Полный текст (808 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨] ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] وَالْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالسُّكُوتُ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ وَبَعْدَهَا وَإِيجَابُ الْقِرَاءَةِ لِلْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ وَإِطَالَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَالْجَهْرُ بِالْقُنُوتِ وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ فِيهِ كُلُّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ الَّتِي بِأَيْدِينَا فَمَنْ نَسَبَهَا إلَيْهَا فَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ وَتَفْضِيلُ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ غَنِيٌّ عَنْ الرَّدِّ لِمُخَالَفَتِهِ لِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَكَأَنَّ شُبْهَتَهُمْ فِيهِ حَدِيثُ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» وَالْأَئِمَّةُ حَمَلُوهُ عَلَى مَنْ يَضُرُّهُ الصَّوْمُ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ لِجَهْلِهِمْ لَمْ يُحْسِنُوا التَّصَرُّفَ فِي الْأَدِلَّةِ فَخَالَفُوا مَا عَلَيْهِ النَّاسُ وَقَصْرُهُمْ الصَّلَاةَ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ إنْ كَانَ مَعَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ أَوْ الْعِلْمُ بِهَا عَادَةً مُخَالِفٌ لِنُصُوصِ الْمَذْهَبِ وَصَلَاتُهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَاطِلَةٌ وَزَعْمُهُمْ أَنَّهُمْ مَالِكِيَّةٌ مَعَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْمُخَالِفَةِ لِنُصُوصِ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَمْرٌ يُكَذِّبُهُ الْعِيَانُ وَلَيْسَ بَعْدَ الْعِيَانِ بَيَانٌ وَعُلَمَاءُ الْمَذْهَبِ لَمْ يَكْتُمُوا شَيْئًا مِنْ النُّصُوصِ وَلَا جَهِلُوهُ وَمَنْ ظَنَّ بِهِمْ هَذَا الظَّنَّ وَجَبَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ لِأَنَّهُ ظَنُّ سُوءٍ بِعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَاهُمْ هِيَ أَنَّ أَفْعَالَهُمْ هِيَ السُّنَّةُ وَأَنَّ خِلَافَهَا بِدْعَةٌ كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ بَاطِلٌ وَالْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَعْلَمُ النَّاسِ بِالسُّنَّةِ وَأَهْلُ مَذْهَبِهِ أَشَدُّ النَّاسِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَأَفْعَالُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مُخَالِفَةٌ لِمَا عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَكُتُبُهُمْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرَةٌ وَنُصُوصُهُمْ فِي رَدِّ هَذِهِ الْأَفْعَالِ صَرِيحَةٌ وَمَنْ أَحَبَّ فَلْيُرَاجِعْ
وَصِيَاحُ بَعْضِهِمْ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ تَلَاعُبٌ مِنْ الشَّيْطَانِ وَصَلَاةُ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَإِيجَابُ جَمِيعِ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ وَكَوْنُ غَالِبِ أَتْبَاعِ هَذَا الرَّجُلِ أَكَابِرَ النَّاسِ وَأَهْلَ الدُّنْيَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَلْبٌ مِنْ كِلَابِ الدُّنْيَا كَاذِبٌ فِي دَعْوَى التَّصَوُّفِ لِأَنَّ غَالِبَ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ إنَّمَا هُمْ فُقَرَاءُ النَّاسِ وَضُعَفَاؤُهُمْ وَأَكْلُ الْمَالِ الْخَبِيثِ مَعْصِيَةٌ وَالِاحْتِجَاجُ عَلَى الْمُتَعَفِّفِ بِهَذَا الشَّيْخِ وَأَتْبَاعِهِ أَمْرٌ نَاشِئٌ عَنْ شِدَّةِ الْجَهْلِ وَالِاحْتِجَاجُ إنَّمَا يَكُونُ بِالنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ لَا بِفِعْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَإِنَّمَا هُمْ طُلَّابُ دُنْيَا وَفَعَلُوا هَذِهِ الْمُخَالَفَاتِ لِيَتَمَيَّزُوا بِهَا وَيَعْرِفُوا أَوَّلِيَّتَهُمْ إذْ ضَلُّوا تَرَكُوا النَّاسَ يَشْتَغِلُونَ بِمَذَاهِبِهِمْ وَلَمْ يُضِلُّوهُمْ بِكَذِبِهِمْ عَلَى الْمَذَاهِبِ بَلْ ضَلُّوا وَأَضَلُّوا فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ بِدِينِهِ وَالنَّجَاةَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَتَبَاعَدَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَشَدَّ التَّبَاعُدِ.
وَمَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ قَدْ انْقَطَعَتْ مُنْذُ أَزْمَانٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ أَحَدٌ مِنْ الَّذِينَ بَلَغُوا دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ وَمَنْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ فَقَدْ ضَحِكَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَلَعِبَ بِهِ الشَّيْطَانُ وَعَلَى فَرْضِ الْوُجُودِ هَلْ يَعْتَقِدُ عَاقِلٌ أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ حَتَّى يَتَّبِعَ وَيَتْرُكَ مَا عَلَيْهِ الْأَوَائِلُ وَالْوَاجِبُ عَلَى
стр. 107
وُلَاةِ الْأُمُورِ وَكُلِّ مَنْ بَسَطَ اللَّهُ يَدَهُ أَنْ يَزْجُرَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ وَيَمْنَعَهُمْ مِنْ إضْلَالِ النَّاسِ وَتَعْطِيلِ الْمَذَاهِبِ الْمُتَّبِعَةِ فَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرُوا أُخْرِجُوا مِنْ الْبِلَادِ وَأُبْعِدُوا عَنْ الْعِبَادِ لِيَسْتَرِيحَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِمْ وَتَصْلُحَ أَحْوَالُهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسَائِلُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ]
[حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ
(سُئِلَ) شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْحُكْمِ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مَا الْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَمَاذَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُصَلِّي بِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ وَمَاذَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ وَمَاذَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُصَلِّي بِهَا عَامِدًا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ قَوْلَانِ الْوُجُوبُ وَالسُّنِّيَّةُ، وَهُمَا اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الْمُخْتَصَرِ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ لِاتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ ذَاكِرًا قَادِرًا أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا وَمَنْ صَلَّى بِهَا نَاسِيًا أَوْ عَاجِزًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ الرَّمَاصِيُّ وَالْحَطَّابُ وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِنُصُوصٍ كَثِيرَةٍ:
مِنْهَا مَا نَقَلَهُ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ أَوْ وُجُوبَ السُّنَنِ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَالتَّمَكُّنِ لِنَصِّ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ نَاسِيًا أَوْ ذَاكِرًا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وُجُوبَ السُّنَنِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْإِزَالَةُ فَرْضًا لَوَجَبَ أَنْ يُعِيدَ أَبَدًا كَمَا لَوْ تَرَكَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ فِي الْوُضُوءِ إلَى أَنْ قَالَ فَإِنْ قُلْتَ لَعَلَّ ثَمَرَةَ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي تَأْثِيمِ الْعَامِدِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ وَعَدَمِ تَأْثِيمِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ
قُلْت: صُرِّحَ فِي الْمَعُونَةِ بِأَنَّ الْعَامِدَ آثِمٌ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا سُنَّةٌ وَأَنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى وَذَكَرَ فِي التَّوْشِيحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الِاتِّفَاقَ عَلَى تَأْثِيمِ مَنْ تَعَمَّدَ الصَّلَاةَ بِهَا، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الْإِجْمَاعُ عَلَى التَّأْثِيمِ وَاسْتَشْكَلَ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْوُجُوبِ وَعِنْدِي أَنَّ التَّأْثِيمَ فِي السُّنَّةِ عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَفِي الْوُجُوبِ
стр. 108
عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ انْتَهَى. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْخِلَافُ حَقِيقِيٌّ وَأَنَّهُ تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ فِي إعَادَةِ الذَّاكِرِ الْقَادِرِ فَهِيَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ وَاجِبَةٌ أَبَدًا وَعَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ مَنْدُوبَةٌ أَبَدًا وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ وَتَلَامِذَتُهُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا سَلَفَ لَهُ فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي وُجُوبِ غُسْلِ النَّجَاسَةِ وَحُرْمَةِ الصَّلَاةِ بِهَا مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَتَأْثِيمِ فَاعِلِ ذَلِكَ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي حُكْمِ الْإِعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ هَلْ هُوَ الْوُجُوبُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَالْخَلْفُ لَفْظِيٌّ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْوُجُوبُ مَعْنَاهُ الْوُجُوبُ الشَّرْطِيُّ الَّذِي تُفْسِدُ مُخَالَفَتُهُ وَالسُّنَّةُ مَعْنَاهَا الْوُجُوبُ غَيْرُ الشَّرْطِيِّ الَّذِي تَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ وَلَا تُفْسِدُ الْعِبَادَةَ هَذَا مَا فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَالْمُخَالِفُ فِي هَذَا إنْ كَانَ مُعَانِدًا أُدِّبَ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا عُلِّمَ وَقِيلَ لَهُ إنَّك أَخَذْت لَفْظَ سُنَّةٍ مِنْ قَوْمٍ وَفَسَّرْتهَا بِاصْطِلَاحِ قَوْمٍ آخَرِينَ وَهَذَا غَلَطٌ وَتَخْلِيطٌ وَلَفْظُ سُنَّةٍ يُطْلِقُهُ الْمَالِكِيَّةُ أَحْيَانًا عَلَى مَا يَتَأَكَّدُ طَلَبُهُ وَلَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ وَتَارَةً عَلَى مَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ وَلَا تَفْسُدُ الْعِبَادَةُ بِتَرْكِهِ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا غَالِبًا بِقَوْلِهِمْ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ أَوْ وَاجِبٌ وُجُوبَ السُّنَنِ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى اصْطِلَاحٍ بِاصْطِلَاحٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَا قَوْلُكُمْ فِي اشْتِرَاطِ السَّادَةِ الْمَالِكِيَّةِ الْقُدْرَةَ فِي وُجُوبِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ هَلْ يَشْمَلُ الْقُدْرَةَ بِالْغَيْرِ كَحَلِيلَتِهِ وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ قَلِيلَةً وَمَا ضَابِطُهَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْحَطَّابُ فِي الْمَدْخَلِ يَلْزَمُ الرَّجُلَ الَّذِي لَا تَصِلُ يَدُهُ إلَى مَوْضِعِ اسْتِنْجَائِهِ وَلَمْ تَرْضَ زَوْجَتُهُ بِتَوَلِّيهِ شِرَاءَ جَارِيَةٍ لِذَلِكَ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَإِلَّا سَقَطَ عَنْهُ الِاسْتِنْجَاءُ وَالْمَرْأَةُ الَّتِي لَا تَصِلُ يَدُهَا لِذَلِكَ يَسْقُطُ الِاسْتِنْجَاءُ عَنْهَا إنْ لَمْ يُبَاشِرْهُ زَوْجُهَا وَلَا يَجُوزُ لَهَا تَمْكِينُ غَيْرِهِ مِنْهُ وَالنَّجَاسَةُ الْمُغَلَّظَةُ الَّتِي لَا يُعْفَى عَنْهَا قَلِيلُهَا كَكَثِيرِهَا.
قَالَ مَالِكٌ يَلْزَمُ غُسْلُ الْبَوْلِ وَلَوْ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ وَاَلَّذِي يُعْفَى عَنْهَا لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا يُنْدَبُ غُسْلُ مُتَفَاحِشِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[أَثَرِ الْوَشْمِ الَّذِي تَعْسُرُ إزَالَتُهُ هَلْ يُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ]
مَا قَوْلُكُمْ فِي أَثَرِ الْوَشْمِ الَّذِي تَعْسُرُ إزَالَتُهُ هَلْ يُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ يُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ فَفِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ وَالْوِشَامُ مُخْتَلِطٌ بِدَمٍ وَالْمُتَجَسِّدُ لُمْعَةٌ فَإِنْ عَسُرَ فَعَفْوٌ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
стр. 109
[مَسَائِلُ الِاسْتِبْرَاءِ] [ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَأَحَسَّ بِبَوْلٍ فِي قَصَبَةِ ذَكَرِهِ]
ِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَأَحَسَّ بِبَوْلٍ فِي قَصَبَةِ ذَكَرِهِ بِحَيْثُ إذَا تَنَزَّهَ بَرَزَ وَاسْتَمَرَّ بَقِيَّةَ الْوَقْتِ إلَى أَنْ يَسْتَبْرِئَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَلِيهِ وَهَكَذَا حَالُهُ فَهَلْ هَذَا سَلَسٌ مُغْتَفَرٌ فَلَا يَجِبُ اسْتِبْرَاءٌ مِنْهُ ثَانِيًا وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ هَذَا النَّازِلُ بَقِيَّةَ بَوْلٍ اخْتِيَارِيٍّ فَلَيْسَ سَلَسًا فَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْهُ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَوُضُوءُهُ قَبْلَهُ بَاطِلٌ إذْ شَرْطُهُ عَدَمُ الْمُنَافِي وَهُوَ مَوْجُودٌ إذْ السَّلَسُ خَارِجٌ ابْتِدَاءً بِلَا اخْتِيَارٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ حَبْسُهُ وَإِنْ كَانَ كَذَا فَسَلَسٌ فَإِنْ فَارَقَ أَكْثَرَ نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ أَحَسَّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِنُقْطَةِ مَذْيٍ أَوْ وَدْيٍ أَوْ بَوْلٍ انْفَصَلَتْ إلَى قَصَبَةِ ذَكَرِهِ وَلَمْ تَبْرُزْ وَبَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ سَلَتَ ذَكَرَهُ وَنَتَرَهُ فَبَرَزَتْ فَهَلْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ لِلْقَصَبَةِ لَهُ حُكْمُ الْخَارِجِ وَلِذَا وَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ إلَّا إذَا لَازَمَهُ ذَلِكَ كُلَّ الزَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَهُ أَوْ نِصْفَهُ.
فِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيِّ سُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَمَّنْ يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ فَيُحِسُّ بَلَلًا فَيَقْطَعُ فَلَا يَجِدُ شَيْئًا ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ هَذَا فِي صَلَاةٍ أُخْرَى فَيَقْطَعُ فَيَجِدُ الْبَلَلَ كَيْفَ يَصْنَعُ وَهَلْ يُجْزِئُهُ التَّمَادِي عَلَى الشَّكِّ ثُمَّ يَخْتَبِرُ بَعْدَ السَّلَامِ فَقَالَ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَيَسْتَبْرِئُ فَإِنْ تَمَادَى عَلَى شَكِّهِ وَظَهَرَتْ السَّلَامَةُ فَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَغَيْرُهُ يَرَى إعَادَتَهَا.
وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِ الْمَاءِ وَتَوَضَّأَ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ سَارَ إلَيْهَا فَوَجَدَ نُقْطَةً هَابِطَةً فَفَتَّشَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا أَوْ لَمْ يَجِدْهَا
فَأَجَابَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا اسْتَنْكَحَهُ ذَلِكَ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ.
[مَسَحَ ذَكَرَهُ مِنْ الْبَوْلِ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثُمَّ وَجَدَ بَلَلًا]
قَالَ وَسُئِلَ رَبِيعَةُ عَمَّنْ مَسَحَ ذَكَرَهُ مِنْ الْبَوْلِ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثُمَّ وَجَدَ بَلَلًا فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ قَدْ بَلَغَ مِحْنَتَهُ وَأَدَّى فَرِيضَتَهُ أَيْ إذَا اسْتَنْكَحَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا نُقِضَ وُضُوءُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
وَفِيهَا سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ يَسْتَنْجِي وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ تَهْبِطُ مِنْهُ نُقْطَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ يَقُومُ وَيَقْعُدُ وَيَهُزُّ نَفْسَهُ حَتَّى
стр. 110
تَهْبِطَ أَمْ لَا؟
جَوَابُهَا: لَا يَنْبَغِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا وَشَبَهَهُ مِنْ وَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ فَإِذَا لَمْ يَعْبَأْ بِهِ انْقَطَعَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْت: هَذَا إنْ كَانَ يَتَخَيَّلُ ذَلِكَ وَيَجِدُهُ تَارَةً وَلَا يَجِدُهُ أُخْرَى فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى يَقُومَ وَيَقْعُدَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ.
ثُمَّ قَالَ ذَكَرَ الْجَوْزِيُّ فِي تَلْبِيسِ إبْلِيسَ أَنَّهُ إذَا يَئِسَ مِنْ فِتْنَةِ الْعِبَادِ أَتَاهُمْ مِنْ حَيْثُ دِينُهُمْ فَيُشَكِّكُهُمْ فِي عِبَادَتِهِمْ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ جُلُّ وَقْتِهِ وَهُوَ فِي عِبَادَةٍ وَاحِدَةٍ وَرُبَّمَا أَخْرَجَتْهُمْ الْوَسْوَسَةُ إلَى تَرْكِ الْعِبَادَةِ أَوْ إخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِهَا وَيَنْتَظِرُونَ انْقِطَاعَ الْمَادَّةِ مَعَ الطُّولِ وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْبَوْلَ يَتَرَشَّحُ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَلَا تَزَالُ مَادَّتُهُ مُتَّصِلَةً.
وَقَدْ شَاهَدْتُ وَسَمِعْتُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بِجُمْلَةٍ مِنْ الصَّالِحِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَوَضَّأُ وَلَا يَغْتَسِلُ حَتَّى يَأْخُذَ أَكْثَرَ الْوَقْتِ وَإِذَا أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ سَلَّمَ وَأَحْرَمَ، وَهَكَذَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى قُرْبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ إلَى طُلُوعِهَا بِالْفِعْلِ.
وَرَأَيْت رَجُلًا غَسَلَ ذِرَاعَهُ مِرَارًا كَثِيرَةً وَأَنَا وَآخَرُ نَنْظُرُ إلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ أَدَّيْت مَا عَلَيْك وَنَحْنُ نَشْهَدُ لَك عِنْدَ اللَّهِ أَنَّهُ مَا بَقِيَ عَلَيْك شَيْءٌ فَقَالَ لَا أَثِقُ بِشَهَادَتِكُمَا لِأَنِّي لَا أَثِقُ بِنَفْسِي فَكَيْفَ بِغَيْرِي فَهَذَا وَشَبَهُهُ مُبْتَلًى أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَنِّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِ مَسْحِ الْخُفِّ]
[مَسْحِ الْخُفِّ الْمُزَرَّرِ بِحَدِيدٍ]
مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِ مَسْحِ الْخُفِّ (مَا قَوْلُكُمْ فِي مَسْحِ الْخُفِّ الْمُزَرَّرِ بِحَدِيدٍ) ؟
فَأَجَبْت عَنْهُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَصَّ شَارِحُو الْمُخْتَصَرِ عَلَى صِحَّةِ مَسْحِ الْخُفِّ الْمُزَرَّرِ وَأَطْلَقُوا وَلَمْ أَرَ مَنْ قَيَّدَ أَزْرَارَهُ بِكَوْنِهَا غَيْرَ حَدِيدٍ فَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ جَوَازُ مَسْحِ مَا أَزْرَارُهُ حَدِيدٌ وَلَا وَجْهَ لِمَنْعِ مَسْحِهِ وَهُوَ أَحْكَمُ مِنْ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ مِنْ أَزْرَارِهِ إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا وَقَدْ نَصُّوا عَلَى اغْتِفَارِهِ وَعَلَى أَنَّ مَسْحَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ وَعَلَى كَرَاهَةِ تَتَبُّعِ غُضُونِهِ وَتَجْدِيدِ الْبَلَلِ إنْ جَفَّتْ يَدُهُ قَبْلَ تَكْمِيلِ مَسْحِ الرَّجُلِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ بَقِيَ ثُلُثُهَا أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ وَهَلْ يَبْلُغُ الظَّاهِرُ مِنْ أَزْرَارِ الْحَدِيدِ قَدْرَ ثُلُثِ الرَّجُلِ لَا وَلَا قَدْرَ رُبْعِ عُشْرِهَا مَا هُوَ إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا مُغْتَفَرٌ يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
стр. 111
[مَسَائِلُ الْوُضُوءِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْوُضُوءِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ يَتَوَضَّأُ بِنَحْوِ خَمْسَةِ أَبْرِقَةٍ زَاعِمًا أَنَّهُ لَا يَكْفِي أَقَلُّ مِنْهَا وَأَنَّ الْوَسْوَسَةَ لَا تَعْتَرِي إلَّا الصَّالِحِينَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ الْمَعْلُومِ ضَرُورَةً أَنَّ السُّنَّةَ تَقْلِيلُ الْمَاءِ وَإِحْكَامُ الْغَسْلِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ غُلُوٌّ وَبِدْعَةٌ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ بِمُدٍّ وَاغْتَسَلَ بِصَاعٍ وَأَنَّهُ تَوَضَّأَ بِنِصْفِ مُدٍّ» . وَقَالَ مَالِكٌ رَأَيْت عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحَ الْفَقِيهَ الْفَاضِلَ يَجْعَلُ فِي الْقَدَحِ قَدْرَ ثُلُثِ مُدِّ هِشَامٍ وَيَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَيَفْضُلُ مِنْهُ وَيُصَلِّي فَأَعْجَبَنِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ فَبَانَ بُطْلَانُ زَعْمِهِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا زَعْمُهُ أَنَّ الْوَسْوَسَةَ لَا تَعْتَرِي إلَّا الصَّالِحِينَ فَقَالَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ لَكِنْ قَالُوا لَا تَدُومُ إلَّا عَلَى جَاهِلٍ أَوْ مُهَوَّسٍ. قَالَ سَيِّدِي زَرُّوقٌ: الْوَسْوَسَةُ بِدْعَةٌ أَصْلُهَا جَهْلٌ بِالسُّنَّةِ أَوْ خَبَالٌ فِي الْعَقْلِ.
قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ: لَا تَعْتَرِي الْوَسْوَسَةُ إلَّا صَادِقًا لِأَنَّهَا تَحْدُثُ مِنْ التَّحَفُّظِ فِي الدِّينِ وَلَا تَدُومُ إلَّا عَلَى جَاهِلٍ أَوْ مُهَوَّسٍ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِهَا اتِّبَاعٌ لِلشَّيْطَانِ وَآفَاتُ الْوُضُوءِ الْإِكْثَارُ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا اتَّكَلَ عَلَيْهِ، وَتَرَكَ الدَّلْكَ وَأَنَّهُ يُبْطِئُ حَتَّى تَفُوتَهُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَوْ غَيْرُهَا وَأَنَّهُ يَضُرُّ بِغَيْرِهِ فِي الْمَاءِ مِمَّنْ يُرِيدُ الطَّهَارَةَ أَوْ غَيْرَهَا وَأَنَّهُ يَعْتَادُ ذَلِكَ فَلَا تُمْكِنُهُ الطَّهَارَةُ مَعَ قِلَّةِ الْمَاءِ وَأَنَّهُ يُورِثُ الْوَسْوَسَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[مَسَائِلُ الْغُسْلِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْغُسْلِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي لَائِطٍ بَالِغٍ لَمْ يُنْزِلْ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِمُجَرَّدِ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ وَهَلْ عَلَى مَلُوطِهِ غُسْلٌ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
стр. 112
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ نَعَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِمُجَرَّدِ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ إنْ أَطَاقَ مَلُوطُهُ وَعَلَيْهِ أَيْضًا إنْ بَلَغَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ إذَا اغْتَسَلَ بِمَاءٍ بَارِدٍ أَوْ سَاخِنٍ يَمْرَضُ سَوَاءٌ كَانَ فِي صَيْفٍ أَوْ شِتَاءٍ فَهَلْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ دَائِمًا وَلَا يَتَوَضَّأُ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ يَمْرَضُ مِنْ غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ جَسَدِهِ بِالْمَاءِ مُطْلَقًا أَوْ مِنْ غَسْلِ مَا عَدَا عُضْوًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ مَا دَامَ بِتِلْكَ الْحَالَةِ وُجُوبًا إنْ خَافَ هَلَاكًا أَوْ أَذًى شَدِيدًا كَتَلَفِ حَاسَّةٍ وَجَوَازًا إنْ خَافَ مَرَضًا خَفِيفًا وَنَدْبًا إنْ خَافَ مَرَضًا شَدِيدًا مَأْمُونَ الْعَاقِبَةِ أَمَّا إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى غَسْلِ عُضْوَيْنِ فَأَكْثَرَ وَيَخَافُ الْمَرَضَ مِنْ غَسْلِ الْبَاقِي فَإِنَّهُ يَغْسِلُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَمْسَحُ الْبَاقِيَ مُبَاشَرَةً إنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهَا الْمَرَضَ فَإِنْ خَافَ مِنْهَا فَعَلَى حَائِلٍ وَلَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الرَّجُلِ الْمَجْبُوبِ إذَا سَاحَقَ امْرَأَةً وَأَنْزَلَ مَاءً أَصْفَرَ أَوْ دَمًا بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي الرَّجُلِ الْمَجْبُوبِ إذَا سَاحَقَ امْرَأَةً وَأَنْزَلَ مَاءً أَصْفَرَ أَوْ دَمًا بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ أَوْ لَا لِعَدَمِ وُجُودِ مُوجِبٍ مِنْ مُوجِبَاتِهِ لِعَدَمِ صِدْقِ حَدِّ الْمَنِيِّ عَلَى مَا ذُكِرَ.
وَفِي قَائِمِ الذَّكَرِ مَقْطُوعِ الْأُنْثَيَيْنِ إذَا احْتَلَمَ وَأَنْزَلَ مَاءً أَصْفَرَ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ أَوَّلًا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا لِوُجُودِ مُوجِبِهِ وَهُوَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ يَقِظَةً بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ وَنَوْمًا مُطْلَقًا وَكَوْنُهُ أَصْفَرَ أَوْ أَحْمَرَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حَقِيقَةِ الْمَنِيِّ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ خَوَاصُّ الْمَنِيِّ ثَلَاثَةٌ: الْأُولَى: الْخُرُوجُ بِشَهْوَةٍ مَعَ الْفُتُورِ عَقِبَهُ.
الثَّانِيَةُ: الرَّائِحَةُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ قَرِيبَةٌ مِنْ رَائِحَةِ الْعَجِينِ.
الثَّالِثَةُ: الْخُرُوجُ بِتَدَفُّقٍ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إذَا انْفَرَدَتْ اقْتَضَتْ كَوْنَهُ مَنِيًّا فَإِنْ فُقِدَتْ كُلُّهَا فَلَيْسَ بِمَنِيٍّ اهـ. أَفَادَهُ الْحَطَّابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسَائِلُ التَّيَمُّمِ]
[مُقِيمٍ بِبَادِيَةٍ صَحِيحٍ لَا يَجِدُ مَاءً لِلْوُضُوءِ غَالِبًا هَلْ يَتَيَمَّمُ لِلنَّفْلِ اسْتِقْلَالًا]
مَسَائِلُ التَّيَمُّمِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي مُقِيمٍ بِبَادِيَةٍ صَحِيحٍ لَا يَجِدُ مَاءً لِلْوُضُوءِ غَالِبًا هَلْ يَتَيَمَّمُ لِلنَّفْلِ اسْتِقْلَالًا وَإِنْ كَانَ جُنُبًا وَإِلَّا تَعَطَّلَ عَلَيْهِ النَّفَلُ غَيْرُ التَّابِعِ لِلْفَرْضِ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لِلْمُقِيمِ بِالْبَادِيَةِ التَّيَمُّمُ لِلنَّفْلِ اسْتِقْلَالًا إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً كَافِيًا لِلطَّهَارَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ وَلَوْ جُنُبًا لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمُسَافِرِ لَا بِالْحَاضِرِ.
стр. 113
[دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَمَعَهُ رُفْقَةٌ مَعَهُمْ مَاءٌ يُعْطُونَهُ مَجَّانًا بِكُلْفَةٍ]
مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَمَعَهُ رُفْقَةٌ مَعَهُمْ مَاءٌ يُعْطُونَهُ مَجَّانًا بِكُلْفَةٍ وَلَوْ لِلشُّرْبِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ مِنْهُمْ أَمْ لَا؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: إنْ كَانَتْ الْكُلْفَةُ بِامْتِنَانٍ ظَاهِرٍ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَلَبُهُ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَتْ مُجَرَّدَ تَكَرُّهٍ وَاسْتِثْقَالٍ يَجِبُ عَلَيْهِ طَلَبُهُ مِنْهُمْ كَمَا فِي عَبْدِ الْبَاقِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[قَامَ مِنْ النَّوْمِ وَالْبَاقِي مِنْ الْوَقْتِ يَسَعُ الصَّلَاةَ فَقَطْ أَوْ الْوُضُوءَ فَقَطْ فَهَلْ يَتَيَمَّمُ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ قَامَ مِنْ النَّوْمِ وَالْبَاقِي مِنْ الْوَقْتِ يَسَعُ الصَّلَاةَ فَقَطْ أَوْ الْوُضُوءَ فَقَطْ فَهَلْ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الرَّاجِحُ فِي مَذْهَبِ إمَامِنَا مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَنَّا بِهِ أَنَّ الشَّخْصَ الصَّحِيحَ الْوَاجِدَ لِلْمَاءِ الْكَافِي لِطَهَارَتِهِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ وُضُوءًا كَانَتْ أَوْ غُسْلًا إذَا خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي مُجَرَّدِ الْفَرَائِضِ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا يُعِيدُ مُحَافَظَةً عَلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا إذْ لَا بَدَلَ لِلْوَقْتِ وَالطَّهَارَةُ الْمَائِيَّةُ لَهَا بَدَلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[مَسَائِلُ الْأَذَانِ]
[الدُّعَاءِ حَالَ الْأَذَانِ]
مَسَائِلُ الْأَذَانِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي الدُّعَاءِ حَالَ الْأَذَانِ هَلْ هُوَ مَطْلُوبٌ وَمُرَغَّبٌ فِيهِ وَمَا ادَّعَاهُ بَعْضٌ أَنَّهُ يُورِثُ سُوءَ الْخَاتِمَةِ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ هُوَ مَطْلُوبٌ وَمُرَغَّبٌ فِيهِ وَالدَّعْوَى الْمَذْكُورَةُ فِرْيَةٌ مَا فِيهَا مِرْيَةٌ فَفِي مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَاعَتَانِ تُفْتَحُ لَهُمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَكُلُّ دَاعٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ حَضْرَةُ النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ وَالصَّفُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» اهـ. فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ ثُمَّ قَالَ عَنْ جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» اهـ.
وَقَاعِدَةُ الْبُخَارِيِّ إفَادَةُ الْحُكْمِ بِالتَّرْجَمَةِ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «شَيْئَانِ مَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ فِيهِمَا الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ وَالدُّعَاءُ عِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يَلْتَحِمُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ» اهـ.
وَفِي حِلْيَةِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -
стр. 114
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ مَا دَعَا فِيهِنَّ إلَّا اُسْتُجِيبَ لَهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ قَطِيعَةَ رَحِمٍ أَوْ مَأْثَمًا حِينَ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ حَتَّى يَسْكُتَ وَحِينَ يَلْتَقِي الصَّفَّانِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا، وَحِينَ يَنْزِلُ الْمَطَرُ حَتَّى يَسْكُنَ» اهـ.
وَقَالَ أَجَازَ الْفُقَهَاءُ الْكَلَامَ حَالَ الْأَذَانِ وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ فَكَيْفَ يَكُونُ الدُّعَاءُ مُورِثًا سُوءَ الْخَاتِمَةِ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلِّمْ قَالَ سَيِّدِي إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ ﵀ فِي رِسَالَتِهِ نَصِيحَةُ الْأَخْوَالِ بِاجْتِنَابِ الدُّخَانِ فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ: حَدَثَ أَيْ الدُّخَانُ فِي آخِرِ الْقَرْنِ الْعَاشِرِ وَأَوَّلُ مَنْ جَلَبَهُ لِأَرْضِ الرُّومِ الْإِنْكِلِيزُ وَلِأَرْضِ الْمَغْرِبِ يَهُودِيٌّ زَعَمَ أَنَّهُ حَكِيمٌ ثُمَّ جُلِبَ إلَى مِصْرَ وَالْحِجَازِ وَالْهِنْدِ وَغَالِبِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَأَوَّلُ مَنْ دَخَلَ بِهِ مِصْرَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَارِجِيُّ سَفَّاكُ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَمُهِينُ أَشْرَافِ مُلُوكِ الْمَغْرِبِ وَكَانَ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ الْعَارِفِينَ الْمُسْلَكِينَ وَهُوَ مَخْدُوعٌ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَزَائِمِ وَالِاسْتِخْدَامَات وَالسُّخْرِيَاتِ فَعَلَى الْفِتْنَةِ عَاشَ وَعَلَيْهَا مَاتَ وَسُئِلَ عَنْهُ أَيْ الدُّخَانُ شَيْخُنَا وَقُدْوَتُنَا الْعَلَّامَةُ سَالِمٌ السَّنْهُورِيُّ فَأَفْتَى بِتَحْرِيمِهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى فَتْوَاهُ بِهِ إلَى مَوْتِهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالرُّشْدِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ السُّودَانِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ ظَهَرَتْ أَوْرَاقُ شَجَرٍ فِي تنبكتو وَابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ بِحَرْقِهَا وَشُرْبِ دُخَانِهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ زَاعِمِينَ أَنَّهَا دَوَاءٌ لِكُلِّ دَاءٍ وَاسْتَعْمَلَهَا خَاصَّتُهُمْ وَعَامَّتُهُمْ وَسَلَاطِينُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ وَغَلَتْ أَثْمَانُهَا وَهَذَا مِنْ غِشِّ الشَّيْطَانِ وَتَلْبِيسِهِ وَتَزْيِينِهِ فَإِنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ تَكَاثُفِ دُخَانِهَا فِي أَجْوَافِهِمْ أَمْرَاضٌ وَعِلَلٌ، وَقَالَ جَالِينُوسُ اجْتَنِبُوا ثَلَاثَةً وَعَلَيْكُمْ بِأَرْبَعَةٍ وَلَا حَاجَةَ لَكُمْ إلَى الطَّبِيبِ اجْتَنِبُوا الْغُبَارَ وَالدُّخَانَ وَالنَّتِنَ وَعَلَيْكُمْ بِالدَّسَمِ وَالطِّيبِ وَالْحَلْوَى وَالْحَمَامِ اهـ.
وَتَكْرَارُ الدُّخَانِ يُسَوِّدُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَتَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْحَرَارَةُ فَتَكُونُ دَاءً مُزْمِنًا مُهْلِكًا فَيَشْمَلُهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَأَفْتَى بَعْضُ عُلَمَاءِ الرُّومِ بِتَحْرِيمِهِ وَأَلَّفَ فِيهِ رِسَالَةً قَالَ فِي أَوَّلِهَا قَدْ أَنْكَرَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَشَدَّ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ أَحْدَثَ أَمْرًا وَابْتَدَعَ مَا لَمْ يَعْهَدُوهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ صَغُرَ ذَلِكَ أَوْ كَبُرَ كَانَ فِي الْمُعَامَلَاتِ أَوْ فِي الْعِبَادَاتِ اللَّقَانِيُّ هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي دُخُولِ الْبِدَعِ الْعَادِيَاتِ ثُمَّ قَالَ وَمَبْدَأُ خُرُوجِ الدُّخَانِ مِنْ أَرْضِ النَّصَارَى الْإِنْكِلِيزُ اسْتَعْمَلُوهُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ فَمَنْ اسْتَعْمَلَهُ فَقَدْ أَحْيَا سُنَّتَهُمْ وَقَوَّى بِدْعَتَهُمْ وَهُوَ لَا شِفَاءَ فِيهِ أَصْلًا وَضَرَرُهُ مُشَاهَدٌ فِي أَكْثَرِ مُسْتَعْمِلِيهِ
стр. 115
وَأَدْنَى ضَرَرِهِ إفْسَادُهُ الْعَقْلَ وَالْبَدَنَ وَتَلْوِيثَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ الْمَأْمُورِ بِتَنْقِيَتِهَا شَرْعًا وَعَادَةً وَمُرُوءَةً كَمَا يُلَوِّثُ آلَةَ شُرْبِهِ.
وَالظَّاهِرُ عِنْوَانُ الْبَاطِنِ وَاسْتِعْمَالُ الْمُضِرِّ حَرَامٌ كَمَا فِي الْبَابِ الثَّالِثِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ كِتَابِ الِاحْتِسَابِ وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ مِنْ مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَأَطْبَقَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ أَصْنَافَ الدُّخَانِ مُجَفَّفَةٌ، وَنَصَّ الْقَانُونَ وَأَصْنَافُ جَمِيعِ الدُّخَانِ مُجَفَّفَةٌ بِجَوْهَرِهِ الْأَرْضِيِّ وَفِيهِ نَارِيَّةٌ مَشُوبَةٌ بِجَوْهَرَةِ النَّارِيِّ وَلِذَا يُطْلَبُ الْعُلُوُّ مَا دَامَ مُخْتَلِطًا بِالْأَجْزَاءِ النَّارِيَّةِ اهـ. فَإِذَا كَانَ مُجَفَّفًا لِلرُّطُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ فَقَدْ أَدَّى إلَى حُصُولِ أَمْرَاضٍ كَثِيرَةٍ وَاحْتِرَاقِ الْكَبِدِ وَالدِّمَاغِ وَالْقَلْبِ وَيَتْبَعُهَا فِي ذَلِكَ سَائِرُ الْبَدَنِ فَهُوَ سَبَبٌ عَادِيٌّ لِلْهَلَاكِ بِإِرَادَةِ اللَّهِ : أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا لَوْلَا الدُّخَانُ وَالْقَتَامُ لَعَاشَ ابْنُ آدَمَ أَلْفَ عَامٍ.
فَإِنْ قِيلَ عَالَجَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ بَعْضَ الْأَمْرَاضِ بِدُخَانِ الزنجفرة وَشُوهِدَ نَفْعُهُ فَلَا يَتِمُّ مَنْعُ اسْتِعْمَالِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الدُّخَانِ وَلَا أَنَّهَا مُجَفَّفَةٌ مُهْلِكَةٌ قُلْنَا لَا غَرَضَ فِي الْعُمُومِ عَلَى أَنَّهُمْ يُعَالِجُونَ بِهِ لَحْظَةً لَطِيفَةً مَعَ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْفَمِ وَالْأَنْفِ أَشَدَّ الْحَيْلُولَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ زَعَمَ اسْتِعْمَالَهُ تَدَاوِيًا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ اسْتِعْمَالَ الْأَدْوِيَةِ، وَخَرَجَ بِهِ إلَى حَدِّ التَّفَكُّهِ وَالتَّلَذُّذِ وَادَّعَى التَّدَاوِي تَلْبِيسًا وَتَسَتُّرًا حَتَّى وَصَلَ بِهِ إلَى أَغْرَاضِ بَاطِنِهِ مِنْ الْعَبَثِ وَاللَّهْوِ وَالْإِسْطَالِ وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ حُرْمَتُهَا وَعَرَّفُوا الْعَبَثَ بِأَنَّهُ فِعْلٌ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ وَالسَّفَهَ بِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا غَرَضَ فِيهِ أَصْلًا وَاللَّعِبُ فِعْلٌ فِيهِ لَذَّةٌ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِحُرْمَةِ الْعَبَثِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ صَاحِبُ كِتَابِ الِاحْتِسَابِ فِي الْبَابِ الْحَادِيَ عَشَرَ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وَصَاحِبُ الْكَافِي مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُوهُ الْمُؤْمِنُ حَرَامٌ إلَّا لَهْوَهُ بِعُرْسِهِ وَسَهْمِهِ وَفَرَسِهِ» ، وَمِنْ قَبَائِحِ الدُّخَانِ شَغْلُهُ عَنْ الصَّلَوَاتِ وَالْخَيْرَاتِ وَالْعِبَادَاتِ مَعَ نَتِنِ رِيحِهِ وَأَذِيَّتِهِ لِشَامِّيهِ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَهُ انْتَهَى. مَا انْتَقَيْنَاهُ مِنْ تِلْكَ الرِّسَالَةِ الَّتِي زَعَمَ نَاقِلُهَا أَنَّهُ نَادَى الْمَلِكَ بِهَا فِي مَدِينَتِهِ وَكَتَبَ بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَيْهَا إلَى نُوَّابِهِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَأَمَرَهُمْ بِزَجْرِ النَّاسِ عَنْهُ وَحَرْقِهِ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَالْأَمْصَارِ.
وَأَقُولُ لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ وَتَلَاهِي الْمُتْرَفِينَ وَالشَّيْطَانُ وَالنَّفْسُ لَهُمَا دَسَائِسُ وَوَسَاوِسُ فِي الْعِبَادَاتِ وَصُوَرِ الْخَيْرَاتِ فَكَيْفَ فِي الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ قَالَ اللَّهُ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ التَّعْوِيلُ فِي الْمَسَائِلِ عَلَيْهِ وَيَدَّخِرُهُ النَّجَاةُ مِنْ سُوءِ الْحِسَابِ وَشِدَّةِ الْعَذَابِ وَأَنْ يَمِيلَ بِقَلْبِهِ إلَيْهِ إذَا خَلَا مِنْ التَّعَصُّبِ وَالِاعْتِسَافِ وَطَلَبِ الْحَقِّ وَالْإِنْصَافِ أَنْ يَقُولَ فِيهِ بِالتَّفْصِيلِ وَلَا يَتَسَاهَلُ فِي اسْتِعْمَالِ مُسْتَعْمِلِيهِ بِالتَّأْوِيلِ فَقَدْ أَخْبَرَنِي ثِقَاتُ التُّجَّارِ وَالْفُقَهَاءُ وَالصُّلَحَاءُ وَالصُّوفِيَّةُ وَالْعُلَمَاءُ الَّذِينَ طَافُوا فِي الْأَقْطَارِ وَرَكِبُوا الْبِحَارَ وَخَاضُوا فِي الْأَسْفَارِ
стр. 116
أَنَّ مِنْهُ مَا يُجْلَبُ مِنْ بِلَادِ النَّصَارَى وَالرُّومِ وَمِنْهُ مَا يُجْلَبُ مِنْ بِلَادِ السُّودَانِ وَبَعْضِ أَرْضِ الْمَغْرِبِ وَمِنْهُ مَا يُزْرَعُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَمَا يُجْلَبُ مِنْ بِلَادِ النَّصَارَى مِنْهُ مَا هُوَ مُطْبَقٌ وَمُسْقًى بِخَمْرٍ وَمَعْجُونٌ بِهَا.
