← Фикх малики

Фикх малики · id 21688

فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك

محمد بن أحمد عليش

Полный текст (808 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مُعَرِّضًا لَهُ بِقِلَّةِ التَّحْصِيلِ فِيمَا سَأَلَ عَنْهُ وَتَوْبِيخًا لَهُ عَلَى تَرْكِ إعْمَالِ نَظَرِهِ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَا يَسْأَلَ إلَّا فِي أَمْرٍ مُشْكِلٍ، وَهَذَا مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَيْءٍ سَأَلَهُ عَنْهُ أَنْتَ حَتَّى السَّاعَةِ هَاهُنَا تَسْأَلُ عَنْ مِثْلِ هَذَا. وَلَعَمْرِي إنَّ مِثْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي فَهْمِهِ وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ لَحَرِيٌّ أَنْ يُوَبَّخَ عَلَى مِثْلِ هَذَا السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ كَمَا قَالَ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ خِيَارٍ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالشَّرْعِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ لِلزَّوْجَاتِ الْإِمَاءِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ الْعَبِيدِ بِشَرْطِ عِتْقِهِنَّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ أَزْوَاجِهِنَّ وَبَيْنَ خِيَارٍ اشْتَرَطَهُ الزَّوْجُ بِاخْتِيَارِهِ لِزَوْجِهِ حُرَّةً كَانَتْ، أَوْ أَمَةً الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا خَيَّرَ اللَّهُ عِبَادَهُ فِيهِ عَلَى شَرْطٍ وَجَعَلَهُ شَرْعًا مَشْرُوعًا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُسْقِطَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ فِي ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لَهُ بِحُصُولِ الشَّرْطِ وَيُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْأَخْذِ، أَوْ التَّرْكِ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ صَارَ مُبْطِلًا لِلشَّرْعِ الَّذِي شَرَّعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ فِي حَقِّهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ وَلَا يَلْزَمُ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَنِيًّا قَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي إنْ افْتَقَرْت فَلَا آخُذُ مِنْ الصَّدَقَاتِ الَّتِي أَبَاحَهَا اللَّهُ لِلْفُقَرَاءِ شَيْئًا، أَوْ إنْ افْتَقَرْت فَأَنَا آخُذُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ لِي مِنْ الْحَقِّ فِيهَا ثُمَّ افْتَقَرَ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ الْأَخْذُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ وَلَا يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ إنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَأْخُذَ وَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الشَّرْعِ وَمَا أَوْجَبَهُ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ الْخِيَارُ فِي نَفْسِهَا بِشَرْطٍ بِخِلَافِ ذَلِكَ يَجِبُ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، أَوْ زَوْجَهَا قَبْلَ حُصُولِ الشَّرْطِ بِشَرْطِ حُصُولِهِ أَنْ يَلْزَمَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَهُوَ حَقٌّ لَهَا تَرَكَتْهُ إذْ لَا يَلْزَمُهَا قَبُولُ مَا أَعْطَاهَا زَوْجُهَا، وَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَعَلَى زَوْجِهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ رُجُوعٌ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ قَدْ وَقَعَ عَلَى صِفَةٍ يَلْزَمُ بِحُصُولِهَا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: امْرَأَتِي طَالِقٌ إنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ تَقُولَ هِيَ إذَا مَلَكْت الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ أَنَا طَالِقٌ إنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لِذَلِكَ الشَّرْطِ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ اهـ. مِنْ أَوَّلِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْإِيلَاءِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ سَمَاعُ أَشْهَبَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَرَّتَيْنِ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ الْبَيَانِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ أَشْهَبَ الثَّانِي. وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَوَّلَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَقَالَ بَعْدَهُ سَمِعْت فِي صِغَرِي وَالِدِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحْكِي عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ وَأَظُنُّهُ شَيْخَهُ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ أَبَا يَحْيَى بْنَ جَمَاعَةَ، أَوْ الشَّيْخَ الْخَطِيبَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْبَرْجِينِيَّ أَنَّ قَوْلَهُ أَتَعْرِفُ دَارَ قُدَامَةَ تَعْرِيضٌ لَهُ بِتَقَدُّمِ دُخُولٍ كَانَ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ لِدَارِ قُدَامَةَ، فَإِنَّهُ بِهِ عِلْمُ مَا سَأَلَ عَنْهُ مِنْ الْفَرْقِ وَنَحْوُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ قَوْلُ عِيَاضٍ قَالَ ابْنُ حَرْثٍ كَانَتْ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ نَفْسُ أَبِيهِ كَلَّمَهُ مَالِكٌ يَوْمًا بِكَلِمَةٍ خَشِنَةٍ فَهَجَرَهُ عَامًا كَامِلًا اسْتَقْضَى عَلَيْهِ الْفَرْقَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ أَتَعْرِفُ دَارَ قُدَامَةَ وَكَانَتْ دَارًا يَلْعَبُ فِيهَا الْأَحْدَاثُ بِالْحَمَامِ. وَقِيلَ: بَلْ عَرَّضَ لَهُ

стр. 317

بِالْعَجْزِ اهـ. وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ قِيلَ: إنَّ مَالِكًا رَمَى عَبْدَ الْمَلِكِ بِدَارِ قُدَامَةَ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَهُ لِلصِّغَرِ وَاللَّعِبِ. وَقِيلَ: نَسَبَهُ لِلْبَلَهِ؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةٌ بَيِّنَةٌ اهـ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فَذَكَرَ مَا تَقْرِيرُهُ تَخْيِيرُ الْعِتْقِ مُوجِبٌ لَهُ شَرْعًا، فَلَوْ لَزِمَ سَابِقُ قَوْلِهَا عَلَى الْعِتْقِ بَطَلَ التَّخْيِيرُ بِهِ ضَرُورَةَ مُنَاقِضَةِ التَّخْيِيرِ وَاللُّزُومِ وَكُلَّمَا بَطَلَ التَّخْيِيرُ بَطَلَ مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ، فَلَوْ لَزِمَ سَابِقُ قَوْلِهَا بَطَلَ مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ قَطْعًا وَاخْتِيَارُ ذَاتِ الشَّرْطِ قَبْلَ حُصُولِهِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَلْزُومًا لِإِبْطَالِ مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ لَزِمَ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ أَمْرٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَلَوْ الْتَزَمَ بَعْدَهُ لَزِمَهُ فَكَذَلِكَ قَبْلَهُ كَقَوْلِ الزَّوْجِ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كَانَ كَذَا. ثُمَّ اسْتَشْهَدَ عَلَى لَغْوِ الْتِزَامِ الْأَمَةِ تُعْتَقُ بِقَوْلِهِ: أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ غَنِيًّا قَالَ إنْ افْتَقَرْت فَلَا آخُذُ الزَّكَاةَ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ إنْ افْتَقَرْت فَأَنَا آخُذُ ثُمَّ افْتَقَرَ لَمْ يُحَرَّمْ أَخْذُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ خَيَّرَهُ فِيهِمَا. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت فِيمَا فَرَّقَ بِهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ لَغْوُ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْعِصْمَةِ قَبْلَ حُصُولِهَا كَقَوْلِهِ إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ عَلَى حَرَامٌ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ النِّكَاحَ سَبَبَ حِلِّيَّةِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا فَإِلْزَامُهُ تَحْرِيمَهَا قَبْلَهُ مُنَاقِضٌ لِمُوجَبِ النِّكَاحِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ. الثَّانِي: مَنْعُ مُنَاقَضَةِ إلْزَامِهَا مَا الْتَزَمَتْ لِمَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ مِنْ خِيَارِهَا وَسَنَدُهُ أَنَّ اللُّزُومَ اللَّاحِقَ لَا يُنَاقِضُ التَّخْيِيرَ الْأَصْلِيَّ كَعَدَمِ مُنَاقَضَةِ الْوُجُوبِ الْعَارِضِ الْإِمْكَانَ الذَّاتِيَّ. وَاسْتِشْهَادُهُ بِقَوْلِهِ لَوْ أَنَّ غَنِيًّا إلَخْ يُرَدُّ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْتِزَامِ مَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ مُعَلَّقٍ إنْ الْتَزَمَ مُعَلَّقًا وَمَا جَاءَ بِهِ لَا يَلْزَمُ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِحَالٍ، وَمَنْ أَنْصَفَ عَلِمَ أَنَّ سُؤَالَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ عَنْ أَمْرٍ جَلِيٍّ وَلِذَلِكَ سَوَّى بَيْنَهُمَا مَالِكٌ مَرَّةً وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ وَفَرَّقَ الصَّقَلِّيُّ أَيْضًا بِأَنَّ خِيَارَ الْأَمَةِ إنَّمَا يَجِبُ لِعِتْقِهَا فَاخْتِيَارُهَا قَبْلَهُ سَاقِطٌ كَالشُّفْعَةِ وَإِسْقَاطُهَا قَبْلَ الشِّرَاءِ وَالْمُمَلَّكَةُ جَعَلَ لَهَا الزَّوْجُ مَا كَانَ لَهُ إيقَاعُهُ وَلَهُ إيقَاعُهُ مُعَلَّقًا عَلَى أَمْرٍ فَكَذَا الزَّوْجَةُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ يُنْتِجُ هَذَا اللُّزُومُ مَا أَوْقَعَتْهُ مِنْ طَلَاقٍ لَا مَا أَوْقَعَتْهُ مِنْ اخْتِيَارِ زَوْجِهَا فَتَأَمَّلْهُ. وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ لِحُرٍّ يَقَعُ بِيَاءٍ بَعْدَ الرَّاءِ وَدُونَهَا وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ اهـ. وَاقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى الْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فَقَالَ فِي آخِرِ بَابِ الرَّجْعَةِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عِنْدِي أَنَّ الْأَمَةَ إنَّمَا يَجِبُ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ إذَا عَتَقَتْ وَالْعِتْقُ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ، فَقَدْ سَلَّمَتْ أَوْ أَوْجَبَتْ شَيْئًا قَبْلَ وُجُوبِهِ لَهَا فَلَمْ يَجِبْ كَتَارِكِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْجِبَهَا وَالْحُرَّةُ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا الزَّوْجُ الشَّرْطَ إنْ فَعَلَ وَمَلَّكَهَا مِنْهُ مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَلْزَمَهُ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ اهـ. وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْبُرْزُلِيُّ وَقَالَ بَعْدَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ هَذَا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ وَالْأَمَةُ لَمْ يَجِبْ وَلَا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ فَهُوَ أَبْعَدُ اهـ. وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ الرَّجُلِ إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ

стр. 318

وَبَيْنَ إنْ اشْتَرَى فُلَانٌ شِقْصَ كَذَا، فَقَدْ أَسْقَطْت الشُّفْعَةَ فَأَجَابَ بِأَنَّ الطَّلَاقَ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْقَاطُهُ إذَا حَصَلَ مُوجِبُهُ وَالشُّفْعَةُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ لَهُ الرِّضَا وَالرُّجُوعُ مَا لَمْ يَلْزَمْ بَعْدَ الْوُجُوبِ اهـ. فَتَأَمَّلْهُ. [أَبْرَأَتْ زَوْجَهَا مِنْ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ] (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) إذَا أَبْرَأَتْ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا مِنْ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَقَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا فَقَالَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى الْإِبْرَاءِ مِمَّا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْوُجُوبِ اهـ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَلْ يَلْزَمُ نَظَرًا لِتَقَدُّمِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ هَاهُنَا الْعَقْدُ، أَوْ لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقًّا قَبْلَ وُجُوبِهِ وَاقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهَا وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ شَاسٍ وَقَالَ بَعْدَهُ قُلْت فِي وَصَايَاهَا إنْ أَجَازَ وَارِثٌ فِي مَرَضِ مُوَرِّثِهِ وَصِيَّةً بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ لَزِمَهُ إنْ كَانَ نَائِبًا عَنْهُ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ وَفِي حَمَالَتِهَا أَنَّهُ إنْ أَخَّرَ الطَّالِبُ الْحَمِيلَ بَعْدَ مَحِلِّ الْحَقِّ فَهُوَ تَأْخِيرٌ لِلْغَرِيمِ قُلْت فَهُوَ إسْقَاطٌ لِلْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ بَعْدَ سَبَبِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي شَرْطِ طَلَبِ الْحَمِيلِ بِتَعَذُّرِ الْأَصْلِ اهـ. [أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) إذَا أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلِ فَحَكَى فِي التَّوْضِيحِ فِي لُزُومِ ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُ لَمَّا وَجَّهَ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ قَالَ كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ وَكَالْمَرْأَةِ إذَا أَسْقَطَتْ نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلِ عَنْ زَوْجِهَا هَلْ يَلْزَمُهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِهَا قَدْ وُجِدَ، أَوْ لَا يَلْزَمُهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ؟ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ رَاشِدٍ يَعْنِي الْقَفْصِيَّ وَكَعَفْوِ الْمَجْرُوحِ عَمَّا يَئُولُ إلَيْهِ الْجُرْحُ وَكَإِجَازَةِ الْوَارِثِ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لِلْأَجْنَبِيِّ فِي مَرَضِ الْمُوصِي وَأَمْثِلَةُ هَذَا كَثِيرَةٌ. أَمَّا إنْ لَمْ يَجْرِ سَبَبُ الْوُجُوبِ لَمْ يَجِبْ بِاتِّفَاقٍ حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ اهـ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذِهِ النَّظَائِرَ وَذَكَرَ مَعَهَا مَسْأَلَةَ ذَاتِ الشَّرْطِ وَالْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ ثُمَّ قَالَ: وَبَعْضُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ اهـ. قُلْت: وَاقْتَصَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّالِثِ وَالثَّلَاثِينَ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ وَحَكَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَنَصُّهُ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ إذَا أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ نَفَقَتَهَا قَالَ الْأَصْحَابُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ لَهَا الْمُطَالَبَةَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ إسْقَاطٌ بَعْدَ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ النِّكَاحُ وَقَبْلَ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ التَّمَكُّنُ، أَوْ يُقَالُ التَّمَكُّنُ هُوَ السَّبَبُ خَاصَّةً، وَلَمْ يُوجَدْ، فَقَدْ أَسْقَطَتْ قَبْلَ السَّبَبِ وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَظْهَرُ وَإِسْقَاطُ اعْتِبَارِ الْعِصْمَةِ بِالْكُلِّيَّةِ لَا يُتَّجَهُ، فَإِنَّ التَّمْكِينَ بِدُونِ الْعِصْمَةِ مَوْجُودٌ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَا يُوجِبُ النَّفَقَةَ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ مِنْ مِلْكِهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الطِّبَاعِ تَرْكُ النَّفَقَاتِ فَلَمْ يَعْتَبِرْ صَاحِبُ الشَّرْعِ الْإِسْقَاطَ لُطْفًا بِالنِّسَاءِ لَا سِيَّمَا مَعَ ضَعْفِ عُقُولِهِنَّ، وَعَلَى التَّأْوِيلَيْنِ يُشْكِلُ بِمَا إذَا تَزَوَّجَتْهُ

стр. 319

وَهِيَ تَعْلَمُ بِفَقْرِهِ. قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهَا طَلَبُ فِرَاقِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ قَبْلَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ التَّمْكِينِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ مَنْ تَعْلَمُ فَقْرَهُ، فَقَدْ سَكَنَتْ نَفْسُهَا سُكُونًا كُلِّيًّا فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي الصَّبْرِ عَنْ ذَلِكَ كَمَا إذَا تَزَوَّجَتْ مَجْبُوبًا، أَوْ عِنِّينًا فَلَا مُطَالَبَةَ لَهَا لَفَرْطِ سُكُونِ النَّفْسِ اهـ. وَقَبِلَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَقَالَ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرٌ وَمَا اخْتَارَهُ هُوَ الْمُخْتَارُ وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ عَنْ الْمَذْهَبِ ظَاهِرٌ وَمَا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ مَا إذَا تَزَوَّجَتْ عَالِمَةً بِفَقْرِهِ ظَاهِرٌ اهـ. وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَ ابْنُ غَازِيٍّ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي فَصْلِ الصَّدَاقِ: أَعْنِي قَوْلَهُ لَا إنْ أَبْرَأَتْ قَبْلَ الْفَرْضِ، أَوْ أَسْقَطَتْ فَرْضًا قَبْلَ وُجُوبِهِ. قُلْت: وَهَذَا الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْقَرَافِيُّ وَقَبِلَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَحَمَلَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ غَازِيٍّ كَلَامَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي فَصْلِ الصَّدَاقِ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمُوَثَّقِينَ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَرَادَتْ التَّطْلِيقَ عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِبِ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهَا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُسْقِطْهَا عَنْهُ وَمُخَالِفٌ أَيْضًا لِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ ذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ لَمَّا ذَكَرَ النَّظَائِرَ الَّتِي لَا يُفِيتُهَا الدُّخُولُ قَالَ: الرَّابِعَةُ الَّتِي تَطْلُقُ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ ثُمَّ يَكْشِفُ الْغَيْبُ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهَا عَنْهُ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عِمْرَانَ الْجُورَائِيُّ فِي نَظَائِرِهِ فَقَالَ: وَمَنْ طَلُقَتْ عَلَيْهِ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ ثُمَّ أَثْبَتَ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهَا عَنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي النَّظَائِرِ. وَعَلَى ذَلِكَ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ لَمَّا ذَكَرَ النَّظَائِرَ الْمَذْكُورَةَ فِي فَصْلِ الْمَفْقُودِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ الثَّانِي وَمِنْ الْوَاضِحَةِ إذَا رَفَعَتْ امْرَأَةُ الْغَائِبِ أَمْرَهَا إلَى الْإِمَامِ فِي النَّفَقَةِ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ حَلَّفَهَا مَا تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً وَلَا بَعَثَ إلَيْهَا نَفَقَةً وَلَا وَضَعَتْهَا عَنْهُ ثُمَّ فَرَضَ لَهَا ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ بِيَسِيرٍ لَمَّا تَكَلَّمَ عَنْ هِبَةِ الْمَرْأَةِ يَوْمَهَا لِضَرَّتِهَا: وَإِنَّ لَهَا الرُّجُوعَ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهَا أَسْقَطَتْ شَيْئًا قَبْلَ وُجُوبِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهَا كَتَارِكِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا. مَا نَصَّهُ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ نَظَرٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ تَرَكَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةَ بِنَفَقَةِ حَمْلِهَا، أَوْ بِنَفَقَتِهَا هِيَ فِي نَفْسِهَا فَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ النَّفَقَةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ لَمْ تَجِبْ بَعْدُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا احْتَاجَتْ لِلْوَقْتِ وَالْحَالِ؟ اهـ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَقَبِلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَسْقَطَتْ عَنْ زَوْجِهَا نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَ لَزِمَهَا ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَاخِرِ مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ وَسُئِلَ أَبُو زَكَرِيَّا الْبَرْقِيُّ عَمَّنْ الْتَزَمَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ أَنَّهَا لَا تَطْلُبُهُ بِنَفَقَةٍ مَا دَامَ غَائِبًا عَنْهَا، وَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ بَلَدِهَا وَهِيَ فِي صَفَاقُسَ فَغَابَ عَنْهَا وَمُسْتَقَرُّهُ تُونُسُ فَطَوَّلَ الْغَيْبَةَ، وَلَمْ تَعْلَمْ أَيْنَ هُوَ فَرَفَعَتْ أَمْرَهَا وَشَكَتْ الضَّرُورَةَ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ

стр. 320

وَطُولِ الْغَيْبَةِ هَلْ لَهَا قِيَامٌ لِلضَّرُورَةِ وَتَطْلُقُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ إسْقَاطُ النَّفَقَةِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْخُرُوجِ بِهَا مِنْ بَلَدِهَا لَهَا الرُّجُوعُ فِي الْإِسْقَاطِ وَلَهُ إخْرَاجُهَا هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَأَجَابَ الْمَرْجِينِيُّ بِأَنَّهُ يَسْأَلُ الشُّهُودَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ فَهِمُوا الْغَيْبَةَ طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ، أَوْ يَعْلَمُوا الْغَيْبَةَ الْمُعْتَادَةَ إلَى الْمَوْضِعِ الْمُعْتَادِ وَإِقَامَتَهُ فِيهِ، أَوْ مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْهُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ غَيْبَةً مُعْتَادَةً مُسْتَمِرَّةً مَعْرُوفَةً، فَهَذِهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ وَيُعَضِّدُهُ فَهْمُ الشُّهُودِ لِذَلِكَ فَمَا يُفْهَمُ مِنْهُمَا يُعْمَلُ عَلَيْهِ. [أَسْقَطَتْ الْحَاضِنَةُ حَقَّهَا فِي الْحَضَانَةِ] (الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ) إذَا أَسْقَطَتْ الْحَاضِنَةُ حَقَّهَا فِي الْحَضَانَةِ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ فِي تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الشِّرَاءِ قَالَ لِي ابْنُ عَرَفَةَ الْفَتْوَى عِنْدَنَا فِيمَنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى أَنْ تُسْقِطَ هِيَ وَأُمُّهَا الْحَضَانَةَ أَنَّهَا لَا تُسْقِطُ فِي الْجُدُدِ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ مَا لَمْ يَجِبْ ثُمَّ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ ذَكَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ فِي وَثَائِقِهِ عَقْدُ تَسْلِيمِ الْأُمِّ ابْنَهَا إلَى أَبِيهِ، وَعَلَى أَنْ أَسْلَمَتْ إلَيْهَا ابْنَهَا مِنْهُ وَأَسْقَطَتْ حَضَانَتَهَا فِيهِ وَقَطَعَتْ أُمُّهَا فُلَانَةُ وَأُخْتُهَا فُلَانَةُ حُجَّتَهَا فِيمَا كَانَ رَاجِعًا إلَيْهَا مِنْ حَضَانَتِهِ. وَانْتَقَدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ابْنُ الْفَخَّارِ وَقَالَ الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ ثُمَّ قَطَعَتْ حُجَّتَهَا فِيمَا كَانَ إلَيْهَا مِنْ حَضَانَةٍ فَدَلَّ بِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى أَنَّ الْجَدَّةَ قَطَعَتْ حُجَّتَهَا بَعْدَ أَنْ وَجَبَ لَهَا ذَلِكَ، وَأَمَّا بِالْوَاوِ وَاَلَّتِي لَا تُفِيدُ تَرْتِيبًا، فَإِنَّهَا تَدُلُّ أَنَّهَا قَطَعَتْ حُجَّتَهَا قَبْلَ وُجُوبِ الْحَضَانَةِ لَهَا فَلَا يَلْزَمُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: وَتَفْرِقَةُ ابْنِ الْفَخَّارِ بَيْنِ الْعَاطِفَيْنِ ضَعِيفَةٌ فِي الْمَعْنَى فَتَأَمَّلْهُ. ثُمَّ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَهَذَا أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي غَيْرِ كِتَابٍ مِنْهَا فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّاجِحَ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى فِي إسْقَاطِ الْحَضَانَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا عَدَمُ اللُّزُومِ. (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ إسْقَاطُ الْأُمِّ حَقَّهَا فِي الْحَضَانَةِ فِي حَالِ الْعِصْمَةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْكَلَامِ السَّابِقِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُ يَجُوزُ الْخُلْعُ عَلَى إسْقَاطِ حَضَانَتِهَا وَإِلَّا كَانَ حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمَ الْجَدَّةِ وَالْخَالَةِ وَأَيْضًا فَالْحَضَانَةُ وَاجِبَةٌ لِلْأُمِّ فِي حَالِ الْعِصْمَةِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَابِ الْحَضَانَةِ وَمُسْتَحِقُّهَا وَأَبُو الْوَلَدِ زَوْجَانِ هُمَا وَفِي افْتِرَاقِهِمَا أَصْنَافٌ الْأَوَّلُ الْأُمُّ إلَخْ وَعَدَّ اللَّخْمِيُّ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُنَاقِضَةِ لِلْعَقْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْوَلَدُ عِنْدَهَا، وَأَنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ فُسِخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَصَحَّ بَعْدَهُ وَسَقَطَ الشَّرْطُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَلَدَهَا مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ ذَلِكَ صَحِيحٌ لَازِمٌ إذَا كَانَ لِلْوَلَدِ حَاضِنٌ غَيْرُهَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ. (الثَّانِي) إذَا خَالَعَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ عَلَى إسْقَاطِ حَضَانَتِهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهَا كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَنَصُّهُ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ صَالَحَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ وَشَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ حَتَّى تَضَعَ، فَإِذَا وَضَعَتْ

стр. 321

حَمْلَهَا أَسْلَمَتْهُ إلَى أَبِيهِ، فَإِنْ طَلَبَتْهُ بِنَفَقَتِهَا وَرَضَاعِهِ عَلَيْهَا حَتَّى تَفْطِمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ بِذَلِكَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ. قَالَ مَالِكٌ الصُّلْحُ جَائِزٌ وَكُلُّ مَا شَرَطَ عَلَيْهَا جَائِزٌ إلَّا مَا اشْتَرَطَ أَنَّهَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ فَلَيْسَتْ تَرْجِعُ إلَيْهِ، فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كُلُّهُ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ مَا شَرَطَ عَلَيْهَا حَقٌّ لَهَا فَجَائِزٌ أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَيْهَا حَاشَا الرَّجْعَةِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ إسْقَاطِ الْحَضَانَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ إنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي كِتَابٍ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْأُمَّ إذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا فِي الْحَضَانَةِ بِشَرْطٍ فِي عَقْدِ الْمُبَارَأَةِ أَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الْجَدَّةِ وَالْخَالَةِ وَقَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ يَسْقُطُ بِذَلِكَ حَقُّ الْجَدَّةِ وَالْخَالَةِ وَلَا كَلَامَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الرَّابِعُ) إذَا قُلْنَا لَا يَلْزَمُهَا إسْقَاطُ الْحَضَانَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُسْقِطَ ذَلِكَ بِعِوَضٍ، أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَأَمَّا إذَا أَسْقَطَتْ الْحَضَانَةَ بَعْدَ وُجُوبِهَا فَذَلِكَ لَازِمٌ لَهَا وَسَوَاءٌ أَسْقَطَتْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ، أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي النَّوْعِ الْخَامِسِ مِنْ الْبَابِ الثَّالِثِ. (الْخَامِسُ) إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ عَلَى أَنْ تُسْقِطَ حَضَانَتَهَا فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهَا، وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ. [قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ إنْ قَتَلْتنِي فَقَدْ وَهَبْت لَك دَمِي أَوْ فَقَدْ أَبْرَأْتُك] (الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ) إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ إنْ قَتَلْتنِي، فَقَدْ وَهَبْت لَك دَمِي، أَوْ فَقَدْ أَبْرَأْتُك فَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ قَالَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَحْسَنُهُمَا أَنْ يُقْتَلَ بِخِلَافِ عَفْوِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا الَّذِي نَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَذُكِرَ فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّ أَبَا زَيْدٍ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ فِي الْعُتْبِيَّةِ لِسَحْنُونٍ وَنَصُّهَا: سُئِلَ سَحْنُونٌ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي أَجِدُ مَنْ يَقْتُلُنِي فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَشْهِدْ عَلَى نَفْسِك أَنَّك وَهَبْتنِي دَمَك وَعَفَوْت عَنِّي، وَأَنَا أَقْتُلُك فَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ وَقَتَلَهُ فَقَالَ لِي قَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُنَا وَأَحْسَنُ ذَلِكَ أَنْ يُقْتَلَ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ عَفَا عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَجِبْ لَهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لِأَوْلِيَائِهِ وَلَا يُشْبِهُ مَنْ قَتَلَ فَأُدْرِكَ حَيًّا فَقَالَ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ عَفَوْت عَنْهُ، فَقِيلَ لَهُ، فَلَوْ قَالَ اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهُ فَقَالَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَفْسٍ، وَإِنَّمَا هُوَ جُرْحٌ اهـ.

стр. 322

وَالْمَسْأَلَةُ فِي أَوَاخِرِ نَوَازِلِ سَحْنُونَ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ قَالَ فِي الْبَيَانِ وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُ سَحْنُونَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ قَدْ عَفَا لَهُ عَنْ دَمِهِ فَسَقَطَتْ عَنْهُ تَبَاعَتُهُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لِشُبْهَةِ عَفْوِ الْمَقْتُولِ لَهُ عَنْ دَمِهِ وَتَكُونُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ اهـ. وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ ثُمَّ قَالَ قُلْت فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلَ لَفْظِ سَحْنُونَ وَقَالَ الصَّقَلِّيُّ فِي كِتَابِ الْجَعْلِ وَالْإِجَارَةِ وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْهُ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اُقْتُلْنِي وَلَك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَتَلَهُ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَيُضْرَبُ مِائَةً وَيُحْبَسُ عَامًا وَلَا جَعْلَ لَهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ لِلْأَوْلِيَاءِ قَتْلُهُ وَعَلَّلَهُ بِمَا تَقَدَّمَ. قَالَ: وَلَوْ قَالَ اُقْتُلْ عَبْدِي وَلَك كَذَا وَكَذَا أَوْ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَقَتَلَهُ ضُرِبَ مِائَةً وَحُبِسَ عَامًا، وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ وَاخْتُلِفَ هَلْ يَكُونُ لَهُ عَلَى الْقَاتِلِ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَمْ لَا؟ وَالصَّوَابُ أَنْ لَا قِيمَةَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ أَحْرِقْ ثَوْبِي فَفَعَلَ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت مَا نَقَلَهُ الصَّقَلِّيُّ عَنْ سَحْنُونَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ عَنْهُ خِلَافَهُ. الشَّيْخُ رَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ قَالَ لِرَجُلٍ اقْطَعْ يَدِي، أَوْ يَدَ عَبْدِي عُوقِبَ الْمَأْمُورُ إنْ فَعَلَ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي الْحُرِّ وَلَا فِي الْعَبْدِ. ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ يَغْرَمُ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِحُرْمَةِ الْقَتْلِ كَمَا يَلْزَمُهُ دِيَةُ الْحُرِّ إذَا قَتَلَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ اهـ. قُلْت: وَفِي هَذَا الْأَخِيرِ سَقْطٌ وَنَصُّ مَا فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ لِمَالِكٍ: وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اقْطَعْ يَدِي، أَوْ يَدَ عَبْدِي أَوْ افْقَأْ أَعْيُنَهُمَا عُوقِبَ الْمَأْمُورُ إنْ فَعَلَ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي الْحُرِّ وَلَا فِي عَبْدِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ مَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِقَتْلِ عَبْدِهِ فَفَعَلَ، فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِحُرْمَةِ الْقَتْلِ كَمَا تَلْزَمُهُ دِيَةُ الْحُرِّ إذَا قَتَلَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فَعَفَا عَنْهُ وَيَلْزَمُ الْآمِرَ وَالْمَأْمُورَ ضَرْبُ مِائَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ اهـ. مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ. (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) تَعْلِيلُهُمْ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِي مَسْأَلَةِ إنْ قَتَلْتنِي، فَقَدْ أَبْرَأْتُك بِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ لَا يَتِمُّ؛ لِأَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ بِالْعَفْوِ فِي مَسْأَلَةِ قَطْعِ الْيَدِ وَفِيهَا أَيْضًا إسْقَاطُ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ، وَلَمْ أَرَ فِيهَا خِلَافًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ لِلْأَوْلِيَاءِ فَهُوَ إسْقَاطٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ قَطْعِ الْيَدِ، فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ قَتْلِ الْعَبْدِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهَا، وَأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلسَّيِّدِ لِشَبَهِهَا بِمَسْأَلَةِ قَطْعِ الْيَدِ وَرُوعِيَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ حُرْمَةُ الْقَتْلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ سَحْنُونَ مِنْ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ قَوْلُ أَصْبَغَ إغْرَامُهُ لِحُرْمَةِ الْقَتْلِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّ إغْرَامَهُ الْقِيمَةَ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ فِي الْمَالِ، وَإِذَا عُوقِبَ الْقَاتِلُ بِغُرْمِ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَالسَّيِّدُ أَحَقُّ أَنْ لَا يُعْطَى الْقِيمَةَ لِجُرْمِهِ فِي الْأَمْرِ بِقَتْلِ عَبْدِهِ، وَلَوْ قَالَ أَصْبَغُ إنَّمَا أَغْرَمَهُ الْقِيمَةَ لِإِسْقَاطِهَا السَّيِّدُ قَبْلَ وُجُوبِهَا

стр. 323

لَهُ إذْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ قَتْلِ الْعَبْدِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ؛ لِأَنَّ لُزُومَ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ اهـ. (الثَّانِي) قَالَ فِي النَّوَادِرِ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ قَالَ عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَنْكَحَ عَبْدَهُ حُرَّةً عَلَى أَنْ لَا تَبَاعَةَ لَهَا فِيمَا شَجَّهَا بِهِ إنْ شَجَّهَا فَلَا يَجُوزُ هَذَا وَلَهَا طَلَبُ حَقِّهَا اهـ. قُلْت: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ يُقَالُ إنَّهَا مُعَارِضَةٌ لِمَسْأَلَةِ قَطْعِ الْيَدِ لَكِنْ إنَّمَا سَرَى ذَلِكَ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ إنْ قَتَلْتنِي، فَقَدْ أَبْرَأْتُك فَيُتَوَهَّمُ أَنَّ مَسْأَلَةَ قَطْعِ الْيَدِ هِيَ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ لَهُ: إنْ قَطَعْت يَدِي، فَقَدْ أَبْرَأْتُك، وَأَمَّا عَلَى مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالنَّوَادِرِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ قَطْعِ الْيَدِ قَالَ لَهُ اقْطَعْ يَدِي فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ تَأْذَنْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا فِي أَنْ يَشُجَّهَا، وَإِنَّمَا أَشْهَدَتْ أَنَّهُ إنْ فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ فَلَا تَبَاعَةَ لَهَا عَلَيْهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا أَضْعَفُ مِنْ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [إذَا عَفَا عَمَّا يَئُولُ إلَيْهِ جُرْحُهُ] (الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) إذَا عَفَا عَمَّا يَئُولُ إلَيْهِ جُرْحُهُ تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّامِنَةِ فِي إسْقَاطِ الْمَرْأَةِ نَفَقَتَهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا عَنْ التَّوْضِيحِ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا فَعَفَا عَنْهُ ثُمَّ مَاتَ مِنْهَا فَلِأَوْلِيَائِهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ بِقَسَامَةٍ إنْ كَانَ عَفْوُهُ عَنْ الْيَدِ لَا عَنْ النَّفْسِ وَلِلْمَقْتُولِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ قَاتِلِهِ عَمْدًا، وَكَذَلِكَ فِي الْخَطَأ إنْ حَمَلَ ذَلِكَ الثُّلُثُ. الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ إنْ قَالَ عَفَوْت عَنْ الْيَدِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قَالَ عَفَوْت عَنْ الْيَدِ وَمَا تَرَامَى إلَيْهِ مِنْ نَفْسٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قَالَ عَفَوْت فَقَطْ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا عَفَا عَمَّا وَجَبَ لَهُ فِي الْحَالِ، وَهُوَ قَطْعُ الْيَدِ اهـ. وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً فَعَفَا عَنْهُ ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْقَطْعِ، فَإِنْ عَفَا عَنْ الْجُرْحِ لَا عَنْ النَّفْسِ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ مِنْ النَّفْسِ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأ وَذَلِكَ بِقَسَامَةٍ قَالَ أَشْهَبُ وَلَوْ قَالَ فِي عَفْوِهِ عَفَوْت عَنْ الْجُرْحِ وَعَنْ كُلِّ مَا تَرَامَى إلَيْهِ فَذَلِكَ لَازِمٌ وَلَا قَوَدَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ إذَا خَرَجَتْ الدِّيَةُ مِنْ ثُلُثِهِ وَقَالَ بَعْدَهُ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ الدِّيَاتِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَإِذَا عَفَا الْمَجْرُوحُ عَنْ جُرْحِهِ الْعَمْدِ ثُمَّ نَزَّى فِيهِ فَمَاتَ فَلِأَوْلِيَائِهِ أَنْ يُقْسِمُوا وَيَقْتُلُوا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْفُ عَنْ النَّفْسِ قَالَ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَقُولَ: عَفَوْت عَنْ الْجُرْحِ وَعَمَّا تَرَامَى إلَيْهِ فَيَكُونُ عَفْوًا عَنْ النَّفْسِ اهـ. وَقَالَ قَبْلَهُ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَقْتُولِ يَعْفُو عَنْ قَاتِلِهِ عَمْدًا فِي وَصِيَّتِهِ فَذَلِكَ لَهُ دُونَ أَوْلِيَائِهِ قَالَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ إلَّا فِي قَتْلِ الْغِيلَةِ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَيَجُوزُ عَفْوُ الْمَقْتُولِ عَنْ دَمِهِ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَلِيُّهُ، وَكَذَلِكَ لَا قَوْلَ لِغُرَمَائِهِ، وَإِنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ اهـ. وَلَمْ يَحْكُوا

стр. 324

فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَقَالَ الْقَرَافِيُّ الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثِينَ الْقِصَاصُ لَهُ سَبَبٌ، وَهُوَ إنْفَاذُ الْمُقَاتِلِ، وَشَرْطٌ وَهُوَ زُهُوقُ الرُّوحِ، فَإِنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ قَبْلَهُمَا لَمْ يُعْتَبَرْ عَفْوُهُ وَبَعْدَهُمَا مُتَعَذِّرٌ لِعَدَمِ الْحَيَاةِ الْمَانِعِ مِنْ التَّصَرُّفِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا بَيْنَهُمَا فَيَنْفُذُ إجْمَاعًا فِيمَا عَلِمْت اهـ. قُلْت: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي بِعَدَمِ اللُّزُومِ إلَّا فِيمَا حَكَاهُ فِي التَّوْضِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ. نَعَمْ، وَقَعَ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا صَالَحَ عَنْ الْجُرْحِ وَمَا نَزَّى إلَيْهِ وَكَانَ الْجُرْحُ مِنْ جِرَاحِ الْعَمْدِ الَّتِي فِيهَا الْقِصَاصُ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ وَنَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَنَصَّ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَى الْمَنْعِ قَالَ فِي الْبَيَانِ وَالْجَوَازُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ دَمِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ جَازَ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُ بِمَا شَاءَ أَمَّا جِرَاحُ الْعَمْدِ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا فَلَا يَجُوزُ فِيهَا الصُّلْحُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ فِي الْبَيَانِ وَلَا أَعْرِفُ فِيهَا نَصًّا خِلَافَ مَا قَالَهُ فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِرَاحِ قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى الدِّيَاتِ بِيَسِيرٍ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ عَفْوَهُ لَازِمٌ بِلَا خِلَافٍ لِاحْتِجَاجِهِ بِهِ. (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) كَلَامُ الْقَرَافِيُّ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا وَقَعَ بَعْدَ إنْفَاذِ الْمُقَاتِلِ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ بَلْ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَالنَّوَادِرِ الْمُتَقَدِّمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيهَا فِيمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَقَطْعُ الْيَدِ لَيْسَ مِنْ الْمُقَاتِلِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي النَّوَادِرِ: وَإِذَا عَفَا الْمَجْرُوحُ عَنْ جُرْحِهِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ أَنْفَذَ الْمُقَاتِلُ، أَوْ لَمْ يُنْفِذْ، وَكَذَلِكَ عِبَارَةُ غَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ بَلْ عِبَارَةُ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ كَعِبَارَةِ النَّوَادِرِ. (الثَّانِي) لَوْ عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ عَلَى الدِّيَةِ، أَوْ أَوْصَى أَنْ يُعْفَى عَنْ قَاتِلِهِ عَلَى الدِّيَةِ لَزِمَ وَرَثَتَهُ ذَلِكَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا. (الثَّالِثُ) عَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا أَوْصَى أَنْ لَا يُعْفَى عَنْ قَاتِلِهِ، وَأَنْ يُقْتَلَ فَهَلْ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُخَالِفُوا وَيَعْفُوا وَيَأْخُذُوا الدِّيَةَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ أَبُو عِمْرَانَ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ أَصْبَغُ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ إنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَكُنْ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَعْفُوا، وَإِنْ ثَبَتَ بِقَسَامَةٍ مِنْهُمْ كَانَ لَهُمْ الْعَفْوُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ عَفْوُهُمْ لِشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ فِي إيمَانِهِمْ اهـ. قُلْت: الْمَسْأَلَةُ مَنْصُوصَةٌ فِي النَّوَادِرِ ذَكَرَ فِيهَا قَوْلَيْنِ قَالَ قَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ قَالَ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَاقْتُلُوهُ وَلَا تَقْبَلُوا مِنْهُ دِيَةً فَأَرَادَ الْوَرَثَةُ أَخْذَ الدِّيَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَقْسَمُوا ثُمَّ عَفَا بَعْضُهُمْ لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُ، وَإِنْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ حَتَّى يُقْسِمُوا جَمِيعًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ أَصْبَغَ مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ أَصْبَغَ. (الرَّابِعُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ أَصْبَغُ مَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَوَكَّلَ رَجُلًا فَوَّضَ إلَيْهِ

