Полный текст (808 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
فَأَجَابَ شَيْخَانِ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ الْمُقِيمِينَ بِالْجَامِعِ الْأَحْمَدِيِّ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ بِالْبَحْثِ فِي كُتُبُ الْمَذْهَبِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهَا وُجِدَ نَصٌّ عَنْ الدُّلَجِيِّ وَالْمَحَلِّيِّ، وَهُوَ إنْ قَالَ لَهَا: رُوحِي طَالِقًا ثَلَاثًا كَانَ كِنَايَةً لَا وُقُوعَ بِهِ إلَّا بِالْقَصْدِ الْقَلْبِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْكِنَايَاتِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْقَرِينَةِ الظَّاهِرِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ كَالْمُشَاجَرَةِ، وَغَيْرِهَا، ثُمَّ قَدْ صَرَّحَ فِي الْمِنْهَاجِ بِتَصْحِيحِ اشْتِرَاطِ قَصْدِ الْإِيقَاعِ مِنْ أَوَّلِ اللَّفْظِ إلَى آخِرِهِ فَلَوْ عَزَبَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: وَعَلَيْهِ لَا وُقُوعَ بِكِنَايَةٍ عَلَى الْعَوَامّ أَصْلًا لِعُسْرِ مُرَاقَبَتِهِمْ الْقَصْدَ الْمَذْكُورَ مِنْ أَوَّلِ اللَّفْظِ إلَى آخِرِهِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: الْمَذْكُورُ قَبْلَ ذَلِكَ نَقْلًا عَنْ الْحَلَبِيِّ وَالرَّمْلِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ، وَالْكِنَايَةُ مَا احْتَمَلَ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ، وَلَا يَقَعُ بِهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِأَوَّلِ اللَّفْظِ وَإِنْ عَزَبْت عَلَى الْمُعْتَمَدِ اهـ بِاخْتِصَارٍ فَمِنْ كَوْنِ رُوحِي طَالِقًا ثَلَاثًا كِنَايَةً، وَمِنْ تَصْرِيحِ الْمِنْهَاجِ بِتَصْحِيحِ اشْتِرَاطِ قَصْدِ الْإِيقَاعِ مِنْ أَوَّلِ اللَّفْظِ إلَى آخِرِهِ الْمُسْتَلْزِمِ ذَلِكَ عَدَمَ الْوُقُوعِ عَلَى الْعَوَامّ بِكِنَايَةٍ أَصْلًا لِعُسْرِ مُرَاقَبَتِهِمْ الْقَصْدَ الْمَذْكُورَ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ كَمَا قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: يُعْلَمُ أَنَّ فِيهَا قَوْلًا ضَعِيفًا بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى الْعَامِّيِّ بِقَوْلِهِ: رُوحِي طَالِقًا ثَلَاثًا مَعَ قَصْدِ الْإِيقَاعِ لِعَدَمِ اسْتِصْحَابِ الْقَصْدِ مِنْهُ مِنْ أَوَّلِ اللَّفْظِ إلَى آخِرِهِ، وَمِثْلُهُ تَرُوحِي طَالِقًا بِالثَّلَاثِ وَلَكِنْ يُسْأَلُ الْعَامِّيُّ احْتِيَاطًا فِيهِمَا أَيْ فِي تَرُوحِي، وَرُوحِي، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ عَدَمَ اسْتِصْحَابِ الْقَصْدِ مِنْ أَوَّلِ اللَّفْظِ إلَى آخِرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَأَمْلَى بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ مِمَّنْ يَتَعَاطَى الْإِفْتَاءَ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ مَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ نَعَمْ الْمُفْتَى بِهِ فِي رُوحِي طَالِقًا صَرَاحَةُ هَذَا اللَّفْظِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْحَالِفُ بِذَلِكَ عَامِّيًّا أَوْ عَالِمًا إذْ لَا يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ إلَّا فِي فِكَاكِ الْعِصْمَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَفْهَمُهُ كُلُّ إنْسَانٍ مُطْلَقًا، وَلَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِكَوْنِهِ كِنَايَةً إذْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَحِينَئِذٍ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَكُتِبَ عَلَى ظَهْرِ الْوَرَقَةِ الَّتِي فِيهَا جَوَابُ الشَّيْخَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مَا نَصُّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ مُدَرِّسِي الشَّافِعِيَّةِ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ مَا نَصُّهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْغَالِبُ عَلَى الْعَوَامّ أَنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَعْنِي رُوحِي أَوْ تَرُوحِي طَالِقًا إلَّا الطَّلَاقَ فَلَا يَسْتَعْمِلُونَهُ، وَيَقْصِدُونَ مِنْهُ إلَّا الطَّلَاقَ فَهُوَ، وَإِنْ كَانَ كِنَايَةً بِحَسَبِ، وَضْعِهِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الشَّافِعِيَّةِ قَدْ صَرَفَهُ فَهْمُ الْعَوَامّ، وَاسْتِعْمَالُهُمْ لَهُ فِي الطَّلَاقِ إلَى لُحُوقِ الطَّلَاقِ بِهِ تَبَعًا لِقَصْدِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ إفْتَاؤُهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ نَظَرًا لِفَهْمِهِمْ فَعَلَى ذَلِكَ يَقَعُ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الْحَالِفِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى وَوَضَعُوا كُلُّهُمْ أَخْتَامَهُمْ عَلَى مَا كَتَبُوا عَلَيْهِ.
أَقُولُ: الصَّوَابُ مَا أَفْتَى بِهِ الشَّيْخَانِ الْأَزْهَرِيَّانِ وَأَمَّا فَتْوَى الشَّيْخَيْنِ الْأَحْمَدِيَّيْنِ فَهِيَ خَطَأٌ، وَإِضْلَالٌ، وَفَتْحٌ لِبَابٍ عَظِيمٍ مِنْ الشَّرِّ، وَإِفْسَادُ دِينِ الْعَوَامّ، وَحَمْلُهُمْ عَلَى التَّسَاهُلِ فِي تَطْلِيقِ زَوْجَاتِهِمْ بِالثَّلَاثِ، وَاسْتِمْرَارِ مُعَاشَرَتِهِنَّ بَعْدَ ذَلِكَ مُعَاشَرَةَ الزَّوْجَاتِ، وَفِيهَا تَنَاقُضٌ فَإِنَّ قَوْلَهُمَا قَوْلًا ضَعِيفًا يُنَاقِضُ تَفْرِيعَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ الْمُقْتَضِي اعْتِمَادَهُ، وَفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ قَوْلِ ابْنِ شُهْبَةَ، وَإِنْ عَزَبْت عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقَوْلُهُمْ لِعُسْرِ مُرَاقَبَتِهِمْ الْقَصْدُ الْمَذْكُورُ كَذِبٌ، وَمُكَابَرَةٌ، وَإِنْكَارٌ لِلْمَحْسُوسِ الْجَارِي بِهِ عُرْفُ الْعَوَامّ، وَفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ عَدَمِ دُخُولِ الصِّيغَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي تَعْرِيفِ الْكِنَايَةِ الَّذِي نَقَلَاهُ عَنْ الْحَلَبِيِّ وَالرَّمْلِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ فَإِنَّ الصِّيغَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لَا تَحْتَمِلَانِ غَيْرَ الطَّلَاقِ لِوَضْعِهِمَا لَهُ لُغَةً وَاسْتِعْمَالهمَا فِيهِ عُرْفًا دَائِمًا مِنْ الْعَوَامّ، وَالْعُلَمَاءِ، وَقَوْلُهُمَا وَلَكِنْ يُسْأَلُ إلَخْ يُنَاقِضُ جَزْمَهُمَا أَوَّلًا بِعَدَمِ الْوُقُوعِ، وَيُنَاقِضُ الْفَتْوَى
стр. 492
بِالضَّعِيفِ، وَيَقْتَضِي أَنَّ الْفَتْوَى بِالضَّعِيفِ لَيْسَتْ احْتِيَاطًا، وَلَا، وَرَعًا، وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً، وَهَذَا بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ وَقَوْلُهُمَا، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ إلَخْ كَذِبٌ، وَمُكَابَرَةٌ، وَإِنْكَارٌ لِلْمُشَاهَدِ مِنْ حَالِهِ، وَاعْتِرَافِهِ بِقَصْدِهِ الطَّلَاقَ بِالصِّيغَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا، وَاعْتِرَافُهُمَا بِضَعْفِ قَوْلِ ابْنِ شُهْبَةَ يُوجِبُ حُرْمَةَ فَتْوَاهُمَا بِهِ، وَاسْتِحْقَاقهمَا التَّأْدِيبَ الشَّدِيدَ وَلَا سِيَّمَا مَعَ التَّنَاقُضِ، وَالْغَفْلَةِ، وَعَدَمِ الضَّبْطِ، وَلَا حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
وَكَتَبَ السَّيِّدُ الْبَاجُورِيُّ الشَّافِعِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَزْهَرِ: اعْلَمْ أَنَّ الطَّلَاقَ نَوْعَانِ صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ، وَأَلْفَاظُ الصَّرِيحِ ثَلَاثَةٌ الطَّلَاقُ، وَالْفِرَاقُ، وَالسِّرَاحُ، وَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى نِيَّةٍ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا فَإِذَا تَلَفَّظَ بِإِحْدَى الصِّيَغِ الثَّلَاثِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ حِنْثًا، وَعَدَمَهُ، وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَأَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ، وَتَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ فَإِنْ نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ حُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ حِنْثًا، وَعَدَمَهُ، وَمِنْهَا لَفْظُ عَلَيَّ الْحَرَامُ، وَلَكِنْ كَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يُفْتِي بِصَرَاحَتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شِعَارًا لِلطَّلَاقِ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي كُتُبِنَا ابْنُ قَاسِمٍ وَالْخَطِيبُ، وَالتَّحْرِيرُ، وَالْمَنْهَجُ، وَمَا كُتِبَ عَلَيْهَا، وَالتَّقَارِيرُ، وَالْمَسْمُوعُ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَشَايِخِ قَدِيمًا، وَحَدِيثًا، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى مِنْ قَوْمٍ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، وَحِينَئِذٍ يُحْكَمُ عَلَى الْمُتَلَفِّظِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ بِالطَّلَاقِ كَمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهَا فِيهِ، وَلَا يُلْتَفَتُ لِغَيْرِهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى
وَكَتَبَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الشَّافِعِيُّ الشَّامِيُّ: الطَّلَاقُ ضَرْبَانِ صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ فَالصَّرِيحُ مَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الطَّلَاقِ وَهُوَ خَمْسَةُ أَلْفَاظٍ الطَّلَاقُ إذَا كَانَ مُبْتَدَأً نَحْوَ الطَّلَاقُ لَازِمٌ لِي أَوْ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَوْ مَفْعُولًا كَأَوْقَعْتُ الطَّلَاقَ عَلَيْك أَوْ فَاعِلًا كَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ خَبَرًا كَأَنْتِ طَلَاقٌ أَوْ الطَّلَاقُ فَهُوَ كِنَايَةٌ.
الثَّانِي مَا اُشْتُقَّ مِنْهُ كَطَلَّقْتُكِ أَوْ طَلَّقَك اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ مُطَلَّقَةٌ أَوْ يَا طَالِقُ.
وَالثَّالِثُ: لَفْظُ الْخُلْعِ، وَالْمُفَادَاةِ إنْ ذَكَرَ الْمَالَ أَوْ نَوَاهُ.
وَالرَّابِعُ: الْفِرَاقُ، وَالسِّرَاحُ
وَالْخَامِسُ: نَعَمْ فِي جَوَابِ أَطَلَّقْتَ زَوْجَتَك مُرَادًا بِهِ الْتِمَاسَ إنْشَاءِ الطَّلَاقِ، وَتَرْجَمَتُهُ بِالْعَجَمِيَّةِ صَرِيحَةٌ، وَلَوْ مِمَّنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، وَالْكِنَايَةُ مَا احْتَمَلَ غَيْرَ الطَّلَاقِ، وَأَلْفَاظُهَا لَا تَنْحَصِرُ كَأَطْلَقْتُكِ، وَأَنْتِ طَلَاقٌ أَوْ مُطَلَّقَةٌ وَخَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، وَبَائِنٌ، وَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَوْ عَلَيْهِ الْحَرَامُ أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ أَوْ حَرَّمْتُك أَوْ الْحَرَامُ يَلْزَمُهُ أَوْ عَلَيْهِ الْحَلَالُ أَوْ اعْتَدِّي أَوْ اسْتَبْرِئِي رَحِمَك أَوْ الْحَقِي بِأَهْلِك أَوْ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك أَوْ لَا أُنَدِّهِ سِرْبَك وَاعْزُبِي، وَاغْرُبِي دَعِينِي، وَدَعِينِي أَوْ أَشْرَكْتُك مَعَ فُلَانَةَ الْمُطَلَّقَةِ مِنِّي أَوْ مِنْ غَيْرِي تَجَرَّدِي تَزَوَّدِي اُخْرُجِي سَافِرِي أَحْلَلْتُك تَقَنَّعِي تَسَتَّرِي الْزَمِي الطَّرِيقَ لَا حَاجَةَ لِي فِيك أَنْتِ، وَشَأْنُك لَك الطَّلَاقُ عَلَيْك الطَّلَاقُ كُلِّي اشْرَبِي أَنَا طَالِقٌ أَنَا بَائِنٌ مِنْك أَنْتِ كَالْمَيْتَةِ اُبْعُدِي اذْهَبِي فَارْقِينِي لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك ذُوقِي بَارَكَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَك بِخِلَافِ بَارَكَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى فِيك، وَعَلَيْك، وَعَلَيْهِ السُّخَامُ أَوْ اللِّطَامُ قَوْمِي اُقْعُدِي أَطْعِمِينِي اسْقِينِي زَوِّدِينِي أَحْسَنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى عَزَاك أَغْنَاك اللَّهُ فَلَيْسَ بِكِنَايَةٍ، وَصَرِيحُ الْإِعْتَاقِ وَكِنَايَتُهُ كِنَايَةُ طَلَاقٍ، وَمِنْهَا أَوْقَعْت الطَّلَاقَ فِي قَمِيصِك تَكُونِي طَالِقًا قَاصِدًا بِهِ الْوُقُوعَ فِي الْحَالِ لَا فِي الْمُسْتَقْبِلِ فَوَعْدٌ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ إنْ لَمْ يُعَلَّقْ عَلَى صِفَةٍ، وَإِلَّا فَهُوَ صَرِيحٌ، وَكُونِي طَالِقًا صَرِيحٌ يَقَعُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ، وَالْعَوَامُّ لَا يَقْصِدُونَ بِتَكُونِي طَالِقًا اسْتِقْبَالًا بَلْ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ حَالًّا اهـ مِنْ الْمَنْهَجِ، وَالتَّحْرِيرِ، وَحَوَاشِيهِمَا، وَغَيْرِهَا.
стр. 493
[مَسَائِلُ الرَّجْعَةِ] [ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَسَأَلَ بَعْضَ الْجَهَلَةِ فَأَجَابَهُ بِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ فَعَقَدَ عَلَيْهَا فَهَلْ يَكُونُ رَجْعَةً]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الرَّجْعَةِ
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا، وَسَأَلَ بَعْضَ الْجَهَلَةِ فَأَجَابَهُ بِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ فَعَقَدَ عَلَيْهَا فَهَلْ يَكُونُ رَجْعَةً، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالْمَهْرِ الَّذِي دَفَعَهُ لَهَا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ يَكُونُ رَجْعَةً بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ قَوْلٌ صَرِيحٌ فِي رَدِّهَا لِعِصْمَتِهِ، وَرَفْعِ تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ مَعَ نِيَّةِ ذَلِكَ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالْمَهْرِ الَّذِي دَفَعَهُ لَهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَهُ لِاعْتِقَادِهِ لُزُومَهُ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ خَطَبَهَا تَابِعُ ذِي شَوْكَةٍ لَيْسَ كُفْأَهَا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ طَلَاقِهَا، فَقَالَتْ لَهُ بِحَضْرَةِ قَاضٍ إنَّهَا تَحِيضُ فِي كُلِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مَرَّةً ثُمَّ خَطَبَهَا كُفْؤُهَا قَبْلَ تَمَامِ سَنَةٍ وَنِصْفٍ فَأَجَابَتْهُ، وَأَخْبَرَتْ بِأَنَّهَا حَاضَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، وَأَرَادَ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا عَلَى يَدِ الْقَاضِي فَهَلْ يَعْتَمِدُ الْقَاضِي عَلَى خَبَرِهَا الْأَوَّلِ، وَيَمْنَعُهَا مِنْ الْعَقْدِ حَتَّى تَتِمَّ سَنَةٌ وَنِصْفٌ أَوْ عَلَى الثَّانِي، وَيَعْقِدُ عَلَيْهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، يَعْتَمِدُ عَلَى خَبَرِهَا الْأَوَّلِ، وَيَمْنَعُهَا مِنْ التَّزَوُّجِ حَتَّى تَتِمَّ عِدَّتُهَا بِحَسَبِهِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِنْ ادَّعَتْ طُولَهَا وَهُوَ حَيٌّ أَخَذْت بِإِقْرَارِهَا فِي أَحْكَامِ الْعِدَّةِ اهـ.
وَأَصْلُهُ فِي الْخَرَشِيِّ وَعَبْدِ الْبَاقِي، وَنَصُّهُ: مَفْهُومُ مَاتَ أَنَّهَا لَوْ ادَّعَتْ، وَهُوَ حَيٌّ طُولَ عِدَّتِهَا، وَعَدَمَ انْقِضَائِهَا فِيمَا تَنْقَضِي فِيهِ عَلَى عَادَتِهَا كَانَتْ بَعْدَ سِتَّةٍ أَوْ قَبْلَهَا صَدَقَتْ إنْ كَانَتْ بَائِنًا لِأَنَّهَا مُعْتَرِفَةٌ عَلَى نَفْسِهَا فَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ رَجْعَتِهَا مُطْلَقًا، وَلَهَا النَّفَقَةُ، وَنَحْوُهَا مِمَّا لِلْمُعْتَدَّةِ إنْ صَدَّقَهَا لَا إنْ كَذَّبَهَا اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ طَلُقَتْ، وَهِيَ تُرْضِعُ، وَمَكَثَتْ كَذَلِكَ نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ خَطَبَهَا ذُو زَوْجَةٍ فَقَالَتْ أُمُّ الْمَخْطُوبَةِ: بِنْتِي لَمْ تَحِضْ أَصْلًا لِكَوْنِهَا مُرْضِعًا، وَشَاعَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ بَعْدَ نَحْوِ شَهْرَيْنِ وَنِصْفٍ رَضِيَتْ أُمُّهَا بِتَزْوِيجِهَا لِذَلِكَ الرَّجُلِ، وَأَحْضَرُوا فَقِيهًا، وَأَذِنَتْ الْمَرْأَةُ لِأَخِيهَا فِي الْعَقْدِ عَلَيْهَا فَعَقَدَ لَهُمَا الْفَقِيهُ، وَلَمْ يَسْأَلْهَا عَنْ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَأَرَادَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَسْخَ هَذَا الْعَقْدِ لِقَوْلِ أُمِّهَا الْمَذْكُورِ وَشُيُوعِهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَكَذَّبَتْ الْأُمُّ نَفْسَهَا مُعْتَذِرَةً بِكَرَاهَةِ دُخُولِ بِنْتِهَا عَلَى ضَرَّةٍ فَهَلْ يُجَابُ لِذَلِكَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: نَعَمْ يُجَابُ لِذَلِكَ، وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ إذْ سُكُوتُ الْبِنْتِ عَلَى قَوْلِ أُمِّهَا الْمَذْكُورَةِ، وَتَكَلُّمُ النَّاسِ بِهِ بَعْدَ إقْرَارٍ مِنْهَا بِهِ، وَيُؤَيِّدُ صِحَّتَهُ إرْضَاعُهَا الْمُقْتَضِي لِتَأَخُّرِ الْحَيْضِ عَادَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّصُّ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ طُولَ عِدَّتِهَا فِي حَيَاةِ زَوْجِهَا أُخِذَتْ بِإِقْرَارِهَا فِي أَحْكَامِ الْعِدَّةِ، وَالِاعْتِذَارُ لِلْكَذِبِ بِكَرَاهَةِ الضَّرَّةِ لَا يُفِيدُ حَيْثُ لَمْ تَسْتَرْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[مُطَلَّقَةٍ أَرَادَتْ التَّزْوِيجَ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا مُخْبِرَةً بِأَنَّهَا حَاضَتْ فِيهَا ثَلَاثَ حِيَضٍ فَهَلْ تُصَدَّقُ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي مُطَلَّقَةٍ أَرَادَتْ التَّزْوِيجَ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا مُخْبِرَةً بِأَنَّهَا حَاضَتْ فِيهَا ثَلَاثَ حِيَضٍ فَهَلْ تُصَدَّقُ وَتُمَكَّنُ مِنْهُ؟
стр. 494
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَتْ عَادَةُ نِسَاءِ بَلَدِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ حَيْضَهُنَّ ثَلَاثًا فِي مِثْلِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ غَالِبًا أَوْ مُسَاوِيًا صُدِّقَتْ بِلَا يَمِينٍ وَلَا سُؤَالِ نِسَاءٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُنَّ ذَلِكَ فِيهَا نَادِرًا سُئِلَ النِّسَاءُ فَإِنْ شَهِدْنَ لَهَا صُدِّقَتْ، وَهَلْ بِيَمِينٍ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ، وَإِلَّا فَلَا، فَفِي مَوَاهِبِ الْقَدِيرِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا إنْ ادَّعَتْ الِانْقِضَاءَ بَعْدَ زَمَنٍ يَغْلِبُ الِانْقِضَاءُ فِيهِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ بِبَلَدِهَا أَوْ يَحْتَمِلُهُ وَعَدَمُهُ عَلَى السَّوَاءِ بِحَسَبِهَا فَإِنَّهَا تُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ، وَلَا سُؤَالِ نِسَاءٍ، وَإِنْ ادَّعَتْهُ بَعْدَ زَمَنٍ يَنْدُرُ الِانْقِضَاءُ فِيهِ سُئِلَ النِّسَاءُ فَإِنْ شَهِدْنَ لَهَا صُدِّقَتْ، وَهَلْ بِيَمِينٍ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ ادَّعَتْهُ بَعْدَ زَمَنٍ لَا يُمْكِنُ الِانْقِضَاءُ فِيهِ أَصْلًا فَلَا تُصَدَّقُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ فَهَلْ لَهُ السُّكْنَى مَعَهَا فِي بَيْتٍ هُوَ فِي مَحَلٍّ مِنْهُ، وَهِيَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَمَعَهُمَا فِيهِ غَيْرُهُمَا كَمَحْرَمِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَهَلْ لَهُ إسْكَانُ زَوْجَتِهِ مَعَهَا بِرِضَاهُمَا، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ لَهُ السُّكْنَى فِي بَيْتٍ جَامِعٍ لَهُمَا، وَلِغَيْرِهِمَا هُوَ فِي مَحَلٍّ مِنْهُ، وَهِيَ فِي مَحَلِّهَا الَّذِي كَانَتْ سَاكِنَةً فِيهِ مَعَهُ، وَلَهُ إسْكَانُ زَوْجَتِهِ مَعَهَا فِي مَحَلِّهَا إنْ رَضِيَتَا بِذَلِكَ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[مَسَائِلُ الظِّهَارِ]
[رَجُلٍ تَشَاجَرَ مَعَ زَوْجَتِهِ فَقَالَ لَهَا أَنْت مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ كَأُمِّي وَأُخْتِي وَلَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الظِّهَارِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تَشَاجَرَ مَعَ زَوْجَتِهِ فَقَالَ لَهَا أَنْت مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ كَأُمِّي وَأُخْتِي، وَلَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا فَهَلْ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَيَلْزَمُهُ الظِّهَارُ، وَإِذَا قُلْتُمْ بِلُزُومِ الظِّهَارِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ مُعَاشَرَتُهَا مِنْ غَيْرِ مَسٍّ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ إذَا لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الظِّهَارُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ طَلَاقٌ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ مُعَاشَرَتُهَا مِنْ غَيْرِ مَسٍّ، وَلَا اسْتِمْتَاعٍ قَبْلَ التَّكْفِيرِ إنْ كَانَ مَأْمُونًا قَالَ الْخَرَشِيُّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ: كَأَنْتِ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَزِمَهُ الظِّهَارُ يَعْنِي وَحْدَهُ، وَقَالَ عَبْدُ الْبَاقِي فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ أَيْضًا: وَأَمَّا إنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ فَظِهَارٌ بِاتِّفَاقٍ كَمَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ اهـ.
قَالَ الْخَرَشِيُّ فَإِنْ قُلْت مَا وَجْهُ لُزُومِ الظِّهَارِ مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ أَنْتِ حَرَامٌ، وَسَيَقُولُ الْمُؤَلِّفُ وَسَقَطَ أَيْ الظِّهَارُ إنْ تَعَلَّقَ، وَلَمْ يَتَنَجَّزْ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَوْ تَأَخَّرَ كَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. الشَّاهِدُ فِي قَوْلِهِ أَوْ تَأَخَّرَ.
قُلْت: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِيمَا يَأْتِي لَمَّا عَطَفَ الظِّهَارَ عَلَى الطَّلَاقِ لَمْ يَعْتَبِرْ لِبَيْنُونَتِهَا بِالْأَوَّلِ، وَأَمَّا مَا هُنَا فَإِنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي كَالْحَالِ مِمَّا قَبْلَهُ فَهُوَ قَيْدٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهُ جَعَلَ لِلْحَرَامِ مَخْرَجًا حَيْثُ قَالَ مِثْلَ أُمِّي اهـ.
قَالَ الْعَدَوِيُّ أَيْ صَرَفَ الْحَرَامَ عَنْ أَصْلِهِ مِنْ الطَّلَاقِ، وَجُعِلَ مُرَادٌ مِنْهُ الظِّهَارُ، وَقَوْلُهُ كَالْحَالِ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَالٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنْتِ
стр. 495
حَرَامٌ أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي فَهُوَ كَالْحَالِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ الْخَرَشِيُّ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مَعَهَا فِي بَيْتٍ فَجَائِزٌ إنْ أَمِنَ عَلَيْهَا، وَلَهُ النَّظَرُ لِوَجْهِهَا، وَرَأْسِهَا، وَأَطْرَافِهَا بِغَيْرِ لَذَّةٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ، وَجَازَ كَوْنُهُ مَعَهَا إنْ أَمِنَ عَلَيْهَا، وَمَفْهُومُ إنْ أَمِنَ عَدَمُ جَوَازِ الْكَيْنُونَةِ مَعَهَا فِي بَيْتٍ، وَاحِدٍ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ اهـ.
قَالَ الْعَدَوِيُّ قَوْلُهُ بِغَيْرِ لَذَّةٍ أَيْ قَصْدٍ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ، وَقَوْلُهُ وَرَأْسِهَا وَأَطْرَافِهَا أَيْ لَا لِصَدْرِهَا أَيْ وَلَوْ بِغَيْرِ قَصْدِ لَذَّةٍ قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَهُ النَّظَرُ لِوَجْهِهَا وَرَأْسِهَا وَأَطْرَافِهَا بِغَيْرِ لَذَّةٍ لَا لِصَدْرِهَا، وَفِيهَا وَلَا لِشَعْرِهَا، وَقِيلَ يَجُوزُ اهـ.
وَيُفْهَمُ أَنَّ النَّظَرَ لِلصَّدْرِ وَالشَّعْرِ حَرَامٌ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْوَجْهُ وَالرَّأْسُ وَالْأَطْرَافُ فَيَجُوزُ بِغَيْرِ لَذَّةٍ لَا لَهَا إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ النَّظَرَ لِلرَّأْسِ نَظَرٌ لِشَعْرِهَا فَفِيهِ تَنَافٍ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ خِلَافٍ فَمَنْ يُعَبِّرُ بِالنَّظَرِ لِلرَّأْسِ أَيْ بِجَوَازِ النَّظَرِ لَهَا يَحْكُمُ بِجَوَازِ النَّظَرِ لِلشَّعْرِ، وَمَنْ يَحْكُمُ بِعَدَمِ جَوَازِ النَّظَرِ لِلشَّعْرِ يَحْكُمُ بِعَدَمِ جَوَازِ النَّظَرِ لِلرَّأْسِ.
فَإِنْ قُلْت النَّظَرُ لِلرَّأْسِ أَيْ إذَا كَانَتْ خَالِيَةً مِنْ شَعْرٍ، وَشَعْرُهَا إذَا كَانَ فِيهَا شَعْرٌ فَرُؤْيَةُ الشَّعْرِ أَشَدُّ مِنْ رُؤْيَةِ الْجِلْدِ لِأَنَّهُ يَلْتَذُّ بِهِ فَهُوَ دَاعِيَةٌ لِلْوَطْءِ فَلَا تَنَافِيَ. قُلْت هُوَ قَرِيبٌ فَلْيُحَرَّرْ اهـ.
