← Фикх малики

Фикх малики · id 21688

فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك

محمد بن أحمد عليش

Полный текст (808 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عَلَيْهَا فَزَنَى أَنَّ لَهَا الْأَخْذَ بِشَرْطِهَا فَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْته مِنْ الْعُمُومِ اهـ بَعْضُهُ بِاللَّفْظِ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى. وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا الْعُمُومُ ظَاهِرٌ وَمَا قَالَهُ شَيْخُهُ بَعِيدٌ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُشَاوِرِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ شَرَطَ لِزَوْجَتِهِ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ وَانْظُرْ إذَا أَرَادَ السَّيِّدُ الرُّجُوعَ عَمَّا الْتَزَمَهُ قَبْلَ حَمْلِ الْجَارِيَةِ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَهُ التَّصَرُّفُ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَلَا يُؤْخَذُ جَوَازُ ذَلِكَ وَمِمَّا سَيَأْتِي فِي الْخَاتِمَةِ عَنْ اللَّخْمِيِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ وَشَرَطَ لِلزَّوْجِ أَنَّ أَوْلَادَهَا أَحْرَارٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [فَصْلٌ كَانَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ] (فَصْلٌ) وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ بِفَتْحِ الزَّايِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَهُ، وَلَا يَقْضِي بِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ وَمَنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ رَجُلٌ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَمِينٍ فَلْيُقْضَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى هَذَا اخْتَصَرَهَا أَكْثَرُ الْمُخْتَصَرَيْنِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَهْلٍ فَلْيُخْرِجْهُ السُّلْطَانُ إذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَعَلَى هَذَا اخْتَصَرَهَا ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَابْنُ أَبِي زَمَنِينَ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَحَيْثُ قَالَ يُؤْمَرُ بِهِ، وَلَا يُجْبَرُ لَيْسَ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ آثِمًا فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِخْرَاجِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهَا وَهُوَ كَارِهٌ وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَابِ الثَّانِي ثُمَّ ذَكَرَ فِيمَا إذَا جَعَلَ ذَلِكَ لِمَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قَوْلَيْنِ وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ مُخْتَصَرِهِ، وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُعَيِّنِ. وَفِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قَوْلَانِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي اشْتِرَاطِ ثُلُثِ الرِّبْحِ لِلْمَسَاكِينِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ إنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَفِي لُزُومِهَا وَالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهَا اخْتِلَافٌ وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِيهَا. قُلْت وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْحُكْمِ بِهِ اهـ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الثَّانِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْءٌ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا. (فَرْعٌ) مِنْ هَذَا الْبَابِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي فِي رَسْمِ اغْتَسَلَ عَلَى غَيْرِ نِيَّةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبَيَانِ فِيمَنْ اشْتَرَى طَعَامًا ثُمَّ غَلَا السِّعْرُ فَجَاءَ النَّاسُ يُخْبِرُونَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ أَبِجَزَعِ النَّاسِ تَغْبِطُونَنِي أُشْهِدُكُمْ أَنَّهُ لِلنَّاسِ بِمَا أَخَذْته قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْأَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ هُوَ لِلنَّاسِ بِمَا أَخَذْته دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِلْحُكْرَةِ وَلَمْ يُصِبْهُ مِنْ حَرْثِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ فِي وَقْتٍ لَا يَضُرُّ شِرَاؤُهُ بِالنَّاسِ إذْ لَوْ كَانَ فِي وَقْتٍ

стр. 247

يَضُرُّ شِرَاؤُهُ بِالنَّاسِ لَكَانَ مَا فَعَلَ مِنْ إعْطَائِهِ لَهُمْ بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ إذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ احْتِكَارُ شَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ فِي وَقْتٍ يَضُرُّ احْتِكَارُهُ بِالنَّاسِ فَأَمَّا احْتِكَارُهَا فِي وَقْتٍ لَا يَضُرُّ احْتِكَارُهَا بِالنَّاسِ فَفِيهِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا إجَازَةُ احْتِكَارِهَا كُلِّهَا الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الْأَطْعِمَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. الثَّانِي الْمَنْعُ مِنْ احْتِكَارِهَا كُلِّهَا جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ» وَهُوَ مَذْهَبُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ. الثَّالِثُ إجَازَةُ احْتِكَارِهَا كُلِّهَا مَا عَدَا الْقَمْحَ وَالشَّعِيرَ وَهُوَ دَلِيلُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي رَسْمِ الْبُيُوعِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ جَامِعِ الْبُيُوعِ. الرَّابِعُ الْمَنْعُ مِنْ احْتِكَارِهَا كُلِّهَا مَا عَدَا الْإِدَامَ وَالْفَوَاكِهَ وَالْعَسَلَ وَالسَّمْنَ وَالتِّينَ وَالزَّبِيبَ وَشِبْهَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ احْتِكَارُ شَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ مَعْنَاهُ فِي الْمَدِينَةِ إذْ لَا يَكُونُ الِاحْتِكَارُ فِيهَا أَبَدًا إلَّا مُضِرًّا بِأَهْلِهَا لِقِلَّةِ الطَّعَامِ بِهَا فَعَلَى قَوْلِهِ فَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ مِنْ الِاحْتِكَارِ تَغْلِيَةُ الْأَسْعَارِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ لِاخْتِلَافِهِمْ بِاجْتِهَادِهِمْ فِي وُجُودِ الْعِلَّةِ وَعَدَمِهَا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَا عَدَا الْأَطْعِمَةَ مِنْ الْعُصْفُرِ وَالْكَتَّانِ وَالْحِنَّاءِ وَشَبَهِهَا مِنْ السِّلَعِ يَجُوزُ احْتِكَارُهَا إذَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. (تَنْبِيهٌ) وَهَكَذَا حُكْمُ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ فَإِنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ قُضِيَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يُقْضَ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ النَّذْرُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا نَذْرًا أَوْ لَا يَلْفِظُ بِذِكْرِ النَّذْرِ فَيَقُولُ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَقُلْ نَذْرًا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِكَذِبٍ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ هُوَ الصَّحِيحُ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَقُولُ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ النَّذْرَ، وَالثَّانِي أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْإِخْبَارَ، وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ. فَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِخْبَارَ فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ النَّذْرَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِخْبَارِ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلَيَّ نَذْرُ كَذَا وَكَذَا عَلَى الْإِخْبَارِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى النَّذْرِ الَّذِي لَهُ فَائِدَةٌ وَفِيهِ طَاعَةٌ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْكَذِبِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ بَلْ هُوَ مَعْصِيَةٌ اهـ. [فَصْلٌ قَالَ كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ] (فَصْلٌ) وَهَكَذَا حُكْمُ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ فَإِنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ قُضِيَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يُقْضَ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى صَدَقَةِ ثُلُثِ مَالِهِ بِإِخْرَاجِ صَدَقَةِ ثُلُثِهِ مِنْ عَيْنٍ وَعَرْضٍ وَدَيْنٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي أُمِّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرَتِهِ

стр. 248

وَأَمَّا الْمُكَاتَبُونَ فَيُخْرِجُ ثُلُثَ قِيمَةِ كِتَابَتِهِمْ فَإِنْ رَقُّوا يَوْمًا مَا نُظِرَ لَقِيمَةِ رِقَابِهِمْ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ كِتَابَتِهِمْ يَوْمَ أَخْرَجَ ذَلِكَ فَلْيُخْرِجْ ثُلُثَ الْفَضْلِ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ ثُلُثَ مَالِهِ حَتَّى ضَاعَ مَالُهُ كُلُّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَرَّطَ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ ذَلِكَ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ فَلَمْ يُخْرِجْ ثُلُثَهُ حَتَّى تَلِفَ جُلُّ مَالِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا إخْرَاجُ ثُلُثِ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى صَدَقَةِ ثُلُثِ مَالِهِ. عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ إخْرَاجُ جَمِيعِ مَالِهِ يُرِيدُ أَنَّ تَعْيِينَهُ لِلصَّدَقَةِ بِهِ عَلَى رَجُلٍ كَمَا لَوْ عَيَّنَ شَيْئًا فَجَعَلَهُ صَدَقَةً أَنَّهُ يُخْرِجُهُ كُلَّهُ وَلَوْ كَانَ جَمِيعَ مَالِهِ. قَالَ وَيُتْرَكُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ يُتْرَكُ لِمَنْ فَلِسَ مَا يَعِيشُ بِهِ هُوَ وَأَهْلُهُ الْأَيَّامَ ابْنُ الْمَوَّازِ كَالشَّهْرِ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ النُّذُورِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ النُّذُورِ الْبَاجِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ لَوْ امْتَنَعَ مَنْ جَعَلَ مَا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ إخْرَاجِ ثُلُثِهِ إنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ أُجْبِرَ عَلَيْهِ وَلِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فِي جَبْرِهِ عَلَيْهِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ طَلَبَهُ مُعَيَّنٌ وَيَلْزَمُهُ فِي الزَّكَاةِ. وَأَجَابَ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ لَهَا طَالِبًا مُعَيَّنًا وَهُوَ الْإِمَامُ اهـ. [الْوَفَاءُ بِنَذْرِ الْعِتْقِ] (فَرْعٌ) يَجِبُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ الْعِتْقِ، وَلَا يَقْضِي بِهِ وَلَوْ كَانَ الْمَنْذُورُ عِتْقُهُ مُعَيَّنًا كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ عَبْدِي فُلَانًا. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَجِبُ بِالنَّذْرِ، وَلَا يَقْضِي إلَّا بِالْبَتِّ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ يَعْنِي يَجِبُ الْعِتْقُ بِالنَّذْرِ سَوَاءٌ كَانَ مُعَلِّقًا كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ لَا كَقَوْلِهِ عَلَيَّ لِلَّهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَلِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» ، وَلَا يُقْضَى إلَّا بِالْبَتِّ أَيْ إذَا بَتَلَ الْعِتْقَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَعْنِي نُسَخَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَا يُقْضَى إلَّا بِالْبَيِّنَةِ أَيْ فِي النَّذْرَ الْمُعَلَّقِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحِنْثُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَقَعَتْ فِي أَوَّلِ عِتْقِ الْمُدَوَّنَةِ فَفِيهَا عَلَى اخْتِصَارِ ابْنِ يُونُسَ وَمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقِيقِي هَؤُلَاءِ فَلْيَفِ بِمَا وَعَدَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُمْ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى عِتْقِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عِدَةٌ جَعَلَهَا لِلَّهِ مِنْ عَمَلِ الْبِرِّ فَيُؤْمَرُ بِهَا، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُعْتِقُهُمْ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ أَنْ لَوْ حَلَفَ بِعِتْقِهِمْ فَحَنِثَ أَوْ أَبَتَّ عِتْقَهُمْ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَأَمَّا إذَا كَانَ نَذْرًا أَوْ مَوْعِدًا فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يَفِيَ بِهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقِيقِي فَأُمِرَ بِعِتْقِهِمْ وَقَالَ لَا أَفْعَلُ قُضِيَ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِمْ، وَإِنْ قَالَ أَفْعَلُ يُتْرَكُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ لَمْ يُعْتَقُوا عَلَيْهِ فِي ثُلُثٍ، وَلَا غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ أَقْرَبُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ بِذَلِكَ وَهُوَ مُعَيَّنٌ، وَلَا سِيَّمَا وَذَلِكَ الْحَقِّ عِتْقٌ وَالشَّارِعُ مُتَشَوِّفٌ إلَيْهِ اهـ. كَلَامُ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِهِ وَوَجَبَ بِالنَّذْرِ وَلَمْ يُقْضَ إلَّا بِبَتٍّ مُعَيَّنٍ اهـ. قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَالْأَيْمَانُ بِالْعِتْقِ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا وَالْوَصِيَّةُ

стр. 249

بِالْعِتْقِ عِدَةٌ إنْ شَاءَ رَجَعَ فِيهَا فَمَنْ أَبَتَّ عِتْقَ عَبْدِهِ أَوْ حَنِثَ بِذَلِكَ فِي الْيَمِينِ أُعْتِقَ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ وَلَوْ وَعَدَهُ بِالْعِتْقِ أَوْ نَذَرَ عِتْقَهُ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأُمِرَ بِعِتْقِهِ وَقَالَ فِي آخِرِ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ أُعْتِقَ عَبْدِي فُلَانًا مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ الْوَفَاءُ بِمَا جَعَلَ لِلَّهِ، وَلَا أَرَى ذَلِكَ لَازِمًا كَالْحِنْثِ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ نَذَرَ لَيَفْعَلَنَّ خَيْرًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ قَوْلُهُ أَحَبُّ عَلَيَّ ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فَهُوَ تَجَوُّزٌ فِي الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ نَذَرَ طَاعَةً فَالْوَفَاءُ بِهَا عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَقَوْلُهُ، وَلَا أَرَى ذَلِكَ لَازِمًا مَعْنَاهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ لَا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَالِقِهِ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلَازِمٌ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مِنْ الْحِنْثِ إذْ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ مَا لِلَّهِ فِيهِ طَاعَةٌ بِالنَّذْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ ذَلِكَ بِالْيَمِينِ وَأَشْهَبُ يَرْوِي أَنْ يُحْكَمَ بِالْعِتْقِ عَلَى مَنْ نَذَرَهُ وَهُوَ أَظْهَرُ اهـ بِالْمَعْنَى. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ لَأُعْتِقَنَّكَ إنْ قَدِمْت مِنْ سَفَرِي فَهُوَ مَوْعِدٌ وَأَرَى أَنْ يُعْتِقَهُ. ابْنُ يُونُسَ لِمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ خُلْفِ الْمَوْعِدِ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَلَوْ أَرَادَ النَّذْرَ لِسَلَامَتِهِ وَقُدُومِهِ لَزِمَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ بِالْفَتْوَى فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِالْقَضَاءِ إنْ امْتَنَعَ فِي قَوْلِ أَشْهَبَ وَأَمَّا إنْ قَالَ أَنْت حُرٌّ إنْ قَدِمْت مِنْ سَفَرِي فَهَذَا يَعْتِقُ بِالْقَضَاءِ فِي قَوْلِهِمَا. قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ قَدِمْت مِنْ سَفَرِي لَأُطَلِّقَنَّكِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ طَلَاقُهَا طَاعَةً لِلَّهِ فَيُؤْمَرُ بِهَا وَأَمَّا الْعِتْقُ فَهُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ اهـ. قُلْت فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدِي فُلَانٍ أَوْ عَبِيدِي أَوْ إنْ قَدِمْت مِنْ سَفَرِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا يُقْضَى بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ أَوْ فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ فَهَذَا يَلْزَمُهُ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ إذَا حَنِثَ، وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ الْتَزَمْت أَنْ أُعْتِقَك الْآنَ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَقَدْ الْتَزَمْت إنْ أَعْتَقْتُك الْآنَ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَقَدْ الْتَزَمْت عِتْقَ عَبْدِي أَوْ عَبِيدِي ثُمَّ حَنِثَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ؛ لِأَنَّ الِالْتِزَامَ كَالنَّذْرِ، وَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ إذَا قَالَ أَعْتَقْتُك بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أَعْتَقْتُك أَنَّ ذَلِكَ عُدَّةٌ لِعِتْقٍ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالْقَضَاءِ بِالْعِدَةِ مُطْلَقًا وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا سَيَأْتِي وَأَمَّا إذَا نَذَرَ عِتْقَهُ فَحَمَلَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعِدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ وَحَمَلَهُ أَشْهَبُ عَلَى الِالْتِزَامِ وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ فِي تَوْجِيهِ عَدَمِ جَبْرِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَجْبَرَهُ فَهُوَ بِخِلَافِ نَذْرِهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالنَّذْرِ لِلَّهِ الْقُرْبَةُ وَإِذَا أُجْبِرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نِيَّةٌ، وَلَا ثَوَابٌ وَكَانَ ذَلِكَ تَفْوِيتًا لِنَذْرِهِ فَيُتْرَكُ وَمَا قَصَدَ فَلَعَلَّهُ

стр. 250

يَفْعَلُهُ، وَأَشْهَبُ يَرَى إجْبَارَهُ إذَا قَالَ لَا أَفْعَلُ، وَإِنْ قَالَ أَفْعَلُ تُرِكَ وَهُوَ الْتِفَاتٌ إلَى تَعْلِيلِنَا لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ فَتَأَمَّلْهُ. (تَنْبِيهٌ) يَجِبُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ الْعِتْقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِ النَّاذِرِ حِينَئِذٍ مَا يُعْتِقُهُ. قَالَ فِي كِتَابِ النُّذُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْهَا أَنَّ الصَّوْمَ لَا يُجْزِئُهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ مَنْ يُعْتِقُهُ، وَقَالَ فِي رَسْمِ الصُّبْرَةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ فِي رَجُلٍ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ قَالَ مَالِكٌ لِيُعْتِقْ رَقَبَةً، قِيلَ لَهُ أَيُجْزِئُهُ رَقَبَةٌ مِنْ الذَّبْحِ قَالَ لِيُعْتِقْ رَقَبَةَ أَقْرَبِ الرِّقَابِ إلَى وَلَدِ إسْمَاعِيلَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ لِلشَّرِيفِ فِي النَّسَبِ حُرْمَةً تُوجِبُ التَّنَافُسَ فِي الْعَبِيدِ مِنْ أَجْلِهَا وَالزِّيَادَةَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ اهـ. [فَصْلٌ فِي الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ] (فَصْلٌ) وَأَمَّا الْعِدَةُ فَلَيْسَ فِيهَا إلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا الْآنَ، وَإِنَّمَا هِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إخْبَارٌ عَنْ إنْشَاءِ الْمُخْبِرِ مَعْرُوفًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ وَمِنْ كِتَابِ الْعِدَةِ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ فِيمَنْ هَلَكَ وَعَلَيْهِ مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَسَأَلَ ابْنَهُ أَنْ يَمْشِيَ عَنْهُ فَوَعَدَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ أَمَّا إذَا وَعَدَهُ فَإِنِّي أُحِبُّ لَهُ أَنْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَا ذَلِكَ رَأْيٌ أَوْ يَمْشِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ لَهُ إذَا وَعَدَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَالِكًا اسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَفِيَ لِأَبِيهِ بِمَا وَعَدَهُ بِهِ مِنْ الْمَشْيِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ لَا قُرْبَةَ فِيهِ مِنْ نَاحِيَةِ اسْتِحْبَابِ الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ فِي الْجَائِزَاتِ الَّتِي لَا قُرْبَةَ فِيهَا اهـ. فَالْوَفَاءُ بِالْعِدَةِ مَطْلُوبٌ بِلَا خِلَافٍ وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ حَكَاهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ جَامِعِ الْبُيُوعِ وَفِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَفِي كِتَابِ الْعِدَةِ وَنَقَلَهَا عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَقِيلَ يُقْضَى بِهَا مُطْلَقًا وَقِيلَ لَا يُقْضَى بِهَا مُطْلَقًا وَقِيلَ يُقْضَى بِهَا إنْ كَانَتْ عَلَى سَبَبٍ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ الْمَوْعُودُ بِسَبَبِ الْعِدَةِ فِي شَيْءٍ كَقَوْلِك أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ أَوْ أَنْ أَشْتَرِيَ كَذَا أَوْ أَنْ أَقْضِيَ غُرَمَائِي فَأَسْلِفْنِي كَذَا أَوْ أُرِيدُ أَنْ أَرْكَبَ غَدًا إلَى مَكَانِ كَذَا فَأَعِرْنِي دَابَّتَك أَوْ أَنْ أَحْرُثَ أَرْضِي فَأَعِرْنِي بَقَرَك فَقَالَ نَعَمْ، ثُمَّ بَدَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ أَنْ يَشْتَرِيَ أَوْ أَنْ يُسَافِرَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ الْأَمْرَ الَّذِي وَعَدَك عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ تَسْأَلْهُ وَقَالَ لَك هُوَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَا أُسْلِفُك كَذَا أَوْ أَهَبُ لَك كَذَا لِتَقْضِيَ دَيْنَك أَوْ لِتَتَزَوَّجَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَيُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يُقْضَى بِهَا إنْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ سَبَبٍ كَمَا إذَا قُلْت أَسْلِفْنِي كَذَا وَلَمْ تَذْكُرْ سَبَبًا أَوْ أَعِرْنِي دَابَّتَك أَوْ بَقَرَك وَلَمْ تَذْكُرْ سَفَرًا، وَلَا حَاجَةً فَقَالَ نَعَمْ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَوْ قَالَ هُوَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَا أُسْلِفُك كَذَا أَوْ أَهَبُ لَك كَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبًا ثُمَّ بَدَا لَهُ، وَالرَّابِعُ يُقْضَى بِهَا إنْ كَانَتْ عَلَى سَبَبٍ