وَذَكَرَ لِي صَدُوقٌ أَنَّ كَبِيرًا مِنْ كِبَارِ الْإِنْكِلِيزِ أَحْضَرَ لَهُ إنَاءً فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ وَقَالَ لَهُ إنَّهُ أَحْسَنُ نَوْعٍ مِنْ الدُّخَانِ وَأَكْمَلُهُ لِأَنَّهُ مَرْشُوشٌ بِشَحْمِ خِنْزِيرٍ مَطْبُوخٌ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْعَقَاقِيرِ سَمَّاهَا لِي وَنَسِيتهَا وَكَذَا مَا يُجْلَبُ مِنْ بِلَادِ سُودَانِ الْمَجُوسِ وَمَا يُجْلَبُ مِنْ الْمَغْرِبِ وَسُودَانِ الْمُسْلِمِينَ سَالِمٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ اجْتَمَعَ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ وَلَمْ يُمْكِنْ تَمْيِيزُ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ حَرُمَ جَمِيعُهُ بِلَا شَكٍّ كَشَاتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُذَكَّاةٌ وَالْأُخْرَى مَيِّتَةٌ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى وَأَمَّا مَا انْفَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مَعْجُونًا بِخَمْرٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ فَدُخَانُهُ نَجِسٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَإِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَيَحْرُمُ مَعَ النِّسَاءِ غَيْرِ الْحَلَائِلِ وَالْمَحَارِمِ وَالْمُرْدِ وَمَعَ السُّفَهَاءِ وَالْأَرَاذِلِ وَالْإِخْلَالِ بِالْمُرُوءَةِ وَبِالْعِيدَانِ الْمَكْسِيَّةِ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ خُصُوصًا مَنْ يَقْتَدِي بِهِ وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَسَبَّبَ فِي إسْقَاطِ عَدَالَتِهِ خُصُوصًا إنْ كَانَ مُتَحَمِّلًا شَهَادَةً لَيْسَتْ عِنْدَ غَيْرِهِ وَمِنْ وُجُوهِ تَحْرِيمِهِ الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ السُّلْطَانِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ وَعَاقَبَ مُسْتَعْمِلَهُ بِأَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ وَحَرَقَ مَا وَجَدَ مِنْهُ فَإِنَّ امْتِثَالَ أَمْرِهِ وَاجِبٌ فِي غَيْرِ مَا أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَمُخَالَفَتُهُ مُحَرَّمَةٌ وَإِنَّ سَلِمَ مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَالْمُشَاهَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مُسْتَعْمِلِيهِ عَدَمُ سُكْرِهِمْ بِهِ وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُفْسِدٌ أَوْ مُخَدِّرٌ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُحَرَّمٌ وَلَوْ قَلَّ زَمَنُ إفْسَادِهِ أَوْ تَخْدِيرِهِ وَإِنْ قُطِعَ بِعَدَمِ إفْسَادِهِ وَتَخْدِيرِهِ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ حَرُمَ وَلَا بُدَّ مِنْ سُؤَالِ الطَّبِيبِ الْعَارِفِ بِالْأَمْزِجَةِ وَمَا يُغَيِّرُهَا وَاسْتِعْمَالُهُ مَعَ الشَّكِّ فِي ذَلِكَ مُحَرَّمٌ وَخُصُوصًا إنْ أَدَّى إلَى تَضْيِيعِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ تَحَقُّقِ عَدَمِ إضْرَارِهِ بِالْبَدَنِ عَاجِلًا وَآجِلًا وَإِلَّا فَهُوَ مُحَرَّمٌ لِوُجُوبِ حِفْظِهِ وَهِيَ إحْدَى الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا.
وَالْمُشَاهَدُ أَنَّ الرَّائِحَةَ الْمُنْتِنَةَ تَخْرِقُ الْخَيَاشِيمَ وَتَصِلُ إلَى الْأَمْعَاءِ فَتَضُرُّهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ» فَكُلُّ رَائِحَةٍ مُؤْذِيَةٍ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ فَقَوْلُ الْمَفْتُونِ أَحْمَدَ الَّذِي سَبَقَ أَنَّهُ جَلَبَهُ مِنْ الْمَغْرِبِ هُوَ حَلَالٌ كَالْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ النَّصِّ عَلَى مَنْعِ آكِلِ ذَلِكَ أَنْ يُؤْذِيَ الْمُسْلِمِينَ بِرِيحِهِ وَمَنْعِهِ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ وَقِيلَ بِحُرْمَةِ أَكْلِهِ وَقِيلَ بِكَرَاهَتِهِ.
وَالرَّاجِحُ جَوَازُهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لِإِقْرَارِهِ ﷺ لِأَنَّهَا مِنْ الْمُصْلِحَاتِ لِلْمُقْتَاتِ وَمُقْتَاتَةٌ لِلْفُقَرَاءِ وَكَانَ غَالِبُ الْمُقْتَاتِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ الثُّومَ وَالْكُرَّاثَ حَتَّى قَرِحَتْ الْأَشْدَاقُ مِنْهُمَا وَالدُّخَانُ لَيْسَ مُقْتَاتًا وَلَا مُصْلِحًا لَهُ فَقِيَاسُهُ عَلَيْهِمَا فَاسِدٌ عَلَى أَنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ الرَّائِحَةِ الْمُنْتِنَةِ وَالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ إذْ الْمُنْتِنُ أَخَصُّ مِنْ الْمَكْرُوهِ وَالثُّومُ
стр. 117
وَالْبَصَلُ وَالْكُرَّاثُ رِيحُهَا مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ مُنْتِنًا وَالدُّخَانُ رِيحُهُ مُنْتِنٌ كَرِيحِ الْجِيفَةِ وَالْعَذِرَةِ، وَالْوِجْدَانُ شَاهِدُ صِدْقٍ بِذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ الْعُدُولُ الَّذِينَ اسْتَعْمَلُوا الدُّخَانَ وَتَرَكُوهُ وَاَلَّذِينَ أَصَرُّوا عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ حَكَمَ بِضَرَرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ وَمِنْهُمْ مَنْ شَكَّ فِيهِ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِاخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ وَالْحَالِ وَالْمَآلِ وَلَكِنَّ الْجَمْعَ الْأَغْلَبَ وَالْفَرِيقَ الَّذِي جَانِبُ الْحَقِّ إلَيْهِ أَقْرَبُ لِزِيَادَةِ دِيَانَتِهِمْ وَحُسْنِ تَحَفُّظِهِمْ فِي مُعَامَلَتِهِمْ وَعِيَادَتِهِمْ وَتَحَرِّيهِمْ الصِّدْقَ فِي الْأَقْوَالِ وَظُهُورِ خَشْيَتِهِمْ لِلَّهِ فِي الْأَعْمَالِ بِحَيْثُ أَنَّهُمْ أَصْلَحُ الْمَوْجُودِينَ وَأَمْثَلُ مَا يَأْخُذُ الْحَازِمُ بِخَبَرِهِ مِنْ الْمُخْبِرِينَ مَعَ اعْتِنَائِهِمْ بِضَبْطِ الْأُمُورِ وَعَدَمِ تَهَوُّرِهِمْ فِي الْأَخْبَارِ أَخْبَرُوا أَنَّهُ يُحْدِثُ قُوَّةً فِي الْجِسْمِ وَحِدَّةً فِي الْبَصَرِ وَهَضْمًا لِلطَّعَامِ وَنَشَاطًا فِي الْأَعْضَاءِ فِي ابْتِدَائِهِ وَيُورِثُ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ غِشَاوَةً فِي الْبَصَرِ وَثِقَلًا فِي الْأَعْضَاءِ وَإِمْسَاكًا فِي الْهَاضِمَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مُجَفَّفٌ كَمَا مَرَّ فَيُورِثُ فِي ابْتِدَائِهِ مَا ذَكَرُوهُ أَوَّلًا وَفِي انْتِهَائِهِ مَا ذَكَرُوهُ ثَانِيًا.
فَإِنْ قِيلَ الْإِنْكِلِيزُ لَازَمُوا اسْتِعْمَالَهُ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عِلَّةً وَلَا ضَرَرًا قُلْت يُحْتَمَلُ كَتْمُهُمْ ذَلِكَ تَوَصُّلًا لِتَغْرِيرِ الْمُسْلِمِينَ لِسَلْبِ أَمْوَالِهِمْ وَتَضْيِيعِ صَلَوَاتِهِمْ وَإِتْلَافِ أَبْدَانِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ وَأَيْضًا قُطْرُهُمْ شَدِيدُ الْمَيْلِ عَنْ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ فَأَرْضُهُمْ شَدِيدَةُ الْبَرْدِ وَغَلَبَتْ الرُّطُوبَةُ وَالْخَلْطُ الْبَلْغَمِيُّ عَلَى أَبْدَانِهِمْ فَلَا يُسْرِعُ فِيهَا الْجَفَافُ وَقَدْ شَاهَدْنَا كَثِيرًا مَنْ اسْتَعْمَلَهُ لِتَقْوِيَةِ بَصَرِهِ وَتَغَالَى فِي مَدْحِهِ نَثْرًا وَنَظْمًا ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ صَارَ لَا يَنْظُرُ إلَّا بِالْقُزَّازِ ثُمَّ عَمِيَ بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ وَمَنْ اسْتَعْمَلَهُ لِلْهَضْمِ وَإِزَالَةِ الثِّقَلِ عَنْ مَعِدَتِهِ فَزَادَ عَلَيْهِ الثِّقَلُ وَمَنْ اسْتَعْمَلَهُ لِلسَّهَرِ فَأَخَذَهُ الدُّوَارُ فِي دِمَاغِهِ وَصَارَ يَتَمَايَلُ فِي مَشْيِهِ تَمَايُلَ السَّكْرَانِ فَلَا تُعَوِّلُ يَا أَخِي عَلَى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ مُسْتَعْمِلِيهِ بِنَفْعِهِ، وَأَنَّهُ دَوَاءٌ فَقَدْ زَعَمُوا ذَلِكَ فِي الْخَمْرِ الْمُحَرَّمَةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ مَعَ إخْبَارِهِ بِنَفْعِهَا وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا وَسُلِبَ بِهِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرٍ «لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» عَلَى أَنَّ النَّفْعَ إذَا قَابَلَهُ الضَّرَرُ قُدِّمَ جَانِبُ الضَّرَرِ وَإِنَّمَا الْحَامِلُ لَهُمْ الْبَطَالَةُ وَالْجَهَالَةُ وَصُحْبَةُ أَهْلِهِ فَلَا تُمْكِنُهُمْ مُخَالَفَتُهُمْ وَكَانَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ يُفْتِي بِتَحْرِيمِهِ جَهْرَةً عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَيَسْتَعْمِلُهُ سِرًّا مَعَ الْأَجْنَادِ وَغَفَلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]
وَيَا عَجَبًا حَيْثُ لَزِمَ عَلَى دَعْوَاهُمْ كَوْنُ الْعَالَمِينَ كُلِّهِمْ مَرْضَى بِمَرَضٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ الْفُصُولِ وَإِنْ يُدَاوَى بِدَوَاءٍ وَاحِدٍ بِكَيْفِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مِمَّا تَشْهَدُ بِكَذِبِهِ الْعَجْمَاءُ وَتَكَادُ تَنْطِقُ بِكَذِبِهِ الْأَرْضُ وَالسَّمَاءُ وَعَلَى فَرْضِ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالُوا فَمَا بَالُ عِلَلِ الْأُمَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ وَالْمُلُوكِ وَنَحْوِهِمْ مَعَ رَاحَةِ أَبْدَانِهِمْ وَطِيبِ مَآكِلِهِمْ وَمَشَارِبِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ عِلَلِ غَيْرِهِمْ وَمَا بَالُهَا انْحَصَرَتْ فِي نَوْعٍ وَاحِدٍ مَعَ تَنَوُّعِ أَغْذِيَتِهِمْ وَاقْتِصَارِ غَالِبِهِمْ عَلَى الْخُبْزِ وَالْمِلْحِ بَلْ أَغْلَبُ مَنْ يَقْتَاتُ هَذَا لَا عِلَّةَ بِهِ حَاصِلَةٌ وَلَا مُتَوَقَّعَةٌ
стр. 118
وَغَالِبُ مُسْتَعْمِلِي الدُّخَانِ لَا يَحْفَظُ بِهِ صِحَّةً حَاصِلَةً وَلَا يَجْلِبُ بِهِ صِحَّةً زَائِلَةً بَلْ لِلتَّلَذُّذِ وَالتَّفَكُّهِ وَهَذِهِ أَمَارَةُ الْإِسْطَالِ بِلَا إشْكَالٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي اسْتِعْمَالِهِ إلَّا تَسْوِيدُ الثِّيَابِ وَالْأَبْدَانِ وَكَرَاهَةُ الرِّيحِ وَالْأَنْتَانِ لَكَانَ زَاجِرًا لِلْعَاقِلِ عَنْهُ خُصُوصًا مَعَ ذَهَابِهِ بِذَلِكَ الْخَبَثِ إلَّا الْمَحَافِلَ وَالْجَمَاعَةَ لِلصَّلَوَاتِ.
وَتَأَمَّلْ يَا أَخِي شَارِبِيهِ وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَأُنُوفِهِمْ كَأَهْلِ النَّارِ وَمَنْ يَهْلِكُونَ آخِرَ الزَّمَانِ مِنْ الْأَشْرَارِ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَثَرِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دُخَانٌ يَمْلَأُ الْأَرْضَ يُقِيمُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ مِنْهُ مِثْلُ الزُّكَامِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ وَأَنْفِهِ وَأُذُنَيْهِ وَعَيْنَيْهِ وَبَاقِي مَنَافِذِهِ حَتَّى يَصِيرَ رَأْسُ أَحَدِهِمْ كَعِجْلٍ حَنِيذٍ أَيْ مَشْوِيٍّ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِأَهْلِ النَّارِ وَلَا أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَا هُوَ مِنْ نَوْعِ عَذَابٍ وَلَا مَا هُوَ مِنْ مَلَابِسِ أَهْلِ الْعَذَابِ كَخَاتَمٍ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ فَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُمَا حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ» وَكَالِاسْتِتَارِ فِي الصَّلَاةِ بِحَجَرٍ وَاحِدٍ وَكَالزُّنَّارِ وَالْغِيَارِ وَالصَّلَاةِ إلَى النَّارِ وَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ الطَّعَامَ الْحَارَّ، وَقَالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يُطْعِمْنَا نَارًا»
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا إحْيَاءُ سُنَّةِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ أَخْرَجُوهُ مِنْ أَرْضِهِمْ لِأَرْضِ الْإِسْلَامِ لِلْإِضْرَارِ فَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ مُخَالِطِي الْإِنْكِلِيزَ أَنَّهُمْ مَا جَلَبُوهُ لِبِلَادِ الْإِسْلَامِ إلَّا بَعْدَ إجْمَاعِ أَطِبَّائِهِمْ عَلَى مَنْعِهِمْ مِنْ مُلَازَمَتِهِ وَأَمْرِهِمْ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَضُرُّ لِتَشْرِيحِهِمْ رَجُلًا مَاتَ بِاحْتِرَاقِ كَبِدِهِ وَهُوَ مُلَازِمُهُ فَوَجَدُوهُ سَارِيًا فِي عُرُوقِهِ وَعَصَبِهِ وَمُسَوِّدًا مُخَّ عِظَامِهِ وَقَلْبُهُ مِثْلُ سَفِنْجَةٍ يَابِسَةٍ وَفِيهِ ثُقَبٌ مُخْتَلِفَةٌ صُغْرَى وَكُبْرَى وَكَبِدُهُ مَشْوِيَّةٌ فَمَنَعُوهُمْ مِنْ مُدَاوَمَتِهِ وَأَمَرُوهُمْ بِبَيْعِهِ لِلْمُسْلِمِينَ لِإِضْرَارِهِمْ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا هَذَا لَكَانَ بَاعِثًا لِلْعَاقِلِ عَلَى اجْتِنَابِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُتَشَابِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَانَ كَالرَّاتِعِ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ أَوْ حَاكَ فِي النَّفْسِ» وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الدُّخَانِ مِمَّا أَرَابَ وَأَوْقَعَ الِاضْطِرَابَ وَلَوْ سُئِلَ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ قَالُوا السَّفَهُ الْمُوجِبُ لِلْحَجْرِ تَبْذِيرُ الْمَالِ فِي اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ عَنْ مُلَازِمِ اسْتِعْمَالِ الدُّخَانِ لَمَا تَوَقَّفُوا فِي وُجُوبِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَسَفَهِهِ ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى مَا تَرَتَّبَ عَلَى إضَاعَةِ الْأَمْوَالِ فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَحِرْمَانِهِمْ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِمَّا أَفْسَدَهُ الدُّخَانُ عَلَى الْمُتَرَفِّهِينَ بِهِ وَسَمَاحَةِ أَنْفُسِهِمْ بِدَفْعِهَا لِلْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ أَعْدَاءِ الدِّينِ وَمَنْعِهَا مِنْ الْإِعَانَةِ بِهَا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَسَدِّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِينَ، وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ وَلَا يَرْتَابُ فِيمَا قَرَّرْنَاهُ ذُو دِينٍ وَلَا صَاحِبُ صِدْقٍ مَتِينٍ فَخُذْ مَا آتَيْتُك وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ وَسَنَلْتَقِي مَعَ
стр. 119
مَنْ خَالَفَنَا يَوْمَ الدِّينِ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ، وَتَظْهَرُ الْمُخَبَّآتُ لِلْأَبْصَارِ وَالْبَصَائِرِ وَتَوَاتَرَتْ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ التَّجْرَ فِيهِ مَقْرُونٌ بِالْخَسَارَةِ وَمِمَّا جَرَّبَهُ أَهْلُهُ أَنَّ شَارِبَهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْكَدَرِ وَالْحُزْنِ وَسُوءِ الْخُلُقِ وَأَخَذَا لَهُمْ بِنَفْسِهِ مَا دَامَ أَثَرُهُ مَعَهُ وَأَنَّهُ يُورِثُ الْجُبْنَ وَالْخَوْرَ وَالنِّسْيَانَ.
وَسُئِلَ الشَّيْخُ خَالِدٌ الْمُدَرِّسُ بِالْحَرَمِ الْمَكِّيِّ وَشَيْخُ الْمَالِكِيَّةِ بِالدِّيَارِ الْحِجَازِيَّةِ عَنْ شُرْبِ الدُّخَانِ.
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اسْتِعْمَالُ الدُّخَانِ حَرَامٌ كَأَصْلِهِ مِنْ الْخَشَبِ وَالنَّارِ لِأَنَّهُ أَجْزَاءُ الْخَشَبِ وَهِيَ مَمْزُوجَةٌ بِأَجْزَاءٍ مِنْ النَّارِ فَهُوَ حَرَامٌ مِنْ حَيْثُ أَجْزَاؤُهُ لِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ النَّارِ وَيَحْرُمُ مِنْ حَيْثُ مَجْمُوعُهُ أَيْضًا لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ عَذَابًا وَمَا يُعَذَّبُ بِهِ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ لِإِذَايَتِهِ قَالَ اللَّهُ ﴿إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] .
وَاَلَّذِي كَشَفَهُ عَنْهُمْ دُخَانٌ وَقَالَ اللَّهُ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ - يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١] عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى الْفِرَارِ مِنْ مَحَلِّ الْعَذَابِ كَبَطْنِ مُحَسِّرٍ فَالْفِرَارُ مِنْ الْعَذَابِ أَوْلَى وَلِأَنَّهُ قَدْ شُوهِدَ فِي الْقَصَبَةِ الَّتِي يُشْرَبُ بِهَا انْسِدَادُهَا بِشَيْءٍ فِي غَايَةِ النَّتْنِ كَالْعِلْكِ فَكَذَلِكَ يَسُدُّ مَجَارِيَ الْعُرُوقِ الَّتِي هِيَ مَزَارِيبُ الْبَدَنِ فَيَتَعَطَّلُ وُصُولُ الْغِذَاءِ مِنْهَا إلَى أَعْمَاقِ الْبَدَنِ فَيَمُوتُ مُسْتَعْمِلُهُ فَجْأَةً وَقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ مِرَارًا وَلِأَنَّهُ يَحْرُقُ الرُّطُوبَةَ الَّتِي فِي الْبَدَنِ وَذَلِكَ سَبَبٌ لِلْهَلَاكِ أَيْضًا لَا يُقَالُ هَذَا فِي غَيْرِ الْبَلْغَمِيِّ أَمَّا هُوَ فَيَنْتَفِعُ بِتَخْفِيفِ الرُّطُوبَةِ لِأَنَّا نَقُولُ حَدُّ الْقَدْرِ الْمُنْتَفَعُ بِهِ مَجْهُولٌ فَقَدْ يَزِيدُ الْمُسْتَعْمِلُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ فَيَحْصُلُ الضَّرَرُ لَا يُقَالُ هَذَا شَكٌّ فِي مَانِعٍ وَهُوَ لَغْوٌ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا مَانِعٌ لَا يَتَحَقَّقُ ضَرَرُهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ نَفْعُهُ لَهُ وَوَقْتُهُ وَقَدْرُهُ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ دَوَاءٌ وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الدَّوَاءِ بَعْدَ زَوَالِ الْعِلَّةِ لِأَخْذِهِ مِنْ الْبَدَنِ حِينَئِذٍ فَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ نَهْيُ النَّاسِ عَنْهُ وَمَنْ لَمْ يَمْتَثِلْ يُعَزَّرُ بِحَسَبِ حَالِهِ لِعِصْيَانِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ لِلْفَتْوَى بِجَوَازِهِ فَإِنَّهَا ضَعِيفَةٌ وَإِفْطَارُهُ الصَّائِمَ فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ وَلَيْسَ بَيْنَ إفْطَارِهِ أَوْ عَدَمِهِ وَبَيْنَ حُرْمَتِهِ وَعَدَمِهَا تَلَازُمٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَتَبَهُ خَالِدٌ الْمَالِكِيُّ بْنُ أَحْمَدَ خَادِمُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ بِالْحَرَمِ الْمَكِّيِّ حَامِدًا مُصَلِّيًا وَمُسْلِمًا.
(وَهَذِهِ حِكَايَاتٌ) عَنْ مُسْتَعْمِلِي شُرْبِ الدُّخَانِ فِيهَا عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَمِنْهَا أَنِّي كُنْت قَدِمْت مِنْ جُدَّةَ إلَى السُّوَيْسِ فِي مَرْكَبٍ وَطَالَتْ الْمُدَّةُ حَتَّى فَرَغَ الدُّخَانُ مِنْ مُسْتَعْمِلِهِ فَصَارَ يُولِعُ طَرَفَ الْعُودِ الَّذِي شَرِبَ فِيهِ الدُّخَانَ وَيَشْرَبُ دُخَانَهُ مِنْ الطَّرَفِ الْآخَرِ حَتَّى أَفْنَاهُ.
وَمِنْهَا أَنَّ جَمَاعَةً كَانُوا قَادِمِينَ مِنْ جُدَّةَ إلَى السُّوَيْسِ فِي مَرْكَبٍ وَفَرَغَ دُخَانُهُمْ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لَا يَنْشَطُونَ فِي
стр. 120
عَمَلِ السَّفِينَةِ إلَّا بِاسْتِعْمَالِهِ فَخَرَجَ بَعْضُهُمْ إلَى الْبَرِّ وَاشْتَرَى مِنْ عَرَبِيٍّ مُلُوخِيَّةً نَاشِفَةً وَشَرِبُوا دُخَانَهَا وَقَالُوا هَذَا أَطْيَبُ مِمَّا شَرِبُوهُ قَبْلَهُ.
وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضَ الْكُرَمَاءِ تَرَدَّدَتْ عَلَيْهِ السُّفَهَاءُ وَالظَّلَمَةُ وَكَلَّفُوهُ بِشِرَاءِ الدُّخَانِ وَأَفْنَى مَالَهُ فِيهِ ثُمَّ أَخَذَ وَرَقَ الْخَرْدَلِ وَأَمَرَ بَعْضَ أَتْبَاعِهِ بِبَوْلِهِ عَلَيْهِ وَجَفَّفَهُ وَقَدَّمَهُ لَهُمْ فَشَرِبُوهُ وَقَالُوا هَذَا دُخَانٌ أَصْلِيٌّ لِأَنَّ عَلَامَةَ عَدَمِ غِشِّ الدُّخَانِ شِدَّةُ نَتْنِ رِيحِهِ.
وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضَ الْجُنْدِ تَوَلَّعَ بِشُرْبِ الدُّخَانِ وَلَازَمَهُ وَأَنْفَقَ فِيهِ مَالًا كَثِيرًا لِكَثْرَةِ الشَّارِبِينَ مَعَهُ فَأَخَذَ وَرَقَ الْبِرْسِيمِ الْيَابِسِ وَخَلَطَهُ بِزِبْلِ الْفَرَسِ وَقَدَّمَهُ لَهُمْ فَشَرِبُوهُ وَقَالُوا هَذَا خَيْرٌ مِمَّا شَرِبْنَا قَبْلَهُ وَأَلَذُّ وَأَنْشَطُ وَأَدْعَى لِلْبَاءَةِ وَأَكْمَلُ فِي الْإِنْعَاظِ وَأَكْثَرُوا مِنْ تَقْدِيمِ الدَّجَاجِ لَهُ ضِيَافَةً وَطَلَبُوا أَنْ يَزِيدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضَ الْمَشْهُورِينَ بِالْمَالِ أَكْثَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي طَلَبِ الدُّخَانِ وَلَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ بِشِرَائِهِ فَأَخَذَ وَرَقَ الْقُلْقَاسِ وَتَرَكَهُ حَتَّى تَعَفَّنَ وَنَضَحَهُ بِخَلٍّ وَجَفَّفَهُ وَقَدَّمَهُ لَهُمْ فَقَالُوا هَذَا مِنْ بُخْلِهِ لَمْ يَشْتَرِ إلَّا الدُّخَانَ الرَّدِيءَ فَاسْتَأْذَنَهُ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ فِي فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ عِنْدِهِ لِصِيَانَةِ عِرْضِهِ فَأَذِنَ لَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ مَا مَنَعَهُ الشَّرْعُ فَأَخَذَ تِبْنًا رَدِيءَ الرِّيحِ كَرِيهَ الطَّعْمِ تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ فُسَاءَ الْكِلَابِ وَعَفَّنَهُ وَجَفَّفَهُ وَقَدَّمَهُ لَهُمْ فَاسْتَعْمَلُوهُ وَأَثَّرَ فِيهِمْ تَأْثِيرًا شَدِيدًا وَتَسَامَعَ بِذَلِكَ النَّاسُ وَقَالُوا لَا دُخَانَ إلَّا دُخَانَ تَابِعِ فُلَانٍ الْبَخِيلِ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ كَرَمًا عَظِيمًا مُضَادًّا لِبُخْلِ سَيِّدِهِ أَيْ شَخْصٌ تَسْمَحُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَكَلَّفَ الدَّرَاهِمَ الْكَثِيرَةَ يَشْتَرِي بِهَا هَذَا الصِّنْفَ مِنْ الدُّخَانِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ إلَّا الْمُلُوكُ.
وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضَ الْمُلَازِمِينَ شُرْبَهُ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَكُلَّمَا لُقِّنَ الشَّهَادَةَ قَالَ: هَذَا دُخَانٌ جَيِّدٌ مَعْجُونٌ بِخَمْرٍ زِيدُونِي مِنْهُ حَتَّى مَاتَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ.
وَمِنْهَا أَنَّ يَهُودِيًّا لَمَّا رَأَى تَكَالُبَ النَّاسِ عَلَى الدُّخَانِ وَانْهِمَاكَهُمْ فِيهِ أَخَذَ وَرَقَ السِّلْقِ وَنَحْوِهِ الَّذِي تَعَفَّنَ عِنْدَ الْخُضَرِيِّينَ وَرَمَوْهُ عَلَى الْمَزَابِلِ وَجَفَّفَهُ وَبَالَ عَلَيْهِ وَجَفَّفَهُ وَقَدَّمَهُ لَهُمْ فَشَرِبُوهُ فَعَطَسُوا وَدَمَعَتْ عُيُونُهُمْ وَقَالُوا مِمَّنْ اشْتَرَيْت هَذَا الدُّخَانَ النَّفِيسَ الْمُخْرِجَ لِلرُّطُوبَاتِ الدِّمَاغِيَّةِ فَقَالَ إنَّمَا جَاءَنَا هَدِيَّةً بِلَا ثَمَنٍ فَقَالُوا مِثْلُ هَذَا يَحْتَاجُ لِدَرَاهِمَ كَثِيرَةٍ.
وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضَ مُسْتَعْمِلِيهِ مَرِضَ بِسَبَبِهِ وَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَصَحَا بُرْهَةً وَقَالَ: أَنْصَحُكُمْ أَنْ لَا تَشْرَبُوا الدُّخَانَ فَإِنَّهُ مَا قَتَلَنِي إلَّا هُوَ وَقَدْ ضَيَّعْت فِيهِ جُمْلَةً مِنْ الْمَالِ ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ فَقِيلَ بِحَضْرَتِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ اُسْكُتُوا هَلْ هَذَا الدُّخَانُ قُبْرُصِيٌّ أَمْ مَغْرِبِيٌّ وَبِكَمْ الرِّطْلِ مِنْهُ وَهَلْ هُوَ مُطْبَقٌ بِخَمْرٍ وَشَحْمِ خِنْزِيرٍ أَمْ لَا وَكَرَّرَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ إلَى أَنْ خَرَجَتْ رُوحُهُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ إنْ أَرَادَ بِالنَّاسِ فِتْنَةً أَنْ يَقْبِضَنَا غَيْرَ مَفْتُونِينَ وَأَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ النِّيَّةِ وَيَجْعَلَنَا مِنْ الْمُخْلِصِينَ وَيَحْشُرَنَا فِي زُمْرَةِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ وَيُجَنِّبَنَا الْفِتَنَ
стр. 121
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الْقَرِيبُ الْمُجِيبُ - وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ أَجْمَعِينَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ سَيِّدِي إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ فِي بَيَانِ هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْأَفْيُونِ وَالْبَنْجِ وَجَوْزَةِ الطِّيبِ وَالْمَعَاجِينِ الَّتِي تُغَيِّبُ الْعَقْلَ بِلَا نَشَاةٍ وَالْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ جَوَازُ بَيْعِهَا لِمَنْ لَا يَسْتَعْمِلُ مِنْهَا الْقَدْرَ الْمُغَيِّبَ لِلْعَقْلِ وَيُؤْمَنُ أَنْ يَبِيعَهُ لِمَنْ يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ بَيْعِ الدِّرْهَمِ الْمَغْشُوشِ لِمَنْ يَكْسِرُهُ أَوْ يُبْقِيهِ وَلَا يَغُشُّ بِهِ، وَمِنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَيْضِ الْمَذَرِ عَلَى الْقَوْلِ بِحُرْمَةِ أَكْلِهِ إنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ غَيْرُ أَكْلِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِمَّنْ يَصْرِفُهُ فِي غَيْرِ أَكْلِهِ وَيُؤْمَنُ بَيْعُهُ لِمَنْ يَأْكُلُهُ اهـ.
[مَسَائِلُ الصَّلَاةِ]
[قَبْضِ الْيَدَيْنِ فِي الْفَرْضِ]
مَسَائِلُ الصَّلَاةِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَبْضِ الْيَدَيْنِ فِي الْفَرْضِ هَلْ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا أَوْ مَا لَمْ يَقْصِدْ السُّنِّيَّةَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ الْمُقَدَّمَةُ عَلَى غَيْرِهَا كَرَاهَتُهُ فِيهِ مُطْلَقًا لِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا فِي الْمُخْتَصَرِ وَصَدَّرَ بِهَا ابْنُ عَرَفَةَ وَهَذَا يُفِيدُ اعْتِمَادَهُمَا لَهَا وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ كَرِهَ مَالِكٌ وَضْعَ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الْفَرِيضَةِ وَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ فِي الْفَرِيضَةِ اهـ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵁ لَا أَعْرِفُهُ. . . إلَخْ لَا أَعْرِفُ جَرَيَانَ الْعَمَلِ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِ التَّابِعِينَ فِي الْفَرِيضَةِ وَاَلَّذِي أَعْرِفُ جَرَيَانَ عَمَلِهِمْ بِهِ فِيهَا إنَّمَا هُوَ السَّدْلُ.
وَقَدْ خَرَّجَ الْإِمَامُ حَدِيثَ الْقَبْضِ فِيهَا فِي مُوَطِّئِهِ وَمِنْهُ تَلَقَّاهُ الشَّيْخَانِ فَلَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ وَلَا أَنْ يُقَالَ عَدَلَ عَنْهُ لِمُجَرَّدِ هَوَى نَفْسِهِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَنَزُّهِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ ذَلِكَ مِنْ التَّابِعِينَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ وَحَمْلِهِمْ حَدِيثِ عَالَمِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ وَمِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ كَذَلِكَ وَمِمَّنْ بَعْدَهُمْ إلَى هَذَا الْحِينِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ نَسْخُهُ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِ التَّابِعِينَ بِالسَّدْلِ إذْ لَا يُمْكِنُ جَهْلُهُمْ آخِرَ أَمْرَيْ النَّبِيِّ ﷺ -
стр. 122
وَلَا مُخَالَفَتُهُمْ لَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا إشْكَالَ فِي كَرَاهَةِ الْقَبْضِ فِي الْفَرْضِ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا فِي قَوْلِهِ لَا أَعْرِفُهُ مَعَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ بِهِ فِيهَا وَتَخْرِيجِهِ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّأْوِيلَاتِ وَالْأَجْوِبَةِ الَّتِي تَكَلَّفَهَا شُرَّاحُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُظْهِرُ قَوْلَ جَمَاعَةٍ مِنْ شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إنْ قُصِدَ بِهِ الِاسْتِنَادُ فَإِنْ قُصِدَ بِهِ الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يُكْرَهُ وَإِنْ تَبِعَهُمْ الْعَدَوِيُّ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(وَمَا قَوْلُكُمْ) فِي قَوْلِ الْمُصَلِّي عَقِبَ سَلَامِهِ مِنْ صَلَاتِهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ قَوْلُهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَقِبَ سَلَامِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خِلَافُ الْأَوْلَى قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنَّمَا يُجْزِئُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ.
وَفِي مَوَاهِبِ الْقَدِيرِ فَزِيَادَةُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فِي سَلَامِ الصَّلَاةِ خِلَافُ الْأَوْلَى إذْ لَيْسَتْ مِمَّا عَمِلَ بِهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَإِنْ ثَبَتَ بِهَا الْحَدِيثُ اهـ.
وَفِي حَاشِيَةٍ حَكَى الْجُزُولِيُّ فِي زِيَادَةِ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ الْجَوَازُ وَلَمْ يَعْزِهِ، وَهُوَ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ صَحِيحٌ وَعَلَى الرُّكْنِيَّةِ فِيهِ بَحْثٌ يَعْنِي أَنَّ السَّلَامَ شَرْطٌ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنْ زَادَهَا فَقَدْ زَادَهَا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَعَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي الصَّلَاةِ فَفِي جَوَازِهَا نَظَرٌ.
قَالَ التَّتَّائِيُّ صَاحَ ابْنُ شِهَابٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَشُيُوخِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَلَى إمَامٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَهَا قَائِلًا لَهُ انْزَعْ مِنْهُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَإِنَّمَا هُوَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ قَالَ الشَّبْرَخِيتِيُّ إنَّمَا يَزِيدُ فِي سَلَامِ التَّحِيَّةِ بَيْنَ النَّاسِ فَإِنْ زَادَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الصَّلَاةِ كَمَا قَالَهُ زَرُّوقٌ لَكِنَّهُ إمَّا مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى اهـ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ إلَّا لِقَصْدِ الْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْحَنَابِلَةِ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْفَرْضِ مِنْ تَسْلِيمَتَيْنِ عَلَى الْيَمِينِ وَعَلَى الْيَسَارِ وَيَقُولُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي النَّفْلِ عِنْدَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[مَسَائِلُ سُجُودُ السَّهْوِ]
[مَأْمُومِينَ أَدْرَكُوا الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا وَتَرَتَّبَ عَلَى الْإِمَامِ سُجُودٌ قَبْلِي عَلَى ثَلَاثِ سُنَنٍ وَسَجَدَهُ الْإِمَامُ وَتَرَكَهُ الْمَأْمُومُونَ جَهْلًا]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ سُجُودُ السَّهْوِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي مَأْمُومِينَ أَدْرَكُوا الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا وَتَرَتَّبَ عَلَى الْإِمَامِ سُجُودٌ قَبْلِي عَلَى ثَلَاثِ سُنَنٍ وَسَجَدَهُ الْإِمَامُ وَتَرَكَهُ الْمَأْمُومُونَ جَهْلًا فَهَلْ تَبْطُلُ عَلَيْهِمْ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ
стр. 123
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ تَبْطُلُ عَلَيْهِمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عُمُومُ قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ فِي الْمُبْطِلَاتِ وَبِتَرْكٍ قَبْلِي عَنْ ثَلَاثٍ وَطَالَ وَقَوْلُهُ فِي الْمَسْبُوقِ وَإِلَّا أَيْ بِأَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةَ سَجَدَ وَلَوْ تَرْكُ إمَامِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْمِلُ السُّجُودَ عَنْ الْمَأْمُومِ وَنَصَّ الْمَوَّاقُ سَمِعَ ابْنَ الْقَاسِمِ إنْ سَهَا إمَامٌ عَنْ سُجُودِ سَهْوِهِ سَجَدَهُ مَأْمُومُهُ. ابْنُ رُشْدٍ فَإِنْ كَانَ السُّجُودُ مِمَّا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى سُجُودِهِ بِالْقُرْبِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُمْ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَحْمِلُهُ الْإِمَامُ عَمَّنْ خَلْفَهُ فَلَا يَكُونُ سَهْوُهُ عَنْهُ سَهْوًا لَهُمْ إذَا هُمْ فَعَلُوهُ وَهَذَا أَصْلٌ انْتَهَى، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَحْمِلُهُ الْإِمَامُ. . . إلَخْ فَهُوَ نَصٌّ فِي أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْمِلُ عَنْ مَأْمُومِهِ سُجُودَ السَّهْوِ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[سَهَا عَنْ رَفْعِ رُكُوعِ رَكْعَةٍ وَتَذَكَّرَهُ بَعْدَ قِيَامِهِ لِلَّتِي تَلِيهَا]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ سَهَا عَنْ رَفْعِ رُكُوعِ رَكْعَةٍ وَتَذَكَّرَهُ بَعْدَ قِيَامِهِ لِلَّتِي تَلِيهَا وَاعْتِدَالِهِ فِيهِ، وَقَبْلَ عَقْدِهَا فَكَيْفَ يَتَدَارَكُهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ كَيْفِيَّةُ تَدَارُكِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ بِرُجُوعِ تَارِكِ الرَّفْعِ قَائِمًا أَنْ يَصْرِفَ الْقِيَامَ الَّذِي تَذَكَّرَهُ فِيهِ بِنِيَّتِهِ لِقِيَامِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَيَهْوِي مِنْهُ لِلسُّجُودِ وَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِرُجُوعِهِ مُحْدَوْدِبًا إذْ لَوْ رَكَعَ وَرَفَعَ لَزَادَ رُكُوعًا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ ثُمَّ رَأَيْته فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ وَنَصُّهُ: بَقِيَ إذَا ذَكَرَ الرَّفْعَ مِنْ الرُّكُوعِ وَهُوَ قَائِمٌ نُقِلَ عَنْ مَيَّارَةَ أَنَّهُ نُظِرَ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ أَمَّا عَلَى كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَنْحَطُّ لِلسُّجُودِ وَيَنْوِي أَنَّهُ رَجَعَ فِي قِيَامِهِ لِلرَّفْعِ الَّذِي تَرَكَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَصْرِفُهُ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ وَقَعَ فِي زِيَادَةِ رُكُوعٍ وَهِيَ مُبْطِلَةٌ كَمَا عَرَفْت آنِفًا فَلْيُنْظَرْ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ضَابِطِ مَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ فِي الصَّلَاةِ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي ضَابِطِ مَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ فِي نَحْوِ الصَّلَاةِ وَفِي حُكْمِهِ وَهَلْ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ أَوْ الْأَكْثَرِ وَإِذَا اُسْتُنْكِحَ فِي بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ ثُمَّ ابْتَدَأَهُ فِي رُكْنٍ آخَرَ أَوْ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فَهَلْ يَلْحَقُ ذَلِكَ بِمَا اُسْتُنْكِحَ فِيهِ وَيَبْنِي فِيهِمَا عَلَى الْأَكْثَرِ وَهَلْ الِاسْتِنْكَاحُ فِي بَعْضِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ أَوْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَوْ السَّلَامِ كَالِاسْتِنْكَاحِ فِي جَمِيعِهَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ضَابِطُ اسْتِنْكَاحِ الشَّكِّ إتْيَانُهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ صِفَةُ إتْيَانِهِ أَوْ اخْتَلَفَتْ كَأَنْ يَأْتِيَهُ يَوْمًا فِي نِيَّتِهِ وَيَوْمًا فِي تَكْبِيرَةِ إحْرَامِهِ وَيَوْمًا فِي الْفَاتِحَةِ وَيَوْمًا فِي الرُّكُوعِ وَيَوْمًا فِي السُّجُودِ وَيَوْمًا فِي السَّلَامِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنْ أَتَاهُ يَوْمًا وَفَارَقَهُ يَوْمًا فَلَيْسَ اسْتِنْكَاحًا وَحُكْمُهُ وُجُوبُ طَرْحِهِ، وَاللَّهْوُ وَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ وَالْبِنَاءُ عَلَى الْأَكْثَرِ لِئَلَّا يُعْنِتَهُ، وَيَسْتَرْسِلُ مَعَهُ حَتَّى لِلْإِيمَانِ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ كَثِيرًا فِي كَثِيرٍ مِنْ
стр. 124
طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَيُنْدَبُ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ سَمِعَ أَشْهَبَ مَالِكًا يَقُولُ وَمَنْ شَكَّ فِي قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنْ كَثُرَ هَذَا عَلَيْهِ لَهَا عَنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَلْيَقْرَأْ وَكَذَا سَائِرُ مَا شَكَّ فِيهِ اهـ.
وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلْيَلْهَ عَنْ ذَلِكَ اهـ.
قَالَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لَوْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ كَانَ أَحَبَّ إلَيْنَا اهـ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ الِاسْتِنْكَاحُ مِحْنَةٌ وَبَلِيَّةٌ وَدَوَاءُ ذَلِكَ الْإِلْهَاءُ عَنْهُ وَإِلْهَاؤُهُ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ ثَلَاثًا صَلَّيْت أَوْ أَرْبَعًا فَيَقُولُ لَهُ أَرْبَعٌ وَإِذَا قَالَ اثْنَتَيْنِ صَلَّيْت أَوْ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يَقُولُ لَهُ ثَلَاثٌ وَإِنْ قَالَ صَلَّيْت أَوْ مَا صَلَّيْت فَيَقُولُ لَهُ صَلَّيْت وَإِنْ قَالَ لَهُ تَوَضَّأْت أَوْ مَا تَوَضَّأْت فَيَقُولُ لَهُ تَوَضَّأْت فَإِذَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَإِنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ اهـ.
[إمَامٍ قَامَ لِخَامِسَةٍ سَهْوًا وَتَيَقَّنَ جَمِيعُ مَأْمُومِيهِ انْتِفَاءَ مُوجِبِهَا وَسَبَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يُسَبِّحْ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي إمَامٍ قَامَ لِخَامِسَةٍ سَهْوًا وَتَيَقَّنَ جَمِيعُ مَأْمُومِيهِ انْتِفَاءَ مُوجِبِهَا وَسَبَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يُسَبِّحْ أَوْ تَكُونُ الصِّحَّةُ قَاصِرَةً عَلَى الْمُسَبِّحِ الْجَالِسِ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ يَقِينُهُ.
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ سَبَّحَ وَمَنْ لَمْ يُسَبِّحْ بِشَرْطِ الْجُلُوسِ وَعَدَمِ تَغَيُّرِ الْيَقِينِ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَفِي مَفْهُومِ كُلٍّ مِنْ الشَّرْطَيْنِ تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ فِي مَحَلِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
وَسُئِلَ شَيْخُنَا مُصْطَفَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا نَصُّهُ: مَا قَوْلُكُمْ فِي رَجُلٍ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ فَهَلْ الصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ أَمْ صَحِيحَةٌ وَإِذَا قُلْتُمْ بِالصِّحَّةِ فَمَا الْمُرَادُ بِالْكَوْرِ وَالْعِصَابَةِ فَالْمَقْصُودُ مِنْكُمْ تَوْضِيحُ الْمَقَامِ بَيْنَ الْعِصَابَةِ وَالْكَوْرِ.
