← Фикх малики

Фикх малики · id 21688

فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك

محمد بن أحمد عليش

Полный текст (808 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَالْأَطْرَوْنَ، وَلَيْسَ لَهُ بُخَارٌ يَصِلُ إلَى الْحَلْقِ وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ عَنْ السُّلَيْمَانِيَّة أَنَّ مَنْ تَبَخَّرَ بِدَوَاءٍ، وَوَجَدَ طَعْمَ دُخَانِهِ فِي حَلْقِهِ فَقَدْ أَفْطَرَ كَمَنْ اكْتَحَلَ أَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ، وَوَجَدَ طَعْم ذَلِكَ فِي حَلْقِهِ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ مَنْ اسْتَنْشَقَ بُخَارَ قِدْرِ الطَّعَامِ فَقَدْ أَفْطَرَ قَالُوا؛ لِأَنَّ بُخَارَ الطَّعَامِ لَهُ جِسْمٌ يَتَقَوَّى بِهِ الدِّمَاغُ فَيَحْصُلُ بِهِ مِثْلُ مَا يَحْصُلُ بِالْأَكْلِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفَمَ أَقْرَبُ لِلْحَلْقِ مِنْ الْأَنْفِ، وَمِنْ مَسَامِّ الرَّأْسِ، وَأَوْسَعُ مِنْهُمَا، وَأَنَّ الْأَصْلَ، وَالْغَالِبَ، وَالْمُشْتَهَى الْإِيصَالُ مِنْهُ، وَأَنَّ الِانْتِهَاكَ بِهِ أَشَدُّ فَلِذَا قُصِرَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي حَادِثَةٍ فِي سَنَةِ إحْدَى وَثَمَانِينَ هِيَ أَنَّهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حَضَرَ خَبَرٌ مِنْ الشَّامِ فِي التِّلِغْرَافِ لِبَعْضِ الثُّغُورِ بِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الشَّامِ رُؤْيَةُ هِلَالِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْيَوْمِ الْحَاضِرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَفْتَى مُفْتِيهِ بِالْعَمَلِ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَالْحُكْمِ بِثُبُوتِ الشَّهْرِ فِي ذَلِكَ الثَّغْرِ، وَحَكَمَ قَاضِيهِ بِذَلِكَ تَمَسُّكًا بِقَوْلِ بَعْضِ حَوَاشِي التَّنْوِيرِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَهْلُ الْقُرَى بِسَمَاعِ الْمَدَافِعِ أَوْ رُؤْيَةِ الْقَنَادِيلِ مِنْ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهَا عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ تُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِثُبُوتِهِ عِنْدَ قَاضِي الْمِصْرِ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلْعَمَلِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَاحْتِمَالُ كَوْنِ ذَلِكَ لِغَيْرِ رَمَضَانَ بَعِيدٌ إذْ لَا يُفْعَلُ مِثْلُ ذَلِكَ عَادَةً لَيْلَةَ الشَّكِّ إلَّا لِثُبُوتِ رَمَضَانَ اهـ. وَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْقُطْرِ الشَّامِيِّ عَارَضُوا ذَلِكَ غَايَةَ الْمُعَارَضَةِ، وَرَدُّوا الْفَتْوَى الْمَذْكُورَةَ قَائِلِينَ بِعَدَمِ جَوَازِ الْحُكْمِ بِثُبُوتِ رَمَضَانَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ مُسْتَدِلِّينَ بِعِبَارَةٍ مَنْ الْكُتُبِ الْمُحَرَّرَةِ فَهَلْ يُعَوَّلُ عَلَى الْفَتْوَى الْمَذْكُورَةِ أَوْ عَلَى قَوْلِ الْمُعَارِضِينَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ وَلَكُمْ الثَّوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يُعَوَّلُ عَلَى الْفَتْوَى الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ سَلَاطِينَ الْمُسْلِمِينَ وَضَعُوا التِّلِغْرَافَ لِتَبْلِيغِ الْأَخْبَارِ مِنْ الْبِلَادِ الْقَرِيبَةِ، وَالْبَعِيدَةِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ جِدًّا، وَأَقَامُوا لِأَعْمَالِهِ أَشْخَاصًا مُسْلِمِينَ، وَأَنْفَقُوا عَلَى ذَلِكَ أَمْوَالًا جَسِيمَةً، وَاسْتَغْنَوْا بِهِ عَنْ السُّعَاةِ، وَإِرْسَالِ الْمَكَاتِيبِ غَالِبًا فَصَارَ قَانُونًا مُعْتَبَرًا فِي ذَلِكَ يُخَاطِبُ بِهِ السَّلَاطِينُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي مُهِمَّاتِ الْأُمُورِ، وَتَبِعَهُمْ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَالْحَطَّابِ، وَغَيْرِهِمَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ انْتَظَرُوا هِلَالَ رَمَضَانَ فَلَمْ يَرَوْهُ، وَأَصْبَحُوا مُفْطِرِينَ وَقَدْ بَلَغَهُمْ بِالسِّلْكِ ثُبُوتُ رَمَضَانَ فِي مِصْرَ مُعْتَقِدِينَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ الصَّوْمُ بِهِ، وَإِنَّ الْحُكْمَ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ أَمْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ

стр. 177

لِبُعْدِ تَأْوِيلِهِمْ لِاسْتِنَادِهِمْ فِيهِ لِجَهْلِهِمْ، وَسُوءِ ظَنِّهِمْ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [مَسَائِلُ الْحَجِّ] [مُعْتَمِر مَرِضَ وَسَافَرَتْ رُفْقَتُهُ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ السَّعْيِ قَبْلَ الْحَلْقِ ثُمَّ صَحَّ فِي الطَّرِيقِ وَحَلَقَ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْحَجِّ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي مُعْتَمِرٍ مَرِضَ، وَسَافَرَتْ رُفْقَتُهُ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ السَّعْيِ وَقَبْلَ الْحَلْقِ ثُمَّ صَحَّ فِي الطَّرِيقِ، وَحَلَقَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ صَحَّ بِقُرْبِ مَكَّةَ حَلَقَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَصِلْ بَلَدَهُ فَإِنْ وَصَلَ بَلَدَهُ أَوْ تَبَاعَدَ حَلَقَ، وَأَهْدَى قَالَ الشَّيْخُ يَحْيَى الْحَطَّابُ فِي مَنَاسِكِهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي الْحِلَاقِ فِي الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ، وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فَمَنْ أَخَّرَهُ حَتَّى طَالَ أَوْ رَجَعَ لِبَلَدِهِ لَزِمَهُ الْهَدْيُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ رُكْنٌ لَكِنْ لَا يَرْجِعُ لَهُ بَلْ يَفْعَلُهُ حَيْثُ هُوَ، وَلَا يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ، وَلَا يَفُوتُ مَا دَامَ حَيًّا، وَلَا يَلْزَمُ بِتَأْخِيرِهِ شَيْءٌ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ صَلَوَاتُ خَمْسٍ سِنِينَ، وَشَرَعَ يَقْضِي مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ حَاضِرَةٍ خَمْسًا مِنْ الْفَوَائِتِ بِحَيْثُ يُتِمُّ مَا فِي ذِمَّتِهِ فِي عَامٍ، وَنَوَى صِيَامَهُ تَطَوُّعًا، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَتَمَّ عَشْرَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ نَوَى حَجَّ الصَّرُورَةِ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ فِي حَالِ سَفَرِهِ قَضَاءً، وَلَا صَوْمًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِقَامَةُ حَتَّى يُتِمَّ عَامَهُ بِقَضَاءِ مَا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ، وَيُؤَخِّرَ الْحَجَّ لِعَامٍ آخَرَ أَوْ لَهُ السَّفَرُ لِحَجِّ الصَّرُورَةِ، وَيُؤَخِّرُ قَضَاءَ مَا بَقِيَ مِنْ الْفَوَائِتِ حَتَّى يَرْجِعَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ، وَلَكُمْ الثَّوَابُ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ تَلْزَمُهُ الْإِقَامَةُ لِقَضَاءِ مَا بَقِيَ بِذِمَّتِهِ مِنْ الْفَوَائِتِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي شَاذٌّ، وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي لِخَوْفِ الْفَوَاتِ رَاجِحٌ، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ أَرْجَحُ، وَأَيْضًا فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَصَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ، وَغَيْرُهُمْ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ مَنْسِيَّةً فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ قُرْبَ الْفَجْرِ، وَعَارَضَ قَضَاؤُهَا الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ قَدَّمَ قَضَاءَهَا عَلَى الْوُقُوفِ، وَلَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَحَكَوْا فِيهَا أَقْوَالًا أُخُرَ، وَحَمَلَ عَلَيْهَا بَهْرَامُ قَوْلَ الْمُخْتَصَرِ، وَصَلَّى، وَلَوْ فَاتَ، وَانْتَقَدَهُ الْحَطَّابُ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ الْقَوْلَ بِتَقْدِيمِ

стр. 178

الْفَائِتَةِ عَلَى الْوُقُوفِ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ إنَّمَا ذَكَرُوهُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلَةِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ، وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ فِي الْحَاضِرَةِ وُجُودُهُ فِي الْفَائِتَةِ بِالْأَوْلَى لِتَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ عَلَى الْحَاضِرَةِ، وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا. وَحُكْمُ مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ يُعْلَمُ مِنْ حُكْمِ هَذِهِ بِالْأَوْلَى لِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ، وَتَقَدُّمِ اشْتِغَالِ الذِّمَّةِ بِهَا، وَعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَصَلَّى، وَلَوْ فَاتَ قَالَ الْحَطَّابُ يَعْنِي أَنَّ مَنْ جَاءَ إلَى عَرَفَةَ فَذَكَرَ صَلَاةً مَنْسِيَّةً إنْ اشْتَغَلَ بِهَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَإِنْ ذَهَبَ إلَى الْوُقُوفِ لَمْ يُمْكِنْهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ لِعِظَمِ أَمْرِهَا فِي الشَّرْعِ، وَاسْتِحْقَاقِهَا لِلْوَقْتِ بِالذِّكْرِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ عَرَفَةَ مَضَى، وَوَقَفَ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا صَلَّى، وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لِحُصُولِ الشَّكِّ فِي إدْرَاكِ عَرَفَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَمَا حَوْلَهَا فَيُصَلِّي، وَإِنْ كَانَ آفَاقِيًّا فَيَمْضِي لِعَرَفَةَ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ يُقَدِّمُ عَرَفَةَ مُطْلَقًا لِمَا فِي فَوَاتِ الْحَجِّ مِنْ الْمَشَاقِّ وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ يُصَلِّي إيمَاءً كَالْمُسَايِفِ اهـ. تَنْبِيهَاتٌ (الْأَوَّلُ) لَمْ أَرَ مَنْ شَهَرَ الْقَوْلَ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ مَعَ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَنْسِيَّةٍ فَائِتَةٍ بَلْ، وَلَا مَنْ ذَكَرَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مَنْ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْحَاضِرَةِ إلَّا مَا فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ بَعْضِ نُقُولِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَابْنُ يُونُسَ إلَّا قَوْلَيْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مَعَ أَنَّ عِبَارَتَهُمَا مُحْتَمِلَةٌ لِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَنْسِيَّةِ، وَالْحَاضِرَةِ، وَظَاهِرُهَا أَنَّهَا مَنْسِيَّةٌ، وَنَصُّهُمَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ أَتَى قُرْبَ الْفَجْرِ وَقَدْ ذَكَرَ صَلَاةً فَإِنْ صَلَّاهَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَفَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ جِبَالِ عَرَفَةَ وَقَفَ، وَصَلَّى، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا بَدَأَ بِالصَّلَاةِ، وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَمَا حَوْلَهَا بَدَأَ بِالصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ مَشَى إلَى عَرَفَاتٍ فَوَقَفَ وَصَلَّى اهـ. فَإِنْ قُلْت قَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَاضِرَةِ. قُلْت إذَا تَأَمَّلْت كَلَامَهُ فِي الذَّخِيرَةِ لَمْ تَجِدْ فِيهِ تَعْرِيضًا لِلْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ قَالَ، وَمَنْ أَتَى الْفَجْرَ، وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ إنْ اشْتَغَلَ بِهَا طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَيْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَاخْتِيَارَ اللَّخْمِيِّ، ثُمَّ قَالَ قَاعِدَةُ الْمُضَيَّقِ فِي الشَّرْعِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا وُسِّعَ فِي تَارِيخِهِ، وَمَا وُسِّعَ فِيهِ زَمَانٍ مَحْصُورٍ كَالصَّلَاةِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا غَيَّاهُ بِالْعُمُرِ كَالْكَفَّارَاتِ، وَمَا رُتِّبَ عَلَى تَرْكِهِ الْقَتْلُ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَتُقَدَّمُ الصَّلَاةُ عَلَى الْحَجِّ إجْمَاعًا غَيْرَ أَنَّ فَضْلَ الصَّلَاةِ قَدْ عُورِضَ هَاهُنَا بِالدُّخُولِ فِي الْحَجِّ، وَمَا فِي فَوَاتِهِ مِنْ الْمَشَاقِّ فَأَمْكَنَ أَنْ يُلَاحَظَ ذَلِكَ اهـ. فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَعَرُّضٌ لِلْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحَجِّ إجْمَاعًا لِلْأُمُورِ الَّتِي ذَكَرَهَا نَعَمْ ذَكَرَ فِي قَوَاعِدِهِ الْقَوْلَ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ لَكِنَّهُ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَّا قَوْلَيْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَقَوْلَ عَبْدِ الْحَمِيدِ يُصَلِّي

стр. 179

إيمَاءً كَالْمُسَايِفِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْفَائِتَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُمَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَيْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَعَبْدِ الْحَمِيدِ، وَاخْتِيَارَ اللَّخْمِيِّ، وَفَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمَنْسِيَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَوْلَ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ، وَفَرَضَهَا ابْنُ بَشِيرٍ فِي ذَاكِرِ الْعِشَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَاحِدٌ أَنَّهَا صَلَاةٌ مَنْسِيَّةٌ خَرَجَ، وَقْتُهَا الِاخْتِيَارِيُّ، وَالضَّرُورِيُّ، وَفَرَضَ ابْنُ بَشِيرٍ الْمَسْأَلَةَ فِيمَنْ ذَكَرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ثُمَّ قَالَ، وَحَكَى ابْنُ بَشِيرٍ قَوْلًا آخَرَ لَمْ يُسَمِّ قَائِلَهُ عَلَى عَادَتِهِ فِي حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَجِّ مَعْلُومٌ قَطْعًا فَإِذَا رَجَحَ الْجِنْسُ عَلَى الْجِنْسِ وَجَبَ مِثْلُهُ فِي الشَّخْصِ عَلَى الشَّخْصِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ، وَلِاسْتِحْقَاقِهَا فَهُوَ جَيِّدٌ لَكِنْ عَلَى فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَنْ ذَكَرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَأَمَّا عَلَى مَا قُلْنَا إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَغَيْرِهِ أَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فِي حَقِّ مَنْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً قَدْ خَرَجَ، وَقْتُهَا فَفِي اسْتِحْقَاقِهَا هَذَا الْوَقْتَ نَظَرٌ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَبِالْجُمْلَةِ: إنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَقَوْلَ الشَّيْخِ عَبْدِ الْحَمِيدِ إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى طَرِيقِ ابْنِ بَشِيرٍ فِي فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ إذْ يَبْعُدُ فِي حَقِّ الْمُسَايِفِ الْمُتَذَكِّرِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَنْسِيَّةً أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي حَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْوَقْتِيَّةِ فِي تِلْكَ بِمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ اهـ. قَالَ الْحَطَّابُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ مَعَ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ إلَّا فِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالْقَرَافِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ، وَقَالَ إنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَسَاقَ الْحَطَّابُ نُصُوصَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَصَلَّى، وَلَوْ فَاتَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ عَلَى الْحَجِّ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَتْ مَنْسِيَّةً خَرَجَ، وَقْتُهَا كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ بَلْ الْكَلَامُ فِي تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَسَنَدٍ تَقْدِيمَ الْوُقُوفِ عَلَيْهَا، وَمَالَ إلَيْهِ، وَوَجَّهَهُ، وَأَيَّدَهُ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فَانْظُرْهُ، وَبِالْجَوَابِ السَّابِقِ يَنْدَفِعُ تَنْظِيرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْضًا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [رَجُلٍ حَجَّ مَعَ وَالِدَتِهِ ثُمَّ أَرَادَ الْحَجَّ ثَانِيًا وَلَا يَأْخُذُهَا مَعَهُ وَهِيَ مُتَشَوِّقَةٌ لَهُ فَهَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ عُقُوقًا] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ حَجَّ مَعَ وَالِدَتِهِ، ثُمَّ أَرَادَ الْحَجَّ ثَانِيًا، وَلَا يَأْخُذُهَا مَعَهُ، وَهِيَ مُتَشَوِّقَةٌ لَهُ فَهَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ عُقُوقًا أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ حَجُّهُ وَحْدَهُ بِدُونِ إذْنِهَا، وَرِضَاهَا عُقُوقٌ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَمَنْعُ الْوَالِدَانِ لَا الْجَدُّ مِنْ غَيْرِ فَرْضِ الْعَيْنِ، وَلَوْ كَافِرَيْنِ

стр. 180

إلَّا فِي الْجِهَاد. اهـ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [مَسَائِلُ الذَّكَاةِ] [حَمَامِ الْأَبْرَاجِ هَلْ يُعْمَلُ فِيهِ الصَّيْدُ أَمْ لَا] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الذَّكَاةِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي حَمَامِ الْأَبْرَاجِ هَلْ يُعْمَلُ فِيهِ الصَّيْدُ أَمْ لَا؟ ، وَهَلْ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حَمَامِ الْأَبْرَاجِ مَاذَا يَصْنَعُ إذَا وَجَدَ حَمَامًا كَثِيرًا لَا يُمْكِنُ صَيْدُهُ هَلْ يَنْوِي الْجَمِيعَ، وَمَا وَقَعَ يُؤْكَلُ أَوْ لَا يَنْوِي، وَيُؤْكَلُ مَا وَقَعَ أَوْ يَنْوِي شَيْئًا مُعَيَّنًا، وَلَا يُؤْكَلُ غَيْرُهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يَعْمَلُ فِيهِ الِاصْطِيَادَ؛ لِأَنَّهُ، وَحْشِيٌّ مَعْجُوزٌ عَنْهُ إلَّا بِعُسْرٍ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ اصْطِيَادُهُ لِغَيْرِ صَاحِبِ الْبُرْجِ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ، وَإِنْ اصْطَادَهُ غَيْرُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهُ تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْلُهُ هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ تَعَدَّدَ الصَّيْدُ فَأَمَّا أَنْ يَنْوِيَ الْجَمِيعَ أَوْ مَا يَقَعُ مِنْهُ، وَيُؤْكَلُ مَا صِيدَ فِيهِمَا اتَّحَدَ أَوْ تَعَدَّدَ فَإِنَّهُ نَوَى وَاحِدًا مُعَيَّنًا أَكَلَ بِشَرْطِ أَنْ يُمْسِكَهُ الْجَارِحُ أَوَّلًا، وَلَا يُؤْكَلُ غَيْرُهُ مُطْلَقًا لِعَدَمِ نِيَّةِ ذَكَاتِهِ أَصْبَغُ مَنْ أَرْسَلَ عَلَى، وَكْرِ طَيْرٍ فِي شَاهِقِ جَبَلٍ أَوْ شَجَرَةٍ، وَكَانَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بِأَمْرٍ يَخَافُ مِنْهُ الْعَطَبَ يَجُوزُ أَكْلُهُ بِالصَّيْدِ اهـ. وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى جَمَاعَةِ صَيْدٍ، وَلَمْ يُرِدْ وَاحِدًا مِنْهَا دُونَ الْآخَرَ فَأَخَذَهَا كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا أَكَلَ مَا أَخَذَ مِنْهَا اهـ. قَالَ الْعَدَوِيُّ أَيْ بِأَنْ نَوَى الْجَمْعَ أَوْ نَوَى كُلَّ مَا يَصِيدُهُ، وَيَأْخُذُهُ هَذَا الْجَارِحُ سَوَاءً كَانَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ اهـ. وَفِي الْخَرَشِيِّ، وَأَمَّا لَوْ نَوَى مُعَيَّنًا فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ إذَا قَتَلَهُ أَوَّلًا، وَعَلِمَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ الْأَوَّلُ أَوْ قَتَلَ غَيْرَهُ قَبْلَهُ فَلَا يُؤْكَلُ هُوَ، وَلَا غَيْرُهُ، وَأَمَّا لَوْ نَوَى وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ فَلَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ التَّعَدِّي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَبْرَاجِ وَالْأَجْبَاحِ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي جَمَاعَةٍ يَصْطَادُونَ سَمَكًا بِآلَاتٍ مِنْ نَهْرٍ، وَبِشَاطِئِ النَّهْرِ نَاسٌ غَيْرُ صَيَّادِينَ فَفَطَّتْ سَمَكَةٌ بِشَاطِئِ النَّهْرِ فَتَنَازَعَ فِيهَا الصَّيَّادُونَ، وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ فَطِّهَا فَهَلْ تَكُونُ لِلْجَمِيعِ شَرِكَةً أَوْ يَخْتَصُّ بِهَا الصَّيَّادُ أَوْ لَاقِطُهَا أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ فَطَّتْ مِنْ عِنْدِ الْآلَاتِ اخْتَصَّ بِهَا الصَّيَّادُونَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا مَا فَطَّتْ إلَّا بِسَبَبِهَا فَيَكُونُ الصَّيَّادُونَ هُمْ الْمُتَسَبِّبِينَ فِي

