Полный текст (808 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
مَنْعُهُ مِنْهُ وَإِلْزَامُهُ الْعَمَلَ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ مَعَهُ الْمِفْتَاحُ قَدْ جَرَى عَمَلُ الْمَاضِينَ بِاخْتِصَاصِهِ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَلَا بِفَتْوَى تَاجِ الدِّينِ الْقَلَعِيِّ بِذَلِكَ لِمُخَالِفَتِهَا لِلنُّصُوصِ السَّابِقَةِ.
وَصُورَةُ السُّؤَالِ مَا قَوْلُكُمْ فِيمَا يُعْطَاهُ فَاتِحُ الْكَعْبَةِ هَلْ يَخْتَصُّ بِهِ أَمْ لَا وَهَلْ إذَا وُجِدَ صَكٌّ بِأَنَّ الْعَادَةَ قِسْمَةُ الْكِسْوَةِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى بَنِي شَيْبَةَ بِالسَّوِيَّةِ يُعْمَلُ بِهِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: أَمَّا مَا يُعْطَاهُ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ فَهُوَ لَهُ، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ بِرٌّ وَصَدَقَةٌ أَوْصَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ لَا يَظْهَرُ فِيهِ حَقٌّ لِأَحَدٍ وَأَمَّا الْكِسْوَةُ الْقَدِيمَةُ فَنَصَّ الْفَخْرُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ مِنْ فَتْوَاهُ عَلَى أَنَّ دِيبَاجَ الْكَعْبَةِ إذَا صَارَ خَلَقًا يَبِيعُهُ السُّلْطَانُ وَيَسْتَعِينُ بِهِ فِي أَمْرِهَا اهـ وَقَالَ الْحَدَّادِيُّ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لَا يَجُوزُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ، وَلَا نَقْلُهُ، وَلَا بَيْعُهُ، وَلَا شِرَاؤُهُ، وَلَا وَضْعُهُ بَيْنَ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ رَدُّهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُبَاعُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى عَنْ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا مِنْهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ فَلَا يَأْخُذْهُ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَفِي مَنْظُومَةِ الطُّوسِيِّ:
وَمَا عَلَى الْكَعْبَةِ مِنْ لِبَاسٍ ... إنْ رَثَّ جَازَ بَيْعُهُ لِلنَّاسِ
، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ بِلَا ثَمَنٍ لِلْأَغْنِيَاءِ، وَلَا لِلْفُقَرَاءِ وَقَالَ قُطْبُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ السُّلْطَانِ فَأَمْرُهَا يَرْجِعُ إلَيْهِ يُعْطِيهَا لِمَنْ يَشَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَوْقَافِ فَهِيَ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَإِنْ جَهِلَ عَمِلَ فِيهَا بِمَا اُعْتِيدَ وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ بَنِي شَيْبَةَ بِأَخْذِهَا فَيُبْقَوْنَ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَلَا يُعْمَلُ بِالصَّكِّ الْمَذْكُورِ، فَفِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ: وَالْحُجَّةُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ أَوْ إقْرَارٌ أَوْ نُكُولٌ عَنْ يَمِينٍ أَوْ قَسَامَةٌ اهـ وَلَيْسَ مِنْهَا الصَّكُّ.
وَفِي فَتَاوَى الرَّمْلِيِّ لَا يُعْمَلُ بِمُجَرَّدِ الدَّفْتَرِ، وَلَا بِمُجَرَّدِ الْحُجَّةِ أَيُّ صَكٍّ لِلْقَاضِي، فَقَدْ صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا بِعَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْخَطِّ وَعَدَمِ الْعَمَلِ بِهِ كَمَكْتُوبِ الْوَقْفِ الَّذِي عَلَيْهِ خُطُوطُ الْقُضَاةِ الْمَاضِينَ، وَإِنَّمَا الْعَمَلُ عَلَى الْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ مِنْ فَتَاوَى الْقَلَعِيِّ
وَهَذِهِ الْفَتْوَى مُخَالِفَةٌ لِلنُّصُوصِ السَّابِقَةِ مِنْ حَيْثُ اخْتِصَاصُ صَاحِبِ الْمِفْتَاحِ مِمَّا يُعْطَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُسْتَنَدًا لَوْ لَمْ يَعْزُهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَعَ ذِكْرِهِ النُّصُوصَ فِي الْكِسْوَةِ فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ الْمُسْتَنِدُونَ لِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى اشْتَرَاك بَنِي شَيْبَةَ فِيمَا يَصِلُ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْكَعْبَةِ، فَلَوْ جَرَى عَمَلُهُمْ عَلَى اخْتِصَاصِ صَاحِبِ مِفْتَاحِهَا بِهِ لَوَجَبَ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ رَدُّهُمْ إلَى الِاشْتِرَاكِ فِيهِ عَمَلًا بِنَصِّهِ ﷺ وَلَوْ فِيمَا نَصَّ الْمُعْطِي عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ إعْطَاؤُهُ سَهْمًا زَائِدًا مِنْهُ فِي نَظِيرِ فَتْحِهِ وَإِغْلَاقِهِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْخِدْمَةِ فَهُوَ أُجْرَةُ عَمَلِهِ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ
стр. 212
عَلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَكُلُّ مَا جَاءَ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ.
وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ فِي مَبْحَثِ وُجُوبِ رَدِّ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا» وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَقَدِمَ بِمَالٍ فَقَالَ لَهُ مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا؟ قَالَ تَلَاحَقَتْ الْهَدَايَا فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ هَلَّا قَعَدَتْ فِي بَيْتِك فَتَنْظُرَ أَيُهْدَى لَك فَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ وَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَتَعْلِيلُ النَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْهَدِيَّةِ الَّتِي سَبَبُهَا الْوِلَايَةُ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ مُطَابِقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَمَلُّكَهُ مَا أَهْدَى لَهُ بِهِ إنَّمَا كَانَ لِكَوْنِهِ عَامِلًا فَاعْتَقَدَ أَنَّهُ يَسْتَبِدُّ بِهِ دُونَ أَصْحَابِ الْحُقُوقِ الَّتِي عَمِلَ فِيهَا فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْحُقُوقَ الَّتِي عَمِلَ لِأَجْلِهَا هِيَ السَّبَبُ فِي الْإِهْدَاءِ لَهُ وَأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ بِمَنْزِلِهِ لَمْ يُهْدَ لَهُ شَيْءٌ فَلَا يَسْتَحِلُّهَا بِمُجَرَّدِ وُصُولِهَا إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْهَدِيَّةِ اهـ وَتَبِعَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ.
وَفِي عُمْدَةِ الْقَارِيّ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لِلْعَيْنِيِّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَدَايَا الْعُمَّالِ يَجِبُ جَعْلُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ اهـ وَتَبِعَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَفِي حَاشِيَةِ السِّنْدِيِّ عَلَى صَحِيحِ أَبِي دَاوُد «مَا جَاءَ لِلْعَامِلِ مِنْ جِهَةِ عَمَلِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَإِنْ سَمَّاهُ مُعْطِيهِ هَدِيَّةً» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مِنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَفِي صَحِيحِ أَبِي دَاوُد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَمَا أَخَذَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» . عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي شَرْحِ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ.
لَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ قَبُولُ هَدِيَّةٍ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ لِتَرْكِ بَعْضِ الزَّكَاةِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَرَضٍ آخَرَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُعْطِي مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ، وَلَهُ أُجْرَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا مِنْ جِهَتَيْنِ وَمَا أُعْطِيَ لَهُ يَكُونُ دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ الْمَالِ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ ﵏ لَهُمْ عِبَارَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى يَطُولُ نَقْلُهَا وَفِيمَا ذَكَرْته كِفَايَةٌ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَدِيَّةَ الْعَامِلِ إنْ كَانَتْ لِإِسْقَاطِ بَعْضِ الْحَقِّ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِغَرَضٍ آخَرَ جَازَ لَهُ قَبُولُهَا وَدَخَلَتْ فِي الْمَالِ الَّذِي عَمِلَ لَهُ فَلَا يَخْتَصُّ بِهَا، وَأَنَّ هَدِيَّةَ عَامِلِ الزَّكَاةِ مَحَلُّهَا بَيْتُ الْمَالِ فَتَحَصَّلَ أَنَّ مَا يَصِلُ لِصَاحِبِ الْمِفْتَاحِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ وَلَوْ قَالَ لَهُ مُعْطِيهِ هَذَا لَك خَاصَّةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ هَذَا مُلَخَّصُ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ زَيْنِيٍّ
стр. 213
مُفْتِي الشَّافِعِيَّةِ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةُ وَرَئِيسُ مُدَرِّسِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
[مَسَائِلُ الِالْتِزَامِ]
[أَرْكَان الِالْتِزَام]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الِالْتِزَامِ (سُئِلَ) شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ الْتَزَمَ دَيْنًا عَلَى زَوْجَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهَا جَهْلًا مِنْهُ بِعَدَمِ لُزُومِهِ لَهُ وَلَمَّا شُدِّدَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ قَالَ لِرَبِّ الدَّيْنِ لَا شَيْءَ لَك عَلَيَّ وَامْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهِ لَهُ فَهَلْ يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَيَتْبَعُ رَبُّ الدَّيْنِ تَرِكَتَهَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَنْ الْتَزَمَ شَيْئًا لَا يَلْزَمُهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَهْلًا مِنْهُ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِ وَلَوْ عَلِمَ لَمْ يَلْتَزِمْ إلَّا أَنَّ دَعْوَى الْجَهْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعِيدَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَعْلِيمٌ وَتَزْوِيرٌ فَلَا يَنْبَغِي سَمَاعُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْإِمَامُ الْحَطَّابُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ تَحْرِيرُ الْكَلَامِ فِي مَسَائِلِ الِالْتِزَامِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ مَا نَصُّهُ وَرَتَّبْتُهُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَأَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ وَخَاتِمَةٍ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي بَيَانِ مَعْنَى الِالْتِزَامِ وَبَيَانِ أَرْكَانِهِ وَشُرُوطِ كُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا فَأَقُولُ مَدْلُولُ الِالْتِزَامِ لُغَةً إلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَهُ وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى شَامِلٌ لِلْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ دَوَامًا فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ إلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوفُ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلِّقًا عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ بِمَعْنَى الْعَطِيَّةِ وَقَدْ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْتِزَامُ الْمَعْرُوفِ بِلَفْظِ الِالْتِزَامِ وَهُوَ الْغَالِبُ فِي عُرْفِ النَّاسِ الْيَوْمَ.
وَأَرْكَانُ الِالْتِزَامِ أَرْبَعَةٌ كَأَرْكَانِ الْهِبَةِ الْمُلْتَزِمُ بِكَسْرِ الزَّاي وَالْمُلْتَزَمُ لَهُ وَالْمُلْتَزَمُ بِهِ وَالصِّيغَةُ فَيُشْتَرَطُ فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الْهِبَةِ كَمَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُهُمْ، فَأَمَّا الرُّكْنُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُلْتَزِمُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الَّذِي لَا حَجْرَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِمُكْرَهٍ فَلَا يُلْزَمُ الْتِزَامَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَالسَّفِيهِ وَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ وَمَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ وَالْمُكْرَهِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَرِيضِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ نَعَمْ سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الثَّالِثِ أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الِالْتِزَامِ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ فَيُشْتَرَطُ فِي الْمُلْتَزِمِ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْمُعَاوَضَةِ فَقَطْ وَذَلِكَ الرُّشْدُ وَعَدَمُ الْإِكْرَاهِ.
وَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ فَهُوَ مَنْ يَصِحُّ أَنْ يُمْلَكَ أَوْ يَمْلِكُ النَّاسُ الِانْتِفَاعَ بِهِ كَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ.
وَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْمُلْتَزَمُ بِهِ فَهُوَ كُلُّ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهِ غَرَرٌ أَمْ لَا إلَّا فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ انْتِفَاءُ الْغَرَرِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَأَمَّا الرُّكْنُ الرَّابِعُ وَهِيَ الصِّيغَةُ فَهِيَ
стр. 214
لَفْظٌ أَوْ مَا يَقُومُ مِنْ إشَارَةٍ أَوْ نَحْوِهَا تَدُلُّ عَلَى إلْزَامِ الشَّخْصِ نَفْسَهُ مَا الْتَزَمَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الِالْتِزَامَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهَ الْمُعَاوَضَةَ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ وَيَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَلِفَلْسٍ قَبْلَهَا كَمَا فِي سَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ.
[أَقْسَام الِالْتِزَامُ]
[الْبَاب الْأَوَّل فِي الِالْتِزَامِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّقٍ]
وَيَنْقَسِمُ الِالْتِزَامُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُعَلَّقٌ أَوْ غَيْرُ مُعَلَّقٍ وَالْمُعَلَّقُ إمَّا مُعَلَّقٌ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزِمِ بِكَسْرِ الزَّاي أَوْ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزَمِ لَهُ بِفَتْحِ الزَّاي أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَانْحَصَرَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ وَأَمَّا الْخَاتِمَةُ فَفِي ذِكْرِ مَسَائِلِ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ وَمَسَائِلِ الشُّرُوطِ الْمُخَالِفَةِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ.
(فَصْلٌ فِي الِالْتِزَامِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّقٍ)
وَهُوَ إلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ عَلَى شَيْءٍ فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ وَالْحَبْسُ وَالْعَارِيَّةُ وَالْعُمْرَى وَالْعَرِيَّةُ وَالْمِنْحَةُ وَالْإِرْفَاقُ وَالْإِخْدَامُ وَالْإِسْكَانُ وَالنَّذْرُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ وَالضَّمَانُ وَالِالْتِزَامُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ أَعْنِي بِلَفْظِ الِالْتِزَامِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ إنَّمَا هُوَ بِأُمُورٍ اعْتِبَارِيَّةٍ اعْتَبَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِي كُلِّ بَابٍ فَخَصُّوا الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ بِتَمْلِيكِ الرِّقَابِ وَجَعَلُوا الْأُولَى فِيمَا كَانَ لِقَصْدِ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً وَالثَّانِيَةَ فِيمَا كَانَ لِقَصْدِ الثَّوَابِ مِنْ الْمُعْطِي أَوْ لِوَجْهِ الْمُعْطِي لِصَدَاقَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَخَصُّوا الْحَبْسَ وَمَا بَعْدَهُ إلَى الْإِسْكَانِ بِإِعْطَاءِ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى التَّأْبِيدِ فَهُوَ الْحَبْسُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُعْطِي فَهُوَ الْعُمْرَى، وَإِنْ كَانَ مَحْدُودًا بِمُدَّةٍ أَوْ غَيْرَ مَحْدُودٍ فَهُوَ الْعَارِيَّةُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي عَقَارٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْإِسْكَانُ، وَإِنْ كَانَ فِي ثَمَرَةٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْعَرِيَّةُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَلَّةِ حَيَوَانٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْمِنْحَةُ، وَإِنْ كَانَ فِي خِدْمَةِ عَبْدٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْإِخْدَامُ، وَإِنْ كَانَ فِي مَنَافِعَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَقَارِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْإِرْفَاقُ، وَحُضُورُ الضَّمَانِ بِالْتِزَامِ الدَّيْنِ لِمَنْ هُوَ لَهُ أَوْ الْتِزَامُ إحْضَارِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لِمَنْ هُوَ لَهُ، وَخَصُّوا النَّذْرَ الْمُطْلَقَ بِالْتِزَامِ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ، وَالِالْتِزَامَ الْأَخَصَّ بِمَا كَانَ بِلَفْظِ الِالْتِزَامِ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَخْرُجُ الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا الْتِزَامَ فِيهَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا يَقْضِي بِهِ مِنْهُ وَمَا لَا يَقْضِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهَذَا الْقِسْمُ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْمُلْتَزِمِ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ أَوْ يَمْرَضْ مَرَضَ الْمَوْتِ إنْ كَانَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ بِفَتْحِ الزَّايِ مُعَيَّنًا، وَلَا أَعْلَمُ فِي الْقَضَاءِ بِهِ خِلَافًا إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ بَلْ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى لُزُومِ الْهِبَةِ بِالْقَوْلِ، وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي فَصْلٍ مُسْتَقِلٍّ بَعْدَ هَذَا. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمَعْرُوفُ لُزُومُ الْهِبَةِ بِفَقْدِهَا.
ابْنُ زَرْقُونٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ قَبْلَ حَوْزِهَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَفِي قَوْلَةٍ شَاذَّةٍ عِنْدَنَا وَحَكَاهَا الطَّحَاوِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَحَكَاهَا ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عَنْ مَالِكٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ تَقَدَّمَ فِي الْحَبْسِ نَقْلُ ابْنِ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ. اهـ
هَذَا حُكْمُ مُطْلَقِ الْعَطِيَّةِ، وَالِالْتِزَامُ نَوْعٌ
стр. 215
مِنْهَا بَلْ رُبَّمَا كَانَ أَقْوَى مِنْ حَيْثِيَّةِ دَلَالَةِ لَفْظِ الِالْتِزَامِ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْإِمْضَاءِ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ الْحَمَالَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَشْهَدَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ ضَامِنٌ بِمَا قَضَى بِهِ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَوْ قَالَ أَنَا كَفِيلٌ بِمَا لِفُلَانٍ وَهُمَا حَاضِرَانِ أَوْ غَائِبَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ لَزِمَهُ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْكَفَالَةِ وَالضَّمَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ وَالْمَعْرُوفُ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَهُ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَمَنْ ضَمِنَ لِرَجُلٍ مَالَهُ عَلَى مَيِّتٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَدْ لَزِمَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ إذَا أَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَ اهـ.
قُلْت وَذِكْرُ الْإِشْهَادِ هُنَا لَيْسَ شَرْطًا فِي اللُّزُومِ إنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ كَمَا يَظْهَرُ مِمَّا ذُكِرَ قَبْلَهُ مِمَّا سَيَأْتِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ سَمِعْت مَالِكًا يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِبَيِّعِهِ بِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك فَقَالَ لَوْ قَالَ لَهُ قَوْلًا بَيِّنًا ثُمَّ رَجَعَ لَمْ أَرَ لَهُ ذَلِكَ وَرَأَيْتُهُ لَازِمًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ بِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ بِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك بِعْ وَالنُّقْصَانُ عَلَيَّ، فَهَذَا أَمْرٌ قَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَعْرُوفُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَمْ يَمُتْ أَوْ يُفْلِسْ وَسَوَاءٌ قَالَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ أَوْ بَعْدَ مَا انْتَقَدَ، إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِدَ انْتَقِدْنِي وَبِعْ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ اهـ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزَمِ لَهُ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُ فَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ النَّوْعِ السَّادِسِ مِنْ الْبَابِ الثَّالِثِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هُنَاكَ مَعَ ذِكْرِ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ: وَالْوَفَاءُ بِهَا لَازِمٌ؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ وَفِيهَا مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَعْرُوفًا لَزِمَهُ اهـ.
وَقَدْ يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ أَنَّ النَّصَّ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَلَيْسَ هُوَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَمَالَةِ وَكِتَابِ الْمِدْيَانِ وَقَدْ اغْتَرَّ بِذَلِكَ بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فَنَسَبَ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ لِكِتَابِ الْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَ هُوَ فِيهِ.
[الْتَزَمَ الْإِنْفَاقَ عَلَى شَخْصٍ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ]
(مَسْأَلَةٌ) مَنْ الْتَزَمَ الْإِنْفَاقَ عَلَى شَخْصٍ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُنْفِقِ أَوْ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ أَوْ حَتَّى يَقْدُمَ زَيْدٌ أَوْ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لَزِمَهُ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَعْرُوفَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ وَقَالَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ تَعَدِّي أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي وَدِيعَةٍ عِنْدَهُ إنْ عَلِمَ شَرِيكُهُ بِالْعَدَاءِ وَرَضِيَ بِالتِّجَارَةِ بِهَا فَلَهُمَا الرِّبْحُ وَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَالرِّبْحُ لِلْمُتَعَدِّي وَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ إنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ وَعَمِلَ مَعَهُ فَإِنَّمَا لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا أَعَانَهُ، وَإِنْ رَضِيَ وَلَمْ يَعْمَلْ مَعَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَا يُوجِبُ الرِّضَا دُونَ بَسْطٍ إلَيْهِ ضَمَانًا، وَلَا رِبْحًا إلَّا مِنْ وَجْهِ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ لَك نِصْفُ مَا أَرْبَحُ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ فَلَهُ طَلَبُهُ بِذَلِكَ
стр. 216
مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ كَتَبْت عَنْ بَعْضِ شُيُوخِي أَنَّهُ يَقُومُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ الْتَزَمَ نَفَقَةَ فُلَانٍ هَذِهِ السَّنَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَمْرَضْ أَوْ يُفْلِسْ اهـ.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَالْفُرُوعُ الْآتِيَةُ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي الْقَضَاءِ بِذَلِكَ.