[رَجُل قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ تَحْرُمِي عَلَيَّ كَمَا حَرُمَ عَلَيَّ بِزُّ أُمِّي]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ تَحْرُمِي عَلَيَّ كَمَا حَرُمَ عَلَيَّ بِزُّ أُمِّي، وَفَعَلَتْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَالْعُرْفُ جَارٍ بِاسْتِعْمَالِ ذَلِكَ فِي تَرْكِ كَلَامِهَا فَمَا الْحُكْمُ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ نَوَى بِالصِّيغَةِ الْمَذْكُورَةِ الطَّلَاقَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الظِّهَارِ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ نِيَّةٌ أَقَلُّ مِنْهَا، وَفِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا تُقْبَلُ نِيَّةُ الْأَقَلِّ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ ظِهَارٌ فِيهِمَا، وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ وَحْدَهُ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ لَزِمَهُ الظِّهَارُ وَحْدَهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَكِنَايَتُهُ الظِّهَارِ مَا أَفْهَمَهُ غَيْرُ صَرِيحٍ بِأَنْ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ ظَهْرٍ وَمُؤَبَّدٍ، وَصَدَقَ فِيمَا نَوَاهُ بِهَا كَنِيَّةِ كَرَامَةٍ أَوْ كِبْرٍ فِي أُمَّةِ فَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ فَبَتَاتٌ إنْ دَخَلَ وَنَوَى فِي غَيْرِهَا كَقَوْلِهِ: كَابْنِي أَوْ غُلَامِي أَوْ كُلِّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ الْكِتَابُ، وَلَوْ نَوَى الظِّهَارَ ثُمَّ قَالَ وَسَقَطَ إنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْبَيْنُونَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ أَنْتِ حَرَامٌ كَأُمِّي بَلْ ظِهَارٌ لِأَنَّهُ بَيَّنَ وَجْهَ الْحُرْمَةِ نَعَمْ لَوْ عَطَفَ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ اُعْتُبِرَتْ، وَلَوْ خَالَفَتْ الْعُرْفَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ جَرَيَانِ الْعُرْفِ بِحَمْلِ الصِّيغَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ تَحْرِيمَ الِاسْتِمْتَاعِ مَعَ بَقَاءِ الْعِصْمَةِ فَهَذَا هُوَ الظِّهَارُ، وَالْعُرْفُ حِينَئِذٍ مُوَافِقٌ الشَّرْعَ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ تَرْكَ الْكَلَامِ مَعَ الِاسْتِمْتَاعِ فَهُوَ عُرْفٌ فَاسِدٌ مُصَادِمٌ لِلشَّرْعِ فَيَجِبُ تَرْكُهُ، وَالْعَمَلُ بِالشَّرْعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
[مَسَائِلُ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ زَعَمَتْ أَنَّهَا حَمَلَتْ مِنْ زَوْجِهَا وَمَضَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَمْ تَلِدْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، وَمَضَتْ مُدَّةٌ زَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِيهَا ثَلَاثَ حِيَضٍ، وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ، وَبَعْدَ مُضِيِّ أَقَلِّ أَمَدِ الْحَمْلِ مِنْ وَطْئِهِ وَلَدَتْ وَلَدًا كَامِلًا، وَتَنَازَعَ فِيهِ الزَّوْجَانِ فَهَلْ يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ. نَعَمْ لَا يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّهَا
стр. 496
لَمَّا طَلُقَتْ، وَهِيَ تَزْعُمُ الْحَمْلَ لَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ بَلْ بِوَضْعِهِ إنْ تَحَقَّقَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ مِنْ الزَّمَنِ، وَبِمُضِيِّ أَقْصَى أَمَدِهِ أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ خَمْسٍ عَلَى الْخِلَافِ بَاقِيَةً عَلَى حَالِهَا أَوْ مُوقِنَةً الْبَرَاءَةَ مِنْهُ إنْ شَكَّتْ فِيهِ، وَحَيْضُهَا فِي الْحَالَيْنِ لَغْوٌ لَا تَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْعِدَّةِ، وَالْحَامِلُ تَحِيضُ عِنْدَنَا، وَدَلَالَةُ الْحَيْضِ عَلَى عَدَمِ الْحَمْلِ ظَنِّيَّةٌ غَالِبَةٌ اكْتَفَى بِهَا الشَّارِعُ حَيْثُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْحَمْلُ، وَلَمْ يَتَرَتَّبْ فِيهِ رِفْقًا بِالنِّسَاءِ، فَالثَّانِي نَكَحَهَا وَهِيَ فِي عِدَّةِ الْأَوَّلِ، وَحَامِلٌ مِنْهُ فَلَا يُلْتَفَتُ لِمُضِيِّ أَقَلِّ الْحَمْلِ مِنْ عِنْدِ الثَّانِي لِفَسَادِهِ، وَيُحْكَمُ بِلُحُوقِ الْوَلَدِ بِفِرَاشِ الْأَوَّلِ الصَّحِيحِ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَعِدَّةُ الْحَامِلِ وَضْعُ حَمْلِهَا كُلِّهِ، وَتَرَبَّصَتْ إنْ ارْتَابَتْ بِهِ، وَهَلْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا خِلَافٌ، وَفِيهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ الْخَمْسِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَوَلَدَتْ لِخَمْسَةٍ لَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا اهـ بِتَصَرُّفٍ، وَمَفْهُومِ الْخَمْسَةِ أَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ لِأَرْبَعَةٍ فَأَقَلَّ لَحِقَ بِالْأَوَّلِ، وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ: وَإِنْ ارْتَابَتْ بِحَمْلٍ فَأَقْصَاهُ، وَهَلْ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ؟ خِلَافٌ إلَّا أَنْ تَزِيدَ الرِّيبَةُ فَحَتَّى تَزُولَ اهـ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنْ أَتَتْ بَعْدَهَا أَيْ الْعِدَّةِ بِوَلَدٍ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَقْصَى الْحَمْلِ مِنْ وَطِئَ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَقَلَّهُ مِنْ الثَّانِي لَحِقَ بِالْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ فَفِي غَيْرِ الْحَامِلِ، وَالْمُرْتَابَةِ، وَهِيَ الَّتِي تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ كَمَا شَرَحَ بِهِ شَمْسُ الدِّينِ التَّتَّائِيُّ، وَغَيْرُهُ إذْ مَفْهُومُ " وَلَمْ يَبْلُغْ أَقَلَّهُ مِنْ الثَّانِي " أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ أَقَلَّهُ مِنْهُ لَحِقَ بِالثَّانِي كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ قَالَ، وَأَمَّا لَوْ أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَمَا فِي حُكْمِهَا فَأَكْثَرَ مِنْ عَقْدِ الثَّانِي لَحِقَ بِهِ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
[امْرَأَةٍ اعْتَادَتْ الْحَيْضَ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا لِرَجْعَةٍ ثُمَّ طَلُقَتْ ثَلَاثًا فَبِمَاذَا تَعْتَدُّ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ اعْتَادَتْ الْحَيْضَ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا لِرَجْعَةٍ ثُمَّ طَلُقَتْ ثَلَاثًا فَبِمَاذَا تَعْتَدُّ، وَهَلْ لَهَا نَفَقَةٌ فِي الْعِدَّةِ أَوْ لَا؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ عَلَى السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ إلَّا إذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَتَعْتَدُّ بِوَضْعِهِ، وَلَهَا النَّفَقَةُ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَعَلَى مَنْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا لِغَيْرِ رَضَاعٍ كَمَرَضٍ، وَلَوْ أَمَةً أَوْ اُسْتُحِيضَتْ، وَلَمْ تُمَيِّزْ تَرَبُّصَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ اسْتِبْرَاءً، وَهَلْ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ، وَهُوَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَغَيْرِهَا كَمَا فِي الْبُنَانِيِّ أَوْ ارْتِفَاعِ الْحَيْضِ خِلَافٌ ثُمَّ عِدَّتُهَا كَالْيَائِسَةِ لِكِبَرٍ، وَالْبَغْلَةُ خِلْقَةً، وَالصَّغِيرَةُ الْمُطِيقَةُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَالْعِبْرَةُ بِالْهِلَالِ إلَّا أَنْ يَنْكَسِرَ فَالْعَدَدُ، وَلَغَا يَوْمٌ سَبَقَ فَجْرُهُ عَلَى الطَّلَاقِ، وَإِنْ حَاضَتْ الْمُرْتَابَةُ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ انْتَظَرَتْ الْحَيْضَ أَوْ تَمَامَ سَنَةٍ بَيْضَاءَ غَيْرَ مُلَوَّثَةٍ بِالدَّمِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَشَرْحِهِ: وَسَقَطَتْ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ إنْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِخُلْعٍ أَوْ بَتَاتٍ إنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ اهـ.
وَقَالَ فِيهِ: وَعِدَّةُ الْحَامِلِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ وَضْعُ حَمْلِهَا كُلِّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[عَالِم أَتَاهُ امْرَأَتَانِ مِنْ الزَّانِيَاتِ وَتَابَتَا عَنْ الزِّنَا وَادَّعَيَتَا الِاسْتِبْرَاءَ مِنْهُ وَأَثْبَتَتَا الْخُلُوَّ مِنْ الْأَزْوَاجِ وَمَعَهُمَا رَجُلَانِ يُرِيدَانِ التَّزَوُّجَ بِهِمَا وَطَلَبَتَا مِنْهُ الْعَقْدَ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي عَالِمٍ أَتَاهُ امْرَأَتَانِ مِنْ الزَّانِيَاتِ، وَتَابَتَا عَنْ الزِّنَا وَادَّعَيَتَا الِاسْتِبْرَاءَ مِنْهُ، وَأَثْبَتَتَا الْخُلُوَّ مِنْ الْأَزْوَاجِ، وَمَعَهُمَا رَجُلَانِ يُرِيدَانِ التَّزَوُّجَ بِهِمَا، وَطَلَبَتَا مِنْهُ الْعَقْدَ، وَهُوَ يَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينِيًّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهِمَا رَجَعَتَا لِلزِّنَا عَلَيْهِمَا فَعَقَدَ عَلَيْهِمَا لِلرَّجُلَيْنِ فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ، وَادَّعَى كَذِبَهُمَا فِي دَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ، وَأَنَّ الشَّاهِدِينَ مَجْهُولَا الْحَالِ فَهَلْ هَذَا الْعَقْدُ سَائِغٌ لِضَرُورَةِ خَوْفِ الرُّجُوعِ لِلزِّنَا، وَلَوْ تَحَقَّقَ جَهْلُ حَالِ الشَّاهِدَيْنِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، هَذَا الْعَقْدُ
стр. 497
غَيْرُ سَائِغٍ، وَخَوْفُ الرُّجُوعِ لِلزِّنَا لَيْسَ ضَرُورَةً مُسَوِّغَةً لَهُ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَبْلَ تَمَامِ الِاسْتِبْرَاءِ فَاسِدٌ إجْمَاعًا، وَالتَّلَذُّذُ الْمُسْتَنِدُ لَهُ يُؤَيِّدُ الْحُرْمَةَ عِنْدَنَا فَالتَّخَلُّصُ بِهِ مِنْ الرُّجُوعِ لِلزِّنَا كَغَسْلِ الْعَذِرَةِ بِالْبَوْلِ، وَقَوْلِهِمْ الْمَرْأَةُ أَمِينَةٌ عَلَى رَحِمِهَا، وَمُصَدَّقَةٌ فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَاسْتِبْرَائِهَا قَيَّدُوهُ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْمُوجِبِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهَا فَقِيلَ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَقِيلَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَقِيلَ شَهْرٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ، وَهَذَا فِي عِدَّةِ، وَاسْتِبْرَاءِ الْأَقْرَاءِ، وَأَمَّا فِي عِدَّةِ الْوَضْعِ وَاسْتِبْرَائِهِ فَتُصَدَّقُ فِي وَضْعِهِ، وَإِنْ ادَّعَتْهُ بَعْدَ الْمُوجِبِ بِيَوْمٍ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى تَكْذِيبِ النِّسَاءِ وَالْجِيرَانِ لَهَا، وَهِيَ مُصَدَّقَةٌ فِي ذَلِكَ، وَمَأْمُونَةٌ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ، وَالْمَرْأَةُ لَا تُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ أَوْ تَرْكِ الزِّنَا فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ هَذَا الْعَقْدَ، وَتَمَكَّنَ مِنْ فَسْخِهِ أَنْ يَفْسَخَهُ وَيُفَرِّقَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ أَبَدًا، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فَسْخِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَهُ لِمَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَتَأَبُّدُ تَحْرِيمِهَا بِوَطْءٍ قَالَ الْخَرَشِيُّ يَعْنِي أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ طَلَاقٍ غَيْرِ رَجْعِيٍّ أَوْ مَوْتٍ، وَالْمُسْتَبْرَأَة مِنْ زِنًا أَوْ اغْتِصَابٍ غَيْرُهُ إذَا وُطِئَتْ بِنِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةِ نِكَاحٍ فِي عِدَّتِهَا أَوْ اسْتِبْرَائِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَمْ لَا فَإِنَّهَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَى وَطْئِهَا، وَلَهَا الصَّدَاقُ، وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ عَقْدٌ مُجْمَعٌ عَلَى فَسَادِهِ، وَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَا الْمُسْتَبْرَأَةُ مِنْ زِنَاهُ اهـ.
[طَلُقَتْ طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ تَنْقَضِي فِيهَا عِدَّتُهَا اسْتَفْهَمَتْ عَنْ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَأُخْبِرَتْ بِأَنَّ عِدَّتَهَا قَدْ انْقَضَتْ فَتَزَوَّجَتْ شَخْصًا ثَانِيًا]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ طَلُقَتْ طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ تَنْقَضِي فِيهَا عِدَّتُهَا اسْتَفْهَمَتْ عَنْ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَأُخْبِرَتْ بِأَنَّ عِدَّتَهَا قَدْ انْقَضَتْ فَتَزَوَّجَتْ شَخْصًا ثَانِيًا ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ ادَّعَتْ أَنَّ عِدَّتَهَا لَمْ تَنْقَضِ مِنْ الْأَوَّلِ فَهَلْ تُصَدَّقُ أَوْ لَا؟ وَهَلْ إنْ صُدِّقَتْ يُفْسَخُ نِكَاحُهَا أَوْ لَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، لَا تُصَدَّقُ فِي إخْبَارِهَا ثَانِيًا بِعَدَمِ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ، وَالْعِبْرَةُ بِإِخْبَارِهَا الْأَوَّلِ بِانْقِضَائِهَا، وَتُعَدُّ نَادِمَةً وَكَارِهَةً لِلزَّوْجِ الثَّانِي، وَمُتَحَيِّلَةً عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ، وَهَذَا فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فِي خَبَرِهَا الثَّانِي وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَفْتَدِيَ مِنْهُ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَصُدِّقَتْ فِي انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْقُرْءِ وَالْوَضْعِ بِلَا يَمِينٍ مَا أَمْكَنَ، وَسُئِلَ النِّسَاءُ، وَلَا يُفِيدُهَا تَكْذِيبُهَا نَفْسَهَا، وَلَا أَنَّهَا رَأَتْ أَوَّلَ الدَّمِ وَانْقَطَعَ، وَلَا رُؤْيَةُ النِّسَاءِ لَهَا اهـ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَصُدِّقَتْ بِلَا يَمِينٍ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ وَضَعَا إلَّا أَنْ تُكَذِّبَهَا الْعَادَةُ فَإِنْ أَشْكَلَ سُئِلَ النِّسَاءُ، وَأَنَّهَا رَأَتْ أَوَّلَ الدَّمِ فَانْقَطَعَ قَبْلَ الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْعِدَّةِ عَلَى الرَّاجِحِ خِلَافًا لِمَا فِي الْأَصْلِ لَا إنْ كَذَّبَتْ نَفْسَهَا، وَلَوْ رَآهَا النِّسَاءُ فَوَافَقْنَهَا عَلَى قَوْلِهَا الثَّانِي فَالْعِبْرَةُ بِالْأَوَّلِ اهـ.
[امْرَأَة حَمَلَتْ مِنْ الزِّنَا ثُمَّ وَضَعَتْ فَأَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ حَمَلَتْ مِنْ الزِّنَا ثُمَّ وَضَعَتْ فَأَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا فَتَوَجَّهَتْ إلَى فَقِيهٍ مَالِكِيٍّ، وَأَخْبَرَتْهُ بِحَالِهَا فَأَفْتَاهَا بِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ إلَّا بَعْدَ حَيْضَتَيْنِ وَوَضْعِ حَمْلِهَا هَذَا بَعْدَ حَيْضَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِنَسَبٍ فَتَرَكَتْهُ، وَتَوَجَّهَتْ إلَى فَقِيهٍ آخَرَ مَالِكِيٍّ أَيْضًا، وَاسْتَفْتَتْهُ فَأَفْتَاهَا بِأَنَّهَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ بِمُجَرَّدِ وَضْعِ حَمْلِهَا، فَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا فَمَا الْحُكْمُ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، أَيُّهَا السَّائِلُ، وَفَّقَنِي اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ أُطْلِقَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهَا خَلِيَّةً عَنْ النِّكَاحِ، وَمَا يَتْبَعُهُ حَالَ زِنَاهَا أَوْ بِكَوْنِهَا فِي نِكَاحٍ ثُمَّ انْقَطَعَ بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ بِكَوْنِهَا فِي عِدَّةِ أَحَدِهِمَا، وَالْحُكْمُ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ خَلِيَّةً
стр. 498
عَنْهُمَا فَالْحَقُّ مَا أَفْتَى بِهِ الثَّانِي قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِي شَرْحِ مَجْمُوعِهِ فِي مَبْحَثِ عِدَّةِ الْحَامِلِ مَا نَصُّهُ: أَمَّا الزِّنَا فَوَضْعُهُ اسْتِبْرَاؤُهُ قَطْعًا اهـ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي مَبْحَثِ التَّدَاخُلِ: وَالْحَمْلُ مِنْ فَاسِدٍ يُخْرِجُهَا مِنْ اسْتِبْرَائِهِ اهـ.
وَقَالَ أَبُو الضِّيَاءِ، وَشَارِحُهُ شَمْسُ الدِّينِ التَّتَّائِيُّ فِي مَبْحَثِ الِاسْتِبْرَاءِ: وَاسْتِبْرَاءُ الْحَامِلِ بِالْوَضْعِ لِحَمْلِهَا كُلِّهِ، وَإِنْ دَمًا اجْتَمَعَ كَالْعِدَّةِ فَلَا يَكْفِي بَعْضُهُ ثُمَّ قَالَ التَّتَّائِيُّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَامِلٍ مِنْ زِنًا وَغَيْرِهِ اهـ.
وَنَحْوُهُ لِلْعَلَّامَةِ الْحَطَّابِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَإِنْ كَانَ سَوْقُهُ فِي الْأَمَةِ، وَقَالَ أَبُو الضِّيَاءِ فِي التَّدَاخُلِ: وَهَدْمُ وَضْعِ حَمْلِ الْحَقِّ بِفَاسِدٍ أَثَرُهُ، وَلَفْظُهُ عَامٌّ، وَإِنْ كَانَ سَوْقُهُ فِي مُعْتَدَّةٍ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، وَطَلَّقَهَا، وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ مَاتَ عَنْهَا كَذَلِكَ، وَوُجِدَتْ شُبْهَةٌ تُلْحِقُ الْوَلَدَ بِالزَّوْجِ بِحَيْثُ لَا يَنْتَفِي عَنْهُ إلَّا بِلِعَانٍ فَالْحَقُّ مَا أَفْتَى بِهِ الثَّانِي أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الشُّبْهَةُ بِحَيْثُ يَنْتَفِي عَنْهُ بِغَيْرِهِ لِنَحْوِ صِبَا الزَّوْجِ وَجَبِّهِ فَالْحَقُّ مَا أَفْتَى بِهِ الْأَوَّلُ فِي خُصُوصِ الطَّلَاقِ أَمَّا فِي الْوَفَاةِ فَلَا تَحِلُّ إلَّا بَعْدَ الْأَمْرَيْنِ: الْأَشْهُرُ وَالْوَضْعُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ أَحَدِهِمَا قَالَ الْحَطَّابُ: تَنْبِيهٌ: إنَّمَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ إذَا كَانَ لَاحِقًا بِأَبِيهِ. قَالَ فِي كِتَابِ طَلَاقِ السُّنَّةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ، وَهُوَ يَقْوَى عَلَى الْجِمَاعِ فَظَهَرَ بِامْرَأَتِهِ حَمْلٌ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ، وَتَحِدُّ الْمَرْأَةُ، وَإِنْ مَاتَ هَذَا الصَّبِيُّ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا مِنْ الْوَفَاةِ بِوَضْعِ حَمْلِهَا، وَعَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ مِنْ يَوْمِ مَاتَ، وَإِنَّمَا الْحَمْلُ الَّذِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ الْحَمْلُ الَّذِي يُثْبِتُ نَسَبَهُ مِنْ أَبِيهِ خَلَا الْمُلَاعَنَةِ خَاصَّةً فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِالْوَضْعِ، وَأَنْ يَلْحَقَ بِالزَّوْجِ، وَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ زِنًا، وَكَانَ الْمَيِّتُ صَغِيرًا لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ أَوْ مَجْبُوبًا أَوْ وَضَعَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ تَنْقَضِ بِهِ، وَلَا يَلْحَقُ انْتَهَى.
وَسَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلٍ إنْ طَرَأَ مُوجِبٌ وَهَدَمَ وَضْعِ حَمْلٍ أُلْحِقَ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ غَيْرُهُ وَبِفَاسِدٍ أَثَرُهُ، وَأَثَرُ الطَّلَاقِ لَا الْوَفَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَطَّابِ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَشَرْحِهِ فِي الْعِدَّةِ: وَعِدَّةُ الْحَامِلِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ وَضْعُ حَمْلِهَا إلَّا أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ بِلَا لِعَانٍ فَالْأَبْعَدُ مِنْهُ وَمِنْ عِدَّةِ غَيْرِهَا طَلَاقًا وَوَفَاةً ثُمَّ فِي الْأَوَّلِ تَحْسِبُ النِّفَاسَ قُرْءًا انْتَهَى. وَفِي التَّدَاخُلِ وَالْحَمْلُ مِنْ وَطْءٍ فَاسِدٍ يُخْرِجُهَا مِنْ اسْتِبْرَائِهِ، وَعِدَّةُ الطَّلَاقِ حَيْثُ الشُّبْهَةُ إمَّا مِنْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ فَيُحْسَبُ قُرْءًا فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ، وَعَلَيْهَا فِي الْوَفَاةِ الْأَقْصَى انْتَهَى هَذَا
وَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ الِاعْتِرَافُ بِالْخَطَأِ وَالرُّجُوعُ لِلْحَقِّ، وَذَلِكَ عَيْنُ الْكَمَالِ:
وَمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانُ إلَّا لِنَسْيِهِ ... وَلَا الْقَلْبُ إلَّا أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ
إنَّمَا الْعَارُ دُنْيَا وَأُخْرَى فِي الْإِصْرَارِ عَلَى الْخَطَأِ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَغَمْصُ الْحَقِّ وَرَدُّهُ، وَعَلَى مَنْ أَصَابَ مِنْهُمَا عَدَمُ التَّبَجُّحِ وَالدَّعْوَى، وَبَذَاءَةُ اللِّسَانِ الْمُؤَدِّيَةُ لِلتَّفَاقُمِ، وَلْيُجَادِلْ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْكَلَامِ اللِّينِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُبْطِلٌ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَهُ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي وَسَطِهَا، وَمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي أَعْلَاهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.
وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ» .
وَقَالَ سَيِّدِي أَحْمَدْ زَرُّوقٌ: وَإِيَّاكُمْ وَالدَّعْوَى فِي الْعِلْمِ أَوْ يَقُولُ أَحَدُكُمْ أَنَا عَالِمٌ، وَأَنَا خَيْرٌ مِنْك، وَأَنَا قَارِئٌ، فَإِنَّهُ قَدْ هَلَكَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ ثَلَاثَةٌ: أَوَّلُ مَرَّةٍ قَالَهَا إبْلِيسُ
стр. 499
اللَّعِينُ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهَلَكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْهُ " أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ "، وَالثَّانِي فِرْعَوْنُ الْخَسِيسُ قَالَ " أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى "، وَفِي ذَلِكَ أَقَاوِيلُ وَأَحَادِيثُ فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَلَيَأْتِيَنَّ زَمَانٌ عَلَى النَّاسِ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيَقْرَؤُنَهُ ثُمَّ يَقُولُونَ قَدْ قَرَأْنَا وَعَلِمْنَا فَمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنَّا فَهَلْ فِي أُولَئِكَ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَنْ أُولَئِكَ قَالَ: أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ قَالَ إنِّي عَالِمٌ فَهُوَ جَاهِلٌ» اهـ. وَإِيَّاكُمْ وَالتَّجَارُؤَ عَلَى الْفَتْوَى فَإِنَّ شَأْنَ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَظِيمٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَلَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ، وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ أَنَّهُ قَالَ: «عَرَضْت فَتْوَايَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَعَاتَبَنِي عَلَى قَيْدٍ أَخْلَلْت بِهِ فَتَرَكْت الْفَتْوَى مِنْ ذَلِكَ» وَتَأَسُّوا بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي إكْثَارِهِ مِنْ " لَا أَدْرِي " حَتَّى قَالَ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ لَوْ شِئْت أَنْ أَمْلَأَ أَلْوَاحِي مِنْ قَوْلِهِ لَا أَدْرِي لَفَعَلْت. وَأَتَاهُ سَائِلٌ وَأَقَامَ عِنْدَهُ زَمَنًا طَوِيلًا وَهُوَ يَقُولُ لَهُ لَا أَدْرِي، فَقَالَ لَهُ: إنِّي آتِيك مِنْ مَسَافَةِ شَهْرٍ ضَارِبًا كَبِدَ بَعِيرِي لِأَسْأَلَك عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِذَا عُدْت إلَى قَوْمِي فَقَالُوا: مَاذَا قَالَ لَك مَالِكٌ فَأَيُّ شَيْءٍ أَقُولُ لَهُمْ؟ فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ قَالَ لِي لَا أَدْرِي. وَلَا تَحِلُّ الْفَتْوَى إلَّا مِمَّنْ يَرَاهُ الْعُلَمَاءُ أَهْلًا لَهَا، وَيَرَى مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ أَيْضًا، وَحَيْثُ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مَعَ أَهْلِيَّتِهِمْ يَتَطَارَحُونَ ثَلَاثًا الْإِمَامَةَ وَالْفَتْوَى وَالْوَدِيعَةَ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالْهِدَايَةُ إلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ.
[وَجَبَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ وَهِيَ حَامِلٌ وَمَاتَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ، وَهِيَ حَامِلٌ، وَمَاتَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَاسْتَمَرَّ فِيهَا أَوْ نَزَلَ بَعْضُهُ، وَبَقِيَ بَعْضُهُ فَهَلْ يَتَوَقَّفُ خُرُوجُهَا مِنْ الْعِدَّةِ عَلَى وَضْعِهِ أَوْ وَضْعِ بَاقِيه، وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ أَوْ تَخَرَّجَ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ:
أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ مَوْتُهُ وَاسْتِمْرَارُهُ فِي بَطْنِهَا فَفِيهَا خِلَافٌ فَقَدْ نَقَلَ الْمَشَذَّالِيُّ وَابْنُ سَلْمُونٍ أَنَّهُ إذَا مَاتَ فِي بَطْنِهَا فَلَا تَخْرُجُ مِنْ الْعِدَّةِ، وَذَكَرَ الزَّرْقَانِيُّ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِمَوْتِهِ كَذَا فِي الشَّبْرَخِيتِيِّ، وَفِي عَبْدِ الْبَاقِي عَقِبَ قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ: وَعِدَّةُ الْحَامِلِ وَضْعُ حَمْلِهَا كُلِّهِ أَيْ وَلَوْ مَاتَ قَالَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ عَنْ ابْنِ فَرْحُونٍ، وَتَسْقُطُ النَّفَقَةُ لِأَنَّهَا لِلْحَمْلِ، وَقَدْ مَاتَ وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِمَوْتِهِ اهـ.
وَفِي الْبُرْزُلِيِّ وَتَقَدَّمَ لِلشَّعْبِيِّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عِيسَى أَفْتَى فِي مُطَلَّقَةٍ طَلَاقًا بَائِنًا أَنَّ النَّفَقَةَ لَهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا مَا دَامَ الْوَلَدُ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ فِي بَطْنِهَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا وَوَقَعَتْ، وَحَكَمَ فِيهَا الْقَاضِي ابْنُ الْخَرَّازِ بِالنَّفَقَةِ، وَأَفْتَى بِهِ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ حَتَّى طَالَ عَلَى زَوْجِهَا الْإِنْفَاقُ فَاسْتَشَارَنِي فِي ذَلِكَ فَأَفْتَيْته بِالسُّقُوطِ إذَا أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ لِأَنَّ بَطْنَهَا صَارَ مَدْفِنًا لَهُ، وَإِنَّمَا النَّفَقَةُ لَهَا لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا فَلَوْ تَرَكَتْ غِذَاءَهَا مَاتَ فَإِذَا اعْتَرَفَتْ بِأَنَّهُ مَاتَ فَقَدْ صَارَ لَا غِذَاءَ لَهُ، وَإِنَّمَا صَارَ دَاءً فِي بَطْنِهَا تَحْتَاجُ إلَى دَفْعِهِ عَنْهَا بِالدَّوَاءِ، وَقَبْلَ مَوْتِهِ حَيَاتُهُ مُتَّصِلَةٌ بِحَيَاتِهَا، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الَّذِي يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ حَامِلًا هَلْ لَهَا نَفَقَةٌ أَمْ لَا فَقَالَ مَالِكٌ لَهَا النَّفَقَةُ فَإِذَا مَاتَ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا.
قُلْت: ظَاهِرُ هَذَا إذَا ثَبَتَتْ حَيَاتُهُ لَحِقَ بِهِ، وَإِنْ طَالَتْ السُّنُونَ، وَعَلَيْهِ لَهَا السُّكْنَى، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا النِّكَاحُ، وَقِيلَ: إذَا جَاوَزَ السَّبْعَ سِنِينَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ رِيحٌ وَتَزَوُّجٌ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا أَبَدًا مَا دَامَ التَّحْرِيكُ، وَعَلَيْهِ يَأْتِي الْحُكْمُ فِي وُجُوبِ سُكْنَاهَا
стр. 500
وَكَذَا يَقَعُ النَّظَرُ إذَا ثَبَتَ مَوْتُهُ فِي بَطْنِهَا فِي وُجُوبِ السُّكْنَى لَهَا، وَحُرْمَتِهَا عَلَى الْغَيْرِ، وَيَكُونُ حَدِيثُ " فَلَا يَسْقِي مَاؤُهُ زَرْعَ غَيْرِهِ " خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي الْحَمْلِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ مُطْلَقًا» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ بَقَاءُ بَعْضِهِ فِي بَطْنِهَا فَقَدْ نَظَرَ فِيهَا الشَّبْرَخِيتِيُّ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ خُرُوجَهَا مِنْ الْعِدَّةِ، وَنَصُّهُ: وَانْظُرْ لَوْ بَقِيَ فِي بَطْنِهَا عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْحَمْلِ كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ بَعْضُهُ، وَقُطِعَ هَلْ عِدَّتُهَا بَاقِيَةٌ حَتَّى يَخْرُجَ مَا بَقِيَ أَمْ لَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا لَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ، وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ اهـ.