стр. 181

فَطِّهَا لِلشَّطِّ، وَإِنْ فَطَّتْ مِنْ مَحَلٍّ بَعِيدٍ عَنْهَا عُرْفًا بِحَيْثُ لَا يُقَالُ إنَّ الْآلَاتِ هِيَ السَّبَبُ فِي فَطِّهَا فَهِيَ لِمَنْ بَادَرَ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهَا سَوَاءٌ الصَّيَّادُونَ أَوْ خِلَافُهُمْ، وَإِنْ تَدَافَعُوا عَلَيْهَا فَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَمَلَكَ الصَّيْدَ الْمُبَادِرُ لِأَخْذِهِ أَوْ تَعْطِيلِهِ لَا رُؤْيَتِهِ، وَإِنْ تَدَافَعَ قَادِرُونَ لَهُ فَبَيْنَهُمْ، دَفْعًا لِلنِّزَاعِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي جَمَاعَةٍ مُسَافِرِينَ فِي مَفَازَةٍ فِيهَا مَسَافَةُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ لَا مَاءَ بِهَا، وَمَعَهُمْ مَاءٌ زَائِدٌ عَلَى حَاجَتِهِمْ فَنَامَ أَحَدُهُمْ فَتَرَكُوهُ نَائِمًا، وَذَهَبُوا عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَفْتِيشٍ عَلَيْهِ، وَلَا تَحْلِيفِ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِمَاءٍ، وَرَاحِلَةٍ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَيَلْحَقَهُمْ مَعَهُ، ثُمَّ مَرَّتْ مِنْهَا قَافِلَةٌ أُخْرَى فَوَجَدَتْ الرَّجُلَ مَيِّتًا مِنْ الْعَطَشِ فَهَلْ تَلْزَمُ الدِّيَةُ رُفْقَتَهُ الَّتِي تَرَكَتْهُ فِي أَمْوَالِهَا أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهَا أَوْ لَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ تَلْزَمُ دِيَتُهُ رُفْقَتَهُ فِي أَمْوَالِهَا إنْ تَعَمَّدَتْ تَرْكَهُ، وَعَلَى عَاقِلَتِهَا إنْ تَأَوَّلَتْ قَالَ فِي الْإِرْشَادِ مَنْ أَمْكَنَهُ إنْقَاذُ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ مِنْ مُهْلِكَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ كَإِتْلَافِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً اهـ. وَلَا يُقْتَلُونَ بِهِ، وَلَوْ تَرَكُوهُ عَمْدًا هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِهِ قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَا زَالَ الشُّيُوخُ يُنْكِرُونَ حِكَايَتَهُ عَنْ مَالِكٍ، وَيَقُولُونَ إنَّهُ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ نَقَلَهُ الْحَطَّابُ. وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ خَرَّجَ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ تَعَمَّدَ الزُّورَ فِي شَهَادَتِهِ حَتَّى قُتِلَ بِهَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ قَالَ فَقَدْ قِيلَ يُقْتَلُ الشَّاهِدُ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لَا قَتْلَ عَلَيْهِ اهـ. وَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْخَرَشِيِّ، وَلَوْ كَانَ مُتَعَمِّدًا لِإِهْلَاكِهِ بِتَرْكِ تَخْلِيصِهِ قُتِلَ بِهِ غَيْرُ صَوَابٍ اهـ. بُنَانِيٌّ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْعَدَوِيُّ إنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ النَّقْلِ قَالَ فِي الْإِرْشَادِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [جَمَل وَقَعَ فِي بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ نَحْرُهُ وَلَا ذَبْحُهُ وَرُمِيَ بِآلَةٍ قَطَعَتْ ذَنَبَهُ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي جَمَلٍ وَقَعَ فِي بِئْرٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ نَحْرُهُ، وَلَا ذَبْحُهُ، وَرُمِيَ بِآلَةٍ قَطَعَتْ ذَنَبَهُ، وَتَحَرَّكَ، وَمَاتَ فَهَلْ لَا يُؤْكَلُ؟ فَأَجَبْتُ: بِأَنَّهُ مَيْتَةٌ لَا يُؤْكَلُ، وَفِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ، وَشُبِّهَ فِي عَدَمِ الْأَكْلِ فَقَالَ كَالْحَيَوَانِ الْمُتَرَدِّي إنْسِيًّا كَانَ أَوْ، وَحْشِيًّا أَيْ السَّاقِطِ بِحُفْرَةٍ فَلَا يُؤْكَلُ بِالْعَقْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ صَيْدًا حِينَئِذٍ اهـ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي شَاةٍ أَكَلَتْ عَجِينًا كَثِيرًا، وَأَيِسَ مِنْ حَيَاتِهَا فَذُبِحَتْ، وَسَالَ دَمُهَا كَثِيرًا بِلَا شَخْبٍ، وَلَا حَرَكَةٍ إلَّا كَتِفُهَا، وَبَعْضُ، وَدَجِهَا فَأَفْتَى رَجُلٌ بِأَنَّهَا مَيِّتَةٌ فَرُمِيَتْ فَهَلْ أَخْطَأَ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ أَخْطَأَ فِي فَتْوَاهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا إنْ انْتَصَبَ أَوْ تَوَلَّى رَمْيَهَا، وَإِلَّا فَغَارَّ غُرُورًا قَوْلِيًّا لَا ضَمَانَ فِيهِ، وَيُزْجَرُ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ اشْتِغَالٌ

стр. 182

بِالْعِلْمِ أُدِّبَ فَفِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ، وَشُبِّهَ فِي الْأَكْلِ فَقَالَ كَسَيَلَانِهِ بِغَيْرِهِ أَيْ الشَّخْبِ فِي الْحَيَوَانِ الصَّحِيحِ، وَالْمُرَادُ بِالصَّحِيحِ الَّذِي لَمْ يُضْنِهِ الْمَرَضُ لَا الَّذِي لَمْ يُصِبْهُ مَرَضٌ اهـ. وَفِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ، وَذَكَاةُ الْبَشَمِيِّ وَالْبَالِغ مِنْ الْفِرَاخِ مَثَلًا صَحِيحَةٌ بِخِلَافِ الْمَحْرُوقَةِ، وَالْوَاقِعَةِ فِي الْمَاءِ اهـ. وَفِي صَغِيرِهِ أَوْ أَكَلَ عُشْبًا أَوْ نَحْوَهُ فَانْتَفَخَ، ذَكَرُهُ مِثَالًا لِمَا يُؤْكَلُ بِالذَّكَاةِ، وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ، وَأَكْلِ مَا لَمْ تَنْفُذْ مَقَاتِلَهُ، وَلَوْ الْمُنْخَنِقَةُ، وَمَا مَعَهَا أَوْ مَرِيضًا أَيِسَ بِالذَّكَاةِ إنْ تَحَرَّكَ قَوِيًّا أَوْ سَالَ دَمُهُ بِشَخْبٍ كَغَيْرِهِ فِي الصَّحِيحِ اهـ. وَعِبَارَةُ ابْنِ عَرَفَةَ، وَالْمُصَابَةُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مَرَضٍ، وَلَا مَانِعٍ عَيْشَهَا غَالِبًا كَصَحِيحَةٍ، وَالْمُصَابَةُ بِمَا أَنْفَذَ مَقْتَلُهَا فِيهَا طُرُقٌ الْبَاجِيِّ ذَكَاتُهَا لَغْوٌ اتِّفَاقًا ابْنُ رُشْدٍ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَيَتَخَرَّجُ اعْتِبَارُهَا مِنْ سَمَاعِ زَيْدٍ ابْنُ الْقَاسِمِ قَتْلُ مَنْ أَجْهَزَ عَلَى مَنْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ غَيْرُهُ، وَيُعَاقَبُ الْأَوَّلُ فَقَطْ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ سَحْنُونَ وَعِيسَى عَنْهُ عَكْسُهُ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ إنْفَاذُهَا بِمَوْضِعِ الذَّكَاةِ فِي الْأَوْدَاجِ لَمْ تُؤْكَلْ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ ثُمَّ قَالَ وَالْمَوْقُوذَةُ، وَمَا مَعَهَا مَا أَصَابَهُ مُطْلَقُ ضَرْبٍ أَوْ سُقُوطٍ لِأَسْفَلَ أَوْ نَطْحٍ أَوْ عَقْرٍ إنْ وَجَبَتْ حَيَاتُهَا فَكَصَحِيحَةٍ، وَإِنْ أَنَفَذَتْ مَقَاتِلَهَا فَكَمَا مَرَّ، وَإِلَّا فَإِنْ أَيِسَتْ حَيَاتُهَا أَوْ شُكَّ فِيهَا فَفِي حِلِّهَا كَمَرِيضَةٍ، وَحُرْمَتِهَا ثَالِثُهَا إنْ شَكَّ فِيهَا اهـ. [رَجُلٍ أَضْجَعَ الْمَذْبُوحَ الْأَرْضَ وَضَرَبَهُ بِآلَةِ الذَّبْحِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فِي مَحَلِّ التَّذْكِيَةِ نَاوِيًا بِهَا الذَّكَاةَ مُسَمِّيًا] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ أَضْجَعَ الْمَذْبُوحَ الْأَرْضَ وَضَرَبَهُ بِآلَةِ الذَّبْحِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فِي مَحَلِّ التَّذْكِيَةِ نَاوِيًا بِهَا الذَّكَاةَ مُسَمِّيًا فَحَصَلَ بِهَا قَطْعُ الْحُلْقُومِ، وَالْوَدَجَيْنِ أَوْ وَضَعَ آلَةَ الذَّبْحِ بِالْأَرْضِ، وَأَمَرَّ عَلَيْهَا رَقَبَةَ الْمَذْبُوحِ حَتَّى أَتَمَّ ذَكَاتَهَا فَهَلْ الضَّرْبَةُ فِي الْأُولَى، وَإِمْرَارُ رَقَبَةِ الْمَذْبُوحِ فِي الثَّانِيَةِ ذَكَاةٌ شَرْعِيَّةٌ تُبْنَى عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ ذَلِكَ ذَكَاةٌ شَرْعِيَّةٌ تُبْنَى عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ الشَّرْعِيَّ قَطْعُ مُمَيِّزٍ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ جَمِيعَ الْحُلْقُومِ، وَالْوَدَجَيْنِ بِنِيَّةٍ مِنْ الْمُقَدَّمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَطْعَ يَشْمَلُ الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَأُولَاهُمَا مَفْهُومُ قَوْلِهِمْ فِي التَّفْرِيعِ عَلَى شَرْطِ النِّيَّةِ فَلَوْ ضَرَبَ الْحَيَوَانَ غَيْرَ نَاوٍ ذَكَاتَهُ فَقَطَعَ حُلْقُومَهُ، وَوَدَجَيْهِ فَلَا يُؤْكَلُ لِعَدَمِ نِيَّةِ ذَكَاتِهِ، وَثَانِيَتُهَا جَرَتْ بِهِمَا عَادَةُ النِّسَاءِ فِي تَقْطِيعِ اللَّحْمِ إذَا لَمْ يَجِدْنَ مَنْ يُمْسِكُهُ لَهُنَّ نَعَمْ الْكَيْفِيَّتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ مَكْرُوهَتَانِ بِمُخَالَفَتِهِمَا لِسُنَّةِ الذَّبْحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [ذَبَحَ بِمِنْجَلٍ مُضَرَّسٍ فَهَلْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ ذَبَحَ بِمِنْجَلٍ مُضَرَّسٍ فَهَلْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ؟ . فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ

стр. 183

[رَجُلٍ نَحَرَ بَعِيرًا فَوْقَ اللَّبَّةِ بِأَرْبَعَةِ أَصَابِعَ جَاهِلًا مَحَلِّ النَّحْرِ فَقَطْ] مَا قَوْلُكُمْ) - دَامَ النَّفْعُ بِكُمْ - فِي رَجُلٍ نَحَرَ بَعِيرًا فَوْقَ اللَّبَّةِ بِأَرْبَعَةِ أَصَابِعَ جَاهِلًا مَحَلِّ النَّحْرِ فَقَطْ فَهَلْ يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ، وَيُؤْكَلُ الْبَعِيرُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا كَانَ فَوْقَ الْأَرْبَعَةِ أَصَابِعَ يُؤْكَلُ، وَمَا الْحُكْمُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَتَانِ لِلَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ فَطَرِيقَةُ اللَّخْمِيِّ: إجْزَاءُ الطَّعْنِ فِي الْوَدَجِ بَيْنَ اللَّبَّةِ، وَالْمَذْبَحِ، وَطَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ عَدَمُ إجْزَاءِ ذَلِكَ، وَتَعَيَّنَ الطَّعْنُ فِي اللَّبَّةِ، وَالظَّاهِرُ مَا لِابْنِ رُشْدٍ، وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّبَّةُ هِيَ الْمَنْحَرُ وَالْبَاجِيُّ مَحَلُّ النَّحْرِ اللَّبَّةُ الْجَوْهَرِيُّ هِيَ مَحَلُّ الْقِلَادَةِ مِنْ الصَّدْرِ اللَّخْمِيُّ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ مُطْلَقُ الطَّعْنِ فِي الْوَدَجِ بَيْنَ اللَّبَّةِ، وَالْمَذْبَحِ يُجْزِئُ. وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ عُمَرَ أَمَرَ مَنْ نَادَى: النَّحْرُ فِي الْحَلْقِ، وَاللَّبَّةِ وَقَالَ مَالِكٌ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ، وَالْمَذْبَحِ مَنْحَرٌ، وَمَذْبَحٌ فَإِنْ ذَبَحَ أَوْ نَحَرَ أَجْزَأَ، وَلَا يُجْزِئُ الطَّعْنُ فِي الْحُلْقُومِ دُونَ وَدَجٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْرِعُ بِهِ الْمَوْتَ ابْنُ رُشْدٍ عَبَّرَ عُمَرُ بِالنَّحْرِ عَنْ الذَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ جُلُّ فِعْلِهِمْ يَوْمئِذٍ، وَلِذَا سُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ التَّخْيِيرَ فِي أَنَّ النَّحْرَ فِي الْحَلْقِ أَوْ اللَّبَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ النَّحْرِ، وَالْحَلْقَ مَحَلُّ الذَّبْحِ، وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا مَحَلَّ الْآخَرِ فَلَوْ نَحَرَ شَاةً فِي مَذْبَحِهَا فَلَا تُؤْكَلُ اتِّفَاقًا، وَحَمَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَهُ عَلَى التَّخْيِيرِ قَالَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ مُطْلَقُ الطَّعْنِ إلَى آخِرِ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ بَلْ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ إنَّمَا قَالَهُ فِي الضَّرُورَةِ كَمَا لَوْ سَقَطَ بِمَهْوَاةٍ انْتَهَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. [الْبَقَرِ الَّذِي يُصِيبُهُ دَاءٌ يَقْطَعُ فِشَّتَهُ أَوْ يَذُبُّهَا حَتَّى تَصِيرَ قَيْحًا كَزَبَدِ الْبَحْرِ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْبَقَرِ الَّذِي يُصِيبُهُ دَاءٌ يَقْطَعُ فِشَّتَهُ أَوْ يَذُبُّهَا حَتَّى تَصِيرَ قَيْحًا كَزَبَدِ الْبَحْرِ فَقَدْ أَشْكَلَ عَلَيْنَا حُكْمُهُ بِسَبَبِ مَا نُقِلَ عَنْ الْمِعْيَارِ مِنْ أَنَّ الَّذِي انْفَصِلْ عَنْهُ الْبَحْثُ أَنَّ جُرْحَ الْقَلْبِ مِنْ الْمَقَاتِلِ، وَأَنَّ الرِّئَةَ، وَالْكُلْيَتَيْنِ فِي مَعْنَى الْقَلْبِ فَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُفَرَّقًا أَوْ مُقَطَّعًا أَوْ مَجْرُوحًا فَلَا يُؤْكَلُ. وَفِي حَاشِيَةِ الْعَدُوَّيْ عَلَى الرِّسَالَةِ كَرَاهَةُ فَاسِدِ الرِّئَةِ وَقَدْ يُعَافَى الْبَقَرُ مِنْ ذَلِكَ الدَّاءِ، وَإِذَا ذُبِحَ وُجِدَ بِلَا رِئَةٍ أَصْلًا أَوْ بِرِئَةٍ نَاقِصَةٍ فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا فِي الْمِعْيَارِ وَقَدْ نَقَلَهُ الْبُنَانِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَأَقَرُّوهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ كَرَاهَةُ فَاسِدِ الرِّئَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِفَسَادِهَا مُجَرَّدُ الْتِصَاقِهَا بِالظَّهْرِ، وَالْيَهُودُ يَعْتَقِدُونَهُ مَقْتَلًا، وَلَا يَأْكُلُونَ مَا يَجِدُونَهُ كَذَلِكَ، وَيَبِيعُونَهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِرُخْصٍ فَنَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ شِرَائِهِ، وَأَكْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى ضَلَالِهِمْ، وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْبَاقِي، وَإِلَّا يَثْبُت تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمْ بِشَرْعِنَا أَيْ لَمْ يُخْبِرْ شَرْعُنَا بِأَنَّهُ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا هُمْ أَخْبَرُوا أَنَّ شَرْعَهُمْ حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ كَالطَّرِيفَةِ أَيْ فَاسِدَةِ

стр. 184

الرِّئَةِ أَيْ مُلْتَصِقَةٍ بِظَهْرِ الْحَيَوَانِ، وَلَوْ كَانَ الْوَاقِعُ ذَلِكَ فِي شَرْعِهِمْ كُرِهَ لَنَا أَكْلُهُ، وَشِرَاؤُهُ اهـ. [مَسَائِلُ الضَّحِيَّةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الضَّحِيَّةِ وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ الْأُضْحِيَّةُ اسْمًا مَا تُقُرِّبَ بِذَكَاتِهِ مِنْ جَزْعِ ضَأْنٍ يُجْزِئُ أَوْ ثَنِيِّ سَائِرِ النَّعَمِ سَلِيمَيْنِ مِنْ بَيِّنِ عَيْبٍ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ فِي نَهَارِ عَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ تَالِيَيْهِ بَعْدَ صَلَاةِ إمَامِ عِيدِهِ لَهُ وَقَدْرِ زَمَنِ ذَبْحِهِ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ تَحَرِّيًا لِغَيْرِ حَاضِرِهِ فَتَخْرُجُ الْعَقِيقَةُ، وَالْهَدْيُ، وَالنُّسُكُ فِي زَمَنِهَا اهـ. قَوْلُهُ بِذَكَاتِهِ نَائِبُ فَاعِلِ تُقَرِّبَ، وَضَمِيرُهُ لِمَا وَقَوْلُهُ مِنْ جَذَعٍ إلَخْ بَيَانُ لِمَا وَقَوْلُهُ ثَنِيِّ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ، وَكَسْرِ النُّونِ، وَشَدِّ الْمُثَنَّاةِ تَحْتٌ عَطْفٌ عَلَى جَذَعٍ بِأَوْ التَّنْوِيعِيَّةِ، وَسَائِرُ بِمَعْنَى بَاقِي وَقَوْلُهُ سَلِيمَيْنِ بِفَتْحِ الْمِيمِ حَالٌ مِنْ جَذَعٍ، وَثَنِيٍّ وَقَوْلُهُ مِنْ بَيِّنٍ بِشَدِّ الْمُثَنَّاةِ تَحْتٌ صِلَةُ سَلِيمَيْنِ، وَإِضَافَتُهُ لِعَيْبٍ مِنْ إضَافَةِ مَا كَانَ صِفَةً أَيْ عَيْبٌ بَيِّنٌ أَيْ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ مَشْرُوطًا حَالٌ مِنْ مَا أَوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ التَّقَرُّبِ أَيْ تَقَرُّبًا مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ أَيْ التَّقَرُّبِ وَقَوْلُهُ أَوْ تَالِيَيْهِ أَيْ الْعَاشِرُ وَقَوْلُهُ بَعْدَ صِلَةٍ خَبَرًا لِكَوْنِ وَقَوْلُهُ صَلَاةُ إمَامٍ مِنْ إضَافَةِ اسْمِ الْمَصْدَر لِفَاعِلِهِ، وَمَفْعُولُهُ عِيدَهُ أَيْ الْإِمَامُ أَوْ الْعَاشِرُ وَقَوْلُهُ لَهُ أَيْ الْإِمَامِ صِلَةُ مَشْرُوطًا وَقَوْلُهُ قَدْرٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ عَطْفٌ عَلَى صَلَاةٍ أَيْ، وَبَعْدَ قَدْرِ زَمَنِ ذَبْحِهِ أَيْ الْإِمَامِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَقَوْلُهُ لِغَيْرِهِ أَيْ الْإِمَامِ صِلَةُ مَشْرُوطًا وَقَوْلُهُ، وَلَوْ تَحَرِّيًا أَيْ، وَلَوْ كَانَ وُقُوعُ التَّقَرُّبِ بِالذَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ بَعْدَ قَدْرِ زَمَنِ ذَبْحِ الْإِمَامِ بِالتَّحَرِّي، وَالتَّخْمِينِ لِغَيْرِ حَاضِرِهِ أَيْ الْحَاضِرِ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ صِلَةُ تَحَرِّيًا وَقَوْلُهُ فَتَخْرُجُ الْعَقِيقَةُ إلَخْ أَيْ بِقَوْلِهِ مَشْرُوطًا إلَخْ لَكِنَّ الْعَقِيقَةَ، وَالنُّسُكَ بِقَوْلِهِ فِي نَهَارِ عَاشِرِ إلَخْ، وَالْهَدْيُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ صَلَاةِ إلَخْ وَقَوْلُهُ فِي زَمَنِهَا أَيْ الضَّحِيَّةِ حَالٌ مِنْ الْعَقِيقَةِ، وَالْهَدْيِ، وَالنُّسُكِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. سُئِلَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ قَدِيدِ الْأُضْحِيَّةِ يُخْلَطُ بِقَدِيدِ غَيْرِهَا، وَبِزَيْتٍ، وَيُدَّخَرُ، وَيَأْكُلُ مِنْهُ الْأَجِيرُ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لِيَسَارَتِهِ، وَلِكَوْنِهِ تَبَعًا أَوْ لَا؛ لِأَنَّ أَكْلَ الْأَجِيرِ مِنْ أُجْرَتِهِ؟ . فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: أَكْلُ الْأَجِيرِ مِنْ لَحْمِ الضَّحِيَّةِ يَفْعَلُهُ جَمِيعُ النَّاسِ، وَلَوْ حُرِّمَ أَكْلُ الْأَجِيرِ لَحُرِّمَ أَكْلُ الزَّوْجَةِ، وَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ أَشَدَّ الضَّيِّقِ، وَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ كَرَاهَةِ أَكْلِ الْكَافِرِ إلَّا إذَا كَانَ فِي عِيَالِ الْمُضَحِّي، وَمَثَّلَهُ الشُّرَّاحُ بِالظِّئْرِ فَلَا كَرَاهَةَ عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ يَدُلُّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْأَجِيرِ إذْ كَيْفَ يَجُوزُ لِلْكَافِرِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ نَعَمْ إنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِلَحْمِ الضَّحِيَّةِ فَالتَّحْرِيمُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا أَجِيرُ