(فَرْعٌ) وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ هَلْ تَدْخُلُ الْكِسْوَةُ فِي النَّفَقَةِ أَمْ لَا قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ قَالَ ابْنُ زَرِبٍ فِي مَسَائِلِهِ فِيمَنْ الْتَزَمَ الْإِنْفَاقَ عَلَى رَجُلٍ وَأَبِي أَنْ يَكْسُوَهُ وَقَالَ إنَّمَا أَرَدْت الْإِنْفَاقَ لَا الْكِسْوَةَ وَطَلَبَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ الْكِسْوَةَ مَعَ النَّفَقَةِ فَشَغَلَتْ بَالِي مُدَّةً ثُمَّ ظَهَرَتْ لِي فَأَلْزَمَتْهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَيَكْسُوَهُ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَيَكْسُوهَا فَالْكِسْوَةُ دَاخِلَةٌ فِي النَّفَقَةِ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي قَوْلِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي كُلِّ نَفَقَةٍ يُحْكَمُ بِهَا كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَالْآبَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْعَبِيدِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ إذَا كَثُرَ الْمَالُ وَالسَّفَرُ بَعِيدٌ، وَأَمَّا مَنْ الْتَزَمَ الْإِنْفَاقَ عَلَى أَحَدٍ إحْسَانًا إلَيْهِ وَقَالَ إنَّمَا أَرَدْت الِاطِّعَامَ لَا الْكِسْوَةَ وَقَالَ الْآخَرُ قَدْ الْتَزَمْت لِي إنْفَاقًا مُجْمَلًا فَاكْسُنِي كَمَا تُطْعِمُنِي فَهَذَا لَا يَلْزَمُهُ عِنْدِي بِدَلِيلِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الرَّوَاحِلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَأْجَرَ الْعَبْدُ السَّنَةَ عَلَى أَنَّ عَلَى الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ نَفَقَتَهُ، وَكَذَلِكَ الْحُرُّ، فَقُلْنَا لِمَالِكٍ فَلَوْ شَرَطَ الْكِسْوَةَ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَقَوْلُهُ فَلَوْ شَرَطَ الْكِسْوَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَقْتَضِي الْكِسْوَةَ وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ مُقْتَضِيَةً لَهَا لَقَالَ لَهُ إذَا سَأَلَهُ عَنْهَا لَفْظُ النَّفَقَةِ يَقْتَضِيهَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ الْتَزَمَ الْإِنْفَاقَ عَلَى إنْسَانٍ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ شَهْرًا أَوْ سَنَةً وَقَالَ هَذَا الَّذِي أَرَدْت، وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَطَلَبَ الْآخَرُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ لَصَدَقَ الْمُلْتَزِمُ وَمَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ أَرَادَهُ وَلَا يَجُوزُ غَيْرُ هَذَا.
وَفِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِحَائِطِهِ وَفِيهِ ثَمَرَةٌ مَأْبُورَةٌ أَوْ طَيِّبَةٌ وَقَالَ إنَّمَا تَصَدَّقْتُ بِالْأَصْلِ لَا الثَّمَرَةِ فَهُوَ مُصَدَّقٌ بِلَا يَمِينٍ، وَكَذَا رَوَى أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَقَدْ يَتَخَرَّجُ مِنْ بَعْضِ مَسَائِلِ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْلِفُ وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مَنْ اسْتَرْعَى أَنَّهُ مَتَى عَتَقَ عَبْدُهُ أَوْ مَتَى حَبَسَ دَارِهِ الَّتِي بِمَوْضِعِ كَذَا ثُمَّ أَعْتَقَ أَوْ حَبَسَ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ الْبَيِّنَةُ ذَلِكَ وَصَدَقَ فِيمَا يَدَّعِيه وَيَذْكُرُهُ، وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِنَا هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ زَرِبٍ أَنَّ كُلَّ مُتَطَوِّعٍ مُصَدَّقٌ وَأَمَّا إنْ قَالَ مُلْتَزِمُ الْإِنْفَاقِ لَمْ تَكُنْ لِي نِيَّةٌ فِي مَطْعَمٍ، وَلَا مَلْبَسٍ إنَّهُ يُقَالُ لَهُ قُمْ بِهِمَا جَمِيعًا اهـ.
مُخْتَصَرًا مِنْ الْأَحْكَامِ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِاخْتِصَارٍ، وَقَالَ بَعْدَهُ: هَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِدُخُولِ الْكِسْوَةِ فِي مُسَمَّى النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ مُسَمَّاهَا لَزِمَ، وَلَا يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ إنَّمَا أَرَدْت الْإِطْعَامَ كَمَا لَوْ قَالَ مَا أَرَدْت إلَّا الْكِسْوَةَ لَمْ يُقْبَلْ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ثُمَّ رَأَيْت لِلْمُتَيْطِيِّ إثْرَ قَوْلِهِ قُمْ بِهِمَا: لَعَلَّ جَوَابَ ابْنِ زَرِبٍ فِي هَذَا وَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَإِذَا لَمْ يَتَنَاوَلْ لَفْظُ النَّفَقَةِ
стр. 217
الْكِسْوَةَ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فَكَيْفَ تَلْزَمُهُ الْكِسْوَةُ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ وَأَمَّا إذَا ادَّعَى نِيَّةً فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَقْضِي إلَّا بِمَا نَوَى قَالَ الْمُتَيْطِيُّ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْمَوَّازِيَّةِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ زَرِبٍ قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَوْصَى بِنَفَقَةِ رَجُلٍ حَيَاتَهُ أَخْرَجَ لَهُ مِنْ الثُّلُثِ مَا يَقُومُ بِهِ مُنْتَهَى سَبْعِينَ سَنَةً مِنْ مَاءٍ وَحَطَبٍ وَطَعَامٍ وَكِسْوَةٍ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا وَاضِحٌ يَعْنِي كَلَامَ الْمُتَيْطِيِّ إلَّا قَوْلَهُ إنَّمَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِمَا نَوَى بَلْ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ لَفْظِهِ وَفِيهَا فِي كِتَابَ الشَّرِكَةَ مَا نَصُّهُ: أَرَأَيْت الْمُتَفَاوِضَيْنِ كَيْفَ يَصْنَعَانِ فِي نَفَقَتِهِمَا.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُلْغَى نَفَقَتُهُمَا مَعًا وَفِي بَابِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ لَمَّا قَالَ مَالِكٌ تُلْغَى النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا عَلِمْنَا أَنَّ مَا أَنْفَقُوا إنَّمَا هُوَ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ وَتُلْغَى الْكِسْوَةُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ تُلْغَى النَّفَقَةُ، وَالْكِسْوَةُ مِثْلُ النَّفَقَةِ. اهـ وَمَجْمُوعُهُ دَلِيلٌ لِابْنِ زَرِبٍ.
وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ طَاعَ بِالْتِزَامِ نَفَقَةِ رَبِيبِهِ مُدَّةَ الزَّوْجِيَّةِ ثُمَّ طَلَّقَ أُمَّهُ ثُمَّ رَاجَعَهَا بَعْدَ عِدَّتِهَا هَلْ تَعُودُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الرَّبِيبِ وَهَلْ يَلْزَمُهُ مَعَهَا الْكِسْوَةُ؟
فَأَجَابَ بِبَقَاءِ لُزُومِهَا مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِ ذَلِكَ الْمِلْكِ شَيْءٌ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْكِسْوَةُ إنْ حَلَفَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الطَّعَامَ دُونَ الْكِسْوَةِ، وَكَانَ ابْنُ زَرِبٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الشُّيُوخِ يُوجِبُونَ الْكِسْوَةَ مَعَ الطَّعَامِ مُحْتَجِّينَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا مِنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، وَلَا أَدْرِي ذَلِكَ لِأَنَّ النَّفَقَةَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَقَدْ تُعُورِفَتْ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ فِي الطَّعَامِ دُونَ الْكِسْوَةِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: حَاصِلُهُ أَنَّ النَّفَقَةَ عِنْدَهُ مَوْضُوعَةٌ لِلطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ ثُمَّ تَخَصَّصَتْ عِنْدَهُ عُرْفًا بِالطَّعَامِ فَقَطْ وَتَقَرَّرَ فِي مَبَادِئِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّقْلِ اهـ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ.
قُلْت الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ لَفْظَ النَّفَقَةِ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ وَعَلَى الطَّعَامِ فَقَطْ وَأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَشْهُورُ فَإِذَا أَطْلَقَ الْمُلْتَزِمُ اللَّفْظَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ حُمِلَ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَإِنْ ادَّعَى الْمُلْتَزِمُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَعْنَى الْآخَرَ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَالِي هَذَا يَرْجِعُ كَلَامُ ابْنِ سَهْلٍ وَالْمُتَيْطِيِّ غَيْرَ أَنَّ فِي قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ مُسَامَحَةً وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ عِنْدَ كَثِيرٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ الْمَعْنَى الثَّانِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ فَتَأَمَّلْ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ مِنْ نَوَازِلِهِ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُتَّبَعَ قَوْلُ الْمُحْبِسِ فَمَا كَانَ مِنْ نَصٍّ جَلِيٍّ لَوْ كَانَ حَيًّا فَقَالَ إنَّهُ أَرَادَ مَا يُخَالِفُهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ، وَلَا يُخَالِفُ حَدَّهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَمَا كَانَ مِنْ كَلَامٍ مُحْتَمِلٍ لِوَجْهَيْنِ فَأَكْثَرَ حُمِلَ عَلَى أَظْهَرِ مُحْتَمَلَاتِهِ إلَّا أَنْ يُعَارِضَ أَظْهَرَهَا أَصْلٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَظْهَرِ مِنْ بَاقِيهَا إذَا كَانَ الْمُحْبِسُ قَدْ مَاتَ فَفَاتَ أَنْ يُسْأَلَ عَمَّا أَرَادَ بِقَوْلِهِ مِنْ مُحْتَمَلَاتِهِ فَيُصَدَّقُ فِيهِ إذْ هُوَ أُعْرَفُ بِمَا أَرَادَ وَأَحَقُّ بِبَيَانِهِ مِنْ غَيْرِهِ. اهـ
فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا وَفَسَّرَ اللَّفْظَ بِأَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ قَبْلَ تَفْسِيرِهِ بِهِ وَلَوْ كَانَ خِلَافَ الْأَظْهَرِ، وَلَا
стр. 218
يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الصَّرِيحِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ خِلَافَ مَعْنَاهُ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ هَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِدُخُولِ الْكِسْوَةِ فِي مُسَمَّى النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ مُسَمَّاهَا لَزِمَ، وَلَا يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ إنَّمَا أَرَدْت الْإِطْعَامَ كَمَا لَوْ قَالَ مَا أَرَدْت إلَّا الْكِسْوَةَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَفْظُ النَّفَقَةِ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ يُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِطْعَامِ وَحْدَهُ وَادَّعَى الْمُلْتَزِمُ أَنَّهُ أَرَادَهُ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْإِطْلَاقُ مَرْجُوحًا؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ وَكُلُّ مُتَطَوِّعٍ مُصَدَّقٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ زَرِبٍ فَلَا يَلْزَمُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَرَادَ إذَا كَانَ لَفْظُهُ صَالِحًا لِمَا ادَّعَاهُ، وَأَمَّا إذَا قَالَ مَا أَرَدْت إلَّا الْكِسْوَةَ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ النَّفَقَةِ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْكِسْوَةِ فَقَطْ فَتَأَمَّلْهُ. وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ أَيْضًا إثْرَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ إنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّقْلِ صَحِيحٌ لَكِنْ إذَا ثَبَتَ النَّقْلُ عُمِلَ بِهِ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ يَقْتَضِي ثُبُوتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الِاسْتِعْمَالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[طَاعَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ بِجَمِيعِ مُؤْنَةِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ مُدَّةَ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ، وَإِنْ طَاعَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ بِجَمِيعِ مُؤْنَةِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ كِسْوَةٍ وَغَيْرِهَا مُدَّةَ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا لَزِمَهُ، وَلَا يَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ إلَّا عَلَى الطَّوْعِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ، وَلَوْ كَانَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ لَمْ يَجُزْ وَفُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَثَبَتَ بَعْدَهُ بِالدُّونِ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ أَوْ الْمُسَمَّى قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَيَجُوزُ لِانْتِفَاءِ الْغَرَرِ فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ رَجَعَتْ بِنَفَقَتِهِ بَقِيَّةَ الْأَجَلِ وَتَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ صَدَاقِهَا، وَإِنَّمَا تَأْخُذُهَا عَلَى حَسَبِ مَا شَرَطَتْ.
وَقَالَ ابْنُ زَرِبٍ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا وَيَفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ. اهـ
وَقَوْلُهُ فِي مُخْتَصَرِهَا أَوَّلًا وَثَبَتَ بَعْدَهُ بِالدُّونِ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ أَوْ الْمُسَمَّى كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتُهَا وَصَوَابُهُ وَثَبَتَ بَعْدَهُ بِالْأَكْثَرِ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ أَوْ الْمُسَمَّى وَلَفْظُ الْمُتَيْطِيَّةِ وَلَوْ كَانَ يَعْنِي الشَّرْطَ فِي عُقْدَةِ النِّكَاحِ لَمْ يَجُزْ وَفُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَثَبَتَ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ وَبَطَلَ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ حَطَّتْ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا لِأَجْلِ هَذَا الشَّرْطِ، فَإِنْ كَانَ صَدَاقُ مِثْلِهَا أَقَلَّ مِنْ الْمُسَمَّى لَمْ تَنْقُصْ عَنْهُ.
قُلْت، وَأَصْلُ مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ فِي الْمَرْأَةِ تَشْتَرِطُ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يُنْفِقَ عَلَى ابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ أَوْ عَلَى مَنْ لَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ مِنْ خَدَمِهَا أَنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَإِنْ أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ شَرْطَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَثْبُتُ بَعْدُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ لِمَا وَضَعَتْ.
وَعَنْ أَصْبَغَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يُفْسَخُ إذَا أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ شَرْطَهَا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْفَسَادُ فِيهِ بَيِّنٌ لِاشْتِرَاطِهَا نَفَقَةً مَجْهُولَةً غَيْرَ مَحْدُودَةٍ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ. قَالَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الشَّقَّاقِ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ هَذَا النِّكَاحَ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي
стр. 219
ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لَا أَدْرِي ذَلِكَ وَلَيْسَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَعَلَّ الصَّبِيَّ لَا يَعِيشُ شَهْرًا أَوْ يَعِيشُ عِشْرِينَ سَنَةً فَعِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا أَمْ لَا، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَاسْتَبْعَدَ ابْنُ رُشْدٍ مَا قَالَهُ ابْنُ الشَّقَّاقِ قَائِلًا إذْ لَا وَجْهَ لِفَسَادِهِ إلَى الْجَهْلِ بِمِقْدَارِ النَّفَقَةِ الْمُشْتَرَطَةِ عَلَى الزَّوْجِ اهـ مُخْتَصَرًا.
وَقَوْلُهُ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ لِمَا وَضَعَتْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَضَعْ مِنْ صَدَاقِهَا لِلشَّرْطِ بِأَنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا لَمْ يَنْتَقِصْ مِنْهُ شَيْئًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُتَيْطِيَّةِ وَذَلِكَ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ رَضِيَ بِالْمُسَمَّى مَعَ الشَّرْطِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَرْضَى بِهِ مَعَ إسْقَاطِ الشَّرْطِ وَلَعَلَّ ابْنَ زَرِبٍ لَحَظَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الشَّقَّاقِ يَمْنَعُهُ وَلَوْ كَانَ لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ بَلْ لَعَلَّ ابْنَ الشَّقَّاقِ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ زَرِبٍ فَإِنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ أَوْ يَكُونُ ابْنُ زَرِبٍ لَحَظَ مَا يَأْتِي عَنْ الشُّيُوخِ مِنْ أَنَّهُمْ أَسْقَطُوهُ لِمَوْتِ الزَّوْجِ سَوَاءٌ كَانَ طَوْعًا أَوْ شَرْطًا وَقَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ إذَا طَاعَ الزَّوْجُ بِنَفَقَةِ ابْنِ امْرَأَتِهِ أَمَدَ الزَّوْجِيَّةِ جَازَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ لِلْغُرُورِ وَفُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فِي أَصْلِ النِّكَاحِ وَمَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ الْمُدَّةِ رَجَعَ ذَلِكَ إلَى الْأُمِّ وَتَأْخُذُهُ عَلَى حَسَبِ مَا شَرَطَتْ اهـ. .
وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ فِي صِفَةِ كَتْبِ الْوَثِيقَةِ فَإِنْ الْتَزَمَ الزَّوْجُ النَّفَقَةَ عَلَى الْوَلَدِ قُلْتُ وَتَطَوَّعَ الزَّوْجُ بِمُؤْنَةِ ابْنِ الزَّوْجَةِ مِنْ غَيْرِهِ وَإِجْرَاءِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ بِطُولِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا إلَى سُقُوطِ ذَلِكَ شَرْعًا وَذَلِكَ لَازِمٌ لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ الْتَزَمَهُ فَإِنْ مَاتَ الْمُتَطَوِّعُ سَقَطَ الْمُتَطَوَّعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَبَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ، وَلَا يُرْجَعُ عَلَى الزَّوْجِ بِشَيْءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ مِنْهُ وَصِلَةٌ لِلرَّبِيبِ وَلَمْ تَتْرُكْ الْأُمُّ مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا وَقَعَ ذَلِكَ لِلشُّيُوخِ فَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ طَوْعًا أَوْ شَرْطًا اهـ.
قُلْت أَمَّا إذَا كَانَ تَطَوُّعًا فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْوَاهِبِ قَبْلَ قَبْضِهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ شَرْطًا فِي الْعَقْدِ وَأَجَزْنَاهُ إذَا كَانَ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ عَلَى مَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْقُطَ وَأَنْ يُحَلَّ بِمَوْتِ الزَّوْجِ فَتَأَمَّلْهُ.
(فَرْعٌ) وَلِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِمَا أَنْفَقَهُ بِالشَّرْطِ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ عَلَى مَنْ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ خَدَمِهَا إلَى حِينِ فَسْخِ النِّكَاحِ أَوْ تَصْحِيحِهِ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَفِي الطُّرَرِ رَأَيْت فِي بَعْضِ الْكُتُبِ إنْ كَانَ الطَّوْعُ بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ لِمُدَّةِ أَمَدِ الزَّوْجِيَّةِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ الْإِنْفَاقُ عَلَى الرَّبِيبِ مَا دَامَ صَغِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ اهـ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ سَلَّمُونِ وَنَصُّهُ، وَإِنْ كَانَ الطَّوْعُ لِمُدَّةِ الزَّوْجِيَّةِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ الْإِنْفَاقُ عَلَى الرَّبِيبِ مَا دَامَ صَغِيرًا لَا يَقْدِرُ
стр. 220
عَلَى الْكَسْبِ قُلْت وَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ وَمُعِينِ الْحُكَّامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَقْيِيدًا لَهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَزَوْجَتُهُ فِي نَفَقَةِ بَنِيهَا مِنْ غَيْرِهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ إنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَزَوْجَتُهُ فِي بَنِيهَا مِنْ غَيْرِهِ فَقَالَتْ شَرَطْت عَلَيْك الْإِنْفَاقَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ قَالَهُ ابْنُ الْهِنْدِيُّ وَلِابْنِ فَتْحُونٍ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ اهـ.
قُلْتُ إنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْعَقْدِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ مَعَ ذَلِكَ إذَا كَانَ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَإِلَّا فَهِيَ مُدَّعِيَةٌ لِفَسَادِ النِّكَاحِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ كَمَا قَالُوا فِيمَا إذَا ادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَقَالَ الزَّوْجُ بَعْدَهَا إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الْعُرْفُ لَهَا فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى الشَّرْطَ لِشَهَادَةِ الْعُرْفِ لَهُ، وَإِنْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ الْتَزَمَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَيُجْرَى الْخِلَافُ فِي تَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ وَهَبَهُ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي إيجَابِ دَعْوَى هِبَةِ مُعَيَّنٍ يَمِينُ الْوَاهِبِ قَوْلُ الْجَلَّابِ، وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَائِلًا دَعْوَى الْمَدِينِ هِبَةَ رَبِّ الدَّيْنِ دَيْنَهُ تُوجِبُ يَمِينَهُ اتِّفَاقًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، قُلْت: وَكَذَا هِبَةُ مَا بِيَدِهِ مِنْ مُعَيَّنٍ اهـ.
قُلْت وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الرَّعْبَنِيِّ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ وَنَصُّهُ مَنْ ادَّعَى عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ هِبَةً لَهُ أَوْ صَدَقَةً أَوْ عَطِيَّةً أَوْ نِحْلَةً أَوْ عَارِيَّةً إلَى أَجَلٍ أَوْ سُكْنَى أَوْ عُمْرَى أَوْ حَبْسًا أَوْ إخْدَامَ عَبْدٍ أَوْ وَصِيَّةٍ وَكَانَ ذَلِكَ بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ إثْبَاتِ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُ فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا أَنْكَرَ وَإِذَا كَانَا أَخَوَيْنِ أَوْ خَلِيطَيْنِ بِأَيِّ خُلْطَةٍ كَانَتْ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِيَدِ الْمُدَّعِي بِمَا ذَكَرْنَا وَقَامَ وَصَاحِبُهَا يُرِيدُ أَخْذَهَا فَادَّعَى عَلَيْهِ الْمُدَّعِي بِمَا ذَكَرْنَاهُ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ حَلَفَ وَأَخَذَ مَتَاعَهُ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ أَوْلَى بِمَتَاعِهِ بِلَا يَمِينٍ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِنَخْلٍ وَهِيَ مُثْمِرَةٌ فَادَّعَى الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ الثَّمَرَةَ وَقَالَ الْمُتَصَدِّقُ إنَّمَا تَصَدَّقْت بِالْأَصْلِ دُونَ الثَّمَرَةِ فَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَكَانَتْ لَهُ دَعْوَاهُ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَرُدَّ إلَى رَبِّهِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِحَائِطِهِ وَفِيهِ ثَمَرَةٌ فَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِثَمَرَتِهَا فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ يَوْمَ الصَّدَقَةِ لَمْ تُؤَبَّرْ فَهِيَ لِلْمُعْطِي، وَإِنْ كَانَتْ مَأْبُورَةً فَهِيَ لِلْمُعْطَى وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْهِبَةُ وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ مَوَاضِعَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ تَقْتَضِي الْخِلَافَ فِي تَوَجُّهِ الْيَمِينِ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ فَيَقُومُ الْقَوْلَانِ فِي دَعْوَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْكِتَابِ وَهُمَا مَنْصُوصَانِ فِي دَعْوَى الْهِبَةِ اهـ.
وَتَفْصِيلُ الرُّعَيْنِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ ظَاهِرٌ فَلْيُعْتَمَدْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[امْرَأَةٌ لَهَا أَوْلَادٌ تَأْخُذُ نَفَقَتَهُمْ مِنْ أَبِيهِمْ وَتَزَوَّجَتْ رَجُلًا]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ امْرَأَةٌ لَهَا أَوْلَادٌ تَأْخُذُ نَفَقَتَهُمْ مِنْ أَبِيهِمْ
стр. 221
وَتَزَوَّجَتْ رَجُلًا وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةَ الْأَوْلَادِ أَجَلًا مَعْلُومًا أَوْ بَعْدَ تَطَوُّعٍ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ مُدَّةَ الزَّوْجِيَّةِ وَأَرَادَتْ الرُّجُوعَ بِذَلِكَ عَلَى أَبِيهِمْ فَوَقَعَتْ الْفُتْيَا إنْ كَانَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا مِنْ حُقُوقِهَا بِحَيْثُ لَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ وَإِسْقَاطُهُ لِزَوْجِهَا فَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ بِنَفَقَتِهِمْ عَلَى أَبِيهِمْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِلْوَلَدِ فَلَا رُجُوعَ عَلَى أَبِيهِ بِشَيْءٍ وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْأُصُولِ وَهُوَ شَيْءٌ وُهِبَ لِلْوَلَدِ فَنَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى أَبِيهِ، وَالْأَوَّلُ مَالٌ وُهِبَ لِأُمِّهِ فَإِذَا أَنْفَقَتْهُ عَلَى الْوَلَدِ رَجَعَتْ بِهِ عَلَى أَبِيهِ اهـ.
