Полный текст (4 464 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
اسْتِبْرَاءٌ (لِمَنْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ) بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ وَنَحْوِهِمَا (لِيَعْلَمَ وَقْتَ حَمْلِهَا) إنْ كَانَتْ حَامِلًا (وَمَتَى وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ) مُنْذُ مَلَكَهَا (فَأُمُّ وَلَدٍ وَلَوْ أَنْكَرَتْ الْوَلَدَ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِوَطْءٍ) لِأَنَّهَا صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ بِوَطْئِهَا، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَ (لَا) تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ إنْ وَلَدَتْ (لِأَقَلَّ) مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ مَلَكَهَا (وَيَتَّجِهُ وَعَاشَ) لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مِنْ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَلَا) إنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (مَعَ دَعْوَى اسْتِبْرَاءٍ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِرَاشًا وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ مِيرَاثِ الْحَمْلِ يَجِبُ اسْتِبْرَاءُ زَوْجَةٍ حُرَّةٍ مَاتَ وَلَدُهَا عَنْ وَرَثَةٍ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُحْجَبُ بِحَمْلِهَا إنْ كَانَ.
(وَيَجِبُ اسْتِبْرَاءُ مَنْ) أَيْ: أَمَةٍ (مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ غَنِيمَةٍ) وَكَذَا الْمَأْخُوذَةُ أُجْرَةً أَوْ جَعَالَةً أَوْ عِوَضًا عَنْ خُلْعٍ وَنَحْوِهِ إنْ وُجِدَ اسْتِبْرَاؤُهَا (قَبْلَ قَبْضٍ مِنْهُ) لَهَا.
(وَ) يُجْزِئُ اسْتِبْرَاءٌ (لِمُشْتَرٍ زَمَنَ خِيَارٍ) لِوُجُودِ الِاسْتِبْرَاءِ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ أَوْ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ.
(وَيَدُ وَكِيلٍ) وُجِدَ الِاسْتِبْرَاءُ فِي يَدِهِ (كَيَدِ مُوَكِّلٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَقَبْضُهُ كَقَبْضِهِ، لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ. وَإِنْ مَلَكَ بَعْضَ أَمَةٍ ثُمَّ بَاقِيهَا فَالِاسْتِبْرَاءُ مُنْذُ مَلَكَ الْبَاقِيَ
(وَمَنْ مَلَكَ) أَمَةً (مُعْتَدَّةً مِنْ غَيْرِهِ) اكْتَفَى بِالْعِدَّةِ (أَوْ) مَلَكَ (مُزَوَّجَةً فَطَلَّقَهَا) زَوْجُهَا (بَعْدَ دُخُولٍ) بِهَا (أَوْ مَاتَ زَوْجُهَا) ، اكْتَفَى بِالْعِدَّةِ (أَوْ زَوَّجَ) سَيِّدٌ (أَمَتَهُ، ثُمَّ طَلُقَتْ بَعْدَ دُخُولٍ اكْتَفَى بِالْعِدَّةِ) لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالْبَرَاءَةِ بِهَا، فَلَا فَائِدَةَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ (وَمَتَى مُلِكَتْ مُعْتَدَّتُهُ) بِغَيْرِ طَلَاقِ ثَلَاثٍ لَا مِنْ زِنًى (حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا) لِأَنَّهَا فِرَاشُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاؤُهَا مِنْ مَائِهِ، وَلَهُ أَنْ يَطَأَهَا فِي الْحَالِ، وَمَتَى بَاعَهَا قَبْلَ وَطْئِهَا حَلَّتْ لِلْمُشْتَرِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَأَمَّا الْمَزْنِيُّ بِهَا إذَا مَلَكَهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا.
(وَإِنْ طَلُقَتْ مَنْ) أَيْ: أَمَةٌ
стр. 3677
(مُلِكَتْ) بِالْبَقَاءِ لِلْمَفْعُولِ حَالَ كَوْنِهَا (مُزَوَّجَةً قَبْلَ دُخُولٍ وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ هَذِهِ حِيلَةٌ وَضَعَهَا أَهْلُ الرَّأْيِ. رُوِيَ أَنَّ الرَّشِيدَ اشْتَرَى جَارِيَةً فَأَفْتَاهُ أَبُو يُوسُفَ أَنْ يُعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا وَيَطَأَهَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَا أَعْظَمَ هَذَا، أَبْطَلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا كَيْفَ يُصْنَعُ هَذَا، لَا يَدْرِي أَهِيَ حَامِلٌ أَمْ لَا مَا أَسْمَجَ هَذَا. وَحَاصِلُهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِبْرَائِهَا؛ لِأَنَّهُ تَجَدَّدَ لَهُ الْمِلْكُ فِيهَا، وَلَمْ يَحْصُلْ اسْتِبْرَاؤُهَا فِي مِلْكِهِ؛ فَلَا تَحِلُّ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُزَوَّجَةً، وَلِأَنَّ إسْقَاطَ الِاسْتِبْرَاءِ هُنَا ذَرِيعَةٌ إلَى جَوَازِ سُقُوطِ الِاسْتِبْرَاءِ بِأَنْ زَوَّجَ الْبَائِعُ أَمَتَهُ قَبْلَ بَيْعِهَا، فَإِذَا تَمَّ الْبَيْعُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ دُخُولِهِ.
الْمَوْضِعُ (الثَّانِي إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ) الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا (ثُمَّ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا لِغَيْرِهِ أَوْ أَرَادَ بَيْعَ) مَوْطُوءَةٍ (غَيْرِ آيِسَةٍ حَرُمَا) أَيْ: التَّزْوِيجُ وَالْبَيْعُ (حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا) لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاءٌ فَيُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ، وَلِأَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بَيْعَ جَارِيَةٍ كَانَ يَطَؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ لِحِفْظِ مَائِهِ فَكَذَا الْبَائِعُ وَلِلشَّكِّ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِيهَا مَنْ لَا يَسْتَبْرِئُهَا فَيُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ.
وَأَمَّا الْآيِسَةُ فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاؤُهَا إذَا أَرَادَ بَيْعَهَا قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَ الْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْوُجُوبِ احْتِمَالُ الْحَمْلِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ اسْتِبْرَاؤُهَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (فَلَوْ خَالَفَ) فَزَوَّجَهَا أَوْ بَاعَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا (صَحَّ بَيْعٌ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ (لَا نِكَاحٌ) فَلَا يَصِحُّ كَتَزْوِيجِ الْمُعْتَدَّةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يُرَادُ إلَّا الِاسْتِمْتَاعُ؛ فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ مُعْتَدَّةٍ وَلَا مُرْتَدَّةٍ، وَالْبَيْعُ يُرَادُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَصِحُّ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ (وَلَمْ يَجُزْ لِمُشْتَرٍ أَيْضًا أَنْ يُزَوِّجَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَاءٍ، فَإِنْ لَمْ يَطَأْ) الْبَائِعُ الْأَمَةَ (أُبِيحَا) أَيْ الْبَيْعُ
стр. 3678
وَالنِّكَاحُ (قَبْلَ) أَيْ: الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ.
(وَيُسَنُّ) لِسَيِّدٍ أَرَادَ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ الَّتِي لَمْ يَطَأْهَا (اسْتَبِرَا) ؤُهَا قَبْلَ التَّزْوِيجِ؛ لِيَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا.
(وَلَوْ وَطِئَ اثْنَانِ أَمَتِهِمَا ثُمَّ بَاعَاهَا لِآخَرَ أَجْزَأَهُ اسْتِبْرَاءٌ وَاحِدٌ) لِأَنَّهُ تُعْلَمُ بِهِ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا (وَإِنْ أَعْتَقَاهَا لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءَانِ) لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ هُنَا كَالْعِدَّةِ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ وَالْوَطْءُ قَدْ وُجِدَ مِنْ اثْنَيْنِ؛ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ مُعَلَّلٌ بِتَجْدِيدِ الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ وَاحِدٌ.
الْمَوْضِعُ (الثَّالِثُ) مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الِاسْتِبْرَاءُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (إذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ) أَعْتَقَ (سُرِّيَّتَهُ) وَهِيَ الْأَمَةُ الْمُتَّخَذَةُ لِلْوَطْءِ مَأْخُوذٌ مِنْ السُّرِّ وَهُوَ الْجِمَاعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا سِرًّا.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: خَصُّوا الْأَمَةَ بِهَذَا الِاسْمِ فَرْقًا بَيْنَ الْمَرْأَةِ الَّتِي تُنْكَحُ وَالْأَمَةِ (أَوْ مَاتَ عَنْهَا) أَيْ: أُمِّ الْوَلَدِ أَوْ السُّرِّيَّةِ سَيِّدُهَا (لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا) ؛ لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لِسَيِّدِهَا - وَقَدْ فَارَقَهَا بِالْمَوْتِ أَوْ الْعِتْقِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ بِلَا اسْتِبْرَاءٍ، وَ (لَا) يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ (إنْ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ) عِتْقِهَا؛ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ (أَوْ أَرَادَ) بَعْدَ عِتْقِهَا (تَزَوَّجَهَا لِنَفْسِهِ) فَلَا اسْتِبْرَاءَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ (أَوْ اُسْتُبْرِئَتْ) أَيْ اسْتَبْرَأَ الْأَمَةَ الْمَبِيعَةَ بَائِعُهَا (قَبْلَ بَيْعِهَا، فَأَعْتَقَهَا مُشْتَرٍ) مِنْهُ قَبْلَ وَطْئِهَا؛ فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا اسْتِغْنَاءً بِاسْتِبْرَائِهَا قَبْلَ بَيْعِهَا (أَوْ أَرَادَ) مُشْتَرِ أَمَةٍ اسْتَبْرَأَهَا بَائِعُهَا قَبْلَ بَيْعِهَا (تَزْوِيجَهَا لِغَيْرِهِ قَبْلَ وَطْئِهَا) فَلَا اسْتِبْرَاءَ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا بِالِاسْتِبْرَاءِ السَّابِقِ لِلْبَيْعِ.
(أَوْ كَانَتْ) أُمُّ الْوَلَدِ أَوْ السُّرِّيَّةُ حَالَ عِتْقِهَا (مُزَوَّجَةً فَطَلُقَتْ أَوْ مُعْتَدَّةً) مِنْ زَوْجٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا (أَوْ فَرَغَتْ عِدَّتُهَا مِنْ زَوْجِهَا فَأَعْتَقَهَا) سَيِّدُهَا (قَبْلَ وَطْئِهِ بَعْدَ فَرَاغِ عِدَّتِهَا، فَلَا اسْتِبْرَاءَ) ؛ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا، وَلَيْسَتْ فِرَاشًا لِلسَّيِّدِ (إنْ أَبَانَهَا) أَيْ: الْأَمَةَ زَوْجُهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا أَوْ بَعْدَهُ، أَيْ الدُّخُولِ (فَاعْتَدَّتْ ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهَا، فَلَا اسْتِبْرَاءَ) عَلَيْهَا (وَلَوْ) كَانَتْ الْمُبَانَةُ (أُمَّ وَلَدٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ وَعِبَارَتُهُ وَإِنْ بَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ أَوْ مَوْتِ زَوْجِهَا، أَوْ بِطَلَاقِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَأَتَمَّتْ عِدَّتَهَا، ثُمَّ
стр. 3679
مَاتَ سَيِّدُهَا، فَعَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ انْتَهَى.
وَمَحَلُّ عَدَمِ لُزُومِ الِاسْتِبْرَاءِ (إنْ لَمْ يَطَأْهَا) سَيِّدُهَا لِزَوَالِ فِرَاشِ سَيِّدِهَا بِتَزْوِيجِهَا (كَمَنْ لَمْ يَطَأْ) هَا سَيِّدُهَا (أَصْلًا) قَبْلَ تَزَوُّجٍ وَلَا بَعْدَهُ؛ فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا مِنْهُ.
(وَمَنْ أُبِيعَتْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ مِنْ الْإِمَاءِ (وَلَمْ تُسْتَبْرَأْ) قَبْلَ بَيْعٍ (فَأَعْتَقَهَا مُشْتَرٍ) أَوْ أَرَادَ تَزَوُّجَهَا (قَبْلَ وَطْءٍ وَ) قَبْلَ (اسْتِبْرَاءٍ اسْتَبْرَأَتْ) نَفْسَهَا (أَوْ تَمَّمَتْ مَا وُجِدَ عِنْد مُشْتَرٍ) مِنْ اسْتِبْرَاءٍ إنْ عَتَقَتْ فِي أَثْنَائِهِ لِتَعْلَمَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا.
(وَإِنْ مَاتَ زَوْجُ أُمِّ وَلَدٍ وَسَيِّدُهَا، وَجُهِلَ أَسْبَقُهُمَا) مَوْتًا (لَزِمَهَا بَعْدَ مَوْتِ آخِرِهِمَا عِدَّةُ حُرَّةٍ لِوَفَاةٍ فَقَطْ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُتَأَخِّرُ، فَيَلْزَمُهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ تَكُونُ الْمُدَّةُ أَقْصَى مِنْ هَذِهِ فَأَوْجَبْنَاهُ مِنْ حِينِ مَوْتِ الْآخَرِ لِلِاحْتِيَاطِ؛ لِدُخُولِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فِيهَا فَيَسْقُطُ الْغَرَضُ بِيَقِينٍ لِمَا أَوْجَبْنَا فِيهِ عِدَّةَ الْوَفَاةِ (وَلَا تَرِثُ) أُمُّ الْوَلَدِ (مِنْ الزَّوْجِ) شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ وَالْحُرِّيَّةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا؛ فَلَمْ تَرِثْ مَعَ الشَّكِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِرْثِ وَالْعِدَّةِ أَنَّ الْعِدَّةَ إسْقَاطٌ عَلَيْهَا اسْتِظْهَارًا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهَا وَإِيجَابُ الْإِرْثِ إسْقَاطٌ لِحَقِّ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا؛ فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِرْثِ لَهَا؛ فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ.
(وَلَا اسْتِبْرَاءَ) عَلَيْهَا (مُطْلَقًا) أَيْ: عَلَى كُلِّ التَّقْدِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ فَقَدْ مَاتَ السَّيِّدُ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُتَأَخِّرُ فَقَدْ مَاتَ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ، وَلَا يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ وَأَمَّا السُّرِّيَّةُ، إذَا مَاتَ السَّيِّدُ عَنْهَا وَالزَّوْجُ وَجُهِلَ أَسْبَقُهُمَا فَلَا يَلْزَمُهَا إلَّا عِدَّةُ أَمَةٍ لِلْوَفَاةِ لَا عِدَّةُ حُرَّةٍ؛ إذْ لَا شُبْهَةَ لَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى " فَإِنَّهُمَا أَلْزَمَاهَا أَنْ تَعْتَدَّ الْأَطْوَلَ مِنْ عِدَّةِ حُرَّةٍ لِوَفَاةٍ أَوْ اسْتِبْرَاءٍ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ " الْمُنْتَهَى " ذَكَرَ قُبَيْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا مَاتَ السَّيِّدُ بَعْدَ عِدَّتِهَا فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ (لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا تَصِيرُ فِرَاشًا لِلسَّيِّدِ بِلَا وَطْءٍ ثَانٍ إلَّا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ)
стр. 3680
قِيلَ إنَّهُ لِأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا عَلِمَتْ أَنَّ آخِرَهُمَا مَوْتًا أَصَابَهَا وَجَهِلَتْهُ، أَوْ عَلَى مَا إذَا شَكَّتْ فِي أَنَّ آخِرَهُمَا مَوْتًا وَطِئَهَا، أَمَّا إذَا تَحَقَّقَتْ عَدَمُ وَطْئِهِ فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ اسْتِبْرَاءُ الْحَامِل]
فَصْلٌ: (وَاسْتِبْرَاءُ حَامِلٍ بِوَضْعِ) مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ (وَ) اسْتِبْرَاءُ (مَنْ تَحِيضُ بِحَيْضَةٍ كَامِلَةٍ) لِحَدِيثِ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ؛ وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً.» وَلَا يَحْصُلُ اسْتِبْرَاءٌ (بِبَقِيَّتِهَا) أَيْ: الْحَيْضَةِ إذَا مَلَكَهَا حَائِضًا وَلَوْ كَانَتْ تُبْطِئُ حَيْضَتَهَا أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ؛ لِمَا فِي لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْخَبَرِ: حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ.
(وَ) اسْتِبْرَاءُ (آيِسَةٍ وَبِنْتِ تِسْعٍ وَبَالِغَةٍ لَمْ تَحِضْ بِشَهْرٍ) لِأَنَّ الشَّهْرَ أُقِيمَ مَقَامَ الْحَيْضَةِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ (وَإِنْ حَاضَتْ فِيهِ) أَيْ: الشَّهْرِ، (فَ) اسْتِبْرَاؤُهَا (بِحَيْضَةٍ) يَعْنِي فَتَنْتَقِلُ إلَى الْقَرْءِ كَالصَّغِيرَةِ إذَا حَاضَتْ فِي عِدَّتِهَا، وَ (لَا) يَلْزَمُهَا الِانْتِقَالُ إلَى الْقَرْءِ إذَا حَاضَتْ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الشَّهْرِ (خِلَافًا لِلْمُنْتَهَى) صَوَابُهُ وِفَاقًا لِلْمُنْتَهَى (وَعِبَارَتُهُ وَإِنْ حَاضَتْ فِيهِ فَبِحَيْضَةٍ) ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ وَقَفَ عَلَى نُسْخَةٍ مَلْحُونَةٍ سَاقِطٌ مِنْهَا لَفْظُ فِي، (فَكَتَبَ عَلَيْهَا) ، وَذَكَرَ الْخِلَافَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ.