стр. 325

أَمْرَ دَمِهِ وَأَقَامَهُ فِيهِ مَقَامَ نَفْسِهِ فَعَفَا عَنْ الدَّمِ وَأَبَى الْأَوْلِيَاءُ، أَوْ عَفَوْا وَأَبَى الْوَكِيلُ، فَإِنْ ثَبَتَ الدَّمُ بِبَيِّنَةٍ فَالْأَمْرُ لِلْوَكِيلِ فِي الْعَفْوِ وَالْقَتْلِ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ بِقَسَامَةٍ فَالْعَفْوُ وَالْقَتْلُ لِلْوُلَاةِ. قُلْت: هَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ السَّابِقِ وَالْجَارِي عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْفَرْعِ السَّابِقِ أَنَّهُ لَا كَلَامَ لِلْأَوْلِيَاءِ إذَا أَوْصَى بِالْقَتْلِ، وَلَوْ ثَبَتَ بِقَسَامَةٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [أَعْتَقَ أَمَةً عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَهُ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) إذَا أَعْتَقَ أَمَةً عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَهُ لَزِمَهُ الْعِتْقُ وَلَا يَلْزَمُهَا النِّكَاحُ قَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ يَنْكِحَهَا أَوْ تَنْكِحَ فُلَانًا فَامْتَنَعَتْ فَهِيَ حُرَّةٌ وَلَا يَلْزَمُهَا النِّكَاحُ إلَّا أَنْ تَشَاءَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ إذَا أُعْتِقَتْ سَقَطَ إجْبَارُ السَّيِّدِ إيَّاهَا، فَقَدْ أَسْقَطَتْ بِذَلِكَ حَقَّهَا مِنْ الْخِيَارِ قَبْلَ ثُبُوتِ ذَلِكَ الْحَقِّ لَهَا فَأَسْقَطَتْ الْحَقَّ قَبْلَ وُجُوبِهِ فَلَا يَصِحُّ كَالشَّفِيعِ إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ قَبْلَ بَيْعِ الشِّقْصِ وَقَوْلُهُ وَلَا يَلْزَمُهَا النِّكَاحُ إلَّا أَنْ تَشَاءَ يُرِيدُ بِعَقْدٍ ثَانٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ فِيهِ خِيَارٌ اهـ. كَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ. (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ وَلَا يَجُوزُ هَذَا النِّكَاحُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَمِلْكِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا، فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهَا النِّكَاحَ قَبْلَ الْعِتْقِ ثُمَّ نَكَحَهَا وَدَخَلَ عَلَيْهَا فُسِخَ وَكَانَ لَهَا الصَّدَاقُ الْمُسَمَّى وَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نِكَاحُهَا إنْ شَاءَ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ اهـ. (الثَّانِي) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ الْكَلَامِ السَّابِقِ: وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تَعْتِقَ أَمَتَك وَتُزَوِّجَنِيهَا فَأَعْتَقَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَلَهَا أَنْ لَا تَنْكِحَهُ وَالْأَلْفُ لِلرَّجُلِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَلْفَ لَازِمَةٌ كُلَّهَا وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا لِمَوْضِعِ النِّكَاحِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ مَا زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَاسْتَحْسَنَهُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ سِيَاقَ كَلَامِ مُحَمَّدٍ مَسَاقُ التَّفْسِيرِ وَحَمَلَهُ عَبْدُ الْحَقِّ عَلَى الْخِلَافِ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ مُحَمَّدٍ وَاسْتِحْسَانِ أَصْبَغَ وَوَقَفَ مُحَمَّدٌ عِنْدَ قَوْلِهِ فِيهَا وَاسْتِحْسَانِ قَوْلِ أَصْبَغَ وَرَأَى أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ أَصْوَبُ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ فِي الْحُرِّيَّةِ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَلَا يَدْخُلُ اسْتِثْنَاءٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ اهـ. كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ. قُلْت: زَادَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَا يَدْخُلُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ مَا نَصَّهُ مِثْلُ مَا لَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أَعْتِقْهَا وَلَك خِدْمَةُ عِشْرِينَ سَنَةً فَأَعْتَقَهَا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ وَلَا يُرْجَعُ عَلَى السَّيِّدِ بِمَا دَفَعَ عَنْ الْخِدْمَةِ بِشَيْءٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى نَخْلًا وَفِيهِ ثَمَرٌ قَدْ أُبِّرَ قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَطَابَ عِنْدَهُ فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ فِي ذَلِكَ جَائِحَةٌ، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُ أَصْلِ النَّخْلِ قَلِيلًا أَرْبَعِينَ دِينَارًا، أَوْ أَقَلَّ فَأَتَمَّهُ مِائَةَ دِينَارٍ لِلثَّمَرَةِ لَمْ يُنْظَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَلَمْ يُحْكَمْ فِيهِ بِجَائِحَةٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ كُلَّهُ إنَّمَا

стр. 326

يُقْطَعُ لِلْأَصْلِ وَالثَّمَرَةُ تَبَعٌ اهـ. قُلْت: وَحَمَلَ اللَّخْمِيُّ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَلَى الْخِلَافِ وَجَعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ وَنَصُّهُ: إذَا قَالَ أَعْتِقْ جَارِيَتَك وَزَوِّجْنِيهَا وَلَك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَفَعَلَ وَأَبَتْ الْجَارِيَةُ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ قَالَ مَالِكٌ الْأَلْفُ لَازِمَةٌ لِلرَّجُلِ وَلِلْأَمَةِ أَنْ لَا تَتَزَوَّجَهُ. وَقِيلَ: لِلسَّيِّدِ مِنْ الْأَلْفِ قِيمَةُ الْأَمَةِ وَقَالَ أَصْبَغُ تُفَضُّ الْأَلْفُ عَلَى قِيمَةِ الْأَمَةِ، وَعَلَى صَدَاقِ الْمِثْلِ فَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ مَا قَابَلَ قِيمَةَ الْأَمَةِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَك أَلْفٌ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْأَلْفُ لِلسَّيِّدِ، فَإِنْ رَضِيَتْ الْأَمَةُ بِالنِّكَاحِ كَانَ لَهَا صَدَاقُهَا غَيْرَ مَا أَخَذَ السَّيِّدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ يَجْهَلُ وَيَظُنُّ أَنَّ الصَّدَاقَ يَكُونُ لِلسَّيِّدِ فَتُفَضُّ الْأَلْفُ عَلَى قِيمَةِ الرَّقَبَةِ وَصَدَاقِ الْمِثْلِ وَتُنْظَرُ قِيمَتُهَا إذَا بِيعَتْ بِشَرْطٍ وَلَيْسَ قِيمَتُهَا إذَا بِيعَتْ عَلَى الْمِلْكِ، وَلَوْ قَالَ أَعْتِقْهَا وَزَوِّجْنِيهَا عَلَى الْأَلْفِ لَفُضَّتْ الْأَلْفُ عَلَى حِسَابِ مَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ وَلَك أَلْفٌ اهـ. بِلَفْظِهِ وَمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) قَالَ الْبَاجِيُّ إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ عَلَى أَنْ تَرَكَتْ حَضَانَةَ وَلَدِهَا فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُرَدُّ إلَيْهَا بِخِلَافِ الْحُرَّةِ تُصَالِحُ الزَّوْجَ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَلَدِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا وَرَوَى عَنْهُ أَبُو زَيْدٍ أَنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ كَالْحُرَّةِ اهـ. مِنْ تَرْجَمَةِ الْقَضَاءِ بِالْحَضَانَةِ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ سَمَاعِ عِيسَى هُوَ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ التَّخْيِيرِ وَفَرْضُهَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ. وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْقَوْلَيْنِ لَكِنَّهُ عَزَا لِسَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِثْلَ سَمَاعِ عِيسَى وَاسْتَظْهَرَهُ وَعَزَا الْقَوْلَ الثَّانِي لِرِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ وَفِيهِ أَنَّ الْوَلَدَ يُرَدُّ إلَيْهَا مِثْلُ مَا فِي سَمَاعِ عِيسَى وَأَعَادَ ابْنُ رُشْدٍ ذِكْرَ الْقَوْلَيْنِ وَتَوْجِيهَهُمَا بِأَنَّهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهُ هَلْ وَقَعَ الْإِسْقَاطُ مُقَدَّمًا عَلَى الْعِتْقِ، أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ وَالْأَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهَا؛ لِأَنَّهُمَا وَقَعَا مَعًا فَوَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ قَبْلَ كَمَالِ صَاحِبِهِ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الرَّجُلِ يَعْتِقُ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَهُ وَالْأَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهَا؛ لِأَنَّهَا اخْتَارَتْ عِتْقَهَا عَلَى حَضَانَةِ وَلَدِهَا كَمَا اخْتَارَتْ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا عَلَى ذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ تَسْتَوِيَا اهـ. فَظَهَرَ أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ اللُّزُومِ أَرْجَحُ لِكَوْنِهِ الْمُوَافِقَ لِمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ فِي اشْتِرَاطِ النِّكَاحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [أَسْقَطَ حَقَّهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقِيَامِ بِالْعَيْبِ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ] (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقِيَامِ بِالْعَيْبِ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ سَلَّمُونِ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ، وَإِنْ الْتَزَمَ أَنْ لَا يَقُومَ بِعَيْبٍ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَلَهُ الْقِيَامُ إذَا وَجَدَ عَيْبًا إلَّا أَنْ يُسَمَّى لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ اهـ. وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [أَخَّرَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الضَّامِنَ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ] (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) إذَا أَخَّرَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الضَّامِنَ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ فَهُوَ تَأْخِيرٌ لِلْغَرِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ

стр. 327

فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْحَمَالَةِ. [أَسْقَطَ الْقِيَامَ بِالْجَائِحَةِ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ وَقَبْلَ حُصُولِ الْجَائِحَةِ] (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ) مَنْ أَسْقَطَ الْقِيَامَ بِالْجَائِحَةِ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ وَقَبْلَ حُصُولِ الْجَائِحَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفَصْلِ الثَّانِي. [أَسْقَطَ الْعُهْدَةَ قَبْلَ عَقْدِ الْبَيْعِ] (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ) إذَا أَسْقَطَ الْعُهْدَةَ قَبْلَ عَقْدِ الْبَيْعِ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِهَا، فَقِيلَ: يُوَفِّي بِذَلِكَ. وَقِيلَ: لَا يُوَفِّي بِذَلِكَ وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي أَيْضًا. (تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ) نَظَمَ بَعْضُهُمْ غَالِبَ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ: وَإِسْقَاطُ حَقِّ الْمَرْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ ... حَكَى فِيهِ خُلْفًا أَهْلُ مَذْهَبِ مَالِكِ وَيَجْرِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَسَائِلُ ... يُحَقِّقُهَا أَهْلُ النُّهَى وَالْمَدَارِكِ شَرِيكٌ سَخَا طَوْعًا بِإِسْقَاطِ شُفْعَةٍ ... وَذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ بَيْعِ الْمُشَارِكِ وَتَارِكُ إرْثٍ أَوْ مُجِيزُ وَصِيَّةٍ ... بِصِحَّةِ مَوْرُوثٍ لَهُ غَيْرِ هَالِكٍ كَذَلِكَ مَنْ أَمْضَى وَصِيَّةَ مُنْفِقٍ ... عَلَيْهِ مَرِيضٍ قَدْ غَدَا فِي الْمَهَالِكِ وَرَاضِيَةٌ بِالْهَجْرِ لَيْلَةَ وَصْلِهَا ... وَمِنْ بَعْدُ أَمْسَى سِنُّهَا غَيْرُ ضَاحِكِ وَمُخْتَارَةٌ مِنْ قَبْلِ عِتْقٍ لِنَفْسِهَا ... تَرُومُ فِكَاكًا مِنْ فَتًى مُتَمَاسِكِ وَتَارِكَةٌ لِلشَّرْطِ مِنْ قَبْلِ عَقْدِهَا ... تَشَكَّتْ بِحَالٍ بَعْدَ ذَلِكَ حَالِكِ وَمُسْقِطُ حَقٍّ لِلْحَضَانَةِ لَمْ يَجِبْ ... كَذَا حُكْمُهُ احْذَرْ مَقَالَةَ آفِكِ وَعَافٍ صَحِيحٌ قَبْلَ قَتْلٍ يَنَالُهُ ... تَجَاوَزَ عَنْ جَانٍ عَلَيْهِ وَفَاتِكِ وَقَدْ كَمُلَتْ تِسْعًا وَأُحْكِمَ نَظْمُهَا ... فَجَاءَ بِحَمْدِ اللَّهِ سَهْلَ الْمَسَالِكِ عَلَى أَنَّنِي إنْ أُلْفِ بَعْدُ زِيَادَةً ... فَلَسْت لَهَا يَا صَاحِ يَوْمًا بِتَارِكِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِيهَا هَذَا الْبَيْتَ: عَلَى أَنَّ مَشْهُورَ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا ... سُقُوطُ لُزُومٍ فَاعْتَمِدْ قَوْلَ مَالِكِ وَنَسَبَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِلدَّمَامِينِيِّ إلَّا الْأَخِيرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ مَشْهُورَ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا إلَخْ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي ذَلِكَ السُّقُوطُ مَا عَدَا مَسْأَلَةِ ذَاتِ الشَّرْطِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَزَادَ الشَّيْخُ التَّتَّائِيُّ بَعْدَهَا ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ فَقَالَ:

стр. 328

وَمُسْقِطَةُ الْإِنْفَاقِ قَبْلَ وُجُوبِهِ ... وَمُنْكَحَةُ التَّفْوِيضِ يَا خَيْرَ نَاسِكِ إذَا أَبْرَأَتْ مِنْ قَبْلِ فَرْضٍ لَهَا، وَمَنْ ... عَفَا عَنْ مَآلِ الْجُرْحِ عِنْدَ الْمَهَالِكِ وَرَبَّةُ شَرْطٍ وَاحِدٍ أَوْ مُعَدَّدٍ ... إذَا أَبْرَأَتْ قَبْلَ الْوُقُوعِ لَمَاسِكِ الثَّانِي: هَذَا الْخِلَافُ فِي إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ الْحَقَّ قَبْلَ وُجُوبِهِ بِلَا خِلَافٍ قَالَ فِي الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ فِي الَّذِي يَقُولُ: إنْ طَلَّقْت امْرَأَتِي يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ، فَقَدْ ارْتَجَعْتهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَالَ لَا أَرَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى يَرْتَجِعَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِنِيَّةٍ بَعْدَ الطَّلَاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وَالْفَرْقُ مِنْ جِهَةٍ بَيْنَ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَنَّ الطَّلَاقَ حَقٌّ عَلَى الرَّجُلِ وَالرَّجْعَةَ حَقٌّ لَهُ فَالْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ مَتَى الْتَزَمَهُ وَالْحَقُّ الَّذِي لَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لَهُ وَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ حَقًّا قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لَهُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي إسْقَاطِهِ قَبْلَ وُجُوبِهِ كَالشُّفْعَةِ لَهُ أَنْ يُسْقِطَهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا عَلَى اخْتِلَافٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا بِاتِّفَاقٍ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْأَمَةِ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بِتَقْدِيرِ عِتْقِهَا وَفِي اخْتِيَارِ ذَاتِ الشَّرْطِ نَفْسَهَا بِتَقْدِيرِ فِعْلِ زَوْجِهَا ذَلِكَ الشَّرْطَ إلَّا أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ الْوَاجِبَ لَهَا الْخِيَارُ بَعْدَ حُصُولِ الْعِتْقِ وَالشَّرْطِ وَبِالْتِزَامِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ يَسْقُطُ الْخِيَارُ فَتَأَمَّلْهُ. (تَنْبِيهٌ) ذُكِرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَحْنُونَ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ ثُمَّ أَرَادَ سَفَرًا وَخَافَ أَنْ تُحْنِثَهُ فِي غَيْبَتِهِ فَأَشْهَدَ أَنَّهَا إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ، فَقَدْ ارْتَجَعْتهَا أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ وَلَا يَكُونُ رَجْعَةً وَمَشَى عَلَى ذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِهِ فَقَالَ وَلَا إنْ قَالَ مَنْ يَغِيبُ إنْ دَخَلَتْ، فَقَدْ ارْتَجَعْتهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الشُّرُوطِ الْمُنَاقِضَةِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَفِيهِ مَسَائِلُ] [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ] الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي الشُّرُوطِ الْمُنَاقِضَةِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) فِي الشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ. وَالشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ كَشَرْطِهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الزَّوْجَةِ، أَوْ يَكْسُوَهَا، أَوْ يَبِيتَ عِنْدَهَا أَوْ يَقْسِمَ لَهَا، أَوْ لَا يُؤْثِرَ عَلَيْهَا، أَوْ لَا يَضُرَّ بِهَا فِي نَفَقَةٍ وَلَا كِسْوَةٍ وَلَا فِي عِشْرَةٍ وَذَلِكَ جَائِزٌ لَا يُوقِعُ فِي الْعَقْدِ خَلَلًا وَلَا يُكْرَهُ اشْتِرَاطُهُ وَيُحْكَمُ بِهِ سَوَاءٌ شُرِطَ أَوْ تُرِكَ فَوُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يَكُونُ مُنَاقِضًا

стр. 329

لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ كَشَرْطِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ لَا يَقْسِمَ لَهَا، أَوْ وَأَنْ يُؤْثِرَ عَلَيْهَا، أَوْ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا، أَوْ لَا يَكْسُوَهَا، أَوْ لَا يُعْطِيَهَا وَلَدَهَا، أَوْ لَا يَأْتِيَهَا إلَّا لَيْلًا، أَوْ لَا يَطَأَهَا نَهَارًا، أَوْ أَنْ لَا إرْثَ بَيْنَهُمَا، أَوْ عَلَى أَنَّ حَدَّ الزَّوْجَيْنِ بِالْخِيَارِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِمَا، أَوْ عَلَى إنْ لَمْ يَأْتِ بِالصَّدَاقِ لِكَذَا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، أَوْ عَلَى أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا مَتَى شَاءَتْ، أَوْ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ غَيْرِ الزَّوْجِ، فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَيَفْسُدُ بِهِ النِّكَاحُ إنْ شُرِطَ فِيهِ. ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ: يُفْسَخُ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ. وَقِيلَ: يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَيَسْقُطُ الشَّرْطُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقِيلَ: إنْ أَسْقَطَ مُشْتَرِطُ الشَّرْطِ شَرْطَهُ صَحَّ النِّكَاحُ، وَإِنْ تَمَسَّكَ بِهِ فُسِخَ. (تَنْبِيهٌ) : مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا يَقْتَضِي الْفَسْخَ مُطْلَقًا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ قَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ وَشَرَطَ أَنَّ مَا وَلَدَتْ فَهُوَ حُرٌّ لَمْ يُقَرَّ هَذَا النِّكَاحُ وَيَكُونُ لَهَا إنْ دَخَلَ بِهَا الْمُسَمَّى. قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ. وَقِيلَ: لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ، وَهُوَ أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ وَقَعَ لِلْبُضْعِ وَلِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ وَمَا يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ مَجْهُولٌ فَوَجَبَ لِذَلِكَ صَدَاقُ الْمِثْلِ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إنَّمَا وَقَعَ لِلْبُضْعِ الْمُتَيَقَّنِ وَالْوَلَدُ قَدْ يَكُونُ، وَقَدْ لَا يَكُونُ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: إنَّ نِكَاحَهَا يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ زَوَّجَهَا مِنْ حُرٍّ، أَوْ مِنْ عَبْدٍ لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ وَيَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ الَّذِي أَعْتَقَهُ اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَسْأَلَةَ بِلَفْظٍ وَفِي ثَانِي نِكَاحِهَا مَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَلَى أَنَّ مَا وَلَدَتْهُ حُرٌّ لَا يُقَرُّ نِكَاحُهُ بِحَالٍ، وَلَوْ دَخَلَ وَلَهَا الْمُسَمَّى. ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: لَمْ يُنَصَّ عَلَى فَسْخِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ إنَّمَا قَالَ فِيهَا لَا يُقَرُّ هَذَا النِّكَاحُ بِرَدٍّ لِسَابِقِ نَصِّهَا وَلَعَلَّهُ اغْتَرَّ بِلَفْظِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُنْتَقَدِ بِتَرْكِ أَمْرٍ مُهِمٍّ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَا خِلَافَ فِي فَسْخِهِ أَبَدًا إلَّا أَنْ يَدْخُلَهُ الْخِلَافُ اهـ. قُلْت: يَعْنِي الْخِلَافَ، يَدْخُلُهُ تَخْرِيجًا مِنْ الْخِلَافِ الْمُقْتَرِنِ بِشَرْطٍ لَا يُخِلُّ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ نَصُّ الْأُمِّ قَبْلَ تَرْجَمَةِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ فِي التَّعْقِيبِ عَلَى التَّهْذِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَاللَّخْمِيُّ رَوَى مُحَمَّدٌ مَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَلَى أَنَّ وَلَدَهَا أَحْرَارٌ فُسِخَ نِكَاحُهُ، وَلَوْ بَنَى، وَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ وَوَلَاؤُهُمْ لِسَيِّدِهِمْ وَلَا قِيمَةَ عَلَى أَبِيهِمْ فِيهِمْ. مُحَمَّدٌ إنْ بَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَهِيَ غَيْرُ حَامِلٍ فَوَلَدُهَا رَقِيقٌ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَبِعْهَا وَفَسَخَ الشَّرْطَ، أَوْ تَفَاسَخَاهُ، أَوْ رَجَعَ إلَيْهِ قَبْلَ حَمْلِهَا؛ لِأَنَّهُ رِضًا بِفَاسِدٍ رُدَّ قَبْلَ وُقُوعِهِ اهـ. قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ هَذَا جَمِيعَهُ لِمُحَمَّدٍ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ إنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ إنْ بَاعَهَا السَّيِّدُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهِيَ غَيْرُ حَامِلٍ كَانَ مَا وَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي رَقِيقًا

