Полный текст (808 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
بِمِصْرَ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَجِبُ تَقْيِيدُ هَذَا الْجَوَابِ بِمَا إذَا بَيَّنَ الْمِلْكِيَّةَ أَمَّا إنْ بَيَّنَ التَّحْبِيسَ أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ شَيْئًا فَالْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ وَقْفٌ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا حَقَّ فِيهِمَا لِوَرَثَةِ الْبَانِي وَالْغَارِسِ فَلَا يَرِثُونَهُمَا عَنْهُ، وَلَا تُوَفَّى مِنْهُمَا دُيُونُهُ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَإِنْ بَنَى مُحْبَسٌ عَلَيْهِ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُبَيَّنْ فَهُوَ وَقْفٌ قَالَ الْخَرَشِيُّ يَعْنِي أَنَّ مَنْ حُبِسَ عَلَيْهِ رِيعٌ مَثَلًا فَبَنَى فِيهِ بُنْيَانًا فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ حَبْسٌ أَوْ مِلْكٌ عَمِلَ عَلَيْهِ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ حَبْسٌ، وَلَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهِ فِيهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَقَوْلُهُ فَهُوَ وَقْفٌ أَيْ لِلْوَاقِفِ لَا يُقَالُ إنَّهُ وَقْفٌ غَيْرُ مَحُوزٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ الْمُحْبَسَ عَلَيْهِ إنَّمَا بَنَى لِلْوَاقِفِ وَمَلَكَهُ فَهُوَ مَحُوزٌ بِحَوْزِ الْأَصْلِ وَمَفْهُومُ مُحْبَسٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ بَنَى الْأَجْنَبِيُّ فِي الْوَقْفِ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا كَمَا فِي النَّوَادِرِ وَالْغَرْسُ كَالْبِنَاءِ، وَإِذَا كَانَ مِلْكًا لَهُ فَلَهُ نَقْضُهُ أَوْ قِيمَتُهُ مَنْقُوضًا إنْ كَانَ فِي الْوَاقِفِ مَا يَدْفَعُ مِنْهُ ذَلِكَ وَهَذَا إذَا كَانَ مَا بَنَاهُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْوَاقِفُ وَإِلَّا فَيُوَفِّي مِنْ الْغَلَّةِ قَطْعًا بِمَنْزِلَةِ مَا بَنَاهُ الْمُنَاظِرُ انْتَهَى. قَالَ الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ قَوْلُهُ مُحْبَسٌ عَلَيْهِ أَيْ بِالشَّخْصِ أَوْ بِوَصْفٍ كَإِمَامِهِ. قَوْلُهُ فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ حَبْسٌ أَيْ وَلَوْ بَعْدَ الْبِنَاءِ قَوْلُهُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ حَبْسٌ وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ قَوْلُهُ وَمَلَكَهُ فِعْلٌ مَاضٍ أَيْ مَلَكَ الْوَاقِفُ مَا بَنَاهُ. قَوْلُهُ فَلَهُ نَقْضُهُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ بِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ إصْلَاحَ بَيْتٍ نَحْوُ إمَامٍ عَلَى الْوَقْفِ لَا عَلَيْهِ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ وَأَخْرَجَ السَّاكِنَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ لِلسُّكْنَى لِيُكْرِيَ لَهُ لِحَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْوَقْفِ رِيعٌ يُبْنَى مِنْهُ، قَوْلُهُ وَهَذَا إذَا كَانَ مَا بَنَاهُ رَاجِعٌ لِجَمِيعِ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا خُصُوصِ مَا يَلِيهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ اهـ.
[وُقِفَ عَلَيْهِ كُتُبٌ يُنْتَفَعُ بِهَا فَهَلْ لَهُ إعَارَتُهَا أَمْ لَا]
(وَسُئِلَ أَبُو الْإِرْشَادِ الْعَلَّامَةُ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْأُجْهُورِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَمَّنْ وُقِفَ عَلَيْهِ كُتُبٌ يُنْتَفَعُ بِهَا فَهَلْ لَهُ إعَارَتُهَا أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إعَارَتُهَا، وَأَمَّا إنْ وَقَفَهَا لِانْتِفَاعِ النَّاسِ بِهَا فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْهَا كِتَابًا لِيَنْتَفِعَ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيرَهُ، وَلَكِنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ لَا عَلَى وَجْهِ الْعَارِيَّةِ كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ لِلْبَرْزَلِيِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَإِخْوَتِهِ كُتُبًا، ثُمَّ إنَّ شَخْصًا عَالِمًا يُسَمَّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ الشَّوْبَرِيَّ حَكَمَ بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِهِ فَأَجَازَ الْكِبَارُ الْوَقْفَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى أَعْمَامِهِمْ وَبِيعَتْ حِصَّةُ الصِّغَارِ مِنْ الْكُتُبِ، ثُمَّ مَاتَ الْكِبَارُ وَالْأَعْمَامُ وَلَهُمْ أَوْلَادٌ وَطَلَبَ أَوْلَادُ الْوَاقِفِ الصِّغَارُ أَخْذَ الْوَقْفِ مِنْ بَنِي إخْوَتِهِمْ وَالْحَالُ أَنَّهُمْ لَا يَشْتَغِلُونَ بِعِلْمٍ وَيُخَافُ عَلَى الْكُتُبِ مِنْهُمْ وَفِي أَوْلَادِ الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ مَنْ يَشْتَغِلُ بِالْعِلْمِ وَيَنْفَعُ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ لِلْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ فَهَلْ يُقَدَّمُ عَلَى أَوْلَادِ الْوَاقِفِ أَمْ لَا وَهَلْ حُكْمُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) الْحُكْمُ الْوَاقِعُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَيْثُ كَانَ الْوَاقِفُ فِي الصِّحَّةِ لَا وَجْهَ لَهُ وَحَيْثُ كَانَ يُخَافُ عَلَى الْكُتُبِ مِنْ أَوْلَادِ الْوَاقِفِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَنْزِعُهَا مِنْهُمْ وَيَجْعَلُهَا بِيَدِ مَنْ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا وَأَوْلَادُ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادُ الْإِخْوَةِ أَوْلَى مِنْ الْأَجَانِبِ إذَا كَانُوا مَأْمُونِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْأَرْضِ الْمُحْبَسَةِ الَّتِي أَبْطَلَ الْحَاكِمُ تَحْبِيسَهَا وَرَدَّهَا لِلدِّيوَانِ هَلْ لَا يُعْتَبَرُ إبْطَالُهُ وَتَكُونُ بَاقِيَةً عَلَى تَحْبِيسِهَا لَا تُبَاعُ، وَلَا تُرْهَنُ، وَلَا تُورَثُ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ أَرْضُ مِصْرَ الصَّالِحَةُ لِزِرَاعَةِ الْحَبِّ وَأَرْضُ الدُّورِ وُقِفَتْ بِمُجَرَّدِ فَتْحِهَا عَنْوَةً قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ كَمِصْرِ وَالْوَقْفُ لَا يُوقَفُ إنَّمَا يُوقَفُ الْمَمْلُوكُ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ فَالْأَرْضُ لَيْسَتْ مُحْبَسَةً تَحْبِيسًا آخَرَ
стр. 667
مَخْصُوصًا بِهَا إنَّمَا هِيَ مُقْطَعَةٌ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ وَالْإِمَامُ لَا يَقْطَعُ مَعْمُورَ الْعَنْوَةِ مِلْكًا كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ إنَّمَا يَقْطَعُهَا إمْتَاعًا وَانْتِفَاعًا فَلَا يَبِيعُهَا الْمُقْطَعُ لَهُ، وَلَا تُورَثُ عَنْهُ وَتَرْجِعُ بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ وَقْفًا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ يَقْطَعُهَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ وَيُكْرِيهَا لِمَنْ شَاءَ وَيَجْرِي فِي الْمُقْطَعِ لَهُ ثَانِيًا مَا جَرَى فِي الْمُقْطَعِ لَهُ أَوَّلًا وَهَكَذَا الْأَمْرُ مَا دَامَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ نَافِذًا فَالْحَاكِمُ لَمْ يُبْطِلْ تَحْبِيسَ مُحْبَسٍ إنَّمَا رَدَّ الْمَقْطَعَاتِ الَّتِي انْتَهَى إقْطَاعُهَا بِمَوْتِ الْمُقْطَعِ لَهُمْ إلَى مَحَلِّهَا مَعَ بَقَائِهَا عَلَى وَقْفِيَّتِهَا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ فَلَا تُبَاعُ، وَلَا تُرْهَنُ، وَلَا تُورَثُ هَذَا هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ وَنُصُوصُهُ لَكِنْ أَفْتَى الشَّيْخُ عَبْدُ الْبَاقِي وَالشَّيْخُ الشَّبْرَخِيتِيُّ وَالشَّيْخُ يَحْيَى الشَّاوِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّهَا تُورَثُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ وَقَدْ سَأَلْت عَنْ ذَلِكَ شَيْخَ الْمَشَايِخِ عُمَرُ الطَّحْلَاوِيُّ عَلَيْهِ سَحَائِبُ الرَّحْمَةِ وَقُلْت لَهُ مَا وَجْهُ الْإِرْثِ فِي الْوَقْفِ فَقَالَ: إنَّهُمْ أَلْحَقُوهُ بِالْخَلَوَاتِ (قُلْت) وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ حَصَلَ مِنْ وَاضِعِ الْيَدِ عَلَى الْأَرْضِ أَثَرٌ فِيهَا كَإِصْلَاحٍ بِإِزَالَةِ شَوْكِهَا أَوْ حَرْثِهَا أَوْ نَصْبِ جِسْرٍ عَلَيْهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْحَقُ بِالْبِنَاءِ فِي الْأَوْقَافِ بِإِذْنِ النَّاظِرِ لِمَصْلَحَةٍ فَيَكُونُ خُلُوًّا يُنْتَفَعُ بِهِ وَيُمْلَكُ وَرُبَّمَا يُشِيرُ لِمَا قُلْنَا تَعْبِيرُ الْفَلَّاحِينَ عَنْهُ بِطِينِ الْأَثَرِ فَكَأَنَّهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ نَظَرُوا إلَى أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ الْأَمْرُ مِنْ وُقُوعِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَوْ دَفْعِ مَغَارِمَ فِي نَظِيرِ التَّمْكِينِ مِنْ الطِّينِ كَالْحُلْوَانِ الَّذِي يَدْفَعُهُ الْمُلْتَزِمُ لِلسُّلْطَانِ فِي نَظِيرِ التَّمْكِينِ مِنْ الْمَحْلُولِ وَقَدْ أَثْبَتُوا بِذَلِكَ حَقًّا لِلْمُلْتَزِمِينَ حَتَّى أَفْتَوْا لَهُمْ بِالشُّفْعَةِ إذَا أَسْقَطَ شَرِيكَهُ وَتَمْكِينُ الْمُلْتَزِمِ لِلْفَلَّاحِينَ نَظِيرُ تَمْكِينِ السُّلْطَانِ، وَإِنْ لَمْ يُفْتُوا بِالْإِرْثِ فِي الِالْتِزَامِ لِشَبَهِهِ بِإِجَارَةِ الْمُسَانَاةِ غَيْرِ اللَّازِمَةِ بِدَلِيلِ التَّقْسِيطِ وَالتَّحْوِيلِ كُلَّ سَنَةٍ فَبِالْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْمَذْهَبِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِرْثِ لَكِنْ الَّذِي يَنْبَغِي فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ اتِّبَاعُ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ أَفْتَوْا بِالْإِرْثِ لِمَا عَرَفْت؛ وَلِأَنَّهُ أَدْفَعُ لِلنِّزَاعِ وَالْفِتَنِ بَيْنَ الْفَلَّاحِينَ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْآنَ مُلْتَزِمٌ شَرْعِيٌّ فِي الْوَاقِعِ يُفْتِي بِأَنَّ الطِّينَ لَهُ فَإِنَّ الْمُلْتَزِمَ الشَّرْعِيَّ مَنْ يَلْتَزِمُ بِدَفْعِ الْمَظَالِمِ عَنْ النَّاحِيَةِ وَحِمَايَتِهَا مِمَّا يَضُرُّهَا، وَلِذَلِكَ قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ الْجِبَايَةُ بِالْحِمَايَةِ فَإِنْ لَمْ تَحْمِهِ تُجْبِهِ وَالتَّقَاسِيطُ السُّلْطَانِيَّةُ مَشْرُوطٌ فِيهَا عَلَى الْمُلْتَزِمِينَ عَدَمُ الظُّلْمِ وَرَفْعُهُ وَهَذَا كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْكَاشِفِ مَنْ يَكْشِفُ عَلَى الْجِهَاتِ لِيَرْفَعَ عَنْهَا الْمَضَرَّاتِ.
وَأَوَّلُ مَنْ رَتَّبَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْآنَ صَارَ الدَّوَاءُ دَاءً وَلِيَقُومَ أَيْضًا بِمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأَرْضُ مِنْ الْمَصَالِحِ وَيَدْفَعَ الْخَرَاجَ لِبَيْتِ الْمَالِ لِيَصْرِفَ فِي جِهَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَهَذَا مَفْقُودٌ الْآنَ وَإِنَّمَا الْمُلْتَزِمُ يَسْلُبُ الْأَمْوَالَ وَيُؤْذِيَ الْفَلَّاحِينَ وَيَتَوَقَّفُ فِي دَفْعِ مَا عَلَيْهِ الْمُسَمَّى بِالْمَيْرَى لِجِهَاتِ بَيْتِ الْمَالِ وَيَصْرِفُ الْخَرَاجَ الَّذِي يُجْبِيهِ فِي جِهَاتٍ تُغْضِبُ اللَّهَ وَمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَكَّنَهُ نَائِبُ السُّلْطَانِ بَلْ لَوْ وَقَعَ التَّمْكِينُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ فَاسِدٌ شَرْعًا فَإِنَّ قُصَارَى السُّلْطَانِ وَنَائِبِهِ وُكَلَاءُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَالْوَكِيلُ لَا يَتَصَرَّفُ إلَّا بِالْمَصْلَحَةِ فَلَوْ قُلْنَا الْآنَ الطِّينُ لَلْمُلْتَزِمِ لَحَرَمَ مِنْهُ الْفُقَرَاءَ وَأَخَذَ عَلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا مِنْ الْأَغْنِيَاءِ مُجَاوِزًا لِلْحَدِّ، وَالطِّينُ وَالْبِلَادُ بِلَادُ اللَّهِ وَالْخَلْقُ عِبَادُ اللَّهِ وَعِيَالُ اللَّهِ فَيُلْفَتُ بِالْإِرْثِ فِي مَنْفَعَةِ الطِّينِ وَإِسْقَاطِهَا بَيْنَ الْفَلَّاحِينَ وَالْمُلْتَزِمُ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْخَرَاجُ مِنْ بَابِ مَنْ اشْتَدَّتْ وَطْأَتُهُ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ خُصُوصًا، وَقَدْ قَالَ بِالْمِلْكِ حَقِيقَةً وَالْإِرْثِ مَنْ يَقُولُ مِنْ الْعُلَمَاءِ إنَّ مِصْرَ فُتِحَتْ صُلْحًا لَا عَنْوَةً وَلَيْسَ لِلْمُلْتَزِمِ الزِّيَادَةُ الْفَاحِشَةُ فِي الْخَرَاجِ فَإِنَّهُ مَا عَلَى هَذَا
стр. 668
الْتَزَمَهُ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ الشَّرْعِيِّ وَلَيْسَ لَهُ الِاخْتِصَاصُ بِالطِّينِ رَأْسًا وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مَعَ أَنَّ أَصْلَهُ لِعُمُومِ مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ وَلَهُ فَائِضٌ زَائِدٌ عَلَى مَا يَدْفَعُهُ مِنْ أَصْلِ الْخَرَاجِ فِي نَظِيرِ تَعَبِهِ فِي الْإِصْلَاحِ وَهَؤُلَاءِ الْمُلْتَزِمُونَ يَنْهَبُونَ وَيُؤْذُونَ وَيَضْرِبُونَ، وَلَا يَنْفَعُونَ، ثُمَّ يَأْتُونَ يَسْتَفْتُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَجُوزُ عَزْلُ الْفَلَاحِ عَنْ أَثَرٍ، وَلَا يَجُوزُ مَنْعُ الْبَنَاتِ مِنْهُ وَلَوْ جَرَى عُرْفٌ بِمَنْعِهِنَّ فَهُوَ فَاسِدٌ لَا يُعْمَلُ بِهِ بَلْ رُبَّمَا كُنَّ أَحْوَجَ وَأَحَقَّ بِمَا كَانَ أَصْلُهُ مِنْ جِهَاتِ بَيْتِ الْمَالِ نَعَمْ إنْ كَانَ الْمُفْتِي عَارِفًا وَأَتْبَعَ فَتْوَاهُ مَا تَقْتَضِيه الْمَصْلَحَةُ فِي خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ مُرَاعَاةِ النُّصُوصِ وَإِمْعَانِ النَّظَرِ حَسَنٌ وَتَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقَضِيَّةٌ بِحَسَبِ مَا يُحْدِثُونَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَنْ الرَّجُلِ يَمُوتُ عَنْ طِينِ زِرَاعَةٍ مُسِحَ عَلَيْهِ فَهَلْ يُورَثُ عَنْهُ وَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ بِالْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا أَسْقَطَ الرَّجُلُ حَقَّهُ مِنْ الطِّينِ لِآخَرَ فِي نَظِيرِ دَرَاهِمَ، وَإِذَا قَدَرَ عَلَى دَفْعِهَا لَهُ يَأْخُذُ الطِّينَ وَيَكْتُبُ وَثِيقَةً شَرْعِيَّةً بِذَلِكَ فَهَلْ يُمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ الطِّينِ أَمْ لَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَنْصُوصُ أَنَّ مِصْرَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَنَّ أَرْضَ الزِّرَاعَةِ مِنْهَا مَوْقُوفَةٌ لِمُهِمَّاتِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّاظِرُ عَلَيْهَا نَائِبُ السُّلْطَانِ يَفْعَلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَأَنَّهَا لَا تُورَثُ بَلْ الْحَقُّ لِمَنْ يُقَرِّرُهُ نَائِبُ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّهَا مُكْتَرَاةٌ وَالْخَرَاجُ كِرَاؤُهَا، وَلَا حَقَّ لِلْمُكْتَرِي فِي مِثْلِ هَذَا فَيُورَثُ عَنْهُ هَذَا أَصْلُ الْمَذْهَبِ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُمْ أَفْتَوْا بِأَنَّ الْأَرْضَ تُورَثُ فَإِنْ كَانَتْ صُورَةُ الْفَتْوَى يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمَا أَفَادَهُ الْعَالِمُ الْفُلَانِيُّ أَوْ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْإِمَامِ فُلَانٍ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِلَّا فَمِنْ الْمُشْكِلَاتِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الْأُسْتَاذُ الدَّرْدِيرُ إنَّهَا بَاطِلَةٌ مَكْذُوبَةٌ عَلَى مَنْ نُسِبَتْ إلَيْهِ وَقَالَ الْإِمَامُ الْأَمِيرُ فِي حَاشِيَةِ الْمَجْمُوعِ قَوْلُهُ وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ فَلَا تُورَثُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَدْرُ فِي مَوَاضِعَ وَوَقَعَتْ الْفَتْوَى بِالْإِرْثِ قِيلَ إلْحَاقًا بِالْخَلَوَاتِ، وَالْخَرَاجُ كَالْكِرَاءِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ شَيْخُنَا الدُّسُوقِيُّ أَنَّ الْفَتْوَى بِالْإِرْثِ إمَّا لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ لِمَا فِي مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَدَفْعِ الْهَرَجِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لِلْمُزَارِعِينَ فِيهَا حَقٌّ يُشْبِهُ الْخُلُوَّ مِنْ جِهَةِ تَحْرِيكِهِمْ الْأَرْضَ وَالْعِلَاجِ فِيهَا وَالْخُلُوُّ يُورَثُ انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ رَاعَى الْمَشْهُورَ فِي الْمَذْهَبِ قَالَ بِعَدَمِ الْإِرْثِ وَمَنْ رَاعَى مُقَابِلَهُ قَالَ بِالْإِرْثِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ الذُّكُورِ؛ لِأَنَّهَا خَصْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ لَا تَحِلُّ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنْ اسْتَظْهَرَ ذَلِكَ الْإِمَامُ الدَّرْدِيرُ وَالرُّجُوعُ لِلْحَقِّ أَحَقُّ وَالضَّرُورَةُ لَهَا أَحْكَامٌ بِقَدْرِهَا وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ مُرَاعَاةُ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُمْ وَسَدُّ أَبْوَابِ الْفِتَنِ مَا أَمْكَنَ وَأَخْذُ الدَّرَاهِمِ لِأَجْلِ إسْقَاطِ الْحَقِّ وَمَتَى قَدَرَ الْآخِذُ عَلَى رَدِّهَا رَجَعَ فِي حَقِّهِ، وَرَدُّهَا عَقْدٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ رِبًا فَاعِلُهُ مَلْعُونٌ فِي كُلِّ مِلَّةٍ وَالْآخِذُ وَالدَّافِعُ وَالْكَاتِبُ وَالشَّاهِدُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ فَيَجِبُ فَسْخُ هَذَا الْعَقْدِ مَتَى اُطُّلِعَ عَلَيْهِ وَيَأْخُذُ كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَمَّا انْكَشَفَ مِنْ الطِّينِ الَّذِي تَحْتَ بَحْرِ النِّيلِ وَقُلْتُمْ إنَّهُ لِأَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ فَهَلْ إذَا كَانَ مَكْتُوبًا لِجَمَاعَةٍ، ثُمَّ أَخَذَهُ النِّيلُ وَأَخْرَجَهُ لِآخَرِينَ يَكُونُ لِمَنْ أَخْرَجَهُ لَهُمْ بِحَيْثُ كَانَ قَرِيبًا وَهَلْ لِمَنْ لَهُ الِالْتِزَامُ أَنْ يَنْزِعَ طِينَ شَخْصٍ وَيُعْطِيَهُ لِآخَرَ وَهَلْ الْمِسَاحَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الشَّخْصِ لِلْإِنَاثِ تَوَارُثُهَا مَعَ الذُّكُورِ بِالْقِسْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ
стр. 669
وَإِذَا قَرَّرَ الْمُلْتَزِمُ فِيهِ شَخْصًا هَلْ لَهُ الِاخْتِصَاصُ بِهِ وَمَنْعُ الْإِنَاثِ وَهَلْ يَصِحُّ نَزْعُهُ وَإِعْطَاؤُهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الطِّينُ الَّذِي يَنْكَشِفُ عَنْهُ الْبَحْرُ قِيلَ لِلْأَقْرَبِ إلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي التَّمْكِينِ مِنْهُ، وَلَا يَحْتَاجُ لِتَمْكِينٍ جَدِيدٍ بَلْ لَا تَمْكِينَ لَهُ مُسْتَقِلٌّ وَقِيلَ لِبَيْتِ الْمَالِ يَبْتَدِئُ فِيهِ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ تَمْكِينًا لِمَنْ شَاءَ بِمَا يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ وَالْمَصْلَحَةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَكُلُّ هَذَا فِيمَا كَانَ تَحْتَ الْبَحْرِ مِمَّا لَمْ يَسْبِقْ عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقٌ لِأَحَدٍ فَأَمَّا إنْ مَالَ الْبَحْرُ عَلَى أَرْضِ قَوْمٍ وَجَرَى فِيهَا، ثُمَّ انْكَشَفَتْ قِطْعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِعَيْنِهَا بِآثَارٍ وَعَلَامَاتٍ أَوْ بِمُقْتَضَى الْقِيَاسِ فَتِلْكَ الْقِطْعَةُ لِأَرْبَابِهَا قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ طَرَأَ وَزَالَ فَأَمَّا التَّعْوِيضُ بِقَدْرِهَا مِنْ غَيْرِهَا مِمَّا انْكَشَفَ عَنْهُ الْمَاءُ مِنْ أَرَاضِي الْبَحْرِ الْأَصْلِيَّةِ فَلَا وَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الْمُسَامَحَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى شَخْصٍ فَإِنْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ مَسْمُوحٌ تَبَرَّعَ بِهِ الْمُلْتَزِمُ مِنْ فَائِضِ الْخَرَاجِ يُدْفَعُ لِشَخْصٍ فَهَذَا الْمَرْجِعُ فِيهِ لِمَا نَصَّ الْمُلْتَزِمُ عَلَيْهِ أَوْ أَقَرَّهُ وَرَضِيَ بِهِ مِنْ تَخْصِيصِ الذُّكُورِ أَوْ شَرِكَتِهِمْ مَعَ الْإِنَاثِ، وَلَا يَلْزَمُ مَا صَدَرَ مِنْ مُلْتَزِمٍ مُلْتَزِمًا آخَرَ إلَّا إذَا رَضِيَهُ بِاخْتِيَارِهِ بَلْ لِنَفْسِ الْمُلْتَزِمِ الْأَوَّلِ قَطْعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَإِعْطَاؤُهُ لِلْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالْفِعْلِ مِنْ بَابِ الْوَعْدِ الَّذِي لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ حَيْثُ لَمْ تَصْدُرْ صِيغَةُ نَذْرٍ وَالْتِزَامٍ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ تَخْفِيفًا عَنْ شَخْصٍ فِي خَرَاجِ طِينِهِ كَطِينِ الْمَشَايِخِ الَّذِي لَا يُصْرَفُ فِي الْوَادِي الْبَحْرِيِّ فَهَذَا إنْ كَانَ مَحْضُ تَبَرُّعٍ فَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ مَا قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي نَظِيرِ الْقِيَامِ بِأَعْمَالٍ كَانَ وَظِيفَةَ عَمَلٍ يَتْبَعُ الْعَمَلَ وَيُقَرِّرُ فِيهِ الْمُلْتَزِمُ مَنْ شَاءَ حَيْثُ كَانَتْ الْأَعْمَالُ خِدْمَةً وَمُعَاوَنَةً لَهُ كَالْمَشْيَخَةِ، وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ آثَارٍ وَأُمُورٍ صَدَرَتْ مِنْ صَاحِبِ الْمَسْمُوحِ تَتَعَلَّقُ بِالْمَزَارِعِ جَرَى عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْإِلْحَاقِ بِمَنْفَعَةِ الْخَلَوَاتِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ وَعَدَمِ النَّزْعِ مِنْهُ، وَمَنْ مَاتَ عَنْ حَقٍّ فَهُوَ لِوَارِثِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ فِي هَذَا الْقِسْمِ الْأَخِيرِ انْتَهَى.
