Полный текст (808 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
مَالِكٌ مَنْ قَالَ: دُلَّ عَلَى مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي جَارِيَتِي وَلَك كَذَا وَكَذَا فَدَلَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَازِمٌ، وَمَنْ قَالَ دُلَّ عَلَى مَنْ أُؤَاجِرُهُ نَفْسِي وَلَك كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ لَهُ، وَمَنْ قَالَ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا وَلَك كَذَا وَكَذَا فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالَ سَحْنُونٌ كُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي وَاحِدٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَأَرَى أَنْ يَلْزَمَهُ فِي النِّكَاحِ مِثْلُ مَا يَلْزَمُهُ فِي الْبَيْعِ قَالَ أَصْبَغُ فِي كِتَابِ وَالصَّرْفُ مِنْ سَمَاعِهِ مِثْلُ قَوْلِ سَحْنُونَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ إنَّمَا فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ وَلَا مَنْ يَبِيعُ مِنْهُ وَلَا مَنْ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى امْرَأَةٍ تَصْلُحُ لَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا أَيْ أَشِرْ عَلَيَّ بِامْرَأَةٍ تَعْلَمُ أَنَّهَا تَصْلُحُ لِي، وَهَذَا لَوْ سَأَلَهُ إيَّاهُ دُونَ جُعْلٍ لَلَزِمَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» الْحَدِيثَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا، فَإِنَّنِي مُحْتَاجٌ إلَى النِّكَاحِ فَقَالَ لَهُ أَنَا أَعْلَمُهَا وَلَكِنْ لَا أُعْلِمُك بِهَا وَأَدُلُّك عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا وَكَذَا لَمَا حَلَّ ذَلِكَ لَهُ، وَلَوْ قَالَ وَلَك كَذَا وَكَذَا فَدَلَّ عَلَيْهِ لَكَانَ لَهُ الْجُعْلُ فَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْجُعْلَ لَا يَجُوزُ فِيمَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْعَلَهُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا، أَوْ اسْعَ لِي فِي نِكَاحِهَا عَلَى مَا يَأْتِي فِي رَسْمِ الْبَرَاءَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، وَإِنَّمَا قَالَ سَحْنُونٌ وَأَصْبَغُ إنَّ الْجُعْلَ يَلْزَمُ فِي قَوْلِهِ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا؛ لِأَنَّهُمَا فَهِمَا مِنْ قَوْلِهِ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ ابْحَثْ لِي عَلَى امْرَأَةٍ تَصْلُحُ لِي وَدُلَّنِي عَلَيْهَا وَلَك كَذَا وَكَذَا فَأَوْجَبْنَا لَهُ الْجُعْلُ إذْ لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَنْ يَبْحَثَ لِلرَّجُلِ عَلَى مَنْ تَصْلُحُ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ فَيَدُلَّهُ عَلَيْهَا وَيَلْزَمُهُ إذَا اسْتَرْشَدَهُ فِي أَمْرٍ عَلِمَهُ أَنْ يَدُلَّهُ وَيَنْصَحَ لَهُ وَلَا يَكْتُمَهُ.
وَلَوْ قَالَ دُلَّنِي عَلَى مَنْ أَبِيعُ مِنْهُ سِلْعَتِي وَأُؤَاجِرُهُ نَفْسِي وَلَك كَذَا وَكَذَا لَكَانَ لَهُ الْجُعْلُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ دُلَّنِي عَلَى امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَفِي هَذَا يَفْتَرِقُ الْبَيْعُ مِنْ النِّكَاحِ إذْ لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَنْ يَدُلَّ الرَّجُلَ عَلَى مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ سِلْعَةً إذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِمَنْ يَصْلُحُ لَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَالْفَرْقُ فِي هَذَا بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ أَنَّ الْبَيْعَ مُبَاحٌ وَالنِّكَاحَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا.
وَلَوْ اُضْطُرَّ الرَّجُلُ الْغَرِيبُ فِي مَوْضِعٍ لَا سُوقَ فِيهِ إلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَقَالَ لِرَجُلٍ دُلَّنِي عَلَى مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي سِلْعَتِي، وَهُوَ يَعْلَمُ مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ لَمَا حَلَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: لَا أَدُلُّك إلَّا أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا وَكَذَا لِوُجُوبِ ذَلِكَ، فَهَذَا وَجْهُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَعَلَى هَذَا تَتَّفِقُ الرِّوَايَاتُ وَلَا يَكُونُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ فَرْقٌ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ حَبِيبٍ قَدْ حَكَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجُعْلَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى النِّكَاحِ لَا يَلْزَمُ وَحَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إجَازَتَهُ، وَأَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ الْمَاجِشُونِ إجَازَتَهُ عَنْ مَالِكٍ، فَهَذَا تَأْوِيلٌ مِنْهُ فِي أَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مِنْ الْقَوْلِ وَتَأْوِيلُنَا أَظْهَرُ اهـ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْبَرَاءَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ قَالَ عِيسَى قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ
стр. 282
فَإِنْ قَالَ اسْعَ لِي فِي نِكَاحِ بِنْتِ فُلَانٍ، أَوْ شَخِّصْ لِي فِي ذَلِكَ وَلَك كَذَا وَكَذَا قَالَ إذَا سَعَى فِي ذَلِكَ وَكَانَ حَيْثُ هُوَ فِي حَاضِرَتِهِ، وَلَمْ يُشَخِّصْ فِيهَا إلَى بَلَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ يَلْزَمُهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَ إنَّ الْجُعْلَ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ لَا يَلْزَمُ الْمَجْعُولَ لَهُ فِعْلُهُ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى فِي رَسْمِ الْبُرْزُلِيِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَضَى فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ الْقَوْلُ عَلَى قَوْلِهِ وَلِّنِي النِّكَاحَ وَلَّيْتُك النِّكَاحَ وَلَك كَذَا وَكَذَا، أَوْ وَلِّنِي بَيْعَ دَارِك وَلَك كَذَا وَكَذَا وَبَيَّنْت الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا شَرْطُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حَاضِرَتِهِ وَلَا يَشْخَصُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَلَا وَجْهَ لَهُ إذْ لَا مَنْفَعَةَ لِلْجَاعِلِ فِي شُخُوصِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ إنْ لَمْ يَتِمَّ لَهُ النِّكَاحُ، وَهُوَ يَشْخَصُ فِي ذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَصِحَّ لَهُ الْجُعْلُ بِتَمَامِهِ كَمَا يَشْخَصُ لِطَلَبِ الْإِبَاقِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ رَجَاءَ أَنْ يَجِدَهُ فَيَجِبُ لَهُ الْجُعْلُ الَّذِي جَعَلَ لَهُ فِيهِ وَذَلِكَ بِخِلَافِ الرَّجُلِ يُجَاعِلُ الرَّجُلَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ ثَوْبَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى بَيْعِهِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ انْتَفَعَ الْجَاعِلُ بِحَمْلِ سِلْعَتِهِ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَهَذِهِ هِيَ الْعِلَّةُ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ حَسْبَمَا مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ هَذِهِ فَوَجَبَ أَنْ تَجُوزَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قُلْت: هَذَا كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الْمَوْعُودُ بِهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْجُعْلِ مَعَ عِلْمِ الْجَاعِلِ وَالْمَجْعُولِ لَهُ بِمَوْضِعِ الْآبِقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ فِي رَجُلٍ أَرَادَ السَّفَرَ مَعَ أُمِّهِ فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ اُتْرُكْ السَّفَرَ مَعَ أُمِّك وَأُزَوِّجُك ابْنَتِي وَأُعْطِيك عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ فَتَرَكَ الْمَسِيرَ مَعَ أُمِّهِ ثُمَّ قَامَ عَلَى عَمِّهِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ يَطْلُبُهُ الْعِدَةَ. فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَى عَمِّهِ بِدَفْعِ الْعَشَرَةِ مَثَاقِيلَ إلَيْهِ وَيُنْكِحُهُ ابْنَتَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَقَدَ نِكَاحَهَا مَعَ أَحَدٍ فَلَا يَحِلُّ النِّكَاحُ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا عِدَةٌ قَارَنَهَا سَبَبٌ، وَهُوَ تَرَكَ الْمَسِيرَ مَعَ أُمِّهِ وَبِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا اهـ. وَفُهِمَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وِلَايَةُ الْجَبْرِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَعْقِدَ نِكَاحَهَا لِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْسَخُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ مَسَائِلِ بُيُوعٍ وَكِرَاءٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الرَّدِّ بِالْعُيُوبِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ جَوَازِ سُؤَالِ الْوَاحِدِ أَنْ يَكْفِ عَنْ الزِّيَادَةِ فِي الْمَبِيعِ وَعَدَمِ سُؤَالِ الْجَمِيعِ، فَلَوْ قَالَ لِوَاحِدٍ كُفَّ عَنِّي وَلَك دِينَارٌ جَازَ ذَلِكَ وَلَزِمَهُ اشْتَرَى أَوْ لَمْ يَشْتَرِ، وَلَوْ قَالَ كُفَّ عَنِّي وَلَك نِصْفُهَا عَلَى سَبِيلِ الشَّرِكَةِ لَجَازَ أَيْضًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ إذَا أَعْطَاهُ النِّصْفَ عَلَى سَبِيلِ الْعَطِيَّةِ فَكَأَنَّهُ أَعْطَاهُ عَلَى أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَيْهِ وَيَكُفُّ عَنْهُ مَا لَا يَمْلِكُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَهُوَ
стр. 283
صَحِيحٌ اهـ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى النَّجْشِ وَقَالَ فِي إجَازَتِهِ فِي مَسْأَلَةِ الدِّينَارِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَهُ لَيْسَ عَلَى الْكَفِّ لِذَاتِهِ بَلْ لِرَجَاءِ حُصُولِ السِّلْعَةِ وَهِيَ قَدْ لَا تَحْصُلُ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمَازِرِيِّ إنَّمَا يَجُوزُ فِي سُؤَالِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ التَّرْكُ تَفَضُّلًا، وَلَوْ كَانَ عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ دُلْسَةٌ مَنَعَهُ بِالدِّينَارِ خِلَافَ نَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ اهـ.
قُلْت: وَالرِّوَايَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا ابْنُ رُشْدٍ هِيَ مَا ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةٍ عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ قَالَ وَمِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: الْمُبْتَاعُ لِرَجُلٍ حَاضِرٍ كُفَّ عَنِّي لَا تَزِدْ عَلَيَّ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ بِالْأَمْرِ الْعَامِّ وَكُرِهَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: كُفَّ عَنِّي وَلَك نِصْفُهَا وَتَدْخُلُهَا الدُّلْسَةُ اهـ.
[الْخُلْعَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَا يُشْتَرَطُ ظُهُورُ الْمَنْفَعَةِ بَلْ يَكْفِي مَظِنَّتَهَا؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا يَتَوَقَّعُ فِيهِ مَصْلَحَةً وَلِذَلِكَ أَجَازُوا الْخُلْعَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَجَعَلُوهُ لَازِمًا بَلْ قَالُوا: إنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حِيَازَةٍ وَلَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْفَلْسِ، فَإِذَا قَالَ شَخْصٌ لِرَجُلٍ طَلِّقْ زَوْجَتَك وَلَك عِنْدِي كَذَا وَكَذَا، أَوْ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا وَطَلَّقَهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ. قَالَ فِي رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ وَسَأَلَ عَنْ الرَّجُلِ الْحُرِّ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ أَنِفَ فَقَالَ لَهُ طَلِّقْهَا، وَأَنَا أَكْتُبُ لَك كِتَابًا بِمِائَةِ دِينَارٍ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ إذَا بَدَا لَك أَنْ تَتَزَوَّجَ فَطَلَّقَهَا وَكَتَبَ عَلَيْهِ كِتَابًا وَأَقَامَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ لَا يَتَزَوَّجُ ثُمَّ إنَّ الْجَارِيَةَ أُعْتِقَتْ وَتَزَوَّجَتْ رَجُلًا فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَارْتَجَعَهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ مَاتَ الَّذِي ضَمِنَ الْمَالَ أَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ قَدْ تَقَادَمَ ذَلِكَ فَلَا أَرَى لَهُ حَقًّا فِي مَالِهِ وَلَا أَرَى لَك أَنْ تَدْخُلَ فِي مِثْلِ هَذَا.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ فِي قَوْلِهِ: " قَدْ تَقَادَمَ هَذَا فَلَا أَرَى لَهُ حَقًّا " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَقَادَمْ لَوَجَبَ لَهُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ لَهُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ إذَا تَزَوَّجَ بِالْقُرْبِ، وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ هِبَةً تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ عَلَى شَرْطِ الطَّلَاقِ فَصَارَ ثَمَنًا لِلطَّلَاقِ وَيَجِبُ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُحَاصِصْ الْغُرَمَاءُ بِهِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ وَفِي الْعَشَرَةِ لِلَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِي مَالِهِ بَعْدَ الْوَفَاةِ فَرَآهُ كَالْعَطِيَّةِ عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ، وَعَلَى هَذَا اخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يُعْطِي امْرَأَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ دَارِهِ عَلَى أَنْ تُسْلِمَ هَلْ هِيَ ثَمَنٌ لِإِسْلَامِهَا فَلَا تَحْتَاجُ فِيهَا إلَى حِيَازَةٍ، أَوْ عَطِيَّةٌ تَفْتَقِرُ إلَى حِيَازَةٍ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى الْمَسْأَلَةُ الْوَاقِعَةُ فِي رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ.
قَوْلُهُ احْلِفْ لِي أَنَّك لَمْ تَشْتُمنِي وَلَك كَذَا وَكَذَا فَيَدْخُلُهُ الْقَوْلَانِ قَالَ فَكَانَ الْأَظْهَرُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ أَنْ تَجِبَ لَهُ الْمِائَةُ تَقَادَمَ الْأَمْرُ أَمْ لَمْ يَتَقَادَمْ لِقَوْلِهِ فِيهَا إذَا بَدَا لَك؛ لِأَنَّ إذَا ظَرْفٌ لِمَا يَأْتِي مِنْ الزَّمَانِ، وَلَوْ عَلَّقَ الْعَطِيَّةَ بِالتَّزْوِيجِ دُونَ الطَّلَاقِ فَقَالَ إنْ تَزَوَّجَتْ فَلَكَ دَارِي الْفُلَانِيَّةُ، أَوْ فَلَكَ قِبَلِي كَذَا وَكَذَا لَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا لَازِمًا لَهُ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى حِيَازَةٍ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِالْقُرْبِ عَلَى هَذِهِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ إنْ تَزَوَّجْت فَأَنَا أُعْطِيَك
стр. 284
كَذَا وَكَذَا كَانَتْ عِدَةً عَلَى سَبَبٍ تَجْرِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ اهـ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ عَلَّقَ الْعَطِيَّةَ بِالتَّزْوِيجِ " إلَى قَوْلِهِ: " لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى حِيَازَةٍ " مَعْنَاهُ إذَا تَزَوَّجَ قَبْلَ أَنْ يُفْلِسَ، أَوْ يَمُوتَ هَذَا مِنْ الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُلْتَزَمِ لَهُ وَسَيَأْتِي فِي النَّوْعِ السَّادِسِ الِالْتِزَامُ الَّذِي مِنْ بَابِ هِبَةِ الثَّوَابِ وَمِنْ بَابِ الْجُعْلِ مُخَالِفٌ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ هُنَا مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ فَيُطْلَبُ فِي الشَّيْءِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لَا غَرَرَ فِيهِ.
[قَالَ مَنْ جَاءَنِي بِهِ يَعْنِي الْعَبْدَ الْآبِقَ فَلَهُ نِصْفُهُ]
(الثَّانِي) فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ قَالَ مَنْ جَاءَنِي بِهِ يَعْنِي الْعَبْدَ الْآبِقَ فَلَهُ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذْ لَا يَدْرِي مَا دَخْلُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِإِجَارَةٍ أَوْ جُعْلٍ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ عَلَى هَذَا فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ رَأَيْت فِي مَسَائِلَ مُنْتَخَبَةٍ لِابْنِ لُبَابَةَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ الِاسْتِئْجَارُ بِهِ، وَأَنْ يُجْعَلَ جُعْلًا وَمَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِئْجَارُ بِهِ وَلَا جَعْلُهُ جُعْلًا إلَّا خَصْلَتَيْنِ فِيمَنْ يَجْعَلُ لِرَجُلٍ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ لَهُ أُصُولًا حَتَّى تَبْلُغَ حَدَّ كَذَا ثُمَّ هِيَ وَالْأَصْلُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ نِصْفَ هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَفِيمَنْ يَقُولُ: اُلْقُطْ زَيْتُونِي فَمَا لَقَطْت مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ، فَهَذَا يَجُوزُ يُرِيدُ وَبَيْعُهُ لَا يَجُوزُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي جَوَازِ اقْتَضِ لِي مِائَةً عَلَى فُلَانٍ وَمَا اقْتَضَيْت فَلَكَ نِصْفُهُ وَهُمَا سَوَاءٌ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: الْفَرْقُ أَنَّ فِي لَقْطِ الزَّيْتُونِ غَرَرًا؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ أَهْوَنُ مِنْ آخِرِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا كَانَ كَثِيرًا لَقَطَ عَلَى الْعُشْرِ وَأَقَلَّ، وَإِذَا كَانَ خَفِيفًا لَقَطَ عَلَى النِّصْفِ وَأَكْثَرَ وَلَا يَدْرِي الْجَاعِلُ هَلْ يُتِمُّ الْعَامِلُ الْعَمَلَ أَمْ لَا؟ فَالْأَظْهَرُ مَنْعُ الْجُعْلِ فِيهِ.
وَأَمَّا الْمُجَاعَلَةُ عَلَى اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ بِالْجُزْءِ مِمَّا يَقْتَضِي فَأَشْهَبُ لَا يُجِيزُهُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ جَائِزٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ فِي الْعَنَاءِ، وَأَمَّا الْحَصَادُ وَالْجَذُّ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي جَوَازِ الْمُجَاعَلَةِ فِيهِ عَلَى الْجُزْءِ مِنْهُ بِأَنْ يَقُولَ: جُذَّ مِنْ نَخْلِي مَا شِئْت وَاحْصُدْ مِنْ زَرْعِي مَا شِئْت عَلَى أَنَّ لَك مِنْ كُلِّ مَا تَجُذُّ، أَوْ تَحْصُدُ جُزْءًا كَذَا الْجُزْءُ يُسَمِّيه اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ.
قُلْت: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِي لَقْطِ الزَّيْتُونِ الْجَوَازُ. وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَصَادِ قَوْلَيْنِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ الِاتِّفَاقِ.
(فَرْعٌ) وَعَلَى جَوَازِ الْجُعْلِ فِي اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ بِجُزْءٍ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَوْ قَالَ اقْتَضِ لِي مِائَةً مِنْ فُلَانٍ وَلَك نِصْفُهَا وَمَا اقْتَضَيْت مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ جَازَ، وَلَوْ لَمْ يَزِدْ وَمَا اقْتَضَيْت مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ فَفِي جَوَازِهِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ. ابْنُ رُشْدٍ بِنَاءً عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْإِجَارَةِ، أَوْ الْجُعْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 285
فَرْعٌ) لَوْ قَالَ إنْ جِئْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ خِدْمَتُهُ شَهْرًا وَعَمَلُهُ كَذَا كَانَ جُعْلًا فَاسِدًا لِجَهْلِ عِوَضِهِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِّ الْجُعْلِ.
(فَرْعٌ) قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ مَنْ جَعَلَ جُعْلًا لِمَنْ جَاءَ بِعَبْدِهِ الْآبِقِ نِصْفَهُ فَجَاءَ بِهِ شَخْصٌ وَهَلَكَ بِيَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ لِرَبِّهِ فَهُوَ جُعْلٌ فَاسِدٌ وَلِلْمَجْعُولِ لَهُ عَلَى الْجَاعِلِ فِيهِ عَنَاؤُهُ فِي ذَهَابِهِ فِي طَلَبِهِ وَنِصْفُ قِيمَةِ عَنَائِهِ فِي رُجُوعِهِ إلَى وَقْتِ هَلَاكِ الْعَبْدِ وَلِلْجَاعِلِ الْمَجْعُولِ لَهُ قِيمَةُ نِصْفِ عَبْدِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِقَبْضِهِ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) سُئِلْتُ عَنْهَا وَهِيَ رَجُلٌ أَسْكَنَ شَخْصًا دَارًا لَهُ عَلَى أَنْ يُسْكِنَهُ الْآخَرُ دَارًا لَهُ وَرَضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ بِسُكْنَاهُ فِي دَارِ صَاحِبِهِ عِوَضًا عَنْ سُكْنَى دَارِهِ وَالْتَزَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرِّضَا بِذَلِكَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ.
(فَأَجَبْتُ) بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ لِكَوْنِهَا إلَى مُدَّةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَاتَ الْمُلْتَزِمُ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ فِي الْعَمَلِ]
(الثَّالِثُ) الِالْتِزَامُ هُنَا مُخَالِفٌ لِغَيْرِهِ أَيْضًا فِي أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ وَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُلْتَزِمُ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ فِي الْعَمَلِ فَلَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ التَّمَادِي، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ تَمَّ الْعَمَلُ لَزِمَ الْجُعْلُ الْمُلْتَزِمَ، وَإِنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَتَبَعَّضُ كَطَلَبِ الْآبِقِ وَحَفْرِ الْآبَارِ، فَهَذَا لَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ تَمَامِهِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَبَعَّضُ كَالْحَصْدِ وَاللَّقْطِ وَاقْتِضَاءِ الدَّيْنِ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُ وَرَثَةَ الْمُلْتَزِمِ أَنْ يُبْقُوهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الِاقْتِضَاءُ يَحْتَاجُ إلَى شُخُوصٍ مِنْ الْبَلَدِ وَمَاتَ الْمُلْتَزِمُ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ فِي الطَّلَبِ وَالشُّخُوصِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ فِي اقْتِضَاءِ مَا كَانَ قَامَ فِيهِ وَلِوَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ يَعْنِي الْمُلْتَزَمَ لَهُ الْقِيَامُ مَقَامَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ وَفِي مَسْأَلَةِ مَنْ قَالَ احْلِفْ لِي وَلَك كَذَا وَكَذَا هَلْ يَفْتَقِرُ لِلْحَوْزِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَالْفَلْسِ أَمْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَ لَك عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ حَالَّةً فَأَشْهَدْت لَهُ أَنَّهُ إنْ أَعْطَاك مِائَةً مِنْ الْأَلْفِ الْحَالَّةِ إلَى شَهْرٍ فَبَاقِيهَا سَاقِطٌ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالْأَلْفُ كُلُّهَا لَازِمَةٌ لَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَكُمَا لَازِمٌ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ أَيْ إنْ أَتَى بِالْحَقِّ كُلِّهِ لِلْوَقْتِ فَذَلِكَ لَازِمٌ، وَإِنْ مَضَى الْأَجَلُ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ، أَوْ بَقِيَ مِنْهُ مَا لَهُ بَالٌ رَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ حَقِّهِ.
