِيمَا إذَا أَبَانَهَا بِدُونِ الثَّلَاثِ، ثُمَّ أَعَادَهَا فِي عِدَّتِهَا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا وَكَذَا الْحُكْمُ (لَوْ قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (إنْ بِنْتِ مِنِّي ثُمَّ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَبَانَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا) قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
[كِتَابُ الطَّلَاقِ]
ِ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَقَوْلُهُ ﵊: «إنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» .
وَالْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَالَ رُبَّمَا فَسَدَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَيُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ؛ فَبَقَاؤُهُ إذَنْ مَفْسَدَةٌ مَحْضَةٌ بِلُزُومِ الزَّوْجِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى، وَحَبْسُ الْمَرْأَةِ مَعَ سُوءِ الْعِشْرَةِ وَالْخُصُومَةِ الدَّائِمَةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، فَشُرِعَ مَا يُزِيلُ النِّكَاحَ لِتَزُولَ الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْهُ.
وَالطَّلَاقُ مَصْدَر طَلَقَتْ - بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا - أَيْ: بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا، فَهِيَ طَالِقٌ، وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَهِيَ مُطَلَّقَةٌ. وَشَرْعًا (حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ، أَوْ حَلُّ بَعْضِهِ) أَيْ: بَعْضِ قَيْدِ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَاهُ لُغَةً؛ لِأَنَّ مَنْ حُلَّ قَيْدُ نِكَاحِهَا فَقَدْ خُلِّيَتْ؛ إذْ أَصْلُ الطَّلَاقِ التَّخْلِيَةُ، يُقَالُ: طَلَقَتْ النَّاقَةُ إذَا سَرَحَتْ حَيْثُ شَاءَتْ، وَحُبِسَ فُلَانٌ فِي السِّجْنِ طَلِقًا بِغَيْرِ قَيْدٍ.
стр. 3406
(وَيَحْرُمُ) الطَّلَاقُ (فِي نَحْوِ حَيْضٍ) كَنِفَاسٍ وَطُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ.
(وَيَجِبُ) الطَّلَاقُ (عَلَى مُولٍ لَمْ يَفِئْ بَعْدَ تَرَبُّصِ) أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ حَلِفٍ إذَا لَمْ يَطَأ لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ.
(وَيُكْرَهُ) الطَّلَاقُ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ؛ لِإِزَالَةِ النِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا، وَلِحَدِيثِ «أَبْغَضُ الْحَلَالِ عِنْدَ اللَّهِ الطَّلَاقُ» .
(وَيُبَاحُ) الطَّلَاقُ (عِنْدَهَا) أَيْ: الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَسُوءِ خُلُقِ الْمَرْأَةِ، وَالتَّضَرُّرِ بِهَا مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا.
(وَيُسَنُّ) الطَّلَاقُ (لِتَضَرُّرِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ بِاسْتِدَامَةِ (نِكَاحٍ) كَحَالِ الشِّقَاقِ، وَمَا يُحْوِجُ الْمَرْأَةَ إلَى الْمُخَالَعَةِ لِيُزِيلَ ضَرَرَهَا (وَ) يُسَنُّ الطَّلَاقُ أَيْضًا (لِتَرْكِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (نَحْوَ صَلَاةٍ وَعِفَّةٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ جَبْرُهَا) عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَنْبَغِي لَهُ إمْسَاكُهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا لِدَيْنِهِ، وَلَا يَأْمَنُ إفْسَادَهَا فِرَاشَهُ وَإِلْحَاقَهَا بِهِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ (وَعَنْهُ) أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (يَجِبُ) الطَّلَاقُ (لَتَرْكِهَا عِفَّةً وَلِتَفْرِيطِهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ) تَعَالَى الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (إذَا كَانَتْ تَزْنِي) لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، بَلْ (يُفَارِقَهَا، وَإِلَّا كَانَ دَيُّوثًا) انْتَهَى.
وَوَرَدَ: «لَعَنَ اللَّهُ الدَّيُّوثَ» وَاللَّعْنُ مِنْ عَلَامَاتِ الْكَبِيرَةِ، فَلِهَذَا وَجَبَ الْفِرَاقُ، وَحَرُمَتْ الْعِشْرَةُ (وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عَضْلُهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ وَالتَّضْيِيقُ عَلَيْهَا لِتَفْتَدِي) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] (وَهِيَ) أَيْ: الزَّوْجَةُ (كَهُوَ) أَيْ: الزَّوْجِ (فَيُسَنُّ) لَهَا (أَنْ تَخْتَلِعَ) مِنْهُ (إنْ تَرَكَ حَقًّا لِلَّهِ) كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ (وَلَا تَجِبُ) عَلَى ابْنٍ (طَاعَةُ أَبَوَيْهِ وَلَوْ) كَانَا (عَدْلَيْنِ فِي طَلَاقِ) زَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَجِبُ عَلَى وَلَدٍ طَاعَةُ أَبَوَيْهِ (فِي مَنْعٍ مِنْ تَزْوِيجٍ نَصًّا) .
стр. 3407
(وَلَا يَصِحُّ) الطَّلَاقُ (إلَّا مِنْ زَوْجٍ) لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُمَيِّزًا (يَعْقِلُهُ) فَيَصِحُّ طَلَاقُهُ كَالْبَالِغِ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ؛ لِحَدِيثِ: «كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» .
وَعَنْ عَلِيٍّ اُكْتُمُوا الصِّبْيَانَ النِّكَاحَ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ فَائِدَتَهُ أَنْ لَا يُطَلِّقُوا، وَأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ عَاقِلٍ صَادَفَ مَحَلَّ الطَّلَاقِ، فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْبَالِغِ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْمُمَيِّزِ يَعْقِلُ الطَّلَاقَ (بِأَنْ يَعْلَمَ) الْمُمَيِّزُ (أَنَّ زَوْجَتَهُ تَبِينُ مِنْهُ) وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ إذَا طَلَّقَهَا (وَ) إلَّا (مِنْ وَكِيلِهِ) أَيْ: الزَّوْجِ الَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ الطَّلَاقُ وَ (إلَّا مِنْ حَاكِمٍ عَلَى مُولٍ) بَعْدَ التَّرَبُّصِ إنْ أَبَى الْفَيْئَةَ وَالطَّلَاقَ، وَيَصِحُّ الطَّلَاقُ مِنْ كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكُفَّارِ، وَمِنْ سَفِيهٍ، وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ، وَمِنْ عَبْدٍ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ مَقْصُودُهُ، وَيَصِحُّ الطَّلَاقُ أَيْضًا مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ.
[فَائِدَةٌ طَلَاقُ الْمُرْتَدِّ بَعْدَ الدُّخُولِ]
ِ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا وُقُوعَهُ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ أَوْ ارْتَدَّ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَطَلَاقُهُ بَاطِلٌ؛ لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ قَبْلَهُ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَتَزْوِيجُهُ أَيْضًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى بَاطِلٌ (وَتُعْتَبَرُ إرَادَةُ لَفْظِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَاهُ) أَيْ: لَا يُرِيدُ بِهِ غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إيقَاعِ شَيْءٍ بِهِ (فَلَا طَلَاقَ) وَاقِعٌ (لِفَقِيهٍ) أَيْ: عَلَيْهِ (يُكَرِّرُهُ) أَيْ الطَّلَاقَ لِلتَّعْلِيمِ، (وَ) لَا طَلَاقَ عَلَى (حَاكٍ) طَلَاقًا (وَلَوْ عَنْ نَفْسِهِ) أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مَعْنَاهُ، بَلْ التَّعْلِيمَ أَوْ الْحِكَايَةَ.
(وَ) طَلَاقُ (مُكْرَهٍ قَاصِدٍ دَفْعَ الْإِكْرَاهِ) وَيَأْتِي (وَلَا) عَلَى (مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ مِنْ) غَيْرِ قَصْدٍ (وَلَا) يَقَعُ الطَّلَاقُ (مِنْ نَائِمٍ) لَا مِنْ (زَائِلٍ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ بِرْسَامٍ) وَهُوَ وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ لِلْحِجَابِ الَّذِي بَيْنَ الْكَبِدِ وَالْأَمْعَاءِ ثُمَّ يَتَّصِلُ بِالدِّمَاغِ (أَوْ نَشَّافٍ) وَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِضَرْبِهِ نَفْسَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ كَسَرَ سَاقَ نَفْسِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا، وَلَوْ ضَرَبَتْ الْمَرْأَةُ بَطْنَهَا فَنَفِسَتْ؛ سَقَطَتْ عَنْهَا الصَّلَاةُ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِغَيْرِ سُكْرٍ مُحَرَّمٍ
стр. 3408
كَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ وَشُرْبِ الدَّوَاء الْمُزِيلِ لِلْعَقْلِ وَالْمَرَضِ؛ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» .
وَحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ قَوْلٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْعَقْلُ كَالْبَيْعِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَقَعُ طَلَاقٌ عَلَى مَنْ (سَكِرَ بِجَامِدٍ كَبَنْجٍ وَحَشِيشٍ) لِأَنَّهُ لَا لَذَّةَ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: قَصْدُ إزَالَةِ الْعَقْلِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ مُحَرَّمٌ، وَفَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ نَحْوِ أَكْلِ الْبَنْجِ، وَبَيْنَ السَّكْرَانِ، فَأَلْحَقَهُ بِالْمَجْنُونِ.
(وَيَقَعُ) طَلَاقُ (مَنْ أَفَاقَ مِنْ نَحْوِ جُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ فَذَكَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ) لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ الطَّلَاقَ، وَعَلِمَ بِهِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَاقِلًا حَالَ صُدُورِهِ مِنْهُ، فَلَزِمَهُ.
(وَ) يَقَعُ الطَّلَاقُ (مِمَّنْ غَضِبَ) وَلَمْ يَزُلْ عَقْلُهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فِي حَالِ غَضَبِهِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنْ كُفْرٍ وَقَتْلِ نَفْسٍ وَأَخْذِ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَطَلَاقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ ": مَا يَقَعُ مِنْ الْغَضْبَانِ مِنْ طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ أَوْ يَمِينٍ، فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ وَفِي نُسْخَةٍ بِذَلِكَ كُلِّهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ صَحِيحَةٍ مِنْهَا: حَدِيثُ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ الْآتِي فِي الظِّهَارِ، وَمِنْهُ «غَضِبَ زَوْجُهَا، فَظَاهَرَ مِنْهَا فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ، وَقَالَتْ: إنَّهُ لَمْ يُرِدْ الطَّلَاقَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا أَرَاك إلَّا حَرُمْتِ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا، فَفِي آخِرِهَا قَالَ «فَحَوَّلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ فَجَعَلَهُ ظِهَارًا» .
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمَا فِي ذَلِكَ وَأَطَالَ، وَذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ، وَقَوْلُهُ (خِلَافًا لِابْنِ الْقَيِّمِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ ابْنَ الْقَيِّمِ لَمْ يَقُلْ بِعَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقِ الْغَضْبَانِ مُطْلَقًا، بَلْ أَفْرَدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِرِسَالَةٍ سَمَّاهَا " إغَاثَةَ اللَّهْفَانِ فِي حُكْمِ طَلَاقِ الْغَضْبَانِ "
стр. 3409
وَفَصَّلَ فِيهَا، فَقَالَ: الْغَضَبُ ثَلَاثَةُ أَقَسَامً: أَحَدُهَا: أَنْ يَحْصُلَ لِلْإِنْسَانِ مَبَادِئُهُ وَأَوَائِلُهُ بِحَيْثُ لَا يَتَغَيَّرُ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وَلَا ذِهْنُهُ، وَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ، وَيَقْصِدُهُ؛ فَهَذَا الْإِشْكَالُ فِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ وَعِتْقِهِ وَصِحَّةِ عُقُودِهِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ بَعْدَ تَرَدُّدِ فِكْرِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَبْلُغَ بِهِ الْغَضَبُ نِهَايَتَهُ بِحَيْثُ يَنْغَلِقُ عَلَيْهِ بَابُ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ؛ فَلَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ وَلَا يُرِيدُهُ، فَهَذَا لَا يَتَوَجَّهُ خِلَافٌ فِي عَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقِهِ، وَالْغَضَبُ غُفُولُ الْعَقْلِ، فَإِذَا اغْتَالَ الْغَضَبُ عَقْلَهُ حَتَّى لَمْ يَعْلَمْ مَا يَقُولُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنَّ أَقْوَالَ الْمُكَلَّفِ إنَّمَا تَنْفُذُ مَعَ عِلْمِ الْقَائِلِ بِصُدُورِهَا مِنْهُ وَمَعْنَاهَا وَإِرَادَتِهِ لِلتَّكَلُّمِ، فَالْأَوَّلُ يَخْرُجُ مِنْ النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُبَرْسَمِ وَالْغَضْبَانِ، وَالثَّانِي يَخْرُجُ مِمَّنْ تَكَلَّمَ بِاللَّفْظِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ لَا يَلْزَمُ مُقْتَضَاهُ، وَالثَّالِثُ يَخْرُجُ مِمَّنْ تَكَلَّمَ بِهِ مُكْرَهًا وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِمَعْنَاهُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ تَوَسَّطَ فِي الْغَضَبِ بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ، فَتَعَدَّى مَبَادِئَهُ، وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى آخِرِهِ بِحَيْثُ صَارَ كَالْمَجْنُونِ، فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ، وَمَحَلُّ النَّظَرِ، وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نُفُوذِ طَلَاقِهِ وَعِتْقِهِ وَعُقُودِهِ الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيهَا الِاخْتِيَارُ وَالرِّضَا، وَهُوَ فَرْعٌ مِنْ الْإِغْلَاقِ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ الْأَئِمَّةُ انْتَهَى.
وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ لِخِلَافِ ابْنِ الْقَيِّمِ فِي هَذَا الْقِسْمِ الثَّالِثِ مَعَ أَنَّ ابْنَ الْقَيِّمِ لَمْ يَجْزِمْ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ فِي هَذَا الْقِسْمِ غَيْرَ أَنَّهُ مَالَ إلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أَقْسَامٍ أَيْضًا فِي " الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ " بِاخْتِصَارِ وَأَمَّا فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ فَقَدْ أَطَالَ وَأَكْثَرَ فِيهَا مِنْ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ.
وَقَالَ: وَأَمَّا الِاعْتِبَارُ وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ فَمِنْ وُجُوهٍ وَسَاقَ لَهَا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَجْهًا.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ مَنْ غَضِبَ حَتَّى أُغْمِيَ أَوْ أُغْشِيَ عَلَيْهِ؛ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ بِلَا رَيْبٍ.
(أَوْ) أَيْ: يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى مَنْ (شَرِبَ طَوْعًا عَالِمًا) بِالتَّحْرِيمِ
стр. 3410
(مُسْكِرًا مَائِعًا) أَخْرَجَ الْحَشِيشَةَ وَنَحْوَهَا (بِلَا حَاجَةِ غُصَّةٍ) أَمَّا إذَا غُصَّ بِلُقْمَةٍ فَلَهُ دَفْعُهَا (وَلَوْ خَلَطَ فِي كَلَامِهِ أَوْ سَقَطَ تَمْيِيزُهُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ) فَلَا يَعْرِفُ مَتَاعَهُ مِنْ مَتَاعِ غَيْرِهِ، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا الذَّكَرَ مِنْ الْأُنْثَى (وَيُؤَاخَذُ) السَّكْرَانُ الَّذِي يَقَعُ طَلَاقُهُ (بِسَائِرِ أَقْوَالِهِ) وَأَفْعَالِهِ (وَبِكُلِّ فِعْلٍ يُعْتَبَرُ لَهُ الْعَقْلُ فِيمَا عَلَيْهِ كَإِقْرَارٍ وَقَذْفٍ وَظِهَارٍ وَإِيلَاءٍ وَسَرِقَةٍ وَزِنًا وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَوَقْفٍ وَعَارِيَّةٍ وَقَبْضِ أَمَانَةٍ وَإِسْلَامٍ وَرِدَّةٍ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ جَعَلُوهُ كَالصَّاحِي بِالْحَدِّ فِي الْقَذْفِ وَلِأَنَّهُ فَرَّطَ بِإِزَالَةِ عَقْلِهِ فِيمَا يُدْخِلُ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى غَيْرِهِ؛ فَأَلْزَم عَلَى حُكْمِ تَفْرِيطِهِ عُقُوبَةً لَهُ، وَ (لَا) يُؤَاخَذُ (فِيمَا لَهُ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فِعْلٌ يَعُودُ إلَيْهِ نَفْعُهُ (كَوُقُوفٍ وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ) ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَالسَّكْرَانُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا (قَالَ جَمَاعَةٌ) مِنْ الْأَصْحَابِ (لَا تَصِحُّ عِبَادَةُ السَّكْرَانِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى يَتُوبَ) لِلْخَبَرِ: وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْحَشِيشَةُ الْخَبِيثَةُ كَالْبَنْجِ.
وَأَبُو الْعَبَّاسِ يَرْوِي أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ حَتَّى فِي إيجَابِ الْحَدِّ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَنْجِ بِأَنَّهَا تُشْتَهَى وَتُطْلَبُ؛ فَهِيَ كَالْخَمْرِ، بِخِلَافِ الْبَنْجِ، فَالْحُكْمُ عِنْدَهُ مَنُوطٌ بِاشْتِهَاءِ النَّفْسِ وَطَلَبِهَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ " " بِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ مِنْ حَيْثُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ عَلَى خِلَافِهِ.
(وَلَا يَقَعُ) طَلَاقٌ (مِنْ مُكْرَهٍ شَرِبَ) مُسْكِرًا (وَلَمْ يَأْثَمْ) بِشُرْبِهِ، هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَالْمَعْذُورُ بِالسُّكْرِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ (بِخِلَافِ مُكْرَهٍ عَلَى) شُرْبِ (يَسِيرٍ) مِنْ الْمُسْكِرِ (فَشَرِبَ) مِنْهُ (كَثِيرًا) فَيَقَعُ طَلَاقُهُ كَالْمُخْتَارِ؛ لِمَا يَجِدُ مِنْ اللَّذَّةِ (وَلَا) يَقَعُ طَلَاقٌ (مِمَّنْ أُكْرِهَ) عَلَى الطَّلَاقِ (ظُلْمًا) لِلْخَبَرِ (لَا بِحَقٍّ) فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ (كَ) حَاكِمٍ يُكْرِهُ (فِي) نِكَاحٍ (فَاسِدٍ وَإِيلَاءٍ) بَعْدَ التَّرَبُّصِ، وَأَبَى الْفَيْئَةَ فَإِنَّهُ يَقَعُ (بِعُقُوبَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِإِكْرَاهٍ (أَوْ إخْرَاجِهِ مِنْ دِيَارِهِ أَوْ تَهْدِيدٍ لَهُ، أَوْ لِوَلَدِهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَّجِهُ أَوْ لِوَالِدِهِ) وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ
стр. 3411
وُقُوعُ مَا هُدِّدَ بِهِ، وَعَجْزُهُ عَنْ دَفْعِهِ وَالْهَرَبِ مِنْهُ وَالِاخْتِفَاءِ؛ فَهُوَ إكْرَاهٌ لَا يَقَعُ مَعَهُ طَلَاقٌ (وَفِي " الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ " وَيَتَوَجَّهُ تَعَدِّيهِ إلَى كُلِّ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً مِنْ وَالِدٍ وَزَوْجَةٍ) وَيُشْتَرَطُ حُصُولُ الْإِكْرَاهِ (مِنْ قَادِرٍ بِسَلْطَنَةٍ أَوْ تَغَلُّبٍ كَلِصٍّ) وَقَاطِعِ طَرِيقٍ (بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ أَوْ ضَرْبٍ) شَدِيدٍ (أَوْ حَبْسٍ) أَوْ قَيْدٍ طَوِيلَيْنِ (أَوْ أَخْذِ مَالٍ يَضُرُّهُ) أَخْذُهُ مِنْهُ ضَرَرًا (كَثِيرًا فِي الْكُلِّ) أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ (وَ) يُشْتَرَطُ غَلَبَةُ (ظَنِّ إيقَاعِهِ) أَيْ: مَا هَدَّدَهُ بِهِ مِمَّا ذُكِرَ (وَلَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ بِنَحْوِ هَرَبٍ وَاخْتِفَاءٍ، فَطَلَّقَ تَبَعًا لِقَوْلِهِ) أَيْ: الْمُكْرِهِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يُلْزِمُهُ اللُّصُوصُ فَطَلَّقَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «لَا طَلَاقَ وَلَا عِتْقَ فِي إغْلَاقٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
وَالْإِغْلَاقُ الْإِكْرَاهُ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ مُغْلَقٌ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ مَضِيقٌ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفِهِ، كَمَنْ أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابٌ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِلَا حَقٍّ أَشْبَهَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ (بَلْ يَجِبُ طَلَاقُهُ إنْ هَدَّدَهُ بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ) قَادِرٌ (وَ) غَلَبَ عَلَى (ظَنِّهِ) إيقَاعُ ذَلِكَ (مِنْهُ) إنْ لَمْ يُطَلِّقْ؛ لِئَلَّا يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا.
وَرَوَى سَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ تَدَلَّى فِي حَبْلٍ لِيَشْتَارَ عَسَلًا، فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ، فَجَلَسَ عَلَى الْحَبْلِ، فَقَالَتْ لَهُ: لِتُطَلِّقْهَا ثَلَاثًا، وَإِلَّا قَطَعَتْ الْحَبْلَ، فَذَكَرَ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، فَأَبَتْ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ خَرَجَ إلَى عُمَرَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ ارْجِعْ إلَى أَهْلِكَ؛ فَلَيْسَ هَذَا طَلَاقًا (وَكَمُكْرَهٍ) ظُلْمًا فِي عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ (مَنْ سُحِرَ لِيُطَلِّقَ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: بَلْ هُوَ مِنْ أَعْظَمُ الْإِكْرَاهَاتِ (إذَا بَلَغَ بِهِ السِّحْرُ إلَى أَنْ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ إذَنْ (وَضَرْبٌ يَسِيرٌ) فِي حَقٍّ لَا يُبَالِي بِهِ (لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ إلَّا لِذِي مُرُوءَةٍ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ إخْرَاقًا) أَيْ: إهَانَةً لِصَاحِبِهِ وَغَضَاضَةً (وَشُهْرَةً) فِي
стр. 3412
حَقِّهِ فَهُوَ كَالضَّرْبِ الْكَثِيرِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ (قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: وَلَا يَكُونُ) السَّبُّ وَلَا (الشَّتْمُ وَلَا الْإِخْرَاقُ وَأَخْذُ الْمَالِ الْيَسِيرِ إكْرَاهًا) لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَسِيرٌ.
قَالَ الْقَاضِي: الْإِكْرَاهُ يَخْتَلِفُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ (وَيَنْبَغِي لِمُكْرَهٍ) عَلَى طَلَاقٍ (التَّأْوِيلُ) فَيَنْوِي بِقَلْبِهِ عَلَى غَيْرِ امْرَأَتِهِ، أَوْ يَنْوِي بِطَلَاقٍ مِنْ عَمَلٍ؛ وَبِثَلَاثٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْقَعَ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ إذَا لَمْ يَتَأَوَّلْ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعْلَمُ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ، وَهُوَ أَدْرَى بِهَا (فَإِنْ قَصَدَ إيقَاعَهُ) أَيْ: الطَّلَاقِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ (دُونَ دَفْعِ إكْرَاهٍ) عَنْهُ؛ وَقَعَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَهُ وَاخْتَارَهُ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَظُنَّ إيقَاعَ مَا هُدِّدَ بِهِ، أَوْ أَمْكَنَهُ التَّخَلُّصُ مِنْ الْإِكْرَاهِ بِنَحْوِ هَرَبٍ أَوْ اخْتِفَاءٍ أَوْ دَفْعِ إكْرَاهٍ، (أَوْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِ مُعَيَّنَةٍ) مِنْ نِسَائِهِ كَفَاطِمَةَ (فَطَلَّقَ غَيْرَهَا) كَخَدِيجَةَ وَقَعَ بِهَا طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَى طَلَاقِهَا (أَوْ) أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ (طَلْقَةً) وَاحِدَةً (فَطَلَّقَ أَكْثَرَ) مِنْ طَلْقَةٍ (وَقَعَ) طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: فَظَاهِرُهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ، فَطَلَّقَ ثَلَاثًا؛ لَمْ يَقَعْ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِيقَاعَ دُونَ دَفْعِ الْإِكْرَاهِ وَ (لَا) يَقَعُ طَلَاقُهُ (إنْ أُكْرِهَ عَلَى) طَلَاقِ (مُبْهَمَةٍ) مِنْ نِسَائِهِ (فَطَلَّقَ) وَاحِدَةً (مُعَيَّنَةً) مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ الْمُبْهَمَةَ الَّتِي أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِهَا، تُحَقَّقُ فِي الْمُعَيَّنَةِ، فَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ (أَوْ تَرَكَ التَّأْوِيلَ، وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ) لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ (أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى نَحْوِ عِتْقٍ) كَظِهَارٍ (وَ) عَلَى (يَمِينٍ) بِاَللَّهِ (كَ) إكْرَاهٍ (عَلَى طَلَاقٍ) فَلَا يُؤَاخَذُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي حَالٍ لَا يُؤَاخَذُ فِيهَا بِالطَّلَاقِ، وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ الْوَعِيدُ إكْرَاهًا لَكُنَّا مُكْرَهِينَ عَلَى الْعِبَادَاتِ فَلَا ثَوَابَ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّنَا مُكْرَهُونَ، وَالثَّوَابُ بِفَضْلِهِ لَا مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، ثُمَّ الْعِبَادَاتُ تُفْعَلُ لِلرَّغْبَةِ.
ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " (وَيَقَعُ) الطَّلَاقُ بَائِنًا (وَلَا يُسْتَحَقُّ عِوَضٌ سُئِلَ) الْمُطَلَّقُ (عَلَيْهِ فِي نِكَاحٍ قِيلَ) أَيْ: قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ (بِصِحَّتِهِ كَبِلَا وَلِيٍّ أَوْ شَهَادَةِ فَاسِقٍ وَنِكَاحِ مُحَلِّلٍ وَ) نِكَاحِ، (شِغَارٍ وَعِدَّةِ زِنًا) وَنِكَاحِ الْأُخْتِ
стр. 3413
فِي عِدَّةِ أُخْتهَا الْبَائِنِ، وَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ، وَنِكَاحٍ بِلَا شُهُودٍ (وَلَا يَرَاهَا) أَيْ: الصِّحَّةَ (مُطَلِّقٌ) أَوْ كَانَ يَرَاهَا.
نَصَّ عَلَى وُقُوعِهِ أَحْمَدُ كَبَعْدِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِصِحَّتِهِ إذَا كَانَ يَرَاهَا، فَيَصِيرُ كَالصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَيَقَعُ رَجْعِيًّا، وَيَسْتَحِقُّ عِوَضًا سُئِلَ عَلَيْهِ، وَالْحَاكِمُ إنَّمَا يَكْشِفُ خَافِيًا أَوْ يُنَفِّذُ وَاقِعًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إزَالَةُ مِلْكٍ بُنِيَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ، فَجَازَ أَنْ يَنْفُذَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي نُفُوذِهِ إسْقَاطُ حَقِّ الْغَيْرِ كَالْعِتْقِ يَنْفُذُ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ بِالْأَدَاءِ كَمَا يَنْفُذُ فِي الصَّحِيحَةِ.
(وَلَا يَكُونُ) الطَّلَاقُ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ (بِدْعِيًّا فِي حَيْضٍ) فَيَجُوزُ فِيهِ وَلَا يُسَمَّى طَلَاقَ بِدْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا تَجُوزُ اسْتِدَامَتُهُ كَابْتِدَائِهِ، وَيَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِي صِحَّتِهِ النَّسَبُ إنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ، وَالْعِدَّةُ إنْ دَخَلَ بِهَا وَخَلَا بِهَا، وَالْمَهْرُ الْمُسَمَّى إنْ دَخَلَ بِهَا كَالصَّحِيحِ، وَيَسْقُطُ أَيْضًا بِهِ الْحَدُّ، وَ (لَا) يَصِحُّ (خُلْعٌ) فِيهِ (لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعِوَضِ) لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا بِلَا عِوَضٍ: فَلَا يَسْتَحِقُّ عِوَضًا بِبَذْلِهِ، لِأَنَّهُ لَا مُقَابِلَ لِلْعِوَضِ.
وَ (لَا) يَقَعُ طَلَاقٌ (فِي) نِكَاحٍ (بَاطِلٍ إجْمَاعًا) كَنِكَاحِ مُعْتَدَّةٍ وَخَامِسَةٍ (وَلَا فِي نِكَاحِ فُضُولِيٍّ قَبْلَ إجَازَتِهِ) وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ يَنْفُذُ بِهَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ إلَّا إنْ حُكِمَ بِصِحَّتِهِ مِمَّنْ يَرَاهُ فَيَصِيرُ كَالصَّحِيحِ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ.
(وَيَصِحُّ عِتْقٌ فِي شِرَاءٍ فَاسِدٍ) أَيْ: مُخْتَلَفٍ فِيهِ؛ فَيَنْفُذُ، وَيَضْمَنُهُ مُعْتِقُهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ عِتْقٍ مَعَ ضَمَانِ نَقْصِهِ وَأُجْرَتِهِ إلَى حِينِ الْعِتْقِ.
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ) قَوِيٌّ فِي الْأُولَى (وَيُجْزِئُ) عِتْقُ قِنٍّ مُلِكَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (فِي كَفَّارَةِ) نَحْوِ ظِهَارٍ، (وَ) يُجْزِئُ عِتْقُ أَمَةٍ فِي (صَدَاقٍ) كَذَا قَالَ، أَمَّا كَوْنُهُ يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ فَظَاهِرٌ مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يُجْزِئُ فِي صَدَاقٍ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ.
قَالَ فِي " حَاشِيَةِ الْخَلْوَتِيِّ " وَبِخَطِّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ شَيْخُنَا: وَإِنْ قَالَ لِمَنْ اشْتَرَاهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ
стр. 3414
أَعْتَقْتُكِ، وَجَعَلْت عِتْقَكِ صَدَاقَكِ؛ صَحَّ الْعِتْقُ وَلَوْ لَمْ يُبَحْ لَهُ نِكَاحُهَا وَهُوَ الْوَرَعُ؛ لِأَنَّا إنَّمَا صَحَّحْنَا الْعِتْقَ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَيْهِ، وَأَمَّا النِّكَاحُ فَلِأَنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَهُوَ نَفْسُهُ لَا يُبِيحُ الْوَطْءَ كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ أَيْضًا.
[فَصْلٌ مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ مِنْ بَالِغٍ وَمُمَيِّزٍ يَعْقِلُهُ صَحَّ تَوْكِيلُهُ وَتَوَكُّلُهُ فِيهِ]
فَصْلٌ (وَمَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ) مِنْ بَالِغٍ وَمُمَيِّزٍ يَعْقِلُهُ (صَحَّ تَوْكِيلُهُ فِيهِ وَ) صَحَّ (تَوَكُّلُهُ) فِيهِ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ تَصَرُّفُهُ فِي شَيْءٍ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِيهِ؛ صَحَّ تَوْكِيلُهُ وَتَوَكُّلُهُ فِيهِ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إزَالَةُ مِلْكٍ فَجَازَ التَّوَكُّلُ وَالتَّوْكِيلُ فِيهِ كَالْعِتْقِ (وَلَوْ) كَانَ الْوَكِيلُ فِي الطَّلَاقِ (امْرَأَةً) لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَوْكِيلُهَا فِي طَلَاقِ غَيْرِهَا، فَكَذَا فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا.
(وَلِوَكِيلٍ لَمْ يُحَدَّ لَهُ حَدٌّ) أَيْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ مُوَكِّلُهُ وَقْتًا لِلطَّلَاقِ (أَنْ يُطَلِّقَ مَتَى شَاءَ) كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ حَدَّ لَهُ حَدًّا كَأَنْ يَقُولَ لَهُ: طَلِّقْهَا الْيَوْمَ أَوْ نَحْوَهُ؛ فَلَا يَمْلِكُهُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَثْبُتُ لَهُ الْوَكَالَةُ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْمُوَكِّلِ، وَ (لَا) يُطَلِّقُ وَكِيلٌ عَنْ مُوَكِّلِهِ (وَقْتَ بِدْعَةٍ) مِنْ حَيْضٍ أَوْ طُهْرٍ وُطِئَ فِيهِ، فَإِنْ فَعَلَ حَرُمَ (وَيَقَعُ) الطَّلَاقُ مِنْهُ كَمَا يَقَعُ مِنْ الْمُوَكِّلِ إذَا طَلَّقَ زَمَنَ بِدْعَةٍ.
قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُوَفَّقِ.
وَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ مَتَى شَاءَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي
стр. 3415
الْإِقْنَاعِ " وَ (لَا) يُطَلِّقُ الْوَكِيلُ الْمُطْلَقُ (أَكْثَرَ مِنْ) طَلْقَةٍ (وَاحِدَةٍ) لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ (إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ) الْمُوَكِّلُ (لَهُ) فَإِنْ جَعَلَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ (بِلَفْظٍ) مَلَكَهُ (أَوْ نِيَّةٍ) مَلَكَهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِهَا.
(وَلَا يَمْلِكُ) وَكِيلٌ (بِإِطْلَاقِ) مُوَكِّلٍ فِي طَلَاقٍ (تَعْلِيقًا) أَيْ: أَنْ يُعَلِّقَ الطَّلَاقَ عَلَى شَرْطٍ (فَإِنْ عَلَّقَهُ لَمْ يَقَعْ) لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ لَفْظًا وَلَا عُرْفًا.
(وَمَنْ وُكِّلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (فِي ثَلَاثِ) طَلْقَاتٍ (فَوَحَّدَ) أَيْ: فَطَلَّقَ طَلْقَةً وَاحِدَةً؛ وَقَعَتْ؛ لِدُخُولِهَا فِي ضِمْنِ الْمَأْذُونِ فِيهِ (أَوْ) وُكِّلَ فِي طَلْقَةٍ (وَاحِدَةٍ فَثَلَّثَ) أَيْ: فَطَلَّقَ ثَلَاثًا (فَ) يَقَعُ طَلْقَةً (وَاحِدَةً) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ الْمَأْذُونُ فِيهَا دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي ضِمْنِ الثَّلَاثِ فَتَقَعُ.
(وَإِنْ وَكَّلَ) زَوْجٌ فِي طَلَاقٍ وَكِيلَيْنِ (اثْنَيْنِ؛ لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا) بِالطَّلَاقِ؛ وَلِأَنَّ الْمُوَكِّلَ إنَّمَا رَضِيَ بِتَصَرُّفِهِمَا جَمِيعًا (إلَّا بِإِذْنٍ) مِنْ الْمُوَكِّلِ؛ فَيَصِحُّ انْفِرَادُ مَنْ أُذِنَ لَهُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُوَكِّلِ فِي ذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وَيَقَعُ بِطَلَاقِ مُتَأَخِّرٍ) مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَيْرُ مَأْذُونٍ عَلَى انْفِرَادِهِ، فَلَمَّا طَلَّقَ الْأَوَّلُ وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى طَلَاقِ الثَّانِي، وَلَمَّا طَلَّقَ الثَّانِي صَدَقَ عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا أَوْقَعًا طَلَاقًا قَدْ أَذِنَ لَهُمَا الْمُوَكِّلُ فِيهِ، فَوَقَعَ كَمَا لَوْ أَوْقَعَاهُ مَعًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ وُكِّلَا) أَيْ: وَكَّلَ الزَّوْجُ اثْنَيْنِ (فِي) طَلَاقِ (ثَلَاثٍ فَطَلَّقَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ (أَكْثَرَ مِنْ) الْوَكِيلِ (الْآخَرِ) بِأَنْ طَلَّقَ أَحَدُهُمَا
стр. 3416
وَاحِدَةً وَالْآخَرُ ثِنْتَيْنِ، أَوْ طَلَّقَ أَحَدُهُمَا ثِنْتَيْنِ وَالْآخَرُ ثَلَاثًا (وَقَعَ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ) وَهُوَ وَاحِدَةٌ فِي الْأُولَى كَمَا لَوْ جَعَلَ إلَيْهِمَا وَاحِدَةً، وَيَقَعُ ثِنْتَانِ فِي الثَّانِيَةِ، لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ؛ فَصَحَّ، دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا بِلَا إذْنٍ.
(وَ) إنْ قَالَ لَهَا (طَلِّقِي نَفْسَكِ كَانَ لَهَا ذَلِكَ) أَيْ: طَلَاقُ نَفْسِهَا (مُتَرَاخِيًا كَوَكِيلٍ) غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَالْإِطْلَاقِ.
(وَيَبْطُلُ) تَوْكِيلُ زَوْجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فِي طَلَاقِهَا (بِرُجُوعٍ) أَيْ: بِرُجُوعِ زَوْجٍ عَنْهُ، وَبِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَوَطْءٍ؛ لِأَنَّهُ عَزْلٌ أَشْبَهَ عَزْلَ سَائِرِ الْوُكَلَاءِ (وَلَا تَمْلِكُ؟) زَوْجَةٌ بِهِ أَيْ: بِقَوْلِ زَوْجِهَا لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ (أَكْثَرَ مِنْ) طَلْقَةٍ (وَاحِدَةٍ) لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ (إلَّا إنْ جَعَلَهُ) أَيْ: الْأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ (لَهَا) فَتَمْلِكُ مَا جَعَلَهُ لَهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ، وَقَعَتْ؛ لِأَنَّهَا مَأْذُونَةٌ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، فَوَقَعَ الْمَأْذُونُ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ وَضَرَّاتِكِ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا فَقَطْ، وَإِنْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فَقَالَتْ: أَنَا طَالِقٌ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ؛ لَمْ تَطْلُقْ بِقُدُومِهِ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ انْصَرَفَ إلَى الْمُنَجَّزِ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُعَلَّقَ (وَتَمْلِكُ) زَوْجَةٌ (الثَّلَاثَ) أَيْ: أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثَةً (فِي) مَا إذَا قَالَ لَهَا زَوْجُهَا (طَلَاقُكِ بِيَدِكِ) لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ (وَ) تَمْلِكُ أَيْضًا الثَّلَاثَ فِي قَوْلِهِ لَهَا (وَكَّلْتُكِ فِيهِ) أَيْ: فِي طَلَاقِكِ، أَوْ فِي الطَّلَاقِ؛ لِمَا سَبَقَ فِي الْأُولَى، وَلِاقْتِرَانِهِ بِأَلْ الِاسْتِغْرَاقِيَّةِ فِي الثَّانِيَةِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (لَا قَوْلُهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (ذَلِكَ لِوَكِيلٍ) بِأَنْ قَالَ لَهُ: طَلَاقُ زَوْجَتِي بِيَدِكَ أَوْ وَكَّلْتُكَ فِي طَلَاقِهَا؛ فَلَا يَمْلِكُ بِهَذَا التَّوْكِيلِ طَلَاقَهَا ثَلَاثًا وَإِنَّمَا يَمْلِكُ وَاحِدَةً لَا غَيْرُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الزَّوْجُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ بِلَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ خَيَّرَ وَكِيلَهُ) مِنْ ثَلَاثٍ (أَوْ) خَيَّرَ (زَوْجَتَهُ مِنْ ثَلَاثٍ) بِأَنْ قَالَ
стр. 3417
لِوَكِيلِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ: اخْتَرْ أَوْ اخْتَارِي مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْت أَوْ شِئْت (مَلَكَا) أَنْ يُطَلِّقَا (ثِنْتَيْنِ فَأَقَلَّ) لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ؛ فَلَا يَسْتَوْعِبُ أَحَدُهُمَا الثَّلَاثَ.
