← Фикх малики

Фикх малики · id 21688

فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك

محمد بن أحمد عليش

Полный текст (808 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَسَوَّى ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ الْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ فِي الْجَمِيعِ وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَجَدْت لِابْنِ الْقَاسِمِ إذَا كَانَ إلَى شَهْرٍ أَنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ اهـ. وَالظَّاهِرُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ طُولِ الْأَجَلِ وَقِصَرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ ضَمَانَ الْمَبِيعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْبَائِعِ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْحَيَوَانِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ الشُّيُوخُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مُغْرِبَاتِ الْمَسَائِلِ جُعِلَ حُكْمُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ حُكْمَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَبَعْدَ الْقَبْضِ حُكْمَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ أَمْضَاهُ بِالثَّمَنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ عِنْدَهُ مَكْرُوهٌ اهـ. قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ إنَّمَا يَرْجِعُ لِمَا عَلَّلَهُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ كَأَنَّهُ زَادَهُ فِي الثَّمَنِ أَنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ حَقِيقَةً اهـ. (الْفَرْعُ الثَّانِي) إذَا بَاعَ الْحَائِطَ وَشَرَطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَنَّ الْجَائِحَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَتَلْزَمُ الْجَائِحَةُ الْبَائِعَ إذَا نَزَلَتْ، وَهَذَا الْفَرْعُ هُوَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ السَّابِقِ. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْمُسَاقَاةِ وَالْجَوَائِحِ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا ابْنُ رُشْدٍ بِنَحْوِ مَا تَكَلَّمَ عَلَيْهَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَلَمْ يَزِدْ وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْجَوَائِحِ وَعَزَا هَذَا الْقَوْلَ لِرِوَايَةِ مُحَمَّدٍ وَزَادَ بَعْدَهُ فِي السُّلَيْمَانِيَّة: الْبَيْعُ فَاسِدٌ قَالَ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ وَأَرَى أَنْ يُخَيَّرَ الْبَائِعُ بَيْنَ أَنْ يُسْقِطَ شَرْطَهُ وَتَكُونَ الْمُصِيبَةُ مِنْهُ أَوْ يَرُدَّ الْبَيْعَ وَيَكُونَ لَهُ بَعْدَ الْفَوَاتِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْقِيمَةِ، أَوْ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّ مَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ الثَّمَرَةُ مِنْ حَلَاوَةٍ وَنُضْجٍ مُشْتَرًى، وَإِنَّمَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ عَلَى أَنَّهَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ فَاشْتِرَاطُ الْجَائِحَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ ثَمَرَ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْجَوَائِحِ وَكَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا وَالْخَمْسَ الَّتِي بَعْدَهَا لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْعَبْدِ يَتَنَاوَلُ ثِيَابَ مِهْنَتِهِ وَذَكَرَ أَنَّ الْمُتَيْطِيَّ وَغَيْرَهُ ذَكَرَا السَّنَةَ الْأُولَى ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهَا السَّابِعَةَ لَكِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ فِي مَسْأَلَةِ الْجَائِحَةِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ قَالَ بَعْدَهُ خِلَافًا لِمَا فِي السُّلَيْمَانِيَّة أَنَّهُ يُوَفَّى لَهُ بِالشَّرْطِ هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَقَلَ عَنْ اللَّخْمِيِّ عَنْ السُّلَيْمَانِيَّة أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ قَالَ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الْبَيْعُ جَائِزٌ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ النَّظَائِرَ، وَإِنَّمَا اسْتَطْرَدَ مَسْأَلَةَ الْجَائِحَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ مَا بَقِيَ فَيَتَحَصَّلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: صِحَّةُ الْبَيْعِ وَبُطْلَانُ الشَّرْطِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ رُشْدٍ

стр. 352

فِي الْبَيَانِ وَالْمُقَدِّمَاتِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ سَيِّدِي الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَالثَّانِي: فِي السُّلَيْمَانِيَّة أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ جَائِزٌ، وَهُوَ الَّذِي فِي السُّلَيْمَانِيَّة عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ. وَالرَّابِعُ: اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ فَيَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى بَيْعِ الْجَارِيَةِ بِشَرْطِ أَنَّهَا عُرْيَانَةٌ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ السِّتِّ مَسَائِلَ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ ثُمَّ ذَكَرَهَا. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَأَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَلَمْ أَرَ مَنْ عَزَاهَا لِلْمُدَوَّنَةِ وَلَعَلَّ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ زَائِدٌ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ، فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي مُخْتَصَرِهَا لِابْنِ هَارُونَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْفَرْعُ الثَّالِثُ) مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ أَخْضَرُ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى الْبَائِعِ هَكَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَّا ذَكَرَ النَّظَائِرَ الَّتِي ذُكِرَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيهَا بِصِحَّةِ الْمَبِيعِ وَبُطْلَانِ الشَّرْطِ وَاَلَّذِي فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَمُخْتَصَرِهَا لِابْنِ هَارُونَ مَا نَصَّهُ. الثَّانِيَةُ: مَنْ بَاعَ عَلَى أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَالَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ بَاعَ أَرْضَهُ بِزَرْعِهَا، وَقَدْ طَابَ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ أَخْضَرَ فَاشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ: فَإِنْ اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي زَكَاتَهُ عَلَى الْبَائِعِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ إذْ لَا يُعْلَمْ مِقْدَارُهُ اهـ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْمُسْتَخْرَجَةِ هُوَ فِي رَسْمِ الْقَرْيَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ زَكَاةِ الْحُبُوبِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ لَمْ يَطِبْ فَاشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي الزَّكَاةَ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ الزَّرْعُ، فَإِذَا طَابَ الزَّرْعُ فَهِيَ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ أَمَّا إذَا اشْتَرَى الْأَرْضَ وَفِيهَا الزَّرْعُ لَمْ يَطِبْ فَاشْتَرَطَهُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ، فَإِنْ اشْتَرَطَ الزَّكَاةَ عَلَى الْبَائِعِ فَسَدَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ مَجْهُولًا لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ وَلَا مَبْلَغُهُ، وَأَمَّا إذَا طَابَ الزَّرْعُ فَاشْتَرَى الْأَرْضَ بِزَرْعِهَا فَالزَّكَاةُ عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ اشْتَرَطَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي فَذَلِكَ أَجْوَزُ لِلْبَيْعِ إذْ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ إذَا بَاعَ جَمِيعَ الزَّرْعِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ جُزْءَ الزَّكَاةِ

стр. 353

فَسَدَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَيْسَ لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ اهـ. وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ عَلَى نَقْلِ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَكَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَأَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَبُطْلَانِ الشَّرْطِ إلَّا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ. وَأَمَّا كَلَامُ الْمُتَيْطِيَّةِ وَمُخْتَصَرِهَا فَمُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَائِعَ هُوَ الْمُشْتَرِطُ لِلزَّكَاةِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَاشْتِرَاطُ الْبَائِعِ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي صَحِيحٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الزَّرْعُ قَدْ طَابَ وَالزَّكَاةُ عَلَى الْبَائِعِ، فَقَدْ نَصَّ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّ ذَلِكَ أَجْوَزُ لِلْبَيْعِ وَصَرَّحَ بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ لَمْ يَطِبْ فَالزَّكَاةُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا الْبَائِعُ فَاشْتِرَاطُهَا عَلَيْهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا الْعَقْدُ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَدْ مَشَى الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَتَقَدَّمَتْ النُّصُوصُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْفَرْعُ الرَّابِعُ) إذَا اشْتَرَطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فِي الْأَمَةِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الْمُوَاضَعَةُ أَنْ لَا مُوَاضَعَةَ فِيهَا فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ قَالَ فِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكُرِهَ تَرْكُ الْمُوَاضَعَةِ وَائْتِمَانُ الْمُبْتَاعِ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ، فَإِنْ فَعَلَا أَجْزَأَهُمَا إنْ قَبَضَهَا عَلَى الْأَمَانَةِ وَهِيَ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى تَدْخُلَ فِي أَوَّلِ دَمِهَا، فَإِنْ قَبَضَهَا عَلَى شَرْطِ الْحِيَازَةِ وَسُقُوطِ الْمُوَاضَعَةِ كَالْوَخْشِ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ اسْتِبْرَاءً فِي الْمُوَاضَعَةِ وَجَهِلَا وَجْهَ الْمُوَاضَعَةِ فَقَبْضُهَا كَالْوَخْشِ، وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ الْبَائِعُ مِنْ الْحَمْلِ لَمْ يَفْسُدْ الْبَيْعُ وَأَلْزَمْتهَا حُكْمَ الْمُوَاضَعَةِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ إذَا اُشْتُرِطَ سُقُوطُ الْمُوَاضَعَةِ أَوْ وَقَعَ الْأَمْرُ مُبْهَمًا، وَلَمْ يَشْتَرِطَا إسْقَاطَهَا وَلَا وُجُوبَهَا عَمْدًا، أَوْ جَهِلَا، وَلَمْ يَتَبَرَّأْ الْبَائِعُ مِنْ الْحَمْلِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ الْكِتَابِ وَيَلْزَمُهُمَا حُكْمُ الْمُوَاضَعَةِ. فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ إذَا اشْتَرَطَا تَرْكَ الْمُوَاضَعَةِ. الشَّيْخُ: فَعَلَى هَذَا إذَا أَدَّبَهُمَا كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا فَيَتَّفِقَانِ فِي ذَلِكَ اهـ. وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ فِيمَا إذَا شَرَطَا تَرْكَ الْمُوَاضَعَةِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ فَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ وَمَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: صِحَّةُ الْبَيْعِ وَلُزُومُ الشَّرْطِ وَعَزَاهُ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَهَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ. وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إنْ شَرَطَ مَعَ ذَلِكَ نَقْدَ الثَّمَنِ بَطَلَ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا وَعَزَاهُ لِابْنِ حَبِيبٍ. وَالْخَامِسُ: إنْ تَمَسَّكَ الْبَائِعُ بِالشَّرْطِ بَطَلَ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا وَعَزَاهُ لِلَّخْمِيِّ، وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا شُرِطَ تَرْكُ الْمُوَاضَعَةِ، وَأَمَّا إنْ وَقَعَ الْأَمْرُ مُبْهَمًا، وَلَمْ يَشْتَرِطَا إسْقَاطَ الْمُوَاضَعَةِ وَلَا وُجُوبَهَا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقٍ وَيَلْزَمُهُمَا حُكْمُ الْمُوَاضَعَةُ. (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ تَرْكِ الْمُوَاضَعَةِ، أَوْ مُبْهَمًا فَلَا يَضُرُّ فِيهِ اشْتِرَاطُ

стр. 354

النَّقْدِ وَيُقْضَى بِالْمُوَاضَعَةِ وَيُنْزَعُ الثَّمَنُ مِنْ الْبَائِعِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ حَيْثُ جَعَلَ الْقَوْلَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ اشْتِرَاطِ نَقْدِ الثَّمَنِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ مُقَابِلًا لِمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَعَزَاهُ لِابْنِ حَبِيبٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْمُوَاضَعَةِ، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ النَّقْدِ يُفْسِدُهُ حِينَئِذٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمَا إذَا شَرَطَا الْمُوَاضَعَةَ وَشَرَطَ الْبَائِعُ النَّقْدَ، فَقَدْ دَخَلَا عَلَى الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَصِيرُ ثَمَنًا وَتَارَةً سَلَمًا بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَا تَرْكَ الْمُوَاضَعَةِ فَلَمْ يَدْخُلَا عَلَى الْغَرَرِ بَلْ عَلَى أَنَّهُ ثَمَنٌ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ أَصْبَغُ مَا بِيعَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، أَوْ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُوَاضَعَةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ، فَإِنَّ شَرْطَ النَّقْدِ فِيهِ يُفْسِدُ الْبَيْعَ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَيَجُوزُ. فَأَمَّا مَا يَقَعُ عَلَى الْبَتِّ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ الْمُوَاضَعَةَ مِثْلُ بَيْعِ أَهْلِ مِصْرَ، وَمَنْ لَا يَعْرِفُهَا مِنْ الْبُلْدَانِ يَتَبَايَعُونَ عَلَى النَّقْدِ وَلَا يَشْتَرِطُونَ نَقْدًا وَلَا مُوَاضَعَةً فَهُوَ بَيْعٌ لَازِمٌ وَلَا يُفْسَخُ وَيُقْضَى عَلَيْهِمَا بِالْمُوَاضَعَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَلَوْ انْصَرَفَ بِهَا الْمُبْتَاعُ وَغَابَ عَلَيْهَا رُدَّ إلَى الْمُوَاضَعَةِ وَلَا حُجَّةَ لِلْمُبْتَاعِ بِغَيْبَتِهِ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَدْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَشَرْطُ نَقْدِ الْمُوَاضَعَةِ فِي عَقْدِ بَيْعِهَا فِيهَا يُفْسِدُهُ وَطَوْعُهُ بَعْدَهَا جَائِزٌ فِي بَيْعِهَا بَتًّا وَبِخِيَارٍ مَذْكُورٍ فِي كِتَابِ الْخِيَارِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ بَيْعَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْمُوَاضَعَةَ كَمِصْرٍ يَبِيعُونَ عَلَى النَّقْدِ وَلَا يَشْتَرِطُونَ نَقْدًا وَلَا مُوَاضَعَةً صَحِيحٌ وَيُقْضَى بِهَا وَيُنْزَعُ الثَّمَنُ مِنْ الْبَائِعِ إنْ طَلَبَهُ الْمُبْتَاعُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يُوقَفُ بِيَدِ الْبَائِعِ وَلَوْ طُبِعَ عَلَيْهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَهْنِ مَا لَا يَعْرِفُ بِعَيْنِهِ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ فِي الْمُوَاضَعَةِ عَيْنُ حَقِّهِ اهـ. قُلْت: وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ وَلَا يَشْتَرِطُونَ نَقْدًا وَلَا مُوَاضَعَةً مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُونَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ وَيَشْتَرِطُونَ تَعْجِيلَ النَّقْدِ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ يُنْزَعُ الثَّمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْمُبْتَاعُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِجَوَازِ التَّطَوُّعِ بِالنَّقْدِ فِي بَيْعِ الْمُوَاضَعَةِ. (الثَّانِي) قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَمْ يَتَبَرَّأْ الْبَائِعُ مِنْ الْحَمْلِ يُرِيدُ، وَأَمَّا إنْ تَبْرَأَ مِنْ الْحَمْلِ، فَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ ظَاهِرًا فَلَا مُوَاضَعَةَ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا فَشَرْطُ الْبَرَاءَةِ فِيهِ الْبَيْعُ فِي الْعِلِّيَّةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى الْمُوَاضَعَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِلْغَرَرِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ. وَقِيلَ: الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، نَقَلَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُمَا فِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ. (الثَّالِثُ) إذَا أَسْقَطَ الْمُشْتَرِي الْمُوَاضَعَةَ بَعْدَ الْعَقْدِ صَحَّ ذَلِكَ، وَلَوْ كَرِهَ الْبَائِعُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ قَالَ فِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلِلْمُبْتَاعِ قَبُولُهَا فِي الْمُوَاضَعَةِ قَبْلَ مَحِيضِهَا عَلَى الرِّضَا بِالْحَمْلِ إنْ كَانَ بِهَا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَصْلِ التَّبَايُعِ وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا مَكَانَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا كَمَا كَانَ

стр. 355

لِلْبَائِعِ وَيَحِلُّ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا مَكَانَهُ اهـ. وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إذَا أَرَادَ الْمُبْتَاعُ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَى عَلَى الْمُوَاضَعَةِ وَصَحَّ عَقْدُ الْبَيْعِ تَرْكَ الْمُوَاضَعَةِ وَيَرْضَى بِالْأَمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا كَانَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَرِهَ الْبَائِعُ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَجُوزُ وَوَجْهُ قَوْلِهِ إنْ أُسْقِطَ الضَّمَانُ عَنْ الْبَائِعِ عَلَى أَنْ لَا يَتَعَجَّلَ خِدْمَةَ الْجَارِيَةِ وَيَدْخُلُهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا؛ لِأَنَّهُ عَجَّلَ لَهُ النَّقْدَ بِمَا يُعَجِّلُ مِنْ خِدْمَةِ الْجَارِيَةِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي صِحَّةِ إسْقَاطِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ قَوْلَانِ لَهَا وَلِلشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ قَائِلًا كَأَنَّهُ أَسْقَطَ ضَمَانَهَا عَنْ الْبَائِعِ بِمَا تَعَجَّلَ مِنْ خِدْمَتِهَا، وَكَذَا إنْ طَاعَا مَعًا بِذَلِكَ كَأَنَّهُ عَجَّلَ لَهُ الثَّمَنَ بِمَا تَعَجَّلَ مِنْ نَفْعِهَا فَهُوَ سَلَفٌ بِنَفْعٍ وَذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ كَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ وَقَالَ فَيَدْخُلُهُ ابْتِيَاعُ الضَّمَانِ اهـ. (الْفَرْعُ الْخَامِسُ) إذَا بَاعَ الْأَمَةَ الْعِلِّيَّةَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَمْلِ الْخَفِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ، وَأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْفَرْعُ السَّادِسُ) إذَا كَانَتْ جَارِيَةٌ بِالْبَيْعِ عَلَى الْعُهْدَةِ وَاشْتَرَطَ الْبَائِعُ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ إسْقَاطَهَا عَنْهُ، فَقِيلَ: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيُوَفَّى لَهُ بِالشَّرْطِ وَلَا عُهْدَةَ لَهُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَسْقُطُ الشَّرْطُ وَلَا يُوَفَّى لَهُ بِهِ حَكَى الْقَوْلَيْنِ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ وَخَرَّجَ ثَالِثًا بِفَسَادِ الْبَيْعِ لِفَسَادِ الشَّرْطِ وَرَدَّ الْمَازِرِيُّ التَّخْرِيجَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الشَّرْطِ الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ، وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ اخْتِلَافًا مَشْهُورًا فَلَا يُوجِبُ فَسَادًا؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ الْمَشْهُورَ تَحْسُنُ مُرَاعَاتُهُ، وَأَمَّا إنْ شَذَّ وَضَعُفَ فَتَسْقُطُ مُرَاعَاتُهُ وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ لَكِنَّهُ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَى اخْتِيَارِهِ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُهْدَةِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلِلْمُشْتَرِي إسْقَاطُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ مَا نَصُّهُ وَلِلْبَائِعِ قَبْلَهُ كَعَيْبِ غَيْرِهِ قَالَ وَعَلَيْهَا تَكَلَّمَ ابْنُ رُشْدٍ فَقَالَ يَعْنِي وَلِلْبَائِعِ إسْقَاطُ الْعُهْدَةِ قَبْلَ الْعَقْدِ كَمَا لَهُ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ عُيُوبِ سَائِرِ الرَّقِيقِ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا غَيْرَ هَذَا الْكَلَامِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: " وَالْعَبْدُ يَشْمَلُ ثِيَابَ مِهْنَتِهِ: النَّظَائِرَ الَّتِي يَصِحَّ فِيهَا الْبَيْعُ وَلَا يُوَفَّى بِالشَّرْطِ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ وَغَيْرِهِ وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا خِلَافًا أَيْضًا وَلَا نَبَّهَ عَلَى أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُهْدَةِ الْخِلَافَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ وَاقْتَصَرَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ لَمَّا ذَكَرَ النَّظَائِرَ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَسُقُوطِ الشَّرْطِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُهْدَةِ الْقَوْلَيْنِ وَصَدَّرَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ يُوَفَّى بِالشَّرْطِ وَعَطَفَ الثَّانِي بِ قِيلَ، ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ لِلنَّظَائِرِ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَوِيٌّ مُرَجَّحٌ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَضَعِيفٌ بَلْ إنَّمَا هُوَ

стр. 356

تَخْرِيجٌ فَقَطْ وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ. (الْفَرْعُ السَّابِعُ) إذَا بِيعَ الْعَبْدُ، أَوْ الْأَمَةُ، فَإِنَّ ثِيَابَ الْمِهْنَةِ تَدْخُلُ تَبَعًا وَلَا يَدْخُلُ مَعَهَا مَا كَانَ لِلزِّينَةِ، فَإِنْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ ثِيَابَ الْمِهْنَةِ، وَأَنَّهُ يَبِيعُ الْعَبْدَ عُرْيَانًا وَالْجَارِيَةَ عُرْيَانَةً فَهَلْ يُوَفَّى لَهُ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى وَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ وَذَكَرَ أَنَّهُ مَضَتْ بِهِ الْفُتْيَا، أَوْ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ شَرْطُهُ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ. قَالَ ابْنُ مُغِيثٍ فِي وَثَائِقِهِ وَبِهِ مَضَتْ الْفُتْيَا عِنْدَ الشُّيُوخِ وَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ وَمُخْتَصَرِهِ وَابْنُ عَرَفَةَ. (فَرْعٌ) إذَا بَاعَ الْأَمَةَ وَعَلَيْهَا ثِيَابُ الزِّينَةِ وَأَخَذَهَا فَهِيَ لِلْبَائِعِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ جَامِعِ الْبُيُوعِ وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ أَنْ يَكْسُوَهَا كِسْوَةً تَصْلُحُ لِمِثْلِهَا لِلْبِذْلَةِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُبْتَاعُ، فَإِنْ اشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ لَزِمَ الْبَائِعَ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ الْمُتَقَدِّمِ لَوْ بَاعَ الْجَارِيَةَ عَلَى أَنْ يَنْزِعَ مَا عَلَيْهَا وَلَا يَكُونُ لَهَا إلَّا ثَوْبَانِ خَلَقَانِ فِي الْمَنْزِلِ فَجَاءَ بِهِمَا، فَإِذَا هُمَا لَا يُوَارِيَانِهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ اشْتَرَطَهُ وَالْبَيْعُ لَازِمٌ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَهَا ثَوْبًا يُوَارِيهَا، وَأَمَّا ثَوْبَانِ لَا يُوَارِيَانِهَا فَلَا، وَأَرَى أَنْ يُعْطِيَهَا إزَارًا قِيلَ: فَالْقَمِيصُ قَالَ لَا بَلْ إزَارًا وَثَوْبًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ النَّظَرُ وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ فَسَادُ هَذَا الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ أَخْلَاقَ الثِّيَابِ تَخْتَلِفُ، وَلَوْ وَصَفَهُمَا لَهُ لَمْ يَجُزْ إلَّا عَلَى اخْتِلَافٍ؛ لِأَنَّهُمَا حَاضِرَانِ بِالْبَلَدِ اهـ. بِاخْتِصَارِ ابْنِ عَرَفَةَ. (الْفَرْعُ الثَّامِنُ) إذَا اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي مَا لَا غَرَضَ فِيهِ وَلَا مَالِيَّةَ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنَّهُ أُمِّيٌّ فَيَجِدُهُ كَاتِبًا، أَوْ أَنَّهُ جَاهِلٌ فَيَجِدُهُ عَالِمًا وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الشَّرْطَ يُلْغَى وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ يُوَفَّى بِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَمُقَابِلُ الْمَعْرُوفِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَابْنُ زَرْقُونٍ فَلَا الْتِفَاتَ إلَى قَوْلِ ابْنِ بَشِيرٍ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَقَدْ يَجْرِي الْخِلَافُ فِيهِ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِشَرْطِ مَا لَا يُفِيدُ اهـ. ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى خِيَارِ النَّقِيصَةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطُ مَا لَا يُنْقِصُ وَلَا غَرَضَ فِيهِ بِوَجْهٍ لَغْوٌ وَتَخْرِيجُ ابْنِ بَشِيرٍ إيجَابَهُ الْخِيَارَ مِنْ الْخِلَافِ فِي لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ تَخْرِيجٌ لِلشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَالْخِلَافُ فِيهِ مَنْصُوصٌ اهـ. وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ. (الْفَرْعُ التَّاسِعُ) إذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الْمَبِيعَ بِمَا يَظْهَرُ فِيهِ

стр. 357

مِنْ الْعُيُوبِ الْقَدِيمَةِ، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي يَجْهَلُهَا فِي الرَّقِيقِ خَاصَّةً فَلَهُ ذَلِكَ إذَا طَالَتْ إقَامَتُهُ عِنْدَهُ. (تَنْبِيهٌ) إذَا أَسْقَطَ الْمُشْتَرِي الْعُهْدَةَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَزِمَهُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ شَاسٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ وَمُخْتَصَرِهِ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَكَذَلِكَ إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الْمُوَاضَعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْقَطَ مِنْ الْجَائِحَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ وُجُودِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعُهْدَةَ وَالْمُوَاضَعَةَ حَقَّانِ يَجِبَانِ لِلْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ فَإِسْقَاطُهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ إسْقَاطٌ لِلْحَقِّ بَعْدَ وُجُوبِهِ بِخِلَافِ الْجَائِحَةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا يَجِبُ الرُّجُوعُ إذَا وُجِدَ سَبَبُهَا، وَهُوَ غَيْرُ مُحَقَّقِ الْوُجُودِ. وَأَمَّا إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْقِيَامِ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ ظُهُورِ الْعَيْبِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ إسْقَاطِ الْمُوَاضَعَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ يَقُومُ مِنْ هُنَا أَنَّ مَنْ تَطَوَّعَ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ أَنْ لَا قِيَامَ لَهُ بِعَيْبٍ يَظْهَرُ فِي الْمَبِيعِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّا تَجُوزُ مِنْهُ الْبَرَاءَةُ أَمْ لَا تَجُوزُ مِنْهُ الْبَرَاءَةُ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي آخِرِ بَابِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ فَرَّقَ بَيْنَ مَا تَجُوزُ مِنْهُ الْبَرَاءَةُ وَمَا لَا تَجُوزُ وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ الدَّابَّةِ إذَا تَبْرَأَ مِنْ مَشَشٍ بِهَا وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَسْأَلَةَ الِاسْتِبْرَاءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَمَا فِي الرِّوَايَاتِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ بِعِوَضٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْفَرْقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بِهِ إلَّا حَيْثُ يُقِرُّ بِالْفَسَادِ عَلَى الْعَقْدِ اهـ. قُلْت: أَمَّا مَسْأَلَةُ كِتَابِ الصُّلْحِ فَهِيَ فِي أَوَاخِرِهِ وَنَصُّهَا قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا ثُمَّ صَالَحَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهِ عَلَى دَرَاهِمَ دَفَعَهَا إلَيْهِ قَالَ قَوْلُ مَالِكٍ إنَّ الْمُتَبَرِّئَ فِي الْعُقْدَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِالْعَبْدِ، أَوْ مَشَشٍ بِالدَّابَّةِ لَا يَبْرَأُ حَتَّى يُرِيَهُ ذَلِكَ أَوْ يُبَيِّنَهُ وَإِلَّا لَمْ تَنْفَعْهُ فِي ذَلِكَ الْبَرَاءَةُ وَيَجِبُ لِلْمُبْتَاعِ الْقِيَامُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ الْعَيْبِ اهـ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فَذَكَرَهَا فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ وَنَصُّهَا وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ بَاعَ دَابَّةً ثُمَّ وَضَعَ لَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ دِينَارًا عَلَى عُيُوبِهَا فَوَجَدَ عَيْبًا فَلَهُ الرَّدُّ قَالَ أَصْبَغُ كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِالْبَرَاءَةِ لَمْ تَنْفَعْهُ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَرُدُّ الدِّينَارَ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ لَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْقِيَامِ بِالْعَيْبِ بِعِوَضٍ فَهِيَ مُعَاوَضَةٌ مَجْهُولَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَدْرِي مَا الَّذِي يَظْهَرُ فِي السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ مِنْ الْعُيُوبِ، فَقَدْ أَخَذَ الدِّينَارَ عَنْ شَيْءٍ مَجْهُولٍ، وَأَمَّا إذَا أَسْقَطَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ نَعَمْ إنَّمَا يُنْظَرُ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْجَائِحَةِ وَلَا يَسْقُطُ، أَوْ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ إسْقَاطِ الْحَقِّ بَعْدَ وُجُوبِهِ فَيَلْزَمُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ

стр. 358

هُنَاكَ عَيْبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ فَهُوَ مَوْجُودٌ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَجْهَلُهُ بِخِلَافِ الْجَائِحَةِ، فَإِنَّ سَبَبَهَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فَتَأَمَّلْهُ. فَالْإِقَامَةُ صَحِيحَةٌ وَيُحْمَلُ كَلَامُ ابْنِ سَلَّمُونِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَ مِنْ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا الْتَزَمَ عَدَمَ الْقِيَامِ بِالْعَيْبِ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ لِمَنْ تَأَمَّلْهُ وَنَصُّهُ إنْ الْتَزَمَ الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَقُومَ بِعَيْبٍ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَلَهُ الْقِيَامُ بِهِ إذَا وَجَدَ عَيْبًا إلَّا أَنْ يُسَمَّى لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ اهـ. قُلْت: وَفِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الصُّلْحِ إشْكَالٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ سَوَّى فِيهَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ يُنْظَرُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ. وَالْمَشَشُ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ شِينَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ أُولَاهُمَا مَفْتُوحَةٌ: شَيْءٌ يَرْتَفِعُ فِي وَظِيفِ الدَّابَّةِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ حَجْمٌ وَلَيْسَ لَهُ صَلَابَةُ الْعَظْمِ الصَّحِيحِ. وَالْوَظِيفُ: مُسْتَدَقُّ الذِّرَاعِ مِنْ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ. (الْفَرْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ) إذَا كَانَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ ثُمَّ اشْتَرَى صَاحِبُ الدَّيْنِ مِنْ الْمَدِينِ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مِنْ صِنْفِ الدَّيْنِ وَصِفَتِهِ فَأَرَادَ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَنْ يُقَاصِصَهُ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ الْحُكْمِ بِالْمُقَاصَّةِ وَرَوَى زِيَادٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُ مَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي وَالسَّلَمِ الثَّانِي وَالْوَكَالَاتِ مِنْهَا وَاخْتُلِفَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ بِوُجُوبِ الْحُكْمِ بِالْمُقَاصَّةِ إذْ اشْتَرَى مِنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا مُقَاصَّةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَيُحْكَمُ بِالْمُقَاصَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ. وَقِيلَ: الشَّرْطُ عَامِلٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَدِينَةِ، وَقَدْ تُؤُوِّلَتْ مَسْأَلَةُ كِتَابِ الصَّرْفِ عَلَى هَذَا أَنَّ الصَّرْفَ لَمَّا كَانَ عَلَى الْمُنَاجَزَةِ فَكَأَنَّهُمَا شَرَطَا نَفْيَ الْمُقَاصَّةِ. وَتَعْلِيلُهُ يَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ. وَقِيلَ: إنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ تَرْكَ الْمُقَاصَّةِ فَكَأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِالدَّيْنِ فَيَدْخُلُهُ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَصْبَغُ هُوَ خَفِيفٌ إذَا لَمْ يَضْرِبْ لِلدَّيْنِ أَجَلًا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ لَا يَقْضِيَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ذَكَرَ هَذَا الْخِلَافَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْعُشُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَصْبَغَ رَاجِحًا فَتَأَمَّلْهُ. وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَإِبْطَالِ الشَّرْطِ وَكُرِّرَ الْكَلَامُ أَيْضًا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَالتَّفْلِيسِ وَزَادَ فِيهِ مُفَرِّعًا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَقَالَ: وَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ عَامِلٌ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ قَدْرَ مَا يَرَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أُقَاصُّك بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أُؤَخِّرُك إذْ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ مُقَاصَّتَهُ ثُمَّ يُطَالِبَهُ بِرَدِّهِ إلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ كَاَلَّذِي يُسَلِّفُ الرَّجُلَ سَلَفًا حَالًّا ثُمَّ يُطَالِبُهُ بِأَدَائِهِ إلَيْهِ فِي الْوَقْتِ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي فَصْلِ الْمُقَاصَّةِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْعُشُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا إذَا ابْتَعْت سِلْعَةً بِدَرَاهِمَ وَدَفَعْتهَا لِلْبَائِعِ ثُمَّ أَقَالَك قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَدَرَاهِمُك بِيَدِهِ وَشَرَطْت عَلَيْهِ اسْتِرْجَاعَهَا بِعَيْنِهَا، فَإِنَّ الشَّرْطَ لَا يَلْزَمُ قَالَهُ فِي كِتَابِ السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ

стр. 359

الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ فِيهِ خِلَافًا فَانْظُرْهُ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي الشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقَرْضِ] (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) فِي الشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقَرْضِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَفْسُدُ فِيهِ الْقَرْضُ وَقِسْمٌ لَا يَفْسُدُ بِهِ الْقَرْضُ وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ. (فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ) كُلُّ مَا جَرَّ نَفْعًا لِغَيْرِ الْمُقْتَرِضِ سَوَاءٌ جَرَّهُ لِلْمُقْتَرِضِ، أَوْ لِغَيْرِ الْمُقْرِضِ وَالْمُقْتَرِضِ قَالَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السَّلَمِ: وَالْآجَالُ فِيمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ حَلَّ أَجَلُهَا فَيَعْسُرُ بِهَا فَيَقُولُ لَهُ رَجُلٌ آخَرُ: وَأَنَا أُسَلِّفُك عَشَرَةَ دَنَانِيرَ قَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ الَّذِي يُعْطِي يَكُونُ لَهُ عَلَى الَّذِي لَهُ الْحَقُّ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَضَاءً عَنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَسَلَفًا لَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ السَّلَفُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمُسَلِّفُ مَنْفَعَةَ الْمُتَسَلِّفِ لَا مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ وَلَا مَنْفَعَةَ مَنْ سِوَاهُ اهـ. بِالْمَعْنَى. فَكُلُّ شَرْطٍ أَدَّى إلَى مَنْفَعَةِ غَيْرِ الْمُتَسَلِّفِ، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ بِهِ الْقَرْضُ كَشَرْطِ أَنْ يُعْطِيَهُ سَالِمًا بَدَلَ عَفِنٍ، أَوْ مُسَوَّسٍ، أَوْ شَرْطِ أَنْ يَقْضِيَهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ إذَا كَانَ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمُقْرِضِ بِحَمْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَيَفْسُدُ الْقَرْضُ بِذَلِكَ وَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ إنْ كَانَ قَائِمًا، فَإِنْ فَاتَ رُدَّ مِثْلُ الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةُ الْمُقَوَّمِ عَلَى الْمَشْهُورِ. (وَالْقِسْمُ الثَّانِي) مَا لَا يَفْسُدُ بِهِ الْقَرْضُ وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ كَشَرْطِ الْمُقْرِضِ الرَّهْنَ أَوْ الْحَمِيلَ وَكَشَرْطِ الْمُسْتَقْرِضِ الْأَجَلَ، فَإِنْ اقْتَرَضَ إلَى أَجَلٍ سَمَّاهُ لَزِمَ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَجَلًا رُجِعَ إلَى التَّحْدِيدِ بِالْعَادَةِ وَلَيْسَ لِلْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ قَبْلَهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا وَحَلَّ أَجَلُهُ، أَوْ حَالًّا وَقَالَ رَبُّ الدَّيْنِ لِلَّذِي عَلَيْهِ أُؤَخِّرُك مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مُدَّةِ التَّأْخِيرِ لَزِمَهُ التَّأْخِيرُ قَدْرَ الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْفَرْعِ الْعَاشِرِ إذَا اشْتَرَطَ تَرْكَ الْمُقَاصَّةِ. (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، وَهُوَ مَا إذَا شَرَطَ فِيهِ مَا يُوجِبُهُ الْحُكْمُ كَمَا إذَا شَرَطَ رَدَّ الْمِثْلِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ سَنَدٌ وَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أُقْرِضُك هَذِهِ الْحِنْطَةَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي مِثْلَهَا، وَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ يَقْتَضِي إعْطَاءَ الْمِثْلِ لِإِظْهَارِ صُورَةِ الْمُكَايَسَةِ قَالَ أَشْهَبُ إنْ قَصَدَ بِالْمِثْلِ عَدَمَ الزِّيَادَةِ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، فَإِنْ قَصَدَ الْمُكَايَسَةَ كُرِهَ وَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ لِعَدَمِ النَّفْعِ لِلْمُقْرِضِ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ " إلَّا أَنْ يُقْرِضَهُ شَيْئًا فِي مِثْلِهِ صِفَةً وَمِقْدَارًا ": يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ جَوَازُ اشْتِرَاطِ مَا يُوجِبُهُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ وَالْمِقْدَارَ يُوجِبُهُمَا الْحُكْمُ، وَإِنْ لَمْ تَقَعْ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا فِي الْفَرْضِ وَاخْتُلِفَ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ بِهِمَا إنْ وَقَعَ وَنَزَلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا يُمْنَعُ فِي الطَّعَامِ، فَإِنْ وَقَعَ فُسِخَ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا إذَا الْتَزَمَ الْمُتَسَلِّفُ تَصْدِيقَ الْمُسَلِّفِ فِي عَدَمِ الْقَضَاءِ دُونَ يَمِينٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ

стр. 360

عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي الشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرَّهْنِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ] (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) فِي الشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرَّهْنِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ. أَمَّا الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرَّهْنِ فَهِيَ أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَبْطُلُ بِهِ الرَّهْنُ، وَقِسْمٌ لَا يَبْطُلُ بِهِ وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَقِسْمٌ لَا يُبْطِلُ الرَّهْنَ وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ. (فَأَمَّا الْأَوَّلُ) فَكُلُّ شَرْطٍ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ كَشَرْطِ الرَّاهِنِ أَنَّ الرَّهْنَ يَبْقَى بِيَدِهِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يُعَادُ إلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ الْمَرْهُونِ فِيهِ أَوْ أَنَّهُ إنْ مَضَتْ مُدَّةٌ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ، فَإِنَّ الرَّهْنَ يَبْطُلُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ أَوْ فَلَّسَ دَخَلَ الْغُرَمَاءُ كُلُّهُمْ فِي الرَّهْنِ. (الْقِسْمُ الثَّانِي) وَهُوَ مَا لَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ كَشَرْطِ كَوْنِ الرَّهْنِ تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ يَدِ عَبْدِهِ، فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ بِهِمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ دَعَا إلَى وَضْعِهِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، وَكَذَا إنْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ الِانْتِفَاعَ بِالرَّهْنِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً إذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي ثَمَنِ مَبِيعٍ وَشُرِطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ وَكَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يَصِحُّ كِرَاؤُهُ كَالدُّورِ وَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ وَاجْتِمَاعُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ جَائِزٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ وَلَا بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهُوَ هَدِيَّةُ مِدْيَانٍ، وَإِنْ كَانَ بِعِوَضٍ جَرَى ذَلِكَ عَلَى الْكَلَامِ عَلَى مُبَالَغَةِ الْمِدْيَانِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْمَنْفَعَةُ مُدَّةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ انْتَفِعْ بِهِ حَتَّى أُعْطِيَك حَقَّك، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَمِنْ الشُّرُوطِ اللَّازِمَةِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُرْتَهِنُ أَخْذَ غَلَّةِ الرَّهْنِ عَنْ دَيْنِهِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْقَرْضِ وَيَلْزَمُ الرَّاهِنَ وَلَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ إذَا شَرَطَهُ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ لِلْجَهْلِ إذْ لَا يَدْرِي مَا يَقْتَضِي أَيَقِلُّ أَوْ يَكْثُرُ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَمِنْ الشُّرُوطِ اللَّازِمَةِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَبِيعَ الرَّهْنَ وَكَانَ تَحْتَ يَدِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ جَازَ. (وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا لَا يَبْطُلُ بِهِ الرَّهْنُ وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ كَمَا إذَا شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ عَدَمَ الضَّمَانِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ، أَوْ شَرَطَ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ضَمَانَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ. أَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ عَدَمَ الضَّمَانِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ. قَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ إنْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ لَمْ يَنْفَعْهُ شَرْطُهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ الضَّمَانُ سَاقِطٌ بِالشَّرْطِ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَأَرَى أَنْ يَسْقُطَ الضَّمَانُ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ صَحِيحٌ لَا فَسَادَ فِيهِ فَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الرَّهْنُ شَرْطٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَقَرُّرِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ كَانَ لَهُ شَرْطُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ

стр. 361

لِأَنَّ تَطَوُّعَهُ بِالرَّهْنِ مَعْرُوفٌ مِنْهُ وَإِسْقَاطُ الضَّمَانِ مَعْرُوفٌ ثَانٍ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَفْظُهُ وَفِي لَغْوِ شَرْطِ الْمُرْتَهِنِ سُقُوطُ ضَمَانِهِ وَأَعْمَالِهِ نَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ وَصَوَّبَهُ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إذَا كَانَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، أَوْ الْقَرْضِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُمَا اُعْتُبِرَ؛ لِأَنَّ طَوْعَهُ بِالرَّهْنِ إلَخْ وَنُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ نَحْوُ هَذَا عَنْ الْمَازِرِيِّ وَنَصُّهُ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ يَحْسُنُ إذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي عَقْدِ بَيْعٍ، أَوْ سَلَفٍ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ لَهُ هُنَاكَ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ أَوْ مَعْنَاهَا فِي السَّلَفِ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ الِاشْتِرَاطُ فِي رَهْنٍ تَطَوَّعَ بِهِ الرَّاهِنُ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَإِنَّهُ هُنَا لَا يَحْسُنُ الْخِلَافُ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ بِالرَّهْنِ هَاهُنَا كَالْهِبَةِ، فَإِذَا أَضَافَ إلَى هَذَا التَّطَوُّعِ إسْقَاطَ الضَّمَانِ فَهُوَ إحْسَانٌ عَلَى إحْسَانٍ فَلَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ فِيهِ. وَيُؤَكِّدُ هَذَا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ يُوَفَّى لَهُ بِالشَّرْطِ فِي الْعَارِيَّةِ وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا عِوَضَ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ هِبَةٌ وَمَعْرُوفٌ وَنَحْوُهُ اللَّخْمِيُّ اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ. وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَيَّدَهُ بِهِ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ مَعَ أَنَّهُ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ. قُلْت: وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ قَالَ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ ارْتَهَنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَشَرَطَ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مُصَدَّقٌ لَمْ يَنْفَعْهُ شَرْطُهُ وَضَمِنَ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ ضَاعَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ قَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ: لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي حُكْمَ أَصْلِ الْعَقْدِ فَلَمْ يَصِحَّ أَصْلُهُ كَمَا إذَا شَرَطَ فِي الْوَدِيعَةِ أَنْ يَضْمَنَ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَلَوْ شَرَطَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَضْمَنَهُ، وَأَنْ يَقْبَلَ قَوْلَهُ فِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَهُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ وَقَالَ الْبَرْقِيُّ عَنْ أَشْهَبَ شَرْطُهُ جَائِزٌ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَارِيَّةِ اهـ. فَعُلِمَ تَعْلِيلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بُطْلَانَ الشَّرْطِ بِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ فَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الرَّهْنُ فِي الْعَقْدِ أَوْ تَطَوُّعًا كَمَا قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَا إذَا اشْتَرَطَ الرَّاهِنُ الضَّمَانَ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ لَا يَلْزَمُهُ وَضَمَانُهُ مِنْ رَبِّهِ وَقَالَ مُطَرِّفٌ: وَإِنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ لِخَوْفِ طَرِيقٍ وَنَحْوِهِ فَهَلَكَتْ الدَّابَّةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْخَوْفِ، فَإِنَّهُ ضَامِنٌ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ الْقَرْيَتَيْنِ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ لَوْ اشْتَرَطَ الْمُعِيرُ أَوْ الرَّاهِنُ ضَمَانَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَيَوَانِ فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ قَالَهُ مَالِكٌ وَكُلُّ أَصْحَابِهِ حَاشَا مُطَرِّفًا، فَإِنَّهُ قَالَ إنْ شَرَطَ لِأَمْرٍ خَافَهُ مِنْ قَهْرٍ، أَوْ لُصُوصٍ وَشَبَهَهُ فَشَرْطُهُ لَازِمٌ إنْ عَطِبَ فِيمَا خَافَهُ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ اهـ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا شَرَطَ ضَمَانَ الْحَيَوَانِ أَنَّ شَرْطَهُ بَاطِلٌ وَيَجْرِي

стр. 362

فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ مُخْتَلَفٌ فِي ضَمَانِهِ فَالشَّرْطُ هَاهُنَا أَخْذٌ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ اهـ. (فَرْعٌ) حُكْمُ الْعَارِيَّةِ فِي الضَّمَانِ حُكْمُ الرَّهْنِ يَضْمَنُ الْمُسْتَعِيرُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ شَرْطَ الْمُسْتَعِيرِ عَلَى الْمُعِيرِ نَفْيُ الضَّمَانِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَفِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ: الْأُولَى: لِابْنِ الْجَلَّابِ وَابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ شَرْطَهُ بَاطِلٌ وَالضَّمَانُ لَهُ لَازِمٌ قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ: وَمَنْ اسْتَعَارَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَهُوَ ضَامِنٌ اهـ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ: فَإِنْ اشْتَرَطَ الْمُسْتَعِيرُ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ أَيْضًا فِي الْعُتْبِيَّةِ لِأَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْهُمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ. وَعَلَى مَا حَكَى ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ أَشْهَبَ فِي الصَّانِعِ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَنَّ شَرْطَهُ جَائِزٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ يَنْفَعُهُ الشَّرْطُ فِي الْعَارِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَلْزَمْ فِي الصَّانِعِ فَأَحْرَى أَنْ يَلْزَمَ فِي الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ إذَا أَعَارَهُ عَلَى أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَقَدْ فَعَلَ الْمَعْرُوفَ مَعَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ فَالْأَظْهَرُ إعْمَالُ الشَّرْطِ وَمَا لِإِسْقَاطِهِ وَجْهٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ إسْقَاطِ حَقٍّ قَبْلَ وُجُوبِهِ فَلَا يَلْزَمُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ اهـ. وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ إنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ عَامِلٍ فِي الرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْعَارِيَّةِ وَفِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ وَلَا وَجْهَ لِإِسْقَاطِ الشَّرْطِ فِي الْعَارِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَعَهُ مَعْرُوفًا مِنْ وَجْهَيْنِ وَالرَّهْنُ قَرِيبٌ مِنْ الْعَارِيَّةِ وَمَا لِإِسْقَاطِهِ فِيهِمَا وَجْهٌ إلَّا أَنَّهُ مِنْ بَابِ إسْقَاطِ حَقٍّ قَبْلَ وُجُوبِهِ فَيَجْرِي ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ اهـ. قُلْت: وَلَمْ يُجَوَّزْ ذَلِكَ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ. الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: لِلَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ إذَا شَرَطَ نَفْيَ الضَّمَانِ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ نَحْوُهُ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ: وَاخْتُلِفَ إذَا شَرَطَ الْمُسْتَعِيرُ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي تَلَفِ الثِّيَابِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ لَهُ شَرْطُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ فِيمَنْ أَعْطَى رَجُلًا مَالًا لِيَكُونَ لَهُ رِبْحُهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ: إنَّهُ ضَامِنٌ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ شَرْطُهُ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَعْرُوفٌ وَإِسْقَاطَ الضَّمَانِ مَعْرُوفٌ ثَانٍ وَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَا كَانَ أَصْلًا لِمُكَايَسَةٍ، أَوْ عَنْ مُعَاوَضَةٍ كَالرِّهَانِ وَالصُّنَّاعِ اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ

стр. 363

كَلَامَ ابْنِ الْجَلَّابِ، وَابْنِ رُشْدٍ عَبَّرَ عَنْ كَلَامِ ابْنِ الْجَلَّابِ بِقَوْلِهِ نَقَلَ الْجَلَّابُ عَنْ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ قَالَ وَفِي غَيْرِ نُسْخَةٍ مِنْ اللَّخْمِيِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت مَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ خِلَافُ نَقْلِ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْهُمَا، وَالْعَجَبُ مِنْ ابْنِ رُشْدٍ وَشَارِحِي ابْنِ الْحَاجِبِ فِي عَدَمِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ اهـ. قُلْت: مَا تَعَجَّبَ مِنْهُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ فَنَقَلَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ، ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي فِي الْمُقَدِّمَاتِ الضَّمَانُ وَنَسَبَهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَضُمِنَ الْمَغِيبُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَهَلْ وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَهُ؟ تَرَدُّدٌ وَأَعْجَبُ مِمَّا تَعَجَّبَ مِنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ مَا وَقَعَ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ فِي الرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ النَّوَادِرِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الشَّرْطَ جَائِزٌ فِي الرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الرُّهُونِ وَقَبِلَهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الرَّهْنِ عَنْ اللَّخْمِيِّ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الشَّرْطَ عَامِلٌ وَقَبِلَهُ، وَكَذَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَالرَّجْرَاجِيُّ. وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ وَكَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْخِلَافِ فِي الرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ عَنْ أَشْهَبَ الْقَوْلَيْنِ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْأَشْهَرَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الشَّرْطَ يَنْفَعُهُ وَلَعَلَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَهُ قَوْلَانِ أَيْضًا فَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ بُطْلَانُ الشَّرْطِ فِي الرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ وَعَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الشَّرْطَ جَائِزٌ فِيهِمَا، وَقَدْ صَرَّحَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي بَابِ الرُّهُونِ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الضَّمَانَ فِي الْعَارِيَّةِ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُسْتَعِيرِ بِشَرْطِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ أَنْ لَا وَجْهَ لِإِسْقَاطِ الشَّرْطِ فِي الْعَارِيَّةِ إلَخْ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَمْ يُعَلِّلْ ذَلِكَ إلَّا بِكَوْنِ الشَّرْطِ مُخَالِفًا لِأَصْلِ سُنَّةِ الْعَقْدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَجْرِيحِهِ عَلَى إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ الْمُسْقَطَ الَّذِي هُوَ ضَمَانُ الْمُرْتَهِنِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِقَبْضِهِ لِلرَّهْنِ فَتَأَمَّلْهُ هَذَا حُكْمُ الصُّورَةِ الْأُولَى. وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَا إذَا شَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ. وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ إنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ حَاشَا مُطَرِّفًا، فَإِنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ شَرَطَ عَلَيْهِ لِأَمْرٍ خَافَهُ مِنْ طَرِيقٍ مَخُوفٍ، أَوْ نَهْرٍ، أَوْ لُصُوصٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَالشَّرْطُ لَازِمٌ إنْ عَطِبَتْ فِي الْأَمْرِ الَّذِي خَافَهُ وَاشْتَرَطَ الضَّمَانَ مِنْ أَجْلِهِ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ اهـ. وَقَالَ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اسْتَعَرْت مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْك لَمْ تَضْمَنْهَا اهـ.

стр. 364

تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) إذَا شَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الضَّمَانَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ فَجَعَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ كَمَا إذَا شَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الضَّمَانَ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَجَمَعَهُمَا وَقَالَ قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ الشَّرْطُ بَاطِلٌ. قُلْت: وَفِي عَزْوِهِ بُطْلَانَ الشَّرْطِ لِجَمِيعِ أَصْحَابِ مَالِكٍ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَشْهَبَ يَقُولُ: إنَّ ضَمَانَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُعِيرُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ فَكَيْفَ إذَا شَرَطَهُ عَلَيْهِ. (الثَّانِي) حُكْمُ الرَّهْنِ كَالْعَارِيَّةِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَنَصُّهُ إذَا شَرَطَ الْمُعِيرُ، أَوْ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، أَوْ الْمُرْتَهِنِ الضَّمَانَ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَيَوَانِ، أَوْ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ إنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ حَاشَا مُطَرِّفًا وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْأَلَةَ الرَّهْنِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ. قُلْت: وَفِيهِ مِنْ الْبَحْثِ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَارِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَيَنْبَغِي إذَا شَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الضَّمَانَ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَأَبْطَلَ الشَّرْطَ بِالْحُكْمِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُلْزَمَ إجَارَةَ الْمِثْلِ فِي اسْتِعْمَالِهِ الْعَارِيَّةَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يُخْرِجُ الْعَارِيَّةَ عَنْ حُكْمِهَا وَسُنَّتِهَا إلَى بَابِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ أَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ لَمْ يَرْضَ أَنْ يُعِيرَهُ إيَّاهَا إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُحَرِّزَهَا فِي ضَمَانِهِ فَهُوَ عِوَضٌ مَجْهُولٌ يُرَدُّ إلَى الْمَعْلُومِ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ بَحْثًا. نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ أَشْهَبَ وَجَعَلَهُ خِلَافَ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ فِيمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِي تَلَفِهَا شَرْطُهُ بَاطِلٌ يُرِيدُ أَنَّهَا تَمْضِي عَلَى حُكْمِ الْعَارِيَّةِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا أَجْرَ وَقَالَ أَشْهَبُ عَلَيْهِ إجَارَةُ الْمِثْلِ فِيمَا اسْتَعْمَلَهَا فِيهِ وَرَآهَا إجَارَةً فَاسِدَةً، فَعَلَى قَوْلِهِ يُرَدُّ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ. وَيَجْرِي فِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْمُعِيرَ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ بِالْخِيَارِ، فَإِنْ أَسْقَطَ شَرْطَهُ وَإِلَّا رُدَّتْ، فَإِنْ فَاتَتْ بِالِاسْتِعْمَالِ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى إجَارَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ وَاجِبُ مَنَافِعَ وَالضَّيَاعُ تَارَةً يَكُونُ، أَوْ لَا يَكُونُ وَالسَّلَامَةُ أَغْلَبُ فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ أَوْلَى. وَقَوْلٌ رَابِعٌ إنَّهَا مَضْمُونَةٌ كَمَا شَرَطَ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَقَدْ دَخَلَا عَلَى الْتِزَامِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ اهـ. وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ وَجَعَلَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ مُخَالِفًا لِلْمُدَوَّنَةِ. (فَرْعٌ) إذَا شَرَطَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمُودَعِ أَنْ يَضْمَنَهَا إذَا ضَاعَتْ فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِأَصْلِ سُنَّةِ الْوَدِيعَةِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ.