(وَسُئِلَ أَيْضًا) عَمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ طِينٌ رِزْقَةً بِالْأَرْضِ الْمِصْرِيَّةِ بِمُوجَبِ تَقَارِيرَ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فَهَلْ تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْمِلْكِ مِنْ تَوَارُثٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَرَّرَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِي التَّقَارِيرِ أَنَّهَا تُمْلَكُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ كَانَ الطِّينُ الْمَذْكُورُ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ وَالصَّدَقَةِ جَرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمِلْكِ عَلَى مَا هُوَ الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ وَالْعُرْفُ مَعْمُولٌ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَقَدْ صَدَرَتْ الْفَتْوَى بِالتَّوْرِيثِ فِي أَرْضِ مِصْرَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا مَعَ أَنَّ النَّصَّ عِنْدَنَا أَنَّهَا وَقْفٌ لَكِنَّهُمْ أَلْحَقُوهَا بِالْخَلَوَاتِ فِي الْأَوْقَافِ الَّتِي تُمْلَكُ وَتُورَثُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا) عَنْ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ وَلَهُ طِينٌ أَعْطَى لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهُ بِتَمَسُّكٍ شَرْعِيٍّ لِلْجَمِيعِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ اثْنَانِ مِنْهُمْ وَخَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَلَدًا فَأَعْطَى الْأَبُ الْمَذْكُورُ وَلَدَيْ وَلَدَيْهِ مَا كَانَ لِوَالِدَيْهِمَا وَكَتَبَ لَهُمَا تَمَسُّكًا شَرْعِيًّا بِذَلِكَ فَهَلْ يَفُوزَانِ بِمَا أَعْطَاهُ لَهُمَا جَدُّهُمَا؟ وَإِذَا ادَّعَى عَمُّ الْوَلَدَيْنِ بِطِينٍ زَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ الَّذِي أَعْطَاهُ لَهُ أَبُوهُ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ يَفُوزُ الْوَلَدَانِ بِمَا حَازَاهُ بِتَمْكِينِ جَدِّهِمَا وَفَرَاغِهِ لِأَبِيهِمَا وَلَهُمَا، وَإِذَا ادَّعَى الْعَمُّ بِزَائِدٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا) عَنْ رَجُلٍ مَلَكَ طِينًا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ عَنْ أُصُولِهِ مَعَ تَمْكِينِ الْمُلْتَزِمِينَ فَأَعْطَى بَعْضَهُ لِرَجُلٍ فِي نَظِيرِ خِدْمَتِهِ لَهُ وَزَرَعَهُ مُدَّةً زَائِدَةً عَلَى مُدَّةِ الْحِيَازَةِ، وَهُوَ مُلْتَزِمٌ لِلْخِدْمَةِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ فَزَرَعَهُ وَرَثَتُهُ مُدَّةً مَعَ الْخِدْمَةِ أَيْضًا، ثُمَّ تَرَكُوا
стр. 670
الْقِيَامَ بِالْخِدْمَةِ فَأَرَادَ وَرَثَةُ الْمُعْطِي أَخْذَهُ مِنْ وَرَثَةِ الْمُعْطَى لَهُ بَعْدَ تَمْكِينِ الْمُلْتَزِمِ وَرَثَةَ الْمُعْطَى لَهُ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) لَا يُعْتَبَرُ تَمْكِينُ الْمُلْتَزِمِ الثَّانِي بَعْدَ تَمْكِينِ الْأَوَّلِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي رَفْعِ الْأَوَّلِ وَتَمْكِينِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُلْتَزِمَ مِنْ نُوَّابِ السُّلْطَانِ وَالسُّلْطَانُ وَنُوَّابُهُ لَا يَمْضِي تَصَرُّفُهُمْ إلَّا بِالْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَلِوَرَثَةِ صَاحِبِ الطِّينِ أَخْذُهُ وَدَفْعُ خَرَاجِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا) عَنْ رَجُلٍ لَهُ أَرْضٌ بِجِوَارِ الْبَحْرِ وَلِرَجُلٍ آخَرَ أَرْضٌ بَعِيدَةٌ عَنْهُ فَطَلَبَ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ قِطْعَةَ أَرْضٍ يَحْفِرُ فِيهَا سَاقِيَّةً يَسْقِي مِنْهَا أَرْضَهُ فَوَهَبَ لَهُ قِطْعَةً قَدْرَ السَّاقِيَّةِ وَمَرْبِطَ الدَّوَابِّ وَلِلْوَاهِبِ سَاقِيَّةٌ بِجَانِبِهَا، ثُمَّ حَفَرَ ابْنُ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي مَحِلِّ رَبْطِ الدَّوَابِّ فَوَجَدَ سَاقِيَّةً قَدِيمَةً مَبْنِيَّةً فَتَنَازَعَا فِيهَا فَهَلْ الْحَقُّ فِيهَا لِمَالِكِ الْأَرْضِ الدَّافِعِ لِخَرَاجِهَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ وَقْفُ النَّظَرِ فِيهَا لِلسُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ فَمَا ظَهَرَ فِيهَا مِنْ دَفِينٍ أَوْ بِنَاءٍ قَدِيمٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَالِكٌ أَمْرُهُ لِلسُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ فَهُوَ لِمَنْ مَكَّنَهُ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ الَّذِي يَدْفَعُ الْخَرَاجَ لِجِهَةِ بَيْتِ الْمَالِ، وَتَبَرُّعُ مُسْتَحِقِّ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ بِقِطْعَةٍ مِنْهَا يَرْبِطُ فِيهَا دَوَابَّهُ لَا يَسْرِي إلَى الْبِنَاءِ الْقَدِيمِ الْمَدْفُونِ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ طِينِ فِلَاحَةٍ لِآخَرَ سَنَةً فَأَكْثَرَ وَالْتَزَمَ الْمُسْقَطُ لَهُ دَفْعَ الْخَرَاجِ لِلْمُلْتَزِمِ وَجَعَلَ لِلْمُسْقِطِ قَدْرًا مِنْ الْغَلَّةِ تَارَةً مِنْ نَوْعِ مَا يَزْرَعُ وَتَارَةً مِنْ جِنْسِ الْحُبُوبِ وَيُسَمُّونَ هَذَا الْقَدْرَ فِي عُرْفِهِمْ بِالرِّشْوَةِ فَهَلْ هَذَا جَائِزٌ لَازِمٌ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا يُجْعَلُ لِصَاحِبِ الطِّينِ فِي نَظِيرِ إسْقَاطِ حَقِّهِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الطِّينِ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنْ قَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي مَنْعَ كَوْنِ الْمَجْعُولِ طَعَامًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَاحِيَةِ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا) عَمَّنْ أَعْطَى أَرْضَ فِلَاحَةٍ لِرَجُلٍ لِيَغْرِسَهَا شَجَرًا وَجَعَلَ لِلْغَارِسِ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ، وَالْخَرَاجُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِحُكْمِ الْأَرْضِ بَعْدَ فَنَاءِ الشَّجَرِ الَّذِي يُغْرَسُ فَهَلْ يَخْتَصُّ بِهَا صَاحِبُ الْأَثَرِ وَحْدَهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْغَرْسِ أَوْ تَكُونُ بَيْنَهُمَا كَمَا كَانَتْ مُدَّةَ الْغَرْسِ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ أَرْضُ الْفِلَاحَةِ بَعْدَ فَنَاءِ الْغَرْسِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغَرْسِ لِصَاحِبِ الْأَثَرِ وَيَدْفَعُ خَرَاجَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ وَرَثَةً ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَخَلَفَ طِينَ فِلَاحَةٍ وَطِينَ رِزْقَةٍ بِرٍّ وَصَدَقَةٍ وَرِزْقَةٍ فِي نَظِيرِ عَمَلٍ وَعَقَارٍ وَعُرْفُ هَذِهِ الْقَبِيلَةِ تَوْرِيثُ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ فَهَلْ تَخْتَصُّ الذُّكُورُ بِجَمِيعِ مَا تَرَكَهُ دُونَ الْإِنَاثِ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ تَوْرِيثُ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ عُرْفٌ فَاسِدٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، وَلَا تَخْتَصُّ الذُّكُورُ إلَّا بِمَا كَانَ مُرَتَّبًا عَلَى عَمَلٍ خَاصٍّ بِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[رَجُل حَبَسَ مَالًا عَلَى ابْنِهِ وَبَنِي ابْنِهِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ عَنْ ابْنِهِ الْمَذْكُورِ وَعَنْ أُمِّهِ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ حَبَسَ مَالًا عَلَى ابْنِهِ وَبَنِي ابْنِهِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ، ثُمَّ مَاتَ عَنْ ابْنِهِ الْمَذْكُورِ وَعَنْ أُمِّهِ فَهَلْ لِأُمِّهِ نَصِيبٌ فِي الْمَالِ الْمُحْبَسِ عَلَى ابْنِهِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ إنْ تَمَّتْ وَقَفِيَّةُ هَذَا الْمَالِ بِحِيَازَتِهِ عَنْ الْوَاقِفِ قَبْلَ الْمَوَانِعِ فَلَا نَصِيبَ لِأُمِّهِ فِيهِ وَإِلَّا بَطَلَ وَرَجَعَ مِيرَاثًا فَلَهَا نَصِيبٌ فِيهِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ جُزْئِيَّاتِ مَسْأَلَةِ أَوْلَادِ الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ فِيهَا فِي الْمَرَضِ وَفِي هَذِهِ فِي الصِّحَّةِ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ أَوْ عَلَى وَارِثٍ بِمَرَضِ مَوْتِهِ قَالَ الْخَرَشِيُّ يَعْنِي أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْوَارِثِ فِي مَرَضِ مَوْتِ الْوَاقِفِ بَاطِلٌ وَسَوَاءٌ
стр. 671
حَمَلَهُ الثُّلُثُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةُ وَقْفٍ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ أَوْ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ بَاطِلَةٌ فَإِنْ صَحَّ الْوَاقِفُ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَاتَ صَحَّ الْوَقْفُ كَمَا لَوْ وَقَفَ فِي صِحَّتِهِ اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ مِنْ نَاظِرِ أَوْقَافِ مَسْجِدٍ مَحَلَّاتٍ مِنْ وَقْفِ الْمَسْجِدِ مُدَّةً نَحْوَ خَمْسَةَ عَشْرَ سَنَةً وَأَذِنَ لَهُ النَّاظِرُ فِي الْعِمَارَةِ وَالْخُلُوِّ وَالسُّكْنَى كَمَا هِيَ عَادَةُ الشُّهُودِ فِي كِتَابَةِ الْحُجَجِ، ثُمَّ أَوْقَفَ الْمُسْتَأْجِرُ الْمَحَلَّاتِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَمَضَتْ الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ وَمَضَتْ بَعْدَهَا مُدَّةٌ تَزِيدُ عَلَى سِتِّينَ سَنَةً فَهَلْ تَرْجِعُ هَذِهِ الْمَحَلَّاتُ إلَى جِهَةِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا وَضَعَ رَجُلٌ يَدَهُ عَلَيْهَا وَاسْتَغَلَّهَا يُحَاسِبُهُ نَاظِرُ الْوَقْفِ الْأَوَّلُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ جَمِيعَ مَا اسْتَغَلَّهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْحُجَّةِ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا تَرْجِعُ هَذِهِ الْمَحَلَّاتُ إلَى جِهَةِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ وَتَسْتَمِرُّ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ مِنْ كَوْنِهَا وَقْفًا عَلَى جِهَةٍ أُخْرَى أَوْ مِلْكًا وَلَيْسَ لِنَاظِرِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ مُحَاسَبَةُ وَاضِعِ الْيَدِ عَلَى الْغَلَّةِ، وَلَا أَخْذُهَا مِنْهُ إنَّمَا لَهُ الْحِكْرُ الْمُوَظَّفُ عَلَيْهَا كُلَّ شَهْرٍ أَوْ حَوْلٍ.
وَقَدْ سُئِلَ الْعَلَّامَةُ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ بِمَا نَصُّهُ: مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ ﵃ أَجْمَعِينَ - فِي خَلَوَاتِ الْحَوَانِيتِ الَّتِي صَارَتْ عُرْفًا بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ وَغَيْرِهَا وَبَذَلَتْ النَّاسُ فِي ذَلِكَ مَالًا كَثِيرًا حَتَّى وَصَلَ الْحَانُوتُ فِي بَعْضِ الْأَسْوَاقِ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ ذَهَبًا فَهَلْ إذَا مَاتَ شَخْصٌ وَلَهُ وَارِثٌ شَرْعِيٌّ يَسْتَحِقُّ خُلُوَّ حَانُوتِهِ عَمَلًا بِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا مَاتَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بَيْتُ الْمَالِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا مَاتَ شَخْصٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَخْلُفْ مَا يَفِي بِدَيْنِهِ يُوَفَّى ذَلِكَ مِنْ خُلُوِّ حَانُوتِهِ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَعَمْ إذَا مَاتَ شَخْصٌ وَلَهُ وَارِثٌ شَرْعِيٌّ يَسْتَحِقُّ خُلُوَّ حَانُوتِهِ عَمَلًا بِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ، وَإِذَا مَاتَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بَيْتُ الْمَالِ، وَإِذَا مَاتَ شَخْصٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَخْلُفْ مَا يَفِي بِدَيْنِهِ فَإِنَّهُ يُوَفَّى مِنْ خُلُوِّ حَانُوتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ كَتَبَهُ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ الْمَالِكِيُّ حَامِدًا مُصَلِّيًا مُسْلِمًا.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْخُلُوُّ اسْمٌ لَمَا يَمْلِكُهُ دَافِعُ الدَّرَاهِمِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي دَفَعَ الدَّرَاهِمَ فِي مُقَابَلَتِهَا انْتَهَى. قَالَ الْغَرْقَاوِيُّ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ عِمَارَةً كَأَنْ يَكُونَ فِي الْوَقْفِ أَمَاكِنُ آيِلَةً لِلْخَرَابِ فَيُكْرِيهَا نَاظِرُهُ لِمَنْ يُعَمِّرُهَا وَيَكُونُ مَا صَرَفَهُ خُلُوًّا لَهُ، وَيَكُونُ شَرِيكًا لِلْوَاقِفِ بِمَا زَادَتْهُ عِمَارَتُهُ مَثَلًا كَانَتْ الْأَمَاكِنُ الَّتِي عُمِّرَتْ تُكْرَى قَبْلَ الْعِمَارَةِ كُلَّ يَوْمٍ بِعَشَرَةِ أَنْصَافٍ وَبَعْدَ الْعِمَارَةِ تُكْرَى كُلَّ يَوْمٍ بِعِشْرِينَ نِصْفًا فَيَكُونُ الَّذِي عَمَّرَ شَرِيكًا بِالنِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ أَوْ الثُّلُثَيْنِ بِحَسَبِ مَا وَقَعَ فِي الشَّرْطِ فَإِنْ احْتَاجَتْ تِلْكَ الْمَحَلَّاتُ إلَى الْعِمَارَةِ ثَانِيًا كَانَ عَلَى الْوَقْفِ مَا يَخُصُّهُ مِنْ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ ثُلُثَيْنِ وَعَلَى صَاحِبِ الْخُلُوِّ مَا يَخُصُّهُ وَقَدْ تَكُونُ الْمَنْفَعَةُ غَيْرَ عِمَارَةٍ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ أَوْ تِلْكَ الدَّرَاهِمُ عَائِدَةً عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ كَوَقِيدِ مِصْبَاحٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَاقِفِ وَنَاظِرِهِ، وَأَمَّا مَا يَقَعُ عِنْدَنَا بِمِصْرَ مِنْ الْحَوَانِيتِ لِمَنْ هُوَ مُسْتَأْجَرٌ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا فَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ إنَّهُ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ وَتُورَثُ عَنْهُ شَرْعًا إذَا كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا وَالْإِجَارَةُ لَازِمَةً بِشُرُوطِهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاقِفَ حِينَ يُرِيدُ بِنَاءَ مَحَلَّاتٍ لِلْوَقْفِ يَأْتِي لَهُ أَشْخَاصٌ يَدْفَعُونَ لَهُ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ شَخْصٍ مَحَلٌّ مِنْ تِلْكَ الْمَحَلَّاتِ يَسْكُنُهُ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ يَدْفَعُهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ فَكَأَنَّ الْوَاقِفَ بَاعَهُمْ حِصَّةً مِنْ الْمَحَلَّاتِ
стр. 672
قَبْلَ التَّحْبِيسِ وَحَبَسَ الْبَاقِيَ فَلَيْسَ لِلْوَاقِفِ تَصَرُّفٌ فِي الْمَحَلَّاتِ إلَّا بِقَبْضِ الْأُجْرَةِ الْمَعْلُومَةِ كُلَّ شَهْرٍ، وَكَأَنَّ دَافِعَ الدَّرَاهِمِ شَرِيكٌ لِلْوَاقِفِ بِتِلْكَ الْحِصَّةِ، ثُمَّ قَالَ الْغَرْقَاوِيُّ وَفَتْوَى النَّاصِرِ مُخَرَّجَةٌ عَلَى النُّصُوصِ، وَقَدْ أُجْمِعَ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا وَاشْتُهِرَتْ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَانْحَطَّ الْأَمْرُ عَلَيْهَا، وَهُوَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ فِيهَا إلَى نَصٍّ صَرِيحٍ فَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهَا مَنْ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ اسْتِنَادِ الْمُفْتِي لِلنَّصِّ فِيمَا أَفْتَى بِهِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إذَا لَمْ يَجِدْ نَصًّا فِي الْحَادِثَةِ تَخْرِيجُهَا عَلَى النُّصُوصِ بِالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشِّهَابُ الْقَرَافِيُّ.
وَقَدْ سُئِلَ نُورُ الدِّينِ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْأُجْهُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ جَوَابِ الْمُفْتِي إذَا لَمْ يَجِدْ نَصًّا فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُسْتَنَدٌ، وَلَا مَرْجِعٌ فِيمَا أَفْتَى بِهِ كَفَتْوَى النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْخَلَوَاتِ وَجَوَازِهَا هَلْ يَكُونُ مِنْ أَحَدِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ حَتَّى أَنَّهُ لِلْمُفْتِي الْمَالِكِيِّ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِهِ وَيَتَّخِذَهُ حُجَّةً وَمُسْتَنَدًا وَدَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ جَوَازِ الْخَلَوَاتِ مَعَ عَدَمِ نَصٍّ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْمَذْهَبِ أَوْ لَا؟
فَأَجَابَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ لِلْمُفْتِي إذَا لَمْ يَجِدْ نَصًّا فِي الْحَادِثَةِ أَنْ يُخَرِّجَهَا عَلَى النُّصُوصِ إذَا كَانَ شَدِيدَ الِاسْتِحْضَارِ لِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ وَقَوَاعِدِ الْإِجْمَاعِ وَنَصَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ حَفِظَ رِوَايَاتِ الْمَذْهَبِ وَعَلِمَ مُطْلَقَهَا وَمُقَيَّدَهَا وَعَامَّهَا وَخَاصَّهَا وَعَلِمَ أُصُولَ الْفِقْهِ وَكِتَابَ الْقِيَاسِ وَأَحْكَامَهُ وَتَرْجِيحَاتِهِ وَمَوَانِعَهُ وَشَرَائِطَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يُخَرِّجَهُ عَلَى مَا هُوَ مَحْفُوظٌ لَهُ وَشَيْخُ عَصْرِهِ الشَّيْخُ نَاصِرُ الدِّينِ اللَّقَانِيُّ مِمَّنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَسُوغُ لِمَنْ اتَّصَفَ بِهَا جَوَازُ الْإِفْتَاءِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ وَقَدْ أَطْبَقَ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى مُتَابَعَتِهِ فِيمَا يُفْتِي بِهِ مِمَّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ نَصٌّ فِي الْمَذْهَبِ ثِقَةً بِهِ وَاعْتِقَادًا لِاطِّلَاعِهِ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَقْدُمُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي الْفِقْهِ، وَهُوَ أَخُوهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ اللَّقَانِيُّ وَقَدْ وَقَعَ لِعُلَمَاء مَذْهَبِنَا الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهِمْ كَابْنِ عَرَفَةَ وَالْبَرْزَلِيِّ وَابْنِ نَاجِي الْعَمَلُ بِمَا جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُ شُيُوخِهِمْ مِمَّا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فَهَذَا وَنَحْوُهُ يُفِيدُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا خَرَّجَهُ غَيْرُهُ عَلَى النُّصُوصِ مِمَّنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِلتَّخْرِيجِ مِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ قَوْلُهُ ﵊ «مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ حَسَنٌ» يَعْنِي أَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمُقْتَضَى الْحَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاقِعَةِ هِيَ أَنَّ حَوَانِيتَ الْأَوْقَافِ بِمِصْرَ جَرَتْ عَادَةُ سُكَّانِهَا أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ الْخُرُوجَ مِنْ الدُّكَّانِ أَخَذَ مِنْ الْآخَرِ مَالًا عَلَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِالسُّكْنَى فِيهِ وَيُسَمُّونَهُ خُلُوًّا وَجَدَكًا وَيُتَدَاوَلُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَلَيْسَ يَعُودُ عَلَى تِلْكَ الْأَوْقَافِ نَفْعٌ أَصْلًا غَيْرَ أُجْرَةِ الْحَانُوتِ بَلْ الْغَالِبُ أَنَّ أُجْرَةَ الْحَانُوتِ أَقَلُّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ بِسَبَبِ مَا يَدْفَعُهُ الْآخِذُ مِنْ الْمَالِ وَاَلَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ السَّاكِنُ الَّذِي أَخَذَ الْخُلُوَّ يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ الْحَانُوتِ مُدَّةً فَأَسْكَنَهَا غَيْرَهُ وَأَخَذَ عَلَى ذَلِكَ مَالًا فَإِنْ كَانَ الْآخِذُ بِيَدِهِ إجَارَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ النَّاظِرِ أَوْ الْوَكِيلِ بِشُرُوطِهَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَهُوَ سَائِغٌ لَهُ الْأَخْذُ عَلَى تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا، وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْوَقْفِ لِصُدُورِ الْأُجْرَةِ مُوَافِقَةً لِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ بِإِجَارَةٍ صَحِيحَةٍ فَلَا عِبْرَةَ بِخُلُوِّهِ وَيُؤَجِّرُهُ النَّاظِرُ لِمَنْ شَاءَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَيَرْجِعُ دَافِعُ الدَّرَاهِمِ بِهَا عَلَى مَنْ دَفَعَهَا لَهُ.
[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ صِحَّةِ الْخُلُوِّ]
(فَصْلٌ فِي شُرُوطِ صِحَّةِ الْخُلُوِّ) مِنْهَا أَنْ تَكُونَ الدَّرَاهِمُ الْمَدْفُوعَةُ عَائِدَةً عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ يَصْرِفُهَا فِي مَصَالِحِهِ فَمَا يُفْعَلُ الْآنَ مِنْ صَرْفِ النَّاظِرِ الدَّرَاهِمَ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَعُودُ عَلَى الْوَقْفِ مِنْهَا شَيْءٌ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَيَرْجِعُ دَافِعُ الدَّرَاهِمِ بِهَا عَلَى النَّاظِرِ وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَقْفِ رِيعٌ يُعَمَّرُ
стр. 673
مِنْهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ رِيعٌ يَفِي بِعِمَارَتِهِ مِثْلُ أَوْقَافِ الْمُلُوكِ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ خُلُوٌّ وَيَرْجِعُ دَافِعُ الدَّرَاهِمِ بِهَا عَلَى النَّاظِرِ وَمِنْهَا ثُبُوتُ الصَّرْفِ فِي مَنَافِعِ الْوَقْفِ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ فَلَوْ صَدَقَهُ النَّاظِرُ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتٍ لَمْ يُعْتَبَرْ؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي مَصْرِفِ الْوَقْفِ حَيْثُ كَانَ لَهُ شَاهِدٌ وَفَائِدَةُ الْخُلُوِّ أَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمِلْكِ وَيَجْرِي عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَالْهِبَةُ وَالرَّهْنُ وَوَفَاءُ الدَّيْنِ وَالْإِرْثُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ فَتْوَى النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ وَسُئِلَ عَنْ هَذَا كُلِّهِ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ السَّنْهُورِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؟
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْخَلَوَاتُ الشَّرْعِيَّةُ يَصِحُّ وَقْفُهَا وَيَكُونُ لَازِمًا مُنْبَرِمًا مَعَ شَرْطِ اللُّزُومِ كَالْحَوْزِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ كَالدَّيْنِ كَوَقْفِ صَحِيحِ الْإِمْلَاكِ وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ وَرَهْنُهُ وَإِجَارَتُهُ وَهِبَتُهُ وَعَارِيَّتُهُ كُلُّ ذَلِكَ صَحِيحُ وَلِوَاقِفِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ مُؤَبَّدًا أَوْ مُؤَقَّتًا عَلَى غَيْرِهِ فَقَطْ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ أَوْ عَلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْخَيْرِ كَوَقُودِ مِصْبَاحٍ وَتَفْرِقَةِ خُبْزٍ وَتَسْبِيلِ مَاءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنُصُّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ وَيَرَاهُ وَيَشْتَرِطُ فِيهِ مَا يَجُوزُ لَهُ اشْتِرَاطُهُ مِنْ الْأُمُورِ الْجَائِزَةِ عَمَلًا بِمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الشَّيْخُ نَاصِرُ الدِّينِ اللَّقَانِيُّ فِي فَتْوَاهُ انْتَهَى.