قُلْت وَلِلْأَبِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ إنْفَاقِ الزَّوْجِ عَلَى الْوَلَدِ كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ مَنْ حَلَفَ لَا آكُلُ لِفُلَانٍ طَعَامًا فَدَخَلَ ابْنُ الْحَالِفِ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَأَعْطَاهُ خُبْزًا. . . إلَخْ وَهَذَا وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْتَزَمَ نَفَقَةَ مَنْ لَيْسَ بِقَرِيبِهِ كَالرَّبِيبِ أَوْ مِنْ قَرِيبٍ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ مِنْ شَرْحِ الرِّسَالَةِ مَنْ الْتَزَمَ نَفَقَةَ مَنْ لَيْسَ بِقَرِيبِهِ كَالرَّبِيبِ أَوْ مِنْ قَرِيبٍ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِالْأَصَالَةِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ بِاتِّفَاقٍ.
[زَوَّجَ عَبْدَهُ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مُدَّةَ الزَّوْجِيَّةِ ثُمَّ مَاتَ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ تَطَوُّعًا بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مُدَّةَ الزَّوْجِيَّةِ ثُمَّ مَاتَ هَلْ تُوقَفُ تَرِكَتُهُ لِذَلِكَ وَكَيْفَ إنْ كَانَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ أَوْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ.
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي تَرِكَةِ السَّيِّدِ إنْ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُدَّةَ الزَّوْجِيَّةِ مَا دَامَ حَيًّا وَبَعْدَ الْمَوْتِ هِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ وَلَوْ شُرِطَ فِي أَصْلِ النِّكَاحِ كَانَ فَاسِدًا يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَيَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ، وَقِيلَ لَا يُفْسَخُ قَبْلُ إذَا أُسْقِطَ الشَّرْطُ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ الْغَرَرُ، وَلَوْ شَرَطَ أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِصْمَةِ رَجَعَتْ عَلَى الْعَبْدِ لَجَازَ وَلَوْ اخْتَلَفَا هَلْ كَانَ شَرْطًا أَوْ تَطَوُّعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى الشَّرْطَ لِشَهَادَةِ الْعُرْفَ لَهُ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ سِلْعَةً سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي شَرْطِ النَّفَقَةِ فِي النِّكَاحِ عَلَى أَبِي الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ وَوَلِيِّ السَّفِيهِ حَتَّى يَرْشُدَ فَأَجَازَهُ مَرَّةً وَكَرِهَهُ أُخْرَى وَقَالَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إجَازَةَ ذَلِكَ وَزَادَ لُزُومُ ذَلِكَ مَا عَاشَ الْأَبُ وَالزَّوْجُ مَوْلًى عَلَيْهِ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إنْ لَمْ يَقَعْ بَيَانٌ إنْ مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّبِيِّ أَوْ الْوَلِيُّ قَبْلَ رُشْدِ الْيَتِيمِ فَسَقَطَتْ النَّفَقَةُ بِمَوْتِهِمَا هَلْ تَعُودُ فِي مَالِهِ أَوْ مَالِ الْيَتِيمِ أَوْ تَعُودُ عَلَيْهِمَا إلَى بُلُوغِ الصَّغِيرِ وَرُشْدِ الْيَتِيمِ، فَإِنْ شُرِطَ عُودُهَا فِي مَالِهِمَا جَازَ النِّكَاحُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ شُرِطَ سُقُوطُهَا إلَى بُلُوغِ الصَّغِيرِ وَرُشْدِ الْيَتِيمِ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا الْخُلْفُ إنْ وَقَعَ النِّكَاحُ مُبْهَمًا وَعَلَى الْقَوْلِ بِفَسَادِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ دَخَلَ جَازَ وَكَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ هُوَ بِالْمَهْرِ الْمُسَمَّى أَوْ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
قُلْت وَالْقَوْلُ بِفَسَادِ النِّكَاحِ وَفَسْخِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ هُوَ
стр. 222
قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَلَوْ شَرَطَ النَّفَقَةَ فِي نِكَاحِ الْكَبِيرِ الْمَالِكِ أَمْرَ نَفْسِهِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ عَلَى غَيْرِهِ فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَّا أَنْ تَرْضَى الزَّوْجَةُ بِكَوْنِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ، وَلَا يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِظُهُورِ الْغَرَرِ وَالْفَسَادِ فِي هَذِهِ.
وَلَا يَجُوزُ النِّكَاحُ عَلَى إعْطَاءِ حَمِيلٍ بِالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي ذِمَّتِهِ كَالْمَهْرِ فَإِنْ وَقَعَ النِّكَاحُ عَلَى ذَلِكَ كَانَ فَاسِدًا يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَمَّى إذْ لَمْ تَرْضَى بِالْمُسَمَّى إلَّا لِأَجْلِ مَا اشْتَرَطَهُ مِنْ الْحَمَالَةِ وَتَسْقُطُ الْحَمَالَةُ، وَلَوْ وَقَعَ فِي مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ النَّفَقَةِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ بَيَانُ رُجُوعِهَا عَلَى الزَّوْجِ إنْ مَاتَ مَنْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ مَا يُبْطِلُ النَّفَقَةَ عَنْهُ جَازَ النِّكَاحُ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ وَقِيلَ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ خِلَافُ السُّنَّةِ وَيَمْضِي بَعْدَهُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَإِلَيْهِ نَحَا الْأَبْهَرِيُّ وَمَا قُلْنَا أَظْهَرُ وَأَبْيَنُ اهـ.
وَقَالَ فِي رَسْمِ الْكِرَاءِ وَالْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ فِيمَنْ ضَمِنَ عَنْ ابْنِهِ نَفَقَةَ سِنِينَ سَمَّاهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ أَوْ لَمْ يُسَمِّ دَنَانِيرَ إلَّا أَنَّهُ عَرَفَ وَجْهَ النَّفَقَةِ فَضَمِنَ نَفَقَةَ سِنِينَ وَذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ مِثْلُ أَنْ يُرَادَ أَنْ يُقَامَ بِابْنِهِ لِيُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَضَمِنَ ذَلِكَ عَنْهُ أَبُوهُ أَرَى ذَلِكَ يَلْزَمُهُ مَا دَامَ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ سَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَهُوَ الْحَقُّ، وَكَذَا نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ إذَا ضَمِنَ الِابْنُ هَذِهِ حُقُوقٌ تُقْضَى قَدْ اُفْتُرِضَتْ وَلَيْسَ هَذَا كَاَلَّذِي يَضْمَنُ فِي النِّكَاحِ النَّفَقَةَ، ذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ وَلَمْ يُفْرَضْ وَلَمْ يَجِبْ، وَلَا أَمَدَ لَهُ وَمَجْهُولٌ كُلُّهُ يَكُونُ أَوْ لَا يَكُونُ وَمَتَى يَفْتَرِقَانِ أَوْ يَمُوتَانِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: جَعْلُ الضَّمَانِ بِالنَّفَقَةِ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْحَيَاةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ فَمَا وَجَبَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهِ لَزِمَهُ وَمَا وَجَبَ مِنْهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ بِخِلَافِ الْحَمَالَةِ لِمَا قَدْ وَجَبَ مِنْ الْحُقُوقِ ذَلِكَ يَجِبُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَلَى عِوَضٍ وَهُوَ مَا رَضِيَ الْمُتَحَمِّلُ لَهُ مِنْ تَرْكِ ذِمَّةِ غَرِيمِهِ وَأَمَّا إذَا تَحَمَّلَ فِي أَصْلِ عَقْدِ النِّكَاحِ بِالنَّفَقَةِ فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تَرْضَ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ إلَّا بِشَرْطِ الْحَمَالَةِ فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَهُ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْوَفَاةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَجَبَتْ بَعْدُ اهـ.
قُلْت قَوْلُهُ وَأَمَّا إذَا تَحَمَّلَ بِالنَّفَقَةِ فِي أَصْلِ عَقْدِ النِّكَاحِ. . . إلَخْ مُشْكِلٌ أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَرَّرَ وَتَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النِّكَاحَ يَفْسُدُ بِاشْتِرَاطِ حَمِيلٍ بِالنَّفَقَةِ، وَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِلْغَرَرِ وَتَسْقُطُ الْحَمَالَةُ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَوْ فُرِضَ صِحَّةُ النِّكَاحِ وَالِاشْتِرَاطِ لَسَقَطَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ اشْتِرَاطَ النَّفَقَةِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي آخِرِ بَابِ النِّحْلَةِ لَمَّا سُئِلَ عَمَّنْ تَطَوَّعَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى آخِرِ حَيَاتِهِ أَوْ مُدَّةً مَا ثُمَّ مَاتَ الْمُتَطَوِّعُ فَقَامَ الْآخَرُ يَطْلُبُ النَّفَقَةَ فِي تَرِكَتِهِ
стр. 223
وَهَلْ إنْ كَانَ هَذَا سَفِيهًا أَوْ جَائِزَ الْأَمْرِ فِي طَلَبِ النَّفَقَةِ سَوَاءٌ وَهَلْ تَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ.
فَأَجَابَ إذَا مَاتَ الْمُتَطَوِّعُ بِالْإِنْفَاقِ سَقَطَ عَنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَرَّةِ؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا أَحْفَظُهُ فِي الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَطَوِّعُ عَلَيْهِ سَفِيهًا أَوْ جَائِزَ الْأَمْرِ اهـ.
[خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى نَفَقَةِ ابْنِهِ مِنْهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ]
(فَرْعٌ) سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَنْ تَحَمَّلَتْ عَنْهُ بِنَفَقَةِ ابْنِهِ مِنْهَا إلَى الْحُلُمِ ثُمَّ رَاجَعَهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ هَلْ تَبْقَى النَّفَقَةُ عَلَيْهَا أَمْ لَا وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً هَلْ تَعُودُ عَلَيْهَا؟
فَأَجَابَ إذَا رَاجَعَهَا سَقَطَ مَا تَحَمَّلَتْ بِهِ، وَلَا تَعُودُ عَلَيْهَا إنْ طَلَّقَهَا إلَّا أَنْ يُجَدِّدَ التَّحَمُّلَ اهـ.
قُلْت وَهَذَا عَلَى الْقَوْلُ بِجَوَازِ الْخُلْعِ عَلَى أَنْ تَلْتَزِمَ الْمَرْأَةُ نَفَقَةَ الْوَلَدِ بَعْدَ مُدَّةِ الرَّضَاعِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ وَسَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالْمَخْزُومِيِّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَهُ الْمُغِيرَةُ وَالْمَشْرِقِيُّونَ كُلُّهُمْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَبِهِ نَقُولُ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ وَقَالَهُ ابْنُ دِينَارٍ، قَالَ ابْنُ سَلَّمُونِ وَبِذَلِكَ جَرَى الْعَمَلُ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونَ وَمَنْ وَافَقَهُ الْعَمَلُ وَجَرَتْ الْفَتْوَى فِي جَوَازِ الْمُبَارَاةِ عَلَى الْتِزَامِ الزَّوْجَةِ أَوْ غَيْرِهَا النَّفَقَةَ عَلَى الْوَلَدِ أَعْوَامًا تَزِيدُ عَلَى عَامَيْ الرَّضَاعِ وَعَلَيْهِ وَضَعَ الْمُوَثِّقُونَ وَثَائِقَهُمْ اهـ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ سَلَّمُونِ وَغَيْرُهُمَا فَإِنْ وَقَعَ تَمَّ الْخُلْعُ وَسَقَطَ الزَّائِدُ عَلَى الْحَوْلَيْنِ قَالَ فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى أَنْ عَلَيْهَا نَفَقَةَ الْوَلَدِ وَرَضَاعَهُ مَا دَامَ فِي الْحَوْلَيْنِ جَازَ ذَلِكَ فَإِنْ مَاتَتْ كَانَ الرَّضَاعُ وَالنَّفَقَةُ فِي مَالِهَا، وَإِنْ مَاتَ الْغُلَامُ فِي الْحَوْلَيْنِ فَلَا شَيْءَ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا قَالَ مَالِكٌ لَمْ أَرَ أَحَدًا طَلَبَ ذَلِكَ اهـ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَلَا رُجُوعَ لِلْأَبِ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ إذَا مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ انْقِضَاءِ أَمَدِ الرَّضَاعِ إذَا كَانَ إنَّمَا تُحْمَلَا عَلَى أَنْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ مَئُونَةِ رَضَاعِهِ بِإِفْصَاحٍ وَبَيَانٍ وَاخْتُلِفَ إذَا وَقَعَ الْإِبْرَاءُ مُبْهَمًا فَحَمَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنَّمَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ مَئُونَةِ رَضَاعِهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ وَفِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ لَوْ طَلَبَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ فِيهِ قَوْلٌ اهـ.
ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهَا نَفَقَةَ الْوَلَدِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ أَمَدًا سَمَّيَاهُ أَوْ اشْتَرَطَ عَلَيْهَا الزَّوْجُ نَفَقَةَ نَفْسِهِ لِسَنَةٍ أَوْ سِنِينَ تَمَّ الْخُلْعُ وَلَزِمَهَا نَفَقَةُ الْوَلَدِ فِي الْحَوْلَيْنِ فَقَطْ، وَلَا يَلْزَمُهَا مَا نَافَ عَنْ الْحَوْلَيْنِ مِنْ نَفَقَةِ الْوَلَدِ، وَلَا مَا شَرَطَ الزَّوْجُ مِنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ يَلْزَمُهَا جَمِيعُ ذَلِكَ كَالْخُلْعِ بِالْغَرَرِ اهـ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ عَزْوِهِ قَوْلَ الْمَخْزُومِيِّ لِلْجَمَاعَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ وَكَانَ ابْنُ لُبَابَةَ لَا يَرَى قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا رِوَايَتَهُ وَيَقُولُ الْخَلْقُ عَلَى خِلَافِهِ وَأَمَّا الْمُخَالَعَةُ عَلَى رَضَاعِ الْوَلَدِ خَاصَّةً فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ غَرَرٌ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِنْ الْتَزَمَتْ لَهُ مُؤْنَةَ حَمْلِهِ إنْ ظَهَرَ بِهَا أَوْ مُؤْنَةَ حَمْلِهِ الظَّاهِرِ جَازَ، وَإِنْ الْتَزَمَتْ لَهُ مَعَ ذَلِكَ إرْضَاعَ الْوَلَدِ
стр. 224
وَمُؤْنَتَهُ إلَى فِطَامِهِ جَازَ وَلَزِمَهَا فَإِنْ مَاتَتْ أُخِذَ مِنْ تَرِكَتِهَا، قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ يُرِيدُ يُوقَفُ مِنْهَا قَدْرُ مُؤْنَةِ الِابْنِ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ لَزِمَهَا إرْضَاعُهُمَا فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ فِي خِلَالِ الْعَامَيْنِ فَلَا شَيْءَ لِلْأَبِ عَلَيْهَا قَالَ مَالِكٌ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا طَلَبَ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْتِزَامِهَا بَرَاءَةُ الْأَبِ مِنْ مُؤْنَةِ ابْنِهِ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَبِهِ الْقَضَاءُ وَرَوَى أَبُو الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي مَوْتِ الْوَلَدِ، وَمِثْلُهُ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ اهـ.
(تَنْبِيهٌ) فَإِنْ اشْتَرَطَ فِي الْخُلْعِ نَفَقَةً تَزِيدُ عَلَى الْحَوْلَيْنِ أَوْ اشْتَرَطَ النَّفَقَةَ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ بِشَرْطِ ثُبُوتِ النَّفَقَةِ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ كَثُبُوتِهَا قَبْلَهَا قَالَهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ، وَعِبَارَةُ مُخْتَصَرِهَا إذَا اشْتَرَطَ نَفَقَةَ الْوَلَدِ أَوْ غَيْرِهِ أَعْوَامًا مَعْلُومَةً عَاشَ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ جَازَ لِانْتِفَاءِ الْغَرَرِ كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا عَلَى أَنْ يُنْفِقَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَهُوَ جَائِزٌ وَإِذَا جَازَ فِي الْبَيْعِ فَهُوَ فِي الْخُلْعِ أَوْلَى.
(تَنْبِيهٌ ثَانٍ) قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَمِمَّا يُجْمَعُ بِهِ أَيْضًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ حَكَى فِي كِتَابِهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ بَارَأَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَنْ سَلَّمَتْ وَلَدَهَا مِنْهُ إلَيْهِ فَإِنْ أَرَادَتْ أَخْذَهُ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهَا إلَّا بِأَنْ تَلْتَزِمَ نَفَقَتَهُ وَتُسْقِطَ عَنْ الْأَبِ مُؤْنَتَهُ أَنَّ ذَلِكَ خُلْعٌ تَامٌّ لَازِمٌ وَحَكَى مِثْلَهُ أَبُو عِمْرَانَ عَنْ فَضْلِ بْنِ سَلَمَةَ اهـ.
فَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا رَاجَعَ زَوْجَتَهُ تَسْقُطُ عَنْهَا النَّفَقَةُ يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ وَسَحْنُونٍ وَمَنْ مَعَهُمْ الْمُتَقَدِّمِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى أَعْنِي إذَا شَرَطَ ثُبُوتَ النَّفَقَةِ بَعْدَ الْوَفَاةِ كَثُبُوتِهَا قَبْلَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْهَا بِالْمُرَاجَعَةِ فَتَأَمَّلْهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ فِي وَجْهِ سُقُوطِ النَّفَقَةِ عَنْهَا بِمُرَاجَعَتِهِ إيَّاهَا فِيمَا إذَا خَالَعَهَا عَلَى أَنْ تَحَمَّلَتْ بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ إلَى الْحُلُمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فُهِمَ عَنْهَا أَنَّهَا إنَّمَا الْتَزَمَتْ النَّفَقَةَ عَلَى الْوَلَدِ مَا لَمْ تَكُنْ فِي عِصْمَةِ الزَّوْجِ، قُلْت وَفُهِمَ مِمَّا ذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا الْتَزَمَتْ نَفَقَةَ أَوْلَادِهَا عَلَى أَنْ يَكُونُوا عِنْدَهَا وَلَوْ تَزَوَّجَتْ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي النَّوْعِ الْخَامِسِ مِنْ الْبَابِ الثَّالِثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَمَنْ تَبِعَهُ قَالَ ابْنُ سَلَّمُونِ إنْ مَاتَتْ الْأُمُّ وُقِفَ مِنْ مَالِهَا بِقَدْرِ ذَلِكَ وَأُجْرِيَ فِي نَفَقَةِ الِابْنِ إلَى أَنْ يَحْتَلِمَ وَلِلزَّوْجِ مُحَاصَّةُ غُرَمَاءِ الْمَرْأَةِ بِنَفَقَةِ ابْنِهِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْخُلْعِ، فَإِنْ أَعْدَمَتْ الْأُمُّ فِي خِلَالِ الْمُدَّةِ فَإِنَّ النَّفَقَةَ تَعُودُ عَلَى الْأَبِ ثُمَّ إنْ أَيْسَرَتْ رَجَعَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا، وَهَلْ يَتْبَعُهَا الْوَالِدُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى ابْنِهِ مُدَّةَ عَدَمِهَا أَمْ لَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَتْبَعُهَا بِذَلِكَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْقَضَاءُ وَحَكَى أَصْبَغُ أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهَا بِشَيْءٍ اهـ. وَقَالَ قَبْلَهُ، وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ فَلَا شَيْءَ
стр. 225
لِلْأَبِ عَلَى الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْتِزَامِهَا إبْرَاءُ الْأَبِ مِنْ مُؤْنَتِهِ وَقِيلَ لِلْأَبِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَبِهِ الْقَضَاءُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ سَلَّمُونِ وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَجُلٍ اخْتَلَفَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ وَأَسْقَطَتْ عَنْهُ مُؤْنَةَ حَمْلٍ إلَى فِطَامِهِ ثُمَّ أَثْبَتَتْ أَنَّهَا عَدِيمَةٌ أَيَلْزَمُ الزَّوْجَ النَّفَقَةُ عَلَى الْحَمْلِ أَمْ لَا يَلْزَمُهُ حَتَّى تَضَعَ وَكَيْفَ إنْ كَانَتْ أَشْهَدَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَنَّهَا مَوْفُورَةُ الْمَالِ وَأَنَّهَا مَتَى أَثْبَتَتْ أَنَّهَا عَدِيمَةٌ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ؟
فَأَجَابَ إنْ ثَبَتَ عَدَمُهَا لَزِمَ الزَّوْجَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا وَيَتْبَعُهَا بِمَا أَنْفَقَ إذَا أَيْسَرَتْ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَشْهَدَتْ بِالْوُفُورِ كَمَا ذَكَرَتْ فَلَا تَنْتَفِعُ بِمَا يَشْهَدُ لَهَا مِنْ الْعَدَمِ حَتَّى يَشْهَدُوا بِمَعْرِفَةِ ذَهَابِ مَالِهَا وَوُفُورِ حَالِهَا الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ اهـ.