стр. 185

خِدْمَةٍ بِطَعَامٍ كَيْفَ كَانَ فَلَا وَجْهَ لِلتَّوَقُّفِ فِي جَوَازِ أَكْلِهِ مِنْ لَحْمِ الضَّحِيَّةِ، وَالنَّاسُ جَمِيعًا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ السَّلَفُ، وَالْخَلَفُ فِي شَرْقِيِّ الْبِلَادِ، وَغَرْبِيِّهَا يُطْعِمُونَ الْأَجِيرَ، وَالْخَادِمَ، وَالرَّقِيقَ، وَالزَّوْجَةَ مِنْ زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ إلَى، وَقْتِنَا هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسَائِلُ الْمُبَاحِ] [شُرْبِ الدُّخَانِ فِي مَجْلِسِ الْقُرْآنِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْمُبَاحِ (مَا قَوْلُكُمْ) دَامَ فَضْلُكُمْ فِي فَقِيهٍ دَخَلَ بَيْتًا فَوَجَدَ فِيهِ جَمَاعَةً يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَشْرَبُونَ الدُّخَانَ فِي مَجْلِسِ الْقُرْآنِ فَنَهَاهُمْ عَنْ شُرْبِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَامْتَثَلُوا، وَتَابُوا، وَحَلَفُوا أَنْ لَا يَعُودُوا لِهَذَا الْأَمْرِ فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ، وَسَبَّ النَّاهِيَ، وَاغْتَابَهُ، وَكَذَّبَهُ، وَرَدَّهُمْ جَمِيعًا إلَى شُرْبِهِ فَهَلْ الْحَقُّ مَعَ الْأَوَّلِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَابَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الدُّخَانُ الْمَشْرُوبُ لَا نَصَّ فِيهِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ لِعَدَمِ وُجُودِهِ فِي زَمَنِهِمْ، وَإِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ الْأَلْفِ، وَكَانَ حُدُوثُهُ فِي مِصْرَ فِي زَمَنِ اللَّقَانِيِّ وَالْأُجْهُورِيِّ فَأَفْتَى اللَّقَانِيُّ بِتَحْرِيمِهِ، وَنَسَبَ ذَلِكَ لِلشَّيْخِ سَالِمٌ السَّنْهُورِيُّ، وَأَلَّفَ فِي تَحْرِيمِهِ، وَتَبِعَهُ الْقُرَشِيُّ وَجَمَاعَاتٌ، وَعَلَّلَ بِتَعَالِيلَ مِنْهَا إضَاعَةُ الْمَالِ بِحَرْقِهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَأَفْتَى الْأُجْهُورِيُّ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ، وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ وَرَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ، وَتَبِعَهُ جَمَاعَاتٌ، وَاعْتَمَدَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَلَامَ الْأُجْهُورِيُّ، وَإِنْ كَانَتْ أَدِلَّةُ التَّحْرِيمِ أَقْوَى، وَكُلُّ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، وَالْمَحَافِلِ، وَأَمَّا فِيهَا فَلَا شَكَّ فِي التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ لَهُ رَائِحَةً كَرِيهَةٌ، وَإِنْكَارُهَا عِنَادٌ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَعَاطِي مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَحَافِلِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يَشْتَدُّ التَّحْرِيمُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ التَّعْظِيمِ، وَمَنْ أَنْكَرَ مِثْلَ هَذَا لَا يُخَاطَبُ لِجُمُودِهِ أَوْ عِنَادِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُفْتِي الْأَوَّلُ الَّذِي نَهَى عَنْ شُرْبِ الدُّخَانِ فِي مَجْلِسِ الْقُرْآنِ قَدْ أَصَابَ فِي نَهْيِهِ أَثَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْجَنَّةَ، وَاَلَّذِي كَذَّبَهُ فِي ذَلِكَ هُوَ الْكَاذِبُ فَهُوَ ضَالٌّ مُضِلٌّ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا لِنَحْوِ سَهْوٍ أَوْ نِسْيَانٍ، - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ التَّسَاهُلِ -، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَقِيرُ مُصْطَفَى الْبُولَاقِيُّ الْمَالِكِيُّ غُفِرَ لَهُ آمِينْ. [مَا تَوَلَّدَ مِنْ الْمُبَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ هَلْ تَكُونُ فَضَلْتُهُ طَاهِرَةً] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي حَيَوَانٍ تَوَلَّدَ مِنْ مُبَاحٍ لِأَكْلٍ، وَمُحَرَّمِهِ فَهُوَ يُؤْكَلُ مُطْلَقًا كَانَ أَبُوهُ مِنْ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ، وَأُمُّهُ مِنْ مُبَاحِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ جَاءَ عَلَى خِلْقَةِ الْمُحَرَّمِ أَوْ عَلَى خِلْقَةِ الْمُبَاحِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ يُؤْكَلُ مَا أُمُّهُ، وَهُوَ عَلَى خِلْقَةِ الْمُبَاحِ

стр. 186

وَغَيْرُهُ لَا يُؤْكَلُ قَالَ عج مَا تَوَلَّدَ مِنْ الْمُبَاحِ، وَغَيْرِهِ مِنْ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ هَلْ تَكُونُ فَضَلْتُهُ طَاهِرَةً أَوْ نَجِسَةً، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْأُمِّ لِقَوْلِهِمْ كُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا اهـ. قَالَ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ صُورَةُ مُحَرَّمٍ كَأَنْ وَلَدَتْ الْبَقَرَةُ بَغْلًا أَوْ حِمَارًا فَيَحْرُمُ احْتِيَاطًا كَمَا أَنَّهُ إنْ كَانَتْ صُورَتُهُ مُبَاحَةً، وَأُمُّهُ مُحَرَّمَةً أُلْحِقَ بِهَا احْتِيَاطًا اهـ. وَقَالَ الْخَرَشِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ، وَذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمَّةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأُمِّ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهَا فَلَوْ وُجِدَ خِنْزِيرٌ بِبَطْنِ شَاةٍ أَوْ بَغْلٌ بِبَطْنِ بَقَرَةٍ لَمْ يُؤْكَلْ بِخِلَافِ شَاةٍ بِبَطْنِ بَقَرَةٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ اهـ. قَالَ مُحَشِّيهِ الْعَدَوِيُّ قَوْلُهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأُمِّ أَيْ بِأَنْ كَانَ يَجُوزُ أَكْلُهُ مَعَ الْأُمِّ، وَلَوْ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فَلَوْ وُجِدَ خِنْزِيرٌ فِي بَطْنِ شَاةٍ فَلَا يُؤْكَلُ كَمَا إذَا وُجِدَتْ شَاةٌ بِبَطْنِ خِنْزِيرَةٍ فَلَوْ أَنَّ تِلْكَ الشَّاةَ كَبُرَتْ، وَوَلَدَتْ فَتُؤْكَلُ أَوْلَادُهَا حَيْثُ حَمَلَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَأْكُولِ اهـ. [شُرْبِ الدُّخَانَ فِي مَجْلِسِ الْقُرْآنِ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا يَقَعُ بِكَثْرَةٍ فِي بِلَادِ الْأَرْيَافِ مِنْ شُرْبِ حَاضِرِي مَجْلِسِ الْقُرْآنِ الدُّخَانَ مُسْتَنِدِينَ لِفِعْلِ الْقُرَّاءِ ذَلِكَ فَهَلْ يَحْرُمُ ذَلِكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يَحْرُمُ ذَلِكَ، وَفِعْلُ الْقِرَاءَةِ ضَلَالٌ لَا يُسْتَنَدُ إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ شَيْخُنَا فِي الْمَنْهَلِ السَّيَّالِ اعْلَمْ أَنَّ الدُّخَانَ الْمَذْكُورَ لَا نَصَّ فِيهِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ لِعَدَمِ وُجُودِهِ فِي أَزْمِنَتِهِمْ، وَإِنَّمَا حَدَثَ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الْعَاشِرِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ بِالْحِلِّ، وَالْحُرْمَةِ فَقَالَ يَحِلُّ مَا لَا يَغِيبُ الْعَقْلُ مِنْهُ سَيِّدِي عَلِيُّ الْأُجْهُورِيُّ، وَأَلَّفَ فِيهِ رِسَالَةً، وَاسْتَدَلَّ فِيهَا بِكَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَغَيْرِهِمْ. وَاعْتَمَدَ مَا قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَهُ، وَقَالَ بِحُرْمَتِهِ سَيِّدِي إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ، وَأَلَّفَ فِيهِ رِسَالَةً نَحْوَ الْكُرَّاسَتَيْنِ قَالَ فِيهَا قَدْ حَدَثَ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الْعَاشِرِ شَيْءٌ يُقَالُ لَهُ الدُّخَانُ، وَلِلْعَامَّةِ فِيهِ عِبَارَاتٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهِ الطَّابِغَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهِ التُّنْبَاكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهِ التُّتْن وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهِ التَّابِعَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهِ الدُّخَانَ أَوَّلُ مَنْ جَلَبَهُ إلَى بَرِّ الرُّومِ الْجِيلُ الْمُسَمَّى بِالْإِنْكِلِيزِ مِنْ النَّصَارَى، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ بِأَرْضِ الْمَغْرِبِ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ يَزْعُمُونَهُ حَكِيمًا لَهُ فِيهِ نَظْمٌ، وَنَثْرٌ، وَذَكَرَ لَهُمْ فِيهِ مَنَافِعَ عِدَّةً، وَزَادَ عَلَيْهِ أَرْبَابُ الْبَطَالَةِ كَثِيرًا، وَأَوَّلُ مَنْ أَخْرَجَهُ بِبِلَادِ السُّودَانِ الْمَجُوسِ، ثُمَّ جُلِبَ إلَى مِصْرَ، وَالْحِجَازَ، وَالْيَمَنِ، وَالْهِنْدِ، وَغَالِبِ أَقْطَارِ الْإِسْلَامِ فَفِي أَوَائِلِ شُيُوعِهِ بِمِصْرَ دَخَلَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ تَافِيلَانِ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ يُقَالُ: لَهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلَ عَنْهُ شَيْخَنَا، وَقُدْوَتَنَا الْعَلَّامَةُ سَالِمٌ السَّنْهُورِيُّ فَأَفْتَاهُ بِالتَّحْرِيمِ، وَلَازَمَ شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْإِفْتَاءَ بِذَلِكَ إلَى أَنْ مَاتَ لَمْ يُخَالِفْهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ، وَشَاهَدْت ذَلِكَ مِنْهُ سَمَاعًا، وَكِتَابَةً، وَتَابَعَهُ عَلَى

стр. 187

ذَلِكَ أَهْلُ الدِّينِ، وَالصَّلَاحِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدُّخَانَ فِي شُرْبِهِ خِلَافٌ بِالْحِلِّ، وَالْحُرْمَةِ فَالْوَرَعُ عَدَمُ شُرْبِهِ، وَبَيْعُهُ، وَسِيلَةٌ لِشُرْبِهِ فَيُعْطَى حُكْمُهُ انْتَهَى. وَكُلُّ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، وَالْمَحَافِلِ، وَأَمَّا فِيهَا فَلَا شَكَّ فِي التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ لَهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً، وَإِنْكَارُهَا عِنَادٌ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَعَاطِي مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَحَافِلِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يَشْتَدُّ التَّحْرِيمُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ التَّعْظِيمِ، وَمَنْ أَنْكَرَ مِثْلَ هَذَا لَا يُخَاطَبُ لِجُحُودِهِ أَوْ عِنَادِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ يَصْنَعُ ذِكْرًا فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنْ اللَّيَالِي الْفَاضِلَةِ، وَيَدْعُو أَهْلَ الذِّكْرِ فَهَلْ إذَا تَوَجَّهَ غَيْرُهُمْ مَعَهُمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِلَا دَعْوَةٍ، وَأَكَلَ مِمَّا يُجْعَلُ لَهُمْ فِيهَا كَالْعَكِّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الطَّعَامُ الْمَجْعُولُ لِلْفُقَرَاءِ الذَّاكِرِينَ خَارِجٌ مَخْرَجَ الصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ بِحَيْثُ يَقْصِدُ بِهِ مُخْرِجُهُ كُلَّ حَاضِرٍ فَيَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ يَحْضُرُ مَعَهُمْ تَنَاوُلُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ يَصْنَعُ، وَلِيمَةً لِجَمَاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَهَلْ إذَا حَضَرَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ بِلَا دَعْوَةٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ، وَلَوْ كَانَ تَابِعًا لِبَعْضِ الْمَدْعُوِّينَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْبَاقِي عَقِبَ قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ، وَلَا يَدْخُلُ غَيْرُ مَدْعُوٍّ إلَّا بِإِذْنِهِ فَيَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ مَعَ حُرْمَةِ مَجِيئُهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَدْعُوٍّ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ تَابِعِ ذِي قَدْرٍ عُرِفَ عَدَمُ مَجِيئُهُ، وَحْدَهُ لِوَلِيمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا اهـ. قَالَ الشَّيْخُ الْعَدَوِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ عَبْدِ الْبَاقِي، وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ الدُّسُوقِيُّ أَيْ جَوَازُ الدُّخُولِ، وَالْأَكْلِ؛ لِأَنَّهُ مَدْعُوٌّ حُكْمًا بِدَعْوَةِ مَتْبُوعِهِ اهـ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [رَجُلٍ قَالَ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى شُرْبِ الدُّخَانِ أَشَدُّ مِنْ الزِّنَا فَمَاذَا يَلْزَمُهُ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ قَالَ: الِاسْتِمْرَارُ عَلَى شُرْبِ الدُّخَانِ أَشَدُّ مِنْ الزِّنَا فَمَاذَا يَلْزَمُهُ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ اللَّائِقُ بِحَالِهِ مِنْ تَوْبِيخٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ قَيْدٍ لِتَجَرُّئِهِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَغْيِيرِهِ لَهَا فَإِنَّ حُرْمَةَ الزِّنَا قَطْعِيَّةٌ إجْمَاعِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ، وَفِي حُرْمَةِ الدُّخَانِ خِلَافٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِخَوْفِ ضَرْبٍ مُؤْلِمٍ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟

стр. 188

فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ التَّتَّائِيُّ عَنْ سَحْنُونَ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ لَمْ يَجُزْ إلَّا لِخَوْفِ الْقَتْلِ اهـ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ، وَالْمَذْهَبُ تَعَلُّقُهُ بِهِ فَكَيْفَ بِمَا مَرَّ مِنْ خَوْفِ مُؤْلِمٍ إلَخْ، وَهُوَ قَوْلٌ لِسَحْنُونٍ أَيْضًا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لَا مَا ذَكَرَهُ ثَبَتَ عَنْهُ، وَلَكِنْ رُبَّمَا يُسْتَبْعَدُ جَوَازُ تَنَاوُلِ الْخَمْرِ بِخَوْفِ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ لِذِي مُرُوءَةٍ بِمَلَأٍ قَالَهُ عج اهـ. عَبْدُ الْبَاقِي. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الْآيَةَ، هَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ، وَلَا حُرْمَةَ عَلَيْهِمْ فِي أَكْلِ ذِي الظُّفُرِ، وَمَا بَعْدَهُ فِي الْآيَةِ أَوْ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا ذُكِرَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الأنعام: ١٤٦] الْآيَةَ لَيْسَ مِنْ شَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ بَلْ قَاصِرٌ عَلَى الْيَهُودِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْأَغْبِيَاءِ الْمُدَّعِينَ لِلْعِلْمِ إنَّمَا هِيَ حِكَايَةٌ عَنْ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى ﵊ وَقَدْ نُسِخَتْ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَالْيَهُودُ يُبَاحُ لَهُمْ فِي شَرْعِنَا ذُو الظُّفُرِ، وَمَا بَعْدَهُ فِي الْآيَةِ مِثْلُنَا سَوَاءٌ، وَلَكِنْ لَا تُعْمَلُ ذَكَاتُهُمْ فِيهِ لِاعْتِقَادِهِمْ حُرْمَتَهُ فَإِنْ ذَكَّوْهُ صَارَ مَيْتَةً مُحَرَّمًا عَلَيْنَا، وَعَلَيْهِمْ فَشَرْطُ إبَاحَتِهِ أَنْ يُذَكِّيَهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ نَصَّ الشَّيْخُ الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْخَرَشِيِّ عَلَى أَنَّ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الأنعام: ١٤٦] الْآيَةَ حِكَايَةٌ عَنْ شَرْعِهِمْ، وَكَذَا فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ، وَزَادَ التَّنْبِيهَ عَلَى نَسْخِهِ بِشَرْعِنَا، وَنَصُّهُ قَوْلُهُ إنْ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِشَرْعِنَا؛ لِأَنَّ أَخْبَارَ شَرَعْنَا لَهُ قُوَّةٌ، وَإِنْ نُسِخَ بِشَرْعِنَا اهـ. وَقَالَ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ قِيلَ: فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] هُوَ سَمِينُ اللَّحْمِ، وَقِيلَ: هُوَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَذَا اُخْتُلِفَ فِي ذِي الظُّفُرِ، وَفِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] ، وَلَيْسَ بِنَا إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ حَاجَةٌ؛ لِأَنَّ تِلْكَ شَرِيعَةٌ قَدْ نُسِخَتْ، وَلَكِنْ بِنَا أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ كَانَ بِبَغْيِهِمْ، وَبَطَلَ بِذَلِكَ دَعْوَاهُمْ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ، وَأَحِبَّاؤُهُ فَإِنَّ الْأَبَ، وَالْحَبِيبَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ عَلَى الِابْنِ، وَالْحَبِيبِ بِأَدْنَى ظُلْمٍ، وَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى صِدْقِ رِسَالَةِ النَّبِيِّ ﵊ فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا كَانُوا يُخْفُونَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظَاهِرًا عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بِاَللَّهِ عَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنْهُ إلَيْهِ اهـ. وَقَالَ الثَّعَالِبِيّ فِي تَفْسِيرِهِ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الْآيَةَ هَذَا خَبَرٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ الْيَهُودِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا شَيْئًا، وَإِنَّمَا حَرَّمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا

стр. 189

مَا حَرَّمَهُ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ، وَمَا جَانَسَهَا مِنْ آيَاتِ مَكَّةَ مُرْتَفِعٌ حُكْمُهَا اهـ. وَقَالَ فِي الْبَيَانِ إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بَلْ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِشَرِيعَةِ عِيسَى ﷺ كَمَا فِي تَفْسِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ، وَالنَّسَفِيِّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] أَيْ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى ﵊ كَالشُّحُومِ، وَالثُّرُوبِ، وَالسَّمَكِ، وَلُحُومِ الْإِبِلِ، وَالْعَمَلِ فِي السَّبْتِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَرْعَهُ مَا كَانَ نَاسِخًا لِشَرْعِ مُوسَى، وَثَبَتَ نَسْخُ ذَلِكَ بِشَرْعِنَا بِنَهْيِ الْقُرْآنِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ مِمَّا حُرِّمَ فِي شَرْعِهِمْ اهـ وَقَالَ النَّسَفِيُّ قَالَ يَمَانُ بْنُ رَبَابَ هِيَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنْ اللُّحُومِ، وَالشُّحُومِ، وَكُلِّ ذِي ظُفُرٍ. [حُكْمِ أَكْلِ الْفَسِيخِ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي حُكْمِ أَكْلِ الْفَسِيخِ الْمَعْرُوفِ بِمِصْرَ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ حُكْمُهُ الْحُرْمَةُ لِنَجَاسَتِهِ بِشُرْبِهِ مِنْ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ حَالَ وَضْعِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: " وَدَمٌ مَسْفُوحٌ وَإِنْ مِنْ سَمَكٍ فَمَا شَرِبَهُ مِنْ الْمِلْحِ بَعْدَ انْفِصَالِهِ نَجِسٌ " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي أَكْلِ الْيَهُودِ ذَا الظُّفُرِ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ وقَوْله تَعَالَى " ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] " الْآيَةُ حِكَايَةٌ عَنْ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ الْمَنْسُوخَةِ بِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا قُلْتُمْ بِذَلِكَ فَهَلْ لَهُ تَذْكِيَتُهُ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ لَا فَمَا وَجْهُ ذَلِكَ مَعَ إبَاحَتِهِ لَهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ أَكْلُ الْيَهُودِ ذَا الظُّفُرِ مُبَاحٌ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الأنعام: ١٤٦] الْآيَةُ إخْبَارٌ عَنْ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ تَكْذِيبًا لَهُمْ فِي إنْكَارِهِمْ ذَلِكَ وَقَوْلِهِمْ " نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ، وَأَحِبَّاؤُهُ " لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا فِي التَّوْرَاةِ شَيْئًا وَ ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] كَمَا أَطْبَقَ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ الْمُفَسِّرِينَ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَعْبِيرُهُ تَعَالَى بِالْمَاضِي، وَتَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى " ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] " فَإِنَّ الصِّدْقَ مِنْ خَوَاصِّ الْخَبَرِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ شَرِيعَةَ التَّوْرَاةِ، وَسَائِرَ الشَّرَائِعِ مَنْسُوخَةٌ بِشَرِيعَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَكُونُ هَذَا التَّحْرِيمُ الْمَحْكِيُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ مَنْسُوخًا نَسْخًا مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] " الْآيَةُ نَصٌّ فِي نَسْخِهِ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] " وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ

стр. 190

أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ أَحَدُ إمَامَيْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَفْسِيرِهِ عَقِبَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي الْمُرَادِ مِنْ قَوْله تَعَالَى " ﴿إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] وَمِنْ ذِي الظُّفُرِ مَا نَصُّهُ، وَلَيْسَ بِنَا إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ حَاجَةٌ؛ لِأَنَّ تِلْكَ شَرِيعَةٌ قَدْ نُسِخَتْ، وَلَكِنْ بِنَا أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ كَانَ بِبَغْيِهِمْ، وَبَطَلَ بِذَلِكَ دَعْوَاهُمْ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ، وَأَحِبَّاؤُهُ فَإِنَّ الْأَبَ، وَالْحَبِيبَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ عَلَى الِابْنِ، وَالْحَبِيبِ بِأَدْنَى ظُلْمٍ. وَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى صِدْقِ رِسَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا كَانُوا يُخْفُونَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظَاهِرًا عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بِاَللَّهِ عَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنْهُ إلَيْهِ اهـ. نَقَلَهُ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَغَرَضُنَا مِنْهُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ تِلْكَ شَرِيعَةٌ نُسِخَتْ، ثُمَّ نَقُولُ: بَلْ لَنَا بِذَلِكَ حَاجَةٌ؛ لِأَنَّا، وَإِنْ أَبَحْنَا لَهُمْ ذَا الظُّفُرِ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ تَذْكِيَتُهُ لِمَا سَتَعْلَمُهُ وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ نَقَلَهُ الْبُنَانِيُّ وَالْعَدَوِيُّ وَالدُّسُوقِيُّ، وَصَرَّحَ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ بِنَسْخِ التَّحْرِيمِ الْمَحْكِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا إبَاحَةُ أَكْلِ الْيَهُودِ ذَا الظُّفُرِ، وَمَا مَعَهُ فِي الْآيَةِ فِي شَرِيعَتِنَا إبَاحَةً مَعْلُومَةً مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ ذَبْحُهُ، وَلَا نَحْرُهُ، وَإِنْ ذَبَحَهُ أَوْ نَحَرَهُ صَارَ مَيْتَةً مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، وَعَلَيْنَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ نِيَّةَ التَّذْكِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا، وَلَوْ مِنْ الْكِتَابِيِّ اتِّفَاقًا؛ وَلِذَا لَا تُؤْكَلُ مَوْقُوذَتُهُ الَّتِي صَادَفَتْ وَقْذَتُهُ فِيهَا هَيْئَةَ الذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ لَا تُتَصَوَّرُ مِنْهُ فِيهِ لِاعْتِقَادِهِ تَحْرِيمَهُ كَمَا لَا تُتَصَوَّرُ مِنْ الْمُسْلِمِ فِي ذَبْحِ الْخِنْزِيرِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ؛ وَلِذَا شَرَطَ أَئِمَّتُنَا فِي صِحَّةِ ذَبْحِ، وَنَحْرِ الْكِتَابِيِّ فِعْلَهُ فِيمَا يَعْتَقِدُ حِلَّهُ لَهُ قَالُوا فَإِنْ ذَبَحَ أَوْ نَحَرَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِ صَارَ مَيْتَةً مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، وَعَلَيْنَا إنْ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ بِشَرْعِنَا، وَإِنْ نُسِخَ كَذِي الظُّفُرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَهُودِ، وَأَلَّا يَثْبُتَ بِشَرْعِنَا بِأَنْ أَخْبَرَنَا هُوَ بِهِ فَقَطْ كُرِهَ لَنَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُتَشَابِهِ لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ فِي إخْبَارِهِ، وَأَنَّهُ مُعْتَقِدٌ حِلَّهُ لَهُ فَيَتَأَتَّى مِنْهُ نِيَّةُ الذَّكَاةِ فِيهِ، وَاحْتِمَالُ صِدْقِهِ فِيهِ فَلَا يَتَأَتَّى مِنْهُ فِيهِ فَتَوَسَّطْنَا بِالْكَرَاهَةِ، وَلَوْلَا الِاضْطِرَابُ مِمَّنْ وُسِمُوا بِالْعِلْمِ، وَتَصَدَّوْا لِلتَّعْلِيمِ، وَأَفْنَوْا عُمُرَهُمْ فِيهِ مَا تَعَرَّضْت لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ " ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَآلِهِ أَجْمَعِينَ صَلَاةً، وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. كَتَبَ إلَيَّ بَعْضُ الْإِخْوَانِ مَا نَصُّهُ: إنَّك أَزَلْت فِي مَسْأَلَةِ ذِي الظُّفُرِ، وَمَا مَعَهُ - غِطَاءَ جَهْلٍ كَانَ عَلَى آبَاءِ أَمْثَالِنَا، وَنَحْنُ عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ إلَى أَنْ كَشَفْتَهُ بِسَنَا نُورِكَ، وَفَيْضِ اللَّهِ عَلَيْكَ مِنْ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِهِ عَلَى الْيَهُودِ بِشَرْعِنَا، وَلَا شَكَّ أَنَّكَ دَخَلْت بِهَذَا تَحْتَ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَلَكِنْ أَسْتَعْلِمُكَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا وَرَدَ عَلَى فِكْرِي، وَهُوَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] الْآيَةَ عَلَى أَنَّهُ حِكَايَةٌ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ يُنَاقِضُهُ