وَقَدْ بَحَثَ فِي ذَلِكَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ حَاصِلُهُ أَنَّ الْخُلُوَّ هُوَ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَحَلُّ صِحَّةِ وَقْفِ الْمَنْفَعَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَنْفَعَةَ حَبْسٍ لِتَعَلُّقِ الْحَبْسِ بِهَا، وَمَا تَعَلَّقَ الْحَبْسُ بِهِ لَا يُحْبَسُ وَلَوْ صَحَّ وَقْفُ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ لَصَحَّ وَقْفُ الْوَقْفِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ شَرْعًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُوقَفُ مَا فُتِحَ مِنْ الْأَرْضِ عَنْوَةً وَلَوْ لِمَنْ أَقْطَعَهُ لَهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهَا بِمُجَرَّدِ الْفَتْحِ صَارَتْ وَقْفًا فَلَا يَصِحُّ وَقْفُهَا شَرْعًا، وَلَا عَقْلًا وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ ذَاتٍ وُقِفَتْ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ الْوَقْفُ بِمَنْفَعَتِهَا، وَأَنَّ ذَاتَهَا مَمْلُوكَةٌ لِلْوَاقِفِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ بُطْلَانَ تَحْبِيسِ الْخُلُوِّ، وَأَمَّا أُجْرَتُهُ فَيَصِحُّ تَحْبِيسُهَا لَكِنَّهُ يَبْطُلُ تَحْبِيسُهَا بِمَوْتِ الْمُحْبِسِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ فَتَكُونُ أُجْرَتُهَا لَهُ إلَّا أَنْ يُجِيزَ فِعْلَ مَوْرُوثِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ بَالَغَ فِي عَدَمِ صِحَّةِ وَقْفِ الْخُلُوِّ، وَلَكِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ مَا أَفْتَى بِهِ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ السَّنْهُورِيُّ مِنْ صِحَّةِ وَقْفِ الْخُلُوِّ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ كَثِيرًا فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَيَلْزَمُ عَلَى بُطْلَانِهِ ضَيَاعُ أَمْوَالِ النَّاسِ وَكَثْرَةُ الْخِصَامِ الْمُؤَدِّي لِلتَّفَاقُمِ انْتَهَى كَلَامُ الْغَرْقَاوِيِّ مُلَخَّصًا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ، وَإِنْ مَنْفَعَةً وَلَوْ خُلُوَّ وَقْفٍ آخَرَ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ قَالَ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ الْمَذْكُورَةِ اعْلَمْ أَنَّ الْخُلُوَّ يُصَوَّرُ بِصُوَرٍ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ آيِلًا لِلْخَرَابِ فَيُكْرِيهِ نَاظِرُ الْوَقْفِ لِمَنْ يُعَمِّرُهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْحَانُوتُ مَثَلًا يُكْرَى بِثَلَاثِينَ نِصْفَ فِضَّةٍ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَصَارَتْ الْمَنْفَعَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا فَمَا قَابَلَ الدَّرَاهِمَ الْمَصْرُوفَةَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ هُوَ الْخُلُوُّ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْبَيْعُ وَالْوَقْفُ وَالْإِرْثُ وَالْهِبَةُ وَيُقْضَى مِنْهُ الدَّيْنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَلَا يَسُوغُ لِلنَّاظِرِ إخْرَاجُهُ مِنْ الْحَانُوتِ وَلَوْ وَقَعَ عَقْدُ الْإِيجَارِ عَلَى سِنِينَ مُعَيَّنَةٍ كَتِسْعِينَ سَنَةٍ، وَلَكِنْ شَرْطُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ رِيعٌ يُعَمَّرُ بِهِ
الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَسْجِدِ مَثَلًا حَوَانِيتُ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ وَاحْتَاجَ الْمَسْجِدُ لِتَكْمِيلٍ أَوْ عِمَارَةٍ وَيَكُونُ الدُّكَّانُ يُكْرَى الشَّهْرُ بِثَلَاثِينَ نِصْفًا مَثَلًا، وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ رِيعٌ يُكَمَّلُ بِهِ الْمَسْجِدُ أَوْ يُعَمَّرُ بِهِ فَيَعْمِدُ النَّاظِرُ إلَى السَّاكِنِ فِي الْحَوَانِيتِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ قَدْرًا مِنْ الْمَالِ يُعَمَّرُ بِهِ الْمَسْجِدُ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَثَلًا فِي كُلِّ شَهْرٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْحَانُوتِ الْمَذْكُورَةِ شَرِكَةٌ بَيْنَ صَاحِبِ الْخُلُوِّ وَالنَّاظِرِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا أَفْتَى بِهِ النَّاصِرُ كَمَا أَفَادَهُ الْأُجْهُورِيُّ.
الثَّالِثَةُ أَنْ تَكُونَ أَرْضٌ مُحْبَسَةً فَيَسْتَأْجِرَهَا مِنْ النَّاظِرِ وَيَبْنِيَ فِيهَا دَارًا مَثَلًا عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ كُلَّ شَهْرٍ لِجِهَةِ الْوَقْفِ ثَلَاثِينَ نِصْفًا
стр. 674
فِضَّةً، وَلَكِنَّ الدَّارَ تُكْرَى بِسِتِّينَ نِصْفَ فِضَّةٍ مَثَلًا فَالْمَنْفَعَةُ الَّتِي تُقَابِلُ الثَّلَاثِينَ الْأُخْرَى يُقَالُ لَهَا خُلُوٌّ، وَإِذَا اشْتَرَكَ فِي الْبِنَاءِ الْمَذْكُورِ جَمَاعَةٌ وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ بَيْعَ حِصَّتِهِ فِي الْبِنَاءِ فَلِشُرَكَائِهِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، وَإِذَا حَصَلَ خَلَلٌ فِي الْبِنَاءِ فَفِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ الْإِصْلَاحُ عَلَى النَّاظِرِ وَصَاحِبِ الْخُلُوِّ عَلَى قَدْرِ مَا لِكُلٍّ وَفِي الْأَخِيرَةِ عَلَى صَاحِبِ الْخُلُوِّ وَحْدَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْخُلُوَّ مِنْ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ لَا مِنْ مِلْكِ الِانْتِفَاعِ إذْ مَالِكُ الِانْتِفَاعِ يَنْتَفِعُ بِنَفْسِهِ فَقَطْ، وَلَا يُؤَجِّرُ، وَلَا يَهَبُ، وَلَا يُعِيرُ وَمَالِكُ الْمَنْفَعَةِ لَهُ تِلْكَ الثَّلَاثَةُ مَعَ انْتِفَاعِهِ بِنَفْسِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَالِكَ الِانْتِفَاعِ يَقْصِدُ ذَاتَه مَعَ وَصْفِهِ كَإِمَامٍ وَخَطِيبٍ وَمُدَرِّسٍ وُقِفَ عَلَيْهِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ بِخِلَافِ مَالِك الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الِانْتِفَاعُ بِالذَّاتِ بِأَيِّ مُنْتَفَعٍ كَمُسْتَعِيرٍ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ إعَارَتِهِ، ثُمَّ إنَّ مَنْ مَلَكَ الِانْتِفَاعَ وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْهُ وَيَأْخُذُهُ الْغَيْرُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ وَالْخُلُوُّ مِنْ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ فَلِذَلِكَ يُورَثُ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مُشَاهَرَةً وَالْإِجَارَةُ لِغَيْرِهِ فَلِذَلِكَ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُرْفَ عِنْدَنَا بِمِصْرَ أَنَّ الْأَحْكَامَ مُسْتَمِرَّةٌ لِلْأَبَدِ، وَإِنْ عُيِّنَ فِيهَا وَقْتُ الْإِجَارَةِ مُدَّةً فَهُمْ لَا يَقْصِدُونَ خُصُوصَ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَالْعُرْفُ عِنْدَنَا كَالشَّرْطِ فَمَنْ احْتَكَرَ أَرْضًا مُدَّةً وَمَضَتْ فَلَهُ أَنْ يَبْقَى وَلَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَمْرُ الْأَرْضِ إخْرَاجُهُ نَعَمْ إنْ حَصَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَصْرِ عَلَى زَمَنِ الْإِجَارَةِ لَا عَلَى الْأَبَدِ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِذَلِكَ نَحْوُ: إنَّ مُدَّةَ الِاحْتِكَارِ كَذَا وَكَذَا.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْخُلُوَّ اسْمٌ لِلْمَنْفَعَةِ الَّتِي جَعَلَ فِي مُقَابَلَتِهَا الدَّرَاهِمَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ وَقْفَ الْأُجْرَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُجْهُورِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا وَمُخَالَفَةُ الْأُجْهُورِيِّ لِغَيْرِهِ إنَّمَا هِيَ فِي وَقْفِ الْمَنْفَعَةِ وَالْحَقُّ مَعَ غَيْرِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ بَعْضُهَا مَوْقُوفٌ وَبَعْضُهَا غَيْرُ مَوْقُوفٍ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْخُلُوِّ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَمَّا إنْ كَانَ لِذِمِّيٍّ خُلُوٌّ فِي وَقْفِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ وَقْفِهِ عَلَى كَنِيسَةٍ مَثَلًا قَطْعًا بِالْعَقْلِ وَالنَّقْلِ هَذِهِ عِبَارَةُ الْحَاشِيَةِ وَقَوْلُهُ بِالْعَقْلِ أَيْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ الْأَصْلِيَّ حَامِلٌ لِمَنْفَعَةِ الْخُلُوِّ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَحْمِلَ الْمَسْجِدَ لِلْكَنِيسَةِ وَالنَّقْلُ النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ إذْلَالُ الْكُفْرِ وَهَذَا يُنَافِيهِ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ مِنْ أَنَّ وَقْفَ الْأُجْرَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي وَقْفِ الْمَنْفَعَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأُجْرَةَ نَاشِئَةٌ عَنْ الْمَنْفَعَةِ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْأُجْهُورِيِّ مِنْ تَأْبِيدِ الْحِكْرِ وَلَوْ ذُكِرَ أَجَلٌ كَسِتِّينَ سَنَةً يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ ضَرْبَ الْأَجَلِ عَلَى هَذَا يَصِيرُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ ضَرَبَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَقْبُوضِ وَمَعَهُ تَأْبِيدُ الْحِكْرِ فَتَكُونُ الدَّرَاهِمُ عُجِّلَتْ فِي نَظِيرِ شَيْئَيْنِ: الْأَجَلُ الْمَضْرُوبُ وَالتَّأْبِيدُ بِالْحِكْرِ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ الْخُلُوَّ رُبَّمَا يُقَاسُ عَلَيْهِ الْجَدَكُ الْمُتَعَارَفُ فِي حَوَانِيتِ مِصْرَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ الْخُلُوُّ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَقْفِ لِمَصْلَحَةٍ وَهَذَا يَكُونُ فِي الْمِلْكِ قِيلَ لَهُ إذَا صَحَّ فِي وَقْفٍ فَالْمِلْكُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَفْعَلُ فِي مِلْكِهِ مَا يَشَاءُ نَعَمْ بَعْضُ الْجَدَكَاتِ بِنَاءٌ أَوْ إصْلَاحُ أَخْشَابٍ فِي الْحَانُوتِ مَثَلًا بِإِذْنٍ وَهَذَا قِيَاسُهُ عَلَى الْخُلُوِّ ظَاهِرٌ خُصُوصًا وَقَدْ اسْتَنَدُوا فِي تَأْبِيدِ الْحِكْرِ لِلْعُرْفِ وَالْعُرْفُ حَاصِلٌ فِي الْجَدَكِ وَبَعْضُ الْجَدَكَاتِ وَضْعُ أُمُورٍ مُسْتَقِلَّةٍ فِي الْمَكَانِ غَيْرُ مُسْتَمِرَّةٍ فِيهِ كَمَا يَقَعُ فِي الْحَمَّامَاتِ وَحَوَانِيتِ الْقَهْوَةِ بِمِصْرَ فَهَذِهِ بَعِيدَةٌ عَنْ الْخَلَوَاتِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ لِلْمَالِكِ إخْرَاجُهَا وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ مَا نَصُّهُ: قَدْ أَفْتَى شَيْخُنَا عَبْدُ الْبَاقِي بِإِبْطَالِ وَقْفِ الْخُلُوِّ فَرَاجَعَهُ
стр. 675
وَلَدُهُ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ بِفَتْوَى الشَّيْخِ السَّنْهُورِيِّ وَبِفَتْوَى النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ بِجَوَازِ بَيْعِهِ وَإِرْثِهِ فَرَجَعَ عَنْ فَتْوَاهُ الْمَذْكُورَةِ انْتَهَى. وَفَتْوَاهُ الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا تَبِعَ فِيهَا شَيْخَهُ الْأُجْهُورِيَّ وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْوَقْفِ وَقْفٌ فَلَوْ صَحَّ وَقْفُ الْخُلُوِّ لَزِمَ وَقْفُ الْوَقْفِ وَأَيْضًا فَشَرْطُ الشَّيْءِ الْمُحْبَسِ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَقْفَ وَالْحَقَّ فِي الْمَنْفَعَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْوَقْفُ الثَّانِي لِلْخُلُوِّ الَّذِي حَصَلَ بِالتَّعْمِيرِ مَثَلًا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَحَلُّ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مِلْكِ مَنْفَعَةِ الْخُلُوِّ وَقْفُهَا فَإِنَّ الْمَالِكَ قَدْ يُمْنَعُ مَنْ فِعْلِ بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ لِمَانِعٍ كَمَنْعِ وَقْفِ مَنْ مَلَكَ عَبْدًا عَلَى مَرَضِيٍّ بِقَصْدِ الضَّرَرِ وَمَنْعِ مَالِكِ آلَةِ الْحَرْبِ مِنْ بَيْعِهَا لِحَرْبِيٍّ وَقَاطِعِ طَرِيقٍ وَمَنْعِ مَالِكِ عَبْدٍ مُسْلِمٍ مِنْ بَيْعِهِ لِكَافِرٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَعَلُّقَ الْوَقْفِ بِمَنْفَعَتِهِ يَمْنَعُ وَقْفَهَا لَمَا بَيَّنَّا مِنْ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِ وَقَدْ عَلِمْتَ جَوَابَهُ مِنْ اخْتِلَافِ مَحَلِّ الْوَقْفَيْنِ وَالْحَقَّيْنِ نَعَمْ يَظْهَرُ كَلَامُ الْأُجْهُورِيِّ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ صُوَرِ الْخُلُوِّ السَّابِقَةِ فِي كَلَامِ الْحَاشِيَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ عِمَارَةً إنَّمَا أَخَذَ الدَّرَاهِمَ عَمَّرَ بِهَا الْمَسْجِدَ وَجَعَلَ الْحَانُوتَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ بَعْدَ أَنْ كَانَ بِثَلَاثِينَ فَصَارَتْ مَنْفَعَةُ الْحَانُوتِ الْوَقْفِ بِعَيْنِهَا مُشْتَرَكَةً بَيْنَ صَاحِبِ الْخُلُوِّ وَالنَّاظِرِ فَكَيْفَ يُوقِفُهَا ثَانِيًا فَتَدَبَّرْ انْتَهَى كَلَامُ ضَوْءِ الشُّمُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ بِيَدِهِ حَبْسٌ مُعَقَّبٌ بِالسَّمَاعِ الْفَاشِي بَاعَهُ وَدَفَعَ ثَمَنَهُ لِأَمِيرٍ لَيُوَلِّيَهُ عَلَى أَهْلِ قَرْيَتِهِ وَعُرْفُهُمْ جَارٍ بِبَيْعِ الْحَبْسِ، ثُمَّ قَامَ أَوْلَادُ الْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِدَعْوَى الْحَبْسِ الْمُعَقَّبِ وَبِأَنَّ بَيْعَ أَبِيهِمْ كَانَ ثِنْيًا لِأَدَائِهِ الْوَظِيفَةَ الْمُقَرَّرَةَ عَلَيْهِ لِلْأَمِيرِ وَعُرْفُهُمْ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي التَّحْبِيسَ لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ وَالْوَثِيقَةِ وَالثِّنْيَا، وَادَّعَى أَنَّ الْبَيْعَ بَتٌّ وَتَمَسَّكَ بِطُولِ زَمَنِ حِيَازَتِهِ نَحْوَ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إذَا ثَبَتَ الْحَبْسُ بِالسَّمَاعِ فَبَيْعُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا فَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَأَوْلَادِ الْبَائِعِ وَجَمَاعَةِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فَسْخُهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِعُرْفِهِمْ الْمُخَالِفِ لِلشَّرْعِ، وَلَا بِعَدَمِ الْوَثِيقَةِ وَبَيِّنَةِ الْبَتِّ وَسَوَاءٌ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْبَتِّ أَوْ الثَّنِيَّا وَهَذَا أَزْيَدُ فَسَادًا، وَلَا عِبْرَةَ بِطُولِ زَمَنِ حِيَازَةِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْحِيَازَةَ لَا تَنْفَعُ فِي الْوَقْفِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ الْحَوْزِ إلَّا بِكَالْإِسْكَانِ وَالْإِمْتَاعِ؛ لِأَنَّ الْحِيَازَةَ إذَا جُهِلَ كَيْفِيَّةُ دُخُولِ الْحَائِزِ أَوْ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ لَا حِيَازَةَ فِيهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى.
وَقَالَ الْعَدَوِيُّ عَدَمُ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ مُدَّةِ الْحِيَازَةِ فِي غَيْرِ وَثَائِقِ الْحُقُوقِ، وَإِلَّا فَلَهُ الْقِيَامُ بِمَا فِيهَا وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْحَبْسُ لَا تَنْفَعُ فِيهِ الْحِيَازَةُ بَلْ الْمُدَّعِي عَلَى دَعْوَاهُ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ وَمِثْلُ ذَلِكَ الطُّرُقُ وَالْمَسَاجِدُ لَا حِيَازَةَ فِيهَا بَلْ تُسْمَعُ فِيهَا الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[رَجُل وَقَفَ نِصْفَ دَارِ سُكْنَاهُ وَنِصْفَ سَاقِيَّتِهِ بِمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ الْأَرْضِ عَلَى أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ وَقَفَ نِصْفَ دَارِ سُكْنَاهُ وَنِصْفَ سَاقِيَّتِهِ بِمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ الْأَرْضِ عَلَى أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ وَحَازَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ فَهَلْ هَذَا الْوَقْفُ صَحِيحٌ وَجَائِزٌ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ صَدَرَ مِنْهُ هَذَا الْوَقْفُ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَحَازُوهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا فَهُوَ صَحِيحٌ مَاضٍ فَيَخْتَصُّونَ بِهِ عَنْ بَاقِي الْوَرَثَةِ، وَإِنْ كُرِهَ ابْتِدَاءً قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَكُرِهَ عَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَقْوَالِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 676
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[قِسْمَة الْعَقَارِ الْمُحْبَسِ مِنْ نَخِيلٍ وَشَجَرٍ قِسْمَةَ اغْتِلَالٍ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي قِسْمَةِ الْعَقَارِ الْمُحْبَسِ مِنْ نَخِيلٍ وَشَجَرٍ قِسْمَةَ اغْتِلَالٍ بِحَيْثُ يَضَعُ بَعْضُ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ يَدَهُ عَلَى بَعْضِهِ يُعَالِجُهُ بِالسَّقْيِ وَالتَّأْبِيرِ وَغَيْرِهِمَا وَيَسْتَقِلُّ بِغَلَّتِهِ وَيَضَعُ بَعْضٌ آخَرُ يَدَهُ عَلَى بَعْضٍ آخَرَ مِنْهُ كَذَلِكَ صِيَانَةً لِثَمَرَتِهِ مِنْ الضَّيَاعِ وَلِلْأُصُولِ مِنْ التَّعْطِيلِ بِاتِّكَالِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَهَلْ تَسُوغُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ جَرَى بِهَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا، وَفِي بَعْضِ نَوَاحِينَا يَقْتَسِمُونَهُ بَتًّا وَيَقُولُونَ: إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ فَهَلْ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ فِي الْمَذْهَبِ وَلَوْ شَاذًّا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ تَسُوغُ قِسْمَتُهُ قِسْمَةَ اغْتِلَالٍ وَانْتِفَاعٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَاسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ وَأَفْتَى بِهِ الْأُجْهُورِيُّ مِرَارًا وَحِينَئِذٍ فَيُتْرَكُ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَلَا يُشَوَّشُ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ، وَإِنْ أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَأَمَّا قِسْمَتُهُ بَتًّا بِحَيْثُ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ، وَلَا يُنْقَضُ الْقَسْمُ بِاخْتِلَافِ عَدَدِهِمْ أَوْ الْحَبْسُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ فَلَا تَجُوزُ اتِّفَاقًا، وَلَمْ أَعْلَمْ لِعَمَلِ بَعْضِ نَوَاحِيكُمْ فِيهَا مُسْتَنَدًا فِي الْمَذْهَبِ لَا مَشْهُورًا، وَلَا شَاذًّا وَنَصَّ الْأُجْهُورِيُّ فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ الْقِسْمَةُ فِي مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ وَفِي الْغَلَّةِ صَحِيحَةٌ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ مُخَالَفَةٌ لِمَا اعْتَبَرَهُ الْوَاقِفُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي جَوَابٍ آخَرَ قَسْمُ الشَّيْءِ الْمُحْبَسِ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَمْلِكُ مَا خَرَجَ لَهُ بِالْقَسْمِ أَوْ يَبْقَى عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَوْ تَغَيَّرَ حَالُ الْحَبْسِ بِنَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ امْتَنَعَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ مَا دَامَ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُ الْحَبْسِ فَإِنْ تَغَيَّرَ جَرَى فِيهِ التَّغْيِيرُ فَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْجَوَازَ ا. هـ. وَقَالَ فِي جَوَابٍ آخَرَ لَا يَجُوزُ قَسْمُ الْحَبْسِ، وَلَا بَعْضِهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَخْتَصُّ بِمَا صَارَ لَهُ وَيَفْعَلُ فِيهِ مَا شَاءَ كَمَا يَفْعَلُ الْمَالِكُ فِيمَا يَمْلِكُهُ، وَأَمَّا قَسْمُهُ مُهَايَأَةً عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ بَعْضُ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ مَوْضِعًا وَالْآخَرُ مَوْضِعًا لِيَنْتَفِعَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا أَخَذَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِالتَّرَاضِي عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَإِذَا وَقَعَ الْقَسْمُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ انْتَهَى.
[حَائِط مُحْبَسٍ عَلَى رَجُلَيْنِ أَرَادَا اقْتِسَامَهُ لِلِاغْتِلَالِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا]
وَفِي الْبُرْزُلِيِّ سُئِلَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ عَنْ حَائِطٍ مُحْبَسٍ عَلَى رَجُلَيْنِ أَرَادَا اقْتِسَامَهُ لِلِاغْتِلَالِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ لَا يَجُوزُ قَسْمُ الْحَبْسِ لِلِاغْتِلَالِ، وَلَا غَيْرِهِ انْتَهَى قَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَقِبَهُ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ قَسَمَهُ لِلِاغْتِلَالِ وَمَا أَجَازَهُ مَالِكٌ مِنْ قِسْمَةِ الْغَنَمِ لِلَّبَنِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُكَارَمَةِ بِحَيْثُ لَوْ اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَجْرِيَ هُنَا أَيْضًا، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ لَنَا شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ فِي قِسْمَةِ الْحَبْسِ اخْتِلَافٌ مَوْجُودٌ فِي مَسَائِلِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ حَبَسَ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ فَلَمْ يُجِزْ الْكِبَارُ حَتَّى مَاتَ أَوْ فَلَّسَ بَطَلَ، وَلَا يَجُوزُ مِنْهُ شَيْءٌ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَا الْهِبَةُ، وَرَوَى عَلِيٌّ أَنَّ الصَّدَقَةَ يَجُوزُ مِنْهَا حَظُّ الصِّغَارِ؛ لِأَنَّهَا تُقَسَّمُ وَيَبْطُلُ الْحَبْسُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَسَّمُ وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ وَلَدِ الْأَعْيَانِ: يُقَسَّمُ الْحَبْسُ عَلَى عَدَدِ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ، ثُمَّ قَالَ فَإِنْ انْقَرَضَ وَاحِدٌ مِنْ وَلَدِ وَلَدِ الْأَعْيَانِ قُسِّمَ نَصِيبُهُ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ وَلَدِ الْأَعْيَانِ وَعَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ طُولٌ وَلِابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِيهَا كُتُبٌ وَفِي الْمُقَرَّبِ فِيهَا بَيَانٌ وَذَكَرْتهَا لِأَجْلِ الْقِسْمَةِ فِي الْحَبْسِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَفِي الْمُنْتَخَبِ اخْتَلَفَ ابْنُ أَيْمَنَ وَابْنُ الْأَعْبَسِ فِي قِسْمَةِ الْحَبْسِ فَقَالَ الْأَوَّلُ: يُقَسَّمُ وَيَكْتُبُ بِهِ
стр. 677
وَثِيقَةً وَقَالَ الْآخَرُ: لَا يُقَسَّمُ وَيُفْسَخُ إنْ وَقَعَ وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةٍ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَةِ وَاخْتِلَافُهُمَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قِسْمَةِ الْحَبْسِ فِي الْمَرَضِ قِسْمَةُ انْتِفَاعٍ لَا قِسْمَةٌ يُمْنَعُ مِنْهَا مَنْ أَبَى وَالْمَمْنُوعُ مِنْهَا قِسْمَةُ الْبَتَاتِ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ أَنَّ قِسْمَةَ الِانْتِفَاعِ جَائِزَةٌ عَلَى الظَّاهِرِ أَوْ اتِّفَاقًا وَأَنَّ قِسْمَةَ الْبَتَاتِ مَمْنُوعَةٌ اتِّفَاقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[مُحْبَس عَلَيْهِ أَرْضٌ بَنَى أَوْ غَرَسَ فِيهَا وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَلَكَهُ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي مُحْبَسٍ عَلَيْهِ أَرْضٌ بَنَى أَوْ غَرَسَ فِيهَا وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَلَكَهُ وَقُلْنَا لَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ نَقْضُهُ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَاسْتَغَلَّ مَا بَنَاهُ أَوْ غَرَسَهُ، ثُمَّ مَاتَ فَطَلَبَ وَارِثُهُ النَّقْضَ فَهَلْ يُحَاسَبُ بِالْغَلَّةِ الَّتِي اسْتَغَلَّهَا مَوْرُوثُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ لَا؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يُحَاسَبُ بِهَا؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ لِمُوَرِّثِهِ بِالتَّحْبِيسِ وَالْأَنْقَاضُ مِلْكُهُ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُحَاسَبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(وَمَا قَوْلُكُمْ) فِي الْعَقَارِ الْمُحْبَسِ يُوشِكُ أَنْ يَخْرُبَ أَوْ يَخْرُبَ بِالْفِعْلِ فَيَدْفَعُهُ مُسْتَحِقُّهُ لِمَنْ يُعَمِّرُهُ بِسُكْنَاهُ لِمُدَّةٍ كَثَمَانِينَ سَنَةٍ وَدَرَاهِمَ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهَا زِيَادَةً عَلَى السُّكْنَى فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَهَلْ إذَا مَاتَ ذَلِكَ الْمُسْتَحِقُّ وَانْتَقَلَ الْحَقُّ لِغَيْرِهِ تُفْسَخُ تِلْكَ الْعُقْدَةُ أَوْ لَا؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَإِنْ وَقَعَ يُفْسَخُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ وَيُكْرَى وَيُدْفَعُ لِلِبَانِي قِيمَةُ بِنَائِهِ قَائِمًا مِنْ كِرَائِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
[بَيْعِ الْحَبْسِ الْمُعَقَّبِ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي حُكْمِ قُضَاتِنَا بِجَوَازِ بَيْعِ الْحَبْسِ الْمُعَقَّبِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْوَاقِفُ حَيْثُ أَثْبَتَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ الْحَاجَةَ الشَّدِيدَةَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَسُدُّ خَلَّتِهِ سِوَاهُ وَلَيْسَ لَهُ غَلَّةٌ تَكْفِيهِمْ وَاعْتَمَدَ الْقُضَاةُ الْمَذْكُورُونَ عَلَى نَقْلِ الْعُمَيْرِيِّ شَارِحِ الْعَمَلِيَّاتِ الْفَاسِيَّةِ عَلَى الْمِعْيَارِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبْسِ لِعَارِضِ الْحَاجَةِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْوَاقِفُ وَنَسَبَهُ لِلْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ بْنِ مَحْسُودٍ وَغَيْرِهِ فَهَلْ تُقَرَّرُ أَحْكَامُهُمْ بِذَلِكَ أَوْ تُنْقَضُ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُمْ بِذَلِكَ وَفَتْوَى ابْنِ مَحْسُودٍ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلِمَا ظَهَرَ لَهُ بُطْلَانُهَا رَجَعَ عَنْهَا كَمَا نَقَلَهُ شَارِحُ الْعَمَلِيَّاتِ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ النَّاظِمِ:
بَيْعُ الْمُحْبَسِ عَلَى الْمِسْكِينِ لَمْ ... يَقَعْ مِنْ الْحَاجَةِ عِنْدَ مَنْ حَكَمَ
يُرِيدُ أَنَّ الْحُكَّامَ أَيْ الْقُضَاةَ لَمْ يُرَخِّصُوا فِي بَيْعِ مَا حُبِسَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ أَجْلِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ كَالْجُوعِ مَثَلًا إذَا وَقَعَ وَخِيفَ الْهَلَاكُ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَلَمْ يَكُنْ فِي غَلَّةِ الْحَبْسِ مَا يَسُدُّ خَلَّتَهُمْ وَيَرُدُّ جَوْعَتَهُمْ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، وَهُوَ مِنْ نَمَطِ مَا قَدَّمْنَا نَقْلَهُ عَنْ الشَّارِحِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَرَهْنُ مَنْفَعَةِ حَبْسِ الْبَيْتِ مِنْ أَنَّ الْمُحْبَسَ عَلَيْهِ إذَا ضَاعَ فِي زَمَنِ الْمَسْغَبَةِ وَاضْطُرَّ لِبَيْعِ الْحَبْسِ لَمْ يَفْتَحْ لَهُ قُضَاةُ الْوَقْتِ بَابًا إلَى ذَلِكَ، وَكَأَنَّ النَّاظِمَ قَصَدَ بِهَذَا الْبَيْتِ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ فَتْوَى الشَّيْخِ ابْنِ مَحْسُودٍ بِجَوَازِ الْبَيْعِ لِذَلِكَ لَمْ يَجْرِ بِهَا عَمَلٌ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ اقْتَصَرَ عَلَى نَقْلِهَا مُسَلَّمَةً فَقَدْ قِيلَ إنَّ ابْنَ مَحْسُودٍ
стр. 678
رَجَعَ عَنْهَا
ثُمَّ قَالَ وَسُئِلَ الْفَقِيهُ الصَّيْدَلَانِيُّ عَنْ أَقْوَامٍ بَاعُوا حَبْسًا مُؤَبَّدًا وَفَرَّقُوا أَثْمَانَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَرُبَّمَا بَاعُوهُ بِمَا يُسَاوِي الثَّمَنَ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهُ وَزَعَمُوا أَنَّ الْفَقِيهَ ابْنَ مَحْسُودٍ أَبَاحَهُ لَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِهِ وَاَلَّذِي كُنَّا نَعْرِفُهُ مِنْ قَوْلِهِ وَفُتْيَاهُ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي بَيْعِ أَمْوَالِ الْمَسَاكِينِ حَبْسًا كَانَ أَوْ صَدَقَةً فَهَلْ يَنْفُذُ بَيْعُهُمْ لِذَلِكَ أَمْ يُنْقَضُ؟ وَكَيْفَ يُفْعَلُ بِالثَّمَنِ الَّذِي فُرِّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ؟
فَأَجَابَ لَا تُبَاعُ الْأَحْبَاسُ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَانَتْ لِجَمْعٍ مِنْ النَّاسِ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ وَقُلْتُمْ إنَّ الشَّيْخَ ابْنَ مَحْسُودٍ كَانَ أَفْتَاهُمْ بِذَلِكَ فَمَا عَلِمْت ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا أَنَّ أَبَا يَحْيَى ذَكَرَ لَهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ كِتَابِهِمْ هَذَا أَنَّهُ كَانَ أَفْتَى بِمَا ذُكِرَ، ثُمَّ إنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ إلَى إبْطَالِ بَيْعِ الْحَبْسِ الْمُؤَبَّدِ فَإِنْ بِيعَ شَيْءٌ مِنْهُ نُقِضَ الْبَيْعُ وَيَقْضِي الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ مِمَّا وَجَبَ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْصَى بِهَا لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَمِنْ غَلَّةِ هَذَا الْحَبْسِ، وَلَا يُبَاعُ الْحَبْسُ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ؛ لِأَنَّهُ كُلَّهُ حَبْسٌ فَيَكُونُ حَبْسًا نُقِلَ إلَّا حَبْسٌ، وَإِنْ بِيعَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ.