(وَ) اسْتِبْرَاءُ (مُرْتَفِعٍ حَيْضُهَا وَلَمْ تَدْرِ مَا رَفَعَهُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ) تِسْعَةٌ لِلْحَمْلِ وَشَهْرٌ لِلِاسْتِبْرَاءِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِدَّةِ (وَإِنْ عَلِمَتْ مَا رَفَعَ حَيْضَهَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ رَضَاعٍ) أَوْ غَيْرِهِ (فَكَحُرَّةٍ) فَلَا تَزَالُ فِي اسْتِبْرَاءٍ حَتَّى يَعُودَ الْحَيْضُ فَتَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ أَوْ تَصِيرَ آيِسَةً فَتَسْتَبْرِئَ بِشَهْرٍ (وَلَا يَكُونُ الِاسْتِبْرَاءُ إلَّا بَعْدَ مِلْكِ) مُشْتَرٍ (جَمِيعَ
стр. 3681
الْأَمَةِ، فَلَوْ مَلَكَ بَعْضَهَا، فَاسْتَبْرَأَهَا ثُمَّ مَلَكَ بَاقِيهَا لَمْ يُحْسَبْ) الِاسْتِبْرَاءُ إلَّا مِنْ حِينِ مَلَكَ بَاقِيهَا؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ حُصُولِهَا كُلِّهَا فِي مِلْكِهِ، وَيَحْرُمُ وَطْءٌ زَمَنَ اسْتِبْرَاءٍ كَالْوَطْءِ قَبْلَهُ، وَلَا يَنْقَطِعُ الِاسْتِبْرَاءُ (فَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ اسْتِبْرَاءٍ فَحَمَلَتْ قَبْلَ حَيْضَةٍ اسْتَبْرَأَتْ، بِوَضْعِهِ) أَيْ: الْحَمْلِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أُولَاتِ الْحَمْلِ، (وَ) إنْ حَمَلَتْ (فِيهَا) أَيْ: الْحَيْضَةِ (وَقَدْ مَلَكَهَا حَائِضًا فَكَذَلِكَ) أَيْ: اسْتَبْرَأَتْ بِوَضْعِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ أَحْبَلَهَا فِي حَيْضَةٍ ابْتَدَأَتْهَا عِنْدَهُ) أَيْ: الْمُنْتَقِلِ مِلْكُهَا إلَيْهِ (تَحِلُّ) لَهُ (فِي الْحَالِ) وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ (لِجَعْلِ مَا مَضَى) مِنْ الْحَيْضِ قَبْلَ إحْبَالِهَا (حَيْضَةً) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ أَقَلَّ الْحَيْضِ (وَتُصَدَّقُ) أَمَةٌ (فِي حَيْضٍ إذَا ادَّعَتْهُ) فَيَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ تَطَهُّرِهَا (فَلَوْ أَنْكَرَتْهُ) أَيْ الْحَيْضَ بِأَنْ قَالَتْ لَمْ تَحِضْ لِتَمْنَعَهُ مِنْ وَطْئِهَا؛ لِعَدَمِ الِاسْتِبْرَاءِ (بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ حَيْضُهَا فِيهِ) كَشَهْرٍ مَثَلًا (فَقَالَ أَخْبَرَتْنِي بِهِ) أَيْ: بِأَنَّهَا حَاضَتْ (صُدِّقَ) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ) أَمَةٌ (مَوْرُوثَةٌ تَحْرِيمَهَا عَلَى وَارِثٍ بِوَطْءِ مُورِثِهِ) كَأَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ صُدِّقَتْ، وَلَعَلَّهُ مَا لَمْ تَكُنْ مَكَّنَتْهُ قَبْلُ (أَوْ) ادَّعَتْ أَمَةٌ (مُشْتَرَاةٌ أَنْ لَهَا زَوْجًا صُدِّقَتْ) فِيهِ؛ لِأَنَّهُ، لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يُقْبَلُ قَوْلُ مُشْتَرَاةٍ أَنَّ لَهَا زَوْجًا (بَعْدَ) أَنْ مَكَّنَتْ سَيِّدَهَا مِنْ وَطْئِهَا؛ إذْ تَمْكِينُهَا السَّيِّدَ قَبْلَ ذَلِكَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُزَوَّجَةٍ (وَلِمُشْتَرٍ) أَخْبَرَتْهُ بِأَنَّهَا مُزَوَّجَةٌ (الْفَسْخُ) إنْ صَدَّقَهَا؛ لِعَدَمِ سَلَامَةِ الْمَبِيعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
стр. 3682
[كِتَابُ الرَّضَاعِ]
ِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا (وَهُوَ) مَصْدَرُ رَضَعَ الثَّدْيَ إذَا مَصَّهُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْكَسْرُ الْأَفْصَحُ. وَلَهُ سَبْعُ مَصَادِرَ، قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ فِي شَرْحِهِ: امْرَأَةٌ مُرْضِعٌ إذَا كَانَتْ تُرْضِعُ وَلَدَهَا سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، وَامْرَأَةٌ مُرْضِعَةٌ إذَا كَانَ ثَدْيُهَا فِي فَمِ وَلَدِهَا.
قَالَ ثَعْلَبٌ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] وَقِيلَ الْمُرْضِعَةُ الْأُمُّ وَالْمُرْضِعُ الَّتِي مَعَهَا صَبِيٌّ تُرْضِعُهُ، وَالْوَلَدُ رَضِيعٌ وَرَاضِعٌ. (وَشَرْعًا مَصُّ لَبَنٍ) أَيْ: مَصُّ مَنْ لَهُ دُونَ حَوْلَيْنِ لَبَنًا (ثَابَ) أَيْ: اجْتَمَعَ (مِنْ حَمْلٍ مِنْ ثَدْيِ امْرَأَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَصَّ (أَوْ شَرِبَهُ وَنَحْوَهُ) كَأَكْلِهِ بَعْدَ تَجْبِينِهِ وَسَعُوطٍ وَوَجُورٍ وَتَأْتِي، مَفَاهِيمُ ذَلِكَ.
(وَيَحْرُمُ) رَضَاعٌ (كَنَسَبٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ " مِنْ النَّسَبِ ": وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ مُحَرَّمٌ فِي الْجُمْلَةِ (فَمَنْ أَرْضَعَتْ) وَلَوْ مُكْرَهَةً عَلَى إرْضَاعِهَا (بِلَبَنِ حَمْلٍ) لَاحِقٌ نَسَبُهُ (بِوَاطِئٍ) بِأَنْ تَكُونَ الْمَوْطُوءَةُ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ أَوْ مَوْطُوءَتَهُ بِشُبْهَةٍ وَالرَّضِيعُ (طِفْلًا) فِي الْحَوْلَيْنِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (صَارَا) أَيْ: الْمُرْضِعَةُ وَالْوَاطِئُ اللَّاحِقُ بِهِ الْحَمْلُ الَّذِي ثَابَ عَنْهُ اللَّبَنُ (فِي تَحْرِيمِ نِكَاحٍ) مُتَعَلِّقٍ بِصَارَا (وَفِي ثُبُوتِ مَحْرَمِيَّةٍ وَإِبَاحَةِ نَظَرٍ وَفِي) إبَاحَةِ (خَلْوَةِ أَبَوَيْهِ) أَيْ: الطِّفْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ
стр. 3683
فَرْعٌ عَلَى التَّحْرِيمِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ.
(وَ) صَارَ (هُوَ) أَيْ: الْمُرْتَضِعُ (وَلَدَهُمَا) فِيمَا ذُكِرَ (وَ) صَارَ (أَوْلَادُهُ) أَيْ: الطِّفْلِ (وَإِنْ سَفَلُوا أَوْلَادَ وَلَدِهِمَا) الَّذِي هُوَ الْمُرْتَضِعُ (وَصَارَ أَوْلَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ: الْمُرْضِعَةِ وَالْوَاطِئِ الْمَذْكُورِ (مِنْ الْآخَرِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) كَأَنْ تَزَوَّجَتْ الْمُرْتَضِعَةُ بِغَيْرِهِ فَصَارَ لَهَا مِنْهُ أَوْلَادٌ، أَوْ تَزَوَّجَ الْوَاطِئُ بِغَيْرِهَا وَصَارَ لَهُ مِنْهَا أَوْلَادٌ؛ فَالذُّكُورُ مِنْهُمْ يَصِيرُونَ (إخْوَتَهُ وَالْبَنَاتُ أَخَوَاتِهِ، وَيَصِيرُ آبَاؤُهُمَا) أَيْ: الْمُرْضِعَةِ وَالْوَاطِئِ (أَجْدَادَهُ) أَيْ: الطِّفْلِ (وَ) أُمَّهَاتُهُمَا (جَدَّاتِهِ وَ) صَارَ إخْوَتُهُمَا وَ (أَخَوَاتُهُمَا) أَيْ: إخْوَةُ الْمُرْضِعَةِ وَأَخَوَاتُهَا، (وَإِخْوَةُ الْوَاطِئِ وَأَخَوَاتُهُ) أَعْمَامَهُ وَعَمَّاتِهِ وَأَخْوَالَهُ وَخَالَاتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فَرْعُ ثُبُوتِ الْأُمُومَةِ وَالْأُبُوَّةِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ أُبُوَّةُ الْوَاطِئِ لِلطِّفْلِ وَفُرُوعُهَا إذَا كَانَ يَلْحَقُهُ نَسَبُ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي ثَابَ لِلْمَرْأَةِ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ وَمَاءِ الْمَرْأَةِ، فَنَشَرَ التَّحْرِيمَ إلَيْهِمَا وَنَشَرَ الْحُرْمَةَ إلَى الرَّجُلِ وَأَقَارِبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى لَبَنُ الْفَحْلِ، «لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَنْ أَفْلَحَ حِينَ قَالَ لَهَا أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّك؟ فَقَالَتْ كَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَرْضَعَتْك امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي، فَقَالَ صَدَقَ أَفْلَحُ ائْذَنِي لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
(وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ نَسَبٍ مِنْ نَفَقَةٍ وَإِرْثٍ وَعِتْقٍ وَوِلَايَةٍ) إذَا مَلَكَ رَحِمَهُ الْمَحْرَمَ بِالرَّضَاعِ وَوِلَايَةَ النِّكَاحِ وَالْمَالِ، لِأَنَّ النَّسَبَ أَقْوَى مِنْ الرَّضَاعِ فَلَا يُسَاوِيهِ إلَّا فِيمَا وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ، وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَحْرَمِيَّةِ وَالْخَلْوَةِ (وَتَمَلُّكٍ وَعَقْلٍ وَرَدِّ شَهَادَةٍ) لِأَصْلِهِ وَفُرُوعِهِ مِنْ الرَّضَاعِ (وَحُكْمٍ، وَلَا تَنْتَشِرُ حُرْمَةُ) رَضَاعٍ (إلَى مَنْ بِدَرَجَةِ مُرْتَضِعٍ أَوْ فَوْقَهُ مِنْ أَخٍ وَأُخْتٍ) مِنْ نَسَبِ بَيَانٍ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ (وَأَبٍ وَأُمٍّ وَعَمٍّ وَعَمَّةٍ وَخَالٍ وَخَالَةٍ) مِنْ نَسَبِ بَيَانٍ لِمَنْ فَوْقَهُ (فَتَحِلُّ مُرْضِعَةٌ لِأَبِي مُرْتَضِعٍ وَأَخِيهِ مِنْ نَسَبٍ) إجْمَاعًا (وَ) تَحِلُّ (أُمُّهُ) أَيْ: الْمُرْتَضِعِ (وَأُخْتُهُ مِنْ نَسَبٍ لِأَبِيهِ وَأَخِيهِ مِنْ رَضَاعٍ) إجْمَاعًا (كَمَا يَحِلُّ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ مِنْ نَسَبٍ أُخْتَهُ مِنْ أُمِّهِ) مِنْ نَسَبٍ إجْمَاعًا (وَيَكُونُ) مِنْ زَوْجٍ مِنْ
стр. 3684
أَبِيهِ بِأُخْتِهِ مِنْ أُمِّهِ (عَمَّا) لِوَلَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَخُو أَبِيهِ وَ (خَالًا) لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخُو أُمِّهِ.
(وَمَنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ حَمْلٍ مِنْ زِنًى) طِفْلًا (أَوْ) أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ حَمْلٍ (نَفْيٍ بِلِعَانٍ طِفْلَةً) فِي الْحَوْلَيْنِ (صَارَتْ بِنْتَهَا) فَقَطْ، فَتَثْبُتُ الْأُمُومَةُ وَفُرُوعُهَا مِنْ الْجُدُودَةِ لَهَا وَالْخُؤُولَةِ دُونَ الْأُبُوَّةِ وَفُرُوعِهَا؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلنَّسَبِ (وَحَرُمَتْ) الطِّفْلَةُ (عَلَى وَاطِئٍ تَحْرِيمَ مُصَاهَرَةٍ) لِأَنَّهَا بِنْتُ مَوْطُوءَتِهِ (وَتَحِلُّ لِابْنِ وَاطِئٍ وَأَبِيهِ) لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهَا (وَلَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّ وَاطِئٍ) بِزِنًا أَوْ مُلَاعِنٍ (مِنْ حَيْثُ الْمَحْرَمِيَّةِ) لِحَدِيثِ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» ، وَلَا نَسَبَ هُنَا.
(وَمَنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ اثْنَيْنِ وَطِآهَا بِشُبْهَةٍ طِفْلًا، وَثَبَتَتْ أُبُوَّتُهُمَا) أَيْ: الْوَاطِئَيْنِ (أَوْ) ثَبَتَتْ (أُبُوَّةُ أَحَدِهِمَا لِمَوْلُودٍ) بِأَنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ (فَالْمُرْتَضَعُ ابْنُهُمَا) إنْ ثَبَتَتْ أُبُوَّتُهُمَا (أَوْ ابْنُ أَحَدِهِمَا) إنْ ثَبَتَتْ أُبُوَّتُهُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّضِيعِ تَابِعٌ لِحُكْمِ الْمَوْلُودِ (وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ) أُبُوَّتُهُمَا وَلَا أُبُوَّةُ أَحَدِهِمَا لِمَوْلُودٍ (بِأَنْ مَاتَ مَوْلُودٌ قَبْلَ إلْحَاقٍ) بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا (أَوْ فُقِدَتْ قَافَةٌ أَوْ نَفَتْهُ) الْقَافَةُ (عَنْهَا) أَيْ: الْوَاطِئَيْنِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْقَافَةِ فِي النَّفْيِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَفْيًا عَنْ الْفِرَاشِ كُلِّهِ (أَوْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ) عَلَى الْقَافَةِ (ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ) مِنْ جِهَةِ الْمُرْتَضِعِ (فِي حَقِّهِمَا) أَيْ: الْوَاطِئَيْنِ (فَلَا تَحِلُّ لَهُمَا) أَيْ: الْوَاطِئَيْنِ (أُنْثَى اُرْتُضِعَتْ) تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ، وَلَا تَحِلُّ لِأَوْلَادِهِمَا وَآبَائِهِمَا وَتَحْرُمُ أَوْلَادُهُمَا عَلَى الْوَاطِئَيْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا ابْنَةُ مَوْطُوءَتِهِمَا، فَهِيَ رَبِيبَةٌ لَهُمَا، وَالرَّبِيبَةُ مِنْ الرَّضَاعِ كَالنَّسَبِ.
(وَإِنْ ثَابَ لَبَنٌ لِمَنْ) أَيْ: امْرَأَةٍ (لَمْ تَحْمِلْ) قَبْلُ إنْ ثَابَ لَبَنُهَا (وَلَوْ حَمَلَ مِثْلُهَا، لَمْ يَنْشُرْ الْحُرْمَةَ) نَصًّا فِي لَبَنِ الْبِكْرِ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ لِتَغْذِيَةِ الْأَطْفَالِ (كَلَبَنِ رَجُلٍ وَكَذَا لَبَنُ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَلَبَنُ بَهِيمَةٍ) فَلَا يَنْشُرُ الْمَحْرَمِيَّةَ
стр. 3685
بِلَا نِزَاعٍ فِي لَبَنِ الْبَهِيمَةِ، فَلَوْ ارْتَضَعَ طِفْلٌ وَطِفْلَةٌ عَلَى نَحْوِ شَاةٍ لَمْ يَصِيرَا أَخَوَيْنِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْأُخُوَّةِ فَرْعٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأُمُومَةِ، وَلَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْأُمُومَةِ بِهَذَا الرَّضَاعِ؛ فَالْأُخُوَّةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لِغِذَاءِ الْمَوْلُودِ الْآدَمِيِّ؛ أَشْبَهَ الْفِطَامَ.