وَإِنْ أَتَى بِهِ لِلْوَقْتِ إلَّا دِرْهَمًا، أَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ بِيَوْمٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَمْ لَا؟ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ
стр. 286
قَالَ لِغَرِيمِهِ إنْ عَجَّلْت لِي حَقِّي، أَوْ إلَى شَهْرٍ فَلَكَ وَضِيعَةُ كَذَا فَيَجْعَلُهُ لِلْوَقْتِ إلَّا دِرْهَمًا أَوْ الشَّيْءَ التَّافِهَ، أَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ بِيَوْمٍ، أَوْ أَمَدٍ قَرِيبٍ أَنَّ الْوَضِيعَةَ لَازِمَةٌ قَالَ مُطَرِّفٌ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي السَّلَمِ فِي ضَحَايَا يَأْتِي بِهَا بَعْدَ أَيَّامِ الْأَضْحَى بِيَوْمٍ أَنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ، وَإِنَّ تَبَاعَدَ ذَلِكَ بِالْأَيَّامِ وَمَا بَعْدُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي قَبُولِهَا، أَوْ يَرُدُّهَا وَيَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْوَضِيعَةِ لَا يَلْزَمُهُ إذَا جَاءَ بِالْحَقِّ بَعْدَ الْوَقْتِ بِيَوْمٍ، أَوْ نَاقِصَ دِرْهَمٍ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ أَحَبُّ إلَيَّ وَقَالَ عِيسَى فِي الْعُتْبِيَّةِ كَقَوْلِ أَصْبَغَ: " إنَّ لَهُ شَرْطَهُ ". ابْنُ يُونُسَ جَيِّدٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَيَدْخُلُ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَضَاحِيّ اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ عِيسَى هُوَ فِي نَوَازِلِهِ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَالتَّفْلِيسِ وَنَصُّهُ: وَسَأَلَ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ لِغَرِيمِهِ، وَقَدْ حَلَّ حَقُّهُ: إنْ عَجَّلْتَ لِي كَذَا وَكَذَا مِنْ حَقِّي فَبَقِيَّتُهُ عَنْك مَوْضُوعٌ إنْ عَجَّلْته لِي نَقْدًا السَّاعَةَ، أَوْ إلَى أَجَلٍ يُسَمِّيه فَعَجَّلَ لَهُ نَقْدًا، أَوْ إلَى الْأَجَلِ إلَّا الدِّرْهَمَ، أَوْ النِّصْفَ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ هَلْ تَكُونُ الْوَضِيعَةُ لَازِمَةً فَقَالَ مَا أَرَى الْوَضِيعَةَ تَلْزَمُهُ إذَا لَمْ يُعَجِّلْ لَهُ جَمِيعَ ذَلِكَ وَأَرَى الَّذِي لَهُ الْحَقُّ عَلَى شَرْطِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ يَتَحَصَّلُ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ فِي الْوَاضِحَةِ وَمِثْلُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْوَضِيعَةَ لَا تَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ جَمِيعَ مَا شَرَطَ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي قَدْ سَمَّى، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْوَضِيعَةَ لَازِمَةٌ لَهُ بِكُلِّ حَالٍ وَلَا يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِشَرْطِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَنَحْوُهُ مَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الضَّحَايَا فِي الَّذِي يُسَلِّفُ فِي ضَحَايَا لِيُؤْتَى بِهَا فِي الْأَضْحَى فَلَا يَأْتِي بِهَا الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَخْذُهَا وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي تَرْكِهَا، وَهُوَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي السَّلَمِ يَنْعَقِدُ عَلَى تَعْجِيلِ رَأْسِ الْمَالِ فَيَتَأَخَّرُ النَّقْدُ إلَى حُلُولِ الْأَجَلِ بِهُرُوبٍ مِنْ الْمُسَلِّمِ، وَهُوَ عَرْضٌ أَنَّ السَّلَمَ لَازِمٌ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ.
الثَّالِثُ أَنَّ الْوَضِيعَةَ لَا تَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَنْتَقِصَ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْ شَرْطِهِ، وَهُوَ عَلَى مَا رَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُسَلِّفُ فِي ضَحَايَا عَلَى أَنْ يُؤْتَى بِهَا فِي الْأَضْحَى فَلَا يَأْتِيه بِهَا فِي الْأَضْحَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُ بِهَا بِقُرْبِ الْأَضْحَى بَعْدَ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ.
وَالرَّابِعُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ الْوَضِيعَةِ بِقَدْرِ مَا عَجَّلَ لَهُ مِنْ حَقِّهِ، وَهَذَا يَأْتِي عَلَى مَا فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ اهـ. وَاقْتَصَرَ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ عَلَى قَوْلِ عِيسَى الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْحَقُّ حَالًّا، أَوْ حَلَّ أَجَلُهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُؤَجَّلًا، وَلَمْ يَحِلَّ الْأَجَلُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضَعَ لَهُ بَعْضَ الْحَقِّ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ وَضْعٌ وَتَعَجُّلٌ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَالْحَقُّ بَاقٍ إلَى أَجَلِهِ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا عَجَّلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الثُّنْيَا]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الثُّنْيَا، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُك هَذَا الْمِلْكَ، أَوْ هَذِهِ
стр. 287
السِّلْعَةَ عَلَى أَنِّي أَتَيْتُك بِالثَّمَنِ إلَى مُدَّةِ كَذَا، أَوْ مَتَى آتِيك فَالْمَبِيعُ مَصْرُوفٌ عَلَيَّ وَيُفْسَخُ مَا لَمْ يَفُتْ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ فَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ يَوْمَ قَبْضِهِ وَفَوْتُ الْأُصُولِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْبِنَاءِ وَالْهَدْمِ وَالْغَرْسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ اهـ.
وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ بُيُوعِ الْآجَالِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهِ وَمَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ مَتَى رَدَّ الْيَمِينَ فَالسِّلْعَةُ لَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ قَالَ سَحْنُونٌ بَلْ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَيْعٌ وَسَلَفٌ أَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ بَيْعًا وَتَارَةً يَكُونُ سَلَفًا لَا أَنَّهُ يَكُونُ حُكْمَ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ فِي الْفَوَاتِ بَلْ فِيهِ الْقِيمَةُ مَا بَلَغَتْ إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ اهـ.
(فَرْعٌ) قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ وَاخْتُلِفَ إذَا أَسْقَطَ مُشْتَرِطُ الثُّنْيَا شَرْطَهُ هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ وَالشَّرْطَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَالثَّانِي أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ إذَا أَسْقَطَ شَرْطَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُرِيدُ إذَا رَضِيَ الْمُشْتَرِي. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقَدْ فَسَخَا الْأَوَّلَ اهـ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: اُخْتُلِفَ إذَا نَزَلَ هَلْ يَتَلَافَى بِالصِّحَّةِ كَالْبَيْعِ وَالسَّلَفِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ اهـ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ يَتَلَافَى أَنْ يُسْقِطَ الشَّرْطَ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ وَسَأَلَ مَالِكٌ عَمَّنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ بِالثَّمَنِ كَانَ أَحَقَّ بِحَائِطِهِ وَكَانَ إلَيْهِ رَدًّا فَأَقَامَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي سِتَّ سِنِينَ يَسْتَغِلُّهُ فَجَاءَهُ بِالثَّمَنِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَأَخَذَ حَائِطَهُ وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي الْحَائِطَ مَا أَنْفَقَ فِي الْحَائِطِ قَالَ مَالِكٌ أَصْلُ هَذَا الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا وَلَا حَسَنًا وَأَرَى لِلْمُشْتَرِي مَا أَكَلَ مِنْ الثَّمَرَةِ بِالضَّمَانِ وَأَرَى لَهُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ مَا أَنْفَقَ فِي بُنْيَانِ جِدَارٍ، أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ هَذَا الْبَيْعُ يُسَمُّونَهُ بَيْعَ الثُّنْيَا وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ إنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ لِمَا شَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ مِنْ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مَتَى جَاءَهُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ هُنَا وَفِي بُيُوعِ الْآجَالِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنْ وَقَعَ فَسْخٌ مَا لَمْ يَفُتْ بِمَا يَفُوتُ بِهِ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ وَكَانَتْ الْغَلَّةُ لِلْمُبْتَاعِ بِالضَّمَانِ، فَإِنْ فَاتَ صَحَّ بِالْقِيمَةِ وَلِحَائِطٍ لَا يَفُوتُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِالْبِنَاءِ الْيَسِيرِ فَلِذَلِكَ قَالَ إنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ إذَا رُدَّ عَلَيْهِ مَا أَنْفَقَ الْمُبْتَاعُ فِي بُنْيَانِ جِدَارٍ، أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ، وَقَدْ قِيلَ قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ قَوْلٍ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى إنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ بِالسَّدَادِ رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ سَدَادٍ رَجَعَ بِقِيمَةِ ذَلِكَ عَلَى السَّدَادِ وَقِيلَ فِيهِ إنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً قَالَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ الْمُبْتَاعُ أَسْلَفَ الْبَائِعَ الثَّمَنَ عَلَى أَنْ يَغْتَلَّ حَائِطَهُ حَتَّى يَرُدَّ إلَيْهِ السُّلْفَةَ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَرُدُّ الْغَلَّةَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا ثَمَنُ السَّلَفِ فَهِيَ عَلَيْهِ حَرَامٌ اهـ.
(تَنْبِيهٌ) الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الثُّنْيَا هُوَ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إنَّ بُيُوعَ الشَّرْطِ كُلَّهَا تُسَمَّى بُيُوعَ الثُّنْيَا. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَمَّمَ ابْنُ رُشْدٍ بُيُوعَ الثُّنْيَا فِي بِيَاعَاتِ الشُّرُوطِ وَخَصَّصَهُ الْأَكْثَرُ
стр. 288
بِمُعِينِ قَوْلِهَا فِي بُيُوعِ الْآجَالِ مَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ مَتَى رَدَّ الثَّمَنَ فَالسِّلْعَةُ لَهُ لَمْ يَجُزْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ وَالْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ كَانَ فِي وَجْهِ الرَّبْعِ وَمُعْظَمِهِ فَلِذَلِكَ فَوْتٌ، وَإِنْ كَانَ فِي أَقَلِّهِ وَأَتْفَهِهِ فَلَيْسَ بِفَوْتٍ وَيَرُدُّ الْجَمِيعَ، وَإِنْ كَانَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا وَلَهَا قَدْرٌ فَاتَتْ النَّاحِيَةُ بِقِيمَتِهَا وَيَرُدُّ الْبَاقِيَ اهـ.
وَقَوْلُهُ الرَّبْعُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْعَقَارُ، وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ رُشْدٍ قَدْرَ النَّاحِيَةِ الَّتِي تَفُوتُ بِالْغَرْسِ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَأَنَّهَا الرُّبْعُ، أَوْ الثُّلُثُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ وَلِلْمُبْتَاعِ مَا اغْتَلَّ فِي الْمِلْكِ قَبْلَ الْفَسْخِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْأُصُولِ ثَمَرٌ مَأْبُورٌ وَاشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ مَعَ الْأُصُولِ إنْ كَانَ حَاضِرًا، أَوْ مَكِيلَتِهِ إنْ عَلِمَهَا وَجَذَّهُ يَابِسًا وَالْقِيمَةُ إنْ جُهِلَتْ الْمَكِيلَةُ، أَوْ جَذَّهُ رُطَبًا اهـ. وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ اُخْتُلِفَ فِي بَيْعِ الثُّنْيَا هَلْ هُوَ بَيْعٌ، أَوْ رَهْنٌ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي الْغَلَّةِ مَنْ رَأَى أَنَّهُ بَيْعٌ قَالَ لَا يَرُدُّ الْغَلَّةَ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ الْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي بِالضَّمَانِ فَجَعَلَهُ بَيْعًا، وَأَنَّهُ ضَامِنٌ وَالْغَلَّةُ لَهُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ رَهْنٌ قَالَ يَرُدُّ الْغَلَّةَ، وَأَنَّهُ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ الْمُشْتَرِي وَمَا كَانَ مِنْ سَبَبِ الْمُشْتَرِي فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الرِّهَانِ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهَا فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهَا اهـ.
وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْغَفُورِ قَدْ قِيلَ إنَّ بَيْعَ الثُّنْيَا فَاسِدٌ مَرْدُودٌ أَبَدًا فَاتَ، أَوْ لَمْ يَفُتْ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ مُحَرَّمٌ، وَهُوَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا تُرَدُّ فِيهِ الْبِيَاعَاتُ وَالصَّدَقَاتُ وَالْأَحْبَاسُ، فَإِنْ وَقَعَ إلَى أَجْلٍ كَانَ فِيهِ الْكِرَاءُ؛ لِأَنَّهُ كَالرَّهْنِ، وَإِنْ وَقَعَ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ فَلَا كِرَاءَ فِيهِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا كِرَاءَ فِيهِ كَانَ إلَى أَجَلٍ، أَوْ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ عِنْدَهُمْ وَبِذَلِكَ الْعَمَلِ. اهـ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ أَصْلَ الشِّرَاءِ كَانَ رَهْنًا، وَإِنَّمَا عَقَدَا فِيهِ الْبَيْعَ لِتَسْقُطَ الْحِيَازَةُ فِيهِ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِمَا عِنْدَ الشُّهُودِ حِينَ الصَّفْقَةِ، أَوْ بَعْدَهَا وَقَبَضَ الْمُبْتَاعُ الْمِلْكَ وَاغْتَلَّهُ ثُمَّ عَثَرَ عَلَى فَسَادِهِ، فَإِنَّهُ يَفْسَخُ وَيَرُدُّ الْأَصْلَ مَعَ الْغَلَّةِ إلَى صَاحِبِهِ وَيَسْتَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ ثَمَنَهُ اهـ.
قُلْت: وَمِثْلُهُ بَلْ أَحْرَى مِنْهُ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّ قَصْدَ الْمُتَبَايِعَيْنِ إنَّمَا هُوَ السَّلَفُ بِزِيَادَةٍ وَتَحَيُّلًا بِبَيْعِ الثُّنْيَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى الْبَيْعِ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِمَا كَمَا قَالَ حِينَ الصَّفْقَةِ، أَوْ بَعْدَهَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَاسْتَغَلَّهُ إمَّا بِكِرَاءٍ، أَوْ سُكْنَى، وَأَمَّا مَا يَقَعُ فِي عَصْرِنَا هَذَا، وَهُوَ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى وَذَلِكَ أَنَّ الشَّخْصَ يَبِيعُ الدَّارَ مَثَلًا بِأَلْفِ دِينَارٍ وَهِيَ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ آلَافٍ، أَوْ خَمْسَةً وَيَشْتَرِطُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَتَى جَاءَهُ بِالثَّمَنِ رَدَّهَا إلَيْهِ ثُمَّ يُؤَجِّرُهَا الْمُشْتَرِي لِبَائِعِهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي وَقَبْلَ أَنْ يُخَلِّيَهَا الْبَائِعُ مِنْ أَمْتِعَتِهِ بَلْ يَسْتَمِرُّ الْبَائِعُ عَلَى سُكْنَاهَا إنْ كَانَتْ
стр. 289
مَحَلَّ سُكْنَاهُ، أَوْ عَلَى وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا وَإِجَارَتِهَا وَيَأْخُذُ مِنْهُ الْمُشْتَرِي الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ هَذَا صَرِيحُ الرِّبَا وَلَا عِبْرَةَ بِالْعَقْدِ الَّذِي عَقَدَاهُ فِي الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حُكِمَ بِالْغَلَّةِ لِلْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِانْتِقَالِ الضَّمَانِ إلَيْهِ وَالْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَهُنَا لَمْ يَنْتَقِلْ الضَّمَانُ لِبَقَاءِ الْمَبِيعِ تَحْتَ يَدِ بَائِعِهِ فَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْغَلَّةِ بَلْ لَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَسَلَّمَهُ بَعْدَ أَنْ أَخْلَاهُ الْبَائِعُ ثُمَّ أَجَّرَهُ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الْيَدِ وَعَادَ إلَيْهَا لَغْوٌ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ وَآلَ الْحَالُ إلَى صَرِيحِ الرِّبَا، وَهَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى بَيْعِ الثُّنْيَا وَفِي الْمَجَالِسِ إذَا لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُبْتَاعُ وَتَرَكَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ فَهُوَ كَالرَّهْنِ إذَا لَمْ يَقْبِضْ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَإِذَا قَبَضَ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ فَسْخٌ وَبَيْعٌ فِي الْحَقِّ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُؤَدِّي لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ شُيُوخِ الْفَتْوَى عِنْدَهُمْ اهـ. بَلْ سَمِعْت وَالِدِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحْكِي عَنْ بَعْضِ مَنْ عَاصَرَهُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لِلْمُشْتَرِي بِالْغَلَّةِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إلَّا إذَا كَانَ جَاهِلًا بِفَسَادِهِ حَالَ الْعَقْدِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ وَتَعَمَّدَهُ فَلَا غَلَّةَ لَهُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ مَنْصُوصًا وَظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ بَلْ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ وَالْبُيُوعُ الْفَاسِدَةُ حُكْمُ الْجَاهِلِ حُكْمُ الْعَامِدِ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ ذَكَرَهُ فِيمَا لَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالْجَهْلِ وَذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا فِي بَابِ النِّكَاحِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يُعْذَرُ فِيهَا بِالْجَهْلِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ عَكْسَ مَسْأَلَتِنَا، وَأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ الْجَاهِلُ فِيهَا بِسَبَبِ جَهْلِهِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَإِلَّا لَقَالَ حُكْمُ الْجَاهِلِ فِيهَا حُكْمُ الْعَامِدِ إلَّا فِي كَذَا وَكَذَا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَ الْعَقْدِ بِأَنَّهُ إنْ جَاءَ بِالثَّمَنِ إلَى أَجَلِ كَذَا فَالْمَبِيعُ لَهُ وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ مَتَى جَاءَهُ بِالثَّمَنِ فِي خِلَالِ الْأَجَلِ، أَوْ عِنْدَ انْقِضَائِهِ، أَوْ بَعْدَهُ عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُ وَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي تَفْوِيتُهُ فِي خِلَالِ الْأَجَلِ، فَإِنْ فَعَلَ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ نَقَضَ إنْ أَرَادَهُ الْبَائِعُ وَرُدَّ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ إلَّا عَلَى بُعْدٍ مِنْ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَضْرِبَا لِذَلِكَ أَجَلًا فَلِلْبَائِعِ أَخْذُهُ مَتَى جَاءَهُ بِالثَّمَنِ فِي قُرْبِ الزَّمَانِ، أَوْ بُعْدِهِ مَا لَمْ يُفَوِّتْهُ الْمُبْتَاعُ، فَإِنْ فَوَّتَهُ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَإِنْ قَامَ عَلَيْهِ حِينَ أَرَادَ التَّفْوِيتَ فَلَهُ مَنْعُهُ بِالسُّلْطَانِ إذَا كَانَ مَالُهُ حَاضِرًا، فَإِنْ بَاعَهُ بَعْدَ مَنْعِ السُّلْطَانِ لَهُ رُدَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْنَعَهُ السُّلْطَانُ نَفَذَ بَيْعُهُ اهـ. وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ كَلَامِ الْمُتَيْطِيَّةِ.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ سَلَّمُونِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْمُؤَقَّتَةِ إنْ جَاءَهُ بِالثَّمَنِ فِي الْأَجَلِ، أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ، وَالْقُرْبُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمُ وَنَحْوُهُ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَنَقَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِاخْتِصَارٍ فَقَالَ الطَّوْعُ بِهَا - أَيْ بِالثُّنْيَا بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَقَبْضِ عِوَضِهِ دُونَ تَوْطِئَةٍ وَلَا مُوَاعَدَةٍ
стр. 290
وَلَا مُرَاوَضَةٍ مُؤَقَّتَةٍ وَمُطْلَقَةٍ - حَلَالٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ سِوَى الْفُرُوجِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْجَارِيَةِ إلَى اسْتِبْرَائِهَا اهـ.
وَلَفْظُ نَوَازِلِ أَصْبَغَ فَذَلِكَ جَائِزٌ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ لَازِمٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ السِّلَعِ وَالْحَيَوَانِ مَا عَدَا الْفُرُوجَ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا الشَّرْطُ الَّذِي جُعِلَ لَهُ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي الْجَارِيَةِ إلَى اسْتِبْرَائِهَا وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا سَبِيلَ لَهُ فِيهِ إلَى الْوَطْءِ فَيَجُوزُ، وَمَا كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَأَرَى أَنْ يَبْطُلَ إلَّا أَنْ يُدْرِكَهَا بِحَرَارَتِهَا عَلَى نَحْوِ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ يَخْلُ عَلَيْهَا الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يُمَكَّنْ فَيُنَفِّذُ لَهُ أَيْضًا وَإِلَّا فَلَا.
وَأَمَّا إهْمَالُهُمْ فِي السِّلَعِ غَيْرِ الْفُرُوجِ هَذَا الشَّرْطَ بِلَا وَقْتٍ فَذَلِكَ لَازِمٌ إنْ أَدْرَكَهَا فِي يَدِهِ، فَإِنْ خَرَجَتْ سَقَطَ، وَإِنْ وَقَّتَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا وَلَا يُحْدِثَ فِيهَا شَيْئًا يَقْطَعُ ذَلِكَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَ إنَّ الْعَقْدَ إذَا سَلِمَ مِنْ الشُّرُوطِ وَكَانَ أَمْرًا مُطَاعًا بِهِ بَعْدَهُ عَلَى غَيْرِ وَأْيِ وَلَا مُوَاطَأَةٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ مَالِكٍ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مَا عَدَا جَارِيَةَ الْوَطْءِ إذْ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةً قَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ فِيهَا شَرْطًا لِغَيْرِهِ وَمَا عَدَا جِوَارِي الْوَطْءِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَجَلٌ لَزِمَ إلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُفَوِّتَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجَلٌ فَذَلِكَ لَازِمٌ مَا لَمْ يُفَوِّتْهُ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يُفَوِّتَهُ بِفَوْرِ ذَلِكَ وَمِمَّا يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ قَطْعَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ اهـ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ فَتُّوحٍ إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا فِي الثُّنْيَا الْمُنْعَقِدَةِ بِالطَّوْعِ أَنَّهَا كَانَتْ شَرْطًا فِي الْعَقْدِ حَلَفَ الْآخَرُ عَلَى نَفْيِهِ لِمَا عُرِفَ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ الْعَقْدِ فِي الظَّاهِرِ بِخِلَافِ الْبَاطِنِ وَلَا يَسْقُطُ حَلِفُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ حَضَرَتْ ابْتِيَاعَهُ عَلَى الصِّحَّةِ. ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ حَضَرَتْ الْبَيِّنَةُ ابْتِيَاعَهَا أَنَّ مُجَرَّدَ ذِكْرِهِ فِي وَثِيقَةِ التَّبَايُعِ لَا يُسْقِطُ هَذِهِ الْيَمِينَ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّ ذِكْرَهُ فِي الْوَثِيقَةِ يُسْقِطُهَا وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَنَحْوُهُ حَكَاهُ فِي مَسْأَلَةِ دَعْوَى الرَّهْنِ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ.