قُلْت وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ تَكُونُ الْمَرْأَةُ مَجْهُولَةً وَلَمْ يَشْهَدْ بِعَدَمِهَا إلَّا شَاهِدَانِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ أَمَّا إنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً بِالْإِعْسَارِ وَالْعَدَمِ بِحَيْثُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ غَالِبُ مَنْ يَعْرِفُهَا وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ مَا شَهِدَتْ بِهِ مِنْ الْوُفُورِ كَذِبٌ مَحْضٌ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا أَشْهَدَتْ بِهِ مِنْ الْوُفُورِ، وَلَا إلَى قَوْلِهَا أَنَّهَا مَتَى أَثْبَتَتْ أَنَّهَا عَدِيمَةٌ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ وَيَلْزَمُ الزَّوْجَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا وَهَذَا ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ فَأَقَامَ شَهْرًا ثُمَّ بَارَأَهَا عَلَى أَنَّ عَلَيْهَا إرْضَاعَ وَلَدِهَا]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ التَّخْيِيرِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ فَأَقَامَ شَهْرًا ثُمَّ بَارَأَهَا عَلَى أَنَّ عَلَيْهَا إرْضَاعَ وَلَدِهَا فَطَلَبَتْهُ بِنَفَقَةِ مَا مَضَى مِنْ الشُّهُورِ قَبْلَ الْمُبَارَأَةِ فَقَالَ ذَلِكَ لَهَا، قِيلَ لَهُ أَرَأَيْت إذَا قَالَتْ لَهُ إنَّمَا بَارَأْتُك عَلَى رَضَاعِهِ فَأَمَّا نَفَقَةُ حَمْلِهِ فَلَا، قَالَ أَمَّا نَفَقَةُ حَمْلِهَا قَبْلَ الْمُبَارَأَةِ فَذَلِكَ لَهَا وَأَمَّا بَعْدَ الْمُبَارَأَةِ فَإِنَّهُ يُعْرَفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهَا مِنْ الرَّضَاعِ وَيُعْطِيهَا هَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ أَمَّا مَا مَضَى مِنْ نَفَقَةِ حَمْلِهَا قَبْلَ الْمُبَارَأَةِ فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَهُمَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ لَهَا عَلَيْهِ فَلَا تَسْقُطُ إلَّا بِمَا تَسْقُطُ بِهِ الْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا نَفَقَةُ مَا بَقِيَ مِنْ الْحَمْلِ بَعْدَ الْمُبَارَأَةِ فَجَعَلَهَا تَبَعًا لِمَا الْتَزَمَتْ لَهُ مِنْ رَضَاعِهِ بِمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْعُرْفِ وَالْمَقْصِدِ، فَإِنْ وَقَعَ الْأَمْرُ مَسْكُوتًا عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِهِمْ فِيمَنْ أَكْرَى دَارًا مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَاةً إنْ ذَكَرَ كِرَاءَ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ بَرَاءَةً لِلدَّافِعِ مِمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ طَلَّقَهَا وَهِيَ حَامِلٌ وَلَمْ يُخَالِعْهَا فَدَفَعَ لَهَا نَفَقَةَ الرَّضَاعِ لَكَانَ ذَلِكَ بَرَاءَةً لَهُ مِنْ نَفَقَةِ الْحَمْلِ الْمُتَقَدِّمَةِ اهـ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَلَمْ يُحْكَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ: وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ أَنْ لَا نَفَقَةَ لِلْوَلَدِ إذَا وَلَدَتْهُ هَلْ يَكُونُ لَهَا الْآنَ نَفَقَةُ الْحَمْلِ فَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا نَفَقَةَ لَهَا الْآنَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونَ وَالْمُغِيرَةُ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ لَهَا نَفَقَةُ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَذْكُرْ وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ لَهَا حَقَّيْنِ خَالَعَتْ عَلَى أَنْ
стр. 226
أَسْقَطَتْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَسْقُطْ الْآخَرُ اهـ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى وَمَنْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَنَّهَا إنْ وَلَدَتْ مِنْهُ فَعَلَيْهَا نَفَقَتُهُ فِي الْحَوْلَيْنِ فَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَطْلُبَهُ بِنَفَقَةِ الْحَمْلِ وَصَدَاقُهَا عَلَيْهِ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهَا صَدَاقٌ وَلَا نَفَقَةُ حَمْلٍ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ لَهَا نَفَقَةُ الْحَمْلِ، وَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ أَنَّهَا لَمْ تَشْتَرِطْ بَقَاءَهُ فَكَانَ الظَّاهِرُ إسْقَاطَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ عَنْهَا بِتَرْكِ مَا فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى زَادَتْ نَفَقَةُ الْحَمْلِ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذِمَّتِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا أَنَّهَا قَدْ أَسْقَطَتْ نَفَقَةَ الْوَلَدِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَبِأَنْ يَسْقُطَ مَا وَجَبَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ أَوْلَى كَمَا قُلْت فِي الصَّدَاقِ أَنَّهَا إذَا أَسْقَطَتْ نَفَقَةَ الْحَوْلَيْنِ اقْتَضَى ذَلِكَ إسْقَاطَ الصَّدَاقِ وَوَجْهُ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهَا أَسْقَطَتْ عَنْهُ نَفَقَةً مُقَرَّرَةً وَهِيَ نَفَقَةُ الْحَوْلَيْنِ فَلَا يَتَعَدَّى الْإِسْقَاطُ إلَى غَيْرِهَا وَإِلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا، وَلَا وَجَبَ بِسَبَبِهَا؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَمْلِ فِي غَيْرِ مُدَّةِ الْحَوْلَيْنِ وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْحَوْلَيْنِ وَاجِبَةٌ بِغَيْرِ سَبَبِهَا، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا مَا سَقَطَ مِنْ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ وَجَبَ لَهَا وَتَقَرَّرَ وَنَفَقَةُ الْحَمْلِ لَمْ تَجِبْ فَلَا تَسْقُطُ إلَّا بِالنَّصِّ عَلَيْهَا اهـ كَلَامُ الْبَاجِيِّ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ عَلَى سُقُوطِ الصَّدَاقِ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ أَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا إذَا خَالَعَتْ زَوْجَهَا عَلَى أَنْ تُعْطِيَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ أَنَّ لِلزَّوْجِ الْعَشَرَةَ وَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا سَوَاءٌ قَالَتْ مُطْلَقًا أَوْ اشْتَرَطَتْ الْعَشَرَةَ مِنْ صَدَاقِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا خَالَعَتْهُ عَلَى عَشَرَةٍ وَلَمْ تَقُلْ مِنْ صَدَاقِي فَهَلْ يَقْتَضِي ذَلِكَ سُقُوطَ نِصْفِ الصَّدَاقِ وَتَرُدُّ الصَّدَاقَ جَمِيعَهُ إنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ سُقُوطَ النِّصْفِ فَلَهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ سَوَاءٌ قَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ، وَلَهُ عَلَيْهَا الْعَشَرَةُ الَّتِي خَالَعَتْهُ عَلَيْهَا وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قَبَضَتْهُ فَيَكُونَ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ فَلَا شَيْءَ لَهَا وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ جَوَابًا لَمَّا اسْتَحْسَنَ قَوْلَ أَشْهَبَ بِعَدَمِ سُقُوطِ نِصْفِ الصَّدَاقِ وَقَالَ: لِأَنَّ قَوْلَهَا اخْلَعْنِي أَوْ بَارِئْنِي أَوْ تَارِكْنِي إنَّمَا يَتَضَمَّنُ خَلْعَ النَّفْسِ وَالْإِبْرَاءَ مِنْ الْعِصْمَةِ وَالْمُتَارَكَةَ فِيهَا فَلَيْسَ الِانْخِلَاعُ مِنْ الْمَالِ، وَلَا الْإِبْرَاءُ مِنْهُ، وَلَا الْمُتَارَكَةُ فِيهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَسَقَطَ عَنْهُ الصَّدَاقُ إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ دُيُونِهَا وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الِانْخِلَاعَ وَالْمُبَارَأَةَ وَالْمُتَارَكَةَ أَنَّهَا يُرَادُ بِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ النَّفْسُ دُونَ الْمَالِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَقُّهَا فِي النِّصْفِ قَبْلَ الدُّخُولِ ثَابِتًا، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا وَكَانَ لَهَا عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَتْ اخْلَعْنِي أَوْ بَارِئْنِي لَا خِلَافَ أَنَّ دَيْنَهَا بَاقٍ اهـ.
فَكَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا لَا يَسْقُطُ صَدَاقُهَا بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ مَنْ خَالَعَتْ زَوْجَهَا عَلَى شَيْءٍ أَعْطَتْهُ لَهُ مِنْ مَالِهَا عَبْدًا أَوْ غَيْرَهُ
стр. 227
وَسَكَتَتْ عَنْ الصَّدَاقِ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا سَقَطَ صَدَاقُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا لَمْ يَسْقُطْ صَدَاقُهَا وَلَمْ يُحْكَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا غَيْرَ أَنَّ الشَّيْخَ خَلِيلًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْمَدْخُولِ بِهَا وَأَنَّ صَدَاقَهَا لَا يَسْقُطُ مَا نَصُّهُ لِتَقَرُّرِهِ بِالدُّخُولِ وَسَوَاءٌ قَبَضَتْهُ أَمْ لَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ سَحْنُونٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا قَبَضَتْهُ، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَقْبِضْهُ فَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْهُ اهـ.
فَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا إذَا قَبَضَتْهُ لَمْ يَسْقُطْ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ فَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونَ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدُوسٍ وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ قَوْلِ سَحْنُونَ وَبِهِ صَدَّرَ فِي الشَّامِلِ وَعَطْفُ الثَّانِي يُقْبَلُ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْبَاجِيُّ عَنْ الْمَبْسُوطِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قَبَضَتْهُ وَأَمَّا لَوْ قَبَضَتْهُ لَمْ يُنْزَعْ مِنْهَا اهـ.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ صَدَاقَ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا كَانَ بَاقِيًا عَلَى الزَّوْجِ لَا يَسْقُطُ وَلَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى أَنْ أَعْطَتْهُ شَيْئًا إمَّا اتِّفَاقًا أَوْ عَلَى الرَّاجِحِ فَأَحْرَى إذَا خَالَعَتْهُ عَلَى أَنْ تَحَمَّلَتْ بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ، وَكَذَلِكَ نَفَقَةُ مَا مَضَى مِنْ مُدَّةِ الْحَمْلِ قَبْلَ الْخُلْعِ وَأَمَّا نَفَقَةُ الْحَمْلِ بَعْدَ الْخُلْعِ فَاخْتُلِفَ فِيهَا وَالرَّاجِحُ سُقُوطُهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْفَرْعِ إنْ ذَكَرَ كِرَاءَ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ بَرَاءَةً لِلدَّافِعِ مِمَّا قَبْلَ ذَلِكَ مُرَادُهُ بِذِكْرِ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ الْمَكْتُوبُ الشَّاهِدُ بِدَفْعِ كِرَاءِ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ.
قُلْت: وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى مُسْتَحِقِّ وَقْفٍ بِوُصُولِ مَعْلُومِ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ أَنَّهُ شَاهِدٌ لِلدَّافِعِ بِوُصُولِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[عَمَّمَ الْمُبَارَأَةَ بَعْدَ عَقْدِ الْخُلْعِ فَهَلْ تَرْجِعُ لِجَمِيعِ الدَّعَاوَى كُلِّهَا]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْخُلْعِ وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: إذَا عَمَّمَ الْمُبَارَأَةَ بَعْدَ عَقْدِ الْخُلْعِ فَهَلْ تَرْجِعُ لِجَمِيعِ الدَّعَاوَى كُلِّهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْخُلْعِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ فَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ، وَعَنْ ابْنِ الْحَاجِّ تَرْجِعُ لِأَحْكَامِ الْخُلْعِ خَاصَّةً وَهُوَ عِنْدِي يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَامِّ إذَا خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ هَلْ يَقْصُرُ عَلَى سَبَبِهِ أَوْ يَعُمُّ وَإِذَا تَعَقَّبَ الْجُمَلَ اسْتِثْنَاءٌ أَوْ صِفَةٌ أَوْ قَيْدٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِالْكُلِّ أَوْ بِالْبَعْضِ عَلَى مَاذَا يُحْمَلُ وَبَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ اهـ.
وَنَصُّ مَا فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَسُئِلَ فِي عَقْدٍ انْعَقَدَ بِخُلْعٍ فِي أَشْيَاءَ سُمِّيَتْ فِيهِ وَتَضَمَّنَ قَطْعَ الدَّعَاوَى بَيْنَهُمَا فِيهِ فَقَالَ إنَّمَا يَرْجِعُ قَطْعُ الدَّعَاوَى فِيهِ إلَى جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ مِمَّا سُمِّيَ فِيهِ وَمَا لَمْ يُسَمَّ وَقَالَ فِيهَا أَبُو الْقَاسِمِ أَصْبَغُ قَطْعُ الدَّعَاوَى بَيْنَهُمَا فِي الْعَقْدِ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى مَا سُمِّيَ فِيهِ مِنْ الْخُلْعِ اهـ.
[خَالَعَهَا عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ إلَى الْحُلُمِ فَبَلَغَ مَجْنُونًا]
(فَرْعٌ) إذَا خَالَعَهَا عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ إلَى الْحُلُمِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ فَبَلَغَ مَجْنُونًا أَوْ زَمِنًا عَادَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأَبِ، وَلَوْ قَالَ إلَى حِينِ سُقُوطِ النَّفَقَةِ عَنْ الْأَبِ لَزِمَتْ الْمَرْأَةَ النَّفَقَةُ حِينَئِذٍ قَالَهُ
стр. 228
فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ سَلَّمُونِ: فَإِنْ عَقَدَ الْخُلْعَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ غَيْرِهَا وَلِيٌّ أَوْ أَجْنَبِيٌّ فَلَهَا الرُّجُوعُ عَلَى زَوْجِهَا وَالطَّلَاقُ مَاضٍ وَهَلْ يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الَّذِي عَقَدَ مَعَهُ الْخُلْعَ إذَا لَمْ يَضْمَنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَمِنَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي الطَّلَاقِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَقَوْلُ أَصْبَغَ فِي الْوَاضِحَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ لَهُ الضَّمَانَ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَيْضًا. وَالثَّالِثُ لَهُ إنْ كَانَ أَبًا أَوْ ابْنًا أَوْ أَخًا أَوْ مَنْ لَهُ قَرَابَةٌ لِلزَّوْجَةِ فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ دِينَارٍ اهـ. .
وَنَقَلَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْخُلْعِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بَائِنًا وَهُوَ ظَاهِرٌ.
[عَقَدَتْ الْمَرْأَةُ الْخُلْعَ ثُمَّ ظَهَرَ مَا يُسْقِطُ الْتِزَامَهَا]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ سَلَّمُونِ: وَإِنْ عَقَدَتْ الْمَرْأَةُ الْخُلْعَ وَضَمِنَ لِلزَّوْجِ وَلِيُّهَا أَوْ غَيْرُهُ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ دَرَكٍ فِي الْخُلْعِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ ظَهَرَ مَا يُسْقِطُ الْتِزَامَهَا مِنْ ثُبُوتِ ضَرَرٍ أَوْ عُدْمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الضَّامِنَ يَغْرَمُ لِلزَّوْجِ مَا الْتَزَمَهُ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ: إذَا أَخَذَ الزَّوْجُ عَلَى الْمَرْأَةِ ضَامِنًا بِمَا الْتَزَمَتْ لَهُ وَأَسْقَطَتْ عَنْهُ ثُمَّ أُعْدِمَتْ أَخَذَ الزَّوْجُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى بَنِيهِ وَطَالَبَ الْحَمِيلَ بِمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا فِي وِلَايَةٍ فَحَكَى فَضْلٌ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ الزَّوْجُ سَفَهَهَا فَحَقُّهُ عَلَى الْحَمِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَمِيلُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيمَا شَاءَ كَشْفُهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ عَلِمَ الزَّوْجُ بِذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْحَمِيلِ، وَلَا عَلَيْهَا بِشَيْءٍ عَلِمَ الْحَمِيلُ بِذَلِكَ أَمْ لَا وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَلْزَمُ الْحَمِيلَ مَا تَحَمَّلَ بِهِ لِلزَّوْجِ.
[خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى أَنْ تَتَحَمَّلَ بِالْوَلَدِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً وَشَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ]
(فَرْعٌ) إذَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى أَنْ تَتَحَمَّلَ بِالْوَلَدِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً وَشَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ فِي الْحَوْلَيْنِ مُدَّةَ الرَّضَاعِ أَوْ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ فِي الْحَوْلَيْنِ فَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ التَّخْيِيرِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهَا وَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ. وَقَالَ: أَيُشْتَرَطُ عَلَيْهَا تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ. أَرَأَيْت لَوْ قَالَ لَهَا لَا تَتَزَوَّجُ خَمْسِينَ سَنَةً وَلِمَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهَا، وَلَا تَتَكَلَّمُ حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهَا وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ الْمَذْكُورِ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ وَيَأْتِي عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَجَرْت نَفْسَهَا ظِئْرًا وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُصَالَحَةِ عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَمَا فِي رَسْمِ الرُّهُونِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ التَّخْيِيرِ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ
стр. 229
لَا يَضُرُّ بِالصَّبِيِّ لَمْ يُحَلْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّزْوِيجِ قَوْلٌ رَابِعٌ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهَا تَرْكَ النِّكَاحِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ مُدَّةً قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهَا كَمَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ اهـ.
وَنَصُّ مَا فِي رَسْمِ الرُّهُونِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ قَالَ فِي رَجُلٍ فَادَى امْرَأَتَهُ عَلَى مَالٍ وَعَلَى رَضَاعِ وَلَدِهَا سَنَتَيْنِ هَلْ تَتَزَوَّجُ قَالَ إنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالصَّبِيِّ خُلِّيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّزْوِيجِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ لَمْ تُتْرَكْ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ اسْتَرْضَعَ امْرَأَةً لَا زَوْجَ لَهَا وَأَرَادَتْ التَّزْوِيجَ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْت لَك.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ نَصَّ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا فِيمَا بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَلَّمُونِ عَنْ كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ وَنَصُّهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إذَا صَالَحَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى إرْضَاعِ وَلَدِهَا بِدَلِيلِ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ التَّزْوِيجِ حَتَّى تَتِمَّ مُدَّةُ الرَّضَاعِ.
وَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ إذَا الْتَزَمَتْ الْأُمُّ حَضَانَةَ ابْنِهَا وَتَزَوَّجَتْ فُسِخَ النِّكَاحُ حَتَّى يَتِمَّ أَمَدُ الْحَضَانَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ شَرْطُهُ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ وَتَتَزَوَّجُ إنْ أَحَبَّتْ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ أَنَّهَا تَتَزَوَّجُ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهَا فِي عَقْدِ الْخُلْعِ أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ مُدَّةَ الرَّضَاعِ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَفِي كَلَامِ ابْنِ سَلَّمُونِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَّا فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ خِلَافُ مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[صَالَحَتْهُ زَوْجَتُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا عَلَى أَنْ لَا يَنْكِحَ أَبَدًا]
(فَرْعٌ) وَأَمَّا عَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي رَسْمِ سَعْدٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ التَّخْيِيرِ فِي رَجُلٍ صَالَحَتْهُ زَوْجَتُهُ عَلَى أَنْ يُفَارِقَهَا وَتُعْطِيَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا عَلَى أَنْ لَا يَنْكِحَ أَبَدًا فَإِنْ فَعَلَ رَدَّ إلَيْهَا مَالَهَا، قَالَ مَالِكٌ لَهُ مَا أَخَذَ مِنْهَا وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَلْزَمْ بِالشَّرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَأَحْرَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ أَنْ يَرُدَّ لَهَا مَا أَخَذَ مِنْهَا إنْ نَكَحَ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ يَئُولُ بِذَلِكَ إلَى فَسَادٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يَرْجِعُ إلَيْهَا فَيَكُونُ سَلَفًا أَوْ لَا يَرْجِعُ وَيَلْزَمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قِيَاسِ مَا فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ فِي الْمُخَالِعِ بِثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا أَنْ يُمْضِيَ الْخُلْعَ وَيَكُونَ لَهُ خُلْعُ مِثْلِهَا وَهَذَا إذَا عُثِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَدْفَعَ إلَيْهِ مَا خَالَعَتْهُ عَلَيْهِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يُعْثَرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى دَفَعَتْ إلَيْهِ مَا خَالَعَتْهُ عَلَيْهِ وَغَابَ عَلَيْهِ فَيَنْفُذُ الْخُلْعُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّ فَسْخَهُ وَرَدَّهُ إلَى خُلْعِ مِثْلِهَا تَتْمِيمٌ لِلْفَاسِدِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الشَّرْطُ اهـ.
قُلْت: وَفِي قَوْلِهِ: " إنَّ فَسْخَهُ وَرَدَّهُ إلَى خُلْعِ مِثْلِهَا تَتْمِيمٌ لِلْفَاسِدِ " نَظَرٌ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ الْفَاسِدِ بَعْدَ فَوْتِهِ بِالْقِيمَةِ تَتْمِيمًا لِلْفَاسِدِ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْخُلْعِ وَذَكَرَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا الْأَوَّلِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا وَكَلَامَهُ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ بِاخْتِصَارٍ وَيَأْتِي فِي الْبَابِ الثَّانِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَسْأَلَةٌ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَالْمَشْهُورُ جَوَازُ الْخُلْعِ بِالْغَرَرِ.
стр. 230
[إعْطَاءُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ شَيْئًا عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ]
فَرْعٌ) وَأَمَّا إعْطَاءُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ شَيْئًا عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَلَا يُمْنَعَانِ مِنْ الزَّوَاجِ وَلَكِنْ يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِمَا أَخَذَتَا قَالَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَسْنَدَ وَصِيَّتَهُ إلَى أُمِّ وَلَدِهِ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ جَازَ ذَلِكَ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ عُزِلَتْ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ فَأَخَذَتْهَا فَإِنْ تَزَوَّجَتْ أُخِذَتْ مِنْهَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِزَوْجَتِهِ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ جَازَ ذَلِكَ.
ابْنُ يُونُسَ كَمَا جَازَ أَنْ تُعْطِيَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مَالًا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَهُمَا إلَّا أَنَّهُمَا مَنَعَا أَنْفُسَهُمَا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالنِّكَاحِ لِانْتِفَاعِهِمَا بِالْمَالِ فَإِنْ رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِمَا بِمَا أَخَذَا، وَقَوْلُهُ عُزِلَتْ قَالَ عِيَاضٌ: فَيَسْقُطُ إيصَاؤُهَا بِالْعَقْدِ بِخِلَافِ الْحَضَانَةِ فَلَا تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا إلَّا بِالدُّخُولِ اهـ.
[أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ بِعَرَضٍ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ فَبَاعَتْهُ أَوْ وَهَبَتْهُ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ]
(فَرْعٌ) قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَلَوْ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ بِعَرَضٍ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ فَبَاعَتْهُ أَوْ وَهَبَتْهُ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ فَفِعْلُهَا مَاضٍ وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا إذَا بَاعَتْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا الثَّمَنُ قَالَ وَلَوْ ضَاعَ الْعَرَضُ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ تَضْمَنْهُ. أَبُو الْحَسَنِ هَذَا إذَا مَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الضَّيَاعِ.
[طَلَبَتْ الْمُطَلَّقَةُ نَفَقَةَ وَلَدِهَا مِنْ أَبِيهِ فَادَّعَى أَنَّ أَبَاهَا الْتَزَمَ بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ]
(فَرْعٌ) إذَا طَلَبَتْ الْمُطَلَّقَةُ نَفَقَةَ وَلَدِهَا مِنْ أَبِيهِ فَادَّعَى أَبُو الْوَلَدِ أَنَّ أَبَاهَا الْتَزَمَ بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ فَقَالَتْ الزَّوْجَةُ أَنْفِقْ عَلَى وَلَدِك حَتَّى يَثْبُتَ لَك مَا تَدَّعِيهِ عَلَى أَبِي فَأَفْتَى أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ وَلِيدٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بِأَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى وَلَدِهِ إلَى أَنْ يُنْظَرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَدِّ الصَّبِيِّ ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ.
[فَصْلٌ الْتَزَمَ شَخْصٌ لِشَخْصٍ السُّكْنَى فِي دَارٍ مُدَّةً فَأَسْكَنَهُ إيَّاهَا ثُمَّ مَاتَ الْمُلْتَزِمُ]
(فَصْلٌ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الِالْتِزَامَ الْمُطْلَقَ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْمُلْتَزِمِ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ أَوْ يَمْرَضْ وَهَذَا إذَا حَصَلَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ قَبْلَ حَوْزِ الشَّيْءِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ كَمَا فِي الْهِبَةِ فَإِنْ الْتَزَمَ شَخْصٌ لِشَخْصٍ السُّكْنَى فِي دَارٍ مُدَّةً فَأَسْكَنَهُ إيَّاهَا ثُمَّ مَاتَ الْمُلْتَزِمُ لَمْ تَبْطُلْ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْحَوْزَ قَدْ حَصَلَ. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِهِ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ فِيمَنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَالْتَزَمَ لِصِهْرِهِ الْإِسْكَانَ مُدَّةَ الْعِصْمَةِ ثُمَّ أَرْهَقَهُ دَيْنٌ ثُمَّ مَاتَ فَقَامَ أَرْبَابُ الدَّيْنِ يَطْلُبُونَ دُيُونَهُمْ وَذَهَبُوا لِبَيْعِ الدَّارِ وَإِبْطَالِ السُّكْنَى أَنَّهُ إذْ حَازَ الزَّوْجُ السُّكْنَى بِالْفِعْلِ قَبْلَ الدَّيْنِ وَجَبَتْ لَهُ، وَلَا تُبَاعُ الدَّارُ حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْعِصْمَةِ بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ.
[فَصْلٌ الْتِزَامُ الْمَجْهُولِ]
(فَصْلٌ) يَصِحُّ الْتِزَامُ الْمَجْهُولِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ هِبَةِ الْمَجْهُولِ وَهِبَةُ الْمَجْهُولِ صَحِيحَةٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ كِتَابِ الْقِرَاضِ وَلَوْ شَرَطَ الرِّبْحَ لِغَيْرِهِمَا جَازَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهَلْ يَلْزَمُهَا الْوَفَاءُ بِذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُشْتَرَطُ لَهُ مُعَيَّنًا فَأَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ وَيُقْضَى بِهِ عَلَى الْمُلْتَزِمِ إنْ امْتَنَعَ وَأَمَّا إنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِهِ إنْ امْتَنَعَ وَعَلَى مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ.
خَلِيلٌ وَالْمَشْهُورُ مَذْهَبُ
стр. 231
الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا إذَا شَرَطَ الْمُتَفَاوِضَانِ عِنْدَ مُعَامَلَتِهِمَا ثُلُثَ الرِّبْحِ لِلْمَسَاكِينِ جَازَ ذَلِكَ وَلَا أُحِبُّ لَهُمَا الرُّجُوعَ فِيهِ، وَلَا يُقْضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا اهـ.
كَلَامُ التَّوْضِيحِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْقِرَاضِ هَذَا كَمَنْ نَذَرَ لِمَسَاكِينَ مَالًا أَوْ جَعَلَ ذَلِكَ فِي يَمِينٍ وَيَعْنِي إذَا كَانُوا غَيْرَ مُعَيَّنِينَ وَأَمَّا لَوْ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لَقُضِيَ اهـ.
وَمِثْلُهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِلرَّجُلِ لَك نِصْفُ مَا أَرْبَحُ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَلَهُ طَلَبُهُ بِذَلِكَ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إنْ لَمْ يَشْغَلْ الْعَامِلَ الْمَالُ حَتَّى نَهَاهُ رَبُّهُ عَنْ الْعَمَلِ فَتَعَدَّى فَتَجَرَ فِيهِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَالرِّبْحُ لَهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ اشْتَرَى لِلْقِرَاضِ فَالرِّبْحُ لِلْقِرَاضِ، وَلَا يَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهُ حُكْمَ الضَّمَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ الْتَزَمَ لِرَبِّ الْمَالِ نَصِيبَهُ مِنْ الرِّبْحِ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، قَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقَالَ لَمْ يَلْتَزِمْ الْعَامِلُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى شَرْطِ عَدَمِ الضَّمَانِ. قُلْت: وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ فِي مَسْأَلَةِ الْقِرَاضِ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ فِي أَخٍ الْتَزَمَ لِأَخِيهِ وَأُخْتِهِ مِثْلَ مَا الْتَزَمَ لَهُمَا أَخٌ رَابِعٌ فِي قَطْعِ دَعْوَاهُ عَنْهُمَا مِنْ مِيرَاثٍ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ الرَّابِعُ بَيَّنَ لِلْأَخِ جَمِيعَ مَا الْتَزَمَهُ فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلَّا أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةً لَا غَيْرُ فَأَفْتَى ابْنُ أَبِي عِيسَى وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا نَصَّ وَفَسَّرَ، وَقَالَ ابْنُ خَلَفٍ الَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَهُ أَخُوهُ اهـ.
قُلْت إنْ كَانَ الْأَخُ الْمُلْتَزِمُ أَوَّلًا ذَكَرَ لِأَخِيهِ بَعْضَ أَشْيَاءَ مِمَّا الْتَزَمَهُ وَأَفْهَمَهُ أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ مَا الْتَزَمَ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُلْتَزِمَ ثَانِيًا إلَّا مَا بَيَّنَ لَهُ، وَكَذَا إنْ دَلَّ سِيَاقُ الْكَلَامِ وَالْبِسَاطِ عَلَى الْتِزَامِ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُ أَشْيَاءَ أَجْنَبِيَّةً مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ خَلَفٍ وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَا الْتَزَمَهُ أَخُوهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ احْلِفْ وَيَمِينِي مِثْلُ يَمِينِك فَحَلَفَ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ فَأَنْكَرَ]
(فَرْعٌ) وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا مَا وَقَعَ فِي رَسْمِ سن مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ قَالَ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ احْلِفْ وَيَمِينِي مِثْلُ يَمِينِك فَحَلَفَ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ إذَا أَنْكَرَهُ مَكَانَهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ صَمَتَ لَزِمَهُ ذَلِكَ الْيَمِينُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ إنَّ ذَلِكَ لَهُ إذَا أَنْكَرَهُ مَكَانَهُ مَعْنَاهُ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ وَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا ذَلِكَ عَلَى مَا فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَعَلَى مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَهَذَا أَيْضًا إذَا كَانَتْ لِلْحَالِفِ زَوْجَةٌ إنْ كَانَ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ، أَوْ عَبِيدٌ إنْ كَانَ حَلَفَ بِالْعِتْقِ عَلَى
стр. 232
مَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ، إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ الْحَالِفَ فِي يَمِينِهِ شَيْءٌ لَمْ يَلْزَمْ هَذَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ مِثْلَ قَوْلِهِ مُحَاكَاةً لَهُ أَوْ يَقُولَ عَلَى مِثْلِ مَا حَلَفْت بِهِ فَيَلْزَمَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ فَالرِّوَايَاتُ كُلُّهَا مُفَسِّرَةٌ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ لَا يُحْمَلُ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى الْخِلَافِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَمِنْ الْتِزَامِ الْمَجْهُولِ مَا يَأْتِي فِي فَصْلِ الْعِدَّةِ فِيمَنْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ كَرْمًا فَخَافَ الْوَضِيعَةَ فَأَتَى الْمُشْتَرِي يَسْتَوْضِعُهُ فَقَالَ لَهُ بِعْ وَأَنَا أُرْضِيك وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِيهَا مُسْتَوْفًى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[الْتِزَامِ الْمُتَسَلِّفِ التَّصْدِيقَ فِي الْقَضَاءِ بِدُونِ يَمِينٍ تَلْزَمُ الْمُسَلِّفَ فِي دَعْوَى الْقَضَاءِ]
(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: اخْتَلَفُوا فِي الْتِزَامِ الْمُتَسَلِّفِ التَّصْدِيقَ فِي الْقَضَاءِ بِدُونِ يَمِينٍ تَلْزَمُ الْمُسَلِّفَ فِي دَعْوَى الْقَضَاءِ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ عَلَى الطَّوْعِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعْدٍ إنْ كَانَ شَرْطًا فَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَهَدِيَّةُ مِدْيَانٍ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ مُطْلَقًا وَقَالَ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ فِيمَنْ صَالَحَ رَجُلًا عَلَى دَرَاهِمَ كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ كُلَّ شَهْرٍ وَلَيْسَ لِلَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الطَّالِبَ إنْ كَانَ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قَالَ مَالِكٌ هَذَا الشَّرْطُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنْ قَيَّمَ حَلَفَ وَلَمْ يَنْفَعْهُ شَرْطُهُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ كَانَ الشُّيُوخُ يَحْمِلُونَهَا عَلَى الْخِلَافِ لِمَا فِي آخِرِ الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ مِنْ إعْمَالِ الشَّرْطِ بِإِسْقَاطِ الْيَمِينِ وَلِمَا فِي رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَأْمُونِ وَغَيْرِهِ وَاَلَّذِي يَبِيعُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فَيَجْعَلُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: إعْمَالُ الشَّرْطِ وَإِبْطَالُهُ وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمَأْمُونِ وَاَلَّذِي يَبِيعُ لِغَيْرِهِ وَبَيْنَ الَّذِي لَيْسَ بِمَأْمُونٍ وَيَبِيعُ لِنَفْسِهِ وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ إنَّهَا لَيْسَتْ بِخِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهَا مُخْتَلِفٌ فَلَكَ إسْقَاطُ الْيَمِينِ إنْ كَانَتْ قَدْ وَجَبَتْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِوُجُوبِهَا وَهَذِهِ إسْقَاطُ الْيَمِينِ فِيهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا، وَلَا يَدْخُلُ الْخِلَافُ فِيهَا إلَّا بِالْمَعْنَى مِنْ أَجْلِ أَنَّ إسْقَاطَ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ لَا مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ مَضَى بَيَانُ هَذَا مُسْتَوْفًى فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ فَقِفْ عَلَيْهِ هُنَاكَ اهـ.
قُلْت وَاَلَّذِي فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ هُوَ قَوْلِهِ فِيمَنْ بَاعَ رَقِيقًا بِالْبَرَاءَةِ وَاشْتَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَى الْبَائِعِ إنْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي عَيْبًا وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ الْبَائِعَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِهِ أَنَّ الشَّرْطَ عَامِلٌ وَاَلَّذِي فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ هُوَ قَوْلُهُ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الرَّقِيقِ بِالْبَرَاءَةِ أَنَّ الشَّرْطَ عَامِلٌ فِي الرَّجُلِ الْمَأْمُونِ وَفِي الَّذِي يَبِيعُ لِغَيْرِهِ كَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْمُونِ إذَا بَاعَ لِنَفْسِهِ فَلَا يُفِيدُهُ الشَّرْطُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ، وَالْخِلَافُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الَّذِي لَيْسَ بِمَأْمُونٍ إذَا بَاعَ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَرَ الشَّرْطَ بِنَافِعٍ لَهُ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَرَآهُ
стр. 233
نَافِعًا لَهُ فِي هَذَا السَّمَاعِ، قَالَ وَكَانَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ الشُّيُوخِ يَذْهَبُونَ إلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ التَّصْدِيقِ فِي اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ الَّتِي فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ سَوَاءٌ، فَيَأْتِي فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ إعْمَالُ الشَّرْطِ وَإِبْطَالُهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَأْمُونِ وَاَلَّذِي يَبِيعُ لِغَيْرِهِ وَبَيْنَ الَّذِي لَيْسَ بِمَأْمُونٍ وَيَبِيعُ لِنَفْسِهِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ مُفْتَرِقَتَا الْمَعْنَى لَا تُحْمَلُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الَّتِي فِي هَذَا السَّمَاعِ أَعْنِي سَمَاعَ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ كِتَابَ الْبَضَائِعِ اُشْتُرِطَ فِيهَا إسْقَاطُ يَمِينٍ إنْ كَانَتْ قَدْ وَجَبَتْ حِينَ الشَّرْطِ وَلَمْ يَعْلَمَا بِوُجُوبِهَا وَاَلَّتِي فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ اُشْتُرِطَ فِيهَا إسْقَاطُ يَمِينٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ، فَالْأُولَى بِمَثَابَةِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ إنْ اشْتَرَى فُلَانٌ هَذَا الشِّقْصَ بِكَذَا فَقَدْ سَلَّمْت لَهُ الشُّفْعَةَ فَهَذَا يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إنْ كَانَ قَدْ اشْتَرَى، وَالثَّانِيَةُ بِمَثَابَةِ أَنْ يَقُولَ إنْ اشْتَرَى فُلَانٌ الشِّقْصَ فَقَدْ سَلَّمْت لَهُ الشُّفْعَةَ فَهَذَا لَا يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إنْ اشْتَرَى؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لَهُ فَلَا يَدْخُلُ الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ التَّصْدِيقِ فِي اقْتِضَاءِ الدُّيُونِ دُونَ يَمِينٍ مِنْ مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْعُيُوبِ، وَلَا فِيهَا نَصُّ خِلَافٍ قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ وَكُلُّ مَنْ وَضَعَ يَمِينًا قَبْلَ أَنْ تَجِبَ فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْخِلَافُ فِيهَا بِالْمَعْنَى؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ اهـ.
قُلْت فَحَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الَّذِي يَخْتَارُهُ أَنَّ مَسْأَلَةَ اشْتِرَاطِ التَّصْدِيقِ فِي اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ دُونَ يَمِينٍ الْمَنْصُوصُ فِيهَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ وَالْيَمِينُ لَازِمَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَكَمَا قَالَهُ فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَنْصُوصٌ، وَإِنَّمَا يَتَخَرَّجُ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا حَكَاهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ الْعَطَّارِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَنْ بَاعَ رَقِيقًا وَاشْتَرَطَ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ فَذَلِكَ لَازِمٌ فِي الرَّجُلِ الْمَأْمُونِ وَفِي الَّذِي يَبِيعُ لِغَيْرِهِ وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْمُونِ إذَا بَاعَ لِنَفْسِهِ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ وَانْظُرْ كَلَامَ الْوَاضِحَةِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ فِيهِ سَقْطًا وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ، وَطَرِيقَةُ غَيْرِهِ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ أَيْضًا فِي شَرْطِ التَّصْدِيقِ فِي السَّلَفِ وَالْبَيْعِ كَمَا ذَكَرَهُ هُوَ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ الشُّيُوخِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الرَّهْنِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى شَرْطِ الْمُرْتَهِنِ عَدَمَ الضَّمَانِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ: وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ الْبَائِعُ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ يَشْتَرِطُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي عَدَمِ قَبْضِ الثَّمَنِ هَلْ يُوَفَّى لَهُ أَمْ لَا أَوْ يُوَفَّى لِلْمُتَوَرِّعِينَ عَنْ الْأَيْمَانِ دُونَ غَيْرِهِمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَعَلَى أَنَّهُ يُوَفَّى فَهَلْ يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الْقَرْضِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يَنْشَأُ عَنْهُ تَوَثُّقٌ فَكَانَ كَالرَّهْنِ وَالْحَمِيلِ اهـ.
وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ بَدَّلَ قَوْلَهُ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ وَالْحَقُّ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى حَقٍّ لَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ
стр. 234
شَاهِدَيْهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْمِدْيَانُ أَنَّهُ قَضَاهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَبَرِئَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ قَضَاهُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ عَدَمَ التَّصْدِيقِ فِي دَعْوَى الْقَضَاءِ دُونَ يَمِينٍ وَهُوَ كَذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ مَأْمُونًا أَمْ لَا وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَقِيلَ يُعْمَلُ عَلَى الشَّرْطِ مُطْلَقًا فَلَا يَحْلِفُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَقِيلَ يَحْلِفُ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا اهـ.
قُلْت وَذَكَرَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ الْمُتَيْطِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى شَرْطِ الْمَغِيبِ فِي شُرُوطِ النِّكَاحِ وَفِي السَّلَمِ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّصْدِيقِ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى الْمُطَّوِّعِ فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ اهـ بِالْمَعْنَى فَإِذَا كَانَ أَصْلَ الْعَقْدِ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ إعْمَالِ الشَّرْطِ نَصُّ الرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَابْنُ رُشْدٍ يَحْكِي الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَرْجَحُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ فِي قَوْلِهِ وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُصْحَفِ، وَلَا يُقْرَأُ فِيهِ: أُخِذَ مِنْهُ أَنَّ الْمُسَلِّفَ إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُتَسَلِّفِ إسْقَاطَ يَمِينِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً انْتَهَى. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ شَرَطَ الرَّسُولُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى مَنْ أَمَرَتْهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَمْ يَضْمَنْ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يُنْظَرُ فِيهَا وَقْتَ وُجُوبِ تَعَلُّقِهَا فَكَأَنَّهُ اشْتَرَطَ إسْقَاطَ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ هُوَ فِي كِتَابِ النُّكَتِ. (تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ)
قَالَ الْمُتَيْطِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى شَرْطِ الْمَغِيبِ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ لَمَّا ذَكَرَ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ فِي اشْتِرَاطِ التَّصْدِيقِ وَلَوْ زَادَ الْعَاقِدُ فِي الشَّرْطِ بِإِثْرِ قَوْلِهِ فَأَخَذَ بِقَوْلِ مَنْ يَرَى مِنْهُمْ سُقُوطَ الْيَمِينِ لِعِلْمِهِ وَتَحَقُّقِهِ بِثِقَةِ رَبِّ الدَّيْنِ وَأَمَانَتِهِ لَسَقَطَ الْيَمِينُ بِلَا خِلَافٍ فِي ذَلِكَ اهـ.
قُلْت فَكَانَ الْيَمِينُ عِنْدَهُ يَمِينَ تُهْمَةٍ فَحَيْثُ أَقَرَّ بِأَمَانَةِ رَبِّ الدَّيْنِ وَدِيَانَتِهِ سَقَطَتْ. (الثَّانِي)
قَالَ الْمُتَيْطِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى شَرْطِ التَّصْدِيقِ فِي السَّلَمِ: وَقَوْلُنَا يُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ هُوَ الَّذِي يَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ. وَأَمَّا لَوْ قَالَ مُصَدَّقٌ وَلَمْ يَقُلْ بِلَا يَمِينٍ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فَمَرَّةً قَالَ يُصَدَّقُ وَيَحْلِفُ وَمَرَّةٍ قَالَ يُصَدَّقُ، وَلَا يَحْلِفُ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَمْ يُصَدِّقْهُ إذَا حَلَّفَهُ انْتَهَى.
قُلْت وَالظَّاهِرُ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ إذَا حَلَّفَهُ لَمْ يَكُنْ لِشَرْطِ التَّصْدِيقَ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ الرُّجُوعُ عَنْ الْوَصِيَّةِ]
(فَصْلٌ) لِلشَّخْصِ الرُّجُوعُ عَنْ وَصِيَّتِهِ بِلَا خِلَافٍ فَإِنْ الْتَزَمَ عَدَمَ الرُّجُوعِ عَنْهَا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي مُخْتَصَرِهِ الْفِقْهِيِّ فَلَوْ الْتَزَمَ عَدَمَ الرُّجُوعِ فَفِي لُزُومِهِ خِلَافٌ بَيْنَ مُتَأَخِّرِي فُقَهَاءِ تُونُسَ، ابْنُ عَلْوَانَ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ بِعِتْقٍ وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْحَوفِيِّ فَإِنْ الْتَزَمَ عَدَمَ الرُّجُوعِ لَزِمَهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالَ
стр. 235
فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ إذَا قَالَ أَبْطَلْت كُلَّ وَصِيَّةٍ تَقَدَّمَتْ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ إلَّا وَصِيَّةً قَالَ فِيهَا لَا رُجُوعَ فَلَا تَبْطُلُ حَتَّى يَنُصَّ عَلَيْهَا. قُلْت: وَنَحْوُهُ فِي الشَّامِلِ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَهُ الرُّجُوعَ وَلَوْ الْتَزَمَ عَدَمَ الرُّجُوعِ فَهُوَ جَارٍ عَلَى مُقَابِلِ الْأَصَحِّ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ لَا رُجُوعَ لِي فِيهَا وَبَيْنَ الْتِزَامِهِ عَدَمَ الرُّجُوعِ وَلِذَا قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي الْمَذْهَبِ لِلْمُوصِي الرُّجُوعُ عَنْ وَصِيَّتِهِ وَلَوْ قَالَ لَا رَجْعَةَ لِي فِيهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ يَتَخَرَّجُ فِيهَا قَوْلٌ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ مِنْ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا رَجْعَةَ فِيهَا وَمَنْ شَرَطَ التَّصْدِيقَ فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي اخْتِصَارِ الْحَوفِيِّ لَوْ الْتَزَمَ عَدَمَ الرُّجُوعِ لَزِمَهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى الْمَشْهُورِ انْتَهَى. ثُمَّ ذَكَرَ الْمَشَذَّالِيُّ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ فِي مُخْتَصَرِهِ الْفِقْهِيِّ وَلِلْفُقَهَاءِ الْمَشَاهِيرِ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَلَيْهَا أَجْوِبَةٌ مِنْهَا لِلْبَرْجِينِيِّ وَالْبَرْقِيِّ وَابْنِ الْبَرَاءِ وَابْنِ شُعَيْبٍ قَائِلًا: الْمَنْقُولُ لُزُومُ الِالْتِزَامِ انْتَهَى. وَنُقِلَ عَنْ التُّونُسِيِّ وَصَاحِبِ الْإِكْمَالِ وَالْمُتَيْطِيُّ اللُّزُومُ.