(وَوَجَبَ عَلَى نَبِيّنَا) ﷺ : تَخْيِيرُ نِسَائِهِ وَتَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ.
[بَابُ سُنَّةِ الطَّلَاقِ وَبِدْعَتِهِ]
ِ أَيْ: إيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ، وَإِيقَاعُهُ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ.
(السُّنَّةُ لِمَرِيدِهِ) أَيْ: الطَّلَاقِ (إيقَاعُ) طَلْقَةٍ (وَاحِدَةٍ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا) أَيْ لَمْ يَطَأْهَا (فِيهِ) أَيْ: الطُّهْرِ (ثُمَّ يَدَعُهَا بِلَا تَطْلِيقِ) ثَانِيَةٍ (حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) مِنْ الْأُولَى؛ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ الطَّلَاقِ فِرَاقُهَا، وَقَدْ حَصَلَ بِالْأُولَى.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ. طَاهِرَاتٍ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ
(إلَّا) طَلَاقًا (فِي طُهْرٍ مُتَعَقِّبٍ لِرَجْعَةٍ مِنْ طَلَاقٍ فِي حَيْضٍ فَ) هُوَ طَلَاقُ (بِدْعَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يُمْسِكَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ. وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ.
стр. 3418
(وَيَتَّجِهُ وَ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي طُهْرٍ مُتَعَقِّبٍ لِرَجْعَةٍ مِنْ طَلَاقٍ فِي حَيْضٍ (لَا يَحْرُمُ) أَبَدًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي فَبِدْعَةٌ مُحَرَّمٌ فَيُؤْخَذُ مِنْ تَقْيِيدِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَ (لِقَوْلِهِ الْآتِي أَمْسِكْهَا نَدْبًا حَتَّى تَحِيضَ، وَإِلَّا لَكَانَ عَلَيْهِ إمْسَاكُهَا وُجُوبًا؛ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الْحَرَامِ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ (زَادَ فِي " التَّرْغِيبِ " وَيَلْزَمُهُ وَطْؤُهَا) أَيْ: وَطْءُ مَنْ طَلَّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ، ثُمَّ رَاجَعَهَا إذَا طَهُرَتْ وَاغْتَسَلَتْ.
(وَإِنْ) (طَلَّقَ) زَوْجَةً (مَدْخُولًا بِهَا فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ) وَلَوْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي آخِرِهِ (وَلَمْ يَسْتَبِنْ) أَيْ: يَتَّضِحْ (حَمْلُهَا) فَبِدْعَةٌ مُحَرَّمٌ، وَيَقَعُ (أَوْ عَلَّقَهُ) أَيْ: الطَّلَاقَ (عَلَى أَكْلِهَا وَنَحْوِهِ) كَصَلَاتِهَا (مِمَّا يُعْلَمُ وُقُوعُهُ حَالَتَهُمَا) أَيْ: الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ؛ (فَ) هُوَ طَلَاقُ.
(بِدْعَةٍ مُحَرَّمٌ، وَيَقَعُ) نَصًّا؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ نَافِعٌ: «وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهِ، وَرَاجَعَهَا كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ فِي مَحَلِّ الطَّلَاقِ، فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْحَامِلِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَيُعْتَبَرُ لِوُقُوعِهِ مُوَافَقَةُ السُّنَّةِ، بَلْ هُوَ إزَالَةُ عِصْمَةٍ، وَقَطْعُ مِلْكٍ؛ فَإِيقَاعُهُ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ أَوْلَى تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَعُقُوبَةً لَهُ.
(وَتُسَنُّ رَجْعَتُهَا) مِنْ طَلَاقِ الْبِدْعَةِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا؛ لِلْخَبَرِ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ؛ لِيُزِيلَ الْمَعْنَى الَّذِي حُرِّمَ الطَّلَاقُ لِأَجَلِهِ (وَيَجِبُ) عَلَيْهِ (إمْسَاكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ أَمْسَكَهَا نَدْبًا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى) ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي هَذَا الطُّهْرِ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَهُوَ طَلَاقُ سُنَّةٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ.
وَلَوْ عَلَّقَ
стр. 3419
طَلَاقَهَا بِقِيَامِهَا أَوْ بِقُدُومِ زَيْدٍ، فَقَامَتْ أَوْ قَدِمَ زَيْدٌ وَهِيَ حَائِضٌ طَلُقَتْ لِلْبِدْعَةِ، لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، وَلَا إثْمَ عَلَى الْمُطَلِّقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ إيقَاعَ الطَّلَاقِ زَمَنَ الْبِدْعَةِ.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ لِلسُّنَّةِ، فَقَدِمَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ طَلُقَتْ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ، وَإِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فِي زَمَانِ الْبِدْعَةِ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ عِنْدَ قُدُومِهِ؛ لِأَنَّهَا إذَنْ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَلَمْ يُوجَدْ تَمَامُ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، فَإِذَا صَارَتْ إلَى زَمَانِ السُّنَّةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ، لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ عِنْدَ قُدُومِ زَيْدٍ، وَهِيَ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا؛ طَلُقَتْ عِنْدَ قُدُومِهِ " حَائِضًا كَانَتْ أَوْ طَاهِرًا، لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ لَهَا وَلَا بِدْعَةَ، وَإِنْ قَالَهُ لَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ طَلُقَتْ حِينَ قُدُومِهِ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَنْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَإِنْ قَدِمَ زَيْدٌ زَمَنَ الْبِدْعَةِ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَجِيءَ زَمَنُ السُّنَّةِ لِيُوجَدَ الشَّرْطُ.
(وَيَحْرُمُ إيقَاعُ) طَلْقَاتٍ (ثَلَاثٍ، وَلَوْ بِكَلِمَاتٍ) وَلَوْ (فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا) زَوْجُهَا (فِيهِ أَوْ) أَيْ: وَيَحْرُمُ إيقَاعُ ثَلَاثٍ فِي (أَطْهَارٍ مِنْهُ لَا) يَحْرُمُ إيقَاعُ ذَلِكَ (بَعْدَ رَجْعَةٍ أَوْ) بَعْدَ (عَقْدٍ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] : إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] وَمَنْ جَمَعَ الثَّلَاثَ لَمْ يَبْقَ لَهُ أَمْرٌ يَحْدُثُ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَلَا مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا أَكَانَ يَحِلُّ لِي أَنْ أُرَاجِعَهَا؟ قَالَ: إذَنْ عَصَيْتَ وَبَانَتْ مِنْكِ امْرَأَتُكِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ؛ وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: «أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُلْعَبُ فِي كِتَابِ
стр. 3420
اللَّهِ ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَقْتُلُهُ؟» وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَقَالَ: إنَّ عَمّكِ عَصَى اللَّهَ وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَسَوَاءٌ فِي الْوُقُوعِ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، فَلَوْ طَلَّقَهَا مَا بَعْدَ الْأُولَى بَعْدَ رَجْعَةٍ أَوْ عَقْدٍ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، وَلَا بِدْعَةً بِحَالٍ وَمَا رَوَى طَاوُوسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَسِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً» .
فَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمُجَاهِدٌ وَمَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافَهُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد، وَأَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ عَنْ طَاوُوسٍ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُطَلِّقُونَ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ عُمَرُ مَا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا يَكُونُ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ يَرْوِيَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُفْتِيَ بِخِلَافِهِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ لَمْ يَأْثَمْ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَمْنَعَاهُ الرَّجْعَةَ، لَكِنْ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ تَطْلِيقَةً بِلَا فَائِدَةٍ ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ.
(وَلَا سُنَّةَ وَلَا بِدْعَةَ فِي وَقْتٍ أَوْ عُذْرٍ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا) لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ لَهَا فَتَنْضَرَّ بِهَا (وَ) لَا لِزَوْجَةٍ (بَيِّنٍ حَمْلُهَا، وَ) لَا لِزَوْجَةٍ (صَغِيرَةٍ وَآيِسَةٍ) لِأَنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ؛ فَلَا تَخْتَلِفُ عِدَّتُهَا (فَلَوْ قَالَ) الزَّوْجُ (لِإِحْدَاهُنَّ) أَيْ: الْمَذْكُورَاتِ (أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ) طَلُقَتْ فِي الْحَالِ (أَوْ قَالَ) لِإِحْدَاهُنَّ أَنْتِ طَالِقٌ (لِلْبِدْعَةِ؛ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ) أَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، أَوْ لَا لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْبِدْعَةِ؛ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهَا لَا يَتَّصِفُ بِسُنَّةٍ وَلَا بِدْعَةٍ؛ فَيَلْغُو وَصْفُهُ بِهِ، وَيَبْقَى الطَّلَاقُ بِدُونِ الصِّفَةِ.
فَيَقَعُ فِي الْحَالِ (وَ) لَوْ قَالَ لِإِحْدَاهُنَّ: أَنْتِ طَالِقٌ (لِلسُّنَّةِ طَلْقَةً وَلِلْبِدْعَةِ طَلْقَةً وَقَعَتَا) فِي الْحَالِ؛ لِمَا سَبَقَ (وَيَدِينُ) قَائِلُ ذَلِكَ (فِي غَيْرِ آيِسَةٍ إذَا
стр. 3421
قَالَ: أَرَدْتُ إذَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ) أَيْ: السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ لِادِّعَائِهِ مُحْتَمَلًا (وَيُقْبَلُ) مِنْهُ ذَلِكَ (حُكْمًا) لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ، بِخِلَافِ الْآيِسَةِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ فِيهَا ذَلِكَ.
فَائِدَةٌ: وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ فِي الطُّهْرِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فَيَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ أَوْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا؛ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ لَهَا مَا دَامَتْ كَذَلِكَ.
(وَلِمَنْ) أَيْ: وَلِزَوْجَةٍ (لَهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ) وَهِيَ الْمَدْخُولُ بِهَا غَيْرُ الْحَامِلِ ذَاتُ الْحَيْضِ (إنْ قَالَهُ) أَيْ: قَالَ لَهَا زَوْجُهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ طَلْقَةً وَلِلْبِدْعَةِ طَلْقَةً (فَوَاحِدَةٌ) تَقَعُ (فِي الْحَالِ) لِأَنَّ حَالَهَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ؛ فَتَقَعَ الطَّلْقَةُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى السُّنَّةِ، أَوْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ فَتَقَعَ الطَّلْقَةُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى الْبِدْعَةِ، وَتَقَعُ الطَّلْقَةُ (الْأُخْرَى فِي ضِدِّ حَالِهَا إذًا) لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ عَلَى ضِدِّ تِلْكَ الْحَالِ، فَإِنْ كَانَتْ حِينَ الْقَوْلِ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ؛ وَقَعَتْ الثَّانِيَةُ إذَا أَصَابَهَا، أَوْ حَاضَتْ، وَإِنْ كَانَتْ حِينَ الْقَوْلِ حَائِضًا أَوْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ طَهُرَتْ الثَّانِيَةُ إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ وَالْحَيْضَ بَعْدَهُ زَمَانُ بِدْعَةٍ.
(وَ) إنْ قَالَ لِمَنْ لَهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ أَنْتِ طَالِقٌ (لِلسُّنَّةِ فَقَطْ) وَهِيَ (فِي طُهْرٍ لَمْ يَطَأْ) هَا (فِيهِ يَقَعُ فِي الْحَالِ) لِوَصْفِهِ الطَّلْقَةَ بِصِفَتِهَا؛ فَوَقَعَتْ فِي الْحَالِ (وَ) إنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ (فِي حَيْضٍ) طَلُقَتْ (إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ وَقْتُ السُّنَّةِ فِي حَقِّهَا لَا سُنَّةَ لَهَا قَبْلَهَا (فَلَوْ أَوْلَجَ فِي آخِرِهَا) أَيْ الْحَيْضَةِ (وَاتَّصَلَ بِأَوَّلِ الطُّهْرِ) لَمْ يَقَعْ (أَوْ أَوْلَجَ مَعَ أَوَّلِ الطُّهْرِ؛ لَمْ يَقَعْ) الطَّلَاقُ (فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ أَيْضًا) لَكِنْ مَتَى صَارَتْ فِي طُهْرٍ لَمْ يَطَأْ فِيهِ، طَلُقَتْ فِي أَوَّلِهِ.