زَادَ عَبْدُ الْبَاقِي لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَةِ رَحِمِهَا اهـ كَلَامُ أَحْمَدَ، وَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ شُيُوخِهِ يُسْتَفَادُ مِنْ الرَّجْرَاجِيِّ لَكِنْ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى ذَكَرَ فِيهَا قَوْلَيْنِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[أَقَرَّ بِطَلَاقٍ فِي زَمَنٍ سَابِقٍ عَلَى زَمَنِ الْإِقْرَارِ بِحَيْثُ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ أَقَرَّ بِطَلَاقٍ فِي زَمَنٍ سَابِقٍ عَلَى زَمَنِ الْإِقْرَارِ بِحَيْثُ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ إذَا عُمِلَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَعُقِدَ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَافِ عِدَّةٍ مِنْ يَوْمِ إقْرَارِهِ يَكُونُ الْعَقْدُ فَاسِدًا فَيُفْسَخُ، وَيُحْكَمُ بِتَأْبِيدِ تَحْرِيمِهَا عَلَى الزَّوْجِ الثَّانِي إنْ تَلَذَّذَ بِهَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ إذَا عَمِلَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةِ بَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مِنْهُ فِي زَمَنٍ سَابِقٍ عَلَى الْإِقْرَارِ تَنْقَضِي فِيهِ الْعِدَّةُ، وَعَقْدُهُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ بِدُونِ اعْتِدَادٍ بَعْدَ الْإِقْرَارِ يَكُونُ الْعَقْدُ فَاسِدًا لِكَوْنِهِ عَقْدًا عَلَى مُعْتَدَّةٍ لِكَوْنِ عِدَّتِهَا مِنْ يَوْمِ الْإِقْرَارِ لَا مِنْ يَوْمِ الْإِيقَاعِ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ فَيَجِبُ فَسْخَةُ أَبَدًا، وَيُحْكَمُ بِتَأْبِيدِ حُرْمَتِهَا عَلَى الزَّوْجِ الثَّانِي إنْ تَلَذَّذَ بِهَا، وَلَوْ بِالْمُقَدِّمَاتِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالْإِقْرَارُ وَالشَّهَادَةُ كَالْإِنْشَاءِ، وَالْعِدَّةُ مِنْ الْآنَ لَا لِتَارِيخِ بَيِّنَةٍ، وَلَا يَرِثُ هُوَ إنْ انْقَضَتْ بِدَعْوَاهُ، وَشُهُودُ الطَّلَاقِ بَعْدَ مَوْتِهِ عُدِمَ فَتَرِثُ، وَتَعْتَدُّ عِدَّةَ وَفَاةٍ، وَبَعْدَ مَوْتِهَا لَمْ يَرِثْ حَيْثُ لَمْ يَطْعَنْ فِي الْبَيِّنَةِ، وَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِطَلَاقٍ مُتَقَدِّمٍ اسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ مِنْ إقْرَارِهِ، وَلَمْ يَرِثْهَا إنْ انْقَضَتْ عَلَى دَعْوَاهُ، وَوَرِثَتْهُ فِيهَا إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ لَهُ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ حَضَرَتْ مِنْ الْفَيُّومِ إلَى الْقَلْيُوبِيَّةِ وَقَالَتْ كُنْت مُتَزَوِّجَةً فِي الْفَيُّومِ، وَطَلَّقَنِي زَوْجِي مُنْذُ شَهْرَيْنِ، وَمَعَهَا وَثِيقَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ طَلَاقَهَا وَتَارِيخَهُ بِخَتْمِ نَائِبِ الْقَاضِي فِي الْبَلَدِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ، وَأَرَادَتْ التَّزَوُّجَ بَعْدَ وَفَاءِ الْعِدَّةِ مِنْ تَارِيخِ الْوَثِيقَةِ فَهَلْ تُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ تُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا مُصَدَّقَةٌ فِي دَعْوَاهَا الطَّلَاقَ، وَانْقِضَاءَ الْعِدَّةِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ خُصُوصًا، وَقَدْ تَرَجَّحَتْ دَعْوَاهَا بِوَثِيقَةِ الْقَاضِي هَذَا مُفَادُ النُّصُوصِ لَكِنْ يَنْبَغِي زِيَادَةُ التَّثَبُّتِ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْآنَ لِمَا شُوهِدَ كَثِيرًا مِنْ تَخْلِيطِ النِّسَاءِ وَتَزْوِيجِهِنَّ أَزْوَاجًا مَعًا نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَقَبْلَ دَعْوَى طَارِئَةٍ مِنْ بَعِيدٍ يَخْفَى التَّزَوُّجُ كَبُعْدِ طُولٍ يَنْدَرِسُ فِيهِ الْخَبَرُ وَيُمْكِنُ مَوْتُ الشُّهُودِ مِنْ حَاضِرَةٍ، وَإِنْ لَمْ تُؤْمَنْ فَخِلَافٌ مَعَ الطُّولِ اهـ قَالَ الْخَرَشِيُّ مِثْلُ دَعْوَى التَّزْوِيجِ دَعْوَى مَوْتِ أَوْ طَلَاقِ الزَّوْجِ، وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ الْمَرْأَةُ الطَّارِئَةُ إذَا قَدِمَتْ فِي الرُّفْقَةِ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ، وَادَّعَتْ أَنَّهَا دُونَ زَوْجٍ، وَخَشِيَتْ الْعَنَتَ فَإِنَّ
стр. 501
السُّلْطَانَ يُزَوِّجُهَا، وَلَا يُكَلِّفُهَا الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنْ لَا زَوْجَ لَهَا، وَلَكِنْ يَسْأَلُ عَنْهَا صُلَحَاءَ أَهْلِ الرُّفْقَةِ فَإِنْ اسْتَرَابَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهَا تَرَكَهَا فَإِنْ كَانَتْ طَارِئَةً عَلَى الْبَلَدِ مُقِيمَةً فِيهِ فَلَا يُزَوِّجُهَا حَتَّى تَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهَا طَارِئَةٌ، وَأَنَّهَا لَا زَوْجَ لَهَا، وَلَا وَلِيَّ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الطَّارِئَةِ حَتَّى يَثْبُتَ طَلَاقُ زَوْجِهَا لَهَا أَوْ مَوْتُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّارِئَةَ تُصَدَّقُ فِي الزَّوْجِيَّةِ، وَلَا تُصَدَّقُ الْمُقِيمَةُ، وَكَذَلِكَ فِي دَعْوَاهَا أَنَّهَا دُونَ زَوْجٍ، وَقَالَ: وَصَدَقَتْ بِلَا يَمِينٍ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ وَضَعَا إلَّا أَنْ تُكَذِّبَهَا الْعَادَةُ فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ سُئِلَ النِّسَاءُ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[زُوِّجَتْ قَبْلَ رُؤْيَتِهَا الْحَيْضَ فَحَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَانْقَطَعَ الْإِرْضَاعُ وَلَمْ تَرَ الْحَيْضَ وَطَلُقَتْ فَبِمَاذَا تَعْتَدُّ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ زُوِّجَتْ قَبْلَ رُؤْيَتِهَا الْحَيْضَ فَحَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَانْقَطَعَ الْإِرْضَاعُ، وَلَمْ تَرَ الْحَيْضَ أَيْضًا، وَطَلُقَتْ فَبِمَاذَا تَعْتَدُّ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ تَرَبُّصِهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ تَمَّتْ السَّنَةُ، وَلَمْ يَأْتِهَا حَيْضٌ، وَلَمْ يَظْهَرْ بِهَا حَمْلٌ فَقَدْ حَلَّتْ، وَإِنْ أَتَى حَيْضٌ فِيهَا انْتَظَرَتْ حَيْضَةً ثَانِيَةً أَوْ تَمَامَ سَنَةٍ فَإِنْ تَمَّتْ مِنْ غَيْرِ دَمٍ حَلَّتْ، وَإِنْ حَاضَتْ انْتَظَرَتْ ثَالِثَةً أَوْ تَمَامَ سَنَةٍ فَتَحِلُّ بِأَقْرَبِهِمَا، وَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لَمْ تَحِلَّ إلَّا بِوَضْعِهِ، وَقَوْلُهُمْ عِدَّةُ الشَّابَّةِ الَّتِي لَمْ تَرَ الْحَيْضَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ فَقَطْ يَجِبُ قَصْرُهُ عَلَى مَنْ لَمْ تَحْمِلْ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ لِأَنَّ الَّتِي تَحْمِلُ، وَلَا تَحِيضُ لَا تَدُلُّ الثَّلَاثَةُ الْأَشْهُرِ عَلَى بَرَاءَتِهَا مِنْ الْحَمْلِ إنَّمَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهَا مُضِيُّ مُدَّتِهِ الْغَالِبَةِ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِهِ، وَهِيَ التِّسْعَةُ الْأَشْهُرُ عَلَى أَنَّهَا إنْ وَلَدَتْ بِدَمٍ فَقَدْ حَاضَتْ لِقَوْلِ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ الْحَيْضُ غُسَالَةُ الْجَسَدِ يَنْبَعِثُ مِنْ الْعُرُوقِ لِلْفَرْجِ إذَا كَثُرَ فِي الْجَسَدِ فَإِذَا حَصَلَ الْحَمْلُ انْغَلَقَ عَلَيْهِ الرَّحِمُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ غَالِبًا، وَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ فَيَتَوَلَّدُ مِنْ أَعْدَلِهِ لَحْمُ الْجَنِينِ لِأَنَّ الْأَعْضَاءَ تَتَوَلَّدُ مِنْ الْمَنِيِّ، وَمَا يَلِيه فِي الِاعْتِدَالِ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ لَبَنٌ يَتَغَذَّى مِنْهُ الرَّضِيعُ، وَيَجْتَمِعُ أَكْدَرُهُ فَيَخْرُجُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ اهـ.
فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ دَمُ الْحَيْضِ بِعَيْنِهِ انْحَبَسَ ثُمَّ خَرَجَ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ بَعْدَهُ فَمَنْ وَلَدَتْ بِدَمٍ فَقَدْ حَاضَتْ، وَمَنْ حَاضَتْ فِي عُمُرِهَا، وَلَوْ مَرَّةً لَا تَكْفِيهَا ثَلَاثَةُ الْأَشْهُرِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا، وَأَمَّا لَوْ حَاضَتْ مَرَّةً فِي عُمُرِهَا ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا سِنِينَ كَثِيرَةً لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَدْ وَلَدَتْ أَوْ لَمْ تَلِدْ ثُمَّ طَلُقَتْ فَإِنَّ عِدَّتَهَا بِالْأَقْرَاءِ اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ النَّفْرَاوِيُّ أَيْ أَوْ سَنَةً بَيْضَاءَ كَمَا فِي صَغِيرِ الْخَرَشِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ أُخْبِرَتْ حَالَ حَيْضِهَا فِي مَرَضِهَا بِمَوْتِ أُمِّهَا فَانْقَطَعَ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّتِهِ الْمُعْتَادَةِ لِغَمِّهَا ثُمَّ لَمْ يَأْتِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَمَكَثَتْ ثَلَاثَ سِنِينَ بَعْدَهُ لَمْ تَرَ فِيهَا حَيْضًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ أَتَاهَا الْحَيْضُ مَرَّةً لَيْسَ عَلَى أَلْوَانِ الدِّمَاءِ ثُمَّ صَارَ يَأْتِيهَا دَمٌ فِي ثَدْيَيْهَا يُوَرِّمُهُمَا، وَيَنْزِلُ لِسُرَّتِهَا، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ قُبُلِهَا فَهَلْ يُعَدُّ حَيْضًا تَعْتَدُّ بِهِ أَوْ لَا، وَمَا الْحُكْمُ فِيهَا إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نُزُولُ الدَّمِ لِلْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ عَدَمِ خُرُوجِهِ مِنْ قُبُلِهَا لَا يُعَدُّ حَيْضًا لِاعْتِبَارِهِمْ الْخُرُوجَ مِنْ الْقُبُلِ قَيْدًا فِي مَاهِيَّتِه فَلَا تَعْتَدُّ بِهِ، وَعِدَّتُهَا مِنْ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ سَنَةٌ، وَمِنْ الثَّانِي ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَمِنْ الثَّالِثِ سِتَّةٌ بَعْدَ الْحَبْسِ الَّذِي
стр. 502
أَتَاهَا إنْ كَانَ إتْيَانُهُ قَبْلَ تَمَامِ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ، وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بِهَا أَيْضًا، وَالْحَيْضُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ دَمٌ وَمَاءٌ أَصْفَرُ كَغُسَالَةِ اللَّحْمِ وَمَاءٌ كَدِرٌ يَمِيلُ إلَى السَّوَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَعَلَى مَنْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا لِغَيْرِ رَضَاعٍ كَمَرَضٍ، وَلَوْ أَمَةً أَوْ اُسْتُحِيضَتْ، وَلَمْ تُمَيِّزْ تَرَبُّصَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ اسْتِبْرَاءً، وَهَلْ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ، وَهُوَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ ارْتِفَاعِ الْحَيْضِ خِلَافٌ ثُمَّ عِدَّتُهَا كَالْيَائِسَةِ لِكِبَرٍ، وَالْبَغْلَةُ خِلْقَةً، وَالصَّغِيرَةُ الْمُطِيقَةُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَالْعِبْرَةُ بِالْهِلَالِ إلَّا أَنْ يَنْكَسِرَ فَالْعَدَدُ وَلَغَا يَوْمٌ سَبَقَ فَجْرَهُ الطَّلَاقُ، وَإِنْ حَاضَتْ الْمُرْتَابَةُ قَبْلَ الْمُدَّةِ انْتَظَرَتْ الْحَيْضَ أَوْ تَمَامَ سَنَةٍ بَيْضَاءَ غَيْرِ مُلَوَّثَةٍ بِدَمٍ اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ أَبْرَأَتْهُ زَوْجَتُهُ مِنْ صَدَاقِهَا فَقَالَ لَهَا أَنْت طَالِقٌ ثُمَّ رَاجَعَهَا لَهُ مَالِكِيٌّ جَهْلًا مِنْهُ، وَوَطِئَهَا فَهَلْ إذَا أَرَادَ أَنْ يُجَدِّدَ عَلَيْهَا عَقْدًا لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ تَقَدَّمَ فِي الْخُلْعِ أَنَّ هَذَا الطَّلَاقَ رَجْعِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَعَلَيْهِ فَرَجْعَتُهُ صَحِيحَةٌ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَهُوَ بَائِنٌ، وَرَجْعَتُهُ بَاطِلَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ عَقْدٍ، وَفِي وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ خِلَافٌ رَجَّحَ عَبْدُ الْبَاقِي الْوُجُوبَ وَالْعَدَوِيُّ وَالْبَنَّانِيُّ عَدَمَهُ، وَنَصَّ عَبْدُ الْبَاقِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ، وَفِي إمْضَاءِ الْوَلِيدِ لِي أَوْ فَسْخِهِ تَرَدُّدٌ، وَإِذَا زَوَّجَ أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ وَلِيٍّ أَبْعَدُ امْرَأَةً شَرِيفَةَ الْقَدْرِ بِوِلَايَةِ الْعَامَّةِ مَعَ وُجُودِ وَلِيِّهَا غَيْرِ الْمُجْبَرِ، وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ، وَلَمْ يُطِلْ وَخُيِّرَ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ كَمَا مَرَّ فَاخْتُلِفَ فِي إيجَابِ الِاسْتِبْرَاءِ فِي إمْضَاءِ الْوَلِيِّ الْمَذْكُورِ مِنْ الْمَاءِ الْفَاسِدِ الْحَاصِلِ قَبْلَ الْإِمْضَاءِ، وَمِثْلُهُ وَلِيُّ السَّفِيهِ، وَسَيِّدُ الْعَبْدِ إذَا أَمْضَيَا نِكَاحَهُمَا بَعْدَ الْبِنَاءِ وَعَدَمُ إيجَابِهِ أَوْ فِي إيجَابِهِ فِي فَسْخِهِ، وَأَرَادَ تَزَوُّجَهَا بَعْدَهُ، وَعَدَمُ إيجَابِهِ تَرَدُّدٌ، وَالرَّاجِحُ وُجُوبُهُ فِي الْإِمْضَاءِ، وَأَوْلَى فِي فَسْخِهِ لِأَنَّ الْفَسْخَ مُوجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ لِلِاسْتِبْرَاءِ، وَقَوْلِي: وَدَخَلَ بِهَا أَيْ وَإِلَّا فَلَا اسْتِبْرَاءَ، وَقَوْلِي: وَأَرَادَ تَزَوُّجَهَا بَعْدَهُ أَيْ أَرَادَ مَنْ فُسِخَ نِكَاحُهُ.
وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَجْنَبِيٌّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ فَسْخِ الْوَلِيِّ فَإِنَّ الْعِدَّةَ وَاجِبَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا، وَكَذَا يَجْرِي الْخِلَافُ فِي نِكَاحِ الْمَغْرُورِ، وَفِي كُلِّ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَسْخٌ بَعْدَ الْبِنَاءِ لَا فِي فَاسِدٍ لِصَدَاقِهِ إذَا مَضَى بِالْبِنَاءِ، وَلَا فِي وَطْءٍ حَرَامٍ لِنَحْوِ حَيْضٍ، وَلَا فِيمَا طَرَأَ فِيهِ خِيَارٌ لِلزَّوْجَةِ بَعْدَ الْبِنَاءِ لِحُدُوثِ جُذَامٍ بِالزَّوْجِ بَعْدَهُ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ صَحِيحًا لَازِمًا بِخِلَافِ عَقْدِ الْمَغْرُورِ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ ابْتِدَاءً، وَإِنْ غَرَّ الْمَعِيبَ ثُمَّ ظَهَرَ عَيْبُهُ بَعْدَهُ فَفِيهِ الْخِلَافُ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الظَّاهِرِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ مَنْشَؤُهُ فَسَادُ الْمَاءِ، وَكَوْنُهُ مَاءَهُ، وَالْوَلَدُ الْمُتَخَلِّقُ مِنْهُ لَاحِقٌ بِهِ فَمَنْ نَظَرَ إلَى الْأَوَّلِ أَوْجَبَ الِاسْتِبْرَاءَ، وَمَنْ نَظَرَ لِلثَّانِي نَفَاهُ، وَعَلَى هَذَا فَتَدْخُلُ صُورَةُ السُّؤَالِ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَالرَّجْعَةُ فِيهَا تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعَقْدِ فَإِنَّ الْمَدَارَ عَلَى الشُّبْهَةِ فَتَدْخُلُ فِي قَوْلِ عَبْدِ الْبَاقِي تَبَعًا لِلْأُجْهُورِيِّ وَالْبَدْرِ، وَفِي كُلِّ فَاسِدٍ إلَخْ، وَقَدْ اقْتَصَرُوا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ فِي مَسَائِلَ تَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ مِنْهَا مَنْ اشْتَرَى أَمَةً، وَوَطِئَهَا ثُمَّ اسْتَلْحَقَتْ مِنْهُ فَاشْتَرَاهَا مِنْ مُسْتَحَقِّهَا.
سُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ كَوْنِهِ يَسْتَمِرُّ عَلَى، وَطْئِهَا أَوْ يَسْتَبْرِئُهَا فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا إلَّا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا قَالَ الْبُرْزُلِيِّ، وَلَيْسَتْ كَالْمُودِعَةِ يَشْتَرِيهَا بَعْدَ حَيْضِهَا عِنْدَهُ لِأَنَّهَا مُسْتَبْرَأَةٌ، وَهَذِهِ هُوَ مُرْسَلٌ عَلَيْهَا، وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ، وَانْظُرْهَا مَعَ مَسْأَلَةِ الْأَبِ يَطَأُ جَارِيَةَ وَلَدِهِ فَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا هَلْ يَبْقَى مُرْسَلًا عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْغَيْرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ لِلْأَبِ شُبْهَةً فِي مَالِ وَلَدِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ فَكَأَنَّهَا مِلْكُهُ
стр. 503
وَهَذِهِ لَيْسَ لَهُ مِلْكٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلِهَذَا وَجْهٌ، وَمِنْهَا مَنْ وَطِئَ مُطَلَّقَتَهُ الرَّجْعِيَّةَ بِلَا نِيَّةِ رَجْعَةٍ فَقَالُوا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا، وَلَا يُرَاجِعُهَا حَتَّى يَتِمَّ وَيَبْقَى شَيْءٌ مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ فَإِنْ انْقَضَتْ فَلَا يَنْكِحُهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الِاسْتِبْرَاءُ فَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا فِيهِ فَسْخٌ، وَلَمْ يَتَأَبَّدْ تَحْرِيمُهَا لِأَنَّ الْمَاءَ مَاؤُهُ فَلَيْسَ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ مَائِهِ الْفَاسِدِ كَالْعِدَّةِ مِنْ مَائِهِ الصَّحِيحِ إذْ مَنْ عَقَدَ عَلَى مُعْتَدَّةٍ مِنْهُ لَا يُفْسَخُ عَقْدُهُ لِصِحَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، وَيُعَدُّ رَجْعَةً كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَمِنْهَا مَنْ وَطِئَ مُحَرَّمَتَيْ الْجَمْعِ كَالْأُخْتَيْنِ قَالُوا إنْ أَرَادَ بَقَاءَ الثَّانِيَةِ لِلْوَطْءِ اسْتَبْرَأَهَا، وَإِنْ أَبْقَى الْأُولَى لَهُ فَلَا إلَّا أَنْ يَعُودَ لِوَطْئِهَا بَعْدَ وَطْءِ الثَّانِيَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَاَلَّذِي يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ وُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ إنَّمَا التَّوَقُّفُ فِي كَوْنِهَا دَاخِلَةً فِي مَوْضُوعِ الْخِلَافِ أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَ مَنْ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ أَفْتَى فِيهَا بِعَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَأَنْكَرَ وُجُوبَهُ غَايَةَ الْإِنْكَارِ مَعَ دُخُولِهَا فِي عُمُومِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَغَيْرِهِ أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[امْرَأَة شَأْنُهَا الْحَيْضُ طَلُقَتْ وَتَأَخَّرَ حَيْضُهَا بِلَا سَبَبٍ خَمْسَ سِنِينَ وَلَمْ تَرْتَبْ فِي الْحَمْلِ فَهَلْ تَتَزَوَّجُ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ شَأْنُهَا الْحَيْضُ طَلُقَتْ، وَتَأَخَّرَ حَيْضُهَا بِلَا سَبَبٍ خَمْسَ سِنِينَ، وَلَمْ تَرْتَبْ فِي الْحَمْلِ فَهَلْ تَتَزَوَّجُ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَهَا التَّزَوُّجُ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِتَمَامِ السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْخَمْسِ سِنِينَ، وَذَكَرْت نَصَّ الْمَجْمُوعِ الْمُتَقَدِّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي بَقَاءِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا لِخِدْمَةِ أَوْلَادِهَا مِنْهُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يَخْتَلِي بِهَا وَهُوَ مَأْمُونٌ، وَهِيَ لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا، وَتَخَافُ الضَّيْعَةَ إنْ خَرَجَتْ مِنْهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ بَقَاؤُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ جَائِزٌ قَالَ الْخَرَشِيُّ، وَلَهُ أَيْ الْمُطَلِّقِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا السُّكْنَى مَعَهَا أَيْ الْمُطَلَّقَةِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا فِي دَارٍ جَامِعَةٍ لَهَا وَلِلنَّاسِ، وَلَوْ أَعْزَبَ انْتَهَى.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ وَقَعَتْ فِي حَقِّ اللَّهِ بِمَحْضَرِ زَوْجِهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا رِدَّةٌ، وَوَطِئَهَا ثُمَّ أَخْبَرَ فَقِيهًا فَعَقَدَ لَهُ عَلَيْهَا بِلَا اسْتِبْرَاءٍ، وَفِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْت خَالِصَةٌ فَقَالَ لَهُ عَامِّيٌّ لَيْسَ هَذَا طَلَاقًا فَوَطِئَهَا ثُمَّ أَخْبَرَ فَقِيهًا فَعَقَدَ لَهُ عَلَيْهَا بِلَا اسْتِبْرَاءٍ أَيْضًا فَهَلْ الْعَقْدُ فَاسِدٌ فِيهِمَا، وَهَلْ لَهُ تَقْلِيدُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي صِحَّتِهِ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ الْعَقْدُ فِيهِمَا فَاسِدٌ فَيُفْسَخُ، وَتَسْتَبْرِئُ مِنْ مَائِهِ الْفَاسِدِ، وَبَعْدَ تَمَامِ الِاسْتِبْرَاءِ يَعْقِدُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ، وَفَسْخُهُ طَلَاقٌ لِلْخِلَافِ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي جَوَابِ مَنْ أَبْرَأَتْهُ إلَخْ.
وَفِي الْمُخْتَصَرِ وَشَرْحِهِ لِعَبْدِ الْبَاقِي، وَلَا يَعْقِدُ أَحَدٌ عَلَيْهَا زَمَنَهُ سَوَاءٌ كَانَ زَوْجًا فُسِخَ نِكَاحُهُ أَوْ طَلَّقَهَا أَيْ بَائِنًا زَمَنَهُ أَوْ أَجْنَبِيًّا لِأَنَّ كُلَّ مَحَلٍّ امْتَنَعَ فِيهِ الِاسْتِمْتَاعُ امْتَنَعَ فِيهِ الْعَقْدُ إلَّا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ كَمَا فِي التَّتَّائِيِّ، وَمِثْلُهُمَا الصِّيَامُ وَالِاعْتِكَافُ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا مَنْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَفَرَّقَ السُّلْطَانُ بَيْنَهُمَا فَطَلَبَتْ زَوَاجَهُ مَكَانَهَا زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ مِنْهُ، وَإِنْ كَرِهَ الْوَلِيُّ قَالَ سَحْنُونٌ هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ لَوْ دَخَلَ فَلَا تُنْكَحُ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثِ حِيَضٍ أَبُو عِمْرَانَ هَذَا أَصْلُ سَحْنُونَ لِقَوْلِهِ فِي الْعَبْدِ يَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ إنَّ زَوْجَتَهُ تَسْتَبْرِئُ بَعْدَ إجَازَةِ سَيِّدِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ عَقْدٍ فَاسِدٍ أُجِيزَ بِخِلَافِ مَا فَسَدَ لِصَدَاقِهِ، وَفَاتَ بِالْبِنَاءِ فَلَا اسْتِبْرَاءَ فِيهِ، وَكَذَا كُلُّ وَطْءٍ فَاسِدٍ فِي نِكَاحٍ
стр. 504
صَحِيحٍ كَوَطْءِ الْحَائِضِ، وَالْمُعْتَكِفَةِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ وَطْءٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ اتِّفَاقًا، وَبِمُخْتَلَفِ فِيهِ أَمْضَى أَوْ فَسَخَ فِيهِ قَوْلَا سَحْنُونَ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ مَالِكٍ، وَفَاسِدُ الْوَطْءِ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ لَغْوٌ، وَفِي وَطْءِ الْمُمَلَّكَةِ قَبْلَ إعْلَامِهَا نَظَرٌ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وُجُوبُ اسْتِبْرَائِهَا اهـ.
[مَسَائِلُ النَّفَقَاتِ]
[رَجُل سَافَرَ بِزَوْجَتِهِ إلَى الْحَجِّ وَلَيْسَ مُتَبَرِّعًا عَلَيْهَا بِنَفَقَةِ السَّفَرِ وَلَا غَيْرِهَا فَهَلْ لَهَا عَلَيْهِ ذَاكَ أَمْ لَا]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مَسَائِلُ النَّفَقَاتِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ سَافَرَ بِزَوْجَتِهِ إلَى الْحَجِّ، وَلَيْسَ مُتَبَرِّعًا عَلَيْهَا بِنَفَقَةِ السَّفَرِ، وَلَا غَيْرِهَا فَهَلْ لَهَا عَلَيْهِ ذَاكَ أَمْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَهَا عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ نَفَقَةِ الْحَضَرِ وَنَفَقَةِ السَّفَرِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِنْ سَافَرَتْ لِحَجَّةِ الْفَرْضِ، وَلَوْ بِلَا إذْنِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ نَفَقَةِ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ لَهُ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ تَوَجَّهَ إلَى الْحِجَازِ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ ذُكُورٍ بَالِغِينَ، وَذَكَرًا وَأُنْثَى قَاصِرَيْنِ وَزَوْجَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ فِي سَفَرِهِ فَهَلْ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ مُحَاسَبَةُ مَنْ حَجَّ بِمَا أَنْفَقُوا؟ وَإِذَا كَانَ لَهُمْ الْمُحَاسَبَةُ فَهَلْ لِلْبَالِغِينَ مُحَاسَبَةُ الْقَاصِرِينَ وَالزَّوْجَتَيْنِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ كُلُّ مَنْ أُنْفِقَ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلِبَاقِي الْوَرَثَةِ مُحَاسَبَتُهُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ وَلَدًا بَالِغًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ زَوْجَةً، وَسَوَاءٌ كَانَ مُسَافِرًا مَعَهُ أَوْ مُقِيمًا فِي الْبَلَدِ لِسُقُوطِ نَفَقَةِ مَنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ وَانْتِقَالِ الْمَالِ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ عَلَى حَسَبِ مَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ فَمَنْ أَنْفَقَ مِنْهُمْ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ إنَّمَا أَنْفَقَ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَمِنْ حَقِّ الْغَيْرِ أَنْ يُحَاسِبَهُ بِهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَرُدَّتْ النَّفَقَةُ مُطْلَقًا مَاتَ أَوْ مَاتَتْ حَامِلًا أَمْ لَا اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ بِامْرَأَةٍ غَضِبَتْ مِنْهُ وَصَالَحَهَا وَاشْتَرَى لَهَا كِسْوَةً وَأَخَذَتْهَا وَمَكَثَتْ قَلِيلًا وَنَشَزَتْ فَهَلْ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا كِسْوَةَ مُدَّةَ النُّشُوزِ وَهَلْ يَأْخُذُ الْكِسْوَةَ الَّتِي أَخَذَتْهَا إذَا بَقِيَتْ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا كِسْوَةَ مُدَّةَ النُّشُوزِ إنْ عَجَزَ عَنْ رَدِّهَا لِطَاعَتِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ لِتَغَلُّبِهَا عَلَيْهِ بِقَوْمِهَا الَّذِينَ لَا تَنْفُذُ عَلَيْهِمْ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهَا لَهَا، وَلَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَتَرَكَهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي جَرَى بِهِ حُكْمُ الْقَضَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُتَيْطِيُّ، وَلَهُ أَخْذُ الْكِسْوَةِ إنْ حَصَلَ النُّشُوزُ الْمُسْقِطُ لَهَا بَعْدَ شَهْرَيْنِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ حِينِ أَخْذِهَا إيَّاهَا، وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ الَّتِي لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ فَهَرَبَتْ مِنْهُ خَوْفًا مِنْ وَطْئِهِ إيَّاهَا لِعَدَمِ قُدْرَتِهَا، وَتَوَجَّهَتْ إلَى مَنْزِلِ أَبِيهَا لِشِدَّةِ مَا هُوَ حَاصِلٌ عِنْدَهَا مِنْ الْخَوْفِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ خَلَاصُهَا
стр. 505
مِنْهُ إلَّا بِبُعْدِهَا عَنْهُ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، وَلَهَا التَّمَتُّعُ بِكِسْوَتِهَا أَمْ لَا، وَهَلْ إذَا أَرَادَ أَخْذَهَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، الَّذِي فِي الْمَجْمُوعِ، وَنَقَلَهُ عَنْ التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ الَّتِي لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا اهـ.