قُلْت وَنَصُّ كَلَامِ التُّونُسِيِّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّدْبِيرِ وَلَوْ قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ لَا رُجُوعَ لِي فِيهَا أَوْ فُهِمَ مِنْهُ إيجَابُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ لَكَانَ كَالتَّدْبِيرِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ عَنْ ذَلِكَ انْتَهَى فَظَهَرَ أَنَّ اللُّزُومَ هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ لَا رُجُوعَ لِي فِيهَا وَالْتِزَامِ عَدَمِ الرُّجُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ التُّونُسِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ وَأَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ التُّونُسِيِّينَ أَلَّفُوا فِيهَا ثُمَّ قَالَ وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَهُ الرُّجُوعُ وَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَرْجِعَ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فَأَخَذَ بِقَوْلِ مَنْ يَرَى الْعَمَلَ فِي ذَلِكَ أَيْ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ فَقَالَ شَيْخُنَا حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ يَعْمَلُ عَلَى مَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ لَهُ الرُّجُوعُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا انْتَهَى.
قُلْت وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى نَصٍّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ لَمَّا ذَكَرَ اشْتِرَاطَ التَّصْدِيقَ فِي قَبْضٍ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِيهِ، وَاخْتُلِفَ إذَا قَالَ الْعَاقِدُ فِي شَرْطِ التَّصْدِيقِ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الْيَمِينِ وَسُقُوطِهَا فَأَخَذَ بِقَوْلِ مَنْ يَرَى سُقُوطَهَا هَلْ يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ رَبُّ الدَّيْنِ وَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ أَمْ لَا فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ وَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِمَا قَضَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْيَمِينِ وَلَيْسَ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَتَخَيَّرَ عَلَى الْحَاكِمِ وَيَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِ قَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَتَّى يَكُونَ الْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يَقْضِي بِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ النِّكَاحِ لَمَّا ذَكَرَ شَرْطَ الْمَغِيبِ ثُمَّ كَرَّرَهُ فِي بَابِ السَّلَمِ أَيْضًا لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّصْدِيقِ فِي قَبْضِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَعَزَا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِابْنِ الْهِنْدِيِّ وَالثَّانِيَ لِابْنِ الْعَطَّارِ وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ أَنَّهُ صَوَّبَ
стр. 236
الْأَوَّلَ.
قُلْت: وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا يَأْتِي فِي الْبَابِ الثَّانِي فِي الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزِمِ بِكَسْرِ الزَّايِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْفِعْلِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِهِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ فَلَوْ الْتَزَمَهُ شَخْصٌ عَالِمٌ بِالْخِلَافِ مُقَلِّدًا لِلْقَوْلِ بِاللُّزُومِ فَهَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ أَمْ لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ هُنَا.
وَفِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَفِي كِتَابِ الرَّهْنِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرَّاجِحَ عَدَمُ اللُّزُومِ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْخَاتِمَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ.
قُلْت: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ أَعْنِي أَنَّ تَقْلِيدَ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْقَائِلِ بِاللُّزُومِ لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَلْ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ إذَا كَانَ مَرْجُوحًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْكُمُ بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ أَوَّلَهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ شَخْصَانِ عَقْدًا يَعْتَقِدَانِ جَوَازَهُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ طَلَبَ أَحَدُهُمَا فَسْخَهُ وَرَفَعَ الْأَمْرَ إلَى حَاكِمٍ يَرَى فَسْخَهُ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِالْفَسْخِ فَتَأَمَّلْهُ وَهَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ فَإِنَّ الرَّاجِحَ فِيهَا اللُّزُومُ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَشَبَهُ مَسْأَلَةِ الرُّجُوعِ فِي الْوَصِيَّةِ مَسْأَلَةُ اعْتِصَارِ الْأَبَوَيْنِ الْهِبَةَ مِنْ وَلَدِهِمَا حَيْثُ يَجُوزُ لَهُمَا الِاعْتِصَارُ فَلَوْ الْتَزَمَ الْوَاهِبُ مِنْهُمَا عَدَمَ الِاعْتِصَارِ فَالظَّاهِرُ لُزُومُ ذَلِكَ لَهُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَنْصُوصًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) الْوَكَالَةُ إنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ لِلْغَيْرِ فَلَهُ عَزْلُ وَكِيلِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ الْتَزَمَ عَدَمَ عَزْلِهِ، وَأَمَّا إنْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ لِلْغَيْرِ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيلِهِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَمَهْمَا شَرَعَ فِي الْخُصُومَةِ فَلَا يَنْعَزِلُ وَلَوْ بِحُضُورِهِمَا مَا نَصُّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْعَزْلَ وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ لِلْمُوَكِّلِ الْعَزْلَ بَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ اهـ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ عَنْ الْجَلَّابِ: إذَا وَكَّلْتَ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ فَلَيْسَ لَك عَزْلُ الْوَكِيلِ إلَّا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقٌّ لِلْغَيْرِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: أَنَّ لَك الْعَزْلَ كَسَائِرِ الْوَكَالَةِ اهـ. وَنَحْوُهُ لِلْبَاجِيِّ فِي الْمُنْتَقَى وَذَكَرَ الْخِلَافَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الرَّهْنِ مِنْ التَّوْضِيحِ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ عَزْلُ مَنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ إلَّا بِإِذْنِ مُرْتَهِنِهِ اهـ.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَهُ وَلَوْ تَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ فَإِذَا الْتَزَمَ الْمُوَكِّلُ عَدَمَ عَزْلِ الْوَكِيلِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الَّذِي نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ السَّلَمِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ عَلَى أَنْ يَقْبِضَهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَأَنَّهُ يَخْرُجُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِفَوْرِ الْعَقْدِ أَوْ يُوَكِّلُ مَنْ يُوفِي لِلْمُسْلِمِ قَالَ مَا نَصَّهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَلْ مِنْ شَرْطِ الْوَكَالَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَلْتَزِمَ الْمُوَكِّلُ
стр. 237
أَنْ لَا يَعْزِلَ الْوَكِيلَ حَتَّى يَقْضِيَ حَقَّ الْمُشْتَرِي أَوْ لَا يُفْتَقَرُ لِذِكْرِ هَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَقْتَضِيه بِسَبَبِ حَقِّ الْمُشْتَرِي فَلَوْ عَزَلَهُ لَمْ يَنْعَزِلْ وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَزْلُ إلَى بَدَلٍ اهـ. فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذْ الْتَزَمَ الْمُوَكِّلُ عَدَمَ عَزْلِ الْوَكِيلِ لَزِمَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ أَعْتَقَ صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ]
(فَصْلٌ) تَقَدَّمَ أَنَّ صِيغَةَ الِالْتِزَامِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ لَفْظٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَنَحْوُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التُّونُسِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الرُّجُوعِ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَمِنْهُ مَنْ أَعْتَقَ رَضِيعًا فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ حُرٌّ مَلِيءٌ كَانَ رَضَاعُهُ وَنَفَقَتُهُ عَلَى أَبِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ أَوْ كَانَ وَهُوَ عَبْدٌ أَوْ كَانَ مُعْدَمًا فَإِنَّ رَضَاعَهُ وَنَفَقَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الرَّضَاعِ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ زَادَ فِي رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَعْتَقَهُ لِيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ نَفَقَتَهُ اهـ.
(تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ: " حَتَّى يَبْلُغَ " ظَاهِرُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحُلُمَ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ الْآتِي قَرِيبًا فِي الْفَرْعِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا بَلْ هُوَ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَلِمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ إلَى حِينِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْكَسْبِ وَلَوْ بِالسُّؤَالِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْعُيُوبِ فِيمَنْ أَعْتَقَ رَضِيعًا وَبَاعَ أُمَّهُ وَاشْتَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي مَا نَصُّهُ: وَإِذَا انْقَضَى الرَّضَاعُ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ الَّذِي أَعْتَقَهُ حَتَّى يَبْلُغَ حَدَّ الْإِثْغَارِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا لَزِمَهُ نَفَقَتُهُ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ بِنَفْسِهِ وَيَقْدِرَ عَلَى التَّكَسُّبِ عَلَيْهَا وَلَوْ بِالسُّؤَالِ. هَذَا مَعْنَى مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ فِيمَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا أَوْ لَقَطَ لَقِيطًا اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ فِي آخِرِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ إنَّ مَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا فَعَلَيْهِ رَضَاعُهُ وَنَفَقَتُهُ إلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَسْتَطِيعُ فِيهِ عَلَى التَّكَسُّبِ وَصَرَّحَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ بِأَنَّ نَفَقَتَهُ إذَا بَلَغَ الْقُدْرَةَ عَلَى الْكَسْبِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ قَرِيبًا، وَقَدْ نَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ وَفِي مَسَائِلِ الْهِبَةِ أَنَّ نَفَقَتَهُ تَلْزَمُ مَا دَامَ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّمَوُّلِ وَالْكَسْبِ اهـ.
وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْكَسْبِ وَلَوْ بِالسُّؤَالِ مُمْكِنَةٌ فِي سِنِّ الْإِثْغَارِ فَهَذِهِ النُّقُولُ مُوَافِقَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي جَامِعِ الْبُيُوعِ قَالَ بَعْدَهُ اللَّخْمِيُّ الْقِيَاسُ أَنْ لَا نَفَقَةَ عَلَى سَيِّدِهِ وَتَكُونُ مُوَاسَاةً عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ سَيِّدُهُ أَحَدُهُمْ.
قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَهُوَ الَّذِي فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ. قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ جَوَابَ مَالِكٍ فِي شَرْطِ السَّيِّدِ نَفَقَتَهُ وَقَالَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَيْهِ اهـ.
كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ ذَكَرَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعٍ وَشَرْطٍ
стр. 238
وَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ الْآتِي قَرِيبًا وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُخَالَفَةِ، وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ وَنَصُّهُ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَلَى مَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا نَفَقَتَهُ لِعَجْزِهِ عَنْهَا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَتَكُونُ مُوَاسَاتُهُ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَالسَّيِّدُ أَحَدُهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَيْتُ مَالٍ أُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْهُ فَتَحْصُلُ فِي نَفَقَةِ الصَّغِيرِ إذَا أَعْتَقَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْكَسْبِ وَالسُّؤَالِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَالثَّانِي أَنَّهَا إلَى الْبُلُوغِ وَهُوَ الَّذِي فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَكِتَابِ التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ وَمِمَّا نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ الْآتِي فِي التَّنْبِيهِ الثَّانِي، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ عَلَى سَيِّدِهِ وَنَفَقَتُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ الَّذِي فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنَّهُ الْقِيَاسُ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَسْبِ فِي سِنِّ الْإِثْغَارِ وَمَا بَعْدَهُ فَتَسْتَمِرُّ نَفَقَتُهُ إلَى الْبُلُوغِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي بَابِ الْحَضَانَةِ: وَزَمَانُ النَّفَقَةِ عَلَى هَذَا الصَّغِيرِ الْمُعْتَقِ أَقَلُّ الْأَجَلَيْنِ إمَّا بُلُوغُهُ الْحُلُمَ وَإِمَّا بُلُوغُهُ قَدْرَ مَا يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ مَا يَكْفِيه اهـ. وَنَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ وَقَبِلَهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ بَلْ قَالَ فِي أَثْنَاءِ بَحْثِهِ مَعَهُ فِي مَسْأَلَةٍ: وَزَمَنُ النَّفَقَةِ هُوَ كَمَا ذُكِرَ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ إلَّا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى مُعْتِقِهِ إلَى حِينِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْكَسْبِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ بِالسُّؤَالِ فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَجْزُهُ اسْتَمَرَّتْ النَّفَقَةُ إلَى الْبُلُوغِ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ نَفَقَتَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَسْقُطُ بِالْبُلُوغِ وَلَوْ اسْتَمَرَّ عَاجِزًا وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ أَعْتَقَ زَمِنًا لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لِلْمُعْتَقِ فَالظَّاهِرُ لُزُومُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِي جَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ نَفَقَةَ هَذَا الصَّغِيرِ كَالدَّيْنِ لَمْ يُسْقِطْهَا بِالْفَلَسِ وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ فَقَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ اُنْظُرْ لَوْ فَلِسَ يَعْنِي مُعْتِقَ الصَّغِيرِ هَلْ تُبَاعُ أُمُّهُ وَيُشْتَرَطُ رَضَاعُهُ، وَمُؤْنَتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَيَكُونُ ذَلِكَ أَوْجَبَ مِنْ نَفَقَتِهِ عَلَى وَلَدِهِ الَّذِينَ لَا يَتْرُكُ لَهُمْ مِنْ مَالِهِ إلَى أَنْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ اهـ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ أَبِي إِسْحَاقَ وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي ذَلِكَ فَيَكُونَ قَدْ بَدَأَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، وَلَا يَبْطُلُ أَيْضًا حَقُّهُ جُمْلَةً بِتَبْدِئَةِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ كَهِبَةٍ لَمْ تُقْبَضْ حَتَّى قَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَى الْوَاهِبِ وَلَكِنْ يُحَاصُّ لَهُ الْغُرَمَاءُ بِمَبْلَغِ نَفَقَتِهَا الْوَاجِبَةِ لَهُ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِ إيَّاهُ وَهُوَ صَغِيرٌ؛ لِأَنَّهُ أَضَرَّ بِهِ فِي ذَلِكَ
стр. 239
فَصَارَتْ نَفَقَتُهُ كَالدَّيْنِ الْوَاجِبِ لَهُ عَلَيْهِ اهـ.
قُلْت وَإِذَا قَالَ بِذَلِكَ فِي الْفَلَسِ فَأَحْرَى فِي الْمَوْتِ فَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ قَدْرُ رَضَاعِهِ وَمُؤْنَتِهِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْكَسْبِ وَيُوقَفُ ذَلِكَ لِيُصْرَفَ عَلَيْهِ فَإِنْ مَاتَ الصَّغِيرُ قَبْلَ اسْتِكْمَالِهِ مَا وُقِفَ لَهُ رَجَعَ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ، وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْفَلَسِ يُوقَفُ فَإِنْ مَاتَ رَجَعَ لِلْغُرَمَاءِ هَذَا عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ وَاخْتَارَ هُوَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَرِكَتَهُ شَيْءٌ
قُلْت وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي، وَكَذَلِكَ عِنْدِي فِي مَسْأَلَةِ الْفَلَسِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ وَفِي كَلَامِ الْبُرْزُلِيِّ فَائِدَةٌ أُخْرَى فَلْنَذْكُرْهُ بِلَفْظِهِ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي كِتَابِ طَلَاقِ السُّنَّةِ الْآتِي فِي الْفَرْعِ بَعْدَ هَذَا مَا نَصُّهُ قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ يَقُومُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ صَغِيرٍ لَا يَلْزَمُ الْمُوصِيَ نَفَقَتُهُ فِي تَرِكَتِهِ وَكَانَتْ نَزَلَتْ أَيَّامَ قَضَاءِ شَيْخِنَا ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مُدَبَّرِهِ وَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ، وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِ نَصٌّ فِيهَا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ وَتَوَقَّفَ فِي إيجَابِ نَفَقَتِهَا فِي ثُلُثِ مُدَبَّرِهَا قُلْت مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ هُوَ فِي كِتَابِ الْحَضَانَةِ مِنْ مُخْتَصَرِهِ. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَوَقَعَتْ فِي عَصْرِنَا فِي رَجُلٍ أَعْتَقَ صَغِيرًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ أَنْ يَسْأَلَ فَاخْتَارَ شَيْخُنَا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَةِ مُعْتِقِهِ مَا يُبَلِّغُهُ إلَى بُلُوغِهِ وَأَشُكُّ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ بِذَلِكَ وَيَجْرِي عَلَى مَا قَالَ أَبُو حَفْصٍ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ قَدْرُ مَا يُبَلِّغُهُ إلَى الْقُدْرَةِ عَلَى السُّؤَالِ وَكَانَ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَرِكَتَهُ شَيْءٌ مِنْ مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْجُعَلِ فِي الَّذِي مَاتَ بَعْدَ أَنْ دَفَعَ نَفَقَةَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَنَّهَا يَسْتَرْجِعُهَا الْوَرَثَةُ وَمَا وَجَبَ بِالنَّسَبِ أَقْوَى مِمَّا وَجَبَ بِالِاقْتِرَافِ.
وَفِي الْمَذْهَبِ مَسَائِلُ تَشْهَدُ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّمَا لَزِمَ رَدُّ هَذَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَهَذَا لَمَّا الْتَزَمَ الْعِتْقَ فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَ لَوَازِمَهُ لَكِنَّ هَذَا مَشْرُوطٌ بِالْحِيَازَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَالٍ مُتَبَرَّعٍ بِهِ شَرْطُهُ الْحِيَازَةُ فِي الصِّحَّةِ وَلَيْسَ الْمَرَضُ وَالْمَوْتُ وَالتَّفْلِيسُ زَمَنَ حِيَازَةٍ فَلِهَذَا اخْتَرْنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَيَصِيرُ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا إذَا افْتَقَرَ الْحُرُّ فَنَفَقَةُ وَلَدِهِ الصِّغَارِ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ اهـ.
قُلْت وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي، وَلَا يُقَالُ إنَّ هَذَا حَقٌّ وَاجِبٌ لِلصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَهُ لَوُرِثَ عَنْهُ إذَا مَاتَ، وَلَا قَائِلَ بِهِ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ شَيْئًا فَشَيْئًا مَا دَامَ الْمُعْتِقُ لَمْ يُفْلِسْ وَلَمْ يَمُتْ فَإِذَا فَلِسَ أَوْ مَاتَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا وَمَاتَ وَخَلَّفَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَقَطْ وَتَرَكَ أَوْلَادًا صِغَارًا أَنَّ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ تُوقَفُ لِلصَّغِيرِ الَّذِي أَعْتَقَهُ وَيَتْرُكُ أَوْلَادَهُ بِلَا شَيْءٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَنْ الْتَزَمَ لِزَوْجَتِهِ نَفَقَةَ ابْنِهَا سِنِينَ سَمَّاهَا بِدَنَانِيرَ سَمَّاهَا أَنَّهُ إذَا مَاتَ سَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[أُعْتِقَ الصَّغِيرُ وَأُمُّهُ مَمْلُوكَةٌ وَأُمُّهَا حُرَّةٌ فَتَنَازَعَاهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَلِمَالِكٍ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ إنْ أُعْتِقَ الصَّغِيرُ وَأُمُّهُ
стр. 240
مَمْلُوكَةٌ وَأُمُّهَا حُرَّةٌ فَتَنَازَعَاهُ فَأُمُّهُ دَنِيَّةٌ أَحَقُّ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِهِ وَمِثْلُهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، قُلْت وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ صَلَّى نَهَارًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ طَلَاقِ السُّنَّةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا رَأَى أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ وَرَآهَا أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مِنْ جَدَّتِهِ الْحُرَّةِ لِأَجْلِ أَنَّ سَيِّدَهَا هُوَ الَّذِي يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ صَغِيرًا أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا وَأُمُّهُ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهَا إلَّا مِمَّنْ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ لِيَكُونَ مَعَ أُمِّهِ فِي نَفَقَةِ سَيِّدِهَا، وَلَا أَدْرِي لِمَ أَوْجَبُوا ذَلِكَ وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مَعَ أُمِّهِ وَتَكُونَ نَفَقَتُهُ عَلَى الْبَائِعِ وَرَضَاعُهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ نَفَقَتَهُ لَا تَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فَيَكُونَ الْمَعْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذَا إنَّمَا أَوْجَبَ أَنْ لَا يَبِيعَهَا إلَّا مِمَّنْ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ إذَا لَمْ يُرِدْ هُوَ أَنْ يُخْرِجَ نَفَقَتَهُ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا فِي الَّذِي أَعْتَقَ الصَّغِيرَ وَأُمُّهُ عِنْدَهُ، وَلَهُ جَدَّةٌ حُرَّةٌ أَنْ تَكُونَ أَحَقَّ بِحَضَانَتِهِ إذَا رَضِيَ الْمُعْتِقُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَهَا أَوْ رَضِيَتْ هِيَ بِالْتِزَامِ نَفَقَتِهِ فَانْظُرْ ذَلِكَ. وَقَالَ قَبْلَهُ: الْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ الْجَدَّةُ الْحُرَّةُ أَحَقَّ بِالْحَضَانَةِ مِنْ الْأُمِّ مِنْ أَجْلِ سَيِّدِهَا كَمَا أَنَّهَا أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مِنْ الْأُمِّ مِنْ أَجْلِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ السَّيِّدِ عَلَى أَمَتِهِ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ اهـ.
وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ بَعْضَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَيُشْتَرَطُ عَلَى الْأَمْرِ.