стр. 191

قَوْله تَعَالَى " ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] لِأَنَّ ظُلْمَهُمْ هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ نَقْضِهِمْ الْمِيثَاقَ، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَبُهْتَانِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ وَقَوْلِهِمْ إنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ سَبَبٌ لِلتَّحْرِيمِ، وَالتَّحْرِيمُ وَقَعَ فِي التَّوْرَاةِ كَمَا اقْتَضَاهُ آيَتُهَا عَلَى مَا مَرَّ، وَظُلْمُهُمْ هَذَا بَعْدَ التَّوْرَاةِ، وَالسَّبَبُ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الْمُسَبِّبِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ فِي تَفْسِيرٍ قَوْله تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] أَيْ، وَكَانَ إحْلَالُهَا لَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، ثُمَّ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ، وَهِيَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] الْآيَةَ اهـ. وَالتَّوْرَاةُ نَزَلَتْ جُمْلَةً لَمْ يَنْسَخْ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣] الْآيَةَ لِقَوْلِ الْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ نَزَلَ لَمَّا قَالَ الْيَهُودُ إنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ لُحُومَ الْإِبِلِ، وَأَلْبَانَهَا ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ [آل عمران: ٩٣] الْآيَةَ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَهَا " ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] "، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ تَكْذِيبًا لَهُمْ فِي ادِّعَائِهِمْ التَّحْرِيمَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وقَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يُوجَدْ فِي التَّوْرَاةِ، وَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَمَا وَجْهُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الأنعام: ١٤٦] حِكَايَةً عَنْ التَّوْرَاةِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ غَرَضِي بِالْجَوَابَيْنِ السَّابِقَيْنِ تَحْرِيرَ كَوْنِ تَحْرِيمِ ذِي الظُّفُرِ، وَمَا مَعَهُ وَقَعَ فِي التَّوْرَاةِ أَوْ سِوَاهَا إذَا لَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ إنَّمَا كَانَ الْغَرَضُ مِنْهُمَا إبْطَالَ مَا اعْتَقَدَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُعَاصِرِينَ أَنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَقَدْ تَبِعْت فِي قَوْلَيْ فِي الْجَوَابِ الثَّانِي إخْبَارٌ عَنْ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ - عِبَارَةَ الْإِمَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ حَسْبَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْبُنَانِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَهِيَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ فَتُوَافِقُ عِبَارَتِي فِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ، وَشَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ تَصْدُقُ بِمَا عُلِمَ مِنْ التَّوْرَاةِ بِمَا عُلِمَ مِمَّا نَزَلَ عَلَى مُوسَى بَعْدَهَا إذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ شَرِيعَةِ رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى ﵊، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ تَحْرِيمَ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَأَلْبَانِهَا عَلَى الْيَهُودِ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَيْسَ فِيهَا تَحْرِيمُ غَيْرِهِمَا مِمَّا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ حُرِّمَ عَلَى نُوحٍ قَبْلَهُمْ، وَأَنَّهُ دَامَ إلَى إبْرَاهِيمَ حَتَّى قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ، وَتَسْتَحِلُّ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ مِمَّا نَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ عَلَيْنَا الْيَوْمَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَكَذَّبَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ [آل عمران: ٩٣] الْآيَاتِ. وَأَمَّا تَحْرِيمُ ذِي الظُّفُرِ، وَمَا مَعَهُ فَكَانَ بَعْدَ التَّوْرَاةِ، وَحَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِآيَتَيْ النِّسَاءِ، وَالْأَنْعَامِ تَكْذِيبًا لَهُمْ، وَرَدًّا عَلَيْهِمْ فِي إنْكَارِهِمْ ذَلِكَ وَقَوْلِهِمْ: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ، وَأَحِبَّاؤُهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا شَيْئًا إنَّمَا حَرَّمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَرَعًا، وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِوُقُوفِكَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ، وَنَصُّهُ وقَوْله تَعَالَى ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: ٩٣]

стр. 192

قَالَ الْكَلْبِيُّ كَانَ يَعْقُوبُ يَشْتَكِي عِرْقَ النَّسَا، وَكَانَ أَصْلُ وَجَعِهِ أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنْ حَرَّانَ يُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَلَقِيَهُ مَلَكٌ، وَهُوَ خَلْفَ الْأَثْقَالِ فَظَنَّ يَعْقُوبُ أَنَّهُ لِصٌّ فَعَالَجَهُ أَنْ يُصَارِعَهُ فَغَمَزَ الْمَلَكُ فَخِذَ يَعْقُوبَ فَكَانَ يَبِيتُ اللَّيْلَ سَاهِرًا، وَيَنْصِبُ نَهَارَهُ فَأَقْسَمَ لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ إلَيْهِ عَلَى نَفْسِهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ لُحُومَ الْإِبِلِ، وَأَلْبَانَهَا، وَكَانَا أَحَبَّ الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ إلَيْهِ. ثُمَّ اسْتَنَّ، وَلَدُهُ بِسُنَّتِهِ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِيهَا لُحُومَ الْإِبِلِ، وَأَلْبَانَهَا لِتَحْرِيمِ إسْرَائِيلَ عَلَى نَفْسِهِ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَهُودَ فَقَالُوا: كُلُّ شَيْءٍ أَصْبَحْنَا الْيَوْمَ نُحَرِّمُهُ فَإِنَّهُ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى نُوحٍ حَتَّى انْتَهَى إلَيْنَا فَنَزَلَتْ الْآيَةُ ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] فِي دَعْوَاكُمْ فَكَرِهُوا أَنْ يَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ. فِي التَّوْرَاةِ غَيْرُ الَّذِي حُرِّمَ بِظُلْمِهِمْ، وَكُفْرِهِمْ فَكُلُّ شَيْءٍ هُوَ حَلَالٌ الْيَوْمَ كَانَ حَلَالًا لِآدَمَ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ فَأَمَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْيَهُودِ فَبِظُلْمِهِمْ كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ إذَا أَصَابُوا ذَنْبًا عَظِيمًا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمْ طَعَامًا طَيِّبًا وَصَبَّ عَلَيْهِمْ رِجْسًا، وَهُوَ الْمَوْتُ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] وَقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] . وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّوْرَاةِ، وَكَانَتْ فِي التَّوْرَاةِ حَلَالًا لَهُمْ فَالْآيَةُ رَدٌّ عَلَى الْيَهُودِ أَيْضًا كَالْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ عَلَى دِينِنَا، وَالْمُحَرَّمَاتِ الْيَوْمَ مُحَرَّمَاتُ زَمَانِهِ، وَلَا يَرَوْنَ نَسْخَ الشَّرَائِعِ فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مُحَرَّمَاتِ زَمَنِ إبْرَاهِيمَ، وَلَسْتُمْ عَلَى دِينِهِ. ثُمَّ قَالَ، وَحُرِّمَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ بَعْدَ التَّوْرَاةِ مَا ذُكِرَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الْآيَةَ، وَالْيَهُودُ كَانُوا يَقُولُونَ هَذَا: كُلُّهُ كَانَ حَرَامًا مِنْ زَمَنِ نُوحٍ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] فَاسْتَحْضَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُحْضِرُوهَا لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ، وَفِي ذَلِكَ أَوْضَحُ دَلَالَةٍ عَلَى صِدْقِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ. [مَسَائِلُ الْأَيْمَانِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْأَيْمَانِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تَشَاجَرَ مَعَ زَوْجَتِهِ، وَحَلَفَ وَقَالَ، وَأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَقْرُبُهَا بِجِمَاعٍ فَمَاذَا يَلْزَمُهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟

стр. 193

فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ قَصَدَ تَعْلِيقَ لُزُومِ الْأَيْمَانِ لَهُ عَلَى جِمَاعِهَا فَهُوَ مُولٍ، وَحَالِفٌ عَلَى تَرْكِهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ فَإِنْ وَطِئَهَا لَزِمَهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فِيهَا، وَفِي كُلِّ مَنْ فِي عِصْمَتِهِ، وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ بِاَللَّهِ، وَهَكَذَا مَنْ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِهِ وَقَبْلَ، وَطِئَهَا فِيهِ خِلَافٌ فَقِيلَ: يُنْجَزُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ، وَقِيلَ: يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ لَعَلَّهَا تَرْضَى بِالْمَقَامِ بِلَا وَطْءٍ، وَإِنْ قَصَدَ الْقَسَمَ بِالْأَيْمَانِ كَمَا يُقْسِمُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا قَالَ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ فَإِنْ قَالَ بِصَوْمِ الْعَامِ وَجَعَلَ الصَّوْمَ مُقْسَمًا بِهِ كَمَا يُقْسِمُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا صَوْمُ الْعَامِ لَا فَعَلْت لَا شَيْءَ فِيهِ، وَكَانَ شَيْخُنَا - عَلَيْهِ سَحَائِبُ الرَّحْمَةِ - يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ كَثِيرًا يُوهِمُ السَّامِعَ أَنَّهُ حَلَفَ، وَمِنْ هُنَا لَوْ قَالَ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَتَاقِ جَاعِلًا كُلًّا مِنْهُمَا مُقْسَمًا بِهِ كَمَا يُقْسِمُ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ حَلَّ عِصْمَةٍ، وَلَا تَحْرِيرًا لَا شَيْءَ فِيهِ كَمَا سَمِعْتُهُ مِنْ شَيْخِنَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ. وَفِي الْمَجْمُوعِ فِي الْإِيلَاءِ أَوْ إنْ وَطِئْتُك فَأَنْت طَالِقٌ، وَنَوَى بِبَقِيَّةِ وَطْئِهِ الرَّجْعَةَ، وَلَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا إلَّا بِالثَّلَاثِ فَهَلْ يُنْجَزُ الثَّلَاثُ أَوْ يُضْرَبُ الْأَجَلُ لَعَلَّهَا تَرْضَى بِالْمَقَامِ بِلَا وَطْءٍ - خِلَافٌ اهـ. قَالَ ابْنُ سَلَّمُونِ، وَيَلْزَمُ الْحَلِفُ بِالْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةُ عِتْقِ مَنْ يَمْلِكُ حِينَ الْحِنْثِ، وَالْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّدَقَةُ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ إطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ، وَكَفَّارَةُ ظِهَارٍ، وَصَوْمُ سَنَةٍ إنْ كَانَ مُعْتَادًا لِلْيَمِينِ بِهَا، وَطَلَاقُ نِسَائِهِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الطَّلَاقِ فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِيهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْكَاتِبِ، وَجُلِّ فُقَهَاءِ الْقَيْرَوَانِ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ، وَهُوَ الَّذِي أَسْتَحْسِنُهُ، وَكَانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ بِهِ أَيْضًا فُقَهَاءُ طُلَيْطِلَة قَالَ ابْنُ مُغِيثٍ فِي، وَثَائِقِهِ. وَاَلَّذِي أَخْتَارُهُ، وَأَقُولُ بِهِ إلْزَامُهُ الْوَاحِدَةَ، وَبِهِ قَالَ أَيْضًا الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالْأَنْدَلُسِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ ثَلَاثٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَابْنِ رَافِعٍ رَأْسَهُ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْقَيْرَوَانِ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ جُلُّ فُقَهَاءِ الْأَنْدَلُسِ، وَفُقَهَاءِ قُرْطُبَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ. قَالَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي عَلَى مَذْهَبٍ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَيَجِبُ أَنْ يَلْزَمَ الْحَالِفَ الْيَوْمَ بِهَا الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ الْيَوْمَ يَحْلِفُونَ بِالطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِالْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ التَّغْلِيظُ، وَالتَّشْدِيدُ وَقَدْ قَارَبَتْ الْفَتْوَى بِهَا الْيَوْمَ الْخُرُوجَ

стр. 194

مِنْ الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِلْزَامَ الْحَالِفِ بِهَا الثَّلَاثُ، وَسُئِلَ عَنْهَا أَبُو عِمْرَانَ الْفَاسِيُّ فَقَالَ الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْوَاحِدَةَ عَلَيْهِ بِلَا شَكٍّ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ الثَّلَاثَ وَقَدْ. قِيلَ: إنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهَا سِوَى الِاسْتِغْفَارِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ، وَحَكَى أَيْضًا عَنْ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقِيلَ: الَّذِي يَجِبُ فِيهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ إطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ حَكَى ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِيهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْإِشْبِيلِيِّ، وَالْقَوْلُ بِطَلَاقِ الثَّلَاثِ، وَطَلَاقِ السُّنَّةِ هُمَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ، وَأَشْبَهُ بِطَرِيقِ الْعِلْمِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهٌ مِنْ النَّظَرِ، وَالْقِيَاسِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَهُ نِيَّتُهُ بِاتِّفَاقٍ إذْ هِيَ مِنْ الْكِنَايَاتِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: فَإِنْ جَرَى بِهَا عُرْفٌ فِي بَلَدٍ مِنْ الْبِلَادِ كَانَ الْعَمَلُ فِيهَا بِحَسَبِ الْعُرْفِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْ عِنْدَ دَعْوَى النِّيَّةِ الْمُخَالِفَةِ لِلْعُرْفِ قَالَ وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُهُمْ فِيهَا بِفَتْوَى غَرِيبَةٍ، وَهِيَ إنْ كَانَ الْحَالِفُ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْعَفَافِ، وَالصَّلَاحِ، وَلَمْ يَعْتَدْ الْحَلِفَ بِهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَتْ مِنْهُ عَلَى ضَجَرٍ فَتَلْزَمُهُ الْوَاحِدَةُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الدِّعَارَةِ، وَالشَّرِّ، وَمِمَّنْ يَصْرِفُ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ، وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ عِنْدِي اهـ. كَلَامُ ابْنِ سَلَّمُونِ. [رَجُلٍ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَيَتَوَضَّأَنَّ فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يَسْتَنْجِ فَهَلْ يُبِرُّ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَيَتَوَضَّأَنَّ فَتَوَضَّأَ، وَلَمْ يَسْتَنْجِ فَهَلْ يُبِرُّ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ بَرَّ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ الْوُضُوءَ بِدُونِ اسْتِنْجَاءٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَطْرًا مِنْ الْوُضُوءِ، وَلَا شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ نَعَمْ يُنْدَبْ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ مَا أَنَا دَاخِلٌ دَارَ فُلَانٍ فَهَلْ إذَا دَخَلَهَا يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ، وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ فَقَطْ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ . فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ تَلْزَمُهُ. الثَّلَاثُ، وَكَفَّارَةٌ فَقَطْ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَإِلَّا لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ اتِّفَاقًا إذْ هِيَ مِنْ الْكِنَايَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَالطَّلَاقُ كَعُرْفِ أَهْلِ مِصْرَ الْآنَ، وَإِلَّا لَزِمَهُ مُقْتَضَى الْحِنْثِ فِي كُلِّ مَا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ، وَبِفَرْعٍ فِي لَا آكُلُ مِنْ كَهَذَا الطَّلْعِ إلَخْ هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ، ثُمَّ عُرْفٌ قَوْلِيٌّ إلَخْ، وَعَلَى اعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ هَلْ لَا يَحْنَثُ مَنْ قَالَ لَا آكُلُ مِنْ هَذَا الطَّلْعِ أَوْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ بِفَرْعِ كُلٍّ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ فِي زَمَانِنَا بِاسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ فِي خُصُوصِ الْأَصْلِ لَا فَرْعِهِ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟

стр. 195

فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ، ثُمَّ عُرْفٌ قَوْلِيٌّ إلَخْ يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ، وَالْبِسَاطُ، وَلَكِنْ يَحْنَثُ مَنْ قَالَ لَا آكُلُ مِنْ هَذَا الطَّلْعِ أَوْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ مَثَلًا بِفُرُوعِ كُلٍّ إذَا لَيْسَ الْمُدْرَكُ إطْلَاقَ الطَّلْعِ أَوْ اللَّبَنِ أَوْ الْبُرِّ عَلَى فَرْعِهِ لُغَةً أَوْ عُرْفًا مَنْسُوخَيْنِ حَتَّى يَلْزَمَ عَدَمُ الْحِنْثِ الْآنَ بِفَرْعِ كُلٍّ لِعَدَمِ إطْلَاقِ كُلٍّ عَلَى فَرْعِهِ فِي زَمَنِنَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُطْلَقُ عَلَى فُرُوعِهَا لُغَةً أَيْضًا، وَلَا شَرْعًا، وَلَا عُرْفًا مَنْسُوخًا إنَّمَا الْمُدْرَكُ إتْيَانُهُ بِلَفْظٍ مِنْ الْمُفِيدَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لِلِاسْتِغْرَاقِ نَصًّا فَالْمَعْنَى لَا آكُلُ شَيْئًا كَائِنًا مِنْ هَذَا الْأَصْلِ، وَهَذَا يَعُمّهُ، وَسَائِرُ فُرُوعِهِ لُغَةً، وَشَرْعًا، وَعُرْفًا مُسْتَمِرًّا خُصُوصًا، وَالْحِنْثُ يَقَعُ بِأَدْنَى سَبَبٍ، وَلِذَا إنْ لَمْ يَأْتِ بِمَنْ كَانَ حَلِفُهُ قَاصِرًا عَلَى الْأَصْلِ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَنْوِ خُصُوصَ الْأَصْلِ أَوْ. يَدُلَّ عَلَيْهِ الْبِسَاطُ، وَإِلَّا كَانَ قَاصِرًا عَلَيْهِ مَعَ مِنْ أَيْضًا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. (وَسُئِلَ) شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ قَالَ عَلَيَّ الْيَمِينُ مَا أَخَذْت الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ نِسْيَانًا مِنْهُ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِصِيغَتِهِ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخَذَهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ أَوْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ . فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَلْزَمُ هَذَا الرَّجُلَ مَا جَرَى بِهِ عُرْفُ أَهْلِ بَلَدِهِ فَإِنْ جَرَى الْعُرْفُ بِأَنَّهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لَزِمَهُ طَلْقَةٌ، وَإِنْ جَرَى بِأَنَّهُ ثَلَاثَةٌ لَزِمَهُ ثَلَاثٌ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ بِالطَّلَاقِ أَصْلًا لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ إنْ كَانَ جَازِمًا بِصِدْقِ نَفْسِهِ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَوْ ظَانًّا ظَنًّا قَوِيًّا قَرِيبًا مِنْ الْجَزْمِ، ثُمَّ ظَهَرَ خِلَافُهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عِنْدَ جَرَيَانِ الْعُرْفِ بِالطَّلَاقِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَزْمِ، وَغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ قَالَ لِشَخْصٍ عَلِمَ اللَّهُ أَنْ تَأْكُلَ مَعَنَا فَقَالَ عَلِمَ اللَّهُ أَلَّا آكُلَ مَعَكُمْ فَهَلْ هَذِهِ أَيْمَانٌ تُعْتَبَرُ، وَتَنْعَقِدُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَتْ هَذِهِ صِيغَةُ يَمِينٍ شَرْعِيَّةٍ فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِمَا بِهَا يَمِينٌ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَنَصُّهُ مَخْرَجًا مِمَّا تَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ الشَّرْعِيَّةُ لَا بَلَّكَ عَلَى عَهْدٍ أَوْ عَزَمْت عَلَيْكَ أَوْ يَعْلَمُ اللَّهُ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَزِمَهُ إثْمُ الْكَذِبِ وَقَوْلُ الْعَامَّةِ مَنْ شَهَّدَ اللَّهَ كَاذِبًا كَفَرَ لَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ أَنَّهُ يُخْفِي عَلَيْهِ الْوَاقِعَ اهـ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَلِمَ، وَيَعْلَمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ عَيْنِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ وَقَوْلُهُ عَلِمَ. بِصِيغَةِ الْفِعْلِ لَيْسَ يَمِينًا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [رَجُلٍ تَشَاجَرَ مَعَ أَوْلَادِهِ وَحَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مَعَهُمْ فَإِذَا أَكَلَ مَعَ الْإِنَاثِ دُونَ الذُّكُورِ فَمَا الْحُكْمُ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تَشَاجَرَ مَعَ أَوْلَادِهِ، وَحَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مَعَهُمْ فَإِذَا أَكَلَ مَعَ الْإِنَاثِ دُونَ الذُّكُورِ