(وَمَنْ تَزَوَّجَ) امْرَأَةً ذَاتَ لَبَنٍ (أَوْ اشْتَرَى أَمَةً ذَاتَ لَبَنٍ مِنْ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ قَبْلَهُ) فَوَطِئَهَا (فَزَادَ) لَبَنُهَا (بِوَطْئِهِ، أَوْ حَمَلَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَزِدْ) لَبَنُهَا أَوْ زَادَ لَبَنُهَا قَبْلَ (أَوَانِهِ فَ) اللَّبَنُ (لِلْأَوَّلِ) لِاسْتِمْرَارِهِ عَلَى حَالِهِ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ مَا يَنْقُلُهُ عَنْهُ كَصَاحِبِ الْيَدِ.
(وَ) إنْ زَادَ لَبَنُهَا (فِي أَوَانِهِ) بَعْدَ حَمْلِهَا مِنْ الثَّانِي فَلَهُمَا؛ لِأَنَّ زِيَادَتَهُ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَمْلِ ظَاهِرُهَا أَنَّهَا مِنْ الثَّانِي، وَبَقَاءُ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي كَوْنَ أَصْلِهِ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمَا (وَلَوْ انْقَطَعَ ثُمَّ ثَابَ) قَبْلَ الْوَضْعِ فَلَهُمَا، لِأَنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّلِ، فَعَوْدُهُ قَبْلَ الْوَضْعِ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ اللَّبَنَ الَّذِي انْقَطَعَ، لَكِنْ ثَابَ لِلْحَمْلِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمَا (أَوْ وَلَدَتْ) مِنْ الثَّانِي (فَلَمْ يَزِدْ) لَبَنُهَا (وَلَمْ يَنْقُصْ فَ) اللَّبَنُ (لَهُمَا) لِأَنَّ اسْتِمْرَارَهُ عَلَى حَالِهِ أَوْجَبَ بَقَاءَهُ عَلَى كَوْنِهِ لِلْأَوَّلِ وَحَاجَةُ الْوَلَدِ الثَّانِي إلَيْهِ أَوْجَبَتْ اشْتِرَاكَهُمَا فِيهِ (فَيَصِيرُ ابْنُ مُرْتَضِعَةٍ ابْنًا لَهُمَا) لِأَنَّ اللَّبَنَ لَهُمَا (وَإِنْ زَادَ) لَبَنُهَا (بَعْدَ وَضْعٍ فَ) هُوَ (لِلثَّانِي وَحْدَهُ) لِدَلَالَةِ زِيَادَتِهِ إذَنْ عَلَى أَنَّهُ لِحَاجَةِ الْمَوْلُودِ، فَامْتَنَعَتْ الشَّرِكَةُ فِيهِ.
[فَصْلٌ شُرُوط الْحُرْمَةِ بِالرَّضَاعِ]
فَصْلٌ (وَلِلْحُرْمَةِ) بِالرَّضَاعِ (شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْتَضِعَ) الطِّفْلُ (فِي الْعَامَيْنِ، فَلَوْ ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا بِلَحْظَةٍ لَمْ تَثْبُتْ) الْحُرْمَةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَجُعِلَ تَمَامُ الرَّضَاعَةِ حَوْلَيْنِ، فَيَدُلُّ
стр. 3686
عَلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلرَّضَاعَةِ بَعْدَهُمَا.
وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّهُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اُنْظُرْنَ إخْوَانَكُنَّ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ " يَعْنِي فِي حَالِ الْحَاجَةِ إلَى الْغِذَاءِ أَوْ اللَّبَنِ.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: «لَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) مَرْجُوحٍ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الِارْتِضَاعُ بَعْدَ الْعَامَيْنِ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (وَ) إنْ كَانَ ثُبُوتُهُ (مَعَ شَكٍّ) هَلْ وَقَعَ فِيهِمَا أَوْ بَعْدَهُمَا (فَالْأَصْلُ) فِي الرَّضِيعِ (الصِّغَرُ) وَإِنَّ الرَّضَاعَ وَقَعَ فِيهِمَا؛ فَوَجَبَ التَّحْرِيمُ بَعْدَهُمَا عَمَلًا بِالْأَصْلِ، لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " آخِرَ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ: وَإِنْ شَكَّتْ الْمُرْضِعَةُ فِي الرَّضَاعِ أَوْ كَمَا لَهُ فِي الْحَوْلَيْنِ وَلَا بَيِّنَةَ فَلَا تَحْرِيمَ، الشَّرْطُ (الثَّانِي أَنْ يَرْتَضِعَ) الطِّفْلُ (خَمْسَ رَضَعَاتٍ) فَأَكْثَرَ؛ لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ؛ وَصَارَ إلَى خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ أَرْضِعِي سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا. وَالْآيَةُ فَسَّرَتْهَا السُّنَّةُ وَبَيَّنَتْ الرَّضَاعَةَ الْمُحَرَّمَةَ، وَصَرِيحُ مَا رَوَيْنَاهُ يَخُصُّ مَفْهُومَ مَا رَوَاهُ وَهُوَ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ بِحَمْلِهَا عَلَى الصَّرِيحِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ.
стр. 3687
(وَمَتَى امْتَصَّ) طِفْلٌ ثَدْيًا (ثُمَّ قَطَعَهُ) أَيْ: الْمَصَّ (وَلَوْ) كَانَ قَطْعُهُ لَهُ (قَهْرًا أَوْ) كَانَ قَطْعُهُ لَهُ (لِتَنَفُّسٍ، أَوْ) كَانَ قَطْعُهُ لَهُ (لِمَلِّهِ) عَنْ الْمَصِّ (أَوْ) كَانَ قَطْعُهُ لَهُ (لِانْتِقَالٍ) مِنْ ثَدْيٍ (إلَى ثَدْيٍ آخَرَ أَوْ) مِنْ مُرْضِعَةٍ إلَى (مُرْضِعَةٍ أُخْرَى فَ) ذَلِكَ (رَضْعَةٌ) تُحْسَبُ مِنْ الْخَمْسِ، لِأَنَّهَا مَرَّةٌ مِنْ الرَّضَاعِ (ثُمَّ إنْ أَعَادَهُ) الطِّفْلُ (وَلَوْ قَرِيبًا) بِأَنْ قَرَّبَ الزَّمَنَ بَيْنَ الْمَصَّةِ الْأُولَى وَالْعَوْدِ (فَ) هُمَا رَضْعَتَانِ (ثِنْتَانِ) لِأَنَّ الْمَصَّةَ الْأُولَى زَالَ حُكْمُهَا بِتَرْكِ الِارْتِضَاعِ، فَإِنْ عَادَ فَامْتُصَّ فَهِيَ غَيْرُ الْأُولَى.
(وَسَعُوطٌ فِي أَنْفٍ وَوَجُورٌ فِي فَمٍ كَالرَّضَاعِ) فِي تَحْرِيمٍ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا رَضَاعَ إلَّا مَا نَشَرَ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِوُصُولِ اللَّبَنِ بِذَلِكَ إلَى جَوْفِهِ كَوُصُولِهِ بِالِارْتِضَاعِ وَحُصُولِ إنْبَاتِ اللَّحْمِ وَانْتِشَارِ الْعَظْمِ بِهِ كَمَا يَحْصُلُ بِالرَّضَاعِ، وَالْأَنْفُ سَبِيلٌ لِفِطْرِ الصَّائِمِ فَكَانَ سَبِيلًا لِلتَّحْرِيمِ كَالرَّضَاعِ بِالْفَمِ.
تَنْبِيهٌ: وَالْمُحَرِّمُ مِنْ السَّعُوطِ وَالْوَجُورِ وَنَحْوِهِ خَمْسٌ، لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَنْ الرَّضَاعِ فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ؛ فَإِنْ ارْتَضَعَ دُونَهَا وَكَمُلَتْ بِسَعُوطٍ أَوْ وَجُورٍ، أَوْ أَسَعْطَ وَأَوْجَرَ وَكَمُلَ الْخَمْسُ بِرَضَاعٍ، ثَبَتَ التَّحْرِيمُ، لِوُجُودِ الْخَمْسِ، وَلَوْ حُلِبَ فِي إنَاءٍ لَبَنٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ دَفَعَاتٍ ثُمَّ سُقِيَ الطِّفْلُ فِي خَمْسِ أَوْقَاتٍ فَهِيَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ؛ اعْتِبَارًا بِشُرْبِ الطِّفْلِ لَهُ، وَإِنْ حُلِبَ فِي إنَاءٍ خَمْسُ حَلَبَاتٍ فِي خَمْسِ أَوْقَاتٍ؛ ثُمَّ سُقِيَ الطِّفْلُ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَانَ رَضْعَةً وَاحِدَةً اعْتِبَارًا بِشُرْبِهِ لَهُ.
(وَيَحْرُمُ مَا جَبُنَ) مِنْ لَبَنِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ أُطْعِمَ الطِّفْلُ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ إلَى الْحَلْقِ يَحْصُلُ بِهِ نَبَاتُ اللَّحْمِ وَانْتِشَارُ الْعَظْمِ؛ فَحَصَلَ بِهِ التَّحْرِيمُ كَمَا لَوْ شَرِبَهُ (أَوْ شِيبَ) أَيْ: خُلِطَ بِغَيْرِهِ (صِفَاتُهُ) أَيْ: لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ وَرِيحُهُ (بَاقِيَةٌ) حَرُمَ كَمَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْمَشُوبِ (وَيَتَّجِهُ أَوْ طُبِخَ) لَبَنُ الْمَرْأَةِ مَعَ بَقَاءِ صِفَاتِهِ؛ فَيَحْرُمُ كَاَلَّذِي لَمْ يُطْبَخْ، لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيمَا شِيبَ بِغَيْرِهِ لِلْأَغْلَبِ، وَمَا طُبِخَ مَعَ بَقَاءِ صِفَاتِهِ لَا يَزُولُ بِهِ اسْمُهُ وَلَا الْمَعْنَى
стр. 3688
الْمُرَادُ مِنْهُ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى الْمَشُوبِ أَوْ الْمَطْبُوخِ مَعَ غَيْرِهِ مَا خَالَطَهُ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ تَحْرِيمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَلَا يَنْشُرُ الْعَظْمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ حُلِبَ مِنْ مَيْتَةٍ) فَيَحْرُمُ كَلَبَنِ الْحَيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهُ فِي إنْبَاتِ اللَّحْمِ وَانْتِشَارِ الْعَظْمِ.
(وَيَحْنَثُ بِهِ) أَيْ: شُرْبِ لَبَنٍ مَشُوبٍ مَعَ بَقَاءِ صِفَاتِهِ وَشُرْبِ لَبَنِ مَيِّتَةٍ (مَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَبَنًا) لِإِطْلَاقِ اسْمِ اللَّبَنِ عَلَيْهِ.
وَ (لَا) تَحْرُمُ (حُقْنَةُ) طِفْلٍ بِلَبَنِ امْرَأَةٍ وَلَوْ خَمْسَ مَرَّاتٍ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرَضَاعٍ وَلَا يَحْصُلُ بِهَا تَغَذٍّ (وَلَا أَثَرَ لِ) لَبَنٍ (وَاصِلِ جَوْفٍ لَا يُغَذِّي) بِوُصُولِهِ فِيهِ (كَمَثَانَةٍ وَذَكَرٍ) وَجَائِفَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَنْشُرُ الْعَظْمَ وَلَا يُنْبِتُ.
(وَمَنْ أَرْضَعَ خَمْسَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ) أَوْ أَرْبَعَ زَوْجَاتِهِ وَأُمَّ وَلَدِهِ، أَوْ ثَلَاثَ زَوْجَاتِهِ وَأُمَّا وَلَدِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ (بِلَبَنِهِ زَوْجَةً لَهُ) أَيْ: صَاحِبِ اللَّبَنِ (صُغْرَى) لَمْ يَتِمَّ لَهُمَا عَامَانِ، أَرْضَعَتْهَا كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَوْ مِنْهُنَّ مِنْ زَوْجَاتِهِ (دُونَ خَمْسِ) رَضَعَاتٍ (حَرُمَتْ) عَلَى زَوْجِهَا أَبَدًا (لِثُبُوتِ الْأُبُوَّةِ) لِأَنَّ الْخَمْسَ رَضَعَاتٍ مِنْ لَبَنِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ الْخَمْسَ، وَ (لَا) تَحْرُمُ عَلَيْهِ (أُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ؛ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْأُمُومَةِ) إذَا لَمْ تُرْضِعْهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَلَمْ تَكُنْ أُمًّا لِزَوْجَتِهِ (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ) أَيْ: أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ نِكَاحُهُ أَيْ الطِّفْلِ الَّذِي أَرْضَعْنَهُ (لَوْ كَانَ ذَكَرًا) لِأَنَّهُ رَبِيبُهُنَّ، وَهُنَّ مَوْطُوآتُ أَبِيهِ فَتَنَاوَلَهُنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] .
(وَكَانَتْ الْمُرْضِعَاتُ بَنَاتِهِ) أَيْ: رَجُلٍ وَاحِدٍ (أَوْ بَنَاتِ زَوْجَتِهِ) أَوْ أَرْضَعَتْ طِفْلًا أَوْ طِفْلَةَ زَوْجَةٍ لِأَبِيهِنَّ، (أَوْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً فَلَا أُمُومَةَ) لِوَاحِدَةٍ مِنْ الْمُرْضِعَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُرْضِعْ خَمْسًا (وَلَا يَصِيرُ) أَبُو الْمُرْضِعَاتِ (جَدًّا) لِلطِّفْلِ أَوْ الطِّفْلَةِ، لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْأُمُومَةِ (وَلَا) تَصِيرُ (زَوْجَتُهُ) أُمَّ الْمُرْضِعَاتِ (جَدَّةً) لِلطِّفْلِ أَوْ الطِّفْلَةِ (وَلَا) تَصِيرُ (إخْوَةُ الْمُرْضِعَاتِ
стр. 3689
أَخْوَالًا) لِلطِّفْلِ أَوْ الطِّفْلَةِ (وَلَا) تَصِيرُ (أَخَوَاتُهُنَّ) أَيْ الْمُرْضِعَاتِ (خَالَاتٍ) لِلطِّفْلِ أَوْ الطِّفْلَةِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ فُرُوعُ الْأُمُومَةِ، وَلَمْ تَثْبُتْ.
(وَمَنْ) أَيْ: رَجُلٌ (أَرْضَعَتْ أُمُّهُ وَبِنْتُهُ وَأُخْتُهُ وَزَوْجَةُ ابْنِهِ طِفْلَةً) أَرْضَعَتْهَا كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ (رَضْعَةً رَضْعَةً؛ لَمْ تَحْرُمْ الطِّفْلَةُ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ ثُبُوتِ أُمُومَةِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
. (وَمَنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِهَا مِنْ زَوْجٍ طِفْلًا ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ انْقَطَعَ لَبَنُهَا ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ) أَيْ: الطِّفْلَ الَّذِي أَرْضَعَتْهُ أَوَّلًا (بِلَبَنِ زَوْجٍ آخَرَ) غَيْرِ الْأَوَّلِ (رَضْعَتَيْنِ) فِي الْعَامَيْنِ (ثَبَتَتْ الْأُمُومَةُ) لِإِرْضَاعِهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ (لَا الْأُبُوَّةُ) فِي حَقِّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ عَدَدَ الرَّضَعَاتِ مِنْ لَبَنِهِ (وَلَا يَحِلُّ مُرْتَضِعٌ لَوْ كَانَ أُنْثَى لِوَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ) لِكَوْنِ الْمُرْتَضِعَةِ رَبِيبَتَهُمَا لَا لِكَوْنِهَا بِنْتَهمَا.
(وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِرَضِيعٍ حُرٍّ مُوسِرٍ، لَمْ يَصِحَّ) النِّكَاحُ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ نِكَاحِ الْحُرِّ لِلْأَمَةِ خَوْفَ الْعَنَتِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الطِّفْلِ (فَلَوْ أَرْضَعَتْهُ) أَيْ الْحُرَّ الصَّغِيرَ (بِلَبَنِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (لَمْ تَحْرُمْ عَلَى السَّيِّدِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ حَقِيقَةً، (وَ) إنْ زَوَّجَهَا بِرَقِيقٍ رَضِيعٍ أَوْ حُرٍّ رَضِيعٍ (مَعَ إعْسَارِهِ) أَيْ: الْحُرِّ (لِحَاجَةِ خِدْمَةٍ) فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ سَيِّدِهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الرَّضِيعِ وَ (تَحْرُمُ) عَلَيْهِ وَعَلَى السَّيِّدِ أَبَدًا، أَمَّا الزَّوْجُ فَلِأَنَّهَا أَمَةٌ، وَأَمَّا السَّيِّدُ فَلِأَنَّهَا حَلِيلَةُ ابْنِهِ.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَ ذَاتَ لَبَنٍ مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَتَزَوَّجَ صَغِيرَة فَأَرْضَعَتْهَا]
فَصْلٌ: (وَمَنْ تَزَوَّجَ ذَاتَ لَبَنٍ) مِنْ غَيْرِهِ (وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا) ، وَ (تَزَوَّجَ صَغِيرَةً فَأَكْثَرَ، فَأَرْضَعَتْ) ذَاتَ اللَّبَنِ (وَهِيَ زَوْجَةٌ أَوْ بَعْدَ إبَانَتِهِ) أَيْ: زَوْجِهَا لَهَا (صَغِيرَةً)
стр. 3690
مِمَّنْ تَزَوَّجَهُنَّ فِي الْعَامَيْنِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ (حَرُمَتْ) عَلَيْهِ الْكَبِيرَةُ الْمُرْضِعَةُ (أَبَدًا) لِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ؛ فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (وَبَقِيَ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ) لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا، وَقَدْ انْفَسَخَ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ عِنْدَ تَمَامِ الرَّضَاعِ؛ فَلَمْ يَجْتَمِعَا كَابْتِدَاءِ الْعَقْدِ عَلَى أُخْتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ، وَأَيْضًا الْجَمْعُ طَرَأَ عَلَى نِكَاحِ الْأُمِّ فَاخْتَصَّ الْفَسْخُ بِنِكَاحِ الْأُمِّ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُمٌّ وَبِنْتُهَا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِالْأُمِّ (حَتَّى تَرْضَعَ) الْكَبِيرَةُ (ثَانِيَةً) مِنْ الزَّوْجَاتِ الْأَصَاغِرِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ (فَيَنْفَسِخَ نِكَاحُهُمَا) أَيْ: الصَّغِيرَتَيْنِ، لِاجْتِمَاعِ أُخْتَيْنِ فِي نِكَاحِهِ، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ مِنْ الْأُخْرَى؛ فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا (كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهُمَا مَعًا) أَيْ: فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ بِأَنْ أَرْضَعَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ ثَدْيٍ، أَوْ حُلِبَ بِإِنَاءَيْنِ، وَسُقِيَ لَهُمَا مَعًا.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ) الْكَبِيرَةُ (ثَلَاثًا) مِنْ زَوْجَاتِهِ الْأَصَاغِرِ (مُنْفَرِدَاتٍ أَوْ ثِنْتَيْنِ مَعًا وَالثَّالِثَةُ مُنْفَرِدَةٌ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْأُولَيَيْنِ) لِأَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِي عِصْمَتِهِ أُخْتَانِ (وَبَقِيَ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ) لِانْفِسَاخِ نِكَاحِ الْأُولَيَيْنِ قَبْلَ إرْضَاعِهَا؛ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا حِينَ إرْضَاعِهَا أَحَدٌ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ) الْكُبْرَى زَوْجَاتِهِ الْأَصَاغِرَ (الثَّلَاثَ بِأَنْ شَرِبْنَهُ مَحْلُوبًا مَعًا مِنْ أَوْعِيَةٍ أَوْ) أَرْضَعَتْ إحْدَاهُنَّ (مُنْفَرِدَةً، ثُمَّ) أَرْضَعَتْ (ثِنْتَيْنِ مَعًا، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ) رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُنَّ جَمِيعُهُنَّ صِرْنَ أَخَوَاتٍ فِي نِكَاحِهِ (ثُمَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ) وَاحِدَةً (مِنْ الْأَصَاغِرِ) لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ تَحْرِيمُ جَمْعٍ لَا تَأْبِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهِنَّ (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكُبْرَى حَرُمَ الْكُلُّ) عَلَيْهِ (عَلَى الْأَبَدِ) أَمَّا الْكَبِيرَةُ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ، وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلِأَنَّهُنَّ رَبَائِبُ دَخَلَ بِأُمِّهِنَّ، وَلَا تَحْرُمُ الْأَصَاغِرُ عَلَى الْأَبَدِ إنْ ارْتَضَعْنَ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ بِرَبَائِبَ، لَكِنْ مَتَى اجْتَمَعَ فِي نِكَاحِهِ أُخْتَانِ فَأَكْثَرُ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
стр. 3691
(وَمَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ بِنْتُ امْرَأَةٍ) مِنْ نَسَبٍ وَمِثْلِهَا مِنْ رَضَاعٍ (كَأُمِّهِ وَجَدَّتِهِ وَأُخْتِهِ وَ) بِنْتِ أُخْتِهِ وَبِنْتِ أَخِيهِ أَوْ بِمُصَاهَرَةٍ (كَرَبِيبَتِهِ) الَّتِي دَخَلَ بِأُمِّهَا (إذَا أَرْضَعَتْ طِفْلَةً) رَضَاعًا مُحَرَّمًا (حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ) أَبَدًا كَبِنْتِهَا مِنْ نَسَبٍ.
(وَمَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ بِنْتُ رَجُلٍ كَأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَأَخِيهِ وَابْنِهِ إذَا أَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ أَوْ مَوْطُوءَتُهُ بِشُبْهَةٍ بِلَبَنِهِ طِفْلَةً) رَضَاعًا مُحَرَّمًا (حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا صَارَتْ ابْنَةَ مَنْ تَحْرُمُ ابْنَتُهُ عَلَيْهِ (وَيَنْفَسِخُ فِيهَا) أَيْ: فِي الصُّورَتَيْنِ (النِّكَاحُ إنْ كَانَتْ) الطِّفْلَةُ (زَوْجَةً) فَإِنْ أَرْضَعَتْهَا بِلَبَنِ غَيْرِهِ؛ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا مَنْ لَا تَحْرُمُ بِنْتُهَا عَلَيْهِ كَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ، لَمْ تُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ.
(فَمَنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهَا الزَّوْجَ) فِي صِغَرِهِ (صَارَ عَمَّ زَوْجَتِهِ) لِأَنَّهُ أَخُو أَبِيهَا مِنْ الرَّضَاعِ (أَوْ) أَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا (الزَّوْجَةَ) فِي الْحَوْلَيْنِ (صَارَتْ عَمَّتَهُ) أَيْ: عَمَّةَ زَوْجِهَا (أَوْ أَرْضَعَتْهُمَا) مَعًا (صَارَ) الزَّوْجُ (عَمَّهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (وَ) صَارَتْ (هِيَ) أَيْ: الزَّوْجَةُ (عَمَّتَهُ) أَيْ: عَمَّةَ الزَّوْجِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ عَمَّتِهِ فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا) الزَّوْجَ (صَارَ الزَّوْجُ خَالَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (أَوْ) أَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا (الزَّوْجَةَ) رَضَاعًا مُحَرِّمًا (صَارَتْ) الزَّوْجَةُ (عَمَّتَهُ) أَيْ الزَّوْجِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ خَالِهِ فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا) الزَّوْجَ (صَارَ الزَّوْجُ عَمَّ زَوْجَتِهِ) لِأَنَّهُ أَخُو أَبِيهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا صَارَتْ خَالَتَهُ) لِكَوْنِهَا أُخْتَ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ خَالَتِهِ فَأَرْضَعَتْ الزَّوْجَ صَارَ خَالَ زَوْجَتِهِ) لِأَنَّهَا أُخْتُ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعِ (أَوْ أَرْضَعَتْ الزَّوْجَةَ صَارَتْ خَالَةَ زَوْجِهَا) .
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمَّ وَلَدِهِ امْرَأَةَ ابْنِهِ بِلَبَنِهِ) رَضَاعًا مُحَرِّمًا؛ فَسَخَتْ نِكَاحَهَا (وَحَرَّمَتْهَا) عَلَيْهِ أَبَدًا (لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ) مِنْ الرَّضَاعَةِ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمُّ وَلَدِهِ زَوْجَةَ أَبِيهِ بِلَبَنِهِ حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا) لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَ ابْنِهِ (وَيَرْجِعُ الْأَبُ عَلَى ابْنِهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا غَرِمَهُ لِزَوْجَتِهِ)
стр. 3692
وَهُوَ نِصْفُ صَدَاقِهَا الْمُسَمَّى أَوْ الْمُتْعَةِ إنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا (أَوْ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَةِ أُمِّ وَلَدِهِ) وَجِنَايَتُهَا تُضْمَنُ كَذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِلِابْنِ عَلَى أَبِيهِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا إذْ لَيْسَ لَهُ طَلَبُهُ بِالدَّيْنِ وَنَحْوِهِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْ) أُمُّ وَلَدِهِ (وَاحِدَةً مِنْهُمَا بِغَيْرِ لَبَنِ سَيِّدِهَا، لَمْ تُحَرِّمْهَا) عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا (لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَارَتْ بِنْتَ أُمِّ وَلَدِهِ) وَهِيَ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ لِامْرَأَتِهِ ثَلَاثُ بَنَاتٍ مِنْ غَيْرِهِ، فَأَرْضَعْنَ) أَيْ: بَنَاتُهَا (ثَلَاثَ نِسْوَةٍ لَهُ) أَيْ: لِزَوْجِ أُمِّهِنَّ (كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ) مِنْ رَبَائِبِهِ أَرْضَعَتْ (وَاحِدَةً إرْضَاعًا كَامِلًا) فِي الْعَامَيْنِ، (وَلَمْ يَدْخُلْ بِالْكُبْرَى) أَيْ: أُمِّ الرَّبَائِبِ (حَرُمَتْ عَلَيْهِ) الْكُبْرَى أَبَدًا. لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ جَدَّاتِ نِسَائِهِ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] .
(وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْ الصِّغَارِ) الْمُرْتَضِعَاتِ؛ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ أَخَوَاتٍ (وَ) إنَّمَا (هُنَّ بَنَاتُ خَالَاتٍ) وَلَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ بَنَاتِ الْخَالَاتِ وَلَا يَحْرُمْنَ بِكَوْنِهِنَّ رَبَائِبَ؛ لِأَنَّ الرَّبِيبَةَ لَا تَحْرُمُ إلَّا بِالدُّخُولِ بِأُمِّهَا أَوْ جَدَّتِهَا وَلَمْ يَحْصُلْ، وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُ مَنْ كَمُلَ رَضَاعُهَا أَوْ لَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ حَرُمَ الصِّغَارُ أَبَدًا أَيْضًا، لِأَنَّهُنَّ رَبَائِبُ دَخَلَ بِجَدَّتِهِنَّ.
(وَإِنْ أَرْضَعْنَ) أَيْ: بَنَاتُ زَوْجَتِهِ (وَاحِدَةً) مِنْ زَوْجَاتِهِ الصِّغَارِ أَرْضَعَتْهَا (كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَتَيْنِ حَرُمَتْ الْكُبْرَى) لِأَنَّهَا صَارَتْ جَدَّةَ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَةَ رَضَعَتْ مِنْ اللَّبَنِ الَّذِي نَشَرَ الْحُرْمَةَ إلَيْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْخَمْسُ مِنْ بِنْتٍ وَاحِدَةٍ قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " تَبَعًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَالرِّعَايَتَيْنِ " وَالْحَاوِي " وَقَوَّاهُ النَّاظِمُ (وَصَحَّحَ فِي الْإِنْصَافِ) أَنَّهَا (لَا تَحْرُمُ) وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي الْمُنْتَهَى " مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ كَانَتْ الْمُرْضِعَاتُ بَنَاتِهِ أَوْ بَنَاتِ زَوْجَتِهِ فَلَا أُمُومَةَ أَيْ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لِأَنَّهَا لَمْ تُرْضِعْ خَمْسًا.
(وَيَتَّجِهُ وَهُوَ) أَيْ: مَا صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " هُوَ (الْأَصَحُّ) اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ
стр. 3693
وَالشَّارِحُ " لِأَنَّ كَوْنَهَا جَدَّةً فَرْعٌ عَلَى كَوْنِ ابْنَتِهَا أُمًّا، وَلَمْ تَثْبُتْ الْأُمُومَةُ؛ فَمَا هُوَ فَرْعٌ عَلَيْهَا أَوْلَى أَنْ لَا يَثْبُتَ. قَالَ الشَّارِحُ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْلَى. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِذَا طَلَّقَ) رَجُلٌ (زَوْجَةً لَهَا لَبَنٌ مِنْهُ، فَتَزَوَّجَتْ بِصَبِيٍّ) لَمْ يَتِمَّ لَهُ حَوْلَانِ (فَأَرْضَعَتْهُ) أَيْ: الصَّبِيَّ (بِلَبَنِهِ) أَيْ: الْمُطَلِّقِ (إرْضَاعًا كَامِلًا انْفَسَخَ نِكَاحُهَا) مِنْ الصَّبِيِّ لِصَيْرُورَتِهَا أُمَّهُ مِنْ الرَّضَاعِ (وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ) أَبَدًا، لِمَا تَقَدَّمَ (وَ) حَرُمَتْ (عَلَى) الزَّوْجِ (الْأَوَّلِ أَبَدًا) لِأَنَّهَا مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ (وَلَوْ تَزَوَّجَتْ الصَّبِيَّ أَوَّلًا) أَيْ: قَبْلَ الرَّجُلِ (ثُمَّ فَسَخَتْ نِكَاحَهُ) أَيْ: الصَّبِيِّ (لِمُقْتَضٍ) لِفَسْخِهِ كَإِعْسَارٍ بِمُقَدَّمِ صَدَاقٍ أَوْ فَقْدِ نَفَقَةٍ أَوْ عَيْبٍ (ثُمَّ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا كَبِيرًا فَصَارَ لَهَا) بِحَمْلِهَا (مِنْهُ لَبَنٌ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ الصَّبِيَّ) حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا أَبَدًا، أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي هِيَ زَوْجَتُهُ فَلِصَيْرُورَتِهَا مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّهَا أُمُّهُ.
(أَوْ زَوَّجَ رَجُلٌ أَمَتَهُ بِعَبْدٍ لَهُ رَضِيعٍ، ثُمَّ عَتَقَتْ) الْأَمَةُ (فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ) أَيْ: زَوْجِهَا الْعَبْدِ الرَّضِيعِ (ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِمَنْ أَوْلَدَهَا، فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ) فِي الْعَامَيْنِ (حَرُمَتْ عَلَيْهَا أَبَدًا) لِمَا تَقَدَّمَ أَمَّا الصَّغِيرُ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّهُ، وَأَمَّا الْكَبِيرُ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ.
стр. 3694
[فَصْلٌ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ]
فَصْلٌ (وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَلَا مَهْرَ لَهَا) لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ (وَإِنْ كَانَتْ طِفْلَةً بِأَنْ تَدِبَّ) الطِّفْلَةُ (فَتَرْضَعَ) رَضَاعًا مُحَرِّمًا لَهَا عَلَى زَوْجِهَا (مِنْ) امْرَأَةٍ (نَحْوَ نَائِمَةٍ) كَمَجْنُونَةٍ (أَوْ) مِنْ (مُغْمًى عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لِلزَّوْجِ فِي الْفَسْخِ؛ فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا لَوْ دَبَّتْ تِلْكَ الطِّفْلَةُ فَارْتَضَعَتْ مِنْ امْرَأَةٍ (يَقِظَةٍ فَأَقَرَّتْهَا) حَتَّى أَكْمَلَتْ خَمْسَ رَضَعَاتٍ (فَلَا مَهْرَ لَهَا) أَيْ الْكَبِيرَةِ إنْ كَانَتْ أَرْضَعَتْهَا (قَبْلَهُ) أَيْ الدُّخُولِ؛ لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا، وَلَهُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِأُمِّهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَسْقُطُ) الْمَهْرُ (بَعْدَهُ) أَيْ: الدُّخُولِ بِوَطْءٍ أَوْ خَلْوَةٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُقَرِّرُهُ لِتَقَرُّرِهِ (وَلَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (بِخِلَافِ أَجْنَبِيٍّ) وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَفْسَدَهُ) أَيْ: النِّكَاحَ (غَيْرُهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (لَزِمَهُ) أَيْ.
الزَّوْجَ (قَبْلَ دُخُولٍ نِصْفُهُ) أَيْ: الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُمَا فِي الْفَسْخِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا، (وَ) لَزِمَهُ (بَعْدَهُ) أَيْ: الدُّخُولِ (كُلُّهُ) أَيْ: الْمَهْرِ؛ لِتَقَرُّرِهِ (وَيَرْجِعُ)
стр. 3695
زَوْجٌ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ مَهْرٍ أَوْ نِصْفِهِ (فِيهِمَا) أَيْ: فِيمَا إذَا أُفْسِدَا لِغَيْرِ النِّكَاحِ قَبْلَ دُخُولٍ وَبَعْدَهُ (عَلَى مُفْسِدٍ) لِنِكَاحِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ قَاسِمٍ؛ لِأَنَّ (الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ كُلَّهُ) عَلَى زَوْجِهَا، فَيَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ كَنِصْفِ الْمَهْرِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (لَوْ قَتَلَ سَيِّدَ أَمَتِهِ؛ رَجَعَ عَلَيْهِ) زَوْجُهَا بِالْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ أَغْرَمَهُ الْمَالَ الَّذِي بُذِلَ فِي نَظِيرِ الْبُضْعِ بِإِتْلَافِهِ عَلَيْهِ وَمَنْعِهِ مِنْهُ كَشُهُودِ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا وَقَدْ شَهِدُوا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَهَا) أَيْ: الْمُنْفَسِخِ نِكَاحُهَا بِالرَّضَاعِ مِنْ غَيْرِهَا (الْأَخْذُ مِنْ الْمُفْسِدِ) لِنِكَاحِهَا مَا وَجَبَ لَهَا نَصًّا؛ لِأَنَّ قَرَارَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ (وَيُوَزِّعُ) مَا لَزِمَ زَوْجًا (مَعَ تَعَدُّدِ) مُفْسِدٍ لِنِكَاحٍ (عَلَى) عَدَدِ (رَضَعَاتِهِنَّ الْمُحَرِّمَةِ لَا عَلَى) عَدَدِ (رُءُوسِهِنَّ) أَيْ: الْمُرْضِعَاتِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ اشْتَرَكْنَ فِيهِ، فَلَزِمَهُنَّ بِقَدْرِ مَا أَتْلَفَتْ كُلٌّ مِنْهُنَّ كَإِتْلَافِهِنَّ عَيْنًا مُتَفَاوِتَاتٍ فِيهَا.