قَالَ ابْنُ سَلَّمُونِ: فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ شَرْطًا فِي نَفْسِ الْبَيْعِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ كَانَ طَوْعًا فَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الطَّوْعِ مَعَ يَمِينِهِ وَقِيلَ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ مَعَ الْبَيِّنَةِ الَّتِي قَامَتْ لَهُ بِالطَّوْعِ وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِمِثْلِ هَذَا فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ وَإِلَّا فَلَا.
وَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ قَالَ الْمُشَاوِرُ مَنْ ادَّعَى مِنْهُمَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ شَرْطًا فِي نَفْسِ الصَّفْقَةِ حَلَفَ وَفَسَخَ الْبَيْعُ لِمَا جَرَى مِنْ عُرْفِ النَّاسِ وَبِذَلِكَ الْفَتْوَى عِنْدَنَا اهـ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ فِيمَا تَطَوَّعَ بَعْدَ الْعَقْدِ بِالثُّنْيَانِ أَنَّ الْمَبِيعَ رَهْنٌ تَحَيَّلَ بِطَوْعِ الثُّنْيَا لِإِسْقَاطِ حَوْزِهِ فَفِي وُجُوبِ حَلِفِ الْمُبْتَاعِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْبَائِعُ وَثَبَتَ قَوْلُهُ وَسُقُوطُهُ بِبَيِّنَةِ الْعَقْدِ. ثَالِثُهَا إنْ كَانَ مُتَّهَمًا فَذَلِكَ. وَرَابِعُهَا إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ وَالْعَمَلُ بِمِثْلِ هَذَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِلَّا حَلَفَ الْمُبْتَاعُ.
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِلْمُتَيْطِيِّ عَنْ ابْنِ لُبَابَةَ قَائِلًا هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ الْمَاضِينَ مَعَ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ
стр. 291
قَائِلًا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي حَكَاهُ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثِّقِينَ وَالْعَمَلُ بِهِ. وَالثَّالِثُ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى وَحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَصْبَغَ. وَالرَّابِعُ قَوْلُ ابْنِ أَيْمَنَ مَعَ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ وَعَزَا ابْنُ غَازِيٍّ الثَّالِثَ لِسَحْنُونٍ وَغَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَتَقَعُ فِي بَلَدِنَا هَذِهِ الدَّعْوَى فِيمَا عَقَدَهُ دُونَ طَوْعٍ بَعْدَهُ بِالثُّنْيَا، وَهُوَ أَضْعَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ فَيَجْرِي فِيهَا غَيْرُ الرَّابِعِ اهـ. نَقَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ابْنُ غَازِيٍّ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ لِلثَّوَابِ وَالْهِبَةُ بِيَدِهِ فَهِيَ نَافِذَةٌ كَالْبَيْعِ وَلِلْمَوْهُوبِ قَبْضُهَا إنْ دَفَعَ الْعِوَضَ لِلْوَرَثَةِ فَرَاجِعْهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ التَّوْضِيحُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى بَيْعِ الْخِيَارِ، وَأَنَّهُ يُوَرَّثُ أَقَامَ مُحَمَّدٌ أَبُو صَالِحٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ الْخِيَارَ يُوَرَّثُ أَنَّ الثُّنْيَا أَيْ الْجَائِزَةَ تُوَرَّثُ إنْ مَاتَ الْمُتَطَوَّعُ لَهُ بِهَا وَاخْتَلَفُوا إذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي الَّذِي تَطَوَّعَ بِالثُّنْيَا هَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ وَرَثَتَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إبْرَاهِيمَ، أَوْ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ وَرَثَتَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَضْلِ رَاشِدٍ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَاحْتَجَّ أَبُو إبْرَاهِيمَ بِمَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ فِي الَّذِي يَقُولُ: لِجَارِيَتِهِ إنْ جِئْتنِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَمَاتَ أَنَّ الْعِتْقَ يَلْزَمُ وَرَثَتَهُ إنْ جَاءَتْهُمْ بِالْأَلْفِ. أَبُو الْحَسَنِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ قَطَّاعَةٌ وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْكِتَابَةِ وَهِيَ لَازِمَةٌ وَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَلْزَمُهُمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِيمَنْ بَاعَ سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ عَلَى أَنْ يَبْقَى الدَّيْنُ إلَى أَجَلِهِ، وَإِنْ فَلَّسَ الْمَطْلُوبُ، أَوْ مَاتَ فَمَاتَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ مَاتَ الطَّالِبُ بَعْدَهُ أَنَّ وَرَثَةَ الطَّالِبِ لَا يَلْزَمُهُمْ التَّأْخِيرُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثُّنْيَا لَا تَلْزَمُ وَرَثَةَ الْمُشْتَرِي اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ عَاتٍ عَنْ ابْنِ تَلِيدٍ مَنْ مَاتَ، وَقَدْ قَالَ بَعْدَ وُجُوبِهِ أَيْ لِلْبَيْعِ مَتَى جِئْتنِي بِالثَّمَنِ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْك لَزِمَ ذَلِكَ وَرَثَتَهُ إذَا أَعْطَوْا الثَّمَنَ، وَمِنْ الِاسْتِغْنَاءِ إنْ كَانَ هَذَا التَّطَوُّعُ ثُمَّ يَجْرِي مَجْرَى الْهِبَةِ فَهِيَ هِبَةٌ لَمْ تَجُزْ فَتَأَمَّلْ قَوْلَ ابْنِ تَلِيدٍ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ بَابِ الْعِدَةِ اهـ.
قُلْت: وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَ كَلَامِ ابْنِ تَلِيدٍ وَمَا قَالَهُ أَبُو الْفَضْلِ رَاشِدٌ وَرَجَّحَهُ أَبُو الْحَسَنِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ الثُّنْيَا إذَا كَانَتْ عَلَى الطَّوْعِ فَهِيَ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَالْمَعْرُوفُ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ فِي تَحْلِيلِ التَّقْيِيدِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ قَوْلِهَا: " وَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ لِلثَّوَابِ " قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا التَّازَغْدَرِيُّ كَلَامُ ابْنِ الْهِنْدِيِّ مُشْكِلٌ فِي نَفْسِهِ إذْ لَمْ يَجْعَلْ الْمَعْرُوفَ يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ مَعَ أَنَّهُ مَحُوزٌ بِحَوْزِ الدَّيْنِ فَانْظُرْ فِيهِ وَاَلَّذِي فِي طِرَازِ ابْنِ عَاتٍ أَنَّ الثُّنْيَا تَلْزَمُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى مَا فِي ابْنِ عَاتٍ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى بَيْعِ الثُّنْيَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا
стр. 292
وَذَكَرَ النَّهْيَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ قُلْت: لَا أَعْلَمُ مُسْتَنَدًا لِأَقْوَالِ الشُّيُوخِ بِصِحَّةِ الطَّوْعِ بِالثُّنْيَا بَعْدَ الْعَقْدِ إلَّا مَا فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ وَفِيهِ لِمَنْ أَنْصَفَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَهَا إنْ عُدَّ مِنْ جِهَةِ الْمُبْتَاعِ عَقْدًا بَتًّا فَهُوَ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ خِيَارٌ فَيَجِبُ تَأْجِيلُهُ لِقَوْلِهَا مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ جَعَلَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ الْخِيَارَ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ لَزِمَهُمَا إنْ كَانَ يَجُوزُ مِثْلُهُ، وَهُوَ بَيْعٌ مُؤْتَنَفٌ كَبَيْعِ الْمُشْتَرِي لَهَا مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ مَعَ قَوْلِهَا مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا بِالْخِيَارِ، وَلَمْ يَضْرِبْ لَهُ أَمَدًا جَازَ وَيُضْرَبُ لَهُ مِنْ الْأَمَدِ مَا يَنْبَغِي فِي مِثْلِ تِلْكَ السِّلْعَةِ اهـ.
قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا عَقْدُ بَيْعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْهِبَاتِ فِي امْرَأَةٍ قَالَتْ لِزَوْجِهَا إنْ حَمَلْتنِي إلَى أُخْتِي فَمَهْرِي عَلَيْك صَدَقَةٌ فَبَدَا لَهُ أَنْ يَحْمِلَهَا فَخَرَجَتْ إلَى أُخْتِهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ إنْ كَانَتْ خَرَجَتْ مُبَادِرَةً لِقَطْعِ مَا جَعَلَتْ لَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ، وَإِنْ كَانَ امْتَنَعَ مِنْ الْخُرُوجِ بِهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ فَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا وَضَعَتْ لَهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ كَانَ الشُّيُوخُ يَحْمِلُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْخِلَافِ لِمَا فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ فِي الَّتِي وَضَعَتْ مَهْرَهَا لِزَوْجِهَا عَلَى أَنْ يَحْجُبَهَا أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ وَالصَّوَابُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِخِلَافٍ، وَأَنَّهَا إنْ وَضَعَتْ لَهُ صَدَاقَهَا عَلَى أَنْ يَحْجُبَهَا مِنْ مَالِهِ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ إنْ تَصَدَّقَتْ بِمَهْرِهَا عَلَى أَنْ يَحْمِلَهَا لِأُخْتِهَا مِنْ مَالِهِ فَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا وَضَعَتْ لَهُ الصَّدَاقَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا وَلَا تَمْضِي مُفْرَدَةً لَا عَلَى أَنْ يَحْمِلَهَا مِنْ مَالِهِ، أَوْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا فِي سَفَرِهِ سِوَى النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ فِي مُقَامِهَا، فَإِذَا حُمِلَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى هَذَا صَحَّتْ وَكَانَتْ مُوَافِقَةً لِلْأُصُولِ وَلَعَلَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ يَخْرُجُ مَعَهَا فَكَأَنَّهَا بَذَلَتْ لَهُ الصَّدَاقَ عَلَى دَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهَا بِخُرُوجِهِ مَعَهَا. وَنَصُّ مَا فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ الْقَوْلُ عَلَى وَضْعِهَا الصَّدَاقَ عَلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ اهـ.
وَنَصُّ مَا فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ السَّلَمِ قَالَ أَصْبَغُ سَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الْمَرْأَةِ تَضَعُ عَنْ زَوْجِهَا مَهْرَهَا عَلَى أَنْ يَحُجَّ بِهَا. قَالَ هَذَا حَرَامٌ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ. وَقَالَ أَصْبَغُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَ إنَّهُ فَسْخُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ بِأَنَّهَا فَسَخَتْ مَالَهَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ فِي شَيْءٍ لَمْ تُنْجِزْهُ مِنْ إحْجَاجِهِ إيَّاهَا مِنْ مَالِهِ، إمَّا بِالشِّرَاءِ، وَإِمَّا بِالْكِرَاءِ وَالْقِيَامِ بِكُلِّ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ ذَاهِبَةً وَرَاجِعَةً. وَقَدْ وَقَعَ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ مَسْأَلَةٌ مُعَارِضَةٌ لِهَذِهِ فِي الظَّاهِرِ كَانَ الشُّيُوخُ يَحْمِلُونَهَا عَلَى أَنَّهَا خِلَافٌ لَهَا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ فَالْوَاجِبُ أَنْ تُتَأَوَّلَ بِمَا يُوَافِقُ الْأُصُولَ ثُمَّ ذَكَرَ نَصَّ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ ثُمَّ تَأَوَّلَهَا بِمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ.
стр. 293
[النَّوْعُ السَّادِسُ الِالْتِزَامُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُلْتَزَمِ لَهُ]
ُ بِفَتْحِ الزَّايِ كَقَوْلِك لِشَخْصٍ إنْ بَنَيْت بَيْتَك أَوْ إنْ تَزَوَّجَتْ فَلَكَ كَذَا وَحُكْمُهُ حُكْمُ الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى فِعْلِ غَيْرِ الْمُلْتَزِمِ وَالْمُلْتَزَمِ لَهُ فَهُوَ لَازِمٌ إذَا وَقَعَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي إلَّا أَنَّهُمْ لَاحَظُوا فِي هَذَا كَوْنَهُ فِي مَعْنَى الْعِوَضِ عَنْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ فَجَعَلُوهُ لَازِمًا لَا يَفْتَقِرُ إلَى حِيَازَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي التَّنْبِيهِ الْأَوَّلِ مِنْ النَّوْعِ الرَّابِعِ وَكَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ الْآنَ.
قَالَ فِي رَسْمِ الْكِرَاءِ وَالْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ وَسَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ لِابْنِهِ: أَصْلِحْ نَفْسَك وَتَعَلَّمْ الْقُرْآنَ وَلَك قَرْيَتِي فُلَانَةُ فَيُصْلِحُ نَفْسَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَمُوتُ أَبُوهُ، وَهُوَ لَمْ يَبْلُغْ الْحَوْزَ وَالْمَنْزِلُ فِي يَدِ أَبِيهِ هَلْ تَرَى الصَّدَقَةَ لَهُ جَائِزَةً؟ قَالَ: لَا إذَا كَانَ إنَّمَا هُوَ قَوْلٌ هَكَذَا إلَّا أَنْ يُعْرَفَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ بِإِشْهَادٍ يَشْهَدُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ لِقَوْمِ: اشْهَدُوا أَنَّهُ إنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَقَدْ وَهَبْته، أَوْ تَصَدَّقْت عَلَيْهِ بِعَبْدِي، أَوْ قَرْيَتِي فَيَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ إذَا كَانَ فِي وِلَايَةِ أَبِيهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ حَوْزًا لَهُ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيضِ فَلَا أَرَى ذَلِكَ لِلِابْنِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ قَوِيٍّ مِثْلِ مَا وَصَفْت لَك مِنْ الْإِشْهَادِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَك قَرْيَتِي فُلَانَةُ تَمْلِيكُهُ إيَّاهَا بِإِصْلَاحِهِ لِنَفْسِهِ وَتَعَلُّمِهِ الْقُرْآنَ وَلَيْسَ بِنَصٍّ عَلَى ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْعَبْدِ هَلْ يَمْلِكُ، أَوْ لَا يَمْلِكُ مَعَ إضَافَةِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَالَ لَهُ بِهَذِهِ اللَّامِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا لَامَ الْمِلْكِ فَقَالَ «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» وَقَالَ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» فَلَمْ يَكُنْ هُوَ وَمَالُهُ مِلْكًا لِأَبِيهِ فَلَمَّا احْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ قَرْيَتِي فُلَانَةُ تَسْكُنُهَا أَوْ تَرْتَفِقُ بِمَرَافِقِهَا، أَوْ تُنْفِذُ أَمْرَك فِيهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَمْ يَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يَنْقُلُ مِلْكَهُ عَنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ تَصَدَّقْت عَلَيْهِ بِهَا، أَوْ وَهَبْتهَا لَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَتَجُوزُ لَهُ الْهِبَةُ وَتَصْلُحُ لَهُ حِيَازَةٌ إذَا كَانَ صَغِيرًا فِي وِلَايَةِ أَبِيهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَا أَوْجَبَ لَهُ الْقَرْيَةَ مِنْ إصْلَاحِهِ نَفْسَهُ وَتَعَلُّمِهِ الْقُرْآنَ عِوَضًا لَهَا فَمَضَى لَهُ دُونَ حِيَازَةٍ وَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ. ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ مَنْ أَعْطَى زَوْجَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ دَارِهِ عَلَى أَنْ تُسْلِمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِيهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ فِي رَجُلٍ قَالَ لِابْنِهِ إنْ تَزَوَّجْتَ فَلَكَ جَارِيَتِي فُلَانَةُ هَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ إذَا تَزَوَّجَ فَهِيَ لَهُ، فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ أَخَذَهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ قَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ: وَإِنْ كَانَ عَلَى الْأَبِ دَيْنٌ حَاصَّ الْغُرَمَاءَ بِذَلِكَ قَالَ عِيسَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هِيَ لَهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ إنْ فَلَّسَ، وَإِنْ مَاتَ أَخَذَهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الدَّيْنِ فِيهَا شَيْءٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَوْ قَالَ لَك مِائَةُ دِينَارٍ إنْ تَزَوَّجْتَ كَانَ هُوَ وَالْغُرَمَاءُ سَوَاءً فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ. وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّهُ أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ مِنْ
стр. 294
الْغُرَمَاءِ، وَأَنَّهُ يُحَاصِصُ بِالدَّيْنِ هُوَ الصَّحِيحُ لَا مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَمَعْنَاهُ إذَا وُهِبَتْ لَهُ الْهِبَةُ.
(فَرْعٌ) وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَيْضًا الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الْأَوَّلِ فِيمَا إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْ السِّلْعَةَ الَّتِي اشْتَرَيْتهَا مِنِّي وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك فَكَأَنَّهُ قَالَ إنْ بِعْتهَا بِأَقَلَّ مِمَّا اشْتَرَيْتهَا مِنِّي فَالنُّقْصَانُ عَلَيَّ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الْقَضَاءِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ وَفِي آخِرِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَفِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِدَّةِ وَتَحْصِيلُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِيهَا أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ يَقُولَ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ.
فَأَمَّا إنْ بَاعَ السِّلْعَةَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِدَّةِ اتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِيمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ سِلْعَتَهُ، أَوْ جَارِيَتَهُ مِنْ الرَّجُلِ بِثَمَنٍ يُسَمِّيه لَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا نُقْصَانَ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَقَعَ وَعَثَرَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَوَاتِ فَسَخَ، وَإِنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَيْهِ حَتَّى فَاتَ بِبَيْعٍ، أَوْ حَوَالَةِ سُوقٍ، أَوْ مَوْتٍ فَاخْتُلِفَ هَلْ يُحْكَمُ فِي ذَلِكَ بِحُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، أَوْ بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ فَقِيلَ إنَّهُ يُحْكَمُ فِي ذَلِكَ بِحُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ وَأَحَدُ قَوْلَيْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ.
وَقِيلَ: إنَّهُ يُحْكَمُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى بَيْعِهَا بِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ رِبْحٍ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ لَهُ فَتَكُونُ الْمُصِيبَةُ فِيهَا مِنْ الْبَائِعِ إنْ مَاتَتْ وَتُرَدُّ إلَيْهِ إنْ فَاتَتْ بِحَوَالَةِ أَسْوَاقٍ أَوْ عَيْبٍ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُفْسِدَةِ وَيَكُونُ لَهُ الثَّمَنُ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ إنْ فَاتَتْ بِالْبَيْعِ، كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ لَهُ أَوْ أَكْثَرَ وَيَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي بَيْعِهِ إيَّاهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَقَوْلُهُ فِي الْمُوَطَّإِ وَقَوْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ فِي الْوَاضِحَةِ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى فَوَّتَهَا الْمُبْتَاعُ بِهِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ عِتْقٍ إنْ كَانَ عَبْدًا، أَوْ حَمْلٍ إنْ كَانَ أَمَةً فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ فَقِيلَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْمُبْتَاعِ فِي ذَلِكَ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْهِبَةِ، أَوْ الصَّدَقَةِ أَوْ الْعِتْقِ، أَوْ الْإِحْبَال مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ: إنَّهَا بَيْعُ فَاسِدٌ وَيَرَاهَا فِي ضَمَانِهِ بِالْقَبْضِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَقِيلَ إنَّهَا أَيْ السِّلْعَةَ تَكُونُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ رِضًا مِنْهُ بِالثَّمَنِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ فَتَكُونُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ يَوْمَ الْقَبْضِ عَلَى حُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ قَوْلًا وَاحِدًا وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا. قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ لَا إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ خِلَافَ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَفِي مَوْطِئِهِ اهـ. وَقَبِلَ الْبَاجِيُّ قَوْلَ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ الْقَوْلَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ فَتَأَمَّلْهُ.
стр. 295
فَرْعٌ) إنْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى صِفَةٍ فَوَجَدَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ عَلَى خِلَافِ الصِّفَةِ فَأَرَادَ رَدَّهُ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ بِعْ وَلَا وَضَيْعَةَ عَلَيْك فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِدَّةِ فِيمَنْ اشْتَرَى طَعَامًا بِعَيْنِهِ فَلَمَّا ذَهَبَ يَقْبِضُهُ وَجَدَهُ مُسَوَّسًا فَسَخِطَهُ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ بِعْ وَلَا وَضَيْعَةَ عَلَيْك فَحَمَلَهُ فِي سَفِينَةٍ فَغَرِقَتْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مُصِيبَتُهُ مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا هُوَ بَيْعٌ حَادِثٌ فَضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ وَيُعْطِي الْمُشْتَرِيَ أُجْرَتَهُ فِيمَا حَمَلَهُ وَشَخَصَ بِهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْقَوْلِ عَلَى أَنْ لَا نُقْصَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِشَرْطٍ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ تَكُونُ الْمُصِيبَةُ فِيهَا مِنْ الْبَائِعِ وَلِلْمُبْتَاعِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ الطَّعَامَ مُسَوَّسًا وَجَبَ نَقْضُ الْبَيْعِ فَقَوْله لَهُ بَعْدَ وُجُوبِ الْبَيْعِ لَمَّا وَجَبَ رَدُّهُ بِسَبَبِ الْعَيْبِ بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ الْآنَ بَيْعٌ مُبْتَدَأٌ اهـ.
قُلْت: وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ فَيَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَيَلْزَمُهُ مِثْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك فَقَالَ مَالِكٌ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ أَرَى ذَلِكَ لَازِمًا لَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك أَيْ بِعْ وَالنُّقْصَانُ عَلَيَّ فَهُوَ أَمْرٌ قَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَعْرُوفُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَمُتْ أَوْ يُفْلِسْ وَسَوَاءٌ قَالَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِدَ أَوْ بَعْدَمَا انْتَقَدَ إلَّا أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِدَ: اُنْقُدْنِي وَبِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَقَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِدَّةِ إنَّهُ لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِ عُيُوبٌ وَخُصُومَاتٌ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي رَسْمِ الْقَضَاءِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ.
وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إذَا قَبَضَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ جَازَ لَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْتَرِي: بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك وَقَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِدَّةِ مَسْأَلَةٌ: قُلْت فَالرَّجُلُ يَشْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ طَعَامًا نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَاسْتَغْلَاهُ فَقَالَ لِلْبَائِعِ فَقَالَ لَهُ بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك ثُمَّ قَالَ لَهُ بِعْ عَشَرَةَ أَرَادِبَ فَمَا نَقَصَ مِنْهَا وَضَعْت لَك مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ بِحِسَابِ ذَلِكَ كَأَنْ اشْتَرَى مِنْهُ مِائَةَ إرْدَبٍّ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا فَبَاعَ الْعَشَرَةَ بِدِينَارَيْنِ فَوَضَعَ عَنْهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَقَالَ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ نَقْدًا، أَوْ إلَى أَجَلٍ قَبَضَ الثَّمَنَ، أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ. ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ يَشْتَرِي طَعَامًا نَقْدًا، أَوْ إلَى أَجَلٍ مَعْنَاهُ يَشْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ طَعَامًا بِثَمَنٍ نَقْدًا، أَوْ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ.
وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَسَوَاءٌ قَبَضَ الثَّمَنَ، أَوْ لَمْ يَقْبِضْ كَلَامٌ فِيهِ نَظَرٌ أَمَّا إذَا لَمْ يَقْبِضْ الْبَائِعُ الثَّمَنَ فَوَضَعَ عَلَى الْمُبْتَاعِ الْعَشَرَةَ الَّتِي انْتَقَصَ فِي الطَّعَامِ فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْوَضِيعَةِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ
стр. 296
قَدْ قَبَضَ ثَمَنَ الطَّعَامِ مِنْهُ وَغَابَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَدَّ إلَيْهِ مِنْهُ مَا انْتَقَصَ فِي ثَمَنٍ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَيَدْخُلُهُ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ؛ لِأَنَّ مَا رُدَّ إلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ يَكُون سَلَفًا وَمَا بَقِيَ مِنْهُ يَكُونُ ثَمَنًا لِلطَّعَامِ فَيُتَّهَمَانِ عَلَى الْقَصْدِ إلَى ذَلِكَ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ أَوْ لَمْ يَكُونَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ إلَى أَجَلٍ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ نَقْدًا فَلَا يُتَّهَمَا فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ، وَهَذَا فِيمَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْمَنْعِ مِنْ الذَّرَائِعِ، فَإِنْ طَلَبَ الْمُبْتَاعُ الْوَضِيعَةَ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُتَّهَمَانِ فِيهِ عَلَى أَنَّهُمَا قَصَدَا إلَى الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ، وَلَمْ يَعْثُرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَبَضَ الْمُبْتَاعُ الْعَشَرَةَ فَيَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَرُدُّ الْعَشَرَةَ وَلَا يَفْسَخُ الْبَيْعَ. وَالثَّانِي أَنَّهُ يَفْسَخُ الْبَيْعَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَا لَمْ يَعْمَلَا عَلَى ذَلِكَ وَلَا قَصَدَا إلَيْهِ اهـ.
فَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْبَائِعُ لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لِلْمُبْتَاعِ: بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: اُنْقُدْنِي الْآنَ الثَّمَنَ ثُمَّ بِعْ وَمَهْمَا نَقَصَ أُعْطِيك بَدَلَهُ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ قَبَضَ الثَّمَنَ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ قَدْ وَقَعَ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ قَبَضَ الثَّمَنَ ثُمَّ قَالَ لِلْمُبْتَاعِ بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا يُتَّهَمَانِ أَنْ يَكُونَا قَصَدَا إلَى الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِالْوَضِيعَةِ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا إنْ كَانَا لَمْ يَقْصِدَا الْبَيْعَ وَالسَّلَفَ.
وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ قَدْ وَقَعَ نَقْدًا ثُمَّ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُبْتَاعِ بِعْ وَلَا نَقْصَ عَلَيْك فَيَجُوزُ ذَلِكَ وَيُحْكَمُ بِهِ وَلَا يُتَّهَمَانِ عَلَى الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ إلَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ، فَإِنَّهُمَا يُتَّهَمَانِ عَلَى ذَلِكَ فَيُقَيَّدُ كَلَامُهُ بِكَلَامِهِ. وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ الثَّانِي حُكْمُ مَا إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ انْتَقِدْنِي الثَّمَنَ وَلَا نَقْصَ عَلَيْك وَفَعَلَ ذَلِكَ وَنَقَدَهُ ثُمَّ بَاعَ بِنُقْصَانٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَيْعٌ وَسَلَفٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إثْرَ الْكَلَامِ السَّابِقِ، فَإِنْ بَاعَ بِنُقْصَانٍ لَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النُّقْصَانَ إنْ كَانَ انْتَقَدَ، وَأَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا بَاعَ بِهِ إنْ كَانَ لَمْ يَنْتَقِدْ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُغْبَنْ فِي الْبَيْعِ غَبْنًا بَيِّنًا وَبَاعَ بِالْقُرْبِ، وَلَمْ يُؤَخِّرْ حَتَّى تَحُولَ الْأَسْوَاقُ، فَإِنْ أَخَّرَ حَتَّى حَالَتْ الْأَسْوَاقُ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ اهـ.
(فَرْعٌ) قَالَ أَشْهَبُ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ: وَسَمِعْت مَالِكًا يَسْأَلُ عَنْ الْمُبْتَاعِ يُقَالُ لَهُ بِعْ وَلَا وَضِيعَةَ عَلَيْك ثُمَّ يَقُولُ: وَضَعْت كَذَا وَكَذَا أَيُصَدِّقُ قَالَ إذَا جَاءَ بِمَا يُشْبِهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي النُّقْصَانِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَنَهُ فَوَجَبَ أَنْ يُصَدِّقَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُسْتَنْكَرُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْبَيَانِ وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ عَبْدًا فَأَبِقَ، أَوْ مَاتَ فَقِيلَ إنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ وَقِيلَ إنَّهُ
стр. 297
مَوْضُوعٌ عَنْهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِدَّةِ قَالَ فِيهِ: وَأَمَّا إنْ كَانَ ثَوْبًا، أَوْ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي تَلَفِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَلَا يَحِلُّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَطَأَهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً إذَا رَضِيَ بِالشَّرْطِ وَقَبِلَهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ وَطِئَ لَزِمَتْهُ الْجَارِيَةُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلَا يَتَعَدَّى عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَطِئَ، فَقَدْ تَرَكَ مَا جُعِلَ لَهُ.
[النَّوْع السَّابِع الِالْتِزَام الْمُعَلَّق عَلَى الْفِعْل الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَة لِغَيْرِ الملتزم والملتزم لَهُ]
(النَّوْعُ السَّابِعُ) الِالْتِزَامُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِغَيْرِ الْمُلْتَزِمِ وَالْمُلْتَزَمِ لَهُ كَقَوْلِك إنْ وَهَبْتَ عَبْدَك لِفُلَانٍ فَلَكَ عِنْدِي كَذَا، أَوْ إنْ أَسْكَنْته دَارَك سَنَةً فَلَكَ عِنْدِي كَذَا، أَوْ إنْ جِئْت لِفُلَانٍ بِعَبْدِهِ فَلَكَ عِنْدِي كَذَا، وَهُوَ كَالنَّوْعِ الْخَامِسِ فَهُوَ إمَّا مِنْ بَابِ هِبَةِ الثَّوَابِ، أَوْ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ أَوْ مِنْ بَابِ الْجَعْلِ فَيُشْتَرَطُ فِي كُلِّ نَوْعٍ شُرُوطُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّوْعِ الْخَامِسِ وَلِذَلِكَ أَجَازُوا أَنْ يَقُولَ: إنْ أَعْتَقْت عَبْدَك فَلَكَ عِنْدِي كَذَا، أَوْ خُذْ كَذَا وَأَعْتِقْ عَبْدَك وَقَالُوا: إنَّهُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِخِلَافِ خُذْ مِائَةً وَدَبِّرْ عَبْدًا وَاِتَّخِذْ أَمَتَكَ أُمَّ وَلَدٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ وَقَعَ لَزِمَهُ التَّدْبِيرُ وَيَرُدُّ الْمَالَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْخَاتِمَةِ.
(تَنْبِيهٌ) مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا إذَا بَذَلَ شَخْصٌ لِرَجُلٍ مَالًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ ذَلِكَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ أَوْ الْتَزَمَ لَهُ بِمَالٍ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بَذْلُ الْمَالِ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي بَابِ الْخُلْعِ وَلِذَلِكَ شَرَطُوا فِي جَوَازِ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ إضْرَارَ الْمَرْأَةِ بِإِسْقَاطِ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْمَذْهَبُ بِمَا إذَا كَانَ الْغَرَضُ مِنْ الْتِزَامِ الْأَجْنَبِيِّ لِلزَّوْجِ حُصُولَ مَصْلَحَةٍ، أَوْ دَرْءَ مَفْسَدَةٍ تَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ الْأَجْنَبِيِّ مِمَّا لَا يُقْصَدُ بِهِ إضْرَارُ الْمَرْأَةِ.
وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الزَّمَانِ فِي بَلَدِنَا مِنْ الْتِزَامِ أَجْنَبِيٍّ ذَلِكَ وَلَيْسَ قَصْدُهُ إلَّا إسْقَاطَ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْعِدَّةِ لِلْمُطَلَّقَةِ عَلَى مُطَلِّقِهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ ابْتِدَاءً وَفِي انْتِفَاعِ الْمُطَلِّقِ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ نَظَرٌ اهـ. وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلُ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَاذِلُ الْخُلْعِ مَنْ صَحَّ مَعْرُوفُهُ وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجَةِ مُسْتَقِلًّا.
قُلْت: مَا لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرَهَا بِإِسْقَاطِهِ نَفَقَةً فَيَنْبَغِي رَدُّهُ كَشِرَاءِ دَيْنِ الْعَدُوِّ وَفِيهَا مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْ امْرَأَتَك وَلَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَفَعَلَ لَزِمَ ذَلِكَ الرَّجُلَ اهـ.
قُلْت: وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ تَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ الْأَجْنَبِيِّ لَيْسَ شَرْطًا بَلْ الْقَصْدُ أَنْ يَكُونَ لِلْإِضْرَارِ بِالزَّوْجَةِ سَوَاءٌ كَانَ بِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَى الزَّوْجَةِ فَتَكُونُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، أَوْ تَعُودُ إلَى الزَّوْجِ فَتَكُونُ مِنْ النَّوْعِ السَّادِسِ، أَوْ تَعُودُ إلَى الْأَجْنَبِيِّ الْمُلْتَزِمِ فَتَكُونُ مِنْ النَّوْعِ الْخَامِسِ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إلَّا نَفَقَةَ الْعِدَّةِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً، فَإِنْ وَقَعَ بِمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ يَنْبَغِي رَدُّهُ أَنْ يَبْطُلَ الِالْتِزَامُ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
стр. 298
[الْبَابُ الرَّابِعُ الْمُعَلَّقُ عَلَى غَيْرِ فِعْلِ الْمُلْتَزِمِ وَالْمُلْتَزَمِ لَهُ]
ُ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الِالْتِزَامِ الْمُطْلَقِ فَيُقْضَى بِهِ إذَا وُجِدَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْمُلْتَزَمُ لَهُ مُعَيَّنًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا فَلَا يُقْضَى بِهِ وَفُرُوعُهُ كَثِيرَةٌ أَكْثَرُ مَسَائِلِهِ مِنْ بَابِ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ وَبَابِ الضَّمَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الثَّانِي فِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ نَحْوَ إنْ شَفَانِي اللَّهُ مِنْ مَرَضِي فَلَكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ يَقْضِي بِذَلِكَ عَلَى قَائِلِهِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ إنْ لَمْ يُوفِك فُلَانٌ حَقَّك فَهُوَ عَلَيَّ، وَلَمْ يَضْرِبْ لِذَلِكَ أَجَلًا تَلَوَّمَهُ لِذَلِكَ السُّلْطَانُ بِقَدْرِ مَا يَرَى ثُمَّ أَلْزَمَهُ الْمَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَرِيمُ حَاضِرًا مَلِيًّا، وَإِنْ قَالَ إنْ لَمْ يُوَفِّك حَقَّك حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ عَلَيَّ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْكَفِيلِ حَتَّى يَمُوتَ الْغَرِيمُ؛ لِأَنَّهُ أَجَلٌ ضَرَبَهُ لِنَفْسِهِ وَقَالَ قَبْلَهُ: وَمَنْ تَكَفَّلَ لِرَجُلٍ بِمَا أَدْرَكَهُ مِنْ دَرْكٍ فِي جَارِيَةٍ ابْتَاعَهَا مِنْ رَجُلٍ، أَوْ دَارٍ، أَوْ غَيْرِهَا جَازَ ذَلِكَ وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ حِينَ الدَّرْكِ فِي غَيْبَةِ الْبَائِعِ، أَوْ عَدَمِهِ.
قُلْت: وَمِثْلُ هَذَا مَا يُكْتَبُ الْيَوْمَ فِي مُسْتَنَدَاتِ الْبَيْعِ وَالْتَزَمَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ أَنَّهُ إنْ قَامَ عَلَيْهِ قَائِمٌ فِي هَذَا الْبَيْعِ فَعَلَيْهِ نَظِيرُ مَا يَغْرَمُهُ فُلَانٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
[فَرْعٌ قَالَ الشَّخْصُ إذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْفُلَانِيُّ فَلَكَ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا]
(فَرْعٌ) مِنْ ذَلِكَ إذَا قَالَ الشَّخْصُ إذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْفُلَانِيُّ فَلَكَ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إذَا جَاءَ الْوَقْتُ، وَهُوَ صَحِيحٌ غَيْرُ مُفْلِسٍ. قَالَ فِي رَسْمِ يُدَبِّرُ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْهِبَاتِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: خَمْسُونَ دِينَارًا صَدَقَةٌ عَلَيْك إلَى عَشْرِ سِنِينَ إلَّا أَنْ تَمُوتِي قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَك وَذَلِكَ لِوَلَدِي.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ عَلَى مَا قَالَ إنْ بَقِيَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى عَشْرِ سِنِينَ أَخَذَتْهَا إنْ كَانَ الزَّوْجُ صَحِيحًا، وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهَا وَهِيَ لِلْوَلَدِ إذَا جَاءَتْ الْعَشْرُ سِنِينَ، وَهُوَ حَيٌّ صَحِيحٌ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْعَشْرِ فَلَا شَيْءَ لِلْمَرْأَةِ وَلَا لِلْوَلَدِ، وَإِنْ أَتَتْ الْعَشَرَةُ، وَهُوَ مَرِيضٌ وَالْمَرْأَةُ بَاقِيَةٌ ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ فَلَا شَيْءَ لَهَا فِي ثُلُثٍ وَلَا رَأْسِ مَالٍ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ بَيِّنَةٌ لَا إشْكَالَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ بِهَا فِي حَالِ صِحَّتِهِ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ لِامْرَأَتِهِ فِي ذِمَّتِهِ إنْ بَقِيَتْ إلَى عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ وَلَدِهِ إنْ مَاتَتْ قَبْلَ الْعَشْرِ سِنِينَ، فَإِنْ أَتَتْ الْعَشْرُ سِنِينَ، وَهُوَ حَيٌّ صَحِيحٌ وَجَبَتْ الْخَمْسُونَ لَهَا كَانَتْ مَرِيضَةً أَوْ صَحِيحَةً
стр. 299
وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَتْ لِوَلَدِهِ صَحِيحًا كَانَ الْوَلَدُ، أَوْ مَرِيضًا، وَإِنْ أَتَتْ الْعَشْرُ سِنِينَ، وَهُوَ مَرِيضٌ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ وَلَا لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ لَمْ تَجُزْ حَتَّى مَرِضَ، أَوْ مَاتَ اهـ.
قُلْت: يُرِيدُ وَكَذَا لَوْ فَلَّسَ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَهِيَ مَنْ قَالَ ثَلَاثُونَ دِينَارًا مِنْ مَالِي صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ إلَى عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ عَبْدِي صَدَقَةٌ عَلَيْهِ إلَى عَشْرِ سِنِينَ أَنَّهُ إنْ أَتَتْ الْعَشْرُ سِنِينَ وَالْمُتَصَدِّقُ حَيٌّ أَخَذَهَا كَانَتْ دَنَانِيرَ، أَوْ عَبْدًا، وَإِنْ مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ بِهَا قَبْلَ الْعَشْرِ سِنِينَ فَلَا شَيْءَ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَلَا لِوَرَثَتِهِ عَاجِلًا وَلَا لِلْعَشْرِ سِنِينَ، وَإِنْ اسْتَحْدَثَ الْمُتَصَدِّقُ بِهَا دَيْنًا قَبْلَ الْعَشْرِ سِنِينَ بِيعَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ فِي دَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَتْ شَيْئًا بِعَيْنِهِ وَبَطَلَتْ الصَّدَقَةُ، وَأَمَّا إنْ أَرَادَ الْمُتَصَدِّقُ بِهَا بَيْعَهَا مِنْ غَيْرِ دَيْنٍ يَلْحَقُهُ، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً لَمْ يَطَأْهَا قَالَ: وَإِنْ مَاتَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ الْعَشْرِ سِنِينَ فَوَرَثَتُهُ بِمَنْزِلَتِهِ.
(فَرْعٌ) عُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُلْتَزِمَ إذَا عَلَّقَ الِالْتِزَامَ عَلَى أَجَلٍ مُعَيَّنٍ كَقَوْلِهِ بَعْدَ سَنَةٍ، أَوْ شَهْرٍ، أَوْ عَشْرِ سِنِينَ وَكَانَ الشَّيْءُ الَّذِي الْتَزَمَ إعْطَاءَهُ مُعَيَّنًا كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ وَإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا عَلَّقَ الِالْتِزَامَ عَلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ كَقَوْلِهِ إنْ جَاءَ أَبِي، أَوْ فُلَانٌ الْغَائِبُ، فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ قَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ إذَا قَدِمَ أَبِي فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْدَمَ أَبُوهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَيُوقَفُ لِيُنْظَرَ هَلْ يَقْدَمُ أَبُوهُ أَمْ لَا يَقْدَمُ؟ وَكَانَ يَعْرِضُ فِي بَيْعِهِ وَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْعَهُ وَوَطْأَهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً وَمَا هِيَ فِي هَذَا كَالْحُرَّةِ يَقُولُ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَلَهُ وَطْؤُهَا وَلَا تَطْلُقُ حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ.
وَأَمَّا إنْ أَعْتَقَ إلَى أَجَلٍ آتِ لَا بُدَّ مِنْهُ كَقَوْلِهِ أَنْتِ حُرَّةٌ إلَى شَهْرٍ، أَوْ سَنَةٍ، أَوْ إذَا مَاتَ فُلَانٌ، أَوْ إذَا حِضْتِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْبَيْعِ وَالْوَطْءِ وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ مُحَمَّدٌ إنْ قَالَ أَنْت حُرَّةٌ إنْ قَدِمَ أَبِي فَكَانَ مَالِكٌ يُصَرِّحُ بِإِجَازَةِ بَيْعِهَا وَيَعْرِضُ فِي بَيْعِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: إذَا قَدِمَ أَبِي ثُمَّ جَعَلَهُمَا سَوَاءً وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ إنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ " إنْ، وَإِذَا " فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ؛ لِأَنَّ " إذَا " كَأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِأَجَلٍ يَكُونُ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] وَذَلِكَ كَائِنٌ لَا بُدَّ، " وَإِنْ " أَغْلَبَ مَوْضِعِهَا لِلشَّرْطِ، وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْأَجَلِ فَحَمَلَ مَالِكٌ كُلَّ لَفْظٍ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَمْرِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَسَاوَى بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْعَامَّةَ لَا تَكَادُ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا اهـ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ لَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ أَرَادَ أَنَّ أَجَلَ عِتْقِهِ وَقْتُ مَجِيئِهِ الْمُعْتَادِ الْمَجِيءِ فِيهِ فَيَكُونُ حُرًّا إذَا جَاءَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَقٌ إلَى أَجَلٍ كَقَوْلِهِ أَنْتَ حُرًّا إلَى الْحَصَادِ، أَوْ إلَى مَجِيءِ الْحَاجِّ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ نَفْيَ الْقُدُومِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: جَاءَنِي كِتَابَهُ أَنَّهُ لَا يَقْدَمُ، أَوْ أَرَادَ بِهِ الشُّكْرَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى قُدُومِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
стр. 300
حَتَّى يَقْدُمَ اهـ.
وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ سَوَاءً قَالَ " إنْ "، أَوْ " إذَا " عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ، وَإِذَا جَازَ هَذَا فِي الْعِتْقِ فِي الْتِزَامِ الصَّدَقَةِ فَالْهِبَةُ مِنْ بَابٍ أَحْرَى، وَهَذَا بَيِّنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ تَرَكَتْ زَوْجَهَا وَوَلَدًا وَبِنْتًا مِنْهُ وَأَبًا وَتَرَكَتْ مَتَاعًا وَحُلِيًّا وَصَدَاقًا عَلَى زَوْجِهَا]
(فَرْعٌ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا وَقَعَ فِي أَوَّلِ رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ فِي امْرَأَةٍ تَرَكَتْ زَوْجَهَا وَوَلَدَهَا وَبِنْتًا مِنْهُ وَأَبَاهَا وَتَرَكَتْ مَتَاعًا وَحُلِيًّا وَصَدَاقًا عَلَى زَوْجِهَا فَقَالَ أَبُوهَا لِلزَّوْجِ إنْ تَصَدَّقْت بِنِصَابِك مِنْهَا مِنْ صَدَاقِهَا وَحُلِيِّهَا وَمَتَاعٍ وَغَيْرِهِ عَلَى وَلَدَيْهَا فَمِيرَاثِي مِنْهَا فِي جَمِيعِ مَا تَرَكْت صَدَقَةٌ عَلَيْهِمَا فَقَالَ الزَّوْجُ تَصَدَّقْت بِجَمِيعِ نِصَابِي عَلَيْهِمَا وَأَشْهَدُ لَهُمَا بِذَلِكَ فَمَاتَ الْجَدُّ، وَهُوَ أَبُو الزَّوْجَةِ وَمَاتَ أَبُو الْوَلَدَيْنِ وَالصَّبِيَّانِ طِفْلَانِ وَالْمَتَاعُ وَالْحُلِيُّ وَجَمِيعُ مَا تَرَكَتْ بِيَدِ أَبِيهِمَا وَالصَّدَاقُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَمَّا مَا تَرَكَتْ مِنْ الْمَتَاعِ وَالْحُلِيِّ فَهُوَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ حَوْزَ أَبِيهِمَا لَهُمَا حَوْزٌ، وَأَمَّا الصَّدَاقُ فَلَيْسَ لَهُمَا مِنْهُ شَيْءٌ لَا مِنْ نَصِيبِ جَدِّهِمَا وَلَا مِنْ نَصِيبِ أَبِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْجَدَّ إنَّمَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِمَا عَلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ أَبُوهُمَا عَلَيْهِمَا، فَإِذَا لَمْ يَتَصَدَّقْ أَبُوهُمَا عَلَيْهِمَا فَلَيْسَ لَهُمَا مِنْ صَدَقَةِ جَدِّهِمَا شَيْءٌ إذْ لَمْ يَعْزِلْ ذَلِكَ لَهُمَا الْأَبُ وَيَجْعَلْهُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ بِنَاضٍّ لَمْ تَجُزْ صَدَقَتُهُ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الصَّدَاقُ عَرَضًا مَضْمُونًا لَمْ يَجُزْ لَهُمَا مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِمَا بِعَبْدٍ مَوْصُوفٍ، أَوْ سِلْعَةٍ مَوْصُوفَةٍ لَيْسَتْ بِعَيْنِهَا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهَا لَهُمَا لَمْ يَجُزْ لَهُمَا مِنْهُ شَيْءٌ.