(وَ) إنْ قَالَ لِمَنْ لَهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ أَنْتِ طَالِقٌ (لِلْبِدْعَةِ) فَقَطْ وَهِيَ (فِي حَيْضٍ أَوْ فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ؛ يَقَعُ) الطَّلَاقُ عَلَيْهِ (فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِصِفَتِهَا (وَإِنْ) كَانَتْ فِي طُهْرٍ (لَمْ يَطَأْ) هَا (فِيهِ) فَيَقَعُ الطَّلَاقُ (إذَا حَاضَتْ أَوْ وَطِئَهَا) لِوُجُودِ شَرْطِهِ (وَيَنْزِعُ فِي الْحَالِ) بَعْدَ
стр. 3422
إيلَاجِ الْحَشَفَةِ (إنْ كَانَ) الطَّلَاقُ (ثَلَاثًا) أَوْ كَانَتْ طَلْقَةً مُكَمِّلَةً لَا يَمْلِكُهُ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ، أَوْ كَانَ عَلَى عِوَضٍ لِبَيْنُونَتِهَا عَقِبَ ذَلِكَ (فَإِنْ بَقِيَ) أَيْ: لَمْ يَنْزِعْ فِي الْحَالِ (حُدَّ عَالِمٌ) بِالْحُكْمِ؛ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ (وَعُزِّرَ غَيْرُهُ) وَهُوَ الْجَاهِلُ وَالنَّاسِي وَلَا حَدَّ لِلْعُذْرِ.
(وَيَتَّجِهُ:) أَنَّهُ (لَا حَدَّ) عَلَى عَالِمٍ لَمْ يَنْزِعْ فِي الْحَالِ (لِلْخِلَافِ فِي عَدَمِ وُقُوعِهِ) أَيْ: الطَّلَاقِ (ثَلَاثًا دَفْعَةً كَمَا يَأْتِي) مُوَضَّحًا فِي: بَابِ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ بِأَدِلَّتِهِ لَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ (وَ) إنْ قَالَ لِمَنْ لَهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ) وَلَمْ يَكُنْ طَلَّقَهَا قَبْلُ، فَإِنَّهَا (تَطْلُقُ) الطَّلْقَةَ (الْأُولَى فِي طُهْرٍ لَمْ يَطَأْهَا فِيهِ وَ) تَطْلُقُ (الثَّانِيَةَ طَاهِرَةً بَعْدَ رَجْعَةٍ أَوْ عَقْدٍ وَكَذَا) تَطْلُقُ (الثَّالِثَةَ) طَاهِرَةً بَعْدَ رَجْعَةٍ أَوْ عَقْدٍ؛ لِأَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ بِدْعَةٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ، وَصَحَّحَهُ فِي " التَّصْحِيحِ " وَ " النَّظْمِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " (تَطْلُقُ ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ مِنْ السُّنَّةِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
(وَ) إنْ قَالَ لِمَنْ لَهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ أَنْتِ (طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ نِصْفَيْنِ، أَوْ لَمْ يَقُلْ نِصْفَيْنِ، أَوْ لَمْ يَقُلْ، أَوْ قَالَ: بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ وَقَعَ إذَنْ) أَيْ: عَقِبَ قَوْلَهُ ذَلِكَ (ثِنْتَانِ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَيُكَمَّلُ النِّصْفُ، وَفِيمَا إذَا قَالَ: بَعْضُهُنَّ وَبَعْضُهُنَّ الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ سَوَاءً (وَ) تَقَعُ الطَّلْقَةُ (الثَّالِثَةُ فِي ضِدِّهَا لَهَا إذَنْ) أَيْ: الْحَاضِرَةِ؛ لِوُجُودِ شَرْطِهَا (فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ تَأْخِيرَ ثِنْتَيْنِ قُبِلَ) ذَلِكَ مِنْهُ (حُكْمًا) لِاحْتِمَالِ لَفْظِهِ لَهُ؛ إذْ الْبَعْضُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، (وَلَوْ) كَانَ (قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ (طَلْقَتَيْنِ لِلسُّنَّةِ وَوَاحِدَةً لِلْبِدْعَةِ أَوْ عَكَسَ) بِأَنْ قَالَ طَلْقَتَيْنِ لِلْبِدْعَةِ وَوَاحِدَةً لِلسُّنَّةِ (فَ) يَقَعُ الطَّلَاقُ (عَلَى مَا قَالَ) إذَا وُجِدَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ.
(وَ) إنْ قَالَ لَهَا (أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً) وَهِيَ
стр. 3423
حَامِلٌ أَوْ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ (لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ، فَتَطْلُقُ فِي كُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةً) إذْ الْقُرْءُ الْحَيْضُ كَمَا يَأْتِي تَوْضِيحُهُ فِي الْعِدَدِ (لَا) إنْ كَانَتْ (غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا فَتَبِينُ بِوَاحِدَةٍ) فَلَا يَلْحَقُهَا مَا بَعْدَهَا، لَكِنْ إنْ تَزَوَّجَهَا فَحَاضَتْ؛ وَقَعَ إذَنْ طَلْقَةً ثَانِيَةً، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الثَّالِثَةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا حِينَ قَوْلِهِ وَقَعَ بِهَا وَاحِدَةً فِي الْحَالِ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَا، وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً لَمْ تَطْلُقْ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ الشَّرْطِ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ طَلَاقٍ أَوْ أَجْمَلَهُ]
فَصْلٌ (وَ) إنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ طَلَاقٍ أَوْ أَجْمَلَهُ أَوْ أَقْرَبَهُ أَوْ أَعْدَلَهُ) أَوْ أَفْضَلَهُ أَوْ أَتَمَّهُ أَوْ أَسَنَّهُ أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ (طَلْقَةً سُنِّيَّةً أَوْ جَلِيلَةً وَنَحْوَهُ) كَطَلْقَةٍ حَسَنَةٍ أَوْ مَلِيحَةٍ أَوْ جَمِيلَةٍ أَوْ كَامِلَةٍ أَوْ فَضِيلَةٍ، فَهُوَ (كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ) لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ وَقَعَ فِي الْحَالِ، وَإِلَّا وَقَعَ إذَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحُسْنِ وَالْكَمَالِ وَالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُطَابِقٌ لِلشَّرْعِ مُوَافِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَأَنْتِ طَالِقٌ أَبْشَعَ الطَّلَاقِ (أَوْ أَقْبَحَهُ وَأَسْمَجَهُ أَوْ أَفْحَشَهُ أَوْ أَرْدَأَهُ أَوْ أَنْتَنَهُ وَنَحْوَهُ) كَأَوْحَشَهُ أَوْ أَبْخَسَهُ، كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ (لِلْبِدْعَةِ) فَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ أَوْ حَائِضًا؛ وَقَعَ فِي الْحَالِ وَإِلَّا فَإِذَا صَارَتْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ، لِأَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ فِي الْأَفْعَالِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ، فَمَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَا قَبَّحَهُ فَهُوَ قَبِيحٌ، وَقَدْ أَذِنَ الشَّرْعُ فِي الطَّلَاقِ فِي زَمَنٍ فَسُمِّيَ زَمَانَ السُّنَّةِ، وَنَهَى عَنْهُ فِي زَمَنٍ؛ فَسُمِّيَ زَمَانَ الْبِدْعَةِ، وَإِلَّا فَالطَّلَاقُ فِي نَفْسِهِ فِي الزَّمَانَيْنِ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا حَسُنَ أَوْ قَبُحَ بِالْإِضَافَةِ إلَى زَمَانِهِ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ) بِقَوْلِهِ إلَى زَوْجَتِهِ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ أَوْ أَقْبَحَهُ وَنَحْوَهُ (أَحْسَنُ أَحْوَالِكِ أَوْ أَقْبَحُهَا أَنْ تَكُونِي مُطَلَّقَةً فَيَقَعُ فِي الْحَالِ)
стр. 3424
لِأَنَّ هَذَا يُوجَدُ فِي الْحَالِ، وَلِأَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْحَالِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ الصِّفَةَ؛ فَيَلْغُو، وَيَقَعُ فِي الْحَالِ (وَلَوْ قَالَ) مَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ (نَوَيْتُ) بِقَوْلِي (أَحْسَنَهُ زَمَنَ بِدْعَةٍ شَبَّهَهُ بِخُلُقِهَا الْحَسَنِ، أَوْ) قَالَ نَوَيْتُ (بِ) أَنْتِ طَالِقٌ (أَقْبَحَهُ) وَنَحْوَهُ كَأَسْمَجَهُ (زَمَنَ سُنَّةٍ لِقُبْحِ عِشْرَتِهَا أَوْ) قَالَ (عَنْ أَحْسَنِهِ وَنَحْوِهِ أَرَدْتُ طَلَاقَ الْبِدْعَةِ، أَوْ) قَالَ (عَنْ أَقْبَحِهِ وَنَحْوِهِ أَرَدْتُ طَلَاقَ السُّنَّةِ دُيِّنَ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى (وَقُبِلَ حُكْمًا فِي الْأَغْلَظِ) عَلَيْهِ (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ الْأَحَقِّ، فَلَوْ قَالَ نَوَيْتُ بِقَوْلِي: أَحْسَنَ الطَّلَاقِ وَنَحْوَهُ وُقُوعَهُ زَمَنَ الْحَيْضِ، وَلَمْ أُرِدْ الْوَقْتَ، وَكَانَتْ فِي الْحَيْضِ؛ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا فِيهِ تَغْلِيظٌ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي أَقْبَحَ الطَّلَاقِ وُقُوعَهُ فِي طُهْرٍ لَمْ أُصِبْهَا فِيهِ، وَكَانَتْ كَذَلِكَ؛ وَقَعَ فِي الْحَالِ لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا فِيهِ تَغْلِيظٌ، فَقُبِلَ، وَإِلَّا تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَلَوْ) قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ (طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً) تَطْلُقُ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِصِفَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ؛ فَلَغَتَا وَبَقِيَ مُجَرَّدُ الطَّلَاقِ (أَوْ) قَالَ لَهَا أَنْتِ (طَالِقٌ فِي الْحَالِ لِلسُّنَّةِ وَهِيَ حَائِضٌ) أَوْ فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ (أَوْ) قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ (فِي الْحَالِ لِلْبِدْعَةِ فِي طُهْرٍ وَلَمْ يَطَأْهَا فِيهِ، تَطْلُقُ فِي الْحَالِ) إلْغَاءً لِقَوْلِهِ لِلسُّنَّةِ وَلِلْبِدْعَةِ.
(وَ) إنْ قَالَ لَهَا (أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ عَلَيْكِ لِلسُّنَّةِ وَهِيَ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ) أَيْ: فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ (طَلُقَتْ) بِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ (انْحَلَّتْ الصِّفَةُ، وَلَمْ يَقَعْ) الطَّلَاقُ (بِحَالٍ) وَلَوْ صَارَتْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ (وَإِنْ عَكَسَ) بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ عَلَيْكِ لِلْبِدْعَةِ (وَكَانَتْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ؛ وَقَعَ) فِي الْحَالِ، (وَإِلَّا) تَكُنْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ (لَمْ يَقَعْ بِحَالٍ) وَانْحَلَّتْ الصِّفَةُ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ الْمَقُولُ لَهَا ذَلِكَ مِمَّنْ لَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ؛ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ.
стр. 3425
[فَرْعٌ الْخُلْعُ وَالطَّلَاقُ زَمَنَ بِدْعَةٍ بِسُؤَالِ الزَّوْجَةِ]
(فَرْعٌ يُبَاحُ خُلْعٌ وَطَلَاقٌ زَمَنَ بِدْعَةٍ بِسُؤَالِ الزَّوْجَةِ) ذَلِكَ عَلَى عِوَضٍ (لَا) بِسُؤَالِ (الْأَجْنَبِيِّ) لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لَحِقَ الْمَرْأَةَ، فَإِذَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا؛ زَالَ الْمَنْعُ؛ وَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْحَرَجِ، فَقَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ الضِّيقُ وَالْإِثْمُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ طَلَاقَ الْإِثْمِ، وَطَلَاقُ الْبِدْعَةِ طَلَاقُ إثْمٍ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْحَرَجِ وَالسُّنَّةِ، كَانَ كَقَوْلِهِ طَلَاقَ الْبِدْعَةِ وَالسُّنَّةِ.