стр. 330

وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ بَعْدَهُ: وَكَذَلِكَ أَرَى إنْ لَمْ يَبِعْهَا وَفَسَخَ الشَّرْطَ، أَوْ تَفَاسَخَاهُ، أَوْ رَجَعَ السَّيِّدُ فِيهِ وَكُلُّ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَ فَهُوَ رَقِيقٌ؛ لِأَنَّهُ رِضًا بِفَاسِدٍ رُدَّ قَبْلَ وُقُوعِهِ فَلَمْ يَلْزَمْ اهـ. فَقَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَبِعْهَا إلَخْ إنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُمَا تَفَاسَخَا النِّكَاحَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ السَّيِّدُ فَسَخَ الشَّرْطَ وَرَجَعَ عَنْهُ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى النِّكَاحِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ آخِرِ كَلَامِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ لِلسَّيِّدِ الرُّجُوعَ عَنْ ذَلِكَ فِيمَا إذَا تَبَرَّعَ بِذَلِكَ لِأَمَتِهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ فِي نِكَاحِهَا كَمَا نَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّرْطَ فَاسِدٌ. (فَرْعٌ) : قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ الْأَمَةُ أَخْذَهَا الْمُسْتَحِقَّ وَجَمِيعَ وَلَدِهَا وَرَدَّ عِتْقِ مَا كَانَتْ وَلَدَتْ قَبْلَ رَدِّ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مِنْ السَّيِّدِ لَا مِنْ الْأَبِ الْوَاطِئِ، فَإِذَا اُسْتُحِقَّ الْوَلَدُ كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَرُدَّ الْعِتْقَ اهـ. (فَرْعٌ) فَإِنْ زَوَّجَهَا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَلَدٍ تَلِدُهُ حُرٌّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَفِي رَسْمِ الْكَبْشِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّهُ يُفْسَخُ النِّكَاحُ أَيْضًا أَبَدًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ طَالَ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ إنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ مَا لَمْ تَلِدْ أَوَّلَ وَلَدٍ، فَإِنْ لَمْ يُفْسَخْ حَتَّى وَلَدَتْ كَانَ حُرًّا وَثَبَتَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ ذَهَبَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ وَقَوْلُهُ يَأْتِي عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي نِكَاحِ الْمَرِيضِ وَالْمَرِيضَةِ أَنَّهُمَا إذَا صَحَّا قَبْلَ الْفَسْخِ ثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا اهـ. وَحُكْمُهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَيَجُوزُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلِسَيِّدِهَا أَنْ يَبِيعَهَا، وَأَنْ يُصْدِقَهَا مَا لَمْ تَحْمِلْ بِأَوَّلِ وَلَدٍ وَيَكُونُ الْوَلَدُ رَقِيقًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ حَمَلَتْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُرْهِقَهُ دَيْنٌ فَتُبَاعُ عَلَيْهِ فِي دَيْنِهِ. وَقِيلَ: لَا تُبَاعُ فِي الدَّيْنِ، وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَفِي جَوَازِ قِسْمَتِهَا إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا وَهِيَ حَامِلٌ وَالْكَلَامُ عَلَى مَا إذَا بَاعَهَا سَيِّدُهَا وَهِيَ حَامِلٌ، أَوْ أَصْدَقَهَا لِزَوْجَتِهِ فَرَاجِعْ ذَلِكَ إنْ أَرَدْته فِي رَسْمِ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ. (فَرْعٌ) إنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ مَا تَلِدُهُ الْأَمَةُ بَيْنَ السَّيِّدَيْنِ فَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ النِّكَاحَ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَيَكُونُ الْوَلَدُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ وَحَكَى أَبُو الْفَرَجِ أَنَّ الْوَلَدَ بَيْنَهُمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ قَالُوا: وَيَجِبُ لَهَا بِالدُّخُولِ مَهْرُ الْمِثْلِ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ إنْ زَادَ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُسَمَّى، فَعَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ يَسْقُطُ الزَّائِدُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْفَرَجِ لَا يَسْقُطُ لِحُصُولِ غَرَضِ الزَّوْجِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلَا يُنَافِيهِ وَلِلزَّوْجَةِ فِيهِ غَرَضٌ كَشَرْطِهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا

стр. 331

أَوْ أَنْ لَا يَتَسَرَّى، أَوْ أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا، أَوْ مِنْ بَيْتِهَا، أَوْ أَنْ لَا يَغِيبَ عَنْهَا، فَهَذَا النَّوْعُ لَا يَفْسُدُ بِهِ النِّكَاحُ وَلَا يَقْتَضِي فَسْخَهُ لَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا بَعْدَهُ، فَإِنْ اشْتَرَطَ الزَّوْجُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ، أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُعَلِّقَهُ بِطَلَاقٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ تَمْلِيكٍ أَمْ لَا، فَإِنْ عَلَّقَهُ بِطَلَاقٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ تَمْلِيكٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْهَا فَهِيَ طَالِقٌ، أَوْ فَالزَّوْجَةُ طَالِقٌ، أَوْ فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا، أَوْ بِيَدِ أَبِيهَا، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ أَمْرُ الدَّاخِلَةِ بِيَدِ الزَّوْجَةِ الْأُولَى أَوْ بِيَدِ أَبِيهَا، أَوْ إنْ تَسَرَّيْت عَلَيْهَا فَالسُّرِّيَّةُ حُرَّةٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ كَانَتْ أَسْقَطَتْ مِنْ صَدَاقِهَا لِذَلِكَ شَيْئًا، أَوْ لَمْ تُسْقِطْ وَسَوَاءٌ شَرَطَتْ ذَلِكَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، أَوْ تَطَوَّعَ بِهِ الزَّوْجُ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ مَا شَرَطَ وَلَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَسْقَطَتْهُ مِنْ صَدَاقِهَا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا قَدْ حَصَلَ كَمَا لَوْ قَالَتْ أَسْقَطْت عَنْك مِائَةً مِنْ صَدَاقِي عَلَى أَنَّك إنْ تَزَوَّجْت عَلَيَّ فَأَنَا طَالِقٌ، أَوْ فَالزَّوْجَةُ طَالِقٌ، فَإِنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا لَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَلَا رُجُوعَ لَهَا بِمَا أَسْقَطَتْ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ النِّكَاحِ عَلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ لَا يَحِلُّ الشَّرْطُ ابْتِدَاءً، فَإِنْ وَقَعَ جَازَ النِّكَاحُ وَلَزِمَ الشَّرْطُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُكْرَهُ الْعَقْدُ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ أَجَازَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ ابْتِدَاءً وَزَوَّجَ غُلَامَهُ أَمَتَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَرَقَ زَيْتُونَهُ كَانَ أَمْرُ امْرَأَتِهِ بِيَدِهِ، وَأَنْكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ عَلَى اللَّخْمِيِّ وُجُودَ هَذَا الْقَوْلِ وَقَالَ فِعْلُ سَحْنُونٌ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَخَفُّ مِثْلُ هَذَا لِلضَّرُورَةِ أَيْضًا، فَإِنَّ فِعْلَ أَحَدٍ لَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ إلَّا مَنْ وَجَبَتْ لَهُ الْعِصْمَةُ. قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ تَزَلْ تَسْتَدِلُّ عَلَى مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ بِأَفْعَالِهِمْ لَا سِيَّمَا مِثْلُ سَحْنُونَ الَّذِي هُوَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ وَرَعًا بَلْ فِعْلُ أَهْلِ الْوَرَعِ أَقْوَى فِي الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ يُفْتِي الْغَيْرَ بِالْجَوَازِ وَيَتَوَرَّعُ هُوَ عَنْ فِعْلِهِ وَقَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ إنَّ فِعْلَ أَحَدٍ لَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ إنْ أَرَادَ بِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً فَصَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ الْجَوَازُ فَمَمْنُوعٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ بَعْدَهُ: وَكَذَلِكَ تَلَقَّى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ قَوْلَ اللَّخْمِيِّ بِالْقَبُولِ اهـ. يَعْنِي قَوْلَهُ عَنْ سَحْنُونَ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ تَعَقُّبَ ابْنُ بَشِيرٍ عَلَى اللَّخْمِيِّ قَالَ الَّذِي وَجَدَتْهُ فِي التَّبْصِرَةِ هُوَ مَا نَصُّهُ قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ أَمَتَهُ إلَخْ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ فَتْوَى بِالْجَوَازِ وَدَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا إلَّا بِدَلِيلٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الَّذِي فِي غَيْرِ نُسْخَةٍ وَاحِدَةٌ مِنْهَا نُسْخَةٌ عَتِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ بِالصِّحَّةِ عَلَيْهَا آثَارُ الْمُقَابَلَةِ وَاضِحَةٌ مَا نَصَّهُ وَأَجَازَ سَحْنُونٌ ابْتِدَاءً وَزَوَّجَ غُلَامَهُ أَمَتَهُ إلَخْ، وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ نَصًّا سَوَاءٌ اهـ. كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ. قُلْت: وَقَدْ رَأَيْت نُسْخَةً مِنْ التَّبْصِرَةِ فِيهَا مِثْلُ مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَإِنْ لَمْ يُعَلِّقْ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَلَا عِتْقٍ وَلَا تَمْلِيكٍ فَالشَّرْطُ مَكْرُوهٌ وَلَا يَلْزَمُ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْوَفَاءُ

стр. 332

بِذَلِكَ وَسَوَاءٌ وَضَعَتْ لِذَلِكَ شَيْئًا مِنْ صَدَاقِهَا أَمْ لَا وَلَا رُجُوعَ لَهَا عَلَيْهِ بِمَا وَضَعَتْهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ شَرَطَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّرُوطَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَوَضَعَتْ عَنْهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ بَعْضَ صَدَاقِهَا، فَإِنَّهُ إنْ خَالَفَ رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِمَا وَضَعَتْهُ قَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَلَا يَتَسَرَّى وَلَا يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا جَازَ النِّكَاحُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ، وَإِنْ وَضَعَتْ عَنْهُ لِذَلِكَ مِنْ صَدَاقِهَا لَمْ تَرْجِعْ وَبِهِ وَبَطَلَ الشَّرْطُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَنْهُ عِتْقٌ، أَوْ طَلَاقٌ، وَلَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الشُّرُوطَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَوَضَعَتْ لِذَلِكَ بَعْضَ صَدَاقِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِمَا وَضَعَتْ لِذَلِكَ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ مَالًا عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَعَلَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَزَوَّجَ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَبَانَتْ مِنْهُ، وَلَمْ تَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إذَا تَمَّ لَهَا شَرْطُهَا اهـ. (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) : إذَا أَعْطَتْهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ لَا يَتَسَرَّى ثُمَّ فَعَلَ فَلَهَا الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمَا أَعْطَتْهُ كَمَا تَرْجِعُ بِمَا أَسْقَطَتْهُ مِنْ صَدَاقِهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إسْقَاطَ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ أَمْرَهُ ضَعِيفٌ فَنَبَّهَ بِالْأَخَفِّ عَلَى الْأَشَدِّ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ. (الثَّانِي) : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى ذَلِكَ جَائِزٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَنَعَهُ فِي السُّلَيْمَانِيّ مَا يُعْطِيهِ تَارَةً ثَمَنًا وَتَارَةً سَلَفًا قَالَ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ، وَإِنْ خَالَفَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَمْرٌ طَارِئٌ. (الثَّالِثُ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَكَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ سَوَاءٌ خَالَفَ عَنْ قُرْبٍ، أَوْ بُعْدٍ تَحْقِيقًا لِلْعِوَضِيَّةِ وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبَعْدِ كَمَا فَرَّقُوا إذَا أَرَادَ طَلَاقَهَا فَوَضَعَتْ عَنْهُ مِنْ صَدَاقِهَا، أَوْ سَأَلَهَا الْحَطِيطَةَ فَقَالَتْ أَخَافُ أَنْ تُطَلِّقَنِي فَقَالَ لَا أَفْعَلُ فَحَطَّتْ عَنْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ أَعْطَتْ زَوْجَهَا مَالًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ ضَرَّتَهَا فَطَلَّقَهَا ثُمَّ أَرَادَ مُرَاجَعَتَهَا وَكَمَا لَوْ قَالُوا: إذَا سَأَلَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ الْإِقَالَةَ فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي إنَّمَا مُرَادُك الْبَيْعُ لِغَيْرِي؛ لِأَنِّي اشْتَرَيْتهَا بِرُخْصٍ فَيَقُولُ الْبَائِعُ مَتَى بِعْتهَا فَهِيَ لَك بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إنْ بَاعَ عَقِبَ الْإِقَالَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا فَلِلْمُبْتَاعِ شَرْطُهُ، وَإِنْ بَاعَ بَعْدَ الطُّولِ أَوْ لِحُدُوثِ سَبَبٍ اقْتَضَاهُ فَالْبَيْعُ مَاضٍ اهـ. قُلْت: كَأَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي رُجُوعِهَا إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْبُعْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي النَّوْعِ الْخَامِسِ مِنْ الْبَابِ الثَّالِثِ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ إذَا أَعْطَتْهُ مَالًا عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ قَرُبَ تَزْوِيجُهُ، أَوْ بَعُدَ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ وَابْنِ فَتْحُونٍ وَغَيْرِهِمَا. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْطَتْهُ مَالًا عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَقَبِلَ ذَلِكَ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَيُفَصَّلُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ

стр. 333

الْقُرْبِ وَالْبَعْدِ كَمَا إذَا سَأَلَهَا وَضْعَ صَدَاقِهَا فَوَضَعَتْهُ ثُمًّ طَلَّقَهَا فَيُفَصَّلُ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّوْعِ الْخَامِسِ وَكَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ وَيَأْتِي أَيْضًا الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْإِقَالَةِ وَذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهَا، وَإِنَّ هَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْجَعْلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَجْعُولُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَدَمُ الزَّوَاجِ عَلَيْهَا، أَوْ التَّسَرِّي، أَوْ عَدَمُ إخْرَاجِهَا مِنْ بَلَدِهَا، أَوْ دَارِهَا فَمَتَى فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ الْمَجْعُولُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مُطْلَقًا مَا دَامَتْ فِي عِصْمَتِهِ وَالْمَجْعُولُ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ هُوَ تَرْكُ الطَّلَاقِ وَالْمُتَبَادِرُ أَنَّ مُرَادَهَا عَدَمُ الطَّلَاقِ الْآنَ، أَوْ فِيمَا قَارَبَ ذَلِكَ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ فِي النَّوْعِ الْخَامِسِ مِنْ الْبَابِ الثَّالِثِ فَتَأَمَّلْهُ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى عَلَى عَدَمِ الزَّوَاجِ عَلَيْهَا الْآنَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى إرَادَتِهَا عَدَمَ الطَّلَاقِ مُطْلَقًا فَيَتَسَاوَيَانِ وَكَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ الْمُتَقَدِّمِ هُنَا فِي مَسْأَلَةِ أَعْطَاهَا عَلَى أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا فِيهِ إجْمَالٌ، وَقَدْ اُسْتُوْفِيَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي بَابِ الْخُلْعِ وَذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي النَّوْعِ الْخَامِسِ مِنْ الْبَابِ الثَّالِثِ. (الرَّابِعُ) : مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَا إذَا وَضَعَتْ لِلشَّرْطِ شَيْئًا مِنْ صَدَاقِهَا فِي الْعَقْدِ هُوَ الْمَشْهُورُ إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ صَدَاقَهَا أَلْفٌ ثُمَّ قَالَتْ لَهُ أَنَا أُسْقِطُ لَك مِائَتَيْنِ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ عَلَيَّ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا تَسَرَّى، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إنْ خَالَفَ. وَمُقَابِلُهُ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَرْجِعُ بِمَا وَضَعَتْ وَصَوَّبَهُ ابْنُ يُونُسَ. وَقِيلَ: تَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ مِمَّا وَضَعَتْ أَوْ مِنْ تَمَامِ صَدَاقِ الْمِثْلِ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَوَجَّهَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَشْهُورَ بِأَنَّ النِّكَاحَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ يَعْنِي فَكُلُّ مَا أَسْقَطَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ كَأَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ. (الْخَامِسُ) : إذَا كَانَ لَا رُجُوعَ لَهَا بِمَا وَضَعَتْهُ فِي الْعَقْدِ فَمِنْ بَابِ أَحْرَى إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ فِي الْعَقْدِ مَا وَضَعَتْ، وَإِنَّمَا خَفَّفَتْ عَنْهُ الصَّدَاقَ لِمَا شَرَطَتْهُ كَمَا لَوْ قَالَتْ أَتَزَوَّجُك بِمِائَةٍ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ وَعُلِمَ أَنَّ صَدَاقَ مِثْلِهَا مِائَتَانِ فَخَالَفَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا خَفَّفَتْ. وَقِيلَ: لَهَا أَنْ تَرْجِعَ بِتَمَامِ صَدَاقِ مِثْلِهَا. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الشُّرُوطِ فِي الْخُلْعِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الشُّرُوطِ فِي الْخُلْعِ) : كَمَا إذَا خَالَعَهَا عَلَى أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْكَنِ الَّذِي هِيَ بِهِ، فَإِنَّ الْخُلْعَ يَلْزَمُهُ وَتَبِينُ مِنْهُ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ الْمَسْكَنِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ مَسْكَنِهَا حَرَامٌ وَالْخُلْعُ عَلَى الْحَرَامِ لَا يَلْزَمُ كَمَا لَوْ خَالَعَتْهُ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَيُرَاقُ الْخَمْرُ وَيُقْتَلُ الْخِنْزِيرُ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ، أَوْ فِي يَدِهَا إلَّا أَنْ يَتَخَلَّلَ الْخَمْرُ فَيَكُونَ حَلَالًا لِلزَّوْجِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَالِعهَا عَلَى أَنْ تُسَلِّفَهُ، أَوْ عَلَى أَنْ تُؤَجِّرَهُ بِدَيْنٍ بِذِمَّتِهِ حَالٍّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَهُوَ حَرَامٌ فَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ

стр. 334

بَائِنًا وَلَا يَلْزَمُهَا أَنْ تُسَلِّفَهُ وَلَا أَنْ تُؤَجِّرَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا خَالَعَهَا عَلَى أَنْ يَجْعَلَ لَهَا مَالًا يَجِبُ قَبُولُهُ مِنْ السَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ حُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُك. وَأَمَّا إنْ خَالَعَهَا عَلَى أَنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا، فَإِنْ أَرَادَ إلْزَامَهَا كِرَاءَ الْمَسْكَنِ، وَهُوَ لِغَيْرِهِ، أَوْ لَهُ وَسَمَّى الْكِرَاءَ لَزِمَهَا ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَسْكَنِهِ تَمَّ الْخُلْعُ وَلَا تَخْرُجُ وَلَا كِرَاءَ لَهُ عَلَيْهَا قَالَهُ فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ أَرَى عَلَيْهَا الْأَقَلَّ مِنْ كِرَاءِ الْمَسْكَنِ، أَوْ مَا كَانَتْ تُكْتَرَى بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ انْتِقَالُهَا لِمَسْكَنٍ لَهَا أَوْ لِأَبِيهَا وَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا خَالَعَهَا عَلَى أَنَّ عَلَيْهَا نَفَقَةَ نَفْسِهِ، أَوْ نَفَقَةَ غَيْرِهِ، أَوْ نَفَقَةَ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ أَكْثَرَ مِنْ حَوْلَيْنِ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ وَيَشْتَرِطَ الرَّجْعَةَ، أَوْ خَالَعَهَا وَشَرَطَ أَنَّهَا إنْ طَلَبَتْ شَيْئًا مِنْهُ عَادَتْ زَوْجَتَهُ أَوْ شَرَطَ رَجْعَتَهَا فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ وَالْخُلْعُ يَلْزَمُهُ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ إلَّا نِكَاحًا مُبْتَدَأً قَالَ ابْنُ يُونُسَ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ لَا يَحِلُّ سُنَّةَ الْخُلْعِ قَالَهُ مَالِكٌ اهـ. (فَرْعٌ) : وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا وَقَعَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابٍ فِيمَنْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ لِبَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ أَخَذَ مِنْهَا عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا أَمْ لَا فَأَبَتْ أَنْ تَخْرُجَ فَهِيَ عَلَى خُلْعِهَا وَلَا تُجْبَرُ عَلَى الْخُرُوجِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ عَقْدٌ يُشْبِهُ عَقْدَ الْبَيْعِ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ بِهِ نَفْسَهَا كَمِلْكِهَا زَوْجَهَا بِالنِّكَاحِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَ الشَّرْطُ فِيهِ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْبَلَدِ وَالْإِقَامَةِ فِيهِ، أَوْ تَرْكِ النِّكَاحِ وَشَبَهِهِ مِنْ تَحْجِيرِ الْمُبَاحِ كَمَا هُوَ كَذَلِكَ اهـ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبَيْعِ] وَقَدْ جَعَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِ الشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبَيْعِ) شَرْطُ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَالْقِيَامِ بِالْعَيْبِ وَرَدِّ الْعِوَضِ عِنْدَ انْتِقَاضِ الْبَيْعِ، أَوْ مَا لَا يَقْتَضِيهِ وَلَا يُنَافِيهِ لِكَوْنِهِ لَا يَئُولُ إلَى غَرَرٍ وَفَسَادٍ فِي الثَّمَنِ وَالْمَثْمُونِ وَلَا إلَى إخْلَالٍ بِشَرْطٍ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَفِيهِ مَصْلَحَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ كَالْأَجَلِ وَالْخِيَارِ وَالرَّهْنِ وَالْحَمِيلِ وَبَيْعِ الدَّارِ وَاسْتِثْنَاءِ سُكْنَاهَا أَشْهُرًا مَعْلُومَةً، أَوْ سَنَةً وَكَبَيْعِ الدَّابَّةِ وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ إلَى مَكَان قَرِيبٍ، فَهَذَا الْقِسْمُ مِنْ الشُّرُوطِ صَحِيحٌ لَازِمٌ يُقْضَى بِهِ مَعَ الشَّرْطِ وَلَا يُقْضَى بِهِ بِدُونِ شَرْطٍ إلَّا مَا كَانَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ، وَلَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ وَيَتَأَكَّدُ مَعَ الشَّرْطِ.