وَلَوْ كَانَ لِلْأَبِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ عَبْدٌ مَوْصُوفٌ فَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى ابْنِهِ جَازَتْ صَدَقَتُهُ، قَبَضَهَا أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى مَاتَ وَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَقَالَ أَمَّا مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ حَظِّهِ الَّذِي يَجِبُ لَهُ بِالْمِيرَاثِ مِنْ الصَّدَاقِ الَّذِي عَلَيْهِ عَيْنًا كَانَ أَوْ عَرَضًا فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلِابْنِ إذَا مَاتَ الْأَبُ، وَهُوَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ إذْ لَا يَكُونُ حَائِزًا لِابْنِهِ مَا هُوَ فِي ذِمَّتِهِ. فَلَوْ قَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي وَهَبَتْ لِابْنِي كَذَا وَكَذَا دِينَارًا أَوْجَبْتهَا فِي ذِمَّتِي لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَكَانَتْ بَاطِلًا إذَا مَاتَ وَهِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُحْضِرَهَا ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي كَوْنِهِ لَا بُدَّ مِنْ جَعْلِهِ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ، أَوْ يَكْفِي الطَّبْعَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِثْلُهُ مَا فِي أَوَّلِ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَقَالَ لَهُ إنْ تَصَدَّقْت عَلَى ابْنِك بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَعَشَرَتِي الَّتِي عَلَيْك صَدَقَةٌ عَلَيْهِ فَقَالَ الْأَبُ اشْهَدُوا أَنِّي تَصَدَّقْت عَلَى ابْنِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَابْنُهُ صَغِيرٌ، وَلَمْ يُخْرِجْهَا حَتَّى مَاتَ قَالَ ذَلِكَ بَاطِلٌ وَتَرْجِعُ أَنْتَ فِي عَشَرَتِك؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَمْ يُفْرِزْ الْعَشَرَةَ، وَلَمْ يُخْرِجْهَا، وَلَوْ وَضَعَهَا عَلَى يَدِ عَدْلٍ لَمْ يَكُنْ لَك أَنْ تَرْجِعَ وَكَانَتْ لِلِابْنِ وَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 301
[فَرْعٌ زَوَّجَ ابْنَتَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يُشَوِّرَهَا الْأَبُ بِمِائَةِ دِينَارٍ]
فَرْعٌ) مَنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يُشَوِّرَهَا الْأَبُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَيَكُونُ النِّكَاحُ صَحِيحًا وَتَلْزَمُهُ الْمِائَةُ.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ أُتْبِعَ بِهَا دَيْنًا وَذُكِرَ قَبْلُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: أَوْ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَهَا الزَّوْجُ بِصَدَاقٍ وَكَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِأَنَّ الْأَبَ يُجَهِّزهَا بِضَعْفِ ذَلِكَ أَوْ نَحْوِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَلِلزَّوْجِ الْقِيَامُ بِذَلِكَ وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ فَوَائِدُ نَبَّهْنَا عَلَيْهَا هُنَاكَ.
[فَرْعٌ الْبَيْعُ بِشَرْطِ تَنْجِيزِ الْعِتْقِ أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَهَبَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ لِفُلَانٍ]
(فَرْعٌ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى عُقْدَةِ الْبَيْعِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى غَرَرٍ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِشَرْطِ تَنْجِيزِ الْعِتْقِ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَهَبَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ لِفُلَانٍ، أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ نَاجِزًا إذْ لَا غَرَرَ فِي ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ إلَى أَجَلٍ، أَوْ بِشَرْطِ الْكِتَابَةِ، أَوْ بِشَرْطِ التَّدْبِيرِ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَتَّخِذَ الْأَمَةَ أُمَّ وَلَدٍ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَهَبَ الْمَبِيعَ لِفُلَانٍ، أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ أَجَلٍ بَعِيدٍ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخْرِجَ الْعَبْدَ، أَوْ الْجَارِيَةَ مِنْ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مُفَصَّلًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْخَاتِمَةِ فِي الشُّرُوطِ الْمُنَافِيَةِ لِمُقْتَضَى الْبَيْعِ.
وَكَذَلِكَ يَبْطُلُ هَذَا الِالْتِزَامُ إذَا عُلِّقَ عَلَى شَيْءٍ مَجْهُولٍ وَكَانَ الِالْتِزَامُ مُقَارِنًا لِعَقْدٍ شَرْعِيٍّ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ إجَارَةٍ، أَوْ سَلَمٍ، أَوْ نَحْوِهِ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ مُدَّةً وَالْتَزَمَ أَنَّهُ إنْ حَصَلَ فِيهَا خَلَلٌ كَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ، أَوْ بَعْضُهُ وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى دَارًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَالْتَزَمَ لِلْبَائِعِ أَنَّهُ إنْ حَصَلَ خَلَلٌ فِي دَارٍ لَهُ أُخْرَى كَانَ عَلَيْهِ عِمَارَتُهُ، فَهَذَا الْتِزَامٌ بَاطِلٌ وَالْعَقْدُ الْمُقَارِنُ لَهُ فَاسِدٌ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ الْتَزَمَ الْكَفَّارَةَ عَنْ غَيْرِهِ إذَا حَنِثَ فَحَنِثَ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ: مَنْ الْتَزَمَ الْكَفَّارَةَ عَنْ غَيْرِهِ إذَا حَنِثَ فَحَنِثَ لَزِمَ الْمُلْتَزِمَ الْوَفَاءُ بِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِفِ اهـ.
قُلْت: قَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِفِ يُرِيدُ إنْ أَخْرَجَهَا الْمُلْتَزِمُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُخْرِجْهَا وَامْتَنَعَ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إجْبَارِهِ عَلَى إخْرَاجِهَا فَيَلْزَمُ الْحَالِفَ أَنْ يُخْرِجَهَا وَيَرْجِعَ عَلَى الْمُلْتَزِمِ مَتَى قَدِرَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا ذَكَرْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ قَدْ لَا يَكُونُ مِنْ فِعْلِ الْمُلْتَزِمِ وَلَا الْمُلْتَزَمِ لَهُ فَهِيَ مِنْ بَابِ الِالْتِزَامِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةُ الْمُلْتَزَمِ لَهُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَقَدَّمَتْ فِي النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الْبَابِ الثَّالِثِ مَسْأَلَةُ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَنْ الْتَزَمَ الْعَفْوَ عَمَّنْ سَبَّهُ إذَا شَهِدَ لَهُ الشُّهُودُ بِالسَّبِّ فَرَاجِعْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَنْ الْتَزَمَ ضَمَانَ مَا ضَاعَ مِنْ شُورَةِ زَوْجَتِهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَرَى أَنْ يُنْظَرَ إلَى الْوَجْهِ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَجَلِ أَنَّهُ خَشِيَتْ عَلَيْهَا الزَّوْجَةُ فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا إنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى تَلَفِهَا مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ
стр. 302
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجَلِ أَنَّهُ هُوَ خَشِيَ عَلَيْهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى تَلَفِهَا مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إنْ لَمْ تُوجَدْ وَادَّعَى تَلَفَهَا، وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ اهـ. مِنْ نَوَازِلِهِ.
[فَرْعٌ قَالَ إنْ صَارَ فِي مِلْكِي فَهُوَ لَك بِكَذَا وَكَذَا]
(فَرْعٌ) قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي السَّلَمِ الْأَوَّلِ فِي بَابِ أَجَلِ السَّلَمِ وَاخْتُلِفَ إذَا قَالَ إنْ صَارَ فِي مِلْكِي فَهُوَ لَك بِكَذَا وَكَذَا، وَلَمْ يَنْقُدْ، وَأَنْ يَجُوزَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا إذَا عَلَّقَ شَيْئًا عَلَى جِهَةِ الْإِقْرَارِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ إنْشَاءَ الْمَعْرُوفِ قَالَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ سَحْنُونَ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَإِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إنْ شَاءَ فُلَانٌ، فَهَذَا بَاطِلٌ، شَاءَ فُلَانٌ أَوْ لَمْ يَشَأْ؛ لِأَنَّهُ خَطَرٌ كَمَا قَالَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إنْ تَكَلَّمَ، أَوْ إنْ دَخَلَ الدَّارَ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
قُلْت: وَهُوَ كَمَنْ قَالَ فُلَانٌ مُصَدَّقٌ فِي شَهَادَتِهِ فَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونَ: وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ إنْ أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ، أَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ، أَوْ دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ فَهُوَ بَاطِلٌ فِي إجْمَاعِهِمْ، وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ حَمَلَ مَتَاعِي إلَى مَنْزِلِي بِالْبَصْرَةِ فَفَعَلَ، فَهَذِهِ إجَارَةٌ، وَهُوَ جَائِزٌ اهـ. فَهَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الْإِقْرَارِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ وَالْمَعْرُوفِ فَالظَّاهِرُ لُزُومُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[خَاتِمَةٌ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى مَسَائِلَ حُكِمَ فِيهَا بِإِسْقَاطِ اللُّزُومِ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ]
[إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ قَبْلَ بَيْعِ الشَّرِيكِ]
(خَاتِمَةٌ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى مَسَائِلَ حُكِمَ فِيهَا بِإِسْقَاطِ اللُّزُومِ لِكَوْنِهَا مِنْ بَابِ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ، أَوْ لِكَوْنِ الِالْتِزَامِ فِيهَا مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَفِيهَا فَصْلَانِ)
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ وَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلَ:
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ قَبْلَ بَيْعِ الشَّرِيكِ) قَالَ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَسْلَمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلَا قِيَامَ لَهُ، وَلَوْ قَالَ لِلْمُبْتَاعِ قَبْلَ الشِّرَاءِ إنْ اشْتَرَيْتَ، فَقَدْ سَلَّمْتُ لَك الشُّفْعَةَ وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ فَلَهُ الْقِيَامُ بَعْدَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ مَا لَمْ يَجِبْ لَهُ، وَلَوْ سَلَّمَ بَعْدَ الشِّرَاءِ عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ جَازَ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الشِّرَاءِ بَطَلَ وَرُدَّ الْمَالُ وَكَانَ عَلَى شُفْعَتِهِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ؛ لِأَنَّ مَنْ وَهَبَ مَا لَا يَمْلِكُ لَمْ تَصِحَّ هِبَتُهُ قَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ كَمَنْ أَذِنَ لَهُ وَرَثَتُهُ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ فِي صِحَّتِهِ فَلَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ. قَالَ اللَّخْمِيُّ وَيُخْتَلَفُ إذَا سَلَّمَهَا قَبْلَ الشِّرَاءِ وَقَالَ لَهُ اشْتَرِ، فَإِذَا اشْتَرَيْت فَلَا شُفْعَةَ لِي عَلَيْك، فَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَسْتَشْفِعَ.
وَيَجْرِي فِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدَ فُلَانٍ فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، وَمَنْ جَعَلَ لِزَوْجَتِهِ الْخِيَارَ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَأَسْقَطَتْ ذَلِكَ الْخِيَارَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَنَفَّذَ قَالُوا: إنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهَا، وَهُوَ فِي الشُّفْعَةِ أَبْيَنُ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْمُشْتَرِيَ فِي الشِّرَاءِ لِمَكَانِ التَّرْكِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَشْتَرِ فَأَشْبَهَ هِبَةً قَارَنَتْ الْبَيْعَ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ اشْتَرِ ذَلِكَ الشِّقْصَ وَالثَّمَنُ عَلَيَّ فَاشْتَرَاهُ لَلَزِمَهُ أَنْ يَغْرَمَ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ
стр. 303
فِي الشِّرَاءِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فَهُوَ فِي تَرْكِ الشُّفْعَةِ أَبْيَنُ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ جِئْتنِي بِمَا لِي عَلَيْك فَأَنَا أُطَلِّقُك فَجَاءَتْهُ بِهِ فَقَالَ مَرَّةً يَلْزَمُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ وَفِي أَجْوِبَةِ ابْنِ رُشْدٍ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، وَإِنْ اشْتَرَى فُلَانٌ شِقْصَ كَذَا، فَقَدْ أُسْقِطَتْ عَنْهُ الشُّفْعَةَ أَنَّ الطَّلَاقَ حَقٌّ لِلَّهِ لَا يَمْلِكُ الْمُطَلِّقُ رَدَّهُ إنْ وَقَعَ، وَلَوْ رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ بِرَدِّهِ فَرَدَّهُ إذْ لَيْسَ بِحَقٍّ لَهَا فَلَزِمَ بَعْدَ النِّكَاحِ كَمَا أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ قَبْلَهُ وَإِسْقَاطُ الشُّفْعَةِ إنَّمَا هُوَ حَقٌّ لَهُ لَا لِلَّهِ يَصِحُّ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ بِرِضَا الْمُشْتَرِي فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا بَعْدَ وُجُوبِهِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَيَظْهَرُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ صِحَّةُ تَخْرِيجِ اللَّخْمِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ الْحُبَابِ فَرْقًا أَطَالَ فِيهِ الْبَحْثَ فَلْيُرَاجِعْهُ فِيهِ مَنْ أَرَادَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قِيلَ لِأَبِي عِمْرَانَ إذَا قَالَ لَهُ إذَا وَجَبَتْ لِي الشُّفْعَةُ، فَقَدْ سَلَّمْتهَا لَك هَلْ هِيَ مِثْلُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ؟ قَالَ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِخِلَافِ مَنْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ إذَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْت طَالِقٌ إنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ وُجُوبِ الْبَيْعِ. الشَّيْخُ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَبَيْنَ الشُّفْعَةِ أَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ اهـ. وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ.
(فَرْعٌ) قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ تَرَكَ الشُّفْعَةَ عَلَى شَرْطٍ فَقَالَ إنْ اشْتَرَيْت ذَلِكَ الشِّقْصَ، فَقَدْ سَلَّمْت لَك شُفْعَتِي عَلَى دِينَارٍ تُعْطِيهِ إيَّايَ، فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ مِنْك فَلَا جَعْلَ لِي عَلَيْك جَازَ ذَلِكَ، وَلَوْ اشْتَرَطَ النَّقْدَ لَمْ يَجُزْ اهـ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ إذَا قَالَ الرَّجُلُ إنْ كَانَ فُلَانٌ قَدْ اشْتَرَى هَذَا الشِّقْصَ بِكَذَا، فَقَدْ سَلَّمْت لَهُ الشُّفْعَةَ، فَهَذَا يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إنْ كَانَ قَدْ اشْتَرَى فُلَانٌ، وَأَمَّا إنْ قَالَ إنْ اشْتَرَى فُلَانٌ الشِّقْصَ، فَقَدْ سَلَّمْت لَهُ الشُّفْعَةَ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إنْ اشْتَرَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لَهُ اهـ.
[أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَلَهُمْ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فَإِجَازَتُهُمْ غَيْرُ لَازِمَةٍ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَنْ أَعْطَى شَيْئًا قَبْلَ مِلْكِهِ أَوْ قَبْلَ جَرَيَانِ سَبَبِ مِلْكِهِ هَكَذَا أَشَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُمْ وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ قَالَ مَا أَرِثُ مِنْ فُلَانٍ صَدَقَةٌ عَلَيْك وَفُلَانٌ صَحِيحٌ قَالَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِشَرْطِ حُصُولِ الْمِلْكِ فَأَشْبَهَ مَنْ أَوْجَبَ الصَّدَقَةَ بِمَا يَمْلِكُ إلَى أَجَلٍ، أَوْ بَلَدٍ سَمَّاهُ، أَوْ بِعِتْقِ ذَلِكَ
стр. 304
أَوْ بِطَلَاقِ مَا يَتَزَوَّجُ فِيهِ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي الْمُوَطَّإِ وَالْعُتْبِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ إنْ أَذِنَ الْوَرَثَةُ لِلصَّحِيحِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ ذَلِكَ إنْ مَاتَ؛ لِأَنَّهُمْ فِي وَقْتٍ لَا مَنْعَ لَهُمْ. أَبُو عُمَرَ هَذَا مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَعَنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ.
ابْنُ زَرْقُونٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ قَالَ مَا أَرِثُ مِنْ فُلَانٍ صَدَقَةٌ عَلَيْك وَفُلَانٌ صَحِيحٌ لَزِمَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ يَمِينٍ، فَهَذَا مِثْلُ ذَلِكَ.
قُلْت: زَادَ اللَّخْمِيُّ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَهَذَا أَقْيَسُ كَمَنْ أَوْجَبَ الصَّدَقَةَ بِمَا يَمْلِكُ إلَى أَجَلٍ، أَوْ فِي بَلَدٍ سَمَّاهُ، أَوْ بِعِتْقِ ذَلِكَ، أَوْ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ فِيهِ اهـ.
وَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ وَابْنُ عَرَفَةَ مِنْ الْخِلَافِ فِي هَذَا الْوَجْهِ تَبَعًا لِأَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: فَإِنَّهُ قَالَ إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ لِغَيْرِ سَبَبٍ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمُجِيزَ مِنْ الْوَرَثَةِ وَلَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ حَالٌ لَمْ تَتَعَلَّقْ فِيهِ حُقُوقُهُمْ بِالتَّرِكَةِ اهـ. وَصَرَّحَ الرَّجْرَاجِيُّ أَيْضًا بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي آخِرِ شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْهِبَاتِ وَلَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا أَذِنَ لِمُوَرِّثِهِ فِيهِ فِي صِحَّتِهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا.
وَلَفْظُ ابْنِ يُونُسَ وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ وَالْمُوَطَّإِ قَالَ مَالِكٌ إذَا أَذِنَ الْوَرَثَةُ لِلصَّحِيحِ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ ذَلِكَ إنْ مَاتَ؛ لِأَنَّهُمْ أَذِنُوا لَهُ فِي وَقْتٍ لَا مَنْعَ لَهُمْ وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِي مُخَرَّجٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَوَّازِيَّةِ وَنَصُّهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ إنْ أَذِنَ الْوَرَثَةُ لِلصَّحِيحِ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَذِنُوا فِي وَقْتٍ لَا مَنْعَ لَهُمْ.
وَفِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ قَالَ مَا أَرِثُ مِنْ فُلَانٍ صَدَقَةٌ عَلَيْك وَفُلَانٌ صَحِيحٌ قَالَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ يَمِينٍ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَهَذَا أَقْيَسُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الْمِلْكِ فَأَشْبَهَ مَنْ أَوْجَبَ الصَّدَقَةَ بِمَا يَمْلِكُ إلَى أَجَلٍ، أَوْ فِي بَلَدٍ سَمَّاهُ، أَوْ بِعِتْقِ ذَلِكَ، أَوْ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ فِيهِ اهـ.
قُلْت: كَلَامُ اللَّخْمِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَرَّجَ الْقَوْلَ بِاللُّزُومِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَوَّازِيَّةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَخَرَّجُ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَازَةِ لَمْ يَهَبْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَجَازَ فِعْلَ شَخْصٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ فِعْلِهِ الْآنَ كَمَا قَالَ فِي الْمُوَطَّإِ: إنَّ الشَّخْصَ إذَا كَانَ صَحِيحًا كَانَ أَحَقَّ بِجَمِيعِ مَالِهِ يَصْنَعُ بِهِ مَا يَشَاءُ.
وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَوَّازِيَّةِ الْوَارِثُ وَهَبَ نَصِيبَهُ، وَهُوَ مَا يَرِثُهُ إذَا دَخَلَ فِي مِلْكِهِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُسْتَوْفًى.
فَإِذَا أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ فِي الصِّحَّةِ بِسَبَبٍ كَالسَّفَرِ وَالْغَزْوِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُمْ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ كُنْت أَقُولُ بِهَذَا ثُمَّ رَجَعْت إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمْهُمْ وَقَالَهُ مُحَمَّدٌ وَأَصْبَغُ، وَهُوَ الصَّوَابُ اهـ.
قُلْت: وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ نَذَرَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا وَاقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ اللُّزُومِ
стр. 305
الَّذِي رَجَّحَهُ أَصْبَغُ وَحَكَى فِي الشَّامِلِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَقَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ كَالْمَرِيضِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَابْنُ وَهْبٍ لَا يَلْزَمُهُمْ وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ اهـ.
الْحَالُ الثَّانِي إذَا أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ فِي الْمَرَضِ فَلَا يَخْلُو الْمَرَضُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَخُوفًا، أَوْ غَيْرَ مَخُوفٍ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَخُوفٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْإِجَازَةِ فِي الصِّحَّةِ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَقَبِلَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّامِلِ. وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ مَخُوفًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَصِحَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَرَضِ، أَوْ يَمُوتَ فِيهِ، فَإِنْ صَحَّ بَعْدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ الْإِجَازَةُ حَتَّى يَأْذَنُوا لَهُ فِي الْمَرَضِ الثَّانِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي آخِرِ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا وَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَنَقَلَ نَحْوَهُ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ لَكِنْ قَالَ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفُوا مَا سَكَتُوا إلَّا عَنْ غَيْرِ رِضًا وَلَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ، وَهُوَ بَعِيدٌ يَعْنِي إلْزَامُهُمْ وَجَعَلَ الرَّجْرَاجِيُّ قَوْلَ ابْنِ كِنَانَةَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَرَضِ بَلْ مَاتَ فِيهِ فَالْوَرَثَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ بَالِغًا رَشِيدًا بَائِنًا عَنْ الْمُوصِي وَلَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا نَفَقَةَ بِلَا رُجُوعٍ لَهُ.
وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ سَفِيهًا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ إذْنُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ، وَلَمْ يَحْكِ أَبُو الْحَسَنِ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ خِلَافًا وَصَرَّحَ الرَّجْرَاجِيُّ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي الثَّانِي، وَحَكَى فِي الْأَوَّلِ قَوْلَيْنِ قَالَ وَالْمَشْهُورُ اللُّزُومُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مَنْ كَانَ رَشِيدًا، وَهُوَ فِي نَفَقَةِ الْمُوصِي كَزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ، أَوْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ فِي سُلْطَانِهِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَسْأَلَهُمْ فِي الْإِذْنِ أَوْ يَتَبَرَّعُوا لَهُ بِهِ، فَإِنْ تَبَرَّعُوا بِالْإِذْنِ فَفِي لُزُومِ ذَلِكَ لَهُمْ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ مِنْهَا عَدَمُ اللُّزُومِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي آخِرِ كِتَابِ الْوَصَايَا الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَمَنْ أَوْصَى فِي مَرَضِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ فَأَجَازَ وَرَثَتُهُ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْلُبَهُمْ الْمَيِّتُ، أَوْ طَلَبَهُمْ فَأَجَازُوا ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ مَوْتِهِ قَالَ مَالِكٌ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ بَائِنًا مِنْ وَلَدٍ قَدْ احْتَلَمَ، أَوْ أَخٍ، أَوْ ابْنِ عَمٍّ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَمَنْ كَانَ فِي عِيَالٍ مِنْ الْوَلَدِ قَدْ احْتَلَمَ وَبَنَاتُهُ وَزَوْجَاتُهُ فَذَلِكَ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْعَمِّ الْوَارِثُ إنْ كَانَ ذَا حَاجَةٍ إلَيْهِ وَيَخَافُ إنْ مَنَعَهُ وَصَحَّ أَضَرَّ بِهِ فِي مَنْعِ رِفْدِهِ إلَى أَنْ يُجِيزُوا بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا رُجُوعَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ إذْنُ الْبِكْرِ وَالِابْنِ السَّفِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعَا اهـ. وَإِنْ سَأَلَهُمْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُمْ قَوْلًا وَاحِدًا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ الْخِلَافَ يَجْرِي فِي ذَلِكَ أَيْضًا.