[بَابُ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ]
ِ يُعْتَبَرُ لِلطَّلَاقِ اللَّفْظُ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَمَا يَأْتِي، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا بِأَنْ لَمْ يُقَارِنْهَا لَفْظٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ هُوَ الْفِعْلُ الْمُعَبِّرُ عَمَّا فِي النَّفْسِ مِنْ الْإِرَادَةِ وَالْعَزْمِ، وَالْقَطْعُ بِذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مُقَارَنَةِ الْقَوْلِ لِلْإِرَادَةِ؛ فَلَا تَكُونُ الْإِرَادَةُ وَحْدَهَا مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ فِعْلًا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ» . فَلِذَلِكَ لَا تَكُونُ النِّيَّةُ وَحْدَهَا أَثَرًا فِي الْوُقُوعِ.
(الصَّرِيحُ) فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ هُوَ (مَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ) أَيْ: بِحَسَبِ الْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَظِهَارٍ وَغَيْرِهَا فَلَفْظُ الطَّلَاقِ صَرِيحٌ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ فِي الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ وَإِنْ قَبِلَ التَّأْوِيلَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهِ (وَالْكِنَايَةُ مَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ) أَيْ: وُضِعَ لِمَا يُجَانِسُهُ وَيُشَابِهُهُ (وَيَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الصَّرِيحِ) فَيَتَعَيَّنُ لَهُ بِالْإِرَادَةِ (وَصَرِيحُهُ) أَيْ: الطَّلَاقِ (لَفْظُ طَلَاقٍ) أَيْ: الْمَصْدَرِ؛ فَيَقَعُ بِقَوْلِهِ أَنْتِ الطَّلَاقُ (وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ) أَيْ: الطَّلَاقِ كَطَالِقٍ وَمُطَلَّقَةٍ وَطَلَّقْتُكِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ عَلَى الْخُصُوصِ، ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشَّارِعِ وَالِاسْتِعْمَالِ
стр. 3426
(غَيْرُ أَمْرٍ) كَطَلِّقِي (وَ) غَيْرُ مُضَارِعٍ كَتَطْلُقِينَ (وَ) غَيْرُ (مُطَلِّقَةٍ اسْمِ فَاعِلٍ) أَيْ: بِكَسْرِ اللَّامِ، فَلَفْظُ الْإِطْلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ نَحْوُ أَطْلَقْتُكِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ (فَيَقَعُ) الطَّلَاقُ (مِنْ مُصَرِّحٍ) أَيْ: مِمَّنْ أَتَى بِصَرِيحِهِ غَيْرَ حَاكٍ وَنَحْوِهِ، (وَلَوْ) كَانَ (هَازِلًا أَوْ لَاعِبًا) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مِنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَزْلَ الطَّلَاقِ وَجِدَّهُ سَوَاءٌ، فَيَقَعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَيَقَعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِأَنَّهُ لَفْظٌ قُصِدَ التَّلَفُّظُ بِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِمَعْنَاهُ، فَوَقَعَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كَلَفْظِ الْبَيْعِ (أَوْ) كَانَ (فَتَحَ تَاءَ أَنْتِ) لِأَنَّهُ وَاجَهَهَا بِالْإِشَارَةِ وَالتَّعْيِينِ، فَسَقَطَ حُكْمُ اللَّفْظِ (أَوْ) كَانَ (لَمْ يَنْوِهِ) أَيْ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ إيجَادَ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ الْعَاقِلِ دَلِيلُ إرَادَتِهِ، وَالنِّيَّةُ لَا تُشْتَرَطُ لِلصَّرِيحِ؛ لِعَدَمِ احْتِمَالِ غَيْرِهِ (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (وَهَذِهِ الصِّيَغُ إنْشَاءٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُثْبِتُ الْحُكْمَ وَبِهَا تَمَّ وَ) هِيَ (إخْبَارٌ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي فِي النَّفْسِ) وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ يَطَّرِدُ فِي كُلِّ إنْشَاءٍ وَطَلَبٍ (وَإِنْ أَرَادَ) أَنْ يَقُولَ (ظَاهِرًا وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ طَاحِنًا أَوْ طَاعِنًا أَوْ طَامِعًا (فَسَبَقَ لِسَانُهُ) بِطَالِقٍ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ طَلَبْتُكِ فَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ طَلَّقْتُكِ، دُيِّنَ، وَلَمْ يُقْبَلْ حُكْمًا (أَوْ) قَالَ (طَالِقٌ) وَأَرَادَ (مِنْ وَثَاقٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرهَا مَا يَوْثُقُ بِهِ الشَّيْءُ مِنْ حَبْلٍ وَغَيْرِهِ (أَوْ) قَالَ طَالِقٌ وَأَرَادَ (مِنْ زَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ) أَوْ مِنْ نِكَاحٍ سَبَقَ هَذَا النِّكَاحَ (وَادَّعَى ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ أَرَادَ مَا ذَكَرَ؛ دُيِّنَ، وَلَمْ يُقْبَلْ حُكْمًا (أَوْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ؛ وَقَالَ أَرَدْتُ (إنْ قُمْتُ، فَتَرَكْتُ الشَّرْطَ) وَلَمْ أُرِدْ طَلَاقًا؛ دُيِّنَ، وَلَمْ يُقْبَلْ حُكْمًا (أَوْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ (إنْ قُمْتُ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ وَقَعَدْتُ) وَنَحْوَهُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ وَقَدِمَ الْحَاجُّ (فَتَرَكْتُهُ، وَلَمْ أُرِدْ طَلَاقًا، دُيِّنَ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ
стр. 3427
بِنِيَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا؛ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِلَفْظِهِ مَعْنَاهُ (وَلَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ (حُكْمًا) لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ عُرْفًا، فَتَبْعُدُ إرَادَتُهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ زُيُوفًا، أَوْ إلَى شَهْرٍ (فَإِنْ صَرَّحَ فِي لَفْظِهِ بِالْوَثَاقِ فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ مِنْ وَثَاقِي؛ لَمْ يَقَعْ) عَلَيْهِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِالْكَلَامِ يَصْرِفُهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ.
(وَيَتَّجِهُ: كَذَا) الْحُكْمُ فِي قَوْلِهِ (عَلَيَّ الطَّلَاقُ مِنْ ذِرَاعِي وَنَحْوِهِ) كَمِنْ دِمَاغِي أَوْ دِينِي كَمَا تَسْتَعْمِلُهُ الْأَوْبَاشُ (إنْ قَصَدَهُ) أَيْ الْمَحْلُوفَ مِنْهُ (ابْتِدَاءً) لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ حَلِيلَتَهُ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ قِيلَ لَهُ: أَطَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ أَنْتِ فَقَالَ نَعَمْ، أَوْ قِيلَ لَهُ امْرَأَتَكَ طَالِقٌ فَقَالَ نَعَمْ، وَأَرَادَ الْكَذِبَ، طَلُقَتْ) وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ نَعَمْ صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ، وَالْجَوَابُ الصَّرِيحُ بِلَفْظِ الصَّرِيحِ صَرِيحٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ أَلِفُلَانٍ عَلَيْكِ كَذَا؟ فَقَالَ نَعَمْ؛ كَانَ إقْرَارًا (وَإِنْ قِيلَ لَهُ أَطَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ فَقَالَ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ، وَأَرَادَ) بِذَلِكَ (الْإِيقَاعَ؛ وَقَعَ) كَالْكِنَايَةِ (أَوْ) قَالَ: أَرَدْتُ (التَّعْلِيقَ) أَيْ: تَعْلِيقَ طَلَاقِهَا بِشَرْطٍ، وَلَمْ يُوجَدْ (قُبِلَ) مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يُحْتَمَلُ (وَ) لَوْ قِيلَ لِلزَّوْجِ (أَخْلَيْتهَا) أَيْ: أَخْلَيْت زَوْجَتَك (وَنَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ نَعَمْ فَكِنَايَةٌ) لَا تَطْلُقُ بِذَلِكَ حَتَّى يَنْوِيَ بِهِ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ مُنْطَوٍ فِي الْجَوَابِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ.
(وَكَذَا) قَوْلُهُ (لَيْسَ لِي امْرَأَةٌ) أَوْ لَيْسَتْ لِي بِامْرَأَةٍ (أَوْ لَا امْرَأَةَ لِي أَبَدًا) فَهُوَ كِنَايَةٌ لَا يَقَعُ إلَّا بِنِيَّةٍ، وَلَوْ نَوَى أَنَّهُ لَيْسَ لِي امْرَأَةٌ تَخْدُمُنِي، أَوْ لَيْسَ لِي امْرَأَةٌ تُرْضِينِي أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا؛ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ (أَوْ قِيلَ لَهُ أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ قَالَ لَا) وَأَرَادَ الْكَذِبَ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَمَنْ أَرَادَ الْكَذِبَ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ، وَلَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْكَذِبَ بَلْ نَوَى الطَّلَاقَ، طَلُقَتْ كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ فَقَالَ قَدْ طَلَّقْتهَا؛ وَأَرَادَ الْكَذِبَ، طَلُقَتْ؛
стр. 3428
لِأَنَّهُ صَرِيحٌ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ (وَإِنْ قِيلَ لِعَالِمٍ بِالنَّحْوِ أَلَمْ تُطَلِّقْ امْرَأَتَكَ؟ قَالَ نَعَمْ لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِنَفْيِ الطَّلَاقِ، وَتَطْلُقُ امْرَأَةُ غَيْرِ النَّحْوِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْجَوَابِ (وَإِنْ قَالَ) الْعَالِمُ بِالنَّحْوِ أَوْ غَيْرُهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ " الْإِقْنَاعِ " جَوَابًا لِمَنْ قَالَ: أَلَمْ تُطَلِّقْ امْرَأَتَكَ (بَلَى طَلُقَتْ) لِأَنَّهُ نَفْيٌ، وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ طَلَّقْتُهَا.
(وَمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ) اثْنَانِ (بِإِقْرَارِهِ) وُقُوعَ (طَلَاقٍ ثَلَاثٍ) لِتَقَدُّمِ يَمِينٍ مِنْهُ تُوهِمُ وُقُوعَ طَلَاقٍ عَلَيْهِ فِيهَا وَنَحْوَهُ (ثُمَّ) اسْتَغْنَى عَنْ يَمِينِهِ فَ (أَفْتَى) أَيْ: أَفْتَاهُ عَالِمٌ (بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ.
أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ (يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ) بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَيْهِ (لِمَعْرِفَتِهِ مُسْتَنَدَهُ فِيهِ) فِي إقْرَارِهِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ فِي إقْرَارِهِ ذَلِكَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُهُ مِثْلُهُ) ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " حَتَّى لَوْ حَكَمَ عَلَيْهِ حَاكِمٌ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِمُقْتَضَى مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ إقْرَارِهِ؛ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؛ إذْ حُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُخْرِجُ الشَّيْءَ عَنْ مَوْضُوعِهِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ.
(وَإِنْ أَخْرَجَ) زَوْجٌ (زَوْجَتَهُ مِنْ دَارِهَا أَوْ لَطَمَهَا أَوْ أَطْعَمَهَا أَوْ سَقَاهَا أَوْ أَلْبَسهَا أَوْ قَبَّلَهَا وَنَحْوَهُ) بِأَنْ دَفَعَ إلَيْهَا شَيْئًا (وَقَالَ هَذَا طَلَاقُكِ طَلُقَتْ وَكَانَ صَرِيحًا نَصًّا، لِأَنَّ ظَاهِرَ هَذَا اللَّفْظِ جَعْلُ هَذَا الْفِعْلِ طَلَاقًا مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَوْقَعْتُ عَلَيْكِ طَلَاقًا هَذَا الْفِعْلُ مِنْ أَجَلِهِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ فِيهِ لِيَصِحَّ لَفْظُهُ بِهِ فَيَكُونُ صَرِيحًا فِيهِ يَقَعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فَلَوْ فَسَّرَهُ بِمُحْتَمَلِ) عَدَمِ الْوُقُوعِ (كَأَنْ نَوَى أَنَّ هَذَا سَبَبُ طَلَاقِكِ) فِي زَمَانٍ بَعْدَ هَذَا الزَّمَانِ (قُبِلَ حُكْمًا) لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ، وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُهُ.
(وَإِنْ قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (كُلَّمَا قُلْت لِي شَيْئًا) مِنْ كَلَامٍ (وَلَمْ أَقُلْ لَكِ مِثْلَهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً أَوْ) طَالِقٌ بِفَتْحِ التَّاءِ (أَوْ قَالَتْ لَهُ أَنْتِ طَالِقٌ) بِكَسْرِ التَّاءِ (فَقَالَ) لَهَا (مِثْلَهُ) أَيْ: مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ (طَلُقَتْ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ شَافَهَهَا بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ.
стр. 3429
(وَلَوْ عَلَّقَهُ) أَيْ: الطَّلَاقَ بِأَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ ذَهَبْت الْهِنْدَ وَنَحْوَهُ؛ فَتَطْلُقُ لِوُجُودِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ لَهَا غَيْرُ الَّذِي قَالَتْهُ لَهُ أَيْ: الْمُنَجَّزِ الْمُعَلَّقِ قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيّ.