стр. 335

فَرْعٌ) : قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَنْ لَهُ دَارَانِ بَاعَ إحْدَاهُمَا وَشَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَرْفَعَ عَلَى الْحَائِطِ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا شَيْئًا مَخَافَةَ أَنْ يُظْلِمَ عَلَيْهِ دَارِهِ وَيَمْنَعَهُ مِنْ دُخُولِ الشَّمْسِ فِيهَا فَالْتَزَمَهُ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ لَازِمٌ اهـ. وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ سَهْلٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَذَكَرَهَا الْمُتَيْطِيُّ قَبْلَ بَابِ الْأَرْضِ لِزَرْعِهَا. (فَرْعٌ) وَمِنْ ذَلِكَ بَيْعُ الْجَارِيَةِ وَاشْتِرَاطُ رَضَاعِ وَلَدِهَا وَنَفَقَتِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي سَنَةً عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ الْوَلَدُ أَرْضَعَ لَهُ آخَرَ، وَإِنْ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ جَاءَ الْمُشْتَرِي بِأُخْرَى تُرْضِعُ الْوَلَدَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ أَيْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى الشَّرْطَيْنِ إنْ مَاتَتْ أَتَوْا بِأُخْرَى، وَإِنْ مَاتَ الرَّضِيعُ أَرْضَعُوا لَهُ آخَرَ وَأَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ إنْ مَاتَتْ أَتَوْا بِأُخْرَى كَوْنَ الرَّضَاعِ مَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي جَازَ الْبَيْعُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ أَرَادُوا بِذَلِكَ كَوْنَ الرَّضَاعِ فِي عَيْنِ الْأَمَةِ مَا لَمْ تَمُتْ، وَإِنْ مَاتَتْ أَتَوْا بِخُلْفِهَا لَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ شَرَطُوا أَنَّ الرَّضَاعَ يَبْطُلُ بِمَوْتِهَا أَوْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْبَائِعُ بِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي عَيْنِ الْأَمَةِ دَخَلَهُ التَّحْجِيرُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْأَمَةِ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِمَا يَجُوزُ لِذِي الْمِلْكِ فِي مِلْكِهِ مِنْ أَجْلِ الشَّرْطِ، وَإِنْ شَرَطُوهُ فِي عَيْنِ الصَّبِيِّ وَمَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي دَخَلَهُ الْغَرَرُ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِمَوْتِ الصَّبِيِّ. وَاخْتُلِفَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الشَّرْطِ نِيَّةٌ فَحَمَلَهُ هُنَا عَلَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا فِي عَيْنِ الْأَمَةِ فَأَجَازَهُ وَحَمَلَهُ بَعْدَهُ فِي آخِرِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ بَعْدَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ فِي عَيْنِ الْأَمَةِ فَلَمْ يُجِزْهُ وَاخْتُلِفَ إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى إنْ مَاتَ الصَّبِيُّ أَرْضَعُوا لَهُ آخَرَ، وَلَمْ يَنُصُّوا عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَنْ يَقُولُوا: إنْ مَاتَتْ أَتَوْا بِأُخْرَى بَلْ سَكَتُوا عَنْ ذَلِكَ فَحَمَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْمَضْمُونِ فَأَجَازَهُ وَحَمَلَهُ سَحْنُونٌ عَلَى أَنَّهُ فِي عَيْنِ الْأَمَةِ فَلَمْ يُجِزْهُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ، مِثْلُ أَنْ يُرْهِقَهُ دَيْنٌ فَتُبَاعَ فِيهِ عَلَيْهِ وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُ أَجَازَهُ مَعَ كَوْنِ الرَّضَاعِ فِي عَيْنِ الْأَمَةِ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ وَقَالَ كَيْفَ يُجِيزُ هَذَا، وَهُوَ لَا يُجِيزُ الْإِجَارَةَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُ ابْنَ الْقَاسِمِ اعْتِرَاضُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِزْهُ بَلْ حَمَلَ الْأَمْرَ فِي السُّكُوتِ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا فِي عَيْنِ الْأَمَةِ اهـ. وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ إذَا اشْتَرَطَ الرَّضَاعَ فِي عَيْنِ الْأَمَةِ بِمَعْنَى أَنَّهَا تُرْضِعُهُ مَا دَامَتْ حَيَّةً، فَإِذَا مَاتَتْ أَتَى الْمُشْتَرِي بِخُلْفِهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْجِيرًا عَلَى الْمُشْتَرِي أَصْلُهُ لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ بِلَفْظِ قِيلَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ رَادًّا لَهُ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى بَيْعِهَا بِأَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي الرَّضَاعَ أَيْضًا وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ هُوَ الظَّاهِرُ أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي رَضَاعَ الصَّبِيِّ، وَلَوْ شَرَطَ الرَّضَاعَ

стр. 336

مَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي كَمَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ رُشْدٍ لَمْ يَجُزْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَهَا وَيَأْتِيَ بِأُخْرَى تُرْضِعُ الصَّبِيَّ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا فَتَأَمَّلْهُ. وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ حَتَّى فِي غَيْرِ الْأَمَةِ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ. (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ كَوْنِ الصَّبِيِّ حُرًّا أَوْ رَقِيقًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا وَهْمٌ مِنْ مَالِكٍ، أَوْ أَمْرٌ رَجَعَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْرِقَةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهَا فِي آخِرِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ أَجَابَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالْوَاهِمُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَا حَمَلَ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ وَنَسَبَ مَالِكًا إلَى الْوَهْمِ فِيهِ. وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّ رَبَّ الْأَمَةِ أَعْتَقَ وَلَدَهَا ثُمَّ بَاعَهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَمْرِ رَضَاعِهِ إلَّا سَنَةٌ فَأَجَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ بَقِيَّةَ رَضَاعِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي. (الثَّانِي) قَالَ سَحْنُونٌ لَا أَدْرِي لِمَ جَوَّزَ مَالِكٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَهُوَ لَا يُجِيزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُرْضِعَةِ إنْ مَاتَ الْوَلَدُ أَنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِهِ وَلَكِنَّهَا مَسْأَلَةُ ضَرُورَةٍ يَعْنِي مَسْأَلَةَ الْأَمَةِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ الْفَرْقُ عِنْدِي بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْغَرَرَ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْأَمَةِ تَابِعٌ؛ لِأَنَّهُ انْضَافَ إلَى أَصْلٍ جَائِزٍ، وَهُوَ بَيْعُ الْأُمِّ وَالْغَرَرُ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الظِّئْرِ مُنْفَرِدٌ فَلَمْ يَجُزْ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي بَيْعِ لَبَنِ شَاةٍ جُزَافًا فِي شَهْرٍ إنَّهُ لَا يَجُوزُ وَأَجَازَ كِرَاءَ نَاقَةٍ شَهْرًا وَاسْتِثْنَاءَ حِلَابِهَا فَالْغَرَرُ إذَا انْفَرَدَ يُمْنَعُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ تَبَعًا وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا» وَقَالَ مَنْ بَاعَ نَخْلًا وَفِيهَا تَمْرٌ مُؤَبَّرٌ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ فَكَانَ لِلْمُشْتَرِي اشْتِرَاطُهُ إذَا انْضَافَ إلَى الْأَصْلِ وَمُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ إذَا انْفَرَدَ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى بَيْعِ الْجُبَّةِ الْمَحْشُوَّةِ، وَلَمْ يُرَ قُطْنُهَا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ قُطْنِهَا مُفْرَدًا، وَهُوَ مَحْشُوٌّ فِيهَا اهـ. (الثَّالِثُ) تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ جَعَلَ نَفَقَةَ الصَّغِيرِ كَالدَّيْنِ لَا تَبْطُلُ بِالْفَلَسِ وَتُقَدَّمُ عَلَى الْوَصَايَا وَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ بِمَبْلَغِ نَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ لَهُ عَلَيْهِ لِعِتْقِهِ إيَّاهُ، وَهُوَ صَغِيرٌ. (فَرْعٌ) قَالَ مَالِكٌ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ نِصْفِ الْأَمَةِ أَوْ الدَّابَّةِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي نَفَقَتَهَا سَنَةً، وَأَنَّهُ إنْ مَاتَتْ، أَوْ بَاعَهَا فَذَلِكَ لَهُ ثَابِتٌ عَلَى الْمُشْتَرِي قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى نَصِّهَا فِي هَذَا السَّمَاعِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ وَوَصَلَ بِهَا أَنَّ سَحْنُونًا أَنْكَرَهَا. وَالْمَعْنَى عِنْدِي فِي مُخَالَفَةِ سَحْنُونَ لِمَالِكٍ أَنَّ مَالِكًا حَمَلَ قَوْلَهُ إنْ مَاتَتْ الدَّابَّةُ فَطَعَامُهَا لَهُ ثَابِتٌ عَلَى أَنَّهُ يَأْتِيهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الطَّعَامِ بِمَا كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ السَّنَةُ فَأَجَازَ ذَلِكَ إذْ لَا وَجْهَ لِلْكَرَاهَةِ فِيهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ نِصْفَ الْأَمَةِ، أَوْ الدَّابَّةِ بِثَمَنٍ مُسَمًّى

стр. 337

وَنَفَقَتُهُ مَعْلُومَةٌ يَسْتَوْفِيهَا كَانَتْ الْأَمَةُ أَوْ الدَّابَّةُ بَاقِيَةً، أَوْ لَمْ تَكُنْ، فَبَعْضُ ثَمَنِ نِصْفِهَا نَفَقَتُهَا الْمَعْلُومَةُ مِنْ الِاشْتِرَاطِ لِانْقِضَاءِ السَّنَةِ. وَحَمَلَ سَحْنُونٌ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَتْ الْأَمَةُ، أَوْ الدَّابَّةُ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ مِنْ النَّفَقَةِ حَالًّا، أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ فَأَنْكَرَ جَوَازَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ وَقَعَ الْأَمْرُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِنَصٍّ لَا احْتِمَالَ فِيهِ لَارْتَفَعَ الْخِلَافُ، وَلَوْ بَاعَ نِصْفَ الْأَمَةِ أَوْ نِصْفَ الدَّابَّةِ بِشَرْطِ أَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي سَنَةً، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى النَّفَقَةِ شَيْئًا لَجَازَ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ بَيْعُ نِصْفِ الثَّوْبِ، أَوْ الدَّابَّةِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ الْمُشْتَرِي النِّصْفَ الْآخَرَ إلَى شَهْرٍ، وَعَلَى مَا فِي رَسْمِ الْبَرَاءَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، فَإِنْ مَاتَتْ الْأَمَةُ، أَوْ الدَّابَّةُ قَبْلَ السَّنَةِ رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي قِيمَةِ النِّصْفِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْهَا يَوْمَ بَاعَهُ لِفَوَاتِهِ بِالْمَوْتِ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ لِمَا بَقِيَ مِنْ النَّفَقَةِ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ نِصْفَ الرَّضِيعَةِ بِمَا سَمَّى مِنْ الثَّمَنِ وَبِالنَّفَقَةِ عَلَى نِصْفِهَا الَّذِي لَمْ يَبِعْهُ فِي السَّنَةِ. فَإِنْ كَانَ بَاعَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ نِصْفَ السَّنَةِ ثُمَّ مَاتَ وَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِنِصْفِ سُدُسِ قِيمَةِ النِّصْفِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْهَا يَوْمَ بَاعَهُ لِفَوَاتِهِ بِالْمَوْتِ كَانَ أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ كَمَا لَوْ كَانَ بَاعَ نِصْفَ الْجَارِيَةَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَعَرْضُ قِيمَتِهِ دِينَارَانِ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَهُ؛ لِأَنَّ مَا بَطَلَ مِنْ النَّفَقَةِ بِمَوْتِ الرَّضِيعَةِ كَاسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الثَّمَنِ، وَهُوَ عَرْضٌ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَا فِي الْعَشَرَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَبِيعُ الْأَمَةَ، وَقَدْ أَعْتَقَ وَلَدًا لَهَا صَغِيرًا وَاشْتَرَطَ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي حَتَّى يَثْغَرَ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ أُمِّهِ فَيَمُوتَ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ الشَّرْطُ كِفَايَةَ مُؤْنَةِ الصَّبِيِّ فَلَمْ يَطْلُبُ بِهِ الزَّائِدَ فِي الثَّمَنِ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا يَئُولُ إلَى الْإِخْلَالِ بِشَرْطٍ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ كَشَرْطِ مَا يُؤَدِّي إلَى جَهْلٍ وَغَرَرٍ فِي الْعَقْدِ، أَوْ فِي الثَّمَنِ، أَوْ فِي الْمَثْمُونِ أَوْ إلَى الْوُقُوعِ فِي رِبَا الْفَضْلِ، أَوْ فِي رِبَا النَّسَاءِ كَشَرْطِ مُشَاوِرَةِ شَخْصٍ بَعِيدٍ، أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ إلَى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ، أَوْ إلَى مُدَّةٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الشَّرْعُ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ أَوْ شَرْطِ تَأْجِيلِ الثَّمَنِ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، أَوْ شَرْطِ زِيَادَةِ شَيْءٍ مَجْهُولٍ فِي الثَّمَنِ، أَوْ فِي الْمَثْمُونِ، فَهَذَا النَّوْعُ يُوجِبُ فَسْخَ الْبَيْعِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَاتَتْ السِّلْعَةُ، أَوْ لَمْ تَفُتْ وَلَا خِيَارَ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي إمْضَائِهِ، فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ الْمَبِيعَةُ قَائِمَةً رُدَّتْ بِعَيْنِهَا، وَإِنْ فَاتَتْ رُدَّتْ قِيمَتُهَا بَلَغَتْ مَا بَلَغَتْ.

стр. 338

وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا النَّوْعِ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ الْبَيْعُ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُسَلِّفَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ، أَوْ الْعَكْسِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْجَهْلِ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ وَقَعَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُفْسَخُ مَا دَامَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ مُتَمَسِّكًا بِهِ، فَإِنْ أَسْقَطَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ شَرْطَهُ صَحَّ الْبَيْعُ وَسَوَاءٌ أَخَذَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ السَّلَفَ وَغَابَ عَلَيْهِ أَمْ لَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَالَ سَحْنُونٌ إنَّمَا يَصِحُّ إسْقَاطُ الشَّرْطِ إذَا لَمْ يَأْخُذْ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ مَا اشْتَرَطَهُ مِنْ السَّلَفِ وَيَغِيبُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ أَخَذَهُ وَغَابَ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِ ذَلِكَ وَرَدِّ السِّلْعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ مَا أَرَادَهُ مِنْ السَّلَفِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً بِيَدِ الْمُشْتَرِي. فَأَمَّا إنْ فَاتَتْ فَلَا يُفِيدُ الْإِسْقَاطُ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ، فَإِنْ كَانَ السَّلَفُ مِنْ الْبَائِعِ فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ السَّلَفُ، وَإِنْ كَانَ السَّلَفُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ السَّلَفُ هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ وَظَاهِرُ إطْلَاقِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْإِسْقَاطُ قَبْلَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ، أَوْ بَعْدَ فَوَاتِهَا. (فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ وَجَدَ ثَمَنًا قَضَاهُ، وَإِنْ هَلَكَ وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ وَقَعَ هَذَا الشَّرْطُ وَفَاتَ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبْضِهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا الشَّرْطُ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي يَفْسُدُ بِهَا الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ فَالْحُكْمُ فِيهِ الْفَسْخُ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ شَاءَا، أَوْ أَبَيَا وَيَصِحُّ فِي فَوَاتِهَا بِالْقِيمَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَتَفْسِيرٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ إذْ قَدْ يَقُولُ كَثِيرًا فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْفَسْخُ: لَا أُحِبُّ هَذَا وَأَكْرَهُهُ وَشَبَهَهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَيُكْتَفَى بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ اهـ. وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَزَادَ فِيهِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هَذَا حَرَامٌ وَيُرَدُّ، فَإِنْ فَاتَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبْضِهَا اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَقَوْلُهُ هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ صَرِيحًا مِنْ قَوْلِهِ. وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: " فَيَصِحُّ فِي فَوَاتِهَا بِالْقِيمَةِ " فِيهِ مُسَامَحَةٌ وَصَوَابُهُ وَيُفْسَخُ فِي فَوَاتِهَا بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَلَا يُقَالُ فِيهِ صَحَّ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَضَى بِالثَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ قُلْت الْأَظْهَرُ حَمْلُ قَوْلِ مَالِكٍ عَلَى الْكَرَاهَةِ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الشَّرْطِ هُوَ مُقْتَضَى الْحُكْمِ فِي عَدَمِ الطَّلَبِ فِي الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ، فَإِذَا مَاتَ عَدِيمًا فَلَا مَيْسَرَةَ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَهُمْ خِلَافُ مُقْتَضَى الْحُكْمِ عَلَى مَا قَالَهُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِ الْمَدِينِ، وَهَذَا عِنْدِي غَرَرٌ يَسِيرٌ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْمُبَايَعَاتِ إنَّمَا هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْهَا وَمَقْصُودُ النَّاسِ بِهَا إنَّمَا هُوَ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ اهـ.

стр. 339

قُلْت: مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِإِنْظَارِ الْمُعْسِرِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ. وَأَمَّا الدُّخُولُ عَلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الصَّدَاقِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى تَأْجِيلِهِ إلَى مَوْتٍ، أَوْ فِرَاقٍ قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي الشَّيْخَ عَبْدَ اللَّهِ الْمَنُوفِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِقَوْمٍ مِنْهَا مَنْعُ مَنْ يَشْتَرِي سِلْعَةً إلَى الْمَيْسَرَةِ كَقَوْلِ بَعْضِ الْفُقَرَاءِ إلَى أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيَّ بِالثَّمَنِ، وَهَذَا إذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ ابْتِدَاءً فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحُلُولِ اهـ. وَكَأَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يَقِفْ عَلَى النَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ وَكَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ الْفَرْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ قَالَ فِي النَّوَادِرِ فَهُوَ غَرَرٌ لَا يَحِلُّ اهـ. وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَتُرَدُّ السِّلْعَةُ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَإِنْ فَاتَتْ فَالْقِيمَةُ يَوْمَ قَبْضِهَا قَالَ وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَافَرَ قَبْلَ الْأَجَلِ فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ حَالٌّ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، فَإِنْ فَاتَتْ فَفِيهَا الْقِيمَةُ يَوْمَ قَبْضِهَا قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ أَيْضًا قَالَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ حَمِيلًا إنْ سَافَرَ قَبْلَ الْأَجَلِ قَالَ: وَإِنْ بَاعَ عَبْدًا إلَى أَجَلٍ وَشَرَطَ إنْ لَمْ يُقْبِضْهُ الثَّمَنَ فِي الْأَجَلِ فَالْعَبْدُ حُرٌّ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي بَيْعُ الْعَبْدِ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ، فَإِنْ قَضَاهُ وَإِلَّا عَتَقَ، وَإِنْ حَلَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ رَقَّ وَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا وَقَعَ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ فِيمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً وَشَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ عِنْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ أَنَّهُ إنْ ادَّعَاهَا مُدَّعٍ فَثَمَنُهَا رَدٌّ عَلَيَّ بِغَيْرِ خُصُومَةٍ قَالَ لَا يُعْجِبُنِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ لَا يُعْجِبُنِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ بَيْعًا فَاسِدًا لِمَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ الشَّرْطِ وَذَلِكَ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَقَوْلُهُ اشْتَرَطَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ خِلَافَ مَا أَوْجَبَهُ الْكِتَابُ وَقَرَّرَهُ الشَّرْعُ الْمُبِينُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ أَحَدًا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى دُونَ بَيِّنَةٍ اهـ. مُخْتَصَرًا. قُلْت: وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنْ تُرَدَّ السِّلْعَةُ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، فَإِنْ فَاتَتْ فَالْقِيمَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَمِنْ ذَلِكَ بَيْعُ الْأَرْضِ الْمُوَظَّفَةِ أَيْ الَّتِي عَلَيْهَا خَرَاجٌ يُسَلِّمُهُ الْمُشْتَرِي كُلَّ سَنَةٍ، وَقَدْ أَطَالَ الْمُوَثِّقُونَ الْكَلَامَ فِيهَا وَلَخَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ وَفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا قُرِّرَ عَلَيْهَا عِنْدَ إحْيَائِهَا، أَوْ قُرِّرَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْإِحْيَاءِ وَقَالَ إنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ شِرَاءُ الْأَرْضِ الَّتِي قُرِّرَ عَلَيْهَا شَيْءٌ عِنْدَ إحْيَائِهَا قَالَ وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ

стр. 340

بِأَرْضِ الْخَرَاجِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَالَ: وَأَمَّا الَّتِي قُرِّرَ عَلَيْهَا شَيْءٌ بَعْدَ إحْيَائِهَا فَهِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا الْمُوَثِّقُونَ أَرْضَ الْوَظِيفَةِ وَأَرْضَ الطَّبْلِ وَفِيهِ خِلَافٌ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِلْجَهْلِ فِي الثَّمَنِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبَيْعِ) مَا يَكُونُ مُنَافِيًا لِمُقْتَضَى عَقْدِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْجِيرًا عَلَى الْمُشْتَرِي فِي السِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَهِيَ بُيُوعُ الشُّرُوطِ الْمُسَمَّاةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِبَيْعِ الثُّنْيَا قَالَ: مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبِيعُهَا، أَوْ لَا يَهَبُهَا، أَوْ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَ الْجَارِيَةَ أُمَّ وَلَدٍ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَخْرُجَ بِهَا مِنْ الْبَلَدِ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَعْزِلَ عَنْهَا، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يُرْكِبَهَا الْبَحْرَ أَوْ عَلَى أَنَّهُ إنْ بَاعَ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ فَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي يَبِيعُهَا بِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ فِيهَا بِالْخِيَارِ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ لَا يَجُوزُ الْخِيَارُ إلَيْهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّحْجِيرَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي السِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا قَالَ: فَهَذَا النَّوْعُ اُخْتُلِفَ فِيهِ إذَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُفْسَخُ مَا دَامَ الْبَائِعُ مُتَمَسِّكًا بِشَرْطِهِ، فَإِنْ تَرَكَ الشَّرْطَ صَحَّ الْبَيْعُ هَذَا إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، فَإِنْ فَاتَتْ كَانَ فِيهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ الْقِيمَةِ يَوْمَ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَهُ مِنْ الثَّمَنِ بِسَبَبِ الشَّرْطِ وَذَلِكَ بِأَنْ تَقُومَ السِّلْعَةُ بِالشَّرْطِ وَبِغَيْرِ الشَّرْطِ فَمَا كَانَ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ الْأَجْزَاءِ يَرْجِعُ الْبَائِعُ بِذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ الثَّمَنِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْبُيُوعِ حُكْمُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ يُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي قِيَامِ السِّلْعَةِ وَتَكُونُ فِيهِ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ فِي الْفَوَاتِ. قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ شِرَاءُ السِّلْعَةِ عَلَى الْخِيَارِ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ لَا يَجُوزُ الْخِيَارُ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِيهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا يَمْضِي الْبَيْعُ إنْ رَضِيَ مُشْتَرِطُ الْخِيَارِ بِتَرْكِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِذَلِكَ لَيْسَ بِتَرْكٍ مِنْهُ لِلشَّرْطِ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِيَارٌ لِلْبَيْعِ عَلَى الْخِيَارِ الْفَاسِدِ اهـ. قُلْت: وَلِهَذَا ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَجَعَلْنَاهَا مِمَّا يُؤَدِّي إلَى خَلَلٍ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إلَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَالَ فِي الْبَيَانِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ هَذَا حُكْمُ هَذَا الْبَابِ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: إذَا بَاعَ الْأَمَةَ وَشَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا، فَإِنْ وَطِئَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ، أَوْ فَعَبْدُهُ حُرٌّ أَوْ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، أَوْ صِيَامٌ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا، فَهَذَا يُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى حُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَلَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَتْرُكَ الشَّرْطَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا يَمِينٌ قَدْ لَزِمَتْ الْمُشْتَرِيَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْقِطَهَا عَنْهُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي رَسْمِ الْعُشُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى. وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارَ إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ

стр. 341

ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَعَزَا الْأُولَى لِلْمُقَدِّمَاتِ وَالثَّانِيَةَ لِرَسْمِ الْعُشُورِ، وَقَدْ اسْتَثْنَاهُمَا جَمِيعًا فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ كَمَا ذَكَرْنَا وَكَلَامُهُ فِيهِ أَحْسَنُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَأَبْيَنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَكْمِيلٌ) يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ بَيْعُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ بِشَرْطِ تَنْجِيزِ الْعِتْقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ بِالشِّرَاءِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَأَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ فِي الْعِتْقِ، أَوْ يَشْتَرِطُ الْعِتْقَ وَلَا يُفِيدُهُ بِإِيجَابٍ وَلَا خِيَارٍ قَالَ وَأَيُّ ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْجَوَابُ فِي صِفَةِ وُقُوعِ الْعِتْقِ وَفِي شَرْطِ النَّقْدِ. فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا إذَا بَاعَهُ عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ، فَإِنَّهُ يَكُونُ حُرًّا بِنَفْسِ الْبَيْعِ قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ وَلَا خِيَارَ فِي ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ عِتْقٍ، وَإِنْ مَاتَ بِفَوْرِ الْعَقْدِ مَاتَ حُرًّا يَرِثُ وَيُوَرَّثُ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي الْمَذْهَبِ اهـ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا إذَا بَاعَهُ عَلَى أَنْ يَعْتِقَهُ الْمُشْتَرِي وَأَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ إذَا كَانَ الشَّرْطُ عَلَى أَنْ يَعْتِقَهُ الْمُشْتَرِي وَالْتَزَمَ ذَلِكَ أُجْبِرَ عَلَى أَنْ يُوقِعَ الْعِتْقَ، فَإِنْ أَلَدَّ أَعْتَقَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ إذَا بَاعَهُ عَلَى أَنْ يَعْتِقَهُ الْمُشْتَرِي فَلَا يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَإِنَّمَا يُعْتَقُ بِعِتْقٍ جَدِيدٍ لَكِنْ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى إيجَابِ الْعِتْقِ اشْتَرَى فَإِمَّا أَعْتَقَهُ وَإِلَّا أَعْتَقَهُ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ وَالنَّقْدُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ جَائِزٌ بِشَرْطٍ وَبِغَيْرِ شَرْطٍ اهـ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ فِي الْعِتْقِ، فَإِنْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ النَّقْدَ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ لِلْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً بَيْعٌ وَتَارَةً سَلَفٌ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْبَائِعُ النَّقْدَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ قَدْرَ مَا يَسْتَخِيرُ فِيهِ وَيَسْتَشِيرُ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْعِتْقِ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ لَمْ يَعْتِقْهُ فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ فِي أَنْ يَرُدَّ عَبْدَهُ وَيَنْقُضَ الْبَيْعَ، أَوْ يَتْرُكَ الشَّرْطَ وَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ: وَهُوَ مَا إذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِإِيجَابٍ وَلَا خِيَارٍ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْخِيَارَ فِي ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، فَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْعِتْقِ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ عَلَى إيجَابِ الْعِتْقِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَبِهِ أَخَذَ سَحْنُونٌ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعِتْقِ إذَا امْتَنَعَ مِنْهُ، فَإِنْ أَلَدَّ أَعْتَقَهُ الْحَاكِمُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَيَجُوزُ النَّقْدُ بِشَرْطٍ وَبِغَيْرِ شَرْطٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ أَوْ الْأَمَةَ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ بِقُرْبٍ فَلَا كَلَامَ لِلْبَائِعِ وَسَوَاءٌ كَانَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ بَعْدَ قِيَامِ الْبَائِعِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَطَلَبِهِ مِنْهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْعِتْقُ قَبْلَ حُصُولِ عَيْبٍ فِي الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ

стр. 342

أَوْ بَعْدَ حُصُولِ الْعَيْبِ فِيهِمَا بَلْ وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ، أَوْ الْأَمَةُ قَبْلَ عِتْقِهِمَا بِقُرْبِ الْعَبْدِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَا لَهُ، وَإِنْ امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ عِتْقِ الْعَبْدِ، أَوْ الْأَمَةِ، فَإِنْ قَامَ الْبَائِعُ بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ قُرْبَهُ بِشَهْرٍ وَنَحْوِهِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُ عَبْدِهِ، أَوْ أَمَتِهِ وَنَقْضُ الْبَيْعِ، أَوْ تَرْكُ الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ هُوَ وَالْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا لِأَجْلِ تَرْكِ الشَّرْطِ فَذَلِكَ لَهُمَا، وَهَذَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ، أَوْ الْأَمَةُ صَحِيحَيْنِ لَمْ يَدْخُلْهُمَا عَيْبٌ، وَإِنْ دَخَلَهُمَا عَيْبٌ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَعْتِقَهُمَا مَعِيبَيْنِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَوْ يَغْرَمَ لِلْبَائِعِ مَا نَقَصَهُ لِأَجْلِ الشَّرْطِ وَيَصِيرُ الْعَبْدُ، أَوْ الْأَمَةُ مِلْكًا لَهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِتَأْخِيرِ الْعِتْقِ إلَى شَهْرٍ وَنَحْوِهِ. وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ غَيْرَ عَالِمٍ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ بَعْدَ أَنْ يَرْضَى عِتْقَهُمَا مَعِيبَيْنِ وَلَا شَيْءَ لَهُ، أَوْ يَرْجِعُ بِمَا نَقَصَهُ مِنْ الثَّمَنِ لِأَجْلِ الشَّرْطِ وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَرْجِعَهُمَا إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَقُمْ الْبَائِعُ بِقُرْبٍ بَلْ سَكَتَ حَتَّى طَالَ الْأَمْرُ كَثِيرًا كَالسَّنَةِ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِعَدَمِ عِتْقِ الْمُشْتَرِي فَلَا قِيَامَ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ الْمُطَالَبَةَ بِمُقْتَضَى شَرْطِهِ يُؤْذِنُ بِإِسْقَاطِهِ عَنْ الْمُشْتَرِي قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا عِنْدِي الِاخْتِلَافُ الَّذِي فِي السُّكُوتِ هَلْ هُوَ إذْنٌ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ، أَوْ الْأَمَةُ صَحِيحَيْنِ، أَوْ دَخَلَهُمَا عَيْبٌ، أَوْ فَاتَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِذَلِكَ حَتَّى طَالَ الْأَمَدُ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ صَحِيحَيْنِ لَمْ يَدْخُلْهُمَا عَيْبٌ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَسْتَرْجِعَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ، أَوْ يَدَعَهُمَا وَيَرْجِعَ بِمَا نَقَصَهُ لِأَجْلِ الشَّرْطِ مِنْ ثَمَنِهِمَا، وَلَوْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الطُّولِ لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ عَنْهُ الرُّجُوعَ بِمَا نَقَصَهُ الْبَائِعُ مِنْ الثَّمَنِ لِأَجْلِ الشَّرْطِ قَالَ فِي الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ الْبَائِعُ قَصْدَهُ بِشَرْطِهِ مِنْ تَعْجِيلِ الْعِتْقِ إذْ إنَّمَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي لِنَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ قَضَى وَطَرَهُ مِنْ وَطْءِ الْأَمَةِ وَاسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِعِتْقِ الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي الْوَطْءُ حَتَّى يُفَصِّلَ أَمْرَهُ مَعَ الْبَائِعِ، وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ أَوْ الْأَمَةَ مِنْ ظِهَارٍ، أَوْ عِتْقٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ حَصَلَ فِيهِمَا عَيْبٌ مُفِيتٌ، أَوْ بَعْدَ طُولٍ أَجْزَأَ. هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ صَاحِبِ النَّوَادِرِ وَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ وَكَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ غَالِبَ ذَلِكَ بِاخْتِصَارٍ وَيَجْرِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَهُوَ مَا إذَا بَاعَ الْعَبْدَ أَوْ الْأَمَةَ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ اللَّخْمِيُّ وَيَنْزِلُ وَرَثَةُ كُلٍّ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ مَنْزِلَتَهُ، وَإِنْ دَخَلَهُمَا عَيْبٌ مُفِيتٌ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَرْجِعَهُمَا، وَإِنَّمَا لَهُ الرُّجُوعُ بِمَا نَقَصَهُ لِأَجْلِ الشَّرْطِ مِنْ ثَمَنِهِمَا إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ هُوَ وَالْمُشْتَرِي عَلَى عِتْقِهِمَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ. وَإِنْ لَمْ يَقُمْ الْبَائِعُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِمَا، وَقَدْ طَالَتْ إقَامَتُهُمَا بِيَدِ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُمَا فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ بِمَا نَقَصَهُ لِأَجْلِ الشَّرْطِ كَمَا تَقَدَّمَ

стр. 343

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا يَفُوتُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ إلَّا بِالْعُيُوبِ الْمُفْسِدَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَصْبَغَ. وَقِيلَ: يَحْصُلُ الْفَوَاتُ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا فَاسِدًا. قُلْت: وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي عَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ. (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ الْمَذْكُورِ وَجْهُ الْعَمَلِ فِي التَّوَصُّلِ إلَى مَعْرِفَةِ مَا نَقَصَ الشَّرْطُ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ، أَوْ الْأَمَةِ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَبِيعُ بِالشَّرْطِ وَبِغَيْرِ الشَّرْطِ وَيُنْظَرُ مَا نَقَصَهُ الشَّرْطُ فَيُؤْخَذُ بِمِثْلِهِ مِنْ الثَّمَنِ. وَقَالَ أَصْبَغُ: يُرْجَعُ بِمَا نَقَصَ مِنْ الشَّرْطِ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ الشِّرَاءِ إلَّا أَنْ يُقَارِبَ ذَلِكَ الثَّمَنَ الَّذِي بِيعَ بِهِ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الشِّرَاءِ بِغَيْرِ شَرْطٍ قَرِيبَةً مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ بِكَثِيرٍ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا زَادَتْ الْقِيمَةُ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ وَقَوْلُ مَالِكٍ أَصَحُّ فِي الْمَعْنَى مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ يَكُونُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ أَقَلَّ اهـ. قُلْت: مَا عَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ لِمَالِكٍ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ: وَمَنْ ابْتَاعَ أَمَةً عَلَى تَعْجِيلِ الْعِتْقِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ تَعَجَّلَ الشَّرْطَ بِمَا وَضَعَ مِنْ الثَّمَنِ فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ غَرَرٌ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَعْتِقَ، فَإِنْ اشْتَرَى عَلَى إيجَابِ الْعِتْقِ لَزِمَهُ الْعِتْقُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْإِيجَابِ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقٌ وَكَانَ لِلْبَائِعِ تَرْكُ الْعِتْقِ وَتَمَامُ الْبَيْعِ، أَوْ يَرُدُّ الْبَيْعَ، فَإِنْ رَدَّ الْبَيْعَ بَعْدَ أَنْ فَاتَتْ فَلَهُ الْقِيمَةُ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَرُدُّ الْبَيْعَ وَيَلْزَمُهُ الْعِتْقُ لِمَا شَرَطَ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ لَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ يَعْنِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَقَبِلَهُ وَقَالَ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِيُكْمِلَ لِلْبَائِعِ مَا وَضَعَ مِنْ الثَّمَنِ لِمَكَانِ الْعِتْقِ وَقَوْلُهُ لَهُ الْقِيمَةُ يُرِيدُ يَوْمَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ اهـ. قُلْت: وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ أَبْيَنُ وَيُفَسَّرُ بِهِ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِي) لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِي هَذَا الْوَجْهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَارَةً ثَمَنًا وَتَارَةً سَلَفًا وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَأْخِيرِ الْعِتْقِ إلَى الْأَمَدِ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَلَا يَجُوزُ الدُّخُولُ ابْتِدَاءً عَلَى تَأْخِيرِ الْعِتْقِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ عَلَى تَعْجِيلِ الْعِتْقِ، فَإِنْ وَقَعَ التَّرَاخِي مِنْ الْمُشْتَرِي فَالتَّفْصِيلُ فِيهِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ ابْنُ يُونُسَ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ. (الثَّالِثُ) سَوَّى فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ الشِّرَاءِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَالشِّرَاءِ وَالْعِدَةِ بِالْعِتْقِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَمُسَاوَاتُهُ صَحِيحَةٌ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ أَنْ يَقُولَ: الْبَائِعُ لِلْمُبْتَاعِ أَبِيعُهَا مِنْك بِكَذَا وَكَذَا عَلَى أَنْ تُعْتِقَهَا وَالْعِدَةُ أَنْ يَقُولَ: الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِعْهَا مِنِّي، وَأَنَا أَعْتِقُهَا، أَوْ بِعْهَا مِنِّي بِكَذَا وَكَذَا، وَأَنَا أَعْتِقُهَا، وَإِذَا قَالَ ذَلِكَ الْمُبْتَاعُ لِلْبَائِعِ فَبَاعَهُ الْبَائِعُ عَلَى مَا وَعَدَهُ فَكَأَنَّهُ قَدْ اشْتَرَطَهُ إذْ لَمْ

стр. 344

يَبِعْهُ إلَّا عَلَى مَا وَعَدَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْعِدَةَ بِخِلَافِ الشَّرْطِ فَلَا تَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ وَلَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ. (الرَّابِعُ) هَذَا كُلُّهُ إذَا بَاعَهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ النَّاجِزِ، وَأَمَّا إذَا بَاعَهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ الْمُؤَجَّلِ، أَوْ الْكِتَابَةِ، أَوْ التَّدْبِيرِ، أَوْ اتِّخَاذُ الْأَمَةِ أُمَّ وَلَدٍ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلتَّحْجِيرِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلِلْغَرَرِ وَالْجَهْلِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ وَضَعَ مِنْ الثَّمَنِ لِأَمْرٍ قَدْ يَكُونُ، وَقَدْ لَا يَكُونُ وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ الْمَشْهُورُ يُفْسَخُ الْبَيْعُ مَا دَامَ الْبَائِعُ مُتَمَسِّكًا بِشَرْطِهِ، فَإِنْ تَرَكَ شَرْطَهُ صَحَّ الْبَيْعُ، وَهَذَا مَا لَمْ يَفُتْ الْمَبِيعُ، فَإِنْ فَاتَ كَانَ فِيهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي لَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ. (تَنْبِيهٌ) مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْعِتْقِ الْمُؤَجَّلِ قَالَهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَأَطْلَقَ، وَكَذَا أَطْلَقَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَيَّدَهُ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ أَيْ أَجَلُ بَعِيدٌ، وَأَمَّا الْقَرِيبُ جِدًّا فَكَحُكْمِ الْعِتْقِ النَّاجِزِ اهـ. قُلْت: وَهُوَ تَقْيِيدٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِلْغَرَرِ، وَإِذَا كَانَ الْأَجَلُ قَرِيبًا جِدًّا كَانَ مِنْ الْغَرَرِ الْخَفِيفِ الْمُغْتَفَرِ فِي الْبَيْعِ، وَقَدْ أَجَازُوا بَيْعَ الْعَبْدِ وَاسْتِثْنَاءَ خِدْمَتِهِ الْأَيَّامَ الْيَسِيرَةَ كَالْعَشَرَةِ، أَوْ أَقَلَّ فَكَذَلِكَ هُنَا إذَا شَرَطَ الْعِتْقَ إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ، أَوْ أَقَلَّ جَازَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْخَامِسُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ لَا أُحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ مَالًا عَلَى تَدْبِيرِ عَبْدِهِ، فَإِنْ نَزَلَ مَضَى التَّدْبِيرُ وَيُرَدُّ إلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ جَوَابُ مَالِكٍ عَلَى أَنَّهُ بَاعَ عَبْدَهُ مِمَّنْ يُدَبِّرُهُ، وَلَوْ أَخَذَ مَالًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يُدَبِّرَ عَبْدَهُ فَدَبَّرَهُ فَلْيَرُدَّ الْمَالَ وَيُنَفِّذَ التَّدْبِيرَ، وَكَذَلِكَ مَا أَخَذَ عَلَى اتِّخَاذِ الْأَمَةِ أُمَّ وَلَدٍ ثُمَّ اتَّخَذَهَا كَمَا يَرْجِعُ لَوْ بَاعَهَا عَلَى ذَلِكَ يَرْجِعُ بِمَا وَضَعَهُ اهـ. مُخْتَصِرًا بِالْمَعْنَى. (السَّادِسُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ وَالصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ كَالْعِتْقِ، فَإِنْ بَاعَهُ عَلَى أَنَّهُ صَدَقَةٌ لِفُلَانٍ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى فُلَانٍ وَالْتَزَمَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ جَازَ الْعَقْدُ وَالنَّقْدُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ فِي إنْفَاذِ الصَّدَقَةِ جَازَ الْعَقْدُ دُونَ النَّقْدِ وَيُخْتَلَفُ إذَا أَطْلَقَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْتِزَامٍ وَلَا بِخِيَارٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ بَاعَ مِنْ امْرَأَتِهِ خَادِمًا بِشَرْطِ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى وَلَدِهِ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا تَلْزَمُهَا الصَّدَقَةُ بِالْحُكْمِ وَلِلْبَائِعِ بِالْخِيَارِ إنْ لَمْ تَتَصَدَّقْ هِيَ بِهَا إنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ تَلْزَمُهَا الصَّدَقَةُ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعٍ وَشَرْطٍ. قُلْت: وَهَذَا إذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ، أَوْ الْهِبَةُ مُنْجَزَةً، أَوْ مُؤَجَّلَةً إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مُؤَجَّلَةً إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ فَلَا يَجُوزُ لِلْغَرَرِ، وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ الْمُلْتَزَمُ فِي صَدَقَتِهِ، أَوْ هِبَتِهِ