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) إذَا قَالَ الْوَارِثُ بَعْدَ أَنْ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ فِي الْحَالِ الَّذِي يَلْزَمُهُ إجَازَتُهَا لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ لِي رَدُّ الْوَصِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ حَلَفَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ إجَازَةُ
стр. 306
الْوَارِثِ فِي الْمَرَضِ، أَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُنَفِّذُوهَا، فَإِنْ نَفَّذُوهَا ثُمَّ ادَّعَوْا الْجَهْلَ فَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْهِبَاتِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيمَا أَنْفَذَ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ جَهِلَ قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَصَايَا مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الِابْنِ الَّذِي فِي عِيَالِ الرَّجُلِ فَأَذِنَ لَهُ فِي مَرَضِهِ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ ثُمَّ نَفَّذَ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ يَرْجِعُ إنْ كَانَ يُشْبِهُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْجَهْلِ مَعَ يَمِينِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ وَهِيَ يَمِينُ تُهْمَةٍ إلَّا أَنْ يُحَقِّقُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ أَنْفَذَهَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ. وَقِيلَ: بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ جَهِلَ ذَلِكَ اهـ. الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ وَلَزِمَ إجَازَةُ الْوَارِثِ فِي مَرَضٍ لَمْ يَصِحَّ بَعْدَهُ إلَّا لِتَبَيُّنِ عُذْرٍ بِكَوْنِهِ فِي نَفَقَتِهِ، أَوْ دَيْنِهِ أَوْ سُلْطَانِهِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ مَنْ يَجْهَلُ مِثْلُهُ أَنَّهُ جَهِلَ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ لَا بِصِحَّةٍ، وَلَوْ لِكُفْرٍ، وَهُوَ بَيِّنٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
الثَّانِي: إذَا قُلْنَا لَا يَلْزَمُ إذْنُ مَنْ فِي عِيَالِهِ وَنَحْوِهِ فَهَلْ يَحْلِفُ ذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الِابْنِ الْكَبِيرِ إذَا كَانَ فِي عِيَالِ أَبِيهِ أَنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ إنَّمَا أَجَازَ خِيفَةً مِنْهُ أَنْ يَصِحَّ فَيَقْطَعُ عَنْهُ مَعْرُوفَهُ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَفِي الِابْنِ الْكَبِيرِ فِي عِيَالِهِ قَوْلَانِ، وَعَلَى الرُّجُوعِ يَحْلِفُ مَا أَجَازَ إلَّا خَوْفًا مِنْهُ اهـ. وَحُكْمُ غَيْرِ الِابْنِ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ: إذَا أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ إذَا كَانَ الْمُجِيزُ مَالِكًا لِأَمْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَرَكَ إرْثَهُ لِشَخْصٍ فِي حَيَاةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ أَوْ وَهَبَهُ لِشَخْصٍ آخَرَ]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) مَنْ تَرَكَ إرْثَهُ لِشَخْصٍ فِي حَيَاةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، أَوْ وَهَبَهُ لِشَخْصٍ آخَرَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ قَالَ مَا أَرِثُ مِنْ فُلَانٍ صَدَقَةٌ عَلَيْك وَفُلَانٌ صَحِيحٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ. وَقَالَ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْهِبَاتِ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَاسْتَوْهَبَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ مِيرَاثَهُمَا مِنْهُ فَفَعَلَتَا وَوَهَبَتَا لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ مَاتَ فَلِمَنْ تَرَاهُ قَالَ أَرَاهُ لِلْمَرْأَتَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا وَمَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَفْعَلَ الرَّجُلُ مِثْلَ هَذَا أَيَسْأَلُ امْرَأَتَهُ أَنْ تَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا مِثْلُ مَا قَالَهُ فِي الْمُوَطَّإِ، وَهُوَ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ إنَّمَا هُوَ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى مَنْ يُحِبُّ مِنْ وَرَثَتِهِ سِوَاهُمَا وَغَيْرِهِمَا إذْ لَا حَاجَةَ لَهُ إلَى مِيرَاثِهِمَا مِنْهُ سِوَى ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ حَتَّى مَاتَ كَانَ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْذَنَ وَرَثَتَهُ أَنْ يُوصِيَ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، أَوْ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ فَأَذِنُوا لَهُ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَلْزَمْ فِيمَا أَذِنُوا لَهُ فِيهِ شَيْءٌ، وَقَدْ مَضَى فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ الْقَوْلُ مُسْتَوْفًى فِي هِبَةِ الْوَارِثِ مِيرَاثَهُ فِي مَرَضٍ الْمَوْرُوثَ، أَوْ فِي صِحَّتِهِ اهـ. وَنَصُّ
стр. 307
مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ.
وَلَا أَعْرِفُ نَصَّ خِلَافٍ فِي أَنَّ هِبَةَ الْوَارِثِ لِمِيرَاثِهِ فِي مَرَضِ الْمَوْرُوثِ جَائِزَةٌ، وَهُوَ بَيِّنٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَنَصُّ مَا فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ وَالْحَبْسِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ إنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ: كُنْت أَظُنُّهُ يَسِيرًا لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يَبْلُغُ هَذَا الْقَدْرَ وَشِبْهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ وَمِثْلُهُ لِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ إنَّ الْمَيِّتَ إذَا قَالَ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ إنَّ فُلَانًا لِأَحَدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَحْبَبْت أَنْ تَهَبَ لِي مِيرَاثَك فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا سَمَّاهُ لَهُ الْمَيِّتُ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَهَبَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ مِيرَاثَهُ لِمَنْ سِوَاهُ مِنْ الْوَرَثَةِ، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ النَّاسِ وَلَا بَيْنَ أَنْ يُسَمِّيَهُ لَهُ الْمَيِّتُ، أَوْ لَا يُسَمِّيَهُ لَهُ وَمَا فِي رَسْمِ نَقَدَهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إذَا مَرَرْنَا بِهِ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ هِبَةَ الْوَارِثِ لِمِيرَاثِهِ فِي مَرَضِ الْمَوْرُوثِ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ وَهَبَ مَا لَمْ يَمْلِكْ بَعْدُ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا اسْتَأْذَنَ بَعْضَ وَرَثَتِهِ فِي أَنْ يُوصِيَ لِبَعْضِهِمْ فَأَذِنُوا لَهُ لَزِمَهُمْ إذَا لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِحُكْمِ الْمَالِكِ لِلْمِيرَاثِ فِي الْمَرَضِ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ التَّحْجِيرُ عَلَى مُوَرِّثِهِ، فَإِذَا رَفَعَ عَنْهُ التَّحْجِيرَ بِالْإِذْنِ لَهُ لَزِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلْمَالِ وَقَالَ إنَّ ذَلِكَ يَقُومُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ إنَّ الْوَارِثَ إذَا وَهَبَ لِمُوَرِّثِهِ فِي مَرَضِهِ مِيرَاثَهُ مِنْهُ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ فِيهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ إذْ لَوْ أَجَازَ هِبَتَهُ لَهُ لَقَالَ إنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مِنْهُ إلَّا مِيرَاثُهُ مِنْهُ. قَالَ فَكَمَا لَا تَجُوزُ لَهُ هِبَتُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ.
لَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَنَّهُ إذَا وَهَبَهُ لِمُوَرِّثِهِ، فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْقَصْدَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِيَرْفَعَ التَّحْجِيرَ عَنْهُ فِي أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى مَنْ أَحَبَّ مِنْ الْوَرَثَةِ إذْ لَا يَحْتَاجُ هُوَ إلَى هِبَةٍ إذَا صَحَّ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا إنْ مَاتَ، فَإِذَا لَمْ يَقْضِ فِيهَا بِشَيْءٍ حَتَّى مَاتَ رَجَعَتْ إلَى الْوَاهِبِ، وَإِذَا وَهَبَ لِغَيْرِهِ، فَقَدْ مَلَّكَهُ بِالْهِبَةِ مَا وَهَبَهُ إيَّاهُ وَلَا يُقَالُ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وَهَبَهُ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْتَلِهِ الْآنَ، وَإِنَّمَا وَهَبَهُ لَهُ بِشَرْطِ مِلْكِهِ لَهُ بِمَوْتِ مُوَرِّثِهِ كَمَا قَالَ إنْ مَلَكْت فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ مَلَكْته فَهُوَ لِفُلَانٍ فَلَا فَرْقَ فِي وَجْهِ الْقِيَاسِ بَيْنَ صِحَّةِ الْمَوْرُوثِ وَمَرَضِهِ فِي هِبَةِ الْوَارِثِ لِمِيرَاثِهِ مِنْهُ وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ وَتَحْصُلُ عَلَى هَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ فِي الْحَالَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا اهـ.
وَقَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْهِبَاتِ قَالَ عِيسَى وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ صَالِحٍ مَالِكٍ أَمْرَهُ تَصَدَّقَ عَلَى آخَرَ مِثْلِهِ بِمِيرَاثِهِ مِنْ أَبِيهِ إذَا مَاتَ وَالْأَبُ بَاقٍ أَيَجُوزُ لَهُ فَقَالَ لَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ هَذَا وَلَا أَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يَدْرِي قَدْرَهُ وَلَا كَمْ يَكُونُ دِينَارًا بَلْ لَا يَدْرِي مَا هُوَ، وَهُوَ أَعْلَمُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ لَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ مَعْنَاهُ لَا أَرَى أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَيْهِ: أَيْ لَا يَلْزَمُهُ
стр. 308
ذَلِكَ وَلَا أَقْضِي عَلَيْهِ بِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي قَدْرَهُ وَلَا كَمْ يَكُونُ، وَإِنَّمَا قَالَ إنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَدْرِ قَدْرَ مَا وَهَبَ لَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وَهَبَ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ إذَا لَمْ يَهَبْهُ الْيَوْمَ فَيَكُونُ قَدْ وَهَبَ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ يَوْمَ يَمُوتُ أَبُوهُ فَيَجِبُ لَهُ مِيرَاثًا كَمَنْ قَالَ إنْ وَرِثْت فُلَانًا، أَوْ اشْتَرَيْته فَهُوَ حُرٌّ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: هُوَ الْيَوْمَ حُرٌّ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ خِلَافُ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ وَالْحَبْسِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ إنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ: كُنْت أَظُنُّ أَنَّهُ يَسِيرٌ، وَلَوْ عَلِمْت أَنَّهُ بِهَذَا الْقَدْرِ مَا وَهَبْته وَشَبَهَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ فَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَتَانِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الْوَاهِبَ مِيرَاثَهُ فِي مَرَضِ الْمَيِّتِ لَيْسَ بِوَاهِبٍ لِمَا لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ، وَإِنَّمَا هُوَ وَاهِبٌ لَهُ إذَا مَلَكَهُ بِقَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ وَاخْتَلَفَتَا فِي أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُهُ إذَا مَاتَ بِقَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ فَقَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إذَا لَمْ يَدْرِ يَوْمَ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ كَمْ يَكُونُ يَوْمَ الْمَوْتِ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَصْبَغَ إنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ: لَمْ أَظُنَّ أَنَّهُ يَكُونُ هَذَا الْمِقْدَارَ فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ.
وَمِنْ أَهْلِ النَّظَرِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ مَعْنَى رِوَايَةِ أَصْبَغَ أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ فَلِذَلِكَ أَلْزَمَهُ بِخِلَافِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا إنَّ الصَّدَقَةَ وَالْأَبُ بَاقٍ، فَإِنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِهِ فِي بَابِ الْوَصَايَا الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ لَا يَمْلِكُ مِيرَاثَهُ فِي مَرَضِ الْمَوْرُوثِ فَتَجُوزُ فِيهِ هِبَتُهُ، وَإِنَّمَا لَهُ فِي مَرَضِهِ التَّحْجِيرُ عَلَيْهِ فِي أَنْ يُوصِيَ لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ، أَوْ يُوصِيَ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، فَهَذَا الَّذِي إذَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ لَزِمَهُ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَأَمَّا أَنْ يَهَبَهُ هُوَ لِأَحَدٍ فَلَا قَالَ وَفِي الْمُوَطَّإِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَارِثِ أَنْ يَهَبَ مِيرَاثَهُ فِي مَرَضِ مُوَرِّثِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِصَحِيحٍ بَلْ الَّذِي فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ هِبَةَ الْوَارِثِ مِيرَاثَهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ جَائِزٌ لَازِمٌ وَلَيْسَ عِنْدِي فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الصَّدَقَةَ وَقَعَتْ فِي صِحَّةِ الْمُوَرِّثِ قَبْلَ مَرَضِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَتَّفِقَ لِلرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ حَمْلَ بَعْضِهَا عَلَى التَّفْسِيرِ لِبَعْضٍ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْخِلَافِ فَنَقُولُ عَلَى هَذَا: إنَّهُ إذَا وَهَبَ مِيرَاثَهُ فِي صِحَّةِ الْمَوْرُوثِ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ عَلَى مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَا نَصَّ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ بِالْمَعْنَى إذْ لَا فَرْقَ فِي حَقِيقَةِ الْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ.
وَإِذَا وَهَبَ مِيرَاثَهُ فِي مَرَضِ الْمَوْرُوثِ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ لَزِمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَظُنُّهُ النِّصْفَ، أَوْ الرُّبْعَ فَيَكُونُ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الَّذِي يَجْهَلُ قَدْرَ الْمَالِ وَجْهٌ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَشُكُّ فِيمَا بَيْنَ الْجُزْأَيْنِ قَدْ رَضِيَ بِهِبَةِ أَكْثَرِهِمَا فَيَجِبُ أَنْ يَلْزَمَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ وَالْحَبْسِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ
стр. 309
يَقُولُ فِي رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِمِيرَاثِهِ مِنْ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يَمُوتَ أَبُوهُ وَأَشْهَدَ لَهُ وَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ ثُمَّ بَدَا لِلْمُتَصَدِّقِ وَقَالَ إنِّي كُنْتُ حِينَ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَا أَدْرِي مَا أَرِثُ نِصْفًا، أَوْ رُبْعًا وَلَا أَدْرِي مَا عَدَدُ ذَلِكَ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَلَا مِنْ الرَّقِيقِ وَلَا مَا سَعَةُ ذَلِكَ مِنْ الْأَرْضِينَ وَعَدَدِ الْأَشْجَارِ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لِي مَوْرِثِي مِنْ أَبِي وَمَا أَرِثُ مِمَّا تَرَكَ رَأَيْت ذَلِكَ كَثِيرًا وَكُنْت ظَنَنْت بِأَنَّهُ دُونَ ذَلِكَ، وَأَنَا لَا أُجِيزُ الْآنَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ تَبَيَّنَ مَا قَالَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُسْرَ أَبِيهِ وَلَا وَفْرَهُ لِغِيبَةٍ كَانَتْ عَنْهُ رَأَيْت أَنْ يَحْلِفَ مَا ظَنَّ ذَلِكَ وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَ عَارِفًا بِأَبِيهِ وَيُسْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ ذَلِكَ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَى مَا أَحَبَّ، أَوْ كَرِهَ وَقَالَهُ أَصْبَغُ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا مُسْتَوْفًى فِي سَمَاعِ عِيسَى.
قُلْت: فَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ إذَا وَهَبَ مِيرَاثَهُ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ لَزِمَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ وَهَبَهُ فِي حَالِ مَرَضِ مُوَرِّثِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لَزِمَهُ أَيْضًا وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ نَصُّ خِلَافٍ إلَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ سَمَاع عِيسَى وَلَيْسَ الْأَخْذُ عِنْدَهُ بِصَحِيحٍ، وَإِنْ وَهَبَهُ فِي صِحَّةِ مُوَرِّثِهِ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَلَكِنَّهُ لَا يُعْرَفُ نَصًّا فِي عَدَمِ اللُّزُومِ وَحُمِلَ سَمَاعُ عِيسَى بِعَدَمِ اللُّزُومِ عَلَيْهِ: فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ اللُّزُومِ إذَا وَهَبَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوْ فِي الْمَرَضِ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ اللُّزُومَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ هُوَ الْقِيَاسُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَسْأَلَةُ الْمَوَّازِيَّةِ وَهِيَ نَصٌّ فِي اللُّزُومِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ وَهَبَهُ مُوَرِّثُهُ مِنْ فُلَانٍ، وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ رُبُعٌ، أَوْ سُدُسٌ، أَوْ وَهَبَهُ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ أَوْ جِدَارٍ وَلَا يَدْرِي كَمْ ذَلِكَ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَالْغَرَرُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ يَجُوزُ لَا فِي الْبَيْعِ اهـ فَظَاهِرُهَا سَوَاءٌ كَانَ فِي الصِّحَّةِ، أَوْ فِي الْمَرَضِ، أَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْوَانُّوغِيُّ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّ فُلَانًا مَاتَ حِينَ الْهِبَةِ، أَوْ مَرِضَ أَمَّا لَوْ كَانَ صَحِيحًا فَلَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ مَا وَهَبَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِمِيرَاثِهِ مِنْ أَبِيهِ إذَا مَاتَ وَالْأَبُ بَاقٍ لَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ هَذَا وَلَا يَقْضِي بِهِ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ أَيْ لَا يَلْزَمُهُ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَلَا نُصَّ خِلَافٌ فِيهِ.
وَلَوْ وَهَبَ مِيرَاثَهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ لَزِمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ إلَّا إذَا ظَنَّهُ يَسِيرًا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَثِيرٌ فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ وَلَا نُصَّ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ اُنْظُرْ تَمَامَهُ.
قُلْت: وَقَدْ أَوْمَأَ فِي قَوْلِهِ وَلَا نُصَّ خِلَافٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُ اللُّزُومِ، وَإِنْ كَثُرَ وَمَا أَحْسَنُ قَوْلِهَا، وَلَوْ شَاءَ لَمْ يَجْعَلْ وَقَوْلُهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذْ لَوْ شَاءَ لَاسْتَثْبَتَ اهـ.
قُلْت: مَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتِ الْهِبَةِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بِالنِّسْبَةِ لِجَهْلِ قَدْرِهِ فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجَهْلَ بِقَدْرِ الْمَوْرُوثِ لَا يُبْطِلُ الْهِبَةَ وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ وَنَصَّهُ مِنْ النَّوَادِرِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْعُتْبِيَّةِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَعْرِفُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ هِبَةَ الْمَجْهُولِ
стр. 310
جَائِزَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ تَجُوزُ هِبَةُ الْمَجْهُولِ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَثِيرٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ اللَّخْمِيُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ وَالصَّدَقَةُ بِهِ مَاضِيَةٌ وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْعَطِيَّةِ خَوْفَ النَّدَمِ ثُمَّ ذَكَرَ فِي لُزُومِ هِبَةِ مَا جُهِلَ قَدْرُهُ مِنْ إرْثٍ نَاجِزٍ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ اللُّزُومُ مُطْلَقًا وَعَزَاهُ لِلْمُدَوَّنَةِ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَائِلًا: وَلَوْ ظَهَرَتْ كَثْرَتُهُ.
الثَّانِي: عَدَمُ اللُّزُومِ مُطْلَقًا وَعَزَاهُ لِنَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَالثَّالِثُ: اللُّزُومُ إنْ عَرَفَ قَدْرَ جَمِيعِ الْمَالِ الْمَوْرُوثِ، وَلَوْ جَهِلَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمَيِّتِ وَعَدَمُ اللُّزُومِ إذَا جَهِلَ قَدْرَ الْمَالِ، وَلَوْ عَرَفَ قَدْرَ نَصِيبِهِ وَعَزَاهُ لِابْنِ فَتُّوحٍ عَنْ بَعْضِهِمْ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ ثُمَّ قَالَ حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ فِي بَابِ الْقَطَائِعِ فِي جَوَازِ هِبَةِ الْمَجْهُولِ رِوَايَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَفِي التَّنْبِيهِ لِابْنِ بَشِيرٍ فِي كِتَابِ الْعَرَايَا حَكَى مُحَمَّدٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ هِبَةِ الْمَجْهُولِ. وَقَالَ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ مِنْ الْمُلَقَّبِينَ بِالْفُقَهَاءِ: فِي هِبَةِ الْمَجْهُولِ قَوْلَانِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ الْخِلَافِ فِيمَنْ وَهَبَ مَجْهُولًا وَقَالَ مَا ظَنَنْت هَذَا الْمِقْدَارَ هَلْ لَهُ رَدُّهُ أَمْ لَا اهـ.
وَيَعْنِي ابْنُ بَشِيرٍ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْجَوَازِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي اللُّزُومِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ بَقِيَّةُ كَلَامِهِ فِي التَّنْبِيهِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَهَذَا أَصْلٌ ثَانٍ لَا يَعُودُ بِالْخِلَافِ فِي صِحَّةِ هِبَةِ الْمَجْهُولِ، وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافٌ فِي إلْزَامِهِ كُلَّ مَا ظَهَرَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ يَدِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ مَا ظَنَّ، أَوْ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْقَدْرُ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ وَهَبَهُ اهـ.
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَهَبُهُ مِنْ قَرِيبِهِ عَلَى الْجَزْمِ مِنْ الْآنَ، وَأَمَّا لَوْ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيقِ وَقَالَ إنْ مَلَكْت الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ يَمِينٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
(الثَّانِي) إذَا وَهَبَ مِيرَاثَهُ لِمُوَرِّثِهِ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِلْوَاهِبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ فِي الْمُنْتَقَى وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ أَيْضًا إلَّا أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَمَّى لَهُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَهَبَ لَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ فَذَلِكَ لَهُ قَالَ الْبَاجِيُّ: لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ الْوَجْهَ الَّذِي سَأَلَهُ إنْفَاذَهُ فِيهِ، وَقَدْ وُجِدَ الْإِنْفَاذُ مِنْ الْوَاهِبِ الْوَارِثِ، وَلَوْ قَالَ أَعْطَيْته أَوْصِ بِهِ لِفُلَانٍ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ إنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ لِوَارِثٍ آخَرَ، فَإِنْ أَنْفَذَهُ مَضَى، وَإِنْ لَمْ يُنَفِّذْهُ فَهُوَ رَدٌّ ثُمَّ قَالَ فِي الْمُوَطَّإِ: وَلَوْ وَهَبَ مِيرَاثًا فَأَنْفَذَ الْمَالِكُ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ فَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْوَاهِبِ اهـ.