وَيَسْتَمْتِعُ مِنْهَا بِغَيْرِ الْوَطْءِ كَالرَّتْقَاءِ لِعَدَمِ حِلِّ وَطْءِ مَنْ لَا تُطِيقُهُ، وَهُرُوبُهَا مِنْ الزَّوْجِ خَوْفَ وَطْئِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إنْ ثَبَتَتْ لَا يُعَدُّ نُشُوزًا لِأَنَّ النُّشُوزَ الِامْتِنَاعُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ إضْرَارُ نَفْسِهِ، وَلَا تُسْلِمُ لَهُ مَا دَامَ يُخْشَى مِنْهُ هَذَا الْأَمْرُ، وَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي شَخْصٍ كَبِيرٍ لَهُ كَسْبٌ، وَأَخَوَانِ صَغِيرَانِ يُنْفِقُ عَلَيْهِمَا، وَلَمَّا بَلَغَا زَوَّجَهُمَا فَهَلْ إذَا طَلَبَا مُقَاسَمَتَهُ فِي الَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ كَسْبِهِ لَا يُقْضَى لَهُمَا بِذَلِكَ، وَإِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِمَا بِالنَّفَقَةِ، وَكُلْفَةِ الزَّوَاجِ يُحْمَلُ عَلَى التَّبَرُّعِ فَلَا يُقْضَى لَهُ بِذَلِكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يُقْضَى لَهُمَا بِمُقَاسَمَةِ أَخِيهِمَا فِيمَا اكْتَسَبَهُ وَحْدَهُ أَمَّا إنْ كَانَا اكْتَسَبَا مَعَهُ فَلَهُمَا مُقَاسَمَتُهُ فِيمَا تَحَصَّلَ فِي اكْتِسَابِهِمْ بِحَسَبِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَيُحْمَلُ عَلَى التَّبَرُّعِ فِيمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ أَوْ لَهُمْ مَالٌ لَمْ يَعْلَمْهُ حِينَ الْإِنْفَاقِ أَوْ عَلِمَهُ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهِ مَعَ تَيْسِيرِ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ إنْ نَوَاهُ، وَحَلَفَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ إنْ نَوَاهُ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ أَوْ حَلَفَ، وَكَانَ غَيْرَ سَرِفٍ سَوَاءٌ كَانَ لَهُمَا مَالٌ أَوْ لَا. قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَرَجَعَتْ بِمَا أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ غَيْرَ سَرَفٍ، وَإِنْ مُعْسِرًا كَمُنْفِقٍ عَلَى أَجْنَبِيٍّ إلَّا لِصِلَةٍ، وَعَلَى الصَّغِيرِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَعَلِمَهُ الْمُنْفِقُ، وَحَلَفَ أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ، وَأَفَادَ الْخَرَشِيُّ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي نَفْيِ السَّرَفِ بِحَالِ الْإِنْفَاقِ، وَأَنَّ الزَّوْجَةَ وَالْمُنْفِقَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ يَحْلِفَانِ عَلَى عَدَمِ قَصْدِ التَّبَرُّعِ إنْ لَمْ يُشْهِدَا عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ، وَأَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي رُجُوعِ الْمُنْفِقِ عَلَى صَبِيٍّ مَعَ الْعِلْمِ بِمَالِهِ أَنْ يَتَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ، وَأَنْ يَبْقَى ذَلِكَ الْمَالُ إلَى وَقْتِ الرُّجُوعِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ سَرَفًا، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْأَبَ الْمُوسِرَ كَالْمَالِ قَالَ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِ بِهِ وَبِإِيسَارِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ إلَى حِينِ الرُّجُوعِ، وَهَذَا مَا لَمْ يُعْتَمَدْ طَرْحُهُ، وَإِلَّا فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَلِيًّا عُلِمَ مُلَاؤُهُ أَمْ لَا، وَقَيْدُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ بِغَيْرِ الرَّبِيبِ فَإِنَّهُ لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، وَأَفَادَ الْعَدَوِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَجْنَبِيِّ وَالزَّوْجَ مُقَابِلُ الصَّغِيرِ، وَأَنَّ الرَّبِيبَ كَغَيْرِهِ نَقْلًا عَنْ الْمِعْيَارِ قَالَ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَنَّ مَحَلَّ حَلْفِ الْمُنْفِقِ عَلَى صَغِيرٍ إذَا لَمْ يَكُنْ أَشْهَدَ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ، وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ: وَرَجَعَتْ بِمَا أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ غَيْرَ سَرَفٍ، وَلَوْ مُعْسِرًا، وَحَلَفَتْ إنْ لَمْ تُشْهِدْ أَنَّهَا أَنْفَقَتْ لِتَرْجِعَ كَمُنْفِقٍ عَلَى أَجْنَبِيٍّ تَشْبِيهٌ تَامٌّ كَالصَّغِيرِ إنْ عَلِمَ الْمُنْفِقُ أَنَّ لَهُ مَالًا، وَتَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ، وَبَقِيَ لِلرُّجُوعِ، وَرَجَعَ عَلَى الْأَبِ الْمُوسِرِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ مَاتَ أَبُوهُ عَنْهُ، وَعَنْ أَوْلَادٍ صِغَارٍ فَصَارَ يَكْتَسِبُ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ إلَى أَنْ رَشَدُوا، وَتَجَدَّدَ لَهُ أَمْتِعَةٌ مِنْ كَسْبِهِ فَأَرَادُوا أَنْ يُقَاسِمُوهُ فِيهَا، وَالْحَالُ أَنَّ أَبَاهُمْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا فَهَلْ تَسُوغُ لَهُمْ مُقَاسَمَتُهُ، وَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَاسِبُوهُ بِأُجْرَتِهِمْ، وَأَرَادُوا أَنْ يُحَاسِبَهُمْ بِنَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ فَهَلْ يَسُوغُ لَهُمْ، وَلَهُ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
стр. 506
فَأَجَبْت بِمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا أَنِّي زِدْت فِيهِ، وَلَهُمْ مُحَاسَبَتُهُ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِمْ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ تَأَخَّرَ عَلَيْهِ مَالٌ لِلدِّيوَانِ فَخَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ، وَكَتَبَ نَفْسَهُ مَعَ عَسْكَرِ الْمَغَارِبَةِ، وَتَوَجَّهَ إلَى الشَّامِ، وَتَرَكَ زَوْجَتَهُ وَوَلَدَهُ بِلَا نَفَقَةٍ، وَمَكَثَ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْقَاهِرَةِ، وَأَرْسَلَ لِزَوْجَتِهِ فَحَضَرَتْ لَهُ وَمَعَهَا وَلَدُهُ وَبِنْتُهَا مِنْ غَيْرِهِ فَكَسَاهَا وَأَعْطَاهَا وَابْنَتَهَا حُلِيًّا، وَتَوَجَّهُوا إلَى بَلَدِهِمْ، وَأَقَامُوا فِيهَا سَنَةً ثُمَّ تَزَوَّجَ غَيْرَهَا، وَأَخْرَجَهَا مِنْ مَنْزِلِهِ، وَطَلَبَ مِنْهَا، وَمِنْ بِنْتِهَا الْكِسْوَةَ وَالْحُلِيَّ فَأَبَتْ مِنْ رَدِّهِمَا لَهُ وَطَلَبَتْهُ بِنَفَقَتِهَا وَنَفَقَةِ وَلَدِهِ فِي مُدَّةِ غِيبَتِهِ فَمَاذَا يَكُونُ الْعَمَلُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كِسْوَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ مِنْ جُمْلَةِ نَفَقَتِهَا، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا مُطَالَبَةَ لَهَا بِهَا بَعْدَ السَّنَةِ سَوَاءٌ طَلَّقَهَا أَوْ لَا بَائِنًا أَوْ لَا، وَمَا أَعْطَاهُ مِنْ الْحُلِيِّ لِلْبِنْتِ يُحْمَلُ عَلَى الْهِبَةِ مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا أَعْطَاهُ لِزَوْجَتِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَارِيَّةِ مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّمْلِيكِ، وَوُقُوعُ الْإِعْطَاءِ بَعْدَ طُولِ الْغَيْبَةِ، وَالْمَرْأَةُ تُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهَا، وَتُرَبِّي وَلَدَهَا، وَلَمْ تَفْعَلْ مَا يَفْعَلُهُ شِرَارُ النِّسَاءِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ مِنْ تَطْلِيقِ نَفْسِهَا وَغَيْرِهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ، وَقَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى قَصْدِ التَّمْلِيكِ فَلَا رُجُوعَ لِلزَّوْجِ بِشَيْءٍ مَا لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ أَقْوَى أَوْ بَيِّنَةٌ عَلَى الْعَارِيَّةِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا أَعْطَاهُ لَهَا مِنْ الْحُلِيِّ، وَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنَفَقَتِهَا مُدَّةَ سَفَرِهِ بَعْدَ أَنْ تَحْلِفَ أَنَّهَا إنَّمَا كَانَتْ سَكَتَتْ عَنْ مُطَالَبَتِهِ لِأَجْلِ الْحُلِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ غَابَ نَحْوَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ لِزَوْجَتِهِ نَفَقَةً، وَلَمَّا قَدِمَ طَلَبَتْهَا مِنْهُ فَأَبَى فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِهَا أَوْ يُعَدُّ مُضَارًّا أَمْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِهَا إنْ كَانَ مُوسِرًا مُدَّةَ غِيبَتِهِ، وَلَمْ تَسْقُطْهَا عَنْهُ، وَإِنْ طَرَأَ عُسْرُهُ فَلَيْسَ لَهَا التَّطْلِيقُ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا إنْظَارُهُ إلَى الْمَيْسَرَةِ كَالدَّيْنِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِنْ مَنَعَهَا نَفَقَةَ الْحَالِ أَمَّا الْمَاضِيَةُ فَيَنْظُرُ بِهَا كَالدَّيْنِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَوْمٍ جَرَتْ عَادَةُ نِسَائِهِمْ بِأَنَّهُنَّ يَمْلَأْنَ مِنْ الْبَحْرِ أَوْ الْبِئْرِ أَوْ السَّاقِيَةِ فَهَلْ إذَا وَقَعَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تَشَاجُرٌ لِأَوْلِيَاءِ الزَّوْجَةِ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إنْ قَرُبَ الْبَحْرُ أَوْ الْبِئْرُ أَوْ السَّاقِيَةُ مِنْ الْبَيْتِ السَّاكِنَةِ فِيهِ الزَّوْجَةُ فَلَيْسَ لِأَوْلِيَائِهَا مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ قَدْرٍ فَلَهُمْ مَنْعُهَا مِنْهُ كَمَا لَوْ بَعُدَ مَا ذُكِرَ كَمَا يُفِيدُ مَا نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ خَلَفًا بَعْدَ خَلَفٍ مِنْ طَحْنِ الزَّوْجَةِ وَعَجْنِهَا وَخَبْزِهَا وَطَبْخِهَا وَغَزْلِهَا وَاسْتِقَائِهَا وَفَرْشِهَا النَّخَّ وَكَنْسِهَا لِلْبَيْتِ فَهَلْ يَنْظُرُ الْقَاضِي لِلْأَحْكَامِ الْمَنْصُوصَةِ أَوْ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ قَوْمٍ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ يَنْظُرُ الْقَاضِي لِلْأَحْكَامِ الْمَنْصُوصَةِ لَا لِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ قَوْمٍ مُخَالِفًا لَهَا.
وَحَاصِلُ الْأَحْكَامِ الْمَنْصُوصَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إنْ كَانَتْ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ الَّذِينَ لَيْسَ شَأْنُهُمْ الْخِدْمَةَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا قَادِرًا عَلَى الْإِخْدَامِ فَلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ إلَّا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَكَذَا إنْ كَانَتْ مِنْ لَفِيفِ النَّاسِ الَّذِينَ شَأْنُهُمْ الْخِدْمَةُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ الزَّوْجُ مِنْ الْأَشْرَافِ الَّذِينَ لَا يَمْتَهِنُونَ نِسَاءَهُمْ، وَعَلَى الزَّوْجِ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِخَادِمٍ بِمِلْكٍ أَوْ
стр. 507
إجَارَةٍ أَمَّا إذَا كَانَتْ مِنْ الْأَشْرَافِ، وَالزَّوْجُ فَقِيرٌ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْإِخْدَامِ أَوْ كَانَتْ مِنْ اللَّفِيفِ، وَالزَّوْجُ كَذَلِكَ، وَلَوْ مَلِيًّا فَعَلَيْهَا فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ مِنْ عَجْنٍ وَطَبْخٍ وَكَنْسٍ وَفَرْشٍ وَاسْتِقَاءِ مَاءٍ مِنْ بِئْرٍ فِي الدَّارِ أَوْ خَارِجِهَا أَوْ بَحْرٍ بِشَرْطِ الْقُرْبِ، وَالِاعْتِيَادِ فِي الِاسْتِقَاءِ، وَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ لَهَا أَوْ لَهُ إنْ اُعْتِيدَتْ، وَقِيلَ لَا تَلْزَمُ، وَلَوْ اُعْتِيدَتْ وَمِثْلُهَا الْغَسْلُ، وَلَا يَلْزَمُهَا التَّكَسُّبُ بِنَحْوِ غَزْلٍ وَنَسْجٍ وَخِيَاطَةٍ، وَلَوْ اُعْتِيدَ ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ الْخَرَشِيِّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ مِنْ عَجْنٍ وَكَنْسٍ وَفَرْشٍ يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إذْ لَمْ تَكُنْ أَهْلًا لَأَنْ يَخْدُمَهَا زَوْجُهَا بِأَنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ بَلْ كَانَتْ مِنْ لَفِيفِهِمْ أَوْ كَانَ زَوْجُهَا فَقِيرَ الْحَالِ، وَلَوْ كَانَتْ أَهْلًا لِلْإِخْدَامِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا الْخِدْمَةُ فِي بَيْتِهَا بِنَفْسِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ عَجْنٍ وَكَنْسٍ وَفَرْشٍ وَطَبْخٍ، وَاسْتِقَاءِ مَاءٍ مِنْ الدَّارِ، وَمِنْ خَارِجِهَا إنْ كَانَتْ عَادَةُ بَلَدِهَا ابْنُ رُشْدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مِنْ الْأَشْرَافِ الَّذِينَ لَا يَمْتَهِنُونَ أَزْوَاجَهُمْ فِي الْخِدْمَةِ فَعَلَيْهِ الْإِخْدَامُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَتُهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْدَارِ بِخِلَافِ النَّسْجِ وَالْغَزْلِ يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَنْسِجَ لِزَوْجِهَا، وَلَا أَنْ تَغْزِلَ، وَلَا أَنْ تَخِيطَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ مِنْ أَنْوَاعِ الْخِدْمَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّكَسُّبِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَتَكَسَّبَ لَهُ إلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ بِذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ كَغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَتْ عَادَةُ نِسَاءِ بَلَدِهَا، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي الْمُفْلِسِ لَا يَلْزَمُهُ التَّكَسُّبُ انْتَهَى. فَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مِنْ أَشْرَافِ. . . إلَخْ.
وَقَوْلُ الْخَرَشِيِّ، وَظَاهِرُهُ كَغَيْرِهِ إلَخْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَاضِي يَنْظُرُ لِلْأَحْكَامِ الْمَنْصُوصَةِ لَا لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مُخَالِفًا لَهَا كَمَا قُلْت.
قَالَ الْعَدَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلُهُ مِنْ عَجْنٍ وَطَبْخٍ أَيْ لَهُ، وَلَهَا لَا لِضُيُوفِهِ، وَكَذَا لَا يَلْزَمُهَا كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِ شَيْخِنَا الْخِدْمَةُ لِأَوْلَادِهِ وَعَبِيدِهِ وَوَالِدَيْهِ قَوْلُهُ أَوْ مِنْ خَارِجِهَا إنْ كَانَتْ عَادَةُ بَلَدِهَا إلَخْ فِي شَرْحِ الشَّبْرَخِيتِيِّ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ مِنْ بِئْرِ دَارِهَا أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهَا انْتَهَى قَوْلُهُ، وَلَا أَنْ تَخِيطَ إلَخْ أَفَادَ بَعْضٌ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْمُصَنِّفِ خِلَافَ مَا قَالَهُ شَارِحُنَا، وَأَنَّ خِيَاطَةَ ثَوْبِهِ، وَثَوْبِهَا تَلْزَمُهَا، وَيَجْرِي عَلَى الْعُرْفِ، وَرَأَيْت مَا نَصُّهُ، وَأَمَّا غَسْلُ ثِيَابِهِ، وَثِيَابِهَا فَقَالَ بَعْضٌ إنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِي عَلَى الْعَادَةِ، وَالنَّصُّ فِي الْأَبِيِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَلَا يَلْزَمُهَا وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِذَلِكَ فَهُوَ كَالْخِيَاطَةِ اهـ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ تَرْجِيحُ عَدَمِ لُزُومِ الْخِيَاطَةِ اهـ.
وَفِي الْبُرْزُلِيِّ، وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرُهُ عَمَّا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ خِدْمَةِ زَوْجِهَا فَأَجَابَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ عَلَيْهَا مِنْ خِدْمَةِ بَيْتِهَا شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ فِي مَلَائِهِ، وَعَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ مِثْلُ ذَلِكَ، وَزَادَ وَكَانَتْ هِيَ ذَاتَ قَدْرٍ فِي صَدَاقِهَا وَكَثْرَتِهِ فَلَا خِدْمَةَ عَلَيْهَا مِنْ غَزْلٍ وَغَسْلٍ وَطَبْخٍ وَكَنْسٍ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْدِمَهَا، وَإِنْ كَانَ مَلِيًّا، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ قَدْرٍ، وَلَيْسَ فِي صَدَاقِهَا مَا يَشْتَرِي بِهِ خَادِمًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إخْدَامُهَا، وَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ مِنْ عَجْنٍ وَطَبْخٍ وَكَنْسٍ وَفَرْشٍ وَاسْتِقَاءِ مَاءٍ إنْ كَانَ مَعَهَا فِي الدَّارِ، وَعَمَلِ الْبَيْتِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا مَلِيًّا، وَحَالُهُ مِثْلُهَا أَوْ أَشَقُّ مَا لَمْ يَكُنْ شَرِيفًا مِمَّنْ لَا يَمْتَهِنُ امْرَأَتَهُ فِي خِدْمَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ دُونَهُ فِي الْقَدْرِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا غَزْلٌ، وَلَا نَسْجٌ بِحَالٍ، وَالْفَقِيرُ لَيْسَ عَلَيْهِ إخْدَامُهَا مُطْلَقًا، وَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ، وَلَوْ كَانَتْ شَرِيفَةً كَالدَّنِيَّةِ.
وَعَنْ رَبِيعَةَ يَتَعَاوَنَانِ فِي الْخِدْمَةِ فِي فَقْرِهِمَا ثُمَّ قَالَ، وَكَانَ نِسَاءُ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَخْدُمْنَ أَزْوَاجَهُنَّ فِي الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ فَرُوِيَ أَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -
стр. 508
كَانَتْ تَطْحَنُ، وَأَنَّ أَسْمَاءَ كَانَتْ تَسُوسُ فَرَسَ الزُّبَيْرِ، وَأُرَاهَا كَانَتْ تُسَرِّحُ بِهِ، وَتَخْدُمُهُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَكَانَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ يَحْمِلْنَ الْمَاءَ فِي الْقِرَبِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْخِدْمَةِ ثُمَّ قَالَ، وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَخْدِمَ خِدْمَةَ مِثْلِهَا فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ قَدْرٍ فَخِدْمَتُهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فِي مَصَالِحِ الْمَنْزِلِ، وَإِنْ كَانَتْ دَنِيَّةً فَعَلَيْهَا الْكَنْسُ وَالْفَرْشُ وَطَبْخُ الْقِدْرِ، وَعَلَيْهَا اسْتِقَاءُ الْمَاءِ إنْ كَانَ عَادَةَ الْبَلَدِ قَالَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ مِنْ بِئْرِ دَارِهَا أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْ مَنْزِلِهَا وَيَحُفُّ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُهُ خِدْمَتُهُ التَّمْكِينُ مِنْ نَفْسِهِ اهـ كَلَامُهُ مِنْ التَّنْبِيهَاتِ، وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الشَّبِيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحْكِي عَنْ بَعْضِ الْعَصْرِيِّينَ مِنْ شُيُوخِ شُيُوخِنَا أَنَّهُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ صِنْفِ الْحَضَرِ وَكَانَ قَاضِي أَنْكِحَةٍ تَشْكُو وَجَعَ يَدِهَا مِنْ الْعَجْنِ فَأَمَرَ زَوْجَهَا بِشِرَاءِ خَادِمٍ تَخْدُمُهَا، وَجَاءَتْهُ بَدْوِيَّةٌ تَشْكُو شِدَّةَ خِدْمَتِهَا مِنْ الطَّحْنِ وَحَمْلِ الْمَاءِ وَالْحَطَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خِدْمَةِ الْبَادِيَةِ، وَمَشَقَّتِهَا فَأَمَرَهَا بِأَنْ تَبْقَى مَعَهُ، وَتُعَاشِرَهُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ لِأَنَّ نِسَاءَ الْبَوَادِي دَخَلْنَ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ هَذِهِ.
قُلْت، وَلَعَلَّ هَذَا يُؤَدِّي إلَى اجْتِمَاعِ النِّكَاحِ وَالْإِجَارَةِ إنْ كَانَتْ عَادَةً مُعْتَادَةً لَا تُخْلَفُ كَمَا تَقَدَّمَ لِلْمَازِرِيِّ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ إسْكَانَ الزَّوْجِ مَعَ صِهْرِهِ أَنَّهُ نِكَاحٌ وَكِرَاءٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي زَوْجَةٍ اشْتَرَتْ مِنْ مَالِهَا مَاشِيَةً أَوْ طَيْرًا صَغِيرًا، وَرَبَّته فِي بَيْتِ زَوْجِهَا حَتَّى كَبِرَ فَأَرَادَ أَهْلُ زَوْجِهَا أَنْ يَدْفَعُوا لَهَا الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَتْ بِهِ مَا ذُكِرَ، وَيَخْتَصُّوا بِهِ لِأَنَّهَا رَبَّته مِنْ عَلَفِهِمْ فَهَلْ لَا يُجَابُونَ لِذَلِكَ، وَيَكُونُ مِلْكًا لَهَا، وَعَلَيْهَا النَّفَقَةُ فِيمَا مَضَى أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا يُجَابُونَ لِذَلِكَ، وَمَا اشْتَرَتْهُ مِنْ مَالِهَا مَاشِيَةً أَوْ طَيْرًا بَاقٍ عَلَى مِلْكِهَا، وَلَا رُجُوعَ لِزَوْجِهَا، وَلَا لِأَهْلِهِ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ فِي نَظِيرِ مَا عَلَفَتْهُ لَهُ مِنْ مِلْكِ زَوْجِهَا، وَهُوَ عَالِمٌ سَاكِتٌ لِحَمْلِهِ حِينَئِذٍ عَلَى التَّبَرُّعِ لَهَا بِهِ لَا سِيَّمَا، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ سَلْمُونٍ، وَلَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الزَّوْجَةِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَنْفَقَتْهُ عَلَى رَبِيبِهِ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ وَصِلَةٌ لِلرَّبِيبِ اهـ وَمِنْ مَفْهُومِ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ لِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِمَا أَنْفَقَهُ بِالشَّرْطِ عَلَى وَلَدٍ أَوْ عَلَى مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ خَدَمِهَا اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ أَنْفَقَ عَلَى أَبِيهِ الْفَقِيرِ مُدَّةً ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ عَنْهُ، وَعَنْ بِنْتٍ وَتَرَكَ دَارًا فَهَلْ لِلْبِنْتِ الْمُحَاصَّةُ فِيهَا بِقَدْرِ مَا يَخُصُّهَا مِنْ صَدَاقِ أُمِّهَا، وَلَا عِبْرَةَ بِدَعْوَى الْوَلَدِ أَنَّ أَبَاهُ طَلَّقَهَا عَلَى الْبَرَاءَةِ، وَيُضَيِّعُ عَلَيْهِ مَا أَنْفَقَهُ عَلَى أَبِيهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَابَ شَيْخُ مَشَايِخِي مُحَمَّدٌ الدُّسُوقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا عِبْرَةَ بِدَعْوَى الْوَلَدِ أَنَّ أَبَاهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ حَيْثُ كَانَتْ تِلْكَ الدَّعْوَى مُجَرَّدَةً عَنْ الثُّبُوتِ، وَحِينَئِذٍ فَلِلْبِنْتِ الْمُحَاصَّةُ فِي دَارِ أَبِيهَا بِمَا يَخُصُّهَا مِنْ صَدَاقِ أُمِّهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ غَابَ عَنْ زَوْجَتِهِ مُدَّةً ثُمَّ قَدِمَ مُقِرًّا بِطَلَاقِهَا فِي زَمَنٍ مُتَقَدِّمٍ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، وَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَتْهُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا مِنْهُ فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَتْهُ
стр. 509
مِنْ مَالِهِ غَيْرِ سَرَفٍ لِتَفْرِيطِهِ لِعَدَمِ إعْلَامِهَا بِطَلَاقِهِ مَا لَمْ يُعْلِمْهَا بِهِ عَدْلَانِ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَتْ الْمُطَلَّقَةُ، وَيَغْرَمُ مَا تَسَلَّفَتْ الْخَرَشِيُّ، وَمِثْلُ مَا تَسَلَّفَتْ مَا أَنْفَقَتْهُ مِنْ مَالِهَا، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُخْبِرْهَا مَنْ يَثْبُتُ بِخَبَرِهِ الطَّلَاقُ مُحَمَّدٌ فَلَوْ قَدِمَ عَلَيْهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ يَشْهَدُ بِطَلَاقِهَا فَأَعْلَمَهَا أَوْ رَجُلٌ، وَامْرَأَتَانِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهَا مَنْ يَحْكُمُ بِهِ السُّلْطَانُ فِي الطَّلَاقِ بِخِلَافِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَالْوَارِثِ لِأَنَّ مَالَ الْمَيِّتِ صَارَ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَاحِدٌ دُونَ غَيْرِهِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ تَزَوَّجَ بِصَغِيرَةٍ، وَمَكَثَ مَعَهَا قَدْرَ شَهْرٍ، وَتَرَكَهَا عِنْدَ جَدَّتِهَا، وَغَابَ عَنْهَا سَنَتَيْنِ، وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً، وَهُوَ مَلِيءٌ ثُمَّ رَجَعَ فَأَرَادَتْ الْجَدَّةُ أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَتْهُ عَلَى زَوْجَتِهِ فِي الْأَكْلِ وَالْكِسْوَةِ فَهَلْ تُجَابُ لِذَلِكَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ تُجَابُ لِذَلِكَ بَعْدَ حَلِفِهَا عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ إنْ لَمْ تَشْهَدْ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ، وَدَخَلَ بِهَا، وَلَهَا ابْنُ بِنْتٍ بَالِغٍ مُقِيمٍ مَعَهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا فَهَلْ إذَا تَضَرَّرَ مِنْهُ الزَّوْجُ يَكُونُ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ دُخُولِ بَيْتِهِ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ سَاكِنًا بِالْأُجْرَةِ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَهُ مَنْعُهُ مِنْهُ قَالَ الشَّبْرَخِيتِيُّ، وَأَمَّا أَخُوهَا وَعَمُّهَا وَخَالُهَا وَابْنُ أَخِيهَا وَابْنُ أُخْتِهَا فَلَهُ مَنْعُهُمْ عَلَى الْمَذْهَبِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ طَالِبِ عِلْمٍ بِالْأَزْهَرِ، وَلَهُ أَبٌ وَعَمٌّ فِي مَعِيشَةٍ وَاحِدَةٍ أَنْفَقَا عَلَيْهِ مُدَّةَ مُجَاوَرَتِهِ، وَكَتَبَ بِيَدِهِ كُتُبًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ تَشَاجَرَا مَعَهُ، وَأَرَادَا أَخْذَ الْكُتُبِ فِي النَّفَقَةِ فَهَلْ لَا يُجَابَانِ لِذَلِكَ، وَيَكُونُ إنْفَاقُهُمَا تَبَرُّعًا فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَيُمْنَعَانِ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يُجَابَانِ لِأَخْذِ عَيْنِ الْكُتُبِ، وَيُحْمَلَانِ عَلَى التَّبَرُّعِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَهُمَا، وَيُمْنَعَانِ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَا أَشْهَدَ حَالَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ بِقَصْدِهِمَا الرُّجُوعَ أَوْ يَحْلِفَا عَلَيْهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي مِصْرِيَّةٍ ذَهَبَتْ مَعَ أَهْلِهَا لِلشَّامِ، وَتَزَوَّجَتْ فِيهِ رَجُلًا، وَأَقَامَتْ مَعَهُ سِنِينَ ثُمَّ رَجَعَتْ لِمِصْرِ مَعَ أَهْلِهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا، وَهُوَ مُوسِرٌ مُسْتَقِرٌّ فِي وَطَنِهِ، فَهَلْ لَهَا التَّطْلِيقُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ مَا بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَأْمُونًا، وَبَلَدُ الزَّوْجِ تُقَامُ فِيهِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ، وَخَبَرُ الْمَرْأَةِ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِهَا فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ لِسُقُوطِ نَفَقَتِهَا عَنْ زَوْجِهَا، وَإِلَّا فَلَهَا ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
стр. 510
[مَسَائِلُ الرَّضَاعِ] [ رَجُل تَزَوَّجَ بِبِنْتِ أُخْتِهِ رَضَاعًا وَالْحَالُ أَنَّ الرَّضَاعَ مُعْتَبَرٌ فَهَلْ يُفْسَخُ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الرَّضَاعِ
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِبِنْتِ أُخْتِهِ رَضَاعًا، وَالْحَالُ أَنَّ الرَّضَاعَ مُعْتَبَرٌ فَهَلْ يُفْسَخُ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بِفَسْخِهِ، وَكَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَهَلْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الصَّدَاقِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يُفْسَخُ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ ﷺ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي تَحْرِيمِ النَّسَبِ ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] وَإِذَا فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ إنْ ثَبَتَ الرَّضَاعُ بِبَيِّنَةٍ، وَلَوْ عَلَى إقْرَارِ أَحَدِهِمَا بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ صَدَّقَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ أَمَّا إنْ أَقَرَّ بِهِ الزَّوْجُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَكَذَّبَتْهُ الْمَرْأَةُ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ لِاتِّهَامِهِ بِالْكَذِبِ لِيُفَارِقَهَا بِلَا غُرْمِ صَدَاقٍ فَإِنْ أَقَرَّتْ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَأَكْذَبَهَا الرَّجُلُ فَلَا يُفْسَخُ لِاتِّهَامِهَا عَلَى كَرَاهَتِهِ وَالْكَذِبِ لِفِرَاقِهِ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَفَسْخُ نِكَاحِ الْمُتَصَادِقَيْنِ عَلَيْهِ أَيْ الرَّضَاعِ كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ عَلَى إقْرَارِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْعَقْدِ، وَلَهَا الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ إلَّا أَنْ تُعْلِمَ فَقَطْ فَكَالْغَارَّةِ أَيْ لَهَا رُبْعُ دِينَارٍ فَقَطْ، وَإِنْ ادَّعَاهُ فَأَنْكَرَتْ أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ وَلَهَا النِّصْفُ، وَإِنْ ادَّعَتْهُ وَأَنْكَرَ لَمْ يَنْدَفِعْ اهـ.
وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ: وَلَا نِكَاحَ إنْ أَقَرَّ بِهِ مُكَلَّفٌ إلَّا الزَّوْجَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ وَتُفْتَدَى وَلَا شَيْءَ لَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَوْ مَاتَ وَلَهَا إنْ فُسِخَ بِالدُّخُولِ الْمُسَمَّى إلَّا أَنْ تُعْلِمَ فَقَطْ فَرُبْعُ دِينَارٍ كَالْغَارَّةِ فِي الْعِدَّةِ بِانْقِضَائِهَا، وَإِنْ أَقَرَّ وَحْدَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا النِّصْفُ وَفَسْخٌ، وَثَبَتَ بِرَجُلَيْنِ إلَّا أَنْ يَحْضُرَا الْعَقْدَ سَاكِتَيْنِ فَلَا يَقْبَلُ قَوْلَهُمَا بَعْدُ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُفْشِ وَبِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَبِامْرَأَتَيْنِ إنْ فَشَا فِيهِمَا أَيْ الصُّورَتَيْنِ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَلَا يُشْتَرَطُ حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ الْفُشُوِّ عَدَالَةٌ عَلَى الرَّاجِحِ مِمَّا فِي الْأَصْلِ لَا بِامْرَأَةٍ، وَلَوْ فَشَا، وَنَدَبَ التَّنَزُّهَ مُطْلَقًا، وَعَمِلَ فِي غَيْرِ الرَّشِيدِ، وَلَا رُشْدَ إلَّا بَعْدَ بُلُوغٍ بِإِقْرَارِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ وَلَوْ أُمًّا عَلَى الرَّاجِحِ خِلَافًا لِمَا فِي الْأَصْلِ، وَأَوْلَى هُمَا قَبْلَ الْعَقْدِ فَيُفْسَخُ إنْ وَقَعَ، وَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُمَا بَعْدَهُ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فِي حَضَانَتِهَا بِنْتٌ رَضِيعَةٌ مِنْ رَجُلٍ غَيْرِهِ، وَاسْتَمَرَّتْ فِي حَضَانَتِهَا، وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ حَتَّى بَلَغَتْ، وَلِلرَّجُلِ الْمَذْكُورِ وَلَدٌ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ أَرَادَ التَّزَوُّجَ بِتِلْكَ الْبِنْتِ هَلْ لَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ أَرْضَعَتْهَا بَعْدَ وَطْءِ أَبِيهِ مَعَ الْإِنْزَالِ، وَسِنُّهَا حَوْلَانِ وَشَهْرَانِ فَأَقَلَّ، وَقَبْلَ فَطْمِهَا فَاطِمًا تَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ اللَّبَنِ اسْتِغْنَاءً بَيِّنًا بِحَيْثُ إذَا رُدَّتْ لَهُ لَا يَقُومُ بِهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ لِأَبِيهِ مِنْ الرَّضَاعِ لِأَنَّ لَبَنَ أُمِّهَا انْتَسَبَ لِأَبِيهِ بِمُجَرَّدِ وَطْئِهِ إيَّاهَا مَعَ الْإِنْزَالِ، وَهِيَ ذَاتُ لَبَنٍ فَكُلُّ مَنْ أَرْضَعَتْهُ بِهِ بَعْدَ وَطْئِهِ إيَّاهَا صَارَ ابْنًا أَوْ بِنْتًا لَهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَقَدْرُ وَلَدَاهَا، وَلِوَاطِئِهَا مِنْ الْوَطْءِ مَعَ الْإِنْزَالِ وَلَوْ حَرَامًا لَا يَلْحَقُ حَمْلُهُ، وَإِنْ زِنًا وَهُوَ لَهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ، وَاشْتِرَاكًا إنْ وَطِئَهَا غَيْرُهُ اهـ.