стр. 345

مِمَّنْ يُؤْمَنُ بَقَاؤُهُ مِنْ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الْغَرَرُ مِنْ جِهَةِ مَوْتِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَيَبْطُلَانِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (السَّابِعُ) تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ إذَا بَاعَ السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلًا فَقَالَ إنْ بَاعَهُ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا جُمْلَةً، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا إلَّا مِنْ فُلَانٍ فَالْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ فُلَانٍ وَحْدَهُ، أَوْ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا مِنْ فُلَانٍ كَانَ بَيْعًا فَاسِدًا وَلَيْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي إلَّا الثَّمَنُ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ مِنْ فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَيْسَ فِيهِ تَمْكِينٌ فَلَا يَضْمَنُهُ الْمُشْتَرِي اهـ. قُلْت: مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ إذَا بَاعَ سِلْعَةً عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا مِنْ فُلَانٍ، أَوْ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَعَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ حُكْمَ الْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ مَا نَصَّهُ: وَإِذَا بَاعَ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا مِنْ فُلَانٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إذَا بَاعَ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ وَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْبَيْعَ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ مِنْ فُلَانٍ فِي رَسْمِ بَاعَ شَاةً مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَكَرِهَهُ أَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى كَرَاهَةِ الْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا يَضُرَّ بِالْبَائِعِ اهـ. قُلْت: فَإِذَا بَاعَ سِلْعَةً مِنْ شَخْصٍ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا مِنْ فُلَانٍ، أَوْ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ ثُمَّ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ فُلَانٍ، أَوْ مِنْ أَحَدِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الْمَذْكُورِينَ، فَإِنَّ بَيْعَهُ لَا يُرَدُّ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ غَايَةُ مَا نُقِلَ فِيهِ الْكَرَاهَةُ فَقَطْ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ إذَا بَاعَ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا مِنْ فُلَانٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا بَاعَ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ لَيْسَ بِخِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ فِيمَا إذَا بَاعَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مِنْ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الْبَائِعَ شَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ مِنْ فُلَانٍ، وَأَنَّهُ لَا يُبْقِيهَا فِي مِلْكِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْبَيْعَ بَاعَهَا مِنْ فُلَانٍ فَهِيَ مِثْلُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّامِنُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا، أَوْ عَلَى أَنْ يُخْرِجَهَا إلَى الشَّامِ يُفْسَخُ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يَضَعَ الْبَائِعُ شَرْطَهُ وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهُ مُبْتَاعُهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ أَنَّ

стр. 346

الْبَائِعَ إنَّمَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ لِضَرَرٍ يَتَّقِيهِ مِنْ الْعَبْدِ إنْ هُوَ بَقِيَ، فَقَدْ يَكُونُ شِرِّيرًا، وَقَدْ يَكُونُ اطَّلَعَ عَلَى أَسْرَارِهِ، أَوْ مَوْضِعِ مَالِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْعُذْرِ، أَوْ يَتَّقِي مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الْأَمَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي طَارِئًا كَانَ أَبْيَنَ فِي الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ اهـ. قُلْت: ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ خِلَافٌ لِمَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: " وَهُوَ أَبْيَنُ " وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِخِلَافٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي الْمَوَّازِيَّةِ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ الشَّامُ مَثَلًا فَفِيهِ تَحْجِيرٌ، وَأَمَّا الَّذِي فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ فَلَمْ يَشْتَرِطْ إلَّا إخْرَاجَهُ مِنْ الْبَلَدِ الَّتِي بِيعَ فِيهَا فَقَطْ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ خَفِيفٌ فَالْجَوَازُ فِيهِ كَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ ظَاهِرٌ بَلْ يَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِمَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَتَأَمَّلْهُ. وَعَلَى هَذَا فَيَلْزَمُ الشَّرْطُ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ إنْ أَقَامَ بِهِ الْمُشْتَرِي فِي الْبَلَدِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ أَجَازَ ابْنُ وَهْبٍ أَنْ يَبِيعَ الْعَبْدَ عَلَى أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى الشَّامِ، وَلَمْ يُجِزْ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهُ إلَّا بِالشَّامِ، وَالْوَجْهَانِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ سَوَاءٌ اهـ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ اللَّخْمِيِّ إلَّا أَنَّهُ زَادَ حِكَايَةَ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تَجُوزُ إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُرْكِبَهَا الْبَحْرَ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَفِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ الْمُتَقَدِّمِ وَذَكَرَهُ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ أَيْضًا وَقَبِلُوهُ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يُجِيزَهَا الْبَحْرَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَبْقَى مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْبُلْدَانِ وَيُخْتَلَفُ إذَا شَرَطَ أَنْ يُجِيزَهَا قِيَاسًا عَلَى مَنْ شَرَطَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا اهـ. قُلْت: مَا ذَكَرَهُ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ خِلَافُ مَا نَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي مِنْ الْقِيَاسِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالظَّاهِرُ فِيهِ الْمَنْعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (التَّاسِعُ) تَقَدَّمَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ بَيْعَ الرَّجُلِ السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ بَاعَهَا فَبَائِعُهَا أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي يَبِيعُهَا بِهِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَفِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذَكَرَهُ وَذَكَرَ فِيهِ إذَا وَقَّعَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِنْ الشُّرُوطِ وَزَادَ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ قَوْلًا ثَالِثًا فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْقَوْلَيْنِ: وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الشُّرُوطِ وَبَيْنَ أَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهَا عَلَى أَنَّهُ إنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ فَجَعَلَ هَذَا بَيْعًا فَاسِدًا يُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِ الشَّرْطِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ اهـ. فَتَحَصَّلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَلِابْنِ رُشْدٍ اخْتِيَارٌ نَذْكُرُهُ قَرِيبًا يَكُونُ رَابِعًا.

стр. 347

تَنْبِيهٌ) وَالْإِقَالَةُ فِي هَذَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ قَالَ مَالِكٌ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ فِيمَنْ أَقَالَ مِنْ حَائِطٍ عَلَى أَنَّهُ مَتَى بَاعَهُ بَائِعُهُ الْمُسْتَقِيلُ فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي يَبِيعُهُ بِهِ ثُمَّ بَاعَهُ بَعْدَ زَمَانٍ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ آخِرًا وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ قَالَ ابْنُ زَرِبٍ أَوْجَبَ مَالِكٌ لِلْمُقِيلِ أَخْذَ الْحَائِطِ بِشَرْطِهِ، وَإِنْ بَاعَهُ الْمُسْتَقِيلُ بَعْدَ زَمَانٍ لِقَوْلِهِ فِي الشَّرْطِ: " مَتَى بَاعَهُ؟ " لِأَنَّ " مَتَى " لَا تَقْتَضِي قُرْبَ الزَّمَانِ بِخِلَافِ مَا فِي سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ كِنَانَةَ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ عَلَى أَنَّهُ إنْ بَاعَ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ لَهُ بِالثَّمَنِ وَكَأَنَّ الْمُقْبِلَ تَخَوَّفَ مِنْ الْمُسْتَقِيلِ أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَقَالَهُ لِيَبِيعَهُ مِنْ غَيْرِهِ بِزِيَادَةٍ أُعْطِيهَا. وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا الشَّرْطُ فِي الْإِقَالَةِ؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ فَعَلَهُ مَعَهُ وَاشْتَرَطَ أَنْ يُكَافِئَهُ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ فَلَزِمَ ذَلِكَ فِيهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَلِمُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ فِي سَمَاعِهِ أَنَّ الْإِقَالَةَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ لَا تَجُوزُ كَالْبَيْعِ وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ الْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْإِقَالَةِ وَالْبَيْعِ، وَأَنَّهُ إذَا أَقَالَهُ، أَوْ بَاعَهُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالًا لِحَقِّ الْمُشْتَرِي وَظُلْمًا لَهُ فِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا بَاعَهُ دُونَ حَقٍّ، وَإِنْ هُوَ اسْتَقَالَهُ، أَوْ سَأَلَهُ الْبَيْعَ ابْتِدَاءً فَقَالَ لَهُ أَخْشَى أَنَّك إنَّمَا سَأَلْتنِي الْإِقَالَةَ، أَوْ الْبَيْعَ لِرِبْحٍ أُعْطِيت فِي ذَلِكَ لَا لِرَغْبَةٍ فِيهِ فَقَالَ لَا أُرِيدُهُ إلَّا لِلرَّغْبَةِ فِيهِ فَأَقَالَهُ، أَوْ بَاعَهُ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ إنْ بَاعَهُ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِهِ إنْ بَاعَهُ بِالْقُرْبِ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَقَالَهُ، أَوْ سَأَلَهُ الْبَيْعَ لِذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَوْ أَقَالَهُ، أَوْ بَاعَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بَيْعَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي يُعْطَى فِيهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ الْبَيْعُ وَيُخْتَلَفُ فِي الْإِقَالَةِ؛ لِأَنَّ بَابَهَا الْمَعْرُوفُ لَا الْمُكَايَسَةُ اهـ. مُخْتَصَرًا. وَفِي سَمَاعِ سَحْنُونَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ اسْتَقَالَ مُبْتَاعَهُ فَقَالَ لَهُ أَخَافُ أَنَّك تُرِيدُ بَيْعَهَا لِرِبْحٍ فَقَالَ الْبَائِعُ إنَّمَا أَرَدْتهَا لِنَفْسِي فَأَقَالَهُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ بَاعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ اسْتَقَالَهُ لِيَبِيعَهَا فَبَيْعُهُ مُنْتَقِضٌ غَيْرُ جَائِزٍ. وَإِنْ بَاعَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ بَدَا لَهُ فِي بَيْعِهَا فَطَالَ زَمَانُهَا فَبَيْعُهُ جَائِزٌ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ طَلَبَ مِنْ امْرَأَتِهِ أَنْ تَضَعَ لَهُ مَهْرَهَا فَقَالَتْ: أَخَافُ إنْ وَضَعْتُهُ طَلَّقْتَنِي، فَقَالَ مَا أَفْعَلُ فَوَضَعَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا لَهَا الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمَا وَضَعَتْ إلَّا أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ وَيَتَبَيَّنَ صِحَّةُ ذَلِكَ فَلَا رُجُوعَ لَهَا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ: " إنَّ الْبَيْعَ مُنْتَقِضٌ " إذَا عُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَقَالَهُ لِيَبِيعَهَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَالَهُ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا، فَإِنْ بَاعَهَا نُقِضَ الْبَيْعُ وَرُدَّتْ إلَيْهِ السِّلْعَةُ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِبَيْعِهِ إيَّاهَا بِقُرْبِ ذَلِكَ، وَإِذَا نُقِضَ الْبَيْعُ فِيهَا انْتَقَضَتْ الْإِقَالَةُ وَرُدَّتْ إلَى الْمُقِيلِ. وَلَوْ أَقَالَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ بَاعَهَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي يَبِيعُهَا بِهِ فَبَاعَهَا بِقُرْبِ ذَلِكَ لَرُدَّ الْبَيْعُ فِيهَا وَأَخَذَهَا الْمُقِيلُ عَلَى مَا مَضَى فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ. وَتَنْظِيرُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِمَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا أَخَافُ إلَخْ مِثْلُ قَوْلِ الْمُبْتَاعِ أَخَافُ أَنْ أُقِيلَك إلَخْ، وَلَوْ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا هَذَا

стр. 348

الْكَلَامُ، وَإِنَّمَا سَأَلَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ أَنْ تَضَعَ عَنْهُ الصَّدَاقَ فَوَضَعَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا بِالْقُرْبِ لَرَجَعَتْ عَلَيْهِ إذْ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا وَضَعَتْهُ رَجَاءَ اسْتِدَامَةِ صُحْبَتِهِ، وَلَوْ سَأَلَ الْبَائِعُ الْمُبْتَاعَ الْإِقَالَةَ فَأَقَالَهُ دُونَ كَلَامٍ ثُمَّ بَاعَهَا الْبَائِعُ بِالْقُرْبِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ. فَهُنَا تَفْتَرِقُ الْمَسْأَلَتَانِ فَفِي وَضْعِ الْمَرْأَةِ صَدَاقَهَا إذَا سَأَلَهَا الزَّوْجُ ذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَضَعَهُ وَتَسْكُتَ، أَوْ تَقُولَ أَخْشَى إنْ وَضَعْته أَنْ تُطَلِّقَنِي فَيَقُولَ: لَا أَفْعَلُ، أَوْ تَقُولَ إنَّمَا أَضَعُهُ عَنْك عَلَى أَنَّك لَا تُطَلِّقُنِي أَبَدًا، وَعَلَى أَنِّي مَتَى طَلَّقْتَنِي رَجَعْت عَلَيْك بِهِ فَيَكُونَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ مَتَى طَلَّقَهَا كَانَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ، أَوْ بَعْدَ طُولٍ مِنْ الزَّمَانِ اهـ. وَمَسْأَلَةُ سَحْنُونَ هَذِهِ هِيَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ فِي شُرُوطِ النِّكَاحِ لَكِنَّهُ ذَكَرَهَا عَلَى وَجْهٍ أَخَصَّ، وَهُوَ أَنَّ الْبَائِعَ قَالَ لِلْمُشْتَرِي مَتَى بِعْتهَا فَهِيَ لَك بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ سَحْنُونَ أَنَّهُ سَأَلَهُ الْإِقَالَةَ يُقَالُ إنِّي أَخَافُ أَنَّك تُرِيدُ بَيْعَهَا لِرِبْحٍ فَقَالَ الْبَائِعُ إنَّمَا أَرَدْتهَا لِنَفْسِي فَأَقَالَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ مَتَى بِعْتهَا فَهِيَ لَك بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَقَالَ بَعْدَهَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ وَكَانَ ابْنُ نَافِعٍ يَقُولُ: لَا تَجُوزُ الْإِقَالَةُ فِي هَذَا، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ. قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ هَذَا جَيِّدٌ مِنْ فُتْيَاهُ وَاسْتَحْسَنَهُ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ هَذِهِ مَسْأَلَةُ قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي شَرْحِهَا فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَفِي سَمَاعِ سَحْنُونَ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَلَامِهِ عَلَى الشُّرُوطِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ سَحْنُونَ وَسَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ثُمَّ قَالَ: قُلْت لَمَّا ذَكَرَ الصَّقَلِّيُّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالْجَوَازِ قَالَ قَالَ الشَّيْخُ هَذَا خِلَافُ مَا فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عُمَرَ لَا تَقْرَبْهَا وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ وَفِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ لَا خَيْرَ فِيهِ وَالْإِقَالَةُ بَيْعٌ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ وَيُفْسِدُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَأَمَّا فِي الْإِقَالَةِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ بِجَوَازِهِ وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي كَلَامِهِ السَّابِقِ فِي شُرُوطِ النِّكَاحِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي الْإِقَالَةِ، وَلَوْ كَانَتْ فِي الْأَمَةِ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِي سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ يَبِيعُ أَرْضَهُ، أَوْ جَارِيَتَهُ ثُمَّ يَسْتَقِيلُ. وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ مَنْعَ الْبَائِعِ مِنْ وَطْئِهَا بَعْدَ الْإِقَالَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْقِسْمُ الرَّابِعُ) مِنْ أَقْسَامِ الشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبَيْعِ مَا يَكُونُ الشَّرْطُ فِيهِ غَيْرَ صَحِيحٍ إلَّا أَنَّهُ خَفِيفٌ فَلَمْ يَقَعْ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهُ السِّلْعَةَ وَيَشْتَرِطَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ نَحْوُهَا فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا. وَمِثْلُ الَّذِي يَبْتَاعُ الْحَائِطَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْجَائِحَةِ؛ لِأَنَّ الْجَائِحَةَ لَوْ أَسْقَطَهَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْجَائِحَةَ

стр. 349

أَمْرٌ نَادِرٌ فَلَمْ يَقَعْ لِشَرْطِهِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَمْ يَلْزَمْ الشَّرْطُ إذْ حُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ لَازِمٍ إلَّا بَعْدَ وُجُوبِ الرُّجُوعِ بِالْجَائِحَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ اهـ. وَلْنَذْكُرْ مِنْ هَذَا النَّوْعِ فُرُوعًا: (الْفَرْعُ الْأَوَّلُ) الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ وَيَشْتَرِطَ لَهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ إلَى أَجَلِ كَذَا فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا وَفِيهِ اضْطِرَابٌ كَثِيرٌ يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ رَاجَعَ كَلَامَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِيهِ وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ لِي مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَشَرْحِهَا كَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ وَابْنِ يُونُسَ وَاللَّخْمِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ وَالرَّجْرَاجِيِّ وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَصَاحِبِ التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ سَبْعَةَ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: كَرَاهَةُ هَذَا الْبَيْعِ ابْتِدَاءً، فَإِنْ وَقَعَ صَحَّ الْبَيْعُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْهَا قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْقُدْ ثَمَنَهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقَالَ أَصْبَغُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعْقَدَ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا وَكَأَنَّهُ زَادَهُ فِي الثَّمَنِ عَلَى أَنَّهُ إنْ نَقَدَهُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ فَهِيَ لَهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ، فَهَذَا مِنْ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ، فَإِنْ نَزَلَ ذَلِكَ جَازَ الْبَيْعُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ وَغَرِمَ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ وَلَكِنَّ هَلَاكَ السِّلْعَةِ - وَإِنْ كَانَتْ حَيَوَانًا - مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهَا الْمُبْتَاعُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ يَحْبِسُهَا بِالثَّمَنِ تِلْكَ هَلَاكُهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ بَعْدَ عُقْدَةِ الْبَيْعِ اهـ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ مَفْسُوخٌ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ جَائِزٌ حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ قَالَ حَكَاهَا ابْنُ لُبَابَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ قَوْلِهِ إنْ جِئْتنِي بِالثَّمَنِ وَقَوْلِهِ إنْ لَمْ تَأْتِنِي بِالثَّمَنِ، فَإِنْ قَالَ أَبِيعُك عَلَى إنْ جِئْتنِي بِالثَّمَنِ فَالْبَيْعُ بَيْنِي وَبَيْنَك فَالثَّمَنُ حَالٌّ كَأَنَّهُ رَآهُ بَيْعًا بَتًّا، وَإِنَّمَا يُرِيدُ فَسْخَهُ بِتَأْخِيرِ النَّقْدِ فَيُفْسَخُ الشَّرْطُ وَيُعَجَّلُ النَّقْدُ، وَإِذَا قَالَ إنْ لَمْ تَأْتِنِي بِالثَّمَنِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِالثَّمَنِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى النَّقْدِ إلَّا إلَى الْأَجَلِ حَكَاهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ عَنْ الدِّمْيَاطِيِّ وَحَكَى الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَالرَّجْرَاجِيُّ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ. وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ يُوقَفُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ نَقَدَ مَضَى الْبَيْعُ وَإِلَّا رُدَّ حَكَاهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ أَيْضًا وَحَكَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ. وَالْقَوْلُ السَّادِسُ: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِيمَا لَا يُسْرِعُ إلَيْهِ التَّغَيُّرُ كَالرَّبْعِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَيُكْرَهُ فِيمَا يُسْرِعُ إلَيْهِ التَّغَيُّرُ حَكَاهُ ابْنُ بَشِيرٍ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهِ. وَالْقَوْلُ السَّابِعُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَجَلُ كَشَهْرٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ حَكَاهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ عَنْ ابْنِ لُبَابَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَجَلُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَكُونُ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَسَيَأْتِي لَفْظُ التَّنْبِيهَاتِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، فَإِنْ أَتَى إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ أَخْذُهَا كَانَ بَيْعُ الْخِيَارِ يَجُوزُ فِيهِ عِنْدَ الْأَجَلِ مَا يَجُوزُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ وَيَفْتَرِقُ فِيهِ أَمَدُ السِّلْعَةِ مِنْ أَمَدِ الدَّارِ

стр. 350

وَمُصِيبَتُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرٍ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ أَخَذَ الْمَبِيعَ عَنْ الثَّمَنِ كَانَ شَرْطًا فَاسِدًا وَاخْتُلِفَ فِي الشَّرْطِ الْفَاسِدِ، فَقِيلَ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ. وَقِيلَ: جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَقِيلَ: إنْ أَسْقَطَهُ جَازَ، وَإِنْ تَمَسَّكَ بِهِ فُسِخَ، وَهُوَ أَحْسَنُهَا اهـ. (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) إذَا فَرَّعْنَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَبُطْلَانِ الشَّرْطِ فَاخْتُلِفَ هَلْ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى نَقْدِ الثَّمَنِ فِي الْحَالِ، أَوْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ؟ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَالْأَوَّلُ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَحَمَلَهَا أَكْثَرُهُمْ عَلَى الثَّانِي وَحَكَى الْقَوْلَيْنِ الرَّجْرَاجِيُّ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَزَادَ ابْنُ عَرَفَةَ ثَالِثًا بِالْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ إنْ جِئْتنِي بِالثَّمَنِ فَالْبَيْعُ بَيْنَنَا وَيُجْبَرُ عَلَى التَّعْجِيلِ، وَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ تَأْتِنِي فَيُؤَخَّرُ لِلْأَجَلِ وَعَزَاهُ لِلدِّمْيَاطِيَّةِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّابِعُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ جَعَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مُفَرَّعًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَحَكَاهُ الرَّجْرَاجِيُّ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَكَلَامُ التَّنْبِيهَاتِ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَاخْتُلِفَ بَعْدَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ هَلْ يَبْقَى الْبَائِعُ إلَى أَجَلِهِ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ لَيْسَ فِي الْأَجَلِ، وَإِنَّمَا الْفَسَادُ فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ تَأْتِنِي بِالثَّمَنِ آخُذُ السِّلْعَةَ اهـ. قُلْت: وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ هُوَ الْقَوْلُ الْخَامِسُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَى مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ فَيَتَحَصَّلُ فِي التَّفْرِيعِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى النَّقْدِ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِفَسَادِ الْبَيْعِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ جَائِزٌ فَحُكْمُهُ حُكْمُ بَيْعِ الْخِيَارِ يَجُوزُ فِيهِ مِنْ الْأَجَلِ مَا يَجُوزُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ فِي مِثْلِ تِلْكَ السِّلْعَةِ قَالَهُ الرَّجْرَاجِيُّ. (الثَّانِي) وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ وَفِي عِبَارَةِ غَيْرِهِ فِي فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ إلَى أَجَلِ كَذَا مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِلْأَجَلِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأَجَلِ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةٍ قَالَ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ فِي الْكِتَابِ إلَى يَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ قَالَ كَذَا عِنْدِي، وَكَذَا فِي أَصْلِ شُيُوخِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ ذَكَرَهَا عَنْهُ ابْنُ لُبَابَةَ وَسَقَطَتْ لَفْظَةُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ يَحْيَى وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَوْ أَيَّامٌ يَسِيرَةٌ مَكَانَهَا. وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ إلَى شَهْرٍ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَمَّا الدُّورُ وَالرِّبَاعُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَأَكْرَهُهُ؛ لِأَنَّهُ يَحُولُ وَشَرْطُهُ ذَلِكَ فِي الْعُرُوضِ بَاطِلٌ وَالْبَيْعُ نَافِذٌ