وَقَالَ الْقَابِسِيُّ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ يُرِيدُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَدَمَ التَّفْرِقَةِ وَتَكُونَ النَّفَقَةُ عَلَى الْبَائِعِ الْمُعْتِقِ وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا عَلَى الْمُشْتَرِي وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ هِيَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْهَا وَفِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ قَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَمَنْ بَاعَ أَمَةً وَلَهَا وَلَدٌ حُرٌّ رَضِيعٌ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ رَضَاعَهُ وَنَفَقَتَهُ سَنَةً فَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ إنْ مَاتَ الصَّبِيُّ أَرْضَعُوا لَهُ آخَرَ وَقَالَ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ وَمَنْ أَعْتَقَ ابْنَ أَمَتِهِ الصَّغِيرَ فَلَهُ بَيْعُ أُمِّهِ وَيُشْتَرَطُ عَلَى الْمُبْتَاعِ نَفَقَةُ الْوَلَدِ وَمُؤْنَتُهُ وَأَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ، وَنَحْوُهُ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ وَزَادَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ بِيعَتْ لِغَيْرِ أَرْضِهَا فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْبَائِعَ أَعْتَقَ الْوَلَدَ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَمَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ حَتَّى يَبْلُغَ فَلَمَّا كَانَتْ عَلَى الْبَائِعِ نَفَقَتُهُ وَلَمْ تَجُزْ لَهُ التَّفْرِقَةُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْأُمَّ إلَّا مِمَّنْ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا وَأَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ، يُرِيدُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ التَّفْرِقَةِ. قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعَشَرَةِ يُرِيدُ فَتَرْجِعُ عَلَيْهِ، هُوَ
стр. 241
النَّفَقَةُ إذَا بَلَغَ حَدَّ التَّفْرِقَةِ حَتَّى يَبْلُغَ وَفِي جَوَازِ هَذَا الْبَيْعِ اخْتِلَافٌ أَجَازَهُ هُنَا فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي الْعَشَرَةِ اسْتِحْسَانًا لِئَلَّا يُتْرَكَ الصَّبِيُّ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ فَيَهْلِكَ أَوْ يُمْنَعَ السَّيِّدُ مِنْ الْبَيْعِ فَيَضُرَّ بِهِ. قَالَ فَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ لَمْ يَجِبْ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ إلَّا كِفَايَةَ الْمُؤْنَةِ لَا التَّزَيُّدَ فِي الثَّمَنِ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ مِنْ فَلَسٍ أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ.
وَقِيلَ إنَّ الْبَيْعَ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ إذْ لَا يُدْرَى هَلْ يَعِيشُ الصَّبِيُّ إلَى حَدِّ التَّفْرِقَةِ أَوْ يَمُوتُ قَبْلَ ذَلِكَ وَقِيلَ الْبَيْعُ جَائِزٌ، وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ الْإِثْغَارِ رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ الْأُمِّ وَلَوْ اشْتَرَطَ أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ مَضْمُونَةً إلَى حَدِّ الْإِثْغَارِ، وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ ذَلِكَ لَجَازَ الْبَيْعُ بِاتِّفَاقٍ اهـ. وَهَذَا كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الْمَوْعُودُ بِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) حَمَلَ ابْنُ رُشْدٍ كَلَامَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ وَقَعَ مُبْهَمًا لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ أَنَّهُ إنْ مَاتَ الصَّبِيُّ أَتَى الْبَائِعُ بِآخَرَ وَإِذَا مَاتَتْ الْأُمُّ أَتَى الْمُشْتَرِي بِأُخْرَى وَعَلَى أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْأَمْرُ مُبْهَمًا أَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ رَضَاعُ الصَّبِيِّ وَأَنَّهُ إذَا مَاتَ لَمْ يَرْجِعْ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعَشَرَةِ وَهَذَا الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فِي نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ إنْ مَاتَ الصَّبِيُّ أَرْضَعُوا لَهُ آخَرَ وَخِلَافُ مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ بِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ الصَّبِيُّ كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ، وَقَبِلَ ابْنُ يُونُسَ تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ، وَكَذَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَالْعَجَبُ مِنْ ابْنِ يُونُسَ وَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ كَيْفَ نَسَبَاهُ لِابْنِ الْمَوَّازِ وَهُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي آخِرِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَفَسَّرَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ بِذَلِكَ وَلَمْ يَعْزُهُ لِأَحَدٍ.
وَصَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ بِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ رَضَاعَ الصَّبِيِّ عَلَى الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يُجَازَ بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي إنْ مَاتَتْ الْأُمُّ أَتَى بِأُخْرَى وَأَنَّهُ إنْ مَاتَ الصَّبِيُّ أَتَى الْبَائِعُ بِآخَرَ وَأَنَّهُ إنْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي عَيْنِ الصَّبِيِّ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَأَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْأَمْرُ مُبْهَمًا وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ إنْ مَاتَتْ أَتَى بِأُخْرَى اُخْتُلِفَ فِيهِ فَحَمَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الْمَضْمُونِ وَأَجَازَهُ وَحَمَلَهُ سَحْنُونٌ عَلَى أَنَّهُ فِي عَيْنِ الْأَمَةِ فَيَبْطُلُ بِمَوْتِهَا فَلَمْ يُجِزْهُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ، مِثْلُ أَنْ يُرْهِقَهُ دَيْنٌ فَتُبَاعُ بِهِ وَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعَشَرَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَقَالَ إنَّهُ بَعِيدٌ، قُلْت فَمَا ذَكَرَهُ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ وَحَمَلَ عَلَيْهِ الْمُدَوَّنَةَ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهَا عَلَى مَا حَمَلَهَا عَلَيْهِ هُوَ وَغَيْرُهُ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ الَّذِي فِي جَامِعِ الْبُيُوعِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْخَاتِمَةِ فِي الْكَلَامِ
стр. 242
عَلَى الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ شَرَطَ أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ مَضْمُونَةً إلَى حَدِّ الْإِثْغَارِ، وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ ذَلِكَ لَجَازَ الْبَيْعُ بِاتِّفَاقٍ مَا نَصَّهُ. قُلْت هُوَ مَعْنَى نَقْلِ الصَّقَلِّيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ شَرْطَ بَيْعِهِ أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ الْإِثْغَارِ أَتَى بِمِثْلِهِ وَلَيْسَ لِلْأُمِّ تَرْكُهُ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ جَدَّةٌ قُلْت؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الْبَائِعِ فِي عَيْنِ الْأَمَةِ اهـ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ فَقَبِلَ تَفْسِيرَ ابْنِ يُونُسَ الْمُدَوَّنَةَ بِكَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِأَنَّهُ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَتَعَقَّبُ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا قَالَهُ فِي جَامِعِ الْبُيُوعِ مَعَ نَقْلِهِ لِذَلِكَ أَيْضًا قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى بَيْعٍ وَشَرْطٍ.
الثَّانِي قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَى الْبَائِعِ فِي عَيْنِ الْأَمَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الرَّضَاعَ فِي عَيْنِ الْأَمَةِ، وَإِنْ مَاتَتْ أَتَى الْمُشْتَرِي بِخِلَافِهَا وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْجِيرِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْأَمَةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا بِمَا يَجُوزُ لِذِي الْمِلْكِ فِي مِلْكِهِ مِنْ أَجْلِ الشَّرْطِ وَأَصْلُهُ لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي آخِرِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ أَيْضًا بِلَفْظِ قِيلَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ رَدًّا لَهُ: إنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهَا بِأَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي الرَّضَاعَ أَيْضًا اهـ.
قُلْت ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَوْ شُرِطَ الرَّضَاعُ مَضْمُونًا جَازَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَ الْأُمَّ وَيَأْتِيَ بِمُرْضِعَةٍ لِلصَّبِيِّ خِلَافَهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِلْفُرْقَةِ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا وَسَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْخَاتِمَةِ الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ رَضَاعِ الصَّبِيِّ بِأَوْسَعَ مِنْ هَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَإِنْ سَافَرَ الْمُشْتَرِي بِالْأُمِّ سَافَرَ بِالْوَلَدِ مَعَهَا، وَالْكِرَاءُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ، وَقَالَ: لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُؤْنَتَهُ وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ.
[أَعْتَقَ الْأُمَّ وَأَرَادَ بَيْعَ الْوَلَدَ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْأُمَّ جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْوَلَدَ مِمَّنْ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَنَفَقَةُ الْأُمِّ عَلَى نَفْسِهَا وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إذَا أَعْتَقَ الْأُمَّ وَأَخْرَجَهَا مِنْ حَوْزِهِ تَرَكَ الْوَلَدَ فِي حَضَانَتِهَا إنْ كَانَ لَا خِدْمَةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ خِدْمَةٌ كَانَ مَبِيتُهُ عِنْدَهَا وَيَأْوِي إلَيْهَا فِي نَهَارِهِ فِي وَقْتٍ لَا يَحْتَاجُهُ السَّيِّدُ لِلْخِدْمَةِ، وَإِنْ بَاعَهُ شَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي كَوْنَهُ عِنْدَهَا وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُسَافِرَ بِهِ وَتَتْبَعَهُ الْأُمُّ حَيْثُ كَانَ اهـ.
قُلْت وَهَذَا إلَى زَمَنِ التَّفْرِقَةِ فَإِذَا انْقَضَى فَلَهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا وَانْظُرْ إذَا تَزَوَّجَتْ هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهَا وَيُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَمْ لَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الزَّوَاجَ يُسْقِطُ حَقَّ الْحَاضِنَةِ مِنْ الْحَضَانَةِ.
وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ فِي بَابِ الْحَضَانَةِ إشَارَةٌ إلَى نَحْوِ هَذَا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 243
فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَقَامَ الشُّيُوخُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ زَمِنًا كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَقِيلَ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْ عَلَى السُّلْطَانِ اهـ.
وَنَقَلَهُ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، قُلْت وَاخْتَارَ صَاحِبُ الطِّرَازِ سُقُوطَ نَفَقَةِ الزَّمِنِ بِعِتْقِهِ وَنَصُّهُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ زَمَانَةُ الْعَبِيدِ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِلْعِتْقِ إجْمَاعًا نَعَمْ لَوْ أَعْتَقَهُمْ السَّيِّدُ عِنْدَ زَمَانَتِهِمْ صَحَّ مِنْهُ عِتْقُهُمْ إجْمَاعًا، وَهَلْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهُمْ عَنْهُ؟ ذَكَرَ عَبْدُ الْحَقِّ فِيهِ اخْتِلَافًا وَالْقِيَاسُ سُقُوطُهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْغَيْرَ الْمُؤَبَّدِ إذَا ثَبَتَ لِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا وَالنَّفَقَةُ غَيْرُ مُؤَبَّدَةٍ وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِعِتْقِ الصَّحِيحِ وَمُوجِبُهَا الْمِلْكُ وَقَدْ زَالَ بِالْعِتْقِ إجْمَاعًا حَتَّى لَا يَجُوزَ وَطْءُ الْمُعْتَقَةِ وَنَظِيرُهُ الزَّوْجَةُ إذَا زَمِنَتْ فَطَلَّقَهَا سَقَطَتْ عَنْهُ مُؤْنَتُهَا لِزَوَالِ مِلْكِهِ مِنْ نِكَاحِهَا اهـ.
قُلْت وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَلَكِنَّ الْجَارِيَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّغِيرِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْكَسْبِ وَلَوْ بِالسُّؤَالِ فَإِنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ سُقُوطُ النَّفَقَةِ عَلَى السَّيِّدِ حِينَئِذٍ بِلَا خِلَافٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) مَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَجَبَتْ بِسَبَبِ الرِّقِّ السَّابِقِ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَيُخْرِجُ الْفِطْرَةَ عَنْ الْمُرْضَعِ إذَا أَعْتَقَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَسْبَ عَلَى نَفْسِهِ فَتَسْقُطَ عَنْهُ نَفَقَتُهُ اهـ. وَمَنْ أَعْتَقَ زَمِنًا فَيَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي سُقُوطِ نَفَقَتِهِ عَنْهُ وَوُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ) قَالَ الْمُتَيْطِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى شَرْطِ الْمُغَيَّبَةِ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ لَمَّا ذَكَرَ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ فِي اشْتِرَاطِ التَّصْدِيقِ وَلَوْ زَادَ الْعَاقِدُ فِي الشَّرْطِ بِإِثْرِ قَوْلِهِ فَأَخَذَ بِقَوْلِ مَنْ يَرَى مِنْهُمْ سُقُوطَ الْيَمِينِ لِعِلْمِهِ وَتَحَقُّقِهِ بِثِقَةِ رَبِّ الدَّيْنِ وَأَمَانَتِهِ لَسَقَطَتْ الْيَمِينُ بِلَا خِلَافٍ فِي ذَلِكَ اهـ. قُلْت فَكَانَ الْيَمِينُ عِنْدَهُ يَمِينَ تُهْمَةٍ فَحَيْثُ أَقَرَّ بِأَمَانَةِ رَبِّ الدَّيْنِ وَدِيَانَتِهِ سَقَطَتْ.
(الثَّانِي) قَالَ الْمُتَيْطِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى شَرْطِ التَّصْدِيقِ فِي السَّلَمِ وَقَوْلُنَا مُصَدَّقٌ بِلَا يَمِينٍ هُوَ الَّذِي سَقَطَ عَنْهُ الْيَمِينُ وَأَمَّا لَوْ قَالَ وَمُصَدَّقٌ وَلَمْ يَقُلْ بِلَا يَمِينٍ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، فَمَرَّةً قَالَ يُصَدَّقُ وَيَحْلِفُ، وَمَرَّةً قَالَ يُصَدَّقُ وَلَا يَحْلِفُ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَمْ يُصَدِّقْهُ إذَا حَلَّفَهُ اهـ.
قُلْت وَالظَّاهِرُ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ إذَا حَلَّفَهُ لَمْ يَكُنْ لِشَرْطِ التَّصْدِيقِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ لَمْ تَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَمِنْ الِالْتِزَامِ مَا يَكُونُ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ قَالَ فِي مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ: سُئِلَ
стр. 244
أَبُو عِمْرَانَ وَابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَمَّنْ تَزَوَّجَ بِكْرًا مِنْ أَبُوهَا بِمِائَتَيْ دِينَارٍ وَالْعَادَةُ الْجَارِيَةُ أَنَّهُ إذْ بَذَلَ الزَّوْجُ هَذَا الْعَدَدَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأَبُ مِائَةً وَخَمْسِينَ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَلَمْ يَدْفَعْ لِلزَّوْجِ شَيْئًا قَبْلَ الْبِنَاءِ ثُمَّ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ فَارَقَهَا فَطَلَبَتْ مِنْهُ الْمِائَتَيْنِ فَطَلَبَ الْمِائَةَ وَالْخَمْسِينَ لِأَجْلِ الْعَادَةِ وَعَلَيْهَا انْعَقَدَ النِّكَاحُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْمِائَتَانِ وَهَلْ يَتْبَعُ تَرِكَةَ الْأَبِ بِالْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ؟
جَوَابُهَا إذَا كَانَتْ سُنَّةُ الْبَلَدِ لَا يَكْتُبُ الزَّوْجُ مِائَتَيْنِ إلَّا عَلَى إعْطَاءِ الْأَبِ مِائَةً وَخَمْسِينَ تَكُونُ مِلْكًا لِلزَّوْجِ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ عَيْنًا أَوْ عَرَضَا بِهَا فَهُوَ فَاسِدٌ يُفْسَخُ قَبْلُ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُعْطِيه الْأَبُ لِتَجْهِيزِ ابْنَتِهِ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَلِلزَّوْجِ الْقِيَامُ بِذَلِكَ وَأَمَّا مَسْأَلَتُك فَقَدْ مَاتَ أَبُو الزَّوْجَةِ وَرَضِيَ بِالْبِنَاءِ بِهَا فَلَا قِيَامَ لَهُ بَعْدُ وَتَلْزَمُهُ الْمِائَتَانِ جَمِيعُ صَدَاقِهَا اهـ. فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ بِمَوْتِ أَبِي الزَّوْجَةِ بَطَلَ الْتِزَامُهُ وَيَبْقَى الْخِيَارُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى النِّكَاحِ بِالصَّدَاقِ الْمَذْكُورِ أَوْ يَرْجِعَ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ، وَلَا كَلَامَ لَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[تَزَوَّجَتْ وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِي بَيْتٍ لَهَا فَسَكَنَ الزَّوْجُ مَعَهَا]
(فَرْعٌ) وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ تَزَوَّجَتْ وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِي بَيْتٍ لَهَا فَسَكَنَ الزَّوْجُ مَعَهَا فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا سَاكِنَةٌ بِالْكِرَاءِ أَوْ تَقُولُ لَهُ إمَّا أَدَّيْت أَوْ خَرَجْت. قَالَ اللَّخْمِيُّ: لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُكَارَمَةِ، وَإِنْ سَكَنَ بِهَا فِي مَسْكَنٍ لِأَبِيهَا أَوْ أُمِّهَا كَانَ كَمَسْكَنِهَا لَا شَيْءَ لَهُمَا عَنْ مُدَّةٍ كَانَتْ فِي الْعِصْمَةِ وَأَمَّا الْأَخُ وَالْعَمُّ فَالْأَمْرُ فِيهِمَا مُشْكِلٌ فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ إلَّا أَنْ تَطُولَ الْمُدَّةُ وَالسُّنُونَ وَهُوَ لَا يَتَكَلَّمُ عَلَى شَيْءٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَمِثْلُهُ إذَا سَكَنَ عِنْدَ أَبَوَيْهِ ثُمَّ طَلَبَا الْكِرَاءَ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا وَذَلِكَ لِأَخِيهِ وَعَمِّهِ إنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى الْمُكَارَمَةِ.
وَاخْتُلِفَ إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَطَلَبَتْهُ بِالْكِرَاءِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَالْأَصِيلِيُّ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَذَهَبَ ابْنُ عَتَّابٍ وَاللَّخْمِيُّ إلَى اللُّزُومِ؛ لِأَنَّ الْمُكَارَمَةَ قَدْ زَالَتْ بِالطَّلَاقِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ الْقَوْلَيْنِ. قُلْت وَالظَّاهِرُ اللُّزُومُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي الْعِصْمَةِ وَطَلَبَتْ مِنْهُ الْكِرَاءَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَكَانَ لَهَا ذَلِكَ وَنَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ أَنَّهُ الْأَقْيَسُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الِالْتِزَامُ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ]
(فَرْعٌ) وَقَدْ يَكُونُ الِالْتِزَامُ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِيمَنْ عَزَلَ لِمِسْكِينٍ مُعَيَّنٍ شَيْئًا وَبَتَلَهُ لَهُ بِقَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ إنْ فَعَلَ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ جَعَلَ لَهُ تَفْرِقَتَهُ. قَالَ وَلَوْ نَوَى أَنْ يُعْطِيَهُ وَلَمْ يَبْتِلْهُ لَهُ بِقَوْلٍ، وَلَا نِيَّةٍ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قُلْت وَمَعْنَى بَتَلَهُ لَهُ أَيْ جَعَلَهُ لَهُ مِنْ الْآنِ.
[فَصْلٌ فِيمَنْ الْتَزَمَ لِحَمْلٍ بِشَيْءٍ]
(فَصْلٌ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُلْتَزَمَ لَهُ مَنْ يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَ فَيَصِحَّ الِالْتِزَامُ لِلْحَمْلِ وَلِمَنْ سَيُوجَدُ كَمَا تَصِحُّ
стр. 245
الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ وَالْهِبَةُ فَمَنْ الْتَزَمَ لِحَمْلٍ بِشَيْءٍ لَزِمَهُ وَوُقِفَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَإِنْ وُلِدَ حَيًّا وَعَاشَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ كَانَ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا أَوْ انْفَشَّ الْحَمْلُ بَقِيَ الشَّيْءُ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ كَمَا قَالَ الْمُتَيْطِيُّ فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ، وَتَجُوزُ الصَّدَقَةُ عَلَى الْحَمْلِ فَإِنْ وُلِدَ حَيًّا نَفَذَ لَهُ إنْ مَاتَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ حَيًّا وَاسْتَهَلَّ صَارِخًا وُرِثَتْ الصَّدَقَةُ عَنْ الْحَمْلِ، وَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا أَوْ انْفَشَّ الْحَمْلُ بَقِيَ مَالُ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى مَا كَانَ بِيَدِهِ اهـ.
(فَرْعٌ) وَمَنْ الْتَزَمَ لِمَنْ سَيُوجَدُ بِشَيْءٍ صَحَّ الِالْتِزَامُ إذَا وُجِدَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ وَالْمُلْتَزِمُ حَيٌّ لَمْ يُفْلِسْ وَكَانَ الشَّيْءُ الْمُلْتَزَمُ بِهِ بِيَدِهِ لَمْ يُفَوِّتْهُ كَمَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ إنْ ظَهَرَ لِفُلَانٍ وَلَدٌ فَهَذِهِ الدَّارُ لَهُ أَوْ هَذَا الْعَبْدُ أَوْ هَذَا الثَّوْبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ الْمُلْتَزِمُ تَفْوِيتَهُ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ وُجُودِ الْمُلْتَزَمِ لَهُ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ. قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا وَلَدَ لَهُ ثَمَّ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُ بَيْعُ مَا حَبَسَهُ مَا لَمْ يُولَدْ لَهُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ الْوَلَدِ قَالَ وَلَوْ أَجَزْت لَهُ أَنْ يَبِيعَ لَأَجَزْت لَهُ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ وَمَاتُوا أَنْ يَبِيعَ، وَلَا يَنْتَظِرُ أَنْ يُولَدَ لَهُ. قَالَ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ صَارَ مِيرَاثًا وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُحْكَمُ بِحَبْسِهِ وَيُخْرَجُ إلَى يَدِ ثِقَةٍ لِيَصِحَّ الْحَوْزُ وَتُوقَفُ ثَمَرَتُهُ فَإِنْ وُلِدَ لَهُ وَإِلَّا فَلِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ قَالَ الْبَاجِيُّ مُتَمِّمًا لِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَإِنْ وُلِدَ لَهُ رُدَّ الْحَبْسُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَائِزُ لِوَلَدِهِ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ وَقَبِلَهَا الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ وَذَكَرَهَا ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى الْأَوَّلِ مِنْهَا اقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ.