وَوَقَعَ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَا يَنْتَصِفُ أُخِذَ الثَّمَنُ فَجُعِلَ فِي حَبْسِ مِثْلِهِ، وَلَا يُؤْكَلُ الثَّمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَاحْذَرْ خِلَافَ ذَلِكَ، وَلَا تُرَخِّصْ فِي بَيْعِهِ انْتَهَى. وَأَصْلُ مَا أَفْتَى بِهِ الْفَقِيهُ الصَّيْدَلَانِيُّ مِنْ نَقْضِ الْبَيْعِ إنْ وَقَعَ هُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ آخِرَ الرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْقَضَاءِ وَنَصُّهُ.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ فِي مَنْزِلٍ حُبِسَ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَرُفِعَ إلَى قَاضٍ فَجَهِلَ وَبَاعَهُ وَفَرَّقَ ثَمَنَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى غَيْرِهِ بَعْدَهُ فَرَأَى أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَرُدَّ الْمَنْزِلَ حَبْسًا كَمَا كَانَ، وَيَدْفَعُ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي مِنْ غَلَّةِ الْحَبْسِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ خَطَأَ السُّلْطَانِ فِي الْأَمْوَالِ عَلَى الِاجْتِهَادِ هَدَرٌ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ حُبِسَتْ عَلَيْهِ أَرْضٌ فَغَرَسَ بَعْضَهَا وَأَشْهَدَ عَلَى قَصْدِهِ مِلْكَ الْغَرْسِ، ثُمَّ جَعَلَهُ عِوَضًا فِي بَاقِي الْأَرْضِ فِي التَّحْبِيسِ، ثُمَّ بَاعَ الْبَاقِيَ فَهَلْ تُنْقَضُ مُعَاوَضَتُهُ وَبَيْعُهُ.
فَأَجَبْت: بِأَنَّهُمَا يُنْقَضَانِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي مُحْبَسٍ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُجَاوِرَةٌ لِدُورِ سُكْنَاهُ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ دُورًا أُخْرَى يَتَّسِعُ بِهَا فِي السُّكْنَى وَالْحَالُ أَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا عَلَى عَدَمِهِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِشَرْطِ تَمْيِيزِهَا عَنْ مِلْكِهِ وَكِتَابَةِ وَثِيقَةٍ بِذَلِكَ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي الْحَبْسِ الثَّابِتِ بِالسَّمَاعِ الْفَاشِي وَلَهُ وَثِيقَةٌ نَاقِصَةٌ بَعْضُ الشُّرُوطِ بِحَيْثُ يُوجِبُ النَّقْصُ بُطْلَانَ الْحَبْسِ فَهَلْ يُعْتَمَدُ عَلَى السَّمَاعِ وَيُصْرَفُ النَّظَرُ عَنْ الْوَثِيقَةِ أَوْ يُعْمَلُ بِمُقْتَضَى الْوَثِيقَةِ وَيُلْغَى السَّمَاعُ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يُعْتَمَدُ عَلَى السَّمَاعِ وَيُصْرَفُ النَّظَرُ عَنْ الْوَثِيقَةِ لِنَصِّ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ مِمَّا أُثْبِتَ بِالسَّمَاعِ الْفَاشِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[بَيِّنَة السَّمَاعِ بِالْحَبْسِ هَلْ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهَا لِحُدُودِهِ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي بَيِّنَةِ السَّمَاعِ بِالْحَبْسِ هَلْ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهَا لِحُدُودِهِ، وَإِذَا أُمِرُوا بِبَيَانِ حُدُودِهِ
стр. 679
فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَوْ يُكْتَفَى بِقَوْلِهِمْ لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْعَقَارَ الْفُلَانِيَّ حَبْسٌ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ قَطُّ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهَا لِذَلِكَ، وَلَا بَيَانُهَا لَهُ وَيُكْتَفَى بِمَا ذُكِرَ وَقَدْ بَيَّنَ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ شُرُوطَ بَيِّنَةِ السَّمَاعِ وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهَا ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[عَامِل يَأْتِي مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ وَيَجْعَلُ مَالًا عَلَى بِلَادِنَا يُسَمُّونَهُ بِالسَّنَوِيَّةِ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي عَامِلٍ يَأْتِي مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ وَيَجْعَلُ مَالًا عَلَى بِلَادِنَا يُسَمُّونَهُ بِالسَّنَوِيَّةِ فَيُوَزِّعُونَهُ عَلَى الْعَقَارَاتِ وَالْحَالُ أَنَّ جُلَّهَا مُحْبَسٌ، وَلَا يَجِدُ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مِنْ أَيْنَ يَدْفَعُ مَنَابَ مَا صَارَ إلَيْهِمَا مِنْ تَوْزِيعِ ذَلِكَ الْعَامِلِ وَلَيْسَ لَهُ غَلَّةٌ تَفِي بِمَا يُصْلِحُهُ وَبِذَلِكَ الْمُوَزِّعُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ يَصِيرُ فِيهِ الْعَذَابُ الْأَكْبَرُ مِنْ السِّجْنِ وَالضَّرْبِ وَرُبَّمَا يَئُولُ لِلنَّفْسِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ تِلْكَ الْعَقَارَاتِ الْمُحْبَسَةِ لِأَجْلِ مَا يَقْضِي بِهِ مَا وُزِّعَ عَلَيْهِ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ إمَّا أَنْ يَقَعَ لَهُ الْعَذَابُ فِي بَدَنِهِ أَوْ يَغْصِبُونَ الْعَقَارَ أَصْلًا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْحَبْسِ لِذَلِكَ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ وَيَدْفَعُ مَا يَنُوبُهُ مِنْ الْغَلَّةِ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهَا لِلْإِصْلَاحِ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ يُخْلَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ يَفْعَلُونَ بِهِ مَا بَدَا لَهُمْ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي حَبْسٍ مُعَقَّبٍ عَلَى الْبَنِينَ دُونَ الْبَنَاتِ مِنْ عَقَارٍ وَغَيْرِهِ عَمِلَ بِهِ النَّاسُ وَحَكَمَ بِهِ الْحُكَّامُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، ثُمَّ رَامَ بَعْضُ مَنْ فِي عَصْرِنَا مِنْ الْمَوْسُومِينَ بِالْعِلْمِ إبْطَالَهُ وَنَقْضَهُ وَخُلِطَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ أَحْبَاسِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ وَسَاعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ حُكَّامِ السِّيَاسَةِ وَاشْتَدَّ الْكَرْبُ عَلَى النَّاسِ بِذَلِكَ فَهَلْ لَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا يُجَابُ لِذَلِكَ وَتَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِمَّا رَامَهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَتَشْوِيشِهِ عَلَى النَّاسِ وَفَتْحِهِ بَابَ هَرَجٍ وَفِتْنَةٍ وَلِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِمَا حَكَمَتْ بِهِ الْحُكَّامُ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَلَوْ كَانَ ضَعِيفًا فَكَيْفَ، وَهُوَ هُنَا الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا وَيُكْرَهُ لِمَنْ حَبَسَ أَنْ يُخْرِجَ الْبَنَاتَ مِنْ تَحْبِيسِهِ أَبُو الْحَسَنِ فَإِنْ نَزَلَ مَضَى، وَلَا يُفْسَخُ اللَّخْمِيُّ فَعَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ إنْ نَزَلَ مَضَى ابْنُ عَرَفَةَ إنْ نَزَلَ الْمَكْرُوهُ مَضَى، وَلَا يُفْسَخُ الْمُخْتَصَرُ وَاتَّبَعَ شَرْطَهُ، وَإِنْ كُرِهَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ وَلَدِهِ الَّذِي مَاتَ قَبْلَهُ وَلَهُ حَقٌّ فِي وَقْفٍ مُعَقَّبٍ قَالَ وَاقِفُهُ وَقَفْتُهُ عَلَى أَوْلَادِي، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ عَلَى ذُرِّيَّتِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى مِنْ نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا بِحَيْثُ يَحْجُبُ كُلُّ أَصْلٍ فَرْعَهُ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَتَرَكَ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ أَوْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ، وَإِنْ سَفَلَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ لِإِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي الدَّرَجَةِ انْتَهَى كَلَامُ الْوَقْفِ فَهَلْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ وَلَدِهِ الَّذِي مَاتَ قَبْلَهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
стр. 680
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ نَعَمْ يُشَارِكُ أَوْلَادُ وَلَدِهِ الَّذِي مَاتَ قَبْلَهُ أَوْلَادَهُ فِي نَصِيبِهِ الَّذِي مَاتَ عَنْهُ ذَلِكَ الْوَاقِفُ لِقَوْلِ الْوَاقِفِ تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى مِنْ نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا بِحَيْثُ يَحْجُبُ كُلٌّ فَرْعَهُ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ جَعْلَ التَّرْتِيبِ تَرْتِيبَ آحَادٍ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ؛ لِأَنَّ أَوْ فِيهِ مَانِعَةُ خُلُوٍّ تُجَوِّزُ الْجَمْعَ بِقَرِينَةِ تَصْرِيحِهِ أَوَّلًا بِأَنَّ التَّرْتِيبَ تَرْتِيبُ آحَادٍ.
وَسُئِلَ الْأُجْهُورِيُّ عَنْ رَجُلٍ وَقَفَ عَقَارًا عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ طَبَقَةً بَعْد طَبَقَةٍ وَنَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ رَجُلٌ مِنْ الذُّرِّيَّةِ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ عَنْ أَوْلَادٍ، ثُمَّ مَاتَ وَالِدُهُ عَنْ بِنْتٍ وَعَنْ أَوْلَادِ وَلَدِهِ الْمَذْكُورِينَ فَهَلْ يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْوَلَدِ مَعَ عَمَّتِهِمْ فِي الْوَقْفِ أَمْ لَا، وَإِذَا قُلْتُمْ بِالدُّخُولِ فَهَلْ بِقَدْرِ حِصَّةِ وَالِدِهِمْ أَوْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْوَلَدِ مَعَ عَمَّتِهِمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ فِي الْوَقْفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي لَفْظِ الْوَاقِفِ مَا يَقْتَضِي التَّفْضِيلَ فَيُعْمَلُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ الْأُجْهُورِيُّ أَيْضًا عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَعَقِبِهِ وَنَسْلِهِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ الْعُلْيَا مِنْهُمْ تَحْجُبُ السُّفْلَى، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ عَنْ بِنْتٍ وَأَوْلَادِ ابْنٍ فَهَلْ تَكُونُ حِصَّتُهُ بَيْنَ بِنْتِهِ وَأَوْلَادِ ابْنِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ عَلَى مَا عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ أَوْ يَدْخُلُ أَوْلَادُ ابْنِهِ مَعَ عَمَّتِهِمْ بِقَدْرِ حِصَّةِ وَالِدِهِمْ.
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ تَكُونُ حِصَّتُهُ بَيْنَ بِنْتِهِ وَأَوْلَادِ ابْنِهِ وَيَكُونُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَيَأْخُذُ الذَّكَرُ مِنْ أَوْلَادِ ابْنِهِ مِثْلَ حَظَّيْ عَمَّتِهِ حَيْثُ شَرَطَ الْوَاقِفُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَإِلَّا فَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ الْأُجْهُورِيُّ) عَنْ حَبْسٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ أَوْلَادٍ فَهَلْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ أَوْ لِأَخَوَيْهِ الْبَاقِيَيْنِ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ وَقَدْ مَاتَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ عَنْ ثَلَاثَةِ بَنِينَ وَمَاتَ الثَّانِي عَنْ اثْنَيْنِ وَمَاتَ الثَّالِثُ عَنْ ابْنٍ وَاحِدٍ فَهَلْ يَنْتَقِلُ لِكُلِّ فَرْعٍ مِنْهُمْ مَا كَانَ لِأَصْلِهِ أَوْ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَوْلَادُهُمْ كَمَا اسْتَوَى فِيهِ آبَاؤُهُمْ.
(فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ) مَنْ مَاتَ مِنْ الثَّلَاثَةِ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ الْبَعْدِيَّةَ الْوَاقِعَةَ فِي لَفْظِ الْوَاقِفِ فِي نَحْوِ هَذَا مُعْتَبَرَةٌ بَيْنَ كُلِّ أَصْلٍ وَفَرْعِهِ فَقَطْ أَيْ، ثُمَّ بَعْدَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَوْلَادِهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِّ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا دَرَجَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَكَلَامَ ابْنِ الْحَاجِّ وَدَلِيلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَدْ نَقْلنَا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَيَجْرِي مِثْلُ هَذَا بَيْنَ أَوْلَادِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَهَكَذَا وَكُلُّ مَنْ مَاتَ وَانْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِفَرْعِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ بِيَدِهِ وَلَوْ مَاتَتْ بَقِيَّةُ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ نَصِيبُ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ لِبَنِيهِ الثَّلَاثَةِ وَنَصِيبُ الْمَيِّتِ الثَّانِي لِوَلَدِهِ كَمَا حَقَّقَهُ شَيْخُ شُيُوخِنَا نَاصِرُ الدِّين اللَّقَانِيُّ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ نَحْوِ هَذَا فَأَجَابَ عَنْهُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَلَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْحَطَّابُ وَقَالَ الَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ يَسْتَوُونَ بَعْدَ انْقِرَاضِ آبَائِهِمْ كَمَا اسْتَوَى آبَاؤُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ مَسَائِلَ، ثُمَّ رَأَيْت فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ مَا هُوَ كَالصَّرِيحِ فِيمَا ظَهَرَ لِي قَالَ فِيهَا: وَسُئِلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ عَقْدٍ تَضَمَّنَ حَبْسَ فُلَانٍ عَلَى بَنِيهِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَعَلَى عَقِبِهِمَا حَبْسًا مُؤَبَّدًا وَتَمَّمَ التَّحْبِيسَ عَلَى
стр. 681
وَاجِبِهِ وَحِيزَ وَمَاتَ الْأَبُ وَالِابْنَانِ بَعْدَهُ وَتَرَكَا عَقِبًا كَثِيرًا وَعَقِبُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ عَقِبِ الْآخَرِ وَفِي بَعْضِهِمْ حَاجَةٌ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ.
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: الْوَاجِبُ فِي هَذَا الْحَبْسِ إذَا كَانَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا وَصَفْت أَنْ يُقَسَّمَ عَلَى أَعْقَابِ الْوَلَدَيْنِ جَمِيعًا عَلَى عَدَدِهِمْ، وَإِنْ كَانَ عَقِبُ الْوَلَدِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ عَقِبِ الْآخَرِ بِالسَّوَاءِ إنْ اسْتَوَتْ حَاجَتُهُمْ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ فُضِّلَ ذُو الْحَاجَةِ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُ بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ عَلَى حَسَبِ قِلَّةِ الْعِيَالِ وَكَثْرَتِهِمْ، وَلَا يَبْقَى بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا كَانَ بِيَدِ أَبِيهِ قَبْلَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَعَرَضَ مَا قَالَهُ الْحَطَّابُ عَلَى اللَّقَانِيِّ فَكَتَبَ اعْلَمْ أَنَّ لَنَا مَسْأَلَتَيْنِ:
الْأُولَى وَقَفَ شَخْصٌ عَلَى وَلَدَيْهِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا.