стр. 196

فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إذَا كَانَ تَشَاجُرُهُ مَعَ الْإِنَاثِ أَيْضًا حَنِثَ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ مُعَمِّمَةٌ أَوْ مُخَصِّصَةٌ عَمِلَ بِهَا أَوْ بِسَاطٌ كَذَلِكَ عَمِلَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا حِنْثَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ يَمِينٌ كَيَمِينِ فُلَانٍ أَوْ قَالَ عَلَيَّ يَمِينٌ كَيَمِينِ فُلَانٍ لَأَفْعَلَنَّ، وَحَنِثَ فِيهِمَا، وَتَبَيَّنَ أَنَّ فُلَانًا حَلَفَ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ فَهَلْ يَلْزَمُ هَذَا الْقَائِلَ الطَّلَاقُ؟ أَفِيدُوا. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يَلْزَمُ هَذَا الْقَائِلَ الطَّلَاقُ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِيمَنْ قَالَ عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَفِيمَنْ عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ عَلَى مَشِيئَةِ غَيْرِهِ، وَفِيمَنْ أَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ زَيْدٌ، وَفِيمَنْ أَحْرَمَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ مَا رَأَيْت فِي الْتِزَامَاتِ الْحَطَّابِ مَا نَصُّهُ قَالَ فِي رَسْمِ سِنٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ سُئِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: احْلِفْ، وَيَمِينِي مِثْلُ يَمِينِكَ فَحَلَفَ بِالْعِتْقِ، وَالطَّلَاقِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ إذَا أَنْكَرَهُ مَكَانَهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ صَمَتَ لَزِمَهُ ذَلِكَ الْيَمِينُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ إنَّ ذَلِكَ لَهُ إذَا أَنْكَرَهُ مَكَانَهُ مَعْنَاهُ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا ذَلِكَ عَلَى مَا فِي رَسْمٍ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، وَعَلَى مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَهَذَا أَيْضًا إذَا كَانَتْ لِلْحَالِفِ زَوْجَةٌ إنْ كَانَ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ عَبِيدٌ إنْ كَانَ حَلَفَ بِالْعِتْقِ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ الْحَالِفَ فِي يَمِينِهِ شَيْءٌ لَمْ يَلْزَمْ هَذَا شَيْءٌ لَا أَنْ يَقُولَ مِثْلَ قَوْلِهِ مُحَاكَاةً لَهُ أَوْ يَقُولَ عَلَيَّ مِثْلُ مَا حَلَفْت بِهِ فَيَلْزَمُهُ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ فَالرِّوَايَاتُ كُلُّهَا مُفَسِّرَةٌ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ لَا يُحْمَلُ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى الْخِلَافِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [حَلَفَ عَلَى طَعَامٍ مَخْصُوصٍ فَقَدَّمَتْهُ لَهُ زَوْجَتُهُ وَأَكَلَهُ نَاسِيًا فَهَلْ يَحْنَثُ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى طَعَامٍ مَخْصُوصٍ فَقَدَّمَتْهُ لَهُ زَوْجَتُهُ، وَأَكَلَهُ نَاسِيًا فَهَلْ يَحْنَثُ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يَحْنَثُ إنْ أَطْلَقَ فِي يَمِينِهِ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَبِالنِّسْيَانِ إنْ أَطْلَقَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ طَحِينِ بَهِيمَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَطَحَنَ عَلَيْهَا حَبَّ شَخْصٍ فِي نَظِيرِ طَحْنِ

стр. 197

الْحَالِفِ حَبَّهُ عَلَى بَهِيمَتِهِ فَهَلْ يَحْنَثُ الْحَالِفُ بِأَكْلِهِ مِنْ دَقِيقِهِ أَوْ لَا؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يَحْنَثُ إنْ نَوَى قَطْعَ الْمَنِّ، وَإِلَّا فَلَا، أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ، وَبِمَا أَنْبَتَتْ الْحِنْطَةُ إنْ نَوَى الْمَنَّ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَعَ عِيَالِهِ، وَصَارَ يَنْفَرِدُ بِالْأَكْلِ فِي وِعَاءٍ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ طَعَامًا خَاصًّا فَهَلْ يَحْنَثُ بِذَلِكَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ نَوَى الِانْفِرَادَ بِطَعَامٍ أَوْ دَلَّ بِسَاطٌ عَلَيْهِ حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ خَرَجَ بِزَادٍ لِرِجَالٍ فِي شُغُلٍ فَتَزَاحَمَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْبَلَدِ بِأَزْوَادٍ يَأْخُذُهَا مَعَهُ فَحَلَفَ لَا يَأْخُذُ لِأَحَدٍ رَغِيفًا فَذَهَبُوا عَنْهُ، وَلَحِقَتْهُ امْرَأَةٌ خَارِجَ الْبَلَدِ، وَدَفَعَتْ لَهُ حَمَامَتَيْنِ فِي خِرْقَةٍ فَأَوْصَلَهُمَا، ثُمَّ وَجَدَ مَعَهُمَا رُقَاقَتَانِ فَهَلْ يَحْنَثُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ بِسَاطَ يَمِينِهِ يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِهَا بِالزَّحْمَةِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَحْنَثْ لِدَلَالَةِ بِسَاطِ يَمِينِهِ عَلَى تَخْصِيصِهَا بِحَالِ الزَّحْمَةِ الْمُؤَدِّيَةِ لِلثَّقْلَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ لَبَنِ جَامُوسَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ أَكَلَ فَطِيرًا مَلْتُوتًا بِلَبَنِهَا فَهَلْ حَنِثَ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ لَبَنِ جَامُوسَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ أَكَلَ فَطِيرًا مَلْتُوتًا بِلَبَنِهَا فَهَلْ حَنِثَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ حَنِثَ قَالَ عج: وَإِذَا قَالَ لَا آكُلُ مِنْ لَبَنِ هَذِهِ الشَّاةِ أَوْ مِنْ طَلْعِ هَذِهِ النَّخْلَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا قَالَ لَا آكُلُ مِنْ هَذَا الطَّلْعِ أَوْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ فِي أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي كُلٍّ بِفَرْعِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي أَنَّ مَا قَبْلَ الْيَمِينِ كَمَا بَعْدَهُ فِي صُورَةِ الْإِشَارَةِ إلَى الشَّاةِ أَوْ النَّخْلَةِ، وَأَمَّا الْإِشَارَةُ إلَى اللَّبَنِ أَوْ الطَّلْعِ فَلَا يَحْنَثُ فِيهَا بِالْفَرْعِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْيَمِينِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى شَيْءٍ لَا يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَدَخَلَ بِهِ شَخْصٌ آخَرُ نَاسِيًا] (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى شَيْءٍ لَا يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَدَخَلَ بِهِ شَخْصٌ آخَرُ نَاسِيًا حَلِفَ رَبُّ الْبَيْتِ فَهَلْ يَحْنَثُ؟ فَأَجَبْتُ: بِنَعَمْ لِقَوْلِ الْمُخْتَصَرِ، وَبِالنِّسْيَانِ إنْ أَطْلَقَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا

стр. 198

مُحَمَّدٍ، وَآلِهِ، وَسَلَّمَ (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ طَلَب مِنْهُ مَنْ يَمُوتُ عِنْدَهُ الْحَقَّ أَقْرَضَهُ دَرَاهِمَ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ، وَأَسْمَعَهُ كَلَامًا غَمَّهُ غَمًّا شَدِيدًا فَظَنَّ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ دَرَاهِمُ فَشَرَعَ يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ عَلَى ذَلِكَ، وَتَذَكَّرَ فِي أَثْنَائِهِ أَنَّ عِنْدَهُ دَرَاهِمَ فَقَالَ سِرًّا لَكَ عَقِبَ قَوْلِهِ مَا عِنْدِي دَرَاهِمُ، وَعَاشَرَ زَوْجَتَهُ مُعَاشَرَةَ الْأَزْوَاجِ سِنِينَ فَمَا الْحُكْمُ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَلْزَمْهُ طَلَاقٌ بِهَذِهِ الْيَمِينِ لِاسْتِثْنَائِهِ دَرَاهِمَهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا مَعْنًى، وَلُغَةً، وَشَرْعًا بِنَعْتِهَا بِقَوْلِهِ لَك مُتَّصِلًا بِهَا مَنْوِيًّا مَقْصُودًا بِهِ حِلُّهَا مَنْطُوقًا بِهِ فَهُوَ فِي قُوَّةِ مَا عِنْدِي دَرَاهِمُ إلَّا دَرَاهِمِي فَقَدْ اسْتَوْفَى شُرُوطَ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَأَفَادَ بِكَإِلَّا فِي الْجَمِيعِ قَالَ الْخَرَشِيُّ يَعْنِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِإِلَّا، وَأَخَوَاتِهَا مِنْ خَلَا، وَعَدَا، وَنَحْوِهِمَا يُفِيدُ، وَيَنْفَعُ فِي جَمِيعِ مُتَعَلَّقَاتِ الْيَمِينِ مُسْتَقْبِلَةً، وَمَاضِيَةً مُنْعَقِدَةً أَوْ غَمُوسًا الْعَدَوِيُّ قَوْلُهُ فِي جَمِيعِ مُتَعَلَّقَاتِ الْيَمِينِ أَيْ فِي جَمِيعِ الْأَيْمَانِ بِاَللَّهِ أَوْ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنْ اتَّصَلَ إلَّا بِعَارِضٍ، وَنَوَى الِاسْتِثْنَاءَ، وَقَصَدَ، وَنَطَقَ بِهِ، وَإِنْ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانٍ الْعَدَوِيُّ قَوْلُهُ، وَنَحْوُهُمَا أَيْ مِنْ شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ غَايَةٍ أَوْ بَدَلِ بَعْضٍ نَحْوُ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا إلَّا يَوْمَ كَذَا أَوْ إنْ ضَرَبَنِي أَوْ ابْنَ عَمْرٍو أَوْ إلَى وَقْتِ كَذَا أَوْ لَا أُكَلِّمُ الرَّجُلَ ابْنَ عُمَرَ وَقَوْلُهُ قَصَدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ حَلَّ الْيَمِينُ أَيْ مِنْ أَوَّلِ النُّطْقِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ الْيَمِينِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ بِلَا فَصْلٍ كَمَا يَقَعُ مِنْ قَوْلِ السَّامِعِ لِلْحَالِفِ قُلْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَيَقُولُهَا عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِلَا فَصْلٍ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ اتَّصَلَ أَيْ بِالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ حَيْثُ تَعَلَّقَ الِاسْتِثْنَاءُ بِهِ، وَأَمَّا إنْ تَعَلَّقَ بِالْمُقْسَمِ بِهِ أَيْ بِعَدَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالْمُقْسَمِ بِهِ، وَقِيلَ يَكْفِي اتِّصَالُهُ بِالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ اهـ، وَاَللَّهُ سُبْحَانه، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى بَيْعِ نَصِيبِهِ مِنْ بَهِيمَةٍ لِكَرَاهَةِ شَرِكَةِ غَيْرِهِ، وَمُنَازَعَتِهِ لَهُ فِيهَا، وَتَسَوَّقَا بِهَا فَلَمْ تُسَمْ سَوْمَ مِثْلِهَا ثُمَّ اشْتَرَى الْحَالِفُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ فَمَا الْحُكْمُ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ مَا زَالَتْ يَمِينُهُ مُنْعَقِدَةً عَلَيْهِ حَتَّى يَبِيعَ النَّصِيبَ الْمَحْلُوفَ عَلَى بَيْعِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْبِسَاطُ هُنَا لِعَدَمِ شَرْطِهِ مِنْ عَدَمِ مَدْخَلِيَّةِ الْحَالِفِ فِيهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ قَالَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَا فَعَلْت كَذَا ثُمَّ فَعَلَهُ وَقَالَ أَرَدْت الْقَسَمَ بِهِ لَا تَعْلِيقَهُ؟ فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ قَالَ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ لَوْ قَالَ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَتَاقِ جَاعِلًا كُلًّا مِنْهُمَا مُقْسَمًا بِهِ كَمَا يُقْسِمُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ حِلَّ الْعِصْمَةِ، وَلَا تَحْرِيرًا لَا شَيْءَ فِيهِ كَمَا سَمِعْتُهُ مِنْ شَيْخِنَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَيْسَ كَتَعْلِيقِ الْإِنْشَاءِ إنْ كَانَ كَذَا

стр. 199

فَهِيَ حُرَّةٌ أَوْ طَالِقٌ فَإِنَّ هَذَا يَلْزَمُ قَطْعًا. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ وَضَعَ مَالًا فِي مَحَلٍّ مِنْ بَيْتِهِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدْهُ فِيهِ فَسَأَلَ زَوْجَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: لَمْ أَرَهُ، وَلَمْ آخُذْهُ فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ الطَّلَاقُ إنَّكِ أَخَذْتِيهِ، وَتَعْلَمِيهِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: اُدْخُلِي فَتِّشِي فَعَسَى أَنْ تَجِدِيهِ فَقَالَتْ الزَّوْجَةُ: لَهَا اُدْخُلِي أَنْتِ فَتِّشِي فَدَخَلَتْ الْمَرْأَةُ فَوَجَدَتْهُ فِي الْبَيْتِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ الزَّوْجُ، وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ إلَّا الزَّوْجُ، وَزَوْجَتُهُ فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ حِينَ يَمِينِهِ جَازِمًا أَوْ ظَانًّا قَوِيًّا أَنَّهَا أَخَذَتْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ الطَّلَاقُ فَفِي الْمَجْمُوعِ، وَشَرْحِهِ، وَلَا إنْ دَفَنَ مَالًا، وَفَتَّشَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجِدْهُ، وَلَا مَفْهُومَ لِلدَّفْنِ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ، وَلَهُ مَفْهُومٌ عِنْدَ الْبُرْزُلِيِّ، وَأَحْمَدَ فَاتَّهَمَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ بِأَخْذِهِ، وَحَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ الطَّلَاقِ أَوْ عِتْقٍ أَوْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ كَمَا يُفِيدُهُ حَذْفُ الْمَعْمُولِ حَالَ كَوْنِهِ مُعْتَقِدًا أَيْ جَازِمًا أَوْ ظَانًّا أَنَّهَا أَيْ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ مَثَلًا أَخَذَتْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَكَانَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بِسَاطَ يَمِينِهِ يُفِيدُ أَنَّ مُرَادَهُ إنْ كَانَ ذَهَبَ فَأَنْتِ أَخَذْتِيهِ، وَأَوْلَى إنْ وَجَدَهُ عِنْدَهَا أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ فَإِنْ حَلَفَ شَاكًّا أَوْ جَازِمًا بِعَدَمِ أَخْذِهَا أَوْ ظَانًّا عَدَمَهُ أَوْ ظَانًّا أَخْذَهُ ظَنًّا ضَعِيفًا فَغَمُوسٌ لَا يَلْزَمُ بِهَا كَفَّارَةٌ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَنَحْوِهَا لِتَعَلُّقِهَا بِمَاضٍ، وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ أَوْ الْعِتْقُ أَوْ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ عَبْدُ الْبَاقِي وَالْخَرَشِيُّ والشبرخيتي وَالنَّفْرَاوِيُّ، وَغَيْرِ مَكَانِهِ أَوْلَى فِي عَدَمِ حِنْثِهِ، طَرِيقَةُ الْبُنَانِيِّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَيْهَا حَمَلَ الْمُوَضِّحُ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَهُوَ مُقْتَضَيْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ، وَطَرِيقَةُ ابْنِ بَشِيرٍ الْحِنْثُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (وَمَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ قَالَ، وَأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي مِنْهَا الطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ لَأَفْعَلَنَّ، وَلَا يَفْعَلُ أَوْ لَا فَعَلْت، وَيَفْعَلُ، وَلَمْ يَقُلْ تَلْزَمُنِي فَمَا الْحُكْمُ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ قَصَدَ الْحَلِفَ بِهَا كَمَا يُقْسِمُ بِاسْمِ اللَّهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ الْعَدَوِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَمْرٍ يَقُولُ، وَصَوْمِ الْعَامِ لَا أَفْعَلُهُ يُوهِمُ الطَّالِبَ أَنَّهُ حَلَفَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَفْعَلُ كَذَا فَأُكْرِهَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَلَى فِعْلِهِ فَهَلَّا يَحْنَثُ الْحَالِفُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ قَالَ

стр. 200

عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ أَحْمَدُ مِنْ الْإِكْرَاهِ بِبِرِّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا خَرَجَتْ امْرَأَتُهُ مِنْ الدَّارِ فَأَتَاهَا سَيْلٌ أَوْ هَدْمٌ أَوْ أَمْرٌ لَا قَرَارَ لَهَا مَعَهُ أَوْ أَخْرَجَهَا أَهْلُ الدَّارِ، وَهِيَ بِكِرَاءٍ انْقَضَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي خُرُوجِهَا، وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ فِي الدَّارِ الَّتِي انْتَقَلَتْ إلَيْهَا نَقَلَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ اهـ، وَيُؤْخَذُ مِنْهَا حُكْمُ نَازِلَةٍ: وَهِيَ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى زَوْجَتِهِ لَا خَرَجَتْ إلَّا بِإِذْنِي، وَسَافَرَ، وَنُودِيَ عَلَى فَتْحِ قَذَرٍ، وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ مُرْضِعٌ فَخَرَجَتْ لِخَوْفِهَا عَلَى جَنِينِهَا أَوْ رَضِيعِهَا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا قَرَارَ لَهَا مَعَهُ، وَيَحْتَمِلُ الْحِنْثَ؛ لِأَنَّهُ كَالْإِكْرَاهِ الشَّرْعِيِّ لِوُجُوبِ حِفْظِ نَفْسِهَا، وَرَضِيعِهَا اهـ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ، وَيَحْتَمِلُ الْحِنْثَ إلَخْ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمَهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْخُرُوجِ لِسَيْلٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ إخْرَاجِ أَهْلِ الدَّارِ إذْ وُجُوبُ الْخُرُوجِ فِي هَذَا كُلِّهِ شَرْعِيٌّ اهـ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ حَلَفَ لَيَدْفَعَنَّ جَمِيعَ الدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ لِفُلَانٍ عِنْدَ أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ دَفَعَ لَهُ ثُلُثَيْهِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ ثُلُثُهُ فَهَلْ يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ تت فِي شَرْحِ قَوْلِ خَلِيلٍ فِي بَابِ السَّلَمِ لَا فِي الْيَوْمِ مَا نَصُّهُ: فَرْعٌ إذَا قَالَ لِصَدْرِ شَهْرِ كَذَا فَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ ثُلُثَاهُ أَوْ نِصْفُهُ ابْنُ مَالِكٍ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ سَهْلٍ، وَحْدَهُ بِالثُّلُثِ لِرِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ غَرِيمَهُ لِأَجَلٍ سَمَّاهُ فَلَمَّا حَلَّ قَضَاهُ مِنْ حَقِّهِ صَدْرًا مِثْلَ الثُّلُثِ فَمَا فَوْقَهُ بَرَّ انْتَهَى أَوْ لَا يَبَرُّ كَمَا أَفْتَى بِهِ آخَرُ قَالَ، وَأَمَّا كَلَامُ تت الْمَذْكُورُ فَهُوَ فِيمَنْ حَلَفَ لِغَرِيمِهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْ رَبِّ الْحَقِّ وَقَالَ الْأَوَّلُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَبَرُّعِهِ بِالْيَمِينِ، وَاسْتِحْلَافِهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ، وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَمْ يَبَرَّ كَمَا أَفْتَى بِهِ الثَّانِي لِقَوْلِ خَلِيلٍ فِي بَابِ الْيَمِينِ، وَبِالْبَعْضِ عَكْسُ الْبِرِّ الْخَرَشِيُّ يَعْنِي، وَكَذَلِكَ يَحْنَثُ إذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا فَفَعَلَ بَعْضَهُ كَقَوْلِهِ: لَا آكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ فَأَكَلَ بَعْضَهُ، وَلَوْ لُقْمَةً، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبِرِّ فَلَا بُدَّ مِنْ الْجَمِيعِ فَلَا يَبَرُّ بِالْبَعْضِ فَإِذَا قَالَ لَآكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ مَثَلًا فَلَا يَكْفِي فِي بِرِّهِ إلَّا أَكْلَ جَمِيعِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، ثُمَّ قَالَ فَقَوْلُهُ بِالْبَعْضِ أَيْ، وَالصِّيغَةُ صِيغَةُ بِرٍّ وَقَوْلُهُ عَكْسُ الْبِرِّ أَيْ، وَالصِّيغَةُ صِيغَةُ حِنْثٍ اهـ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي نَقَلَهَا تت عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فِيهَا تَحْرِيفٌ، وَالصَّوَابُ كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ فِي بَابِ السَّلَمِ مَنْ حَلَفَ لِيُرْضِيَنَّ غَرِيمَهُ إلَخْ، وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ، وَفِي لَفْظِ صَدْرِ الشَّهْرِ اخْتِلَافُ ابْنِ سَهْلٍ سَأَلْت عَنْهُ ابْنَ الْعَطَّارِ فَقَالَ الثُّلُثَانِ، وَالنِّصْفُ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْحَلِفِ عَلَى قَضَاءِ صَدْرِ الْحَقِّ قَالَ الصَّدْرُ الثُّلُثَانِ، وَلَوْ كَانَ النِّصْفُ كَانَ قَوْلًا، وَالثُّلُثَانِ أَحَبُّ إلَيَّ، وَسَأَلْت ابْنَ مَالِكٍ فَقَالَ يَتَّقِي فِي الْيَمِينِ الْحِنْثَ، وَالصَّدْرُ فِي الْعَقْدِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ عِنْدِي إلَّا أَنْ يَكُونَ ثُلُثَ الشَّهْرِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ

стр. 201

حَلَفَ لِيُرْضِيَنَّ غَرِيمَهُ لِأَجَلِ كَذَا بَرَّ بِإِرْضَائِهِ بِقَضَائِهِ صَدْرَ مِثْلِ الثُّلُثِ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ لَمْ أَعْلَمْهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَدْ أَطْلَقَ الصَّدْرَ عَلَى الثُّلُثِ قُلْت، وَتَقَدَّمَتْ فِي الْأَيْمَانِ اهـ، وَنَصُّهُ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي الْأَيْمَانِ، وَسَمِعَ عِيسَى بْنُ الْقَاسِمِ مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي شَعْبَانَ، وَرَمَضَانَ بَرَّ بِقَضَائِهِ كُلِّهِ فِي شَعْبَانَ أَوْ بَعْضِهِ فِيهِ، وَبَاقِيهِ فِي رَمَضَانَ، وَأُحِبُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفَهُ، وَإِنْ قَضَاهُ كُلِّهِ فِي رَمَضَانَ حِنْثٌ ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرُهُ إنْ قَضَى خُمُسَهُ فِي شَعْبَانَ بَرَّ، وَمَعْنَاهُ إنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا لِخُمُسِهِ قُدِّرَ، وَلَا يَبَرُّ فِي الْيَسِيرِ إلَّا بِالثُّلُثِ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْكَثِيرَ مِثْلُهُ كَقَوْلِهِمْ فِيمَنْ حَلَفَ لِيُرْضِيَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ أَنَّهُ يَبَرُّ بِالثُّلُثِ. قُلْت فِي سَمَاعِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ يَبَرُّ بِالْبَعْضِ فَقَيَّدَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِالثُّلُثِ، وَتَقْيِيدِهِ حَسَنٌ، وَلَا يَلْزَمُ فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْإِرْضَاءَ لَا يَحْصُلُ بِكُلِّ قَدْرٍ، وَمُسَمَّى الظَّرْفِيَّةِ يَحْصُلُ بِهِ بَلْ مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ قَضَاهُ كُلَّهُ فِي رَمَضَانَ حَنِثَ دَلِيلُ بَقَاءِ لَفْظِ الْبَعْضِ عَلَى إطْلَاقِهِ وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ كَثِيرًا لِخُمُسِهِ قَدْرٌ يُرَدُّ بِأَنَّ نِسْبَةَ كُلِّ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ كَنِسْبَةِ مِثْلِهِ مِنْ آخَرَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ عَقْلًا كَالْأَعْدَادِ الْمُتَنَاسِبَةِ، وَشَرْعًا كَالثُّلُثِ فِي الْوَصَايَا، وَعَطِيَّةِ الزَّوْجَةِ انْتَهَى. [مَسَائِلُ النَّذْرِ] [رَجُلٍ عِنْدَهُ بَقَرَةٌ فَمَرِضَتْ وَالْحَالُ أَنَّهَا حَامِلٌ فَقَالَ إنْ شَفَى اللَّهُ بَقَرَتِي فَعَلَيَّ ذَبْحُ مَا فِي بَطْنِهَا] مَسَائِلُ النَّذْرِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ عِنْدَهُ بَقَرَةٌ فَمَرِضَتْ وَالْحَالُ أَنَّهَا حَامِلٌ فَقَالَ إنْ شَفَى اللَّهُ بَقَرَتِي فَعَلَيَّ ذَبْحُ مَا فِي بَطْنِهَا فِي مَوْلِدٍ لِلرَّسُولِ ﷺ فَشَفَاهَا اللَّهُ تَعَالَى وَوَلَدَتْ أُنْثَى ثُمَّ تَرَاخَى عَنْ ذَبْحِهَا حَتَّى كَبِرَتْ وَحَمَلَتْ فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَبْحُهَا بِعَيْنِهَا أَوْ يَلْزَمُهُ ذَبْحُ بَدَلِهَا أَوْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ عَمَلَ مَوْلِدٍ لِلرَّسُولِ ﷺ لَيْسَ مَنْدُوبًا خُصُوصًا إنْ اشْتَمَلَ عَلَى مَكْرُوهٍ كَقِرَاءَةٍ بِتَلْحِينٍ أَوْ غِنَاءٍ، وَلَا يَسْلَمُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ مِنْ ذَلِكَ وَمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ، وَالنَّذْرُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْعَدَوِيُّ فِي مَبْحَثِ الْوَصِيَّةِ وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ عَلَى الْمَوْلِدِ الشَّرِيفِ فَذَكَرَ الْفَاكِهَانِيُّ أَنَّ عَمَلَ الْمَوْلِدِ مَكْرُوهٌ وَالْمَكْرُوهُ يَلْزَمُ الْوَارِثَ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ إنْفَاذُ الْوَصِيَّةِ بِهِ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّامِيُّ اهـ. [رَجُلٍ سَمَّى ذَبِيحَةً لِوَلِيٍّ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ كُتُبٍ أَوْ مُصْحَفٍ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ سَمَّى ذَبِيحَةً لِوَلِيٍّ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ كُتُبٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَوْ بَيْرَقٍ أَوْ سِتْرٍ أَوْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّصَدُّقِ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ

стр. 202

فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَبْحُهَا وَالتَّصَدُّقُ بِهَا فِي مَوْضِعِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَهُ إبْقَاؤُهَا لِنَفْسِهِ وَالتَّصَدُّقُ عَلَيْهِمْ بِلَحْمٍ قَدْرَ لَحْمِهَا، وَهَذَا إنْ قَالَ عَلَيَّ لِلَّهِ أَوْ عَلَيَّ ذَبْحُ أَوْ نَحْرُ هَذِهِ وَالتَّصَدُّقُ بِلَحْمِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ قَاصِدًا إهْدَاءَ ثَوَابِهَا لِنَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ. وَأَمَّا إنْ سَمَّاهَا لَهُ مِنْ غَيْرَ تَعْبِيرٍ بِإِحْدَى الصِّيغَتَيْنِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ يَحْتَاجُ لِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَكَذَا إنْ عَبَّرَ بِإِحْدَى الصِّيغَتَيْنِ قَاصِدًا بِهِ التَّوْسِعَةَ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ كَمَا هِيَ عَادَةُ فَلَاحِي مِصْرَ. قَالَ الْعَلَامَةُ الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْخَرَشِيِّ لَا بُدَّ لِلنَّذْرِ مِنْ صِيغَةٍ وَهِيَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ اهـ. [نَذَرَ مَا يَصِحُّ أَنْ يُهْدَى بِلَفْظِ جَزُورٍ أَوْ بَعِيرٍ] قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَمَنْ نَذَرَ مَا يَصِحُّ أَنْ يُهْدَى بِلَفْظِ جَزُورٍ أَوْ بَعِيرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ قَيَّدَ بِمَكَّةَ بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ نَحَرَهُ بِمَكَّةَ إلَّا أَنْ يُقَلِّدَهُ وَيُشْعِرَهُ فَيَكُونَ هَدْيًا فَيَجْرِيَ فِيهِ تَفْصِيلُهُ، وَإِنْ جَعَلَهُ لِغَيْرِ مَكَّةَ بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ أَوْ أَطْلَقَ لَزِمَهُ ذَبْحُهُ أَوْ نَحْرُهُ بِمَوْضِعِ نَذْرِهِ وَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ، وَلَهُ أَنْ لَا يَنْحَرَهُ وَيُطْعِمَ الْمَسَاكِينَ قَدْرَ لَحْمِهِ اهـ. قَالَ الْعَدَوِيُّ: قَوْلُهُ لَزِمَهُ ذَبْحُهُ. . . إلَخْ أَيْ وَيَحْرُمُ بَعْثُهُ وَلَوْ لِقَبْرِ النَّبِيِّ ﵊ وَلَوْ قَصَدَ بِهِ الْفُقَرَاءَ الْمُلَازِمِينَ لَهُ فَقَوْلُهُمْ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لِصَالِحٍ وَأَرَادَ بِهِ الْإِعْطَاءَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ بِمَوْضِعِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ إلَيْهِمْ فِيمَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُهْدَى لَا فِيمَا يَصِحُّ أَنْ يُهْدَى؛ لِأَنَّ سَوْقَهُ لِغَيْرِ مَكَّةَ ضَلَالٌ كَذَا أَفَادَهُ عج. وَأَمَّا مَا لَا يُهْدَى بِهِ كَثَوْبٍ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ دَجَاجَةٍ أَوْ طَعَامٍ فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْمُلَازِمِينَ لِلْقَبْرِ الشَّرِيفِ أَوْ لِقَبْرِ الْوَلِيِّ وَلَوْ أَغْنِيَاءَ أَرْسَلَهُ لَهُمْ، وَإِنْ قَصَدَ نَفْسَ النَّبِيِّ أَوْ الْوَلِيِّ أَيْ الثَّوَابَ لَهُ تَصَدَّقَ لَهُ بِمَوْضِعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ أَوْ مَاتَ قَبْلَ عِلْمِ قَصْدِهِ فَيُنْظَرُ لِعَادَتِهِمْ. وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَادَةٌ بِأَنْ كَانُوا تَارَةً كَذَا وَتَارَةً كَذَا وَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْثُ سِتْرٍ، وَلَا شَمْعٍ، وَلَا زَيْتٍ يُوقَدُ عَلَى الْقَبْرِ الشَّرِيفِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ نَذَرَهُ، فَإِنْ بَعَثَهُ مَعَ شَخْصٍ وَقَبِلَهُ مِنْ صَاحِبِهِ فَاسْتَظْهَرَ تَعَيَّنَ فِعْلُهُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ الْمَكْرُوهَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَ مَالِ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْقُرْبَةِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مَالَهُ فَلَا يُسَوَّغُ لِغَيْرِهِ تَنَاوُلُهُ كَذَا فِي عَبْدِ الْبَاقِي. أَقُولُ: أَنْظُر قَوْلَهُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ الْمَكْرُوهِ فَإِنَّهُ هُنَا يَحْرُمُ، وَلَا يُكْرَهُ اهـ. [نَذَرَ شَاةً لِوَلِيٍّ هَلْ تَلْزَمُهُ مُطْلَقًا] (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ نَذَرَ شَاةً لِوَلِيٍّ هَلْ تَلْزَمُهُ مُطْلَقًا صَرَّحَ فِي نَذْرِهِ بِلَفْظِ لِلَّهِ بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ شَاةٌ لِلْوَلِيِّ الْفُلَانِيِّ أَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنْ قَالَ عَلَيَّ إلَخْ - بَلَغَتْ سِنَّ الْأُضْحِيَّةِ أَمْ لَا - أَوْ لَا تَلْزَمُهُ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بِلُزُومِهَا فَهَلْ يَدْفَعُهَا حَيَّةً أَوْ يَذْبَحُهَا؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بِذَبْحِهَا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ؟ وَهَلْ لَهُ إطْعَامُ الْغَنِيِّ وَالْقَرِيبِ؟ وَهَلْ يَحْسِبُ نَفَقَتَهَا وَيَأْخُذُ مِنْ لَحْمِهَا بِقَدْرِهَا أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّه نَعَمْ تَلْزَمُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ

стр. 203

صَرَّحَ فِي نَذْرِهِ بِلَفْظِ لِلَّهِ أَوْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِهِ؛ لِأَنَّ لِلنَّذْرِ صِيغَتَيْنِ: لِلَّهِ عَلَيَّ وَعَلَيَّ بِدُونِ لِلَّهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهَا سِنَّ الضَّحِيَّةِ، وَلَا السَّلَامَةُ مِنْ عُيُوبِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إنَّمَا هُوَ التَّصَدُّقُ بِلَحْمِهَا وَإِهْدَاءُ ثَوَابِهِ لِرُوحِ الْوَلِيِّ، وَلَا يَدْفَعُهَا حَيَّةً بَلْ يَذْبَحُهَا بِمَوْضِعِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا مُطْلَقًا، وَلَا يُطْعِمُ مِنْهَا الْغَنِيَّ، وَلَا يَحْسِبُ نَفَقَتَهَا، وَلَهُ إبْقَاؤُهَا حَيَّةً وَالتَّصَدُّقُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ لَحْمِهَا وَيَفْعَلُ بِهَا حِينَئِذٍ مَا شَاءَ. وَهَذَا كُلُّهُ إذَا جَعَلَهَا لِلْمَسَاكِينِ بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ أَمَّا إنْ قَصَدَ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ وَنَحْوَهُمْ كَمَا هِيَ عَادَةُ فَلَاحِي مِصْرَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسُئِلَ سَيِّدِي أَحْمَدُ الدَّرْدِيرِيُّ بِمَا نَصُّهُ: وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ نَذَرَ لِلَّهِ أَوْ لِوَلِيٍّ شَاةً الْأَكْلُ مِنْهَا وَإِطْعَامُ الْغَنِيِّ أَوْ لَا أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ النَّذْرُ إنْ عَيَّنَهُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ بِلَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ جَازَ الْأَكْلُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا الْأَغْنِيَاءَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَتَأَمَّلْهُ. [فِيمَا يَقَعُ فِي زِيَارَةِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ إتْيَانِ خَادِمِ الضَّرِيحِ لِلزَّائِرِ بِتُرَابٍ يَنْثُرُهُ عَلَيْهِ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا يَقَعُ فِي زِيَارَةِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ إتْيَانِ خَادِمِ الضَّرِيحِ لِلزَّائِرِ بِتُرَابٍ يَنْثُرُهُ عَلَيْهِ أَوْ زَيْتٍ يَتَمَسَّحُ بِهِ يُوهِمُهُ أَنَّ فِي ذَلِكَ بَرَكَةً لِأَجْلِ غَرَضِ الدُّنْيَا فَهَلْ لَا يَجُوزُ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا يَجُوزُ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكَذِبِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الزَّيْتُ مِنْ الْوَقْفِ فَفِيهِ حُرْمَةٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى: صَرْفُ الْوَقْفِ فِي غَيْرِ مَا أَذِنَ فِيهِ الْوَاقِفُ، وَأَمَّا الْمَالُ الْمَدْفُوعُ لِخَادِمِ ضَرِيحِ الْوَلِيِّ فَهُوَ حَلَالٌ لَهُ؛ لِأَنَّ قَصْدَ دَافِعِهِ الصَّدَقَةُ لَا الْمُعَاوَضَةُ حَتَّى يَكُونَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَلَا بَرَكَةَ فِي التَّمَسُّحِ بِتُرَابِ قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَبَقِيَّةِ الزَّيْتِ الَّذِي يُوقَدُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الشَّنِيعَةِ إنَّمَا الْبَرَكَةُ فِي التَّفَكُّرِ فِي أَحْوَالِهِمْ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ. قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي مَبْحَثِ زِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْ الزَّائِرِ أَنْ لَا يَدْخُلَ مِنْ دَاخِلِ الدَّرَابِيزِ الَّتِي هُنَاكَ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ مَحَلُّ احْتِرَامٍ وَتَعْظِيمٍ فَيُنَبِّهُ الْعَالِمُ غَيْرَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ تِلْكَ الْبِدَعِ الَّتِي أُحْدِثَتْ هُنَاكَ فَتَرَى مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ يَطُوفُ بِالْمَوْضِعِ الشَّرِيفِ كَمَا يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ الْحَرَامِ وَيَتَمَسَّحُ بِهِ وَيُقَبِّلُهُ وَيُلْقُونَ عَلَيْهِ مَنَادِيلَهُمْ وَثِيَابَهُمْ يَقْصِدُونَ بِهِ التَّبَرُّكَ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالِاتِّبَاعِ لَهُ ﷺ وَمَا كَانَ سَبَبُ عِبَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ الْأَصْنَامَ إلَّا مِنْ هَذَا الْبَابِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَرِهَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ التَّمَسُّحَ بِجِدَارِ الْكَعْبَةِ أَوْ بِجُدْرَانِ الْمَسَاجِدِ أَوْ بِالْمُصْحَفِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَبَرَّكُ بِهِ سَدًّا لِهَذَا الْبَابِ وَلِمُخَالِفَةِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ التَّعْظِيمِ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ ﷺ فَكَيْفَ عَظَّمَ ﵊ نَتَّبِعُهُ فِيهِ

стр. 204

فَتَعْظِيمُ الْمُصْحَفِ قِرَاءَتُهُ وَالْعَمَلُ بِمَا فِيهِ لَا تَقْبِيلُهُ، وَلَا الْقِيَامُ إلَيْهِ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَالْمَسْجِدُ تَعْظِيمُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ لَا التَّمَسُّحُ بِجُدْرَانِهِ وَكَذَلِكَ الْوَرَقَةُ يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ فِي الطَّرِيقِ فِيهَا اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمُ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَرْفِيعُهُ إزَالَةُ الْوَرَقَةِ مِنْ مَوْضِعِ الْمَهَانَةِ إلَى مَوْضِعِ تَرَفُّعٍ فِيهِ لَا تَقْبِيلُهَا، وَكَذَلِكَ الْخُبْزُ يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ مُلْقًى بِالْأَرْضِ بَيْنَ الْأَرْجُلِ تَعْظِيمُهُ أَكْلُهُ لَا تَقْبِيلُهُ، وَكَذَلِكَ الْوَلِيُّ تَعْظِيمُهُ اتِّبَاعُهُ لَا تَقْبِيلُ يَدِهِ وَقَدَمِهِ، وَلَا التَّمَسُّحُ بِهِ، وَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ تَعْظِيمُهُ بِاتِّبَاعِهِ لَا بِالِابْتِدَاعِ عِنْدَهُ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ تُدْعَى عِنْدِنَا بِالْفَقِيرَةِ تَدَّعِي أَنَّ الشَّيْخَ الْفُلَانِيَّ الْمَيِّتَ يَنْزِلُ عَلَيْهَا وَيَتَرَدَّدُ إلَيْهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ بِالزِّيَارَةِ وَالْإِهْدَاءِ فِي يَوْمٍ مَعْلُومٍ كَالْجُمُعَةِ وَعِنْدَ حُضُورِ الزَّائِرِينَ تُحْضِرُ لَهُمْ الشَّيْخَ وَيُكَلِّمُهُمْ بِمَا فِي أَسْرَارِهِمْ وَغَيْرِهِ فَهَلْ هَذَا حَقِيقَةٌ أَوْ كِهَانَةٌ كَمَا كَانَ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ سِحْرٌ، فَعَلَى الْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ مَنْعُهَا، وَأَخْذُهَا الدَّرَاهِمَ عَلَى ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا حَقِيقَةٌ إنَّمَا هُوَ كِهَانَةٌ أَوْ سِحْرٌ وَحَاشَا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُطَهَّرِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنْ تَصْدُرَ عَنْهُمْ مِثْلُ هَذِهِ الْقَبَائِحِ بَلْ هُمْ مُتَأَدِّبُونَ مَعَ الشَّرْعِ وَاقِفُونَ مَعَ حُدُودِهِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، عَلَى أَنَّ الْأَمْوَاتَ مِنْهُمْ لَا يَتَصَرَّفُونَ فِي أُمُورِ الْأَحْيَاءِ لِانْتِقَالِهِمْ إلَى عَالَمٍ آخَرَ فِي غَايَةِ الْمُبَايَنَةِ لِعَالَمِ الْأَحْيَاءِ إنَّمَا يَتَصَرَّفُونَ فِي أُمُورِ الْأَمْوَاتِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْغَوْثِ سَيِّدِي عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّبَّاغُ نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَنَصُّ الْإِبْرِيزِ عَنْهُ فِيمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْأَحْيَاءُ مِنْ الْأَمْوَاتِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ دِيوَانَ الصَّالِحِينَ، ثَانِيهَا أَنَّهُ لَا تَقَعُ مَعَهُمْ مُشَاوِرَةٌ فِي أُمُورِ الْأَحْيَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصَرُّفَ لَهُمْ فِيهَا وَقَدْ انْتَقَلُوا إلَى عَالِمٍ آخَرَ فِي غَايَةِ الْمُبَايَنَةِ لِعَالَمِ الْأَحْيَاءِ وَإِنَّمَا تَقَعُ مَعَهُمْ الْمُشَاوَرَةُ فِي أُمُورِ عَالَمِ الْأَمْوَاتِ اهـ. وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ رُشْدٍ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ عَمَّنْ يَخُطُّ فِي الرَّمَلِ وَيُخْبِرُ بِالْمُغَيَّبَاتِ مَا نَصُّهُ: عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ الْمُضِلَّةِ، وَلَا عَدَلَ بِنَا رَبُّك عَنْ سَوَاءِ الْمَحَبَّةِ وَجَعَلَنَا لِكِتَابِهِ مُتَّبِعِينَ وَبِهَدْيِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مُهْتَدِينَ لَا مُشَارِك لِلَّهِ تَعَالَى فِي غَيْبِهِ وَاسْتَأْثَرَ بِمَعْرِفَتِهِ وَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْبِيَاءَهُ بِوَاسِطَةِ الْوَحْيِ فَالتَّصْدِيقُ بِهِ كُفْرٌ وَقَدْ أَكْذَبَ اللَّهُ تَعَالَى مُدَّعِيَ ذَلِكَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ الْمُسْتَبِدُّ بِعِلْمِ ذَلِكَ مَا كَانَ أَوْ يَكُونُ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ فَقَالَ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا الْآيَةَ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الْآيَةَ وَقَالَ:

стр. 205

﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] الْآيَةَ. وَفِي قِصَّةِ عِيسَى ﵊ ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ﴾ [آل عمران: ٤٩] الْآيَةَ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ فَادِّعَاءُ مَعْرِفَةِ مَا يُسِرُّهُ النَّاسُ وَمَا يُفْطَرُونَ عَلَيْهِ وَمَا يَقَعُ مِنْ غَلَاءِ الْأَسْعَارِ وَرُخْصِهَا وَنُزُولِ الْمَطَرِ وَوُقُوعِ الْقَتْلِ وَالْفِتَنِ وَارْتِفَاعِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْغَيْبِ مِنْ إبْطَالِ دَلِيلِ النُّبُوَّةِ وَتَكْذِيبِ الْقُرْآنِ. وَعَنْهُ ﵊ «مَنْ صَدَّقَ كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا وَفِي بَعْضِهِمَا أَوْ مُنَجِّمًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ » وَقَالَ أَيْضًا حَاكِيًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي» الْحَدِيثَ وَفِيهِ «مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِكَوْكَبِ كَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ جَلْبُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ أَحَدٌ بِالْمُغَيَّبَاتِ إخْبَارًا مُتَوَالِيًا مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ غَلَطٍ وَكَذِبٍ إلَّا مَنْ أَخْبَرَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَبِيٍّ أَوْ رَسُولٍ فَاحْذَرْ الشَّكَّ فِي هَذَا وَأَنْ يَخْلِطَ عَلَيْك بَعْضُ مِنْ يَدَّعِي عِلْمَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ، وَلَا يَعْرِفُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ تَعَاطِيه وَهِيَ صَنْعَةُ الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ وَيُشَارِكُهُمْ فِيهِ جَمِيعُ النَّاسِ. وَمِنْهُ مَا وَقَعَ لِابْنِ صَيَّادٍ وَكَانَ يَتَكَهَّنُ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] فَقَالَ هُوَ الدُّخُّ فَقَالَ ﵊ اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَك. يُرِيدُ لَا يُمْكِنُك الْإِخْبَارُ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى تَفَاصِيلِهَا كَخَبَرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَمِنْهَا مَا رُوِيَ أَنَّ هِرَقْلَ نَظَرَ فِي النُّجُومِ فَرَأَى أَنَّ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ فَإِنَّمَا أُخْبِرَ بِجُمْلَةٍ قَدْ أَهَمَّتْهُ وَأَحْزَنَتْهُ وَكَدَّرَتْ حَتَّى خَلَعَ مَمْلَكَتَهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ بِنَظَرِهِ فِي النُّجُومِ شَيْءٌ مِنْ أَحْوَالِهِ ﵊ وَمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ بَعْثَتُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ إذْ هُوَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ وَقَدْ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ كَمَا يَعْتَقِدُهُ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَلَا نَكْبَ بِنَا عَنْ الْمَنْهَجِ الْمُسْتَقِيمِ. اهـ فَفِعْلُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ حَرَامٌ وَالذَّهَابُ إلَيْهَا حَرَامٌ وَدَفْعُ الْمَالِ لَهَا عَلَى ذَلِكَ وَقَبُولُهَا لَهُ حَرَامٌ وَهُوَ مِنْ حُلْوَانِ الْكَاهِنِ الَّذِي حَرَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ بَسَطَ اللَّهُ تَعَالَى يَدَهُ بِالْحُكْمِ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ وَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ الْقَبَّابُ أَمَّا الْمُشْتَغِلُ بِالْكِهَانَةِ بِضَرْبِ الْخَطِّ وَغَيْرِهِ فَذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْمَنَاكِرِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْكِهَانَةِ كُلِّهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِالنَّهْيِ عَنْهَا وَعَنْ سُؤَالِهِ وَتَصْدِيقِهِ وَقَالَ أَيْضًا أَمَّا الَّذِي يَضْرِبُ الْخَطَّ وَغَيْرَهُ وَيُخْبِرُ بِالْأُمُورِ الْمُغَيَّبَاتِ فَلَا يَجُوزُ تَصْدِيقُهُ، وَلَا يَحِلُّ وَهُوَ فَاسِقٌ وَيُؤَدَّبُ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [ضَرْبِ الْمَنْدَلِ وَحُضُورِ الْجِنِّ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا يَقَعُ مِنْ ضَرْبِ الْمَنْدَلِ وَحُضُورِ الْجِنِّ وَنَظَرِ صَبِيٍّ فِي زُجَاجَةٍ وَإِخْبَارِهِ بِكَأَكْلِهِمْ فِي أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَسَجْنِهِمْ فِي نَحْوِ قُمْقُمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ دَرَاهِمَ عَلَى مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ الْأَخْيَارِ، وَلَا وَرَدَتْ بِهِ الْآثَارُ بَيِّنُوا لَنَا مَأْجُورِينَ.