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ السُّجُودُ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ مَكْرُوهٌ وَإِنْ زَادَ عَلَى كَطَاقَتَيْ رَفِيعٍ أَعَادَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ حَيْثُ كَانَ مَشْدُودًا عَلَى الْجَبْهَةِ وَإِلَّا بَطَلَتْ كَمَا نَقَلَهُ الْعَدَوِيُّ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ وَصَرَّحَ بِهِ التَّتَّائِيُّ فِي كَبِيرِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالطَّاقَةُ هِيَ التَّعْصِيبَةُ الْمُجْتَمِعَةُ مِنْ طَيَّاتٍ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ قَالَهُ الْعَدَوِيُّ مَثَلًا إذَا كَانَ عَرْضُ الشَّاشِ ذِرَاعًا فَطَوَيْته عِشْرِينَ طَيَّةً فَجُمْلَةُ ذَلِكَ طَاقَةٌ فَإِذَا لَفَفْت ذَلِكَ عَلَى الْجَبْهَةِ مَرَّةً فَهِيَ تَعْصِيبَةٌ وَمَرَّتَيْنِ فَتَعْصِيبَتَانِ وَثَلَاثًا فَثَلَاثٌ وَهَكَذَا وَجُمْلَةُ الْعِمَامَةِ كَوْرٌ لِأَنَّهَا كَالْمَرَّةِ فِي الِاسْتِدَارَةِ فَإِذَا كَانَتْ التَّعْصِيبَاتُ عَلَى الْجَبْهَةِ كَطَاقَتَيْنِ فَالسُّجُودُ مَكْرُوهٌ وَلَا إعَادَةَ أَصْلًا وَإِنْ كَثُرَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى الْجَبْهَةِ أَعَادَ أَبَدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ ثَلَاثِ سُنَنٍ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ فِي بُطْلَانِهَا بِذَلِكَ وَعَدَمِهِ خِلَافٌ اسْتَظْهَرَ مِنْهُ صَاحِبُ الْمَجْمُوعِ عَدَمَ الْبُطْلَانِ.
قَالَ: وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ، وَاَللَّهُ
стр. 125
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي مَالِكِيٍّ اقْتَدَى بِمُخَالِفٍ فِي الْفُرُوعِ يَرَى السُّجُودَ لِتَرْكِ الْفَضِيلَةِ قَبْلَ السَّلَامِ فَهَلْ يَتْبَعُهُ فِيهِ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ: يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ فِي السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ لِتَرْكِ الْفَضِيلَةِ فَإِنْ لَمْ يَتْبَعْهُ فِيهِ فَلَا تَبْطُلُ عَلَى الظَّاهِرِ أَفَادَهُ الْعَدَوِيُّ عَلَى الْخَرَشِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[مَسَائِلُ إمَامَةِ الصَّلَاةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ إمَامَةِ الصَّلَاةِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي إمَامٍ رَاتِبٍ فِي مَسْجِدٍ انْتَقَلَ بِمَحَلٍّ آخَرَ وَتَرَكَ الْمَسْجِدَ لِوَلَدِهِ صَغِيرًا فَأَمَّ فِيهِ ابْنُ عَمِّهِ مُدَّةً ثُمَّ تُوُفِّيَ عَنْ أَخٍ فَتَنَازَعَ مَعَ ابْنِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ فَأَرَادَ ابْنُ الْأَوَّلِ مَنْعَ أَخِي الثَّانِي مِنْ الْإِمَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ التَّرَتُّبُ لِإِمَامَةِ الْمَسْجِدِ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْوِرَاثَةِ مِنْ أَبٍ أَوْ أَخٍ وَلَا بِالتَّقْدِيمِ مِنْ الرَّاتِبِ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ رَتَّبَهُ الْوَاقِفُ أَوْ النَّاظِرُ أَوْ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ أَوْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ وَحِينَئِذٍ فَلَا كَلَامَ لِهَذَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَالْوَاقِفُ يُقَدِّمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَالنَّاظِرُ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَالسُّلْطَانُ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَنَائِبُهُ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الرَّاتِبُ مَنْ نَصَّبَهُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ مِنْ وَاقِفٍ أَوْ سُلْطَانٍ أَوْ نَائِبِهِ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ أَوْ يُكْرَهُ لِأَنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ الْمَكْرُوهَ مَضَى وَكَذَا السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ لِأَنَّ كُلًّا إذَا أَمَرَ بِمَكْرُوهٍ تَجِبُ طَاعَتُهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالْإِذْنُ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ اهـ.
وَتَبِعَهُ عَبْدُ الْبَاقِي والشبرخيتي زَادَ وَقَالَ فِي الْحَاشِيَةِ هُوَ الَّذِي أَقَامَهُ السُّلْطَانُ أَوْ اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ وَسَوَاءٌ كَانَ رَاتِبًا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ أَوْ بَعْضِهَا اهـ. وَنَحَا نَحْوَهُ الْعَدَوِيُّ وَاسْتَظْهَرَ مَا لِلَّقَانِيِّ فِي الْحَاشِيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[وَلِيَ الْإِمَامَةَ أَوْالْأَذَانَ أَوْ التَّدْرِيسَ بِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ فَهَلْ تَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ لِعُذْرٍ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ وَلِيَ الْإِمَامَةَ أَوْ الْأَذَانَ أَوْ التَّدْرِيسَ بِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ فَهَلْ تَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ لِعُذْرٍ وَهَلْ الْمَعْلُومُ لِلْمَوْلَى أَوْ لِلنَّائِبِ.
стр. 126
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ تَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ لِعُذْرٍ وَالْمَعْلُومُ لِلْمَوْلَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى الْإِجَارَةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنِّي أَعْذُرُهُ لِضَرُورَتِهِ اهـ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ: فَإِنْ اسْتَنَابَ فِي أَيَّامِ الْأَعْذَارِ جَازَ لَهُ تَنَاوُلُ رِيعِ الْوَقْفِ وَأَنْ يُطْلِقَ لِنَائِبِهِ مَا أَحَبَّ مِنْ ذَلِكَ الرِّيعِ اهـ.
قَالَ الْبَدْرُ مَعْنَاهُ إذَا اتَّفَقَا عَلَى قَدْرٍ مُعَيَّنٍ ابْتِدَاءً وَأَمَّا لَوْ عَمِلَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ شَيْئًا فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي اسْتِنَابَةِ الْمُقَرَّرِ فِي وَظِيفَةِ إمَامَةٍ أَوْ أَذَانٍ أَوْ تَدْرِيسٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ هَلْ تُمْنَعُ وَهَلْ الْمُرَتَّبُ لِلْمُقَرَّرِ أَوْ لِلنَّائِبِ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ تُمْنَعُ اسْتِنَابَةُ الْمُقَرَّرِ فِي وَظِيفَةٍ بِلَا عُذْرٍ اتِّفَاقًا.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَتَّبِ فَقَالَ الْقَرَافِيُّ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُقَرَّرُ لِعَدَمِ قِيَامِهِ بِالْوَظِيفَةِ وَلَا نَائِبُهُ لِعَدَمِ تَقْرِيرِهِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمَنُوفِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ كُلَّهُ النَّائِبُ فِي مُدَّةِ الِاسْتِنَابَةِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَكَانَ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ الْمَسَاجِدُ وَنَحْوُهَا يَأْخُذُهَا الْوَجِيهُ بِوَجَاهَتِهِ ثُمَّ يَدْفَعُ مِنْهَا شَيْئًا قَلِيلًا لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فَأَرَى الَّذِي أَبْقَاهُ لِنَفْسِهِ حَرَامًا لِأَنَّهُ اتَّخَذَ عِبَادَةَ اللَّهِ مَتْجَرًا وَلَمْ يُوفِ بِقَصْدِ صَاحِبِهَا إذْ مُرَادُهُ التَّوْسِعَةُ لِيَأْتِيَ الْأَجِيرُ بِذَلِكَ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ اهـ.
قَالَ الْبَدْرُ: وَقَضِيَّةُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْمَعْلُومَ كُلَّهُ مُدَّةُ الِاسْتِنَابَةِ يَسْتَحِقُّهُ النَّائِبُ وَحْدَهُ وَهُوَ صَرِيحُ مَا نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَنَصُّهُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِجَارَةٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي كَوْنِ الْأَحْبَاسِ عَلَيْهَا إجَارَةً أَوْ إعَانَةً وَفُهِمَ كَوْنُهَا إجَارَةً مِنْ قَوْلِ الْمُوَثِّقِينَ فِي اسْتِئْجَارِ النَّاظِرِ فَلَعَلَّهُ فِيمَا حَبَسَ لِيَسْتَأْجِرَ مِنْ غَلَّتِهِ، وَأَحْبَاسُ زَمَانِنَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ إنَّمَا هِيَ عَطِيَّةٌ لِمَنْ قَامَ بِتِلْكَ الْمُؤْنَةِ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ أَحْبَاسُ بَلَدِنَا قَطُّ مَا يَحْبِسُ الَّذِي يَحْبِسُ إلَّا عَلَى مَنْ يَقُومُ بِتِلْكَ الْمُؤْنَةِ لَا لِيَسْتَأْجِرَ مِنْ فَائِدَةِ الْحَبْسِ بِمَا يَقْدِرُ وَيَسْتَفْضِلُ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالْمِائَةَ وَتَقَدَّمَهُ بِذَلِكَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ بِبَعْضِ الْمُرَتَّبِ وَيُمْسِكَ بَاقِيَهُ وَالْقَائِمُ بِالْوَظِيفَةِ لَيْسَ بِنَائِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَقِلٌّ يَجِبُ لَهُ مِنْ الْفَائِدَةِ مَا يَخُصُّ زَمَنَ قِيَامِهِ بِالْوَظِيفَةِ وَبِذَلِكَ كَانَ بَعْضُ شُيُوخِي الْمُفْتِينَ يُفْتِي فِي ثَمَرِ أَشْجَارٍ الَّتِي لَا تُؤْتِي ثَمَرَهَا إلَّا مَرَّةً فِي عَامَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ الْفَائِدَةَ يُوَزَّعُ عَلَى الْعَامَيْنِ مَعًا، وَيُقَسَّمُ الْقَائِمُونَ بِالْوَظِيفِ عَلَى حَسَبِ أَزْمِنَةِ قِيَامِهِمْ اهـ.
وَنَصُّ مَا فِي الْفَرْقِ الْخَامِسَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ فَإِذَا وَقَفَ عَلَى مَنْ يَقُومُ
стр. 127
بِوَظِيفَةِ الْإِمَامَةِ أَوْ الْأَذَانِ أَوْ الْخَطَابَةِ أَوْ التَّدْرِيسِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ رِيعِ ذَلِكَ الْوَقْفِ شَيْئًا إلَّا إذَا قَامَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ عَلَى مُقْتَضَى شَرْطِ الْوَاقِفِ فَإِنْ اسْتَنَابَ غَيْرَهُ عَنْهُ دَائِمًا فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الْأَعْذَارِ فَلَا يَسْتَحِقُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ.
أَمَّا النَّائِبُ فَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ اسْتِحْقَاقِهِ وَصِحَّةِ وِلَايَتِهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَهُ النَّظَرُ وَهَذَا الْمُسْتَنِيبُ لَيْسَ لَهُ نَظَرٌ إنَّمَا هُوَ إمَامٌ أَوْ مُؤَذِّنٌ أَوْ مُدَرِّسٌ فَلَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ الصَّادِرَةُ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْمُسْتَنِيبُ فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا أَيْضًا بِسَبَبِ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[صَلَاةِ جَمَاعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي صَلَاةِ جَمَاعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ لَهُ رَاتِبٌ أَوَّلًا وَوَقْتٌ وَاحِدٌ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبَيْنِ وَيُحْرِمُونَ بِهَا مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبَيْنِ أَوْ يَتَقَدَّمُ بَعْضُهُمْ بِرَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَقْرَءُونَ مَعًا الْفَاتِحَةَ أَوْ يَقْرَأُ بَعْضُهُمْ الْفَاتِحَةَ وَالْآخَرُ السُّورَةَ وَيَسْمَعُ بَعْضُهُمْ قِرَاءَةَ بَعْضٍ أَوْ بَعْضُهُمْ يَقْرَأُ وَبَعْضُهُمْ يَرْكَعُ وَبَعْضُهُمْ يَسْجُدُ وَبَعْضُهُمْ يَتَشَهَّدُ وَبَعْضُهُمْ يَهْوِي لِلرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ مُكَبِّرًا وَآخَرُ يَرْفَعُ مِنْ الرُّكُوعِ مُسْمِعًا وَتَخْتَلِطُ صُفُوفُ الْمُقْتَدِينَ بِهِمْ فَيَجْتَمِعُ فِي الصَّفِّ الْوَاحِدِ إمَامَانِ فَأَكْثَرُ وَيَلْتَبِسُ عَلَى بَعْضِ الْمُقْتَدِينَ بِهِمْ صَوْتُ إمَامِهِمْ بِصَوْتِ إمَامٍ غَيْرِهِ فَيَقْتَدِي بِإِمَامِهِ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ وَبِغَيْرِهِ فِي بَعْضِهَا أَوْ يَشُكُّ فِيمَنْ اقْتَدَى بِهِ هَلْ هُوَ إمَامُهُ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ يَقْتَدِي بِإِمَامِهِ فِي جَمِيعِهَا مَعَ اشْتِغَالِهِ بِسَمَاعِ قِرَاءَةِ غَيْرِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَسْمِيعِهِ عَنْ سَمَاعِ ذَلِكَ مِنْ إمَامِهِ فَهَلْ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ الشَّنِيعَةِ وَالْمُحْدَثَاتِ الْفَظِيعَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَأُولِي الْأَمْرِ إنْكَارُهَا وَهَدْمُ مَنَارِهَا وَهَلْ هُوَ مِنْ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَهَلْ جَرَيَانُ الْعَادَةِ بِهِ مِنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالْعَوَامِّ يُسَوِّغُهُ أَوَّلًا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ الشَّنِيعَةِ وَالْمُحْدَثَاتِ الْفَظِيعَةِ أَوَّلُ ظُهُورِهِ فِي الْقَرْنِ السَّادِسِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقُرُونِ الَّتِي قَبْلَهُ وَهُوَ مِنْ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَا نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ لِمُنَافَاتِهِ لِغَرَضِ الشَّارِعِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَأْلِيفُهُمْ، وَعَوْدُ بَرَكَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَهُ شُرِعَ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدُ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَلِتَأْدِيَتِهِ لِلتَّخْلِيطِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ وَالتَّلَاعُبُ بِهَا فَهُوَ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَقَوْلِهِ ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَقَوْلِهِ ﷺ «اتَّقُوا اللَّهَ فِي الصَّلَاةِ اتَّقُوا اللَّهَ فِي الصَّلَاةِ اتَّقُوا اللَّهَ فِي الصَّلَاةِ» ، وَقَوْلِهِ ﵊ «أَتِمُّوا الصُّفُوفَ» وَقَوْلِهِ ﷺ «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ» وَقَوْلِهِ ﵊ -
стр. 128
«إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَفِي الْمُوَطَّأِ «سَمِعَ قَوْمٌ الْإِقَامَةَ فَقَامُوا يُصَلُّونَ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَصَلَاتَانِ مَعًا أَصَلَاتَانِ مَعًا» وَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ﵁ قَالَ «قُلْت لِلنَّبِيِّ ﷺ إنِّي كَبِيرٌ ضَرِيرٌ شَاسِعُ الدَّارِ وَلَيْسَ لِي قَائِدٌ يُلَازِمُنِي فَهَلْ تَجِدُ مِنْ رُخْصَةٍ قَالَ هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ قُلْت: نَعَمْ قَالَ مَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَّا مَنْ عُذِرَ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِهِ «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ» .
وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ عَنْ تَرْكِ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لَأُحَرِّقَنَّ بُيُوتَهُمْ» وَلِمَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الْقِسْمَةِ حَالَ الْجِهَادِ وَتَلَاطُمِ الصُّفُوفِ وَتَضَارُبِ السُّيُوفِ بِجَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَلَمْ يُشَرَّعْ حَالَةَ تَعَدُّدِ الْجَمَاعَةِ فَكَيْفَ يُشَرَّعُ حَالَ السَّعَةِ وَالِاخْتِيَارِ إنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَدْمِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ الَّذِي اُتُّخِذَ لِتَفْرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ يَأْذَنُ فِي تَفْرِيقِهِمْ وَهُمْ بِمَحِلٍّ وَاحِدٍ لِلصَّلَاةِ مُجْتَمِعِينَ.
وَقَالَ ﷺ «الْجَفَاءُ كُلُّ الْجَفَاءِ وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ مَنْ سَمِعَ مُنَادِيَ اللَّهِ تَعَالَى يُنَادِي بِالصَّلَاةِ وَيَدْعُو إلَى الْفَلَاحِ فَلَا يُجِيبُهُ» وَقَالَ ﷺ «حَسَبُ الْمُؤْمِنِ مِنْ الشَّقَاءِ وَالْخَيْبَةِ أَنْ يَسْمَعَ الْمُؤَذِّنَ يُثَوِّبُ بِالصَّلَاةِ فَلَا يُجِيبُهُ» وَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَ سَامِعِ الْأَذَانِ الْمُتَلَاهِي عَنْهُ فَكَيْفَ حَالُ سَامِعِ الْإِقَامَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالصَّلَاةِ الْمُتَلَاهِي عَنْهَا وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَيْفَ يُمْكِنُ إجَابَةُ إقَامَتَيْنِ فَأَكْثَرَ لَوْ شُرِعَتَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَوَقْتٍ وَاحِدٍ إنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ عَرْفَجَةَ الْأَشْجَعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَقَالَ إنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ أَوْ يُرِيدُ يُفَرِّقُ أَمْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَائِنًا مَنْ كَانَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ مَنْ فَرَّقَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ» وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ
стр. 129
- ﷺ «أَنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي هَنَاةٌ وَهَنَاةٌ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَهُمْ جَمِيعٌ فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنْ النَّاسِ» وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سَتَكُونُ بَعْدِي هَنَاةٌ وَهَنَاةٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُمْ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ» .
وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ يُفَرِّقُ بَيْنَ أُمَّتِي فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ فِي صَحِيحِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَوْمًا وَلَا صَلَاةً وَلَا صَدَقَةً وَلَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَلَا جِهَادًا وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعْرَةُ مِنْ الْعَجِينِ» .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ» وَعَنْ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَجُلٌ كَبِيرٌ ضَرِيرٌ شَاسِعُ الدَّارِ لَا أَجِدُ قَائِدًا يُلَازِمُنِي أَتَجِدُ لِي رُخْصَةً فِي التَّخَلُّفِ فَقَالَ هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ قُلْت نَعَمْ قَالَ لَا أَجِدُ لَك رُخْصَةً» .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَعَلَّكُمْ سَتُدْرِكُونَ أَقْوَامًا يُصَلُّونَ صَلَاةً لِغَيْرِ وَقْتِهَا فَإِذَا أَدْرَكْتُمُوهُمْ فَصَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ لِلْوَقْتِ الَّذِي تَعْرِفُونَ ثُمَّ صَلُّوا مَعَهُمْ وَاجْعَلُوهَا سُبْحَةً» .
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ تَشْغَلُهُمْ الْأَشْيَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا فَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ تَطَوُّعًا» .
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْت الْإِمَامَ يُصَلِّي بِهِمْ فَصَلِّ مَعَهُمْ فَهِيَ لَكَ نَافِلَةٌ» وَإِلَّا فَقَدْ أُحْرِزَتْ صَلَاتُك فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِي تَعَدُّدِ الْجَمَاعَةِ وَلَا فِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا فَيَجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَأُولِي الْأَمْرِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ إنْكَارُهَا وَهَدْمُ مَنَارِهَا وَجَرَيَانُ الْعَادَةِ بِهَا مِنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالْعَوَامِّ لَا يُسَوِّغُهَا.
وَقَدْ أَلَّفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحُبَابِ السَّعْدِيُّ الْمَالِكِيُّ وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو إبْرَاهِيمَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْغَسَّانِيُّ الْمَالِكِيُّ وَبَسَطَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا وَأَجَادَا فَكَفَيَا مَنْ بَعْدَهُمَا مُؤْنَتَهَا - جَزَاهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَحْسَنَ الْجَزَاءِ بِمَنِّهِ - فَذَكَرَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ أَفْتَى فِي سَنَةِ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ بِمَنْعِ الصَّلَاةِ بِأَئِمَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَجَمَاعَاتٍ مُتَرَتِّبَةٍ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَنَّ بَعْضَ عُلَمَاءِ إسْكَنْدَرِيَّةَ أَفْتَى بِخِلَافِ ذَلِكَ وَهُمْ شَدَّادُ بْنُ الْمُقَدِّمِ وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ وَأَبُو الطَّاهِرِ بْنُ عَوْفٍ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ وَبَالَغَ فِيهِ، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَجَعَ عَمَّا أَفْتَى بِهِ لَمَّا وَقَفَ عَلَى كَلَامِهِ وَقَالَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُمْ إنَّ الصَّلَاةَ جَائِزَةٌ
стр. 130
لَا كَرَاهَةَ فِيهَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا تَجُوزُ وَأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهَا أَنْ تَكُونَ مَكْرُوهَةً لِأَنَّ الَّذِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ مَسْجِدٌ لَيْسَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ أَوْ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ جَمَاعَةً ثُمَّ جَاءَ آخَرُونَ فَأَرَادُوا إقَامَةَ تِلْكَ الصَّلَاةِ جَمَاعَةً.
فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ فَأَمَّا حُضُورُ جَمَاعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ تُقَامُ الصَّلَاةُ فَيَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فَيُصَلِّي وَأُولَئِكَ عُكُوفٌ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُوهُمْ إلَى ذَلِكَ تَارِكُونَ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ مُتَشَاغِلُونَ بِالنَّوَافِلِ أَوْ الْحَدِيثِ حَتَّى تَنْقَضِيَ صَلَاةُ الْأُولَى ثُمَّ يَقُومُ الَّذِي يَلِيهِ وَتَبْقَى الْجَمَاعَةُ الْأُخْرَى عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا ثُمَّ يُصَلُّونَ أَوْ تَحْضُرُ الصَّلَاةُ الْوَاحِدَةُ كَالْمَغْرِبِ فَيُقِيمُ كُلُّ إمَامٍ الصَّلَاةَ جَهْرًا يَسْمَعُهَا الْكَافَّةُ وَوُجُوهُهُمْ مُتَرَائِيَةٌ وَالْمُقْتَدُونَ بِهِمْ مُخْتَلِطُونَ فِي الصُّفُوفِ وَيَسْمَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ قِرَاءَةَ الْآخَرِينَ وَيَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ فَيَكُونُ أَحَدُهُمْ فِي الرُّكُوعِ وَالْآخَرُ فِي الرَّفْعِ مِنْهُ، وَالْآخَرُ فِي السُّجُودِ فَالْأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا تَجُوزُ وَأَقَلُّ أَحْوَالِهَا أَنْ تَكُونَ مَكْرُوهَةً فَقَوْلُ الْقَائِلِ إنَّهَا جَائِزَةٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا خَرْقٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ وَالسَّادِسِ إلَى حِينِ ظُهُورِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ.
ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَرَدَّ عَلَى مَنْ أَفْتَى بِخِلَافِهِ فَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَكَفَانَا فِي الْمَسْأَلَةِ مُهِمَّةً فَإِنَّهُ مَنَعَ مِنْ إقَامَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ بِجَمَاعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ وَقَدْ حَكَى لَك أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ الَّذِينَ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ إقَامَةَ صَلَاةٍ بِإِمَامَيْنِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ فَأَمَّا إقَامَةُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ بِإِمَامَيْنِ رَاتِبَيْنِ يَحْضُرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِمَامَيْنِ فَيُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الَّذِي رُتِّبَ لِيُصَلِّيَ أَوَّلًا وَتَجْلِسُ الْجَمَاعَةُ الْأُخْرَى وَإِمَامُهُمْ عُكُوفًا حَتَّى يَفْرُغَ الْأَوَّلُ ثُمَّ يُقِيمُونَ صَلَاتَهُمْ فَهَذَا مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَلَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَحْكِيَ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا فِعْلًا وَلَا قَوْلًا فَكَيْفَ بِإِمَامَيْنِ يُقِيمَانِ الصَّلَاةَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمَا حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَيُكَبِّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَهْلُ الْقُدْوَةِ بِهِمَا مُخْتَلَطُونَ، وَيَسْمَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِرَاءَةَ الْآخَرِ فَهَؤُلَاءِ زَادُوا عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي لِسَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا، وَفِي فِعْلِهِمْ مُخَالَفَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ «لَا يَجْهَرُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ» وَلَمْ يَرْضَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُتَنَفِّلَيْنِ تَنَفَّلَا فِي الْمَسْجِدِ بَلْ لَمْ يَرْضَهُ لِمُقْتَدٍ اقْتَدَى بِهِ فَصَلَّى خَلْفَهُ فَكَيْفَ يَرْضَى ذَلِكَ لِإِمَامَيْنِ مُنْفَرِدَيْنِ هَذَا مِمَّا لَمْ نَعْلَمْ لَهُ نَظِيرًا فِي قَدِيمٍ وَلَا حَدِيثٍ.
ثُمَّ قَالَ فَأَمَّا إقَامَةُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يَسْتَحْسِنْهَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بَلْ اسْتَقْبَحَهَا كُلُّ مَنْ يُسْأَلُ عَنْهَا وَمِنْهُمْ مَنْ بَادَرَ لِلْإِنْكَارِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا إذْنُ الْإِمَامِ فِي
стр. 131
ذَلِكَ فَلَا يُصَيِّرُهُ جَائِزًا كَمَا لَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ الْمَالِكِيُّ فِي بَيْعِ النَّبِيذِ أَوْ التَّوَضُّؤِ بِهِ أَوْ فِي أَنْ يَؤُمَّ وَلَا يَقْرَأَ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوْ فِي نِكَاحٍ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيَّ وَالشَّيْخَ يَحْيَى الزَّنَاتِيَّ أَنْكَرَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَنَّهُمَا لَمْ يُصَلِّيَا خَلْفَ إمَامِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْحَرَمِ الشَّرِيفِ رَكْعَةً وَاحِدَةً قَالَ وَكَانَ إمَامُ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَيْرَ مَمْغُوصٍ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ، وَهُوَ رَزِينٌ فِي أَيَّامِ الزَّنَاتِيِّ وَالْقَابِسِيُّ فِي أَيَّامِ الطُّرْطُوشِيِّ قَالَ وَحَالُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ مَشْهُورٌ عَنْ أَقْرَانِنَا وَمَنْ قَبْلَنَا بِيَسِيرٍ، ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَرَدُوا إلَى مَكَّةَ فِي سَنَةِ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا صَلَاةَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَرَتِّبِينَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَعْهُودَةِ وَأَنَّهُ عَرَضَ مَا أَمْلَاهُ فِي عَدَمِ جَوَازِ هَذِهِ الصَّلَاةِ وَإِنْكَارِ إقَامَتِهَا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأَنَّهُمْ وَافَقُوهُ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْغَسَّانِيُّ إنَّ افْتِرَاقَ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ عَلَى أَئِمَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ إمَامٍ سَاجِدٍ وَإِمَامٍ رَاكِعٍ وَإِمَامٍ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يُوجَدْ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَلَا دَانَ بِهِ أَحَدٌ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ لَا مَنْ صَحَّتْ عَقِيدَتُهُ وَلَا مَنْ فَسَدَتْ لَا فِي سَفَرٍ وَلَا فِي حَضَرٍ وَلَا عِنْدَ تَلَاطُمِ السُّيُوفِ وَتَضَايُقِ الصُّفُوفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يُوجَدُ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ لِمَنْ تَقَدَّمَ فَيَكُونَ لَهُ بِهِ أُسْوَةٌ اهـ.
[إقَامَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ]
وَسُئِلَ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ بْنُ ظَهِيرَةَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ إقَامَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
فَأَجَابَ بِأَنَّ صَلَاةَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمَغْرِبَ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ الْبِدَعِ الْفَظِيعَةِ وَالْأُمُورِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ الْعُلَمَاءُ يُنْكِرُونَهَا فِي الْحَدِيثِ وَالْقَدِيمِ وَيَرُدُّونَهَا عَلَى مُخْتَرِعِهَا الْقَادِمِ مِنْهُمْ وَالْمُقِيمِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ كَلَامِ ابْنِ الْحُبَابِ وَكَلَامِ الْغَسَّانِيِّ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ كَفَانَا هَذَانِ الرَّجُلَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيمَا نَقَلَهُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا عَنْ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَكَلَامِ الْأَئِمَّةِ كِفَايَةٌ قَالَ وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِالشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ عَالِمِ الْمَغْرِبِ فِي وَقْتِهِ الْمُجْمَعِ عَلَى عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَفَضْلِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَرَفَةَ فِي حَجَّتِهِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى اجْتِمَاعَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَا عَلِمْت بَيْنَهُمْ اخْتِلَافًا فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَبَشَاعَةُ ذَلِكَ وَشَنَاعَتُهُ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ أُلْهِمَ رُشْدَهُ وَلَمْ تَضِلَّ بِهِ عَصَبِيَّةٌ وَدَلَائِلُ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ النَّبَوِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ وَلَقَدْ يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْمَوْسِمِ عَلَى الْمُصَلِّينَ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَتَبْطُلُ صَلَاةُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ لِلِاشْتِبَاهِ ثُمَّ قَالَ وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي يَجِبُ إنْكَارُهَا، وَالسَّعْيُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي خَفْضِ مَنَارِهَا، وَإِزَالَةِ شِعَارِهَا، وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ وَيُثَابُ وَلِيُّ الْأَمْرِ عَلَى
стр. 132
إزَالَةِ هَذَا الْمُنْكَرِ وَيَنَالُ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةَ، وَيُؤْجَرُ وَكُلُّ مَنْ قَالَ فِي ذَلِكَ فَلَهُ الْأَجْرُ الْوَافِرُ وَالْخَيْرُ الْعَظِيمُ الْمُتَكَاثِرُ اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْحَطَّابُ وَمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ إذْ لَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ الْمَذْكُورَ مُنَاقِضٌ لِمَقْصُودِ الشَّارِعِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ اجْتِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ تَعُودَ بَرَكَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَنْ لَا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلَى تَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ وَلَمْ يَسْمَحْ الشَّارِعُ بِتَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ بِإِمَامَيْنِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ الشَّدِيدَةِ وَهُوَ حُضُورُ الْقِتَالِ مَعَ عَدُوِّ الدِّينِ بَلْ أَمَرَ بِقَسْمِ الْجَمَاعَةِ وَصَلَاتِهِمْ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهَدْمِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ لَمَّا اُتُّخِذَ لِتَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي وَالِدِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِعْلُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فِي تَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ يُشْبِهُ فِعْلَ أَهْلِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ وَأَمَّا مَا كَانَ يُفْعَلُ فِي الْمَغْرِبِ فَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي حُرْمَتِهِ وَكَانَ سَيِّدِي الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُنْكِرُ ذَلِكَ غَايَةَ الْإِنْكَارِ.
وَأَجَابَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ بِمَا صُورَتُهُ أَمَّا اجْتِمَاعُ إمَامَيْنِ بِجَمَاعَتَيْنِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَمَسْجِدٍ وَاحِدٍ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَقَدْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْحُبَابِ وَالشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْغَسَّانِيُّ وَالْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ بْنُ ظَهِيرَةَ الشَّافِعِيُّ وَالْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ عَلِمَ بِهَذِهِ الْبِدْعَةِ السُّكُوتُ عَلَيْهَا بَلْ وَلَا عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ مُجَرَّحٌ فِي شَهَادَتِهِ مَقْدُوحٌ فِي إمَامَتِهِ اهـ.
ثُمَّ قَالَ وَقَالَ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَسُئِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ الْقَوْمِ يَكُونُونَ فِي السَّفِينَةِ فَيَنْزِلُ بَعْضُهُمْ وَيَبْقَى بَعْضُهُمْ فَيُقِيمُ الَّذِينَ بَقُوا فِي السَّفِينَةِ فَيُصَلُّونَ ثُمَّ يَجِيءُ الَّذِينَ كَانُوا نَزَلُوا فَيَجْمَعُونَ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَقَالَ بِرَأْسِهِ لَا فَرُوجِعَ فِيهَا، فَقَالَ إنَّهُ مِثْلُ الْجَمْعِ فِيهَا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ بِرَأْسِهِ: لَا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا كَانَتْ بِمَوْضِعٍ فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَفَرَّقَ طَائِفَتَيْنِ فَتُصَلِّيَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهَا عَلَى حِدَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧] أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُبِحْ ذَلِكَ لِلْغُزَاةِ مَعَ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَشَرَعَ لَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ أَهْلُ السَّفِينَةِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْتَرِقُوا عَلَى طَائِفَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ كُرِهَ لِلَّذِينَ نَزَلُوا إذَا جَاءُوا أَنْ يَجْمَعُوا الصَّلَاةَ لِأَنْفُسِهِمْ إذَا كَانَ الَّذِينَ بَقُوا قَدْ جَمَعُوا تِلْكَ الصَّلَاةَ لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إلَى مَا لَا يَجُوزُ مِنْ تَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الَّذِينَ بَقُوا إنَّمَا جَمَعَ بِهِمْ إمَامٌ رَاتِبٌ اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي
стр. 133
زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيُّ وَأَمَّا الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِإِمَامَيْنِ وَيَتْبَعُ كُلَّ إمَامٍ طَائِفَةً وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فَيُشْكَلُ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ هَلْ يَتْبَعُونَ إمَامَهُمْ أَوْ غَيْرَهُ فِيمَا يَسْمَعُونَ مِنْ التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَصَلَاةُ مَنْ صَلَّى مِمَّنْ صَارَ فِي شَكٍّ هَلْ اتَّبَعَ إمَامَهُ أَوْ غَيْرَهُ فَاسِدَةٌ، وَلَوْ أَيْقَنَ أَنَّهُ تَبِعَ إمَامَهُ إلَّا أَنَّهُ فِي شُغْلٍ مِنْ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ قَدْ شَغَلَهُ التَّكَلُّفُ فِيهِ فَهَذَا لَا يَنْبَغِي وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ إمَامٍ أَنْ يَتَبَاعَدَ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ الْمُؤَدِّي لِفَسَادِ صَلَاةِ النَّاسِ وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُدْخِلَ نَفْسَهُ فِيمَا يُشَكِّكُ اهـ وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَظَاهِرُ الْكِتَابِ الْمَنْعُ مِنْ جَمْعِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ عَلَى التَّعَاقُبِ، وَهُوَ الَّذِي شَاهَدْتُ شَيْخَنَا الْإِمَامَ ابْنَ عَرَفَةَ يُفْتِي بِهِ وَلَوْ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ اهـ
قَالَ الْحَطَّابُ لَا يُقَالُ إنَّ جَمْعَهُمْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَتَقْرِيرِهِ فَيَجُوزُ، لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ إذْنِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ لَا يُفِيدُ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ فِي الْمَكْرُوهِ أَوْ الْحَرَامِ لَا يُبِيحُهُ اهـ.
وَسَلَّمَ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْأُجْهُورِيُّ وَالشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ وَتَلَامِذَتُهُمَا كَالْعَلَّامَةِ الْخَرَشِيِّ وَالْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْبَاقِي وَالْعَلَّامَةِ الشَّبْرَخِيتِيُّ وَالْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ الرَّمَاصِيُّ وَالْمُحَقِّقُ الْبُنَانِيُّ قَالَا وَأَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْإِمَامُ ابْنُ فَرْحُونٍ أَيْضًا فِي شَرْحِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ الْخَرَشِيُّ والشبرخيتي وَلِلشَّارِعِ غَرَضٌ فِي تَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ لِيُصَلِّيَ الشَّخْصُ مَعَ مَغْفُورٍ لَهُ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَلِهَذَا أَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ وَحَضَّ عَلَيْهَا فَإِذَا عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهَا لَا تُجْمَعُ فِي الْمَسْجِدِ مَرَّتَيْنِ تَأَهَّبُوا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْفَضِيلَةِ أَلَا تَرَى تَأَهُّبَهُمْ لِلْجُمُعَةِ وَمِنْ كَرْمِهِ - سُبْحَانَهُ - شَرَعَ الْجُمُعَةَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ فِي الْجَمَاعَاتِ مَغْفُورٌ لَهُ وَالْجُمُعَةُ يَجْتَمِعُ لَهَا أَهْلُ الْبَلَدِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ثُمَّ شَرَعَ الْعِيدَ لِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْبِلَادِ الْمُتَقَارِبَةِ ثُمَّ شَرَعَ الْمَوْقِفَ الْأَعْظَمَ لِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْأَقْطَارِ وَفِيهِ اعْتِنَاءٌ بِالْعَبْدِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
فِي كِتَابِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لِلْحَافِظِ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيِّ عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا قَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ثُمَّ قَالَ وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابُ الدَّعْوَةِ، الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ، وَالْمُتَسَلِّطُ عَلَى أُمَّتِي بِالْجَبَرُوتِ لِيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ
стр. 134
وَيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّهُ اللَّهُ، وَالْمُسْتَحِلُّ حُرْمَةَ اللَّهِ، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالتَّارِكُ لِلسُّنَّةِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ لَا أَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً ثُمَّ قَالَ وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ حَجَبَ التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ»
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَلَفْظُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَوْمًا وَلَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَلَا جِهَادًا وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعْرَةُ مِنْ الْعَجِينِ» انْتَهَى.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالتَّوَاتُرِ وَالضَّرُورَةِ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَسُنَّةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ اتِّحَادُ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَتَعَدُّدُهَا فِيهَا بِدْعَةٌ شَنِيعَةٌ وَضَلَالَةٌ فَظِيعَةٌ.
وَفِي كِتَابِ التَّرْغِيبِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَلَفْظُهُ «مَنْ صَنَعَ أَمْرًا عَلَى غَيْرِ أَمْرِنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[دَخَلَ مَسْجِدًا فَوَجَدَ بِهِ إمَامًا يُصَلِّي وَلَمْ يَدْرِ هَلْ يُصَلِّي ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا فَوَجَدَ بِهِ إمَامًا يُصَلِّي وَلَمْ يَدْرِ هَلْ يُصَلِّي ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا فَهَلْ يَدْخُلُ مَعَهُ عَلَى مَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ أَوْ لَا، وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِهِ رَاتِبًا وَكَوْنِهِ غَيْرَهُ أَوْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُ عَلَى مَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ رَاتِبًا أَوْ غَيْرَهُ فَقَدْ قَالَ الرَّمَاصِيُّ وَالْبَنَّانِيُّ الصَّوَابُ مَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَالْحَطَّابُ وَسَالِمٌ مِنْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِ خَلِيلٍ - وَجَازَ لَهُ دُخُولٌ عَلَى مَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ - عَلَى مَنْ وَجَدَ إمَامًا يُصَلِّي عَقِبَ الزَّوَالِ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هُوَ فِي صَلَاةِ ظُهْرٍ أَوْ جُمُعَةٍ وَعَلَى مُسَافِرٍ وَجَدَ إمَامًا فِي ظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ أَوْ عِشَاءٍ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ أَحْرَمَ بِهَا تَامَّةً أَوْ مَقْصُورَةً فَيُحْرِمُ فِي كُلٍّ مِنْ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ وَيُجْزِئُهُ مَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْإِمَامَ كَانَ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ ظُهْرٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ تَامَّةٍ أَوْ مَقْصُورَةٍ لَا فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ النَّوَادِرِ وَسَنَدِ اللَّخْمِيَّ وَابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِمْ، وَفِي السُّؤَالِ إجْمَالٌ إذْ لَمْ يُبَيِّنْ كَوْنَ الدَّاخِلِ صَلَّى الظُّهْرَ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَلِّهَا فَقِيلَ يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ بِنِيَّةٍ وَيُتَابِعُهُ مُتَابَعَةً ظَاهِرِيَّةً غَيْرَ نَاوٍ الِاقْتِدَاءَ بِهِ وَقِيلَ يَقْتَدِي بِهِ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ نَفْلٍ، وَإِنْ كَانَ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ
стр. 135
فَإِمَّا أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ مُتَنَفِّلًا بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَإِمَّا أَنْ يَتَسَتَّرَ بِهَيْئَةِ الرَّاعِفِ وَيَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ الْإِمَامُ رَاتِبًا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ رَاتِبٍ فَلَا يَقْتَدِي بِهِ وَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَيُصَلِّيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ ظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[الْإِسْمَاعِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي كُلِّ حَالٍ كَثُرَتْ الْجَمَاعَةُ أَوْ قَلَّتْ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا اعْتَادَهُ غَالِبُ النَّاسِ مِنْ الْإِسْمَاعِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي كُلِّ حَالٍ كَثُرَتْ الْجَمَاعَةُ أَوْ قَلَّتْ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ مَأْمُومًا وَاحِدًا لَجَهَرَ بِتَكْبِيرِهِ وَقَوْلِهِ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ فَهَلْ مُوَافِقٌ لِنُصُوصِ الْمَذْهَبِ أَوْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَابَ جَمَاعَةٌ: بِأَنَّهُ لَا يُوَافِقُ نُصُوصَ الْمَذْهَبِ وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ تَنْبَغِي بَلْ يَتَأَكَّدُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَصُونَ صَلَاتَهُ الَّتِي هِيَ عِمَادُ دِينِهِ عَنْ الْعَبَثِ وَاللَّعِبِ وَلَا سِيَّمَا عَنْ أَمْرٍ تَصِيرُ بِهِ مُضْطَرِبَةً بَيْنَ صِحَّتِهَا وَبُطْلَانِهَا انْتَهَى. مُلَخَّصًا وَكَتَبْت بِحَوْلِهِ مَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي نَهْيُ النَّاسِ عَمَّا اعْتَادُوهُ مِنْ رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ حَالَ اقْتِدَائِهِمْ بِالْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ لَهُ أَصْلًا صَحِيحًا فِي السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَفْضَلِ، وَصَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جَنْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقْتَدِيًا بِهِ رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ لِإِسْمَاعِ النَّاسِ فِي مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُخَرَّجِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ حُجَّةٌ لِجَوَازِهِ وَسَمِعَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَوْ جَهَرَ الْمَأْمُومُ بِالتَّكْبِيرِ وَبِرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ جَهْرًا يُسْمِعُ بِهِ مَنْ يَلِيهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ.
ابْنُ يُونُسَ أَرَادَ: إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي إسْمَاعِ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ فَهُوَ حَسَنٌ وَلَهُ أَجْرُ التَّنْبِيهِ وَفِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا.
وَفِي الْمُوَطَّأِ فِي الَّذِي رَفَعَ صَوْتَهُ بِرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا إلَخْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وَرَاءَ الْإِمَامِ بِرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ لِمَنْ أَرَادَ الْإِسْمَاعَ وَالْإِعْلَامَ لِلْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ لِأَنَّ الذِّكْرَ كُلَّهُ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّحْمِيدُ جَائِزٌ فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِكَلَامٍ تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِهِ بَلْ هُوَ مَحْمُودٌ مَمْدُوحٌ فَاعِلُهُ بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَبِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ الْآخَرِ ثُمَّ نَقَلَ بِسَنَدِهِ إلَى «ابْنِ أَبِي أَوْفَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ جَاءَ رَجُلٌ وَنَحْنُ فِي الصَّفِّ وَخَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قَالَ فَرَفَعَ النَّاسُ رُءُوسَهُمْ وَاسْتَنْكَرُوا الرَّجُلَ وَقَالُوا مَنْ هَذَا الَّذِي رَفَعَ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ مَنْ هَذَا الْعَالِي الصَّوْتِ فَقِيلَ هُوَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْت كَلَامًا يَصْعَدُ إلَى السَّمَاءِ حَتَّى فُتِحَ لَهُ»
стр. 136
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ فَفِي مَدْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِفِعْلِ هَذَا الرَّجُلِ وَتَعْرِيفِهِ النَّاسَ بِفَضْلِ كَلَامِهِ وَفَضْلِ مَا صَنَعَ مِنْ رَفْعِ صَوْتِهِ بِذَلِكَ الذِّكْرِ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْ كُلِّ مَنْ فَعَلَهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لِلَّهِ وَتَعْظِيمٌ لَهُ يَصْلُحُ مِثْلُهُ فِي الصَّلَاةِ سِرًّا وَجَهْرًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ بِكَلَامٍ يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ سِرًّا مَا جَازَ كَمَا لَا يَجُوزُ جَهْرًا وَهَذَا وَاضِحٌ نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ.