وَفِيهِ أَيْضًا يَحْرُمُ رَضَاعُ مَنْ لَمْ يُجَاوِزْ
стр. 511
حَوْلَيْنِ وَشَهْرَيْنِ، وَلَمْ يَسْتَغْنِ بَيْنًا عَنْ اللَّبَنِ بِحَيْثُ لَا يَقُومُ بِهِ إذَا رُدَّ لَهُ فَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ فَطِيمٌ فَإِنْ اسْتَمَرَّ الْإِرْضَاعُ حَرُمَ مُطْلَقًا لِمُدَّتِهِ مِثْلَ النَّسَبِ مَفْعُولُ يَحْرُمُ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ وَإِذَا أَرْضَعَتْ الْمَرْأَةُ صَبِيًّا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا زَوْجٌ ثَانٍ، وَاللَّبَنُ مُسْتَصْحَبٌ فَاللَّبَنُ لَهُمَا مَعًا، وَإِذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ مُحْتَمَلٍ فَاللَّبَنُ لِمَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْوَلَدُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَهُمَا مَعًا فَإِنْ كَانَ مِنْ وَطْءٍ يُحَدُّ فِيهِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ أَمْ لَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، وَالرَّضَاعُ كَالنَّسَبِ يَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ فَإِنْ أَرْضَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا أُمُّهُ وَحُرِّمَ عَلَيْهِ جَمِيعُ بَنَاتِهَا اللَّاتِي أَرْضَعَتْهُنَّ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّهُنَّ أَخَوَاتُهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ قَرَابَاتِهَا هُمْ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ قَرَابَاتِ أُمِّهِ مِنْ النَّسَبِ وَصَاحِبُ اللَّبَنِ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخَوَاتُهُ لِأَنَّهُنَّ عَمَّاتُهُ وَأُمُّهُ وَبَنَاتُهُ، وَإِنْ كُنَّ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْمُرْضِعَةِ لِأَنَّهُنَّ أَخَوَاتُهُ لِأَبِيهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ قَرَابَاتِهِ هُمْ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ قَرَابَاتِ أَبِيهِ مِنْ النَّسَبِ فَقِسْ عَلَى ذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَخُو الطِّفْلِ الْمُرْضَعِ مِنْ النَّسَبِ أُخْتَ الْمُرْضِعِ وَأُمَّهُ مِنْ الرَّضَاعِ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ الطِّفْلُ الْمُرْضِع خَاصَّةً وَلَدًا لِصَاحِبَةِ اللَّبَنِ وَصَاحِبِهِ، وَمَنْ أَرْضَعَتْ طِفْلًا كَانَ زَوْجُهَا حُرِّمَتْ عَلَى صَاحِبِ اللَّبَنِ لِأَنَّهَا زَوْجَةُ ابْنِهِ، وَمَنْ أَبَانَ صَغِيرَةً حُرِّمَ عَلَيْهِ مَنْ يُرْضِعُهَا لِأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ، وَالرَّضَاعُ الَّذِي يُحَرِّمُ هُوَ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ، وَمَا قَارَبَهُمَا كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ فَإِنْ فُطِمَ فِي نَفْسِ الْحَوْلَيْنِ أَوْ بَعْدَهُمَا، وَاسْتَغْنَى عَنْ الرَّضَاعِ ثُمَّ وَقَعَ الرَّضَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَحْرُمُ.
وَيُعْتَبَرُ مَا وَصَلَ لِلْجَوْفِ بِرَضَاعٍ أَوْ سَعُوطٍ أَوْ كُحْلٍ أَوْ وَجُورٍ غَيْرِ ذَلِكَ، وَفِي الْحُقْنَةِ قَوْلَانِ، وَسَوَاءٌ كَانَ اللَّبَنُ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ مَيِّتَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ يَائِسَةٍ أَوْ غَيْرِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا لِصِغَرِهَا فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ، وَكَذَلِكَ لَبَنُ الذُّكُورِ وَالْبَهَائِمِ لَا يُعْتَبَرُ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مُخْتَلِطًا بِمَاءٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ دَوَاءٍ حَتَّى اُسْتُهْلِكَتْ عَيْنُهُ فَلَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يُسْتَهْلَكْ عَيْنُهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، وَيَثْبُتُ الرَّضَاعُ بِشَاهِدَيْنِ، وَبِامْرَأَتَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَاشِيًا مِنْ قَوْلِهِمَا قَبْلَ الْعَقْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاشِيًا فَقَوْلَانِ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِثْلُهُمَا، وَفِي الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ إذَا كَانَ ذَلِكَ فَاشِيًا مِنْ قَوْلِهَا قَبْلَ الْعَقْدِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ بِذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الثَّانِي أَنَّهُ يُفْسَخُ بِذَلِكَ، وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَهُ ابْنُ فَتْحُونٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ التَّنَزُّهُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ بِقَوْلِ أَجْنَبِيَّةٍ فَإِنْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِذَلِكَ انْفَسَخَ النِّكَاحُ كَانَ إقْرَارُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَلَيْهِ الصَّدَاقُ كَامِلًا فِي الْفَسْخِ بَعْدَهُ وَنِصْفٌ فِي الْفَسْخِ قَبْلَهُ إلَّا أَنْ تُوَافِقَهُ الزَّوْجَةُ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِذَلِكَ، وَإِنْ أَقَرَّتْ بِذَلِكَ الزَّوْجَةُ فَقَطْ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فُسِخَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يُفْسَخْ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ اهـ بِتَصَرُّفٍ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ فَطَمَتْ وَلَدَهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مَعَ كَوْنِ أَبِيهِ يَدْفَعُ لَهَا أُجْرَةَ الرَّضَاعِ فَحَصَلَ لِلْوَلَدِ ضَعْفٌ إلَى أَنْ مَاتَ فَهَلْ عَلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ شَيْءٌ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ إرْضَاعُهُ وَاجِبًا عَلَيْهَا لِعَدَمِ وُجُودِ مُرْضِعٍ غَيْرِهَا أَوْ عَدَمِ قَبُولِ الْوَلَدِ غَيْرَهَا، وَشَهِدَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ ضَعْفَهُ مِنْ الْفِطَامِ فَلِأَوْلِيَائِهِ الْقَسَامَةُ وَتَغْرِيمُهَا دِيَتَهُ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا قَالَ عَبْدُ الْبَاقِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سُئِلَ النَّاصِرُ عَمَّنْ طَلُقَتْ وَمَعَهَا وَلَدٌ عُمُرُهُ سَنَةٌ وَشَهْرٌ، وَفَرَضَ أَبُوهُ لِرَضَاعِهِ فَرْضًا فَفَطَمَتْهُ بَعْدَ نَحْوِ عِشْرِينَ يَوْمًا
стр. 512
وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ يَلْزَمُ الْأُمَّ فِيهِ شَيْءٌ أَمْ لَا فَأَجَابَ إذَا كَانَ الْوَلَدُ فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى الْفِطَامِ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فِي مِثْلِ هَذَا السِّنِّ فَفَطَمَتْهُ، وَمَاتَ بِقُرْبِ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يُخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ مِنْ الْفِطَامِ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَعَلَيْهَا الدِّيَةُ اهـ.
قَالَ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ قَوْلُهُ وَتَرْكُ مُوَاسَاةٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَتْرُكُ رَضَاعَ وَلَدِهَا اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
[حُكْم إرضاع الْوَلَد]
قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: وَيَلْزَمُ الْأُمَّ إرْضَاعُ وَلَدِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ مَرِيضَةً أَوْ غَيْرَ ذَاتِ لَبَنٍ أَوْ شَرِيفَةً لَا يُرْضِعُ مِثْلُهَا فَيَكُونَ عَلَى الْأَبِ أَنْ يَأْتِيَ لَهَا بِمَنْ يُرْضِعُهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا الْأَبُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي لَهَا أُجْرَةَ الرَّضَاعِ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ فَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِمَا فَرَضَ لَهَا كَانَ لِلْأَبِ أَخْذُهُ، وَيَدْفَعُهُ لِمَنْ تُرْضِعُهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ غَيْرَهَا أَوْ كَانَ الْأَبُ مُعْسِرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى أُجْرَةٍ كَانَ عَلَيْهَا إرْضَاعُهُ بَاطِلًا، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَوَجَدَ مَنْ تُرْضِعُهُ بِأَقَلَّ مِنْ الْأُجْرَةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْهِ فَهَلْ لَهُ أَخْذُهُ أَمْ لَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ فَإِنَّهَا تُرْضِعُهُ بِأُجْرَةٍ تَأْخُذُهَا مِنْ مَالِ الطِّفْلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَزِمَهَا إرْضَاعُهُ بَاطِلًا، وَإِذَا أَبَتْ الْأُمُّ إرْضَاعَهُ، وَأَرَادَتْ دَفْعَهُ إلَى أَبِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِأَخْذِهِ حَتَّى يَجِدَ مَنْ تُرْضِعُهُ اهـ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِنْ أُعْدِمَ الصَّبِيُّ وَالْأَبُ، وَسَبَقَ فِي الصَّوْمِ أَنَّ مَالَ الصَّبِيِّ مُقَدَّمٌ فَعَلَى الْآمِرِ إرْضَاعُهُ وَأُجْرَتُهُ إنْ عَدِمَتْ اللَّبَنَ كَدَنِيَّةٍ غَيْرِ بَائِنٍ رَجْعِيَّةٍ أَوْ فِي الْعِصْمَةِ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ أَوْ بَائِنًا فَلَهَا الْأُجْرَةُ، وَلَوْ وَجَدَ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُهُ مَجَّانًا، وَوَجَبَ قَبُولُهَا أَيْ الْأُجْرَةِ إنْ لَمْ يَقْبَلْ غَيْرَهَا اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ رَضَعَ مِنْ جَدَّتِهِ لِأَبِيهِ مَعَ إحْدَى بَنَاتِهَا قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ، وَلَهُنَّ بَنَاتٌ فَعَقَدَ لَهُ فَقِيهٌ عَلَى بِنْتٍ مِنْ بَنَاتِ عَمَّاتِهِ اللَّاتِي صِرْنَ أَخَوَاتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِهِ فَهَلْ هُوَ بَاطِلٌ فَيُفْسَخُ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ هَذَا الْعَقْدُ بَاطِلٌ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ ﷺ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» فَيَجِبُ فَسْخُهُ، وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ حَيْثُ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ لِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ كُلُّ نِكَاحٍ فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ عَلَى الزَّوْجِ مِنْ الْمَهْرِ إلَّا نِكَاحُ الدِّرْهَمَيْنِ، وَفُرْقَةُ الْمُتَرَاضِعَيْنِ، وَالْمُتَلَاعِنِينَ، وَلَيْسَتْ صُورَةُ النَّازِلَةِ مِنْ فُرْقَةِ الْمُتَرَاضِعَيْنِ الْمُسْتَثْنَاةُ لِأَنَّهَا فِي إقْرَارِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[تَزَوُّجِ ابْنِ الزَّوْجِ بِنْتَ زَوْجَةِ أَبِيهِ مِنْ غَيْرِهِ بَعْدَهُ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي تَزَوُّجِ ابْنِ الزَّوْجِ بِنْتَ زَوْجَةِ أَبِيهِ مِنْ غَيْرِهِ بَعْدَهُ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ حَكَى أَبُو الْحَسَنِ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ صَدَّرَ مِنْهَا بِالْجَوَازِ، وَحَكَى اسْتِظْهَارَهُ، وَثَنَّى بِالْمَنْعِ، وَثَلَّثَ بِالْكَرَاهَةِ مُعَلَّلَةً بِالِاحْتِيَاطِ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ امْرَأَةِ أَبِيهِ مِنْ رَجُلٍ غَيْرِهِ هَذَا وَاضِحٌ إذَا كَانَتْ الْبِنْتُ مَعَهَا، وَانْفَصَلَتْ مِنْ الرَّضَاعِ قَبْلَ التَّزَوُّجِ بِأَبِيهِ، وَأَمَّا لَوْ طَلَّقَهَا الْأَبُ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ بِرَجُلٍ، وَأَوْلَدَهَا بِنْتًا فَهَلْ لِابْنِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَذِهِ الْبِنْتِ أَمْ لَا فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْجَوَازُ، وَاسْتَظْهَرَ وَالْمَنْعُ وَالْكَرَاهَةُ احْتِيَاطًا اهـ. وَمَوْضُوعُهَا أَنَّ لَبَنَ الْأَوَّلِ انْقَطَعَ قَبْلَ وِلَادَةِ الْبِنْتِ، وَإِلَّا فَالْمَنْعُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمَا أَخَوَانِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
стр. 513
مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَتْ أُمُّهَا إنَّهَا رَضَعَتْ مَعَهُ، وَأَشَاعَتْ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْ قَوْلِهَا وَقَالَتْ كُنْت كَارِهَةً تَزَوُّجَهُ لَهَا فَمَا الْحُكْمُ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يُنْدَبُ لَهُ عَدَمُ تَزَوُّجِهِ بِهَا قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ بِخِلَافِ أُمِّ أَحَدِهِمَا فَالتَّنَزُّهُ قَالَ الْخَرَشِيُّ يَعْنِي: أَنَّ أُمَّ أَحَدِهِمَا إذَا قَالَتْ قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ هَذَا رَضَعَ مَعَ ابْنَتِي فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ حِينَئِذٍ التَّنَزُّهُ فَقَطْ، وَلَيْسَتْ كَالْأَبِ، وَلَوْ كَانَتْ وَصِيَّةً خِلَافًا لِأَبِي إِسْحَاقَ قَائِلًا لِأَنَّهَا تَصِيرُ حِينَئِذٍ كَالْعَاقِدِ لِلنِّكَاحِ فَتَكُونُ كَالْأَبِ اهـ.
قَالَ الْعَدَوِيُّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَرْجِعَ وَتَقُولَ كُنْت كَاذِبَةً أَوْ تَسْتَمِرَّ عَلَى إقْرَارِهَا، وَسَوَاءٌ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ وَسَوَاءٌ قَالَتْهُ اعْتِذَارًا أَمْ عَلَى حَقِيقَتِهِ هَذَا، وَرَجَّحَ مُحَشِّي التَّتَّائِيِّ أَنَّ قَوْلَ الْأُمِّ قَبْلَ الْعَقْدِ يُحَرِّمُ إنْ فَشَا مِنْ قَوْلِهَا، وَلَمْ تُكَذِّبْ نَفْسَهَا ظَاهِرُهُ، وَلَوْ وَصِيَّةً، وَهُوَ كَذَلِكَ. وَقِيلَ الْوَصِيَّةُ كَالْأَبِ اهـ.
وَعِبَارَةُ الرَّمَاصِيِّ تَبَعُ التَّتَّائِيِّ فِي تَقْرِيرِهِ قَوْلِهِ بِخِلَافِ أُمِّ أَحَدِهِمَا بِمَنْ أَكْذَبَتْ نَفْسَهَا، وَقَوْلُهُ لَا بِامْرَأَةٍ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ الْمُدَوَّنَةِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ أُمَّ أَحَدِهِمَا الَّتِي لَمْ تُكَذِّبْ نَفْسَهَا لَيْسَ حُكْمُهَا كَذَلِكَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ الْأُمُّ إنْ اسْتَمَرَّتْ تَقُولُ أَرْضَعْت فُلَانَةَ فَلَمَّا كَبِرَتْ أَرَادَ الِابْنُ تَزَوُّجَهَا فَلَا يَفْعَلُ اهـ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَوْنِهِ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ، وَالْأُمُّ كَغَيْرِهَا ثَالِثُهَا إنْ كَانَتْ وَصِيًّا ثُمَّ قَالَ فِي سَمَاعِ يَحْيَى إنْ فَشَا قَوْلُهَا حُرِّمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا فَقَدْ اعْتَضَدَ التَّحْرِيمُ بِمُوَافَقَةِ سَمَاعِ يَحْيَى فَهُوَ الرَّاجِحُ فَلِذَا قَيَّدَ التَّتَّائِيُّ قَوْلَهُ لَا بِامْرَأَةٍ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فَتَحَصَّلَ أَنَّ إخْبَارَ أُمِّ الصَّغِيرِ بِالرَّضَاعِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: يُحَرِّمُ، لَا يُحَرِّمُ، يُحَرِّمُ إنْ كَانَتْ وَصِيًّا، وَمَحَلُّهَا إنْ لَمْ تَرْجِعْ عَنْهُ، وَإِلَّا فَلَا اتِّفَاقًا هَذَا تَحْرِيرُ مَا فِي هَذَا الْمَقَامِ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَهُ بِنْتَ خَلِيطِهِ فِي الْعِشْرَةِ مَعَ الشَّكِّ فِي أُخُوَّتِهِمَا رَضَاعًا، وَإِخْبَارِ أُمِّ الْبِنْتِ بِالرَّضَاعِ بَعْدَ إخْبَارِهَا بِعَدَمِهِ، وَإِخْبَارِ جَدَّةِ الِابْنِ بِهِ مَعَ تَرَدُّدِ أُمِّهِ فِيهِ بَعْدَ إخْبَارِهَا بِعَدَمِهِ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ تُسْأَلُ أُمُّ الْبِنْتِ، وَجَدَّةُ الِابْنِ عَنْ الرَّضَاعِ الَّذِي أَخْبَرَتَا بِهِ فَإِنْ تَحَقَّقْنَاهُ، وَفَشَا مِنْ قَوْلِهِمَا فَلَا يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ وَقَعَ فَسْخٌ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا وُجُوبًا لِثُبُوتِ الرَّضَاعِ بِشَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقَاهُ فَعَقْدُ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا شُبْهَةٌ يُسْتَحَبُّ اجْتِنَابُهُمَا، وَقَدْ «أَخْبَرَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَخْبَرَتْهُ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ بِأَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا، فَتَبَسَّمَ ﷺ وَقَالَ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ، وَقَالَ الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُتَشَابِهَاتٌ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» .
وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ شَهِدَ بِرَضَاعِ الزَّوْجَيْنِ أُمَّهَاتُهُمَا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فَشَا مِنْ قَوْلِهِمَا قَبْلَ النِّكَاحِ ابْنُ عَرَفَةَ فَهُمَا كَالْأَجْنَبِيَّتَيْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَخَلِيلٍ، وَنَدَبَ التَّنَزُّهَ مُطْلَقًا عَبْدُ الْبَاقِي فِي كُلِّ شَهَادَةٍ لَا تُوجِبُ فِرَاقًا كَشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَوْ أَجْنَبِيَّةً أَوْ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ عَدْلًا أَوْ امْرَأَتَيْنِ بِلَا فُشُوٍّ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَمَعْنَى التَّنَزُّهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَهَا أَوْ يُطَلِّقَهَا إنْ كَانَتْ زَوْجَةً لَهُ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الطَّعْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ زَوَّجَهَا أَبُوهَا لِابْنِ عَمِّهَا ثُمَّ قَالَتْ أُمُّهَا أَرْضَعْت الزَّوْجَ، وَلَمْ أَعْلَمْ بِعَقْدِهِ فَهَلْ
стр. 514
يَثْبُتُ الرَّضَاعُ بِقَوْلِهَا، وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ أَمْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهَا الْمَذْكُورِ، وَلَكِنَّهُ يَنْدُبُ لِلزَّوْجِ فِرَاقُ زَوْجَتِهِ الْمَذْكُورَةِ احْتِيَاطًا وَاتِّقَاءً لِلشُّبْهَةِ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ أُمِّهَا لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[مَسَائِلُ الْحَضَانَةِ]
[الْحَاضِنَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ، وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ عِلْمِ مَنْ تَنْتَقِلُ الْحَضَانَةُ إلَيْهِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْحَضَانَةِ
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، وَمَعَهَا طِفْلٌ مِنْهُ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ، وَالطِّفْلُ مَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَهَلْ إذَا أَرَادَ أَبُو الطِّفْلِ نَزْعَهُ مِنْهَا لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ، وَهَلْ إذَا ادَّعَى عَدَمَ عِلْمِهِ بِالتَّزَوُّجِ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا يُمَكَّنُ مِنْ نَزْعِ الْوَلَدِ سَوَاءٌ عَلِمَ بِدُخُولِ الزَّوْجِ بِهَا وَسَكَتَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى تَأَيَّمَتْ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ أَوْ لِتَأَيُّمِهَا قَبْلَ عِلْمِهِ. الْخَرَشِيُّ يَعْنِي أَنَّ الْحَاضِنَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ، وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ عِلْمِ مَنْ تَنْتَقِلُ الْحَضَانَةُ إلَيْهِ فَإِنَّهَا تَسْتَمِرُّ لِلْحَاضِنَةِ، وَلَا مَقَالَ لِمَنْ بَعْدَهَا، وَمَفْهُومٌ قَبْلَ عِلْمِهِ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ لَا مَقَالَ لَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ خَرَجَ مِنْ بَلْدَتِهِ إلَى أُخْرَى، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهَا، وَمَكَثَ مَعَهَا فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ حَتَّى وَلَدَتْ مِنْهُ أَوْلَادًا ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَأَرَادَ التَّوَجُّهَ إلَى بَلْدَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ فَهَلْ لَهُ أَخْذُ أَوْلَادِهِ الْقَاصِرِينَ مَعَهُ أَوْ لَا، وَيُمْنَعُ مِنْ أَخْذِهِمْ قَهْرًا، وَيَسْتَمِرُّونَ مَعَ أُمِّهِمْ، وَيُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ نَفَقَتِهِمْ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ سِتَّةُ بُرُدٍ فَأَكْثَرَ، وَأَرَادَ عَدَمَ الْعَوْدِ، وَحَلَفَ عَلَيْهِ، وَامْتَنَعَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ، وَأَمَّنَتْ الْمَسَافَةَ بَرًّا أَوْ بَحْرًا، وَالْمُنْتَقِلُ إلَيْهِ فَلَهُ أَخْذُهُمْ، وَيَسْقُطُ حَقُّ أُمِّهِمْ فِي حَضَانَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ رَضِيعٌ زِيدَ شَرْطٌ، وَهُوَ قَبُولُهُ غَيْرَ أُمِّهِ، وَإِنْ انْتَفَى شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُمْ، وَيَبْقَى حَقُّ أُمِّهِمْ فِي حَضَانَتِهِمْ فَيَسْتَمِرُّونَ مَعَهَا، وَيُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ نَفَقَتِهِمْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلِلْوَلِيِّ أَخْذُهُ، وَيَسْقُطُ حَقُّ الْحَضَانَةِ إنْ سَافَرَ نَقَلَهُ لَا بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ، وَحَلَفَ عَلَيْهَا سِتَّةَ بُرُدٍ لَا أَقَلَّ، وَقَوْلُ الْأَصْلِ: وَظَاهِرُهَا بَرِيدَيْنِ ضَعِيفٌ فِي أَمْنِ الْمَسَافَةِ وَالْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ بَرًّا أَوْ بَحْرًا، وَإِنْ رَضِيعًا قَبِلَ غَيْرَ أُمِّهِ، وَلَهَا السَّفَرُ مَعَهُ، وَسَفَرُهَا كَذَلِكَ نَقْلُهُ سِتَّةَ بُرُدٍ مُسْقِطٌ فَلَا تَأْخُذُهُ، وَتَحْلِفُ أَنَّهَا لَا تُرِيدُ النَّقْلَةَ لِتَأْخُذَهُ اهـ بِتَصَرُّفٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي حَاضِنَةٍ لِصَغِيرٍ هَرَبَتْ بِهِ مُدَّةً إلَى مَحَلٍّ لَا يَعْلَمُهُ وَلِيُّهُ أَوْ يَعْجَزُ عَنْ رَدِّهَا مِنْهُ ثُمَّ جَاءَتْ طَالِبَةً نَفَقَتَهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَهَلْ لَا تَلْزَمُ الْوَلِيَّ لِسُقُوطِهَا لِهُرُوبِهَا بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا تَلْزَمُهُ لِذَلِكَ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ مُشَبِّهًا فِي السُّقُوطِ كَنَفَقَةِ وَلَدٍ هَرَبَتْ بِهِ. عَبْدُ الْبَاقِي مُدَّةً ثُمَّ جَاءَتْ تَطْلُبُهَا فَلَا شَيْءَ
стр. 515
لَهَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْضِعِهَا أَوْ عَلِمَ، وَعَجَزَ عَنْ رَدِّهَا، وَإِلَّا لَمْ تَسْقُطْ اهـ
وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ مُشْبِهًا فِي ذَلِكَ كَهَارِبَةٍ بِوَلَدِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهَا اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي قَاصِرٍ مَاتَ أَبُوهُ، وَقَدْ أَوْصَى عَلَيْهِ وَصِيًّا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأَرَادَتْ حَاضِنَتُهُ السَّفَرَ بِهِ إلَى طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ لِطَلَبِ مِيرَاثِهَا فِيهَا، وَالْتَزَمَتْ بِنَفَقَتِهِ، وَبَقَاءِ مَالِهِ بِيَدِ وَصِيِّهِ فَمَنَعَهَا الْوَصِيُّ مِنْ السَّفَرِ بِهِ فَمَا الْحُكْمُ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لِلْوَصِيِّ مَنْعُهَا مِنْ السَّفَرِ بِهِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ الْعَدَوِيُّ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ قَرُبَ الْمَوْضِعَ كَالْبَرِيدِ، وَنَحْوِهِ فَلَهَا أَخْذُهُ فِي سَفَرِ التِّجَارَةِ، وَنَحْوِهَا لَا إنْ بَعُدَ فَلَا تَأْخُذُهُ، وَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَيْسَ لِلْأُمِّ أَنْ تَنْتَقِلَ بِالْوَلَدِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ وَالِدُهُ أَوْ وَلِيُّهُ إلَّا مَا قَرُبَ كَالْبَرِيدِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا يُبَلِّغُ الْأَبَ، وَالْوَلِيَّ خَبَرَهُ ثُمَّ لَهَا أَنْ تُقِيمَ هُنَاكَ عَبْدُ الْبَاقِي، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْحَاضِنَةِ بِسَفَرِهَا لِتِجَارَةٍ بَلْ تَأْخُذُهُ مَعَهَا، وَلَوْ بَعُدَ بِإِذْنِ أَبِيهِ فِيهِمَا، وَوَصِيِّهِ فِي الْبَعِيدِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ آمِينَ.
[مَسَائِلُ الْبَيْعِ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي جَمَاعَةٍ يَمْلِكُونَ طَاحُونَةً عَنْ أَبِيهِمْ وَجَدِّهِمْ فَأَكْرَهَ شَيْخُ الْبَلَدِ أَحَدَهُمْ بِالْحَبْسِ عَلَى بَيْعِهَا لِأَجْنَبِيٍّ فَبَاعَهَا لَهُ فِي غَيْبَةِ شُرَكَائِهِ فَهَلْ يَكُونُ الْبَيْعُ غَيْرَ لَازِمٍ فِي نَصِيبِ الْبَائِعِ، وَلَهُمْ نَزْعُهَا مِنْ الْمُشْتَرِي، وَإِذَا ادَّعَى دَفْعَ الثَّمَنِ لِشَيْخِ الْبَلَدِ، وَأَرَادَ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَى الْقَائِمِينَ عَلَيْهِ لَا يُجَابُ لِذَلِكَ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ دَفَعَهُ لَهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إذَا ثَبَتَ الْإِكْرَاهُ، وَكَانَ ظُلْمًا بِأَنْ كَانَ فِي غَيْرِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ فَأَصْلُ الْمَذْهَبِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَأَصْبَغُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِلَا ثَمَنٍ، وَيَتْبَعُ بِهِ الْمُشْتَرِي الظَّالِمَ سَوَاءٌ دَفَعَهُ لَهُ أَوْ لِلْبَائِعِ، وَعَلِمَ دَفْعَهُ لِلظَّالِمِ أَوْ جَهِلَ الْحَالَ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمُكْرَهَ بِالْفَتْحِ صَرَفَهُ فِي مَصَالِحِهِ قَضَى عَلَيْهِ بِرَدِّ مِثْلِهِ لِلْمُشْتَرِي، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْإِكْرَاهِ أَمْ لَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ، وَشُرَّاحُهُ، وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا بَاعَ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ غُرْمِ الثَّمَنِ الَّذِي قَبَضَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِإِكْرَاهِهِ فَيَتْبَعُ الْمُكْرِهَ بِكَسْرِ الرَّاءِ بِثَمَنِهِ، وَيَرُدُّ عَلَى الْمُكْرَهِ بِفَتْحِهَا مَالَهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَقَيَّدَ بِهِ ابْنُ النَّاظِمِ كَلَامَ وَالِدِهِ فَيَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ إنَّهُ لَازِمٌ، وَأَفْتَى بِهِ اللَّخْمِيُّ وَالسُّيُورِيُّ، وَاسْتَحْسَنَهُ حُذَّاقُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ هِلَالٍ وَالْعَقَبَانِيُّ وَالسَّرَقُسْطِيُّ وَالْقِشْتَالِيُّ قَاضِي فَاسَ، وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ.
قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا بِيعَ تَحْتَ الضَّغْطِ، وَالْإِكْرَاهِ فِي غَيْرِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ فَيُفْسَخُ الْبَيْعُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، وَرُدَّ الْمَبِيعُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ عَلَى بَائِعِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مُشْتَرِي مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الضَّغْطِ إذَا كَانَ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ بِهِ، وَيَضْغَطُونَ ظُلْمًا أَوْ تَعَدِّيًا بِأَنْ كَانُوا فُقَرَاءَ لَا يَلْزَمُهُمْ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَتَيَسَّرُوا فَيُبَاعُ عَلَيْهِمْ مَا لَا يَلْزَمُهُمْ بَيْعُهُ كَثَوْبٍ يَسْتُرُونَ بِهِ، وَشَبَهِهِ فَهَذَا يَلْزَمُ مُشْتَرِيه رَدُّهُ إلَى بَائِعِهِ لِأَنَّهُ بِيعَ عَلَيْهِ ظُلْمًا، وَأَمَّا إنْ بِيعَ
стр. 516
فِي حَقٍّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ تَحْتَ الضَّغْطِ وَالْإِكْرَاهِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ سَائِغٌ لِمَنْ اشْتَرَاهُ، وَسَبِيلُ الْمَضْغُوطِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَيْعِ حَقِّهِ سَبِيلُ الذِّمِّيِّ فِي رَدِّ مَالِهِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ بَلْ هُوَ فِي الْمُسْلِمِ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَمُطَرِّفٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَأَصْبَغُ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَضْغُوطٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطَةِ، وَسَوَاءٌ وَصَلَ الثَّمَنُ مِنْ الْمُبْتَاعِ إلَى الْمَضْغُوطِ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ دَفَعَهُ لِلضَّاغِطِ أَوْ جَهِلَ هَلْ دَفَعَهُ لَهُ أَوْ أَدْخَلَهُ فِي مَنَافِعِهِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي مَنَافِعِهِ أَخَذَ مِنْ مَالِهِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا فِي نَوَازِلِهِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي بَيْعِ الْمَضْغُوطِ بِغَيْرِ حَقٍّ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَاَلَّذِي أَقُولُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنْقُلُهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا بَاعَ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ غُرْمِ الثَّمَنِ الَّذِي قَبَضَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَاعُ عَالِمًا بِضَغْطِهِ فَيَتْبَعُ الضَّاغِطَ بِالثَّمَنِ، وَيَرُدُّ عَلَى الْمَضْغُوطِ مَالَهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ فَالْجَوَابُ عِنْدِي أَنْ يُقْضَى لِلْقَائِمِ بِالدَّارِ الَّتِي قَامَ بِهَا، وَيَرُدَّ الثَّمَنَ الَّذِي قَبَضَ فِيهَا إلَّا أَنْ يُثْبِتَ عَلَى الْمُقَوِّمِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْمُبْتَاعِ لَهُمَا الْعِلْمَ بِحَالِ الْبَائِعِ مِنْ الضَّغْطِ وَالْإِكْرَاهِ فَتُرَدُّ عَلَيْهِ الدَّارُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَيَتْبَعُ بِالثَّمَنِ الضَّاغِطَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي ابْتَاعَ لَهُمَا هُوَ الْعَالِمُ بِالضَّغْطِ دُونَهُمَا فَيَكُونُ لَهُمَا الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَهُ عَلَيْهِمَا بِتَعَدِّيهِ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَسْتَفْسِرَ الشُّهُودُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْوُجُوهِ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الِانْتِبَاهِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَشَهَادَتُهُمْ جَائِزَةٌ فِي ذَلِكَ عَامِلَةٌ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الْمَضْغُوطِ، وَالسِّجْنُ بِمُجَرَّدِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إكْرَاهٌ، انْتَهَى. فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةٌ أَقْوَاهَا سَنَدُ الْأَوَّلِ فَلِذَا أَفْتَيْت بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ طَلَبَهُ شَيْخُ الْبَلَدِ لِأَخْذِ مَالٍ لِلدِّيوَانِ فَامْتَنَعَ لِعَدَمِهِ، وَلَهُ ثُلُثُ نَوْرَجٍ فَبَيَّعَهُ نِصْفَهُ ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ الْبَائِعُ فَهَلْ لِلْوَرَثَةِ رَدُّ الْبَيْعِ لِكَوْنِهِ فِي نَصِيبِهِ مَجْبُورًا، وَفِي غَيْرِهِ فُضُولِيًّا، وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الرَّدِّ، وَلَمْ تُوجَدْ بَيِّنَةٌ وَلَا وَثِيقَةٌ لِلْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يَكُونُ بَاطِلًا أَوْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ الْمَالُ الْمَطْلُوبُ لِلدِّيوَانِ خَرَاجَ الْأَرْضِ الْحَقَّ فَالْبَيْعُ مَاضٍ لَيْسَ لِلْوَرَثَةِ رَدُّهُ لِأَنَّ الْجَبْرَ حِينَئِذٍ شَرْعِيٌّ، وَإِلَّا فَلَهُمْ رَدُّهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا فِي الثُّلُثِ الَّذِي كَانَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ، وَأَمَّا السُّدُسُ الَّذِي فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَهُ رَدُّ بَيْعِهِ مُطْلَقًا مَا لَمْ تَمْضِ سَنَةٌ.
وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ الْحَاجِّ فِي امْرَأَةٍ بِيعَتْ عَلَيْهَا مَمْلُوكَةٍ تَحْتَ الْإِكْرَاهِ وَالضَّغْطِ فِي مَالٍ الْتَزَمَتْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَامَ وَرَثَتُهَا فِيهَا عَلَى مُشْتَرِيهَا فَأَثْبَتَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الِابْتِيَاعَ كَانَ صَحِيحًا بَعْدَ الْإِكْرَاهِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ، وَاسْتَفْتَى الْقَاضِي إذَا ذَاكَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَأَفْتَوْهُ بِأَنَّ بَيِّنَةَ الْإِكْرَاهِ أَعْمَلُ، وَأَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُ الْمَمْلُوكِ عَلَى وَرَثَتِهَا، وَأَفْتَى فِيهَا أَصْبَغُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِذَلِكَ قَائِلًا، وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ لِلْمُبْتَاعِ، وَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ لَوَجَبَ أَنْ يَحْكُمَ الْآنَ بِذَلِكَ، وَقَالَ مِثْلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْحَاجِّ قَالَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ قَالَ: وَأَمَّا إذَا بَلَغَهُ عَنْ مَالِهِ أَنَّهُ بِيعَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقُمْ بِحِدْثَانِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُغَيِّرْ وَلَمْ يُشْهِدْ عُدُولًا عَلَى الْإِنْكَارِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ فَذَلِكَ رِضًا بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ، وَسُئِلَ ابْنُ زَرِبٍ عَمَّنْ بِيعَ عَلَيْهِ مَالُهُ، وَهُوَ غَائِبٌ ثُمَّ عَلِمَ بِالْبَيْعِ، وَسَكَتَ سَنَةً وَسَنَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فِيهِ فَقَالَ الْقِيَامُ لَهُ فِيهِ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ كَمَنْ بِيعَ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَاضِرٌ فَهَذَا لَيْسَ لَهُ غَيْرُ الثَّمَنِ وَالْبَيْعُ لَازِمٌ لَهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ الْبَيْعَ إذَا عَلِمَ، وَسَكَتَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ مَا قَارَبَ ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ الْقِيَامَ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ مَا لَمْ تَكْثُرْ الْأَيَّامُ فَيَلْزَمُهُ قَالَ ابْنُ زَرِبٍ إذَا بِيعَ عَلَيْهِ مَالُهُ، وَلَمْ يَحْضُرْ الْبَيْعَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فَسْخٍ
стр. 517
أَوْ أَخْذِ ثَمَنِهِ، وَلَا يَضُرُّهُ سُكُوتُهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ أَرَدْت أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ، وَأُشَاوِرُ نَفْسِي، وَإِذَا بِيعَ بِمَحْضَرِهِ وَسَكَتَ فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا الثَّمَنُ لِأَنَّ سُكُوتَهُ رِضًا مِنْهُ بِالثَّمَنِ انْتَهَى مِنْ ابْنِ سَلْمُونٍ، وَفِي الْمَجْمُوعِ: وَمَنْ تَصَرُّفٍ بَعِيدًا كَانَ أَوْ قَرِيبًا ابْنًا أَوْ غَيْرَهُ بِكَبَيْعِ وَهِبَةٍ وَوَطْءٍ وَكِتَابَةٍ فَإِنَّ هَذِهِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا طُولُ زَمَنٍ عَلَى الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ الْمَالِكِ السَّاكِتِ مَضَى، وَلَهُ الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ مَا لَمْ تَمْضِ سَنَةٌ، وَالْغَائِبُ لَهُ الرَّدُّ مَا لَمْ تَمْضِ فَالثَّمَنُ مَا لَمْ يَطُلْ بِالْحَوْزِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَا خِلَافَ أَنَّ الْحِيَازَةَ تَكُونُ بَيْنَ أَهْلِ الْمِيرَاثِ بِالتَّفْوِيتِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْوَطْءِ الَّذِي لَا يَصِحُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَفْعَلَهُ إلَّا فِيمَا خَلَصَ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ تَطُلْ الْمُدَّةُ، وَهُوَ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَيَفْتَرِقُ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى التَّفْصِيلِ إذْ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فَوَّتَ بِذَلِكَ كُلِّهِ الْكُلَّ أَوْ الْأَكْثَرَ أَوْ الْأَقَلَّ أَوْ النِّصْفَ، وَمَا قَارَبَهُ فَأَمَّا إذَا فَوَّتَ الْكُلَّ بِالْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ الْمَحُوزُ عَلَيْهِ حَاضِرًا لِلصَّفْقَةِ فَسَكَتَ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَزِمَهُ الْبَيْعُ فِي حِصَّتِهِ، وَكَانَ لَهُ الثَّمَنُ، وَإِنْ سَكَتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ حَتَّى مَضَى الْعَامُ، وَنَحْوُهُ اسْتَحَقَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ بِالْحِيَازَةِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ بِالْوَجْهِ الَّذِي يَذْكُرُهُ مِنْ ابْتِيَاعٍ أَوْ مُقَاسَمَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ فَقَامَ حِينَ عَلِمَ أَخَذَ حَقَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ إلَّا بَعْدَ الْعَامِ، وَنَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الثَّمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَاسْتَحَقَّهُ الْحَائِزُ بِمَا ادَّعَاهُ بِدَلِيلِ حِيَازَتِهِ إيَّاهُ، وَأَمَّا إذَا فَوَّتَهُ بِالْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوْ التَّدْبِيرِ أَوْ الْعِتْقِ فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَسَكَتَ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَقَامَ حِينَ عَلِمَ كَانَ عَلَى حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ إلَّا بَعْدَ الْعَامِ، وَنَحْوِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَائِزِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ هُوَ شَيْءٌ، وَأَمَّا إذَا فَوَّتَهُ بِالْكِتَابَةِ فَيَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهَا هَلْ تُحْمَلُ مَحْمَلَ الْبَيْعِ أَوْ الْعِتْقِ، وَكَذَا إذَا حَازَ الْكُلَّ بِالْوَطْءِ وَالِاتِّخَاذِ بِعِلْمِ الْمَحُوزِ عَلَيْهِ مِنْ الْوَرَثَةِ فَهِيَ حِيَازَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَطُلْ الْمُدَّةُ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ فَانْظُرْهُ اهـ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ بِنْتَيْنِ وَأَخَاهُ، وَتَرَكَ نَخِيلًا فَبَاعَهُ أَخُوهُ مَعَ وُجُودِ الْبِنْتَيْنِ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ، وَمَضَتْ مُدَّةٌ بَعْدَ الْبَيْعِ نَحْوُ ثَمَانِ سَنَوَاتٍ ثُمَّ مَاتَ الْبَائِعُ الْمَذْكُورُ فَقَامَتْ الْبِنْتَانِ تُرِيدَانِ أَخْذَ النَّخِيلِ وَتَدَّعِيَانِ أَنَّهُمَا لَمْ يَعْلَمَا أَنَّ هَذَا النَّخِيلَ لِوَالِدِهِمَا فَهَلْ لَا تُصَدَّقَانِ فِي ذَلِكَ، وَيَكُونُ النَّخِيلُ لِلْمُشْتَرِي، وَيُحْمَلَانِ عَلَى الْعِلْمِ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ إذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّخِيلَ الْمَبِيعَ كَانَ لِوَالِدِهِمَا، وَحَلَفَتَا بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّهُمَا لَمْ يَعْلَمَا بِذَلِكَ إلَّا الْآنَ أَوْ قَبْلَهُ بِأَقَلَّ مِنْ عَامٍ فَلَهُمَا رَدُّ الْبَيْعِ فِي حِصَّتِهِمَا، وَهِيَ الثُّلُثَانِ، وَلَا يَمْنَعُهُمَا مِنْهُ سُكُوتُهُمَا الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ لِعُذْرِهِمَا بِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَلَا يُحْمَلَانِ عَلَى الْعِلْمِ عِنْدَ جَهْلِ الْحَالِ بَلْ عَلَى عَدَمِهِ إنْ حَلَفَتَا، وَإِلَّا حُمِلَتَا عَلَى الْعِلْمِ، وَكَانَتْ النَّخِيلُ لِلْمُشْتَرِي قَالَ فِي مَسَائِلِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا قَامَ الرَّجُلُ بِعَقْدِ ابْتِيَاعٍ مِنْ الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ أَبِيهِ قَبْلَهُ، وَتَارِيخُ الِابْتِيَاعِ قَبْلَ الْقِيَامِ بِعِشْرِينَ عَامًا فِي أَمْلَاكٍ بِيَدِ رَجُلٍ، وَتَصَيَّرَتْ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ فَقَالَ الْمُقَوَّمُ عَلَيْهِ لِي عِشْرُونَ سَنَةً أَتَمَلَّكُ هَذِهِ الْأَمْلَاكَ، وَأَنْتَ حَاضِرٌ، وَلَمْ تَقُمْ فَقَالَ لَمْ أَجِدْ وَثِيقَةَ ابْتِيَاعٍ إلَّا الْآنَ فَالْوَاجِبُ أَنْ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْحِيَازَةِ فَيَسْقُطُ حَقُّ الْقَائِمِ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ الْقَائِمُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا تَرَكْت الْقِيَامَ فِي الْأَمْلَاكِ تَسْلِيمًا مِنِّي لَهَا، وَلَا رِضًا بِتَرْكِ حَقِّي فِيهَا إلَّا لِأَنِّي لَمْ أَعْلَمْ بِالْعَقْدِ وَلَمْ أَجِدْهُ، وَيَأْخُذُهَا
стр. 518
مِنْ يَدِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَبُو الْقَائِمِ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْ الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ الْقَائِمُ مَا عَلِمْت بِشِرَاءِ أَبِي لَهَا إلَّا وَقْتَ قِيَامِي بِعَقْدِي ثُمَّ يَأْخُذُهَا، وَلَوْ قَالَ الْقَائِمُ إنْ اشْتَرَيْتهَا ثُمَّ أَعَمَرْتُك إيَّاهَا أَوْ أَكْرَيْتُهَا مِنْك أَوْ أَرْفَقْتُك بِهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ أَقُمْ بِهَا لَكَانَ أَبْيَنَ فِي أَنْ يَحْلِفَ إذَا اسْتَظْهَرَ بِوَثِيقَةِ الشِّرَاءِ وَيَأْخُذُهَا، وَلَوْ قَالَ الْمُقَوَّمُ عَلَيْهِ أَقَلْت فِيهَا بَعْدَ أَنْ بِعْتهَا مِنْك كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَتَبْقَى بِيَدِهِ الْأَمْلَاكُ فَإِنْ أَثْبَتَ الْقَائِمُ أَنَّ دُخُولَ الْمُعْتَمِرِ فِي الْأَمْلَاكِ، وَابْتِدَاءَ نُزُولِهِ فِيهَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْكِرَاءِ أَوْ الْإِمْكَانِ وَالْعَارِيَّةِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْغَصْبِ فَلَا يَكُونُ لِلْمُعْتَمِرِ بِهِ حُجَّةٌ، وَيَبْطُلُ، وَإِنْ كَانَ الْقَائِمُونَ وَرَثَةً فَلَا يَسْقُطُ قِيَامُهُمْ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ الِاعْتِمَارُ بِحَضْرَةِ مُوَرِّثِهِمْ أَوْ يَثْبُتَ أَنَّهُمْ عَلِمُوا بِذَلِكَ، وَسَكَتُوا الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ، وَحَالُ الْوَرَثَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَهْلِ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُمْ عَلِمُوا انْتَهَى مِنْ ابْنِ سَلْمُونٍ فِي مَبْحَثِ الْحِيَازَةِ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ ظُلَامَةٌ فَبَاعَ بِسَبَبِهَا أَرْضًا ثُمَّ تُوُفِّيَ، وَأَرَادَ وَرَثَتُهُ رَدَّ الْبَيْعِ فَهَلْ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَيَكُونُ الْبَيْعُ مَاضِيًا، وَلَيْسَ لَهُمْ تَعَرُّضٌ لِلْمُشْتَرِي أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَابَ الْأُسْتَاذُ الدَّرْدِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ إذَا مَاتَ الْبَائِعُ وَمَضَتْ مُدَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ كَسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَالْوَارِثُ مَمْنُوعٌ لَا حَقَّ لَهُ فَلَا كَلَامَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْبَيْعُ لَازِمٌ وَيُمْنَعُ الْمُعَارِضُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَجِبُ تَقْيِيدُهُ هَذِهِ الْفَتْوَى بِكَوْنِ السُّكُوتِ سَنَةً بَعْدَ الْعِلْمِ.
وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ مَانِحِ الصَّوَابِ صَرَّحَ فِي تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ وَالْكَنْزِ وَغَيْرِهِمَا بِمَا نَصُّهُ صَادَرَهُ سُلْطَانٌ، وَلَمْ يُعَيِّنْ بَيْعَ مَالِهِ فَبَاعَ مَالَهُ بِسَبَبِ الْمُصَادَرَةِ صَحَّ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ اهـ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ الْمُزَارِعُ فِي أَرْضِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُ فِيهَا حَقُّ الْقَرَارِ وَتَرْكِهَا بِاخْتِيَارِهِ لِغَيْرِهِ فِي نَظِيرِ دَرَاهِمَ أَخَذَهَا أَوْ تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ أَخْذِ دَرَاهِمَ بِاخْتِيَارِهِ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا، وَصَارَ الْحَقُّ لِلْمُسْقَطِ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِرْدَادُهَا، وَلَا لِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ اهـ. فَلَيْسَ لِوَرَثَةِ بَائِعِ الْقِطْعَةِ الطِّينِ الْمُطَالَبَةُ بِرَدِّ الْبَيْعِ، وَالْمَبِيعُ وَالْإِسْقَاطُ لِلْمُشْتَرِي صَحِيحَانِ، وَصَارَ الْحَقُّ فِي الْقِطْعَةِ الطِّينِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعِ أَحَدٍ، وَحِينَئِذٍ فَتُمْنَعُ وَرَثَةُ الْبَائِعِ عَنْ مُعَارَضَةِ الْمُشْتَرِي قَهْرًا عَلَيْهِمْ، وَطَلَبُهُمْ رَدَّ الْبَيْعِ عِنَادٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَلِمَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْأَمْرِ مَنْعُهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَيُثَابُ عَلَيْهِ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَتَبَهُ مَنْصُورٌ الْمَنْصُورِيُّ الْحَنَفِيُّ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ بِنْتٍ وَأَخ، وَتَرَكَ نَخِيلًا فَبَاعَ الْأَخُ سِتَّ نَخَلَاتٍ لِآخَرَ ثُمَّ نَازَعَهُ بِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى الْبَيْعِ وَتَصَالَحَا عَلَى أَنَّ لِكُلٍّ ثَلَاثَ نَخَلَاتٍ ثُمَّ بَاعَ الْأَخُ الثَّلَاثَ نَخَلَاتٍ الْمُصَالِحِ عَلَيْهَا الثَّالِثَ ثُمَّ مَاتَ الْأَخُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ فَقَامَتْ الْبِنْتُ تُرِيدُ أَخْذَ مَا يَخُصُّهَا مِنْ النَّخِيلِ فَهَلْ تُجَابُ لِذَلِكَ، وَلَوْ فُرِضَ عِلْمُهَا إنْ كَانَتْ تَخْشَى الْعَارَ وَنِسْبَةُ الْفُجُورِ إلَيْهَا بِقِيَامِهَا بِأَخْذِ حَقِّهَا فِي حَيَاةِ عَمِّهَا كَمَا هِيَ عَادَتُهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَقَارِبِهَا، وَإِذَا أَصَابَهَا شَيْءٌ مِنْ زَوْجِهَا لَا يَكُونُونَ نُصَرَاءَ لَهَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ نَعَمْ تُجَابُ لِذَلِكَ، وَلَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ سُكُوتُهَا الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ لِعُذْرِهَا بِمَا ذُكِرَ بِالْأَوْلَى مِمَّا ذَكَرُوهُ مِنْ تَمْكِينِهَا مِنْ رُجُوعِهَا فِيمَا وَهَبَتْهُ مِنْ مَالِهَا لِأَقَارِبِهَا لِتِلْكَ الْخَشْيَةِ قَالَ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا التَّاوَدِيِّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ إنَّ هِبَاتِ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ لِقَرَابَتِهِنَّ مَعَ اشْتِهَارِ عَدَمِ تَوْرِيثِهِنَّ بَاطِلَةٌ فَلَهُنَّ الرُّجُوعُ فِي حَيَاتِهِنَّ وَلِوَرَثَتِهِنَّ
стр. 519
الْقِيَامُ مِنْ بَعْدِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ لَوْ امْتَنَعْنَ مِنْ الْهِبَاتِ لَأَوْجَبَ ذَلِكَ إسَاءَتَهُنَّ وَقَطْعَهُنَّ وَالْغَضَبَ عَلَيْهِنَّ، وَعَدَمَ الِانْتِصَارِ لَهُنَّ إذَا أَصَابَهُنَّ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُتَجَالَّاتِ ذَوَاتِ الْأَوْلَادِ، وَغَيْرِهِنَّ قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ ذَكَرَهُ فِي الْمِعْيَارِ وَصَاحِبِ الدُّرَرِ الْمَنْثُورَةِ، وَزَادَ أَنَّهَا تَرْجِعُ فِي عَيْنِ مَا بِيعَ، وَيُقْبَلُ مِنْهَا أَنَّ سُكُوتَهَا لِجَهْلِ أَنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُهَا اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ قَدْرًا مَعْلُومًا مِنْ الْفُولِ، وَرَآهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَبَاعَهُ الْبَائِعُ الْآخَرَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ أَوْ يُكَلَّفُ بِمِثْلِهِ مُطْلَقًا أَوْ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ أَوْ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ إذَا كَانَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ بَتًّا صَحِيحًا مُسْتَوْفِيًا لِلْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ فَقَدْ انْتَقَلَ مِلْكُ الْفُولِ بِمُجَرَّدِهِ لِلْمُشْتَرِي، وَصَارَ الْبَائِعُ فُضُولِيًّا فِي بَيْعِهِ ثَانِيًا لِغَيْرِهِ لَكِنْ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إجَازَتُهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ بَيْعَ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ بَائِعِهِ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إنْ كَانَ الْفُولُ قَائِمًا لَمْ يَفُتْ بِيَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بَلْ يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ فَسْخُ الْبَيْعِ الثَّانِي لِفَسَادِهِ لِذَا وَإِنْ فَاتَ بِهَا تَعَيَّنَ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَأْتِيَ بِقَدْرٍ مِنْ الْفُولِ مِثْلِهِ يُوفِيه لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ ابْتَاعَ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا بِعَيْنِهِ فَفَارَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَكْتَالَهُ فَتَعَدَّى الْبَائِعُ عَلَى الطَّعَامِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِطَعَامٍ مِثْلِهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ فِي أَخْذِ دَنَانِيرِهِ اهـ.
وَفِي الْمُخْتَصَرِ: وَإِنْ أَهْلَكَ بَائِعٌ صُبْرَةً عَلَى الْكَيْلِ فَالْمِثْلُ تَحَرِّيًا لِيُوَفِّيَهُ، وَلَا خِيَارَ لَك قَالَ الْخَرَشِيُّ الْمَعْنَى أَنَّ الْبَائِعَ إذَا أَهْلَكَ الصُّبْرَةَ الَّتِي بَاعَهَا عَلَى الْكَيْلِ أَوْ أَفَاتَهَا بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ كَيْلَهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِصُبْرَةٍ مِثْلِهَا عَلَى التَّحَرِّي لِيُوَفِّيَ لِلْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارٌ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ أَوْ يَتَمَسَّكَ بِهِ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ مِثْلَ صُبْرَتِهِ الَّتِي اشْتَرَاهَا لَمْ يُظْلَمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ عَنْ بِنْتٍ، وَتَرَكَتْ مَنْزِلًا فَبَاعَتْهُ الْبِنْتُ لِرَجُلٍ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ نَحْوَ سِتِّ سِنِينَ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ، وَادَّعَى أَنَّ أُمَّ الْبِنْتِ عَمَّةُ أَبِيهِ يُرِيدُ أَخْذَ مَا يَخُصُّهُ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ مَعَ الْبِنْتِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ حَاضِرٌ فِي النَّاحِيَةِ فَهَلْ يُجَابُ لِذَلِكَ حَيْثُ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يُجَابُ لِذَلِكَ حَيْثُ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ ابْنُ ابْنِ أَخِي الْمَيِّتَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِلْمَهُ بِبَيْعِ بِنْتِ عَمَّةِ أَبِيهِ الْمَنْزِلَ قَبْلَ قِيَامِهِ بِعَامٍ فَأَكْثَرَ، وَهُوَ سَاكِتٌ بِلَا مَانِعٍ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ بِحَقِّهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَهُ رَدُّ الْبَيْعِ فِي نَصِيبِهِ وَأَخْذُهُ وَلَهُ إمْضَاؤُهُ فِيهِ، وَأَخْذُ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الثَّمَنِ فَإِنْ ثَبَتَ عِلْمُهُ بِهِ قَبْلَهُ بِعَامٍ، وَهُوَ سَاكِتٌ بِلَا مَانِعٍ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْبَيْعِ فِيهِ، وَلَهُ أَخْذُ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَتَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ سَلْمُونٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ فَقَامَ حِينَ عَلِمَ أَخَذَ حَقَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ إلَّا بَعْدَ الْعَامِ، وَنَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الثَّمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَاسْتَحَقَّهُ الْحَائِزُ بِمَا ادَّعَاهُ بِدَلِيلِ حِيَازَتِهِ إيَّاهُ اهـ.
وَتَقَدَّمَ عَنْهُ أَيْضًا، وَحَالُ الْوَرَثَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَهْلِ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُمْ عَلِمُوا انْتَهَى، وَلَعَلَّك أَيُّهَا السَّائِلُ تَتَنَبَّهُ لِمَا فِي قَوْلِك أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ مَنْزِلًا مِنْ امْرَأَةٍ وَكَتَبَ بِهِ وَثِيقَةً وَمَكَثَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِ مُدَّةً مِنْ
стр. 520
السِّنِينَ، وَهُوَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِغَيْرِ إصْلَاحٍ بِالْبِنَاءِ وَالْهَدْمِ فَقَامَ الْآنَ جَمَاعَةٌ يُرِيدُونَ نَزْعَهُ، وَيَدَّعُونَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي بَاعَتْهُ وَرَثَته عَنْ أُمِّهَا، وَهُمْ عَصَبَتُهَا فَهَلْ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُمْ حِينَئِذٍ، وَالْحَالُ أَنَّهُمْ حَاضِرُونَ بِالْبَلَدِ عَالِمُونَ بِالْبَيْعِ سَاكِتُونَ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُمْ فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ نَزْعِ الْمَنْزِلِ مِنْ مُشْتَرِيه إنْ ثَبَتَ حُضُورُهُمْ مَجْلِسَ الْبَيْعِ سَاكِتِينَ بِلَا مَانِعٍ مِنْ رَدِّ الْبَيْعِ فِي نَصِيبِهِمْ، وَأَخَذَ الْبَاقِي بِالشُّفْعَةِ أَوْ لَمْ يَحْضُرُوهُ وَثَبَتَ عِلْمُهُمْ بِهِ بَعْدُ، وَسُكُوتُهُمْ بَعْدَ الْعِلْمِ عَامًا فَأَكْثَرَ بِلَا مَانِعٍ، وَالنَّصُّ بِذَلِكَ تَقَدَّمَ فِي جَوَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ بَاعَ جَارِيَةً لِآخَرَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ طَلَبَ الْبَائِعِ ثَمَنَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي فَمَاطَلَهُ فَطَلَبَ الْبَائِعُ جَارِيَتَهُ بِعَيْنِهَا فَأَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ نَجَّزَ عِتْقَهَا فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مَلِيًّا بِثَمَنِ الْجَارِيَةِ يَوْمَ طَلَبِهِ مِنْهُ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ طَلَبُ عَيْنِ الْجَارِيَةِ، وَإِنَّمَا لَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ، وَيُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى دَفْعِهِ لَهُ سَوَاءٌ أَثْبَتَ عِتْقَهُ الْجَارِيَةَ أَوْ لَمْ يُثْبِتْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَلِيٍّ بِهِ يَوْمَهُ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُ عَيْنِ جَارِيَتِهِ، وَنَقْصُ عِتْقِهِ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ قَبْلَهُ وَيَسْكُتُ، وَلَمْ يَطُلْ زَمَنُ الْعِتْقِ بِاشْتِهَارِ الْجَارِيَةِ بِالْحُرِّيَّةِ، وَثُبُوتِ أَحْكَامِهَا لَهَا بِالْإِرْثِ وَنَحْوِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي مَبْحَثِ الْعِتْقِ إنَّمَا يَلْزَمُ عِتْقٌ بِلَا حَجْرٍ، وَإِحَاطَةِ دَيْنٍ، وَلَوْ لَمْ يَحْجُرْ، وَلِغَرِيمِهِ رَدُّهُ أَوْ بَعْضُهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ، وَيَسْكُتَ أَوْ يَطُولَ لِأَنَّ الطُّولَ مَظِنَّةُ الْعِلْمِ أَوْ إفَادَةُ مَالٍ أَوْ يُفِيدُ مَالًا، وَلَوْ قَبْلَ نُفُوذِ الْبَيْعِ لِلْعَبْدِ اهـ.