стр. 206

فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ جَوَابُ هَذَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَالصَّوَابُ أَنَّ اسْتِنْزَالَ الرُّوحَانِيَّاتِ وَخِدْمَةَ مُلُوكِ الْجَانِّ مِنْ عِلْمِ السِّيمِيَاءِ وَهُوَ السِّحْرُ وَهُوَ الَّذِي أَضَلَّ الْحَاكِمَ الْعُبَيْدِيَّ لَعَنَهُ اللَّهُ حَتَّى ادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ وَلَعِبْت بِهِ الشَّيَاطِينُ حَتَّى طَلَبَ الْمُحَالَ وَهُوَ مَجْبُولٌ عَلَى النَّقْصِ وَفَعَلَ أَفَاعِيلَ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْأَخِرَةِ، وَالْمَعْصِيَةُ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهَا، وَمُتَعَلِّقُ أَفْعَالِ خَدَمَةِ الْجِنِّ الْكُفْرُ وَكَبَائِرُ الْمَعَاصِي. اهـ وَفِي الْمِعْيَارِ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْقَبَّابِ وَأَمَّا الَّذِي يُعَالِجُ الْجِنَّ فَلَيْسَ بِسَاحِرٍ اهـ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الَّذِي يُعَالِجُ إخْرَاجَ الْجِنِّ مِنْ الْمَصْرُوعِينَ بِالرُّقَى فَلَا يُنَافِي كَلَامَ الْبُرْزُلِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ طَلُقَتْ وَتَزَوَّجَتْ أَخَّرَ ثُمَّ تَنَازَعَتْ مَعَهُ وَطَلَبَتْ طَلَاقَهُ فَأَجَابَهَا عَلَى شَرْطِ إنْ عَادَتْ لِلْأَوَّلِ يَكُونُ جَمِيعُ مَا تَمْلِكُهُ صَدَقَةً عَلَى الْمَسْجِدِ وَرَضِيَتْ بِالشَّرْطِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا بِهِ بَيِّنَةً ثُمَّ رَجَعَتْ لِلْأَوَّلِ فَمَا الْحُكْمُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يَجِبُ عَلَيْهَا تَنْفِيذُ الصَّدَقَةِ بِثُلُثِ مَا كَانَتْ تَمْلِكُهُ حِينَ الرِّضَا بِالشَّرْطِ عَلَى الْمَسْجِدِ إنْ اسْتَمَرَّ مَالُهَا بِحَالِهِ فَإِنْ نَقَصَ فَثُلُثُ الْبَاقِي، وَإِنْ زَادَ فَلَا يَلْزَمُهَا ثُلُثُ الزِّيَادَةِ فَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ أَثِمَتْ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهَا بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْصِدْ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فِي بَابِ النَّذْرِ مِنْ الْمُخْتَصَرِ وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ بِمَالٍ فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ. الْخَرَشِيُّ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ هَدْيٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ قُرْبَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ ثُلُثَ مَالِهِ بَعْدَ حِسَابِ دَيْنِهِ وَمَهْرِ زَوْجَتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ يَمِينُهُ بَرًّا أَوْ حِنْثًا وَالْمُعْتَبَرُ قَدْرُهُ يَوْمَ الْحَلِفِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ قَبْلَ الْحِنْثِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ بِاتِّفَاقٍ أَوْ تَفْرِيطٍ فَالْمُعْتَبَرُ الْبَاقِي رِفْقًا بِهِ وَقَالَ فِي بَابِ الْهِبَةِ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُعَيِّنِ. الْخَرَشِيُّ إنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَدَارِي صَدَقَةٌ أَوْ هِبَةٌ أَوْ حَبْسٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَنْ يُخَاصِمُهُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَلِعَدَمِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ حِينَ الْيَمِينِ فِي الْمُعَيَّنِ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ. الْمُصَنِّفُ وَفِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قَوْلَانِ، الْخَرَشِيُّ يَعْنِي إنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسْجِدِ الْفُلَانِيِّ فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ إنْ امْتَنَعَ أَوْ يُؤْمَرُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ؟ قَوْلَانِ مَحَلُّهُمَا فِي غَيْرِ الْيَمِينِ وَإِلَّا فَلَا قَضَاءَ قَوْلًا وَاحِدًا انْتَهَى. [مَرِيضٍ قَالَ إنْ شُفِيت بِعَهْدِ اللَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَشْرَبَ الدُّخَانَ فَشُفِيَ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي مَرِيضٍ قَالَ إنْ شُفِيت بِعَهْدِ اللَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَشْرَبَ الدُّخَانَ فَشُفِيَ فَهَلَّا يَجُوزُ لَهُ تَعَاطِيه مُطْلَقًا أَوْ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَقَطْ؟

стр. 207

فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الدُّخَانُ لَمْ يُوجَدْ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَلَا فِي أَزْمَانِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ، وَلَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَلَا زَمَنِ التَّابِعِينَ، وَلَا فِي زَمَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَا فِي زَمَنِ أَصْحَابِهِمْ وَإِنَّمَا حَدَثَ فِي الْقَرْنِ الْعَاشِرِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاؤُهُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِتَحْرِيمِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِكَرَاهَتِهِ وَمِنْهُمْ مِنْ أَفْتَى بِإِبَاحَتِهِ وَاسْتَدَلَّ كُلٌّ عَلَى فَتْوَاهُ بِأَدِلَّةٍ فَهُوَ مِنْ الشُّبُهَاتِ الَّتِي قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ اتَّقَاهَا فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَلِذَا قَالَ خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الْأَمِيرُ وَفِي الدُّخَانِ خِلَافٌ، فَالْوَرَعُ تَرْكُهُ فَيَكُونُ تَرْكُهُ مَنْدُوبًا وَنَذْرُ الْمَنْدُوبِ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِهَذَا الشَّخْصِ تَعَاطِيه لِنَذْرِهِ تَرْكَهُ الْمَنْدُوبَ مُعَلِّقًا عَلَى الشِّفَاءِ، وَقَدْ حَصَلَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ وَالْحَاجَةُ الْمَذْكُورَةُ إنْ كَانَتْ مَيْلَ النَّفْسِ وَمُجَانَسَةَ مَنْ يَتَعَاطَاهُ فَلَا تُبِيحُهُ لَهُ وَإِلَّا لَزِمَ إبَاحَةُ كُلِّ مَمْنُوعٍ لِذَلِكَ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَتْ التَّدَاوِيَ بِهِ كَمَا قِيلَ بِهِ فَهُوَ كَذِبٌ مَحْضٌ فَقَدْ نَصَّ حُذَّاقُ الْأَطِبَّاءِ عَلَى أَنَّهُ يَضُرُّ، وَلَا يَنْفَعُ لِشَيْءٍ مِنْ الْعِلَلِ وَأَنَّهُ يُحْدِثُ عِلَلًا لَا تَسْكُنُ إلَّا بِهِ فَنَظِيرُ مُتَعَاطِيهِ مَنْ مَزَّقَ ثَوْبًا صَحِيحًا وَاحْتَاجَ إلَى تَرْقِيعِهِ وَيَدُلُّك عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الدَّوَاءِ قَطْعَ الدَّاءِ وَكَرَاهَةَ النَّفْسِ لَهُ وَتَرْكَهُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الشِّفَاءِ وَلَيْسَ الدُّخَانُ كَذَلِكَ إذْ مَنْ اعْتَادَهُ لَا يَسْتَطِيعُ تَرْكَهُ إلَّا إنْ كَانَ نَائِمًا فَهُوَ الدَّاءُ الَّذِي لَا دَوَاءَ لَهُ إلَّا تَرْكُهُ وَاللَّهْوُ عَنْهُ كَوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ اسْتَجَرْت مِنْهُ بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. [فِيمَا يُعْطَى لسدنة الْكَعْبَة ة الْمُشَرَّفَةِ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا يُعْطَى لِسَدَنَةِ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ الَّذِينَ خَصَّهُمْ اللَّهُ بِهَا بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فَأَدَّاهَا لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ «خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ» ، وَقَالَ ﷺ «كُلُوا مِمَّا يَصِلُ إلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ بِالْمَعْرُوفِ» وَقَدْ جَرَتْ عَادَتْهُمْ بِحِيَازَةِ رَئِيسِهِمْ الْمِفْتَاحَ وَتَوَلِّيهِ الْفَتْحَ وَالْغَلْقَ وَاسْتِلَامَ مَا يَصِلُ إلَيْهِمْ مِنْ الْبَيْتِ فَهَلْ يَخْتَصُّ بِهِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلْتُمْ لَا فَهَلْ يُسَوَّى صَغِيرُهُمْ بِكَبِيرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ بِذَكَرِهِمْ أَوْ يُخَصُّ ذُكُورُهُمْ وَقَدْ جَرَتْ عَادَتْهُمْ بِقِسْمَةِ مَا يَصِلُ إلَيْهِمْ بِهِ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَزِيَادَةِ الرَّئِيسِ سَهْمًا فِي نَظِيرِ حِفْظِهِ الْمِفْتَاحَ وَمُبَاشَرَتِهِ الْفَتْحَ وَالْغَلْقَ فَهَلْ لَهُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ وَالِاخْتِصَاصُ بِمَا يُعْطَاهُ لِتِلْكَ الْوِلَايَةِ أَوْ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا اعْتَادُوهُ فِي الْقِسْمَةِ وَلَوْ قَالَ الْمُعْطِي إنَّهُ لَهُ خَاصَّةً لِجَهْلِهِ الشَّرْعَ وَالْعَادَةَ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَابَ عَنْهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ دَحْلَانُ رَئِيسُ مُدَرِّسِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمُفْتِي الشَّافِعِيَّةِ بِهِ بِمَا نَصُّهُ: اعْلَمْ

стр. 208

رَحِمَك اللَّهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ فَتْحِهَا فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ دَخَلَ الْكَعْبَةَ زَادَهَا اللَّهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَسَأَلَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يُعْطِيَهُ مِفْتَاحَهَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فَدَفَعَ مِفْتَاحَهَا لِعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَإِلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، «وَقَالَ خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ» وَبَقِيَ الْمِفْتَاحُ بِيَدِ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ إلَى وَفَاتِهِ عَامَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ فَأَخَذَهُ ابْنُ عَمِّهِ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَتَوَارَثَهُ بَنُوهُ بَعْدَهُ وَلَمْ يُعْقِبْ عُثْمَانُ وَقِيلَ أَعْقَبَ وَاشْتَكَى عَقِبَهُ إلَى الْمَنْصُورِ الْعَبَّاسِيِّ الْخَلِيفَةِ أَنَّ بَنِي عَمِّهِمْ شَيْبَةَ مَنَعُوهُمْ مِنْ السِّدَانَةِ وَابْنُ جُرَيْجٍ يَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ الْمِفْتَاحَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَإِلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَقَالَ خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً فَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إلَى عَامِلِهِ بِمَكَّةَ إنْ شَهِدَ ابْنُ جُرَيْجٍ بِذَلِكَ فَأَدْخِلْهُمْ فِيهَا فَشَهِدَ ابْنُ جُرَيْجٍ بِهِ فَجَعَلَهَا إلَيْهِمْ كُلِّهِمْ ذَكَرَهُ الزَّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ. وَالْمَوْجُودُونَ الْآنَ كُلُّهُمْ مِنْ بَنِي شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ حِجَابَةَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ لِبَنِي طَلْحَةَ لَا يَجُوزُ انْتِزَاعُهَا مِنْهُمْ، وَلَا مُشَارَكَتُهُمْ فِيهَا وَعَلَى أَنَّ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِهَا مِنْ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ كَذَلِكَ، وَمُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ تَسْوِيَتُهُمْ فِيهِ وَتَخْصِيصُ ذُكُورِهِمْ وَلَكِنْ حَيْثُ تَرَاضَوْا عَلَى زِيَادَةِ رَئِيسِهِمْ سَهْمًا وَإِعْطَاءِ نِسَائِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ وَصِلَةٌ، وَلَا يَجُوزُ لِرَئِيسِهِمْ أَخْذُ شَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي تَرَاضَوْا عَلَيْهِ مِمَّا يَأْتِيهِمْ عَلَى سَبِيلِ الصِّلَةِ وَالْعَطِيَّةِ وَيَكُونُ جَمِيعُهُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ وَلَوْ صَرَّحَ الْمُعْطِي بِأَنَّهُ لِرَئِيسِهِمْ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ السَّهْمَ الَّذِي زَادُوهُ لَهُ أُجْرَةٌ عَلَى حِفْظِهِ الْمِفْتَاحَ وَفَتْحِهِ وَغَلْقِهِ وَغَيْرِهَا مِنْ خِدْمَةِ الْبَيْتِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَهُ إنَّمَا كَانَ لِهَذِهِ الْخِدْمَةِ وَلَوْلَاهَا مَا أُعْطِيَ شَيْئًا وَأَذْكُرُ نُصُوصَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِسِدَانَةِ الْبَيْتِ الْمُعَظَّمِ لِيُعْلَمَ مِنْهَا الْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ بِتَمَامِهِ قَالَ فِي الْبَحْرِ الْعَمِيقِ فِي حَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ لِابْنِ الضِّيَاءِ الْحَنَفِيِّ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ائْتِ بِالْمِفْتَاحِ قَالَ فَأَتَيْته بِهِ فَأَخَذَهُ مِنِّي ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيَّ وَقَالَ خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةٍ تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ» وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «كُلُّ مَأْثُرَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إلَّا سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَسِدَانَةَ الْبَيْتِ» . وَعَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ أَخَذَ مِنْ بَنِي شَيْبَةَ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ حَتَّى أَشْفَقُوا أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَالَ يَا بَنِي شَيْبَةَ هَاكُمُ الْمِفْتَاحُ وَكُلُوا بِالْمَعْرُوفِ» رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذِهِ وِلَايَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -

стр. 209

فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ نَزْعُهَا مِنْهُمْ وَلَا مُشَارَكَتُهُمْ فِيهَا. الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ هَذَا إذَا حَافَظُوا عَلَى حُرْمَتِهِ، وَلَازَمُوا الْأَدَبَ فِي خِدْمَتِهِ وَإِلَّا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَيْهِمْ وَمَعَهُمْ مُشْرِفٌ يَمْنَعُهُمْ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ وَالتَّقْصِيرِ فِي خِدْمَتِهِ وَرُبَّمَا تَعَلَّقَ الْجَاهِلُ الْمَعْكُوسُ الْفَهْمِ بِقَوْلِهِ ﷺ كُلُوا بِالْمَعْرُوفِ فَاسْتَبَاحَ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى دُخُولِ الْبَيْتِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ مِنْ أَشْنَعِ الْبِدَعِ وَأَقْبَحِ الْفَوَاحِشِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ إنْ صَحَّتْ اُسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى وُجُوبِ إقَامَةِ حُرْمَتِهِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا أَشَارَ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى مَا يَأْخُذُونَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى خِدْمَتِهِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ إلَّا قَدْرُ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ عَلَيْهِمَا أَوْ مَا يَقْصِدُونَ بِهِ مِنْ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّرِ فَلَهُمْ أَخْذُهُ وَهُوَ أَكْلٌ بِالْمَعْرُوفِ لَا مَحَالَةَ. اهـ وَفِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ لِلْحَطَّابِ الْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ نَزْعُ الْمِفْتَاحِ مِنْهُمْ لَا مَنْعُهُمْ مِنْ انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ وَمَا فِيهِ قِلَّةُ أَدَبٍ فَهَذَا وَاجِبٌ لَا خِلَافَ فِيهِ لَا كَمَا يَعْتَقِدُهُ الْجَهَلَةُ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ بِالْبَيْتِ مَا شَاءُوا فَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ، وَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى. النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْجِيمِ مَنْسُوبٌ إلَى حِجَابَةِ الْكَعْبَةِ أَيْ وَفَتْحِهَا وَإِغْلَاقِهَا وَخِدْمَتِهَا يُقَالُ لَهُ وَلِأَقَارِبِهِ الْحَجَبِيُّونَ، وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَاسْمُ أَبِي طَلْحَةَ عَبْدُ اللَّهِ أَسْلَمَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَشَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ وَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ إلَيْهِ وَإِلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَقَالَ خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ ثُمَّ نَزَلَ الْمَدِينَةَ وَأَقَامَ بِهَا إلَى وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا إلَى وَفَاتِهِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَقِيلَ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أَجْنَادِينَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا مَوْضِعٌ قُرْبَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ اهـ فَهَذِهِ النُّصُوصُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى اشْتِرَاكِهِمْ فِي السِّدَانَةِ وَفِيمَا يَصِلُ إلَيْهِمْ مِنْ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَمَا زَالُوا جَارِينَ عَلَيْهِ سَلَفًا وَخَلْفًا عَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ إلَى هَذَا الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ النِّزَاعُ بَيْنَهُمْ الْآنَ فِيمَا يُهْدَى لِرَئِيسِهِمْ وَمُقْتَضَى النُّصُوصِ السَّابِقَةِ وَالْآتِيَةِ أَنَّهَا لَهُمْ جَمِيعًا. وَسُئِلَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْقُطْبِيُّ الْحَنَفِيُّ الْمُفْتِي بِمَكَّةَ عَمَّنْ وُلِدَ بِغَيْرِ مَكَّةَ وَاسْتَوْطَنَهَا بَعْدَ كِبَرِهِ وَأَثْبَتَ نِسْبَتَهُ إلَى بَنِي شَيْبَةَ وَأَرَادَ مُشَارَكَتَهُمْ فِي السَّدَانَةِ وَفِيمَا يَصِلُ إلَيْهِمْ بِهَا مِنْ الْبِرِّ وَالصَّدَقَةِ. فَأَفْتَى بِأَنَّهُ يَجِبُ إدْخَالُهُ مَعَهُمْ وَمُشَارَكَتُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِوِلَادَتِهِ بِغَيْرِ مَكَّةَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ نَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ عَنْ طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ «يَا عُثْمَانُ إنَّ اللَّهَ اسْتَأْمَنَكُمْ عَلَى بَيْتِهِ فَكُلُوا مِمَّا يَصِلُ إلَيْكُمْ بِالْمَعْرُوفِ» قَالَ إذْ هُوَ عَامٌّ شَامِلٌ لِمَنْ وُلِدَ بِهَا وَغَيْرِهِ اهـ فَعُلِمَ أَنَّ إدْخَالَهُمْ جَمِيعًا فِيمَا يَصِلُ إلَيْهِمْ ثَابِتٌ بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ، وَلَا إبْطَالُهُ، وَلَا مُعَارَضَتُهُ

стр. 210

بِحَالٍ. وَلِابْنِ حَجْرٍ الْهَيْتَمِيِّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ كَلَامٌ حَسَنٌ مُتَعَلِّقٌ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَنَصُّهُ: قَالَ أَيْ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وِلَايَةُ الْكَعْبَةِ وَخِدْمَتُهَا وَفَتْحُهَا وَإِغْلَاقُهَا وَنَحْوُهَا حَقٌّ لِبَنِي طَلْحَةَ الْحَجَبِيِّينَ الْمَشْهُورِينَ الْآنَ بِالشَّيْبِيِّينَ أَيْ الْمَنْسُوبِينَ لِشَيْبَةَ الصَّحَابِيِّ وَهُوَ ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَبْقَى لَهُمْ وَلِذَرَارِيِّهِمْ وَقَدْ «أَخَذَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَجْهَهُ مِفْتَاحَهَا مِنْهُمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَخَذَ مِنْهُ الْمِفْتَاحَ وَرَدَّهُ إلَيْهِمْ وَقَالَ خُذُوهَا تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ» . ابْنُ حَجَرٍ أَفْهَمَ قَوْلُهُ لِبَنِي طَلْحَةَ أَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ لِجَمِيعِهِمْ كَبِيرِهِمْ وَصَغِيرِهِمْ عَلَى السَّوَاءِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ لِبَعْضِهِمْ، وَالْحَدِيثُ دَالٌ عَلَى ذَلِكَ إذْ الْأَصْلُ الْمُسَاوَاةُ حَتَّى يَرِدَ مُمَيِّزٌ وَلَمْ يَرِدْ فَمَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ كَبِيرَهُمْ سِنًّا هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ يَتَمَيَّزُ عَنْ بَاقِيهِمْ فِي الْمُرَتَّبِ وَالْمَنْذُورِ لَهُمْ لَمْ أَرَ لَهُ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْت لَعَلَّهُ شِدَّةُ مُنَازَعَتِهِمْ وَعَدَمُ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى مَا يَنْدَفِعُ بِهِ ذَلِكَ قُلْتُ الْقِيَاسُ إمَّا الْمُهَايَأَةُ وَإِمَّا الْإِعْرَاضُ عَنْهُمْ إلَى أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى شَيْءٍ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ، وَإِلَّا أُجْبِرُوا عَلَى مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الْمَفْسَدَةُ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ النَّظَرَ الْعَامَّ عَلَى الْوُلَاةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْأَوْقَافِ، وَالنَّاظِرُ عَلَيْهَا بِشَرْطِ وَاقِفِهَا، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ خَاصَّةٌ عَلَيْهَا وَلِأَنَّ دَفْعَ الْخِصَامِ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَالنَّظَرَ فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ الْعَامَّةِ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَعَلَى فَرْضِ أَنَّ اصْطِلَاحَهُمْ لَهُ أَصْلٌ فَالْقِيَاسُ تَقْدِيمُ الْأَوْثَقِ وَالْأَعْلَمِ وَالْأَعْدَلِ عَلَى الْأَسَنِّ فَتَعَيَّنَ حَمْلُ اصْطِلَاحِهِمْ عَلَى الْأَسَنِّ الْمُتَّصِفِ بِالْعَدَالَةِ وَالصِّيَانَةِ وَالْأَمَانَةِ وَالْكِفَايَةِ، وَأَمَّا الْأَسَنُّ الَّذِي لَمْ يَتَّصِفَ بِهَا فَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَصْلٌ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا يَحِلُّ تَفْوِيضُ شَيْءٍ مِنْ خِدْمَتِهَا لِغَيْرِهِمْ مَا وُجِدَ مِنْهُمْ صَالِحٌ لَهَا أَنَّ مَحَلَّ اسْتِوَائِهِمْ فِيهَا إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ صَالِحِينَ لَهَا، وَأَنَّ غَيْرَ الصَّالِحِ لَهَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا لَا وَحْدَهُ، وَلَا مَعَ غَيْرِهِ، وَقَضِيَّةُ تَعْبِيرِهِمْ بِالْبَنِينَ أَنَّ النِّسَاءَ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهَا بِنَفْسِهِنَّ، وَلَا بِنَائِبِهِنَّ وَأَنَّ بَنِي الْبَنَاتِ لَا حَقَّ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ بَنِي شَيْبَةَ إذْ الْعِبْرَةُ بِالْآبَاءِ وَقَوْلُهُمْ مَا وُجِدَ مِنْهُمْ صَالِحٌ دَالٌ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ صَالِحٌ تَكُونُ الْوِلَايَةُ لِغَيْرِهِمْ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُمْ صَالِحٌ فَتَعُودَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرُوهُ فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ بِشَرْطِ وَاقِفِهِ يَأْتِي مِثْلُهُ هَاهُنَا لِلنَّصِّ عَلَى وِلَايَتِهِمْ مِنْ الشَّارِعِ. اهـ فَهَذِهِ النُّصُوصُ صَرِيحَةٌ فِي ثُبُوتِ وِلَايَتِهَا لِجَمِيعِهِمْ وَاشْتِرَاكِهِمْ جَمِيعًا فِيمَا يَصِلُ إلَيْهِمْ مِنْ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ، وَلَا إبْطَالُهُ فَلَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ وَنَائِبِهِ