وَلَهُ التَّمَادِي إلَى قُبَيْلِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي يَمِينِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْفَوْرِيَّةِ (وَلَوْ نَوَى بِقَوْلِهِ السَّابِقِ) أَنْتِ طَالِقٌ (فِي وَقْتِ كَذَا أَوْ) نَوَى إنْ ذَهَبْتُ إلَى (مَكَانِ كَذَا) أَوْ إنْ كُنْتُ عَلَى صِفَةِ كَذَا (تَخَصَّصَ) بِهِ؛ فَلَا يَقَعُ الْمُعَلَّقُ أَوَّلًا؛ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ، وَلَا الثَّانِي حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُهُ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ الْعَامِّ بِالنِّيَّةِ سَائِغٌ.
(وَيَتَّجِهُ:) أَنَّهُ (لَوْ لَمْ يَقْصِدْ) الزَّوْجُ لِقَوْلِهِ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ جَوَابًا لِقَوْلِهَا لَهُ أَنْتَ طَالِقٌ (لَفْظَ) ذَلِكَ (لِمَعْنَاهُ) وَهُوَ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ، (بَلْ) قَصَدَ بِإِجَابَتِهِ لَهَا بِذَلِكَ (مُجَرَّدَ الْمُحَاكَاةِ) لَهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الطَّلَاقِ (دُيِّنَ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى (وَاحْتُمِلَ) احْتِمَالٌ فِيهِ لِينٌ (وَقُبِلَ) مِنْهُ ذَلِكَ حُكْمًا، وَالِاتِّجَاهُ مُتَّجِهٌ (وَ) مِمَّا يُؤَيِّدُهُ مَا (أَفْتَى بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ) حِينَ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَحَبَّهَا حُبًّا شَدِيدًا وَأَبْغَضَتْهُ بُغْضًا شَدِيدًا، فَكَانَتْ تُوَاجِهُهُ بِالشَّتْمِ وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا يَوْمًا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا تُخَاطِبِينِي بِشَيْءٍ إلَّا خَاطَبْتُكِ بِمِثْلِهِ، فَقَالَتْ فِي الْحَالِ بَتَاتًا، فَانْكَسَرَ الرَّجُلُ، وَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَعُ، فَاسْتَفْتَى جَمَاعَةً مِنْ الْفُقَهَاءِ، فَكُلُّهُمْ قَالُوا لَهُ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَجَابَهَا بِمِثْلِ كَلَامِهَا طَلُقَتْ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْهَا حَنِثَ وَطَلُقَتْ، فَإِنْ بَرَّ طَلُقَتْ، وَإِنْ حَنِثَ طَلُقَتْ، فَأُرْشِدَ إلَى ابْنِ جَرِيرٍ، فَسَأَلَهُ، فَأَجَابَ (لَا يَقَعُ) الطَّلَاقُ (إذَا عَلَّقَ) الزَّوْجُ (كَأَنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ أَنَا طَلَّقْتُكِ) وَقَالَ لِلزَّوْجِ امْضِ وَلَا تُعَاوِدْ الْأَيْمَانَ بَعْدَ أَنْ تَقُولَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ أَنَا طَلَّقْتُكِ، فَتَكُونَ قَدْ خَاطَبْتُهَا بِمِثْلِ خِطَابِهَا لَكِ، فَوَفَّيْت يَمِينَكَ، وَلَمْ تَطْلُقْ مِنْكَ؛ لِمَا وَصَلْتَ بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ الشَّرْطِ (وَاسْتَحْسَنَهُ) أَيْ: اسْتَحْسَنَ (ابْنُ عَقِيلٍ) مَا أَجَابَ ابْنُ جَرِيرٍ (وَقَالَ) ابْنُ عَقِيلٍ (لَوْ فَتَحَ) الزَّوْجُ (التَّاءَ تَخَلَّصَ) لِأَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: أَنْتَ طَالِقٌ بِفَتْحِ التَّاءِ وَهُوَ
стр. 3430
خِطَابُ تَذْكِيرٍ، فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتَ بِفَتْحِ التَّاءِ لَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ، أَفَادَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي " بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ " وَتَقَدَّمَ لَكَ أَنَّهُ يَقَعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ: قُلْتُ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَحْسَنُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ الْعَامِ بِالنِّيَّةِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَتَغَدَّى وَنِيَّتُهُ غَدَاءَ يَوْمِهِ قُصِرَ عَلَيْهِ وَإِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ وَنِيَّتُهُ تَخْصِيصُ الْكَلَامِ بِمَا يَكْرَهُهُ؛ لَمْ يَحْنَثْ إذَا كَلَّمَهُ بِمَا يُحِبُّهُ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ، وَعَلَى هَذَا فَبِسَاطٌ صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنَّهَا لَا تُكَلِّمَهُ بِشَتْمٍ أَوْ سَبٍّ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ مَا كَانَ إلَّا مِنْ هَذَا الْبَابِ إلَّا كَلَّمَهَا بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا إذَا قَالَتْ لَهُ: اشْتَرِ لِي مُقَنَّعَةً أَوْ ثَوْبًا أَنْ يَقُولَ لَهَا: اشْتَرِ لِي مُقَنَّعَةً أَوْ ثَوْبًا، وَإِذَا قَالَتْ لَهُ: لَا تَشْتَرِ لِي كَذَا فَإِنِّي لَا أُحِبُّهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ، هَذَا مِمَّا يَقْطَعُ أَنَّ الْحَالِفَ لَمْ يُرِدْهُ، فَإِذَا لَمْ يُخَاطِبْهَا بِمِثْلِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَهَكَذَا يُقْطَعُ بِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا لَمْ يُرِدْهَا، وَلَا كَانَ بِسَاطٌ مُقْتَضِيهَا، وَلَا خَطَرَتْ بِبَالِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي يَصِحُّ يَمِينُهُ، وَبَعَثَهُ عَلَى الْحَلِفِ، وَمِثْلُ هَذَا يُعْتَبَرُ فِي الْأَيْمَانِ انْتَهَى. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ.
(وَمَنْ طَلَّقَ) زَوْجَةً لَهُ (أَوْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَةٍ لَهُ ثُمَّ قَالَ عَقِبَهُ لِضَرَّتِهَا شَرِكْتُكِ) أَوْ أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا (أَوْ أَنْتِ شَرِيكَتُهَا) أَيْ: فِيمَا أَوْقَعْتُ عَلَيْهَا مِنْ طَلَاقٍ أَوْ ظِهَارٍ (أَوْ) قَالَ لِضَرَّتِهَا: أَنْتِ (مِثْلُهَا، أَوْ أَنْتِ كَهِيَ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِيهِمَا) أَيْ: الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ نَصًّا، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِجَعْلِهِ الْحُكْمَ فِيهِمَا وَاحِدًا، إمَّا بِالشَّرِكَةِ فِي اللَّفْظِ، أَوْ بِالْمُمَاثَلَةِ، وَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا فُهِمَ مِنْهُ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَعَادَهُ بِلَفْظِهِ عَلَى الثَّانِيَةِ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ وَكَذَا) فَلَوْ قَالَ لِقِنِّهِ أَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ لِقِنِّهِ الْآخَرِ شَرَكْتُكَ أَوْ أَشْرَكْتُكَ مَعَهُ أَوْ أَنْتَ شَرِيكُهُ فِي ذَلِكَ وَنَحْوَهُ؛ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْعِتْقِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 3431
(وَيَقَعُ) الطَّلَاقُ (بِ) قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ لَا شَيْءَ أَوْ) قَالَتْ لَهُ أَنْتِ طَالِقٌ (لَيْسَ شَيْءٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ) طَلَاقًا لَا يَلْزَمُك، (أَوْ أَنْتِ طَالِقَةٌ) طَلْقَةً لَا تَقَعُ عَلَيْكِ أَوْ طَلْقَةً (لَا يَنْقُصُ بِهَا عَدَدُ الطَّلَاقِ) لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِجَمِيعِ مَا أَوْقَعَهُ أَشْبَهَ اسْتِثْنَاءَ الْجَمِيعِ، وَإِنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ طَلْقَةً، وَ (لَا) يَقَعُ شَيْءٌ (بِأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ فَلَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ، (أَوْ) أَنْتِ (طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا وَهُوَ الْعَطْفُ الْمُغَيِّرُ) فَإِذَا اتَّصَلَ الْعَطْفُ بِالِاسْتِفْهَامِ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَفْظًا لِلْإِيقَاعِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إيقَاعٌ لَمْ يُعَارِضْهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الصُّورَتَيْنِ اسْتِفْهَامٌ
(وَإِنْ كَتَبَ صَرِيحَ طَلَاقِهَا) أَيْ امْرَأَتِهِ (بِمَا يَبِينُ) أَيْ: يَظْهَرُ (بِخِلَافِهِ) أَيْ: بِخِلَافِ مَا لَوْ كَتَبَ صَرِيحَ طَلَاقِ امْرَأَتِهِ بِمَا لَا يَبِينُ كَأَنْ كَتَبَهُ (بِأُصْبُعِهِ عَلَى نَحْوِ وِسَادَةٍ) كَعَلَى بِسَاطٍ أَوْ حَصِيرٍ أَوْ عَلَى شَيْءٍ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْخَطُّ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْمَاءِ أَوْ فِي الْهَوَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْكِتَابَةَ بِمَنْزِلَةِ الْهَمْسِ بِلِسَانِهِ بِمَا لَا يُسْمَعُ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْكِتَابَةَ بِمَا يَبِينُ (صَرِيحَةٌ فِيهِ) أَيْ: الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ حُرُوفٌ يُفْهَمُ مِنْهَا مَعْنَى الطَّلَاقِ، فَإِذَا أَتَى فِيهَا بِالطَّلَاقِ، وَفُهِمَ مِنْهَا، وَقَعَ كَاللَّفْظِ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَقُومُ مَقَامَ قَوْلِ الْكَاتِبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ﵊ كَانَ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، فَبَلَّغَ بِالْقَوْلِ مَرَّةً، وَبِالْكِتَابَةِ مَرَّةً أُخْرَى، وَلِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي يَقُومُ مَقَامَ لَفْظِهِ فِي إثْبَاتِ الدُّيُونِ وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْوِلَايَةِ بِالْخَطِّ.
ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَإِنْ كَتَبَ كِنَايَةَ طَلَاقِهَا بِمَا يَبِينُ فَهُوَ قِيَاسٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) حُكْمُ (نَحْوِ عِتْقٍ) كَظِهَارٍ إذَا كَتَبَ صَرِيحَهُ بِمَا يَبِينُ، فَإِنَّهُ يَقَعُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ لَوْ نَسَخَ كِتَابًا فِيهِ لَفْظُ طَلَاقِ زَوْجَتِهِ؛ لَمْ يَقَعْ إلَّا إنْ نَوَاهُ) وَهَذَا الِاتِّجَاهُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَاسْتَظْهَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ " وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ "
стр. 3432
وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ.
(فَلَوْ قَالَ) كَاتِبُ الطَّلَاقِ (لَمْ أُرِدْ إلَّا تَجْوِيدَ خَطِّي، أَوْ لَمْ أُرِدْ إلَّا غَمَّ أَهْلِي) قُبِلَ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ، وَقَدْ نَوَى مُحْتَمَلًا غَيْرَ الطَّلَاقِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى بِاللَّفْظِ غَيْرَ الْإِيقَاعِ وَإِذَا أَرَادَ غَمَّ أَهْلِهِ بِتَوَهُّمِ الطَّلَاقِ دُونَ حَقِيقَتِهِ؛ لَا يَكُونُ نَاوِيًا لِلطَّلَاقِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ» إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مُؤَاخَذَتِهِمْ بِمَا نَوَوْهُ عِنْدَ الْعَمَلِ بِهِ، وَهَذَا لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا يُؤَاخَذُ بِهِ (أَوْ قَرَأَ مَا كَتَبَهُ، وَقَالَ: لَا أَقْصِدُ إلَّا الْقِرَاءَةَ قُبِلَ) مِنْهُ ذَلِكَ (حُكْمًا) كَلَفْظِ الطَّلَاقِ إذَا قَصَدَ بِهِ الْحِكَايَةَ.
(وَيَقَعُ) الطَّلَاقُ (بِإِشَارَةٍ) مَفْهُومَةٍ (مِنْ أَخْرَسَ فَقَطْ) لِقِيَامِهَا مَقَامَ نُطْقِهِ (فَلَوْ لَمْ يَفْهَمْهَا) أَيْ: إشَارَةَ الْأَخْرَسِ (إلَّا بَعْضُ) النَّاسِ، (فَ) هِيَ (كِنَايَةٌ) بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (وَتَأْوِيلُهُ) أَيْ: الْأَخْرَسِ (مَعَ صَرِيحٍ) أَيْ إشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ (كَتَأْوِيلِ غَيْرِ أَخْرَسَ) كَمَعَ (نُطْقٍ بِصَرِيحِ طَلَاقٍ) وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا بِلَفْظٍ أَوْ كِنَايَةٍ أَوْ إشَارَةِ أَخْرَسَ وَأَمَّا الْقَادِرُ عَلَى الْكَلَامِ؛ فَلَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ بِإِشَارَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ مَفْهُومَةً؛ لِقُدْرَتِهِ عَلَى النُّطْقِ.