[قَالَ لِأَمَتِهِ فِي صِحَّتِهِ كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ فِي صِحَّتِهِ كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ لَزِمَهُ عِتْقُ مَا وَلَدَتْ وَاسْتَثْقَلَ مَالِكٌ بَيْعَهَا وَقَالَ كَيْفَ بِوَعْدِهِ وَأَنَا أَرَى بَيْعَهَا جَائِزًا إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا حِينَ قَالَ ذَلِكَ أَوْ حَمَلَتْهُ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ يَقُولَ مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ أَوْ إذَا وَضَعْتِهِ فَهُوَ حُرٌّ فَإِنَّ الْأَمَةَ لَا تُبَاعُ حَتَّى تَضَعَ إلَّا أَنْ يُرْهِقَهُ دَيْنٌ فَتُبَاعُ فِيهِ وَيَرِقُّ الْجَنِينُ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الِاسْتِثْقَالُ بِمَعْنَى الْكَرَاهَةِ وَأَبَاحَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَلَوْ قَالَ مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ وَلَيْسَ فِي بَطْنِهَا شَيْءٌ فَلَمْ يَبِعْهَا حَتَّى حَمَلَتْ فَلَهُ بَيْعُهَا، وَلَا عِتْقَ عَلَيْهِ فَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ قَوْلِهِ بِهَا حَمْلٌ، وَلَا يَدْرِي أَكَانَ بِهَا يَوْمَ الْقَوْلِ أَوْ حَدَثَ فَلَا عِتْقَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَضَعَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْقَوْلِ وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الرَّابِعِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا اهـ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ قُلْت لِشَيْخِنَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا فِيمَنْ عَلَّقَ الْعِتْقَ عَلَى الْوَضْعِ أَنَّهُ يَعْتِقُ وَلَوْ مِنْ سِفَاحٍ، قَالَ الَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِوَطْءٍ جَائِزٍ وَأَمَّا وَضْعُهَا مِنْ زِنًا فَلَا يَعْتِقُ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ قُلْت لَهُ هَذَا مَنْقُوضٌ بِقَوْلِ الْمُشَاوِرِ وَغَيْرِهِ فِيمَنْ شَرَطَ لِزَوْجَتِهِ طَلَاقَهَا إنْ تَزَوَّجَ
стр. 246
عَلَيْهَا فَزَنَى أَنَّ لَهَا الْأَخْذَ بِشَرْطِهَا فَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْته مِنْ الْعُمُومِ اهـ بَعْضُهُ بِاللَّفْظِ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى. وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا الْعُمُومُ ظَاهِرٌ وَمَا قَالَهُ شَيْخُهُ بَعِيدٌ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُشَاوِرِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ شَرَطَ لِزَوْجَتِهِ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ وَانْظُرْ إذَا أَرَادَ السَّيِّدُ الرُّجُوعَ عَمَّا الْتَزَمَهُ قَبْلَ حَمْلِ الْجَارِيَةِ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَهُ التَّصَرُّفُ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَلَا يُؤْخَذُ جَوَازُ ذَلِكَ وَمِمَّا سَيَأْتِي فِي الْخَاتِمَةِ عَنْ اللَّخْمِيِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ وَشَرَطَ لِلزَّوْجِ أَنَّ أَوْلَادَهَا أَحْرَارٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ كَانَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ]
(فَصْلٌ) وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ بِفَتْحِ الزَّايِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَهُ، وَلَا يَقْضِي بِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ وَمَنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ رَجُلٌ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَمِينٍ فَلْيُقْضَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى هَذَا اخْتَصَرَهَا أَكْثَرُ الْمُخْتَصَرَيْنِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَهْلٍ فَلْيُخْرِجْهُ السُّلْطَانُ إذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَعَلَى هَذَا اخْتَصَرَهَا ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَابْنُ أَبِي زَمَنِينَ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَحَيْثُ قَالَ يُؤْمَرُ بِهِ، وَلَا يُجْبَرُ لَيْسَ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ آثِمًا فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِخْرَاجِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهَا وَهُوَ كَارِهٌ وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَابِ الثَّانِي ثُمَّ ذَكَرَ فِيمَا إذَا جَعَلَ ذَلِكَ لِمَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قَوْلَيْنِ وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ مُخْتَصَرِهِ، وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُعَيِّنِ. وَفِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قَوْلَانِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي اشْتِرَاطِ ثُلُثِ الرِّبْحِ لِلْمَسَاكِينِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ إنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَفِي لُزُومِهَا وَالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهَا اخْتِلَافٌ وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِيهَا.
قُلْت وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْحُكْمِ بِهِ اهـ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الثَّانِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْءٌ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا.
(فَرْعٌ) مِنْ هَذَا الْبَابِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي فِي رَسْمِ اغْتَسَلَ عَلَى غَيْرِ نِيَّةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبَيَانِ فِيمَنْ اشْتَرَى طَعَامًا ثُمَّ غَلَا السِّعْرُ فَجَاءَ النَّاسُ يُخْبِرُونَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ أَبِجَزَعِ النَّاسِ تَغْبِطُونَنِي أُشْهِدُكُمْ أَنَّهُ لِلنَّاسِ بِمَا أَخَذْته قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْأَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ هُوَ لِلنَّاسِ بِمَا أَخَذْته دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِلْحُكْرَةِ وَلَمْ يُصِبْهُ مِنْ حَرْثِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ فِي وَقْتٍ لَا يَضُرُّ شِرَاؤُهُ بِالنَّاسِ إذْ لَوْ كَانَ فِي وَقْتٍ
стр. 247
يَضُرُّ شِرَاؤُهُ بِالنَّاسِ لَكَانَ مَا فَعَلَ مِنْ إعْطَائِهِ لَهُمْ بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ إذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ احْتِكَارُ شَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ فِي وَقْتٍ يَضُرُّ احْتِكَارُهُ بِالنَّاسِ فَأَمَّا احْتِكَارُهَا فِي وَقْتٍ لَا يَضُرُّ احْتِكَارُهَا بِالنَّاسِ فَفِيهِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا إجَازَةُ احْتِكَارِهَا كُلِّهَا الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الْأَطْعِمَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
الثَّانِي الْمَنْعُ مِنْ احْتِكَارِهَا كُلِّهَا جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ» وَهُوَ مَذْهَبُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
الثَّالِثُ إجَازَةُ احْتِكَارِهَا كُلِّهَا مَا عَدَا الْقَمْحَ وَالشَّعِيرَ وَهُوَ دَلِيلُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي رَسْمِ الْبُيُوعِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ جَامِعِ الْبُيُوعِ.
الرَّابِعُ الْمَنْعُ مِنْ احْتِكَارِهَا كُلِّهَا مَا عَدَا الْإِدَامَ وَالْفَوَاكِهَ وَالْعَسَلَ وَالسَّمْنَ وَالتِّينَ وَالزَّبِيبَ وَشِبْهَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ احْتِكَارُ شَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ مَعْنَاهُ فِي الْمَدِينَةِ إذْ لَا يَكُونُ الِاحْتِكَارُ فِيهَا أَبَدًا إلَّا مُضِرًّا بِأَهْلِهَا لِقِلَّةِ الطَّعَامِ بِهَا فَعَلَى قَوْلِهِ فَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ مِنْ الِاحْتِكَارِ تَغْلِيَةُ الْأَسْعَارِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ لِاخْتِلَافِهِمْ بِاجْتِهَادِهِمْ فِي وُجُودِ الْعِلَّةِ وَعَدَمِهَا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَا عَدَا الْأَطْعِمَةَ مِنْ الْعُصْفُرِ وَالْكَتَّانِ وَالْحِنَّاءِ وَشَبَهِهَا مِنْ السِّلَعِ يَجُوزُ احْتِكَارُهَا إذَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
(تَنْبِيهٌ) وَهَكَذَا حُكْمُ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ فَإِنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ قُضِيَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يُقْضَ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ النَّذْرُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا نَذْرًا أَوْ لَا يَلْفِظُ بِذِكْرِ النَّذْرِ فَيَقُولُ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَقُلْ نَذْرًا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِكَذِبٍ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ هُوَ الصَّحِيحُ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَقُولُ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ النَّذْرَ، وَالثَّانِي أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْإِخْبَارَ، وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ.
فَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِخْبَارَ فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ النَّذْرَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِخْبَارِ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلَيَّ نَذْرُ كَذَا وَكَذَا عَلَى الْإِخْبَارِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى النَّذْرِ الَّذِي لَهُ فَائِدَةٌ وَفِيهِ طَاعَةٌ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْكَذِبِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ بَلْ هُوَ مَعْصِيَةٌ اهـ.
[فَصْلٌ قَالَ كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ]
(فَصْلٌ) وَهَكَذَا حُكْمُ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ فَإِنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ قُضِيَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يُقْضَ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى صَدَقَةِ ثُلُثِ مَالِهِ بِإِخْرَاجِ صَدَقَةِ ثُلُثِهِ مِنْ عَيْنٍ وَعَرْضٍ وَدَيْنٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي أُمِّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرَتِهِ
стр. 248
وَأَمَّا الْمُكَاتَبُونَ فَيُخْرِجُ ثُلُثَ قِيمَةِ كِتَابَتِهِمْ فَإِنْ رَقُّوا يَوْمًا مَا نُظِرَ لَقِيمَةِ رِقَابِهِمْ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ كِتَابَتِهِمْ يَوْمَ أَخْرَجَ ذَلِكَ فَلْيُخْرِجْ ثُلُثَ الْفَضْلِ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ ثُلُثَ مَالِهِ حَتَّى ضَاعَ مَالُهُ كُلُّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَرَّطَ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ ذَلِكَ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ فَلَمْ يُخْرِجْ ثُلُثَهُ حَتَّى تَلِفَ جُلُّ مَالِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا إخْرَاجُ ثُلُثِ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى صَدَقَةِ ثُلُثِ مَالِهِ. عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ إخْرَاجُ جَمِيعِ مَالِهِ يُرِيدُ أَنَّ تَعْيِينَهُ لِلصَّدَقَةِ بِهِ عَلَى رَجُلٍ كَمَا لَوْ عَيَّنَ شَيْئًا فَجَعَلَهُ صَدَقَةً أَنَّهُ يُخْرِجُهُ كُلَّهُ وَلَوْ كَانَ جَمِيعَ مَالِهِ. قَالَ وَيُتْرَكُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ يُتْرَكُ لِمَنْ فَلِسَ مَا يَعِيشُ بِهِ هُوَ وَأَهْلُهُ الْأَيَّامَ ابْنُ الْمَوَّازِ كَالشَّهْرِ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ النُّذُورِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ النُّذُورِ الْبَاجِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ لَوْ امْتَنَعَ مَنْ جَعَلَ مَا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ إخْرَاجِ ثُلُثِهِ إنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ أُجْبِرَ عَلَيْهِ وَلِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فِي جَبْرِهِ عَلَيْهِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ طَلَبَهُ مُعَيَّنٌ وَيَلْزَمُهُ فِي الزَّكَاةِ.
وَأَجَابَ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ لَهَا طَالِبًا مُعَيَّنًا وَهُوَ الْإِمَامُ اهـ.
[الْوَفَاءُ بِنَذْرِ الْعِتْقِ]
(فَرْعٌ) يَجِبُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ الْعِتْقِ، وَلَا يَقْضِي بِهِ وَلَوْ كَانَ الْمَنْذُورُ عِتْقُهُ مُعَيَّنًا كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ عَبْدِي فُلَانًا. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَجِبُ بِالنَّذْرِ، وَلَا يَقْضِي إلَّا بِالْبَتِّ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ يَعْنِي يَجِبُ الْعِتْقُ بِالنَّذْرِ سَوَاءٌ كَانَ مُعَلِّقًا كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ لَا كَقَوْلِهِ عَلَيَّ لِلَّهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَلِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» ، وَلَا يُقْضَى إلَّا بِالْبَتِّ أَيْ إذَا بَتَلَ الْعِتْقَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَعْنِي نُسَخَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَا يُقْضَى إلَّا بِالْبَيِّنَةِ أَيْ فِي النَّذْرَ الْمُعَلَّقِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحِنْثُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَقَعَتْ فِي أَوَّلِ عِتْقِ الْمُدَوَّنَةِ فَفِيهَا عَلَى اخْتِصَارِ ابْنِ يُونُسَ وَمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقِيقِي هَؤُلَاءِ فَلْيَفِ بِمَا وَعَدَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُمْ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى عِتْقِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عِدَةٌ جَعَلَهَا لِلَّهِ مِنْ عَمَلِ الْبِرِّ فَيُؤْمَرُ بِهَا، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُعْتِقُهُمْ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ أَنْ لَوْ حَلَفَ بِعِتْقِهِمْ فَحَنِثَ أَوْ أَبَتَّ عِتْقَهُمْ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَأَمَّا إذَا كَانَ نَذْرًا أَوْ مَوْعِدًا فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يَفِيَ بِهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقِيقِي فَأُمِرَ بِعِتْقِهِمْ وَقَالَ لَا أَفْعَلُ قُضِيَ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِمْ، وَإِنْ قَالَ أَفْعَلُ يُتْرَكُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ لَمْ يُعْتَقُوا عَلَيْهِ فِي ثُلُثٍ، وَلَا غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ أَقْرَبُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ بِذَلِكَ وَهُوَ مُعَيَّنٌ، وَلَا سِيَّمَا وَذَلِكَ الْحَقِّ عِتْقٌ وَالشَّارِعُ مُتَشَوِّفٌ إلَيْهِ اهـ. كَلَامُ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِهِ وَوَجَبَ بِالنَّذْرِ وَلَمْ يُقْضَ إلَّا بِبَتٍّ مُعَيَّنٍ اهـ.
قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَالْأَيْمَانُ بِالْعِتْقِ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا وَالْوَصِيَّةُ
стр. 249
بِالْعِتْقِ عِدَةٌ إنْ شَاءَ رَجَعَ فِيهَا فَمَنْ أَبَتَّ عِتْقَ عَبْدِهِ أَوْ حَنِثَ بِذَلِكَ فِي الْيَمِينِ أُعْتِقَ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ وَلَوْ وَعَدَهُ بِالْعِتْقِ أَوْ نَذَرَ عِتْقَهُ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأُمِرَ بِعِتْقِهِ وَقَالَ فِي آخِرِ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ أُعْتِقَ عَبْدِي فُلَانًا مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ الْوَفَاءُ بِمَا جَعَلَ لِلَّهِ، وَلَا أَرَى ذَلِكَ لَازِمًا كَالْحِنْثِ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ نَذَرَ لَيَفْعَلَنَّ خَيْرًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ قَوْلُهُ أَحَبُّ عَلَيَّ ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فَهُوَ تَجَوُّزٌ فِي الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ نَذَرَ طَاعَةً فَالْوَفَاءُ بِهَا عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَقَوْلُهُ، وَلَا أَرَى ذَلِكَ لَازِمًا مَعْنَاهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ لَا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَالِقِهِ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلَازِمٌ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مِنْ الْحِنْثِ إذْ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ مَا لِلَّهِ فِيهِ طَاعَةٌ بِالنَّذْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ ذَلِكَ بِالْيَمِينِ وَأَشْهَبُ يَرْوِي أَنْ يُحْكَمَ بِالْعِتْقِ عَلَى مَنْ نَذَرَهُ وَهُوَ أَظْهَرُ اهـ بِالْمَعْنَى. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ لَأُعْتِقَنَّكَ إنْ قَدِمْت مِنْ سَفَرِي فَهُوَ مَوْعِدٌ وَأَرَى أَنْ يُعْتِقَهُ. ابْنُ يُونُسَ لِمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ خُلْفِ الْمَوْعِدِ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَلَوْ أَرَادَ النَّذْرَ لِسَلَامَتِهِ وَقُدُومِهِ لَزِمَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ بِالْفَتْوَى فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِالْقَضَاءِ إنْ امْتَنَعَ فِي قَوْلِ أَشْهَبَ وَأَمَّا إنْ قَالَ أَنْت حُرٌّ إنْ قَدِمْت مِنْ سَفَرِي فَهَذَا يَعْتِقُ بِالْقَضَاءِ فِي قَوْلِهِمَا. قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ قَدِمْت مِنْ سَفَرِي لَأُطَلِّقَنَّكِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ طَلَاقُهَا طَاعَةً لِلَّهِ فَيُؤْمَرُ بِهَا وَأَمَّا الْعِتْقُ فَهُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ اهـ.
قُلْت فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدِي فُلَانٍ أَوْ عَبِيدِي أَوْ إنْ قَدِمْت مِنْ سَفَرِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا يُقْضَى بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ أَوْ فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ فَهَذَا يَلْزَمُهُ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ إذَا حَنِثَ، وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ الْتَزَمْت أَنْ أُعْتِقَك الْآنَ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَقَدْ الْتَزَمْت إنْ أَعْتَقْتُك الْآنَ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَقَدْ الْتَزَمْت عِتْقَ عَبْدِي أَوْ عَبِيدِي ثُمَّ حَنِثَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ؛ لِأَنَّ الِالْتِزَامَ كَالنَّذْرِ، وَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ إذَا قَالَ أَعْتَقْتُك بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أَعْتَقْتُك أَنَّ ذَلِكَ عُدَّةٌ لِعِتْقٍ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالْقَضَاءِ بِالْعِدَةِ مُطْلَقًا وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا سَيَأْتِي وَأَمَّا إذَا نَذَرَ عِتْقَهُ فَحَمَلَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعِدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ وَحَمَلَهُ أَشْهَبُ عَلَى الِالْتِزَامِ وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ فِي تَوْجِيهِ عَدَمِ جَبْرِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَجْبَرَهُ فَهُوَ بِخِلَافِ نَذْرِهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالنَّذْرِ لِلَّهِ الْقُرْبَةُ وَإِذَا أُجْبِرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نِيَّةٌ، وَلَا ثَوَابٌ وَكَانَ ذَلِكَ تَفْوِيتًا لِنَذْرِهِ فَيُتْرَكُ وَمَا قَصَدَ فَلَعَلَّهُ
стр. 250
يَفْعَلُهُ، وَأَشْهَبُ يَرَى إجْبَارَهُ إذَا قَالَ لَا أَفْعَلُ، وَإِنْ قَالَ أَفْعَلُ تُرِكَ وَهُوَ الْتِفَاتٌ إلَى تَعْلِيلِنَا لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ فَتَأَمَّلْهُ.
(تَنْبِيهٌ) يَجِبُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ الْعِتْقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِ النَّاذِرِ حِينَئِذٍ مَا يُعْتِقُهُ. قَالَ فِي كِتَابِ النُّذُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْهَا أَنَّ الصَّوْمَ لَا يُجْزِئُهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ مَنْ يُعْتِقُهُ، وَقَالَ فِي رَسْمِ الصُّبْرَةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ فِي رَجُلٍ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ قَالَ مَالِكٌ لِيُعْتِقْ رَقَبَةً، قِيلَ لَهُ أَيُجْزِئُهُ رَقَبَةٌ مِنْ الذَّبْحِ قَالَ لِيُعْتِقْ رَقَبَةَ أَقْرَبِ الرِّقَابِ إلَى وَلَدِ إسْمَاعِيلَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ لِلشَّرِيفِ فِي النَّسَبِ حُرْمَةً تُوجِبُ التَّنَافُسَ فِي الْعَبِيدِ مِنْ أَجْلِهَا وَالزِّيَادَةَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ اهـ.
[فَصْلٌ فِي الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا الْعِدَةُ فَلَيْسَ فِيهَا إلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا الْآنَ، وَإِنَّمَا هِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إخْبَارٌ عَنْ إنْشَاءِ الْمُخْبِرِ مَعْرُوفًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ وَمِنْ كِتَابِ الْعِدَةِ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ فِيمَنْ هَلَكَ وَعَلَيْهِ مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَسَأَلَ ابْنَهُ أَنْ يَمْشِيَ عَنْهُ فَوَعَدَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ أَمَّا إذَا وَعَدَهُ فَإِنِّي أُحِبُّ لَهُ أَنْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَا ذَلِكَ رَأْيٌ أَوْ يَمْشِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ لَهُ إذَا وَعَدَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَالِكًا اسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَفِيَ لِأَبِيهِ بِمَا وَعَدَهُ بِهِ مِنْ الْمَشْيِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ لَا قُرْبَةَ فِيهِ مِنْ نَاحِيَةِ اسْتِحْبَابِ الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ فِي الْجَائِزَاتِ الَّتِي لَا قُرْبَةَ فِيهَا اهـ.
فَالْوَفَاءُ بِالْعِدَةِ مَطْلُوبٌ بِلَا خِلَافٍ وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ حَكَاهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ جَامِعِ الْبُيُوعِ وَفِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَفِي كِتَابِ الْعِدَةِ وَنَقَلَهَا عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَقِيلَ يُقْضَى بِهَا مُطْلَقًا وَقِيلَ لَا يُقْضَى بِهَا مُطْلَقًا وَقِيلَ يُقْضَى بِهَا إنْ كَانَتْ عَلَى سَبَبٍ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ الْمَوْعُودُ بِسَبَبِ الْعِدَةِ فِي شَيْءٍ كَقَوْلِك أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ أَوْ أَنْ أَشْتَرِيَ كَذَا أَوْ أَنْ أَقْضِيَ غُرَمَائِي فَأَسْلِفْنِي كَذَا أَوْ أُرِيدُ أَنْ أَرْكَبَ غَدًا إلَى مَكَانِ كَذَا فَأَعِرْنِي دَابَّتَك أَوْ أَنْ أَحْرُثَ أَرْضِي فَأَعِرْنِي بَقَرَك فَقَالَ نَعَمْ، ثُمَّ بَدَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ أَنْ يَشْتَرِيَ أَوْ أَنْ يُسَافِرَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ الْأَمْرَ الَّذِي وَعَدَك عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ تَسْأَلْهُ وَقَالَ لَك هُوَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَا أُسْلِفُك كَذَا أَوْ أَهَبُ لَك كَذَا لِتَقْضِيَ دَيْنَك أَوْ لِتَتَزَوَّجَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَيُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يُقْضَى بِهَا إنْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ سَبَبٍ كَمَا إذَا قُلْت أَسْلِفْنِي كَذَا وَلَمْ تَذْكُرْ سَبَبًا أَوْ أَعِرْنِي دَابَّتَك أَوْ بَقَرَك وَلَمْ تَذْكُرْ سَفَرًا، وَلَا حَاجَةً فَقَالَ نَعَمْ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَوْ قَالَ هُوَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَا أُسْلِفُك كَذَا أَوْ أَهَبُ لَك كَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبًا ثُمَّ بَدَا لَهُ، وَالرَّابِعُ يُقْضَى بِهَا إنْ كَانَتْ عَلَى سَبَبٍ
следующие страницы →