(فَلَوْ أَرْضَعَتْ امْرَأَتُهُ الْكُبْرَى الصُّغْرَى) رَضَاعًا مُحَرِّمًا (وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا) بِأَنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكُبْرَى (فَعَلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكُبْرَى) لِإِفْسَادِهَا نِكَاحَهَا، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهَا (وَلَمْ يَسْقُطْ مَهْرُ الْكُبْرَى) لِتَقَرُّرِهِ بِالدُّخُولِ (وَإِنْ كَانَتْ الصُّغْرَى دَبَّتْ إلَى الْكُبْرَى
стр. 3696
فَارْتَضَعَتْ) مِنْهَا خَمْسًا (وَهِيَ نَائِمَةٌ) أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا (فَلَا مَهْرَ لِلصُّغْرَى) لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا (وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا) أَيْ: الصُّغْرَى فِي مَالِهَا (بِمَهْرِ الْكُبْرَى) كُلِّهِ (إنْ دَخَلَ بِهَا) أَيْ: الْكُبْرَى؛ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِلَّا) يَكُنْ دَخَلَ بِالْكُبْرَى (فَبِنِصْفِهِ) أَيْ: مَهْرِ الْكُبْرَى يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الصُّغْرَى؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ بِذَلِكَ، وَلَا تَحْرُمُ الصُّغْرَى حَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ بِالْكُبْرَى.
(وَإِنْ دَبَّتْ) الصُّغْرَى (فَارْتَضَعَتْ رَضْعَتَيْنِ مِنْ نَائِمَةٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَتْ) النَّائِمَةُ (فَأَتَمَّتْ لَهَا ثَلَاثًا) فَقَدْ حَصَلَ الْفَسَادُ بِفِعْلِهِمَا (فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ نِصْفِ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ) وَيَسْقُطُ خُمُسٌ فِي مُقَابَلَةِ مَا ارْتَضَعَتْ مِنْهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ (وَيَرْجِعُ بِهِ) أَيْ: بِمَا يَغْرَمُهُ لِلصَّغِيرَةِ (عَلَى الْكَبِيرَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ، (وَ) عَلَيْهِ (مَهْرُ الْكَبِيرَةِ) لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِدُخُولِهِ بِهَا، وَ (يَرْجِعُ بِخُمُسَيْهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ) لِأَنَّهَا تَسَبَّبَتْ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَإِتْلَافِ الْبُضْعِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ) بِالْكَبِيرَةِ فَعَلَيْهِ خُمُسُ مَهْرِهَا وَ (يَسْقُطُ الْبَاقِي) فِي نَظِيرِ فِعْلِهَا بَعْدَ انْتِبَاهِهَا (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ) لِكَوْنِهَا تَسَبَّبَتْ بِدَبِيبِهَا.
تَتِمَّةٌ: وَإِنْ أَرْضَعَتْ بِنْتُ الزَّوْجَةِ الْكَبِيرَةِ الزَّوْجَةَ الصَّغِيرَةَ؛ فَالْحُكْمُ فِي التَّحْرِيمِ وَالْفَسْخِ كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا الْكَبِيرَةُ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَحَرُمَتَا أَبَدًا، وَإِلَّا حَرُمَتْ الْكُبْرَى، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَحْدَهَا، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الَّتِي أَفْسَدَتْ النِّكَاحَ؛ فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا يَغْرَمُهُ لَهُمَا أَوْ لِإِحْدَاهُمَا لِتَسَبُّبِهَا فِي غُرْمِهِ، وَتَفْوِيتِهَا الْبُضْعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمُّ زَوْجَتِهِ الْكَبِيرَةِ زَوْجَةً لَهُ صَغِيرَةً؛ انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُمَا أُخْتَانِ اجْتَمَعَتَا فِي النِّكَاحِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ؛ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِأَجْلِ الْجَمْعِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ بِنِصْفِ صَدَاقِهَا الَّذِي غَرِمَهُ لِتَسَبُّبِهَا، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ؛ فَلَهُ نِكَاحُهَا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَاؤُهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْكَبِيرَةِ، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ أُخْتَهَا؛ فَلَا يَنْكِحُهَا فِي عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ
стр. 3697
زَمَنَ الْعِدَّةِ كَالزَّوْجِيَّةِ كَمَا سَبَقَ فِي النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ أَرْضَعَتْهَا جَدَّةُ الْكَبِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ عَمَّةَ الْكَبِيرَةِ إنْ كَانَتْ الْجَدَّةُ لِأَبٍ أَوْ تَصِيرُ خَالَتَهَا إنْ كَانَتْ جَدَّةً لِأُمٍّ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا مُحَرَّمٌ كَالنَّسَبِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَرْضَعَتْهَا أُخْتُ الْكَبِيرَةِ أَوْ زَوْجَةُ أَخِيهَا بِلَبَنِهِ، أَوْ أَرْضَعَتْهَا بِنْتُ أَخِيهَا أَوْ بِنْتُ أُخْتِهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَ أُخْتِ الْكَبِيرَةِ أَوْ بِنْتَ أَخِيهَا أَوْ بِنْتَ بِنْتِ أَخِيهَا أَوْ بِنْتَ بِنْتِ أُخْتِهَا وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَرَّمٌ، وَلَا تَحْرِيمَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا عَلَى التَّأْبِيدِ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمُ جَمْعٍ إلَّا إذَا أَرْضَعَتْهَا بِنْتُ الْكَبِيرَةِ وَقَدْ دَخَلَ بِأُمِّهَا فَيَحْرُمُ عَلَى الْأَبَدِ كُلٌّ مِنْهُمَا، أَمَّا الْكُبْرَى، فَلِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ، فَلِأَنَّهَا بِنْتُ رَبِيبَةٍ دَخَلَ بِأُمِّهَا.
(وَمَنْ لَهُ ثَلَاثَةُ نِسْوَةٍ لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ، فَأَرْضَعْنَ زَوْجَةً لَهُ صُغْرَى) أَرْضَعَتْهَا (كُلُّ وَاحِدَةٍ) مِنْهُنَّ (رَضْعَتَيْنِ؛ لَمْ تَحْرُمْ الْمُرْضِعَاتُ) لِأَنَّهُ لَا أُمُومَةَ لِإِحْدَاهُنَّ عَلَيْهَا (وَحَرُمَتْ الصُّغْرَى) عَلَيْهِ أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا بِنْتُهُ؛ لِارْتِضَاعِهَا مِنْ لَبَنِهِ خَمْسًا (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (نِصْفُ مَهْرِهَا) أَيْ: الصُّغْرَى (يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِنَّ) أَيْ: نِسَائِهِ الثَّلَاثِ (أَخْمَاسًا) لِأَنَّ الرَّضَعَاتِ الْمُحَرِّمَةَ خَمْسٌ (خُمُسَاهُ عَلَى مَنْ أَرْضَعَتْ مَرَّتَيْنِ) أَيْ: عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمُرْضِعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ خُمُسَا النِّصْفِ؛ لِوُجُودِ رَضْعَتَيْنِ مُحَرِّمَتَيْنِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا (وَخُمُسُهُ) أَيْ: النِّصْفِ (عَلَى مَنْ أَرْضَعَتْ مَرَّةً) وَهِيَ الثَّالِثَةُ؛ لِحُصُولِ التَّحْرِيمِ بِإِرْضَاعِهَا؛ لِأَنَّهَا تَتِمَّةُ الْخَمْسِ؛ فَلَا أَثَرَ لِلسَّادِسَةِ.
[فَرْعٌ أَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ الْأَمَةُ زَوْجَةً لَهُ صُغْرَى]
(فَرْعٌ لَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ الْأَمَةُ زَوْجَةً لَهُ صُغْرَى) رَضَاعًا مُحَرِّمًا (فَحَرَّمَتْهَا) عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأَمَةِ (فَمَا لَزِمَهُ) مِنْ صَدَاقِ الصَّغِيرَةِ وَهُوَ نِصْفٌ لَهُ (فَفِي رَقَبَةِ الْأَمَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَتِهَا.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا) أَيْ: زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ (أُمُّ وَلَدِهِ حَرُمَتَا عَلَيْهِ أَبَدًا) أَمَّا الزَّوْجَةُ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَهُ أَوْ رَبِيبَتَهُ، وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَلِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ (وَلَا غُرْمَ عَلَيْهَا) أَيْ: أُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ عَلَى سَيِّدِهَا نِكَاحَ الزَّوْجَةِ الصَّغِيرَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا غُرْمٌ (وَتَغْرَمُ مُكَاتَبَتُهُ) إنْ كَانَتْ هِيَ الْمُفْسِدَةُ لِنِكَاحِ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا أَرْشُ جِنَايَتِهَا.
стр. 3698
[فَصْلٌ شَكَّ الزَّوْج فِي وُجُودِ رَضَاعٍ]
فَصْلٌ (وَإِنْ شَكَّ فِي) وُجُودِ (رَضَاعٍ بُنِيَ عَلَى الْيَقِينِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
(أَوْ) شَكَّ فِي (عَدَدِهِ) أَيْ: الرَّضَاعِ (بُنِيَ عَلَى الْيَقِينِ، وَهُوَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحِلِّ وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي وُقُوعِهِ فِي الْعَامَيْنِ أَوْ كَمَالِهِ وَلَا بَيِّنَةَ فَلَا تَحْرِيمَ، وَتَقَدَّمَ (وَ) تَكُونُ الَّتِي لَوْ ثَبَتَ رَضَاعُهَا خَمْسًا حَرُمَتْ مِنْ الشُّبُهَاتِ (تَرْكُهَا أَوْلَى) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِحَدِيثِ: «مَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» .
(وَإِنْ شَهِدَ بِهِ) أَيْ الرَّضَاعِ الْمُحَرَّمِ امْرَأَةٌ (مَرْضِيَّةٌ) عَلَى فِعْلِهَا بِأَنْ شَهِدَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُ خَمْسًا فِي الْحَوْلَيْنِ، أَوْ شَهِدَتْ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهَا بِأَنْ شَهِدَتْ أَنَّ فُلَانَةَ أَرْضَعَتْهُ خَمْسًا فِي الْحَوْلَيْنِ، (أَوْ) شَهِدَ بِذَلِكَ (رَجُلٌ عَدْلٌ ثَبَتَ) الرَّضَاعُ بِذَلِكَ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ وَلَا عَلَى الشَّاهِدِ لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: «تَزَوَّجَتْ أُمُّ يَحْيَى بِنْتُ أَبِي إهَابٍ فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ؛ فَنَهَاهُ عَنْهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: دَعْهَا عَنْكَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ لِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ فَتُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ كَالْوِلَادَةِ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ، وَالْمُتَبَرِّعَةُ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ، وَغَيْرُ الْمَرْضِيَّةِ لَا تُقْبَلُ.
(وَمَنْ تَزَوَّجَ) امْرَأَةً (ثُمَّ قَالَ) قَبْلَ الدُّخُولِ (هِيَ أُخْتِي مِنْ رَضَاعٍ انْفَسَخَ النِّكَاحُ) وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ (حُكْمًا) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ؛ فَلَزِمَهُ
стр. 3699
ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ أَوْ أَنَّ أَمَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ النَّسَبِ، (وَ) انْفَسَخَ أَيْضًا (فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ إنْ كَانَ صَادِقًا) أَيْ: تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا نِكَاحَ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ؛ فَلَا تَحِلُّ لَهُ (وَإِلَّا) يَكُنْ صَادِقًا (فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ كَذِبَهُ لَا يُحَرِّمُهَا، وَالْمُحَرَّمُ حَقِيقَةً الرَّضَاعُ لَا الْقَوْلُ (وَلَهَا) أَيْ: الَّتِي أَقَرَّ زَوْجُهَا أَنَّهَا أُخْتُهُ الْمَهْرُ إنْ أَقَرَّ بِأُخُوَّتِهَا (بَعْدَ الدُّخُولِ) بِهَا (وَلَوْ صَدَّقَتْهُ) أَنَّهُ أَخُوهَا بِمَا نَالَ مِنْهَا (مَا لَمْ تُطَاوِعْهُ) الْحُرَّةُ عَلَى الْوَطْءِ (عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ) فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ.
(وَيَسْقُطُ) مَهْرُ مَنْ أَقَرَّ بِأُخُوَّتِهَا (قَبْلَهُ) أَيْ: الدُّخُولِ (إنْ صَدَّقَتْهُ) وَهِيَ حُرَّةٌ عَلَى إقْرَارِهِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ فَلَهَا نِصْفُ مَهْرِهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا يَقْبَلُ عَلَيْهَا.
(وَإِنْ قَالَتْ هِيَ ذَلِكَ) أَيْ: هُوَ أَخِي مِنْ الرَّضَاعِ (وَأَكْذَبَهَا؛ فَهِيَ زَوْجَتُهُ حُكْمًا) حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لَهَا؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَلَيْهِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهَا لِأَنَّهَا تُقِرُّ بِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ، وَإِنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَخْذُهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا، فَإِنْ عَلِمَتْ صِحَّةَ مَا أَقَرَّتْ بِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهَا مُسَاكَنَتُهُ وَلَا تَمْكِينُهُ مِنْ وَطْئِهَا وَلَا مِنْ دَوَاعِيهِ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَفْتَدِيَ وَتَفِرَّ مِنْهُ كَمَا قُلْنَا فِي الَّتِي عَلِمَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَتَقَدَّمَ.
(وَيَتَّجِهُ وَلَا مَهْرَ) عَلَيْهِ لِمَنْ ظَهَرَتْ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ (لَوْ أَبَانَهَا قَبْلَ وَطْءٍ) وَلَا خَلْوَةٍ؛ لِأَنَّ وُجُودَ عَقْدِهِ عَلَيْهَا كَعَدَمِهِ، (وَ) يَتَّجِهُ أَنَّهُ (لَا يَرْجِعُ) الزَّوْجُ (بِنِصْفِهِ) أَيْ: الصَّدَاقِ (لَوْ قَبَضَ) لِأَنَّهَا مَلَكَتْهُ بِالْقَبْضِ (كَمَا لَا) : يَسُوغُ لَهَا أَنْ (تُطَالِبَ بِهِ) أَيْ: الْمَهْرِ (لَوْ لَمْ يُقْبَضْ) لِبُطْلَانِ نِكَاحِهَا؛ فَلَا تَسْتَحِقُّ
стр. 3700
الْمُطَالَبَةَ بِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَإِنْ قَالَ) عَنْ زَوْجَتِهِ (هِيَ ابْنَتِي مِنْ رَضَاعٍ وَهِيَ فِي سِنٍّ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ) أَيْ: كَوْنَهَا بِنْتَه كَأَنْ كَانَتْ قَدْرَهُ فِي السِّنِّ أَوْ أَكْبَرَ (لَمْ تَحْرُمْ) عَلَيْهِ (لِتَيَقُّنِ كَذِبِهِ) بِعَدَمِ احْتِمَالِ صِدْقِهِ (وَإِنْ اُحْتُمِلَ) صِدْقُهُ فِي أَنَّهَا بِنْتُهُ بِأَنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ (فَكَمَا لَوْ قَالَ هِيَ أُخْتِي مِنْ رَضَاعٍ) عَلَى مَا مَرَّ مُفَصَّلًا.
(وَلَوْ ادَّعَى) مَنْ أَقَرَّ مِنْهُمَا بِمَا يُؤَاخَذُ بِهِ (بَعْدَ ذَلِكَ خَطَأً، لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارٍ بِحَقٍّ عَلَيْهِ (كَقَوْلِهِ ذَلِكَ) أَيْ: هِيَ أُخْتِي (لِأَمَتِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ) فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ (وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ اثْنَيْنِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ (ذَلِكَ قَبْلَ النِّكَاحِ) بِأَنْ قَالَ: هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ، أَوْ قَالَتْ هُوَ أَخِي مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ أَوْ قَالَتْ: كَذَبْت (لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ) عَنْ إقْرَارِهِ بِذَلِكَ (ظَاهِرًا) فَلَا يُمَكَّنَانِ مِنْ النِّكَاحِ، وَإِنْ تَنَاكَحَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا لَوْ ادَّعَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَأَنْكَرَ وَاعْتَرَفَ بِالْبَيْنُونَةِ، فَلَا يُمَكَّنَانِ مِنْ النِّكَاحِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إنْ تَنَاكَحَا.