(الثَّالِثُ) هِبَةُ الْوَارِثِ مِيرَاثَهُ لِمُوَرِّثِهِ إنَّمَا تَلْزَمُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي سُلْطَانِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي إجَازَةِ الْوَصِيَّةِ قَالَ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ وَسَأَلْته عَنْ الرَّجُلِ يَسْأَلُ
стр. 311
امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ أَنْ تَضَعَ عَنْهُ مَهْرَهَا أَوْ تَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا فَتَفْعَلُ ثُمَّ أَرَادَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ بَعْدَ أَنْ صَحَّ الرُّجُوعَ فِيهِ هَلْ تَرَى لَهَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمِيرَاثِ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ وَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ لَهَا صَحَّ، أَوْ مَاتَ قَضَى فِيهِ بِشَيْءٍ، أَوْ لَمْ يَقْضِ وَلَيْسَتْ الصَّدَقَاتُ وَالدُّيُونُ فِي هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوَارِيثِ، وَهَذَا وَجْهُ الشَّأْنِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ لَا اخْتِلَافَ أَنَّ مَا وَهَبَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا مِنْ مَالِهَا، أَوْ مِنْ صَدَاقِهَا عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ، أَوْ فِي صِحَّتِهِ لَازِمٌ لَهَا وَلَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْرَهَهَا عَلَى ذَلِكَ بِالْإِخَافَةِ وَالتَّهْدِيدِ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَهَا ذَلِكَ فَتَأْبَى فَيَقُولَ وَاَللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَفْعَلِي ذَلِكَ لَأُضَيِّقَنَّ عَلَيْك وَلَا أَدْعُك تَأْتِي أَهْلَك وَلَا يَأْتُوك عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهَا؛ لِأَنَّ إكْرَاهَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ إكْرَاهٌ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَوْلُهُ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ لَفْظٌ فِيهِ تَجَوُّزٌ وَلَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ يُعَبِّرُونَ بِالْمَكْرُوهِ عَنْ الْحَرَامِ. وَأَمَّا إذَا سَأَلَهَا فِي مَرَضِهِ أَنْ تَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهَا مِمَّا يَخْلُفُهُ أَوْ بَعْضَهُ فَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ وَلَهَا أَنَّ تَرْجِعَ فِيهِ إذَا مَاتَ قَضَى فِيهِ بِشَيْءٍ، أَوْ لَمْ يَقْضِ بِخِلَافِ الِابْنِ الْبَائِنِ عَنْ أَبِيهِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ مِيرَاثَهُ مِمَّا يَخْلُفُهُ، أَوْ مِنْ بَعْضِهِ، فَهَذَا إنْ قَضَى فِيهِ بِشَيْءٍ لَزِمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ اهـ.
[وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا أَوْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ]
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) إذَا وَهَبَتْ الزَّوْجَةُ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا، أَوْ لِزَوْجِهَا، أَوْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ فَلَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ قَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا رَضِيَتْ امْرَأَةٌ بِتَرْكِ أَيَّامِهَا وَفِي الْأَثَرَةِ عَلَيْهَا عَلَى أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا جَازَ وَلَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ فَإِمَّا عَدَلَ، أَوْ طَلَّقَ اهـ. قَالَ اللَّخْمِيُّ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْهِبَةُ مُقَيَّدَةٌ بِوَقْتٍ، أَوْ لِلْأَبَدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تُدْرِكُهَا فِيهِ الْغَيْرَةُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا وَهَبَتْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ.
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ اسْتِثْنَاءِ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ تَقْيِيدٌ لِلْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هِبَتَهَا لِضَرَّتِهَا وَلِلزَّوْجِ وَلَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي فِي الْقَسْمَيْنِ مَعًا سَوَاءٌ وَهَبَتْ ذَلِكَ لِضَرَّتِهَا أَوْ لِزَوْجِهَا قَالُوا: لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَصْبِرُ عَلَيْهِ عَادَةً وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَتْ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَمَا كَانَ لَهَا الرُّجُوعُ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَسَكَتَ عَنْهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْإِطْلَاقُ، فَإِنَّهُ قَالَ وَلَهَا الرُّجُوعُ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ قُلْت ظَاهِرُهَا الْإِطْلَاقُ اهـ.
قُلْت:
стр. 312
وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ بِكَوْنِهَا مِنْ بَابِ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ وَبِذَلِكَ وَجَّهَهَا أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ذَكَرَ عَبْدُ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ لَمْ يَجِبْ لَهَا فَوَهَبَتْ مَا لَمْ يَتَقَرَّرْ لَهَا مِلْكُهُ لَكِنَّهُ قَالَ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَرَكَتْ الْمُطَالَبَةَ بِنَفَقَةِ حَمْلِهَا، أَوْ بِنَفَقَتِهَا هِيَ لَزِمَهَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ النَّفَقَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَانْظُرْهُ اهـ.
قُلْت: مَا ذَكَرَهُ مِنْ سُقُوطِ النَّفَقَةِ أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ إسْقَاطِ النَّفَقَةِ فَرْقٌ إلَّا مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الضَّرَرِ هُنَا، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ فَيَجِيءُ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ.
قَوْلُهُ وَلَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عِنْدِي أَنَّهُ إذَا كَانَ مَا وَهَبَتْهُ الزَّمَنَ الْيَسِيرَ كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ لَا رُجُوعَ لَهَا لِقَوْلِ عَارِيَّتِهَا إذَا رَجَعَ، فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِمَا يُعَارُ إلَى مِثْلِهِ وَقَوْلُهُمْ فِي السَّلَفِ إذَا طُلِبَ فِي الْحَالِ يُجَامِعُ الْمَعْرُوفَ. قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: وَهَذَا غَيْرُ بَيِّنٍ؛ لِأَنَّ مُدْرَكَ مَسْأَلَتِنَا رَاجِعٌ لِضَرَرٍ بَدَنِيٍّ وَلَا يُقَاوِمُهُ مَا يَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ مَالِيٍّ اهـ. فَجَعْلُ التَّقْيِيدِ بِالْيَوْمَيْنِ إنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ ابْنِ عَرَفَةَ مَعَ أَنَّهُ حَكَاهُ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُدَوَّنَةِ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَانْظُرْ هَلْ يُقَيَّدُ رُجُوعُهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا لَمْ تَدْخُلْ ضَرَّتُهَا فِي شَيْءٍ كَمَا قَالُوا فِي اعْتِصَارِ الْأَبِ مَالَ وَلَدِهِ اهـ.
قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ عَدَمُ التَّقْيِيدِ سَوَاءٌ عَلَّلْنَا الْمَسْأَلَةَ بِالضَّرَرِ، أَوْ بِإِسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ كَمَا فِي الشُّفْعَةِ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا إدْخَالَ الْمُشْتَرِي فِي الشِّرَاءِ وَكُلْفَتَهُ مَعَ أَنَّهَا فِي الْغَالِبِ أَعْظَمُ مِنْ كُلْفَةِ الزَّوْجَةِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا لِلْمَرْأَةِ الرُّجُوعُ فَرَجَعَتْ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ الزَّوْجَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الرُّجُوعُ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَا فَاتَ قَبْلَ بُلُوغِ خَبَرِ الرُّجُوعِ فَلَا يَقْضِي اهـ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِذَا وَهَبَتْ وَاحِدَةٌ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا فَلِلزَّوْجِ الِامْتِنَاعُ لَا لِلْمَوْهُوبَةِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَزِيدُ أَنَّ هِبَةَ الضَّرَّةِ لِضَرَّتِهَا يَوْمَهَا جَائِزَةٌ ثُمَّ لِلزَّوْجِ الِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِ تِلْكَ الْهِبَةِ وَلَيْسَ لِلْمَوْهُوبَةِ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِالْوَاهِبَةِ بِيَدِ الرَّجُلِ، فَلَوْ جَازَ لِلْمَوْهُوبَةِ قَبُولُ هَذِهِ الْهِبَةِ بِغَيْرِ رِضَا الزَّوْجِ لَسَقَطَ حَقُّ الزَّوْجِ فِي مُتْعَتِهِ بِالْوَاهِبَةِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَبِلَ الزَّوْجُ الْهِبَةَ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْهُوبَةِ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْقَبُولِ اهـ.
قُلْت: لِأَنَّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ لِحَقِّ الزَّوْجَاتِ الْأُخَرِ فَلَمَّا أَسْقَطَتْ إحْدَاهُنَّ يَوْمَهَا لِلْأُخْرَى وَرَضِيَ الزَّوْجُ بِذَلِكَ جَازَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَوْهُوبَةِ فِي ذَلِكَ مَقَالٌ، وَلَمْ يُنَبِّهْ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا لِلْمَوْهُوبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ،
стр. 313
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ وَهَبَتْ لِلزَّوْجِ قَدَّرَتْ كَالْعَدَمِ وَلَا يُخَصِّصُ هُوَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ يَعْنِي إذَا وَهَبَتْ لِضَرَّتِهَا بَقِيَتْ أَيَّامُ الْقَسْمِ عَلَى حَالِهَا وَيَكُونُ لِلْمَوْهُوبَةِ يَوْمَانِ، وَأَمَّا إذَا وَهَبَتْ الزَّوْجَ، فَإِنَّهَا تَكُونُ كَالْعَدَمِ وَلَا يُخَصِّصُ هُوَ بِذَلِكَ الْيَوْمِ غَيْرَهَا زَادَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ: لِأَنَّ مَعْنَى هِبَتِهَا لِلزَّوْجِ إسْقَاطُ حَقِّهَا لَا أَنَّهَا جَعَلَتْ مَا كَانَ لَهَا بِيَدِهِ هَكَذَا قَالُوا. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إذَا وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِلزَّوْجِ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ إسْقَاطِ يَوْمِهَا وَبَيْنَ أَنْ يَخُصَّ بِهِ وَاحِدَةً قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قُلْت وَالْأَقْرَبُ سُؤَالُهَا عَنْ مُرَادِهَا بِالْهِبَةِ هَلْ الْإِسْقَاطُ، أَوْ تَمْلِيكُ الزَّوْجِ، فَإِنْ أَرَادَتْ تَمْلِيكَ الزَّوْجِ فَيَكُونُ مُخَيَّرًا فِي جَعْلِهِ لِمَنْ شَاءَ وَنَقْلِهِ عَمَّنْ جَعَلَهُ إلَيْهَا إذَا شَاءَ اهـ.
وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا الْأَخِيرَ فَقَالَ وَيَنْبَغِي إذَا وَهَبَتْ الزَّوْجَ أَنْ تُسْأَلَ هَلْ أَرَادَتْ الْإِسْقَاطَ، أَوْ تَمْلِيكَ الزَّوْجِ، فَإِنْ أَرَادَتْ الثَّانِي فَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بِيَوْمِهَا مَنْ شَاءَ اهـ.
قُلْت: وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ هِبَةُ الْمَرْأَةِ يَوْمَهَا جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يَأْبَى الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَهِبَتُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، فَإِنْ أَسْقَطَتْ يَوْمَهَا، وَلَمْ تَخُصَّ أَحَدًا عَادَ الْقَسْمُ أَثْلَاثًا، وَإِنْ خَصَّتْ بِهِ وَاحِدَةً كَانَ لَهَا وَبَقِيَ الْقَسْمُ أَرْبَاعًا، وَقَدْ «وَهَبَتْ سَوْدَةُ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ ﵄» فَكَانَ لَهَا يَوْمَانِ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إنْ وَهَبَتْهَا لِلزَّوْجِ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهُ فِيهِ وَيَكُونَ الْقَسْمُ أَثْلَاثًا، أَوْ يَخُصَّ بِهِ وَاحِدَةً وَيَكُونَ الْقَسْمُ أَرْبَاعًا اهـ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ فَأَجْحَفَ فِي اخْتِصَارِهِ وَنَصَّهُ اللَّخْمِيُّ إنْ أَسْقَطَتْ الْحُرَّةُ يَوْمَهَا أَوْ وَهَبَتْهُ لِضَرَّتِهَا فَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا لَحَقِّهِ فِي الْمُتْعَةِ بِهَا، فَإِنْ وَافَقَهَا فَالْمُسْقِطَةُ كَالْعَدَمِ وَاخْتَصَّ الْقَسْمَ بِمَنْ سِوَاهَا وَلِلْمَوْهُوبَةِ يَوْمُهَا وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنْ وَهَبَتْهُ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ وَاحِدَةً، أَوْ يَخُصَّ الْقَسْمَ بِمَنْ سِوَاهَا ثُمَّ قَالَ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا كَهِبَةِ أَحَدِ الشُّفَعَاءِ حَقَّهُ لِلْمُبْتَاعِ وَأَحَدِ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ حَقَّهُ لَهُ يَسْتَغْرِقُهُ مَنْ سِوَاهُ، أَوْ كَهِبَةِ أَحَدِ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ حَقَّهُ لِلْقَاتِلِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَالثَّانِي أَجْرَى عَلَى شِرَائِهِ ذَلِكَ اهـ.
قُلْت: أَمَّا قَوْلُهُ إنَّهُ ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إلَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ ارْتَضَاهُ وَإِلَّا لَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ مَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فَصَحِيحٌ بَلْ ذَلِكَ صَرِيحٌ فِي كَلَامِهِمَا وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ خِلَافَ ذَلِكَ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْبَحْثِ وَجَزَمَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ بِمَا قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنْهُ وَبِذَلِكَ جَزَمَ صَاحِبُ
стр. 314
الشَّامِلِ فَقَالَ وَقَدَّرَتْ عَدَمًا إنْ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لَهُ، أَوْ أَسْقَطَتْهُ وَلَا يُخَصِّصُ هُوَ لِضَرَّتِهَا فَلَهُ الِامْتِنَاعُ لَا لِلضَّرَّةِ إنْ رَضِيَ اهـ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ حَيْثُ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَهِبَةِ أَحَدِ الشُّفَعَاءِ حَقَّهُ لِلْمُبْتَاعِ وَكَهِبَةِ أَحَدِ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ حَقَّهُ لِلْمُفْلِسِ وَمَسْأَلَةُ الشُّفْعَةِ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ قَوْلَيْنِ أَرْجَحُهُمَا أَنَّ نَصِيبَ الْوَاهِبِ يَرْجِعُ لِبَقِيَّةِ الشُّرَكَاءِ وَمَسْأَلَةُ التَّفْلِيسِ لَا شَكَّ أَنَّ الْغُرَمَاءَ يَقْسِمُونَ حِصَّةَ الْوَاهِبِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا إذَا وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِلزَّوْجِ، أَوْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا تَصِيرُ كَالْعَدَمِ وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَخُصَّ بِيَوْمِهَا وَاحِدَةً مِنْ الْبَوَاقِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِهَا الْيَوْمَ وَشَبَهَهُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا أُحِبُّ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْ صَاحِبَتِهَا يَوْمًا وَلَا شَهْرًا وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي لَيْلَةٍ خَفِيفًا قِيلَ لَهُ: فَإِنْ أَرْضَى إحْدَى امْرَأَتَيْهِ بِشَيْءٍ أَعْطَاهَا لِيَوْمِهَا لِيَكُونَ فِيهِ عِنْدَ الْأُخْرَى فَقَالَ إنَّ النَّاسَ لَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَمَحْمَلُ قَوْلِهِ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لَمَّا كَانَتْ لَا تَقْدِرُ، وَعَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا طَالَتْ مُدَّتُهُ اهـ.
وَانْظُرْ الْخِلَافَ الَّذِي حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ مَا هُوَ؟ فَإِنَّ الَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ لِلضَّرَّةِ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْ ضَرَّتِهَا يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا وَخَفَّفَ شِرَاءَ اللَّيْلَةِ وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِي إرْضَاءِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ فِي يَوْمِهَا تَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي شِرَاءِ الْيَوْمِ فَقَالَ أَوَّلًا لَا أُحِبُّ لَهَا أَنْ تَشْتَرِيَ يَوْمَهَا ثُمَّ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُرْضِي امْرَأَتَهُ بِشَيْءٍ لِيَكُونَ فِي يَوْمِهَا عِنْدَ الْأُخْرَى فَقَالَ غَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ خَفَّفَ ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شِرَاءِ الزَّوْجَةِ يَوْمَ صَاحِبَتِهَا وَشِرَاءِ الزَّوْجِ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ سُئِلَ عَمَّنْ يُرْضِي إحْدَى امْرَأَتَيْهِ بِعَطِيَّةٍ فِي يَوْمِهَا لِيَكُونَ فِيهِ عِنْدَ الْأُخْرَى قَالَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ قِيلَ لَهُ أَتَكْرَهُهُ قَالَ غَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ سُئِلَ فِي هَذَا الرَّسْمِ بِعَيْنِهِ مِنْ هَذَا السَّمَاعِ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ عَنْ الْمَرْأَةِ تَشْتَرِي مِنْ صَاحِبَتِهَا يَوْمَهَا فَقَالَ مَا يُعْجِبُنِي، وَإِنِّي لَأَكْرَهَهُ أَرَأَيْت لَوْ اشْتَرَتْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ اللَّيْلَةُ خَفِيفَةً.
فَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُ فَرَّقَ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الْمُشْتَرِي لَهَا مِنْ امْرَأَتِهِ، أَوْ تَكُونَ صَاحِبَتُهَا هِيَ الَّتِي اشْتَرَتْهَا مِنْهَا فَجَعَلَ شِرَاءَ الْمَرْأَةِ اللَّيْلَةَ مِنْ صَاحِبَتِهَا أَشَدَّ فِي الْكَرَاهَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَدْرِي مَا يَحْصُلُ لَهَا بِمَا أَعْطَتْ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ إذْ قَدْ يُصِيبُهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَقَدْ لَا يُصِيبُهَا وَالرَّجُلُ يَدْرِي مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ إذْ هُوَ مَالِكٌ لِلْإِصَابَةِ.
وَأَمَّا اشْتِرَاءُ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَالْكَرَاهَةُ فِيهَا بَيِّنَةٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ إذْ لَا يَدْرِي هَلْ يَعِيشُ إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ هُوَ، أَوْ الَّذِي اشْتَرَى الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ اهـ.
فَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ
стр. 315
ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ شِرَاءَ اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ مَكْرُوهٌ اشْتَرَاهَا الزَّوْجُ، أَوْ صَاحِبَتُهَا لَكِنَّ شِرَاءَ صَاحِبَتِهَا أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَأَمَّا شِرَاءُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَمَكْرُوهٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الزَّوْجُ، أَوْ الضَّرَّةُ وَانْظُرْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ مَعَ قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي الْجَائِزَاتِ وَشِرَاءِ يَوْمِهَا مِنْهَا، وَكَذَا قَوْلُ الشَّامِلِ وَشِرَاءُ لَيْلَتِهَا مِنْهَا فَجَعَلَ ذَلِكَ جَائِزًا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَظَاهِرُهُمَا سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُشْتَرِي، أَوْ الضَّرَّةُ وَكَأَنَّهُمَا اعْتَمَدَا عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَصَّهُ وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ مِنْ ضَرَّتِهَا، أَوْ مِنْ زَوْجِهَا.
قُلْت: وَالْأَقْرَبُ الْجَوَازُ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ سَوَاءٌ جَعَلَ الْعِوَضَ الْمَأْخُوذَ فِي ذَلِكَ عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ، أَوْ عَنْ إسْقَاطِ الْحَقِّ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ اهـ. وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى حِكَايَةِ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ ثُمَّ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ قُلْت: وَهَذَا خِلَافُ تَفْرِقَةِ ابْنِ رُشْدٍ اهـ. فَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ أَنَّ اللَّخْمِيَّ سَوَّى بَيْنَ شِرَاءِ الرَّجُلِ وَالضَّرَّةِ اللَّيْلَةَ الْوَاحِدَةَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَلَيْسَ لِلْأَمَةِ إسْقَاطُ حَقِّهَا فِي قَسْمِهَا إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا كَالْعَزْلِ لَحَقِّهِ فِي الْوَلَدِ إلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ بَالِغٍ، أَوْ يَائِسَةً، أَوْ حَامِلًا وَاسْتُحْسِنَ إنْ أَصَابَهَا مَرَّةً، وَأَنْزَلَ أَنَّ لَهَا أَنْ تُسْقِطَ حَقَّهَا فِي الْقَسْمِ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الطُّهْرِ ابْنُ عَرَفَةَ يُرَدُّ بِاحْتِمَالِ خَيْبَتِهَا فِيهَا وَرَجَائِهِ فِي تَكَرُّرِهِ اهـ.
[الْأَمَة إذَا كَانَتْ تَحْت الْعَبْد وَقَالَتْ اشْهَدُوا مَتَى عتقت فَقَدْ اخْتَرْت زوجي أَوْ اخْتَرْت نفسي]
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) الْأَمَةُ إذَا كَانَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ وَقَالَتْ اشْهَدُوا مَتَى عَتَقْتُ، فَقَدْ اخْتَرْت زَوْجِي، أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي فَقَالَ مَالِكٌ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْإِيلَاءِ لَا أَرَى ذَلِكَ لَازِمًا لَهَا وَحَكَى ابْنُ حَرْثٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهَا قَالَ وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ وَسَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا بَيَانُ الرَّاجِحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ.
[شَرَطَ لِزَوْجَتِهِ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا]
(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) فِيمَنْ شَرَطَ لِزَوْجَتِهِ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ إنْ تَسَرَّى أَوْ إنْ أَخْرَجَهَا مِنْ بَلَدِهَا فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا فَتَقُولُ اشْهَدُوا أَنِّي مَتَى فَعَلَ زَوْجِي ذَلِكَ، فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي، أَوْ اخْتَرْت زَوْجِي فَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونَ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهَا وَحَكَى الْبَاجِيُّ وَابْنُ يُونُسَ عَنْ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ حَصَّلَ ابْنُ زَرْقُونٍ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا فِي لُزُومِ مَا أَوْقَعْنَاهُ قَبْلَ حُصُولِ سَبَبِ خِيَارِهِمَا وَعَدَمِهِ. ثَالِثًا التَّفْرِقَةُ الْمَذْكُورَةُ لِابْنِ حَرْثٍ عَنْ أَصْبَغَ مَعَ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ وَالْبَاجِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ مَعَ فَضْلٍ عَنْ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ وَمَعْرُوفِ قَوْلِ مَالِكٍ اهـ.
فَعُلِمَ أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا هِيَ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَعَلَى ذَلِكَ مَشَى الشَّيْخُ خَلِيلٌ ﵀ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي فَصْلِ الرَّجْعَةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي السَّمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الَّتِي يُحْكَى عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ سَأَلَ مَالِكًا ﵀ فِيهَا عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فَقَالَ لَهُ أَتَعْرِفُ دَارَ قُدَامَةَ وَكَانَتْ دَارًا يُلْعَبُ فِيهَا بِالْحَمَامِ
стр. 316
مُعَرِّضًا لَهُ بِقِلَّةِ التَّحْصِيلِ فِيمَا سَأَلَ عَنْهُ وَتَوْبِيخًا لَهُ عَلَى تَرْكِ إعْمَالِ نَظَرِهِ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَا يَسْأَلَ إلَّا فِي أَمْرٍ مُشْكِلٍ، وَهَذَا مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَيْءٍ سَأَلَهُ عَنْهُ أَنْتَ حَتَّى السَّاعَةِ هَاهُنَا تَسْأَلُ عَنْ مِثْلِ هَذَا. وَلَعَمْرِي إنَّ مِثْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي فَهْمِهِ وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ لَحَرِيٌّ أَنْ يُوَبَّخَ عَلَى مِثْلِ هَذَا السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ كَمَا قَالَ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ خِيَارٍ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالشَّرْعِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ لِلزَّوْجَاتِ الْإِمَاءِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ الْعَبِيدِ بِشَرْطِ عِتْقِهِنَّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ أَزْوَاجِهِنَّ وَبَيْنَ خِيَارٍ اشْتَرَطَهُ الزَّوْجُ بِاخْتِيَارِهِ لِزَوْجِهِ حُرَّةً كَانَتْ، أَوْ أَمَةً الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا خَيَّرَ اللَّهُ عِبَادَهُ فِيهِ عَلَى شَرْطٍ وَجَعَلَهُ شَرْعًا مَشْرُوعًا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُسْقِطَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ فِي ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لَهُ بِحُصُولِ الشَّرْطِ وَيُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْأَخْذِ، أَوْ التَّرْكِ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ صَارَ مُبْطِلًا لِلشَّرْعِ الَّذِي شَرَّعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ فِي حَقِّهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ وَلَا يَلْزَمُ.
أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَنِيًّا قَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي إنْ افْتَقَرْت فَلَا آخُذُ مِنْ الصَّدَقَاتِ الَّتِي أَبَاحَهَا اللَّهُ لِلْفُقَرَاءِ شَيْئًا، أَوْ إنْ افْتَقَرْت فَأَنَا آخُذُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ لِي مِنْ الْحَقِّ فِيهَا ثُمَّ افْتَقَرَ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ الْأَخْذُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ وَلَا يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ إنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَأْخُذَ وَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الشَّرْعِ وَمَا أَوْجَبَهُ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ الْخِيَارُ فِي نَفْسِهَا بِشَرْطٍ بِخِلَافِ ذَلِكَ يَجِبُ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، أَوْ زَوْجَهَا قَبْلَ حُصُولِ الشَّرْطِ بِشَرْطِ حُصُولِهِ أَنْ يَلْزَمَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَهُوَ حَقٌّ لَهَا تَرَكَتْهُ إذْ لَا يَلْزَمُهَا قَبُولُ مَا أَعْطَاهَا زَوْجُهَا، وَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَعَلَى زَوْجِهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ رُجُوعٌ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ قَدْ وَقَعَ عَلَى صِفَةٍ يَلْزَمُ بِحُصُولِهَا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: امْرَأَتِي طَالِقٌ إنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ تَقُولَ هِيَ إذَا مَلَكْت الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ أَنَا طَالِقٌ إنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لِذَلِكَ الشَّرْطِ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ اهـ. مِنْ أَوَّلِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْإِيلَاءِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ سَمَاعُ أَشْهَبَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَرَّتَيْنِ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ الْبَيَانِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ أَشْهَبَ الثَّانِي.
وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَوَّلَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَقَالَ بَعْدَهُ سَمِعْت فِي صِغَرِي وَالِدِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحْكِي عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ وَأَظُنُّهُ شَيْخَهُ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ أَبَا يَحْيَى بْنَ جَمَاعَةَ، أَوْ الشَّيْخَ الْخَطِيبَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْبَرْجِينِيَّ أَنَّ قَوْلَهُ أَتَعْرِفُ دَارَ قُدَامَةَ تَعْرِيضٌ لَهُ بِتَقَدُّمِ دُخُولٍ كَانَ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ لِدَارِ قُدَامَةَ، فَإِنَّهُ بِهِ عِلْمُ مَا سَأَلَ عَنْهُ مِنْ الْفَرْقِ وَنَحْوُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ قَوْلُ عِيَاضٍ قَالَ ابْنُ حَرْثٍ كَانَتْ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ نَفْسُ أَبِيهِ كَلَّمَهُ مَالِكٌ يَوْمًا بِكَلِمَةٍ خَشِنَةٍ فَهَجَرَهُ عَامًا كَامِلًا اسْتَقْضَى عَلَيْهِ الْفَرْقَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ أَتَعْرِفُ دَارَ قُدَامَةَ وَكَانَتْ دَارًا يَلْعَبُ فِيهَا الْأَحْدَاثُ بِالْحَمَامِ. وَقِيلَ: بَلْ عَرَّضَ لَهُ
стр. 317
بِالْعَجْزِ اهـ.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ قِيلَ: إنَّ مَالِكًا رَمَى عَبْدَ الْمَلِكِ بِدَارِ قُدَامَةَ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَهُ لِلصِّغَرِ وَاللَّعِبِ. وَقِيلَ: نَسَبَهُ لِلْبَلَهِ؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةٌ بَيِّنَةٌ اهـ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فَذَكَرَ مَا تَقْرِيرُهُ تَخْيِيرُ الْعِتْقِ مُوجِبٌ لَهُ شَرْعًا، فَلَوْ لَزِمَ سَابِقُ قَوْلِهَا عَلَى الْعِتْقِ بَطَلَ التَّخْيِيرُ بِهِ ضَرُورَةَ مُنَاقِضَةِ التَّخْيِيرِ وَاللُّزُومِ وَكُلَّمَا بَطَلَ التَّخْيِيرُ بَطَلَ مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ، فَلَوْ لَزِمَ سَابِقُ قَوْلِهَا بَطَلَ مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ قَطْعًا وَاخْتِيَارُ ذَاتِ الشَّرْطِ قَبْلَ حُصُولِهِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَلْزُومًا لِإِبْطَالِ مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ لَزِمَ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ أَمْرٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَلَوْ الْتَزَمَ بَعْدَهُ لَزِمَهُ فَكَذَلِكَ قَبْلَهُ كَقَوْلِ الزَّوْجِ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كَانَ كَذَا.
ثُمَّ اسْتَشْهَدَ عَلَى لَغْوِ الْتِزَامِ الْأَمَةِ تُعْتَقُ بِقَوْلِهِ: أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ غَنِيًّا قَالَ إنْ افْتَقَرْت فَلَا آخُذُ الزَّكَاةَ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ إنْ افْتَقَرْت فَأَنَا آخُذُ ثُمَّ افْتَقَرَ لَمْ يُحَرَّمْ أَخْذُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ خَيَّرَهُ فِيهِمَا.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت فِيمَا فَرَّقَ بِهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ لَغْوُ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْعِصْمَةِ قَبْلَ حُصُولِهَا كَقَوْلِهِ إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ عَلَى حَرَامٌ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ النِّكَاحَ سَبَبَ حِلِّيَّةِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا فَإِلْزَامُهُ تَحْرِيمَهَا قَبْلَهُ مُنَاقِضٌ لِمُوجَبِ النِّكَاحِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ.
الثَّانِي: مَنْعُ مُنَاقَضَةِ إلْزَامِهَا مَا الْتَزَمَتْ لِمَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ مِنْ خِيَارِهَا وَسَنَدُهُ أَنَّ اللُّزُومَ اللَّاحِقَ لَا يُنَاقِضُ التَّخْيِيرَ الْأَصْلِيَّ كَعَدَمِ مُنَاقَضَةِ الْوُجُوبِ الْعَارِضِ الْإِمْكَانَ الذَّاتِيَّ.
وَاسْتِشْهَادُهُ بِقَوْلِهِ لَوْ أَنَّ غَنِيًّا إلَخْ يُرَدُّ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْتِزَامِ مَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ مُعَلَّقٍ إنْ الْتَزَمَ مُعَلَّقًا وَمَا جَاءَ بِهِ لَا يَلْزَمُ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِحَالٍ، وَمَنْ أَنْصَفَ عَلِمَ أَنَّ سُؤَالَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ عَنْ أَمْرٍ جَلِيٍّ وَلِذَلِكَ سَوَّى بَيْنَهُمَا مَالِكٌ مَرَّةً وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ وَفَرَّقَ الصَّقَلِّيُّ أَيْضًا بِأَنَّ خِيَارَ الْأَمَةِ إنَّمَا يَجِبُ لِعِتْقِهَا فَاخْتِيَارُهَا قَبْلَهُ سَاقِطٌ كَالشُّفْعَةِ وَإِسْقَاطُهَا قَبْلَ الشِّرَاءِ وَالْمُمَلَّكَةُ جَعَلَ لَهَا الزَّوْجُ مَا كَانَ لَهُ إيقَاعُهُ وَلَهُ إيقَاعُهُ مُعَلَّقًا عَلَى أَمْرٍ فَكَذَا الزَّوْجَةُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ يُنْتِجُ هَذَا اللُّزُومُ مَا أَوْقَعَتْهُ مِنْ طَلَاقٍ لَا مَا أَوْقَعَتْهُ مِنْ اخْتِيَارِ زَوْجِهَا فَتَأَمَّلْهُ. وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ لِحُرٍّ يَقَعُ بِيَاءٍ بَعْدَ الرَّاءِ وَدُونَهَا وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ اهـ.
وَاقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى الْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فَقَالَ فِي آخِرِ بَابِ الرَّجْعَةِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عِنْدِي أَنَّ الْأَمَةَ إنَّمَا يَجِبُ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ إذَا عَتَقَتْ وَالْعِتْقُ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ، فَقَدْ سَلَّمَتْ أَوْ أَوْجَبَتْ شَيْئًا قَبْلَ وُجُوبِهِ لَهَا فَلَمْ يَجِبْ كَتَارِكِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْجِبَهَا وَالْحُرَّةُ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا الزَّوْجُ الشَّرْطَ إنْ فَعَلَ وَمَلَّكَهَا مِنْهُ مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَلْزَمَهُ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ اهـ. وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْبُرْزُلِيُّ وَقَالَ بَعْدَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ هَذَا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ وَالْأَمَةُ لَمْ يَجِبْ وَلَا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ فَهُوَ أَبْعَدُ اهـ.
وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ الرَّجُلِ إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ
стр. 318
وَبَيْنَ إنْ اشْتَرَى فُلَانٌ شِقْصَ كَذَا، فَقَدْ أَسْقَطْت الشُّفْعَةَ فَأَجَابَ بِأَنَّ الطَّلَاقَ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْقَاطُهُ إذَا حَصَلَ مُوجِبُهُ وَالشُّفْعَةُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ لَهُ الرِّضَا وَالرُّجُوعُ مَا لَمْ يَلْزَمْ بَعْدَ الْوُجُوبِ اهـ. فَتَأَمَّلْهُ.
[أَبْرَأَتْ زَوْجَهَا مِنْ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ]
(الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) إذَا أَبْرَأَتْ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا مِنْ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَقَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا فَقَالَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى الْإِبْرَاءِ مِمَّا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْوُجُوبِ اهـ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَلْ يَلْزَمُ نَظَرًا لِتَقَدُّمِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ هَاهُنَا الْعَقْدُ، أَوْ لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقًّا قَبْلَ وُجُوبِهِ وَاقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهَا وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ شَاسٍ وَقَالَ بَعْدَهُ قُلْت فِي وَصَايَاهَا إنْ أَجَازَ وَارِثٌ فِي مَرَضِ مُوَرِّثِهِ وَصِيَّةً بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ لَزِمَهُ إنْ كَانَ نَائِبًا عَنْهُ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ وَفِي حَمَالَتِهَا أَنَّهُ إنْ أَخَّرَ الطَّالِبُ الْحَمِيلَ بَعْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ فَهُوَ تَأْخِيرٌ لِلْغَرِيمِ قُلْت فَهُوَ إسْقَاطٌ لِلْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ بَعْدَ سَبَبِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي شَرْطِ طَلَبِ الْحَمِيلِ بِتَعَذُّرِ الْأَصْلِ اهـ.
[أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلِ]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) إذَا أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلِ فَحَكَى فِي التَّوْضِيحِ فِي لُزُومِ ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُ لَمَّا وَجَّهَ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ قَالَ كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ وَكَالْمَرْأَةِ إذَا أَسْقَطَتْ نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلِ عَنْ زَوْجِهَا هَلْ يَلْزَمُهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهَا قَدْ وُجِدَ، أَوْ لَا يَلْزَمُهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ؟ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ رَاشِدٍ يَعْنِي الْقَفْصِيَّ وَكَعَفْوِ الْمَجْرُوحِ عَمَّا يَئُولُ إلَيْهِ الْجُرْحُ وَكَإِجَازَةِ الْوَارِثِ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لِلْأَجْنَبِيِّ فِي مَرَضِ الْمُوصِي وَأَمْثِلَةُ هَذَا كَثِيرَةٌ. أَمَّا إنْ لَمْ يَجْرِ سَبَبُ الْوُجُوبِ لَمْ يَجِبْ بِاتِّفَاقٍ حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ اهـ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذِهِ النَّظَائِرَ وَذَكَرَ مَعَهَا مَسْأَلَةَ ذَاتِ الشَّرْطِ وَالْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ ثُمَّ قَالَ: وَبَعْضُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ اهـ.
قُلْت: وَاقْتَصَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّالِثِ وَالثَّلَاثِينَ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ وَحَكَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَنَصُّهُ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ إذَا أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ نَفَقَتَهَا قَالَ الْأَصْحَابُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ لَهَا الْمُطَالَبَةَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ إسْقَاطٌ بَعْدَ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ النِّكَاحُ وَقَبْلَ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ التَّمَكُّنُ، أَوْ يُقَالُ التَّمَكُّنُ هُوَ السَّبَبُ خَاصَّةً، وَلَمْ يُوجَدْ، فَقَدْ أَسْقَطَتْ قَبْلَ السَّبَبِ وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَظْهَرُ وَإِسْقَاطُ اعْتِبَارِ الْعِصْمَةِ بِالْكُلِّيَّةِ لَا يُتَّجَهُ، فَإِنَّ التَّمْكِينَ بِدُونِ الْعِصْمَةِ مَوْجُودٌ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَا يُوجِبُ النَّفَقَةَ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ مِنْ مِلْكِهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الطِّبَاعِ تَرْكُ النَّفَقَاتِ فَلَمْ يَعْتَبِرْ صَاحِبُ الشَّرْعِ الْإِسْقَاطَ لُطْفًا بِالنِّسَاءِ لَا سِيَّمَا مَعَ ضَعْفِ عُقُولِهِنَّ، وَعَلَى التَّأْوِيلَيْنِ يُشْكِلُ بِمَا إذَا تَزَوَّجَتْهُ
стр. 319
وَهِيَ تَعْلَمُ بِفَقْرِهِ. قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهَا طَلَبُ فِرَاقِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ قَبْلَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ التَّمْكِينِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ مَنْ تَعْلَمُ فَقْرَهُ، فَقَدْ سَكَنَتْ نَفْسُهَا سُكُونًا كُلِّيًّا فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي الصَّبْرِ عَنْ ذَلِكَ كَمَا إذَا تَزَوَّجَتْ مَجْبُوبًا، أَوْ عِنِّينًا فَلَا مُطَالَبَةَ لَهَا لَفَرْطِ سُكُونِ النَّفْسِ اهـ. وَقَبِلَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَقَالَ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرٌ وَمَا اخْتَارَهُ هُوَ الْمُخْتَارُ وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ عَنْ الْمَذْهَبِ ظَاهِرٌ وَمَا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ مَا إذَا تَزَوَّجَتْ عَالِمَةً بِفَقْرِهِ ظَاهِرٌ اهـ.
وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَ ابْنُ غَازِيٍّ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي فَصْلِ الصَّدَاقِ: أَعْنِي قَوْلَهُ لَا إنْ أَبْرَأَتْ قَبْلَ الْفَرْضِ، أَوْ أَسْقَطَتْ فَرْضًا قَبْلَ وُجُوبِهِ.
قُلْت: وَهَذَا الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْقَرَافِيُّ وَقَبِلَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَحَمَلَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ غَازِيٍّ كَلَامَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي فَصْلِ الصَّدَاقِ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمُوَثَّقِينَ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَرَادَتْ التَّطْلِيقَ عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِبِ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهَا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُسْقِطْهَا عَنْهُ وَمُخَالِفٌ أَيْضًا لِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ ذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ لَمَّا ذَكَرَ النَّظَائِرَ الَّتِي لَا يُفِيتُهَا الدُّخُولُ قَالَ: الرَّابِعَةُ الَّتِي تَطْلُقُ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ ثُمَّ يَكْشِفُ الْغَيْبُ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهَا عَنْهُ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عِمْرَانَ الْجُورَائِيُّ فِي نَظَائِرِهِ فَقَالَ: وَمَنْ طَلُقَتْ عَلَيْهِ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ ثُمَّ أَثْبَتَ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهَا عَنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي النَّظَائِرِ.
وَعَلَى ذَلِكَ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ لَمَّا ذَكَرَ النَّظَائِرَ الْمَذْكُورَةَ فِي فَصْلِ الْمَفْقُودِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ الثَّانِي وَمِنْ الْوَاضِحَةِ إذَا رَفَعَتْ امْرَأَةُ الْغَائِبِ أَمْرَهَا إلَى الْإِمَامِ فِي النَّفَقَةِ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ حَلَّفَهَا مَا تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً وَلَا بَعَثَ إلَيْهَا نَفَقَةً وَلَا وَضَعَتْهَا عَنْهُ ثُمَّ فَرَضَ لَهَا ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ بِيَسِيرٍ لَمَّا تَكَلَّمَ عَنْ هِبَةِ الْمَرْأَةِ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا: وَإِنَّ لَهَا الرُّجُوعَ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهَا أَسْقَطَتْ شَيْئًا قَبْلَ وُجُوبِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهَا كَتَارِكِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا. مَا نَصَّهُ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ نَظَرٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ تَرَكَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةَ بِنَفَقَةِ حَمْلِهَا، أَوْ بِنَفَقَتِهَا هِيَ فِي نَفْسِهَا فَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ النَّفَقَةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ لَمْ تَجِبْ بَعْدُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا احْتَاجَتْ لِلْوَقْتِ وَالْحَالِ؟ اهـ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَقَبِلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَسْقَطَتْ عَنْ زَوْجِهَا نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَ لَزِمَهَا ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَاخِرِ مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ وَسُئِلَ أَبُو زَكَرِيَّا الْبَرْقِيُّ عَمَّنْ الْتَزَمَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ أَنَّهَا لَا تَطْلُبُهُ بِنَفَقَةٍ مَا دَامَ غَائِبًا عَنْهَا، وَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ بَلَدِهَا وَهِيَ فِي صَفَاقُسَ فَغَابَ عَنْهَا وَمُسْتَقَرُّهُ تُونُسُ فَطَوَّلَ الْغَيْبَةَ، وَلَمْ تَعْلَمْ أَيْنَ هُوَ فَرَفَعَتْ أَمْرَهَا وَشَكَتْ الضَّرُورَةَ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ
стр. 320
وَطُولِ الْغَيْبَةِ هَلْ لَهَا قِيَامٌ لِلضَّرُورَةِ وَتَطْلُقُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ إسْقَاطُ النَّفَقَةِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْخُرُوجِ بِهَا مِنْ بَلَدِهَا لَهَا الرُّجُوعُ فِي الْإِسْقَاطِ وَلَهُ إخْرَاجُهَا هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَأَجَابَ الْمَرْجِينِيُّ بِأَنَّهُ يَسْأَلُ الشُّهُودَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ فَهِمُوا الْغَيْبَةَ طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ، أَوْ يَعْلَمُوا الْغَيْبَةَ الْمُعْتَادَةَ إلَى الْمَوْضِعِ الْمُعْتَادِ وَإِقَامَتَهُ فِيهِ، أَوْ مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْهُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ غَيْبَةً مُعْتَادَةً مُسْتَمِرَّةً مَعْرُوفَةً، فَهَذِهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ وَيُعَضِّدُهُ فَهْمُ الشُّهُودِ لِذَلِكَ فَمَا يُفْهَمُ مِنْهُمَا يُعْمَلُ عَلَيْهِ.
[أَسْقَطَتْ الْحَاضِنَةُ حَقَّهَا فِي الْحَضَانَةِ]
(الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ) إذَا أَسْقَطَتْ الْحَاضِنَةُ حَقَّهَا فِي الْحَضَانَةِ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ فِي تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الشِّرَاءِ قَالَ لِي ابْنُ عَرَفَةَ الْفَتْوَى عِنْدَنَا فِيمَنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى أَنْ تُسْقِطَ هِيَ وَأُمُّهَا الْحَضَانَةَ أَنَّهَا لَا تُسْقِطُ فِي الْجُدُدِ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ مَا لَمْ يَجِبْ ثُمَّ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ ذَكَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ فِي وَثَائِقِهِ عَقْدُ تَسْلِيمِ الْأُمِّ ابْنَهَا إلَى أَبِيهِ، وَعَلَى أَنْ أَسْلَمَتْ إلَيْهَا ابْنَهَا مِنْهُ وَأَسْقَطَتْ حَضَانَتَهَا فِيهِ وَقَطَعَتْ أُمُّهَا فُلَانَةُ وَأُخْتُهَا فُلَانَةُ حُجَّتَهَا فِيمَا كَانَ رَاجِعًا إلَيْهَا مِنْ حَضَانَتِهِ.
وَانْتَقَدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ الْفَخَّارِ وَقَالَ الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ ثُمَّ قَطَعَتْ حُجَّتَهَا فِيمَا كَانَ إلَيْهَا مِنْ حَضَانَةٍ فَدَلَّ بِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى أَنَّ الْجَدَّةَ قَطَعَتْ حُجَّتَهَا بَعْدَ أَنْ وَجَبَ لَهَا ذَلِكَ، وَأَمَّا بِالْوَاوِ وَاَلَّتِي لَا تُفِيدُ تَرْتِيبًا، فَإِنَّهَا تَدُلُّ أَنَّهَا قَطَعَتْ حُجَّتَهَا قَبْلَ وُجُوبِ الْحَضَانَةِ لَهَا فَلَا يَلْزَمُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: وَتَفْرِقَةُ ابْنِ الْفَخَّارِ بَيْنِ الْعَاطِفَيْنِ ضَعِيفَةٌ فِي الْمَعْنَى فَتَأَمَّلْهُ.
ثُمَّ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَهَذَا أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي غَيْرِ كِتَابٍ مِنْهَا فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّاجِحَ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى فِي إسْقَاطِ الْحَضَانَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا عَدَمُ اللُّزُومِ.
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ إسْقَاطُ الْأُمِّ حَقَّهَا فِي الْحَضَانَةِ فِي حَالِ الْعِصْمَةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْكَلَامِ السَّابِقِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُ يَجُوزُ الْخُلْعُ عَلَى إسْقَاطِ حَضَانَتِهَا وَإِلَّا كَانَ حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمَ الْجَدَّةِ وَالْخَالَةِ وَأَيْضًا فَالْحَضَانَةُ وَاجِبَةٌ لِلْأُمِّ فِي حَالِ الْعِصْمَةِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَابِ الْحَضَانَةِ وَمُسْتَحِقُّهَا وَأَبُو الْوَلَدِ زَوْجَانِ هُمَا وَفِي افْتِرَاقِهِمَا أَصْنَافٌ الْأَوَّلُ الْأُمُّ إلَخْ وَعَدَّ اللَّخْمِيُّ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُنَاقِضَةِ لِلْعَقْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْوَلَدُ عِنْدَهَا، وَأَنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ فُسِخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَصَحَّ بَعْدَهُ وَسَقَطَ الشَّرْطُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَلَدَهَا مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ ذَلِكَ صَحِيحٌ لَازِمٌ إذَا كَانَ لِلْوَلَدِ حَاضِنٌ غَيْرُهَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ.
(الثَّانِي) إذَا خَالَعَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ عَلَى إسْقَاطِ حَضَانَتِهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهَا كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَنَصُّهُ:
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ صَالَحَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ وَشَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ حَتَّى تَضَعَ، فَإِذَا وَضَعَتْ
следующие страницы →