ثُمَّ قَالَ وَكَانَ شَيْخُنَا سَيِّدِي ابْنُ سِرَاجٍ يَقُولُ: إذَا جَرَى النَّاسُ عَلَى شَيْءٍ وَلَهُ مُسْتَنَدٌ صَحِيحٌ وَكَانَ لِلْإِنْسَانِ مُخْتَارٌ غَيْرُهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مُخْتَارِهِ فَيُدْخِلَ عَلَيْهِمْ شَغَبًا فِي أَنْفُسِهِمْ وَحِيرَةً فِي دِينِهِمْ.
فَمِنْ شَرْطِ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَى أَنَّهُ مُنْكَرٌ اهـ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ هُوَ نَصُّ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
قَالَ عِيَاضٌ فِي إكْمَالِهِ: لَا يَنْبَغِي لِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَرِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مَذْهَبِهِ وَإِنَّمَا يُغَيِّرُ مَا أُجْمِعَ عَلَى إحْدَاثِهِ وَإِنْكَارِهِ وَرَشَّحَ هَذَا النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ قَائِلًا مَا نَصُّهُ: أَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا إنْكَارَ فِيهِ وَلَيْسَ لِلْمُفْتِي وَلَا لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصَّ الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةَ أَوْ الْإِجْمَاعَ، وَنَحْوُ هَذَا فِي جَامِعِ الذَّخِيرَةِ وَهُوَ نَصُّ عِزِّ الدِّينِ فِي قَوَاعِدِهِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ لُبٍّ: وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي كَرَاهِيَتِهِ لَا فِي تَحْرِيمِهِ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ وَرُبَّمَا يَئُولُ الْإِنْكَارُ إلَى أَمْرٍ مُحَرَّمٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[مَسَائِلُ الْجُمُعَةِ]
[الْعَدَد المشترط فِي الْجُمُعَةَ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْجُمُعَةِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْجَمَاعَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمْ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَوَّلِ الْخُطْبَةِ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ مَعَ صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ إذَا كَانَ الْبَعْضُ مِنْهُمْ شَافِعِيًّا وَنَوَى إعَادَةَ الْجُمُعَةِ فَهَلْ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ لِلْمَالِكِيِّينَ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ إنْ أَمْكَنَتْ أَوْ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ لِلْمَالِكِيِّينَ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ إعَادَتُهَا جُمُعَةً إنْ أَمْكَنَتْ وَإِلَّا فَظُهْرًا لِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْبَعْضِ الشَّافِعِيِّ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ وَلَوْ قَلَّدَ إمَامَنَا مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَنْ سَائِرِ أَئِمَّةِ الدِّينِ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ حَيْثُ أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ نَاوِيًا إعَادَتَهَا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِيَّةِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْإِرْشَادِ عَلِيٌّ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ
стр. 137
قَوْلِ أَبِي الضِّيَاءِ سَيِّدِي خَلِيلٍ وَنُدِبَ لِمَنْ لَمْ يُحَصِّلْهُ أَنْ يُعِيدَ مُفَوِّضًا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِيمَنْ طَرَأَتْ لَهُ نِيَّةُ الْإِعَادَةِ عَلَى وَجْهِ الْفَرْضِيَّةِ بَعْدَمَا نَوَى فَرْضَ الصَّلَاةِ سَوَاءٌ طَرَأَتْ فِيهَا أَوْ بَعْدَهَا وَأَمَّا إنْ حَصَلَتْ لَهُ حَالَ نِيَّةِ الْأُولَى فَلَا تُجْزِئُ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ وَنَقَلَ الْمَوَّاقُ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ ثَوْبَيْهِ فَيَتَحَرَّى مَا نَصُّهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَسْت أَنَا أَرَى ذَلِكَ بَلْ يُصَلِّي فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُمَّ يُعِيدُ فِي الْآخَرِ مَكَانَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ وُجِدَ طَاهِرًا.
ابْنُ رُشْدٍ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ لَمْ يُجْزَمْ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهَا فَرْضُهُ وَكَذَا إذَا أَعَادَهَا فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ لَمْ تَخْلُصْ النِّيَّةُ لِلْفَرْضِ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَوَى أَنَّهَا صَلَاتُهُ إنْ كَانَ هَذَا الثَّوْبُ هُوَ الثَّوْبُ الطَّاهِرُ وَنَحْوُ هَذَا لِابْنِ يُونُسَ فِي جَامِعِ الْقَوْلِ فِي الْإِمَامَةِ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى أَنْ يُعِيدَهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تُجْزِئَهُ انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَنَقَلَ الْمَوَّاقُ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ وَأَعَادَ بِوَقْتِ مَا يُنَاسِبُ هَذَا وَنَصُّهُ فِيهَا لِمَالِكٍ إذَا أَيْقَنْت أَنَّ الْإِمَامَ قَدَرِيٌّ أَوْ حَرُورِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَلَا تُصَلِّ خَلْفَهُمْ وَلَا الْجُمُعَةَ فَإِنْ أَيْقَنْتَهُ وَخِفْتَهُ فَصَلِّ مَعَهُ وَأَعِدْ ظُهْرًا وَوَقَفَ مَالِكٌ فِي إعَادَةِ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مُبْتَدِعٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ ابْنُ يُونُسَ اُنْظُرْ قَوْلَهُ أَعِدْ ظُهْرًا مَعَ وُقُوفِهِ فِي إعَادَةِ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مُبْتَدِعٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي صَلَّى تَقِيَّةً صَلَّى عَلَى أَنْ يُعِيدَ وَمَنْ صَلَّى عَلَى أَنْ يُعِيدَ لَا تُجْزِئُهُ الْأُولَى.
وَأَمَّا الَّذِي وَقَفَ فِيهِ مَالِكٌ فَقَدْ قَصَدَ الِائْتِمَامَ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا فَرْضُهُ وَلَا يُعِيدُ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ اهـ.
وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ وَمَنْ صَلَّى عَلَى أَنْ يُعِيدَ لَا تُجْزِئُهُ الْأُولَى فَإِنَّهَا قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ وَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْ مَسْأَلَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ الْمَذْكُورَةِ انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنْ كَلَامِ الْأُجْهُورِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَوْمٍ قَلِيلِينَ نَزَلُوا فِي أَرْضِ زِرَاعَةٍ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ مِنْ قُرَى مِصْرَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْضِ الَّتِي أَذِنَ فِي عِمَارَتِهَا الْحَاكِمُ وَتُسَمَّى أَبْعَدِيَّةً وَبَنَوْا قَرْيَةً، وَبَنَى مَعَهُمْ نَاسٌ مُتَغَرِّبُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ وَبَنَوْا مَسْجِدًا فَهَلْ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت: نَعَمْ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ لِأَنَّ قُرَى مِصْرَ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ غَالِبًا وَحِينَئِذٍ فَبَيْنَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الْمُحْدَثَةِ وَبَيْنَ إحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَرَفَةَ الِاتِّفَاقَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إحْدَاثِهَا بِقُرْبِهَا بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ كَمَا نَقَلَهُ التَّتَّائِيُّ وَنَصَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُهَا بِقُرْبِهَا بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ اتِّفَاقًا وَفِي جَوَازِهِ بِأَزْيَدَ مِنْهَا أَوْ بِبُعْدِهَا بِسِتَّةِ أَمْيَالٍ ثَالِثُهَا بَرِيدٌ لِلْبَاجِيِّ وَيَحْيَى بْنِ عُمَرَ وَابْنِ حَبِيبٍ مَعَ نَقْلِ الشَّيْخِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ وَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِّ لِكُلِّ قَرْيَةٍ أَنْ يَجْمَعُوا وَلَوْ قَرِبُوا وَلَا نَصَّ فِي مَنْعِهِ قُصُورٌ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 138
مَا قَوْلُكُمْ) فِي أَهْلِ بَلَدٍ تَخَرَّبَ جَامِعُهُمْ فَأَحْدَثُوا جَامِعًا آخَرَ وَأَقَامُوا فِيهِ الْجُمُعَةَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ ثُمَّ أَصْلَحُوا الْجَامِعَ الْعَتِيقَ فَهَلْ يُقِيمُونَ الْجُمُعَةَ فِي الْعَتِيقِ أَوْ فِي الْجَدِيدِ أَوْ فِيهِمَا وَالْحَالُ أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ يَكْفِيهِمْ جَامِعٌ وَاحِدٌ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ يُقِيمُونَهَا فِي الْعَتِيقِ وَحْدَهُ وَلَوْ لَمْ يُصْلِحُوهُ لِقَوْلِ الْإِمَامِ ابْنِ رُشْدٍ تَخَرُّبُ الْجَامِعِ وَانْهِدَامُهُ لَا يُزِيلُ عَنْهُ الْحُكْمَ وَلَا الِاسْمَ اهـ فَإِنْ أَقَامُوهَا فِي الْجَدِيدِ وَحْدَهُ صَحَّتْ وَإِنْ أَقَامُوهَا فِيهِمَا صَحَّتْ لِأَهْلِ الْعَتِيقِ دُونَ أَهْلِ الْجَدِيدِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ جَامِعَانِ أُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ فِي الْأَقْدَمِ فَإِنْ أُقِيمَتْ فِي الْأَحْدَثِ وَحْدَهُ أَجْزَأَتْ فَإِنْ أُقِيمَتْ فِيهِمَا مَعًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ أَجْزَأَتْ مَنْ صَلَّاهَا فِي الْأَقْدَمِ وَأَعَادَهَا الْآخَرُونَ قَالَهُ مَالِكٌ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[اللَّحْنُ فِي الْخُطْبَةِ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي خَطِيبٍ ادَّعَى بَعْضُ أَعْدَائِهِ مِنْ الطَّلَبَةِ أَنَّهُ يَلْحَنُ فِي خُطْبَتِهِ وَأَنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ مِنْ الْخُطْبَةِ بِذَلِكَ يُرِيدُ ذَلِكَ الْمُدَّعِي أَنْ يَتَوَلَّاهَا هُوَ فَهَلْ عَلَى تَسْلِيمِ دَعْوَاهُ اللَّحْنَ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْعَزْلِ أَوْ لَا خُصُوصًا وَالْجَمَاعَةُ يُحِبُّونَ خَطِيبَهُمْ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّحْنُ فِي الْخُطْبَةِ لَيْسَ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ وَلَا مُوجِبًا لِعَزْلِ الْخَطِيبِ كَيْفَ وَالرَّاجِحُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ مَعَ اللَّحْنِ فِي نَفْسِ الْفَاتِحَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمَجْمُوعِ حَيْثُ قَالَ وَصَحَّ بِلَا لَحْنٍ اهـ. وَلَمْ أَرَ مَنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ اللَّحْنِ فِي الْخُطْبَةِ مِنْ مَنْدُوبَاتِهَا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهَا مِنْ سُنَنِهَا وَعَنْ كَوْنِهَا مِنْ وَاجِبَاتِهَا فَعَلَى الْجَمَاعَةِ أَنْ يُعْرِضُوا عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءِ وَلَا يَلْتَفِتُوا لِكَلَامِهِمْ وَيَنْهَوْهُمْ عَنْ مُنْكَرِهِمْ إنْ ظَنُّوا الْإِفَادَةَ وَإِلَّا وَكَّلُوا أَمْرَهُمْ إلَى اللَّهِ فَسَيَنْتَقِمُ مِنْهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ. .
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ عَتِيقٍ أُحْدِثَ لِعَدَاوَةٍ ثُمَّ خَرِبَ لِعَدَمِ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِهِ لِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ أَحْدَثُوهُ مَاتَ بَعْضُهُمْ وَتَسَحَّبَ بَعْضُهُمْ وَبَعْضُهُمْ فِي الْبَلْدَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ إذَا حَضَرَ مَنْ تَسَحَّبَ وَتَيَسَّرَ الْبَاقِي وَفِيهِمْ الْكِفَايَةُ لِأَعْدَائِهِمْ وَجَدَّدُوهُ لِلْعَدَاوَةِ الْكَامِنَةِ فِي أَنْفُسِهِمْ تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَلَا عِبْرَةَ بِمِنْ يَقُولُ لَا تَصِحُّ فِيهِ لِكَوْنِ حَاكِمِ مِصْرَ الْآنَ مَانِعَهُمْ مِنْ إظْهَارِ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ الْمُعْتَبَرُ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ إذَا كَانُوا مَمْنُوعِينَ مِنْ إظْهَارِ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ خَوْفًا مِنْ الْحَاكِمِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي إبَاحَةِ إحْدَاثِ جَامِعٍ غَيْرِ الْعَتِيقِ خَوْفُ الْفِتْنَةِ لَا الْعَدَاوَةُ الْبَاطِنِيَّةُ الَّتِي لَا يُخْشَى مَعَهَا فِتْنَةٌ وَقِتَالٌ فِي الظَّاهِرِ كَمَا هُوَ
стр. 139
صَرِيحُ قَوْلِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الْإِمَامِ الْأَمِيرِ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ. وَاعْلَمْ أَنَّ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْقَوْمِ إنْ اجْتَمَعُوا فِي مَسْجِدٍ تُبِيحُ التَّعَدُّدَ كَالضَّيِّقِ اهـ. وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ دَخَلَ الْجَامِعَ بَعْدَ أَنْ رَفَعَ الْإِمَامُ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَهَلْ يَدْخُلُ مَعَهُ وَإِذَا قُلْتُمْ بِدُخُولِهِ مَعَهُ فَكَيْفَ يَصْنَعُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يَدْخُلُ مَعَهُ وُجُوبًا نَاوِيًا الظُّهْرَ لِئَلَّا يَطْعَنَ عَلَى الْإِمَامِ وَبَعْدَ سَلَامِهِ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بَانِيًا عَلَى إحْرَامِهِ اتِّفَاقًا إنْ عَلِمَ أَنَّهَا الثَّانِيَةُ فَإِنْ ظَنَّهَا الْأُولَى فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا الثَّانِيَةُ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى إحْرَامِهِ أَرْبَعًا وَاسْتَحَبَّ هُوَ أَنْ يُجَدِّدَ إحْرَامَهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَوْ أَحْرَمَ فِي الْجُمُعَةِ إثْرَ رَفْعِ الْإِمَامِ مِنْ الرُّكُوعِ ظَانًّا أَنَّهُ فِي الْأُولَى فَبَانَ أَنَّهُ فِي الثَّانِيَةِ، فَرَوَى مُحَمَّدُ يَبْنِي عَلَى إحْرَامِهِ أَرْبَعًا وَاسْتُحِبَّ أَنْ يُجَدِّدَ إحْرَامَهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ أَدْرَكَ الْجُلُوسَ فَقَطْ صَلَّى أَرْبَعًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ أَحْرَمَ انْتَهَى.
ابْنُ رُشْدٍ لَا يُؤَخِّرُ إحْرَامَهُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَإِنْ أَدْرَكَ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ انْتَهَى.
وَفِي الْمُخْتَصَرِ وَكَبَّرَ الْمَسْبُوقُ لِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ بِلَا تَأْخِيرٍ قَالَ التَّتَّائِيُّ تَعْبِيرُهُ بِالْفِعْلِ يَظْهَرُ مِنْهُ الْوُجُوبُ لِخَبَرِ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» اهـ.
قَالَ الرَّمَاصِيُّ الْوُجُوبُ يُنْصَبُ لِقَوْلِهِ بِلَا تَأْخِيرٍ أَيْ يُكَبِّرُ عَاجِلًا وُجُوبًا وَلَا يُؤَخِّرُ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ انْتَهَى.
وَفِي الْمَجْمُوعِ وَدَخَلَ مَنْ لَمْ يُعِدْ لَهَا وَإِنْ بِسُجُودٍ وَتَشَهُّدٍ اهـ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[إمَامٍ صَلَّى الْجُمُعَةَ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ سُجُودٌ قَبْلِي عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ وَسَجَدَهُ الْمَأْمُومُ دُونَ الْإِمَامِ جَهْلًا]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي إمَامٍ صَلَّى الْجُمُعَةَ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ سُجُودٌ قَبْلِي عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ وَسَجَدَهُ الْمَأْمُومُ دُونَ الْإِمَامِ جَهْلًا فَهَلْ تَبْطُلُ عَلَى الْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِينَ كَمَا فِي إحْدَى الْمَسَائِلِ أَوْ عَلَى الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ إذَا بَطَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْجُمُعَةِ وَهُوَ الْإِمَامُ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ تَبْطُلُ عَلَى الْجَمِيعِ لِمَا ذُكِرَ وَمَسَائِلُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي غَيْرِ مَا الْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِيهِ ذَكَرَهُ عَبْدُ الْبَاقِي وَنَصُّهُ بَعْدَ عَدِّهَا إحْدَى عَشَرَةَ ثُمَّ الْإِحْدَى عَشَرَةَ فِي غَيْرِ مَا الْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِيهِ وَإِلَّا كَالْجُمُعَةِ وَالْجَمْعِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ أَيْضًا اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي مَسْجِدٍ أُحْدِثَ فِي بَلْدَةٍ صَغِيرَةٍ لِغَيْرِ عَدَاوَةٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ تَشَاجُرٍ وَأُزِيلَ بَيْنَهُمَا فَهَلْ تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ مَعَ وُجُودِ الْعَتِيقِ عَامِرًا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا تَصِحُّ فِي الْمَسْجِدِ
стр. 140
الْمُحْدَثِ الْجُمُعَةُ مَعَ إقَامَتِهَا فِي الْعَتِيقِ لِقَوْلِ إمَامِنَا مَالِكٍ ﵁ وَعَنَّا بِهِ، إنْ أُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ فِي الْعَتِيقِ وَالْجَدِيدِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ أَجْزَأَتْ مَنْ صَلَّاهَا فِي الْأَقْدَمِ وَأَعَادَهَا الْآخَرُونَ نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي بَلْدَةٍ حَدَثَتْ فِيهَا عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ غَيْرُ جَامِعٍ وَاحِدٍ وَزَاوِيَةٌ وَأَهْلُ الزَّاوِيَةِ يَخَافُونَ إنْ ذَهَبُوا لِلْجَامِعِ فَهَلْ يَسُوغُ لَهُمْ إحْدَاثُ خُطْبَةٍ فِي تِلْكَ الزَّاوِيَةِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يَسُوغُ لَهُمْ إحْدَاثُ خُطْبَةٍ فِي تِلْكَ الزَّاوِيَةِ إنْ خَافُوا بِذَهَابِهِمْ لِلْجَامِعِ الْقِتَالَ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَاكِمٌ يَمْنَعُهُمْ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا بُدَّ أَيْضًا أَنْ يَكُونُوا اثْنَيْ عَشَرَ فَأَكْثَرَ مُسْتَوْفِينَ لِشُرُوطِ وُجُوبِهَا وَإِلَّا فَهِيَ سَاقِطَةٌ عَنْهُمْ وَلَا يَسُوغُ لَهُمْ الْأَحْدَاثُ قَالَ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ وَاعْلَمْ أَنَّ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْقَوْمِ إنْ اجْتَمَعُوا فِي مَسْجِدٍ تُبِيحُ التَّعَدُّدَ كَالضَّيِّقِ وَأَمَّا خَوْفُ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَهُوَ مِنْ الْأَعْذَارِ الْآتِيَةِ وَلَا يُحْدَثُ لَهُ مَسْجِدٌ أَوْ يَأْخُذُ مَعَهُ جَمَاعَةٌ اهـ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ الْوَاحِدِ أَحَدَ عَشَرَ فَأَقَلُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ عَنْ أَهْلِ بَلَدٍ بَنَوْا مَسْجِدًا غَيْرَ الْعَتِيقِ لِعَدَاوَةٍ حَدَثَتْ بَيْنَهُمْ وَقُلْتُمْ بِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ فِيهِ هَلْ تَسْتَمِرُّ الصِّحَّةُ وَلَوْ زَالَتْ الْعَدَاوَةُ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إذَا زَالَتْ الْعَدَاوَةُ لَمْ يَجُزْ تَعَدُّدُ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ مُتَوَطِّنٍ بِبَلَدِ جُمُعَةٍ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فِي بَلَدٍ أُخْرَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ كَفَرْسَخٍ فَهَلْ تَصِحُّ خُطْبَتُهُ فِيهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ تَصِحُّ خُطْبَتُهُ بِهَا إنْ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ أَقَلُّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، قَالَ الْأُجْهُورِيُّ وَقَالَ الشَّارِحُ فِي بَابِ الْقَصْرِ: السَّفَرُ هُنَا وَفِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَاحِدٌ وَعَلَى هَذَا فَلَا تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ إلَّا عَمَّنْ سَافَرَ الْقَصْرَ وَمَنْ سَافَرَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ إنْ كَانَ وَقْتَ النِّدَاءِ بِبَلَدِ الْجُمُعَةِ أَوْ مَارًّا بِهَا أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ لِمَنْ كَانَ مُسَافِرًا مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى بَيْنَهُمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِي الْجُمُعَةِ فِي الْقَرْيَةِ الَّتِي سَافَرَ إلَيْهَا لِأَنَّهُ مُقِيمٌ إذْ الْمُرَادُ بِالْمُقِيمِ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُسَافِرٍ سَفَرَ الْقَصْرِ اهـ.
ثُمَّ قَالَ وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ سَافَرَ مِنْ بَلَدِ جُمُعَةٍ سَفَرًا لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِي سَفَرِهِ هَذَا بِأَيِّ مَحَلٍّ حَلَّ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا لَا مُتَوَطِّنًا اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 141
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَرْيَةٍ فِيهَا مَسْجِدَانِ أَحَدُهُمَا عَتِيقٌ وَالْآخَرُ جَدِيدٌ وَالْجُمُعَةُ تُقَامُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ الْمَوْجُودُونَ فِيهَا الْآنَ لَا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ فِي إحْدَاثِ الْجَدِيدِ لِأَنَّهُ قَدْ مَضَى لَهُ مِنْ السِّنِينَ مِائَةُ سَنَةٍ وَزِيَادَةٌ فَهَلْ لَا يُكَلَّفُونَ بِمَعْرِفَةِ السَّبَبِ، وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ صَحِيحَةٌ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ.