(وَمَنْ ادَّعَى أُخُوَّةَ أَجْنَبِيَّةٍ) غَيْرِ زَوْجَتِهِ، أَوْ ادَّعَى بُنُوَّتَهَا مِنْ رَضَاعٍ (وَيَتَّجِهُ لِيَصِيرَ) بِدَعْوَاهُ (مَحْرَمًا) لَهَا؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَّبَتْهُ، قُبِلَتْ شَهَادَةُ أُمِّهَا) مِنْ نَسَبٍ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَيْهَا (وَ) شَهَادَةُ (بِنْتِهَا مِنْ نَسَبٍ) عَلَى إقْرَارِهَا
стр. 3701
(بِذَلِكَ) عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ مَرْضِيَّةً، وَتَثْبُتُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ بَيْنَهُمَا، وَ (لَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (أُمِّهِ وَلَا) شَهَادَةُ (بِنْتِهِ) مِنْ نَسَبٍ عَلَيْهَا كَسَائِرِ شَهَادَاتِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لِوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ ذَلِكَ) هِيَ بِأَنْ قَالَتْ: فُلَانٌ أَخِي مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ أَبِي أَوْ ابْنِي مِنْهُ، وَسِنُّهَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ (وَكَذَّبَهَا) فُلَانٌ (فَبِالْعَكْسِ) فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أُمِّهِ وَبِنْتِهِ مِنْ نَسَبٍ عَلَيْهِ، لَا أُمِّهَا وَبِنْتِهَا؛ لِمَا سَبَقَ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) لَوْ ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أُخُوَّةَ أَوْ بُنُوَّةَ صَاحِبِهِ مِنْ رَضَاعٍ (مَعَ تَصْدِيقِ) الزَّوْجِ (لِلْآخَرِ) فَإِنَّهُ (يَصِيرُ) كُلٌّ مِنْهُمَا (مُحَرَّمًا) عَلَى الْآخَرِ لِإِقْرَارِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ الْأَغْلَظُ فِي حَقِّهِ فَيُقْبَلُ مِنْهُ، وَمَحَلُّ قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُمَا (مَعَ عَدَالَتِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّ الدِّيَانَة تَحْمِلُهُمَا عَلَى اجْتِنَابِ مَا لَا يَنْبَغِي (وَاحْتُمِلَ) أَيْضًا (وَإِلَّا) يَكُونَا عَدْلَيْنِ (مُنِعَا) مِنْ الْبَقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ بَاطِنًا (لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ وُجُودَ قَوْلِ الْفَاسِقِ وَعَدَمِهِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ ادَّعَتْ أَمَةٌ أُخُوَّةَ) سَيِّدِهَا لَهَا (بَعْدَ وَطْئِهِ) لَهَا مُطَاوَعَةً (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا مُطْلَقًا) ؛ لِدَلَالَةِ تَمْكِينِهَا عَلَى كَذِبِهَا (وَ) إنْ ادَّعَتْ أُخُوَّةَ سَيِّدِهَا (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ وَطْئِهِ لَهَا مُطَاوَعَةً (يُقْبَلُ) قَوْلُهَا (فِي تَحْرِيمِ وَطْءٍ) كَدَعْوَاهَا أَنَّهَا
стр. 3702
مُزَوَّجَةٌ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا وَ (لَا) يُقْبَلُ (قَوْلُهَا فِي ثُبُوتِ عِتْقٍ وَإِرْثٍ) لِدَعْوَاهَا زَوَالَ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ قَالَتْ اعْتِقْنِي.
(وَكُرِهَ اسْتِرْضَاعُ فَاجِرَةٍ وَ) اسْتِرْضَاعُ (مُشْرِكَةٍ وَحَمْقَاءَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تَزَوَّجُوا الْحَمْقَاءَ فَإِنَّ صُحْبَتَهَا بَلَاءٌ وَفِي وَلَدِهَا ضَيَاعٌ، وَلَا تَسْتَرْضِعُوهَا فَإِنَّ لَبَنَهَا يُغَيِّرُ الطِّبَاعَ» (وَسَيِّئَةُ خُلُقٍ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْحَمْقَاءِ.
(وَ) كُرِهَ اسْتِرْضَاعُ (جَذْمَاءَ وَبَرْصَاءَ) خَشْيَةَ وُصُولِ أَثَرِ ذَلِكَ إلَى الرَّضِيعِ، وَفِي " الْمُجَرَّدِ " (وَبَهِيمَةٍ) لِأَنَّهُ يَكُونُ بِهِ بَلَدُ الْبَهِيمَةِ (وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَعَمْيَاءَ فَإِنَّهُ يُقَالُ: الرَّضَاعُ يُغَيَّرُ الطِّبَاعَ) وَيُؤَيِّدُ مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ، بَلْ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْسُوسًا.
(وَلَيْسَ لِزَوْجَةٍ إرْضَاعُ غَيْرِ وَلَدِهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجٍ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّهِ عَلَيْهِ.
[كِتَابُ النَّفَقَاتِ]
ِ (النَّفَقَاتُ جَمْعُ نَفَقَةٍ) وَتُجْمَعُ عَلَى نِفَاقٍ كَثَمَرَةٍ وَثِمَارٍ (وَهِيَ) فِي الْأَصْلِ الدَّرَاهِمُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْأَمْوَالِ. وَشَرْعًا (كِفَايَةُ مَنْ يُمَوِّنُهُ خُبْزًا وَأُدْمًا) بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا (وَمَسْكَنًا وَتَوَابِعَهَا) أَيْ: تَوَابِعَ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ وَالْكِسْوَةِ وَالْمَسْكَنِ كَثَمَنِ الْمَاءِ وَالْمُشْطِ وَالسُّتْرَةِ وَدُهْنِ الْمِصْبَاحِ وَالْغِطَاءِ وَالْوِطَاءِ وَنَحْوِهَا، وَأَصْلُهَا الْإِخْرَاجُ مِنْ النَّافِقَاءِ وَهُوَ مَوْضِعٌ يَجْعَلُهُ الْيَرْبُوعُ فِي مُؤَخَّرِ الْجُحْرِ رَقِيقًا يُعِدُّهُ لِلْخُرُوجِ إذَا أَتَى مِنْ بَابِهِ رَفَعَهُ بِرَأْسِهِ، وَخَرَجَ، وَمِنْهُ سُمِّيَ النِّفَاقُ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْإِيمَانِ، أَوْ خُرُوجُ الْإِيمَانِ مِنْ الْقَلْبِ، فَسُمِّيَ الْخُرُوجُ نَفَقَةً كَذَلِكَ.
стр. 3703
وَهِيَ أَصْنَافٌ: نَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ هُنَا، وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ وَتَأْتِي (فَعَلَى زَوْجٍ مَا لَا غِنَاءَ لِزَوْجَتِهِ عَنْهُ) إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الْآيَةَ. وَمَعْنَى (قُدِرَ) ضُيِّقَ.
لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا كَانَا بَالِغَيْنِ وَلَمْ تَكُنْ نَاشِزًا. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّ الزَّوْجَةَ مَحْبُوسَةٌ لِحَقِّ الزَّوْجِ، يَمْنَعُهَا ذَلِكَ عَنْ التَّصَرُّفِ وَالْكَسْبِ، فَتَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَتْ (مُعْتَدَّةً مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَيَتَّجِهُ وَلَمْ تَحْمِلْ) مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ، أَمَّا إذَا حَمَلَتْ فَنَفَقَتُهَا عَلَى مَنْ أَحْبَلَهَا مُدَّةَ الْحَمْلِ، لِأَنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِهِ وَالنَّفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ إلَى الْوَضْعِ، وَهَذَا مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " فَلَا حَاجَةَ لِجَعْلِهِ اتِّجَاهًا، وَمَحَلُّ وُجُوبِ نَفَقَةِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ عَلَى الزَّوْجِ إنْ كَانَتْ (غَيْرَ مُطَاوِعَةٍ) لِوَاطِئٍ كَمَا لَوْ أَكْرَهَهَا أَوْ وَطِئَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ فَإِنْ طَاوَعَتْ عَالِمَةً أَنَّهُ غَيْرُ زَوْجِهَا، أَوْ تَظُنُّهُ غَيْرَهُ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا (مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَكِسْوَةٍ وَسُكْنَى بِالْمَعْرُوفِ) بَيَانٌ لِمَا لَا غِنَاءَ لَهَا عَنْهُ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ.
(وَيَعْتَبِرُ حَاكِمٌ ذَلِكَ إنْ تَنَازَعَا) أَيْ: الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ ذَلِكَ أَوْ صِفَتِهِ (بِحَالِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ يَسَارًا وَإِعْسَارًا لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ لِلزَّوْجَةِ؛ فَكَانَ النَّظَرُ يَقْتَضِي أَنْ يُعْتَبَرَ ذَلِكَ بِحَالِهَا كَالْمَهْرِ، لَكِنْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الْآيَةَ فَأَمَرَ الْمُوسِرَ بِالسَّعَةِ فِي النَّفَقَةِ، وَرَدَّ الْفَقِيرَ إلَى اسْتِطَاعَتِهِ،
стр. 3704
فَاعْتُبِرَ حَالُ الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ رِعَايَةً لِكِلَا الْجِنْسَيْنِ، وَلِاخْتِلَافِ حَالِ الزَّوْجَيْنِ رَجَعَ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ (فَيَفْرِضُ) حَاكِمٌ (لِمُوسِرَةٍ) وَلَوْ ذِمِّيَّةً (مَعَ مُوسِرٍ) عِنْدَ الشِّقَاقِ كِفَايَتَهَا (وَلَا يَقْبَلُ دَعْوَاهَا يَسَارَهُ) لِيَفْرِضَ لَهَا الْحَاكِمُ نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ (إلَّا إنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ) فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ.
وَيَفْرِضُ لَهَا (كِفَايَتَهَا خُبْزًا خَاصًّا بِأُدْمِهِ الْمُعْتَادِ لِمِثْلِهَا) أَيْ: الْمُوسِرَةِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ (وَ) يَفْرِضُ لَهَا (لَحْمًا) وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي طَبْخِهِ (عَادَةَ الْمُوسِرِينَ بِمَحَلِّهِمَا) أَيْ بَلَدِ الزَّوْجَيْنِ، لِاخْتِلَافِهِ بِحَسَبِ الْمَوَاضِعِ (فَلَا يَتَقَيَّدُ اللَّحْمُ بِرِطْلٍ عِرَاقِيٍّ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْمِيَاهِ قَالَ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ (كُلُّ جُمُعَةٍ مُرَّتَيْنِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَالْمَذْهَبِ " وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ " وَالْمُسْتَوْعِبِ " وَالْخُلَاصَةِ " وَالْهَادِي " وَغَيْرِهِمْ (وَتُنْقَلُ) زَوْجَةٌ (مُتَبَرِّمَةٌ مِنْ أُدْمٍ إلَى) أُدْمٍ (غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ (وَلَا بُدَّ مِنْ مَاعُونِ الدَّارِ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَيُكْتَفَى بِمَاعُونٍ خَزَفٍ وَخَشَبٍ وَالْعَدْلُ مَا يَلِيقُ بِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ.
(وَ) يَفْرِضُ حَاكِمٌ لِمُوسِرَةٍ مِنْ الْكِسْوَةِ (مَا يُلْبَسُ مِثْلُهَا مِنْ حَرِيرٍ وَخَزٍّ وَجَيِّدِ كَتَّانٍ وَجَيِّدِ قُطْنٍ) عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مِثْلِهَا مِنْ الْمُوسِرَاتِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ (وَأَقَلُّهُ) أَيْ مَا يُفْرَضُ مِنْ الْكِسْوَةِ (قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَطَرْحَةٌ) وَهِيَ مَا تَضَعُهُ فَوْقَ الْمِقْنَعَةِ، وَتُسَمَّى الْوِقَايَةُ (وَمِقْنَعَةٌ) تُقَنِّعُ بِهَا الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا (وَمَدَاسٌ وَجُبَّةٌ) أَيْ: مَضْرَبِيَّةٌ (لِلشِّتَاءِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا تَقَعُ بِهِ الْكِفَايَةُ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ شَيْءٍ يُوَارِي جَسَدَهُ وَهُوَ الْقَمِيصُ، وَمِنْ شَيْءٍ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَهُوَ السَّرَاوِيلُ، وَمِنْ شَيْءٍ يُدْفِئُهُ وَهُوَ جُبَّةٌ لِلشِّتَاءِ (وَتُزَادُ مِنْ عَدَدِ ثِيَابِ مَا جَرَتْ عَادَةٌ بِلُبْسِهِ مِمَّا لَا غَنَاءَ لَهَا عَنْهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ دَفْعُ الْحَاجَةِ الْغَالِبَةِ وَ (لَا) يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ ثِيَابٍ مُعَدَّةٍ (لِتَجَمُّلٍ وَزِينَةٍ، وَلَا) يَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاءُ (خُفٍّ وَإِزَارٍ لِلزَّوْجِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ أَمْرُهَا عَلَى الْخُرُوجِ) وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْخُرُوجِ لِحَقِّ الزَّوْجِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ مَا هِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ لِأَجْلِهِ.
(وَ) أَقَلُّ
стр. 3705
مَا يُفْرَضُ (لِلنَّوْمِ فِرَاشٌ وَلِحَافٌ وَمِخَدَّةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (مَحْشُوٌّ ذَلِكَ بِالْقُطْنِ إنْ كَانَ عُرْفَ الْبَلَدِ) لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ وَمِلْحَفَةٌ لِلِّحَافِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ وَإِزَارٌ تَنَامُ فِيهِ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِالنَّوْمِ فِيهِ كَأَرْضِ الْحِجَازِ وَنَحْوِهَا (وَ) أَقَلُّ مَا يُفْرَضُ (لِلْجُلُوسِ بِسَاطٌ) مِنْ صُوفٍ (وَرَفِيعُ الْحَصِيرِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا غَنَاءَ عَنْهُ.
(وَ) يَفْرِضُ حَاكِمٌ (لِفَقِيرَةٍ مَعَ فَقِيرٍ كِفَايَتَهَا خُبْزًا خشكارا) ضِدُّ النَّاعِمِ (بِأُدْمِهِ) الْمُلَائِمِ لَهُ عُرْفًا (كَخَلٍّ وَبَاقِلَاءَ) مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا؛ لِأَنَّهَا إحْدَى الزَّوْجَيْنِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ حَالِهَا كَالْمُوسِرَةِ (وَزَيْتِ مِصْبَاحٍ وَلَحْمِهِ عَادَةً وَلَا يَتَقَيَّدُ بِكُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً) بَلْ الْعُرْفُ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ لَا يَقْطَعُهَا اللَّحْمَ فَوْقَ أَرْبَعِينَ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: يَعْنِي إذَا أَكْثَرَ مِنْهُ. وَمِنْهُ كَلْبٌ ضَارٍ.
(وَ) يُفْرَضُ لَهَا مِنْ كِسْوَةٍ (مَا يُلْبَسُ مِثْلُهَا) مِنْ غَلِيظِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ (وَيَنَامُ فِيهِ) مِنْ فِرَاشٍ وَصُوفٍ وَكِسَاءٍ وَعَبَاءَةٍ لِلْغِطَاءِ (وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ) مِنْ بَارِيَةٍ وَخَيْشٍ عَلَى قَدْرِ عَادَتِهَا وَعَادَةِ أَمْثَالِهَا.
(وَيَفْرِضُ لِمُتَوَسِّطَةٍ مَعَ مُتَوَسِّطٍ وَمُوسِرَةٍ مَعَ فَقِيرٍ وَعَكْسِهَا) أَيْ: مُعْسِرَةٍ تَحْتَ، مُوسِرٍ (مَا بَيْنَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِحَالِهِمَا؛ لِأَنَّ فِي إيجَابِ الْأَعْلَى لِمُوسِرَةٍ تَحْتَ فَقِيرٍ ضَرَرًا عَلَيْهِ بِتَكْلِيفِهِ مَا لَا يَسَعُهُ حَالُهُ، وَإِيجَابُ الْأَدْنَى ضَرَرٌ عَلَيْهَا؛ فَالتَّوَسُّطُ أَوْلَى، وَإِيجَابُ الْأَعْلَى لِفَقِيرَةٍ تَحْتَ مُوسِرٍ زِيَادَةً عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ حَالُهَا، وَقَدْ أَمَرَ بِالْإِنْفَاقِ مِنْ سَعَتِهِ، فَالتَّوَسُّطُ أَوْلَى.
(وَمُوسِرٌ نِصْفُهُ حُرٌّ) فِي ذَلِكَ (كَمُتَوَسِّطَيْنِ) فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ (وَمُعْسِرٌ كَذَلِكَ) أَيْ: نِصْفُهُ حُرٌّ (كَ) زَوْجَيْنِ (مُعْسِرَيْنِ) فِي النَّفَقَةِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ (مُؤْنَةُ نَظَافَتِهَا مِنْ دُهْنٍ وَسِدْرٍ وَثَمَنِ مَاءِ شُرْبٍ وَطَهَارَةِ حَدَثٍ وَخُبْثٍ وَتَنْظِيفٍ وَثَمَنِ مُشْطٍ وَأُجْرَةِ قَيِّمَةٍ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ الَّتِي تَغْسِلُ شَعْرَهَا
стр. 3706
وَتُسَرِّحُهُ وَتُضَفِّرُهُ (وَكَنْسٌ بِبَيْتٍ) وَتَنْظِيفُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ حَوَائِجِهَا الْمُعْتَادَةِ.