стр. 365

فَرْعٌ) الصُّنَّاعُ ضَامِنُونَ لِمَا غَابُوا عَلَيْهِ عَمِلُوهُ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ بِتَلَفِهِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: فَإِنْ اشْتَرَطَ الصَّانِعُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَعْهُ شَرْطُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِالْأَجْرِ الْمُسَمَّى بِإِسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْهُ وَقَالَ أَشْهَبُ يَنْفَعُهُ الشَّرْطُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ، فَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ لَهُ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَسْقَطَ مِنْهُ لَفْظَةَ يَنْبَغِي فَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ ابْنُ رُشْدٍ: فَعَلَى الْأَوَّلِ لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَعَلَى الثَّانِي الْمُسَمَّى اهـ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إذَا اشْتَرَطَ الصَّانِعُ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَشَرْطُهُ سَاقِطٌ، وَلَوْ مُكِّنَ مِنْ ذَلِكَ مَا عَمِلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يَشْتَرِطَ بَيْنَ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ عَمَلِ ثِيَابِهِمْ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ ذُكِرَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ لَهُمْ شَرْطَهُمْ يُرِيدُ مَا لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَثُرَ اشْتِرَاطُهُمْ سَقَطَ، وَلَمْ يُوَفِّ لَهُمْ بِذَلِكَ وَاخْتُلِفَ بَعْدَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُوَفَّى بِهِ، فَقِيلَ: الْإِجَارَةُ لَازِمَةٌ وَشَرْطُهُ بَاطِلٌ. وَقِيلَ: إنْ أَسْقَطَ الصَّانِعُ الشَّرْطَ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ تَمَسَّكَ بِهِ فُسِخَتْ إنْ لَمْ يَعْمَلْ، فَإِنْ عَمِلَ كَانَ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمُسَمَّى، أَوْ إجَارَةِ الْمِثْلِ. وَيَجْرِي فِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ تُفْسَخُ مَعَ الْقِيَامِ، وَإِنْ أَسْقَطَ الشَّرْطَ وَيَكُونُ لَهُ مَعَ الْفَوَاتِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ اهـ. قُلْت: وَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَالْإِجَارَةَ لَازِمَةٌ وَلَا يُزَادُ عَلَى الْمُسَمَّى. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ الشَّرْطِ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ رِوَايَةً وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَزْوُ ابْنِ شَاسٍ لِأَشْهَبَ لَا أَعْرِفُهُ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ. (فَرْعٌ) الشَّرْطُ فِي الْقَرْضِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) مَا يَفْسُدُ بِهِ الْقِرَاضِ كَاشْتِرَاطِ رَبِّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ بِيَدِهِ، أَوْ أَنْ يُرَاجِعَهُ، أَوْ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِ أَمِينًا، أَوْ أَنْ يَعْمَلَ الْعَامِلُ بِيَدِهِ مِنْ خِيَاطَةٍ، أَوْ خِرَازَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَاشْتِرَاطِ رَبِّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ ضَمَانَ الْمَالِ، فَهَذِهِ الشُّرُوطُ كُلُّهَا مُفْسِدَةٌ لِلْقِرَاضِ فَيُفْسَخُ إنْ وَقَعَ، فَإِنْ فَاتَ بِالْعَمَلِ فَمِنْهَا مَا يُرْجَعُ فِيهِ لِقِرَاضِ الْمِثْلِ وَمِنْهَا مَا يُرْجَعُ فِيهِ لِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَهَذَا يُبَيَّنُ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ. (الثَّانِي) مَا لَا يَفْسُدُ بِهِ الْقِرَاضُ وَلَكِنَّهُ لَا يَلْزَمُ كَمَا إذَا ضَاعَ بَعْضُ الْمَالِ بِيَدِ الْعَامِلِ قَبْلَ الْعَمَلِ، أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ خَسِرَ، أَوْ أَخَذَهُ اللُّصُوصُ، أَوْ الْعَشَّارُ ظُلْمًا فَقَالَ الْعَامِلُ لِرَبِّ الْمَالِ لَا أَعْمَلُ حَتَّى تَجْعَلَ مَا بَقِيَ رَأْسَ الْمَالِ وَتُسْقِطَ الْخَسَارَةَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَأَسْقَطَ الْخَسَارَةَ فَهُوَ أَبَدًا عَلَى الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ حَاسَبَهُ

стр. 366

وَأَحْضَرَهُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ مِنْهُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. (الثَّالِثُ) مَا لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ كَمَا إذَا شَرَطَ أَنَّ الرِّبْحَ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ لِغَيْرِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَكَمَا إذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ زَكَاةَ الرِّبْحِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَيَلْزَمُ، فَإِنْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ أُخْرِجَتْ مِنْ حِصَّةِ مَنْ شُرِطَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ، فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلْمُشْتَرِطِ زِيَادَةً عَلَى حِصَّتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) الشُّرُوطُ فِي الْوَقْفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) مَا يَفْسُدُ بِهِ الْوَقْفُ كَشَرْطِ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، أَوْ تَخْصِيصِ الْبَنِينَ دُونَ الْبَنَاتِ. (الثَّانِي) مَا لَا يَفْسُدُ الْوَقْفُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ كَمَا إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ عِمَارَةَ مَا خَرِبَ مِنْ الْوَقْفِ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْوَقْفِ، فَإِنَّ الشَّرْطَ يَبْطُلُ وَيُعْمَلُ مِنْ غَلَّتِهِ وَكَمَا إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يَبْدَأَ بِإِصْلَاحِ الْوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ. (الثَّالِثُ) مَا لَا يُفْسِدُ الْوَقْفَ وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَهُوَ كَثِيرٌ مَبْسُوطٌ فِي كُتُبِ الْوَقْفِ. (فَرْعٌ) الشُّرُوطُ فِي الْهِبَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) مَا تَفْسُدُ بِهِ الْهِبَةُ كَشَرْطِ أَنْ لَا تُحَازَ مِنْ الْوَاهِبِ. (الثَّانِي) مَا يُخَيَّرُ الْوَاهِبُ فِي إسْقَاطِهِ فَتَصِحُّ الْهِبَةُ أَوْ التَّمَسُّكُ بِهِ فَتَبْطُلُ. (الثَّالِثُ) مَا لَا يُفْسِدُهَا وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ. (الرَّابِعُ) مَا لَا يُفْسِدُهَا وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ. وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً، أَوْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِصَدَقَةٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبِيعُ وَلَا يَهَبُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ. الْأَوَّلُ أَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَاهِبُ، أَوْ الْمُتَصَدِّقُ أَنْ يُبْطِلَ الشَّرْطَ وَيُمْضِيَ الصَّدَقَةَ، أَوْ الْهِبَةَ، فَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ، أَوْ الْمُتَصَدِّقُ، أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ، أَوْ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ، أَوْ الْهِبَةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَتَصَدَّقُ عَلَى الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ عَلَى أَنَّهُ إنْ بَاعَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ يُرِيدُ بِثَمَنٍ، أَوْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ قَالَ لَيْسَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِشَيْءٍ وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِعَبْدٍ عَلَى أَنَّهُ يَخْدُمُهُ يَوْمَيْنِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ إنْ مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ فَالْهِبَةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَى الرَّدِّ مَا لَمْ يُجِزْهَا وَيُمْضِهَا بِتَرْكِ الشَّرْطِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْوَاهِبَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْتَرِدَّ هِبَتَهُ، أَوْ يَتْرُكَ الشُّرُوطَ وَوَرَثَتُهُ بَعْدَهُ مَا لَمْ يَنْقَضِ أَمْرُهُ بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ فَيَكُونُ مِيرَاثًا عَنْهُ فَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَى الْإِجَازَةِ مَا لَمْ يَرُدَّهَا الْوَاهِبُ، أَوْ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ قَبْلَ فَوَاتِهَا بِانْقِضَاءِ أَمَدِ الشَّرْطِ، وَهُوَ مَوْتُ الْمَوْهُوبِ لَهُ الَّذِي حُجِرَ عَلَيْهِ الْهِبَةُ وَالْبَيْعُ طُولَ حَيَاتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ بَعْدَ هَذَا مِنْ سَمَاعِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَالْهِبَةَ جَائِزَةٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ يَأْتِي عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي حَبَسَ الدَّارَ عَلَى وَلَدِهِ وَشَرَطَ أَنَّ مَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ مِنْ مَرَمَّتِهَا عَلَيْهِمْ أَنَّ الدَّارَ تَكُونُ حَبْسًا وَلَا يَلْزَمُهُمْ مَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ وَتَكُونُ مَرَمَّتُهَا مِنْ غَلَّتِهَا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا حِيزَ الْحَبْسُ وَفَاتَ بِمَوْتِ الْمُحْبَسِ. وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَيُرَدُّ إلَّا أَنْ يَسْقُطَ الَّذِي حَبَسَهَا شَرْطُهُ وَتَأْوِيلُهُ بَعِيدٌ فِي اللَّفْظِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَ لِلْمُحْبَسِ حَقًّا فِي شَرْطِهِ وَجَبَ أَنْ يَتَنَزَّلَ وَرَثَتُهُ مَنْزِلَتَهُ فِيهِ. وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الشَّرْطَ عَامِلٌ وَالْهِبَةَ مَاضِيَةٌ فَتَكُونُ الصَّدَقَةُ بِيَدِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَبْسِ لَا يَبِيعُ وَلَا يَهَبُ حَتَّى يَمُوتَ، فَإِذَا مَاتَ وُرِثَ عَنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ فِي الْوَاضِحَةِ: وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِي مَالِهِ مَا شَاءَ إنْ شَاءَ بِتَلِّهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَبَدًا، أَوْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ مِنْ الْآنَ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ الْمَنَافِعَ طُولَ حَيَاتِهِ وَجَعَلَ الْمَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَهُ يَقْضِي مِنْهُ دَيْنُهُ وَيَرِثُهُ عَنْهُ وَرَثَتُهُ لِمَا لَهُ

стр. 367

فِي ذَلِكَ مِنْ الْغَرَضِ أَنْ يَسْتَدِيمَ الِانْتِفَاعُ بِمَا وَهَبَهُ وَيَرَى أَثَرَ هِبَتِهِ عَلَيْهِ. وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: قَوْلُ سَحْنُونَ يَكُونُ ذَلِكَ حَبْسًا عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بِمَا شَرَطَ مِنْ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ، فَإِذَا مَاتَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ رَجَعَ ذَلِكَ مَرْجِعَ الْأَحْبَاسِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ وَقَوْلُ سَحْنُونَ هَذَا مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ فِي نَوَازِلِهِ فِي الَّذِي يَتَصَدَّقُ عَلَى رَجُلٍ بِعَبْدٍ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهُ وَلَا يَهَبَهُ سَنَةً، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا تَدْخُلُ فِي مَسْأَلَةِ سَمَاعِ سَحْنُونَ فِي الَّذِي يَتَصَدَّقُ عَلَى الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ إنْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ، أَوْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ إلَّا قَوْلَ سَحْنُونَ هَذَا اهـ. قُلْت: يَعْنِي الْقَوْلَ بِأَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يَكُونُ حَبْسًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ نَوَازِلِ سَحْنُونَ أَعْنِي مَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ عَبْدًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهُ وَلَا يَهَبَهُ سَنَةً ثُمَّ هُوَ لَهُ بَعْد السَّنَةِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ تَجْرِي فِيهَا الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ وَلَا يَجْرِي فِيهَا قَوْلُ سَحْنُونَ إنَّهَا حَبْسٌ وَمِثْلُ مَسْأَلَةٍ بِرَسْمِ الْكِرَاءِ وَالْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِعَبْدٍ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدُمَهُ يَوْمَيْنِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا لَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا رَأَى أَنَّ الشَّرْطَ يُفْسِدُ الصَّدَقَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ مِنْ خِدْمَتِهِ يَوْمَيْنِ كُلَّ جُمُعَةٍ، فَقَدْ حَجَرَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفَ فِي صَدَقَتِهِ بِالسَّفَرِ بِهَا وَالْوَطْءِ لَهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً وَالتَّفْوِيتِ فَصَارَ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ وَشَرَطَ عَلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْحَبْسُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ جَازَ فِيهِ هَذَا الشَّرْطُ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ وَأَجَازَ ابْنُ كِنَانَةَ هَذَا الشَّرْطَ فِي الْحَبْسِ وَالصَّدَقَةِ وَقَالَ إنَّهُ لَا يُفْسِدُ الصَّدَقَةَ بَلْ يَشُدُّهَا. وَالْمَعْنَى عِنْدِي فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ شَرِيكًا مَعَهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ بِمَا اسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ مِنْ خِدْمَتِهِ وَلِذَلِكَ أَجَازَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَالْحَبْسِ اهـ. فَأَشَارَ إلَى أَنَّهَا كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تَجْرِي فِيهَا الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ. قُلْت: وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ الْجَارِي عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ صِحَّةُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَبُطْلَانُ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْجِيرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْءُ الْأَمَةِ؟ فَالظَّاهِرُ بُطْلَانُ الشَّرْطِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا، أَوْ صَغِيرًا فَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ، وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الْوِلَايَةِ لَمْ يَجُزْ كَانَ وَلَدَ الْوَاهِبِ أَوْ أَجْنَبِيًّا اهـ. فَتَكَلَّمَ عَلَى الْحُكْمِ ابْتِدَاءً، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْحُكْمَ بَعْدَ الْوُقُوعِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ اُنْظُرْ بِمَاذَا يُفَسِّرُ الْكِتَابُ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ الْوَاهِبُ، فَإِنْ بَتَلَهَا وَإِلَّا نُقِضَتْ اهـ. وَالْقَوْلُ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ أَيْضًا وَوَجَّهَهُ بِمَا وَجَّهَهُ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ لَهُ وَجْهًا مِنْ النَّظَرِ ظَاهِرًا لَكِنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدِي بُطْلَانُ الشَّرْطِ وَصِحَّةُ الْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا قَالَ أَبُو عِمْرَانَ اُنْظُرْ مَا مَعْنَاهُ وَالسَّفِيهُ وَالصَّغِيرُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا وَلَا هِبَتُهُمَا بِشَرْطٍ أَمْ لَا قَالَ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يُبَاعَ عَلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَى النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ لِوَلِيِّهِ بَيْعُ عُرُوضِهِ لِلنَّفَقَةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُبَاعَ، وَيُبَاعُ غَيْرُهَا إنْ وُجِدَ قَالَ الْقَابِسِيُّ الْهِبَةُ جَائِزَةٌ وَهِيَ كَالْحَبْسِ الْمُعَيَّنِ، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً لِسَفِيهٍ أَوْ يَتِيمٍ وَشَرَطَ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ مُطْلَقَةً عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا نَظَرَ لِوَصِيِّهِ فِيهَا نُفِّذَ ذَلِكَ الشَّرْطُ اهـ. قُلْت: فِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ لَا تَجُوزُ وَإِطْلَاقَ يَدِ السَّفِيهِ عَلَى الْمَالِ إضَاعَةٌ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَالصَّوَابُ بُطْلَانُ الشَّرْطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِجَارِيَتِهِ عَلَى رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَهَا أُمَّ وَلَدٍ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا عَلَى الشَّرْطِ، وَإِنْ وَطِئَهَا فَهِيَ لَهُ حَمَلَتْ، أَوْ لَمْ تَحْمِلْ وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ يَعْنِي لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُوقِفَ الْمُتَصَدِّقُ إمَّا أَسْقَطَ

стр. 368

شَرْطَهُ، أَوْ اسْتَرَدَّ الْجَارِيَةَ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُوقَفَ عَلَى ذَلِكَ تَخَرَّجَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ وَرَثَتَهُ يَتَنَزَّلُونَ مَنْزِلَتَهُ فِي ذَلِكَ فَيُخَيَّرُونَ فِي إسْقَاطِ الشَّرْطِ، أَوْ رَدِّ الْجَارِيَةِ مَا لَمْ تَفُتْ بِالْوَطْءِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعِنْدَ أَصْبَغَ إنَّمَا تَفُوتُ بِالْحَمْلِ. وَالثَّانِي أَنَّ الصَّدَقَةَ تَبْطُلُ إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَفُوتَ الْجَارِيَةُ بِوَطْءٍ، أَوْ حَمْلٍ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ فَالصَّدَقَةُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْإِجَازَةِ حَتَّى تُرَدَّ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي عَلَى الرَّدِّ حَتَّى تُجَازَ. وَيَتَخَرَّجُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنْ تَجُوزَ الصَّدَقَةُ وَيَبْطُلَ الشَّرْطُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَبْسِ يَعْنِي اشْتِرَاطَ التَّرْمِيمِ عَلَى الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ اهـ. وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ أَفَاتَهَا الْمُعْطِي بِعِتْقٍ، أَوْ تَدْبِيرٍ، أَوْ بَيْعٍ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّهَا فَاتَتْ مِنْ غَيْرِ مَا أُعْطِيت لَهُ اهـ. قَالَ: وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ الْكَبِيرِ بِصَدَقَةٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْهُ شَيْئًا فَالصَّدَقَةُ بَاطِلَةٌ إنْ كَانَ اشْتِرَاطٌ فِي أَصْلِ الصَّدَقَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الصَّدَقَةِ، وَإِنْ قَرُبَ فَالصَّدَقَةُ جَائِزَةٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ عَلَى مَا قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ. وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى صَغِيرٍ فَقَالَ أَصْبَغُ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْكَبِيرِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الصَّدَقَةُ مَاضِيَةٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ كَانَ الشَّرْطُ مَعَ الصَّدَقَةِ، أَوْ بَعْدَهَا. وَقَالَ مُطَرِّفٌ: إنْ كَانَ الشَّرْطُ مَعَ الصَّدَقَةِ، أَوْ فِي فَوْرِهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فَالصَّدَقَةُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ فَالصَّدَقَةُ مَاضِيَةٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَهَذَا أَنْسَبُ الْأَقْوَالِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. قُلْت: أَمَّا بُطْلَانُ الصَّدَقَةِ إذَا كَانَ الشَّرْطُ فِي أَصْلِ عَقْدِهَا فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ مَجْهُولَةٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) قَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ قَالَ إنْ مِتَّ أَنْت رَجَعَ الْعَبْدُ إلَيَّ، وَإِنْ مِتُّ أَنَا قَبْلُ كَانَ لَك، فَإِنَّهُ يَمْضِي عَلَى مَا شَرَطَ وَكَانَتْ الْعَطِيَّةُ قَدْ تَضَمَّنَتْ عُمْرَى وَوَصِيَّةً، فَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلُ رُدَّتْ إلَى الْمُعْطَى؛ لِأَنَّهَا عُمْرَى، وَإِنْ مَاتَ الْمُعْطَى قَبْلُ كَانَتْ فِي ثُلُثِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَسَوَاءٌ حِيزَتْ الْعَطِيَّةُ، أَوْ لَمْ تُحَزْ؛ لِأَنَّ الْوَصَايَا وَسَائِرَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ لَا تَحْتَاجُ إلَى حَوْزٍ. قَالَ أَصْبَغُ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَوِّلَهَا عَنْ حَالِهَا يُرِيدُ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْوَصِيَّةَ كَالْمُدَبَّرِ. وَإِنْ قَالَ أَهَبُك الْعَبْدَ عَلَى إنْ مِتُّ أَنَا قَبْلُ رَجَعَ الْعَبْدُ إلَيَّ، وَإِنْ مِتَّ أَنْتِ قَبْلُ كَانَ لِوَرَثَتِك كَانَ عَلَى مَا شَرَطَ. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ فِي كِتَابِ الْمَدَنِيِّينَ فِيمَنْ وَهَبَ أَمَةً وَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ كُلَّ وَلَدٍ تَلِدُهُ فَهُوَ حَلَالٌ جَائِزٌ، وَقَدْ يَهَبُ الرَّجُلُ الْحَائِطَ وَيَشْتَرِطَ ثَمَرَتَهُ يُرِيدُ اشْتِرَاطَ الثَّمَرَةِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَلَا يَجُوزُ فِيمَا كَثُرَ وَيَجُوزُ فِي الْوَلَدِ، وَإِنْ طَالَتْ السُّنُونَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْمَنَافِعُ وَالْخِدْمَةُ وَهِيَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْوَلَدُ تَبَعٌ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وَقَدْ يَكُونُ، أَوْ لَا يَكُونُ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَعْتَصِرُ الْأَبَوَانِ مَا تَصَدَّقَا بِهِ. قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ ظَاهِرُهُ وَلَوْ شَرَطَا الِاعْتِصَارَ الْمُتَيْطِيُّ إذَا شَرَطَ الْأَبُ فِي صَدَقَتِهِ الِاعْتِصَارَ فَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ لَهُ ذَلِكَ وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ أَيْضًا فِي وَثَائِقِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ شَرْطُهُ لَا يَجُوزُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ الِاعْتِصَارَ فِي الصَّدَقَةِ وَهِيَ لَا تُعْتَصَرُ؟ قِيلَ لَهُ وَسُنَّةُ الْحَبْسِ أَنْ لَا يُبَاعُ، فَإِذَا شَرَطَهُ الْمُحْبِسُ فِي نَفْسِ الْحَبْسِ كَانَ لَهُ شَرْطُهُ. ابْنُ رُشْدٍ وَالِاعْتِصَارُ لَا يَكُونُ فِي الصَّدَقَاتِ إلَّا بِشَرْطٍ اهـ. (فَرْعٌ) إذَا شَرَطَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ فَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ نَاقِلًا عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ مَا نَصُّهُ: فَإِنْ شَرَطَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَحْكُمَ بِغَيْرِهِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ كَانَ مُوَافِقًا لِمَذْهَبِ الْمُشْتَرِطِ، أَوْ مُخَالِفًا لَهُ قَالَ وَأَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ كَانَتْ الْوُلَاةُ عِنْدَنَا بِقُرْطُبَةَ إذَا وَلَّوْا الْقَضَاءَ رَجُلًا شَرَطُوا عَلَيْهِ فِي سِجِلِّهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا وَجَدَهُ. قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ مِنْهُمْ اهـ. وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ عَنْهُ، وَهُوَ خِلَافُ

стр. 369

مَا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ سَوَاءٌ قَارَبَ الشَّرْطُ عَقْدَ الْوِلَايَةِ، أَوْ تَقَدَّمَ ثُمَّ وَقَعَ الْعَقْدُ. قَالَ وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ تَصِحُّ الْوِلَايَةُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي أَنْ يُحْكَمَ بِأَيِّ شَيْءٍ هُوَ الْحَقُّ عِنْدَهُ، وَهَذَا الشَّرْطُ قَدْ حَجَرَ عَلَيْهِ فَانْظُرْ ذَلِكَ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَكَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيِّ فِي الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْقَاضِي الْمُقَلِّدِ فِي زَمَانِنَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ اهـ. قُلْت: لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي عَدَّهُ مُنَافِيًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ يَصِيرُ فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي: وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْت حُرٌّ السَّاعَةَ مَثَلًا وَعَلَيْك مِائَةُ دِينَارٍ إلَى أَجَلِ كَذَا فَقَالَ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ هُوَ حُرٌّ السَّاعَةَ وَيُتْبَعُ بِالْمِائَةِ حَبَّ أَمْ كَرِهَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ حُرٌّ وَلَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ اهـ. وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْت حُرٌّ وَعَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَرْضَ الْعَبْدُ فَذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَرِهَ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَأَصْحَابُهُمْ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ حُرٌّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَى ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ أَصْبَغُ يَجِدُ لِهَذَا أَصْلًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَكَأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ كَارِهٌ فَذَلِكَ لَازِمٌ كَمَا يُزَوِّجُهُ كَرْهًا وَيَنْزِعُ مَالَهُ كَرْهًا قَالَ مُحَمَّدٌ وَكَمَالُهُ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حُرِّيَّةٍ فَلَمْ تَزِدْهُ الْحُرِّيَّةُ إلَّا خَيْرًا اهـ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُرًّا مَتْبُوعًا أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِسْعَاءِ وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ سَنَةً أَنَّهُ حُرٌّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ اهـ. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ جَازَ عِنْدَ أَشْهَبَ وَلَا يُعْتَقَ حَتَّى يَخْدُمَ شَهْرًا. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ عَجَّلَ عِتْقَهُ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ بَعْدَ الْعِتْقِ فَالْخِدْمَةُ بَاطِلَةٌ، وَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْخِدْمَةِ لَزِمَتْ الْعَبْدَ الْخِدْمَةُ. مَالِكٌ: وَكُلُّ خِدْمَةٍ يَشْتَرِطُهَا السَّيِّدُ بَعْدَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ شَرَطَهَا فِي الْكِتَابَةِ فَأَدَّى الْعَبْدُ قَبْلَ تَمَامِهَا سَقَطَتْ اهـ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَوْلُهُ جَازَ عِنْدَ أَشْهَبَ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيَسْأَلُهُ عَمَّا أَرَادَ هَلْ تَعْجِيلُ الْعِتْقِ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَسْأَلُهُ هَلْ أَرَادَ تَعْجِيلَ الْعِتْقِ أَوْ تَأْخِيرَهُ بَعْدَ الْخِدْمَةِ. وَأَشْهَبُ يَرَى أَنَّ الْعِتْقَ مُؤَخَّرٌ بَعْدَ الْخِدْمَةِ كَمَا هُوَ مُؤَخَّرٌ بَعْدَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ تَعْجِيلَ الْعِتْقِ قَبْلَ الْخِدْمَةِ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا وَيُعْتَقُ مَكَانَهُ وَتَسْقُطُ الْخِدْمَةُ ثُمَّ قَالَ وَكُلُّ خِدْمَةٍ اشْتَرَطَهَا السَّيِّدُ بَعْدَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ فَبَاطِلٌ الشَّيْخُ؛ لِأَنَّ مَا يَلْحَقُهُ بَعْدَ الْخِدْمَةِ مِنْ بَقَايَا الرِّقِّ فَهُوَ كَمَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ فَيَسْتَتِمُّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ فَأَدَّى الْعَبْدُ قَبْلَ تَمَامِهَا سَقَطَتْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ كُلُّ مَا اشْتَرَطَهُ السَّيِّدُ فِي الْكِتَابَةِ مِنْ خِدْمَةِ بَدَنٍ، أَوْ عَمَلِ مُدَّةٍ فَأَدَّى الْكِتَابَةَ وَبَقِيَ ذَلِكَ الْعَمَلُ، أَوْ بَعْضُهُ، فَإِنَّهُ سَاقِطٌ وَلَا يُؤَدِّي لِذَلِكَ عِوَضًا؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ بَدَنِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ رِقِّهِ، فَإِذَا دَخَلَتْ الْحُرِّيَّةُ رَقَبَتَهُ سَقَطَ كُلُّ رِقٍّ بَقِيَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ مِنْ بَتَلَ عِتْقَ عَبْدٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَجِّلَ عَلَيْهِ خِدْمَةً يَشْتَرِطُهَا؛ لِأَنَّ خِدْمَتَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ رِقِّهِ فَلَمَّا كَانَ مَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ يَسْتَكْمِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّتَهُ حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الرِّقِّ فَكَذَلِكَ كُلُّ خِدْمَةٍ تَبْقَى عَلَى مُكَاتَبٍ بَتَلَ سَيِّدُهُ عِتْقَهُ فَهِيَ سَاقِطَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَقِيَّةٌ مِنْ رِقِّهِ اهـ. وَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونَ مِنْ كِتَابِ الْوَلَاءِ فِيمَنْ أَعْتَقَ أَمَةً وَشَرَطَ عَلَيْهَا إرْضَاعَ صَبِيٍّ أَنَّهَا حُرَّةٌ وَالشَّرْطُ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتِقَ عَبْدًا وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِ خِدْمَتَهُ وَلَكِنْ يُعْتِقُهَا وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهَا دَنَانِيرَ ثُمَّ يَسْتَأْجِرُهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ إجَارَتُهَا قَاصَّهَا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْتِقَ عَبْدَهُ وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِ خِدْمَةً بَعْدَ الْعِتْقِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَعْتِقَهُ وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِ

стр. 370

دَنَانِيرَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، وَإِنْ كَرِهَ فَقَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِذَا أَعْتَقَ أَمَةً وَاشْتَرَطَ عَلَيْهَا دَنَانِيرَ بِرِضَاهَا، أَوْ أَلْزَمَهَا إيَّاهَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ جَازَ مَا قَالَ سَحْنُونٌ مِنْ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا عَلَى الرَّضَاعِ بِأُجْرَةٍ ثَابِتَةٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا وَجَبَتْ لَهَا أُجْرَةٌ بِانْقِضَاءِ أَمَدِ الرَّضَاعِ قَاصَّهَا بِذَلِكَ فِيمَا لَهُ عَلَيْهَا مِنْ الدَّنَانِيرِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا عَلَيْهَا اهـ. قُلْت: وَإِنَّمَا قَالَ يَسْتَأْجِرُهَا بِدَنَانِيرَ وَيُقَاصُّهَا، وَلَمْ يَقُلْ يَسْتَأْجِرُهَا بِتِلْكَ الدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدِّين عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ لَا تُفَارِقَنِي كَانَ حُرًّا وَشَرْطُهُ بَاطِلٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ وَاحْمِلْ هَذَا الْعَمُودَ فَهُوَ حُرٌّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي سَنَةً، وَلَمْ يُعَجِّلْ الْحُرِّيَّةَ قَبْلَ الْخِدْمَةِ فَذَلِكَ عَلَيْهِ اهـ. قَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ أَعْتَقَ أَمَةً عَلَى أَنْ يَنْكِحَهَا، أَوْ تَنْكِحَ فُلَانًا فَامْتَنَعَتْ فَهِيَ حُرَّةٌ وَلَا يَلْزَمُهَا النِّكَاحُ إلَّا أَنْ تَشَاءَ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تَعْتِقَ أَمَتَك وَتُزَوِّجَنِيهَا فَأَعْتَقَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَلَهَا أَنْ لَا تَنْكِحَهُ وَالْأَلْفُ لَازِمَةٌ لِلرَّجُلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى مَسْأَلَةِ عِتْقِهَا عَلَى إسْقَاطِ حَضَانَتِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ الْخَاتِمَةِ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي كِتَابِ الْمُدَبَّرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ مَالًا عَلَى أَنْ تَعْتِقَ مُدَبَّرَك وَوَلَاؤُهُ لَك وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَبِيعَهُ مِمَّنْ يُعْتِقُهُ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ قَوْلَهُ لَا أُحِبُّ هَلْ هُوَ عَلَى بَابِهِ أَمْ لَا وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ بِلَفْظِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَبِيعَهُ قَالَ سَحْنُونٌ وَعُمَرُ بْنُ شُعَيْبٍ لَا يُبَاعُ إلَّا مِنْ نَفْسِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ كَبَيْعِ الْعُمْرَى مِنْ الْمُعَمَّرِ لِتَخْلُصَ الرَّقَبَةُ لَهُ فَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ إذَا اشْتَرَى نَفْسَهُ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ مِنْ الْخِدْمَةِ لِتَخْلُصَ لَهُ رَقَبَتُهُ. (فَرْعٌ) قَالَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ كَاتَبَ أَمَتَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ نَجْمُهَا عَلَيْهَا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا مَا دَامَتْ فِي الْكِتَابَةِ بَطَلَ الشَّرْطُ وَجَازَتْ الْكِتَابَةُ، وَكَذَا إنْ أَعْتَقَ أَمَةً إلَى أَجَلٍ عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، أَوْ شَرَطَ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ أَنَّ مَا وَلَدَتْ فِي كِتَابَتِهَا فَهُوَ عَبْدٌ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْعِتْقُ نَافِذٌ إلَى أَجَلِهِ وَلَا تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ كَمَا لَا أَفْسَخُهَا مِنْ عَقْدِ الْغَرَرِ كَمَا أَفْسَخَ بِهِ الْبَيْعَ وَكُلُّ وَلَدٍ حَدَثَ لِلْمُكَاتَبَةِ بَعْدَ الْكِتَابَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا يُرَقُّ بِرِقِّهَا وَيُعْتَقُ بِعِتْقِهَا، وَإِنْ كَاتَبَهَا، أَوْ أَعْتَقَهَا وَاشْتَرَطَ جَنِينَهَا بَطَلَ الشَّرْطُ وَتَمَّ الْعِتْقُ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ الْتَزَمَ عَدَمَ الرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّتِهِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. وَقَدْ انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى مَا حَرَّرْته مِنْ مَسَائِلِ الِالْتِزَامِ وَانْتَجَزَ الْغَرَضُ الَّذِي قَصَدْته فِيهِ مِنْ بَيَانِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَقْسَامِ فَجَاءَ بِحَمْدِ اللَّهِ كِتَابًا مُفِيدًا فِي بَابِهِ عَظِيمَ النَّفْعِ لِمَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِيهِ مِنْ طُلَّابِهِ جَمَعْت فِيهِ فَوَائِدَ عَدِيدَةً وَتَحْقِيقَاتٍ مُفِيدَةً وَسَفَرْت فِيهِ عَنْ نُكَتٍ تُسْتَغْرَبُ وَتُسْتَبْدَعُ وَأَوْضَحْت فِيهِ مُشْكِلَاتٍ لَيْسَ لَهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُصَنَّفَاتِ مَوْرِدٌ وَلَا مُشَرِّعٌ فَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ مِنْ إلْهَامِ هَذَا التَّصْنِيفِ وَإِتْمَامِهِ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ وَالتَّرْصِيفِ وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُسَهِّلَ تَحْرِيرَهُ وَإِتْقَانَهُ، وَأَنْ يَعْصِمَنَا فِيهِ مِنْ الْخَطَأ وَالزَّلَلِ، وَأَنْ لَا يُؤَاخِذَنَا بِالتَّصَنُّعِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَهَذَا آخِرُ مَا جَرَى بِهِ الْقَلَمُ مِنْ مُؤَلِّفِ هَذَا الْكِتَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحِبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ الْتَزَمَ نَفَقَةَ يَتِيمٍ ذِي مَالٍ سَنَةً، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ شَهْرًا وَتَرَكَ فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِبَاقِي السَّنَةِ. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ. نَعَمْ، يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْإِنْفَاقِ

стр. 371

عَلَيْهِ بَاقِي السَّنَةِ وَذَكَرْت نَصَّ الْحَطَّابِ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ ثُمَّ. قُلْت: وَكَلَامُ الْمُخْتَصَرِ فِي مَبْحَثَيْ الْهِبَةِ وَالْعِتْقِ صَرِيحٌ فِي الْقَضَاءِ بِذَلِكَ أَيْضًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [مَسَائِلُ الْجِهَادِ] [إقْلِيم مِنْ الْمُسْلِمِينَ هَجَمَ الْكَافِرُ الْعَدُوُّ عَلَى بِلَادِهِمْ وَأَخَذَهَا وَتَمَلَّكَ بِهَا] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْجِهَادِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي إقْلِيمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ هَجَمَ الْكَافِرُ الْعَدُوُّ عَلَى بِلَادِهِمْ وَأَخَذَهَا وَتَمَلَّكَ بِهَا وَبَقِيَتْ جِبَالٌ فِي طَرَفِ الْإِقْلِيمِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَصِلْهَا، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا وَهِيَ مَحْرُوسَةٌ بِأَهْلِهَا وَهَاجَرَ إلَيْهَا بَعْضُ أَهْلِ الْإِقْلِيمِ الْمَذْكُورِ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَبَقِيَ مَنْ بَقِيَ تَحْتَ حُكْمِ الْكَافِرِ وَفِي رَعِيَّتِهِ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ خَرَاجًا يُشْبِهُ الْجِزْيَةَ الْمَعْلُومَةَ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، وَفِيمَنْ هَاجَرَ بَعْضٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَفِيمَنْ بَقِيَ بَعْضٌ كَذَلِكَ فَصَارَ التَّشَاجُرُ بَيْنَ فَرِيقَيْ الْعُلَمَاءِ، فَمَنْ هَاجَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْجِبَالِ الْمَذْكُورَةِ يَقُولُ: الْهِجْرَةُ وَاجِبَةٌ وَيُفْتِي بِأَنَّ مَنْ بَقِيَ تَحْتَ الْكَافِرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْهِجْرَةِ يُبَاحُ دَمُهُ وَمَالُهُ وَسَبْيُ أَهْلِهِ وَذَرَارِيِّهِ مُسْتَدِلًّا هَذَا الْقَائِلُ بِأَنَّ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ صَارَ مُعِينًا لَهُ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَنَهْبِ أَمْوَالِهِمْ وَسَاعِيًا فِي غَلَبَةِ الْكَافِرِ عَلَيْهِمْ وَبِأَدِلَّةٍ غَيْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ بَقِيَ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي جُمْلَةِ مَنْ بَقِيَ تَحْتَ الْكَافِرِ، وَلَمْ يُهَاجِرْ يَقُولُ: الْهِجْرَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَيَسْتَدِلُّ بِدَلَائِلَ مِنْ جُمْلَتِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» وَغَيْرُ ذَلِكَ. فَأَفِيدُوا الْجَوَابَ الْوَافِيَ بِالدَّلِيلِ الشَّافِي الَّذِي لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَكُمْ الثَّوَابُ مِنْ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ فِي الْمِعْيَارِ إنَّ الْهِجْرَةَ مِنْ أَرْضِ الْكُفْرِ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَذَلِكَ الْهِجْرَةُ مِنْ أَرْضِ الْحَرَامِ وَالْبَاطِلِ بِظَنٍّ، أَوْ فِتْنَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شِعَبَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالْمُوَطَّأُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا يُقِيمُ أَحَدٌ فِي مَوْضِعٍ يُعْمَلُ فِيهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بَلَدٌ إلَّا كَذَلِكَ قُلْنَا يَخْتَارُ الْمَرْءُ أَقَلَّهَا إنَّمَا مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَلَدٌ فِيهِ كُفْرٌ فَبَلَدٌ فِيهِ جَوْرٌ خَيْرٌ مِنْهُ، أَوْ بَلَدٌ فِيهِ عَدْلٌ وَحَرَامٌ فَبَلَدٌ فِيهِ جَوْرٌ وَحَلَالٌ خَيْرٌ مِنْهُ لِلْمُقَامِ، أَوْ بَلَدٌ فِيهِ مَعَاصٍ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَوْلَى مِنْ بَلَدٍ فِيهِ مَعَاصٍ فِي مَظَالِمِ الْعِبَادِ، وَهَذَا الْأُنْمُوذَجُ دَلِيلٌ عَلَى مَا وَرَاءَهُ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فُلَانٌ بِالْمَدِينَةِ وَفُلَانٌ بِمَكَّةَ وَفُلَانٌ بِالْعِرَاقِ وَفُلَانٌ بِالشَّامِ امْتَلَأَتْ الْأَرْضُ جَوْرًا وَظُلْمًا اهـ. وَلَا يُسْقِطُ هَذِهِ الْهِجْرَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَوْلَى الطَّاغِيَةُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَعَاقِلِهِمْ وَبِلَادِهِمْ إلَّا تَصَوُّرُ الْعَجْزِ عَنْهَا بِكُلِّ وَجْهٍ وَحَالٍ لَا الْوَطَنُ وَالْمَالُ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُلْغًى فِي نَظَرِ الشَّرْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٨] ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩] ، فَهَذَا الِاسْتِضْعَافُ الْمَعْفُوُّ عَمَّنْ اتَّصَفَ بِهِ غَيْرُ الِاسْتِضْعَافِ الْمُعْتَذَرِ بِهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ وَصَدْرِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الظَّالِمِي أَنْفُسِهِمْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْبَلْ الِاعْتِذَارَ بِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ وَجْهٍ مَا وَعَفَا عَنْ ذِي الِاسْتِضْعَافِ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مَعَهُ حِيلَةٌ وَلَا يُهْتَدَى سَبِيلٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩] وَعَسَى مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبَةٌ فَالْمُسْتَضْعَفُ الْمُعَاقَبُ فِي صَدْرِ الْآيَةِ هُوَ الْقَادِرُ مِنْ وَجْهٍ وَالْمُسْتَضْعَفُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ فِي عَجُزِهَا هُوَ الْعَاجِزُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَإِذَا عَجَزَ الْمُبْتَلَى بِهَذِهِ الْإِقَامَةِ

стр. 372

عَنْ الْفِرَارِ بِدِينِهِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ سَبِيلًا إلَيْهِ وَلَا ظَهَرَتْ لَهُ حِيلَةٌ وَلَا قُدْرَةٌ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ وَلَا حَالٍ وَكَانَ بِمَثَابَةِ الْمُقْعَدِ وَالْمَأْسُورِ وَكَانَ مَرِيضًا جِدًّا، أَوْ ضَعِيفًا فَحِينَئِذٍ يُرْجَى لَهُ الْعَفْوُ وَيَصِيرُ بِمَثَابَةِ الْمُكْرَهِ عَلَى التَّلَفُّظِ بِالْكُفْرِ وَمَعَ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ قَائِمَةٌ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ وَتَمَكَّنَ لَهَاجَرَ وَعَزَمَ مُسْتَصْعِبٌ أَنَّهُ إنْ ظَفِرَ بِحِيلَةٍ وَقْتًا مَا فَيُهَاجِرُ. وَأَمَّا الْمُسْتَطِيعُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَبِأَيِّ حِيلَةٍ تَمَكَّنَتْ فَهُوَ غَيْرُ مَعْذُورٍ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ إنْ أَقَامَ حَسْبَمَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا - الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨ - ١٣٩] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٨] ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩] وَقَالَ تَعَالَى ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ - وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨٠ - ٨١] . وَالظَّالِمِي أَنْفُسِهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ إنَّمَا هُمْ التَّارِكُونَ لِلْهِجْرَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا حَسْبَمَا تَضْمَنَّهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] فَظُلْمُهُمْ أَنْفُسَهُمْ إنَّمَا كَانَ بِتَرْكِهَا، وَهَذِهِ الْإِقَامَةُ مَعَ الْكُفَّارِ وَتَكْثِيرُ سَوَادِهِمْ وقَوْله تَعَالَى ﴿تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمُوَبَّخَ عَلَى ذَلِكَ وَالْمُعَاقَبُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ مَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى هَذِهِ الْإِقَامَةِ، وَأَنَّ مَنْ تَابَ عَنْ ذَلِكَ وَهَاجَرَ وَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، وَلَوْ بِالطَّرِيقِ فَتَوَفَّاهُ الْمَلَكُ خَارِجًا عَنْهُمْ يُرْجِي قَبُولَ تَوْبَتِهِ وَلَا يَمُوتُ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] فَهَذِهِ الْآيُ الْقُرْآنِيَّةُ كُلُّهَا، أَوْ أَكْثَرُهَا مَا سِوَى قَوْله تَعَالَى ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٨٠] نُصُوصٌ فِي تَحْرِيمِ الْمُوَالَاةِ الْكُفْرَانِيَّةِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] فَمَا أَبْقَتْ مُتَعَلِّقًا إلَى التَّطَرُّقِ لِهَذَا التَّحْرِيمِ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] وَتَكْرَارُ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَجَرْيُهَا عَلَى نَسَقِ وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ مُؤَكِّدٌ

стр. 373

لِلتَّحْرِيمِ وَرَافِعٌ لِاحْتِمَالِ التَّطَرُّقِ إلَيْهِ. فَإِنَّ الْمَعْنَى إذَا نُصَّ عَلَيْهِ وَأُكِّدَ بِالتَّكْرَارِ، فَقَدْ ارْتَفَعَ الِاحْتِمَالُ لَا شَكَّ فَتَعَاضَدَتْ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلَى هَذَا النَّهْيِ فَلَا تَجِدُ فِي تَحْرِيمِ هَذِهِ الْإِقَامَةِ، وَهَذِهِ الْمُوَالَاةِ الْكُفْرَانِيَّةِ مُخَالِفًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ الَّذِي «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» فَهُوَ تَحْرِيمٌ مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ الدِّينِ كَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَأَخَوَاتِهِ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ الَّتِي أَطْبَقَ أَرْبَابُ الْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَمَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ وَرَامَ الْخِلَافَ مِنْ الْمُقِيمِينَ مَعَهُمْ وَالرَّاكِنِينَ إلَيْهِمْ بِجَوَازِ هَذِهِ الْإِقَامَةِ وَاسْتَخَفَّ أَمْرَهَا فَهُوَ مَارِقٌ مِنْ الدِّينِ وَمُفَارِقٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَحْجُوجٌ بِمَا لَا مَدْفَعَ فِيهِ لِمُسْلِمٍ وَمَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي لَا سَبِيلَ إلَى مُخَالَفَتِهِ وَخَرْقِهِ. قَالَ زَعِيمُ الْفُقَهَاءِ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَوَّلِ كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ فَرْضُ الْهِجْرَةِ لَيْسَ سَاقِطًا بَلْ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةٌ لَازِمَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَنْ لَا يُقِيمَ بِهَا حَيْثُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُشْرِكِينَ بَلْ يَهْجُرُهُ وَيَلْحَقُ بِدَارِ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ» إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُهَاجِرِ بِهَا الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ إنْ عَادَ إلَى دَارِ إيمَانٍ وَإِسْلَامٍ كَمَا حُرِّمَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرُّجُوعُ إلَى مَكَّةَ لِلَّذِي ادَّخَرَهُ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ الْفَضْلِ فِي ذَلِكَ. قَالَ: فَإِذَا وَجَبَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَنْ يَهْجُرَهُ وَيَلْحَقَ بِدَارِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَثْوِي بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَيُقِيمُ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ لِئَلَّا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ فَكَيْفَ يُبَاحُ لِأَحَدٍ الدُّخُولُ إلَى بِلَادِهِمْ حَيْثُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ فِي تِجَارَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَسْكُنَ أَحَدٌ بِبَلَدٍ يُسَبُّ فِيهَا السَّلَفُ فَكَيْفَ بِبَلَدٍ يُكْفَرُ فِيهِ بِالرَّحْمَنِ وَتُعْبَدُ فِيهِ مِنْ دُونِهِ الْأَوْثَانُ لَا تَسْتَقِرُّ نَفْسُ أَحَدٍ عَلَى هَذَا إلَّا مُسْلِمٌ مَرِيضُ الْإِيمَانِ اهـ. فَإِنْ قُلْت الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ صُورَةُ طُرُوِّ الْإِسْلَامِ عَلَى الْإِقَامَةِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ وَالصُّورَةُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا هِيَ طُرُوُّ الْإِقَامَةِ عَلَى أَصَالَةِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ الصُّورَتَيْنِ بَوْنٌ فَلَا يَحْسُنُ الِاسْتِدْلَال عَلَى الصُّورَةِ الْمَسْئُولِ عَنْ حُكْمِهَا. قُلْت: تَفَقُّهُ الْمُتَقَدِّمِينَ إنَّمَا هُوَ فِي تَارِكِ الْهِجْرَةِ مُطْلَقًا وَمَثَّلُوا ذَلِكَ بِصُورَةٍ مِنْ صُوَرِهِ، وَهُوَ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَقَامَ، وَهَذِهِ الْمَسْئُولُ عَنْهَا أَيْضًا صُورَةٌ ثَانِيَةٌ مِنْ صُوَرِهِ لَا تُخَالِفُ الْأُولَى الْمُمَثَّلَ بِهَا إلَّا فِي طُرُقِ الْإِقَامَةِ خَاصَّةً فَالصُّورَةُ الْأُولَى الْمُمَثَّلُ بِهَا عِنْدَهُمْ طَرَأَ الْإِسْلَامُ فِيهَا عَلَى الْإِقَامَةِ وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ الْمُلْحَقَةُ بِهَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا طَرَأَتْ الْإِقَامَةُ فِيهَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَاخْتِلَافُ الطُّرُوِّ فَرْقٌ صُورِيٌّ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي اسْتِدْعَاءِ نَصِّ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَانْتِهَائِهِ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى الْمُقْتَدَى بِهِمْ الْكَلَامَ بِصُورَةِ مَنْ أَسْلَمَ، وَلَمْ يُهَاجِرْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُوَالَاةَ الشِّرْكِيَّةِ كَانَتْ مَفْقُودَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَعِزَّتِهِ، وَلَمْ تَحْدُثْ عَلَى مَا قِيلَ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مِئِينَ مِنْ السِّنِينَ وَبَعْدَ انْقِرَاضِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِأَحْكَامِهَا الْفِقْهِيَّةِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا نَبَغَتْ هَذِهِ الْمُوَالَاةُ النَّصْرَانِيَّةُ فِي الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ وَبَعْدَهَا مِنْ تَارِيخِ الْهِجْرَةِ وَقْتَ اسْتِيلَاءِ مَلَاعِينِ النَّصَارَى دَمَّرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ وَبَعْضِ كُوَرِ الْأَنْدَلُسِ. سُئِلَ عَنْهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَاسْتَفْهَمُوهُ عَنْ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَة بِمُرْتَكِبِهَا فَأَجَابَ بِأَنَّ أَحْكَامَهُمْ جَارِيَةٌ مَعَ أَحْكَامِ مَنْ أَسْلَمَ، وَلَمْ يُهَاجِرْ وَأَلْحَقُوا هَؤُلَاءِ الْمَسْئُولَ عَنْهُمْ وَالْمَسْكُوتَ عَنْ حُكْمِهِمْ بِهِمْ وَسُوِّيَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، وَلَمْ يَرَوْا فِيهَا فَرْقًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي مُوَالَاةِ الْأَعْدَاءِ وَمُسَاكَنَتِهِمْ وَمُدَاخَلَتِهِمْ وَمُلَابَسَتِهِمْ وَعَدَمِ مُبَايَنَتِهِمْ وَتَرْكِ الْهِجْرَةِ الْوَاجِبَةِ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا فِي الصُّورَةِ الْمَسْئُولِ عَنْ فَرْضِهَا بِمَثَابَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَلْحَقُوا ﵃ الْأَحْكَامَ الْمَسْكُوتَ عَنْهَا فِي هَؤُلَاءِ الْمَسْئُولِ عَنْهُمْ

стр. 374

بِالْأَحْكَامِ الْمُتَفَقَّهِ فِيهَا فِي أُولَئِكَ فَصَارَ اجْتِهَادُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي مُجَرَّدِ إلْحَاقٍ لِمَسْكُوتٍ عَلَيْهِ بِمَنْطُوقٍ بِهِ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْمَعْنَى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مِنْهُمْ ﵃ عَدْلٌ مِنْ النَّظَرِ وَاحْتِيَاطٌ فِي الِاجْتِهَادِ وَرُكُونٌ إلَى الْوُقُوفِ مَعَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى الْمُقْتَدَى بِهِمْ فَكَانَ غَايَةً فِي الْحُسْنِ وَالدِّينِ. وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ عَلَى تَحْرِيمِ هَذِهِ الْإِقَامَةِ مِنْ السُّنَّةِ فَمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «بَعَثَ سَرِيَّةً إلَى خَثْعَمَ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمْ الْقَتْلَ وَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ نِصْفَ الْعَقْلِ وَقَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِمَ؟ قَالَ: لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا» وَفِي الْبَابِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ وَلَا تُجَامِعُوهُمْ فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ» . وَالتَّنْصِيصُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْمَقْصُودِ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ نَظَرٌ سَلِيمٌ وَتَرْجِيحٌ مُسْتَقِيمٌ، وَقَدْ ثَبَتَا فِي الْحِسَانِ مِنْ الْمُصَنَّفَاتِ السِّتَّةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا رَحَى الْإِسْلَامِ قَالُوا: وَلَا مُعَارِضَ لَهُمَا لَا نَاسِخَ وَلَا مُخَصِّصَ وَلَا غَيْرَهُمَا وَمُقْتَضَاهُمَا لَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ كَافٍ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِمَا هَذَا مَعَ اعْتِضَادِهِمَا بِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَقَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَشَهَادَتِهِمَا لَهُمَا. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» وَفِيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِنْ اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ كَانَتْ الْهِجْرَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مَنْدُوبًا إلَيْهَا غَيْرَ مَفْرُوضَةٍ وَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] نَزَلَتْ حِينَ اشْتِدَادِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ وَجَبَتْ الْهِجْرَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ وَأُمِرُوا بِالِانْتِقَالِ إلَى حَضْرَتِهِ ﷺ لِيَكُونُوا مَعَهُ فَيَتَعَاوَنُوا وَيَتَظَاهَرُوا؛ لِأَنَّ حِزْبَهُمْ أُمِرَ وَلْيَعْلَمُوا أَمْرَ دِينِهِمْ وَيَتَفَقَّهُوا فِيهِ وَكَانَ عِظَمُ الْخَوْفِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةَ وَأُتْحِفَتْ بِالطَّاعَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى ارْتَفَعَ وُجُوبُ الْهِجْرَةِ وَعَادَ الْأَمْرُ فِيهَا إلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ فَهُمَا هِجْرَتَانِ فَالْمُنْقَطِعَةُ مِنْهُمَا هِيَ الْفَرْضُ وَالْبَاقِيَةُ هِيَ النَّدْبُ، فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا إسْنَادُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ وَإِسْنَادُ مُعَاوِيَةَ فِيهِ مَقَالٌ اهـ. قُلْت: هَاتَانِ الْهِجْرَتَانِ اللَّتَانِ تَضَمَّنَهُمَا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُمَا الْهِجْرَتَانِ اللَّتَانِ انْقَطَعَ فَرْضُهُمَا بِفَتْحِ مَكَّةَ فَالْهِجْرَةُ الْأُولَى هِجْرَةٌ مِنْ الْخَوْفِ عَلَى الدِّينِ وَالنَّفْسِ كَهِجْرَةِ النَّبِيِّ ﵊ وَأَصْحَابِهِ الْمَكِّيِّينَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَرِيضَةً لَا يُجْزَى إيمَانٌ دُونَهَا. وَالثَّانِيَةُ الْهِجْرَةُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي دَارِهِ الَّتِي اسْتَقَرَّ فِيهَا، فَقَدْ بَايَعَ مِنْ قَصَدَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَبَايَعَ آخَرِينَ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا الْهِجْرَةُ مِنْ أَرْضِ الْكُفْرِ فَهِيَ فَرِيضَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ الذَّهَابُ فِي الْأَرْضِ يَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ: الْأُولَى: الْهِجْرَةُ وَهِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ السَّلَامِ وَكَانَتْ فَرْضًا فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةٌ مَفْرُوضَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاَلَّتِي انْقَطَعَتْ بِالْفَتْحِ هِيَ الْقَصْدُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كَانَ، فَإِنْ بَقِيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَصَى وَيُخْتَلَفُ فِي حَالِهِ وَانْظُرْ بَقِيَّةَ أَقْسَامِ الْهِجْرَةِ فِيهَا. وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقِيمُوا بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ سَقَطَتْ الْهِجْرَةُ وَبَقِيَ تَحْرِيمُ الْمُقَامِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَصَمُوا بِالسُّجُودِ لَمْ يَكُونُوا أَسْلَمُوا وَأَقَامُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ إنَّمَا كَانَ اعْتِصَامُهُمْ فِي الْحَالِ نَعَمْ إنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُ مَنْ بَادَرَ لِلْإِسْلَامِ إذَا رَأَى