стр. 251

وَدَخَلَ الْمَوْعُودُ بِسَبَبِ الْعِدَةِ فِي شَيْءٍ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْأَقْوَالِ. قَالَ فِي آخِرِ الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ قَالَ أَصْبَغُ سَمِعْت أَشْهَبَ، وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ كَرْمًا فَخَافَ الْوَضِيعَةَ فَأَتَى لِيَسْتَوْضِعَهُ فَقَالَ لَهُ بِعْ وَأَنَا أُرْضِيك قَالَ إنْ بَاعَ بِرَأْسِ مَالِهِ أَوْ بِرِبْحٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَاعَ بِالْوَضِيعَةِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْضِيَهُ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ شَيْئًا سَمَّاهُ فَهُوَ مَا أَرَادَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ شَيْئًا أَرْضَاهُ بِمَا شَاءَ وَحَلَفَ بِاَللَّهِ مَا أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ شَيْئًا يَوْمَ قَالَ ذَلِكَ. قَالَ أَصْبَغُ وَسَأَلْت عَنْهَا ابْنَ وَهْبٍ فَقَالَ عَلَيْهِ رِضَاهُ بِمَا يُشْبِهُ ثَمَنَ تِلْكَ السِّلْعَةِ وَالْوَضِيعَةِ فِيهَا. قَالَ أَصْبَغُ وَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ هُوَ أَحْسَنُ عِنْدِي وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ إذَا وَضَعَ فِيهَا، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ بِعْهُ وَأَنَا أُرْضِيك عِدَةٌ إلَّا أَنَّهَا عِدَةٌ عَلَى سَبَبٍ وَهُوَ الْبَيْعُ وَالْعِدَةُ إذَا كَانَتْ عَلَى سَبَبٍ لَزِمَتْ بِحُصُولِ السَّبَبِ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَقَدْ قِيلَ إنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِحَالٍ وَقِيلَ إنَّهَا تَلْزَمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَقِيلَ إنَّهَا تَلْزَمُ إذَا كَانَتْ عَلَى سَبَبٍ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ السَّبَبُ، وَقَوْلُ أَشْهَبَ إنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ شَيْئًا سَمَّاهُ فَهُوَ مَا أَرَادَ يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ، وَمَعْنَاهُ إذَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا يَسِيرًا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَرْضَاهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى مَذْهَبِهِ إذَا قَالَ أَرَدْت كَذَا، وَكَذَا لِمَا يُشْبِهُ قَوْلَهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ شَيْئًا أَرْضَاهُ بِمَا شَاءَ وَحَلَفَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَجَوَابُهُ هَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِهِ إذْ لَا يُؤْخَذُ أَحَدٌ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُقِرُّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَالْيَمِينُ فِي هَذَا يَمِينُ تُهْمَةٍ إذْ لَا يُمْكِنُ الْمُسْتَوْضِعَ أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً فَيُحَقِّقَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ أَرَادَهُ فَيَدْخُلُ فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ مَا يَدْخُلُ فِي يَمِينِ التُّهْمَةِ. وَأَمَّا ابْنُ وَهْبٍ فَأَخَذَهُ بِمُقْتَضَى ظَاهِرِ لَفْظِهِ وَأَلْزَمهُ أَرِضَاءَهُ إلَّا أَنْ لَا يَرْضَى بِمَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِ أَنَّهُ أَرْضَاهُ فَلَا يُصَدَّقُ إنْ لَمْ يَرْضَ وَيُؤْخَذُ بِمَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِ أَنَّهُ أَرْضَاهُ هَذَا مَعْنَى وَلَوْ حَلَفَ لَيُرْضِيَنَّهُ لَمْ يَبِرَّ إلَّا بِاجْتِمَاعِ الْوَجْهَيْنِ وَهُمَا أَنْ يَضَعَ عَنْهُ مَا يَرْضَى بِهِ وَمَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِ أَنَّهُ أَرْضَاهُ وَقَدْ مَضَى مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا فِي رَسْمٍ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ فِي الْحَالِفِ لَيُرْضِيَنَّ غَرِيمَهُ مِنْ حَقِّهِ اهـ. قُلْت وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي شَهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْقَضَاءِ بِالْعِدَةِ إذَا دَخَلَ بِسَبَبِهَا فِي شَيْءٍ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَوَّلِ وَفِي كِتَابِ الْغَرَرِ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لِقَوْلِهَا فِي آخِرِ كِتَابِ الْغَرَرِ، وَإِنْ قَالَ اشْتَرِ عَبْدَ فُلَانٍ وَأَنَا أُعِينُك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ الْوَعْدُ اهـ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِهِ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَقَوْلُ سَحْنُونَ فِي كِتَابِ الْعِدَةِ وَنَصُّهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى: قُلْت لِسَحْنُونٍ مَا الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ الْعِدَةِ فِي السَّلَفِ وَالْعَارِيَّةِ قَالَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ هَدِّمْ دَارَك وَأَنَا أُسْلِفُك أَوْ اُخْرُجْ إلَى الْحَجِّ وَأَنَا أُسْلِفُك أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَأَنَا أُسْلِفُك وَعَزَاهُ لَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي

стр. 252

رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ قَالَ سَحْنُونٌ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ الْوَعْدِ اهْدِمْ دَارَك وَأَنَا أُسْلِفُك مَا تَبْنِي بِهِ أَوْ اُخْرُجْ إلَى الْحَجِّ وَأَنَا أُسْلِفُك أَوْ اشْتَرِ سِلْعَةً أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَأَنَا أُسْلِفُك؛ لِأَنَّك أَدْخَلْته بِوَعْدِك فِي ذَلِكَ، أَمَّا مُجَرَّدُ الْوَعْدِ فَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ بَلْ الْوَفَاءُ بِهِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ اهـ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ لَمَّا ذَكَرَ حُجَّةً مُقَابِلَ الْمَشْهُورِ الْقَائِلِ بِلُزُومِ إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الشِّرَاءِ مَا نَصُّهُ: لَوْ قَالَ لَهُ اشْتَرِ هَذَا الشِّقْصَ وَالثَّمَنُ عَلَيَّ فَاشْتَرَاهُ لَزِمَ أَنْ يَغْرَمَ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي الشِّرَاءِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ اهـ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُقْضَى بِهَا إذَا كَانَتْ عَلَى سَبَبٍ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِسَبَبِهَا فِي شَيْءٍ هُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ فِي كِتَابِ الْعِدَةِ وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ قَوِيٌّ أَيْضًا وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْقَضَاءِ بِهَا مُطْلَقًا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَالْقَوْلُ بِالْقَضَاءِ بِهَا مُطْلَقًا لَمْ يَعُزْهُ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ ضَعِيفَانِ جِدًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [قَالَ لَهُ إنَّ غُرَمَائِي يُلْزِمُونَنِي بِدَيْنٍ فَأَسْلِفْنِي أَقْضِهِمْ فَقَالَ نَعَمْ ثُمَّ بَدَا لَهُ] (فَرْعٌ) إذَا قَالَ لَهُ إنَّ غُرَمَائِي يُلْزِمُونَنِي بِدَيْنٍ فَأَسْلِفْنِي أَقْضِهِمْ فَقَالَ نَعَمْ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَالَ أَصْبَغُ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِدَةِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ وَهُوَ جَارٍ عَلَى قَوْلِهِ بِلُزُومِ الْعِدَةِ إذَا كَانَتْ عَلَى سَبَبٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِسَبَبِهَا فِي شَيْءٍ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا يَلْزَمُهُ إذَا اعْتَقَدَ الْغُرَمَاءُ مِنْهُ عَلَى مَوْعِدٍ أَوْ أَشْهَدَ بِإِيجَابِ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِالْعِدَةِ إلَّا إذَا دَخَلَ بِسَبَبِهَا فِي شَيْءٍ وَلَوْ قَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي فَاعِلٌ أَوْ أَفْعَلُ فَظَاهِرُ كَلَامِ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْعَارِيَّةِ أَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَنَّ الظَّاهِرَ اللُّزُومُ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَلَوْ قَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ فَعَلْت لَمَا وَقَفَ فِي إيجَابِهِ عَلَيْهِ وَلُزُومِ الْقَضَاءِ بِهِ اهـ. [حَلَفَ لَيُوَفِّيَنَّ غَرِيمَهُ إلَى أَجَلٍ وَخَشِيَ الْحِنْثَ] (فَرْعٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيُوَفِّيَنَّ غَرِيمَهُ إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا خَشِيَ الْحِنْثَ ذَكَرَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَقَالَ لَا تَخَفْ ائْتِنِي هَذِهِ الْعَشِيَّةَ أُعْطِيكَهَا فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ جَاءَهُ فَأَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ فَقَالَ لَهُ أَغْرَرْتَنِي حَتَّى خِفْت أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الطَّلَاقُ، أَتَرَاهُ لَهُ لَازِمًا فَقَالَ لَهُ لَا وَاَللَّهِ مَا أَرَى ذَلِكَ لَازِمًا لَهُ وَمَا هُوَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَلَا مَحَاسِنِهَا، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَدْ قِيلَ إنَّهُ يَلْزَمُهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَمَنَعَهُ أَنْ يَحْتَالَ لِنَفْسِهِ بِمَا يَبَرُّ بِهِ مِنْ السَّلَفِ أَوْ غَيْرِهِ اهـ. قُلْت فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَنْ أَنَّ الْعِدَةَ لَا يُقْضَى بِهَا وَلَوْ كَانَتْ عَلَى سَبَبٍ وَدَخَلَ فِي السَّبَبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْعَارِيَّةِ، وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يُقْضَى بِهَا إذَا كَانَتْ عَلَى سَبَبٍ وَعَلَى الْمَشْهُورِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَدْخَلَهُ بِسَبَبِ الْعِدَةِ فِي عَدَمِ الِاحْتِيَالِ لِنَفْسِهِ حَتَّى خَشِيَ الْحِنْثَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 253

[الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَدُلُّ عَلَى الِالْتِزَامِ وَمَا يَدُلُّ عَلَى الْعِدَةِ] تَنْبِيهٌ) وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَدُلُّ عَلَى الِالْتِزَامِ وَمَا يَدُلُّ عَلَى الْعِدَةِ فَالْمَرْجِعُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ إلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ بِحَيْثُ دَلَّ الْكَلَامُ عَلَى الِالْتِزَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي بَابِ الْخُلْعِ وَلَزِمَتْ الْبَيْنُونَةُ إنْ قَالَ إنْ أَعْطَيْتنِي أَلْفًا فَارَقْتُك أَوْ أُفَارِقُك إنْ فُهِمَ الِالْتِزَامُ أَوْ الْوَعْدُ إنْ وَرَّطَهَا فَالشَّرْطُ فِي قَوْلِهِ إنْ وَرَّطَهَا رَاجِعٌ إلَى الْوَعْدِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ كَمَا لَوْ بَاعَتْ قُمَاشًا أَوْ كَسَرَتْ حُلِيَّهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعِدَةِ وَالِالْتِزَامِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ كَمَا قَدْ يَتَبَادَرُ لِلْفَهْمِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الثَّالِثِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِتَمَامِهِ فَإِنَّ الِالْتِزَامَ قَدْ يَكُونُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ إذَا دَلَّتْ الْقَرَائِنُ عَلَيْهِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ الْمَاضِي فِي مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا وَمِنْ كَلَامِ أَصْبَغَ الْآتِي فِي الْفَرْعِ بَعْدَ هَذَا، نَعَمْ صِيغَةُ الْمَاضِي دَالَّةٌ عَلَى الِالْتِزَامِ وَإِنْفَاذِ الْعَطِيَّةِ وَالظَّاهِرُ مِنْ صِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْوَعْدُ إلَّا أَنْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى الِالْتِزَامِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) قَالَ أَصْبَغُ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِدَةِ لَوْ سَأَلَك مِدْيَانٌ أَنْ تُؤَخِّرَهُ إلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا فَقُلْت أَنَا أُؤَخِّرُك لَزِمَك تَأْخِيرُهُ إلَى الْأَجَلِ قُلْت سَوَاءٌ قُلْت أَنَا أُؤَخِّرُك أَوْ قَدْ أَخَّرْتُك قَالَ نَعَمْ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ عَلَيْك، غَيْرَ أَنَّ قَوْلَك أَنَا أُؤَخِّرُك عِدَةٌ تَلْزَمُك وَقَوْلُك قَدْ أَخَّرْتُك شَيْءٌ وَاجِبٌ عَلَيْك كَأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ حَقِّك لَمْ تَبْتَدِئْهُ السَّاعَةَ وَكِلَاهُمَا يَلْزَمُك الْحُكْمُ بِهِ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَك قَدْ أَخَّرْتُك أَوْجَبُهُمَا وَأَوْكَدُهُمَا اهـ. وَنَقَلَ هَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَارٍ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ فِي الْقَضَاءِ بِالْعِدَةِ إذَا كَانَتْ عَلَى سَبَبٍ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِسَبَبِهِ فِي شَيْءٍ وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي قَوْلِهِ أَنَا أُؤَخِّرُك إذَا وَرَّطَهُ بِذَلِكَ أَوْ تَدُلُّ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّأْخِيرَ لَا الْوَعْدَ بِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَهُوَ يُبَيِّنُ لَك مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ صِيغَةَ الْمَاضِي دَالَّةٌ عَلَى الِالْتِزَامِ وَصِيغَةَ الْمُضَارِعِ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مَعَ قَرِينَةٍ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِشَيْءٍ بَلْ قَالَ مَضَى تَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِيهَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَيُشِيرُ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْقَضَاءِ بِالْعِدَةِ. [رَجُلٍ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ فَخَطَبَ أُخْتَهَا لِابْنِهِ فَقَالَتْ لَهُ عَمَّتُهَا عَلَى صَدَاقِ أُخْتِهَا] (فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ فَخَطَبَ أُخْتَهَا لِابْنِهِ فَقَالَتْ لَهُ عَمَّتُهَا عَلَى صَدَاقِ أُخْتِهَا فَقَالَ لَنْ أُقَصِّرَ بِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَزَوَّجُوهُ ثُمَّ إنَّ الِابْنَ طَلَّقَهَا قَالَ أَيُقِرُّ هُوَ بِذَلِكَ؟ قَالَ نَعَمْ قَدْ قُلْت هَذَا الْقَوْلَ وَوَعَدْتهمْ وَلَمْ أُوجِبْ عَلَى نَفْسِي صَدَاقًا فَرَأَيْته يَرَاهُ عَلَيْهِ وَقَالَ مَرَّةً فَيَصْطَلِحُوا وَكَأَنَّهُ يَرَاهُ عَلَيْهِ تَشْبِيهًا بِالْإِيجَابِ

стр. 254

وَلَمْ يُبَيِّنْهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ إذَا زَوَّجُوهُ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ كَأَنَّهُ إنَّمَا تَزَوَّجَ عَلَى الْمُكَافَأَةِ قَالَ سَحْنُونٌ مِثْلَهُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ أَمَّا إذَا كَانَ قَوْلُهُمْ قَدْ زَوَّجْنَاك جَوَابًا لِقَوْلِهِ لَنْ أُقَصِّرَ بِهَا عَنْ صَدَاقِ أُخْتِهَا فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَوْ قَالُوا لَهُ نُزَوِّجُك عَلَى أَنْ لَا تُقَصِّرَ بِهَا عَنْ صَدَاقِ أُخْتِهَا وَأَمَّا إنْ انْقَطَعَ مَا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فَالْأَمْرُ مُحْتَمَلٌ وَالْأَظْهَرُ إيجَابُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُبَيِّنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الْعِدَةِ الْخَارِجَةِ عَلَى سَبَبٍ، وَفِي التَّفْسِيرِ لِيَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إيجَابَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ نِصْفَ الصَّدَاقِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى قَوْلَهُ لَنْ أُقَصِّرَ بِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ عِدَةً لَا تَلْزَمُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إيجَابَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَحَلَفَ بِالتُّهْمَةِ دُونَ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى، وَلِذَلِكَ لَمْ تَرِدْ الْيَمِينُ فِي ذَلِكَ فَقَوْلُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِلُحُوقِ يَمِينِ التُّهْمَةِ وَأَنَّهَا لَا تَرْجِعُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْوَجْهَيْنِ انْتَهَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [الْبَابُ الثَّانِي الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزِمِ وَهُوَ نَوْعَيْنِ] الْبَابُ الثَّانِي فِي الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزِمِ بِكَسْرِ الزَّايِ وَهُوَ عَلَى نَوْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ بِالِالْتِزَامِ الِامْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك فَلَكَ أَلْفُ دِينَارٍ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ حُصُولَ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَيَكُونَ الشَّيْءُ الَّذِي الْتَزَمَهُ شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى حُصُولِهِ كَقَوْلِهِ إنْ قَدِمْت مِنْ هَذَا السَّفَرِ فَلِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ إنْ أَتْمَمْت هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ هَذَا الْكِتَابَ فَعَلَيَّ كَذَا، وَهَذَا الثَّانِي مِنْ بَابِ النُّذُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ النَّذْرِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِ النُّذُورِ أَنَّ مَنْ عَلَّقَ الْعِتْقَ أَوْ الْهَدْيَ، أَوْ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِلْكِ يَلْزَمُهُ. مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ مَلَكْت عَبْدَ فُلَانٍ فَهُوَ حُرٌّ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ إذَا مَلَكَهُ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ أَنَّ الْمُفْلِسَ إذَا الْتَزَمَ عَطِيَّةَ شَيْءٍ إنْ مَلَكَهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إذَا مَلَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ. قُلْت: وَهَذَا فِي الْعِتْقِ لَازِمٌ وَيُقْضَى بِهِ، وَأَمَّا الْهَدْيُ، فَإِنَّهُ لَازِمٌ وَلَا يُقْضَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ وَالْهَدَايَا وَاجِبَةٌ عَلَى التَّرَاخِي، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ فَهِيَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ الْمَعْقُودُ لَهُ هَذَا الْبَابُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ بِهَا الْقُرْبَةُ فَهِيَ لَازِمَةٌ وَيُقْضَى بِهَا إنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنٍ وَلَا يُقْضَى بِهَا إنْ كَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ الْخَاتِمَةِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا. وَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْقُودُ لَهُ هَذَا الْبَابُ وَيُسَمَّى يَمِينًا وَاخْتُلِفَ فِي الْقَضَاءِ بِهِ

стр. 255

وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِهِ سَوَاءً كَانَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ بِفَتْحِ الزَّاي مُعَيَّنًا أَمْ لَا قَالَ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ، أَوْ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَتَقَدَّمَتْ الْمَسْأَلَةُ بِتَمَامِهَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي فَصْلِ الِالْتِزَامِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. وَقَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى فَصَدَاقُهَا أَلْفَانِ لَمْ يَجُزْ كَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ، وَإِنْ نَكَحَ بِأَلْفَيْنِ فَوَضَعَتْ عَنْهُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ أَلْفًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا، أَوْ نَكَحَهَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَخْرَجَهَا مِنْ بَلَدِهَا فَمَهْرُهَا أَلْفَانِ فَلَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا وَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْأَلْفُ، وَهُوَ كَالْقَائِلِ لِزَوْجَتِهِ إنْ أَخْرَجْتُك مِنْ الدَّارِ فَلَكَ أَلْفٌ فَلَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَوْلُهُ فَلَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِهَا الْيَمِينَ وَمَا كَانَ مِنْ الْهِبَاتِ لِمَعْنًى عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ الَّتِي يُقْضَى بِهَا لِمُعَيَّنٍ إنَّمَا هِيَ لِلَّتِي يُقْصَدُ بِهَا وَجْهُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ لَا مَعْنَى الْيَمِينِ، وَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ إذَا خَرَجَ عَنْ حُكْمِهِ بَطَلَ حُكْمُهُ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ نَفْسَ الْعَطِيَّةِ وَالْهِبَةِ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَقُولُ: إنْ شَفَانِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَرَضِي فَلَكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَهَذَا يُقْضَى عَلَيْهِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا بِرٌّ وَمَا كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُقْضَى بِهِ عَلَى قَائِلِهِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ: إنْ قَدِمْت فَلَكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عَطِيَّةٌ مَحْضَةٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِيَمِينٍ وَلَا مُعَاوَضَةٍ انْتَهَى. وَنَحْوُهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ إنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا إذَا تَزَوَّجَهَا بِأَلْفٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَأَلْفَانِ فَجَعَلَهُ مِنْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَمَا إذَا تَزَوَّجَهَا بِأَلْفٍ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ بَلَدِهَا فَمَهْرُهَا أَلْفَانِ فَلَمْ يَجْعَلْهُ فَاسِدًا، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهَا بَعْضُهُمْ وَاسْتَظْهَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ: وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّهُمَا قَادِرَانِ عَلَى رَفْعِ الْغَرَرِ فِي الْأُولَى بِالْبَحْثِ هَلْ لَهُ زَوْجَةٌ أَمْ لَا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَالْأَمْرُ فِيهَا مُسْتَقْبَلٌ لَا يُدْرَى مَا يَكُونُ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا مَشَى الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ وَنَظَرَ فِي ذَلِكَ الشَّيْخُ بَهْرَامُ وَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ سَوَاءٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ، وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ رَسْمِ الْمُكَاتَبِ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ قَالَ يَحْيَى بْنُ وَهْبٍ سَمِعَتْ مَالِكًا يَقُولُ - وَهُوَ الَّذِي آخُذُ بِهِ -: إنَّ الصَّدَقَةَ إذَا كَانَ أَصْلُهَا عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ وَطَلَبِ الْبِرِّ وَالْمُكَافَأَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ الْمَعْرُوفَةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي احْتِسَابِهِمْ، أَوْ حُسْنِ مُعَاشَرَتِهِمْ، فَإِنَّ صَاحِبَهَا لَا يَرْجِعُ فِيهَا، وَإِنْ خَاصَمَهُ الْمُتَصَدَّقُ بِهَا عَلَيْهِ قَضَى لَهُ عَلَيْهِ بِهَا قَالَ: وَأَمَّا كُلُّ صَدَقَةٍ تَكُونُ فِي يَمِينِ الْحَالِفِ، أَوْ لَفْظِ مُنَازِعٍ، أَوْ جَوَابٍ يُكَذِّبُ صَاحِبَهُ فَهِيَ بَاطِلَةٌ لَا يُقْضَى بِهَا لِلْمُتَصَدَّقِ بِهَا عَلَيْهِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْوُجُوهِ

стр. 256

وَمَا أَشْبَهَهَا إلَّا أَنَّ الْمُتَصَدِّقَ بِهَا يُوعَظُ وَيُؤَثَّمُ، فَإِنْ تَطَوَّعَ بِإِمْضَائِهَا كَانَ ذَلِكَ الَّذِي يُسْتَحَبُّ لَهُ، وَإِنْ شَحَّ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ فِيهَا بِشَيْءٍ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مِثْلَ هَذَا فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَلَا يَجْبُرُ السُّلْطَانُ عَلَى إخْرَاجِهَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَالِفَ إنَّمَا قَصَدَ الِامْتِنَاعُ مِمَّا حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ لَا إلَى إخْرَاجِ الصَّدَقَةِ وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ لَكِنَّهُ إذَا فَعَلَ الَّذِي حَلَفَ بِالصَّدَقَةِ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ، فَقَدْ اخْتَارَ إخْرَاجَ الصَّدَقَةِ عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ فَذَلِكَ قَالَ يُوعَظُ وَيُؤَثَّمُ، وَإِنَّمَا كَانَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ، وَإِنْ كَانَ آثِمًا فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ إخْرَاجِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَارِهٌ فَيَذْهَبُ مِلْكُهُ فِي غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَصِيرُ إلَيْهِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُحْكَمُ عَلَى مَنْ نَذَرَ نَذْرًا بِالْوَفَاءِ بِهِ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ دِينَارٍ فِيمَنْ شَرَطَ لِامْرَأَتِهِ إنْ تَسَرَّى عَلَيْهَا فَالسُّرِّيَّةُ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا أَنَّ الصَّدَقَةَ بِالشَّرْطِ تَلْزَمُهُ، وَأَنَّهُ إنْ أَعْتَقَهَا بَعْدَ أَنْ اتَّخَذَهَا لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ وَكَانَتْ لَهَا صَدَقَةً بِالشَّرْطِ وَلِابْنِ نَافِعٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا فِيمَنْ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ وَقَالَ إنْ خَاصَمْتُك فَهِيَ صَدَقَةٌ عَلَيْك فَخَاصَمَهُ فِيهَا أَنَّ الصَّدَقَةَ تَلْزَمُهُ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ إنَّ الصَّدَقَةَ تَلْزَمُهُ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِهَا عَلَيْهِ فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ دِينَارٍ خِلَافَ الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الصَّدَقَاتِ الْمُبَتَّلَةِ لِلَّهِ عَلَى غَيْرِ يَمِينٍ فَيُحْكَمُ بِهَا إنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنٍ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ اهـ. قُلْت: قَوْلُهُ فِي النَّذْرِ لَا يُحْكَمُ بِهِ يُرِيدُ إذَا كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لِمُعَيَّنٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ النَّذْرِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُقْضَى بِهِ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ الْمَشْهُورَ فِيمَا كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْ النَّوَادِرِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَمَنْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَالٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ عَلَى الْمَسَاكِينِ، أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ حَلَفَ بِحَبْسِ دَارِهِ، أَوْ بِحُمْلَانِ خَيْلِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ بِإِبِلِهِ بُدْنًا، أَوْ بَقَرِهِ، أَوْ غَنَمِهِ هَدْيًا ثُمًّ حَنِثَ أَقَرَّ بِذَلِكَ، أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَا يُكْرَهُ عَلَى ذَلِكَ اهـ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ مَا نَصَّهُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ لَا يُقْضَى بِهِ وَضَرْبٌ يُقْضَى بِهِ، فَأَمَّا مَا لَا يُقْضَى بِهِ فَمَا كَانَ مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ حَبْسٍ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ عَلَى مُعَيَّنَيْنِ، أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنَيْنِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَغَيْرُهُمَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْبِرَّ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِهِ اللُّجَجَ وَتَحْقِيقَ مَا نَازَعَ فِيهِ فَيُؤْمَرُ بِهِ وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ وَمِثْلُهُ مَا رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ كُلُّ جَارِيَةٍ أَتَسَرَّى بِهَا عَلَيْك فَهِيَ صَدَقَةٌ عَلَيْك، وَإِنْ وَطِئْت جَارِيَتِي هَذِهِ فَهِيَ صَدَقَةٌ عَلَيْك فَتَسَرَّى أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ مُحَمَّدٌ يُرِيد أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهَا، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهَا إذَا كَانَتْ لِمُعَيَّنٍ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ

стр. 257

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهَا حَكَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ لَا يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهَا إلَّا إذَا كَانَتْ عَلَى مُعَيَّنٍ يَلِي خُصُومَتَهُ لَا الْمَسَاكِينِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِإِخْرَاجِهَا كَالْأَحْبَاسِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانُوا غَيْرَ مُعَيَّنَيْنِ لَمْ يَسْتَحِقَّ أَحَدٌ الْمُطَالَبَةَ بِهَا فَيُقْضَى لَهُ اهـ. قُلْت: وَمَا حَكَاهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي فَصْلِ الِالْتِزَامِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ هَذَا الْقَوْلَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ التَّوْضِيحِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا شَهَرَهُ فِي مُخْتَصَرِهِ وَشَهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَحِكَايَةُ الْبَاجِيِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ الْيَمِينِ غَيْرُ مَسْأَلَته لِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَمَا سَيَأْتِي وَنَقَلَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ كَلَامَ الْبَاجِيِّ فِي أَخِرِ كِتَابِ الْهِبَةِ بِاخْتِصَارٍ مُخِلٍّ وَلَعَلَّ الْإِسْقَاطَ مِنْ النَّاسِخِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَابِ الْهِبَةِ وَهِيَ لِمُعَيَّنٍ دُونَ يَمِينٍ وَلَا تَعْلِيقٍ يُقْضَى بِهَا ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا، وَعَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَذَلِكَ فِيهَا لَا يُقْضَى بِهَا، وَعَلَى مُعَيَّنٍ فِي يَمِينٍ، أَوْ تَعْلِيقٍ فِيهَا لَا يُقْضَى بِهَا ابْنُ رُشْدٍ هُوَ الْمَشْهُورُ وَلِمُحَمَّدِ بْنِ دِينَارٍ فِيمَنْ تَسَرَّى عَلَى امْرَأَتِهِ وَذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمَ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ وَابْنِ نَافِعٍ ثُمَّ قَالَ وَالْقَضَاءُ بِالْمُعَلَّقِ بِيَمِينٍ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ نَقَلَ ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ أَصْبَغَ وَالْمَعْرُوفِ اهـ. [فَرْعٌ اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ إنْ تَسَرَّى عَلَيْهَا فَالسُّرِّيَّةُ صَدَقَةٌ عَلَى امْرَأَتِهِ] (فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْمُكَاتَبِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ وَسَأَلَتْهُ عَنْ الرَّجُلِ تَشْتَرِطُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ عِنْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ إنْ تَسَرَّى عَلَيْهَا فَالسُّرِّيَّةُ صَدَقَةٌ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ إنْ عَلِمَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَسَخَ، وَإِنْ بَنَى فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَلَا صَدَقَةَ لَهَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ إنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَلَا صَدَقَةَ لَهَا صَحِيحٌ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ بِيَمِينٍ لَا يُحْكَمُ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَحُكِمَ لِلنِّكَاحِ بِحُكْمِ مَا فَسَدَ لِصَدَاقِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ لِلشَّرْطِ تَأْثِيرًا فِيهِ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَبُثُّ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ، وَهَذَا إنْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ فِي الْعَقْدِ عَلَى الشَّرْطِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ تَزَوَّجَهَا بِنِكَاحِ تَفْوِيضٍ دُونَ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ ثُمَّ سَمَّى لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ صَدَاقًا فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالصَّدَاقُ الْمُسَمَّى لَازِمٌ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ الصَّدَقَةَ بِالشَّرْطِ تَلْزَمُهُ، وَأَنَّهُ إنْ أَعْتَقَهَا بَعْدَ أَنْ اتَّخَذَهَا لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ وَكَانَتْ لَهَا صَدَقَةً بِالشَّرْطِ، وَإِنْ شَرَطَ إنْ اتَّخَذَهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ حُرَّةٌ فَاِتَّخَذَهَا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ عِتْقِهَا وَالصَّدَقَةِ بِهَا وَلِابْنِ نَافِعٍ فِيهَا إنْ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ وَقَالَ إنْ خَاصَمْتُك فِيهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ عَلَيْك فَخَاصَمَهُ فِيهَا أَنَّ الصَّدَقَةَ تَلْزَمُهُ، فَعَلَى قَوْلِهِمَا فِي لُزُومِ الصَّدَقَةِ بِالشَّرْطِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ جَائِزًا وَالشَّرْطُ لَازِمًا كَسَائِرِ الشُّرُوطِ اللَّازِمَةِ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ الْتَزَمَ لِامْرَأَتِهِ إنْ

стр. 258

تَسَرَّى عَلَيْهَا فَأَمْرُ السُّرِّيَّةِ بِيَدِهَا إنْ شَاءَتْ بَاعَتْهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَتْ أَمْسَكَتْهَا لَهُ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَلْزَمُهُ. فِيهَا خِلَافٌ: مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْعَطَّارِ وَوَجْهُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الصَّدَقَةَ إذَا كَانَتْ لَا تَلْزَمُهُ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الْبَيْعُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَيِّنٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ مُفْتَرَقٌ، وَإِنَّمَا الْوَجْهُ فِي أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَلْزَمُهُ أَنَّهَا وَكَالَةٌ مِنْهُ لَهَا وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ عَنْ وَكَالَتِهِ مَتَى شَاءَ، وَهَذَا الَّذِي حَفِظْنَاهُ عَنْ الشُّيُوخِ فِي ذَلِكَ وَلَا يَبْعُدُ عِنْدِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهَا عَنْ هَذِهِ الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَكَحْته عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ أَخَذَ عَلَيْهَا عِوَضًا فَيَلْزَمُهُ كَالْمُبَايَعَةِ اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ وَعَزَاهَا لِسَمَاعِ أَصْبَغَ، وَلَمْ أَرَهَا فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ فَسَادِ النِّكَاحِ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ. قُلْت: وَمِثْلُ مَسْأَلَةِ ابْنِ نَافِعٍ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ مَا يُكْتَبُ الْآنَ فِي مُسْتَنَدَاتِ الْبَيْعِ أَنَّ الْبَائِعَ الْتَزَمَ لِلْمُشْتَرِي مَتَى قَامَ وَادَّعَى فِي الشَّيْءِ الْمَبِيعِ، أَوْ خَاصَمَ كَانَ عَلَيْهِ لِلْمُشْتَرِي، أَوْ لِلْفُقَرَاءِ كَذَا وَكَذَا فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيُحْكَمُ بِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي فَصْلِ الِالْتِزَامِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ حَيْثُ يُؤْمَرُ وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ آثِمٌ بِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْ النَّوَادِرِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَمَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فَلْيُخْرِجْهُ كَمَا أَوْجَبَ قَالَ مُحَمَّدٌ قَالَ مَالِكٌ لَا رُخْصَةَ لَهُ فِي تَرْكِهِ. وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ. وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا قَالَ فِي عَقْدٍ مَتَى قَامَ بِجَائِحَةٍ فَعَلَيْهِ كَذَا لِمَرْضَى قُرْطُبَةَ وَقَامَ بِهَا أَمْرٌ بِإِعْطَاءِ ذَلِكَ وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ وَيَأْثَمُ. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ ظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ يُونُسَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِتْقِ أَنَّ الْوَفَاءَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ اهـ. قُلْت: وَلَعَلَّهُمْ فَهِمُوا الِاسْتِحْبَابَ مِنْ ظَاهِرِ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْهِبَاتِ الْمُتَقَدِّمِ، ثُمَّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ الْحَاجِّ وَمِثْلُهُ دَلَّالٌ الْتَزَمَ إنْ زَادَ شَيْئًا عَلَى نِصْفِ دِينَارٍ فَعَلَيْهِ لِلْمَرْضَى كَذَا فَثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ وَجَاءَ مَعَهُ وَكِيلُ الْمَرْضَى فَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ بِعَدَمِ لُزُومِهِ وَيُؤْمَرُ بِذَلِكَ، وَهِيَ كَالصَّدَقَةِ عَلَى وَجْهِ اللَّجَاجِ الَّتِي فِي سَمَاعِ يَحْيَى اهـ. وَمُرَادُهُ بِسَمَاعِ يَحْيَى الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ. [فَرْعٌ أَبَتَّ عِتْقَ عَبْدِهِ أَوْ حَنِثَ بِذَلِكَ فِي يَمِينِهِ] (فَرْعٌ) وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا عَدَا الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي يَمِينٍ. قَالَ فِي الْعِتْقِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَنْ أَبَتَّ عِتْقَ عَبْدِهِ، أَوْ حَنِثَ بِذَلِكَ فِي يَمِينِهِ أُعْتِقَ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ، وَلَوْ وَعَدَهُ بِالْعِتْقِ، أَوْ نَذَرَ عِتْقَهُ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ وَأُمِرَ بِعِتْقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي فَصْلِ النَّذْرِ.

стр. 259

[فَرْعٌ قَالَ لِعَبْدٍ إنْ اشْتَرَيْتُك أَوْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ أَوْ بَعْضَهُ] فَرْعٌ) ثُمَّ قَالَ فِيهَا، وَمَنْ قَالَ لِعَبْدٍ إنْ اشْتَرَيْتُك أَوْ مَلَكْتُك فَأَنْت حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ، أَوْ بَعْضَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ وَيَقُومُ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا عَتَقَ عَلَيْهِ وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ وَرَدُّ الثَّمَنِ كَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا بِثَوْبٍ فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الثَّوْبُ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ، وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ بِعْتُك فَأَنْت حُرٌّ ثُمَّ بَاعَهُ عَتَقَ عَلَى الْبَائِعِ وَرَدَّ الثَّمَنَ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ وَمَالُ الْعَبْدِ هُنَا لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَجَبَ، وَقَدْ صَحَّ الْمَالُ لِلْبَائِعِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي اسْتَثْنَى مَالَهُ كَانَ الْمَالُ تَبَعًا لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْمُشْتَرِي قَدْ انْتَقَضَ مِنْ أَجْلِ الْعِتْقِ فَلَمْ يَصِحَّ لَهُ الْمَالُ وَالْبَائِعُ لَمْ يُبْقِهِ لِنَفْسِهِ فَكَانَ تَبَعًا لِلْعَبْدِ اهـ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ، وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ بِعْتُك فَأَنْت حُرٌّ وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ مَعَ ذَلِكَ إنْ ابْتَعْتُك فَأَنْت حُرٌّ فَابْتَاعَهُ، فَعَلَى الْبَائِعِ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ مُرْتَهَنٌ بِيَمِينِهِ اهـ. [فَرْعٌ قَالَ إنْ بِعْت هَذَا الشَّيْءَ فَهُوَ صَدَقَةٌ فَبَاعَهُ] (فَرْعٌ) قَالَ فِي النُّكَتِ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَلَوْ قَالَ إنْ بِعْت هَذَا الشَّيْءَ فَهُوَ صَدَقَةٌ فَبَاعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ الْبَيْعُ بِخِلَافِ الْيَمِينِ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهَا كَانَتْ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ هَذَا فِيمَا كَانَ بَتْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَتُسْتَحَبُّ لَهُ الصَّدَقَةُ الثَّمَنُ الَّذِي قَبَضَ، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَهُوَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِهِ، فَهَذَا مُخْتَلِفٌ اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ، وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْبُرْزُلِيِّ عَنْهُ أَنَّ الْوَفَاءَ بِذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَأَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَرْعٌ ادَّعَى حَقًّا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَنَا كَفِيلٌ بِهِ] (فَرْعٌ) قَالَ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَنَا كَفِيلٌ لَك بِهِ إلَى غَدٍ، فَإِنْ لَمْ آتِك بِهِ غَدًا فَأَنَا ضَامِنٌ لِلْمَالِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَيُسَمَّى وَعْدًا، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فِي غَدٍ فَلَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَ شَيْءٌ حَتَّى يَثْبُتَ الْحَقُّ بِبَيِّنَةٍ فَيَكُونَ حَمِيلًا بِذَلِكَ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِلطَّالِبِ أَجِّلْنِي الْيَوْمَ، فَإِنْ لَمْ أُوفِك غَدًا فَاَلَّذِي تَدَّعِيهِ قِبَلِي حَقٌّ، فَهَذِهِ مُخَاطَرَةٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ اهـ. [فَرْعٌ الْخَصْمَانِ يَشْتَرِطُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إنْ لَمْ يُوَافِهِ عِنْدَ الْقَاضِي إلَى أَجْلٍ سَمَّيَاهُ فَدَعْوَاهُ بَاطِلَةٌ] (فَرْعٌ) قَالَ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ لِابْنِ هِشَامٍ وَسُئِلَ عِيسَى عَنْ الْخَصْمَيْنِ يَشْتَرِطُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إنْ لَمْ يُوَافِهِ عِنْدَ الْقَاضِي إلَى أَجَلٍ سَمَّيَاهُ فَدَعْوَاهُ بَاطِلَةٌ إنْ كَانَ مُدَّعِيًا، أَوْ دَعْوَى خَصْمِهِ حَقٌّ إنْ كَانَ مُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَتَخَلَّفُ هَلْ يَلْزَمُهُ هَذَا الشَّرْطُ فَقَالَ لَا يُوجِبُ هَذَا الشَّرْطُ حَقًّا لَمْ يَجِبْ وَلَا يُسْقِطُ حَقًّا قَدْ وَجَبَ اهـ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْخِيَارِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَلَوْ شَرَطَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّوْبِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الشَّيْخُ وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَقُولُ: النَّاسُ الْيَوْمَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَجْلِسَ الْقَاضِي وَقْتَ كَذَا فَالْحَقُّ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْتَزَمَهُ اهـ. قُلْت: وَلَمْ أَقِفْ فِي هَذَا وَالْفَرْعِ الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى قَوْلٍ بِاللُّزُومِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُمَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ الَّذِي فِي الْيَمِينِ بِالصَّدَقَةِ فَلَا يَأْتِي

стр. 260

فِيهِمَا قَوْلُ ابْنِ دِينَارٍ الْمُتَقَدِّمُ وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّ هَذَا مُخَاطَرَةٌ، فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَعْرُوفِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَلِهَذَا كَانَ يُؤْمَرُ بِهَا بِاتِّفَاقٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْقَضَاءِ بِهَا وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ إنْ لَمْ آتِ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِمُسْتَنَدٍ فِي وَقْتِ كَذَا فَدَعْوَايَ بَاطِلَةٌ، أَوْ دَعْوَى خَصْمِي حَقٌّ، فَهَذَا كُلُّهُ لَا يَلْزَمُ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِبُطْلَانِهِ، وَلَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ إلَّا أَنْ يُوجَدَ قَوْلٌ بِاللُّزُومِ فِيهِ، وَقَدْ كَثُرَ الْحُكْمُ بِهِ مِنْ جَهَلَةِ قُضَاةِ الْمَالِكِيَّةِ فَيَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ. وَأَمَّا إذَا الْتَزَمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوفِهِ حَقَّهُ فِي وَقْتِ كَذَا فَلَهُ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا، فَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ فِي بُطْلَانِهِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحُ الرِّبَا وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّيْءُ الْمُلْتَزَمُ بِهِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، أَوْ غَيْرِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ شَيْئًا مُعَيَّنًا، أَوْ مَنْفَعَةً، وَقَدْ رَأَيْت مُسْتَنَدًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَحَكَمَ بِهِ بَعْضُ قُضَاةِ الْمَالِكِيَّةِ الْفُضَلَاءِ بِمُوجِبِ الِالْتِزَامِ وَمَا أَظُنُّ ذَلِكَ إلَّا غَفْلَةً مِنْهُ. وَأَمَّا إذَا الْتَزَمَ أَنَّهُ لَمْ يُوفِ حَقَّهُ فِي وَقْتِ كَذَا فَعَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا لِفُلَانٍ أَوْ صَدَقَةٌ لِلْمَسَاكِينِ، فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ الْمَعْقُودِ لَهُ هَذَا الْبَابُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ يُقْضَى بِهِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةُ أَعْنِي قَوْلَهُ لِزَوْجَتِهِ إنْ أَخْرَجْتُك مِنْ الدَّارِ فَلَكَ أَلْفٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ صُوَرِ هَذَا الْبَابِ وَيَدْخُلُهَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ فِيهَا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَرْعٌ الْخَصْمَانِ يَتَوَاعَدَانِ إلَى الْمُوَافَاةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَهُوَ عَلَى بُعْدٍ مِنْهُمَا] (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُفِيدِ أَيْضًا وَسُئِلَ عَنْ الْخَصْمَيْنِ يَتَوَاعَدَانِ إلَى الْمُوَافَاةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَهُوَ عَلَى بُعْدٍ مِنْهُمَا فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا أَخَافُ أَنْ يَخْلُفَنِي فَيَقُولُ إنْ أَخْلَفْتُك فَكِرَاءُ الدَّابَّةِ عَلَيَّ ثُمَّ يَخْلُفُهُ قَالَ لَا أَرَى ذَلِكَ يَلْزَمُهُ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي أَخِرِ كِتَابِ الصُّلْحِ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ إذَا قَالَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ لِلْأُخَرِ إنْ لَمْ أُوَافِك عِنْدَ السُّلْطَانِ فَكِرَاءُ دَابَّتِك عَلَيَّ وَكَانَ الْإِمَامُ فِي بُعْدٍ فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ الشَّيْخُ كَأَنَّهُ يَقُولُ: امْشِ لِلْقَاضِي، وَأَنَا أَلْحَقُك، فَإِنْ لَمْ أَلْحَقْك فَتِلْكَ الدَّابَّةُ عَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَ كِرَاءَهَا ابْنُ يُونُسَ صَوَابٌ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي غُرْمِ مَالِهِ بِوَعْدِهِ، فَإِذَا أَخْلَفَهُ لَزِمَهُ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ كَمَنْ قَالَ اشْتَرِ عَبْدَ فُلَانٍ، وَأَنَا أُعِينُك فِيهِ بِكَذَا فَاشْتَرَاهُ إنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِيهِ بِوَعْدِهِ اهـ. قُلْت: لَمْ أَقِفْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَلَعَلَّهُ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بَلْ هُوَ سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ نُسَخِ أَبِي الْحَسَنِ قُلْت: وَهَذَا الْفَرْعُ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذَا أَدْخَلَهُ فِي غُرْمِ كِرَاءِ الدَّابَّةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي غُرْمِ شَيْءٍ فَلِذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي الْحُكْمِ بِالِالْتِزَامِ فِي هَذَا الْفَرْعِ وَالظَّاهِرُ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الدَّعْوَى وَالْأَيْمَانِ وَسُئِلَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَنْ رَجُلٍ الْتَزَمَ النَّفَقَةَ عَلَى حَفِيدَيْهِ مُدَّةَ أَرْبَعِ سِنِينَ وَسَكَّنَاهُمَا مَعَ أُمِّهِمَا وَشَرَطَ عَلَى أُمِّهِمَا أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ وَرَضِيَتْ وَالْتَزَمَتْ لِحَمَاهَا مَتَى تَزَوَّجَتْ