وَ (لَا) يَلْزَمُهُ (دَوَاءٌ وَلَا أُجْرَةُ طَبِيبٍ) إنْ مَرِضَتْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ حَاجَتِهَا الضَّرُورِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ، بَلْ لِعَارِضٍ، (وَ) كَذَا: (لَا) يَلْزَمُهُ (ثَمَنُ طِيبٍ وَحِنَّاءَ وَخِضَابٍ وَنَحْوِهِ) كَثَمَنِ مَا يُحَمَّرُ بِهِ وَجْهٌ أَوْ يُسَوَّدُ بِهِ شَعْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ (وَإِنْ أَرَادَ مِنْهَا تَزَيُّنًا بِهِ) أَيْ: بِمَا ذَكَرَ (أَوْ) أَرَادَ (قَطْعَ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ وَأَتَى بِهِ) أَيْ: بِمَا يُرِيدُ مِنْهَا التَّزَيُّنَ بِهِ أَوْ بِمَا يَقْطَعُ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ (لَزِمَهَا) اسْتِعْمَالُهُ (وَعَلَيْهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (تَرْكُ حِنَّاءَ، وَزِينَةٍ نَهَاهَا عَنْهُمَا) الزَّوْجُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَعَلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (لِمَنْ) أَيْ: زَوْجَتِهِ (بِلَا خَادِمٍ) ذَكَرٍ وَأُنْثَى (وَيُخْدَمُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مِثْلُهَا) لِيَسَارٍ أَوْ كِبَرٍ أَوْ صِغَرٍ (وَلَوْ) كَانَ احْتِيَاجُهَا إلَيْهِ (لِمَرَضِ خَادِمٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وَمِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ يُقِيمَ لَهَا خَادِمًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَاجَتِهَا؛ فَيَلْزَمُ الزَّوْجَ كَالنَّفَقَةِ (وَاحِدٌ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ خِدْمَتُهَا فِي نَفْسِهَا وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْوَاحِدِ، فَلَمْ يَجِبْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ الْخَادِمُ إلَّا مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا، إمَّا (ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ أَوْ امْرَأَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْخَادِمَ يَلْزَمُ الْمَخْدُومَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ فَلَا يَسْلَمُ مِنْ النَّظَرِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَمْلِكَ الْخَادِمُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْإِخْدَامُ لَا التَّمْلِيكُ وَلَا إخْدَامَ عَلَيْهِ لِرَقِيقَةٍ وَلَوْ كَانَتْ جَمِيلَةً؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالزَّوْجَةِ، فَإِنْ طَلَبَتْ الزَّوْجَةُ مِنْهُ أُجْرَةَ خَادِمِهَا فَوَافَقَهَا، جَازَ، وَإِنْ أَبَى وَقَالَ: أَنَا آتِيك بِخَادِمٍ سِوَاهُ فَلَهُ ذَلِكَ إذَا أَتَى بِمَنْ يَصْلُحُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْخَادِمُ مِلْكَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ أَوْ اسْتَعَارَهُ؛ فَتَعْيِينُهُ إلَيْهِ.
(وَتَجُوزُ) خِدْمَةُ امْرَأَةٍ (كِتَابِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ إلَى الْمُسْلِمَةِ قَالَ الْبُهُوتِيُّ قُلْت وَكَذَا مَجُوسِيَّةٌ وَوَثَنِيَّةٌ وَنَحْوُهُمَا (وَتُلْزَمُ) الزَّوْجَةُ (بِقَبُولِهَا) أَيْ: الْخَادِمَةِ الْكَافِرَةِ لِصَلَاحِيَّتِهَا لِلْخِدْمَةِ، وَلَهُ تَبْدِيلُ خَادِمٍ أَلِفَتْهَا؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ إلَيْهِ (وَنَفَقَتُهُ) أَيْ الْخَادِمِ (وَكِسْوَتُهُ)
стр. 3707
عَلَى الزَّوْجِ (كَفَقِيرَيْنِ) أَيْ: كَنَفَقَةِ فَقِيرَةٍ مَعَ فَقِيرٍ (مَعَ خُفٍّ وَمِلْحَفَةٍ) لِلْخَادِمِ (لِحَاجَةِ خُرُوجٍ، وَلَوْ أَنَّهُ) أَيْ الْخَادِمَ (لَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (إلَّا فِي نَظَافَةٍ) فَلَا يَجِبُ لِلْخَادِمِ دُهْنٌ وَلَا سِدْرٌ وَمُشْطٌ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلزِّينَةِ وَالتَّنْظِيفِ وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ الْخَادِمِ (وَنَفَقَةُ) خَادِمٍ (مُكْرِيٍّ وَ) خَادِمٍ (مُعَارٍ عَلَى مُكْرٍ وَمُعِيرٍ) لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُكْرِيَ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْأُجْرَةُ؛ وَالْمُعِيرَ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ النَّفَقَةُ بِإِعَارَتِهِ (وَتَعْيِينُ خَادِمٍ لَهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (إلَيْهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ؛ فَإِنْ رَضِيَا بِخِدْمَتِهِ لَهَا وَأَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الزَّوْجِ، جَازَ (وَ) تَعْيِينُ (سِوَاهُ) أَيْ: سِوَى خَادِمِهَا (إلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ أُجْرَتَهُ عَلَيْهِ (وَإِنْ قَالَتْ) الزَّوْجَةُ (أَنَا أَخْدُمُ نَفْسِي وَآخُذُ مَا يَجِبُ لِخَادِمِي، أَوْ قَالَ) الزَّوْجُ (أَنَا أَخْدُمُك نَفْسِي وَأَبَى الْآخَرُ) أَيْ: الزَّوْجُ فِي الْأُولَى وَالزَّوْجَةُ فِي الثَّانِيَةِ (لَمْ يُجْبَرْ) الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا أَمَّا كَوْنُ الزَّوْجِ لَا يُجْبَرُ عَلَى مَا أَرَادَتْهُ؛ لِأَنَّ فِي كَوْنِهَا يَخْدُمُهَا غَيْرُهَا تَوْفِيرًا لَهَا عَلَى حُقُوقِهِ وَتَرَفُّهًا لَهَا وَرَفْعًا لِقَدْرِهَا، وَذَلِكَ يَفُوتُ بِخِدْمَتِهَا لِنَفْسِهَا وَأَمَّا كَوْنُهَا لَا تُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهَا بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهَا مِنْ الْخِدْمَةِ قَدْ لَا يَحْصُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَشِمُ، وَفِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَيْهَا، لِكَوْنِ زَوْجِهَا خَادِمًا لَهَا.
(وَلَوْ اتَّخَذَتْ مَنْ لَا تَخْدُمُ خَادِمًا؛ وَتُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا؛ لَمْ يَجُزْ) لَهَا ذَلِكَ (بِلَا إذْنِ زَوْجِهَا) فِيهِ
(وَتَلْزَمُهُ مُؤْنِسَةٌ لِحَاجَةٍ) إلَى ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ فِي مَكَان مَخُوفٍ؛ أَوْ لَهَا عَدُوٌّ تَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ تُقِيمَ وَحْدَهَا بِمَكَانٍ لَا تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا فِيهِ، وَتَعْيِينُ الْمُؤْنِسَةِ لِلزَّوْجِ، وَيُكْتَفَى بِتَأْنِيسِهِ هُوَ لَهَا.
وَ (لَا) يَلْزَمُهُ (أُجْرَةُ مَنْ يُوَضِّئُ) زَوْجَةً (مَرِيضَةً) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَوَائِجِهَا الْمُعْتَادَةِ (بِخِلَافِ رَقِيقِهِ) الْمَرِيضِ (فَيَلْزَمُهُ) أُجْرَةُ مَنْ يُوَضِّئُهُ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوُضُوءُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ لِمِلْكِهِ إيَّاهُ؛ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَهِيَ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَلَا دَخْلَ لِلْوُضُوءِ فِيهِ.
стр. 3708
[فَصْلٌ الْوَاجِبُ عَلَى الزَّوْجِ دَفْعُ قُوتٍ لِزَوْجَةٍ وَخَادِمِهَا]
فَصْلٌ (وَالْوَاجِبُ) عَلَى الزَّوْجِ (دَفْعُ قُوتٍ) مِنْ خُبْزٍ وَأُدْمٍ وَنَحْوِهِ لِزَوْجَةٍ وَخَادِمِهَا وَكُلِّ مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ (لَا) دَفْعُ (بَدَلِهِ) أَيْ: الْقُوتِ مِنْ نَقْدٍ أَوْ فُلُوسٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ عَلَيْهَا إلَى مَنْ يَبْتَاعُهُ لَهَا، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ، أَوْ فِيهِ مَشَقَّةٌ بِخُرُوجِهَا لَهُ أَوْ تَكْلِيفُ مَنْ يَمُنُّ عَلَيْهَا بِهِ (وَلَا دَفْعُ حَبٍّ) ، وَلَا يَلْزَمُهَا قَبُولُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْلِيفِهَا طَحْنَهُ وَعَجْنَهُ وَخَبْزَهُ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قَالَ: الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ الْخُبْزُ وَالسَّمْنُ وَالْخُبْزُ وَالزَّيْتُ وَالْخُبْزُ وَالتَّمْرُ وَأَفْضَلُ مَا تُطْعِمُوهُنَّ الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْإِيجَابِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَلَا تَقْيِيدٍ، فَرَجَعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، وَهُوَ دَفْعُ الْقُوتِ وَكَنَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ؛ فَإِنْ طَلَبَتْ مَكَانَ الْخُبْزِ حَبًّا أَوْ دَقِيقًا أَوْ دَرَاهِمَ وَنَحْوَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ، وَيَكُونُ الدَّفْعُ (أَوَّلَ نَهَارِ كُلِّ يَوْمٍ بِطُلُوعِ شَمْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ (وَيَجُوزُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ تَعْجِيلٍ وَتَأْخِيرٍ) عَنْ وَقْتِ وُجُوبٍ (وَ) مِنْ (دَفْعِ عِوَضٍ) كَدَرَاهِمَ عَنْ نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا (وَلِكُلٍّ) مِنْهُمَا (الرُّجُوعُ) عَنْهُ بَعْدَ التَّرَاضِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ (وَمَا رَضِيَتْهُ) الزَّوْجَةُ (حَبًّا فَعَلَيْهِ) أَيْ: الزَّوْجِ (أُجْرَةُ طَحْنِهِ وَخَبْزِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَئُونَتِهِ؛ وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ (وَلَا يَمْلِكُ الْحَاكِمُ) الَّذِي تَرَافَعَ إلَيْهِ الزَّوْجَانِ (فَرْضَ غَيْرِ الْوَاجِبِ كَدَرَاهِمَ مَثَلًا إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ؛ فَلَا يُجْبَرُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا (وَلَا يَلْزَمُهُ
стр. 3709
فَرْضُهُ) أَيْ الْحَاكِمِ دَرَاهِمَ قَالَ فِي " الْهَدْيِ " أَمَّا فَرْضُ الدَّرَاهِمِ فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي كِتَابٍ وَلَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ بِغَيْرِ الرِّضَى عَنْ غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ (وَلَوْ مَعَ شِقَاقٍ وَحَاجَةٍ كَغَائِبٍ) .
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " عَنْ قَوْلِ " الْهَدْيِ " وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ مَعَ عَدَمِ الشِّقَاقِ وَعَدَمِ الْحَاجَةِ فَأَمَّا مَعَ الشِّقَاقِ وَالْحَاجَةِ كَالْغَائِبِ مَثَلًا فَيَتَوَجَّهُ الْفَرْضُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَلَا يُعْتَاضُ عَنْ) الْوَاجِبِ (الْمَاضِي بِرِبَوِيٍّ كَحِنْطَةٍ عَنْ خُبْزٍ) أَيْ: كَمَا لَوْ عَوَّضَهَا (عَنْ الْخُبْزِ حِنْطَةً أَوْ دَقِيقًا) ؛ فَلَا يَصِحُّ وَلَوْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رِبًا.
(وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (الِاحْتِسَابُ بِدَيْنِهِ عَلَى) زَوْجَةٍ (مُوسِرَةٍ) بِالدَّيْنِ (مَكَانُ النَّفَقَةِ) لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُوسِرَةً فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا بِدَيْنِهِ مِنْ نَفَقَتِهَا؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ إنَّمَا يَكُونُ بِمَا فَضَلَ عَنْ الْكِفَايَةِ.
(وَالْوَاجِبُ دَفْعُ نَحْوِ كِسْوَةٍ) كَسِتَارَةٍ يَحْتَاجُ إلَيْهَا (وَغِطَاءٍ وَوِطَاءٍ أَوَّلِ كُلِّ عَامٍ مِنْ زَمَنِ وُجُوبٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فَيُعْطِيهَا السَّنَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَرْدِيدُ الْكِسْوَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا، بَلْ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ يُسْتَدَامُ إلَى أَنْ: يَبْلَى (وَتَمْلِكُ) زَوْجَةٌ (ذَلِكَ) أَيْ: وَاجِبَ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ (بِقَبْضٍ) كَمَا يَمْلِكُ رَبُّ الدَّيْنِ دَيْنَهُ بِقَبْضِهِ (فَلَا بَدَلَ) عَلَى زَوْجٍ (لِمَا سُرِقَ) مِنْ ذَلِكَ (أَوْ بَلِيَ) مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا قَبَضَتْ حَقَّهَا؛ فَلَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ كَالدَّيْنِ إذَا وَفَّاهَا إيَّاهُ ثُمَّ رَضَاعٍ مِنْهَا، لَكِنْ لَوْ بُلِيَتْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَبْلَى فِيهِ مِثْلُهَا لَزِمَهُ بَدَلُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ كِسْوَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ تَبْلَى عَادَةً وَإِنَّمَا بُلِيَتْ فِيهِ لِكَثْرَةِ دُخُولِهَا وَخُرُوجِهَا؛ فَلَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَتْهَا.
(وَتَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ) أَيْ: مَا قَبَضَتْهُ مِنْ وَاجِبِ نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا عَلَى زَوْجِهَا (عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهَا) وَلَا يُنْهِكُ بَدَنَهَا مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَنَحْوِهِ كَسَائِرِ مَالِهَا، فَإِنْ ضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهَا أَوْ نَقَصَ فِي اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا لَمْ تَمْلِكْهُ، بَلْ تُمْنَعُ مِنْهُ، لِتَفْوِيتِ حَقِّ زَوْجِهَا.
стр. 3710
(وَلَا تَمْلِكُ) الزَّوْجَةُ (نَحْوَ مَاعُونٍ) كَقَدَحٍ وَأَوَانٍ مُعَدَّةٍ لِطَعَامٍ (وَمُشْطٍ؛ لِأَنَّهُ إمْتَاعٌ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَإِنْ أَكَلْتِ) الزَّوْجَةُ (مَعَهُ) أَيْ: زَوْجِهَا (عَادَةً أَوْ كَسَاهَا غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ بِلَا إذْنِهَا وَلَا إذْنِ وَلِيِّهَا) .
وَكَانَ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ (سَقَطَتْ) نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا عَمَلًا بِالْعُرْفِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي نِيَّةِ التَّبَرُّعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ التَّبَرُّعَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَهُوَ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ (وَإِنْ أَعْطَاهَا) الزَّوْجُ (شَيْئًا زَائِدًا عَنْ الْكِسْوَةِ كَمَصَاغٍ وَقَلَائِدَ) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (تَبَرُّعًا مَلَكَتْهُ) بِقَبْضِهِ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ، وَلَيْسَ لَهُ إذَا فَارَقَهَا أَنْ يُطَالِبَهَا بِهِ لِلُزُومِ الْهِبَةِ بِالْقَبْضِ (وَ) إنْ كَانَ قَدْ أَعْطَاهَا ذَلِكَ (لِتَتَجَمَّلَ بِهِ) كَمَا يُرْكِبُهَا دَابَّتَهُ وَيُخْدِمُهَا غُلَامَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ (فَلَا) تَمْلِكُهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ بِشَيْءٍ يَقْتَضِيهِ، (وَ) لَهُ أَنْ (يَرْجِعَ بِهِ مَتَى شَاءَ) سَوَاءٌ فَارَقَهَا أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ لِلتَّجَمُّلِ أَوْ تَمْلِيكًا وَلَا بَيِّنَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ.