стр. 375

السَّيْفَ عَلَى رَأْسِهِ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَلَكِنْ قُتِلُوا لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ إمَّا؛ لِأَنَّ السُّجُودَ لَا يَعْصِمُ، وَإِنَّمَا يَعْصِمُ الْإِيمَانُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَفْظًا. وَإِمَّا لِأَنَّ الَّذِينَ قَتَلُوهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ يَعْصِمُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّ «بَنِي خُزَيْمَةَ لَمَّا أَسْرَعَ خَالِدٌ فِيهِمْ الْقَتْلَ قَالُوا: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، وَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا فَقَتَلَهُمْ فَوَدَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِخَطَأِ خَالِدٍ وَخَطَأُ الْإِمَامِ وَعَامِلِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ» قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطِ الْإِسْلَامِ قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِنَّمَا وَدَاهُمْ نِصْفَ الْعَقْلِ عَلَى مَعْنَى الصُّلْحِ وَالْمَصْلَحَةِ كَمَا وَدَى أَهْلَ خُزَيْمَةَ بِمِثْلَيْ ذَلِكَ عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ حَالُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ. [أَسْلَمَ وَبَقِيَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَقُتِلَ أَوْ سُبِيَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ] وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ أَسْلَمَ وَبَقِيَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَقُتِلَ، أَوْ سُبِيَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ فَقَالَ مَالِكٌ بِحَقْنِ دَمِهِ وَمَالُهُ لِمَنْ أَخَذَهُ حَتَّى يَحْدُثَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ عَنْهُ أَنَّهُ يَحُوزُ مَالَهُ وَأَهْلَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمَسْأَلَةُ مُحَقَّقَةٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ هَلْ يَمْلِكُ مِلْكًا صَحِيحًا أَمْ لَا؟ وَأَنَّ الْعَاصِمَ هَلْ هُوَ الْإِسْلَامُ، أَوْ الدَّارُ؟ فَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ مِلْكًا صَحِيحًا تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ ﵊ «هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ» وَقَوْلِهِ ﷺ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» فَسَوَّى بَيْنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَأَضَافَهَا إلَيْهِمْ وَالْإِضَافَةُ تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ ثُمَّ أَخْبَرَ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ مَعْصُومٌ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلٌ. وَتَمَسَّكَ أَيْضًا مَنْ أَتْبَعَهُ مَالَهُ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» وَبِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» . وَأَمَّا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَاصِمَ إنَّمَا هُوَ الدَّارُ فَمَا لَمْ يَحُزْ الْمُسْلِمُ مَالَهُ وَوَلَدَهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَإِلَّا فَمَا أُصِيبَ مِنْ ذَلِكَ بِدَارِ الْكُفْرِ فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَكَأَنَّ الْكُفَّارَ عِنْدَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ بَلْ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ حَلَالٌ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَدِمَائِهِمْ فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَحُزْ مَالًا وَلَا وَلَدًا بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَكَأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ وَكَانَ الْيَدُ لِلْكَافِرِ كَمَا أَنَّ الدَّارَ لَهُمْ وَلَيْسَتْ يَدُ صَاحِبِهِ الْإِسْلَامِيِّ يَدًا إذَا كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَيْضًا الْعَاصِمُ لِدَمِ الْمُسْلِمِ الْإِسْلَامُ وَلِمَالِهِ الدَّارُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْعَاصِمُ لَهُمَا جَمِيعًا هُوَ الْإِسْلَامُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعَاصِمُ الْمُقَوِّمُ لَهُمَا هُوَ الدَّارُ وَالْمُؤْثِمُ هُوَ الْإِسْلَامُ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ، وَلَمْ يُهَاجِرْ حَتَّى قُتِلَ، فَإِنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَهُ دُونَ الدِّيَةِ وَالْقَوَدِ وَلَوْ هَاجَرَ لَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى قَاتِلِهِ. قِيلَ: فَعَلَى هَذَا دَمُهُ مَحْقُونٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَقَتْلُهُ خَطَأٌ لَا دِيَةَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ خَاصَّةً، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، وَلَمْ يَذْكُرْ دِيَةً. قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْمُؤْمِنِ إنَّمَا هُوَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ؛ لِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ فِي قَوْمٍ أَعْدَاءٍ فَهُوَ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] فَهُوَ مُؤْمِنٌ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ، فَلَمَّا ذَكَرَ الدِّيَةَ أَوَّلَ الْآيَةِ فِي الْمُؤْمِنِ الْمُطْلَقِ وَفِي آخِرِهَا فِي الْمُؤْمِنِ الَّذِي قَوْمُهُ تَحْتَ عَهْدِنَا وَمِيثَاقِنَا وَهُمْ الذِّمِّيُّونَ وَسَكَتَ عَنْهَا فِي هَذَا الْمُؤْمِنِ الَّذِي بَيْنَ الْأَعْدَاءِ دَلَّ عَلَى سُقُوطِهَا، وَأَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ خَاصَّةً هَذَا حُكْمُ دَمِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خُرَاسَانِيَّةٌ عَظْمًا لَمْ تَبْلُغْهَا الْمَالِكِيَّةُ وَلَا عَرَفَتْهَا الْأَئِمَّةُ الْعِرَاقِيَّةُ فَكَيْفَ بِالْمَفَازَةِ الْمَغْرِبِيَّةِ. احْتَجَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ الْعَاصِمَ الدَّارُ بِأَنَّ التَّحَرُّزَ وَالِاعْتِصَامَ وَالِامْتِنَاعَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْحُصُونِ وَالْقِلَاعِ، وَأَنَّ الْكَافِرَ إذَا صَارَ فِي دَارِنَا عُصِمَ دَمُهُ وَمَالُهُ فَصَارَ كَالْمَالِ إذَا كَانَ مَطْرُوحًا عَلَى الطَّرِيقِ لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ قَطْعٌ، وَإِذَا حَرَزَ بِحِرْزِهِ كَانَ مَضْمُونًا بِالْقَطْعِ. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» الْحَدِيثَ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْعِصْمَةَ لِلنَّفْسِ وَالْمَالِ إنَّمَا تَكُونُ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ

стр. 376

وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَلَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ مَعْصُومُ الدَّمِ وَالْمَالِ، وَالدَّارُ مَعْدُومَةٌ. وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا إنَّ الْإِسْلَامَ عَاصِمٌ لِلنَّفْسِ دُونَ الْوَلَدِ وَالْمَالِ وَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ التَّحَرُّزَ وَالتَّعَصُّمَ يَكُونُ بِالْقِلَاعِ فَكَلَامٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِالْعِصْمَةِ الْحِسِّيَّةِ الَّتِي يَكْتَسِبُهَا الْكَافِرُ وَالْمُحَارِبُ وَلَا يَعْتَبِرُهَا الشَّرْعُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى مَا يَعْتَبِرُهُ الشَّرْعُ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحَارِبَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ يَتَحَصَّنَانِ بِالْقِلَاعِ وَدَمُهُمَا وَأَمْوَالُهُمَا مُبَاحَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالثَّانِي بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَسْتَقِرَّ وَلَا يَقَعَ وَيَتَمَادَى وَيَتَمَنَّعَ وَلَكِنَّ الْمَالَ إنَّمَا يَمْنَعُهُ إحْرَازُ صَاحِبِهِ لَهُ بِكَوْنِهِ مَعَهُ فِي حِرْزٍ. قُلْت: بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ حَسْبَمَا تَضَمَّنَ كَلَامُهُ الْآنَ. وَبِقَوْلِ مَالِكٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ﵀، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ مَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ. وَأَجْرَى الْفَقِيهُ الْقَاضِي الشَّهِيرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَالَ هَذَا الْمُسْلِمِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ الْمُقِيمِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَبْرَحْ عَنْهَا بَعْدَ اسْتِيلَاءِ الطَّاغِيَةِ عَلَيْهَا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي مَالِ مَنْ أَسْلَمَ وَأَقَامَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ فَرَّقَ ابْنِ الْحَاجِّ بَعْدَ الْإِلْحَاقِ وَالتَّسْوِيَةِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ اللَّاحِقَةِ بِأَنَّ مَالَ مَنْ أَسْلَمَ كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ إسْلَامِهِ بِخِلَافِ مَالِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَمْ تَزَلْ وَلَا يُعْزَى لَهُ فِي وَقْتِ مَا كَفَرَ مُبِيحٌ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَمَا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمَا مِنْ سَبِيلٍ، وَهُوَ رَاجِحٌ مِنْ الْقَوْلِ وَاضِحٌ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ وَظَاهِرٌ عِنْدَ التَّأَمُّلِ لِمَنْشَأِ الْخِلَافِ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عَلَى مَا لَا يَخْفَى وَيُعْتَضَدُ هَذَا الْفَرْقُ بِنَصٍّ آخَرَ. مَسْأَلَةٌ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ وَلَفْظُهُ: وَسَأَلْته عَمَّنْ تَخَلَّفَ مِنْ أَهْلِ بَرْشِلُونَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَنْ الِارْتِحَالِ عَنْهُمْ بَعْدَ السَّنَةِ الَّتِي أُجِّلَتْ لَهُمْ يَوْمَ فُتِحَتْ فِي ارْتِحَالِهِمْ فَأَغَارَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَفَرُّدًا مِمَّا يَخَافُ مِنْ الْقَتْلِ إنْ ظَفِرَ بِهِ. فَقَالَ: مَا أَرَاهُ إلَّا بِمَنْزِلَةِ الْمُحَارِبِ الَّذِي يَتَلَصَّصُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أُصِيبَ فَأَمْرُهُ إلَى الْإِمَامِ يَحْكُمُ فِيهِ بِمِثْلِ مَا يَحْكُمُ فِي أَهْلِ الْفَسَادِ وَالْحِرَابَةِ، وَأَمَّا مَالُهُ فَلَا أَرَاهُ لِأَحَدٍ أَصَابَهُ اهـ. مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ إنَّهُمْ فِي إغَارَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحَارِبِينَ صَحِيحٌ لَا خِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا حَارَبَ سَوَاءٌ كَانَتْ حِرَابَتُهُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ، أَوْ فِي بَلَدِ الْكُفْرِ الْحُكْمُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي مَالِهِ إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَصَابَهُ فَهُوَ خِلَافٌ ظَاهِرٌ. قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي يُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ يَغْزُو الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الدَّارَ فَيُصِيبُونَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ إذَنْ ذَلِكَ كُلُّهُ فَيْءٌ إذْ لَمْ يُفَرَّقْ فِيهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْجَيْشُ غَنَمَ مَالَهُ وَوَلَدَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، أَوْ بَعْدَ خُرُوجِهِ اهـ. قُلْت: فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا يُؤْذِنُ بِتَرْجِيحِ خِلَافِ مَا رَجَّحَهُ مَعَاصِرُهُ وَبَلَدِيُّهُ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ فِي مَالِ هَؤُلَاءِ الْمَسْئُولِ عَنْهُمْ وَأَوْلَادِهِمْ فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشُّيُوخِ يَظْهَرُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُلْحَقَةَ بِهِمْ فِي الْأَنْفُسِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَمْوَالِ جَارِيَةٌ عَلَى الْمُقِيمِينَ مَعَ النَّصَارَى الْحَرْبِيِّينَ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْخِلَافِ وَتَمَهَّدَ مِنْ التَّرْجِيحِ ثُمَّ إنْ حَارَبُونَا مَعَ أَوْلِيَائِهِمْ تَرَجَّحَتْ حِينَئِذٍ اسْتِبَاحَةُ دِمَائِهِمْ، وَإِنْ أَعَانُوهُمْ بِالْمَالِ عَلَى قِتَالِنَا تَرَجَّحَتْ اسْتِبَاحَةُ أَمْوَالِهِمْ، وَقَدْ تَرَجَّحَ سَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ بِالِاسْتِخْلَاصِ مِنْ أَيْدِيهِمْ وانْشِبَابِهِمْ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ آمِنِينَ مِنْ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ مَعْصُومِينَ مِنْ مَعْصِيَةِ تَرْكِ الْهِجْرَةِ. وَمَا ذَكَرْتُمْ فِي السُّؤَالِ مِنْ حُصُولِ النَّدَمِ وَالتَّسَخُّطِ لِبَعْضِ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِيِّينَ إلَى دَارِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا زَعَمُوا مِنْ ضِيقِ الْمَعَاشِ وَعَدَمِ الِانْتِعَاشِ زَعْمٌ فَاسِدٌ وَتَوَهُّمٌ كَاسِدٌ فِي نَظَرِ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ فَلَا يَتَوَهَّمُ هَذَا الْمَعْنَى وَيَعْتَبِرُهُ وَيَجْعَلُهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ إلَّا ضَعِيفُ الْيَقِينِ بَلْ عَدِيمُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ وَكَيْفَ يَتَخَيَّلُ هَذَا الْمَعْنَى وَيُدْلِي بِهِ حُجَّةً فِي إسْقَاطِ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَفِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَعْلَى اللَّهُ كَلِمَتَهُ مَجَالٌ رَحْبٌ لِلْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ وَالثَّقِيلِ وَالْخَفِيفِ. وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ تَعَالَى الْبِلَادَ فَيَسْتَجِيرُ بِهَا مَنْ أَصَابَتْهُ هَذِهِ الصَّدْمَةُ

стр. 377

الْكُفْرَانِيَّةُ وَالصَّاعِقَةُ النَّصْرَانِيَّةُ فِي الدِّينِ وَالْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ، فَقَدْ هَاجَرَ مِنْ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِهِمْ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِرَارًا بِدِينِهِمْ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ أَهْلِ مَكَّةَ جَمَاعَةٌ عَظِيمَةٌ وَزُمْرَةٌ كَرِيمَةٌ مِنْهُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَحَالُ أَرْضِ الْحَبَشَةِ غَيْرُ مَقَرِّهِمْ وَهَاجَرَ آخَرُونَ إلَى غَيْرِهَا وَهَجَرُوا أَوْطَانَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَآبَاءَهُمْ وَنَبَذُوهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ وَحَارَبُوهُمْ تَمَسُّكًا مِنْهُمْ بِدِينِهِمْ وَرَفْضًا لِدُنْيَاهُمْ فَكَيْفَ بِعَرَضٍ مِنْ أَعْرَاضِهَا لَا يُخِلُّ تَرْكُهُ بِتَكَسُّبٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُؤَثِّرُ رَفْضُهُ فِي مُتَّسَعِ الْمُسْتَرْزِقِينَ وَلَا سِيَّمَا هَذَا الْقُطْرُ الدِّينِيُّ الْمَغْرِبِيُّ صَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَزَادَهُ عِزًّا وَشَرَفًا وَوَقَاهُ مِنْ الْأَغْيَارِ وَالْأَكْدَارِ وَسَطًا وَطَرَفًا، فَإِنَّهُ مِنْ أَخْصَبِ أَرْضِ اللَّهِ أَرْضًا وَأَشْبَعِهَا بِلَادًا طُولًا وَعَرْضًا وَخُصُوصًا حَاضِرَةُ فَاسَ، وَأَنْظَارُهَا نَوَاحِيهَا مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ وَأَقْطَارِهَا. وَلَئِنْ سَلِمَ هَذَا الْوَهْمُ وَعَدِمَ صَاحِبُهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى الْعَقْلَ الرَّاجِحَ وَالرَّأْيَ النَّاجِحَ وَالْفَهْمَ، فَقَدْ أَقَامَ عِلْمًا وَبُرْهَانًا عَلَى نَفْسِهِ الْخَسِيسَةِ الرَّدِيَّةِ بِتَرْجِيحِ عَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ حُطَامِي مُحْتَقَرٍ عَلَى عِلْمٍ دِينِيٍّ أُخْرَوِيٍّ مُدَّخَرٍ وَبِئْسَ هَذِهِ الْمُفَاضَلَةُ وَالْأَرْجَحِيَّةُ وَخَابَ وَخَسِرَ مَنْ آثَرَهَا وَوَقَعَ فِيهَا. أَمَا عَلِمَ الْمَغْبُونُ فِي صَفْقَتِهِ النَّادِمِ عَلَى هِجْرَتِهِ مِنْ دَارٍ يُدْعَى فِيهَا التَّثْلِيثُ وَيُضْرَبُ فِيهَا النَّوَاقِيسُ وَيُعْبَدُ فِيهَا الشَّيْطَانُ وَيُكْفَرُ بِالرَّحْمَنِ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا دِينُهُ إذْ بِهِ نَجَاتُهُ الْأَبَدِيَّةُ وَسَعَادَتُهُ الْأُخْرَوِيَّةُ وَعَلَيْهِ يَبْذُلُ نَفْسَهُ النَّفِيسَةَ فَضْلًا عَنْ جُمْلَةِ حَالِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] وَأَعْظَمُ فَوَائِدِ الْمَالِ وَأَجَلِّهَا عِنْدَ الْعُقَلَاءِ إنْفَاقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ وَكَيْفَ يَقْتَحِمُ بِالتَّشَبُّثِ وَيَتَرَاءَى وَيَتَطَارَحُ، أَوْ يَتَسَارَعُ مِنْ أَجْلِهِ إلَى مُوَالَاةِ الْعُدَاةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] وَالدَّائِرَةُ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ فَوَاتُ التَّمَسُّكِ بِعَقَارِ الْمَالِ فَوُصِفَ بِمَرَضِ الْقَلْبِ وَضَعْفِ الْيَقِينِ، وَلَوْ كَانَ قَوِيَّ الدِّينِ صَحِيحَ الْيَقِينِ وَاثِقًا بِاَللَّهِ تَعَالَى مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ وَمُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَيْهِ لَمَا أَهْمَلَ قَاعِدَةَ التَّوَكُّلِ عَلَى عُلُوِّ رُتْبَتِهَا وَنُمُوِّ ثَمَرَتِهَا وَشَهَادَتِهَا بِصِحَّةِ الْإِيمَانِ وَرُسُوخِ الْيَقِينِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَلَا رُخْصَةَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْت فِي الرُّجُوعِ وَلَا فِي عَدَمِ الْهِجْرَةِ بِوَجْهٍ وَلَا حَالٍ، وَأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ مَهْمَا تَوَصَّلَ إلَى ذَلِكَ بِمَشَقَّةٍ فَادِحَةٍ، أَوْ حِيلَةٍ دَقِيقَةٍ بَلْ مَهْمَا وَجَدَ السَّبِيلَ إلَى التَّخَلُّصِ مِنْ رِبْقَةِ الْكُفْرِ، وَهُوَ لَا يَجِدُ عَشِيرَةً تَذُبُّ عَنْهُ وَحَمَاةً يَحْنُونَ عَلَيْهِ وَرَضِيَ بِالْمَقَامِ بِمَكَانٍ فِيهِ الضَّيْمُ عَلَى الدِّينِ وَالْمَنْعُ مِنْ إظْهَارِ شَعَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مَارِقٌ مِنْ الدِّينِ وَمُنْخَرِطٌ فِي سِلْكِ الْمُلْحِدِينَ وَالْوَاجِبُ الْفِرَارُ مِنْ دَارِ غَلَبَ عَلَيْهَا أَهْلُ الشِّرْكِ وَالْخُسْرَانِ إلَى دَارِ الْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَلِذَلِكَ قُوبِلُوا فِي الْجَوَابِ عِنْدَ الِاعْتِذَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] : أَيْ حَيْثُمَا تَوَجَّهَ الْمُهَاجِرُ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، فَإِنَّهُ يَجِدُ أَرْضَ اللَّهِ وَاسِعَةً وَمُتَّصِلَةً فَلَا عُذْرَ بِوَجْهٍ لِمُسْتَطِيعٍ، وَإِنْ كَانَ بِمَشَقَّةٍ فِي الْعَمَلِ، أَوْ فِي الْحِيلَةِ، أَوْ فِي اكْتِسَابِ الرِّزْقِ، أَوْ ضِيقٍ فِي الْمَعِيشَةِ إلَّا الْمُسْتَضْعَفُ الْعَاجِزُ رَأْسًا الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدِي سَبِيلًا، وَمَنْ بَادَرَ إلَى الْفِرَارِ وَسَارَعَ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ دَارِ الْبَوَارِ إلَى دَارِ الْأَبْرَارِ فَذَلِكَ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي الْحَالِ الْعَاجِلَةِ لِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ حَالُهُ فِي الْحَالِ الْآجِلَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ يُسِرَّ لَهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ كَانَ مَأْمُولًا لَهُ الظُّفْرُ وَالْفَوْزُ، وَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ الْعَمَلُ الْخَبِيثُ كَانَ مَخُوفًا عَلَيْهِ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ تَيَسَّرَ لِلْيُسْرَى وَانْتَفَعَ بِالذِّكْرَى وَمَا ذَكَرْت عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَبِيحِ الْكَلَامِ وَسَبِّ دَارِ الْإِسْلَامِ وَتَمَنِّي الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الشِّرْكِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَوَاحِشِ الْمُنْكَرَةِ الَّتِي لَا تُصْدَرُ إلَّا مِنْ اللِّئَامِ يُوجِبُ لَهُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَنْزِلُهُمْ أَسْوَأَ

стр. 378

الْمَنَازِلِ. فَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ مَكَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ وَيَسَّرَهُ لِلْيُسْرَى أَنْ يَقْبِضَ عَلَى هَؤُلَاءِ وَيُرْهِقُهُمْ الْعُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ وَالتَّنْكِيلَ الْمُبَرَّحَ ضَرْبًا وَسِجْنًا حَتَّى لَا يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ فِتْنَةَ هَؤُلَاءِ فِي الْأُمَّةِ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ فِتْنَةِ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ وَنَهْبِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ هَلَكَ هَالِكٌ فَإِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَرِيمِ عَفْوِهِ مَنْ هَلَكَ دِينُهُ فَإِلَى لَعْنَةِ اللَّهِ وَعَظِيمِ سَخَطِهِ، فَإِنَّ مَحَبَّةَ الْمُوَالَاةِ الشِّرْكِيَّةِ وَالْمُسَاكَنَةِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْعَزْمِ عَلَى رَفْضِ الْهِجْرَةِ وَالرُّكُونِ إلَى الْكُفَّارِ وَالرِّضَا بِدَفْعِ الْجِزْيَةِ إلَيْهِمْ وَنَبْذِ الْعِزَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالطَّاعَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْبَيْعَةِ السُّلْطَانِيَّةِ وَظُهُورِ السُّلْطَانِ النَّصْرَانِيِّ عَلَيْهَا وَإِذْلَالِهِ إيَّاهَا بِفَوَاحِشَ عَظِيمَةٍ مُهْلِكَةٍ قَاصِمَةِ الظُّهُورِ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - وَأَمَّا جُرْحَةُ الْمُقِيمِ وَالرَّاجِحِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَالْمُتَمَنِّي الرُّجُوعِ وَتَأْخِيرُهُ عَنْ الْمَرَاتِبِ الْكَمَالِيَّةِ مِنْ قَضَاءٍ وَشَهَادَةٍ وَإِمَامَةٍ فَمِمَّا لَا خَفَاءَ وَلَا امْتِرَاءَ عَمَّنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٌ مِنْ الْفُرُوعِ الِاجْتِهَادِيَّةِ وَالْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَكَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ كَذَلِكَ لَا يُقْبَلُ خِطَابُ حُكَّامِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَشَرْطُ قَبُولِ خِطَابِ الْقَاضِي صِحَّةُ وِلَايَتِهِ مِمَّنْ تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ بِوَجْهٍ احْتِرَازًا مِنْ مُخَاطَبَةِ قُضَاةِ أَهْلِ الْجِبَالِ كَقُضَاةِ مُسْلِمِي بُلُنْسِيَةَ وَطَرْطُوشَةَ وَخَوْصَرَةَ عِنْدَنَا وَنَحْوَ ذَلِكَ اهـ. وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ أَحْكَامٍ تَأْتِي فِي زَمَانِهِ مِنْ صِقِلِّيَّةَ مِنْ عِنْدِ قَاضِيهَا أَوْ شُهُودِ عُدُولِهَا هَلْ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَمْ لَا مَعَ أَنَّهَا ضَرُورَةٌ وَلَا تُدْرَى إقَامَتُهُمْ هُنَاكَ تَحْتَ أَهْلِ الْكُفْرِ هَلْ هِيَ اضْطِرَارٌ، أَوْ اخْتِيَارٌ. (فَأَجَابَ) الْقَادِحُ فِي هَذَا وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ يَشْمَلُ الْقَاضِيَ وَبَيِّنَاتِهِ مِنْ نَاحِيَةِ اخْتِلَالِ الْعَدَالَةِ إذْ لَا يُبَاحُ الْمُقَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي قِيَادِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالثَّانِي مِنْ نَاحِيَةِ الْوِلَايَةِ إذْ الْقَاضِي مُوَلَّى مَنْ قِبَلِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْأَوَّلُ لَهُ قَاعِدَةٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَشَبَهُهَا وَهِيَ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ وَمُبَاعَدَةُ الْمَعَاصِي عَنْهُمْ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهَا لِاحْتِمَالَاتٍ كَاذِبَةٍ وَتَوَهُّمَاتٍ وَاهِيَةٍ كَتَجْوِيزِ مَنْ ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ، وَقَدْ يَجُوزُ فِي الْخَفَاءِ وَنَفْسُ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً إلَّا مَنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى عِصْمَتِهِ، وَهَذَا التَّجْوِيزُ مَطْرُوحٌ وَالْحُكْمُ لِلظَّاهِرِ إذْ هُوَ الْأَرْجَحُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْ الْحَالِ مَا يُوجِبُ الْخُرُوجَ عَنْ الْعَدَالَةِ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ حِينَئِذٍ حَتَّى يَظْهَرَ بِأَيِّ وَجْهٍ زَوَالُ مُوجِبِ رَاجِعِيَّةِ الْعَدَالَةِ وَيَبْقَى الْحُكْمُ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَرَائِنَ مَحْصُورَةٍ فَيَعْمَلُ عَلَيْهَا وَقَرَائِنُ الْعَدَالَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَمْرٍ مُطْلَقٍ مُتَلَقًّى، وَقَدْ أَمْلَيْتُ مِنْ هَذَا طَرَفًا فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ وَذَكَرْتُ طَرِيقَةَ أَبِي الْمَعَالِي لَمَّا تَكَلَّمَ فِيمَا جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنْ الْوَقَائِعِ وَالْفِتَنِ ﵃ أَجْمَعِينَ -، وَهَذَا الْمُقِيمُ بِبَلَدِ الْحَرْبِ إنْ كَانَ اضْطِرَارًا فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ صَحِيحًا مِثْلُ إقَامَتِهِ بِبَلَدِ الْحَرْبِ لِرَجَاءِ فَدَايَةِ الْحَرْبِ وَنَقْلِهِمْ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْبَاقِلَّانِيُّ وَكَمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي تَجْوِيزِ الدُّخُولِ لِفِكَاكِ الْأَسِيرِ، وَأَمَّا لَوْ أَقَامَ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ التَّأْوِيلِ اخْتِيَارًا، فَهَذَا قَدْحٌ فِي عَدَالَتِهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي رَدِّ شَهَادَةِ الدَّاخِلِ اخْتِيَارَ التِّجَارَةِ فَمَنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ مِنْهُمْ وَشَكَّ فِي إقَامَتِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فَالْأَصْلُ عُذْرُهُ؛ لِأَنَّ جُلَّ الِاحْتِمَالَاتِ السَّابِقَةِ تَشْهَدُ لِعُذْرِهِ فَلَا تُرَدُّ لِاحْتِمَالٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرَائِنُ تَشْهَدُ أَنَّ إقَامَتَهُ كَانَتْ اخْتِيَارًا لَا لِوَجْهٍ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي، وَهُوَ تَوْلِيَةُ الْكَافِرِ لِلْقُضَاةِ وَالْأُمَنَاءِ وَغَيْرِهِمْ لِحَجْزِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، فَقَدْ ادَّعَى بَعْضُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَقْلًا، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا تَوْلِيَةَ الْكَافِرِ لِهَذَا الْقَاضِي. وَإِمَّا بِطَلَبِ الرَّعِيَّةِ لَهُ، أَوْ إقَامَتِهِ لَهُمْ لِلضَّرُورَةِ لِذَلِكَ فَلَا يُطْرَحُ حُكْمُهُ وَيُنَفَّذُ كَمَا لَوْ وَلَّاهُ سُلْطَانٌ مُسْلِمٌ وَفِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَالِفِ لِيَقْضِينَك حَقَّك إلَى أَجَلٍ أَقَامَ شُيُوخُ الْمَكَانِ مَقَامَ السُّلْطَانِ عِنْدَ فَقْدِهِ لِمَا يَخَافُ مِنْ فَوَاتِ الْقَضِيَّةِ وَعَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ وَغَلَبَ عَلَى بَلَدٍ