стр. 211

مَنْعُهُ مِنْهُ وَإِلْزَامُهُ الْعَمَلَ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ مَعَهُ الْمِفْتَاحُ قَدْ جَرَى عَمَلُ الْمَاضِينَ بِاخْتِصَاصِهِ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَلَا بِفَتْوَى تَاجِ الدِّينِ الْقَلَعِيِّ بِذَلِكَ لِمُخَالِفَتِهَا لِلنُّصُوصِ السَّابِقَةِ. وَصُورَةُ السُّؤَالِ مَا قَوْلُكُمْ فِيمَا يُعْطَاهُ فَاتِحُ الْكَعْبَةِ هَلْ يَخْتَصُّ بِهِ أَمْ لَا وَهَلْ إذَا وُجِدَ صَكٌّ بِأَنَّ الْعَادَةَ قِسْمَةُ الْكِسْوَةِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى بَنِي شَيْبَةَ بِالسَّوِيَّةِ يُعْمَلُ بِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: أَمَّا مَا يُعْطَاهُ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ فَهُوَ لَهُ، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ بِرٌّ وَصَدَقَةٌ أَوْصَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ لَا يَظْهَرُ فِيهِ حَقٌّ لِأَحَدٍ وَأَمَّا الْكِسْوَةُ الْقَدِيمَةُ فَنَصَّ الْفَخْرُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ مِنْ فَتْوَاهُ عَلَى أَنَّ دِيبَاجَ الْكَعْبَةِ إذَا صَارَ خَلَقًا يَبِيعُهُ السُّلْطَانُ وَيَسْتَعِينُ بِهِ فِي أَمْرِهَا اهـ وَقَالَ الْحَدَّادِيُّ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَا يَجُوزُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ، وَلَا نَقْلُهُ، وَلَا بَيْعُهُ، وَلَا شِرَاؤُهُ، وَلَا وَضْعُهُ بَيْنَ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ رَدُّهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُبَاعُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى عَنْ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا مِنْهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ فَلَا يَأْخُذْهُ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَفِي مَنْظُومَةِ الطُّوسِيِّ: وَمَا عَلَى الْكَعْبَةِ مِنْ لِبَاسٍ ... إنْ رَثَّ جَازَ بَيْعُهُ لِلنَّاسِ ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ بِلَا ثَمَنٍ لِلْأَغْنِيَاءِ، وَلَا لِلْفُقَرَاءِ وَقَالَ قُطْبُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ السُّلْطَانِ فَأَمْرُهَا يَرْجِعُ إلَيْهِ يُعْطِيهَا لِمَنْ يَشَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَوْقَافِ فَهِيَ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَإِنْ جَهِلَ عَمِلَ فِيهَا بِمَا اُعْتِيدَ وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ بَنِي شَيْبَةَ بِأَخْذِهَا فَيُبْقَوْنَ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَلَا يُعْمَلُ بِالصَّكِّ الْمَذْكُورِ، فَفِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ: وَالْحُجَّةُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ أَوْ إقْرَارٌ أَوْ نُكُولٌ عَنْ يَمِينٍ أَوْ قَسَامَةٌ اهـ وَلَيْسَ مِنْهَا الصَّكُّ. وَفِي فَتَاوَى الرَّمْلِيِّ لَا يُعْمَلُ بِمُجَرَّدِ الدَّفْتَرِ، وَلَا بِمُجَرَّدِ الْحُجَّةِ أَيُّ صَكٍّ لِلْقَاضِي، فَقَدْ صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا بِعَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْخَطِّ وَعَدَمِ الْعَمَلِ بِهِ كَمَكْتُوبِ الْوَقْفِ الَّذِي عَلَيْهِ خُطُوطُ الْقُضَاةِ الْمَاضِينَ، وَإِنَّمَا الْعَمَلُ عَلَى الْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ مِنْ فَتَاوَى الْقَلَعِيِّ وَهَذِهِ الْفَتْوَى مُخَالِفَةٌ لِلنُّصُوصِ السَّابِقَةِ مِنْ حَيْثُ اخْتِصَاصُ صَاحِبِ الْمِفْتَاحِ مِمَّا يُعْطَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُسْتَنَدًا لَوْ لَمْ يَعْزُهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَعَ ذِكْرِهِ النُّصُوصَ فِي الْكِسْوَةِ فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ الْمُسْتَنِدُونَ لِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى اشْتَرَاك بَنِي شَيْبَةَ فِيمَا يَصِلُ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْكَعْبَةِ، فَلَوْ جَرَى عَمَلُهُمْ عَلَى اخْتِصَاصِ صَاحِبِ مِفْتَاحِهَا بِهِ لَوَجَبَ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ رَدُّهُمْ إلَى الِاشْتِرَاكِ فِيهِ عَمَلًا بِنَصِّهِ ﷺ وَلَوْ فِيمَا نَصَّ الْمُعْطِي عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ إعْطَاؤُهُ سَهْمًا زَائِدًا مِنْهُ فِي نَظِيرِ فَتْحِهِ وَإِغْلَاقِهِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْخِدْمَةِ فَهُوَ أُجْرَةُ عَمَلِهِ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ

стр. 212

عَلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَكُلُّ مَا جَاءَ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ. وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ فِي مَبْحَثِ وُجُوبِ رَدِّ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا» وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَقَدِمَ بِمَالٍ فَقَالَ لَهُ مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا؟ قَالَ تَلَاحَقَتْ الْهَدَايَا فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ هَلَّا قَعَدَتْ فِي بَيْتِك فَتَنْظُرَ أَيُهْدَى لَك فَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ وَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَتَعْلِيلُ النَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْهَدِيَّةِ الَّتِي سَبَبُهَا الْوِلَايَةُ اهـ. وَفِي فَتْحِ الْبَارِي عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ مُطَابِقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَمَلُّكَهُ مَا أَهْدَى لَهُ بِهِ إنَّمَا كَانَ لِكَوْنِهِ عَامِلًا فَاعْتَقَدَ أَنَّهُ يَسْتَبِدُّ بِهِ دُونَ أَصْحَابِ الْحُقُوقِ الَّتِي عَمِلَ فِيهَا فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْحُقُوقَ الَّتِي عَمِلَ لِأَجْلِهَا هِيَ السَّبَبُ فِي الْإِهْدَاءِ لَهُ وَأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ بِمَنْزِلِهِ لَمْ يُهْدَ لَهُ شَيْءٌ فَلَا يَسْتَحِلُّهَا بِمُجَرَّدِ وُصُولِهَا إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْهَدِيَّةِ اهـ وَتَبِعَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ. وَفِي عُمْدَةِ الْقَارِيّ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لِلْعَيْنِيِّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَدَايَا الْعُمَّالِ يَجِبُ جَعْلُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ اهـ وَتَبِعَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَفِي حَاشِيَةِ السِّنْدِيِّ عَلَى صَحِيحِ أَبِي دَاوُد «مَا جَاءَ لِلْعَامِلِ مِنْ جِهَةِ عَمَلِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَإِنْ سَمَّاهُ مُعْطِيهِ هَدِيَّةً» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مِنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَفِي صَحِيحِ أَبِي دَاوُد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَمَا أَخَذَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» . عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي شَرْحِ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ. لَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ قَبُولُ هَدِيَّةٍ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ لِتَرْكِ بَعْضِ الزَّكَاةِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَرَضٍ آخَرَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُعْطِي مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ، وَلَهُ أُجْرَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا مِنْ جِهَتَيْنِ وَمَا أُعْطِيَ لَهُ يَكُونُ دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ الْمَالِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ ﵏ لَهُمْ عِبَارَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى يَطُولُ نَقْلُهَا وَفِيمَا ذَكَرْته كِفَايَةٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَدِيَّةَ الْعَامِلِ إنْ كَانَتْ لِإِسْقَاطِ بَعْضِ الْحَقِّ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِغَرَضٍ آخَرَ جَازَ لَهُ قَبُولُهَا وَدَخَلَتْ فِي الْمَالِ الَّذِي عَمِلَ لَهُ فَلَا يَخْتَصُّ بِهَا، وَأَنَّ هَدِيَّةَ عَامِلِ الزَّكَاةِ مَحَلُّهَا بَيْتُ الْمَالِ فَتَحَصَّلَ أَنَّ مَا يَصِلُ لِصَاحِبِ الْمِفْتَاحِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ وَلَوْ قَالَ لَهُ مُعْطِيهِ هَذَا لَك خَاصَّةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ هَذَا مُلَخَّصُ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ زَيْنِيٍّ

стр. 213

مُفْتِي الشَّافِعِيَّةِ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةُ وَرَئِيسُ مُدَرِّسِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. [مَسَائِلُ الِالْتِزَامِ] [أَرْكَان الِالْتِزَام] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الِالْتِزَامِ (سُئِلَ) شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ الْتَزَمَ دَيْنًا عَلَى زَوْجَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهَا جَهْلًا مِنْهُ بِعَدَمِ لُزُومِهِ لَهُ وَلَمَّا شُدِّدَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ قَالَ لِرَبِّ الدَّيْنِ لَا شَيْءَ لَك عَلَيَّ وَامْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهِ لَهُ فَهَلْ يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَيَتْبَعُ رَبُّ الدَّيْنِ تَرِكَتَهَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَنْ الْتَزَمَ شَيْئًا لَا يَلْزَمُهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَهْلًا مِنْهُ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِ وَلَوْ عَلِمَ لَمْ يَلْتَزِمْ إلَّا أَنَّ دَعْوَى الْجَهْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعِيدَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَعْلِيمٌ وَتَزْوِيرٌ فَلَا يَنْبَغِي سَمَاعُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَطَّابُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ تَحْرِيرُ الْكَلَامِ فِي مَسَائِلِ الِالْتِزَامِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ مَا نَصُّهُ وَرَتَّبْتُهُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَأَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ وَخَاتِمَةٍ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي بَيَانِ مَعْنَى الِالْتِزَامِ وَبَيَانِ أَرْكَانِهِ وَشُرُوطِ كُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا فَأَقُولُ مَدْلُولُ الِالْتِزَامِ لُغَةً إلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَهُ وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى شَامِلٌ لِلْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ دَوَامًا فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ إلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوفُ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلِّقًا عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ بِمَعْنَى الْعَطِيَّةِ وَقَدْ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْتِزَامُ الْمَعْرُوفِ بِلَفْظِ الِالْتِزَامِ وَهُوَ الْغَالِبُ فِي عُرْفِ النَّاسِ الْيَوْمَ. وَأَرْكَانُ الِالْتِزَامِ أَرْبَعَةٌ كَأَرْكَانِ الْهِبَةِ الْمُلْتَزِمُ بِكَسْرِ الزَّاي وَالْمُلْتَزَمُ لَهُ وَالْمُلْتَزَمُ بِهِ وَالصِّيغَةُ فَيُشْتَرَطُ فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الْهِبَةِ كَمَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُهُمْ، فَأَمَّا الرُّكْنُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُلْتَزِمُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الَّذِي لَا حَجْرَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِمُكْرَهٍ فَلَا يُلْزَمُ الْتِزَامَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَالسَّفِيهِ وَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ وَمَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ وَالْمُكْرَهِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَرِيضِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ نَعَمْ سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الثَّالِثِ أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الِالْتِزَامِ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ فَيُشْتَرَطُ فِي الْمُلْتَزِمِ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْمُعَاوَضَةِ فَقَطْ وَذَلِكَ الرُّشْدُ وَعَدَمُ الْإِكْرَاهِ. وَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ فَهُوَ مَنْ يَصِحُّ أَنْ يُمْلَكَ أَوْ يَمْلِكُ النَّاسُ الِانْتِفَاعَ بِهِ كَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ. وَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْمُلْتَزَمُ بِهِ فَهُوَ كُلُّ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهِ غَرَرٌ أَمْ لَا إلَّا فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ انْتِفَاءُ الْغَرَرِ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا الرُّكْنُ الرَّابِعُ وَهِيَ الصِّيغَةُ فَهِيَ

стр. 214

لَفْظٌ أَوْ مَا يَقُومُ مِنْ إشَارَةٍ أَوْ نَحْوِهَا تَدُلُّ عَلَى إلْزَامِ الشَّخْصِ نَفْسَهُ مَا الْتَزَمَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الِالْتِزَامَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهَ الْمُعَاوَضَةَ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ وَيَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَلِفَلْسٍ قَبْلَهَا كَمَا فِي سَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ. [أَقْسَام الِالْتِزَامُ] [الْبَاب الْأَوَّل فِي الِالْتِزَامِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّقٍ] وَيَنْقَسِمُ الِالْتِزَامُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُعَلَّقٌ أَوْ غَيْرُ مُعَلَّقٍ وَالْمُعَلَّقُ إمَّا مُعَلَّقٌ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزِمِ بِكَسْرِ الزَّاي أَوْ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزَمِ لَهُ بِفَتْحِ الزَّاي أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَانْحَصَرَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ وَأَمَّا الْخَاتِمَةُ فَفِي ذِكْرِ مَسَائِلِ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ وَمَسَائِلِ الشُّرُوطِ الْمُخَالِفَةِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ. (فَصْلٌ فِي الِالْتِزَامِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّقٍ) وَهُوَ إلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ عَلَى شَيْءٍ فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ وَالْحَبْسُ وَالْعَارِيَّةُ وَالْعُمْرَى وَالْعَرِيَّةُ وَالْمِنْحَةُ وَالْإِرْفَاقُ وَالْإِخْدَامُ وَالْإِسْكَانُ وَالنَّذْرُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ وَالضَّمَانُ وَالِالْتِزَامُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ أَعْنِي بِلَفْظِ الِالْتِزَامِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ إنَّمَا هُوَ بِأُمُورٍ اعْتِبَارِيَّةٍ اعْتَبَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِي كُلِّ بَابٍ فَخَصُّوا الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ بِتَمْلِيكِ الرِّقَابِ وَجَعَلُوا الْأُولَى فِيمَا كَانَ لِقَصْدِ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً وَالثَّانِيَةَ فِيمَا كَانَ لِقَصْدِ الثَّوَابِ مِنْ الْمُعْطِي أَوْ لِوَجْهِ الْمُعْطِي لِصَدَاقَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَخَصُّوا الْحَبْسَ وَمَا بَعْدَهُ إلَى الْإِسْكَانِ بِإِعْطَاءِ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى التَّأْبِيدِ فَهُوَ الْحَبْسُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُعْطِي فَهُوَ الْعُمْرَى، وَإِنْ كَانَ مَحْدُودًا بِمُدَّةٍ أَوْ غَيْرَ مَحْدُودٍ فَهُوَ الْعَارِيَّةُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي عَقَارٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْإِسْكَانُ، وَإِنْ كَانَ فِي ثَمَرَةٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْعَرِيَّةُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَلَّةِ حَيَوَانٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْمِنْحَةُ، وَإِنْ كَانَ فِي خِدْمَةِ عَبْدٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْإِخْدَامُ، وَإِنْ كَانَ فِي مَنَافِعَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَقَارِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْإِرْفَاقُ، وَحُضُورُ الضَّمَانِ بِالْتِزَامِ الدَّيْنِ لِمَنْ هُوَ لَهُ أَوْ الْتِزَامُ إحْضَارِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لِمَنْ هُوَ لَهُ، وَخَصُّوا النَّذْرَ الْمُطْلَقَ بِالْتِزَامِ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ، وَالِالْتِزَامَ الْأَخَصَّ بِمَا كَانَ بِلَفْظِ الِالْتِزَامِ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَخْرُجُ الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا الْتِزَامَ فِيهَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا يَقْضِي بِهِ مِنْهُ وَمَا لَا يَقْضِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَذَا الْقِسْمُ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْمُلْتَزِمِ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ أَوْ يَمْرَضْ مَرَضَ الْمَوْتِ إنْ كَانَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ بِفَتْحِ الزَّايِ مُعَيَّنًا، وَلَا أَعْلَمُ فِي الْقَضَاءِ بِهِ خِلَافًا إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ بَلْ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى لُزُومِ الْهِبَةِ بِالْقَوْلِ، وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي فَصْلٍ مُسْتَقِلٍّ بَعْدَ هَذَا. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمَعْرُوفُ لُزُومُ الْهِبَةِ بِفَقْدِهَا. ابْنُ زَرْقُونٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ قَبْلَ حَوْزِهَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَفِي قَوْلَةٍ شَاذَّةٍ عِنْدَنَا وَحَكَاهَا الطَّحَاوِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَحَكَاهَا ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عَنْ مَالِكٍ. ابْنُ عَرَفَةَ تَقَدَّمَ فِي الْحَبْسِ نَقْلُ ابْنِ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ. اهـ هَذَا حُكْمُ مُطْلَقِ الْعَطِيَّةِ، وَالِالْتِزَامُ نَوْعٌ

стр. 215

مِنْهَا بَلْ رُبَّمَا كَانَ أَقْوَى مِنْ حَيْثِيَّةِ دَلَالَةِ لَفْظِ الِالْتِزَامِ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْإِمْضَاءِ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ الْحَمَالَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَشْهَدَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ ضَامِنٌ بِمَا قَضَى بِهِ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَوْ قَالَ أَنَا كَفِيلٌ بِمَا لِفُلَانٍ وَهُمَا حَاضِرَانِ أَوْ غَائِبَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ لَزِمَهُ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْكَفَالَةِ وَالضَّمَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ وَالْمَعْرُوفُ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَهُ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَمَنْ ضَمِنَ لِرَجُلٍ مَالَهُ عَلَى مَيِّتٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَدْ لَزِمَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ إذَا أَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَ اهـ. قُلْت وَذِكْرُ الْإِشْهَادِ هُنَا لَيْسَ شَرْطًا فِي اللُّزُومِ إنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ كَمَا يَظْهَرُ مِمَّا ذُكِرَ قَبْلَهُ مِمَّا سَيَأْتِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ سَمِعْت مَالِكًا يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِبَيِّعِهِ بِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك فَقَالَ لَوْ قَالَ لَهُ قَوْلًا بَيِّنًا ثُمَّ رَجَعَ لَمْ أَرَ لَهُ ذَلِكَ وَرَأَيْتُهُ لَازِمًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ بِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ بِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك بِعْ وَالنُّقْصَانُ عَلَيَّ، فَهَذَا أَمْرٌ قَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَعْرُوفُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَمْ يَمُتْ أَوْ يُفْلِسْ وَسَوَاءٌ قَالَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ أَوْ بَعْدَ مَا انْتَقَدَ، إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِدَ انْتَقِدْنِي وَبِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ اهـ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزَمِ لَهُ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُ فَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ النَّوْعِ السَّادِسِ مِنْ الْبَابِ الثَّالِثِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هُنَاكَ مَعَ ذِكْرِ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ: وَالْوَفَاءُ بِهَا لَازِمٌ؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ وَفِيهَا مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَعْرُوفًا لَزِمَهُ اهـ. وَقَدْ يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ أَنَّ النَّصَّ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَلَيْسَ هُوَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَمَالَةِ وَكِتَابِ الْمِدْيَانِ وَقَدْ اغْتَرَّ بِذَلِكَ بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فَنَسَبَ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ لِكِتَابِ الْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَ هُوَ فِيهِ. [الْتَزَمَ الْإِنْفَاقَ عَلَى شَخْصٍ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ] (مَسْأَلَةٌ) مَنْ الْتَزَمَ الْإِنْفَاقَ عَلَى شَخْصٍ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُنْفِقِ أَوْ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ أَوْ حَتَّى يَقْدُمَ زَيْدٌ أَوْ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لَزِمَهُ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَعْرُوفَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ وَقَالَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ تَعَدِّي أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي وَدِيعَةٍ عِنْدَهُ إنْ عَلِمَ شَرِيكُهُ بِالْعَدَاءِ وَرَضِيَ بِالتِّجَارَةِ بِهَا فَلَهُمَا الرِّبْحُ وَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَالرِّبْحُ لِلْمُتَعَدِّي وَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ إنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ وَعَمِلَ مَعَهُ فَإِنَّمَا لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا أَعَانَهُ، وَإِنْ رَضِيَ وَلَمْ يَعْمَلْ مَعَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَا يُوجِبُ الرِّضَا دُونَ بَسْطٍ إلَيْهِ ضَمَانًا، وَلَا رِبْحًا إلَّا مِنْ وَجْهِ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ لَك نِصْفُ مَا أَرْبَحُ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ فَلَهُ طَلَبُهُ بِذَلِكَ
следующие страницы →