(وَمَتَى انْقَضَى الْعَامُ وَالْكِسْوَةُ) الَّتِي قَبَضَتْهَا لِذَلِكَ الْعَامِ (بَاقِيَةٌ فَعَلَيْهِ كِسْوَةٌ لِ) لِعَامٍ (الْجَدِيدِ) ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِمُضِيِّ الزَّمَانِ دُونَ حَقِيقَةِ الْحَاجَةِ كَمَا لَوْ أَنَّهَا بُلِيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهَا، وَلَوْ أَهْدَى إلَيْهَا كِسْوَةً لَمْ تَسْقُطْ كِسْوَتُهَا، وَكَذَا، لَوْ أَهْدَى إلَيْهَا مَا أَكَلَتْهُ وَبَقِيَ قُوتُهَا إلَى الْغَدِ لَمْ: يَسْقُطْ قُوتُهَا فِيهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) لَوْ انْقَضَى الْعَامُ الْمَقْبُوضُ لَهُ (غِطَاءٌ وَوِطَاءٌ) وَلَمْ يُبْلَيَا فَعَلَيْهِ بَدَلُهُمَا لِلْعَامِ الْجَدِيدِ، كَمَا لَوْ تَلِفَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " خِلَافًا لِابْنِ نَصْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ جَعَلَهُمَا، كَمَاعُونِ الدَّارِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (بِخِلَافِ مَاعُونٍ وَمُشْطٍ) إذَا انْقَضَى الْعَامُ وَهُوَ بَاقٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ اعْتِبَارًا بِحَقِيقَةِ الْحَاجَةِ.
(وَإِنْ قَبَضَتْهَا) أَيْ: الْكِسْوَةَ (ثُمَّ) مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ مُضِيِّ الْعَامِ، أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ مُضِيِّهِ، أَوْ (بَانَتْ قَبْلَ مُضِيِّهِ، رَجَعَ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ) مِنْ الْعَامِ، لِتَبَيُّنِ
стр. 3711
عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا لَهُ (وَكَذَا نَفَقَةٌ تَعَجَّلَتْهَا) بِأَنْ دَفَعَ إلَيْهَا نَفَقَةَ مُدَّةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، ثُمَّ مَاتَ أَوْ مَاتَتْ، أَوْ بَانَتْ قَبْلَ مُضِيِّهَا، فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِسْطِ مَا بَقِيَ (لَكِنْ لَا يَرْجِعُ) زَوْجٌ عَجَّلَ نَفَقَةً (بِبَقِيَّةِ يَوْمِ الْفُرْقَةِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ بِطُلُوعِ نَهَارِهِ، فَإِنْ أَعَادَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ.
ثَانِيًا اسْتَظْهَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (إلَّا عَلَى نَاشِزٍ) فِي أَثْنَاءِ يَوْمِ قَبَضَتْ نَفَقَتَهُ؛ فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِبَاقِيهِ، لِتَمَكُّنِهَا مِنْ طَاعَتِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا (وَيُرْجَعُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ عَلَى زَوْجَةٍ (بِ) بَقِيَّةِ (نَفَقَتِهَا مِنْ مَالٍ غَائِبٍ بَعْدَ إبَانَةٍ) مِنْ حِينِهَا أَيْ: الْإِبَانَةِ؛ لِارْتِفَاعِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا بِإِبَانَتِهِ إيَّاهَا؛ فَلَا تَسْتَحِقُّ مَا قَبَضَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَقَضَاءِ وَكِيلٍ حَقًّا يَظُنُّهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ، فَبَانَ أَنْ لَا حَقَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَنْفَقَتْ فِي غَيْبَتِهِ، وَبَانَ مَيِّتًا رَجَعَ عَلَيْهَا الْوَارِثُ بِمَا أَنْفَقَتْهُ مُنْذُ مَاتَ لِمَا سَبَقَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَعَلَى قِيَاسِهِ كُلُّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ شَيْءٌ، وَزَالَتْ الْإِبَاحَةُ بِفِعْلِ اللَّهِ أَوْ بِفِعْلِ الْمُبِيحِ كَالْمُعِيرِ إذَا مَاتَ وَرَجَعَ وَالْمَانِحُ وَأَهْلُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ غَابَ) عَنْ زَوْجَتِهِ مُدَّةً (وَلَمْ يُنْفِقْ) عَلَيْهَا فِيهَا (لَزِمَهُ) نَفَقَةُ الزَّمَنِ (الْمَاضِي) لِاسْتِقْرَارِهَا فِي ذِمَّتِهِ (وَلَوْ لَمْ يَفْرِضْهَا حَاكِمٌ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ؛ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ كَأُجْرَةِ الْعَقَارِ (بِخِلَافِ نَفَقَةِ قَرِيبٍ) فَإِنَّهَا صِلَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا يَسَارُ الْمُنْفِقِ وَإِعْسَارُ مَنْ تَجِبُ لَهُ، وَسَوَاءٌ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ حَاضِرٌ، وَالذِّمِّيَّةُ فِيمَا يَجِبُ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَمَسْكَنٍ كَالْمُسْلِمَةِ، لِعُمُومِ النُّصُوصِ.
стр. 3712
[فَصْلٌ مُطَلَّقَةٌ رَجْعِيَّةٌ كَزَوْجَةٍ فِي نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَسُكْنَى]
فَصْلٌ
(وَ) مُطَلَّقَةٌ (رَجْعِيَّةٌ) كَزَوْجَةٍ فِي نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَسُكْنَى، لَا فِيمَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَلِأَنَّهُ يَلْحَقُهَا، طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ؛ أَشْبَهَ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ.
(وَبَائِنٌ حَامِلٌ كَزَوْجَةٍ إلَّا فِيمَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَفِي بَعْضِ أَخْبَارِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «لَا نَفَقَةَ لَكِ إلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا» وَلِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُ الْمُبِينِ، فَلَزِمَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ؛ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِنْفَاقٍ عَلَيْهَا، فَوَجَبَ كَأُجْرَةِ الرَّضَاعِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ وُجُوبِ نَفَقَةِ الْحَامِلِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا لَمْ يَزِدْ بَقَاؤُهَا حَامِلًا عَلَى أَكْثَرِ مُدَّتِهِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى أَكْثَرِهَا، وَلَمْ تَضَعْهُ؛ سَقَطَتْ النَّفَقَةُ، لِعَدَمِ لُحُوقِهِ بِهِ
(وَتَجِبُ) النَّفَقَةُ (لِحَمْلِ مُلَاعَنَةٍ) لُوعِنَتْ وَهِيَ حَامِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِ بِلِعَانِهَا إذَنْ (إلَى أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ آخَرَ بَعْدَ وَضْعِهِ) فَإِنْ نَفَاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ (فَلَا نَفَقَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) لِانْقِطَاعِ نَسَبِهِ عَنْهُ (إلَّا إنْ اسْتَلْحَقَهُ) الْمُلَاعِنُ بَعْدَ نَفْيِهِ (فَ) يَلْحَقُهُ وَ (تَرْجِعُ) عَلَيْهِ (الْأُمُّ بِمَا أَنْفَقَتْهُ) وَبِأُجْرَةِ السَّكَنِ وَالرَّضَاعِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْلَمْهُ ثُمَّ عَلِمَهُ.
(وَمَنْ أَنْفَقَ) عَلَى بَائِنٍ مِنْهُ (يَظُنُّهَا حَامِلًا، فَبَانَتْ حَائِلًا) غَيْرَ حَامِلٍ (رَجَعَ) عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا لِأَخْذِهَا مِنْهُ مَا لَا تَسْتَحِقُّهُ، كَأَخْذِ دَيْنٍ ادَّعَاهُ، ثُمَّ ظَهَرَ كَذِبُهُ، وَكَذَا إنْ ادَّعَتْهُ رَجْعِيَّتُهُ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ عِدَّتِهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمُهُ رَجَعَ بِالزَّائِدِ.
(وَمَنْ تَرَكَهُ) أَيْ الْإِنْفَاقَ عَلَى مُبَانَةٍ (يَظُنُّهَا حَائِلًا، فَبَانَتْ حَامِلًا، لَزِمَهُ)
стр. 3713
نَفَقَةُ (مَا مَضَى) لِتَبَيُّنِ اسْتِحْقَاقِهَا لِلنَّفَقَةِ فِيهِ، فَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهَا كَالدَّيْنِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ، وَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ.
(وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى مُبِينٍ تَرَكَهُ يَظُنُّهَا حَائِلًا فَبَانَتْ حَامِلًا إذَا كَانَ مُوسِرًا حَاضِرًا (لَا) إنْ كَانَ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ مِنْ غَائِبٍ (أَوْ) حَاضِرٍ (مُعْسِرٍ وَلَمْ تُفْرَضْ) أَيْ: لَمْ يَفْرِضْهَا حَاكِمٌ، فَلَا تَلْزَمُهُ (أَوْ لَمْ تُنْفِقْ) الزَّوْجَةُ (بِنِيَّةِ) رُجُوعٍ؛ بَلْ مُتَبَرِّعَةٍ أَوْ لَمْ تَنْوِ شَيْئًا، أَمَّا لَوْ أَنْفَقَتْ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا، لِقِيَامِهَا عَنْهُ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ) أَيْ: مُبَايَنَةٌ وَنَحْوُهَا (ادَّعَتْ حَمْلًا) دُونَ ثَلَاثِ أَشْهُرٍ (وَجَبَ) عَلَيْهِ (إنْفَاقُ تَمَامِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ ابْتِدَاءِ زَمَنٍ ذَكَرَتْ أَنَّهَا حَامِلٌ) مِنْهُ (فَإِنْ مَضَتْ) الثَّلَاثَةُ أَشْهُرٍ (وَلَمْ يَبِنْ) الْحَمْلُ كَأَنْ أُرِيَتْ الْقَوَابِلَ فَقُلْنَ لَيْسَ بِهَا حَمْلٌ (أَوْ حَاضَتْ) وَلَوْ قَبْلَ مُضِيِّهَا (رَجَعَ عَلَيْهَا) بِنَظِيرِ مَا أَنْفَقَهُ سَوَاءٌ دَفَعَ إلَيْهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ أَوْ بِغَيْرِهِ شَرَطَ لَهَا نَفَقَةً أَوْ لَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ، لِتَبَيُّنِ عَدَمِ وُجُوبِهِ.
وَإِنْ ادَّعَتْ حَمْلًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أُرِيَتْ الْقَوَابِلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَادَةً بَعْدَهَا، (فَإِنْ شَهِدَتْ بِهَا الْقَوَابِلُ، أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا بِخِلَافِ نَفَقَةٍ فِي نِكَاحٍ تَبَيَّنَ فَسَادُهُ) لِنَحْوِ رَضَاعٍ أَوْ عِدَّةٍ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ، سَوَاءٌ كَانَتْ النَّفَقَةُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِالِاتِّفَاقِ، (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا) فَهُوَ مُفَرِّطٌ؛ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ (وَ) بِخِلَافِ نَفَقَةٍ (عَلَى أَجْنَبِيَّةٍ) لَمْ نَأْذَنْ (فَلَا رُجُوعَ) لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ.
(وَالنَّفَقَةُ) عَلَى الْحَامِلِ (لِلْحَمْلِ) نَفْسِهِ، لَا لَهَا مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ بِوُجُودِهِ وَتَسْقُطُ عِنْدَ انْقِضَائِهِ؛ قَالَ الْبُهُوتِيُّ قُلْت: فَلَوْ مَاتَ بِبَطْنِهَا انْقَطَعَتْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ لِمَيِّتٍ (فَتَجِبُ) النَّفَقَةُ (لِنَاشِزٍ حَامِلٍ) ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ فَلَا تَسْقُطُ بِنُشُوزِ أُمِّهِ
стр. 3714
(وَ) تَجِبُ (لِحَامِلٍ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ) لِلُحُوقِ نَسَبِهِ فِيهِمَا (وَ) لِحَامِلٍ فِي (مِلْكِ يَمِينٍ وَلَوْ أَعْتَقَهَا) ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ وَهُوَ وَلَدُهُ.
(وَ) تَجِبُ (عَلَى وَارِثٍ) حَمْلٌ (مِنْ زَوْجٍ) أَوْ سَيِّدٍ أَوْ وَاطِئٍ بِشُبْهَةِ (مَيِّتٍ) لِلْقَرَابَةِ، (وَ) تَجِبُ نَفَقَةُ حَامِلٍ (مِنْ مَالٍ حَمْلٍ مُوسِرٍ) بِأَنْ كَانَ قَدْ وَصَّى لَهُ بِشَيْءٍ وَقَبِلَهُ لَهُ أَبُوهُ (فَتَسْقُطُ عَنْ أَبِيهِ) وَعَنْ وَارِثَةٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُوسِرًا. وَالْمُوسِرُ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ
(وَلَوْ تَلِفَتْ) نَفَقَةُ حَامِلٍ بِلَا تَفْرِيطٍ (وَجَبَ) عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ الْحَمْلِ (بَدَلُهَا) ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ؛ فَلَا تَضْمَنُهَا (وَلَا فِطْرَةَ لَهَا) ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وَالْحَمْلُ لَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ.
(وَيَصِحُّ جَعْلُ نَفَقَةِ الْحَامِلِ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ) ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَالِكَةِ لَهَا، وَلِأَنَّهَا الَّتِي تَقْبِضُهَا وَتَسْتَحِقُّهَا وَتَتَصَرَّفُ فِيهَا؛ فَإِنَّهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ هِيَ الْآكِلَةُ لَهَا، وَبَعْدَ الْوِلَادَةِ هِيَ أُجْرَةُ رَضَاعِهَا إيَّاهُ، وَهِيَ الْآخِذُ لَهَا.
(وَلَا تَجِبُ) نَفَقَةُ حَمْلٍ (عَلَى زَوْجِ رَقِيقٍ) لِوَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حُرًّا، فَنَفَقَتُهُ عَلَى وَارِثِهِ بِشَرْطِهِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَعَلَى مَالِكِهِ (أَوْ مُعْسِرٍ أَوْ غَائِبٍ) أَيْ: لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ حَمْلِهِ، بَلْ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ كَالْمَوْلُودِ.
(وَلَا) تَجِبُ نَفَقَةُ حَمْلٍ (عَلَى وَارِثِ) الْحَمْلِ كَأَخِيهِ (مَعَ عُسْرِ زَوْجٍ) هُوَ أَبُوهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِالْأَبِ، وَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْأَبِ لِإِعْسَارِهِ. قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْت: بَلْ تَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِ الْحَمْلِ كَأُمِّهِ وَجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ؛ لِأَنَّ عَمُودَيْ النَّسَبِ تَجِبُ عَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ وَإِنْ حَجَبَهُ مُعْسِرٌ كَمَا يَأْتِي.
(وَتَسْقُطُ) نَفَقَةُ حَمْلٍ (بِمُضِيِّ الزَّمَانِ) كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ (مَا لَمْ تَسْتَدِنْ) حَامِلٌ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْحَمْلِ (وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) لَوْ كَانَتْ اسْتِدَانَتُهَا (بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ) فَتَرْجِعُ؛ لِقِيَامِهَا عَنْهُ بِوَاجِبٍ. نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ هَاشِمٍ عَنْ الْإِمَامِ، وَذَكَرَهُ فِي الْإِرْشَادِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ، (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى "
стр. 3715
وَالْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُمَا قَالَا: مَا لَمْ تَسْتَدِنْ بِإِذْنِ حَاكِمٍ. وَهَذَا الْقَيْدُ تَبِعَا فِيهِ صَاحِبَ " التَّنْقِيحِ " وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مُتَّجِهٌ صَحِيحٌ (أَوْ تُنْفِقُ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ) إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ؛ فَتَرْجِعُ؛ لِأَنَّهَا صَنَعَتْ مَعْرُوفًا بِأَدَائِهَا مَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهَا عَنْهُ.
(وَإِنْ وُطِئَتْ) مُطَلَّقَةٌ (رَجْعِيَّةٌ بِشُبْهَةٍ أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، ثُمَّ بَانَ بِهَا حَمْلٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُمَا) أَيْ: الْمُطَلِّقِ وَالْوَاطِئِ (فَنَفَقَتُهَا حَتَّى تَضَعَ عَلَيْهَا، لَا عَلَى الزَّوْجِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَهُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ بَعْدَ الْوَضْعِ حَتَّى يَتَمَيَّزَ الْأَبُ مِنْهُمَا (وَلَا تَرْجِعُ عَلَى زَوْجِهَا) إذَا تَرَكَ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا نَفَقَةُ قَرِيبٍ (كَبَائِنٍ مُعْتَدَّةٍ) وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ (وَمَتَى ثَبَتَ نَسَبُهُ) أَيْ: الْحَمْلِ (مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ: مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ (رَجَعَ عَلَيْهِ الْآخَرُ) الَّذِي لَمْ يَلْحَقْ بِهِ (بِمَا أَنْفَقَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَ؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْحَمْلِ مِنْهُ لَا مُتَبَرِّعًا، فَإِذَا ثَبَتَ لِغَيْرِهِ مَلَكَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ.
وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ الزَّوْجَةَ إذَا حَمَلَتْ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى الْوَاطِئِ دُونَ زَوْجِهَا، إذْ الرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ، فَلَوْلَا سُقُوطُ نَفَقَتِهَا بِالْحَمْلِ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ لَرَجَعَتْ عَلَى مُطَلِّقِهَا بِنَفَقَتِهَا.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا زَوْجَةُ الْكَافِرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ زَوْجُهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَإِنَّ الْبَيْنُونَةَ ثَبَتَتْ مِنْ حِينِ اخْتِلَافِ الدِّينِ، وَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ. أَفَادَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ.
(وَلَا نَفَقَةَ لِبَائِنٍ غَيْرِ حَامِلٍ) لِمَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: «أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ لَهَا وَكِيلَهُ بِشَعْرٍ فَخَطَّتْهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَك عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ:
следующие страницы →