وَالثَّانِيَةُ وَقَفَ شَخْصٌ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ فَأَمَّا الْأُولَى فَحُكْمُهَا أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ وَلَدَيْهِ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِهِ أَوْ أَوْلَادِهِ فَقَطْ دُونَ أَوْلَادِ أَخِيهِ بِنَاءً عَلَى مَا حَقَّقَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ التَّرْتِيبَ مُعْتَبَرٌ بَيْنَ كُلِّ أَصْلٍ وَفَرْعِهِ فَقَطْ لَا بَيْنَ جُمْلَةِ الْأُصُولِ وَجُمْلَةِ الْفُرُوعِ فَلَا يَسْتَحِقُّ فَرْعٌ مَعَ أَصْلِهِ، وَلَا فَرْعُ غَيْرِهِ مَعَ فَرْعِهِ بَلْ يَنْحَصِرُ اسْتِحْقَاقُ نَصِيبِ كُلِّ أَصْلٍ فِي فَرْعِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ حَاجَةٌ بَلْ فَقِيرُ كُلِّ فَرْعٍ وَغَنِيُّهُ سَوَاءٌ وَلَوْ أَتَى الْمَوْتُ عَلَى جَمِيعِ الْأُصُولِ وَالْخُرُوجُ عَنْ هَذَا إذَا تَفَاوَتُوا أَيْ الْفُرُوعُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ إلَى السَّوِيَّةِ خُرُوجٌ عَمَّا شَرَطَ الْوَاقِفُ حَيْثُ رَتَّبَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أُصُولِهِمْ بِثُمَّ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ الْوَقْفُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ أَوْ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ مَعْطُوفًا بِالْوَاوِ فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ التَّهْذِيبِ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُخْتَصَرِ وَغَيْرِهِمْ وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْحَبْسِ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي مُرَتَّبَاتٍ وَأَوْقَافٍ عَلَى ضَرِيحِ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يُؤَدَّى مِنْهَا جَمِيعُ مَا يَلْزَمُ الضَّرِيحَ وَمَا بَقِيَ يُصْرَفُ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ زَادَتْ تِلْكَ الْمُرَتَّبَاتُ وَالْأَوْقَافُ وَأَرَادَ بَعْضُ الذُّرِّيَّةِ وَهُمَا النَّاظِرَانِ أَنْ يَخْتَصَّا بِجَمِيعِ الْمُرَتَّبَاتِ هُمَا وَأَخَوَاتُهُمَا وَيَمْنَعُوا بَاقِيَ الذُّرِّيَّةِ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ فَهَلْ لَا يَجُوزُ اخْتِصَاصُهُمْ دُونَ بَاقِيهَا خُصُوصًا وَفِي الذُّرِّيَّةِ الْفَقِيرُ وَالْأَرَامِلُ بَلْ يَجِبُ التَّسْوِيَةُ لِجَمِيعِهَا، وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا فَقِيرٌ دُونَ آخَرَ، وَلَا نَاظِرٌ دُونَ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ نَصُّ الْوَاقِفِ عَلَى تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ، وَإِذَا تَرَكَ بَعْضُ الذُّرِّيَّةِ اسْتِحْقَاقَهُ لِآخَرَ وَاسْتَقَلَّ بِهَا الْآخَرُ مُدَّةً لِصَلَاحِهِ وَكَرَمِهِ، ثُمَّ مَاتَا وَخَرَجَتْ ذُرِّيَّتُهُمَا مِنْ بَعْدِهِمَا وَطَلَبَ كُلٌّ حَقَّهُ لَا يَمْنَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ مُتَعَلِّلًا بِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقْبِضُهُ مُسْتَقِلًّا حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ وُجِدَ كِتَابُ الْوَاقِفِ عُمِلَ بِمَا فِيهِ وَإِلَّا عُمِلَ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ، وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا فَإِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ كِتَابِ الْوَاقِفِ عِنْدَ عَدَمِهِ وَمَنْ أَرَادَ مُخَالَفَتَهَا وَالِاخْتِصَاصَ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعُهُ مِنْهُ وَزَجْرُهُ سَوَاءٌ كَانَ نَاظِرًا أَوْ غَيْرَهُ وَيَعْزِلُ النَّاظِرَ الَّذِي أَرَادَ ذَلِكَ لِثُبُوتِ خِيَانَتِهِ وَعَدَمِ تَصَرُّفِهِ بِالْمَصْلَحَةِ وَفَتْحِهِ بَابَ الْفِتْنَةِ وَالْهَرَجِ وَالشَّرِّ، وَإِنْ تَرَكَ بَعْضُ الذُّرِّيَّةِ نَصِيبَهُ لِبَعْضٍ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمَتْرُوكُ لَهُ حَالَ حَيَاةِ التَّارِكِ وَبِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ يَرْجِعُ لِبَاقِي الذُّرِّيَّةِ عَلَى حَسَبِ الشَّرْطِ أَوْ الْعَادَةِ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا وَقْفًا مِنْ نَاظِرِهِ بِدُونِ أُجْرَةِ مِثْلِهِ، ثُمَّ مَاتَ النَّاظِرُ وَتَوَلَّى آخَرُ فَهَلْ هَذِهِ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَيُجْبَرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى تَتْمِيمِ أُجْرَةِ مِثْلِهِ مُدَّةَ سُكْنَاهُ السَّابِقَةِ وَلِلنَّاظِرِ الثَّانِي إجَارَتُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ
стр. 682
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ هَذِهِ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَيُجْبَرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى تَتْمِيمِ أُجْرَةِ مِثْلِهِ الَّتِي يَقُولُهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ إنْ عُلِمَ أَنَّهَا دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ حِينَ اسْتِئْجَارِهِ أَوْ أُعْدِمَ النَّاظِرُ الَّذِي أَجَرَهُ لَهُ وَإِلَّا فَالتَّتْمِيمُ عَلَى النَّاظِرِ وَلِلنَّاظِرِ الثَّانِي إجَارَتُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ لِغَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ إنْ لَمْ يَلْتَزِمْهَا وَإِلَّا فَهُوَ أَحَقُّ قَالَ الْخَرَشِيُّ فَإِنْ صَدَرَتْ إجَارَتُهُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ تُقْبَلُ مِمَّنْ أَرَادَهَا كَانَ حَاضِرًا الْإِجَارَةَ الْأُولَى أَوْ غَائِبًا وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْكِرَاءِ كِرَاءَ الْمِثْلِ وَقْتَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ كِرَاءِ الْمِثْلِ وَقْتَ الْعَقْدِ قُبِلَتْ الزِّيَادَةُ مَا لَمْ يَلْتَزِمْ الْمُسْتَأْجِرُ بِدَفْعِ الزِّيَادَةِ فَهُوَ أَحَقُّ وَمَا لَمْ يُزِدْ الْآخَرُ عَلَيْهِ فَيَتَزَايَدَانِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ انْحَلَّ حِينَئِذٍ وَإِثْبَاتُ كَوْنِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ فِيهِ غَبْنٌ عَلَى الثَّانِي حَيْثُ وَقَعَ الْعَقْدُ بِالنِّدَاءِ وَالِاسْتِقْصَاءِ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ غَبْنٌ حَيْثُ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ مُنَادَاةٍ عَلَيْهِ وَبِعِبَارَةٍ، وَإِنْ وَقَعَ الْوَقْفُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَزَادَ آخَرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ لِلزِّيَادَةِ فَإِنْ طَلَبَ مِنْ زَيْدٍ أَنْ يَبْقَى وَيَدْفَعَ الزِّيَادَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى مَنْ زَادَ حَيْثُ لَمْ تَبْلُغْ زِيَادَةُ مَنْ زَادَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فَإِنْ بَلَغَتْهَا فَلَا يُلْتَفَتُ لِزِيَادَةِ مَنْ زَادَ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُعْتَدَّةِ فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ بِمَحَلِّ وَقْفٍ وَقَعَتْ إجَارَتُهُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، ثُمَّ زَادَ عَلَيْهَا شَخْصٌ وَطَلَبَتْ الْبَقَاءَ بِالزِّيَادَةِ، فَإِنَّهَا تُجَابُ إلَى ذَلِكَ ا. هـ. قَالَ الْعَدَوِيُّ حَيْثُ كَانَ الْوَاقِفُ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا يُقَالُ إنْ زَادَ الْغَيْرُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَالْتَزَمَهَا السَّاكِنُ كَانَ أَحَقَّ لِوُقُوعِ عَقْدٍ مَعَهُ فِي الْجُمُعَةِ مَا لَمْ يَزِدْ الْآخَرُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا كَانَ أَحَقَّ لِوُقُوعِ الْخَلَلِ فِي الْعَقْدِ مَا لَمْ يَلْتَزِمْ السَّاكِنُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لِمَا قُلْنَا هَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ، ثُمَّ قَالَ تَنْبِيهٌ: إذَا أَكُرَى النَّاظِرُ بِغَيْرِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ ضَمِنَ تَمَامَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ إنْ كَانَ مَلِيًّا وَإِلَّا رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ وَكُلُّ مَنْ رَجَعَ عَلَيْهِ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْآخَرِ هَذَا مَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُسْتَأْجِرُ بِأَنَّ الْأُجْرَةَ غَيْرُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ضَامِنٌ فَيُبْدَأُ بِهِ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ حَبَسَتْ دَارًا عَلَى أَوْلَادِ وَلَدِ أَخِيهَا تَحْبِيسًا مُعَقَّبًا وَاسْتَثْنَتْ الِانْتِفَاعَ بِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهَا فَإِذَا تُوُفِّيَتْ كَانَتْ وَقْفًا عَلَى الْمَذْكُورِينَ فَهَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَخْفَى أَنَّ اسْتِثْنَاءَهَا الِانْتِفَاعَ بِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهَا مَعْنَاهُ اشْتِرَاطُهَا ذَلِكَ فَتَكُونُ قَدْ حَبَسَتْهَا عَلَى نَفْسِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهَا وَبَعْدَ وَفَاتِهَا تَكُونُ مُحْبَسَةً عَلَى الْمَذْكُورِينَ وَالْحُكْمُ فِيهَا أَنَّ تَحْبِيسَهَا عَلَى نَفْسِهَا بَاطِلٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهَا حَجَرَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَعَلَى وَرَثَتِهَا وَتَحْبِيسُهَا عَلَى الْمَذْكُورِينَ صَحِيحٌ بِشَرْطِ حِيَازَتِهِمْ الدَّارَ عَنْهَا فِي حَالِ صِحَّتِهَا وَسَلَامَةِ عَقْلِهَا وَتُجْبَرُ عَلَى تَجْوِيزِهِمْ إنْ طَلَبُوهُ؛ لِأَنَّ تَحْبِيسَهَا لَزِمَهَا بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ فَلَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَلَا مَنْعُهُمْ مِنْ حِيَازَتِهَا قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ عَاطِفًا عَلَى مُتَعَلِّقِ بَطَلَ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ الْخَرَشِيُّ يَعْنِي أَنَّ التَّحْبِيسَ عَلَى النَّفْسِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَجَرَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى وَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ قَالَ فَلَوْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ عَلَى عَقِبِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ حَبْسًا لِلْوَرَثَةِ قَالَ الْعَدَوِيُّ أَيْ مَعَ الْحِيَازَةِ قَبْلَ مَوْتِهِ أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا، وَلَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ حَيَوَانِ وَقْفٍ وَأَبْقَى الْأُمَّهَاتِ عَلَى مِلْكِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى النَّفْسِ بَاطِلٌ وَعَلَى غَيْرِهِ يَصِحُّ تَقَدَّمَ الْوَقْفُ عَلَى النَّفْسِ أَوْ تَأَخَّرَ أَوْ تَوَسَّطَ كَأَنْ قَالَ وَقَفْت عَلَى نَفْسِي، ثُمَّ عَلَى عَقِبِي أَوْ وَقْفٌ عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى نَفْسِي أَوْ وَقْفٌ عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ
стр. 683
عَلَى نَفْسِي، ثُمَّ عَلَى عَمْرٍو فَالْأَوَّلُ يُقَالُ لَهُ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مُنْقَطِعُ الْآخَرِ وَالثَّالِثُ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ وَكَذَلِكَ يَكُونُ مُنْقَطِعُ الطَّرَفَيْنِ كَالْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ عَلَى مَيِّتٍ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَبْطُلُ فِيمَا لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَيَصِحُّ فِيمَا يَصِحُّ عَلَيْهِ، وَلَا يَضُرُّ الِانْقِطَاعُ ا. هـ. وَأَصْلُهُ لِلْأُجْهُورِيِّ قَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ ابْنُ عَرَفَةَ الْحَبْسُ عَلَى نَفْسِ الْمُحْبِسِ وَحْدَهُ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا وَكَذَا مَعَ غَيْرِهِ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ بُطْلَانُ كُلِّ حَبْسِ مَنْ حَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ إنْ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ فَإِنْ حِيزَ صَحَّ عَلَى غَيْرِهِ فَقَطْ قَالَ الْعَدَوِيُّ إنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَرَضِ وَالْفَلَسِ وَالْمَوْتِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى التَّحْوِيزِ وَالتَّخْلِيَةِ، وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَنْ التَّحْبِيسِ فَلَيْسَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ بِالْقَوْلِ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ كَتَبَ بِخَطِّهِ عَلَى الْكُتُبِ وَقْفٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَاسْتَمَرَّتْ تَحْتَ يَدِهِ إلَى مَوْتِهِ فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَلَمْ يُغَيِّرْهَا لِأَحَدٍ حَتَّى مَاتَ فَهَذِهِ الْكُتُبُ مِلْكٌ لِلْوَرَثَةِ فَلَهُمْ قَسْمُهَا بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لِبُطْلَانِ وَقْفِهَا بِمَوْتِ وَاقِفِهَا قَبْلَ حَوْزِهَا عَنْهُ وَمَا غَيَّرَهُ مِنْهَا نَفَذَ وَقْفُهُ سَوَاءٌ كَانَ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَوْزُهَا، وَلَا يُبْطِلُهُ عَوْدُهَا لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَهِيَ وَقْفٌ مِنْ ثُلُثِ التَّرِكَةِ فَإِنْ حَمَلَهَا الثُّلُثُ نَفَذَ وَقْفُ جَمِيعِهَا، وَإِنْ زَادَتْ عَلَيْهِ نَفَذَ وَقْفُ قَدْرِهِ وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ لَمْ يَنْفُذْ وَقْفُهُ وَالْحَقُّ فِيهِ لِلْوَرَثَةِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنَّمَا يَتِمُّ الْوَقْفُ بِحَوْزٍ قَبْلَ إحَاطَةِ الدَّيْنِ وَالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ وَالْمَرَضِ، وَإِنْ صَدَرَ الْوَقْفُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَمِنْ الثُّلُثِ بِلَا شَرْطِ حَوْزٍ كَبَقِيَّةِ التَّبَرُّعَاتِ، وَلَا يَضُرُّ عَوْدٌ كَالْكِتَابِ وَتَعْبِيرُهُ بِالْكُرَّاسِ حَوْزٌ فَإِنْ حِيزَ بَعْضُهُ تَمَّ وَمَا لَمْ يُحَزْ مِلْكٌ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ كَتَبَ عَلَى كُتُبٍ أَوْقَفَ وَحَبَسَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ يَعْنِي غَيْرَهُ هَذَا الْكِتَابَ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَاسْتَمَرَّتْ الْكُتُبُ تَحْتَ يَدِ الْكَاتِبِ حَتَّى مَاتَ فَمَا الْحُكْمُ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: إنْ وُجِدَتْ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِتَحْبِيسِهَا نَفَذَ وَإِلَّا فَلَا، وَهِيَ حَقُّ فُلَانٍ الْمَذْكُورِ أَوْ وَارِثِهِ لِتَضَمُّنِ الْكِتَابَةِ الْمَذْكُورَةِ إقْرَارَ كَاتِبِهَا بِأَنَّهَا لَهُ، وَلَا تُعْتَبَرُ كِتَابَتُهُ شَهَادَةً بِالْوَقْفِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا مُجَرَّدُ التَّوْثِيقِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فَرْعٌ إنْ كَتَبَ بِخَطِّ يَدِهِ لِفُلَانٍ عِنْدِي أَوْ قِبَلِي كَذَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِقْرَارِ بِالْحُقُوقِ، وَإِنْ كَتَبَ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا إلَى آخِرِ الْوَثِيقَةِ وَشَهَادَتُهُ فِيهَا لَمْ تَجُزْ إلَّا بِبَيِّنَةِ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا مَخْرَجَ الْوَثَائِقِ وَجَرَتْ مَجْرَى الْحُقُوقِ وَلَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ فِيهَا عَلَى خَطِّهِ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ جَيِّدٌ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ فِيهَا اخْتِلَافٌ.
[حَبَسَ دَارِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَاحِدًا ثُمَّ بَاعَهَا وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ حَبَسَ دَارِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَاحِدًا، ثُمَّ بَاعَهَا وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ فَهَلْ صَحَّ التَّحْبِيسُ وَبَطَلَ الْبَيْعُ أَوْ بِالْعَكْسِ لِوُقُوعِ التَّحْبِيسِ بِشَاهِدٍ وَالْبَيْعِ بِشَاهِدَيْنِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الْوَقْفُ لَازِمٌ بِمُجَرَّدِ صِيغَتِهِ وَلَيْسَ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ، وَلَا فِي لُزُومِهِ وَبَيْعُهُ مُحَرَّمٌ بَاطِلٌ وَاجِبٌ فَسْخُهُ فَيَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فَسْخُ بَيْعِهِ وَإِمْضَاءُ وَقْفِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
стр. 684
[الْعَقَارِ الْمَوْقُوفِ إذَا خَرِبَ وَانْقَطَعَتْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ ﷺ وَعَلَيْهِمْ وَعَلَى آلِ كُلٍّ وَصَحْبِهِمْ وَالتَّابِعِينَ.
(وَبَعْدُ) فَالْغَرَضُ ذِكْرُ مَا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي هَذِهِ الْأَوْرَاقِ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْعَقَارِ الْمَوْقُوفِ إذَا خَرِبَ وَانْقَطَعَتْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا هَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَيُسْتَبْدَلُ بِثَمَنِهِ غَيْرُهُ مِنْ نَوْعِهِ أَوْ الْمُنَاقَلَةُ بِهِ أَوْ كِرَاؤُهُ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ أَوْ لَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ فِي شَرْحِ رَابِعِ مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ الْأَحْبَاسُ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا وَالِاسْتِبْدَالُ بِهَا إذَا انْقَطَعَتْ الْمَنْفَعَةُ تَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِسْمٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِاتِّفَاقٍ، وَهُوَ مَا انْقَطَعَتْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يُرْجَ أَنْ يَعُودَ وَفِي إبْقَائِهِ ضَرَرٌ مَثَلَ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي نَفَقَتِهِ فَيَضُرُّ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بِالْمُحْبَسِ عَلَيْهِ أَوْ بِبَيْتِ الْمَالِ إنْ كَانَ حَبْسًا فِي السَّبِيلِ أَوْ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَقِسْمٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِاتِّفَاقٍ، وَهُوَ مَا يُرْجَى أَنْ تَعُودَ مَنْفَعَتُهُ، وَلَا ضَرَرَ فِي إبْقَائِهِ وَقِسْمٌ يُخْتَلَفُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِهِ، وَهُوَ مَا انْقَطَعَتْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يُرْجَ أَنْ يَعُودَ، وَلَا ضَرَرَ فِي إبْقَائِهِ وَخَرَابِ الرَّبْعِ الْمُحْبَسِ الَّذِي اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ انْتَهَى.
فَجُعِلَ الرَّبْعُ الْمُحْبَسُ إذَا خَرِبَ وَانْقَطَعَتْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ الرَّبْعُ الْخَرَابُ فِي الْعُمْرَانِ أَوْ بَعِيدًا عَنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِمْ وَجَعَلَ اللَّخْمِيُّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ بَعِيدًا عَنْ الْعُمْرَانِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْعُمْرَانِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ مِنْ الْقِسْمِ الْمُتَّفَقِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ وَنَصُّهُ فِي تَرْجَمَةِ بَيْعِ الْحَبْسِ، وَإِذَا انْقَطَعَتْ مَنْفَعَةُ الْحَبْسِ وَعَادَ بَقَاؤُهُ ضَرَرًا جَازَ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرَرًا وَرُجِيَ أَنْ تَعُودَ مَنْفَعَتُهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَاخْتُلِفَ إذَا لَمْ يَكُنْ ضَرَرًا، وَلَا تُرْجَى مَنْفَعَتُهُ فَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَبِيعَةُ الْبَيْعَ وَمَنَعَهُ غَيْرُهُمَا، وَلَا يُبَاعُ مَا خَرِبَ مِنْ الرِّبَاعِ إذَا كَانَ فِي الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ إصْلَاحِهِ وَقَدْ يَقُومُ مُحْتَسِبٌ لِلَّهِ فَيُصْلِحُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى عَقِبٍ فَقَدْ يَسْتَغْنِي بَعْضُهُمْ فَيُصْلِحُهُ وَمَا بَعُدَ مِنْ الْعُمْرَانِ، وَلَمْ يُرْجَ إصْلَاحُهُ جَرَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَاَلَّذِي أُخِذَ بِهِ فِي الرِّبَاعِ الْمَنْعُ لِئَلَّا يَتَذَرَّعُ النَّاسُ إلَى بَيْعِ الْأَحْبَاسِ ا. هـ. قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ، وَلَا يُبَاعُ الْحَبْسُ، وَإِنْ خَرِبَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُوَ الْمَعْرُوفُ وَرَوَى أَبُو الْفَرَجِ جَوَازَهُ حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ وَكَذَا ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ الْخِلَافَ وَعَزَا الْجَوَازَ لِابْنِ الْقَاسِمِ جَرْيًا عَلَى قَوْلِهِ فِي الثِّيَابِ إذَا بَلِيَتْ إلَّا أَنَّهُ قَصَرَ الْخِلَافَ عَلَى مَا بَعُدَ مِنْ الْعُمْرَانِ وَلَمْ يُرْجَ إصْلَاحُهُ، وَأَمَّا مَا كَانَ بِمَدِينَةٍ فَلَا يُبَاعُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ بِاتِّفَاقٍ فَجَعَلَهُ بَعْضُ شُيُوخَنَا قَوْلًا ثَالِثًا انْتَهَى.
وَبَعْضُ شُيُوخِهِ هُوَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيُشِيرُ بِذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ وَفِيهَا مَعَ الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا مَنْعُ بَيْعِ مَا خَرِبَ مِنْ رَبْعٍ حُبِسَ مُطْلَقًا وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تُبَاعُ دَارُ حَبْسٍ خَرِبَتْ لِيَبْتَاعَ دُونَهَا ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا لِرَبِيعَةَ أَنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُ الرَّبْعَ إذَا وَلِيَ ذَلِكَ لِخَرَابِهِ، وَهِيَ إحْدَى رِوَايَتَيْ أَبِي الْفَرَجِ اللَّخْمِيِّ لَا يُبَاعُ إنْ كَانَ بِمَدِينَةٍ إذْ لَا يَيْأَسُ مِنْ صَلَاحِهِ مِنْ مُحْتَسِبٍ وَبَعْضِ عَقِبٍ وَمَا بَعُدَ عَنْ الْعُمْرَانِ وَلَمْ يُرْجَ صَلَاحُهُ جَرَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَاَلَّذِي أُخِذَ بِهِ الْمَنْعُ خَوْفَ كَوْنِهِ ذَرِيعَةً لِبَيْعِ الْحَبْسِ.
قُلْت فَفِي مَنْعِهِ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ بِمَدِينَةٍ لِلْمَعْرُوفِ وَإِحْدَى رِوَايَتَيْ أَبِي الْفَرَجِ وَنَقْلُ اللَّخْمِيُّ ا. هـ. كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ بِلَفْظِهِ
стр. 685
وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَمِعْتُ مَالِكًا قَالَ فِي قَوْمٍ حُبِسَتْ عَلَيْهِمْ دَارٌ فَخَرِبَتْ فَأَرَادُوا بَيْعَهَا وَابْتِيَاعَ دُونِهَا إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ، وَأَمَّا الْفَرَسُ يَكْلُبُ أَوْ يُجَنُّ فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ فَرَسٌ يُحْبَسُ مَكَانَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا هُوَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الرَّبْعَ الْحَبْسُ لَا يُبَاعُ، وَإِنْ خَشِيَ عَلَيْهِ الْخَرَابَ وَمِثْلُهُ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ جَامِعِ الْبُيُوعِ بِخِلَافِ مَا بَلِيَ مِنْ الثِّيَابِ وَضَعُفَ مِنْ الدَّوَابِّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ أَنَّ الرَّبْعَ، وَإِنْ خَرِبَ فَلَا تَذْهَبُ الْمَنْفَعَةُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُعَادَ إلَى حَالِهِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَرَى أَنْ لَا يُبَاعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَرُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُ الرَّبْعَ إذَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى خَرَابِهِ كَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْ أَبِي الْفَرَجِ عَنْهُ قَالَ لَا يُبَاعُ الرَّبْعُ الْحَبْسُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَّا أَنْ يَخْرَبَ اهـ.
فَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا وَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ إذَا انْقَطَعَتْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعُمْرَانِ أَوْ بَعِيدًا عَنْهَا الْمَنْعُ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَالْجَوَازُ لِإِحْدَى رِوَايَتَيْ أَبِي الْفَرَجِ عَنْهُ إلَّا أَنَّ الْمَنْعَ صَرَّحَ بِمَشْهُورِيَّتِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي بَيْعِ الْعَقَارِ الْمُحْبَسِ إذَا خَرِبَ فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ الْمَنْعُ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي حَاوِيهِ الْجَوَازَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي لُبِّ الْقَبَّابِ، وَأَمَّا الرِّبَاعُ فَالْمَشْهُورُ فِيهَا الْمَنْعُ وَرَوَى أَبُو الْفَرَجِ الْجَوَازَ وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ وَإِذَا انْقَطَعَتْ مَنْفَعَةُ الْحَبْسِ فَأَمَّا الرِّبَاعُ فَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِهَا إذَا خَرِبَتْ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي كِتَابِهِ الْجَوَازَ، وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ انْتَهَى. فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ صَرَّحُوا بِمَشْهُورِيَّةِ الْمَنْعِ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ الْمَعْرُوفُ لِمَالِكٍ وَاخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ لَهُ أَيْضًا وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ لَا عَقَارَ، وَإِنْ خَرِبَ وَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَبِهِ وَقَعَتْ الْفَتْوَى وَالْحُكْمُ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ قَالَ وَلَدُ ابْنِ عَاصِمٍ فِي شَرْحِ رَجَزِ وَالِدِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ:
وَغَيْرُ أَصْلِ عَادِمِ النَّفْسِ صَرَفْ ... ثَمَنِهِ فِي مِثْلِهِ ثُمَّ وَقَفْ
اسْتَثْنَى الْأُصُولَ بِقَوْلِهِ وَغَيْرُ أَصْلِيٍّ وَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدْ قِيلَ بِبَيْعِ مَا عُدِمَتْ مَنْفَعَتُهُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْمَشْهُورِ وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ مِنْ شُيُوخِ شُيُوخِنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَفَّارُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَسُئِلَ فِي فَدَانٍ مُحْبَسٍ عَلَى مَصْرِفٍ مِنْ مَصَارِفِ الْبِرِّ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ هَلْ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مَا يَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ.
فَأَجَابَ إنْ كَانَ الْفَدَّانُ الَّذِي حُبِسَ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ فَدَّانٌ آخَرُ يُحْبَسُ وَتُصْرَفُ غَلَّتُهُ فِي الْمَصْرِفِ الَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ الْفَدَّانُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا النَّحْوِ فَقَدْ أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَرْضٍ مُحْبَسَةٍ عُدِمَتْ مَنْفَعَتُهَا بِسَبَبِ ضَرَرِ جِيرَانٍ أَنْ تُبَاعَ وَيُعَارَضُ بِثَمَنِهَا مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ عَلَى مَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الرَّبْعِ الْمُحْبَسِ إذَا خَرِبَ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْقَاضِي بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ قَالَهُ مُحَمَّدٌ الْحَفَّارُ وَبِمِثْلِ ذَلِكَ أَفْتَى الْأُسْتَاذُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ لُبٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَدْ سُئِلَ فِي طِرَازٍ مُحْبَسَةٍ عَلَى رَابِطَةٍ ثَبَتَ أَنَّهُ قَدْ تَدَاعَى
стр. 686
لِلسُّقُوطِ وَأَنَّهُ يَضُرُّ بِحِيطَانِ الْجِيرَانِ الْمُشْتَرِكَةِ مَعَهُ مِنْ جِيرَانٍ الرِّبَاطِ إضْرَارًا بَيِّنًا وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَلِّهِ وَأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلرِّبَاطَةِ مَا يُسَدَّدُ بِهِ بِنَاؤُهُ فَأَجَابَ يَسُوغُ بَيْعُ الطِّرَازِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَيُعَوَّضُ بِثَمَنِهِ لِلْحَبْسِ مَا يَكُونُ لَهُ أَنْفَعُ، وَإِنْ وُجِدَ مَنْ يُنَاقِلُ بِهِ بِرَبْعٍ آخَرَ لِلْحَبْسِ فَهُوَ حَسَنٌ إنْ أَمْكَنَ قَالَهُ فَرَجٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ ابْنُ عَاتٍ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَحَبْسُ الْمَسَاكِينِ يَكُونُ فِي الْبَلَدِ فَتَيْبَسُ أَشْجَارُهُ وَيُقْحَطُ لِحَبْسِ الْمَاءِ عَنْهُ يَرَى الْقَاضِي فِيهِ رَأْيَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ شَرِكَةٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ كِرَاءٍ مَا رَآهُ فِيهَا وَعَنْ ابْنِ اللَّبَّادِ أَرَى أَنْ يُبَاعَ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الْحَالِ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ وَكَذَلِكَ الْمَوْضِعُ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُحْرَثُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ بَيْعَهُ وَيَدْخُلُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَجَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا بِبَيْعِ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ مِنْهَا، وَوَقَعَتْ مَسَائِلُ عِنْدَنَا بِتُونُسَ.
مِنْهَا فُنْدُقُ ابْنِ يَعْطَاسَ تَهَدَّمَ فَأَفْتَى شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ أَنَّهُ تُبَاعُ أَنْقَاضُهُ وَيُغَيَّرُ عَنْ حَالِهِ دَارًا وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْلَ وَحَكَمَ بِهَذِهِ الْفَتْوَى قَاضِي الْجَمَاعَةِ وَحَقَّ لَهُ ذَلِكَ. وَمِنْهَا دَارٌ خَرِبَتْ مِنْ دُورِ مَدْرَسَةِ الْقَنْطَرَةِ فَأَفْتَى فِيهَا شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْمَذْكُورُ بِبَيْعِهَا فَبِيعَتْ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهَا رَسْمًا فِي الْغَابَةِ بِتُونُسَ وَظَاهِرُ فَتَاوَى الْأَنْدَلُسِيِّينَ يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْبَيْعِ وَيُسْتَبْدَلُ بِهَا مَا هُوَ أَعْوَدُ بِالْمَنْفَعَةِ انْتَهَى. كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ بِلَفْظِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ فِي وَثَائِقِهِ أَيْضًا وَنَصَّهُ.
وَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ قَالَ الْفَضْلُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي حَبْسِ الْمَسَاكِينِ يَكُونُ فِي الْبَلَدِ فَتَيْبَسُ أَشْجَارُهُ وَيُقْحَطُ بِحَبْسِ الْمَاءِ عَنْهُ فَقَالَ يَرَى الْقَاضِي فِيهِ رَأْيَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ شَرِكَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ أَرَى أَنْ يُبَاعَ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ قَالَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ وَكَذَلِكَ الْمَوْضِعُ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُحْرَثُ وَحْدَهُ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ بَيْعَهُ وَإِدْخَالَ ثَمَنِهِ فِي غَيْرِهِ قَالَ، وَهُوَ الصَّوَابُ وَجَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا بِبَيْعِ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ مِنْهَا انْتَهَى. وَلَعَلَّ مُرَادَ ابْنِ مَسْلَمَةَ بِالشَّرِكَةِ فِي قَوْلِهِ فِي بَيْعٍ أَوْ شَرِكَةٍ مَا قَالَهُ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ فِي الْمَوْضِعِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يُحْرَثُ وَحْدَهُ أَنَّهُ يُبَاعُ وَيَدْخُلُ فِي غَيْرِهِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا كَانَتْ غَلَّةُ الْحَبْسِ لَا تَفِي بِنَفَقَتِهِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يُنْظَرَ فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا ثَمَنَ لَهُ رُدَّ لِمُحْبِسِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ يَبْلُغُ مَا يُشْتَرَى بِهِ مَا فِيهِ نَفْعٌ وَلَوْ قَلَّ بِيعَ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ ذَلِكَ.