стр. 261

قَبْلَ الْأَرْبَعِ سِنِينَ كَانَ لِحَمَاهَا عَلَيْهَا مِائَةُ دِينَارٍ صَدَقَةً مِنْ مَالِ نَفْسِهَا تُؤْمَرُ بِذَلِكَ وَتُجْبَرُ عَلَيْهِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ فَوَجَبَتْ الْمِائَةُ لِلْحَمَى فَأَشْهَدَ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى حَفِيدَيْهِ ثُمَّ تُوُفِّيَ قَبْلَ رُشْدِ الْوَلَدَيْنِ فَقَامَ وَرَثَتُهُ بِطَلَبِهَا إذْ لَمْ تَحُزْ عَنْهُ، وَقَالَ الْحَفِيدُ إنَّا لَمْ نَزَلْ فِي كَفَالَتِهِ وَلَا تُفْتَقَرُ لِحَوْزٍ وَقَالَتْ الزَّوْجَةُ الْتَزَمْت شَيْئًا لَا يَلْزَمنِي فَأَنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِوَاجِبِ الشَّرْعِ. فَأَجَابَ وَقَفْت عَلَى الْمَكْتُوبِ وَجَمِيعُهُ غَيْرُ مُفِيدٍ وَقُصَارَى مَا فِيهِ الْكَلَامُ عَلَى يَمِينِ الْمَرْأَةِ وَالْتِزَامِهَا لِحَمَاهَا وَتَزْوِيجِهَا قَبْلَ الْمُدَّةِ، وَقَوْلُهَا تُؤْمَرُ وَتُجْبَرُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهَا بِلَا خِلَافٍ عَلِمَتْهُ إذَا كَانَ الْيَمِينُ كَمَا ذُكِرَ وَلَا تُجْبَرُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا سَقَطَ جَمِيعُ مَا فِي الْبَطْنِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قُلْت تَقَدَّمَ مُعَارَضَتُهَا إذَا كَانَتْ بِيَمِينٍ لِمَا فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ فَالشَّاةُ تُجْزِئُهُ، وَإِنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا، فَعَلَيَّ هَدْيٌ فَحَنِثَ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ بَدَنَةً إلَخْ وَيُعَارِضُهُ أَيْضًا إذَا الْتَزَمَ فِي مَسْأَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مَذْهَبِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مُخَالَفَتُهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَانْظُرْ مَسَائِلَ الشَّرْطِ فِي النِّكَاحِ وَمَا فِي بَعْضِهَا مِنْ الْخِلَافِ فَلَا يَبْعُدُ جَرَى هَذَا عَلَيْهِ اهـ. قُلْت: أَمَّا مَا أَجَابَ بِهِ الْمُفْتِي فَهُوَ جَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ غَيْرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ الْخِلَافِ لَعَلَّهُ تَبِعَ فِيهِ كَلَامَ الْبَاجِيِّ الْمُتَقَدِّمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ وَلِابْنِ الْحَاجِّ فِي نَوَازِلِهِ مَسْأَلَةٌ نَحْوُ هَذِهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ أَفْتَى هُوَ وَابْنُ رُشْدٍ بِعَدَمِ اللُّزُوم وَنَصُّهَا: " امْرَأَةٌ خَالَعَتْ زَوْجَهَا عَلَى: إنْ حَطَّتْ عَنْهُ جَمِيع كَالِئِهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ مَا تَضَمَّنَهُ عَقْدُ الْخُلْعِ، وَعَلَى أَنَّهَا: إنْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ عَامٍ مِنْ تَارِيخِ الْخُلْعِ فَعَلَيْهَا مِائَةُ مِثْقَالٍ، فَنَفَذَتْ الْفَتْوَى فِيهَا بِأَنَّ الْخُلْعَ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ قَبْلَ الْعَامِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ أَفْتَيْتُ أَنَا وَابْنُ رُشْدٍ اهـ. قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تُؤْمَرُ بِالْوَفَاءِ بِذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يُقْضَى عَلَيْهَا بِهِ، وَهُوَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يُعَارِضُ الْمَسْأَلَةَ الْمَذْكُورَةَ أَمَّا النَّذْرُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ، وَأَنَّ الْقَضَاءَ بِهِ جَارٍ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْتِزَامِ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فَلَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ الِالْتِزَامِ الْمُعْتَقِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْحَالِفَة عَلِمَتْ أَنَّ الْتِزَامَ الْمَذْكُورِ يَلْزَمُهَا عَلَى قَوْلٍ وَقَلَّدَتْ ذَلِكَ الْقَوْلَ وَالْتَزَمَتْهُ فَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي فَصْلِ الِالْتِزَامِ " عَدَمُ الرُّجُوعِ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ تَقْلِيدَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ بِهِ لَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِهِ، وَأَمَّا الشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ إذَا لَمْ تُعَلَّقْ بِطَلَاقٍ، أَوْ عِتْقٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ تَمْلِيكٍ لِلْعِصْمَةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ الْقَضَاءِ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسُئِلَ ابْنُ الضَّابِطِ عَنْ امْرَأَةٍ الْتَزَمَتْ لِزَوْجِهَا أَنَّهَا مَتَى رُدَّتْ زَوْجَهَا الْأَوَّلَ مُدَّةَ عِشْرِينَ سَنَةً فَمِائَةُ دِينَارٍ عَلَيْهَا وَقَبِلَهَا وَفِي ذِمَّتِهَا لِلزَّوْجِ الثَّانِي فَفَارَقَهَا الزَّوْجُ الْمَذْكُورُ فَتَزَوَّجَتْ الْأَوَّلَ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ لَزِمَهَا مَا الْتَزَمَتْهُ. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: قُلْت هَذِهِ تُعَارِضُ الَّتِي

стр. 262

قَبْلَهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الِالْتِزَامَ لِلزَّوْجِ أَشَدُّ لِحَدِيثٍ إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ. . . إلَخْ فَلِهَذَا وَجْهٌ اهـ. قُلْت: أَمَّا مُعَارَضَتُهَا لِلَّتِي قَبْلَهَا فَظَاهِرَةٌ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا جَارِيَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَهَذِهِ جَارِيَةٌ عَلَى مُقَابَلَةٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي عَكْسِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي إنَّمَا هُوَ فِي اشْتِرَاطِ الْمَرْأَةِ شُرُوطًا وَنَصُّ الْحَدِيثِ «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَوَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ كِتَابِ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ نَحْوُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَذَكَرَ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا بِاللُّزُومِ إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَحَنِثَ أَنَّهُ يُجْبَرُ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ سَمَاعِ يَحْيَى أَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ. وَنَصُّ الْمَسْأَلَةِ وَشَرْحُهَا قَالَ مَالِكٌ: مَنْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ إلَى بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا عَلَى ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَأْخُذْ ثُمَّ أَبَتْ أَنْ تَخْرُجَ فَهِيَ عَلَى خَلْعِهَا وَلَا تُجْبَرُ عَلَى الْخُرُوجِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ عَقْدٌ يُشْبِهُ عَقْدَ النِّكَاحِ إذْ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا كَمَا يَمْلِكُ الْمَرْأَةَ بِالنِّكَاحِ زَوْجُهَا فَوَجَبَ أَنْ لَا تُلْزَمَ الشُّرُوطَ فِيهِ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْبَلَدِ، أَوْ الْإِقَامَةِ فِيهِ أَوْ تَرْكِ النِّكَاحِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ التَّحْجِيرِ الْمُبَاحِ كَمَا لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِعَقْدِ يَمِينٍ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ: فَإِنْ فَعَلْت فَعَبْدُهَا حُرٌّ، أَوْ مَالُهَا صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَيَلْزَمُهَا إنْ فَعَلَتْ حُرِّيَّةٌ الْعَبْدِ، أَوْ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِ مَالِهَا، وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْبَلَدِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَعَلَيْهَا لِغَيْرِ زَوْجِهَا كَذَا وَكَذَا الْحُكْمُ بِذَلِكَ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَحَنِثَ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَلَوْ قَالَتْ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَعَلَيْهَا لِزَوْجِهَا كَذَا وَكَذَا لَبَطَلَ بِبُطْلَانِ الشَّرْطِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ عَلَى قِيَاسِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ سَعْدٍ بَعْدَ هَذَا، وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْكَنِ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُ فِيهِ مَعَهُ لَمْ يَجُزْ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ حَرَامٌ وَلَزِمَهَا أَنْ تَسْكُنَ فِيهِ طُولَ عِدَّتِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهَا كِرَاءً فَيَجُوزُ ذَلِكَ قَالَهُ فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ اهـ. وَمَسْأَلَةُ رَسْمِ سَعْدٍ تَقَدَّمَتْ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذِهِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ رَسْمِ سَعْدٍ صُورَتُهَا أَنَّ زَوْجَتَهُ خَالَعَتْهُ عَلَى أَنْ أَعْطَتْهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا عَلَى أَنْ لَا يَنْكِحَ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَعَلَ رَدَّ إلَيْهَا مَالَهَا فَقَالَ مَالِكٌ لَهُ مَا أَخَذَ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَلْزَمْهُ بِالشَّرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَأَحْرَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهَا مَا أَخَذَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ يَئُولُ بِذَلِكَ إلَى فَسَادٍ إذْ لَا تَدْرِي هَلْ يَرْجِعُ إلَيْهَا فَيَكُونُ سَلَفًا، أَوْ لَا يَرْجِعُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَ فِيهَا مَا يَئُولُ إلَى فَسَادٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَلْتَزِمَ الصَّدَقَةَ لِزَوْجِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ، وَأَنَّهَا تُؤْمَرُ بِذَلِكَ وَلَا تُجْبَرُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ إنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ بِالصَّدَقَةِ إذَا كَانَتْ عَلَى مُعَيَّنٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ وَفِي

стр. 263

كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ عَدَمُ اللُّزُومِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِاللُّزُومِ لِابْنِ دِينَارٍ فِي الْمَدَنِيَّةِ وَالْقَوْلَانِ اللَّذَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا هُمَا إذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ أَنَّهُ إذَا خَالِعهَا عَلَى أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْبَلَدِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بَائِنًا وَيَسْقُطُ الشَّرْطُ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا إذَا خَالَعَهَا عَلَى أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَسْكَنِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَرْعٌ وَهَبَتْ زَوْجَهَا هِبَةً صَحِيحَةً وَمَلَكَهَا أَعْوَامًا وَبَقِيَتْ فِي مِلْكِهَا ثُمَّ تَشَاجَرَا] (فَرْعٌ) قَالَ فِي مَسَائِلِ الْهِبَاتِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَنْ وَهَبَتْ زَوْجَهَا هِبَةً صَحِيحَةً وَمَلَكَهَا أَعْوَامًا ثُمَّ أَعْمَرَ بِهَا الزَّوْجَةَ طُولَ حَيَاتِهَا وَمَلَّكَهَا لَهَا وَبَقِيَتْ فِي مِلْكِهَا ثُمَّ تَشَاجَرَا فَظَنَّ أَنَّ الزَّوْجَةَ مَنَّتْ عَلَيْهِ بِالْهِبَةِ فَأَقْسَمَ بِالْهِبَةِ صَدَقَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ إنْ قَبِلَهَا طُولَ حَيَاةِ الزَّوْجَةِ فَأَقْسَمَتْ الزَّوْجَةُ أَنَّهَا مَا مَنَّتْ عَلَيْهِ وَلَا عَرَضَتْ لَهُ فَهَلْ تَتَعَلَّقُ بِالْيَمِينِ بِالْهِبَةِ؟ وَهَلْ عَلَى الزَّوْجِ فِيهَا شَيْءٌ إنْ أَمْسَكَهَا؟ فَأَجَابَ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ وَتَتَعَلَّقُ بِالْهِبَةِ وَتَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ إنْ رَدَّتْهَا إلَيْهِ فَقَبِلَهَا مِنْهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ اهـ. [فَرْعٌ طَلَبَتْ الْحَاضِنَةُ الِانْتِقَالَ بِالْأَوْلَادِ إلَى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ فَشَرَطَ الْأَبُ عَلَيْهَا نَفَقَتَهُمْ وَكِسْوَتَهُمْ] (فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الْحَضَانَةِ لَوْ طَلَبَتْ الْحَاضِنَةُ الِانْتِقَالَ بِالْأَوْلَادِ إلَى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ فَشَرَطَ الْأَبُ عَلَيْهَا نَفَقَتَهُمْ وَكِسْوَتَهُمْ جَازَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ خَافَ أَنْ تَخْرُجَ بِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَشَرَطَ عَلَيْهَا إنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ فَنَفَقَتُهُمْ وَكِسْوَتُهُمْ عَلَيْهَا لَزِمَهَا ذَلِكَ قَالَهُ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ. قُلْت: لَا يُقَالُ إنَّ هَذَا جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِالْقَضَاءِ بِالِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزِمِ أَعْنِي الِالْتِزَامَ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهَا بِهِمْ إلَى الْمَكَانِ الْبَعِيدِ لَيْسَ فِعْلًا مُبَاحًا لَهَا قَصَدَتْ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ بِالِالْتِزَامِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ بِهِمْ إلَّا بِإِذْنِ وَالِدِهِمْ فَهُوَ مِنْ بَابِ الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزِمِ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُلْتَزِمِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَبَ مَنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ بِهِمْ إلَى مَكَان بَعِيدٍ فَالْتَزَمَتْ الْأُمُّ نَفَقَتَهُمْ عَلَى أَنْ أَسْقَطَ الْأَبُ حَقَّهُ مِنْ مَنْعِهَا مِنْ الْخُرُوجِ بِهِمْ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ خُرُوجَهَا بِهِمْ إلَى الْمَكَانِ الْبَعِيدِ بِغَيْرِ إذْنِهِ يُوجِبُ نَفَقَتَهُمْ عَلَيْهَا لَا سِيَّمَا إنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْأَبِ رَدُّهُمْ كَمَا قَالُوا فِي الزَّوْجَةِ إذَا هَرَبَتْ وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا عَنْ زَوْجِهَا بَلْ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي سُقُوطِ النَّفَقَةِ عَنْ الْأَبِ إذَا خَرَجَتْ بِهِمْ إلَى الْمَكَانِ الْقَرِيبِ الَّذِي يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ بِهِمْ إلَيْهِ وَلَا تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا. وَفِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ حَيْثُ قُلْنَا تَخْرُجُ بِهِمْ فَحَقُّهُمْ فِي النَّفَقَةِ بَاقٍ عَلَى أَبِيهِمْ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَحَكَى فِي الطِّرَازِ عَنْ ابْنِ جَمَاهِرَ الطُّلَيْطِلِيِّ أَنَّ الْأُمَّ إذَا خَرَجَتْ بِبَنِيهَا إلَى الضِّيَافَةِ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْ أَبِيهِمْ مُدَّةَ مَقَامِهِمْ اهـ. وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَرَجَّحَ فِي الشَّامِلِ الْأَوَّلَ وَحَكَى الثَّانِيَ بِقِيلِ. [مَسْأَلَةٌ مَنْ الْتَزَمَ لِإِنْسَانٍ أَنَّهُ إنْ سَافَرَ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَلَهُ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا] (مَسْأَلَةٌ) مَنْ الْتَزَمَ لِإِنْسَانٍ أَنَّهُ إنْ سَافَرَ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَلَهُ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ

стр. 264

لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهَذَا الِالْتِزَامِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْقَضَاءِ بِهِ، فَإِذَا أَرَادَ الْمُلْتَزِمُ السَّفَرَ وَشَرَعَ فِي أَسْبَابِهِ فَهَلْ لِلْمُلْتَزَمِ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِمَا الْتَزَمَهُ، أَوْ بِتَوْكِيلِ وَكِيلٍ يَدْفَعُهُ عَنْهُ إذَا سَافَرَ، أَوْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الشَّيْءِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ إلَّا بَعْدَ سَفَرِهِ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ الْبَلَدِ، أَوْ حُدُوثِ عَائِقٍ لَهُ عَنْ السَّفَرِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَقَالَ وَالِدِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَكِيلِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمِدْيَانِ إذَا أَرَادَ السَّفَرَ وَكَانَ الدَّيْنُ يَحِلُّ فِي غَيْبَتِهِ وَمَسْأَلَةُ الزَّوْجَةِ إذَا أَرَادَ زَوْجُهَا السَّفَرَ وَطَلَبَتْهُ بِالنَّفَقَةِ. [فَرْعٌ حَكَمَ الْحَاكِمُ الْمَالِكِيُّ بِمُوجِبِ الِالْتِزَامِ] (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا إنَّ الِالْتِزَامَ الْمُعَلَّقَ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزِمِ الَّذِي عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ لَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا مَا لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّةِ الِالْتِزَامِ الْمَذْكُورِ حَاكِمٌ أَمَّا إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ، أَوْ بِلُزُومِهِ، فَقَدْ تَعَيَّنَ الْحُكْمُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ بِقَوْلٍ لَزِمَ الْعَمَلُ بِهِ وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيهَا إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ الْمَالِكِيُّ بِمُوجِبِ الِالْتِزَامِ الْمَذْكُورِ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ الْحُكْمُ بِلُزُومِهِ، وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ بِمُوجَبِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ عَدَمُ اللُّزُومِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ إنْ كَانَ الْقَاضِي الْحَاكِمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ اللُّزُومَ لِمُوجَبٍ رَجَّحَ عِنْدَهُ الْقَوْلَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي جَاهِلًا، أَوْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى حُكْمِهِ وَيُطْرَحُ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي حَيًّا سُئِلَ عَنْ مُرَادِهِ وَيُعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ، وَهَذَا أَيْضًا فِيمَا عَدَا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَرَةِ، فَإِنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى خِلَافٍ فِي عَدَمِ لُزُومِهِ فَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزَمِ لَهُ وَهُوَ أَنْوَاعٍ] [النَّوْعُ الْأَوَّلُ الِالْتِزَامُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي لَيْسَ بِاخْتِيَارِيٍّ] الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى فِعْلِ الْمُلْتَزَمِ لَهُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَهُوَ عَلَى سَبْعَةِ أَنْوَاعٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ إمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا، أَوْ غَيْرَ اخْتِيَارِيٍّ وَالِاخْتِيَارِيُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، أَوْ حَرَامًا، أَوْ جَائِزًا وَالْجَائِزُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَاَلَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ لِلْمُلْتَزِمِ بِكَسْرِ الزَّايِ، أَوْ لِلْمُلْتَزَمِ لَهُ بِفَتْحِ الزَّايِ، أَوْ لِغَيْرِهِمَا. النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الِالْتِزَامُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي لَيْسَ بِاخْتِيَارِيٍّ كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ إنْ وَلَدْتِ غُلَامًا فَلَكَ كَذَا وَكَذَا وَحُكْمُهُ إذَا وَجَدَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ حُكْمَ الِالْتِزَامِ الْمُطْلَقِ فِي اللُّزُومِ وَالْقَضَاءِ بِهِ قَالَ فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ وَلَدْتِ غُلَامًا فَلَكَ مِائَةُ دِينَارٍ

стр. 265

وَإِنْ وَلَدْتِ جَارِيَةً فَأَنْت طَالِقٌ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ، وَأَمَّا الْمِائَةُ دِينَارٍ فَلَا أَرَى أَنْ يُقْضَى بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ هَاهُنَا صَدَقَةً وَلَا هِبَةً وَلَا عَلَى وَجْهِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَهُ إنَّ الطَّلَاقَ قَدْ وَقَعَ يُرِيدُ أَنَّ الْحُكْمَ يُوجِبُ أَنْ يَعْجَلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ بِنَفْسِ اللَّفْظِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَتَوَارَثَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ يُسْتَأْنَى بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمِائَةِ دِينَارٍ إنَّهُ لَا يُقْضَى بِهَا فَحَمَلَهُ مَحْمَلَ الْعِدَّةِ لَمَّا لَمْ يَقُلْ فِي مَالِي وَلَا ذَكَرَ أَنَّهَا هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا عَطِيَّةٌ فَلِذَلِكَ قَالَ إنَّهُ لَا يُقْضَى بِهَا إذْ لَيْسَتْ عَلَى سَبَبٍ هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَوْعُودِ وَالْأَظْهَرُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ التَّبْتِيلُ، وَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ فِي مَالِي مِائَةُ دِينَارٍ عَطِيَّةً فَيُحْكَمُ لَهَا عَلَيْهِ بِهَا مَا لَمْ يَذْهَبْ، أَوْ يَمُتْ، أَوْ يُفْلِسْ كَمَا قَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ فِي الَّذِي يَقُولُ: لَك مَا أَرْبَحُ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ، وَإِنَّمَا الْعِدَّةُ أَنْ يَقُولَ: الرَّجُلُ أَنَا أَفْعَلُ، وَأَمَّا إذَا قَالَ قَدْ فَعَلْت فَهِيَ عَطِيَّةٌ وَقَوْلُهُ لَك كَذَا وَكَذَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ قَدْ فَعَلْت مِنْهُ بِأَنَا أَفْعَلُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ اهـ. وَقَوْلُهُ مَا لَمْ يَذْهَبْ لَعَلَّهُ يُرِيدُ مَا لَمْ يَذْهَبْ مَالُهُ وَعَلِمَ مِنْهُ أَنْ لَوْ فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ أَرَادَ إنْ وَلَدْتِ غُلَامًا فَلَكَ مِائَةُ دِينَارٍ فِي مَالِي أَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَزِمَهُ بِلَا كَلَامٍ، وَأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الِالْتِزَامِ الْمُطْلَقِ فِي الْقَضَاءِ بِهِ مَا لَمْ يُفْلِسْ الْمُلْتَزِمُ، أَوْ يَمُتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [النَّوْعُ الثَّانِي الِالْتِزَامُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُلْتَزَمِ لَهُ] ُ بِفَتْحِ الزَّايِ كَقَوْلِك إنْ جِئْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ، أَوْ بِبَعِيرِي الشَّارِدِ، أَوْ بِمَتَاعِي الضَّائِعِ فَلَكَ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا وَكَانَ الْعَبْدُ، أَوْ الْبَعِيرُ، أَوْ الْمَتَاعُ عِنْدَهُ، أَوْ يَعْلَمُ مَكَانَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْمُلْتَزِمِ وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ وَرَدُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْإِعْلَامُ بِمَوْضِعِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا إذْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْجَعْلِ. وَقَدْ قَالُوا: إنَّ مِنْ شَرْطِ الْجَعْلِ أَنْ لَا يَكُونَ الْفِعْلُ مِمَّا يَلْزَمُ الْمَجْعُولَ لَهُ عَمَلُهُ وَمَا كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْكِفَايَةِ فَيَلْزَمُ الِالْتِزَامُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ إنْ غَسَّلْتَ هَذَا الْمَيِّتَ فَلَكَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ وَكَانَتْ صَرُورَةً ائْذَنْ لِي أَنْ أَحُجَّ، وَأَنَا أُعْطِيَك مَهْرِي الَّذِي عَلَيْك فَقَبِلَ وَتَرَكَهَا تَحُجُّ قَالَ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا أَنْ تَحُجَّ، وَقَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الدِّمْيَاطِيِّ عَنْهُ وَذَلِكَ إذَا لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا، وَأَمَّا إذَا عَلِمَتْ فَذَلِكَ لَازِمٌ لَهَا؛ لِأَنَّهَا أَعْطَتْهُ مَالَهَا طَيِّبَةٌ بِذَلِكَ نَفْسُهَا وَقَوْلُهُ هَذَا مُفَسِّرٌ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا عَلِمْت أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِذْنُ لَهَا، فَإِنَّمَا أَعْطَتْهُ مَالَهَا عَلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهَا بِطِيبِ نَفْسٍ، رَاضِيًا بِذَلِكَ غَيْرَ مُعَاتِبٍ لَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ فِي الْحَجِّ الثَّالِثِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنَّهَا إذَا أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَهِيَ صَرُورَةً فَحَلَّلَهَا زَوْجُهَا مِنْ حَجَّتِهَا، ثُمَّ أَذِنَ لَهَا فَحَجَّتْ أَجْزَأَهَا ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ

стр. 266

وَعَنْ الَّتِي حَلَّلَهَا مِنْهَا زَوْجُهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا إذْ لَوْ لَزِمَهُ ذَلِكَ لَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا إلَّا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إذَا أَحْرَمَتْ دُونَ الْمِيقَاتِ، أَوْ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَعْطَتْهُ مَهْرَهَا عَلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهَا بِالْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَيْ قَبْلَ وَقْتِ خُرُوجِ الْحُجَّاجِ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ لَلَزِمَهَا ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِيهِ إذْ لَا يَلْزَمُهُ الْإِذْنُ بِالْخُرُوجِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ) فَعَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ إذَا كَانَ الْمُلْتَزِمُ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ يَجِبُ عَلَى الْمُلْتَزَمِ لَهُ ثُمَّ عَلَّقَ الِالْتِزَامَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُرَغِّبَهُ فِي الْإِتْيَانِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ إنْ صَلَّيْت الظُّهْرَ الْيَوْمَ فَلَكَ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: مَنْ وَجَدَ آبِقًا، أَوْ ضَالًّا مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ فَلَا جَعْلَ لَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَرَفَ مَكَانَهُ فَدَلَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ طَلَبَ مَنْ يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي اللُّبَابِ فِي شُرُوطِ الْجَعْلِ الْأَوَّلُ أَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا يَلْزَمُ الْمَجْعُولَ لَهُ عَمَلُهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ الْجَعْلِ عَلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ آبِقًا مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجَعْلِ عَلَيْهِ كَالْجَعْلِ عَلَى الْحَرَامِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ سَلَّمُونِ، وَمَنْ رَدَّ آبِقًا، أَوْ ضَالَّةً مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ فَلَا جَعْلَ لَهُ عَلَى رَدِّهِ وَلَا عَلَى دَلَالَتِهِ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْجَعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ النَّوَادِرِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْجَعْلُ عَلَى طَلَبِ عَبْدٍ يَجْهَلُ مَكَانَهُ، فَأَمَّا مَنْ وَجَدَ آبِقًا أَوْ ضَالًّا، أَوْ ثِيَابًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْجَعْلِ عَلَى رَدِّهِ وَلَا عَلَى أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَكَانِهِ بَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَأَمَّا مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ جَعَلَ رَبُّهُ فِيهِ جَعْلًا فَلَهُ الْجَعْلُ عَلِمَ بِمَا جُعِلَ فِيهِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ تَكَلَّفَ طَلَبَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَوْ لَمْ يَتَكَلَّفْهَا، وَإِنْ وَجَدَ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ رَبُّهُ فِيهِ شَيْئًا فَانْظُرْ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَطْلُبُ الْإِبَاقَ، وَقَدْ عُرِفَ بِذَلِكَ فَلَهُ جَعْلُ مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا نَفَقَتُهُ بَذَلَ رَبُّهُ فِيهِ جَعْلًا، أَوْ لَمْ يَبْذُلْ رَبُّهُ فِيهِ جَعْلًا كَذَا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَكُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا كَانَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ طَلَبُ الْإِبَاقِ فَلَا جَعْلَ لَهُ وَلَا نَفَقَةَ قَوْلًا مُجْمَلًا اهـ. قُلْت: مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّهُ إذَا جَعَلَ رَبُّهُ فِيهِ جَعْلًا فَمَنْ جَاءَ بِهِ اسْتَحَقَّهُ عَلِمَ بِالْجَعْلِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ تَكَلَّفَهُ، أَوْ لَمْ يَتَكَلَّفْهُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ وَغَيْرِهِمَا وَحَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَصَدَّرَ بِهِ صَاحِبُ الشَّامِلِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ سَمِعَهُ فَلَهُ الْجَعْلُ سَوَاءٌ كَانَ شَأْنُهُ أَوْ لَا، وَإِنْ جَاءَ بِهِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَأْنُهُ أَيْ فَيَكُونَ لَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ قَالَ فِي الْبَيَانِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ. وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَظْهَرُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ وَقَوْلُهُ فِي النَّوَادِرِ

стр. 267

وَإِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ رَبُّهُ فِيهِ شَيْئًا إلَخْ هُوَ كَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَلَوْ أَحْضَرَهُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَعَادَتُهُ التَّكَسُّبُ بِذَلِكَ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ بِقَدْرِ تَعَبِهِ، وَإِنْ شَاءَ رَبُّهُ تَرَكَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتَهُ فَلَهُ نَفَقَتُهُ فَقَطْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ يُرِيدُ إذَا كَانَ رَبُّهُ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ اهـ. (مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي مَسَائِلِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَاتِ فِي رَجُلَيْنِ لِأَحَدِهِمَا دَيْنٌ عَلَى الْأُخَر فَتَنَازَعَا فَسَبَّ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ صَاحِبَ الدَّيْنِ فَطَلَبَ حَقَّهُ فِي ذَلِكَ وَأَرَادَ أَخْذَ شَهَادَةِ مَنْ حَضَرَ فَرَغِبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ فِي الْعَفْوِ فَقَالَ لِلرَّاغِبَيْنِ لَهُ فِي الْعَفْوِ اعْقِدُوا لِي عَقْدًا وَتَشْهَدُونَ فِيهِ بِمَا عِنْدَكُمْ وَلَكُمْ عِنْدِي مَا تُرِيدُونَهُ فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَشَهِدُوا لَهُ ثُمَّ اقْتَضَوْهُ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنْ الْعَفْوِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّمَا أَرَدْت بِقَوْلِي لَكُمْ عِنْدِي مَا تُرِيدُونَهُ مِنْ وَجْهِ الصُّلْحِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَبُ لَا فِي إسْقَاطِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي سَبْي فَأَجَابَ ابْنُ رُشْدٍ يَلْزَمُهُ الْعَفْوُ إنْ سَأَلُوهُ إيَّاهُ بَعْدَ أَنْ شَهِدُوا لَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَأَلُوهُ أَوَّلًا فَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ لَكُمْ عِنْدِي مَا تُرِيدُونَهُ إنْ شَهِدْتُمْ لِي فِي ظَاهِرِ أَمْرِهِ فَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ مَا سِوَاهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ اهـ. فَإِنْ قِيلَ هَذَا مِنْ الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُلْتَزَمِ لَهُ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَهُ بِمَا سَمِعُوهُ وَاجِبَةٌ. فَالْجَوَابُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُقَالَ لَعَلَّ الْمُلْتَزِمَ كَانَ يَعْلَمُ بِوُجُوبِ الْفِعْلِ عَلَى الْمُلْتَزَمِ لَهُمْ فَلِذَلِكَ أَلْزَمُهُ ابْنُ رُشْدٍ الِالْتِزَامَ كَمَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَهْرِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَوْ يُقَالُ لَمَّا سَأَلَهُمْ كِتَابَةَ الشَّهَادَةِ، وَأَنْ يَعْقِدُوا لَهُ بِذَلِكَ عَقْدًا لَمْ تَكُنْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ إذَا طَلَبَهَا مِنْهُمْ لَا أَنْ يَكْتُبُوا لَهُ بِهَا عَقْدًا، أَوْ لَعَلَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَى الْجَمَاعَةِ الرَّاغِبِينَ لَهُ فِي الْعَفْوِ لِوُجُودِ غَيْرِهِمْ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ الَّتِي هِيَ الْعَفْوُ لَمَّا كَانَتْ لِغَيْرِ الْمُلْتَزِمِ وَالْمُلْتَزَمِ لَهُ صَارَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى فِعْلِ غَيْرِ الْمُلْتَزِمِ وَالْمُلْتَزَمِ لَهُ وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ اللُّزُومِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الرَّابِعِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ وَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْجَعْلِ عَلَى الْآبِقِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْجَاعِلُ وَالْمَجْعُولُ لَهُ جَاهِلَيْنِ بِمَوْضِعِهِ، فَإِنْ عَلِمَا بِمَوْضِعِهِ لَمْ يَجُزْ الْجَعْلُ، وَإِنْ عَلِمَهُ الْجَاعِلُ وَحْدَهُ كَانَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْجَعْلِ وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَإِنْ عَلِمَهُ الْمَجْعُولُ لَهُ وَحْدَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَاعِلِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُعْطَى قَدْرَ عَنَائِهِ وَقَالَهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَفِي قَوْلِهِ: " إذَا عَلِمَا مَوْضِعَهُ لَمْ يَجُزْ " نَظَرٌ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَوْضِعَ بَعِيدًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْجَعْلَ حِينَئِذٍ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْبَرَاءَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْجَعْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا إذَا جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا وَعَلِمَهُ الْآخَرُ فَمَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ وَذُكِرَ ذَلِكَ فِي رَسْمِ الْعُشُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْجَعْلِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى مَا إذَا عَلِمَا مَوْضِعَهُ.

стр. 268

الثَّانِي) مَنْ قَالَ لِكَافِرٍ إنْ أَسْلَمَتْ فَلَكَ عِنْدِي كَذَا، فَإِنَّهُ لَازِمٌ لَهُ وَيُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْكُوا فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْعَطِيَّةِ فَيَفْتَقِرُ إلَى الْحِيَازَةِ، أَوْ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى حِيَازَةٍ؟ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْكِرَاءِ وَالْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَعْطَى زَوْجَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ دَارِهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا سَاكِنٌ عَلَى أَنْ تُسْلِمَ فَأَسْلَمَتْ فَلَا أَرَاهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَطِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ إسْلَامِهَا وَالْإِشْهَادُ يُجْزِئُهَا عَنْ الْحِيَازَةِ، وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ فِيهَا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَبِهِ أَقُولُ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا أَرَاهَا إلَّا مِنْ الْعَطِيَّةِ وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْحِيَازَةِ وَإِلَّا فَلَا صَدَقَةَ لَهَا. وَفِي الْمَدَنِيَّةِ لِابْنِ أَبِي حَازِمٍ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَاخْتِيَارُ ابْنِ حَبِيبٍ اهـ. وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا الْقَوْلَيْنِ فِي رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ. قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَغَيْرِهَا وَفِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَفْتَقِرُ لِلْحَوْزِ وَبِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ الْحَاجِّ قَالَ فِي نَوَازِلِهِ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِدَارِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ عَلَى أَنْ تُسْلِمَ وَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَ الدَّارَ فَهِيَ جَائِزَةٌ لَهَا وَلِوَرَثَتِهَا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ ثَمَنٌ لِلدَّارِ اهـ. قُلْت: وَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا حَكَمُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِلُزُومِ الِالْتِزَامِ؛ لِأَنَّ الْمُلْتَزِمَ لَمَّا كَانَ يَعْلَمُ بِوُجُوبِ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى الْمُلْتَزَمِ لَهُ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّرْغِيبَ فِي الْإِتْيَانِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ وَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا قَالُوا: لَا يَفْتَقِرُ إلَى حِيَازَةٍ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُمْ لَاحَظُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْكَافِرُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَقَرَّهُ الشَّارِعُ عَلَى دِينِهِ صَارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالْفِعْلِ الْجَائِزِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثُ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ تَرَكْت شُرْبَ الْخَمْرِ، أَوْ الزِّنَا فَأَنْت حُرٌّ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلَّقَ الْعِتْقَ عَلَى وُجُودِ فِعْلٍ لَزِمَهُ الْعِتْقُ إذَا وُجِدَ ذَلِكَ الْفِعْلُ لَكِنْ لَا يُصَدَّقُ الْعَبْدَ فِي قَوْلِهِ تَرَكْت ذَلِكَ حَتَّى يَظْهَرَ صِدْقُهُ قَالَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونَ مِنْ كِتَابِ الْوَلَاءِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ تَرَكْت شُرْبَ الْخَمْرِ فَأَنْتَ حُرٌّ فَقَالَ لَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ قَدْ تَرَكْت شُرْبَ الْخَمْرِ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ حَتَّى يُعْرَفَ لِلْعَبْدِ تَوْبَةٌ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَحَالَةٌ حَسَنَةٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مُدَّعٍ لِمَا يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ فَلَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُعْرَفَ صِدْقُهُ بِظُهُورِ صَلَاحِ حَالِهِ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [النَّوْعُ الثَّالِثُ الِالْتِزَامُ الْمُعَلَّقُ عَلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ عَلَى الْمُلْتَزَمِ لَهُ] (النَّوْعُ الثَّالِثُ) الِالْتِزَامُ الْمُعَلَّقُ عَلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ عَلَى الْمُلْتَزَمِ لَهُ كَقَوْلِهِ إنْ قَتَلْتَ فُلَانًا، أَوْ إنْ شَرِبْت الْخَمْرَ فَلَكَ كَذَا وَكَذَا وَحُكْمُهُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ. وَسَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْعَاشِرَةِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ الْخَاتِمَةِ أَنَّ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ إنْ قَتَلْتنِي فَلَكَ كَذَا، أَوْ إنْ قَتَلْت عَبْدِي فَلَكَ كَذَا أَنَّهُ لَا جَعْلَ لَهُ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْتَلُ بِهِ، أَوْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقِصَاصُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا وَقَعَ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ فِي نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ فَأَرَادَ أَنْ يُسْلِمَ فَقَالَتْ

стр. 269

أَفْتَدِي مِنْك بِمَالِي عَلَى أَنْ لَا تُسْلِمَ حَتَّى أَمْلِكَ أَمْرِي، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَك عَلَيَّ رَجْعَةٌ فَفَعَلَ ثُمًّ أَسْلَمَ قَالَ إنْ افْتَدَتْ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَرَدَّ مَا أَخَذَ مِنْهَا وَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ إنْ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا، وَهُوَ كَافِرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ مِنْ طَلَاقِهِ شَيْءٌ فَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ طَلَاقِهِ. قَالَ: فَلَوْ كَانَتْ افْتَدَتْ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يُسْلِمْ أَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَكَانَ يَكُونُ لَهُ الَّذِي افْتَدَتْ بِهِ مِنْهُ قَالَ لَا أَرَى لَهُ شَيْئًا وَأَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ فَلَمَّا كَانَ طَلَاقُهُ بَاطِلًا غَيْرَ لَازِمٍ كَانَ خُلْعُهُ مَرْدُودًا غَيْرَ ثَابِتٍ اهـ. قُلْت: وَإِنَّمَا قُلْتُ إنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ؛ لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ إنَّمَا عَلَّلَ ذَلِكَ بِبُطْلَانِ الطَّلَاقِ. (تَنْبِيهٌ) لَا يَتَأَتَّى هُنَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي النَّوْعِ الثَّانِي أَخْذًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمُلْتَزِمَ بِكَسْرِ الزَّايِ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُلْتَزَمِ لَهُ ثُمَّ عَلَّقَ الِالْتِزَامَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ التَّرْغِيبَ فِي إتْيَانِهِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ وَمَعْرُوفٌ وَالْمَعْرُوفُ يَلْزَمُ مَنْ الْتَزَمَهُ، وَهَذَا مَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَتَرْغِيبٌ فِي فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مَنْ الْتَزَمَهُ، وَلَوْ قَبَضَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ الشَّيْءَ الْمُلْتَزَمَ بِهِ هَلْ يَرُدُّهُ عَلَى رَبِّهِ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي حُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَمَا تَأْخُذُهُ الزَّانِيَةُ وَالْقَوَّادُ وَالْمُخَنَّثُ وَنَحْوُهُمْ هَلْ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَرُدُّوا مَا أَخَذُوهُ عَلَى مَنْ أَعْطَاهُمْ، أَوْ يَتَصَدَّقُوا بِهِ ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ وَابْنُ نَاجِي وَالشَّيْخُ زَرُّوقٌ وَغَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْت كَلَامَهُمْ فِي شَرْحِ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ. قُلْت: وَالظَّاهِرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ التَّصَدُّقُ بِذَلِكَ وَعَدَمُ رَدِّهِ إلَى مَنْ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ فَلَا يُرَدُّ لَهُ أَدَبًا وَلِذَلِكَ قَالُوا: إنَّهُ لَا يَنْفَعُ التَّحْلِيلُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [النَّوْعُ الرَّابِعُ الِالْتِزَامُ الْمُعَلَّقُ عَلَى فِعْلِ الْجَائِزِ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ] ٍ كَقَوْلِهِ إنْ صَعِدْتَ هَذَا الْجَبَلَ فَلَكَ كَذَا، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ بَابِ الْجَعْلِ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَمَلِ الْمَجْعُولِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، أَوْ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ وَغَيْرُهُمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَظَاهِرُ كَلَامِ عِيَاضٍ فِي التَّنْبِيهَاتِ أَنَّ الْمَشْهُورَ اشْتِرَاطُ الْمَنْفَعَةِ لِلْجَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي تَعْرِيفِ الْجُعْلِ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَجْرًا مَعْلُومًا وَلَا يَنْقُدُهُ إيَّاهُ عَلَى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ لَهُ مَعْلُومٍ، أَوْ مَجْهُولٍ مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْجَاعِلِ عَلَى خِلَافِ فِي هَذَا الْأَصْلِ عَلَى أَنَّهُ إنْ عَمِلَهُ كَانَ لَهُ الْجَعْلُ، وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِمَّا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْجَاعِلِ إلَّا بَعْدَ تَمَامِهِ اهـ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ الْمَنْفَعَةِ اقْتَصَرَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَنْ جَعَلَ لِرَجُلٍ جَعْلًا عَلَى أَنْ يَرْقَى إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْجَبَلِ سَمَّاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا يَجُوزُ الْجَعْلُ إلَّا فِيمَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْجَاعِلُ يُرِيدُ أَنَّهُ مَنْ أَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ اهـ. كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ

стр. 270

(تَنْبِيهٌ) وَقَعَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَكَلَامِ ابْنِ يُونُسَ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِمَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْجَاعِلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُمْ لِلْجَاعِلِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَأَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ الْقَصْدُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ مَنْفَعَةٌ كَانَتْ لِلْجَاعِلِ، أَوْ غَيْرِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ إنْ جِئْتَ بِعَبْدِ فُلَانٍ الْآبِقِ فَلَكَ كَذَا لَكَانَ جَعْلًا صَحِيحًا وَالْتِزَامًا لَازِمًا؟ وَفِي الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ مَنْفَعَةٍ لِلْجَاعِلِ إمَّا عَاجِلًا، أَوْ آجِلًا، أَوْ عَاجِلًا وَآجِلًا وَلِذَلِكَ لَمْ يُمَثِّلُوا لِلْفِعْلِ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْجَاعِلِ إلَّا بِنَحْوِ قَوْلِهِمْ أَصْعَدْ هَذَا الْجَبَلَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [النَّوْعُ الْخَامِسُ الِالْتِزَامُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُلْتَزِمِ] ِ بِكَسْرِ الزَّايِ، وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: (الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ إعْطَاءُ الْمُلْتَزَمِ لَهُ لِلْمُلْتَزِمِ، أَوْ لِغَيْرِهِ شَيْئًا وَتَمْلِيكُهُ إيَّاهُ نَحْوُ إنْ أَعْطَيْتنِي عَبْدَك، أَوْ دَارَك، أَوْ فَرَسَك، فَقَدْ الْتَزَمْتُ لَك بِكَذَا أَوْ فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، أَوْ فَلَكَ عِنْدِي كَذَا الشَّيْءُ الَّذِي يُسَمِّيه، أَوْ فَقَدْ أَسْقَطْتَ عَنْك الدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلَيْك، أَوْ إنْ أَعْطَيْت ذَلِكَ لِفُلَانٍ، أَوْ إنْ أَسْقَطْت الدَّيْنَ الَّذِي لَك عَلَى فُلَانٍ فَلَكَ عَبْدِي الْفُلَانِيُّ، أَوْ دَارِي، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا مِنْ بَابِ هِبَةِ الثَّوَابِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا سَمَّى فِيهَا الثَّوَابَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَلَمْ يَحْكُوا فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَأَنَّهَا حِينَئِذٍ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ فَيُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنْ الْمُلْتَزَمِ بِهِ وَالْمُلْتَزَمِ عَلَيْهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الثَّمَنِ وَالْمَثْمُونِ مِنْ انْتِفَاءِ الْجَهْلِ وَالْغَرَرِ إلَّا مَا يَجُوزُ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ مِمَّا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي التَّنْبِيهِ الرَّابِعِ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَيْضًا كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا آبِقًا وَلَا بَعِيرًا شَارِدًا وَلَا جَنِينًا وَلَا ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ طَعَامَيْنِ كَقَوْلِهِ إنْ أَعْطَيْتنِي أَرْدَبًّا مِنْ الْقَمْحِ فَلَكَ عِنْدِي قِنْطَارٌ مِنْ السَّمْنِ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَالطَّعَامَانِ حَاضِرَانِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا دَيْنَيْنِ كَقَوْلِهِ إنْ الْتَزَمَتْ لِي بِثَوْبٍ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ فِي ذِمَّتِي عَشْرَةُ دَنَانِيرَ، أَوْ إنْ أَسْقَطْت عَنِّي الدَّيْنَ الَّذِي لَك عَلَيَّ فَلَكَ فِي ذِمَّتِي كَذَا وَكَذَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّلَ أَحَدُهُمَا بِأَجْلٍ مَجْهُولٍ وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْمُلْتَزِمِ وَالْمُلْتَزَمِ لَهُ مُمَيِّزًا وَيُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ طَائِعًا رَشِيدًا. (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: إنْ أَعْطَيْتنِي، أَوْ إنْ مَلَكْتنِي، أَوْ إنْ وَهَبْتنِي، أَوْ إنْ تَصَدَّقْتَ عَلَيَّ مِمَّا يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ حَتَّى لَفْظُ الصَّدَقَةِ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا يُقْضَى فِيهَا بِالثَّوَابِ إذَا اُشْتُرِطَ فِيهَا الثَّوَابُ لَزِمَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ

стр. 271

فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ فِي الْمَرْأَةِ تَضَعُ عَنْ زَوْجِهَا مَهْرَهَا عَلَى أَنْ يَهَبَ لَهَا مَنْزِلَهُ، أَوْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهَا أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ. (الثَّانِي) إذَا قَالَ الْمُلْتَزِمُ بِكَسْرِ الزَّايِ إنْ أَعْطَيْتنِي عَبْدَك فُلَانًا فَلَكَ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ قَدْ أَعْطَيْتُك ذَلِكَ أَوْ قَدْ فَعَلْت، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْعَطَاءِ، فَإِنْ أَجَابَهُ الْآخَرُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ ذَلِكَ، فَقَدْ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا الْتَزَمَهُ بِالْقَوْلِ الصَّادِرِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ قَبْضٌ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ وَالثَّوَابُ بَعْدَ تَعْيِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ، وَإِنْ قَالَ الْأَوَّلُ لَا أَرْضَى، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ اخْتِبَارَك هَلْ تَرْضَى أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ بِهِ مَا أَرَادَ إلَّا اخْتِبَارُهُ، وَلَمْ يُرِدْ إيجَابَ الِالْتِزَامِ، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا لَزِمَهُ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ أَوْقَفَ سِلْعَتَهُ لِلسَّوْمِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: بِكَمْ؟ فَقَالَ: بِعَشَرَةٍ، فَقَالَ: قَدْ رَضِيَتْ فَقَالَ لَا أَرْضَى، فَإِنَّهُ حَلَفَ أَنَّهُ سَاوَمَ عَلَى إيجَابِ الْبَيْعِ وَيَبْرَأُ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ. وَكَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِيمَا إذَا قَالَ الْبَائِعُ أَنَا أَبِيعُك هَذِهِ السِّلْعَةَ بِكَذَا فَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرِيهَا بِكَذَا فَقَالَ الْبَائِعُ لَا أَرْضَى، أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي أَنَا أَشْتَرِي مِنْك سِلْعَةَ كَذَا بِكَذَا فَقَالَ الْبَائِعُ قَدْ بِعْتُك فَقَالَ الْمُشْتَرِي لَا أَرْضَى أَنَّهُ يَحْلِفُ وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ، وَإِنْ انْقَضَى الْمَجْلِسُ ثُمَّ جَاءَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ لِلْمُلْتَزِمِ وَقَالَ لَهُ قَدْ رَضِيت فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُلْتَزِمَ مَا الْتَزَمَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَتَى فِي الْتِزَامِهِ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي اللُّزُومَ، وَلَوْ انْقَضَى الْمَجْلِسَ كَقَوْلِهِ مَتَى أَعْطَيْتنِي هَذَا فَلَكَ كَذَا وَكَذَا أَوْ أَيُّ وَقْتٍ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَلَمْ أَقِفْ فِي جَمِيعِ هَذَا عَلَى نَصٍّ فَلْيُتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) إذَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ بِالْقَوْلِ فَلِلْمُلْتَزَمِ لَهُ الِامْتِنَاع مِنْ التَّسْلِيم حَتَّى يُسْلَم لَهُ الْمُلْتَزِم مَا الْتَزَمَهُ كَالْبَيْعِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الِاخْتِلَاف الَّذِي فِي هِبَة الثَّوَاب؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ صَرَّحَ بِالْعِوَضِ صَارَ حُكْمه حُكْم الْبَيْع عَلَى أَنَّ مَذْهَب الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ لِلْوَاهِبِ الْمَنْع مِنْ قَبَضَ الْهِبَة حَتَّى يَقْبِض الثَّوَاب خِلَافًا لِابْنِ الْمَوَّازِ. (الرَّابِعُ) إذَا قَالَ إنْ أَعْطَيْتنِي عَبْدَك أَوْ سِلْعَتَك فَلَكَ عَلَيَّ أَنْ أُرْضِيَكَ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ اشْتِرَاطُ الثَّوَابِ دُونَ تَعْيِينِهِ كَقَوْلِهِ أَهَبُك هَذَا عَلَى أَنْ تُثِيبَنِي، فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا رَضِيَ بِهِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قَالَ لَا أَرْضَى بِهَذَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي أَعْطَاهُ، فَإِنْ كَانَ دُونَ قِيمَةِ سِلْعَتِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ قِيمَةِ سِلْعَتِهِ، أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ: إنَّ فِيهِ إرْضَاءً لَهُ فَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْعِدَّةِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْخَامِسُ) إذَا قَالَ لَهُ إنْ بِعْتنِي سِلْعَتَك بِكَذَا فَلَكَ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا أَوْ، فَقَدْ الْتَزَمْت لَك كَذَا وَكَذَا

стр. 272

فَالشَّيْءُ الْمُلْتَزَمُ بِهِ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الثَّمَنِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْتَ مِنِّي سِلْعَةً بِكَذَا فَلَكَ عِنْدِي كَذَا فَالشَّيْءُ الْمُلْتَزَمُ بِهِ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْمَبِيعِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُهُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ إعْطَاءُ الْمُلْتَزِمِ لِلْمُلْتَزَمِ لَهُ أَوْ غَيْرِهِ مَنْفَعَةَ شَيْءٍ مِنْ دَارٍ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ دَابَّةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ نَحْوُ إنْ أَسْكَنْتَنِي دَارَك سَنَةً، أَوْ سِنِينَ مُسَمَّاةً، أَوْ أَسْكَنْت فُلَانًا فِيهَا سَنَةً، أَوْ سِنِينَ مُسَمَّاةً فَلَكَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ إنْ أَخَدَمْتنِي عَبْدَك، أَوْ إنْ أَعْطَيْتنِي ثَوْبَك أَلْبَسُهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، أَوْ إنْ حَمَلْتنِي عَلَى دَابَّتِك إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَلَكَ كَذَا، فَهَذَا مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُ الْإِجَارَةِ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً وَالْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً وَالشَّيْءُ الْمُلْتَزَمُ بِهِ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً فَلَا يَجُوزُ إنْ أَسْكَنْتنِي دَارَك مُدَّةَ حَيَاتِي، أَوْ حَيَاتِك، أَوْ حَيَاةِ زَيْدٍ، أَوْ إلَى أَنْ يَقْدَمَ فُلَانٌ وَقُدُومُهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَكَ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا، أَوْ إنْ أَسْكَنْتنِي دَارَك فَلَكَ عَبْدِي الْآبِقُ، أَوْ بَعِيرِي الشَّارِدُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: أَسْكَنْتُك دَارِي عَلَى أَنْ أَسْكُنَ دَارَك، لَا أَسْكَنْتُك دَارِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى أَنْ أَسْكُنَ دَارَك بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، أَوْ بِخَمْسَةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ حَتَّى يُبَيِّنَ مُدَّةَ السِّنِينَ. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ عَمَلًا يَعْمَلُهُ الْمُلْتَزَمُ لَهُ لِلْمُلْتَزِمِ، أَوْ لِغَيْرِهِ نَحْوُ إنْ جِئْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ، أَوْ بَعِيرِي الشَّارِدِ، أَوْ إنْ حَفَرْت لِي بِئْرًا فِي أَرْضِي، أَوْ إنْ جِئْت بِعَبْدِ فُلَانٍ، أَوْ بَعِيرِهِ فَلَكَ كَذَا وَكَذَا، فَهَذَا مِنْ بَابِ الْجَعْلِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ لَا يَحْصُلَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُلْتَزِمِ بِكَسْرِ الزَّايِ، أَوْ لِمَنْ اشْتَرَطَ الْعَمَلَ لَهُ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ، وَأَنْ لَا يُضْرَبَ فِي ذَلِكَ أَجَلٌ، وَأَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمُلْتَزَمُ مَعْلُومًا مِمَّا يَجُوزُ كَوْنُهُ جَعْلًا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْجَعْلِ. (الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ لِأَجْلِ مَا الْتَزَمَهُ لَهُ الْمُلْتَزِمُ نَحْوُ قَوْلِ الشَّخْصِ لِلْحَاضِنَةِ إنْ أَسْقَطْتِ حَقَّك مِنْ الْحَضَانَةِ فَلَكَ كَذَا وَكَذَا وَكَمَسْأَلَةِ إعْطَاءِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا شَيْئًا عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَهَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْجَعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلِنَذْكُرَ فُرُوعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ. (فَرْعٌ) قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ زَوْجَتُهُ مَالًا عَلَى أَنْ يُمْسِكَهَا ثُمَّ فَارَقَهَا، فَإِنْ كَانَ فِرَاقُهَا بِقُرْبِ الْعَطِيَّةِ كَانَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ، وَإِنْ كَانَ فِرَاقُهَا بَعْدَ أَنْ طَالَ الْأَمَدُ وَمَا يُرَى أَنَّهَا بَلَغَتْ الْغَرَضَ فِي مُقَامِهَا لَمْ تَرْجِعْ، وَإِنْ طَالَ، وَلَمْ تَبْلُغْ مَا يُرَى أَنَّهَا دَفَعَتْ الْمَالَ لِمِثْلِهِ كَانَ لَهَا مِنْ الْمَالِ بِقَدْرِ ذَلِكَ عَلَى التَّقْرِيبِ فِيمَا يُرَى. وَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَسْقَطَتْ عَنْ زَوْجِهَا صَدَاقَهَا عَلَى أَنْ

стр. 273

لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَطَلَّقَهَا بِحَضْرَةِ ذَلِكَ فَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا يُرَى أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا لِمَكَانِ ذَلِكَ لَمْ تَرْجِعُ عَلَيْهِ. قَالَ أَصْبَغُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ بِحِدْثَانِ الْإِسْقَاطِ لِيَمِينٍ نَزَلَتْ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ، وَلَمْ يَسْتَأْنِفْ الْيَمِينَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْضًا قَالَ اللَّخْمِيُّ وَأَرَى لَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهَا، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ لِيَمِينٍ حَنِثَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا أَسْقَطَتْ صَدَاقَهَا لِمَعْنًى وَلِتَبْقَى زَوْجَةً فِي عِصْمَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ لَهَا لَمْ يَلْزَمْهَا مَا أَعْطَتْهُ، وَلَوْ أَعْطَتْهُ عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا رَجَعَتْ عَلَيْهِ قُرْبَ تَزْوِيجِهِ، أَوْ بَعْدَ اهـ. وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ فِي بَابِ الْخُلْعِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى هِبَةِ الْمَرْأَةِ صَدَاقَهَا لِزَوْجِهَا وَقَبِلَاهُ. فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا أَعْطَتْهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يُمْسِكَهَا، فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ فِي الَّذِي سَأَلَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَضَعَ عَنْهُ صَدَاقَهَا فَقَالَتْ أَخَافُ أَنْ تُطَلِّقَنِي فَقَالَ مَا أَفْعَلُ فَتَضَعُ عَنْهُ صَدَاقَهَا فَقَالَ مَالِكٌ أَرَى لَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا وَضَعَتْ إلَّا أَنْ يَكُونَ طَالَ الزَّمَانُ وَتَبَيَّنَ صِحَّةُ ذَلِكَ ثُمَّ طَلَّقَ فَلَا أَرَى لَهَا شَيْئًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إذَا سَأَلَهَا الزَّوْجُ أَنْ تَضَعَ عَنْهُ صَدَاقَهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَضَعَهُ عَنْهُ وَتَسْكُتَ، أَوْ تَقُولَ إنَّمَا أَضَعُهُ عَنْك عَلَى أَنَّك إنْ طَلَّقْتنِي رَجَعْتُ عَلَيْك، فَإِنَّ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ إنْ طَلَّقَهَا بِقُرْبِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَقُولَ لَهُ إنَّمَا أَضَعُهُ عَلَى أَنَّك لَا تُطَلِّقنِي أَبَدًا، أَوْ عَلَى أَنَّك مَتَى طَلَّقْتنِي رَجَعْت عَلَيْك بِصَدَاقِي فَيَكُونُ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِصَدَاقِهَا مَتَى طَلَّقَهَا كَانَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ، أَوْ بَعْدَ طُولٍ مِنْ الزَّمَانِ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ فِي الَّتِي تَقُولُ لِزَوْجِهَا إنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ عَلَيَّ فَصَدَاقِي عَلَيْك صَدَقَةٌ فَيَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا بِالْقُرْبِ أَنَّ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ بِصَدَاقِهَا بِخِلَافِ الَّذِي يَقُولُ: لِزَوْجَتِهِ أَنْت طَالِقٌ إنْ لَمْ تَضَعِي لِي صَدَاقَك فَتَضَعُهُ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، وَقَدْ مَضَى الْفَرْقُ هُنَاكَ اهـ. وَمَسْأَلَةُ أَصْبَغَ الَّتِي قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّهَا فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ هِيَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَاخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ فِيهَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْبَغَ، وَأَمَّا قَوْلُ أَصْبَغَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ بِيَمِينٍ إلَخْ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَالشَّيْخِ خَلِيلٍ وَابْنِ عَرَفَةَ، وَلَمْ يَزِدْ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا عَلَى أَنْ ذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي مَعَهَا وَهِيَ مَسْأَلَةُ الَّذِي يَقُولُ: لِزَوْجَتِهِ أَنْت طَالِقٌ إنْ لَمْ تَضَعِي لِي صَدَاقَك فَقَالَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تَصَدَّقَتْ عَلَيْهِ بِالصَّدَاقِ عَلَى أَنْ يُمْسِكَهَا وَلَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى فِي اشْتِرَاطِهَا أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَإِذَا لَمْ يُوفِ لَهَا بِذَلِكَ وَطَلَّقَهَا بِالْقُرْبِ وَجَبَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ كَاَلَّذِي سَأَلَ زَوْجَتَهُ أَنْ تَضَعَ عَنْهُ صَدَاقَهَا فَتَضَعُهُ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، فَإِنَّمَا هِيَ يَمِينٌ بِالطَّلَاقِ قَدْ لَزِمَتْهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ إنْ لَمْ تَتْرُكْ لَهُ الصَّدَاقَ فَتَرْكُهَا إنَّمَا هُوَ فِرَارٌ مِنْ تِلْكَ الْيَمِينِ الَّتِي حَلَفَ بِهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا إذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَنْظُرَ لِنَفْسِهَا فَتَقُولَ: لَا أَتْرُكُ لَك الصَّدَاقَ إلَّا عَلَى

стр. 274

أَنْ تُطَلِّقَنِي بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا بَيِّنٌ اهـ. وَأَمَّا إذَا أَعْطَتْهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ لَا يَتَسَرَّى، أَوْ وَضَعَتْ لَهُ شَيْئًا مِنْ صَدَاقِهَا عَلَى ذَلِكَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ تَسَرَّى فَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ، أَوْ بَعْدَ بُعْدٍ وَسَيَأْتِي لَفْظُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْخَاتِمَةِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ اللَّخْمِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ وَابْنِ فَتْحُونٍ كَمَا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهُمَا فِي فَصْلِ الصَّدَاقِ فِي الْكَلَامِ عَلَى هِبَةِ الْمَرْأَةِ صَدَاقَهَا لِزَوْجِهَا وَنَصُّهُ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ فَتْحُونٍ إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ يَتَسَرَّى، أَوْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا تَمَّتْ لَهُ مَا أَقَامَ عَلَى شَرْطِهِ وَلَهُ مُخَالَفَةُ شَرْطِهِ فَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا وَضَعْته اهـ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ فِي الشُّرُوطِ وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ كَمَا فَرَّقُوا فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَكَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُمَا لَمْ يَقِفَا عَلَى نَصٍّ فِي ذَلِكَ وَسَيَأْتِي كَلَامُ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْخَاتِمَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ النِّكَاحِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَنْصُوصَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا بِالْقُرْبِ، أَوْ بَعْدَ الْبُعْدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا. (فَرْعٌ) وَأَمَّا إذَا أَعْطَتْهُ الزَّوْجَةُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ ضَرَّتَهَا فَطَلَّقَهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَنَصَّ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشُّرُوطِ أَنَّهُ يُفَصَّلُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ كَمَا فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا يُخَالِفُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَرْعٌ بَيْعَ الْحَضَانَةِ] (فَرْعٌ) وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ أَعْطَى لِزَوْجَتِهِ شَيْئًا إنْ أَسْقَطَتْ حَضَانَتَهَا، وَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا ابْنُ رُشْدٍ وَقِيلَ لَهُ: إنَّ فُقَهَاءَ تِلْكَ الْجِهَةِ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْحَضَانَةِ قِيَاسًا عَلَى بَيْعِ الشُّفْعَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ قِيَاسًا عَلَى مَنْعِ زَوْجِهَا مِنْ الْحَجِّ فَبَذَلَتْ لَهُ مَالًا عَلَى أَنْ أَبَاحَ لَهَا ذَلِكَ وَكَيْفَ إنْ تَعَلَّقَ بِالْعِوَضِ غَرَرٌ هَلْ يَجُوزُ وَيَجْرِي مَجْرَى الْخُلْعِ؟ فَأَجَابَ: الَّذِي أَرَاهُ عَلَى مِنْهَاجِ قَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْحَضَانَةَ حَقٌّ لِلْأُمِّ فَيَلْزَمُهَا تَرْكُهَا لِلْأَبِ تَرَكَتْهَا عَلَى عِوَضٍ، أَوْ عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ وَلَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِيهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا حَقٌّ لِلْوَلَدِ لَا يَلْزَمُهَا تَرْكُهَا وَتَرْجِعُ فِيهَا تَرَكَتْهَا لَهُ بِعِوَضٍ، أَوْ عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ فِي الْعِوَضِ إنْ كَانَتْ تَرَكْتهَا عَلَى عِوَضٍ، وَمَنْ قَاسَ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَى عِوَضٍ فَمَا أَبْعَدُ الْقِيَاسِ، وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْعِ الزَّوْجِ الْحَجَّ، فَقَدْ أَخْطَأَ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْمَهْرُ بِذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ

стр. 275

يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَذَلِكَ إنْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْإِذْنَ لَهَا فِي ذَلِكَ يَلْزَمُهُ، فَإِنْ عَلِمَتْ ذَلِكَ فَتَجُوزُ عَلَيْهَا الْوَضِيعَةُ وَالرِّوَايَةُ بِذَلِكَ مَنْصُوصَةٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَوْ وَضَعَتْ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهَا بِالْحَجِّ قَبْلَ وَقْتِ الْحَجِّ أَوْ فِي أَنْ تَحُجَّ تَطَوُّعًا سَقَطَ عَنْهُ الْمَهْرُ إذْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي ذَلِكَ فَكَذَلِكَ مَا أَعْطَاهَا عَلَى أَنْ تَرَكَتْ حَضَانَةَ وَلَدِهَا مِنْهُ يَجُوزُ لَهَا إذْ لَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الَّتِي بَذَلَتْ لِزَوْجِهَا مَالًا عَلَى أَنْ يُبِيحَ لَهَا صِيَامَ الْأَيَّامِ الَّتِي نَذَرَتْ إنْ كَانَتْ أَيَّامًا يَسِيرَةً لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ صِيَامِهَا إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا عَلَى أَنْ لَا يَمْنَعَهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَيَّامًا كَثِيرَةً وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ صِيَامِهَا لِمَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا أَعْطَتْهُ عَلَى أَنْ لَا يَمْنَعَهَا عَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْحَجِّ وَيَجُوزُ أَنْ تَتْرُكَ الْحَضَانَةَ عَلَى ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْغَرَرِ إذَا لَيْسَ بِمُبَايَعَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ صُلْحٌ فِي غَيْرِ مَالٍ فَيُشْبِهُ الْخُلْعَ اهـ. قُلْت: وَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرٌ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى أَنْ تُسْقِطَ حَضَانَتَهَا وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ ذَلِكَ إذَا سَقَطَتْ الْحَضَانَةُ بَعْدَ وُجُوبِهَا لَهَا، وَأَمَّا إنْ أَسْقَطَتْ الْحَاضِنَةُ حَقَّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ الْخَاتِمَةِ. (تَنْبِيهٌ) مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ جَوَازِ الْغَرَرِ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا أَشْبَهَهُ وَمِثْلُ مَسْأَلَةِ إذْنِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وَالصَّوْمِ إعْطَاءُ الزَّوْجَةِ شَيْئًا لِزَوْجِهَا عَلَى أَنْ يُمْسِكَهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا النَّوْعِ. (فَرْعٌ) وَعَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا سَقَطَتْ حَضَانَةُ الْحَاضِنَةِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ وَجَبَ لِلْأَبِ أَخْذُ الْوَلَدِ مِنْهَا فَأَرَادَتْ إبْقَاءَهُ عِنْدَهَا عَلَى أَنْ تَلْتَزِمَ نَفَقَتَهُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ عَلَى الْتِزَامِ الْأُمِّ النَّفَقَةَ عَنْ الْمُتَيْطِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَاخِرِ مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ قَالَ الرَّمَّاحُ إذَا الْتَزَمَتْ الْأُمُّ نَفَقَةَ الْبَنَاتِ عَلَى أَنْ لَا يُنْزَعْنَ مِنْهَا، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ إلَيْهَا فِي تَزْوِيجِهِنَّ وَيَكُونُ الْعَاقِدُ غَيْرَهَا فَيَجُوزُ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ. قُلْت فِي الْأَوَّلِ نَظَرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْخُلْعِ بِالْغَرَرِ، وَأَنَّ النَّفَقَةَ تَلْزَمُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، وَعَلَى الْجَوَازِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ فِي شَرْطِهَا، وَإِنْ تَزَوَّجْت وَبُدِّلَتْ الْأَزْوَاجُ مُسَافِرَةً كَانَتْ، أَوْ حَاضِرَةً، وَأَمَّا عَلَى أَنْ تُزَوِّجَهُنَّ بِنَفْسِهَا فَفَاسِدٌ وَبِغَيْرِهَا فَقَالَ يَجُوزُ وَهَلْ