стр. 379

فَوَلَّى قَاضِيًا عَدْلًا فَأَحْكَامُهُ نَافِذَةٌ اهـ. قُلْت: وَأَفْتَى شُيُوخُ الْأَنْدَلُسِ فِيمَنْ فِي وِلَايَةِ الْعَاصِي الْمَارِقِ عُمَرَ بْنِ حَفْصُونٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا قَبُولُ خِطَابٍ وَاخْتُلِفَ فِي وِلَايَةِ وَقَبُولِ الْقَضَاءِ مِنْ الْأَمِيرِ غَيْرِ الْعَدْلِ فَفِي رِيَاضِ النُّفُوسِ فِي طَبَقَاتِ عُلَمَاءِ إفْرِيقِيَّةَ لِأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ الْمَالِكِيِّ قَالَ سَحْنُونٌ اخْتَلَفَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ وَابْنُ غَانِمٍ قَاضِي إفْرِيقِيَّةَ وَهُمَا مِنْ رُوَاةِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ ابْنُ فَرُّوخَ لَا يَنْبَغِي لِقَاضٍ إذَا وَلَّاهُ أَمِيرٌ غَيْرُ عَدْلٍ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ وَقَالَ ابْنُ غَانِمٍ يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ عَدْلٍ فَكَتَبَ بِهَا إلَى مَالِكٍ فَقَالَ مَالِكٌ أَصَابَ الْفَارِسِيُّ يَعْنِي ابْنَ فَرُّوخَ وَأَخْطَأَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ يَعْنِي ابْنَ غَانِمٍ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمْ يَجْعَلُوا قَبُولَ الْوِلَايَةِ لِلْمُتَغَلِّبِ الْمُخَالِفِ لِلْإِمَامِ جُرْحَةٌ لِخَوْفِ تَعْطِيلِ أَحْكَامٍ اهـ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنْ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَمَّا الْأُخْرَوِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَنْ أَفْنَى شَيْبَهُ وَشَبَابَهُ فِي مُسَاكَنَتِهِمْ وَتُوَلِّيهِمْ، وَلَمْ يُهَاجِرْ، أَوْ هَاجَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى وَطَنِ الْكُفْرِ وَأَصَرَّ عَلَى ارْتِكَابِ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَةِ إلَى حِينِ وَفَاتِهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَجُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُمْ مُعَاقَبُونَ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَلَّدِينَ فِي الْعَذَابِ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِمْ الْحَقُّ فِي انْقِطَاعِ عَذَابِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَتَخْلِيصِهِمْ بِشَفَاعَةِ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ ﷺ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ حَسْبَمَا وَرَدَتْ بِهِ صِحَاحُ الْأَخْبَارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] إلَّا أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وَقَوْلُهُ ﵊ «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» . وَقَوْلُهُ ﵊ «فَمَنْ سَاكَنَهُمْ، أَوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ شَدِيدٌ جِدًّا عَلَيْهِمْ» وَمَا ذَكَرْتُمْ عَنْ سَخِيفِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ مِنْ قَوْلِهِ إلَى هَاهُنَا يُهَاجِرُ فِي قَالِبِ الِازْدِرَاءِ وَالتَّهَكُّمِ، وَقَوْلُ السَّفِيهِ الْآخَرِ إنْ جَازَ صَاحِبُ فشتالة إلَى هَذِهِ النَّوَاحِي فَسِرْ إلَيْهِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ الْبَشِيعِ وَلَفْظِهِ الشَّنِيعِ لَا يَخْفَى عَلَى سِيَادَتِكُمْ مَا فِي كَلَامِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ السَّمَاجَةِ وَالتَّعْيِيرِ وَالْهُجْنَةِ وَسُوءِ النَّكِيرِ إذْ لَا يَتَفَوَّهُ بِذَلِكَ وَلَا يَسْتَبِيحُهُ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَفَقَدَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى حِسَّهُ وَرَامَ رَفْعَ مَا صَحَّ ذَمُّهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ فِي جَمِيعِ مَعْمُورِ الْأَرْضِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلَى مَغْرِبِهَا إلَّا لِأَغْرَاضٍ فَاسِدَةٍ فِي نَظَرِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي لَا وَهَنَ بِهَا وَلَا رَيْبَ فَلَا تَصْدُرُ هَذِهِ الْأَغْرَاضُ الْهَوْسِيَّةُ إلَّا مِنْ قَلْبٍ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ وَسُكْنَاهُ مِنْ الْأَوْطَانِ، وَمَنْ ارْتَبَكَ فِي هَذَا وَتَوَرَّطَ فِيهِ، فَقَدْ اسْتَعْجَلَ لِنَفْسِهِ الْخَبِيثَةِ الْخِزْيَ الْمَضْمُونَ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسَاوَى فِي الْعِصْيَانِ وَالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَالْمَقْتِ وَالسَّمَاجَةِ وَالْإِبْعَادِ وَالِاسْتِنْقَاصِ وَاسْتِحْقَاقِ الْمَلَامَةِ وَالْمَذَمَّةِ الْكُبْرَى التَّارِكِ لِلْهِجْرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ بِمُوَالَاةِ الْأَعْدَاءِ وَالسُّكْنَى بَيْنَ أَظْهُرِ الْبُعَدَاءِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ الْحَاصِلِ مِنْ هَذَيْنِ الْخَبِيثَيْنِ عَزْمٌ، وَهُوَ التَّصْمِيمُ وَتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى الْفِعْلِ وَهُمَا لَمْ يَفْعَلَا. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ الْأَشَاعِرَةُ فِي الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ فَنَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ كَثِيرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ وَاحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثٍ «إذَا اصْطَفَّ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ فَأَثِمُوا بِالْحِرْصِ» ، فَأُجِيبُ بِأَنَّ اللِّقَاءَ وَإِشْهَارَهُ السِّلَاحَ فِعْلٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحِرْصِ وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ يَقُولُ: الْقَاضِي قَالَ عَامَّةُ السَّلَفِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُحَدِّثِينَ لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِعَمَلِ الْقَلْبِ وَحَمَلُوا الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْهَمِّ قِيلَ لِلثَّوْرِيِّ أَنُؤَاخَذُ بِالْهِمَّةِ قَالَ إذَا كَانَتْ عَزْمًا قَالُوا: إنَّمَا يُؤَاخَذُ بِسَيِّئَةِ الْعَزْمِ؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ كَسَيِّئَةِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُفْعَلْ، فَإِنْ فُعِلَتْ كُتِبَتْ سَيِّئَةً ثَانِيَةً، وَإِنْ كُفَّ عَنْهَا كُتِبَتْ حَسَنَةً لِحَدِيثِ «إنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّائِي» وَقَالَ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ تَظَاهَرَتْ النُّصُوصُ بِالْمُؤَاخَذَةِ بِالْعَزْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى

стр. 380

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ١٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى حُرْمَةِ الْحَسَدِ وَاحْتِقَارِ النَّاسِ وَإِرَادَةِ الْمَكْرُوهِ بِهِمْ اهـ. وَاعْتَرَضَ هَذَا الْأَشْيَاخُ بِأَنَّ الْعَزْمَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ مَا لَهُ صُورَةٌ فِي الْخَارِجِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَمَّا مَا لَا صُورَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ كَالِاعْتِقَادَاتِ وَضَغَائِنِ النَّفْسِ مِنْ الْحَسَدِ وَنَحْوِهِ فَلَيْسَ مِنْ صُوَرِ مَحَلِّ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ فِي نَفْسِهِ بِهِ وَقَعَ التَّكْلِيفُ فَلَا يُحْتَجُّ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي فِيهِ وَلْيَكُنْ هَذَا آخِرَ مَا ظَهَرَ كَتْبُهُ مِنْ الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الْمُفِيدِ الْمُوَجَّهِ مِنْ قِبَلِ الْفَقِيهِ الْمُعَظَّمِ الْخَطِيبِ الْفَاضِلِ الْقُدْوَةِ الصَّالِحِ الْبَقِيَّةِ وَالْجُمْلَةِ الْفَاضِلَةِ النَّقِيَّةِ السَّيِّدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُطْبَةَ أَدَامَ اللَّهُ تَعَالَى سُمُوَّهُ وَرُقِيَّهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَرْجَمَ هَذَا الْجَوَابُ وَيُسَمَّى بِأَسْنَى الْمَتَاجِرِ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ مَنْ غَلَبَ عَلَى وَطَنِهِ النَّصَارَى، وَلَمْ يُهَاجِرْ وَمَا يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مِنْ الْعُقُوبَاتِ وَالزَّوَاجِرِ وَاَللَّهُ أَسْأَلُ أَنْ يُنَفِّعَ بِهِ وَيُضَاعِفَ الْأَجْرَ بِسَبَبِهِ، قَالَهُ وَخَطَّهُ الْعَبْدُ الْمُسْتَغْفِرُ الْفَقِيرُ الْمُسْلِمُ عُبَيْدُ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَنْشَرِيسِيُّ وَفَقَّهَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ كَتْبِهِ يَوْمَ الْأَحَدِ التَّاسِعَ عَشْرَ لِذِي الْقِعْدَةِ الْحَرَامِ عَامَ سَنَةٍ وَتِسْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ عَرَّفَنَا اللَّهُ خَيْرَهُ اهـ. وَنَصُّ السُّؤَالِ الْمُجَابِ عَنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ جَوَابُكُمْ يَا سَيِّدِي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْكُمْ - وَمَتَّعَ الْمُسْلِمِينَ بِحَيَاتِكُمْ فِي نَازِلَةٍ، وَهِيَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ الْأَنْدَلُسِ وَتَرَكُوا هُنَالِكَ الدُّورَ وَالْأَرْضِينَ وَالْجَنَّاتِ وَالْكُرُومَاتِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأُصُولِ وَبَذَلُوا عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةً كَثِيرَةً مِنْ نَاضِّ الْمَالِ وَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِ الْمِلَّةِ الْكَافِرَةِ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ فَرُّوا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِإِيمَانِهِمْ، وَأَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَمَا بَقِيَ بِأَيْدِيهِمْ أَوْ بِأَيْدِي بَعْضِهِمْ مِنْ الْأَمْوَالِ وَاسْتَقَرُّوا بِحَمْدِ اللَّهِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ تَحْتَ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ وَحُكْمِ الذِّمَّةِ الْمُسْلِمَةِ نَدِمُوا عَلَى الْهِجْرَةِ بَعْدَ حُضُورِهِمْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَسَخِطُوا وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ وَجَدُوا الْحَالَ عَلَيْهِمْ ضَيِّقَةً، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا بِدَارِ الْإِسْلَامِ الَّتِي هِيَ الْمَغْرِبُ هَذِهِ صَانَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَحَرَسَ أَوْطَانَهَا وَنَصَرَ سُلْطَانَهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّسَبُّبِ فِي طَلَبِ أَنْوَاعِ الْمَعَاشِ عَلَى الْجُمْلَةِ رِفْقًا وَلَا يُسْرًا وَلَا مُرْتَفِقًا وَلَا إلَى التَّصَرُّفِ فِي الْأَقْطَارِ أَمْنًا لَائِقًا وَصَرَّحُوا فِي هَذَا الْمَعْنَى بِأَنْوَاعٍ مِنْ قَبِيحِ الْكَلَامِ الدَّالِّ عَلَى ضَعْفِ دِينِهِمْ وَعَدَمِ صِحَّةِ يَقِينِهِمْ فِي مُعْتَقَدِهِمْ، وَأَنَّ هَجَرْتهمْ لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا زَعَمُوا أَنَّهَا كَانَتْ لِدُنْيَا يُصِيبُونَهَا عَاجِلًا عِنْدَ وُصُولِهِمْ جَارِيَةً عَلَى وَفْقِ أَهْوَائِهِمْ فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوهَا وَفْقَ أَغْرَاضِهِمْ صَرَّحُوا بِذَمِّ دَارِ الْإِسْلَامِ وَشَأْنِهِ وَشَتْمِ الَّذِي كَانَ السَّبَبَ فِي هَذِهِ الْهِجْرَةِ وَسَبِّهِ وَبِمَدْحِ دَارِ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ وَالنَّدَمِ عَلَى مُفَارِقَتِهِ وَرُبَّمَا حُفِظَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ عَلَى جِهَةِ الْإِنْكَارِ لِلْهِجْرَةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ الَّتِي هِيَ هَذَا الْوَطَنُ صَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى هَاهُنَا يُهَاجَرُ مِنْ هُنَاكَ بَلْ مِنْ هَاهُنَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ إلَى هُنَاكَ. وَعَنْ آخَرَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ إنْ جَازَ صَاحِبُ فشتالة إلَى هَذِهِ النَّوَاحِي نَسْرِ إلَيْهِ فَنَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَرُدَّنَا إلَى هُنَاكَ يَعْنِي إلَى دَارِ الْكُفْرِ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَيْضًا يَرُومُونَ أَعْمَالَ الْحِيلَةِ فِي الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْكُفْرِ وَمُعَاوَدَةِ الدُّخُولِ تَحْتَ الذِّمَّةِ الْكَافِرَةِ كَيْفَ أَمْكَنَهُمْ فَمَا الَّذِي يَلْحَقُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِثْمِ وَنَقْصِ رُتْبَةِ الدِّينِ وَالْجُرْحَةِ وَهَلْ هُمْ بِهِ مُرْتَكِبُونَ الْمَعْصِيَةَ الَّتِي كَانُوا فَرُّوا مِنْهَا إنْ تَمَادَوْا عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَتُوبُوا، وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَكَيْفَ بِمَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْحُصُولِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى دَارِ الْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ بِالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ، أَوْ بِمَعْنَاهُ شَهَادَةُ أَدَبٍ أَوْ لَا حَتَّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِالْوَعْظِ وَالْإِنْذَارِ عَنْ ذَلِكَ فَمَنْ تَابَ إلَى اللَّهِ يُرْجَى لَهُ قَبُولُ التَّوْبَةِ، وَمَنْ تَمَادَى عَلَيْهِ أُدِّبَ، أَوْ يَعْرِضُ عَنْهُمْ وَيَتْرُك كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ وَمَا اخْتَارَهُ فَمِنْ ثَبَتَهُ اللَّه فِي دَار الْإِسْلَام رَاضِيًا فَلَهُ نِيَّته وَأَجْره عَلَى اللَّه سُبْحَانه وَمِنْ اخْتَارَ الرُّجُوع إلَى دَار الْكُفْر وَمُعَاوَدَة الذِّمَّة الْكَافِرَة يَذْهَب إلَى سَخَط اللَّه وَمِنْ ذَمّ دَار الْإِسْلَام مِنْهُمْ صَرِيحًا، أَوْ مَعْنَى تَرَكَ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ بَيَّنُوا لَنَا

стр. 381

حُكْم اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ كُلّه، وَهَلْ مِنْ شَرْط الْهِجْرَة أَنْ لَا يُهَاجِر إلَّا إلَى دُنْيَا مَضْمُونَة يُصِيبهَا عَاجِلًا عِنْد وُصُوله جَارِيَة عَلَى وَفَّقَ غَرَضه حَيْثُ حَلَّ أَبَدًا فِي نَوَاحِي الْإِسْلَام، أَوْ لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطِ بَلْ تُجِبْ عَلَيْهِمْ الْهِجْرَة مِنْ دَار الْكُفْر إلَى دَار الْإِسْلَام إلَى حِلُّو، أَوْ مَرَّ، أَوْ وَسِعَ، أَوْ ضَيِّق أَوْ يَسِرْ، أَوْ عُسْر بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحْوَالِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا الْمَقْصِدُ بِهَا سَلَامَةُ الدِّينِ وَالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ مَثَلًا وَالْخُرُوجُ مِنْ حُكْمِ الْمِلَّةِ الْكَافِرَةِ إلَى حُكْمِ الْمِلَّةِ الْمُسْلِمَةِ إلَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حُلْوٍ، أَوْ مُرٍّ، أَوْ ضِيقِ عَيْشٍ، أَوْ سِعَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْوَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ بَيَانًا شَافِيًا مُجَرَّدًا مَشْرُوحًا كَافِيًا يَأْجُرُكُمْ اللَّهُ وَالسَّلَامُ الْكَرِيمُ يَعْتَمِدُ مَقَامَكُمْ الْعَالِيَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ. ثُمَّ قَالَ فِي الْمِعْيَارِ عَقِبَ الْجَوَابِ السَّابِقِ مَا نَصُّهُ وَكَتَبَ إلَى الْفَقِيهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا بِمَا نَصُّهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ جَوَابُكُمْ يَا سَيِّدِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَمَتَّعَ الْمُسْلِمِينَ بِحَيَاتِكُمْ فِي نَازِلَةٍ وَهِيَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ آفِلَةَ مَعْرُوفٌ بِالْفَضْلِ وَالدِّينِ تَخَلَّفَ عَنْ الْهِجْرَةِ مَعَ أَهْلِ بَلَدِهِ لِيَبْحَثَ عَنْ أَخٍ لَهُ، فَقَدْ قُتِلَ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ بِأَرْضِ الْحَرْبِ فَبَحَثَ عَنْ خَبَرِهِ إلَى الْآنَ فَلَمْ يَجِدْهُ وَأَيِسَ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ فَعَرَضَ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ لِسَانُ عَوْنٍ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الذِّمِّيِّينَ حَيْثُ سُكْنَاهُ وَلِمَنْ جَاوَرَهُمْ أَيْضًا مِنْ أَمْثَالِهِمْ بِقَرْيَةِ الْأَنْدَلُسِ يَتَكَلَّمُ عَنْهُمْ مَعَ حُكَّامِ النَّصَارَى فِيمَا يَعْرِضُ لَهُمْ مَعَهُمْ مِنْ نَوَائِبِ الدَّهْرِ وَيُخَاصِمُ عَنْهُمْ وَيُخَلِّصُ كَثِيرًا مِنْهُمْ مِنْ وَرَطَاتٍ عَظِيمَةٍ بِحَيْثُ إنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ تَعَاطِي ذَلِكَ مِنْهُمْ أَكْثَرُهُمْ قَلَّ مَا يَجِدُونَ مِثْلَهُ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ إنْ هَاجَرَ وَبِحَيْثُ إنَّهُمْ يَلْحَقُهُمْ فِي فَقْدِهِ ضَرَرٌ كَثِيرٌ إنْ فَقَدُوهُ فَهَلْ يُرَخَّصُ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ مَعَهُمْ تَحْتَ حُكْمِ الْمِلَّةِ الْكَافِرَةِ لِمَا فِي إقَامَتِهِ هُنَالِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لِأُولَئِكَ الْمَسَاكِينِ قَبْلَ الذِّمِّيِّينَ مَعَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْهِجْرَةِ مَتَى شَاءَ، أَوْ لَا يُرَخَّصُ لَهُ إذْ لَا رُخْصَةَ لَهُمْ أَيْضًا فِي إقَامَتِهِمْ هُنَاكَ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْكُفْرِ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ سُمِحَ لَهُمْ فِي الْهِجْرَةِ مَعَ أَنَّ الْأَكْثَرَ قَادِرُونَ عَلَيْهَا مَتَى أَحَبُّوا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَهَلْ يُرَخَّصُ لَهُ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ بِثِيَابِهِ حَسَبَ اسْتِطَاعَتِهِ إذْ لَا تَخْلُو فِي الْغَالِبِ عَنْ نَجَاسَةٍ لِكَثْرَةِ مُخَالَطَةِ النَّصَارَى وَتَصَرُّفِهِ بَيْنَهُمْ وَرُقَادِهِ وَقِيَامِهِ فِي دِيَارِهِمْ فِي خِدْمَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الذِّمِّيِّينَ حَسْبَمَا ذُكِرَ بَيِّنُوا لَنَا حُكْمَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَأْجُورِينَ مَشْكُورِينَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالسَّلَامُ الْكَرِيمُ يَعْتَمِدُ مَقَامَكُمْ الْعَالِيَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ الْجَوَابُ وَاَللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ بِفَضْلِهِ أَنَّ إلَهَنَا الْوَاحِدَ الْقَهَّارَ قَدْ جَعَلَ الْجِزْيَةَ وَالصِّغَارَ فِي أَعْنَاقِ مَلَاعِينِ الْكُفْرِ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا يَطُوفُونَ بِهَا فِي الْأَقْطَارِ وَفِي أُمَّهَاتِ الْمَدَائِنِ وَالْأَمْصَارِ إظْهَارًا لِعِزَّةِ الْإِسْلَامِ وَشَرَفِ نَبِيِّهِ الْمُخْتَارِ، فَمَنْ حَاوَلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَصَمَهُمْ اللَّهُ وَوَفَّرَهُمْ انْقِلَابَ تِلْكَ السَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ فِي عُنُقِهِ، فَقَدْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَعَرَّضَ بِنَفْسِهِ إلَى سَخَطِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ وَحَقِيقٌ أَنْ يُكَبْكِبَهُ مَعَهُمْ فِي النَّارِ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ السَّعْيُ فِي حِفْظِ رَأْسِ الْإِيمَانِ بِالْبُعْدِ وَالْفِرَارِ عَنْ مُسَاكَنَةِ أَعْدَاءِ حَبِيبِ الرَّحْمَنِ وَالِاعْتِلَالُ لِإِقَامَةِ الْفَاضِلِ الْمَذْكُورِ بِمَا عَرَضَ مِنْ عَرَضِ التَّرْجَمَةِ بَيْنَ الطَّاغِيَةِ وَأَهْلِ ذِمَّتِهِ مِنْ الذِّمِّيِّينَ الْعُصَاةِ لَا يَخْلُصُ مِنْ وَاجِبِ الْهِجْرَةِ وَلَا يُتَوَهَّمُ مُعَارَضَةُ مَا سُطِّرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ الْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ بِحُكْمِهَا الْوَاجِبِ إلَّا مُتَجَاهِلٌ أَوْ جَاهِلٌ مَعْكُوسُ الْفِطْرَةِ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ مَدَارِكِ الشَّرْعِ خِبْرَةٌ؛ لِأَنَّ مُسَاكَنَةَ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالصِّغَارُ لَا تَجُوزُ وَلَا تُبَاحُ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ لِمَا تُنْتِجُهُ مِنْ الْأَدْنَاسِ

стр. 382

وَالْأَضْرَارِ وَالْمَفَاسِدِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ طُولَ الْأَعْمَارِ: مِنْهَا أَنَّ غَرَضَ الشَّرْعِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ وَشَهَادَةُ الْحَقِّ قَائِمَةً عَلَى ظُهُورِهَا عَالِيَةً عَلَى غَيْرِهَا مُنَزَّهَةً عَنْ الِازْدِرَاءِ بِهَا وَمِنْ ظُهُورِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ عَلَيْهَا وَمُسَاكَنَتِهِمْ تَحْتَ الذِّلَّةِ وَالصِّغَارِ تَقْتَضِي وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ الشَّرْعِيَّةُ الشَّرِيفَةُ الْعَالِيَةُ الْمُنِيفَةُ سَافِلَةً لَا عَالِيَةً وَمُزْدَرًى بِهَا لَا مُنَزَّهَةً وَحَسْبُك بِهَذِهِ الْمُخَالَفَةِ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأُصُولِ، وَمَنْ يَتَحَمَّلُهَا وَيَصْبِرُ عَلَيْهَا طُولَ عُمْرِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا إكْرَاهٍ وَمِنْهَا إكْمَالُ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِي الشَّهَادَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْإِعْلَانِ وَالظُّهُورُ لَا يَكُونُ وَلَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِكَمَالِ الظُّهُورِ وَالْعُلَا وَالنَّزَاهَةِ مِنْ الِازْدِرَاءِ وَالِاحْتِقَارِ فِي مُسَاكَنَةِ الْكُفَّارِ وَمُلَابَسَةِ الْفُجَّارِ تَعْرِيضُهَا لِلْإِضَاعَةِ وَالِازْدِرَاءِ وَالْهُزُؤِ وَاللَّعِبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] وَحَسْبُك بِهَذِهِ الْمُخَالَفَةِ أَيْضًا. وَمِنْهَا إيتَاءُ الزَّكَاةِ وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ وَسَرِيرَةٍ مُسْتَنِيرَةٍ أَنَّ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ لِلْإِمَامِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَشَعَائِرِ الْأَنَامِ وَحَيْثُ لَا إمَامَ فَلَا إخْرَاجَ لِعَدَمِ شَرْطِهَا فَلَا زَكَاةَ لِفَقْدِ مُسْتَحِقِّهَا، فَهَذَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ مُنْهَدِمٌ بِهَذِهِ الْمُوَالَاةِ الْكُفْرِيَّةِ، وَأَمَّا إخْرَاجُهَا لِمَنْ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَخْفَى أَيْضًا مَا فِيهِ مِنْ الْمُنَاقَضَةِ لِلْمُتَعَبَّدَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كُلِّيًّا وَمِنْهَا صِيَامُ رَمَضَانَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ وَزَكَاةُ الْأَبَدَانِ وَهِيَ مَشْرُوطَةٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ابْتِدَاءً وَانْقِضَاءً وَفِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ إنَّمَا تَثْبُتُ الرُّؤْيَةُ بِالشَّهَادَةِ وَالشَّهَادَةُ لَا تُؤَدَّى إلَّا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ وَخُلَفَائِهِمْ وَحَيْثُ لَا إمَامَ وَلَا خَلِيفَةَ فَلَا شَهَادَةَ فَيَكُونُ الشَّهْرُ إذْ ذَاكَ مَشْكُوكُ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ فِي الْعَمَلِ الشَّرْعِيِّ وَمِنْهَا حَجُّ الْبَيْتِ، وَالْحَجُّ وَإِنْ كَانَ سَاقِطًا عَنْهُمْ لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ؛ لِأَنَّهَا مَوْكُولَةٌ إلَيْهِمْ بِالْجِهَادِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْحَقِّ، وَمَحْوُ الْكُفْرِ مِنْ قَوَاعِدِ الْأَعْمَالِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَعِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ وَلَا سِيَّمَا بِمَوَاضِعِ هَذِهِ الْإِقَامَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا وَمَا يُجَاوِرُهَا لِمِثْلِهِمْ إنَّمَا هُوَ ضَرُورَةٌ مَانِعَةٌ مِنْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَالْعَازِمِ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَالْعَازِمُ عَلَى التَّرْكِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَالتَّارِكِ قَصْدًا مُخْتَارًا، وَأَمَّا مُقْتَحِمُو نَقِيضِهِ بِمُعَاوَنَةِ أَوْلِيَائِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إمَّا بِالنُّفُوسِ. وَإِمَّا بِالْأَمْوَالِ فَيَصِيرُونَ حِينَئِذٍ حَرْبِيِّينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَحَسْبُك بِهَذَا مُنَاقَضَةً وَضَلَالًا، وَقَدْ اتَّضَحَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ نَقْصُ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ وَزَكَاتِهِمْ وَجِهَادِهِمْ وَإِخْلَالِهِمْ بِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَشَهَادَةِ الْحَقِّ وَإِهْمَالِهِمْ لِإِجْلَالِهَا وَتَعْظِيمِهَا وَتَنْزِيهِهَا عَنْ ازْدِرَاءِ الْكُفَّارِ وَتُلَاعِبْ الْفُجَّارِ فَكَيْفَ يَتَوَقَّفُ مُتَشَرِّعٌ، أَوْ يَشُكُّ مُتَوَرِّعٌ فِي تَحْرِيمِ هَذِهِ الْإِقَامَةِ مَعَ اسْتِلْزَامِهَا لِمُخَالَفَةِ جَمِيعِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ الْإِسْلَامِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْجَلِيلَةِ مَعَ مَا يَنْضَمُّ إلَيْهَا وَيَقْتَرِنُ بِهَذِهِ الْمُسَاكَنَةِ الْمَقْهُورَةِ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا غَالِبًا مِنْ التَّنْقِيصِ الدُّنْيَوِيِّ وَتَحَمُّلِ الذِّلَّةِ وَالْمَهَانَةِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَعْهُودِ عِزَّةِ الْإِسْلَامِ وَرِفْعَةِ أَقْدَارِهِمْ وَدَاعٍ إلَى احْتِقَارِ الدِّينِ وَاهْتِضَامِهِ وَمِنْ أُمُورٍ تُصَمُّ مِنْهَا الْمَسَامِعُ مِنْهَا الْإِخْلَالُ وَالِاحْتِقَارُ وَالْإِهَانَةُ، وَقَدْ قَالَ ﵊ «لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» وَقَالَ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى» وَمِنْهَا الِازْدِرَاءُ وَالِاسْتِهْزَاءُ وَلَا يَتَحَمَّلُهُمَا ذُو مُرُوءَةٍ فَاضِلَةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَمِنْهَا السَّبُّ وَالْإِذَايَةُ فِي الْعِرْضِ وَرُبَّمَا كَانَتْ فِي الْبَدَنِ وَالْمَالِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ خِسَّةِ الْهِمَّةِ وَالْمُرُوءَةِ وَمِنْهَا الِاسْتِقْرَارُ فِي مُشَاهَدَةِ الْمُنْكَرَاتِ وَالتَّعَرُّضِ لِمُلَابَسَةِ النَّجَاسَاتِ وَأَكْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُتَشَابِهَات وَمِنْهَا مَا يُتَوَقَّعُ مَخُوفًا فِي هَذِهِ الْإِقَامَةِ وَهِيَ أُمُورٌ أَيْضًا مِنْهَا نَقْضُ الْعَهْدِ مِنْ الْمِلْكِ وَالتَّسَلُّطُ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَالْمَالِ: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَهَى عَنْ الْإِقَامَةِ بِجَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ رِبَاطًا لَا يُجْهَلُ فَضْلُهُ وَمَعَ مَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُوَّةِ وَالظُّهُورِ وَوُفُورِ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ نَهَى عَنْهُ خَلِيفَةُ الْوَقْتِ الْمُتَّفَقُ عَلَى دِينِهِ وَفَضْلِهِ وَصَلَاحِهِ وَنَصِيحَتِهِ لِرَعِيَّتِهِ خَوْفَ التَّغْرِيرِ فَكَيْفَ بِمَنْ أَلْقَى نَفْسَهُ