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يُكَلَّفُونَ بِالْبَحْثِ عَنْ سَبَبِ إحْدَاثِ الْجَدِيدِ وَإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِيهِ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُهُ خُصُوصًا وَالْعَادَةُ جَرَتْ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ وَلَيْسَ بَعْدَ الْعِيَانِ بَيَانٌ وَطُولُ الْمُدَّةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ عِلْمِ السَّبَبِ فَإِنَّهُ مُنْحَصِرٌ فِي أَمْرَيْنِ ضِيقِ الْعَتِيقِ وَعَدَمِ إمْكَانِ تَوْسِعَتِهِ، وَالْعَدَاوَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْبَلَدِ وَهُمَا حِسِّيَّانِ لَا يُجْهَلَانِ وَلَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ جِدًّا وَأَمَّا حُكْمُ الْمُخَالِفِ الْمَبْنِيِّ عَلَى التَّعْلِيقِ فَلَيْسَ سَبَبًا وَإِنَّمَا هُوَ مُصَحَّحٌ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ فِي غَيْرِ الْأَمْصَارِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ السَّبَبَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ فَإِذَا حَصَلَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ وَأُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ فِي الْجَدِيدِ لِأَجْلِهِ ثُمَّ زَالَ بِأَنْ قَلَّ أَهْلُ الْبَلَدِ وَوَسِعَهُمْ الْعَتِيقُ أَوْ زَالَتْ الْعَدَاوَةُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي الْعَتِيقِ.
[هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْخَطِيبِ أَنْ يَفْهَمَ مَعْنَى مَا يَقُولُ]
(مَسْأَلَةٌ) هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْخَطِيبِ أَنْ يَفْهَمَ مَعْنَى مَا يَقُولُ فَلَا تَصِحُّ خُطْبَةُ مَنْ لُقِّنَ أَلْفَاظًا لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا لِعُجْمَةٍ وَنَحْوِهَا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْخُطْبَةِ فَهْمُ الْخَطِيبِ مَعْنَاهَا قَالَ فِي الْوُضُوءِ لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ الْخَطِيبُ مَعْنَى مَا يَقُولُ فَلَا يَكْفِي أَعْجَمِيٌّ لُقِّنَ مِنْ غَيْرِ فَهْمٍ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا
فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَفْهَمُ فَالظَّاهِرُ سُقُوطُ الْجُمُعَةِ عَنْهُمْ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْخُطْبَةِ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ مُسْتَقِلًّا أَوْ عَنْ الِاعْتِدَالِ فَخَطَبَ الْجُمُعَةَ وَاسْتَنَابَ عَلَى الصَّلَاةِ فَهَلْ لَا تَصِحُّ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا تَصِحُّ لِقَوْلِ خَلِيلٍ وَبِكَوْنِهِ الْخَاطِبَ وَقَوْلِهِ إلَّا لِعُذْرٍ قَيَّدَهُ شَارِحُوهُ وَمُحَشُّوهُ بِالطَّارِئِ فِي الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَفِي سَمَاعِ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ إذَا ضَعُفَ الْإِمَامُ عَنْ الْخُطْبَةِ فَلَا يُصَلِّي بِهِمْ وَيَخْطُبُ غَيْرُهُ وَلْيُصَلِّ الَّذِي
стр. 142
أَمَرَهُ بِالْخُطْبَةِ وَيُصَلِّي الْأَمِيرُ خَلْفَهُ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مُنْضَمَّةٌ لِلصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَفَرَّقَا عَلَى إمَامَيْنِ بِالْقَصْدِ اهـ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَالِكٍ إنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ فَلْيَسْتَحْلِفْ اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ وَجَدَ كَوْمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَرْيَةِ الْعَامِرَةِ فَرْسَخٌ وَنِصْفٌ فِي الْبَرِّ وَثُلُثَا فَرْسَخٍ فِي الْبَحْرِ وَبِهِ نَاسٌ بَانُونَ وَقَاطِنُونَ فِيهِ فَبَنَى فِيهِ أَيْضًا دُوَّارًا وَأَنْشَأَ بُسْتَانًا وَحَضَرَ نَاسٌ وَبَنَوْا أَيْضًا، وَأَقَامُوا بِعِيَالِهِمْ وَبَنَى فِيهِ جَامِعًا وَمَدَافِنَ لِلْأَمْوَاتِ فَهَلْ يَصِحُّ لِلْمُقِيمِينَ بِتِلْكَ الْأَبْنِيَةِ الَّتِي فِي الْكَوْمِ أَنْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَلَا يَلْزَمُهُمْ الذَّهَابُ إلَى مَسْجِدِ الْقَرْيَةِ الْعَامِرَةِ وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ فِي الْعِزْبَةِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ صَحَّ وَثَبَتَ أَنَّ بَيْنَ الْكَوْمِ الْمَذْكُورِ وَالْقَرْيَةِ الَّتِي فِيهَا جَامِعُ الْجُمُعَةِ فَرْسَخًا وَنِصْفُهُ وَذَلِكَ مِقْدَارُ سَيْرِ الْإِبِلِ الْمُثْقَلَةِ بِالْأَحْمَالِ سَاعَتَيْنِ وَرُبْعَ سَاعَةٍ وَكَذَا بَيْنَهُ وَكُلِّ قَرْيَةٍ غَيْرِ الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الْقُرَى الْمُحِيطَةِ بِهِ الَّتِي فِيهَا جَامِعُ جُمُعَةٍ الْمَسَافَةُ الْمَذْكُورَةُ وَاسْتَوْطَنَهُ الْجَمَاعَةُ الْمُقِيمُونَ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْوُونَ الِانْتِقَالَ مِنْهُ أَبَدًا وَكَانُوا يَأْمَنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ دَائِمًا حَالَ اسْتِيطَانِهِمْ لَهُ بِحَيْثُ يَدْفَعُونَ عَنْ ذَلِكَ مَنْ أَتَاهُمْ مِنْ الْأَعْدَاءِ غَالِبًا وَتَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِعَدَدٍ خَاصٍّ وَأَذِنَ لَهُمْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الْجَامِعِ الَّذِي أَحْدَثُوهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَصَحَّتْ مِنْهُمْ بِاسْتِيفَاءِ بَاقِي شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا فِيهِ وَلَا يَلْزَمُهُمْ الذَّهَابُ إلَى جَامِعِ قَرْيَةٍ أُخْرَى وَالْمَعْرُوفُ الْمَشْهُورُ أَنَّ بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ مِنْ قُرَى رِيفِ مِصْرَ الَّتِي فِي أَرْضِ الزِّرَاعَةِ سَاعَةً غَالِبًا، وَقَدْ يَنْقُصُ أَوْ يَزِيدُ عَنْهَا قَلِيلًا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنَّ بَيْنَ الْكَوْمِ الْمَذْكُورِ وَكُلِّ قَرْيَةٍ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ فَرْسَخًا وَنِصْفَهُ الْمُقَدَّرَ بِسَاعَتَيْنِ، وَرُبْعِ سَاعَةٍ وَهُوَ بَيْنَهَا فِي أَرْضِ الزِّرَاعَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهَا بِقُرْبِهَا بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ اتِّفَاقًا وَفِي جَوَازِهِ بِأَزْيَدَ مِنْهَا أَوْ بِبُعْدِهَا بِسِتَّةِ أَمْيَالٍ ثَالِثُهَا بِبَرِيدٍ لِلْبَاجِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ بَشِيرٍ وَيَحْيَى بْنِ عُمَرَ وَابْنِ حَبِيبٍ مَعَ نَقْلِ الشَّيْخِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِّ لِكُلِّ قَرْيَةٍ أَنْ يَجْمَعُوا وَلَوْ قَرِبُوا وَلَا نَصَّ فِي مَنْعِهِ قُصُورٌ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي أَهْلِ قَرْيَةٍ بِهَا جَامِعٌ عَتِيقٌ انْهَدَمَ فَتَرَكُوهُ ثُمَّ أَقَامُوا الْجُمُعَةَ فِي زَاوِيَةٍ مُدَّةً مِنْ السِّنِينَ ثُمَّ بَنَوْا جَامِعًا آخَرَ قَرِيبًا مِنْ الْعَتِيقِ وَنَقَلُوا الْجُمُعَةَ مِنْ الزَّاوِيَةِ إلَيْهِ نَحْوَ ثَمَانِ سِنِينَ ثُمَّ هَدَمُوهُ وَبَنَوْا الْعَتِيقَ وَضَيَّقُوهُ عَنْ أَصْلِهِ وَأَقَامُوا الْجُمُعَةَ فِيهِ مَعَ إقَامَتِهَا فِي الْجَدِيدِ فَمَا الْحُكْمُ.
стр. 143
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ فِي الْعَتِيقِ وَلَمْ تَصِحَّ فِي الْجَدِيدِ مَعَ إقَامَتِهَا فِي الْعَتِيقِ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ جَامِعَانِ أُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ فِي الْأَقْدَمِ فَإِنْ أُقِيمَتْ فِي الْأَحْدَثِ وَحْدِهِ أَجْزَأَتْ فَإِنْ أُقِيمَتْ فِيهِمَا مَعًا مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ أَجْزَأَتْ مَنْ صَلَّاهَا فِي الْأَقْدَمِ وَأَعَادَهَا الْآخَرُونَ قَالَهُ مَالِكٌ وَإِنْ لَمْ يَجْزِهِمْ جَامِعٌ جَازَ أَنْ يُصَلَّى فِي جَامِعِينَ اهـ ابْنُ رُشْدٍ الْمَسْجِدُ إذَا انْهَدَمَ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ التَّسْمِيَةِ وَالْحُكْمِ فِيهِ اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي جَمَاعَةٍ سَكَنُوا جَزِيرَةً وَسَطَ الْبَحْرِ وَبَنَوْا فِيهَا مَسْجِدًا وَفِي الْبَرِّ جَامِعٌ عَتِيقٌ لَا يُمْكِنُهُمْ الْوُصُولُ إلَيْهِ إلَّا فِي سَفِينَةٍ فَهَلْ لَهُمْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أَحْدَثُوهُ بِالْجَزِيرَةِ إنْ تَوَفَّرَتْ شُرُوطُهَا فِيهِمْ أَوْ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي الْجَامِعِ الْعَتِيقِ وَالْبَحْرُ يَعْلُو تِلْكَ الْجَزِيرَةَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ الْبَحْرُ حِينَ يَعْلُوهَا يَمْنَعُ مِنْ سُكْنَاهَا وَيُوجِبُ الِانْتِقَالَ مِنْهَا حَتَّى يَنْزِلَ عَنْهَا فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا شَرْطُ الِاسْتِيطَانِ فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِيهَا بِحَالٍ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجَامِعِ الْعَتِيقِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ أَوْ أَقَلُّ فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ صَحَّتْ فِي مَسْجِدِهَا إنْ اسْتَوْفَتْ الشُّرُوطَ وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَرْيَةٍ تُقَامُ فِيهَا جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ وَأَهْلُهَا الْمُخَاطَبُونَ بِهَا نَحْوُ أَرْبَعِمِائَةٍ وَالْعَتِيقُ يَسَعُهُمْ وَزِيَادَةً وَأَرَادُوا إقَامَةَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ مُسْتَنِدِينَ لِقَوْلِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بِجَوَازِ التَّعَدُّدِ فِي الْبَلَدِ الْكَبِيرِ، وَقَوْلُ الْعَدَوِيِّ الْعَمَلُ الْآنَ عَلَى خِلَافِ الْمَشْهُورِ فَهَلْ تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِي الْجَدِيدِ مَعَ الْعَتِيقِ وَهَلْ إذَا حَكَمَ شَافِعِيٌّ بِصِحَّتِهَا عَلَى مَذْهَبِهِ يَرْفَعُ حُكْمُهُ الْخِلَافَ وَتَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَدِيدِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - وَقَوْلُ الْإِمَامِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ وَالْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ إنَّمَا هُوَ فِي مِثْلِ مِصْرَ وَبَغْدَادَ وَهُوَ قَوْلٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مُقَابِلَةٍ لِلْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ وَلَكِنْ جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي مِثْلِ مِصْرَ وَبَغْدَادَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْعَدَوِيِّ الْعَمَلُ الْآنَ عَلَى خِلَافِ الْمَشْهُورِ وَنُقِلَ عَنْ النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ أَنَّ قَوْلَ التَّوْضِيحِ لَا أَظُنُّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي جَوَازِ التَّعَدُّدِ فِي مِثْلِ مِصْرَ وَبَغْدَادَ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْخِلَافَ مَوْجُودٌ فِي مِثْلِ مِصْرَ وَبَغْدَادَ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عَدَمُ جَوَازِ التَّعَدُّدِ.
قَالَ الْعَدَوِيُّ لَكِنَّ الْعَمَلَ الْآنَ جَارٍ بِقَوْلِ
стр. 144
يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بِجَوَازِهِ فِي مِثْلِ مِصْرَ وَبَغْدَادَ الْمُخَالِفِ لِلْمَشْهُورِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ يَحْيَى قَصَرَ الْجَوَازَ عَلَى مَسْجِدَيْنِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَيَأْتِي نَصُّهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِوُجُودِ قَوْلٍ بِجَوَازِ التَّعَدُّدِ مُطْلَقًا فِي الْمَذْهَبِ وَلَا مَنْ أَشَارَ إلَيْهِ وَلَوْ وُجِدَ لَأَفْتَى بِهِ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ وَلَمْ يَحْتَجْ لِحِيلَةِ التَّعْلِيقِ وَقَدْ لَخَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَحَصَرَهُ فِي أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: مَنْعُ التَّعَدُّدِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَجَوَازُهُ فِي مِثْلِ مِصْرَ وَبَغْدَادَ بِمَسْجِدَيْنِ فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَيَحْيَى بْنِ عُمَرَ وَجَوَازُهُ كَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْجَانِبَيْنِ كَبَغْدَادَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَصَّارِ وَجَوَازُهُ بِمَسْجِدَيْنِ إنْ كَثُرُوا جِدًّا حَتَّى بَعُدَ الْمُصَلُّونَ فِي الْأَفْنِيَةِ وَالطُّرُقِ وَهُوَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَنَصُّهُ وَلَا تُقَامُ فِي مَوْضِعَيْ مِصْرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَيَحْيَى بْنُ عُمَرَ إنْ عَظُمَ كَمِصْرِ وَبَغْدَادَ فَلَا بَأْسَ بِهَا بِمَسْجِدَيْنِ ابْنُ الْقَصَّارِ إنْ كَانَتْ ذَاتَ جَانِبَيْنِ كَبَغْدَادَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَثُرُوا وَبَعُدَ الْمُصَلُّونَ بِأَفْنِيَتِهِ وَعَلَى الثَّانِي إنْ أُقِيمَتَا فَفِيهَا الصَّحِيحَةُ ذَاتُ الْعَتِيقِ اهـ.
وَحُكْمُ الشَّافِعِيِّ بِصِحَّتِهَا فِي الْجَدِيدِ مَعَ الْعَتِيقِ لَا يُوَافِقُ قَوْلَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَنْعِ تَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ فِي الْبَلَدِ مُطْلَقًا فَهُوَ حُكْمٌ بَاطِلٌ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي أَهْلِ بَلَدٍ يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ فِي مَسْجِدِهِ الْعَتِيقِ مَعَ تَهَدُّمِ بِنَائِهِ وَاتِّسَاعِهِ لَهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَ بَعْضُ قُدَمَائِهِمْ بِأَنَّ بِهِ مَسْجِدًا آخَرَ أَقْدَمَ مِنْ هَذَا انْدَرَسَ وَاُتُّخِذَا دُورًا لِلسُّكْنَى فَهَدَمُوا تِلْكَ الدُّورَ وَحَفَرُوا مَوْضِعَهَا فَوَجَدُوا عَلَامَاتِ الْمَسْجِدِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ مِنْ بِئْرٍ وَمَغْطِسٍ وَمَجَارٍ وَجُدْرَانٍ فَبَنُوهُ الْبِنَاءَ الْمُعْتَادَ لَهُمْ وَصَلَّوْا الْجُمُعَةَ فِيهِ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْمُتَهَدِّمِ الَّذِي كَانُوا مُقْتَصِرِينَ عَلَى الصَّلَاةِ فِيهِ قَبْلَ تَجْدِيدِ هَذَا ثُمَّ جَدَّدُوا الْمُتَهَدِّمَ أَيْضًا ثُمَّ أُحْدِثَ مَسْجِدٌ ثَالِثٌ وَصُلِّيَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ أَيْضًا مَعَ صَلَاتِهَا فِي الْأَوَّلَيْنِ مَعَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَسَعُ جَمِيعَ أَهْلِ الْبَلَدِ الْمُكَلَّفِينَ بِهَا فَمَا الْحُكْمُ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي الْجَامِعِ الَّذِي كَانَ مُنْدَرِسًا وَجُدِّدَ مَا دَامَتْ تُصَلَّى فِيهِ وَإِنْ صُلِّيَتْ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَهُجِرَ غَيْرُهُ صَحَّتْ سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّانِيَ أَوْ الثَّالِثَ وَإِنْ صُلِّيَتْ فِي اثْنَيْنِ وَهُجِرَ الثَّالِثُ صَحَّتْ مِنْ أَهْلِ الْعَتِيقِ مِنْهُمَا وَإِنْ صُلِّيَتْ فِي الثَّلَاثَةِ فَلَا تَصِحُّ إلَّا لِأَهْلِ الَّذِي جُدِّدَ بَعْدَ انْدِرَاسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[صَلَّى الْجُمُعَةَ خَلْفَ غَيْرِ الْخَاطِبِ لِغَيْرِ عُذْرٍ هَلْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَوْبَطَلَتْ فَيُصَلِّيهَا ظُهْرًا]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ خَلْفَ غَيْرِ الْخَاطِبِ لِغَيْرِ عُذْرٍ هَلْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَوْ بَطَلَتْ فَيُصَلِّيهَا ظُهْرًا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ الْإِمَامُ الَّذِي صَلَّى الْجُمُعَةَ
стр. 145
مَالِكِيًّا فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِ بَاطِلَةٌ فَيَجِبُ قَضَاؤُهَا ظُهْرًا لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْجُمُعَةِ كَوْنَ الْإِمَامِ الْخَاطِبَ إلَّا لِعُذْرٍ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ شَافِعِيًّا مَثَلًا وَمَذْهَبُهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ فِيهَا فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِ صَحِيحَةٌ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِمَذْهَبِ الْإِمَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[صَلَّى الْجُمُعَةَ خَلْفَ شَافِعِيٍّ وَأَعَادَهَا الْإِمَامُ ظُهْرًا فَمَا حُكْمُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ الْمَالِكِيّ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ خَلْفَ شَافِعِيٍّ وَأَعَادَهَا الْإِمَامُ ظُهْرًا فَمَا حُكْمُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ الْمَالِكِيِّ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ الْمَالِكِيِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا ظُهْرًا لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ مُسَاوَاةَ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ صَلَاةَ إمَامِهِ فِي عَيْنِ الصَّلَاةِ وَصِفَتِهَا إلَّا النَّفَلَ خَلْفَ فَرْضٍ وَالْعِبْرَةُ فِي شَرْطِ الِاقْتِدَاءِ بِمَذْهَبِ الْمَأْمُومِ وَلَمَّا أَعَادَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ ظُهْرًا اُحْتُمِلَ أَنَّ الظُّهْرَ هِيَ فَرْضُ الْإِمَامِ وَالْجُمُعَةَ غَيْرُ فَرْضِهِ فَلَمْ تُسَاو صَلَاتُهُ بِصَلَاةِ الْمَأْمُومِ فِي تَعَيُّنِ الْفَرْضِيَّةِ وَلَزِمَ أَنَّهُ صَلَّى فَرْضًا يَقِينًا خَلْفَ مُحْتَمِلٍ لِلْفَرْضِيَّةِ وَالنَّفْلِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي جَامِعِ جُمُعَةٍ هَدَمَهُ الْبَحْرُ فَهَلْ تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِيهِ مَهْدُومًا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ مَهْدُومًا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ قَالَ لِأَنَّ هَدْمَهُ لَا يُزِيلُ عَنْهُ اسْمَ الْجَامِعِ وَلَا حُكْمَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُسَمَّى جَامِعًا ابْتِدَاءً إلَّا بِالْبِنَاءِ نَقَلَهُ عَنْهُ الْمَوَّاقُ وَالْحَطَّابُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَرْيَتَيْنِ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ صَغِيرٌ لَا يُجَاوَزُ إلَّا بِسُفُنٍ صِغَارٍ وَإِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ لَا يَسْتَغْنِي أَهْلُهَا عَنْ الْأُخْرَى بَلْ كُلُّ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ وَالْحَطَبِ وَالْعَيْشِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأُخْرَى وَفِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ جَامِعَانِ تُقَامُ الْجُمُعَةُ فِيهِمَا لَا يُعْرَفُ الْقَدِيمُ مِنْهُمَا ثُمَّ بُنِيَ فِي الْقَرْيَةِ الْأُخْرَى جَامِعَانِ وَأُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ فِيهِمَا فَهَلْ بِفَصْلِهِمَا بِالنَّهْرِ الْمَذْكُورِ يُعَدَّانِ بَلَدَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ فَلَا يَلْزَمُ السَّعْيُ مِنْ إحْدَاهُمَا لِجَامِعِ الْأُخْرَى وَتَصِحُّ فِي الْجَامِعَيْنِ الْجَدِيدِ أَوْ فِي الْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، الْفَصْلُ بِالنَّهْرِ لَا يُصَيِّرُهُمَا بَلَدَيْنِ كَمَا فِي بَغْدَادَ وَمِصْرَ وَغَيْرِهِمَا فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِي الْجَامِعَيْنِ الْجَدِيدَيْنِ مَا دَامَتْ تُصَلَّى فِي الْعَتِيقَيْنِ وَالْجَامِعَانِ الْعَتِيقَانِ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسَعُ أَهْلَ الْبَلَدِ وَلَمْ تُمْكِنْ تَوْسِعَتُهُ حَتَّى يَسَعَهُمْ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ فِيهِمَا وَإِلَّا فَالْأَحْوَطُ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ ظُهْرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
следующие страницы →