وَقَالَ فِي مَبْحَثِ الْفَلَسِ: وَلِلْغَرِيمِ أَخْذُ عَيْنِ شَيْئِهِ الْمَدْفُوعِ قَبْلَ الْفَلَسِ إنْ لَمْ يُجِزْهُ الْمَيِّتُ، وَلَمْ تُفِدْهُ الْغُرَمَاءُ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلَوْ مَسْكُوكًا أَوْ آبِقًا، وَلَا شَيْءَ لَهُ إنْ لَمْ يَجِدْهُ أَوْ حَالَ سَوْقِهِ أَوْ صُبِغَ أَوْ دُبِغَ لَا ذُبِحَ أَوْ فُصِلَ أَوْ سَمِنَ أَوْ طُحِنَ أَوْ خُلِطَ بِغَيْرِ مِثْلِهِ أَوْ تَتَمَّرَ اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ اشْتَرَى مَنْزِلًا، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى سَبْعِ سِنِينَ، وَوَقْتُ تَارِيخِهِ قَامَ رَجُلٌ، وَادَّعَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ حِصَّةً فِي هَذَا الْمَنْزِلِ آلَتْ إلَيْهِ بِالْإِرْثِ مِنْ عَمَّةِ أَبِيهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِذَلِكَ هَلْ لَهُ أَخْذُ مَا يَخُصُّهُ مَجَّانًا، وَالْبَاقِي بِالشُّفْعَةِ، وَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ إنْ ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُهُ الْحِصَّةَ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَهُ أَخْذُ مَا يَخُصُّهُ مَجَّانًا، وَالْبَاقِي بِالشُّفْعَةِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ حَتَّى يُثْبِتَ الْمُشْتَرِي عِلْمَهُ بِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ بِعَامٍ، وَهُوَ سَاكِتٌ بِلَا مَانِعٍ فَإِنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ سَقَطَتْ تَبَاعَةُ الْقَائِمِ لَهُ، وَتَبِعَ الْبَائِعَ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الثَّمَنِ مَا لَمْ تَمْضِ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ، وَهُوَ سَاكِتٌ بِلَا مَانِعٍ فَإِنْ مَضَتْ لَمْ يَتْبَعْهُ بِهِ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنُ سَلْمُونٍ بِهَذَا آنِفًا فِي الْجَوَابِ عَنْ نَحْوِ هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا يَقَعُ فِي بِلَادِ الرِّيفِ يَبِيعُ الرَّجُلُ الْبَقَرَةَ بِنِتَاجِهَا أَوْ النَّعْجَةَ بِنِتَاجِهَا، وَلَمْ يُفَصِّلْ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الثَّمَنِ فَهَلْ إذَا قَامَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ يُرِيدُ إبْطَالَ الْبَيْعِ بِسَبَبِ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِانْتِفَاءِ الْجَهْلِ
стр. 521
عَنْ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا لِعِلْمِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنَّ الثَّمَنَ وَالْمُثَمَّنَ الْبَقَرَةُ وَوَلَدُهَا مَثَلًا، وَلَا يُنَافِي هَذَا عَدَمَ تَفْصِيلِ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْهَا، وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ رَجُلَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ فِي مَجْهُولِ التَّفْصِيلِ كَعَبْدَيْ رَجُلَيْنِ بِكَذَا فَمَفْهُومُهُ أَنَّ عَبْدَيْ رَجُلٍ بِكَذَا صَحِيحٌ، وَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْ مَا لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمَا مِنْ الثَّمَنِ، وَمَفْهُومٌ بِالْأَوْلَى أَيْضًا مِنْ قَوْلِ شُرَّاحِهِ مَحِلُّ الْمَنْعِ إنْ كَانَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، وَالْآخَرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا أَوْ كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةٍ مُخْتَلِفَةِ بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُشْتَرِكًا بِالنِّصْفِ، وَالْآخَرُ بِالثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ مَثَلًا أَمَّا إنْ كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ النِّصْفُ فِي كُلٍّ أَوْ ثُلُثُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِأَحَدِهِمَا، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَانِ مَثَلًا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ لِعَدَمِ الْجَهْلِ بِالتَّفْصِيلِ فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا بِالْأَوْلَى الصِّحَّةُ فِي عَبْدَيْ رَجُلٍ مَعَ عَدَمِ التَّفْصِيلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ فِي غِلَالٍ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَانِ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ، وَالْغِلَالُ تَحْتَ يَدِهِ فَبَاعَ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ نَصِيبَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، وَقَبَضَ الثَّمَنَ، وَأَحَالَهُ عَلَى شَرِيكِهِ لِيُوَفِّيَهُ ذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ قَامَ الْمُشْتَرِي مُرِيدًا إبْطَالَ الْبَيْعِ، وَأَخْذَ الثَّمَنِ مُتَعَلِّلًا بِعَدَمِ الْكَيْلِ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ جَبْرًا عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ عَقْدِهَا بِالْقَوْلِ، وَلَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ، وَلَا لُزُومُهُ عَلَى قَبْضِ ثَمَنٍ وَلَا مُثَمَّنٍ إلَّا إنْ كَانَ عَقْدُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِعْطَاءِ فَيَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى الْإِعْطَاءِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ الْبَيْعُ بِمُفِيدِ الرِّضَا، وَيَلْزَمُ مُكَلَّفًا دَخَلَ فِيهِ الْمُعَاطَاةُ فِي حَقِيرٍ وَجَلِيلٍ حَيْثُ أَفَادَتْهُ عُرْفًا كَمَا فِي الْبُنَانِيِّ، وَمِنْ جَانِبٍ لَا يَلْزَمُ قَبْلَ الْآخَرِ اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تَأَخَّرَ عَلَيْهِ مَالٌ لِلدِّيوَانِ فَطَلَبَهُ الْحَاكِمُ بِوَفَائِهِ، وَلَهُ نَخِيلٌ فَبَاعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ عَلَى التَّبْقِيَةِ، وَقُلْتُمْ بِفَسَادِهِ فَهَلْ إذَا أَرَادَ الْبَائِعُ فَسْخَهُ فَوُجِدَ الْمُشْتَرِي جَذَّ بَعْضِ الثَّمَرِ لَهُ ذَلِكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ لَهُ ذَلِكَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمَا فَسْخُهُ ثُمَّ إنْ كَانَ الْبَعْضُ الْمَجْذُوذُ قَائِمًا رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِعَيْنِهِ، وَإِلَّا رَدَّ مِثْلَهُ إنْ عَلِمَ وَزْنَهُ، وَإِلَّا رَدَّ قِيمَتَهُ سَوَاءٌ جَذَّهُ رُطَبًا أَوْ تَمْرًا عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَالْعَدَوِيُّ قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ لَا عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوْ الْإِطْلَاقِ أَيْ لَا يَبِيعُهُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ مُنْفَرِدًا عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوْ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِجَذِّهِ، وَلَا تَبْقِيَتِهِ فَلَا يَصِحُّ وَيُفْسَخُ، وَضَمَانُ الثَّمَرَةِ مِنْ الْبَائِعِ مَا دَامَتْ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ فَإِذَا جَذَّهَا رُطَبًا رَدَّ قِيمَتَهَا وَتَمْرًا رَدَّهُ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِلَّا رَدَّ مِثْلَهُ أَيْ إنْ عَلِمَ، وَإِلَّا رَدَّ قِيمَتَهُ، انْتَهَى. قَالَ مُحَشِّيهِ الْعَلَّامَةُ الْعَدَوِيُّ هَذِهِ عِبَارَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ يَرُدُّ الْقِيمَةَ كَانَ الرُّطَبُ قَائِمًا أَوْ فَائِتًا عَلِمَ وَزْنَهُ أَمْ لَا، وَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مَا قِيلَ فِي التَّمْرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلٍّ لَا يُوزَنُ فَيَرُدُّ عَيْنَهُ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِلَّا فَقِيمَتَهُ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ عِنْدَ الْجَذَاذِ مَا فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الرُّطَبِ اهـ أَقُولُ وَهُوَ كَلَامٌ ظَاهِرٌ فَلْيُعَوَّلْ عَلَيْهِ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ اسْتَوْلَى حَاكِمًا، وَقَدْ اشْتَرَى فِي زَمَنِ حُكْمِهِ حَلَّةً لِصِنَاعَةِ السُّكَّرِ مِنْ رَجُلٍ
стр. 522
لَيْسَ مِنْ بَلْدَتِهِ بِمِائَتَيْ رِيَالٍ ثُمَّ عُزِلَ مِنْ الْحُكْمِ، وَمَا زَالَ يَتَصَرَّفُ فِي تِلْكَ الْحَلَّةِ بِالْخِدْمَةِ لِلَوَازِمِ السُّكَّرِ بَعْدَ عَزْلِهِ مُدَّةَ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَالْآنَ قَامَ الْبَائِعُ يُرِيدُ إبْطَالَ الْبَيْعِ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ بَاعَهَا لَهُ بِالْجَبْرِ، وَأَنَّ الْمِائَتَيْ رِيَالٍ لَيْسَتْ قِيمَتَهَا بَلْ قِيمَتُهَا سِتُّمِائَةِ رِيَالٍ فَهَلْ لَا يُجَابُ لِذَلِكَ، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ مَضَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ، وَمَا الْحُكْمُ فِي النَّازِلَةِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ لَا يُجَابُ لِذَلِكَ، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فَإِنْ تَرَكَ الْقِيَامَ بَعْدَ زَوَالِ التَّقِيَّةِ مُدَّةً مِنْ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَمْنَعُهُ مِنْ الْقِيَامِ فَلَا قِيَامَ فِي ذَلِكَ وَلِابْنِ سَهْلٍ فِي كِتَابِهِ تَضْعِيفٌ ضَرَبَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي ذَلِكَ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ قَالَ: وَالْعَامَانِ يَكْفِيَانِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ، وَأَمَّا الْبَيْعُ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِرْعَاءُ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مَا يُتَوَقَّعُ فِيهِ، وَفِيهِ حَقٌّ لِلْمُبْتَاعِ، وَقَدْ أَخَذَ بِهِ ثَمَنًا فَلَا يُصَدَّقُ فِيهِ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْبَيْعِ وَإِلَّا بِجَافَّةِ وَالتَّوَقُّعِ فَحِينَئِذٍ يُفْسَخُ الْبَيْعُ بِالِاسْتِرْعَاءِ، وَإِلَّا فَلَا قَالَ سَحْنُونٌ: فَإِنْ أَقَامَ الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَاءِ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ رَغَّبَ إلَيْهِ فِي الْبَيْعِ أَوْ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى الطَّوْعِ صَحَّ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ الْبَائِعُ بِأَعْدَلَ مِنْهَا أَنَّهُ رَغَّبَ إلَيْهِ فِي الشِّرَاءِ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَسُئِلَ شَيْخُ مَشَايِخِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَحْمَةً وَاسِعَةً بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِيمَا إذَا عَرَضَ مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ مَرَّتَيْنِ فِي بَدَنٍ وَاحِدٍ مِثْلَ مَرَضِ الْبَقَرِ الَّذِي مَاتَ بِسَبَبِهِ، وَاشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي مَعَ الْبَائِعِ أَنَّهُ مَرِضَ وَسَلِمَ ثُمَّ ظَهَرَ خِلَافُهُ فَهَلْ يُعْمَلُ بِهَذَا الشَّرْطِ أَمْ يُلْغَى، وَإِنْ مَاتَتْ الْبَهِيمَةُ مَثَلًا بِسَبَبِهِ هَلْ يَرْجِعُ فِي ذَلِكَ لِلْقِيمَةٍ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ هَذَا الشَّرْطُ يُعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ شُرِطَ فِيهِ عَرْضٌ وَمَالِيَّةٌ يَزِيدُ الثَّمَنُ وَيَنْقُصُ بِاعْتِبَارِهِ فَإِنْ ظَهَرَ خِلَافُهُ فَلِلْمُشْتَرِي مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ الرَّدُّ، وَيَنْدَرِجُ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ، وَغَيْرِهِ، وَرُدَّ بِعَدَمِ مَشْرُوطٍ فِيهِ غَرَضٌ وَمَالِيَّةٌ، وَإِذَا هَلَكَتْ السِّلْعَةُ بِسَبَبِهِ، وَكَانَ الْبَائِعُ دَلَّسَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي إخْبَارِهِ بِحُصُولِهِ وَالسَّلَامَةِ مِنْهُ بِأَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إمَّا بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ بَعْدُ أَوْ بِبَيِّنَةٍ رَاقَبَتْهُ مُدَّةَ كَوْنِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ زَمَنَ ذَلِكَ الْمَرَضِ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ إلَّا قِيمَتُهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَمْرَضْ مُعْرِضًا لِإِصَابَةِ الْمَرَضِ لَهُ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِمَا زَادَ فِي الثَّمَنِ لِأَجْلِ مَرَضِهِ وَسَلَامَتِهِ.
إنْ قُلْت قَالُوا إذَا هَلَكَ مِنْ عَيْبِ التَّدْلِيسِ غَرِمَ الْبَائِعُ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَهِيَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي فَرَّقَ فِيهَا بَيْنَ الْمُدَلِّسِ، وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ إذَا هَلَكَ مِنْ عَيْبٍ قَدِيمٍ لَمْ يَقَعْ بِهِ تَدْلِيسٌ غَرِمَ الْبَائِعُ الْأَرْشَ فَقَطْ وَهُنَا دَلَّسَ الْبَائِعُ، وَغَرِمَ الْأَرْشَ فَقَطْ كَمَا هُوَ مُحَصَّلُ الرُّجُوعِ بِمَا زَادَ لِأَجْلِ السَّلَامَةِ قُلْت هَلَاكُهُ هُنَا بِأَمْرٍ حَدَثَ بَعْدُ لَا بِأَمْرٍ قَدِيمٍ كُتِمَ أَمَّا إذَا ثَبَتَ مَرَضُهُ وَبُرْؤُهُ قَبْلَ الشِّرَاءِ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ مَرِضَ ثَانِيًا عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَمَاتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[رَجُل اشْتَرَى بَقَرَةً مِنْ آخَرَ فَوَجَدَهَا لَا تَحْرُثُ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَيْبًا تُرَدُّ بِهِ]
(وَسُئِلَ أَيْضًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى بَقَرَةً مِنْ آخَرَ فَوَجَدَهَا لَا تَحْرُثُ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَيْبًا تُرَدُّ بِهِ، وَإِذَا قُلْتُمْ إنَّهُ عَيْبٌ فَهَلْ يَكُونُ عَيْبًا مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَوْ الْمُدُنِ، وَأَهْلُ الْمُدُنِ غَالِبًا يَقْصِدُونَ اللَّبَنَ دُونَ الْحَرْثِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ (فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الْبَقَرَةُ إذَا وَجَدَهَا الْمُشْتَرِي لَا تَحْرُثُ فَإِنْ كَانَ شَرَطَ حَرْثَهَا أَوْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرَائِنُ كَشِرَائِهَا وَقْتَ الْحَرْثِ أَوْ لِيَتَّجِرَ فِيهَا عَلَى أَهْلِ الْحَرْثِ فَهُوَ عَيْبٌ، وَإِنْ كَانَ بِقَصْدِ الْقُنْيَةِ لِلَّبَنِ فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
стр. 523
أَيْضًا بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ أَوْلَادًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَوَضَعَ الذُّكُورُ أَيْدِيَهُمْ عَلَى التَّرِكَةِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ الْحِيَازَةِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْإِنَاثَ يَعْلَمْنَ بِالْبَيْعِ وَهُنَّ سَاكِتَاتٌ لَا يَتَكَلَّمْنَ فَهَلْ بَيْعُ الذُّكُورِ صَحِيحٌ مَاضٍ عَلَى الْإِنَاثِ، وَإِذَا قُلْتُمْ بِمُضِيِّهِ فَهَلْ لَهُنَّ نَصِيبُهُنَّ مِنْ الثَّمَنِ مُطْلَقًا طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ، وَهَلْ لَهُنَّ قَسْمُ بَاقِي التَّرِكَةِ مَعَ الذُّكُورِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ. (فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ تَصَرُّفُ الذُّكُورِ مِنْ الْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ مَعَ سُكُوتِ الْإِنَاثِ مِنْهُمْ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ قَدْ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ لِلسَّدَادِ، وَأَلْهَمَنَا الرَّشَادَ أَنَّ مِنْ أُصُولِ الْمَذْهَبِ الْعَادَةُ كَالشَّرْطِ، وَلِذَلِكَ نَزَّلُوا الْعَادَةَ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ بِالْوَكَالَةِ فِي بَابِ الضَّحِيَّةِ فَحَكَمُوا بِصِحَّةِ ذَبْحِهَا ضَحِيَّةً مِنْ قَرِيبِ الْمُضَحِّي الَّذِي عَادَتُهُ تَعَاطِي أُمُورِهِ كَمَا قَالَ سَيِّدِي خَلِيلٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَابِ الضَّحِيَّةِ وَصَحَّ إنَابَةٌ بِلَفْظٍ أَوْ بِعَادَةٍ كَقَرِيبٍ مَعَ أَنَّهُمْ شَدَّدُوا فِي الْعِبَادَاتِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ حَيْثُ أَلْحَقُوا الْجَاهِلَ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ بِالْعَامِدِ، وَجَعَلُوا الْغَلَّةَ فِي الْمُعَامَلَاتِ لِذِي الشُّبْهَةِ عَذَرُوهُ بِجَهْلِهِ، وَنَصُّوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ كَبِيرَ الْإِخْوَةِ الْقَاصِرِينَ إذَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَصَرُّفِهِ لِإِخْوَتِهِ يَنْزِلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ إيصَاءِ الْأَبِ لَهُ، وَبِمُضِيِّ تَصَرُّفِهِ مَعَ التَّشْدِيدِ الزَّائِدِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَيْضًا بِأَنَّ الْإِنَاثَ لَا يُعَارِضْنَ الْإِخْوَةَ الذُّكُورَ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِنَّ خُصُوصًا فِي بِلَادِ الْأَرْيَافِ، وَأَوْلَادُ مَشَايِخِ الْعَرَبِ، وَالنَّاسُ الْأَغْنِيَاءُ، وَالْبُيُوتُ الْكِبَارُ يَسْتَقْبِحُونَ ذَلِكَ غَايَةَ الِاسْتِقْبَاحِ، وَلَا يَحْصُلُ بَيْنَهُمْ مُشَاحَّةٌ بَلْ يَسْكُتُونَ، وَإِخْوَتُهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُنْزَلُوا مَنْزِلَةَ الْوُكَلَاءِ لِلْإِنَاثِ، وَلَا يَكُونُوا حَائِزِينَ عَلَيْهِنَّ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُنَّ بِذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ أَصْلَ الْمَالِ تَرِكَةٌ مُشْتَرَكَةٌ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَغَيْرُهُ: وَالْحِيَازَةُ لَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ وَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُقَوِّيه، وَلِذَلِكَ قَالُوا لَا بُدَّ مِنْ دَعْوَى الْمِلْكِيَّةِ مِنْ الْحَائِزِ أَمَّا كَوْنُهُ يَأْتِي لِمَالٍ مَعْلُومٍ مَلَّكَهُ لِغَيْرِهِ ثُمَّ يَقُولُ هُوَ لِي بِحِيَازَتِي فَلَا، فَاَلَّذِي يَخْلُصُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ حِيَازَةَ الذُّكُورِ فِي الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ إرْفَاقٌ وَإِمْتَاعٌ مِنْ الْإِنَاثِ، وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْحِيَازَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَمْنَعُ مِنْ دَعْوَى الْإِرْفَاقِ بِإِسْكَانٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْإِنَاثِ، وَأَمَّا إنْ حَصَلَ مِنْهُمْ بَيْعٌ مَثَلًا مَعَ سُكُوتِ الْإِنَاثِ فَيُنْزَلُونَ مَنْزِلَةَ الْوُكَلَاءِ عَلَيْهِنَّ نَظَرًا لِلْعَادَةِ كَمَا عَرَفْت فَيَلْزَمُ الْبَيْعُ، وَلَهُنَّ نَصِيبُهُنَّ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَهُنَّ قَسْمُ بَاقِي التَّرِكَةِ مَعَ الذُّكُورِ. نَعَمْ إذَا ادَّعَى الذُّكُورُ دَفْعَ الثَّمَنِ لِلْإِنَاثِ جَرَى عَلَى دَعْوَى الْوَكِيلِ الدَّفْعُ أَوْ ادَّعَوْا الْمُسَامَحَةَ يَثْبُتُونَهَا فَهَذِهِ أَحْكَامٌ أُخْرَى، وَأَمَّا إسْقَاطُ حَقِّ الْإِنَاثِ بِمُجَرَّدِ حِيَازَةِ الذُّكُورِ، وَتَصَرُّفِهِمْ فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ أَفْتَيْت سَابِقًا بِعَدَمِ لُزُومِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ لِلْإِنَاثِ إذَا كَانَ الْمَانِعُ لَهُنَّ مِنْ الْكَلَامِ لُحُوقَ الْعَارِ، وَخَوْفَ حُدُوثِ الْعَدَاوَةِ، وَتَرْكَ النُّصْرَةِ لَهُنَّ، وَلَعَلَّهَا لَا تُنَافِي فَتْوَى الْأُسْتَاذِ بِلُزُومِهِ لَهُنَّ لِحَمْلِهَا عَلَى سُكُوتِهِنَّ لِرِضَاهُنَّ، وَطِيبِ أَنْفُسِهِنَّ بِتَصَرُّفِ الذُّكُورِ لَا لِلْمَانِعِ الْمَذْكُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي رَجُلٍ بَاعَ لِآخَرَ سِلْعَةً لِأَجَلٍ فَأَخَذَ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ، وَبَاعَهَا لِآخَرَ، وَبَعْدَ مُضِيِّ الْأَجَلِ طَلَبَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ ثَمَنَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ فَادَّعَى أَنَّ السِّلْعَةَ خَسِرَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَعْلَى أَصْنَافِ جِنْسِ السِّلْعَةِ، وَطَلَبَ مِنْ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ فَقَالَ الْبَائِعُ إنَّمَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى الْحَاضِرِ الْمَنْظُورِ لَا عَلَى أَعْلَى صِنْفِهَا، وَأَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ، وَهَلْ يَكُونُ الْمُشْتَرِي بِبَيْعِ السِّلْعَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الْعَيْبِ لَهُ قَابِلًا لَهَا بِعَيْبِهَا بِالثَّمَنِ كُلِّهِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ سُكُوتُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ظُهُورِ
стр. 524
الْعَيْبِ لَهُ، وَبَيْعُهُ السِّلْعَةَ بِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ بِهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ فَيُجْبَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا ﵁ بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ صَارِيًا ثُمَّ بَاعَهُ لِآخَرَ، وَأَقَامَهُ الثَّانِي فِي مَرْكَبِهِ، وَبَعْدَ سِنِينَ قَامَ عَمُّ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ، وَادَّعَى أَنَّهُ الْمَالِكُ لِلصَّارِي، وَأَنَّ ابْنَ أَخِيهِ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ يُرِيدُ نَقْضَ الْبَيْعِ فَهَلْ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ حُضُورِهِ، وَعَدَمِ عُذْرِهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَهُ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ إنَّ الْمُدَّعِيَ الْمَذْكُورَ عَلِمَ بِالْبَيْعِ وَسَكَتَ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ بِلَا عُذْرٍ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَيُمْنَعُ قَهْرًا عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا ﵀ بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي رَجُلٍ بَاعَ لِآخَرَ جَارِيَةً، وَتَرَاضَى مَعَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ بِثَمَنِهَا عَرْضًا بِعَقْدٍ آخَرَ، وَفَعَلَ، وَكَانَ بِيَدِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْجُذَامَ رَآهُ الْمُشْتَرِي، وَرَضِيَ بِهِ ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ ادَّعَى أَنَّهُ جُذَامٌ، وَأَنَّهُ كَانَ يَجْهَلُهُ يَوْمَ رُؤْيَتِهِ، وَيَظُنُّهُ شَيْئًا آخَرَ، وَلِذَلِكَ رَضِيَ بِهِ، وَأَرَادَ رَدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ فَهَلْ عِلْمُهُ بِكَوْنِ هَذَا مِنْ عُمُومِ الْعَيْبِ مَعَ جَهْلِ حَقِيقَتِهِ يَمْنَعُهُ مِنْ رَدِّهَا، وَهَلْ عَقْدُ الْعَرْضِ بِثَمَنِهَا عَلَى فَرْضِ أَنَّ لَهُ رَدَّهَا لِصَاحِبِهَا فَسَخَهُ لِكَوْنِهِ غَبْنٌ فِيهِ لِأَجْلِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ بَدَلُ هَذَا الْعَرْضِ إذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ إذَا كَانَ الْبَائِعُ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا جُذَامٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ جُذَامٌ، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ هُوَ جُذَامٌ حَلَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ جَهِلَ أَنَّهُ جُذَامٌ، وَلَهُ رَدُّ الْجَارِيَةِ لِأَنَّ الْبَائِعَ إذَا عَلِمَ الْعَيْبَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ حَقِيقَتَهُ تَفْصِيلًا، وَإِلَّا كَانَ غَاشًّا، وَإِذَا رُدَّتْ الْجَارِيَةُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَرْضِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ يَدِهِ أَوْ بَدَلِهِ إنْ فَاتَ لِأَنَّهُمَا لَمَّا شَرَطَا ذَلِكَ قَبْلَ الْبَيْعِ صَارَ الثَّمَنُ الَّذِي خَرَجَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي، وَعَادَ إلَيْهَا كَالْعَدَمِ عَلَى قَاعِدَةِ الْمَذْهَبِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي امْرَأَةٍ لَهَا أُخْتٌ قَاصِرَةٌ بَاعَتَا شَجَرًا لَهُمَا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ الْقَاصِرَةُ، وَبَلَغَتْ، وَمَضَتْ مُدَّةٌ مِنْ السِّنِينَ، وَهِيَ بَالِغَةٌ سَاكِتَةٌ هِيَ، وَزَوْجُهَا مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ يَمْنَعُهَا مِنْ الرَّدِّ ثُمَّ أَرَادَتْ الرُّجُوعَ فَهَلْ لَا تُجَابُ لِذَلِكَ، وَيُعَدُّ سُكُوتُهَا الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ رِضًا مِنْهَا بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ سَكَتَتْ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ بَعْدَ رُشْدِهَا بِلَا عُذْرٍ فَلَا رَدَّ لَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا نَصُّهُ) مَا قَوْلُكُمْ فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ زَوْجَةٍ وَعَمٍّ، وَتَرَكَ دَارًا، وَعَلَيْهِ لِزَوْجَتِهِ دَيْنٌ شَرْعِيٌّ فَبَاعَتْ الزَّوْجَةُ الدَّارَ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ فَسَكَنَهَا الْمُشْتَرِي، وَصَارَ يَهْدِمُ وَيَبْنِي فِيهَا مُدَّةَ عَشْرِ سِنِينَ، وَالْعَمُّ حَاضِرٌ سَاكِتٌ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ، وَبَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ أَرَادَ إبْطَالَ الْبَيْعِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ فَهَلْ لَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ، وَيُمْنَعُ مِنْ تَعَرُّضِهِ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ عَلِمَ الْعَمُّ بِالْبَيْعِ، وَسَكَتَ بَعْدَ عِلْمِهِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ بِلَا عُذْرٍ فَلَا يَسُوغُ إبْطَالُ الْبَيْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَمَّنْ بَاعَ نِصْفَ فَرَسٍ، وَشَرَطَ أَنَّ ثَمَنَهَا مِنْ ظَهْرِهَا، وَكُلْفَتَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ النَّيْلِ لِكَوْنِهَا لَهَا بَالٌ فَهَلْ إذَا رَدَّ هَذَا الْعَقْدَ قَبْلَ الْمَفُوتِ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالْكُلْفَةِ، وَإِنْ فَاتَ فَهَلْ يَمْضِي بِالثَّمَنِ، وَفَوْتُهُ بِأَيِّ شَيْءٍ.
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالْكُلْفَةِ، وَإِذَا فَاتَ مَضَى بِالْقِيمَةِ، وَفَوَاتُهُ بِحَوَالَةِ السَّوْقِ أَوْ مُكْثِ الْحَيَوَانِ شَهْرًا بِيَدِ الْمُشْتَرِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَاعَ نِصْفَ دَابَّةٍ وَالثَّمَنُ مِنْ أَوْلَادِهَا]
(وَسُئِلَ أَيْضًا) عَمَّنْ بَاعَ نِصْفَ دَابَّةٍ، وَالثَّمَنُ مِنْ أَوْلَادِهَا.
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ يُرَدُّ، وَهُوَ مِنْ حَبَلِ الْحَبَلَةِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ الشَّارِعُ، وَإِذَا فَاتَ مَضَى بِالْقِيمَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا) عَنْ بَيْعِ نِصْفِ حِصَّةِ زَرْعٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الطَّعَامِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي دَفْعَ قَدْرٍ مَعْلُومٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ كُلَّ يَوْمٍ إلَى
стр. 525
تَمَامِ نِتَاجِ الزَّرْعِ وَسِقَايَتِهِ وَتَنْقِيَتِهِ وَجَمِيعِ عِلَاجِهِ إلَى أَنْ يَمْلِكَهُ لَهُ فَهَلْ هَذَا الْبَيْعُ فَاسِدٌ إذَا قُلْتُمْ بِفَسَادِهِ فَهَلْ يَمْضِي بِبُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَيُقْضَى لِلْمُشْتَرِي بِهِ.
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ خُصُوصًا إذَا كَانَ الثَّمَنُ طَعَامًا لِأَنَّهُ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ، وَلَا يَمْضِي إلَّا إذَا سَلِمَ مِنْ الرِّبَا بِأَنْ كَانَ الْمُثَمَّنُ غَيْرَ طَعَامٍ، وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي الزَّرْعَ، وَكَانَ الْعَقْدُ بَعْدَ الْإِفْرَاكِ، وَقَبْلَ الْيُبْسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا) عَمَّنْ أَعْطَى نِصْفَ دَابَّةٍ فِي نَظِيرِ كُلْفَتِهَا
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ لِلْجَهْلِ بِالثَّمَنِ قَدْرًا أَوْ أَجَلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا) عَمَّنْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ أَوْ رَهَنَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى التَّعَاقُبِ، وَلَمْ يَعْلَمْ السَّابِقُ.
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ عَلَى السَّبْقِيَّةِ، وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَاعِدَةِ مَالٍ تَنَازَعَهُ اثْنَانِ، وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ اشْتَرَى حَيَوَانًا بَتًّا مِنْ آخَرَ مِنْ بَلْدَةٍ أُخْرَى، وَالْحَالُ أَنَّ الْحَيَوَانَ بِتِلْكَ الْبَلْدَةِ يَمْرَضُ بِمَرَضٍ مَخْصُوصٍ فَيَمُوتُ بِهِ غَالِبًا، وَلَمْ يُعْلِمْهُ الْبَائِعُ بِذَلِكَ فَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَرِضَ الْحَيَوَانُ بِذَلِكَ الْمَرَضِ، وَمَاتَ فَهَلْ يَكُونُ الْبَائِعُ غَاشًّا، وَيَضْمَنُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ هَذَا الْبَائِعُ غَاشٌّ، وَمُدَلِّسٌ لِأَنَّ الْعُيُوبَ فِي الْمَبِيعِ بِحَسَبِ مَا عِنْدَ النَّاسِ لَا بِحَسَبِ حُكْمِ الشَّرْعِ فَمَتَى كَانَ الْمَبِيعُ بِحَالٍ لَوْ عَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي لَزَهِدَ فِيهِ أَوْ قَلَّتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ بَيَانُهُ فَإِنْ كَتَمَهُ كَانَ مُدَلِّسًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَ الْحَيَوَانِ مِنْ بَلَدٍ كَثُرَ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ فِي حَيَوَانَاتِهِ أَمْرٌ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي لَزَهِدَ فِيهِ أَوْ قَلَّتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ، وَيَضْمَنُ الْبَائِعُ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ الْقَدْرَ الَّذِي زَادَهُ ثَمَنُ هَذَا الْمُشْتَرِي الْغَيْرِ الْعَالِمِ بِمَا ذُكِرَ عَلَى ثَمَنِ مَنْ يَشْتَرِي بِهِ عَالِمًا بِهِ تَقْدِيرًا لَا جَمِيعَ الثَّمَنِ لِأَنَّ هَلَاكَ الْمَبِيعِ بِأَمْرٍ حَدَثَ لَا بِأَمْرٍ قَدِيمٍ كُتِمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي جَوَابِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا خَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ الْأَمِيرِ فَرَاجِعْهُ.
وَفِي الْمِعْيَارِ سُئِلَ ابْنُ لُبٍّ عَنْ ثَوْبِ الْمَيِّتِ بِالْوَبَاءِ، فَأَجَابَ: تَوَهُّمُ كَوْنِهِ عَيْبًا فِي السِّلْعَةِ فِي بَابِ الْبَيْعِ إنْ كَانَ قَدْ اشْتَهَرَ وَأَثَّرَ كَرَاهِيَةً فِي النَّفْسِ بِحَيْثُ إذَا ذَكَرَهُ الْبَائِعُ كَانَ ذِكْرُهُ عَائِدًا عَلَيْهِ بِنَقْصٍ فِي الثَّمَنِ أَوْ يَزْهَدُ فِي السِّلْعَةِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ عَيْبٌ لِأَنَّ الْعُيُوبَ فِي السِّلَعِ بِحَسَبِ مَا عِنْدَ النَّاسِ لَا بِحَسَبِ حُكْمِ الشَّرْعِ انْتَهَى.