стр. 383

وَأَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ بِأَيْدِيهِمْ عِنْدَ قُوَّتِهِمْ وَظُهُورِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَوُفُورِ عَدَدِهِمْ اعْتِمَادًا عَلَى وَفَاءِ عَهْدِهِمْ فِي شَرِيعَتِهِمْ وَنَحْنُ لَا نَقْبَلُ شَهَادَتَهُمْ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِمْ فَضْلًا عَنْ قَبُولِهَا بِالْإِضَافَةِ إلَيْنَا وَكَيْفَ يُعْتَمَدُ عَلَى زَعْمِهِمْ بِالْوَفَاءِ مَعَ مَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْمُتَوَقَّعِ وَمَعَ مَا يَشْهَدُ لَهُ مِنْ الْوَقَائِعِ عِنْدَ مَنْ بَحَثَ وَاسْتَقْرَأَ الْأَخْبَارَ فِي مَعْمُورِ الْأَقْطَارِ. وَمِنْهَا الْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَالْمَالِ أَيْضًا مِنْ شِرَارِهِمْ وَسُفَهَائِهِمْ وَمُغْتَالِيهِمْ هَذَا عَلَى فَرْضِ وَفَاءِ دَهَاقِينِهِمْ وَمَلَكِهِمْ، وَهَذَا أَيْضًا تَشْهَدُ لَهُ الْعَادَةُ وَيُقَرِّرُهُ الْوَاقِعُ وَمِنْهَا الْخَوْفُ مِنْ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ وَهَبْ أَنَّ الْكِبَارَ الْعُقَلَاءَ قَدْ يَأْمَنُونَهَا فَمَنْ يُؤَمِّنُ الصِّغَارَ وَالسُّفَهَاءَ وَضَعَفَةَ النِّسَاءِ إذَا اُنْتُدِبَ إلَيْهِمْ دَهَاقِينُ الْأَعْدَاءِ وَشَيَاطِينُهُمْ. وَمِنْهَا الْخَوْفُ مِنْ الْفِتْنَةِ عَلَى الْأَبْضَاعِ وَالْفُرُوجِ وَمَتَى يَأْمَنُ ذُو زَوْجَةٍ، أَوْ ابْنَةٍ، أَوْ قَرِيبَةٍ وَضِيئَةٍ أَنْ يَعْثُرَ عَلَيْهَا وَضِيءٌ مِنْ كِلَابِ الْأَعْدَاءِ وَخَنَازِيرِ الْبُعَدَاءِ فَيَغُرَّهَا فِي نَفْسِهَا وَيَغْتَرَّهَا فِي دِينِهَا يَسْتَوْلِي عَلَيْهَا وَتُطَاوِعُهُ وَيُحَالُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلِيِّهَا بِلَا امْتِرَاءٍ وَالْفِتْنَةُ فِي الدِّينِ مُكْنَةُ الْمُعْتَدِينَ عَادَ، وَمَنْ بِهَا مِنْ الْأَوْلَادِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ الْبَلَاءِ وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ وَمِنْهَا الْخَوْفُ مِنْ سَرَيَانِ سَيْرِهِمْ وَلِسَانِهِمْ وَلِبَاسِهِمْ وَعَوَائِدِهِمْ الْمَذْمُومَةِ إلَى الْمُقِيمِينَ مَعَهُمْ بِطُولِ السِّنِينَ كَمَا عَرَضَ لِأَهْلِ آيِلَةَ وَغَيْرِهِمْ وَفُقِدَ اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ جُمْلَةً، وَإِذَا فُقِدَ اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ جُمْلَةً فُقِدَتْ مُتَعَبِّدَاتُهُ وَنَاهِيَك مِنْ فَوَاتِ الْمُتَعَبِّدَاتِ اللَّفْظِيَّةِ مَعَ كَثْرَتِهَا أَوْ كَثْرَةِ فَضَائِلِهَا. وَمِنْهَا الْخَوْفُ مِنْ التَّسَلُّطِ عَلَى الْمَالِ بِإِحْدَاثِ الْوَظَائِفِ الثَّقِيلَةِ وَالْمَغَارِمِ الْمُجْحِفَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى اسْتِغْرَاقِ الْمَالِ وَإِحَاطَةِ الضَّرَّابِينَ الْكُفْرِيَّةِ بِهِ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي صُورَةِ ضَرُورَةِ فِتْنَةٍ، أَوْ دَفْعِ اسْتِنَادٍ إلَى تَلْفِيقٍ مِنْ الْعُذْرِ وَالتَّأْوِيلِ وَلَا يُسْتَطَاعُ مُرَاجَعَتُهُمْ فِيهِ وَلَا مُنَاظَرَتُهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَايَةِ مِنْ الضَّعْفِ وَوُضُوحِ الْوَهْنِ وَالْفَسَادِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَحْرِيكِ دَوَاعِي الْحِقْدِ وَدَاعِيَةً لِنَقْضِ الْعَهْدِ وَالتَّسَلُّطِ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، وَهَذَا يَشْهَدُ لَهُ الْوُقُوعُ عِنْدَ مَنْ بَحَثَ بَلْ رُبَّمَا وَقَعَ فِي مَوْضِعِ النَّازِلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا وَفِي غَيْرِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الْمَفَاسِدِ الْوَاقِعَةِ وَالْمُتَوَقَّعَةِ تَحْرِيمُ هَذِهِ الْإِقَامَةِ وَخَطَرِ هَذِهِ الْمُسَاكَنَةِ الْمُنْحَرِفَةِ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَعَاضِدَةٍ مُؤَدِّيَةٍ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ بَلْ نَقَلَ الْأَئِمَّةُ حُكْمَ هَذَا الْأَصْلِ إلَى غَيْرِهِ لِقُوَّتِهِ وَظُهُورِهِ فِي التَّحْرِيمِ فَقَالَ إمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّ آيَةَ الْهِجْرَةِ تُعْطَى أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي تَغَيُّرُ فِيهَا السُّنَنُ وَيُعْمَلُ فِيهَا بِغَيْرِ الْحَقِّ فَضْلًا عَنْ الْخُرُوجِ وَالْفِرَارِ مِنْ بِلَادِ الْكَفَرَةِ وَبِقَاعِ الْهِجْرَةِ وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَرَكْنَ لِأَهْلِ التَّثْلِيثِ أُمَّةٌ فَاضِلَةٌ تُوَحِّدُ وَتَرْضَى بِالْمُقَامِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْأَنْجَاسِ وَالْأَرْجَاسِ وَهِيَ تُعَظِّمُهُ وَتُمَجِّدُهُ فَلَا فُسْحَةَ لِلْفَاضِلِ الْمَذْكُورِ فِي إقَامَتِهِ بِالْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ لِلْغَرَضِ الْمَذْكُورِ وَلَا رُخْصَةَ لَهُ وَلَا لِأَصْحَابِهِ فِيمَا يُصِيبُ ثِيَابَهُمْ وَأَبْدَانَهُمْ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَالْأَخْبَاثِ إذَا الْعَفْوُ عَنْهَا مَشْرُوطٌ بِعُسْرِ التَّوَقِّي وَالتَّحَرُّزِ وَلَا عُسْرَ مَعَ اخْتِيَارِهِمْ لِلْإِقَامَةِ وَالْعَمَلِ عَلَى غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَكَتَبَهُ مُسْلِمًا عَلَى مَنْ يَقِفُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَبْدُ الْمُسْتَغْفِرُ الْفَقِيرُ الْحَقِيرُ الرَّاغِبُ فِي بَرَكَةِ مَنْ يَقِفُ عَلَيْهِ وَيَنْتَهِي إلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَنْشَرِيسِيُّ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى اهـ. مِنْ خَدِيمِ الْمُجَاهِدِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحْيِي الدِّينِ إلَى سَادَتِنَا الْعُلَمَاءِ الْأَبْرَارِ الْأَفَاضِلِ الْأَخْيَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَأَرْضَاكُمْ وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مَنْزِلَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ جَوَابُكُمْ عَمَّا فَعَلَهُ بِنَا سُلْطَانُ الْمَغْرِبِ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَا تُتَوَقَّعُ مِنْ مُطْلَقِ النَّاسِ فَضْلًا عَنْ أَعْيَانِهِمْ فَأَمْعِنُوا نَظْرَكُمْ فِيهَا شَافِيًا وَأَجِيبُونَا جَوَابًا كَافِيًا شَافِيًا خَالِيًا عَنْ الْخِلَافِ لِيَخْلُوَ قَلْبُ سَامِعِهِ عَنْ الِاعْتِسَافِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَوْلَى عَدُوُّ اللَّهِ الْفَرَانْسِيسُ عَلَى الْجَزَائِرِ وَخَلَتْ الْإِيَالَةُ عَنْ الْأَمِيرِ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ وَعُطِّلَتْ الْأَسْبَابُ وَطَالَتْ شَوْكَةُ الْكَافِرِ اجْتَمَعَ

стр. 384

ذَوُو الرَّأْيِ وَتَقَاضَوْا عَلَى أَنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا مِنْ سَادَاتِهِمْ يُؤَمِّنُ السُّبُلَ وَيَكُفُّ الظَّالِمَ وَيَجْمَعُ الْمُسْلِمِينَ لِلْجِهَادِ لِئَلَّا يَبْقَى الْكَافِرُ فِي رَاحَةٍ فَتَمْتَدُّ يَدُهُ فَاخْتَارُوا رَجُلًا مِنْهُمْ وَقَدَّمُوهُ لِذَلِكَ فَتَقَدَّمَ وَعَمِلَ جَهْدَهُ فِيمَا قَدَّمُوهُ لَهُ فَتَأَمَّنَتْ السُّبُلُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَيَسَّرَتْ الْأَسْبَابُ بِعَوْنِهِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، وَذَلِكَ مِنْ لَدُنْ سَنَةِ السِّتَّةِ وَالْأَرْبَعِينَ إلَى سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ هَذِهِ وَلَنْ نَزَالُ كَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا بِسُلْطَانِ الْمَغْرِبِ فَعَلَ بِنَا الْأَفْعَالَ الَّتِي تُقَوِّي حِزْبَ الْكَافِرِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَتُضْعِفُنَا وَأَضَرّ بِنَا الضَّرَرَ الْكَثِيرَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يُسْلِمُهُ وَلَا يَظْلِمُهُ» وَلَا إلَى قَوْلِهِ ﵊ «الْمُؤْمِنُ لِأَخِيهِ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» وَلَا إلَى قَوْلِهِ ﵊ «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ فَأَوَّلُ مَا فَعَلَ بِنَا أَنَّنَا لَمَّا كُنَّا حَاصَرَنَا الْكَافِرُ فِي جَمِيعِ ثُغُورِهِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ وَقَطَعْنَا عَلَيْهِ السُّبُلَ وَمَادَّةَ الْبُرِّ مِنْ الْحَبِّ وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِمَا تَضْيِيقًا عَلَيْهِ وَتَضْعِيفًا لَهُ خُصُوصًا مِنْ جِهَةِ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ قَانُونَ عَسْكَرِهِ أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَأْكُلُوا اللَّحْمَ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً يَفِرُّونَ عَنْ طَاغِيَتِهِمْ وَلَا يُقَاتِلُونَ وَلَا يُلَامُونَ حَتَّى بَلَغَتْ قِيمَةُ الثَّوْرِ عِنْدَهُمْ مِائَةُ رِيَالٍ دورو، فَإِذَا بِالسُّلْطَانِ الْمَذْكُورِ أَمَدَّهُمْ وَهُمْ فِي الضِّيقِ الشَّدِيدِ بِأُلُوفٍ مِنْ الْبَقَرِ وَغَيْرِهَا. الثَّانِي أَنَّهُ غَصَبَ مِنْ عَامِلِنَا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ بُنْدُقَةٍ إنْجِلِيزِيَّةً. الثَّالِثُ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْ وَكِيلِنَا أَرْبَعَمِائَةِ كِسْوَةِ جُوخٍ أَعْدَدْنَاهَا لِلْمُجَاهِدَيْنِ. الرَّابِعُ أَنَّ بَعْضَ الْمُحِبِّينَ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ رَعِيَّتِهِ قَطَعَ قِطْعَةً مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ بِهِ لِيُعِينَ بِهِ الْمُجَاهِدِينَ، فَإِذَا بِالسُّلْطَانِ الْمَذْكُورِ زَجَرَهُ وَنَزَعَهَا مِنْهُ وَقَالَ أَنَا أَحَقُّ بِهَا وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُجَاهِدْ وَأَيْضًا أَنَّ بَعْضَ الْقَبَائِلِ مِنْ رَعِيَّتِهِ عَزَمُوا عَلَى إعَانَتِنَا بِأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَأَعَانَنَا آخَرُ مِنْ رَعِيَّتِهِ بِسُيُوفٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَحَبَسَهُ إلَى الْآنَ زَجْرًا لَهُ وَرَدْعًا لِغَيْرِهِ. الْخَامِسُ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَتْ لِهَذَا السُّلْطَانِ مُقَاتَلَتُهُ مَعَ الْفَرَانْسِيسِ أَيَّامًا قَلَائِلَ ثُمَّ تَصَالَحَا وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْفَرَانْسِيسُ أَنْ لَا يُتِمَّ الصُّلْحَ بَيْنَهُمَا إلَّا إذَا حَلَّ أَمْرُ هَذِهِ الْعِصَابَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الْمُجَاهِدِينَ وَيَقْبِضُ رَئِيسَهُمْ، فَإِمَّا أَنْ يَحْبِسَهُ طُولَ عُمْرِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَهُ. وَإِمَّا أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ يَدِ الْفَرَانْسِيسِ، أَوْ يُجْلِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ فَأَجَابَهُ السُّلْطَانُ إلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ثُمَّ أَمَرَنِي بِتَرْكِ الْجِهَادِ فَأَبَيْت؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ وِلَايَةٌ وَلَا أَنَا مِنْ رَعِيَّتِهِ ثُمَّ قَطَعَ عَنْ الْمُجَاهِدِينَ الْكَيْلَ حَتَّى هَامَ جُوعًا مَنْ لَمْ يَجِدْ صَبْرًا وَأَسْقَطَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ رُكْنًا ثُمَّ أَخَذَ يَسْعَى فِي قَبْضِي فَحَفِظَنِي اللَّهُ مِنْهُ، وَلَوْ ظَفِرَ بِي لَقَتَلَنِي، أَوْ لَفَعَلَ بِي مَا اشْتَرَطَهُ عَلَيْهِ الْفَرَانْسِيسُ، ثُمَّ أَمَرَ بَعْضَ الْقَبَائِلِ مِنْ رَعِيَّتِهِ أَنْ يَقْتُلُونَا وَيَأْخُذُوا أَمْوَالَنَا وَكَأَنَّهُ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ فَأَبَوَا جَزَاهُمْ اللَّهُ خَيْرًا، فَإِذَا تَصَوَّرْتُمْ أَيُّهَا السَّادَاتُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الَّتِي تَتَفَطَّرُ مِنْهَا الْأَكْبَادُ وَتَتَأَثَّرُ عِنْدَ سَمَاعِهَا الْعِبَادُ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيَضْمَنُ مَا غَصَبَ وَيُقْتَلُ بِنَا إنْ قَتَلَنَا حَسْبَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمِعْيَارُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْجِهَادِ وَزُبْدَتُهُ أَنَّهُ إذَا نَزَلَ الْكَافِرُ بِسَاحَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ لَهُمْ إنْ لَمْ تُعْطُونِي فُلَانًا، أَوْ مَالَهُ أَوْ يُقْتَلُ اسْتَأْصَلَتْكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَسْعَهُمْ ذَلِكَ وَلَا يُعْطُوهُ شَيْئًا مِمَّا طَلَبَ، وَلَوْ خَافُوا اسْتِئْصَالَهُ، فَإِنْ أَعْطَى مَالَهُ ضَمِنَهُ الْآمِرُ بِهِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ نُصُوصِ الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّةِ، وَكَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا الشَّيْخُ مَيَّارَةُ فِي شَرْحِ لَامِيَّةِ الزَّقَّاقِ فِي آخِرِ بَابِ الْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَنَصُّهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إذَا أَمَرَ الْإِمَامُ بَعْضَ أَعْوَانِهِ بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا فَفَعَلَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُمَا يُقْتَلَانِ مَعًا نَقَلَهُ الْمَوَّاقِ عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ كَمُكْرَهٍ وَمُكْرَهٌ، فَإِنْ فَعَلَ الْمَأْمُورُ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْأَفْعَالِ إنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ كَالْقَتْلِ وَالْغَصْبِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ غَيْرُ نَافِعٍ نَقَلَهُ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الطَّلَاقِ لَا قَتْلَ مُسْلِمٍ وَقَطْعَهُ وَنَقَلَهُ الْحَطَّابُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ الثَّانِي وَنَصُّهُ فِي آخِرِ مُعِينِ الْحُكَّامِ وَمِنْ هُدِّدَ بِقَتْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ

стр. 385

عَلَى أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا، أَوْ يَقْطَعَ يَدَهُ، أَوْ يَأْخُذَ مَالَهُ، أَوْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةٍ أَوْ يَبِيعَ مَتَاعِ رَجُلٍ فَلَا يَسَعُهُ ذَلِكَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ عَصَى وَقَعَ بِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ وَيُغَرَّمُ مَا أَتْلَفَ وَيُحَدُّ إنْ زَنَى وَيُضْرَبُ إنْ ضَرَبَ وَيَأْثَمُ اهـ. وَهَلْ الْمُهَادَنَةُ الَّتِي أَوْقَعَهَا فَاسِدَةٌ، وَمَنْقُوضَةٌ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَفْجَأَهُ الْعَدُوُّ بِسَبَبِ قُرْبِنَا مِنْهُ وَعَجْزِنَا عَنْ الْجِهَادِ وَلِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا عَائِدَةٌ عَلَى الْكُفَّارِ وَوَبَالُهَا عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ حَسْبَمَا نُصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمِعْيَارِ أَيْضًا فِي بَابِ الْجِهَادِ فِي الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالِ التِّلِمْسَانِيِّ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ أَوْقَعَ الصُّلْحَ مَعَ النَّصَارَى وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَرَوْنَ إلَّا الْجِهَادَ فَأَجَابَهُ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ مُهَادَنَتَهُ مَنْقُوضَةٌ وَفِعْلَهُ مَرْدُودٌ وَنَقَلَ عَلَى ذَلِكَ نُصُوصًا وَهَلْ يُحْمَلُ بَيْعُ الْبَقَرِ لَهُمْ فِي وَقْتِ حَصْرِهِمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى حُرْمَةِ بَيْعِ الْخَيْلِ لَهُمْ وَالشَّعِيرِ وَآلَةِ الْحَرْبِ أَمْ لَا، وَعَلَى أَنَّهُ لَمْ تَسَعْهُ مُخَالَفَةُ الْفَرَنْسِيسِ فِيمَا شَرَطَهُ عَلَيْهِ مِنْ قَتْلِنَا وَتَفْرِيقِ جَمَاعَتِنَا وَمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنْ تَرْكِ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَاقْتَحَمَ الْأَمْرَ وَشَقَّ الْعَصَا وَجَاءَنَا بِالْجَيْشِ لِيَقْتُلَنَا وَيَأْخُذَ أَمْوَالَنَا وَيُفَرِّقُ جَمْعَنَا فَهَلْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُقَاتِلَهُ بِمُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ مَيَّارَةُ أَيْضًا فِي شَرْحِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَنَصُّهُ اُنْظُرْ إذَا خَلَا الْوَقْتُ مِنْ الْأَمِيرِ وَأَجْمَعَ النَّاسُ رَأْيَهُمْ عَلَى بَعْضِ كُبَرَاءِ الْوَقْتِ لِيُمَهِّدَ سَبِيلَهُمْ وَيَرُدَّ قَوِيَّهُمْ عَنْ ضَعِيفِهِمْ فَقَامَ بِذَلِكَ قَدْرَ جَهْدِهِ وَطَاقَتِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقِيَامَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ وَالْمُتَعَرِّضُ لَهُ يُرِيدُ شَقَّ عَصَا الْإِسْلَامِ وَتَفْرِيقَ جَمَاعَتِهِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ﵁ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ سَمِعْت عَرْفَجَةَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّهَا سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ جَمِيعٌ فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ» وَبِسَنَدِهِ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ تَفْرِيقَ جَمَاعَتِكُمْ فَاقْتُلُوهُ» اهـ. أَمْ لَا يَجُوزُ لَنَا ذَلِكَ وَنَتْرُكُ الْجِهَادَ لَيْسَ إلَّا جَوَابُكُمْ تُؤْجَرُونَ وَتُحْمَدُونَ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ فِي الْبَدْءِ وَالْخِتَامِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَأَجَبْت بِمَا نَصَّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْمُهْتَدِينَ نَعَمْ يَحْرُمُ عَلَى السُّلْطَانِ الْمَذْكُورِ أَصْلَحَ اللَّهُ أَحْوَالَهُ جَمِيعَ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُمْ حُرْمَةٌ مَعْلُومَةٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لَا يَشُكُّ فِيهَا مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْإِيمَانِ وَمَا كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِنَا أَنْ يُصْدِرُ مِنْ مَوْلَانَا السُّلْطَانُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ مَعَ مِثْلِكُمْ، فَإِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ وَمَا قَدَّرَ اللَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خُصُوصًا، وَأَنْتُمْ جِسْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ، وَإِنْ كُنَّا فِي اطْمِئْنَانٍ عَلَى إقْلِيمِهِ مِنْ اسْتِيلَاءِ عَدُوِّ اللَّهِ عَلَيْهِ بِمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ بَقَاءِ أَهْلِهِ عَلَى الْحَقِّ حَقٌّ تَقُومُ الْقِيَامَةُ مِنْهَا مَا وَجَدَ بِخَطِّ الشَّيْخِ الْمُقْرِي وَنَصُّهُ مِنْ خَطِّ الْفَقِيهِ الْمُحَدِّثِ الْعَالِمِ أَبِي الْقَاسِمِ الْعَبْدُوسِيِّ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا نَصُّهُ وَجَدْت فِي ظَهْرِ تَقْيِيدِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ بِخَطِّ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ قَالَ ذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ نَقْطِ الْعَرُوسِ عَنْ أَبِي مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَتَكُونُ بِالْمَغْرِبِ مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا فَاسُ أَقَوْمُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ قِبْلَةً وَأَكْثَرُهُمْ صَلَاةً أَهْلُهَا قَائِمُونَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا يَكْرَهُونَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» اهـ. وَكَذَا ضَمَانُهُ لَمَّا غَصَبَ ضَرُورِيٌّ لَا يَشُكُّ فِيهِ مُسْلِمٌ، وَكَذَا اسْتِحْقَاقُهُ الْقِصَاصَ مِنْهُ بِقَتْلِهِ مُؤْمِنًا عَمْدًا عُدْوَانًا مُبَاشَرَةً أَوْ بِإِكْرَاهِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَالنُّصُوصُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ وَالْمُهَادَنَةَ الَّتِي أَوْقَعَهَا فَاسِدَةً مَنْقُوصَةً وَمَا نَسَبْتُمْ لِلْمِعْيَارِ هُوَ كَذَلِكَ فِيهِ وَبَيْعُ الْبَقَرِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ وَالطَّعَامِ وَالْعُرُوضِ وَكُلِّ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي النَّازِلَةِ الْمَذْكُورَةِ

стр. 386

حَرَامٌ قَطْعًا إجْمَاعًا ضَرُورَةً لَا يَشُكُّ فِيهِ مُسْلِمٌ سَوَاءٌ فِي حَالِ حَصْرِ الْمُسْلِمِينَ إيَّاهُمْ وَفِي حَالِ عَدَمِهِ إذْ قِتَالُهُمْ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مَنْ فِيهِ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ وَمِنْ قَرُبَ مِنْهَا كَأَهْلِ عَمَلِ السُّلْطَانِ الْمَذْكُورِ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَكَيْفَ يَتَخَيَّلُ مُسْلِمٌ أَنَّ مُعَامَلَتَهُمْ بِمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَيَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى الْبَقَاءِ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ جَائِزَةٌ مَعَ ذَلِكَ قَالَ الْحَطَّابُ: وَأَمَّا بَيْعُ الطَّعَامِ يَعْنِي لِلْحَرْبِيِّينَ فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ يَجُوزُ فِي الْهُدْنَةِ، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ الْهُدْنَةِ فَلَا، قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ اهـ وَظَاهِرُ أَنَّ هَذَا فِيمَا يَذْهَبُونَ بِهِ لِبِلَادِهِمْ فِيمَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى الْبَقَاءِ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَقِتَالِ أَهْلِهِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَإِنْ اقْتَحَمَ الْأَمْرَ وَشَقَّ الْعَصَا وَأَتَاكُمْ بِجَيْشِهِ وَجَبَ عَلَيْكُمْ قِتَالُهُ وُجُوبًا عَيْنِيًّا إذْ هُوَ حِينَئِذٍ كَالْعَدُوِّ وَالْبُغَاةِ الْمُتَغَلِّبِينَ الْفَاجِئِينَ الْقَاصِدِينَ الْأَنْفُسِ وَالْحَرِيمِ لِعُدْوَانِهِ وَتَجَارِبِهِ عَلَى مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ أَنْفُسُكُمْ وَحَرِيمُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ وَمَنَعَكُمْ مِمَّا هُوَ مُتَعَيَّنٌ عَلَيْكُمْ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ الْفَاجِئِينَ لَكُمْ وَالْمَقْتُولُ مِنْكُمْ فِي قِتَالِهِ كَالْمَقْتُولِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إلَّا طُلُوعُ الرُّوحِ فَصَمِّمُوا عَلَى قِتَالِهِ وَأَعِدُّوا لَهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ نَصَرَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَعَلَى أَعْدَاءِ الدِّينِ وَبَارَكَ فِيكُمْ وَفِي كُلِّ مَنْ أَعَانَكُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَخَذَلَ كُلَّ مَنْ عَادَاكُمْ وَخَذَلَكُمْ كَائِنًا مَنْ كَانَ وَجَعَلَ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ. وَنَصُّ مَا فِي الْمِعْيَارِ وَسُئِلَ بَعْضُ فُقَهَاءِ تِلِمْسَانَ جَوَابُكُمْ سَيِّدِي عَمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي بِلَادِنَا وَعَظُمَ مِنْ أَجْلِهِ الْخَطْبُ وَاتَّسَعَتْ فِيهِ الْمَقَالَاتُ وَذَلِكَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ أَصْلَحَ اللَّهُ صَالَحَ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الَّذِينَ أَخَذُوا سَوَاحِلَنَا إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَالْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ جِهَادَهُمْ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ فَصَارُوا يُغِيرُونَ عَلَى أَطْرَافِ بِلَادِهِمْ فَيَقْتُلُونَ وَيُضَيِّقُونَ بِهِمْ هَلْ ذَلِكَ طَاعَةٌ، أَوْ مَعْصِيَةٌ وَالْفَرْضُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَا يُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ وَيُعَاقِبُ عَلَيْهِ أَجِيبُونَا أُرْشِدْتُمْ وَوُفِّقْتُمْ. فَأَجَابَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَيَّدَ الدِّينَ الْمُحَمَّدِيَّ بِالْجِهَادِ وَوَعَدَ السَّاعِيَ فِيهِ بِالْوُصُولِ إلَى أَسْنَى الْمُرَادِ وَالشَّهِيدُ بِالْحَيَاةِ الْمَحْفُوفَةِ بِالرِّزْقِ وَالْحُسْنِ فِي بَرْزَخِ الْمَوْتِ وَالْإِمْدَادِ فَمَا مِنْ مَيِّتٍ إلَّا يَتَمَنَّى الْعَوْدَ إلَى الدُّنْيَا إلَّا الشَّهِيدُ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ مِنْ ذِي الْعَرْشِ الْمَجِيدِ فَيَطْلُبَهَا لِيُزَادَ لَهُ مِنْ الْكَرَامَةِ مَا لَا عَيْنَ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ بَعْدَ الْمَعَادِ فَأَعْظِمْ بِهِ مِنْ وَصْفٍ لَا تُحْصَى فَضَائِلُهُ إذْ قَدِمْت عَلَى نَوَافِلِ الْخَيْرِ الْمُعَلَّى نَوَافِلُهُ عِنْدَ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ الْمَبْعُوثِ بِجَمِيلِ الْخَلَائِقِ الْقَامِعِ بِلِسَانِهِ وَسَيْفِهِ وَبُرْهَانِهِ أَهْلَ الْبَاطِلِ وَالْعِنَادِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ وَازَرُوهُ عَلَى إظْهَارِ الْخِزْيِ عَنْهُ مِنْ الْأَضْدَادِ فَجَلَبُوا بِبَرَكَتِهِ لِأُمَّتِهِ الْمَصَالِحَ وَبَذَلُوا لَهُمْ النَّصَائِحَ وَدَفَعُوا الْفَسَادَ صَلَاةً وَسَلَامًا فَنَالَ بِبَرَكَتِهِمَا مِنْ الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ مَا يَخْرُجُ عَنْ الْمُعْتَادِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْأَخُ الْكَرِيمُ مَسْجِدُهُ الْجَمِيلُ مُعْتَقَدُهُ، فَإِنَّ جَوَابَ سُؤَالِك يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقْرِيرِ مُقَدِّمَةٍ بِتَقْرِيرِهَا يَتَبَيَّنُ مَا يَتَّضِحُ بِهِ الْمَسْئُولُ عَنْهُ فَنَقُولُ الصُّلْحُ الْوَاقِعُ بَيْنَ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْدَاءِ الدِّينِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: الضَّرْبُ الْأَوَّلُ حَيْثُ يَكُونُ الْجِهَادُ فَرْضَ كِفَايَةٍ. وَالثَّانِي حَيْثُ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَحَيْثُ يَكُونُ الْمُسْلِمُونَ طَالِبِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ الْحَرْبِيِّينَ فَالصُّلْحُ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا الْإِمَامُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ جَائِزٌ عِنْدَ الْمَالِكِيِّينَ وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ سَحْنُونَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَبْعُدُ فِي الْمُدَّةِ وَنَقَلَ ابْنُ شَاسٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ أَنْ لَا تَكُونَ الْمُدَّةُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إلَّا مَعَ الْعَجْزِ. وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَمَهْمَا

стр. 387

تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَجُزْ فِيهِ الصُّلْحُ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَدُوُّ طَالِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ يَفْجَأُ مَوْضِعَهُمْ، وَهُوَ ضِعْفُ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فَأَقَلُّ لَا شِدَّةَ وَعُدَّةَ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ نَزَلَ بِهِمْ، وَمَنْ قَارَبَهُمْ دَفْعَهُمْ فِي الْحِينِ وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ الدَّاوُدِيِّ فَرْضِيَّةَ الْجِهَادِ عَلَى مَنْ يَلِي الْعَدُوَّ وَيَسْقُطُ عَمَّنْ بَعُدَ عَنْهُ وَقَرَّرَهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهُ بَيَانٌ لِتَعَلُّقِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لِمَنْ حَضَرَ مَحَلَّ تَعَلُّقِهِ قَادِرًا عَلَيْهِ دُونَ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ لِعُسْرِهِ، فَإِنْ عَصَى الْحَاضِرُ تَعَلَّقَ بِمَنْ يَلِيهِ وَحَاصِلُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ الَّذِي هُوَ حُكْمُ الْجِهَادِ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُوجِبُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ. وَفِي تَلْقِينِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ قَدْ يَتَعَيَّنُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى مَنْ يَفْجَؤُهُمْ الْعَدُوُّ. وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ سَحْنُونَ إنْ نَزَلَ أَمْرٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْجَمِيعِ كَانَ عَلَيْهِمْ فَرْضًا وَلَوْ سَبَى الْمُشْرِكُونَ النِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ وَالْأَمْوَالَ وَجَبَ اسْتِنْقَاذُهُمْ عَلَى مَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَخَافُوا عَلَى أَنْفُسهمْ، أَوْ عَلَى أَهْلِيهِمْ بِرُؤْيَةِ سُفُنٍ، أَوْ خَبَرٍ عَنْهَا فَكُلُّ مَا نُقِلَ فِي تَعَيُّنِ فَرْضِ الْجِهَادِ مَانِعٌ مِنْ الصُّلْحِ لِاسْتِلْزَامِهِ لِإِبْطَالِ فَرْضِ الْعَيْنِ الَّذِي هُوَ الْجِهَادُ الْمَطْلُوبُ فِيهِ الِاسْتِنْقَاذُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ مَالِكٌ أَوَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ افْتِدَاءُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ قَالَ نَعَمْ أَلَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى يَسْتَنْقِذُوهُمْ قَالَ بَلَى قَالَ فَكَيْفَ لَا يَفْدُونَهُمْ بِأَمْوَالِهِمْ وَفِي مِثْلِ هَذَا أَعْنِي حَيْثُ يَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ، حَكَى الْقَاضِي ابْنُ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الذَّهَابِ إلَى حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ إنْ تَعَيَّنَ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ وَالْحَجُّ قَدْ قِيلَ فِيهِ إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَلَمَّا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ بِمَا فِيهَا مِنْ النُّصُوصِ لِلْأَئِمَّةِ تَعَيَّنَ بِهَا أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ عَيْنٍ فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ فَيُمْتَنَعُ فِيهِ الصُّلْحُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَا سِيَّمَا إنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ، فَقَدْ عَادَتْ عَلَى الْعَدُوِّ أَهْلَكَهُ اللَّهُ مَصْلَحَتُهُ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ مَفْسَدَتُهُ، وَإِنْ تَخَيَّلْت فِيهِ مَصْلَحَةً فَهِيَ لِلْعَدُوِّ أَعْظَمُ مِنْ وُجُوهٍ مُكَمِّلَةٍ، فَإِنَّهُ يَتَحَصَّنُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَيُكْثِرُ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالْعُدَّةِ فَيَتَعَذَّرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الِاسْتِنْقَاذُ وَيَصْعُبُ عَلَيْهِمْ تَحْصِيلُ الْمُرَادِ بَعْدَ تَيَسُّرِهِ لَوْ سَاعَدَ التَّوْفِيقُ وَلَكِنَّ الْمَوْلَى ﷻ الْمَسْئُولُ فِي هِدَايَتِهِ إلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ فَمَا وَقَعَ مِنْ الصُّلْحِ هُوَ مَفْسَدَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلَا يَكُونُ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إبْرَامٌ فَالصُّلْحُ الْمَذْكُورُ يَجِبُ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ غَيْرُ مُنْبَرِمٍ فَحُكْمُهُ غَيْرُ لَازِمٍ عِنْدَ كُلِّ مَنْ حَقَّقَ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ قَالَ فِي التَّلْقِينِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْجِهَادِ لِهُدْنَةٍ إلَّا مِنْ عُذْرٍ لَا يُقَالُ الصُّلْحُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ دَاخِلٌ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ. وَالصُّلْحُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ اجْتِهَادِيٌّ مِنْ إمَامٍ فَلَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ وَقَعَ ذَلِكَ عَقِبَ الدَّاهِيَةِ الدَّهْيَاءِ وَهِيَ انْتِهَازُ الْعَدُوِّ دَمَّرَهُ اللَّهُ الْفُرْصَةَ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ مَعَ تَوَفُّرِ الْإِسْلَامِ وَالْعَدَدِ وَالْعَدُوُّ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مَدَدٌ وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَقْصِرُونَ عَنْ ضِعْفِ الْعَدُوِّ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ عَدُوُّهُمْ ضِعْفَهُمْ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الصُّلْحُ لِخَوْفِ اسْتِئْصَالِ الْكَافِرِينَ بَقِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ. وَإِمَّا لِلْخَوْفِ مِنْ الْمُحَارَبِينَ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِمُخَالَفَتِهِ الْفَرْضَ وَالثَّانِي كَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنْ الْمُحَارِبِ بِالْفَرْضِ مَعَ إمْكَانِ انْقِسَامِ الْعَدَدِ وَاتِّصَالِ الْمُسْلِمِينَ بِحُصُولِ الْمَدَدِ فَالْوَاجِبُ الْقِتَالُ، وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ ذَا جَلَدٍ وَمَعَهُ كَثْرَةُ الْعَدَدِ فَلَا يَدْخُلُ الصُّلْحُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَحُكْمُ الْجِهَادِ يُنْتَقَضُ إذَا تُبَيِّنَ فِيهِ الْخَطَأُ كَمَا نُقِلَ عَنْ سَحْنُونَ وَطُولُ الْمُدَّةِ فِي الصُّلْحِ الْمَذْكُورِ خَطَأٌ فَيُنْتَقَضُ الصُّلْحُ وَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ الْمَذْكُورَ فِيهِ تَرْكُ الْجِهَادِ الْمُتَعَيَّنِ وَتَرْكُ الْجِهَادِ لِيُسَكِّنَّهُ مُمْتَنِعٌ فَالصُّلْحُ الْمَذْكُورُ مُمْتَنَع وَكُلُّ مُمْتَنِع غَيْرُ لَازِمٍ وَالْجِهَادُ فِي الْمَوْضُوعِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَزَلْ مُتَعَيَّنًا مِنْ زَمَنِ

стр. 388

الْوَخْزَةِ إلَى الْآنِ وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ طَمِعَ قَوْمٌ فِي فُرْصَةٍ فِي عَدُوٍّ قُرْبَهُمْ وَخَشُوا إنْ أَعْلَمُوا الْإِمَامَ يَمْنَعُهُمْ فَوَاسِعٌ خُرُوجُهُمْ وَأَحَبَّ إلَى أَنْ يَسْتَأْذِنُوهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ سَمِعْت أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ إنْ نَهَى الْإِمَامُ عَنْ الْقِتَالِ لِمَصْلَحَةٍ حُرِّمَتْ مُخَالَفَتُهُ إلَّا أَنْ يَزْحَمَهُمْ الْعَدُوُّ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ طَاعَةُ الْإِمَامِ لَازِمَةٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةٍ وَمِنْ الْمَعْصِيَةِ النَّهْيُ عَنْ الْجِهَادِ الْمُتَعَيِّنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [حَقِيقَةِ الصُّلْحِ] وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُذَيَّلَ بِهِ مَا وَقَعَ مِنْ جَوَابِ السُّؤَالِ بَيَانُ حَقِيقَةِ الصُّلْحِ لُغَةً وَشَرْعًا وَبَيَانُ الْمُمْتَنَعِ مِنْهُ وَالْجَائِزِ بِمَالٍ، أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ بِالْمُهَادَنَةِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هَادَنَهُ صَالَحَهُ وَالِاسْمُ الْهُدْنَةُ، وَأَمَّا حَقِيقَتُهُ فِي الْعُرْفِ الْفِقْهِيِّ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَوَافُقِ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَالْحَرْبِيِّينَ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ بَيْنَهُمْ مُدَّةً لَا يَكُونُ فِيهَا تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فَقَوْلُنَا الْإِمَامُ يَخْرُجُ مِنْ سِوَاهُ مَنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا حَصَلَ مِنْهُ فَلَا يَتِمُّ، وَلَوْ كَانَ أَمِيرُ السُّرِّيَّة وَبَقِيَّةُ الرَّسْمِ مَخْرَجًا لِلْأَمَانِ وَالِاسْتِئْمَانِ وَذِكْرُ الْمُدَّةِ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا مَوْكُولَةٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ مَا لَمْ تَطُلْ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ تَنْكِيرِهَا، فَإِنَّهَا لِلنَّوْعِيَّةِ. وَأَمَّا حُكْمُهُ فَالْجَوَازُ إنْ اقْتَضَتْهُ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمَنْعُ إنْ تَضَمَّنَ مَفْسَدَةً عَلَيْهِمْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ رَجَا الْإِمَامُ فَتْحَ حِصْنٍ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ صُلْحُ أَهْلِهِ عَلَى مَالٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى إيَاسٍ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِصُلْحِهِمْ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ كَصُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ مَصْلَحَةً وَلَا مَفْسَدَةً فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تُوهِينِ الْجِهَادِ، فَإِنْ نَزَلَ مَضَى مَا لَمْ تَتَبَيَّنْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ بَعْدَ عَقْدِهِ فَيُنْتَقَضُ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ سَحْنُونَ: وَلَوْ هَادَنَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى مَالٍ ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُمْ غَرُّوا بِالْمُسْلِمِينَ لَمْ يَنْبِذْهُ حَتَّى يَرُدَّ مَا أُخِذَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إنْ بَانَ ذَلِكَ لِمَنْ بَعْدَهُ وَلَا يَحْبِسُ مِنْ الْمَالِ بِقَدْرِ مَا مَضَى مِنْ الْأَجَلِ. قَالَ سَحْنُونٌ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ نَقْضُ الصُّلْحِ لِغَيْرِ بَيَانِ خَطَئِهِ فِيهِ، وَلَوْ رَدَّ مَا أُخِذَ إلَّا بِرِضًا مِنْ عَاقِدِهِ وَنَقَلَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ قَالَ كَرِهَ عُلَمَاؤُنَا الْمُهَادَنَةَ عَلَى أَنْ يُعْطِينَا أَهْلُ الْحَرْبِ مَالًا كُلَّ عَامٍ قَالَ مُحَمَّدٌ، وَإِنَّمَا «هَادَنَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ مَكَّةَ لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ» هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالصُّلْحِ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ، أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ بِمَالٍ يُعْطِيه الْمُسْلِمُونَ لَهُمْ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ لَا يُهَادِنْ الْعَدُوَّ بِإِعْطَائِهِ مَالًا؛ لِأَنَّهُ عَكْسُ مَصْلَحَةِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُ إلَّا لِضَرُورَةِ التَّخَلُّصِ مِنْهُ لِخَوْفِ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ «، وَقَدْ شَاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَحَاطَتْ الْقَبَائِلُ بِالْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فِي أَنْ يَبْذُلَ الْمُسْلِمُونَ ثُلُثَ الثِّمَارِ لَمَّا خَافَ أَنْ يَكُونَ الْأَنْصَارُ مَلَّتْ الْقِتَالَ فَقَالَا إنْ كَانَ هَذَا مِنْ اللَّهِ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وَإِنْ كَانُوا رَأْيًا فَمَا أَكَلُوا مِنْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثَمَرَةً إلَّا بِشِرَاءٍ فَكَيْفَ، وَقَدْ أَعَزَّنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَزْمَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ تَرَكَ ذَلِكَ» فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ جَوَازُ إعْطَاءِ الْمَالِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَوْصُوفِ لِلضَّرُورَةِ إذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَمْ يُشَاوِرْ فِيهِ الرَّسُولُ ﵊ لَكِنَّهُ قَدْ شَاوَرَ فِيهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ هُوَ أَنَّ الْمُشَاوَرَةَ فِي دَفْعِ الْمَالِ مَلْزُومَةٌ لَهُمْ بِدَفْعِهِ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُوَافَقَةِ عَلَى إعْطَائِهِ وَلَا يُهِمُّ الرَّسُولُ ﷺ بِمُمْتَنَعٍ، وَأَمَّا بَيَانُ الْمُقَدِّمَةِ الِاسْتِثْنَائِيَّة تِثْنَائِيَّةِ فِيمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ وَاَللَّهُ ﷻ الْمُوَفِّقُ بِفَضْلِهِ لَا رَبَّ سِوَاهُ انْتَهَى. [مَسَائِلُ الْجِزْيَةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْجِزْيَةِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَيَقْصِدُونَ بِهِ الِاسْتِعْلَاءَ عَلَى الْمِلَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِنْ عَمَلِهِمْ الْأَفْرَاحَ

стр. 389

وَزَفَّهُمْ أَوْلَادَهُمْ بِشَوَارِع الْمُدُنِ وَيُرَكِّبُونَهُمْ خُيُولًا عَلَى سُرُوجٍ نَفِيسَةٍ وَمَاذَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ الَّذِي يَقْصِدُ تَعْظِيمَ أَهْلِ تِلْكَ الْمِلَّةِ الْبَاطِلَةِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يَجِبُ عَلَى مَنْ بَسَطَ اللَّهُ تَعَالَى يَدَهُ بِالْحُكْمِ وَوَلَّاهُ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ إذْ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِظْهَارٌ لِشَوْكَتِهِمْ وَتَقْوِيَةٌ لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُلْزِمَهُمْ بِإِظْهَارِ كُلِّ مَا فِيهِ مَذَلَّةٌ لَهُمْ مِنْ اللُّبْسِ الَّذِي يَتَمَيَّزُونَ بِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِخْفَاءِ أَفْرَاحِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ وَجَنَائِزِهِمْ وَعَقَائِدِهِمْ وَسَائِرِ أُمُورِ دِينِهِمْ وَأَجْرُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إذْ رُكُوبُ الْخَيْلِ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا، وَكَذَا نَفِيسُ الْبِغَالِ وَالسُّرُوجُ وَالْمَشْيُ بِوَسَطِ الطَّرِيقِ فَمَا بَالُك بِالرُّكُوبِ فِيهِ عَلَى سُرُوجٍ نَفِيسَةٍ عَلَى جِيَادِ الْخَيْلِ وَحَرَامٌ عَلَيْهِمْ إظْهَارُ أُمُورِ دِينِهِمْ وَمِنْهَا أَنْكِحَتُهُمْ الْفَاسِدَةُ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا أَمْرَ الْحَاكِمِ فَهُمْ نَاقِضُونَ لِلْعَهْدِ يُخَيَّرُ الْحَاكِمُ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ إلَخْ وَيَحْرُمُ عَلَى الْحَاكِمِ تَمْكِينُهُمْ مِنْ كُلِّ مَا يُؤْذِنُ بِتَعْظِيمِهِمْ وَالْمُسْلِمُ الَّذِي يَقْصِدُ تَعْظِيمَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ فَهُوَ آثِمٌ فَاسِقٌ تَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ فَوْرًا، وَإِنْ كَانَ لِرَفْعِ دِينِهِمْ تَعْظِيمُهُ فَهُوَ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّه عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. [ذِمِّيٍّ مَشَى بِنَعْلِهِ عَلَى رِدَاءِ مُسْلِم بَسَطَهُ وَجَلَسَ عَلَيْهِ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي ذِمِّيٍّ مَشَى بِنَعْلِهِ عَلَى رِدَاءِ مُسْلِم بَسَطَهُ وَجَلَسَ عَلَيْهِ. فَأَجَابَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْأَبِيُّ بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إنْ قَصَدَ إهَانَةَ الْمُسْلِمِ يُعَزَّرُ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا، أَوْ سَاهِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسَائِلُ النِّكَاحِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ النِّكَاحِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ ثَيِّبًا بَالِغَةً شَرِيفَةً لَا عَصَبَةَ لَهَا وَلَا كَافِلَ، وَهُوَ كُفْءٌ لَهَا بَعْدَ ثُبُوتِ طَلَاقِهَا وَدَعْوَاهَا انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا فِي سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَتَعْيِينَ الزَّوْجِ وَالصَّدَاقَ لَهَا وَرِضَاهَا بِهِمَا وَإِذْنَهَا لِمُسْلِمٍ فِي تُوَلِّي عَقْدِهَا بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ بِشَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ بِذَلِكَ وَحَصَلَ الْعَقْدُ بِحُضُورِ جَمٍّ غَفِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَدَخَلَ الزَّوْجُ بِهَا فَقَامَ شَخْصٌ وَادَّعَى فَسَادَ عَقْدِهَا لِعَدَمِ تَوَلِّي الْقَاضِي الْعَقْدَ وَعَضَّدَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَرَفَعَ أَمْرَهَا لِلْحَاكِمِ لِأَجْلِ فَسَخَ الْعَقْدِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵁ فَهَلْ يَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا وَلَا يَسُوغُ فَسْخُهُ عَلَيْهِ وَهَلْ قَوْلُهُمْ الْحَاكِمُ وَلِيٌّ حَيْثُ كَانَ لَا يَأْخُذُ عَلَى تَوَلِّي الْعَقْدِ دَرَاهِمَ وَإِلَّا فَهُوَ عَدِمَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَأْخُذُ عَلَى نَفْسِ التَّوَلِّي، فَإِذَا وَكَّلَ آخَرَ وَأَخَذَ الدَّرَاهِمَ لَا تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ عَنْهُ أَوْ مَعْنَاهُ حَيْثُ كَانَ شَأْنُهُ الْأَخْذَ، وَلَوْ لَمْ يَتَوَلَّ بِنَفْسِهِ فَتَنْتَقِلُ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ نَعَمْ هَذَا الْعَقْدُ صَحِيحٌ وَلَا يَسُوغُ فَسْخُهُ، وَإِنْ وَقَعَ لَا يَعْتَدُّ بِهِ وَيَبْقَى الْعَقْدُ عَلَى صِحَّتِهِ لِعَدَمِ الْقَاضِي الشَّرْعِيِّ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَاَلَّذِي فِيهِ اسْمٌ بِلَا مُسَمًّى فَلَا وِلَايَةً لَهُ أَصْلًا إنَّمَا الْوِلَايَةُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا فَقَدَ الْعَاصِبُ كَمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ أَكْثَرَ الْخُطَطِ الشَّرْعِيَّةِ فِي زَمَنِنَا أَسْمَاءٌ شَرِيفَةٌ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ خَسِيسَةٍ اهـ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ سَلْمُونٍ وَالْحَطَّابُ وَالْبَنَّانِيُّ وَأَقَرُّوهُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مِنْ تَلَامِذَةِ ابْنِ سُرَيْجٍ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِهِ آدَابُ الْقَضَاءِ مَنْ يَقْبَلُ الْقَضَاءَ

стр. 390

بِمُقَابَلَةٍ وَيُعْطِي عَلَيْهِ الرِّشْوَةَ فَوِلَايَتُهُ بَاطِلَةٌ وَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِحَقٍّ. ثُمَّ قَالَ قُلْت هَذَا تَخْرِيجًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيِّ اهـ وَنَقَلَهُ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ فَرْحُونٍ وَالْحَطَّابُ وَالْبَنَّانِيُّ وَالْعَدَوِيُّ وَأَقَرُّوهُ لِمُوَافَقَتِهِ قَاعِدَةَ الْمَذْهَبِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِيمَنْ يُوَلَّى وَدَفْعُ الرِّشْوَةِ فِسْقٌ، فَقَدْ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» . وَقَدْ قَالَ الْحَطَّابُ وَبَذْلُ الْمَالِ فِي الْقَضَاءِ مِنْ أَوَّلِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يُعِنْ عَلَى تَرْكِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ اهـ. وَنَقَلَهُ الْبُنَانِيُّ وَأَقَرَّهُ عَلَى أَنَّ بَاقِيَ الشُّرُوطِ لَا تَكَادُ تَجْتَمِعُ الْيَوْمَ فِيمَنْ يُولَى مَنْصِبَ الْقَضَاءِ وَلَيْسَ بَعْدَ الْعِيَانِ بَيَانٌ. وَقَالَ ابْنُ عَاتٍ فِي الطُّرَرِ وَيَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ فِي الْأَحْكَامِ شَيْئًا يَدْفَعُ بِهِ حَقًّا، أَوْ يُسَدِّدُ بِهِ بَاطِلًا، وَأَمَّا أَنْ يَدْفَعَ بِهِ عَنْ مَظْلُومٍ فَلَا بَأْسَ ابْنُ عَيْشُونَ: وَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فَمَنَعَ مِنْ إنْفَاذِهِ رَجَاءَ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ غَيْرُ جَائِزٍ نَقَلَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَخْذِهِ عَلَى التَّوَلِّي، أَوْ الْإِذْنِ إذْ الْكُلُّ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [خُنْثَى مُشْكِلٍ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَهَلْ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ وَيُفْسَخُ إنْ وَقَعَ] (مَا قَوْلُكُمْ) فِي خُنْثَى مُشْكِلٍ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَهَلْ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ وَيُفْسَخُ إنْ وَقَعَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ وَيُفْسَخُ إنْ وَقَعَ. قَالَ الْخَرَشِيُّ وَغَيْرُهُ لَا تَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُ مَا دَامَ مُشْكِلًا اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا أَنَّ السَّائِلَ مَالَ إلَى الصِّحَّةِ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: هَلْ يَصِحُّ وَلَا يُفْسَخُ وَلَا يُلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَصَوُّرٍ أَنْ يَكُونَ أَبًا، أَوْ جَدًّا عَدَمُ الصِّحَّةِ اهـ. فَزِدْت عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَلْ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَصَوُّرِ كَوْنِهِ أَبًا، أَوْ جَدًّا عَدَمُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ تَصَوُّرَهُ أَبًا أَوْ جَدًّا لَازِمٌ لِلصِّحَّةِ وَنَفْيُ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَلْزُومِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى نَفْيِ تَصَوُّرِ أُبُوَّتِهِ وَجُدُودَتِهِ بَلْ زَادُوا نَفْيَ تَصَوُّرِ كَوْنِهِ زَوْجًا وَزَوْجَةً وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُ مَا دَامَ مُشْكِلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. صُورَةُ سُؤَالٍ أَزْكَى سَلَامِي عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الْعُلَمَا ... يَا مَنْ جَعَلْتُمْ كِرَامًا فِي الْوَرَى عَظُمَا مَاذَا تَقُولُونَ فِي أُنْثَى لَقَدْ خُلِقَتْ ... مِنْ غَيْرِ فَرْجٍ فَسُبْحَانَ الَّذِي حَكَمَا أَهْلٌ لَهَا كُلُّهُمْ مَاتُوا وَقَدْ بَلَغَتْ ... تَبْكِي مِنْ الْجُوعِ دَمْعًا يَمْتَزِجُ بِدِمَا أَصِيلَةُ الْجَدِّ لَمْ تُسْأَلْ وَإِنْ خُدِمَتْ ... تَخَافُ عَادَ الَّذِي فِي بَيْتِهَا خَدَمَا فَهَلْ يَجُوزُ لَهَا التَّزْوِيجُ إنْ وَجَدَتْ ... رَاضٍ بِهَا وَبِهَذَا الشَّرْطِ قَدْ عَلِمَا وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْتِهَا دُبُرًا ... أَوْ إنْ أَتَاهَا بِنَهْيِ الشَّرْعِ قَدْ أَثِمَا وَإِنْ يَكُنْ عَنْ رِضَاهَا وَهْيَ تَطْلُبُهُ ... هَلْ يَسْقُطُ الْإِثْمُ أَوْ بِالْحُكْمِ قَدْ لَزِمَا وَهَلْ إذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ لَهَا ... نِصْفُ الصَّدَاقِ يَكُنْ أَوْ لَا أَيًّا عُلِمَا وَإِنْ تَكُنْ طَلُقَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ فَهَلْ ... تَعْتَدُّ أَوْ لَا لِكَوْنِ الْحَيْضِ قَدْ عَدِمَا وَإِنْ حَكَمْتُمْ بِهَا تُعَدُّ آيِسَةً ... أَمْ كَيْفَ يَحْصُلُ وَحُكْمُ الْحَمْلِ مَا انْتَظَمَا أَفْتُونَنِي سَادَتِي فِي سَبْعِ أَسْئِلَةٍ ... يُثِيبُكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ فَضْلِهِ كَرَمًا أَبْيَاتُ نَظْمِي بِهَذَا الْبَيْتِ عُدَّتُهَا ... اثْنَتَا عَشْرَ لَفْظُهَا بِالنَّظْمِ قَدْ عُلِمَا فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ هَذَا الشَّخْصُ خُنْثَى
следующие страницы →