، ثُمَّ قَالَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَفَقَتَهُ مِنْ فَائِدَتِهِ فَإِنْ عَجَزَتْ بِيعَ وَعُوِّضَ بِثَمَنِهِ مَا هُوَ مِنْ نَوْعِهِ فَإِنْ عَجَزَ صُرِفَ فِي مَصْرِفِهِ انْتَهَى.
فَتَحْصُلُ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ فِي الْعَقَارِ الْمَوْقُوفِ إذَا انْقَطَعَتْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا سَوَاءٌ كَانَ فِي مَدِينَةٍ أَوْ بَعِيدًا مِنْ الْعُمْرَانِ لِمَالِكٍ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ الْمَنْعُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَالثَّانِي الْجَوَازُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي حَاوِيهِ وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَرَفَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَقْلِ الْبُرْزُلِيِّ وَبِهِ وَقَعَتْ الْفَتْوَى وَالْحُكْمُ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ بْنُ لُبٍّ إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ إنَّهُ الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَوَجَّهَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ بِمَا نَصُّهُ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْ الْمَنْعِ أَنَّ الْوَقْفَ إزَالَةُ مِلْكٍ لَا إلَى مِلْكٍ فَإِذَا كَانَ فِيمَا لَا ضَرَرَ فِي تَبْقِيَتِهِ فَلَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ اعْتِبَارًا بِهِ إذَا لَمْ يَخْرُبْ وَبِذَلِكَ فَارَقَ الْحَيَوَانَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي تَبَقَّيْته ضَرَرًا إذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، وَإِنْ أَجَبْنَا بِالتَّسْوِيَةِ قُلْنَا؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ بِسَبَبٍ يَمْنَعُ الْبَيْعَ مَعَ السَّلَامَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ فِيهِ مَعَ التَّغَيُّرِ كَالْعِتْقِ وَتَزِيدُ بِالْإِزَالَةِ فِي الْفَرْعِ الْمَانِعِ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ انْتِفَاعُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِمَنْفَعَتِهِ فَلَوْ أَجَزْنَا بَيْعَهُ لَخَالَفْنَا
стр. 687
شَرْطَ الْوَاقِفِ وَجَعَلْنَا الْمَنْفَعَةَ لَهُ بِالْأَصْلِ؛ وَلِأَنَّ الْعِمَارَةَ قَدْ تَعُودُ وَتَنْتَقِلُ فَفِي إجَازَةِ بَيْعِهِ إبْطَالُ حَقِّ مَنْ جُعِلَ لَهُ حَقٌّ بَعْدَ هَذَا الْبَطْنِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ انْتَهَى.
وَوَجَّهَ الْجَوَازَ بِمَا نَصُّهُ: وَوَجْهُ الْجَوَازِ اعْتِبَارُهُ بِالْحَيَوَانِ؛ وَلِأَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا أَرَادَ وُصُولَ الِانْتِفَاعِ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنْ جِهَةِ هَذَا الْوَقْفِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِهَتِهِ مَنْفَعَةٌ وَجَبَ أَنْ تُنْقَلَ إلَى مَنْفَعَةِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَإِلَّا كَانَ فِي ذَلِكَ إبْطَالُ شَرْطِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَوْضَحُ انْتَهَى، فَهَذَا مُلَخَّصُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْبَيْعِ إذَا انْقَطَعَتْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا وَالِاسْتِبْدَالُ بِثَمَنِهِ مِنْ نَوْعِهِ.
[حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ بِالْعَقَارِ الْخَرِبِ عَقَارًا غَيْرَ خَرِبٍ]
، وَأَمَّا حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ بِالْعَقَارِ الْخَرِبِ عَقَارًا غَيْرَ خَرِبٍ فَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي رِسَالَتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ بِالرَّبْعِ الْخَرِبِ رَبْعًا غَيْرَ خَرِبٍ، وَاخْتَلَفَ شُرَّاحُهُ فِي حَمْلِ كَلَامِهِ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا، وَلَا يُبَاعُ الْحَبْسُ، وَإِنْ خَرِبَ فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ وَمَعْنَى الْكَلَامَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْحَبْسُ الْخَرِبُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ غَيْرُهُ مِنْ جِنْسِهِ يَكُونُ وَقْفًا عِوَضُهُ فَجَزَمَ أَوَّلًا بِمَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ، وَإِنْ خَرِبَ، ثُمَّ حَكَى وُجُودَ الْخِلَافِ فِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْأَوَّلَ عَلَى الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالثَّانِي عَلَى الْمُعَاوَضَةِ بِهِ بِرَبْعٍ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ. قَالَ الْجُزُولِيُّ إثْرَ قَوْلِهِ، وَلَا يُبَاعُ الْحَبْسُ، وَإِنْ خَرِبَ ظَاهِرُ هَذَا مُعَارِضٌ لِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ فَقَالَ فِي تِلْكَ اُخْتُلِفَ فِي بَيْعِهِ وَقَالَ هُنَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ خَرِبَ وَالِانْفِصَالُ عَنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبْسِ، وَإِنْ خَرِبَ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ أَوَّلًا وَقَوْلُهُ فِي الْمُعَاوَضَةِ إلَخْ إنَّمَا حَكَى الْخِلَافَ وَيَكُونُ مَذْهَبُهُ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ، ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ بِالرَّبْعِ الْخَرِبِ رَبْعًا غَيْرَ خَرِبٍ صُورَةُ هَذَا أَنْ تَكُونَ دَارٌ مُحْبَسَةً، ثُمَّ خَرِبَتْ فَإِنَّهَا تُبَاعُ مِمَّنْ يَمْلِكُهَا وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا أُخْرَى فَيَصِيرُ الْحَبْسُ مِلْكًا وَالْمِلْكُ حَبْسًا فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَالِكٌ يَمْنَعُهُ وَرَبِيعَةُ وَابْنُ الْقَاسِمِ يُجِيزَانِ بَيْعَهُ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَحَسْمًا لِلْبَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّمَا صُورَتُهُ أَنْ يُبَاعَ الْحَبْسُ الْخَرِبُ بِدَارٍ أُخْرَى غَيْرِ خَرِبَةٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ صُورَةُ الْمُنَاقَلَةِ أَنْ يَدْفَعَ رَبْعًا خَرِبًا فِي رَبْعٍ صَحِيحٍ. الشَّيْخُ بِغَيْرِ تَعَقُّبٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَعْنِي مِنْ أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ دَرَاهِمَ وَيَشْتَرِيَ بِهَا دَارًا أُخْرَى أَوْ يَأْخُذَ دَارًا فِيهَا كِلَاهُمَا يُقَالُ فِيهِ عَارِضٌ بِدَارٍ غَيْرِ خَرِبٍ انْتَهَى.
[مُنَاقَلَةُ الْأَحْبَاسِ]
(فَرْعٌ) : قَالَ الْجُزُولِيُّ، وَأَمَّا مُنَاقَلَةُ الْأَحْبَاسِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ لَا تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَصُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ رَجُلَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَبْسٌ وَحَبْسُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِزَاءِ الْآخَرِ فَأَرَادَ أَنْ يَتَنَاقَلَاهُمَا وَأَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحَبْسَ الَّذِي بِإِزَائِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ ا. هـ. وَنَقَلَهُ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ فِي تَرْجَمَةِ بَيْعِ الْحَبْسِ إذَا خَرِبَ.
[بَيْعُ بَعْضِ الْعَقَارِ الْوَقْفِ لِإِصْلَاحِ بَعْضِهِ]
(مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا بَيْعُ بَعْضِ الْعَقَارِ الْوَقْفِ لِإِصْلَاحِ بَعْضِهِ فَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ بَيْعِ الْحَبْسِ إذَا خَرِبَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَوْ حَبَسَ إبِلًا أَوْ غَنَمًا فَانْفَصَلَتْ الذُّكُورُ مِنْ التُّيُوسِ أَكْثَرَ نَسْلَهَا، قَالَ لَا تُبَاعُ وَلَوْ صَارَتْ ضَرُورَةً بِكَثْرَةِ مَا يُنْفِقُ فِي رِعَايَتِهَا وَمَئُونَتِهَا فَلَا تُبَاعُ عِنْدِي إذَا كَانَتْ لَا تَضُرُّ بِغَيْرِهَا مِنْ الصَّدَقَةِ، وَهُوَ كَالرَّبْعِ الْخَرِبِ الَّذِي لَمْ يُبَعْ بَعْضُهُ لِيُصْلَحَ بِهِ بَاقِيهِ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ بِلَفْظِ.
وَفِي النَّوَادِرِ
стр. 688
عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْإِبِلِ أَوْ الْغَنَمِ الْمُحْبَسَةِ تَلِدُ الذُّكُورَ وَتَكْثُرُ بِذَلِكَ إنَّهَا لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا قَالَ وَلَوْ صَارَتْ ضَرُورَةً لِكَثْرَةِ مَا يُنْفَقُ فِي رِعَايَتِهَا وَمَئُونَتِهَا فَلَا يُبَاعُ عِنْدِي إذَا كَانَتْ لَا تَضُرُّ بِغَيْرِهَا مِنْ الصَّدَقَةِ، وَهُوَ كَالرَّبْعِ الْخَرِبِ الَّذِي إذَا بِيعَ بَعْضُهُ أُصْلِحَ بِهِ بَاقِيَةُ اهـ فَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إذَا كَانَتْ لَا تَضُرُّ بِغَيْرِهَا مِنْ الصَّدَقَةِ مَفْهُومُهُ أَنَّهَا إذَا أَضَرَّتْ بِغَيْرِهَا مِنْ الصَّدَقَةِ أَنَّهَا تُبَاعُ فَأَجَازَ بَيْعَهَا لِإِصْلَاحِ بَاقِيهَا بِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهُ وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى ذَلِكَ بِمَسْأَلَةِ الرَّبْعِ الْخَرِبِ الَّذِي إذَا بِيعَ بَعْضُهُ أُصْلِحَ بَاقِيهِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّبْعِ الْخَرِبِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى الْحُكْمِ بِمَسْأَلَةٍ أُخْرَى يَقْتَضِي عَدَمَ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُسْتَدَلِّ بِهَا فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ الْكُبْرَى عَنْ ابْنِ زَرِبٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ دَارٍ مُحْبَسَةٍ هَدَمَ مَنْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ قِطْعَةً مِنْهَا وَبَاعَ نَقْضَهَا فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْهَا وَتَسْعِيرِهَا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ إنَّهُ لَا يُبْنَى مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى يَدِ مَنْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ شَدِيدُ السِّلْعَةِ فَقَالَ أَرَى أَنْ يُبَاعَ مِنْ النَّقْضِ بَعْضُهُ وَيُنْفَقُ مِنْ ثَمَنِهِ فِي بُنْيَانِ الْحَبْسِ وَيَدْخُلَ بَاقِي النَّقْضِ فِي الْبُنْيَانِ، ثُمَّ يُبَاعُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَجْلِسِ أَوْ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَيْعِ الْحَبْسِ؟ فَقَالَ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَيْعِ الْحَبْسِ هَذَا إصْلَاحٌ لَهُ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. تَمَّتْ الرِّسَالَةُ الْمُبَارَكَةُ لِلشَّيْخِ الْحَطَّابِ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَحْمَةً وَاسِعَةً وَنَفَعَنَا بِهِ وَالْمُسْلِمِينَ آمِينَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي وَقْفٍ قَالَ وَاقِفُهُ فِي صِيغَتِهِ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي هَلْ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبِنْتِ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي الْمُخْتَصَرِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ شَارِحُ الْمُدَوَّنَةِ يَدْخُلُ وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي تَكْمِيلِهِ قَائِلًا عَقِبَهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ رَشِيدٍ وَصَغِيرٍ وَبِنْتٍ رَشِيدَةٍ مُتَزَوِّجَةٍ فَادَّعَى الرَّشِيدُ أَنَّ أَبَاهُمْ حَبَسَ جَمِيعَ بَسَاتِينِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ حَوَّزَهُ الْحَبْسَ لِنَفْسِهِ وَلِأَخِيهِ وَأُخْتِهِ نِيَابَةً عَنْهُمَا، فَأَنْكَرَتْ الْبِنْتُ ذَلِكَ فَهَلْ يَبْطُلُ التَّحْبِيسُ فِي نَصِيبِهَا لِعَدَمِ حَوْزِهَا إيَّاهُ فِي حَيَاةِ أَبِيهَا وَعَدَمِ صِحَّةِ حَوْزِ أَخِيهَا لَهَا لِكَوْنِهَا لَمْ تُوَكِّلْهُ عَلَيْهِ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ هَذَا التَّحْبِيسُ عَلَى فَرْضِ ثُبُوتِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِوَرَثَتِهِ فَفِي الْمُخْتَصَرِ عَطَفَا عَلَى الْبَاطِلِ أَوْ عَلَى وَارِثِهِ بِمَرَضِ مَوْتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي أَخَوَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ فِي عَقَارٍ وَقَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا حِصَّتَهُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَهَكَذَا إلَى انْقِرَاضِهِمْ، ثُمَّ عَلَى عُتَقَائِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ إلَى انْقِرَاضِهِمْ، ثُمَّ عَلَى عُتَقَاءِ عُتَقَائِهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ عَلَى جِهَاتِ خَيْرٍ عَيَّنَهَا فِي كِتَابِهِ، ثُمَّ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَكَتَبَا ذَلِكَ فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ وَنَصُّ مَا فِيهِ أَنْشَأَ الْوَاقِفَانِ الْمَذْكُورَانِ أَعْلَاهُ وَقْفَهُمَا هَذَا سَوِيَّةً مِنْ تَارِيخِهِ أَدْنَاهُ عَلَى نَفْسِهِمَا أَيَّامَ حَيَاتِهِمَا يَنْتَفِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِحِصَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ سُكْنَى وَإِسْكَانًا وَغَلَّةً وَاسْتِغْلَالًا بِسَائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفَاعَاتِ
стр. 689
الشَّرْعِيَّةِ الْوَقْفِيَّةِ أَبَدًا مَا عَاشَ وَدَائِمًا مَا بَقِيَ مِنْ غَيْرِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا مُنَازِعٍ، وَلَا رَافِعٍ يَدَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا مُدَافِعٍ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ كُلٍّ مِنْهُمَا تَكُونُ حِصَّتُهُ مِنْ ذَلِكَ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ كُلٍّ فَعَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ عَلَى ذُرِّيَّتِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ أَجْمَعِينَ يَكُونُ ذَلِكَ وَقْفًا عَلَى عُتَقَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا ذُكُورًا وَإِنَاثًا بِالسَّوِيَّةِ انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنْهُ، ثُمَّ انْقَرَضَ نَسْلُ أَحَدِهِمَا وَلَهُ عُتَقَاءُ وَبَقِيَ مِنْ نَسْلِ الْآخَرِ بِنْتٌ فَهَلْ تَصِيرُ حِصَّةُ مَنْ انْقَرَضَ نَسْلُهُ وَقْفًا عَلَى عُتَقَائِهِ مَعَ وُجُودِ بِنْتِ أَخِيهِ الْمَذْكُورَةِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ صَارَتْ حِصَّةُ مَنْ انْقَرَضَ نَسْلُهُ وَقْفًا عَلَى عُتَقَائِهِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وُجُودُ بِنْتِ أَخِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْبِسْ حِصَّتَهُ عَلَى أَوْلَادِ أَخِيهِ وَإِنَّمَا حَبَسَهَا عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ إلَى انْقِرَاضِهِمْ، ثُمَّ عَلَى عُتَقَائِهِ فَلَا دَخْلَ لِأَوْلَادِ أَحَدِهِمَا وَنَسْلِهِ فِي حِصَّةِ الْآخَرِ فَإِذَا انْقَرَضَ نَسْلُ أَحَدِهِمَا انْتَقَلَتْ حِصَّتُهُ لِعُتَقَائِهِ مَعَ وُجُودِ نَسْلِ أَخِيهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِنْ انْقَرَضُوا جَمِيعًا بِأُسَرِهِمْ فَهُوَ فِي كُلِّ حِصَّةٍ بِانْفِرَادِهَا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْكَاتِبَ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ اخْتِصَارًا وَاتِّكَالًا عَلَى وُضُوحِ جَرَيَانِهِ فِي كُلِّ حِصَّةٍ بِانْفِرَادِهَا كَجَمْعِهِ الْوَقْفَيْنِ فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ لِتَخْفِيفِ الْمَحْصُولِ وَتَوَابِعِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ غَايَةَ الظُّهُورِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِمَعَالِي الْأُمُورِ وَقَدْ حَكَمَ الْقَاضِي الْحَنَفِيُّ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ.
[مَسَائِلُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي طَوَائِفَ قَرَّرَهُمْ مُتَوَلِّي الْأَوْقَافِ الْإِبْرَاهِيمِيَّة فِي خِدْمَةِ ضَرِيحِ سَيِّدِنَا إِسْحَاقَ ﵊ وَبَعْضُهُمْ يَتَوَلَّى هَذِهِ الْخِدْمَةَ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ نِصْفَ السَّنَةِ وَبَعْضُهُمْ يَتَوَلَّى ثُمْنَهَا وَبَعْضُهُمْ يَتَوَلَّى الثُّمْنَ الْبَاقِي وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ كَذَلِكَ مُدَّةً طَوِيلَةً تَزِيدُ عَلَى مِائَةِ سَنَةٍ بِلَا مَانِعٍ مِنْ الدَّعْوَى، ثُمَّ ادَّعَى الْآنَ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الْمُتَوَلِّينَ لِلثُّمْنِ أَنَّ لَهُمْ مِثْلَ مَا لِأَصْحَابِ النِّصْفِ مِنْ الْوَظِيفَةِ مُتَعَلِّلِينَ بِأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي تَقَارِيرِهِمْ أَنَّ مَعْلُومَ وَظِيفَتِهِمْ وَخِدْمَتِهِمْ مُسَاوٍ لِمَعْلُومِ خِدْمَةِ مُتَوَلِّي النِّصْفِ وَلَيْسَ فِي التَّقَارِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّسَاوِي فِي الْخِدْمَةِ وَفِيهَا الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَعْلُومِ؟ فَأَجَابَهُمْ أَصْحَابُ النِّصْفِ بِأَنَّ أَمْرَ الرَّبْعِ مَوْكُولٌ إلَى رَأْيِ الْمُتَوَلِّي فَلَهُ أَنْ يُقَرِّرَ جَمَاعَةً فِي خِدْمَةِ زَمَنٍ طَوِيلٍ بِمَعْلُومٍ قَلِيلٍ وَأُخْرَى فِي خِدْمَةِ زَمَنٍ قَصِيرٍ بِمَعْلُومٍ كَثِيرٍ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي تَظْهَرُ لَهُ فَهَلْ لَا عِبْرَةَ بِتَعَلُّلِهِمْ الْمَذْكُورِ وَيُمْنَعُونَ مِنْ الْمُعَارَضَةِ خُصُوصًا وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا إثَارَةُ فِتْنَةٍ عَظِيمَةٍ بَيْنَ سَائِرِ الْمُقَرَّرِينَ فِي خِدْمَةِ بَقِيَّةِ أَضْرِحَةِ الْأَنْبِيَاءِ الْكِرَامِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْمُشْتَرِكِينَ عَلَى هَذَا النَّمَطِ مَعَ سُكُوتِ الْجَمِيعِ وَاسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُمْ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَخْفَى أَنَّ التَّنَازُعَ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ إنَّمَا هُوَ فِي النُّذُورِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْهَدَايَا وَحِينَئِذٍ فَمَا جُهِلَ قَصْدُ الشَّخْصِ الْمُتَبَرِّعِ بِهِ مِنْهَا
стр. 690
فَإِنَّهُمْ يُحْمَلُونَ فِيهِ عَلَى عَادَتِهِمْ الْمَاضِيَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَسْلَافِهِمْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَنْ بَعْدَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّعَلُّلُ الْمَذْكُورُ وَيُمْنَعُونَ مِنْ الْمُعَارَضَةِ وَمِنْ إثَارَةِ الْفِتْنَةِ وَفَتْحِ بَابِ الشَّرِّ وَالْهَرَجِ وَالْخِصَامِ بَيْنَ سَائِرِ الطَّوَائِفِ الْمُقَرَّرَةِ فِي خِدْمَةِ بَقِيَّةِ الْأَضْرِحَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ الْكِرَامِ عَلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ: وَسَأَلْت شَيْخَنَا الْإِمَامَ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ عَمَّا يَأْتِي إلَى الْمَوْتَى مِنْ الْفُتُوحِ وَالصَّدَقَةِ وَيُوعَدُونَ بِهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ بَلَغْت كَذَا فَلِسَيِّدِي فُلَانٍ كَذَا مَا يُصْنَعُ بِهِ
فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى قَصْدِ الْمُتَصَدِّقِ فَإِنْ قَصَدَ نَفْعَ الْمَيِّتِ تَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَإِنْ قَصَدَ الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ يَكُونُونَ عِنْدَهُ فَلْيُدْفَعْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ فَلْيُنْظَرْ عَادَةَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي قَصْدِهِمْ الصَّدَقَةَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخِ وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَ ذُرِّيَّةُ ذَلِكَ الْوَلِيِّ فِيمَا يُؤْتَى إلَيْهِ مِنْ الْفُتُوحِ فَلْيُنْظَرْ قَصْدَ الْآتِي بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ حُمِلَ عَلَى الْعَادَةِ فِي إعْطَاءِ ذَلِكَ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ لَهُمْ وَلِلْأَغْنِيَاءِ انْتَهَى. نَقَلَهُ الْحَطَّابُ، وَالْخِدْمَةُ مِثْلُ الذُّرِّيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ صَنَعَ عُرْسًا فَوَهَبَ لَهُ رَجُلٌ إرْدَبَّ قَمْحٍ هِبَةَ ثَوَابٍ، ثُمَّ بَعْدَ سِنِينَ طَلَبَ الْوَاهِبُ الثَّوَابَ فَهَلْ يُقْضَى عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِدَفْعِ الثَّوَابِ لِلْوَاهِبِ، وَإِذَا قُلْتُمْ نَعَمْ وَقُلْتُمْ ثَوَابُهُ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ الْعَرَضُ أَوْ الدَّنَانِيرُ وَكَانَ الْإِرْدَبُّ فِي زَمَنِ دَفْعِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ يُسَاوِي أَرْبَعِينَ قِرْشًا مَثَلًا وَفِي زَمَنِ طَلَبِ الثَّوَابِ يُسَاوِي سِتِّينَ مَثَلًا فَمَاذَا يَكُونُ الْعَمَلُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يُقْضَى عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِدَفْعِ الثَّوَابِ لِلْوَاهِبِ إنْ شَرَطَ أَوْ اُعْتِيدَ وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الدَّفْعِ لَا يَوْمَ الطَّلَبِ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَغَيْرِهِ فَيَلْزَمُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي الْمِثَالِ أَرْبَعُونَ قِرْشًا أَوْ عَرَضٌ يُسَاوِيهَا وَاعْتِيدَتْ إثَابَتُهُ؛ لِأَنَّهَا قِيمَةُ الْإِرْدَبِّ يَوْمَ دَفْعِهِ قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ مَا يُهْدَى مِنْ الْكِبَاشِ وَغَيْرِهَا عِنْدَ الْعُرْسِ فَإِنَّهُ يُقْضَى لِلطَّالِبِ بِالْمُكَافَأَةِ عَلَيْهِ لِلْعُرْفِ وَأَنَّ الضَّمَائِرَ مُنْعَقِدَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُهْدِيهِ مِثْلَهَا إذَا كَانَ لَهُ عُرْسٌ وَنَزَلَتْ عِنْدَنَا فَقَضَى لَهُ بِذَلِكَ وَحَاسَبَهُ بِمَا أَكَلَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الصَّنِيعِ مِنْ قِيمَةِ ذَلِكَ نَقَلَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ وَاسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ إذَا كَانَ لَهُ عُرْسٌ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ الصَّبْرُ حَتَّى يَحْدُثَ لَهُ عُرْسٌ وَنَحْوُهُ فِي الْبُرْزُلِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِ التَّتَّائِيِّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إلَيْهِ إنْ جَرَى بِهِ الْعُرْفُ وَتَبِعَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَالْخَرَشِيُّ وَنَصُّهُ، وَأَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ الثَّوَابَ إلَّا أَنْ تَفُوتَ بِيَدِهِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ فَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ يَوْمَ قَبْضِ الْهِبَةِ وَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ شَيْئِهِ مُعَجَّلًا، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ عُرْسٌ انْتَهَى. بِتَصْرِيفِ ابْنِ عَرَفَةَ: الْمُتَيْطِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوْ قَالَ لَهُ الْمُعْطِي لَا أُعْطِيك إلَّا أَنْ يَحْدُثَ لَك عُرْسٌ، وَهُوَ شَأْنُ النَّاسِ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ هَدِيَّتِهِ مُعَجَّلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[دَفَعَ لِآخَرَ نُقُوطًا فِي فَرَح ثُمَّ طَالَبَهُ بِهِ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ دَفَعَ لِآخَرَ نُقُوطًا فِي فَرَحٍ، ثُمَّ طَالَبَهُ بِهِ فَهَلْ يُجَابُ لِذَلِكَ مُعَجَّلًا، وَلَا يَلْزَمُهُ التَّأْخِيرُ حَتَّى يَحْدُثَ لَهُ فَرَحٌ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت: بِأَنَّهُ يُجَابُ لِذَلِكَ مُعَجَّلًا لِلنَّصِّ الْمَذْكُورِ فِي الْجَوَابِ قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ تُوُفِّيَتْ عَنْ ابْنٍ وَزَوْجٍ وَتَرَكَتْ حُلِيًّا ذَهَبًا وَفِضَّةً فَقَالَ الزَّوْجُ الْحُلِيُّ مِلْكِي
стр. 691
أَمْتَعْتَهَا بِهِ وَقَالَ الِابْنُ هُوَ مِلْكُ أُمِّي أَرِثُ فِيهِ فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الزَّوْجُ هُوَ الْمُدَّعِي فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ أَقَامَهَا عَلَى التَّحْلِيَةِ وَالْإِمْتَاعِ أَوْ عَلَى مُجَرَّدِ التَّحْلِيَةِ وَسَلَّمَهَا الِابْنُ أَوْ عَجَزَ بَعْدَ الْإِعْذَارِ اخْتَصَّ الزَّوْجُ بِهِ وَحُمِلَ فِي الثَّانِي عَلَى الْإِمْتَاعِ وَإِلَّا فَهُوَ تَرِكَةٌ لِلزَّوْجِ رُبْعُهُ وَلِلِابْنِ مَا بَقِيَ فَفِي الْخَرَشِيِّ، وَأَمَّا تَحْلِيَةُ الزَّوْجَةِ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْإِمْتَاعِ اهـ.