стр. 276

هُوَ مِنْ قَبِيلِ اللُّزُومِ وَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْفُتْيَا أَوْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهَا وَتَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَسْقَطَتْ لِذَلِكَ كَمَا إذَا أَسْقَطَتْ لَهُ مِنْ صَدَاقِهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا أَوْ عَلَى تَبْقِيَتِهَا فِي عِصْمَتِهِ، أَوْ يُعْطِيَهَا عَلَى الْأَثَرَةِ عَلَيْهَا فِيهِ نَظَرٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ ظَاهِرُ الْعَمَلِ فِي هَذَا الزَّمَانِ اهـ. قُلْت: أَمَّا إذَا الْتَزَمَتْ الْأُمُّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ عَلَى أَنْ لَا يَنْزِعَ مِنْهَا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْخُلْعِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ فِي عَقْدِ الْخُلْعِ فَيَجْرِي الْكَلَامُ فِي لُزُومِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ مِنْ جَوَازِ الْخُلْعِ عَلَى الْغَرَرِ عَلَى الْتِزَامِ النَّفَقَةِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، وَعَلَى اللُّزُومِ الْعَمَلُ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَتَقَدَّمَ عَنْ الْمُتَيْطِيَّةِ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ صِحَّةُ الْخُلْعِ عَلَى الْتِزَامِ النَّفَقَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْحَوْلَيْنِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَعْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْخُلْعِ عَلَى الْتِزَامِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ أَكْثَرَ مِنْ حَوْلَيْنِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُخَالِعُ الزَّوْجَةَ عَلَى أَنْ تَسْقُطَ حَضَانَتُهَا وَتُسَلِّمَ الْوَلَدَ لِلْأَبِ، فَإِنْ أَرَادَتْ أَخَذَ فَلَا يَكُونُ لَهَا ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ تَلْتَزِمَ نَفَقَتَهُ وَتَسْقُطَ عَنْ الْأَبِ مُؤْنَتُهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ خُلْعٌ صَحِيحٌ لَازِمٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْخُلْعِ كَمَا إذَا سَقَطَتْ حَضَانَةُ الزَّوْجَةِ بِزَوَاجٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ الْتَزَمَتْ نَفَقَةَ الْأَوْلَادِ عَلَى أَنْ يَكُونُوا عِنْدَهَا، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ إلَى الْبُلُوغِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا إشْكَالَ فِي لُزُومِ ذَلِكَ وَصِحَّتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَعَلَّ كَلَامَ الرَّمَّاحِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا إذَا الْتَزَمَتْ نَفَقَةَ الْبَنَاتِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي تَزْوِيجِهِنَّ إلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّهَا تَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهَا فَلَا إشْكَالَ فِي فَسَادِهِ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَعْنَى النَّظَرِ لَهَا فِي أَمْرِهِنَّ وَتُوَكِّلُ مَنْ يَعْقِدُ عَلَيْهِنَّ فَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَسْأَلَةُ اشْتِرَاطِ الْأَبِ عَلَى الْحَاضِنَةِ إنْ خَرَجَتْ بِالْأَوْلَادِ إلَى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ كَانَتْ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي آخِرِ الْبَابِ الثَّانِي. (فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ بَلَغَنِي أَنَّك تَشْتُمنِي فَقَالَ مَا قُلْت فَقَالَ احْلِفْ وَلَك كَذَا وَكَذَا هِبَةً مِنِّي فَحَلَفَ أَتَرَى أَنَّ لَهُ الْهِبَةَ؟ قَالَ نَعَمْ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ تَرَكَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إجَازَةِ الْجَعْلِ فِيمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْجَاعِلِ وَقَالَ بِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ أَجَازَهُ ابْنُ عُمَرَ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ لِرَجُلٍ جَعْلًا عَلَى أَنْ يَرْقَى الْجَبَلَ فَأَجَازَهُ. قَالَ أَصْبَغُ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِهِ أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ الْجَعْلَ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: احْلِفْ لِي أَنَّك مَا شَتَمْتنِي وَلَك كَذَا وَكَذَا فَحَلَفَ فَأَلْزَمَهُ مَالِكٌ غُرْمَ مَا جَعَلَ لَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِبَيِّنٍ؛ لِأَنَّهُ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَهُوَ تَطْبِيبُ نَفْسِهِ مِنْ جِهَتِهِ وَتَحْسِينُ ظَنِّهِ بِهِ حَتَّى لَا يَعْتَقِدُ شَرًّا وَلَا مَكْرُوهًا فَيَأْثَمُ فِي اعْتِقَادِ

стр. 277

ذَلِكَ فِيهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ وَلِّنِي بَيْعَ دَارِك وَلَك كَذَا وَكَذَا لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الدَّارَ مَنْ أَحَبَّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ فِي الَّذِي يَقُولُ لِلرَّجُلِ: وَلِّنِي نِكَاحَ ابْنَتِك وَلَك كَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الْوَلِيَّةِ أَنْ يَعْزِلَهُ عَمَّا جَعَلَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَدَخَلَهُ الْغَرَرُ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ هُنَاكَ اهـ. (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَعْنِي قَوْلَ الرَّجُلِ احْلِفْ لِي وَلَك كَذَا مُعَارَضَةً لِمَسْأَلَةِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ إنْ حَلَفَ قَالَ سَحْنُونٌ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمُلْتَزِمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَالِبٌ لِيَمِينِ الْحَالِفِ وَمَا الْتَزَمَهُ هِبَةٌ مِنْهُ لَهُ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الْحَلِفِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ كِتَابِ الْإِقْرَارِ، فَإِنَّمَا قَصْدُهُ التَّنْكِيتُ بِالْمُدَّعِي، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ وَلَيْسَ قَصْدُهُ الْهِبَةَ وَالْعَطِيَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ إقْرَارٌ بِشَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ مُعَلَّقٌ عَلَى أَمْرٍ لَا يَدْرِي هَلْ يَقَعُ أَمْ لَا؟ فَهُوَ مِنْ نَوْعِ الِالْتِزَامِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْفِعْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ قَالَ لِخَصْمِهِ إنْ لَمْ أُوفِك غَدًا فَاَلَّذِي تَدْعِيهِ حَقٌّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ، وَأَنَّهُ مُخَاطَرَةٌ وَغَرَرٌ. وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ الْإِقْرَارِ يَقُولُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَحْوُهُ مِنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ سَحْنُونَ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِينَارٍ إذَا شَاءَ فُلَانٌ، فَهَذَا بَاطِلٌ شَاءَ فُلَانٌ، أَوْ لَمْ يَشَأْ؛ لِأَنَّهُ خَطَرٌ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِينَارٍ إنْ تَكَلَّمَ، أَوْ دَخَلَ الدَّارَ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ سَحْنُونَ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ إنْ أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ، أَوْ إنْ هَبَّتْ الرِّيحُ، أَوْ دَخَلَ فُلَانٌ فِي دَارِنَا فَهُوَ بَاطِلٌ فِي إجْمَاعِنَا، وَلَوْ قَالَ إنْ حَمَلَ مَتَاعِي هَذَا إلَى الْبَصْرَةِ فَفَعَلَ، فَهَذِهِ إجَارَةٌ. وَلِنَذْكُرَ مَسْأَلَةَ كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْكَلَامِ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ. قَالَ فِي تَرْجَمَةِ الْإِقْرَارِ بِشَرْطِ الْيَمِينِ مِنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ النَّوَادِرِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونَ: وَمَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إنْ حَلَفَ، أَوْ إذَا حَلَفَ أَوْ مَتَى حَلَفَ، أَوْ حِينَ حَلَفَ، أَوْ مَعَ يَمِينِهِ، أَوْ مِنْ يَمِينِهِ، أَوْ بَعْدَ يَمِينِهِ فَحَلَفَ فُلَانٌ عَلَى ذَلِكَ وَنَكَلَ الْمُقِرُّ وَقَالَ مَا ظَنَنْت أَنَّهُ يَحْلِفُ فَلَا يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ الْمُقِرِّ فِي إجْمَاعِنَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةٌ إنْ حَلَفَ فِيهَا، أَوْ ادَّعَاهَا، أَوْ مَتَى حَلَفَ بِالْعِتْقِ، أَوْ الطَّلَاقِ، أَوْ الصَّدَقَةِ، أَوْ قَالَ إنْ حَلَفَ مُطْلَقًا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُقِرِّ بِهَذَا، وَإِنْ حَلَفَ الطَّالِبُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ إنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، أَوْ إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَهُ، أَوْ إنْ أَعَارَنِي دَابَّتَهُ، أَوْ رِدَاءَهُ فَأَعَارَهُ ذَلِكَ أَوْ قَالَ إنْ شَهِدَ بِهَا عَلَى فُلَانٍ فَشَهِدَ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُقِرِّ فِي هَذَا كُلِّهِ. وَأَمَّا إنْ قَالَ بِهَا فُلَانٌ لِرَجُلٍ سَمَّاهُ فَتَحَاكَمَا إلَيْهِ فَحَكَمَ بِهَا عَلَيْهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ قَالَ ابْنُ سَحْنُونَ وَلَكِنْ لَوْ ادَّعَى ذَلِكَ عَلَيْهِ فَجَحَدَ فَقَالَ لَهُ احْلِفْ، وَأَنْت بَرِيءٌ، أَوْ قَالَ إذَا حَلَفْت، أَوْ مَتَى حَلَفْت، أَوْ كُلَّمَا حَلَفْت، أَوْ أَنْت بَرِيءٌ مَعَ يَمِينِك فَحَلَفَ، فَهَذَا يَلْزَمُهُ وَيَبْرَأُ بِهِ الْمَطْلُوبُ وَلَوْ رَجَعَ لِلطَّالِبِ وَقَالَ لَا يَحْلِفُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ

стр. 278

إنْ قَالَ الْمَطْلُوبُ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ، وَأَنَا أَغْرَمُ ذَلِكَ فَحَلَفَ فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَلَوْ رَجَعَ فَقَالَ لَا يَحْلِفُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ وَيَثْبُتَ لَهُ حَقُّهُ اهـ. فَظَاهِرُ كَلَامِهِ الثَّانِي أَنَّهُ مُعَارِضٌ لِلْأَوَّلِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيمَا إذَا قَالَ ذَلِكَ الْمُقِرُّ ابْتِدَاءً، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْ فُلَانٍ دَعْوَى، وَأَمَّا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفًا فَقَالَ لَهُ احْلِفْ وَخُذْهَا، فَهَذَا يَلْزَمُهُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ سَحْنُونَ الْمُتَقَدِّمِ، وَعَلَى هَذَا الْفَرْقِ اعْتَمَدَ فِي مُخْتَصَرِهِ فَقَالَ فِيمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِقْرَارِ، أَوْ إنْ حَلَفَ فِي غَيْرِ الدَّعْوَى، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُنَاقَضَةَ الَّتِي فِي كَلَامِ سَحْنُونَ وَأَجَابَ عَنْهَا وَنَصُّهُ قَوْلُ سَحْنُونَ بِعَدَمِ اللُّزُومِ فِي قَوْلِهِ إنْ حَلَفَ فَحَلَفَ بِقَوْلِهِ: احْلِفْ، وَأَنَا أَغْرَمُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَمِثْلُهُ قَوْلُ حَمَّالَتِهَا احْلِفْ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي تَدْعِيهِ قِبَلَ أَخِي حَقٌّ، وَأَنَا ضَامِنٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ إنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ شَرْطَ لُزُومِ الشَّيْءِ إمْكَانُهُ، وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي قَوْلِهِ إنْ حَلَفْت وَأَخَوَاتِهِ لِمَا عُلِمَ أَنَّ مَلْزُومِيَّةِ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ لَا تَدُلُّ عَلَى إمْكَانِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِقْرَارُ لِعَدَمِ إتْيَانِهِ فِي لَفْظِهِ بِشَرْطِهِ، وَهُوَ الْإِمْكَانُ وَلَزِمَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ احْلِفْ لِإِتْيَانِهِ بِمَا دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ شَرْطِ اللُّزُومِ، وَهُوَ الْإِمْكَانُ لِدَلَالَةِ صِيغَةِ افْعَلْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَطْلُوبٍ عَادَةً مُمْكِنٌ اهـ. فَتَأَمَّلْهُ. وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ كَلَامَيْ سَحْنُونَ أَظْهَرُ وَالثَّانِي مَفْهُومُ قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي غَيْرِ الدَّعْوَى أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ بَعْدَ الدَّعْوَى احْلِفْ، وَأَنَا أَغْرَمُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَمْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الَّذِي يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ حَقًّا فَيَقُولُ لَهُ احْلِفْ عَلَى أَنَّ مَا ادَّعَيْت عَلَيْك لَيْسَ حَقًّا وَابْرَأْ فَيَقُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَلْ احْلِفْ أَنْتَ وَخُذْ، فَإِذَا هَمَّ الْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ رَجَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَالَ لَا أَرْضَى يَمِينَك وَمَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّك تَجْتَرِئُ عَلَى الْيَمِينِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَهَلْ ذَلِكَ عِنْدَ السُّلْطَانِ، أَوْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ وَلَكِنْ يُحَلِّفُ الْمُدَّعِيَ وَيَحِقُّ حَقَّهُ عَلَى مَا أَحَبَّ الْآخَرُ، أَوْ كَرِهَ، فَقَدْ رَدَّ الْيَمِينَ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ السُّلْطَانِ، أَوْ غَيْرِهِ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَوْ أَقَرَّ بِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُتَكَرِّرَةٌ فِي هَذَا السَّمَاعِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ وَلَا اخْتِلَافَ أَعْلَمُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْيَمِينِ بَعْدَ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهَا بَعْدَ أَنْ يَكِلَّ عَنْهَا مَا لَمْ يَرُدَّهَا عَلَى الْمُدَّعِي فَقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَرِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْقَوْلَانِ مُحْتَمَلَانِ اهـ. وَقَوْلُهُ إنَّهَا مُتَكَرِّرَةٌ فِي هَذَا السَّمَاعِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى يَقْتَضِي أَنَّهَا فِي سَمَاعِ عِيسَى، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا فِيهِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ

стр. 279

وَتَكَلَّمَ ابْنُ رُشْدٍ عَلَيْهَا بِنَحْوِ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ حَرْفًا بِحَرْفٍ وَقَالَ إنَّهَا ذُكِرَتْ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مِنْهَا إنْ نَكَلَ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ فِي الَّذِينَ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ الْأَيْمَانُ فِي الْقَسَامَةِ فَيَنْكُلُونَ ثُمَّ يَقُولُونَ بَعْدُ نَحْنُ نَحْلِفُ قَالَ كُلُّ مَنْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ فَأَبَاهَا، فَقَدْ أَبْطَلَ حَقَّهُ بِتَرْكِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي تَرْكِهَا عُذْرٌ بَيِّنٌ قَالَ سَحْنُونٌ يُرِيدُ بِالْعُذْرِ مِثْلُ أَنْ يَزْعُمُوا أَنَّ الْمَيِّتَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ يَكُونَ أَوْصَى بِوَصَايَا وَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَرْعٌ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي يَمِينَهُ] (فَرْعٌ) مِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْبَابِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ تَبْصِرَتِهِ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَمِنْ الْحَزْمِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي يَمِينَهُ أَنْ يَلْتَزِمَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ بَيِّنَتَهُ مَا عَلِمَ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَعْلَمْ، فَإِذَا عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَمِينِهِ بِالْبَيِّنَةِ اهـ. وَكَذَا الِالْتِزَامُ مِنْ الْمُدَّعِي مُعَلَّقٌ عَلَى حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعِي الْتِزَامَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ. (فَرْعٌ) وَمِنْهُ أَيْضًا مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِحُقُوقٍ عَدَّدَهَا وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَى بَعْضِهَا وَلَهُ عَلَى بَعْضِهَا بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ وَطَلَب حَلِفَهُ عَلَى مَا لَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَبَقَاءَهُ عَلَى مَا لَهُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ عَلَى مَا لَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ أَنَّهُ إنْ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فِيمَا زَعَمَ أَنَّ لَهُ فِيهِ بَيِّنَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ عَلَيْهِ يَمِينٌ، فَإِنْ الْتَزَمَ ذَلِكَ حَلَّفَهُ الْآنَ عَلَى مَا زَعَمَ أَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيِّنَةً وَإِلَّا فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَعْجِلْ بِيَمِينِهِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ أَقَامَهَا وَإِلَّا جَمَعَ دَعَاوِيَهُ وَحَلَفَ لَهُ عَلَى الْجَمِيعِ. نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ فَتُّوحٍ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ حَلَّفَ خَصْمَهُ ثُمَّ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي فَصْلِ: " مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالْيَمِينِ ". (فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ وَسَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: وَلِّنِي إنْكَاحَ ابْنَتِك وَلَك كَذَا وَكَذَا، أَوْ يَجْعَلُ ذَلِكَ إلَيْهِ وَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَمَّا جَعَلَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي جَعَلَ ذَلِكَ بِجَعْلٍ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَلَا يَصْلُحُ وَيَرُدُّ الْجَعْلَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَهُ عَزْلُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا إنْ شَاءَ، فَإِنْ وَقَعَ النِّكَاحُ رَدَّ الْجَعْلَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَالِكَةً أَمْرَ نَفْسِهَا وَرَضِيَتْ بِالزَّوْجِ قَبْلَ الْعَقْدِ، أَوْ كَانَتْ بِكْرًا فِي وِلَايَةِ أَبِيهَا ثَبَتَ النِّكَاحُ، وَإِنْ كَانَتْ مَالِكَةً، وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا الزَّوْجُ، وَلَمْ تَعْرِفْهُ فُسِخَ النِّكَاحُ إنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا رَأَيْتُ أَنْ يَثْبُتَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رِضًا مِنْهَا. وَقَالَ سَحْنُونٌ إذَا فَوَّضَتْ إلَيْهِ نِكَاحُهَا لِيُزَوِّجَهَا مِمَّنْ يَشَاءُ فَزَوَّجَهَا كُفُؤًا فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ سَمَّى لَهَا أَمْ لَا بِكْرًا كَانَتْ أَمْ ثَيِّبًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ إنَّمَا لَمْ يَجُزْ الْجَعْلُ فِي هَذَا وَقَالَ إنَّهُ لَا يَحِلُّ وَلَا يَصْلُحُ

стр. 280

مِنْ أَجْلِ أَنَّ لِلْجَاعِلِ أَنْ يَعْزِلَهُ عَمَّا جَعَلَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَمَّا جَعَلَ إلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْجَعْلِ الَّذِي جَعَلَهُ لَهُ فِيهِ لَجَازَ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ سَحْنُونَ فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا الزَّوْجَ إذَا رَضِيَتْ بِالْأَمْرِ، وَعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْبِكْرِ ذَاتِ الْأَبِ وَالثَّيِّبِ إذَا كَانَ سَمَّى لَهَا الزَّوْجَ وَعَرَفَتْهُ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ الَّذِي أَعْطَى عَلَيْهِ الْمَالَ مِنْ تَزْوِيجِ وَلِيَّةِ الرَّجُلِ لِمَنْ يُحِبُّ تَمَّ لَهُ فَيَرْتَفِعُ الْغَرَرُ وَالْخَطَرُ. وَقَدْ أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: وَلِّنِي بَيْعَ دَارِك بِكَذَا وَكَذَا وَلَك كَذَا وَكَذَا وَالْوَجْهُ فِي إجَازَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ لِلْمَجْعُولِ لَهُ رُجُوعًا فِيمَا جَعَلَ إلَيْهِ بِمَا أَعْطَاهُ إذْ لَمْ يَتَعَلَّقْ فِي ذَلِكَ حَقٌّ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ الَّذِي تَعَلَّقَ فِيهِ حَقٌّ لِلْوَلِيَّةِ الْمُزَوَّجَةِ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يَذْكُرُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَرْقًا يَزْهُو بِاسْتِنْبَاطِهِ إيَّاهُ وَاهْتِدَائِهِ إلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ فِي النِّكَاحِ جُعْلٌ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْجَاعِلِ وَفِي الْبَيْعِ جُعْلٌ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ إذْ قَدْ يَشْتَرِطُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ أَكْثَرَ مِنْ الْجُعْلِ فَيَكُونُ قَدْ انْتَفَعَ بِالزِّيَادَةِ الَّتِي صَارَتْ إلَيْهِ، وَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَى الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكَانَ لِلزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا اشْتَرَطَهُ الْوَلِيُّ مِنْ حِنَّاءٍ، أَوْ كَرَامَةٍ فَهُوَ لِلزَّوْجَةِ فَصَارَ قَدْ أَعْطَى الْجُعْلَ عَلَى مَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ قَائِلِهِ إذْ لَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّ مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً فَبَاعَهَا وَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي شَيْئًا يَأْخُذُهُ مِنْهُ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ لِرَبِّ السِّلْعَةِ كَمَا شَرَطَ الْوَلِيُّ عَلَى الزَّوْجِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ لَا سِوَاهُ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى النِّكَاحِ إذْ لَمْ تَعْلَمْ الْمَرْأَةُ بِالزَّوْجِ إلَّا بَعْدَ الْعَقْدِ وَكَانَتْ مَالِكَةً أَمْرَ نَفْسِهَا وَذُكِرَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَلْزَمُهَا إذَا لَمْ تَرْضَ بِهِ وَاخْتُلِفَ إذَا رَضِيَتْ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْقُرْبِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبُعْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ وَلِّنِي بَيْعَ دَارِك وَلَك عِنْدِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ قَالَ إذَا فَعَلَ وَسَمَّى لِلدَّارِ ثَمَنًا فَالْعَشَرَةُ لَازِمَةٌ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ وَسَمَّى لِلدَّارِ ثَمَنًا يَزِيدُ أَوْ فَوَّضَ إلَيْهِ الِاجْتِهَادَ فِي بَيْعِهَا بِمَا يَرَاهُ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ لَهُ الْعَشَرَةَ عَلَى أَنْ يُتِمَّ لَهُ مَا أَرَادَ مِنْ بَيْعِهَا لِمَا يَرَاهُ مِنْ الْغَرَضِ فِي ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ لَمْ يُسَمِّ لَهُ ثَمَنًا وَلَا فَوَّضَ إلَيْهِ الِاجْتِهَادَ فِيمَا يَبِيعُهَا بِهِ لَمَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ إذْ لَعَلَّهُ لَا يَرْضَى أَبَدًا بِبَيْعِهَا بِمَا يُعْطِي فِيهَا فَتَذْهَبُ الْعَشَرَةُ الَّتِي أَعْطَى بَاطِلًا، أَوْ يَرُدُّ فَيَكُونُ سَلَفًا جَرَّ مَنْفَعَةً، وَإِذَا وَلَّى لَهُ بَيْعَ الدَّارِ عَلَى مَا بَذَلَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَ إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ حَقٌّ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِلْوَلِيَّةِ الْمُزَوَّجَةِ عَلَى مَا مَضَى فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْبُرْزُلِيِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ

стр. 281

مَالِكٌ مَنْ قَالَ: دُلَّ عَلَى مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي جَارِيَتِي وَلَك كَذَا وَكَذَا فَدَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَازِمٌ، وَمَنْ قَالَ دُلَّ عَلَى مَنْ أُؤَاجِرُهُ نَفْسِي وَلَك كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ لَهُ، وَمَنْ قَالَ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا وَلَك كَذَا وَكَذَا فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالَ سَحْنُونٌ كُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي وَاحِدٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَأَرَى أَنْ يَلْزَمَهُ فِي النِّكَاحِ مِثْلُ مَا يَلْزَمُهُ فِي الْبَيْعِ قَالَ أَصْبَغُ فِي كِتَابِ وَالصَّرْفُ مِنْ سَمَاعِهِ مِثْلُ قَوْلِ سَحْنُونَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ إنَّمَا فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ وَلَا مَنْ يَبِيعُ مِنْهُ وَلَا مَنْ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى امْرَأَةٍ تَصْلُحُ لَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا أَيْ أَشِرْ عَلَيَّ بِامْرَأَةٍ تَعْلَمُ أَنَّهَا تَصْلُحُ لِي، وَهَذَا لَوْ سَأَلَهُ إيَّاهُ دُونَ جُعْلٍ لَلَزِمَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» الْحَدِيثَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا، فَإِنَّنِي مُحْتَاجٌ إلَى النِّكَاحِ فَقَالَ لَهُ أَنَا أَعْلَمُهَا وَلَكِنْ لَا أُعْلِمُك بِهَا وَأَدُلُّك عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا وَكَذَا لَمَا حَلَّ ذَلِكَ لَهُ، وَلَوْ قَالَ وَلَك كَذَا وَكَذَا فَدَلَّ عَلَيْهِ لَكَانَ لَهُ الْجُعْلُ فَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْجُعْلَ لَا يَجُوزُ فِيمَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْعَلَهُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا، أَوْ اسْعَ لِي فِي نِكَاحِهَا عَلَى مَا يَأْتِي فِي رَسْمِ الْبَرَاءَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، وَإِنَّمَا قَالَ سَحْنُونٌ وَأَصْبَغُ إنَّ الْجُعْلَ يَلْزَمُ فِي قَوْلِهِ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا؛ لِأَنَّهُمَا فَهِمَا مِنْ قَوْلِهِ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ ابْحَثْ لِي عَلَى امْرَأَةٍ تَصْلُحُ لِي وَدُلَّنِي عَلَيْهَا وَلَك كَذَا وَكَذَا فَأَوْجَبْنَا لَهُ الْجُعْلُ إذْ لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَنْ يَبْحَثَ لِلرَّجُلِ عَلَى مَنْ تَصْلُحُ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ فَيَدُلَّهُ عَلَيْهَا وَيَلْزَمُهُ إذَا اسْتَرْشَدَهُ فِي أَمْرٍ عَلِمَهُ أَنْ يَدُلَّهُ وَيَنْصَحَ لَهُ وَلَا يَكْتُمَهُ. وَلَوْ قَالَ دُلَّنِي عَلَى مَنْ أَبِيعُ مِنْهُ سِلْعَتِي وَأُؤَاجِرُهُ نَفْسِي وَلَك كَذَا وَكَذَا لَكَانَ لَهُ الْجُعْلُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَفِي هَذَا يَفْتَرِقُ الْبَيْعُ مِنْ النِّكَاحِ إذْ لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَنْ يَدُلَّ الرَّجُلَ عَلَى مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ سِلْعَةً إذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِمَنْ يَصْلُحُ لَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَالْفَرْقُ فِي هَذَا بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ أَنَّ الْبَيْعَ مُبَاحٌ وَالنِّكَاحَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا. وَلَوْ اُضْطُرَّ الرَّجُلُ الْغَرِيبُ فِي مَوْضِعٍ لَا سُوقَ فِيهِ إلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَقَالَ لِرَجُلٍ دُلَّنِي عَلَى مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي سِلْعَتِي، وَهُوَ يَعْلَمُ مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ لَمَا حَلَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: لَا أَدُلُّك إلَّا أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا وَكَذَا لِوُجُوبِ ذَلِكَ، فَهَذَا وَجْهُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَعَلَى هَذَا تَتَّفِقُ الرِّوَايَاتُ وَلَا يَكُونُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ فَرْقٌ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ حَبِيبٍ قَدْ حَكَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجُعْلَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى النِّكَاحِ لَا يَلْزَمُ وَحَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إجَازَتَهُ، وَأَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ الْمَاجِشُونِ إجَازَتَهُ عَنْ مَالِكٍ، فَهَذَا تَأْوِيلٌ مِنْهُ فِي أَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مِنْ الْقَوْلِ وَتَأْوِيلُنَا أَظْهَرُ اهـ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْبَرَاءَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ قَالَ عِيسَى قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ

стр. 282

فَإِنْ قَالَ اسْعَ لِي فِي نِكَاحِ بِنْتِ فُلَانٍ، أَوْ شَخِّصْ لِي فِي ذَلِكَ وَلَك كَذَا وَكَذَا قَالَ إذَا سَعَى فِي ذَلِكَ وَكَانَ حَيْثُ هُوَ فِي حَاضِرَتِهِ، وَلَمْ يُشَخِّصْ فِيهَا إلَى بَلَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ يَلْزَمُهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَ إنَّ الْجُعْلَ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ لَا يَلْزَمُ الْمَجْعُولَ لَهُ فِعْلُهُ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى فِي رَسْمِ الْبُرْزُلِيِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَضَى فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ الْقَوْلُ عَلَى قَوْلِهِ وَلِّنِي النِّكَاحَ وَلَّيْتُك النِّكَاحَ وَلَك كَذَا وَكَذَا، أَوْ وَلِّنِي بَيْعَ دَارِك وَلَك كَذَا وَكَذَا وَبَيَّنْت الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا شَرْطُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حَاضِرَتِهِ وَلَا يَشْخَصُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَلَا وَجْهَ لَهُ إذْ لَا مَنْفَعَةَ لِلْجَاعِلِ فِي شُخُوصِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ إنْ لَمْ يَتِمَّ لَهُ النِّكَاحُ، وَهُوَ يَشْخَصُ فِي ذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَصِحَّ لَهُ الْجُعْلُ بِتَمَامِهِ كَمَا يَشْخَصُ لِطَلَبِ الْإِبَاقِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ رَجَاءَ أَنْ يَجِدَهُ فَيَجِبُ لَهُ الْجُعْلُ الَّذِي جَعَلَ لَهُ فِيهِ وَذَلِكَ بِخِلَافِ الرَّجُلِ يُجَاعِلُ الرَّجُلَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ ثَوْبَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى بَيْعِهِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ انْتَفَعَ الْجَاعِلُ بِحَمْلِ سِلْعَتِهِ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَهَذِهِ هِيَ الْعِلَّةُ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ حَسْبَمَا مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ هَذِهِ فَوَجَبَ أَنْ تَجُوزَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قُلْت: هَذَا كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الْمَوْعُودُ بِهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْجُعْلِ مَعَ عِلْمِ الْجَاعِلِ وَالْمَجْعُولِ لَهُ بِمَوْضِعِ الْآبِقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ فِي رَجُلٍ أَرَادَ السَّفَرَ مَعَ أُمِّهِ فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ اُتْرُكْ السَّفَرَ مَعَ أُمِّك وَأُزَوِّجُك ابْنَتِي وَأُعْطِيك عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ فَتَرَكَ الْمَسِيرَ مَعَ أُمِّهِ ثُمَّ قَامَ عَلَى عَمِّهِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ يَطْلُبُهُ الْعِدَةَ. فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَى عَمِّهِ بِدَفْعِ الْعَشَرَةِ مَثَاقِيلَ إلَيْهِ وَيُنْكِحُهُ ابْنَتَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَقَدَ نِكَاحَهَا مَعَ أَحَدٍ فَلَا يَحِلُّ النِّكَاحُ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا عِدَةٌ قَارَنَهَا سَبَبٌ، وَهُوَ تَرَكَ الْمَسِيرَ مَعَ أُمِّهِ وَبِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا اهـ. وَفُهِمَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وِلَايَةُ الْجَبْرِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَعْقِدَ نِكَاحَهَا لِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْسَخُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ مَسَائِلِ بُيُوعٍ وَكِرَاءٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الرَّدِّ بِالْعُيُوبِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ جَوَازِ سُؤَالِ الْوَاحِدِ أَنْ يَكْفِ عَنْ الزِّيَادَةِ فِي الْمَبِيعِ وَعَدَمِ سُؤَالِ الْجَمِيعِ، فَلَوْ قَالَ لِوَاحِدٍ كُفَّ عَنِّي وَلَك دِينَارٌ جَازَ ذَلِكَ وَلَزِمَهُ اشْتَرَى أَوْ لَمْ يَشْتَرِ، وَلَوْ قَالَ كُفَّ عَنِّي وَلَك نِصْفُهَا عَلَى سَبِيلِ الشَّرِكَةِ لَجَازَ أَيْضًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ إذَا أَعْطَاهُ النِّصْفَ عَلَى سَبِيلِ الْعَطِيَّةِ فَكَأَنَّهُ أَعْطَاهُ عَلَى أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَيْهِ وَيَكُفُّ عَنْهُ مَا لَا يَمْلِكُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَهُوَ

стр. 283

صَحِيحٌ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى النَّجْشِ وَقَالَ فِي إجَازَتِهِ فِي مَسْأَلَةِ الدِّينَارِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَهُ لَيْسَ عَلَى الْكَفِّ لِذَاتِهِ بَلْ لِرَجَاءِ حُصُولِ السِّلْعَةِ وَهِيَ قَدْ لَا تَحْصُلُ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمَازِرِيِّ إنَّمَا يَجُوزُ فِي سُؤَالِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ التَّرْكُ تَفَضُّلًا، وَلَوْ كَانَ عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ دُلْسَةٌ مَنَعَهُ بِالدِّينَارِ خِلَافَ نَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ اهـ. قُلْت: وَالرِّوَايَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا ابْنُ رُشْدٍ هِيَ مَا ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةٍ عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ قَالَ وَمِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: الْمُبْتَاعُ لِرَجُلٍ حَاضِرٍ كُفَّ عَنِّي لَا تَزِدْ عَلَيَّ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ بِالْأَمْرِ الْعَامِّ وَكُرِهَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: كُفَّ عَنِّي وَلَك نِصْفُهَا وَتَدْخُلُهَا الدُّلْسَةُ اهـ. [الْخُلْعَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ] (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَا يُشْتَرَطُ ظُهُورُ الْمَنْفَعَةِ بَلْ يَكْفِي مَظِنَّتَهَا؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا يَتَوَقَّعُ فِيهِ مَصْلَحَةً وَلِذَلِكَ أَجَازُوا الْخُلْعَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَجَعَلُوهُ لَازِمًا بَلْ قَالُوا: إنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حِيَازَةٍ وَلَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْفَلْسِ، فَإِذَا قَالَ شَخْصٌ لِرَجُلٍ طَلِّقْ زَوْجَتَك وَلَك عِنْدِي كَذَا وَكَذَا، أَوْ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا وَطَلَّقَهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ. قَالَ فِي رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ وَسَأَلَ عَنْ الرَّجُلِ الْحُرِّ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ أَنِفَ فَقَالَ لَهُ طَلِّقْهَا، وَأَنَا أَكْتُبُ لَك كِتَابًا بِمِائَةِ دِينَارٍ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ إذَا بَدَا لَك أَنْ تَتَزَوَّجَ فَطَلَّقَهَا وَكَتَبَ عَلَيْهِ كِتَابًا وَأَقَامَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ لَا يَتَزَوَّجُ ثُمَّ إنَّ الْجَارِيَةَ أُعْتِقَتْ وَتَزَوَّجَتْ رَجُلًا فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَارْتَجَعَهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ مَاتَ الَّذِي ضَمِنَ الْمَالَ أَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ قَدْ تَقَادَمَ ذَلِكَ فَلَا أَرَى لَهُ حَقًّا فِي مَالِهِ وَلَا أَرَى لَك أَنْ تَدْخُلَ فِي مِثْلِ هَذَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ فِي قَوْلِهِ: " قَدْ تَقَادَمَ هَذَا فَلَا أَرَى لَهُ حَقًّا " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَقَادَمْ لَوَجَبَ لَهُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ لَهُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ إذَا تَزَوَّجَ بِالْقُرْبِ، وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ هِبَةً تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ عَلَى شَرْطِ الطَّلَاقِ فَصَارَ ثَمَنًا لِلطَّلَاقِ وَيَجِبُ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُحَاصِصْ الْغُرَمَاءُ بِهِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ وَفِي الْعَشَرَةِ لِلَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِي مَالِهِ بَعْدَ الْوَفَاةِ فَرَآهُ كَالْعَطِيَّةِ عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ، وَعَلَى هَذَا اخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يُعْطِي امْرَأَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ دَارِهِ عَلَى أَنْ تُسْلِمَ هَلْ هِيَ ثَمَنٌ لِإِسْلَامِهَا فَلَا تَحْتَاجُ فِيهَا إلَى حِيَازَةٍ، أَوْ عَطِيَّةٌ تَفْتَقِرُ إلَى حِيَازَةٍ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى الْمَسْأَلَةُ الْوَاقِعَةُ فِي رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ. قَوْلُهُ احْلِفْ لِي أَنَّك لَمْ تَشْتُمنِي وَلَك كَذَا وَكَذَا فَيَدْخُلُهُ الْقَوْلَانِ قَالَ فَكَانَ الْأَظْهَرُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ أَنْ تَجِبَ لَهُ الْمِائَةُ تَقَادَمَ الْأَمْرُ أَمْ لَمْ يَتَقَادَمْ لِقَوْلِهِ فِيهَا إذَا بَدَا لَك؛ لِأَنَّ إذَا ظَرْفٌ لِمَا يَأْتِي مِنْ الزَّمَانِ، وَلَوْ عَلَّقَ الْعَطِيَّةَ بِالتَّزْوِيجِ دُونَ الطَّلَاقِ فَقَالَ إنْ تَزَوَّجَتْ فَلَكَ دَارِي الْفُلَانِيَّةُ، أَوْ فَلَكَ قِبَلِي كَذَا وَكَذَا لَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا لَازِمًا لَهُ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى حِيَازَةٍ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِالْقُرْبِ عَلَى هَذِهِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ إنْ تَزَوَّجْت فَأَنَا أُعْطِيَك

стр. 284

كَذَا وَكَذَا كَانَتْ عِدَةً عَلَى سَبَبٍ تَجْرِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ اهـ. وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ عَلَّقَ الْعَطِيَّةَ بِالتَّزْوِيجِ " إلَى قَوْلِهِ: " لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى حِيَازَةٍ " مَعْنَاهُ إذَا تَزَوَّجَ قَبْلَ أَنْ يُفْلِسَ، أَوْ يَمُوتَ هَذَا مِنْ الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُلْتَزَمِ لَهُ وَسَيَأْتِي فِي النَّوْعِ السَّادِسِ الِالْتِزَامُ الَّذِي مِنْ بَابِ هِبَةِ الثَّوَابِ وَمِنْ بَابِ الْجُعْلِ مُخَالِفٌ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ هُنَا مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ فَيُطْلَبُ فِي الشَّيْءِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لَا غَرَرَ فِيهِ. [قَالَ مَنْ جَاءَنِي بِهِ يَعْنِي الْعَبْدَ الْآبِقَ فَلَهُ نِصْفُهُ] (الثَّانِي) فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ قَالَ مَنْ جَاءَنِي بِهِ يَعْنِي الْعَبْدَ الْآبِقَ فَلَهُ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذْ لَا يَدْرِي مَا دَخْلُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِإِجَارَةٍ أَوْ جُعْلٍ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ عَلَى هَذَا فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ رَأَيْت فِي مَسَائِلَ مُنْتَخَبَةٍ لِابْنِ لُبَابَةَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ الِاسْتِئْجَارُ بِهِ، وَأَنْ يُجْعَلَ جُعْلًا وَمَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِئْجَارُ بِهِ وَلَا جَعْلُهُ جُعْلًا إلَّا خَصْلَتَيْنِ فِيمَنْ يَجْعَلُ لِرَجُلٍ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ لَهُ أُصُولًا حَتَّى تَبْلُغَ حَدَّ كَذَا ثُمَّ هِيَ وَالْأَصْلُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ نِصْفَ هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَفِيمَنْ يَقُولُ: اُلْقُطْ زَيْتُونِي فَمَا لَقَطْت مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ، فَهَذَا يَجُوزُ يُرِيدُ وَبَيْعُهُ لَا يَجُوزُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي جَوَازِ اقْتَضِ لِي مِائَةً عَلَى فُلَانٍ وَمَا اقْتَضَيْت فَلَكَ نِصْفُهُ وَهُمَا سَوَاءٌ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: الْفَرْقُ أَنَّ فِي لَقْطِ الزَّيْتُونِ غَرَرًا؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ أَهْوَنُ مِنْ آخِرِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا كَانَ كَثِيرًا لَقَطَ عَلَى الْعُشْرِ وَأَقَلَّ، وَإِذَا كَانَ خَفِيفًا لَقَطَ عَلَى النِّصْفِ وَأَكْثَرَ وَلَا يَدْرِي الْجَاعِلُ هَلْ يُتِمُّ الْعَامِلُ الْعَمَلَ أَمْ لَا؟ فَالْأَظْهَرُ مَنْعُ الْجُعْلِ فِيهِ. وَأَمَّا الْمُجَاعَلَةُ عَلَى اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ بِالْجُزْءِ مِمَّا يَقْتَضِي فَأَشْهَبُ لَا يُجِيزُهُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ جَائِزٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ فِي الْعَنَاءِ، وَأَمَّا الْحَصَادُ وَالْجَذُّ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي جَوَازِ الْمُجَاعَلَةِ فِيهِ عَلَى الْجُزْءِ مِنْهُ بِأَنْ يَقُولَ: جُذَّ مِنْ نَخْلِي مَا شِئْت وَاحْصُدْ مِنْ زَرْعِي مَا شِئْت عَلَى أَنَّ لَك مِنْ كُلِّ مَا تَجُذُّ، أَوْ تَحْصُدُ جُزْءًا كَذَا الْجُزْءُ يُسَمِّيه اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ. قُلْت: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِي لَقْطِ الزَّيْتُونِ الْجَوَازُ. وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَصَادِ قَوْلَيْنِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ الِاتِّفَاقِ. (فَرْعٌ) وَعَلَى جَوَازِ الْجُعْلِ فِي اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ بِجُزْءٍ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ قَالَ اقْتَضِ لِي مِائَةً مِنْ فُلَانٍ وَلَك نِصْفُهَا وَمَا اقْتَضَيْت مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ جَازَ، وَلَوْ لَمْ يَزِدْ وَمَا اقْتَضَيْت مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ فَفِي جَوَازِهِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ. ابْنُ رُشْدٍ بِنَاءً عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْإِجَارَةِ، أَوْ الْجُعْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 285

فَرْعٌ) لَوْ قَالَ إنْ جِئْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ خِدْمَتُهُ شَهْرًا وَعَمَلُهُ كَذَا كَانَ جُعْلًا فَاسِدًا لِجَهْلِ عِوَضِهِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِّ الْجُعْلِ. (فَرْعٌ) قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ مَنْ جَعَلَ جُعْلًا لِمَنْ جَاءَ بِعَبْدِهِ الْآبِقِ نِصْفَهُ فَجَاءَ بِهِ شَخْصٌ وَهَلَكَ بِيَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ لِرَبِّهِ فَهُوَ جُعْلٌ فَاسِدٌ وَلِلْمَجْعُولِ لَهُ عَلَى الْجَاعِلِ فِيهِ عَنَاؤُهُ فِي ذَهَابِهِ فِي طَلَبِهِ وَنِصْفُ قِيمَةِ عَنَائِهِ فِي رُجُوعِهِ إلَى وَقْتِ هَلَاكِ الْعَبْدِ وَلِلْجَاعِلِ الْمَجْعُولِ لَهُ قِيمَةُ نِصْفِ عَبْدِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِقَبْضِهِ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ. (مَسْأَلَةٌ) سُئِلْتُ عَنْهَا وَهِيَ رَجُلٌ أَسْكَنَ شَخْصًا دَارًا لَهُ عَلَى أَنْ يُسْكِنَهُ الْآخَرُ دَارًا لَهُ وَرَضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ بِسُكْنَاهُ فِي دَارِ صَاحِبِهِ عِوَضًا عَنْ سُكْنَى دَارِهِ وَالْتَزَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرِّضَا بِذَلِكَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ. (فَأَجَبْتُ) بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ لِكَوْنِهَا إلَى مُدَّةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَاتَ الْمُلْتَزِمُ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ فِي الْعَمَلِ] (الثَّالِثُ) الِالْتِزَامُ هُنَا مُخَالِفٌ لِغَيْرِهِ أَيْضًا فِي أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ وَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُلْتَزِمُ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ فِي الْعَمَلِ فَلَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ التَّمَادِي، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ تَمَّ الْعَمَلُ لَزِمَ الْجُعْلُ الْمُلْتَزِمَ، وَإِنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَتَبَعَّضُ كَطَلَبِ الْآبِقِ وَحَفْرِ الْآبَارِ، فَهَذَا لَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ تَمَامِهِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَبَعَّضُ كَالْحَصْدِ وَاللَّقْطِ وَاقْتِضَاءِ الدَّيْنِ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُ وَرَثَةَ الْمُلْتَزِمِ أَنْ يُبْقُوهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الِاقْتِضَاءُ يَحْتَاجُ إلَى شُخُوصٍ مِنْ الْبَلَدِ وَمَاتَ الْمُلْتَزِمُ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ فِي الطَّلَبِ وَالشُّخُوصِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ فِي اقْتِضَاءِ مَا كَانَ قَامَ فِيهِ وَلِوَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ يَعْنِي الْمُلْتَزَمَ لَهُ الْقِيَامُ مَقَامَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ. (تَنْبِيهٌ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ وَفِي مَسْأَلَةِ مَنْ قَالَ احْلِفْ لِي وَلَك كَذَا وَكَذَا هَلْ يَفْتَقِرُ لِلْحَوْزِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَالْفَلْسِ أَمْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَ لَك عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ حَالَّةً فَأَشْهَدْت لَهُ أَنَّهُ إنْ أَعْطَاك مِائَةً مِنْ الْأَلْفِ الْحَالَّةِ إلَى شَهْرٍ فَبَاقِيهَا سَاقِطٌ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالْأَلْفُ كُلُّهَا لَازِمَةٌ لَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَكُمَا لَازِمٌ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ أَيْ إنْ أَتَى بِالْحَقِّ كُلِّهِ لِلْوَقْتِ فَذَلِكَ لَازِمٌ، وَإِنْ مَضَى الْأَجَلُ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ، أَوْ بَقِيَ مِنْهُ مَا لَهُ بَالٌ رَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ حَقِّهِ. وَإِنْ أَتَى بِهِ لِلْوَقْتِ إلَّا دِرْهَمًا، أَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ بِيَوْمٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَمْ لَا؟ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ
следующие страницы →