(وَيَقَعُ) الطَّلَاقُ (مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ) إلَى الْإِسْلَامِ؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
(وَصَرِيحُهُ) أَيْ: الطَّلَاقِ (بِلِسَانِ الْعَجَمِ بِهِشْتَمْ بِهِ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْهَاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ؛ لِأَنَّهَا فِي لِسَانِهِمْ مَوْضُوعَةٌ لِلطَّلَاقِ، يَسْتَعْمِلُونَهَا فِيهِ، فَأَشْبَهَتْ لَفْظَ الطَّلَاقِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ صَرِيحَةً فِي لِسَانِهِمْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُعْجَمَةِ صَرِيحٌ لِلطَّلَاقِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهَا بِمَعْنَى خَلَّيْتُكِ؛ فَإِنَّ مَعْنَى طَلَّقْتُكِ خَلَّيْتُكِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَوْضُوعًا لَهُ وَمُسْتَعْمَلًا فِيهِ كَانَ صَرِيحًا.
(فَمَنْ قَالَهُ) أَيْ: بَهَشْتُمْ (عَارِفًا مَعْنَاهُ) مِنْ عَرَبِيٍّ أَوْ أَعْجَمِيٍّ (وَقَعَ مَا نَوَاهُ) مِنْ
стр. 3433
وَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَوَاحِدَةٌ كَصَرِيحِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ (فَإِنْ زَادَ) عَلَى بِهِشْتَمْ (بِسَيَّارِ فَثَلَاثٌ) تَقَعُ؛ لِأَنَّ مُؤَادَهُ ذَلِكَ فِي لُغَتِهِمْ (وَإِنْ أَتَى بِهِ) أَيْ: لَفْظِ بِهِشْتَمْ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ كَالْعَرَبِيِّ لَا يَقَعُ، (أَوْ) أَتَى (بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ) الْعَرَبِيِّ (أَوْ) أَتَى بِلَفْظِ (الْعِتْقِ) الْعَرَبِيِّ (مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ) كَالْأَعْجَمِيِّ (لَمْ يَقَعْ) عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِلَفْظِهِ مَعْنَاهُ؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِ (وَلَوْ نَوَى فِيهِ مُوجَبَهُ) أَيْ: الْقَوْلِ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ اخْتِيَارُهُ لِمَا لَا يَعْلَمُهُ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا.
[فَصْلٌ كِنَايَات الطَّلَاق نَوْعَانِ]
فَصْلٌ (وَكِنَايَتُهُ) أَيْ: الطَّلَاقُ (نَوْعَانِ ظَاهِرَةٌ) وَهِيَ الْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْبَيْنُونَةِ لِأَنَّ مَعْنَى الطَّلَاقِ فِيهَا أَظْهَرُ، وَخَفِيَّةٌ وَهِيَ الْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ (وَهِيَ) أَيْ الظَّاهِرَةُ (لِسِتَّةِ عَشْرَ) كِنَايَةً (وَهِيَ أَنْتِ خَلِيَّةٌ) هِيَ فِي الْأَصْلِ النَّاقَةُ تُطْلَقُ مِنْ عِقَالِهَا وَيُخَلَّى عَنْهَا، وَلَا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ خَلِيَّةٌ كِنَايَةً عَنْ الطَّلَاقِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ (وَبَرِيَّةٌ) بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ (وَبَائِنٌ) أَيْ: مُنْفَصِلَةٌ (وَبَتَّةٌ) أَيْ: مَقْطُوعَةٌ (وَبَتْلَةٌ) أَيْ: مُنْقَطِعَةٌ وَسُمِّيَتْ مَرْيَمَ الْبَتُولَ؛ لِانْقِطَاعِهَا عَنْ النِّكَاحِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَأَنْتِ حُرَّةٌ) لِأَنَّ الْحُرَّةَ هِيَ الَّتِي لَا رِقَّ عَلَيْهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ النِّكَاحَ رِقٌّ، وَفِي الْخَبَرِ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» أَيْ: أَسْرَى، وَالزَّوْجُ لَيْسَ لَهُ عَلَى الزَّوْجَةِ إلَّا رِقَّ الزَّوْجِيَّةِ، فَإِذَا أَخْبَرَ بِزَوَالِ الرِّقِّ فَهُوَ الرِّقُّ الْمَعْهُودُ، وَهُوَ رِقُّ الزَّوْجِيَّةِ (وَأَنْتِ الْحَرَجُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ يَعْنِي الْحَرَامَ وَالْإِثْمَ (وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك) هُوَ مُقَدَّمُ السَّنَامِ؛ أَيْ: أَنْتِ مُرْسَلَةٌ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مَشْدُودَةٍ وَلَا مُمْسَكَةٍ بِعَقْدِ النِّكَاحِ (وَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْت وَحَلَلْت لِلْأَزْوَاجِ، وَلَا سَبِيلَ) لِي عَلَيْك
стр. 3434
السَّبِيلُ الطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (أَوْ لَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك، وَأَعْتَقْتُك، وَغَطِّ شَعْرَك وَتَقَنَّعِي، وَأَمْرُك بِيَدِك وَيَأْتِي) فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ بَعْدَ هَذَا.
(وَ) الْكِنَايَةُ (الْخَفِيَّةُ عِشْرُونَ) سُمِّيَتْ خَفِيَّةً؛ لِأَنَّهَا أَخْفَى فِي الدَّلَالَةِ مِنْ الْأُولَى (وَهِيَ اُخْرُجِي وَاذْهَبِي وَذُوقِي وَتَجَرَّعِي وَخَلَّيْتُك وَأَنْتِ مُخَلَّاةٌ) أَيْ: مُطَلَّقَةٌ مِنْ خَلَّى سَبِيلَهُ فَهُوَ مُخَلَّى (وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ أَيْ مُنْفَرِدَةٌ، وَلَيْسَ لِي بِامْرَأَةٍ، وَاعْتَدِّي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا لِأَنَّهَا مَحَلٌّ لِلْعِدَّةِ فِي الْجُمْلَةِ وَاسْتَبْرِئِي) مِنْ اسْتِبْرَاءِ الْإِمَاءِ، وَيَأْتِي (وَاعْتَزِلِي) أَيْ: كُونِي وَحْدَك فِي جَانِبٍ (وَشَبَهُهُ وَالْحَقِي) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَفَتْحِ الْحَاءِ (بِأَهْلِك، وَلَا حَاجَةَ لِي فِيك، وَمَا بَقِيَ شَيْءٌ؛ وَأَغْنَاك اللَّهُ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ طَلَّقَك وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَرَاحَك مِنِّي، وَجَرَى الْقَلَمُ، وَلَفْظُ فِرَاقٍ وَلَفْظُ سَرَاحٍ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُمَا) أَيْ: الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ (غَيْرَ مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ لَفْظِ الصَّرِيحِ) وَهُوَ الْأَمْرُ وَالْمُضَارِعُ، وَمُفَرَّقَةٌ وَمَرِحَةٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ: اسْمُ فَاعِلٍ (وَيَتَّجِهُ مِنْهَا) أَيْ: الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ (أَلْفَاظُ الْخُلْعِ السِّتَّةُ) الْمُقَدَّمَةُ، وَمِنْهَا قَوْلُ الزَّوْجِ (لَيْسَ لِي امْرَأَةٌ وَنَحْوُهُ مِمَّا مَرَّ) مِنْ الْأَلْفَاظِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَسْتَعْمِلُهُ الْعَوَامُّ كَعَدَّيْت عَنْهَا، وَجُزْت مِنْهَا.
(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ يَصِحُّ عَدُّ صَرِيحِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَعَدَّ ابْنُ عَقِيلٍ) مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ إنَّ اللَّهَ قَدْ طَلَّقَك (وَكَذَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (فِي) رَجُلٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ (إنْ أَبْرَأْتنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ لَهُ أَبْرَأَك اللَّهُ مِمَّا تَدَّعِي النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ، فَظَنَّ أَنَّهُ يَبْرَأُ، فَطَلَّقَ قَالَ: يَبْرَأُ) مِمَّا تَدَّعِي النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ إنْ كَانَتْ رَشِيدَةً (وَنَظِيرُ ذَلِكَ إنَّ اللَّهَ قَدْ بَاعَك) فِي إيجَابِ الْبَيْعِ (أَوْ قَدْ أَقَالَك) فِي الْإِقَالَةِ (وَنَحْوُ ذَلِكَ) كَانَ اللَّهُ قَدْ آجَرَك أَوْ وَهَبَك وَالْبَرَاءَةُ فِيمَا تَقَدَّمَ صَحِيحَةٌ وَلَوْ جَهِلَتْ مَا أَبْرَأْت مِنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ مِنْ صِحَّةِ الْبَرَاءِ مِنْهُ مِنْ الْمَجْهُولِ.
стр. 3435
(وَلَا يَقَعُ بِكِنَايَةٍ، وَلَوْ ظَاهِرَةً) طَلَاقٌ لِقُصُورِ رُتْبَتِهَا عَنْ الصَّرِيحِ، فَوَقَفَ عَمَلُهَا عَلَى نِيَّةِ الطَّلَاقِ تَقْوِيَةً لَهَا لِتَلْحَقَهُ فِي الْعَمَلِ، وَلِاحْتِمَالِهَا غَيْرَ مَعْنَى الطَّلَاقِ؛ فَلَا تَتَعَيَّنُ لَهُ (إلَّا بِنِيَّةٍ مُقَارَنَةٍ لِلَّفْظِ) أَيْ: لِلَّفْظِ الْكِنَايَةِ، فَإِنْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ فِي ابْتِدَائِهِ وَعَزَبَتْ عَنْهُ فِي بَاقِيهِ؛ وَقَعَ الطَّلَاقُ اكْتِفَاءً بِهَا فِي أَوَّلِهِ كَسَائِرِ مَا تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ تَلَفَّظَ بِالْكِنَايَةِ غَيْرَ نَاوٍ لِلطَّلَاقِ، ثُمَّ نَوَاهُ بِهَا بَعْدُ؛ لَمْ يَقَعْ كَنِيَّةِ الطَّهَارَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، وَقِيلَ وَكَذَا لَوْ قَارَنَتْ النِّيَّةُ الْجُزْءَ الثَّانِيَ مِنْ الْكِنَايَةِ دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ غَيْرُ صَالِحٍ لِلْإِيقَاعِ بَعْدَ إتْيَانِهِ بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ بِلَا نِيَّةٍ كَصَلَاةٍ بَعْدَ إتْيَانِهِ بِبَعْضِ أَرْكَانِهَا، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى "، وَصَحَّحَهُ فِي " تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ الْآدَمِيُّ فِي مُنْتَخَبِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلَّفْظِ؛ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُقَارِنَ أَوَّلَهُ أَوْ غَيْرَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ؛ (وَلَا تُشْتَرَطُ لِلْكِنَايَةِ) نِيَّةُ الطَّلَاقِ (حَالَ خُصُومَةٍ أَوْ حَالَ سُؤَالِ طَلَاقِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْحَالِ (فَلَوْ لَمْ يَرُدَّهُ) أَيْ: الطَّلَاقَ مَنْ أَتَى بِالْكِنَايَةِ فِي حَالٍ مِمَّا ذُكِرَ أَوْ أَرَادَ بِالْكِنَايَةِ (غَيْرَهُ) أَيْ: الطَّلَاقِ (إذَنْ) أَيْ: حَالَ خُصُومَةٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ سُؤَالِ طَلَاقِهَا (دُيِّنَ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا؛ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ شَيْءٌ (وَلَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ (حُكْمًا) لِتَأْثِيرِ دَلَالَةِ الْحَالِ فِي الْحُكْمِ كَمَا يُحْمَلُ الْكَلَامُ الْوَاحِدُ عَلَى الْمَدْحِ تَارَةً وَعَلَى الذَّمِّ أُخْرَى بِالْقَرَائِنِ وَلِذَا لَوْ قَالَ حَالَ الْخُصُومَةِ لَيْسَتْ أُمِّي بِزَانِيَةٍ كَانَ تَعْرِيضًا بِالْقَذْفِ لِمُخَاصِمِهِ، وَفِي غَيْرِ مُخَاصِمِهِ تَكُونُ تَنْزِيهًا لِأُمِّهِ عَنْ الزِّنَا، فَتَقُومُ دَلَالَةُ الْحَالِ مَقَامَ الْقَوْلِ فِيهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا يُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ) إذَا لَمْ يُرِدْ الطَّلَاقَ مَنْ أَتَى بِكِنَايَةٍ فِي حَالِ خُصُومَةٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ سُؤَالِهَا يَدِينُ (إلَّا مَعَ قَرِينَةٍ) فَإِنْ كَانَ ثَمَّ قَرِينَةٌ (كَ) قَوْلِهِ (غَطِّ شَعْرَك لِمَكْشُوفَتِهِ فَلَا يُدَيَّنُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ إرَادَتَهُ الْإِيقَاعُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ) .
(وَيَقَعُ بِكِنَايَةٍ ظَاهِرَةٍ ثَلَاثُ) طَلْقَاتٍ (وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ
следующие страницы →