وَفِيهِ أَيْضًا سُئِلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ إذَا اسْتَشْعَرَ النَّاسُ قَطْعَ السِّكَّةِ، وَحَصَلَ مِنْهَا شَيْءٌ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسْرِعَ فِي إخْرَاجِهَا قَبْلَ قَطْعِهَا أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ إذَا وَجَبَتْ لِأَحَدٍ فَامْتَنَعَ مِنْ أَخْذِهَا هَلْ يُجْبِرُهُ الْقَاضِي أَمْ لَا فَأَجَابَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِسْرَاعُ فِي إخْرَاجِهَا، وَيُلْزِمُ جَبْرًا مَنْ أَبَاهَا، وَعِنْدِي أَنَّهَا تَتَخَرَّجُ عَلَى مَسْأَلَةِ قَضَاءِ الْمِدْيَانِ إذَا أَرَادُوا أَنْ يُفَلِّسُوهُ فَمَنْ يُجِيزُ الْأَخْذَ مِنْهُ خَشْيَةَ التَّفْلِيسِ يُجِيزُ هَذَا، وَمَنْ مَنَعَ يُمْنَعُ هَذَا، وَمَنْ يَقُولُ إذَا تَحَدَّثُوا فِي تَفْلِيسِهِ فَلَا يَجُوزُ هُنَا إذَا تَحَدَّثُوا فِي قَطْعِهَا إخْرَاجُهَا، وَإِذَا لَمْ يَتَحَدَّثْ يَجُوزُ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى لَطَفَ اللَّهُ بِهِ) عَمَّنْ بَاعَ نِصْفَ بَهِيمَةٍ لِآخَرَ لِأَجَلٍ مَجْهُولٍ يَكُونُ الثَّمَنُ فِي قَرْنِهَا أَوْ أَوْلَادِهَا، وَبَقِيَتْ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ، وَلَمْ تَخْرُجْ إلَّا فِي لَيْلَةِ حِلَابِ الْمُشْتَرِي نَصِيبَهُ مَعَ شَرْطِ الْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي الرَّعْيَ وَالسَّقْيَ وَالْعَلْفَ لَهَا وَالْبَيَاتِ بِدَارِهِ، وَلَمْ يَحْصُلْ إلَّا بَعْضُ ذَلِكَ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ ثُمَّ تَرَكَ الْمُشْتَرِي الْحِلَابَ وَغَيْرَهُ، وَبَقِيَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ يَسْتَبِدُّ بِمَنَافِعِهَا وَنَفَقَتِهَا، وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَتَصَرَّفَ فِيهَا فَمَنَعَهَا الْبَائِعُ فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ تَأْجِيلُ الثَّمَنِ بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ يُفْسِدُ الْبَيْعَ فَيَجِبُ فَسْخُهُ إنْ لَمْ يَفُتْ
стр. 526
فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَحَيْثُ بَقِيَ الْمَبِيعُ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ فَلَا حَقَّ فِيهِ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا مُطَالَبَةَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَا مُطَالَبَةَ لِلْبَائِعِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَا تَجْدِيدَ عَقْدٍ الْآنَ عَلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ الشَّرْعَ فَلَهُمَا ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا لَطَفَ اللَّهُ بِهِ) عَنْ رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ آخَرَ دَرَاهِمَ لِيَشْتَرِيَ بِهَا بَهِيمَةً تَكُونُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا، وَيَصْبِرَ عَلَيْهِ بِنِصْفِهَا فَذَهَبَ، وَاشْتَرَى بِغَيْرِ حَضْرَةِ دَافِعٍ الدَّرَاهِمَ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّ الْبَهِيمَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهَا لِآخَرَ، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ إلَّا النِّصْفَ بِنِصْفِ الدَّرَاهِمِ فَهَلْ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ خَائِنٌ فَيَكُونُ تَصَرُّفُهُ بَاطِلًا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ إشْهَادُ آخِذِ الدَّرَاهِمِ بِأَنَّ الْبَهِيمَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَافِعِ الدَّرَاهِمِ نِصْفَيْنِ يُثْبِتُ نِصْفَهَا لِدَافِعِ الدَّرَاهِمِ فَحَيْثُ ثَبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ غَيْرَ النِّصْفَ صَارَ لَا مِلْك لِآخِذِ الدَّرَاهِمِ فِي الْبَهِيمَةِ أَصْلًا فَبَيْعُهُ بَيْعٌ فُضُولِيٌّ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْإِشْهَادِ الثَّانِي لِتَبَيُّنِ كَذِبِ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ فَيُخَيَّرُ دَافِعُ الدَّرَاهِمِ فِي إمْضَاءِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ وَرَدِّهِ، وَأَخْذِ نِصْفِ الْبَهِيمَةِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ، وَيُطَالِبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَرَاهِمِ السَّلَفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا يَقَعُ فِي بِلَادِ الْأَرْيَافِ يَبِيعُ الرَّجُلُ لِآخَرَ نِصْفَ الْبَهِيمَةِ الصَّغِيرَةِ، وَالْعَادَةُ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى النِّصْفَ هُوَ الَّذِي يُنْفِقُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ تَبْلُغَ حَدَّ الِانْتِفَاعِ بِهَا فَإِمَّا أَنْ تُبَاعَ، وَإِمَّا أَنْ تُتْرَكَ لَهُ يَنْتَفِعُ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَمُوتَ فَإِنْ بِيعَتْ قَبْلَ الِانْتِفَاعِ بِهَا قَوَّمَا النَّفَقَةَ الَّتِي أُنْفِقَتْ عَلَيْهَا، وَأَخَذَ الْمُنْفِقُ قِيمَةَ نَفَقَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ تَرَكَهَا لَهُ، وَانْتَفَعَ بِهَا بِقَدْرِ مُدَّةِ النَّفَقَةِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ مَاتَتْ لَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَخَافُ مِنْ هَذِهِ الْكُلْفَةِ فَيُعْطِي نِصْفَهَا بِلَا ثَمَنٍ عَلَى أَنَّهُ يَبِيعُهَا مَتَى شَاءَ، وَلَا كُلْفَةَ لِصَاحِبِهَا فَهَلْ ذَلِكَ صَحِيحٌ أَوْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ هَذَا الْبَيْعُ فَاسِدٌ لِأَنَّ جَرَيَانَ الْعَادَةِ بِإِنْفَاقِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ رُجُوعَهُ كَاشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَهُوَ شَرْطٌ يُخِلُّ بِالثَّمَنِ، وَيُفْسِدُ الْعَقْدَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يَعُودُ لَهُ مِثْلَ مَا أَنْفَقَ أَوْ غَلَّةً بِقَدْرِهِ أَوْ أَزْيَدَ، وَحَيْثُ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا فَإِنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الْفَوَاتِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى الْإِنْفَاقِ مَعًا، وَإِنْ فَاتَ بِحَوَالَةِ سَوْقٍ فَأَعْلَى مُضِيٍّ بِالْأَكْثَرِ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ، وَرَجَعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِمَا يَنْوِيه مِنْ النَّفَقَةِ، وَإِنْ اسْتَغَلَّ حُوسِبَ، وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ فَاسِدَةٌ تُفْسَخُ قَبْلَ الْفَوَاتِ، وَتَمْضِي بَعْدَهُ بِالْقِيمَةِ، وَيُنْفِقُ كُلٌّ عَلَى حِصَّتِهِ عِنْدَ الْفَوَاتِ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي شَأْنِ أُنَاسٍ يَبِيعُونَ الْأَنْعَامَ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ يَظْهَرُ فِي بَاطِنِهَا غِشٌّ فَهَلْ لَا يُجَابُ الْمُشْتَرِي لِرَدِّ الْبَيْعِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَا رَدَّ بِمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا بِتَغَيُّرٍ لِلْمَبِيعِ، وَلَا يُعْتَبَرُ ظُهُورُ الْعَلَامَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْغِشِّ فِيهَا بِوَاسِطَةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.
وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الرَّدِّ فَهَلْ الْعُرْفُ الْجَارِي بِأَنَّ الْأَنْعَامَ إذَا بِيعَتْ وَظَهَرَ فِيهَا بِالْعَلَامَةِ الْمَذْكُورَةِ غِشٌّ بِالرَّدِّ فِي مِائَةِ يَوْمٍ وَأَرْبَعَةٍ مِنْ الْبَيْعِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا يُجَابُ الْمُشْتَرِي لِلرَّدِّ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَرُدُّ بِمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا بِتَغَيُّرٍ فِي ذَاتِ الْمَبِيعِ لَكِنَّ الْعُرْفَ الْجَارِيَ بِالرَّدِّ بِهِ يُعْمَلُ بِهِ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْحَطَّابُ وَمَنْ تَبِعَهُ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ شَرْطِ الرَّدِّ بِهِ الَّذِي يَعْلَمُ بِهِ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ سَيِّدِي خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ شُرَّاحُ مُخْتَصَرِهِ وَسَلَّمُوهُ، وَعِبَارَةُ الْخَرَشِيِّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ، وَمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا بِتَغَيُّرٍ كَسُوسِ الْخَشَبِ وَالْجَوْزِ وَمُرُّ قِثَّاءٍ يَعْنِي أَنَّ مَا لَا يُطَّلَعُ عَلَى وُجُودِهِ إلَّا بِتَغَيُّرِ ذَاتِ الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَيْبًا
стр. 527
عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَا قِيمَةَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُ كَخُضْرَةِ بَطْنِ الشَّاةِ، وَكُسُوسِ الْخَشَبِ بَعْدَ شَقِّهِ، وَفَسَادِ بَاطِنِ الْجَوْزِ، وَمُرِّ الْقِثَّاءِ، وَنَحْوِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الرَّدَّ بِهِ فَيُعْمَلُ بِشَرْطِهِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ غَرَضٌ، وَمَالِيَّةٌ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ، وَالْعَادَةُ كَالشَّرْطِ انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ الشَّبْرَخِيتِيِّ: وَلَا رَدَّ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى مَا أَيُّ عَيْبٍ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إلَّا بِتَغَيُّرٍ فِي ذَاتِ صَاحِبِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُ كَخُضْرَةِ بَاطِنِ الشَّاةِ، وَكُسُوسِ الْخَشَبِ بَعْدَ شَقِّهِ، وَظَاهِرُهُ كَانَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ أَوْ طَارِئًا مِنْ وَضْعِهِ فِي مَكَان نَدِيٍّ كَانَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ ثُمَّ قَالَ: وَكَفَسَادِ بَاطِنِ الْجَوْزِ هِنْدِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، وَالتِّينِ، وَمُرِّ قِثَّاءٍ، وَفَقُّوسٍ، وَخِيَارٍ، وَعَدَمِ اسْتِوَاءِ بِطِّيخٍ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الرَّدَّ بِهِ فَيَعْمَلَ بِشَرْطِهِ لِأَنَّهُ شَرَطٌ فِيهِ غَرَضٌ وَمَالِيَّةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ بَحْثًا حَيْثُ قَالَ: وَانْظُرْ إذَا بَنَيْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ نَفْيِ الرَّدِّ فَاشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ إنْ وَجَدَهُ مُرًّا، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَطَ الرَّدَّ فِي الْبِطِّيخِ إنْ وَجَدَهُ غَيْرَ مُسْتَوٍ هَلْ يُوَفِّي بِشَرْطِهِ أَمْ لَا، وَالْأَظْهَرُ الْوَفَاءُ بِهِ انْتَهَى، وَالْعَادَةُ كَالشَّرْطِ.
وَفِي حَاشِيَةِ الْفِيشِيِّ أَنَّ إنْكَارَ مَالِكٍ لِرَدِّهِ يُضْعِفُ بَحْثَ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّ إنْكَارَ الْإِمَامِ لِلرَّدِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ، وَبَحْثُ الْمُصَنِّفِ مَعَ الشَّرْطِ، وَلِذَا قَالَ الْحَطَّابُ: وَانْظُرْ إذَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالرَّدِّ بِذَلِكَ هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ أَمْ لَا لِقَوْلِهِ فِي الْأُمِّ: وَأَهْلُ السُّوقِ يَرُدُّونَهُ إذَا وَجَدُوهُ مُرًّا، وَلَا أَدْرِي بِمَ رَدُّوا ذَلِكَ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ اشْتَرَى جَامُوسَةً ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ قَالَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ إنَّ بِهَا غِشًّا بِعَلَامَةٍ دَالَّةٍ عَلَيْهِ مِنْ سُهُولَةِ نَتْفِ شَعْرٍ أَوْ نَتْفِ فَرْجٍ أَوْ غُمَاصِ عَيْنٍ فَهَلْ إذَا أَرَادَ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ بِهِ مُسْتَنِدًا لِقَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَعَ أَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِالرَّدِّ، وَالْحَالُ أَنَّ الْجَامُوسَةَ حَيَّةٌ لَمْ تُذْبَحْ، وَلَمْ يُطَّلَعْ عَلَى الْغِشِّ إلَّا بِتَغَيُّرِ ذَاتِهَا بِالذَّبْحِ يُجَابُ لِذَلِكَ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يُجَابُ لِذَلِكَ، وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ تَغَيُّرِ بَاطِنِ الْحَيَوَانِ قَوْلُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْمُسْتَنِدُ لِلْعَلَامَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَبْحِهِ وَشَقِّ جَوْفِهِ حَيْثُ كَانَ الْعُرْفُ جَارِيًا بِالرَّدِّ بِهِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْحَطَّابُ، وَمَنْ تَبِعَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ بَاعَ جَارِيَةً عَلَى الْبَتِّ، وَلَمْ يَحْصُلْ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ شَرْطٌ بِالْخِيَارِ ثُمَّ إنَّهَا مَكَثَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مُدَّةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ بَاعَهَا الْآخَرُ فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ أَصَابَهَا صَرْعُ جَانٍّ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ هَذَا الدَّاءَ كَانَ بِهَا، وَهِيَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ فَهَلْ لَا تُرَدُّ الْجَارِيَةُ إلَّا إذَا أَثْبَتَ الْمُشْتَرِي بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ هَذَا الدَّاءَ كَانَ بِهَا، وَهِيَ عِنْدَ الْبَائِعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَإِذَا نَطَقَ الْجَانُّ، وَقَالَ إنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِهَا عِنْدَ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ فَهَلْ لَا يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ حَيْثُ لَمْ يُقِمْ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ حَيْثُ لَمْ يُقِمْ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِنُطْقِ الْجَانِّ، وَلَا شَهَادَتِهِ لِلْمُشْتَرِي إذْ يُمْكِنُ أَنَّهُ تَصَنُّعٌ مِنْ الْجَارِيَةِ لِكَرَاهَتِهَا الْمُشْتَرِي، وَعَلَى فَرْضِ تَحَقُّقِ أَنَّهُ مِنْ الْجَانِّ فَمِنْ أَيْنَ لَنَا إسْلَامُهُ وَعَدَالَتُهُ عَلَى أَنَّ فِسْقَهُ ثَابِتٌ بِتَعَدِّيهِ عَلَى الْأَمَةِ وَصَرْعِهِ إيَّاهَا ثُمَّ رَأَيْت فِي الْمِعْيَارِ عَنْ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْمَصْرُوعِ كَلَامُ نَفْسِ الْمَصْرُوعِ لَا كَلَامُ الْجِنِّ إنَّمَا الْجِنُّ يَتَسَبَّبُ فِي خَيَالَاتٍ وَتَمْثِيلَاتٍ وَخَوَاطِرَ فِي
стр. 528
قَلْبِ الْمَصْرُوعِ يَتَكَلَّمُ بِحَسَبِهَا وَيَتَحَرَّكُ كَذَلِكَ كَالنَّائِمِ.
قَالَ: وَأَمَّا إخْبَارُهُ بِالْغَيْبِ فَسَبَبُهُ أَنَّ مَا كَانَ، وَمَا يَكُونُ مَسْطُورٌ ثَابِتٌ فِي شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَارَةً يُسَمَّى لَوْحًا، وَتَارَةً إمَامًا، وَتَارَةً كِتَابًا، وَثُبُوتُ الْأَشْيَاءِ فِيهِ كَثُبُوتِ الْقُرْآنِ فِي دِمَاغِ الْحَافِظِ، وَلَيْسَ مِثْلَ الرُّقُومِ الْمَكْتُوبَةِ الْمَرْئِيَّةِ فِي جِسْمٍ مُثَنَّاةٍ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُتَنَاهِي لَا يُكْتَبُ فِي الْمُتَنَاهِي هَذِهِ الْكِتْبَةَ الظَّاهِرَةَ، وَالْقَلْبُ مِثْلُ الْمِرْآةِ، وَاللَّوْحُ مِثْلُ الْمِرْآةِ بَيْنَ حِجَابٍ فَإِذَا ارْتَفَعَ الْحِجَابُ تَرَاءَى الصُّوَرَ الَّتِي فِي اللَّوْحِ، وَالْحِجَابُ هُوَ الشُّغْلُ، وَالْقَلْبُ بِالدُّنْيَا مَشْغُولٌ، وَأَكْثَرُ اشْتِغَالِهِ الْفِكْرُ فِيمَا يُورِدُهُ الْحِسُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مِنْ الْحَوَاسِّ فِي شُغْلٍ دَائِمٍ فَإِذَا رَكَدَتْ الْحَوَاسُّ بِنَوْمٍ أَوْ صَرْعٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ فَسَادِ الْأَخْلَاطِ شُغْلٌ آخَرُ بِالْبَاطِنِ رُبَّمَا تَرَاءَى فِي الْقَلْبِ بَعْضُ تِلْكَ الصُّوَرِ الْمَكْتُوبَةِ فِي اللَّوْحِ، وَتَحْقِيقُ هَذَا يَطُولُ، وَقَدْ أَشَرْت إلَى مَا صَحَّ مِنْهُ فِي كِتَابِ عَجَائِبُ الْقَلْبِ، وَلِذَلِكَ يَظْهَرُ عِنْدَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ حَتَّى يَنْكَشِفَ لِلْإِنْسَانِ مَوْضِعُهُ مِنْ الْجَنَّةِ فَتَكُونَ الْبُشْرَى أَوْ مِنْ النَّارِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَتَكُونَ الْأُخْرَى لِأَنَّ الْحَوَاسَّ تَرْكُدُ فِي مُقَدِّمَاتِ الْمَوْتِ قَبْلَ زُهُوقِ الرُّوحِ انْتَهَى، وَعَلَى هَذَا فَعَدَمُ الْعَمَلِ بِكَلَامِ الْجَارِيَةِ حَالَ صَرْعِهَا ظَاهِرٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ فِي نَفْيِ عَيْبِ السَّلِيمِ أَوْ قِدَمِهِ إلَّا بِشَهَادَةِ الْعَادَةِ، وَقِيلَ كُفَّارٌ وَفُسَّاقٌ لَا يَكْذِبُونَ قِيلَ لِتَعَذُّرِ الْغَيْرِ فِيهِمَا أَوْ فِي الْكُفَّارِ، وَالْوَاحِدُ كَافٍ إنْ أَرْسَلَهُ الْقَاضِي، وَالْمَبِيعُ حَاضِرٌ لَمْ يَخْفَ عَيْبُهُ، وَإِلَّا فَعَدْلَانِ، وَحَلَفَ مَنْ لَمْ يُقْطَعْ بِصِدْقِهِ وَيَمِينِهِ بِعْته، وَزَادَ فِيمَا يُضْمَنُ بِالْقَبْضِ، وَأَقْبَضْته، وَمَا هُوَ بِهِ بَتًّا فِي الظَّاهِرِ الَّذِي قَدْ يَخْفَى، وَعَلَى الْعِلْمِ فِي الْخَفِيِّ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ عَلَى الْمُبْتَاعِ انْتَهَى.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ اشْتَرَى جَامُوسَةً مِنْ آخَرَ بِأَرْبَعِمِائَةِ قِرْشٍ، وَبَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ قَامَ وَالِدُ الْبَائِعِ، وَادَّعَى أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَنَّ وَلَدَهُ سَرَقَهَا وَبَاعَهَا بِدُونِ إذْنِهِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي أَنَا رَجُلٌ تَاجِرٌ قَدْ بِعْتهَا بِخَمْسِمِائَةِ قِرْشٍ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يُكَلَّفُ الْأَبُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ فَإِنْ أَقَامَهَا فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ وَأَخْذُهَا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَأَخْذُ قِيمَتِهَا إنْ فَاتَتْ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَقَعْ الْبَيْعُ بِحَضْرَتِهِ وَعِلْمِهِ سَاكِتًا، وَإِلَّا فَلَا كَلَامَ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ النُّصُوصُ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ فَلَّاحٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَالٌ لِلدِّيوَانِ فَجَبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى دَفْعِهِ فَبَاعَ زَرْعَةَ قَصَبٍ لَهُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا لِرَجُلٍ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَخَدَمَهَا حَتَّى تَمَّ طَيْبُهَا، وَشَرَعَ فِي عَصْرِهَا فَقَامَ الْبَائِعُ يُرِيدُ أَخْذَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ خُصُوصًا، وَقَدْ بَاعَهَا جَبْرًا فَهَلْ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَدْفَعُ لِلْمُشْتَرِي أُجْرَةَ عَمَلِهِ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَدْفَعُ لِلْمُشْتَرِي أُجْرَةَ عَمَلِهِ لِمَا ذَكَرْت مِنْ فَسَادِ الْبَيْعِ فَيَجِبُ فَسْخُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّصُّ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَسُئِلَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى) عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى صُنْدُوقَ دُخَانِ نُشُوقٍ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ الْأَعْلَى وَوَجَدَ الْبَاقِي رَدِيئًا لَا يُبَاعُ، وَلَا يُشْتَرَى فَهَلْ يُرَدُّ عَلَى بَائِعِهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ إنْ ثَبَتَ أَنَّ الدُّخَانَ الْمَذْكُورَ مَعِيبٌ قَبْلَ الشِّرَاء بِشَهَادَةِ بَيِّنَةٍ أَوْ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي حَالَ الْعَقْدِ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ، وَكَانَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ
стр. 529
بِالسَّلَامَةِ مِنْهُ فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ عَلَى بَائِعِهِ بِمَا يَنْوِيه مِنْ الثَّمَنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا) عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى مَنْزِلًا، وَفِيهِ كُورَاتُ نَحْلٍ مَبْنِيَّةٌ، وَبَعْدَ شَهْرٍ أَرَادَ الْبَائِعُ أَخْذَهَا فَمَنَعَهُ الْمُشْتَرِي فَهَلْ تَكُونُ لِلْبَائِعِ أَوْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَقْدُ عَلَى الدَّارِ يَتَنَاوَلُ الثَّابِتَ فِيهَا فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ أَنْ يَهْدِمَ شَيْئًا مِنْهَا إلَّا إذَا كَانَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ حَالَ الْعَقْدِ، وَيَمْلِكُ الْمُشْتَرِي لِلدَّارِ كُلَّ مَا كَانَ مَبْنِيًّا فِيهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَقُولُ يَبْقَى النَّظَرُ فِي النَّحْلِ الَّذِي يَأْوِي إلَى تِلْكَ الْكُورَاتِ إذَا أَرَادَ الْبَائِعُ نَقْلَهُ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ اصْطَادَ حَمَامَ الْأَبْرَاجِ يَرُدُّهُ لِرَبِّهِ إنْ عَرَفَهُ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ عِنْدَ تَمْكِينِ الْبَائِعِ مِنْ نَقْلِهِ إنْ أَمْكَنَ، وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ لَا يَرُدُّهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِلْكَهُ بَلْ يَأْوِي فِي بُرْجِهِ الْيَوْمَ، وَغَدًا فِي بُرْجِ غَيْرِهِ عَدَمُ تَمْكِينِهِ مِنْهُ لَكِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ إنْ أَوَى النَّحْلُ إلَى الْكُورَاتِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ أَمَّا إنْ كَانَ الْبَائِعُ اشْتَرَاهُ أَوْ اصْطَادَهُ، وَوَضَعَهُ فِيهَا فَيُمَكَّنُ مِنْهُ حَتَّى عَلَى قَوْلِ اللَّخْمِيِّ إذْ هُوَ حِينَئِذٍ مَلَكَهُ بِلَا شُبْهَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[رَجُلٍ اشْتَرَى بَقَرَةً بِشَرْطِ الْحَمْلِ فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ فَوَجَدَ فِي ضَرْعِهَا شَلَلًا فَأَرَادَ رَدَّهَا فَأَبَى الْبَائِعُ]
(وَسُئِلَ أَيْضًا) عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى بَقَرَةً بِشَرْطِ الْحَمْلِ فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ فَوَجَدَ فِي ضَرْعِهَا شَلَلًا فَأَرَادَ رَدَّهَا فَأَبَى الْبَائِعُ مِنْ قَبُولِهَا، وَقَالَ هَذَا الْعَيْبُ حَدَثَ عِنْدَك فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَوْلُ لِلْبَائِعِ فِي أَنَّ الْعَيْبَ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ تَشْهَدْ بِقِدَمِهِ بَيِّنَةٌ أَوْ عَادَةٌ فَيُعْمَلُ بِذَلِكَ، وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْعَيْبِ عَلَى تَفْصِلِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَقُولُ هَذَا ظَاهِرٌ إنْ مَكَثَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي شَهْرًا فَأَكْثَرَ قَبْلَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْعَيْبِ لِتَفْوِيتِهِ فَسْخَ الْفَاسِدِ فَصَارَ كَالصَّحِيحِ ابْتِدَاءً أَمَّا إنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ مُفَوِّتٌ غَيْرُهُ أَيْضًا فَالظَّاهِرُ تَصْدِيقُ الْمُشْتَرِي فِي الْقِدَمِ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمَّا اسْتَوْجَبَ الرَّدَّ بِالْفَسَادِ صَارَ الْبَائِعُ مُدَّعِيًا، وَالْمُشْتَرِي مُدَّعًى عَلَيْهِ بِالْأَوْلَى مِمَّا قَالُوهُ مِنْ تَقْيِيدِ كَوْنِ الْقَوْلِ لِلْبَائِعِ بِلَا يَمِينٍ فِي نَفْيِ قِدَمِ الْعَيْبِ بِكَوْنِ الْمَبِيعِ سَلِيمًا أَمَّا إنْ كَانَ فِيهِ عَيْبٌ قَدِيمٌ بِاتِّفَاقِهِمَا، وَتَنَازَعَا فِي حُدُوثِ غَيْرِهِ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْقِدَمِ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ، والشبرخيتي عَنْ الْإِرْشَادِ: وَعِبَارَةُ الْخَرَشِيِّ: وَإِنَّمَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ فِي صُورَةِ الشَّكِّ لِأَنَّهُ يَدَّعِي انْبِرَامِ الْعَقْدِ، وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي حَلَّهُ، وَالْأَصْلُ انْبِرَامُهُ، وَلِذَا لَوْ صَاحَبَ الْعَيْبُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ عَيْبٌ قَدِيمٌ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُبْتَاعِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَ الْبَائِعَ الرَّدُّ بِهَذَا الْقَدِيمِ مِنْ الْعَيْبِ فَيَصِيرُ مُدَّعِيًا عَلَى الْمُشْتَرِي بِهَذَا الَّذِي فِيهِ النِّزَاعُ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعَدَوِيُّ قَوْلُهُ عَيْبٌ قَدِيمٌ أَيْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي قَوْلُهُ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُبْتَاعِ فَإِذَا أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّ لِمَا ادَّعَى حُدُوثَهُ أَرْشًا قَوْلُهُ فَيَصِيرُ مُدَّعِيًا إلَخْ أَيْ وَيَصِيرُ الْمُشْتَرِي مُدَّعًى عَلَيْهِ أَيْ وَالْأَصْلُ قَبُولُ قَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْ فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي إنَّهُ قَدِيمٌ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَ الشَّارِحُ.
وَفِي عَبْدِ الْبَاقِي أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينٍ أَيْ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينٍ، وَمِثْلُهُ فِي الشَّبْرَخِيتِيِّ، وَكَذَا فِي بَهْرَامَ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَاسْتَحْسَنَهُ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا) مَا قَوْلُكُمْ فِي رَجُلٍ بِيَدِهِ بَقَرَةٌ، وَلَهَا نِتَاجٌ قَدْ مَاتَ ثُمَّ وَلَّفَ عَلَيْهَا عِجْلًا غَيْرَهُ فَقَبِلَتْهُ، وَصَارَتْ تُحْلَبُ عَلَيْهِ، وَبَاعَهَا لِشَخْصٍ وَأَقَامَتْ عِنْدَهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ بِأَنَّ الْعِجْلَ لَيْسَ وَلَدَهَا فَأَرَادَ رَدَّهَا لِلْبَائِعِ بِذَلِكَ فَهَلْ يُجَابُ لِذَلِكَ أَوْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي حُجَّةٌ إلَّا كَوْنُ الْوَلَدِ لَيْسَ وَلَدَ الْبَقَرِ فَلَا رَدَّ لَهُ، وَلَا وَجْهَ لِكَوْنِ هَذَا عَيْبًا إذَا الْكُلُّ بَهَائِمُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ صَحِيحٌ بِكَوْنِ الْعِجْلِ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا
стр. 530
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى بَقَرَةً فِي حَالِ عَزْمِهِ عَلَى السَّفَرِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ دَفَعَ بَعْضَهُ، وَأَمْهَلَهُ الْبَائِعُ بِالْبَاقِي ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فَغَابَ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَمَّا حَضَرَ طَلَبَهُ الْبَائِعُ بِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ بَعْدَ تَوَجُّهِهِ بِيَوْمَيْنِ مَرِضَتْ الْبَقَرَةُ فَأَوْدَعَهَا عِنْدَ أَمِينٍ، وَلَمَّا رَجَعَ أَخْبَرَهُ بِمَوْتِهَا، وَادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ مَرِيضَةً عِنْدَ الْبَائِعِ مُرِيدًا عَدَمَ الدَّفْعِ فَقَالَ الْبَائِعُ بَقَرَتِي كَانَتْ نَاصِحَةً، وَبِعْتهَا لَك سَالِمَةً مِنْ الْمَرَضِ فَهَلْ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى دَفْعِ الْبَاقِي، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْبَائِعِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الْعَيْبِ هَلْ حَدَثَ بَعْدَ الشِّرَاءِ أَوْ كَانَ قَدِيمًا عِنْدَ الْبَائِعِ لِظُهُورِهِ بِقُرْبِ الشِّرَاءِ، وَلَا بَيِّنَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِي حُدُوثِهِ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ دَفْعُ جَمِيعِ الثَّمَنِ، وَتِلْكَ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا) عَنْ رَجُلٍ مَلَكَ نَخْلًا فِي قَبَائِلَ شَتَّى فَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ تِسْعَ نَخْلَاتٍ، وَأَنْكَرَ رَبُّ النَّخْلِ فَطَلَبَهُ عِنْدَ فَقِيهٍ فَطَلَبَ الْفَقِيهُ مِنْ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً فَأَحْضَرَ رَجُلَيْنِ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَ لَهُ تِسْعَ نَخْلَاتٍ، وَلَمْ يُعَيِّنْهَا الشَّاهِدُ مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ، وَسَأَلَهُ الْفَقِيهُ عَنْ قَدْرِ الثَّمَنِ فَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ، وَشَهِدَ الثَّانِي كَذَلِكَ فَهَلْ لَا يُعْمَلُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ الَّتِي بَطَلَ بَعْضُهَا أَوْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ فَرْعٌ، وَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْهُ سِلْعَةً، وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ وَشَهِدَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ لَمْ تُعَرِّفْ الثَّمَنَ فَالشَّهَادَةُ تَامَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ قَدْ ثَبَتَ الْبَيْعُ فَبِكَمْ بِعْتهَا فَإِنْ سَمَّى ثَمَنًا اعْتَرَفَ بِهِ الْمُبْتَاعُ أَدَّاهُ، وَإِنْ ادَّعَى دُونَهُ تَحَالَفَا، وَرُدَّتْ، وَإِنْ تَمَادَى الْبَائِعُ عَلَى إنْكَارِ الْبَيْعِ سُئِلَ الْمُبْتَاعُ عَنْ الثَّمَنِ فَإِنْ سَمَّى مَا يُشْبِهُ حَلَفَ، وَدَفَعَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ اهـ.
وَعَدَمُ مَعْرِفَةِ الْبَيِّنَةِ أَعْيَانَ النَّخِيلِ لَا يُبْطِلُ الشَّهَادَةَ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ التَّبْصِرَةِ أَيْضًا، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ تَعْيِينُ النَّخْلَاتِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الْخَرَشِيِّ، وَحِينَئِذٍ فَيَسْأَلُ الْمُتَنَازِعَانِ عَنْ النَّخْلَاتِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَمْرٍ عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا نَخْلَاتٍ بِعَيْنِهَا، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ غَيْرُ مُعَيَّنَاتٍ فَفِي الْخَرَشِيِّ أَنَّهُ كَالِاخْتِلَافِ فِي الْجِنْسِ يَتَخَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ إنْ قَبَضَ الثَّمَنَ فَالْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ بِيَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ فَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي بِيَمِينٍ، وَقِيلَ يَتَحَالَفَانِ وَيُتَفَاسَخَانِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَتَى قِيلَ يَتَحَالَفَانِ فَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا، وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، وَإِذَا قِيلَ الْقَوْلُ لِهَذَا بِيَمِينٍ فَعِنْدَ النُّكُولِ يُقْضَى لِلْآخَرِ إنْ حَلَفَ، وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِ الْمَبْدَأِ، وَلَا يَتَأَتَّى حَلِفُهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَقُولُ قَوْلُهُ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ تَعْيِينُ النَّخْلَاتِ إنْ أَرَادَ، وَالْحَالُ أَنَّهَا مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى كَمَا هُوَ الْفَرْضُ فَمَمْنُوعٌ إذْ فِي عَدَمِ التَّعْيِينِ حِينَئِذٍ غَرَرٌ شَدِيدٌ، وَجَهَالَةٌ عَظِيمَةٌ يَقْتَضِيَانِ فَسَادَ الْبَيْعِ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْضُوعِ كَلَامِ الْخَرَشِيِّ إذْ هُوَ فِي نَخْلَاتٍ مِنْ بُسْتَانٍ بَاعَهُ صَاحِبُهُ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ نَخْلَاتٍ ثُمَّ تَنَازَعَ مَعَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ الْبَائِعُ: اسْتَثْنَيْت نَخْلَاتٍ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ أَخْتَارُهَا، وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ مُعَيَّنَةً، وَالْغَالِبُ تَقَارُبُ نَخَلَاتِهِ فَالْغَرَرُ فِيهِ يَسِيرٌ عَلَى أَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ لِلدُّخُولِ عَلَى اخْتِيَارِ الْأَجْوَدِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ لَهُمَا كَمَا ذَكَرُوهُ فِي مَسْأَلَةِ جَعْلِ الصَّدَاقِ عَبْدًا تَخْتَارُهُ الزَّوْجَةُ مِنْ عَبِيدِ الزَّوْجِ، وَعِبَارَةُ الْخَرَشِيِّ أَوْ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ كَقَوْلِ الْبَائِعِ لِحَائِطِهِ شَرَطْت نَخْلَاتٍ اخْتَارَهَا غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ مُعَيَّنَةً فَإِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَتَحَالَفَانِ أَيْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْيِ دَعْوَى صَاحِبِهِ مَعَ تَحْقِيقِ دَعْوَاهُ يَتَفَاسَخَانِ إنْ حَكَمَ بِهِ كَمَا يَأْتِي، وَيَبْدَأُ الْبَائِعُ بِالْيَمِينِ اهـ.
قَالَ الْعَدَوِيُّ قَوْلُهُ أَوْ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ فِي جَدِّ الْأُجْهُورِيِّ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ
следующие страницы →