стр. 351

وَسَوَّى ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ الْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ فِي الْجَمِيعِ وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَجَدْت لِابْنِ الْقَاسِمِ إذَا كَانَ إلَى شَهْرٍ أَنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ اهـ. وَالظَّاهِرُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ طُولِ الْأَجَلِ وَقِصَرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ ضَمَانَ الْمَبِيعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْبَائِعِ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْحَيَوَانِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ الشُّيُوخُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مُغْرِبَاتِ الْمَسَائِلِ جُعِلَ حُكْمُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ حُكْمَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَبَعْدَ الْقَبْضِ حُكْمَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ أَمْضَاهُ بِالثَّمَنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ عِنْدَهُ مَكْرُوهٌ اهـ. قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ إنَّمَا يَرْجِعُ لِمَا عَلَّلَهُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ كَأَنَّهُ زَادَهُ فِي الثَّمَنِ أَنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ حَقِيقَةً اهـ. (الْفَرْعُ الثَّانِي) إذَا بَاعَ الْحَائِطَ وَشَرَطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَنَّ الْجَائِحَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَتَلْزَمُ الْجَائِحَةُ الْبَائِعَ إذَا نَزَلَتْ، وَهَذَا الْفَرْعُ هُوَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ السَّابِقِ. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْمُسَاقَاةِ وَالْجَوَائِحِ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا ابْنُ رُشْدٍ بِنَحْوِ مَا تَكَلَّمَ عَلَيْهَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَلَمْ يَزِدْ وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْجَوَائِحِ وَعَزَا هَذَا الْقَوْلَ لِرِوَايَةِ مُحَمَّدٍ وَزَادَ بَعْدَهُ فِي السُّلَيْمَانِيَّة: الْبَيْعُ فَاسِدٌ قَالَ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ وَأَرَى أَنْ يُخَيَّرَ الْبَائِعُ بَيْنَ أَنْ يُسْقِطَ شَرْطَهُ وَتَكُونَ الْمُصِيبَةُ مِنْهُ أَوْ يَرُدَّ الْبَيْعَ وَيَكُونَ لَهُ بَعْدَ الْفَوَاتِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْقِيمَةِ، أَوْ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّ مَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ الثَّمَرَةُ مِنْ حَلَاوَةٍ وَنُضْجٍ مُشْتَرًى، وَإِنَّمَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ عَلَى أَنَّهَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ فَاشْتِرَاطُ الْجَائِحَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ ثَمَرَ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْجَوَائِحِ وَكَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا وَالْخَمْسَ الَّتِي بَعْدَهَا لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْعَبْدِ يَتَنَاوَلُ ثِيَابَ مِهْنَتِهِ وَذَكَرَ أَنَّ الْمُتَيْطِيَّ وَغَيْرَهُ ذَكَرَا السَّنَةَ الْأُولَى ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهَا السَّابِعَةَ لَكِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ فِي مَسْأَلَةِ الْجَائِحَةِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ قَالَ بَعْدَهُ خِلَافًا لِمَا فِي السُّلَيْمَانِيَّة أَنَّهُ يُوَفَّى لَهُ بِالشَّرْطِ هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَقَلَ عَنْ اللَّخْمِيِّ عَنْ السُّلَيْمَانِيَّة أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ قَالَ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الْبَيْعُ جَائِزٌ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ النَّظَائِرَ، وَإِنَّمَا اسْتَطْرَدَ مَسْأَلَةَ الْجَائِحَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ مَا بَقِيَ فَيَتَحَصَّلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: صِحَّةُ الْبَيْعِ وَبُطْلَانُ الشَّرْطِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ رُشْدٍ

стр. 352

فِي الْبَيَانِ وَالْمُقَدِّمَاتِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ سَيِّدِي الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَالثَّانِي: فِي السُّلَيْمَانِيَّة أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ جَائِزٌ، وَهُوَ الَّذِي فِي السُّلَيْمَانِيَّة عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ. وَالرَّابِعُ: اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ فَيَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى بَيْعِ الْجَارِيَةِ بِشَرْطِ أَنَّهَا عُرْيَانَةٌ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ السِّتِّ مَسَائِلَ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ ثُمَّ ذَكَرَهَا. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَأَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَلَمْ أَرَ مَنْ عَزَاهَا لِلْمُدَوَّنَةِ وَلَعَلَّ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ زَائِدٌ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ، فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي مُخْتَصَرِهَا لِابْنِ هَارُونَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْفَرْعُ الثَّالِثُ) مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ أَخْضَرُ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى الْبَائِعِ هَكَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَّا ذَكَرَ النَّظَائِرَ الَّتِي ذُكِرَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيهَا بِصِحَّةِ الْمَبِيعِ وَبُطْلَانِ الشَّرْطِ وَاَلَّذِي فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَمُخْتَصَرِهَا لِابْنِ هَارُونَ مَا نَصَّهُ. الثَّانِيَةُ: مَنْ بَاعَ عَلَى أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَالَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ بَاعَ أَرْضَهُ بِزَرْعِهَا، وَقَدْ طَابَ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ أَخْضَرَ فَاشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ: فَإِنْ اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي زَكَاتَهُ عَلَى الْبَائِعِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ إذْ لَا يُعْلَمْ مِقْدَارُهُ اهـ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْمُسْتَخْرَجَةِ هُوَ فِي رَسْمِ الْقَرْيَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ زَكَاةِ الْحُبُوبِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ لَمْ يَطِبْ فَاشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي الزَّكَاةَ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ الزَّرْعُ، فَإِذَا طَابَ الزَّرْعُ فَهِيَ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ أَمَّا إذَا اشْتَرَى الْأَرْضَ وَفِيهَا الزَّرْعُ لَمْ يَطِبْ فَاشْتَرَطَهُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ، فَإِنْ اشْتَرَطَ الزَّكَاةَ عَلَى الْبَائِعِ فَسَدَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ مَجْهُولًا لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ وَلَا مَبْلَغُهُ، وَأَمَّا إذَا طَابَ الزَّرْعُ فَاشْتَرَى الْأَرْضَ بِزَرْعِهَا فَالزَّكَاةُ عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ اشْتَرَطَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي فَذَلِكَ أَجْوَزُ لِلْبَيْعِ إذْ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ إذَا بَاعَ جَمِيعَ الزَّرْعِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ جُزْءَ الزَّكَاةِ

стр. 353

فَسَدَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَيْسَ لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ اهـ. وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ عَلَى نَقْلِ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَكَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَأَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَبُطْلَانِ الشَّرْطِ إلَّا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ. وَأَمَّا كَلَامُ الْمُتَيْطِيَّةِ وَمُخْتَصَرِهَا فَمُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَائِعَ هُوَ الْمُشْتَرِطُ لِلزَّكَاةِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَاشْتِرَاطُ الْبَائِعِ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي صَحِيحٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الزَّرْعُ قَدْ طَابَ وَالزَّكَاةُ عَلَى الْبَائِعِ، فَقَدْ نَصَّ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّ ذَلِكَ أَجْوَزُ لِلْبَيْعِ وَصَرَّحَ بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ لَمْ يَطِبْ فَالزَّكَاةُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا الْبَائِعُ فَاشْتِرَاطُهَا عَلَيْهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا الْعَقْدُ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَدْ مَشَى الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَتَقَدَّمَتْ النُّصُوصُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْفَرْعُ الرَّابِعُ) إذَا اشْتَرَطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فِي الْأَمَةِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الْمُوَاضَعَةُ أَنْ لَا مُوَاضَعَةَ فِيهَا فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ قَالَ فِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكُرِهَ تَرْكُ الْمُوَاضَعَةِ وَائْتِمَانُ الْمُبْتَاعِ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ، فَإِنْ فَعَلَا أَجْزَأَهُمَا إنْ قَبَضَهَا عَلَى الْأَمَانَةِ وَهِيَ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى تَدْخُلَ فِي أَوَّلِ دَمِهَا، فَإِنْ قَبَضَهَا عَلَى شَرْطِ الْحِيَازَةِ وَسُقُوطِ الْمُوَاضَعَةِ كَالْوَخْشِ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ اسْتِبْرَاءً فِي الْمُوَاضَعَةِ وَجَهِلَا وَجْهَ الْمُوَاضَعَةِ فَقَبْضُهَا كَالْوَخْشِ، وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ الْبَائِعُ مِنْ الْحَمْلِ لَمْ يَفْسُدْ الْبَيْعُ وَأَلْزَمْتهَا حُكْمَ الْمُوَاضَعَةِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ إذَا اُشْتُرِطَ سُقُوطُ الْمُوَاضَعَةِ أَوْ وَقَعَ الْأَمْرُ مُبْهَمًا، وَلَمْ يَشْتَرِطَا إسْقَاطَهَا وَلَا وُجُوبَهَا عَمْدًا، أَوْ جَهِلَا، وَلَمْ يَتَبَرَّأْ الْبَائِعُ مِنْ الْحَمْلِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ الْكِتَابِ وَيَلْزَمُهُمَا حُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ. فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ إذَا اشْتَرَطَا تَرْكَ الْمُوَاضَعَةِ. الشَّيْخُ: فَعَلَى هَذَا إذَا أَدَّبَهُمَا كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا فَيَتَّفِقَانِ فِي ذَلِكَ اهـ. وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ فِيمَا إذَا شَرَطَا تَرْكَ الْمُوَاضَعَةِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ فَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ وَمَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: صِحَّةُ الْبَيْعِ وَلُزُومُ الشَّرْطِ وَعَزَاهُ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَهَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ. وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إنْ شَرَطَ مَعَ ذَلِكَ نَقْدَ الثَّمَنِ بَطَلَ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا وَعَزَاهُ لِابْنِ حَبِيبٍ. وَالْخَامِسُ: إنْ تَمَسَّكَ الْبَائِعُ بِالشَّرْطِ بَطَلَ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا وَعَزَاهُ لِلَّخْمِيِّ، وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا شُرِطَ تَرْكُ الْمُوَاضَعَةِ، وَأَمَّا إنْ وَقَعَ الْأَمْرُ مُبْهَمًا، وَلَمْ يَشْتَرِطَا إسْقَاطَ الْمُوَاضَعَةِ وَلَا وُجُوبَهَا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقٍ وَيَلْزَمُهُمَا حُكْمُ الْمُوَاضَعَةُ. (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ تَرْكِ الْمُوَاضَعَةِ، أَوْ مُبْهَمًا فَلَا يَضُرُّ فِيهِ اشْتِرَاطُ

стр. 354

النَّقْدِ وَيُقْضَى بِالْمُوَاضَعَةِ وَيُنْزَعُ الثَّمَنُ مِنْ الْبَائِعِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ حَيْثُ جَعَلَ الْقَوْلَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ اشْتِرَاطِ نَقْدِ الثَّمَنِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ مُقَابِلًا لِمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَعَزَاهُ لِابْنِ حَبِيبٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْمُوَاضَعَةِ، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ النَّقْدِ يُفْسِدُهُ حِينَئِذٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمَا إذَا شَرَطَا الْمُوَاضَعَةَ وَشَرَطَ الْبَائِعُ النَّقْدَ، فَقَدْ دَخَلَا عَلَى الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَصِيرُ ثَمَنًا وَتَارَةً سَلَمًا بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَا تَرْكَ الْمُوَاضَعَةِ فَلَمْ يَدْخُلَا عَلَى الْغَرَرِ بَلْ عَلَى أَنَّهُ ثَمَنٌ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ أَصْبَغُ مَا بِيعَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، أَوْ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُوَاضَعَةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ، فَإِنَّ شَرْطَ النَّقْدِ فِيهِ يُفْسِدُ الْبَيْعَ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَيَجُوزُ. فَأَمَّا مَا يَقَعُ عَلَى الْبَتِّ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ الْمُوَاضَعَةَ مِثْلُ بَيْعِ أَهْلِ مِصْرَ، وَمَنْ لَا يَعْرِفُهَا مِنْ الْبُلْدَانِ يَتَبَايَعُونَ عَلَى النَّقْدِ وَلَا يَشْتَرِطُونَ نَقْدًا وَلَا مُوَاضَعَةً فَهُوَ بَيْعٌ لَازِمٌ وَلَا يُفْسَخُ وَيُقْضَى عَلَيْهِمَا بِالْمُوَاضَعَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَلَوْ انْصَرَفَ بِهَا الْمُبْتَاعُ وَغَابَ عَلَيْهَا رُدَّ إلَى الْمُوَاضَعَةِ وَلَا حُجَّةَ لِلْمُبْتَاعِ بِغَيْبَتِهِ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَدْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَشَرْطُ نَقْدِ الْمُوَاضَعَةِ فِي عَقْدِ بَيْعِهَا فِيهَا يُفْسِدُهُ وَطَوْعُهُ بَعْدَهَا جَائِزٌ فِي بَيْعِهَا بَتًّا وَبِخِيَارٍ مَذْكُورٍ فِي كِتَابِ الْخِيَارِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ بَيْعَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْمُوَاضَعَةَ كَمِصْرٍ يَبِيعُونَ عَلَى النَّقْدِ وَلَا يَشْتَرِطُونَ نَقْدًا وَلَا مُوَاضَعَةً صَحِيحٌ وَيُقْضَى بِهَا وَيُنْزَعُ الثَّمَنُ مِنْ الْبَائِعِ إنْ طَلَبَهُ الْمُبْتَاعُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يُوقَفُ بِيَدِ الْبَائِعِ وَلَوْ طُبِعَ عَلَيْهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَهْنِ مَا لَا يَعْرِفُ بِعَيْنِهِ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ فِي الْمُوَاضَعَةِ عَيْنُ حَقِّهِ اهـ. قُلْت: وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ وَلَا يَشْتَرِطُونَ نَقْدًا وَلَا مُوَاضَعَةً مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُونَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ وَيَشْتَرِطُونَ تَعْجِيلَ النَّقْدِ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ يُنْزَعُ الثَّمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْمُبْتَاعُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِجَوَازِ التَّطَوُّعِ بِالنَّقْدِ فِي بَيْعِ الْمُوَاضَعَةِ. (الثَّانِي) قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَمْ يَتَبَرَّأْ الْبَائِعُ مِنْ الْحَمْلِ يُرِيدُ، وَأَمَّا إنْ تَبْرَأَ مِنْ الْحَمْلِ، فَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ ظَاهِرًا فَلَا مُوَاضَعَةَ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا فَشَرْطُ الْبَرَاءَةِ فِيهِ الْبَيْعُ فِي الْعِلِّيَّةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى الْمُوَاضَعَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِلْغَرَرِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ. وَقِيلَ: الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، نَقَلَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُمَا فِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ. (الثَّالِثُ) إذَا أَسْقَطَ الْمُشْتَرِي الْمُوَاضَعَةَ بَعْدَ الْعَقْدِ صَحَّ ذَلِكَ، وَلَوْ كَرِهَ الْبَائِعُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ قَالَ فِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلِلْمُبْتَاعِ قَبُولُهَا فِي الْمُوَاضَعَةِ قَبْلَ مَحِيضِهَا عَلَى الرِّضَا بِالْحَمْلِ إنْ كَانَ بِهَا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَصْلِ التَّبَايُعِ وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا مَكَانَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا كَمَا كَانَ

стр. 355

لِلْبَائِعِ وَيَحِلُّ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا مَكَانَهُ اهـ. وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إذَا أَرَادَ الْمُبْتَاعُ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَى عَلَى الْمُوَاضَعَةِ وَصَحَّ عَقْدُ الْبَيْعِ تَرْكَ الْمُوَاضَعَةِ وَيَرْضَى بِالْأَمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا كَانَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَرِهَ الْبَائِعُ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَجُوزُ وَوَجْهُ قَوْلِهِ إنْ أُسْقِطَ الضَّمَانُ عَنْ الْبَائِعِ عَلَى أَنْ لَا يَتَعَجَّلَ خِدْمَةَ الْجَارِيَةِ وَيَدْخُلُهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا؛ لِأَنَّهُ عَجَّلَ لَهُ النَّقْدَ بِمَا يُعَجِّلُ مِنْ خِدْمَةِ الْجَارِيَةِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي صِحَّةِ إسْقَاطِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ قَوْلَانِ لَهَا وَلِلشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ قَائِلًا كَأَنَّهُ أَسْقَطَ ضَمَانَهَا عَنْ الْبَائِعِ بِمَا تَعَجَّلَ مِنْ خِدْمَتِهَا، وَكَذَا إنْ طَاعَا مَعًا بِذَلِكَ كَأَنَّهُ عَجَّلَ لَهُ الثَّمَنَ بِمَا تَعَجَّلَ مِنْ نَفْعِهَا فَهُوَ سَلَفٌ بِنَفْعٍ وَذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ كَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ وَقَالَ فَيَدْخُلُهُ ابْتِيَاعُ الضَّمَانِ اهـ. (الْفَرْعُ الْخَامِسُ) إذَا بَاعَ الْأَمَةَ الْعِلِّيَّةَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَمْلِ الْخَفِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ، وَأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْفَرْعُ السَّادِسُ) إذَا كَانَتْ جَارِيَةٌ بِالْبَيْعِ عَلَى الْعُهْدَةِ وَاشْتَرَطَ الْبَائِعُ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ إسْقَاطَهَا عَنْهُ، فَقِيلَ: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيُوَفَّى لَهُ بِالشَّرْطِ وَلَا عُهْدَةَ لَهُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَسْقُطُ الشَّرْطُ وَلَا يُوَفَّى لَهُ بِهِ حَكَى الْقَوْلَيْنِ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ وَخَرَّجَ ثَالِثًا بِفَسَادِ الْبَيْعِ لِفَسَادِ الشَّرْطِ وَرَدَّ الْمَازِرِيُّ التَّخْرِيجَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الشَّرْطِ الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ، وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ اخْتِلَافًا مَشْهُورًا فَلَا يُوجِبُ فَسَادًا؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ الْمَشْهُورَ تَحْسُنُ مُرَاعَاتُهُ، وَأَمَّا إنْ شَذَّ وَضَعُفَ فَتَسْقُطُ مُرَاعَاتُهُ وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ لَكِنَّهُ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَى اخْتِيَارِهِ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُهْدَةِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلِلْمُشْتَرِي إسْقَاطُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ مَا نَصُّهُ وَلِلْبَائِعِ قَبْلَهُ كَعَيْبِ غَيْرِهِ قَالَ وَعَلَيْهَا تَكَلَّمَ ابْنُ رُشْدٍ فَقَالَ يَعْنِي وَلِلْبَائِعِ إسْقَاطُ الْعُهْدَةِ قَبْلَ الْعَقْدِ كَمَا لَهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ عُيُوبِ سَائِرِ الرَّقِيقِ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا غَيْرَ هَذَا الْكَلَامِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: " وَالْعَبْدُ يَشْمَلُ ثِيَابَ مِهْنَتِهِ: النَّظَائِرَ الَّتِي يَصِحَّ فِيهَا الْبَيْعُ وَلَا يُوَفَّى بِالشَّرْطِ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ وَغَيْرِهِ وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا خِلَافًا أَيْضًا وَلَا نَبَّهَ عَلَى أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُهْدَةِ الْخِلَافَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ وَاقْتَصَرَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ لَمَّا ذَكَرَ النَّظَائِرَ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَسُقُوطِ الشَّرْطِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُهْدَةِ الْقَوْلَيْنِ وَصَدَّرَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ يُوَفَّى بِالشَّرْطِ وَعَطَفَ الثَّانِي بِ قِيلَ، ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ لِلنَّظَائِرِ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَوِيٌّ مُرَجَّحٌ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَضَعِيفٌ بَلْ إنَّمَا هُوَ
следующие страницы →