قَالَ الْعَدَوِيُّ وَمِثْلُ الزَّوْجَةِ أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُرَادُ بِالْإِمْتَاعِ الِانْتِفَاعُ لَا التَّمْلِيكُ اهـ. وَتَبِعَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[رَجُل مَالُهُ حَرَامٌ وَيُرِيدُ أَنَّ يُعْطِيَ إنْسَانًا شَيْئًا مِنْهُ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُعْطَى لَهُ أَخْذُهُ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ مَالُهُ حَرَامٌ وَيُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَ إنْسَانًا شَيْئًا مِنْهُ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُعْطَى لَهُ أَخْذُهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطَى لَهُ أَخْذُهُ إذَا عَلِمَهُ حَرَامًا وَكَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَفُتَّهُ الْغَاصِبُ بِنَحْوِ طَبْخٍ إجْمَاعًا إلَّا عَلَى وَجْهِ رَدِّهِ لِمَالِكِهِ إنْ عَلِمَهُ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ عَنْهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ وَالْأَسْلَمُ عَدَمُ قَبُولِهِ إلَّا بِنِيَّةِ التَّصْدِيقِ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بَيْنَ عَطَايَا الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَهُوَ فِي غَيْرِ الْخُلَفَاءِ وَالْعُمَّالِ الْمُفَوَّضِ لَهُمْ فِي صَرْفِ الْأَمْوَالِ بِاجْتِهَادِهِمْ أَمَّا الْخُلَفَاءُ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ فَعَطَايَاهُمْ يَجُوزُ قَبُولُهَا عِنْدَ جَمِيعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَالَ فِي النَّصِيحَةِ وَيَجِبُ الْبَحْثُ عَمَّا عُلِمَ غَالِبًا كَوْنُهُ حَرَامًا وَإِلَّا فَوَرَعٌ إنْ اسْتَنَدَ إلَى دَلِيلٍ وَحَرَامٌ إذَا لَمْ يَسْتَنِدْ؛ لِأَنَّهُ إذَايَةٌ وَسُوءُ ظَنٍّ بِصَاحِبِهِ قَالَ شَارِحُهَا ابْنُ زِكْرِيٍّ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَدَّمَ إلَيْك طَعَامًا أَوْ هَدِيَّةً أَوْ أَرَدْت أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ أَوْ تَتَّهِبَ فَلَيْسَ عَلَيْك أَنْ تُفَتِّشَ عَنْهُ وَتَسْأَلَ وَتَقُولَ هَذَا مِمَّا لَا أَتَحَقَّقُ حِلَّهُ فَلَا آخُذُهُ بَلْ أُفَتِّشُ عَنْهُ وَلَيْسَ لَك أَنْ تَتْرُكَ الْبَحْثَ فَتَأْخُذُ كُلَّ مَا يُتَيَقَّنُ تَحْرِيمُهُ بَلْ السُّؤَالُ وَاجِبٌ مَرَّةً وَحَرَامٌ مَرَّةً وَمَنْدُوبٌ مَرَّةً وَمَكْرُوهٌ مَرَّةً فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِهِ وَالْقَوْلُ الشَّافِي فِيهِ هُوَ أَنَّ مَظِنَّةَ السُّؤَالِ فِي مَوَاقِعِ الرِّيبَةِ وَمَثَارِهَا إمَّا أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ أَوْ يَتَعَلَّقُ بِصَاحِبِ الْمَالِ، ثُمَّ أَطَالَ الْقَوْلَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ وَتَفْصِيلِهِ عَلَى عَادَتِهِ وَلَخَصَّ ذَلِكَ فِي الْأَرْبَعِينَ فَقَالَ النَّاسُ فِي حَقِّك سِتَّةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا فِي كُلِّ مَنْ أُخِذَ مَالُهُ وَالْحَذَرُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ هُوَ مَحَطُّ الْوَرَعِ.
الثَّانِي: أَنْ تَعْرِفَهُ بِالصَّلَاحِ فَكُلْ مِنْهُ، وَلَا تَتَوَرَّعْ فَالْوَرَعُ مِنْهُ وَسْوَسَةٌ فَإِنْ أَدَّى إلَى الْإِيذَاءِ وَالْإِيحَاشِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ وَحَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاءِ وَسُوءِ الظَّنِّ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَعْرِفَهُ بِالظُّلْمِ وَالرِّبَا حَتَّى عَلِمْت أَنَّ كُلَّ مَالِهِ أَوْ أَكَثْرَهُ حَرَامٌ كَالسَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ وَغَيْرِهِمْ فَمَالُهُمْ حَرَامٌ.
الرَّابِعُ: أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ أَكْثَرَ أَمْوَالِهِ حَلَالٌ، وَلَكِنْ لَا يَخْلُو عَنْ حَرَامٍ كَرَجُلٍ لَهُ تِجَارَةٌ وَمِيرَاثٌ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ فِي عَمَلِ السُّلْطَانِ فَلَكَ الْأَخْذُ بِالْأَغْلَبِ لَكِنْ تَرْكُهُ مِنْ الْوَرَعِ الْمُهِمِّ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا عِنْدَك لَكِنْ تَرَى عَلَيْهِ عَلَامَةَ الظُّلْمِ كَالْقَبَاءِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَهَيْئَاتِ الْأَتْرَاكِ وَالظَّلَمَةِ فَهَذِهِ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ تُوجِبُ الْحَذَرَ فَلَا تَأْكُلْ مِنْ مَالِهِ إلَّا بَعْدَ التَّفْتِيشِ.
السَّادِسُ: أَنْ تَرَى عَلَيْهِ عَلَامَةَ الْفِسْقِ لَا عَلَامَةَ الظُّلْمِ كَطُولِ الشَّارِبِ وَانْقِسَامِ شَعْرِ الرَّأْسِ فَزَعًا وَرُؤْيَتِهِ يَشْتُمُ غَيْرَهُ أَوْ يَنْظُرُ إلَى امْرَأَةٍ فَإِنْ عَلِمْت لَهُ مَالًا مَوْرُوثًا أَوْ تِجَارَةً لَمْ يَحْرُمْ مَالُهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ مَجْهُولًا عِنْدَك فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَلَامَةَ الْفِسْقِ أَضْعَفُ دَلَالَةً مِنْ عَلَامَةِ الظُّلْمِ، وَلَكِنْ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْإِسْلَامِ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ دَلَالَةً أَظْهَرَ مِنْ دَلَالَةِ هَذِهِ الْعَلَامَةِ
стр. 692
عَلَى التَّحْرِيمِ، ثُمَّ رَوَاهُ هَذَا كُلُّهُ يَجِبُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ الْمَرْءُ قَلْبَهُ فَإِذَا وَجَدَ فِيهِ حَزَازَةً فَلْيَجْتَنِبْ فَالْإِثْمُ حَزَازَةُ الْقُلُوبِ وَحِكَاكُ الصُّدُورِ، وَلَكِنْ هَاهُنَا دَقِيقَةٌ يَغْفُلُ عَنْهَا أَهْلُ الْوَرَعِ، وَهِيَ أَنَّهُ حَيْثُ التَّرْكُ مِنْ الْوَرَعِ أَوْ مِنْ حَزَازَةٍ فِي النَّفْسِ وَالسُّؤَالُ يُؤْذِي فَالْمَجْهُولُ إذَا قَدَّمَ لَك طَعَامًا فَإِذَا سَأَلْته مِنْ أَيْنَ اسْتَوْحَشَ وَتَأَذَّى وَالْإِيذَاءُ حَرَامٌ وَسُوءُ الظَّنِّ حَرَامٌ، وَإِنْ سَأَلْت غَيْرَهُ بِحَيْثُ يَدْرِي زَادَ الْإِيذَاءُ، وَإِنْ سَأَلْت بِحَيْثُ لَا يَدْرِي فَقَدْ تَجَسَّسَتْ وَأَسَأْت الظَّنَّ وَبَعْضُ الظَّنِّ إثْمٌ وَشُبْهَةٌ بِالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ وَتَرْكُ الْوَرَعِ لَيْسَ بِحَرَامٍ فَلَيْسَ لَك إلَّا التَّلَطُّفُ بِالتَّرْكِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِالْإِيذَاءِ فَعَلَيْك أَنْ تَأْكُلَ فَإِنَّ تَطْيِيبَ قَلْبِ الْمُسْلِمِ وَصِيَانَتَهُ عَنْ الْإِيذَاءِ أَهَمُّ مِنْ الْوَرَعِ فَإِنْ قُلْت لَوْ وَقَعَ طَعَامٌ حَرَامٌ فِي سُوقٍ فَهَلْ يُشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ السُّوقِ؟ فَأَقُولُ إنْ تَحَقَّقَتْ أَنَّ الْحَرَامَ هُوَ الْأَكْثَرُ فَلَا تَشْتَرِ إلَّا بَعْدَ التَّفْتِيشِ، وَإِنْ عَلِمْت أَنَّ الْحَرَامَ كَثِيرٌ وَلَيْسَ بِالْأَكْثَرِ فَلَكَ الشِّرَاءُ وَالتَّفْتِيشُ الْوَرَعُ انْتَهَى.
، ثُمَّ قَالَ فِي النُّصْحِيَّةِ وَفِي الْأَخْذِ مِنْ الْوُلَاةِ لِلشُّيُوخِ طُرُقٌ قَالَ شَارِحُهَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ فَمَا تَقُولُ فِي جَوَائِزِ السَّلَاطِينِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ قَوْمٌ كُلِّ مَا لَا يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ حَرَامٌ فَلَهُ أَخْذُهُ وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَحِلُّ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَا يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ حَلَالٌ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ فِي هَذَا الْعَصْرِ الْحَرَامُ وَالْحَلَالُ فِي أَيْدِيهِمْ مَعْدُومٌ عَزِيزٌ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ فِي هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَكِلَاهُمَا إسْرَافٌ، ثُمَّ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ.
وَقَالَ قَوْمٌ صِلَاتُ السَّلَاطِينِ تَحِلُّ لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ إذَا لَمْ يُتَحَقَّقْ أَنَّهَا حَرَامٌ وَإِنَّمَا التَّبَعَةُ عَلَى الْمُعْطِي وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَحِلُّ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْءٌ لَا لِفَقِيرٍ، وَلَا لِغَنِيٍّ إذْ هُمْ مَوْسُومُونَ بِالظُّلْمِ وَالْغَالِبُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ السُّحْتُ وَالْحَرَامُ وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ وَقَالَ آخَرُونَ مَا لَا يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ حَرَامٌ فَهُوَ حَلَالٌ لِلْفَقِيرِ دُونَ الْغَنِيِّ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْفَقِيرُ أَنَّ ذَلِكَ عَيْنُ الْمَغْصُوبِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ انْتَهَى. وَاخْتَارَ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ فَإِنْ غَلَبَ الْحَرَامُ حَرُمَ، وَإِنْ غَلَبَ الْحَلَالُ وَفِيهِ حَرَامٌ مُتَيَقَّنٌ فَمَوْضِعُ تَوَقُّفٍ (وَفِي الْعُتْبِيَّةِ) سُئِلَ سَحْنُونٌ فَقِيلَ لَهُ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ يَقْبَلُ صِلَاتِ السُّلْطَانِ وَيَأْكُلُ طَعَامَهُ وَسَلَاطِينُ هَذَا الزَّمَانِ مَنْ قَدْ عَلِمْت هَلْ تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ؟ فَإِنْ قُلْت أَنَّهُ يُجَرَّحُ بِذَلِكَ فَقَدْ قَبِلَ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ مَنْ قَدْ عَلِمْت مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَالْعِلْمِ قَدْ أَخَذَ ابْنُ عُمَرَ جَوَائِزَ الْحَجَّاجِ وَأَخَذَ ابْنُ شِهَابٍ جَوَائِزَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ وَأَخَذَ مَالِكٌ جَوَائِزَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ. فَإِنْ قُلْت إنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ عَلَى وَجْهِ الْخَوْفِ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ بَايَنَ السُّلْطَانَ وَتَرَكَ الْأَخْذَ مِنْهُ فَلَمْ يَرَ إلَّا خَيْرًا وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ أَمَرَ لِمَالِكٍ بِثَلَاثِ صُرَرٍ دَنَانِيرَ فَاتَّبَعَهُ الرَّسُولُ بِهَا فَسَقَطَتْ صُرَّةٌ فِي الزِّحَامِ فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ بِالصُّرَّتَيْنِ سَأَلَهُ عَنْ الثَّالِثَةِ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ غَيْرَهُمَا فَأَلْزَمَهُ مَالِكٌ بِالثَّالِثَةِ وَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى أَتَى بِهَا بَعْضُ مَنْ وَجَدَهَا فَدَفَعَهَا إلَيْهِ فَمَالِكٌ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا إلَّا مُتَطَوِّعًا فَإِنْ رَأَيْت طَرْحَ شَهَادَةِ مَنْ أَخَذَ مِنْ السُّلْطَانِ فَجَمِيعُ الْقُضَاةِ مِنْهُ يُرْزَقُونَ وَإِيَّاهُ يَأْكُلُونَ فَقَالَ سَحْنُونٌ أَمَّا قَوْلُك هَلْ يَكُونُ مِنْ قَبِلَ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ فَمَنْ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ فَهُوَ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ عِنْدَنَا، وَأَمَّا الْأَكْلُ عِنْدَهُمْ فَمَنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ الزَّلَّةُ وَالْفَلْتَةُ فَغَيْرُ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ، وَأَمَّا مَرْدُودُ الْأَكْلِ عِنْدَهُمْ فَسَاقِطُ الشَّهَادَةِ، وَأَمَّا مَا احْتَجَجْت بِهِ مِنْ قَبُولِ ابْنِ شِهَابٍ وَمَالِكٍ لِجَوَائِز السُّلْطَانِ فَقَدْ قِسْت بِغَيْرِ قِيَاسٍ وَاحْتَجَجْت بِمَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ؛ لِأَنَّ قَبُولَ مَالِكٍ وَابْنِ شِهَابٍ إنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَجَوَائِزُ الْخُلَفَاءِ جَائِزَةٌ
стр. 693
لَا شَكَّ فِيهَا عَلَى مَا شَرَطَ مَالِكٌ لِإِجْمَاعِ الْخَلْقِ عَلَى قَبُولِ الْعَطَاءِ مِنْ الْخُلَفَاءِ مَنْ يُرْضَى مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يُرْضَى وَجُلِّ مَا يَدْخُلُ بُيُوتَ الْأَمْوَالِ بِالْأَمْرِ الْمُسْتَقِيمِ وَاَلَّذِي يَظْلِمُونَ مِنْهُ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ وَلَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْكَرَ أَخْذَ الْعَطَاءِ مِنْ زَمَنِ مُعَاوِيَةَ إلَى الْيَوْمِ، وَأَمَّا قَوْلُك فِي الْقُضَاةِ فَإِنَّهُمْ أُجَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ سَمِعْت عَلِيَّ بْنِ زِيَادٍ يُنْكِرُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَيَدْفَعُهُ انْتَهَى كَلَامُ الْعُتْبِيَّةِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ سَحْنُونَ قَبُولُ الْجَوَائِزِ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ جُرْحَةٌ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ بَيِّنٌ إذْ قَبَضُوا ذَلِكَ مِنْ الْعُمَّالِ عَلَى الْجِبَايَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا جُعِلَ لَهُمْ قَبْضُ الْأَمْوَالِ وَتَحْصِيلُهَا دُونَ وَضْعِهَا فِي وُجُوهِهَا وَمَوَاضِعِهَا بِالِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ فَوَّضَ لَهُمْ الْخَلِيفَةُ أَوْ خَلِيفَةُ الْخَلِيفَةِ قَبْضَ الْأَمْوَالِ وَجِبَايَتِهَا وَتَصْرِيفَهَا بِاجْتِهَادِهِمْ فِي وُجُوهِهَا وَمَوَاضِعِهَا كَالْحَجَّاجِ وَشَبَهِهِ مِنْ الْأُمَرَاءِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِمْ فِي الْأُمُورِ فَقَبْضُ الْجَوَائِزِ مِنْهُمْ كَقَبْضِهَا مِنْ الْخُلَفَاءِ فَإِنْ صَحَّ أَخْذُ ابْنُ عُمَرَ جَوَائِزَ الْحَجَّاجِ فَهَذَا وَجْهُهُ، وَأَمَّا الْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ وَالْأَجْنَادُ فَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا أَرْزَاقَهُمْ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَنَّهُمْ أَعْنِي الَّذِينَ فُوِّضَ إلَيْهِمْ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ وَضُرِبَ عَلَى أَيْدِيهِمْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ إعْطَاءِ مَالِ اللَّهِ لِمَنْ يَرَوْنَهُ بِوَجْهِ اجْتِهَادِهِمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ بِجَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ أَمَّا جَوَائِزُ الْعُمَّالِ فَفِيهَا شَيْءٌ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا مُفَوَّضَةٌ إلَيْهِمْ، وَإِنَّ الْخَلِيفَةَ قَدْ أَنْزَلَهُمْ فِي جَمِيعِهَا مَنْزِلَتَهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ قَالَ إنَّ فِي أَخْذِ الْجَوَائِزِ مِنْهُمْ شَيْئًا يُرِيدُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَتَرْكُهُ أَحْسَنُ وَلَوْ تَحَقَّقَ التَّفْوِيضُ لَمْ يَكُنْ لِلْكَرَاهَةِ وَجْهٌ كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِي إعْطَاءِ الْمَالِ بِاجْتِهَادِهِمْ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ عَلَيْهِ عَمَلًا لَمْ يَكُنْ لِتَسْوِيغِ أَخْذِ الْجَوَائِزِ مِنْهُمْ وَجْهٌ فَإِذَا كَانَ الْمَجْبِيُّ حَلَالًا وَعَدَلَ فِي الْقِسْمَةِ فَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجَوَائِزِ مِنْهُ.
وَإِذَا كَانَ الْمَجْبِيُّ حَلَالًا وَلَوْ يَعْدِلُ فِي الْقِسْمَةِ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ أَخْذَ الْجَوَائِزِ مِنْهُ وَهُمْ الْأَكْثَرُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ حَتَّى يَعْدِلَ فِي الْقِسْمَةِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَجْبِيُّ يَشُوبُهُ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ أَخْذَ الْجَوَائِزِ مِنْهُ وَهُمْ الْأَكْثَرُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْحَرَامُ فَلَهُ حُكْمُ الْحَرَامِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْحَلَالُ فَلَهُ حُكْمُ الْحَلَالِ وَفِيهِ كَرَاهَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَإِنْ كَانَ يَجْبِي الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ فَمَنْ أَخَذَ مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ حَرَامٌ فَلَهُ حُكْمُ الْمَجْبِيِّ الْحَرَامِ فَهَذَا مُحَصَّلُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ا. هـ. كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ بِنَقْلِ سَيِّدِي أَحْمَدَ أُقَيْتٍ قَالَ وَإِيَّاهُ يَنْقُلُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَيَرَوْنَ أَنَّهُ تَحْصِيلُ الْمَذْهَبِ فِي هَذَا الْفَرْعِ، وَقَالَ فِي الْمَنْزَعِ النَّبِيلِ لِابْنِ مَرْزُوقٍ وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ الْعُمَّالِ لَهُ مَالٌ قَبْلَ الْعَمَلِ فَلَا بَأْسَ بِقَبُولِ جَائِزَتِهِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهَا مِنْ الْحَرَامِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ قَبْلَ الْعَمَلِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَجَوَائِزُ الْخُلَفَاءِ لَا شَكَّ أَنَّهَا حَلَالٌ قَالَ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يَحِلُّ مِنْ جَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ إلَّا مَا كَانَ قَدْرَ حَقِّ مَنْ أُجِيزَ اهـ وَمِنْ جَامِعِ ابْنِ يُونُسَ وَمُخْتَصَرِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ قَالَ مَالِكٌ مِنْ قَوْلِ أَهْل الْمَدِينَةِ أَنَّ مَنْ بِيَدِهِ مَالٌ حَرَامٌ فَاشْتَرَى بِهِ دَارًا أَوْ ثَوْبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ أَحَدًا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَشْتَرِيَ أَنْتَ تِلْكَ الدَّارَ أَوْ الثَّوْبَ مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِالْمَالِ الْحَرَامِ اهـ.
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ رُشْدٍ وَأَجَازَ قَبُولَ هَذَا الْمُشْتَرَى هِبَةً. ابْنُ سَحْنُونَ وَابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْعُمَّالُ مَا اشْتَرَوْهُ فِي الْأَسْوَاقِ فَأَهْدَوْهُ لِرَجُلٍ جَازَ لِلْمُهْدَى لَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَجْهُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْحَرَامَ
стр. 694
تَرَتَّبَ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ وَالْمُهْدِي فَهُوَ الْمُؤَاخَذُ بِهِ وَالْمَسْئُولُ عَنْهُ وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ الطَّبَرِيِّ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِيَدِهِ مَالٌ لَا يَدْرِي مِنْ حَلَالٍ كَسْبُهُ أَوْ مِنْ حَرَامٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ قَبُولُهُ لِمَنْ أُعْطِيهِ بَعْدَ أَنْ لَا يَعْلَمَهُ حَرَامًا بِعَيْنِهِ قَالَ وَبِنَحْوِ هَذَا قَالَتْ الْأَئِمَّةُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَرَكَهُ فَإِنَّمَا رَكِبَ فِي ذَلِكَ طَرِيقَ الْوَرَعِ وَتَجَنُّبِ الشُّبُهَاتِ؛ لِأَنَّ الْحَرَامَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيِّنًا غَيْرَ مُشْكِلٍ وَنَحْوُ هَذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي تَمْهِيدِهِ وَقَالَ عَنْ سُفْيَانَ جَوَائِزُ السُّلْطَانِ أَحَبُّ إلَى مِنْ صِلَاتِ الْإِخْوَانِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمُنُّونَ وَالْإِخْوَانُ يَمُنُّونَ وَكَانَتْ هَدَايَا الْمُخْتَارِ تَأْتِي ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ الْحَسَنُ لَا يَرُدُّ عَطَاءَهُمْ إلَّا الْأَحْمَقُ أَوْ مُرَاءٍ وَهَذَا فِيمَا لَا يُعْلَمُ فِيهِ الْحَرَامُ بِعَيْنِهِ انْتَهَى بِنَقْلِ الْمَوَّاقِ.
وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِلْمُصَنِّفِ حَكَى لَنَا الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ السُّلْطَانَ أَبَا الْحَسَنِ الْمَرِينِيَّ دَعَا فُقَهَاءَ وَقْتِهِ إلَى وَلِيمَةٍ وَكَانُوا أَهْلَ عِلْمٍ وَدِينٍ فَكَانَ فِيهِمْ مَنْ قَالَ أَنَا صَائِمٌ وَمِنْهُمْ مَنْ أَكَلَ وَقَلَّلَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَكَلَ الْغَلَّاتِ كَالسَّمْنِ فَقَطْ وَمِنْهُمْ مَنْ شَمَّرَ لِلْأَكْلِ بِكُلِّهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هَاتُوا مِنْ طَعَامِ الْأَمِيرِ عَلَى وَجْهِ الْبَرَكَةِ فَإِنِّي صَائِمٌ فَسَأَلَهُمْ الشَّيْخُ وَأَظُنُّهُ أَبَا إبْرَاهِيمَ الْأَعْرَجَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ الْأَوَّلُ طَعَامُ شُبْهَةٍ تَسَتَّرْت مِنْهُ بِالصَّوْمِ كَمَا وَرَدَ وَقَالَ الثَّانِي كُنْت آكُلُ مِقْدَارَ مَا أَتَصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ الْأَرْبَابِ وَالْمُبَاشِرُ كَالْغَاصِبِ وَقَالَ الثَّالِثُ أَعْتَمِدُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْغَلَّاتِ لِلْغَاصِبِ إذْ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَقَالَ الرَّابِعُ طَعَامٌ مُسْتَهْلَكٌ تَرَتَّبَتْ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّةِ مُسْتَهْلِكِهِ فَحَلَّ تَنَاوُلُهُ وَقَدْ مَكَّنَنِي مِنْهُ فَحَلَّ لِي وَقَالَ الْخَامِسُ طَعَامٌ مُسْتَحَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ قَدَرْت عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ فَاسْتَخْلَصْته وَأَوْصَلْته إلَى أَرْبَابِهِ وَكَانَ تَصَدَّقَ بِمَا أَخَذَ قَالَ الْمُصَنِّفُ هَذَا أَحْرَى بِالصَّوَابِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْوَرَعِ وَمَا فَعَلَهُ الرَّابِعُ هُوَ صَرِيحُ الْفِقْهِ وَلُبَابِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْإِنْسَانُ فَقِيهُ نَفْسِهِ بَعْدَ التَّوَقُّفِ فِي مَوْقِفِ الِاشْتِبَاهِ وَمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَصِيرَةٌ فَعَلَيْهِ بِالتَّحَفُّظِ مَا أَمْكَنَ وَقَدْ جَزَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِتَحْرِيمِ أَمْوَالِ الظَّلَمَةِ وَأَنْكَرَهُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَائِلًا يَحْمِلُهُ الْوَرَعُ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ تَوَرَّعَ فِي دِينِ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ فِيهِ غَيْرَ مَا هُوَ حُكْمُ اللَّهِ كَانَ خَيْرًا انْتَهَى. بِنَقْلِ سَيِّدِي أَحْمَدَ أُقَيْتٍ قَالَ فِي النَّصِيحَةِ وَهَذَا مَعَ الْجَهْلِ قَالَ شَارِحُهَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ الْمُجِيزِينَ التَّقْيِيدَ بِمَا إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ الْحَرَامِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ لَهُ ثُلُثُ بَيْتٍ تَرَكَهُ وَأَقَامَ فِي بَلَدٍ آخَرَ مُدَّةً، ثُمَّ رَجَعَ لَهُ فَوَجَدَ بِنْتَ أُخْتِهِ سَاكِنَةً فِيهِ فَسَكَنَ مَعَهَا فِيهِ وَوَهَبَهُ لَهَا وَاسْتَمَرَّ سَاكِنًا مَعَهَا فِيهِ حَتَّى مَاتَ فَأَرَادَ وَارِثُهُ إخْرَاجَهَا وَأَخْذَ الثُّلُثِ الْمَوْهُوبِ لَهَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَهُ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ تَحُزْ الثُّلُثَ الْمَوْهُوبَ بَعْدَ الْهِبَةِ وَقَبْلَ عَوْدِ الْوَاهِبِ لِسُكْنَاهُ عَامًا فَأَكْثَرَ كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ وَشُرُوحِهِ وَابْنُ سَلْمُونٍ. وَابْنُ هَارُونَ قَالَ وَلَوْ وَهَبَهَا هُوَ أَيْ وَهَبَ الزَّوْجُ زَوْجَهُ الدَّارَ فَأَسْكَنَتْهُ فِيهَا حَتَّى مَاتَ بَطَلَتْ الْهِبَةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ حَازَتْهَا بِخُرُوجِهَا عَنْهَا عَامًا أَوْ عَامَيْنِ فَتَصِحُّ لَهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ، وَإِذَا رَجَعَ الْمُتَصَدِّقُ إلَى دَارِ الصَّدَقَةِ بِإِسْكَانٍ أَوْ إعْمَارٍ أَوْ اكْتِرَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَسَدَتْ الصَّدَقَةُ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ قَدْ حَازَهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ وَكَذَلِكَ إنْ كَتَبَ لَهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ كِتَابًا بِالْكِرَاءِ أَوْ السُّكْنَى أَوْ الْإِمْتَاعِ وَلَوْ يُعَمِّرُهَا الْمُتَصَدِّقُ فَهُوَ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَكَنَ أَوْ عَمَّرَ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا أَوْ طَرِيدًا فَآوَاهُ فَهُوَ كَلَا رُجُوعَ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ الصَّدَقَةَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الرُّجُوعُ بِالْإِرْفَاقِ أَوْ الْكِرَاءِ
стр. 695
وَالْعُمْرَى أَوْ غَيْرِهَا بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ سَنَةً فَهَلْ تَبْطُلُ الصَّدَقَةُ أَمْ لَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ وَالْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ سَنَةٍ أَنَّهَا تَنْفُذُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَمَاعِ عِيسَى وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْهِبَةَ تَبْطُلُ بِرُجُوعِ الْوَاهِبِ إلَى سُكْنَى الدَّارِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْلَاهَا الزَّمَنَ الطَّوِيلَ وَحَازَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ إذَا سَكَنَهَا فِي رُجُوعِهِ حَتَّى يَمُوتَ، وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِحِيَازَةِ الْعَامِ فِي الْكِبَارِ الْمَالِكِينَ أُمُورَهُمْ، وَأَمَّا الصِّغَارُ فَمَتَى سَكَنَ أَوْ أَعْمَرَ وَلَوْ بَعْدَ عَامٍ بَطَلَ، وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فَقِفْ عَلَيْهِ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ سَلْمُونٍ وَعِبَارَةُ الْمُخْتَصَرِ، وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ بِأَنْ أَجَرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا بِخِلَافِ سَنَةٍ أَوْ رَجَعَ مُخْتَفِيًا أَوْ ضَيْفًا فَمَاتَ انْتَهَى. وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ، وَلَا إنْ عَادَتْ لَهُ قَبْلَ السَّنَةِ بِخِلَافِ بَعْدَهَا وَالْعَوْدِ بِإِجَارَةٍ أَوْ إرْفَاقٍ لَا إنْ رَجَعَ مُخْتَفِيًا أَوْ ضَيْفًا فَمَاتَ فِيهَا انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي جَمَاعَةٍ يُقَالُ لَهَا الْمَرَاوِنَةِ يَتَحَارَبُونَ مَعَ جَمَاعَةٍ آخَرِينَ وَمَعَ الْمَرَاوِنَةِ رَجُلٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ، ثُمَّ إنَّ الْمُلْتَزِمَ تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ وَذَكَرَ فِي الصَّكِّ أَنَّهُ لِلْمَرَاوِنَةِ فَهَلْ يَكُونُ الْمُتَصَدَّقُ بِهِ لِلْمَرَاوِنَةِ خَاصَّةً، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ وَإِنَّمَا هُوَ مُصَاحِبٌ لَهُمْ فِي الْحَرْبِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَابَ شَيْخُ مَشَايِخِي خَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ قَصْدُ الْمُلْتَزِمِ الَّذِي يُصَرِّحُ بِهِ أَوْ تَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَرَائِنُ فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِالْحَرْبِ فِي نَظِيرِ عَمَلِهِمْ فِي كَفِّ الْمُفْسِدِينَ مَثَلًا كَانَ كَمَعْلُومِ وَظِيفَةِ الْعَمَلِ إذَا قَبِلُوا رَجُلًا مَعَهُمْ فِي الْعَمَلِ دَخَلَ مَعَهُمْ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ خُصُوصَ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ لِغَرَضٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا خَاصَّةً كَمَحَبَّةِ الْمُلْتَزِمِ بِهِمْ مَثَلًا فَلَا دُخُولَ لِغَيْرِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ وَرِثَتْ مِنْ زَوْجِهَا حُلِيًّا وَنَخِيلًا وَعَقَارًا بَاعَتْ بَعْضَهَا لِابْنِهَا الْبَالِغِ وَوَهَبَتْهُ الْبَاقِيَ وَحَازَهَا مُدَّةَ خَمْسِ سِنِينَ، وَهِيَ فِي حَالَةِ صِحَّتِهَا وَسَلَامَتِهَا فَهَلْ الْهِبَةُ صَحِيحَةٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَنْ قَالَ بِالْبُطْلَانِ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ رَشِيدَةً حَافِظَةً لِمَالِهَا، وَلَا حَجْرَ عَلَيْهَا لِأَبٍ أَوْ غَيْرِهِ وَخَالِيَةً مِنْ زَوْجٍ وَدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ لَهُ فَالْهِبَةُ صَحِيحَةٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَنْ قَالَ بِالْبُطْلَانِ، وَإِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً أَوْ مَحْجُورَةً لِأَبٍ أَوْ وَصِيٍّ فَالْهِبَةُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً فَلِزَوْجِهَا رَدُّ جَمِيعِ مَا تَبَرَّعَتْ بِهِ أَوْ بَعْضَهُ إنْ زَادَ عَلَى ثُلُثِ مَالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَدِينَةً بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ لَمَا وَهَبَتْهُ فَلِرَبِّ الدَّيْنِ رَدُّ الْهِبَةِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ وَهَبَ لِابْنِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي حَيَاةِ ابْنِهِ جَمِيعَ مَالِهِ وَاسْتَمَرَّ الْوَاهِبُ حَائِزًا لِلْمَالِ وَمَا قَوْلُكُمْ فِي امْرَأَةٍ وَهَبَتْ ثُلُثَ مَالِهَا لِابْنِ ابْنِهَا، وَهُوَ صَغِيرٌ فِي حَيَاةِ ابْنِهَا وَاسْتَمَرَّتْ حَائِزَةً لِمَا وَهَبَتْ حَتَّى مَاتَتْ فَهَلْ تَبْطُلُ الْهِبَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ بَطَلَتْ الْهِبَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ بِسَبَبِ مَوْتِ الْوَاهِبِ فِي الْأُولَى وَالْوَاهِبَةِ فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْحِيَازَةِ عَنْهُمَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَحِيزَتْ الْهِبَةُ جَبْرًا وَأَبْطَلَهَا الْمَانِعُ قَبْلَهُ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 696
مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ وَهَبَتْ مَا نَابَهَا مِنْ دَارِ زَوْجِهَا، وَهُوَ شَائِعٌ لِأَوْلَادِ ابْنٍ مِنْ ابْنَيْهَا وَلَهَا بِنْتٌ أَيْضًا، ثُمَّ مَاتَتْ الْوَاهِبَةُ قَبْلَ حَوْزِ الْهِبَةِ فَهَلْ تَبْطُلُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: نَعَمْ تَبْطُلُ هِبَتُهَا بِمَوْتِهَا قَبْلَ حَوْزِهَا عَنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي خَمْسَةِ إخْوَةٍ مِنْهُمْ رَجُلٌ عَاجِزٌ عَنْ الْكَسْبِ كَتَبُوا وَثِيقَةً بِأَنَّ مَا يَكْتَسِبُهُ الْأَرْبَعَةُ بَيْنَ الْخَمْسَةِ وَالْعَاجِزُ كَوَاحِدٍ مِنْ الْمُكْتَسِبِينَ، فَهَلْ إذَا أَرَادُوا الْعُزْلَةَ يَخْرُجُ لِلْعَاجِزِ مَا يَنُوبُهُ أَوْ لَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يَخْرُجُ لِلْعَاجِزِ مَا يَنُوبُهُ، وَهُوَ خُمُسُ مَا اكْتَسَبُوهُ فَإِنْ كَانَ مِائَةً أُخْرِجَتْ لَهُ عِشْرُونَ؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ أَوْ صَدَقَةٌ عَلَى مُعَيَّنٍ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الِاكْتِسَابِ وَقَدْ حَصَلَ فَبُتِلَتْ بِحُصُولِهِ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ أَبَوْا قُضِيَ عَلَيْهِمْ بِهَا لَهُ لِدُخُولِهَا فِي الْبَتْلِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ مَنْ نَفْيِ الْقَضَاءِ حَيْثُ قَالَ، وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ قَالَ الشَّبْرَخِيتِيُّ الْمُرَادُ بِالْيَمِينِ مَا الْتَزَمَهُ مِمَّا فِيهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ أَيْ مَا الْتَزَمَهُ وَقَصَدَ بِهِ التَّشْدِيدَ وَالتَّغْلِيظَ كَأَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ مَثَلًا إنْ دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ فَدَارِي صَدَقَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى زَيْدٍ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ زَيْدًا، وَلَا فُقَرَاءَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ قَاصِدًا بِالْتِزَامِهِ الصِّلَةَ وَالْخَيْرَ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْتِزَامُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ لِمُعَيَّنٍ يُقْضَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّلَةِ وَالْخَيْرِ، وَأَمَّا إنْ قَالَ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَدَارِي صَدَقَةٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْيَمِينِ انْتَهَى قَالَ الْعَدَوِيُّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَضَاءَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَمْرَيْنِ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَوْ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ الْيَمِينِ وَمَتَى انْتَفَى وَاحِدٌ فَيَجِبُ التَّنْفِيذُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَالِالْتِزَامُ إنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ يُقْضَى بِهِ وَلِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لَا يُقْضَى بِهِ، وَأَمَّا النَّذْرُ فَلَا يُقْضَى بِهِ مُطْلَقًا كَمَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ دَفْعُ دِرْهَمٍ لِزَيْدٍ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا الْوَعْدُ فَإِنْ حَصَلَ فِيهِ تَوْرِيطٌ قُضِيَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ قَالَ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِزَيْدٍ كَذَا فَهُوَ نَذْرٌ لَا يُقْضَى بِهِ كَذَا كَتَبَ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَلِغَيْرِهِ أَنَّهُ يُقْضَى بِهِ؛ وَلِذَا قَالَ الشَّبْرَخِيتِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَأَمَّا إنْ قَالَ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَدَارِي صَدَقَةٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْيَمِينِ انْتَهَى.
وَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَسَائِلِهِ إذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ فِي يَمِينٍ لِمُعَيَّنِينَ أَوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ فَذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ يَمِينٍ فَإِنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنِينَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهَا، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُعَيَّنِينَ كَالْمَرْضَى وَنَحْوِهِمْ فَفِيهَا قَوْلَانِ فِي حَبْسِ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْهِبَاتِ مِنْهَا انْتَهَى.
(فِي نَوَازِلِ ابْنِ هِلَالٍ سُؤَالٌ) عَنْ امْرَأَةٍ تَصَدَّقَتْ عَلَى أَخِيهَا بِنَصِيبِهَا مِنْ أَصْلٍ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا وَبَعْدَ ذَلِكَ قَامَتْ الْأُخْتُ أَوْ وَارِثُهَا فِي ذَلِكَ عَلَى الْأَخِ، وَأَرَادَتْ أَوْ أَرَادَ وَارِثُهَا ارْتِجَاعَ الصَّدَقَةَ وَزَعَمَتْ أَوْ زَعَمَ وَارِثُهَا أَنَّهَا لَمْ تَقْصِدْ بِذَلِكَ سَبِيلَ الْقُرْبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا فَعَلَتْهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وَإِنَّمَا فَعَلَتْهُ بِسَبَبِ الْحَيَاءِ وَخَوْفًا مِنْ التَّعَايُرِ فِي مَجَامِعِ أَحْبَابِهَا إنْ لَمْ تَفْعَلْ فَهَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الْهِبَةُ الْوَاقِعَةُ عَلَى الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ أَمْ لَا؟
جَوَابُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إنْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ أَنَّ مَنْ طَلَبَتْ مِنْ أُخْتٍ أَوْ بِنْتٍ حَظَّهَا عُودِيَتْ وَقُطِعَ رَحِمُهَا وَعُيِّرَتْ بِذَلِكَ الطَّلَبِ وَلَمْ يُؤْخَذْ بِيَدِهَا عِنْدَ نَائِبَةٍ تَنْزِلُ بِهَا مِنْ زَوْجِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَكَانَتْ الصَّدَقَةُ بِطَلَبٍ مِنْ الْأَخِ فَالصَّدَقَةُ غَيْرُ
стр. 697
عَامِلَةٍ، وَلَا لَازِمَةٍ وَلِلْأُخْتِ أَوْ وَرَائِهَا اسْتِرْجَاعُهَا وَسَوَاءٌ اسْتَحْفَظَتْ بِذَلِكَ شَهَادَةً أَمْ لَا قَالَ ابْنُ هِلَالٍ مَا أَجَابَ بِهِ شَيْخُنَا الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ لِلنَّوَوِيِّ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَسْأَلَةِ فَوْقَهُ صَحِيحٌ وَبِهِ أَقُولُ وَأَخَذَ ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَصَايَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ مَنْ أَوْصَى فِي مَرَضِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَأَجَازَ ذَلِكَ وَرَثَتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْلُبَهُمْ الْمَيِّتُ أَوْ طَلَبَهُمْ إلَى تَمَامِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ مَا نَصُّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْأُخْتَ إذَا سَكَتَتْ وَتَرَكَتْ مِيرَاثَهَا لِأَخِيهَا سِنِينَ أَوْ تَصَدَّقَتْ عَلَيْهِ بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنْهَا أَنَّ لَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ قَالَ، وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تَقُولُ لَوْ طَلَبْت ذَلِكَ مِنْهُ لَقَطَعَنِي وَمَنَعَنِي رِفْدَهُ وَلَمْ يَكُفَّ عَنِّي ظُلْمَ زَوْجِي اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَكَذَا نَقَلَ الْقَلْشَانِيُّ فِي بَابِ الْوَصَايَا مِنْ شَرْحِهِ عَلَى الرِّسَالَةِ كَلَامَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَذْكُورِ مُسَلَّمًا.
(وَفِي نَوَازِلِ الْمَازِرِيِّ) وَسُئِلَ بَعْضُ فُقَهَاءِ بِلَادِنَا عَمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ قَوْمٍ مِنْ عَدَمِ تَوْرِيثِ الْبَنَاتِ فَمَنْ مَاتَ وَخَلَفَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ أَوْ إخْوَةً وَأَخَوَاتٍ فَلَا يُوَرِّثُونَ بِنْتًا، وَلَا أُخْتًا وَمَنْ طَلَبَتْ مِنْهُنَّ مِيرَاثَهَا وَأَبْرَزَتْ وَجْهَهَا وَعَزَمَتْ عَلَى أَخْذِ حَقِّهَا اجْتَمَعَ مَشَايِخُهُمْ وَذُو الْوَجَاهَةِ مِنْهُمْ وَجُمْهُورُهُمْ فَيُكَلِّمُونَهَا بِذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا مِنْهَا إلَّا الصُّلْحَ قَالُوا لَهَا اصْطَلِحِي مَعَ أَخِيك بِكَذَا مِنْ الْيَسِيرِ فَمَا تَرَى فِي هَذَا؟
(فَأَجَابَ) هَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا ثَبَتَ خِلَافُهُ فِي الشَّرِيعَةِ فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذُكِرَ فَهِبَةُ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ بَاطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ وَلَهُنَّ الرُّجُوعُ فِي حَيَاتِهِنَّ وَلِوَرَثَتِهِنَّ الْقِيَامُ بَعْدَ مَمَاتِهِنَّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ حَقٍّ فَلِوَارِثِهِ وَلَوْ امْتَنَعْنَ مِنْ الْهِبَةِ لَأَوْجَبَ ذَلِكَ اسْتِهَانَتَهُنَّ وَالْغَضَبَ عَلَيْهِنَّ وَقَطْعَ مَتْنِهِنَّ فَإِذَا شَهِدَتْ الْعَادَةُ بِذَلِكَ فَلَا حِيَازَةَ عَلَيْهِنَّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُنَّ مَقْهُورَاتٌ مَغْلُوبَاتٌ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُنَّ فِيهِ بِمَا يَدَّعِينَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُتَجَالَّاتِ ذَوَاتِ الْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِنَّ هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ عُيُونِ الْأَدِلَّةِ فِي بَابِ هِبَةِ الْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَذَكَرَهَا أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُنْتَقَى فِي بَابِ هِبَةِ الْقَرَابَةِ وَبِذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ لِوُجُودِ الْحَيَاءِ وَالْحِشْمَةِ وَيُقَالُ سَيْفُ الْحَيَاءِ أَقْطَعُ مِنْ سَيْفِ الْجَوَى ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي آخِرِ بَابِ أَصْنَافِ الْمُغْتَرِّينَ مِنْ كِتَابِ الْإِحْيَاءِ انْتَهَى. قُلْت وَمِنْ الْإِكْرَاهِ الَّذِي تُعْذَرُ بِهِ الْمَرْأَةُ وَيَكُونُ لَهَا الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَتْ إذَا مُنِعَتْ مِنْ التَّزْوِيجِ قَالَ صَاحِبُ الْمُغَارَسَةِ نَقْلًا عَنْ الْمُهَذَّبِ الْغَالِبُ فِي أَوْقَاتِنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ تُعْطِي لِوَلِيِّهَا أَبًا أَوْ غَيْرَهُ أَوْ تَتْرُكُ مَالَهَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْحُقُوقِ عِنْدَ مَنْعِهَا مِنْ النِّكَاحِ فَتَتْرُكُ حَقَّهَا لِكَيْ يَأْذَنَ لَهَا فِي التَّزْوِيجِ وَتَشْهَدُ لَهُ بِالرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ فَذَلِكَ كُلُّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهَا مُطَالَبَتُهُ بِمَا وَهَبَتْ أَوْ تَرَكَتْ أَوْ مُطَالَبَةُ وَارِثِهِ إنْ مَاتَ إلَّا أَنْ طَيَّبَتْ لَهُ ذَلِكَ وَسَوَّغَتْهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ قَادِحٍ اهـ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ هِلَالٍ سُئِلَ عَنْ يَتِيمَةٍ عَضَلهَا وَلِيُّهَا عَنْ التَّزْوِيجِ حَتَّى أَعْطَتْهُ إرْثَهَا مِنْ أَبُوهَا فَأَجَابَ هِبَةُ الْمَحْجُورَةِ مَرْدُودَةٌ بَاطِلَةٌ فَكَيْفَ، وَهِيَ إنَّمَا كَانَتْ لِيَتْرُكَهَا تَتَزَوَّجَ فَلَهَا اسْتِرْجَاعُ كُلِّ مَا وَهَبَتْ مَتَى وَجَدَتْ لِذَلِكَ سَبِيلًا، وَلَا يَحِلُّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ذَلِكَ بَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّ الْغَلَّةِ انْتَهَى. الْغَرَضُ مِنْهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هِبَةَ الْأَخَوَاتِ مَعَ ثُبُوتِ الْعَادَةِ بِأَنَّهُنَّ لَا يَرِثْنَ غَيْرُ لَازِمَةٍ، وَأَنَّ حَقَّهُنَّ لَا يَبْطُلُ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالْهِبَةِ مِنْهُنَّ فَعَدَمُ بُطْلَانِهِ بِمُجَرَّدِ السُّكُوتِ مِنْهُنَّ وَالْأَخُ يَتَصَرَّفُ مِنْ بَابِ أَوْلَى فَلَهُنَّ الرُّجُوعُ بِنَصِيبِهِنَّ مِنْ الْأَصْلِ وَفِي الرُّجُوعِ بِالْغَلَّةِ خِلَافٌ قَالَ فِي نَوَازِلِ الْبُيُوعِ مِنْ الْمِعْيَارِ وَسُئِلَ أَبُو عِمْرَانَ عَنْ أَخٍ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي مَوْرُوثِ أُخْتِهِ دَهْرًا طَوِيلًا، وَهِيَ حَاضِرَةٌ عَالِمَةٌ سَاكِنَةٌ إلَى أَنْ تُوُفِّيَا فَقَامَ
стр. 698
وَرَثَتُهَا يَطْلُبُونَ وَرَثَةَ الْأَخِ بِالْحَظِّ الَّذِي لِمُوَرِّثَتِهِمْ وَغَلَّتِهِ فَاحْتَجَّ وَرَثَتُهُ بِسُكُوتِهَا وَسُكُوتِ وَرَثَتِهَا بَعْدَهَا الزَّمَانَ الطَّوِيلَ فَهَلْ يَقْطَعُ سُكُوتُهَا حَقَّهَا أَمْ لَا بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ الشَّيْخُ بِأَنْ قَالَ اعْلَمُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّ جَمَاهِيرَ عُلَمَائِنَا اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ فِي السُّكُوتِ فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْأَخَوَاتِ فِي الْغَلَّةِ وَالسُّكُوتُ دَلِيلٌ عَلَى الرِّضَا وَجَعَلَهُ مَعَ الزَّمَانِ الطَّوِيلِ الصَّرِيحَ بِالْهِبَةِ مِنْ الْأَخَوَاتِ لِإِخْوَتِهِنَّ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهُنَّ عَلَى حَقِّهِنَّ فِي الْغَلَّاتِ وَأَنَّ السُّكُوتَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رَأْيِهِ وَوَجْهِهِ أَنَّ السُّكُوتَ أَصْلٌ مُبْهَمٌ يُحْتَمَلُ وَالْأَصْلُ الَّذِي هُوَ ثُبُوتُ الْحَقِّ لِلْأَخَوَاتِ فِي الِابْتِدَاءِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَلَا يَسْقُطُ الْحَقُّ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً بِالْأَمْرِ الْمُحْتَمَلِ آخِرًا وَانْتِهَاءً قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فِي الصِّفَاتِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الرَّسُولَ ﵊ قَالَ «سُكُوتُ الْبِكْرِ إذْنٌ وَرِضًا مِنْهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ» عَلَيْهَا فَإِنْ قَصَرْنَا الْحَدِيثَ عَلَى الْبِكْرِ قُلْنَا بِدَلِيلِ الْخِطَابِ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْبِكْرِ بِخِلَافِهَا فِي السُّكُوتِ.
وَأَنَّ السُّكُوتَ مَقْصُورٌ عَلَى الْبِكْرِ فَالسُّكُوتُ لِمَعْنًى لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ الْحَيَاءُ الْمُوجِبُ لِسُكُوتِهَا لِئَلَّا يُنْسَبُ إلَيْهَا رَغْبَةُ النِّكَاحِ وَإِرَادَةُ الرَّجُلِ وَسَقَطَ الدَّلِيلُ وَرَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْحَقِّ وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْجَمَاعَةُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّ السُّكُوتَ لَيْسَ بِإِذْنٍ، وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَلَمْ يَنْظُرْ لِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَجَعَلَ الْحَدِيثَ أَصْلًا فَكُلُّ مَنْ سَكَتَ عَنْ حَقٍّ كَانَ سُكُوتُهُ كَالْإِذْنِ الْمُصَرَّحِ انْتَهَى نَصُّهُ. يَعْنِي أَبَا عِمْرَانَ زَادَ الْوَنْشَرِيسِيُّ وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ إنْ كَانَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْوَقَارِ وَالْحَيَاءِ فَالْأَخَوَاتُ أَوْ وَارِثُهُنَّ بَاقُونَ عَلَى حُقُوقِهِنَّ، وَإِنْ طَالَتْ الْحِيَازَةُ، وَإِنْ عُرِفَ مِنْهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ بَطَلَ حَقُّهُنَّ وَكُلُّ مَا قُلْنَاهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْغَلَّةِ فَقَطْ، وَأَمَّا حَقُّهُنَّ فِي الْأَصْلِ فَلَا يَسْقُطُ بِسُكُوتِهِنَّ وَلَوْ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْحَائِزُ لِذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ أَوْ وَرِثَهُ مِنْ الْقَائِمَةِ أَوْ مِنْ وَرَثَتِهَا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَفِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ خِلَافٌ فَهَذِهِ وَفَّقَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَقْوَالٌ كُلُّهَا مَذْهَبِيَّةٌ فَمَنْ حَكَمَ بِقَوْلٍ مِنْهَا فَهُوَ عَلَى صَوَابٍ يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَيَمْضِي وَكُنَّا نَسْمَعُ مِنْ الْأَشْيَاخِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي نِسَاءِ الْبَوَادِي؛ لِأَنَّهُنَّ إذَا طَلَبْنَ حُقُوقَهُنَّ يَهْجُرُهُنَّ أَوْلِيَاؤُهُنَّ فَلَا تَجِدُ أَيْنَ تَبِيتُ زَائِرَةً أَوْ شَاكِيَةً ضَرَرًا لِحَقِّهَا مِنْ زَوْجِهَا فَلَا يَقْطَعُ سُكُوتُهَا حَقَّهَا إذَا كَانَ هَكَذَا وَوَقَعَ لِلْقَاضِي أَبِي سَالِمٍ الْيَزْنَاسِيِّ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِفَاسَ جَوَابٌ بِالْغَلَّةِ لِبِنْتِ الْعَمِّ بَعْدَ الْخَمْسِينَ سَنَةً وَمِثْلُهُ لِلشَّيْخِ سَيِّدِي قَاسِمٍ الْعُقْبَانِيِّ وَكَفَى بِهِمَا حُجَّةً انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
قُلْت: قَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي نِسَاءِ الْبَوَادِي لَا مَفْهُومَ لِنِسَاءِ الْبَوَادِي، وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى عَدَمِ التَّوْرِيثِ كَمَا يُعْطِيهِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا طَلَبْنَ حُقُوقَهُنَّ إلَخْ فَكُلَّمَا وُجِدَ ذَلِكَ التَّعْلِيلُ فِي بَادِيَةٍ أَوْ حَاضِرَةٍ لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَقُّ بِالسُّكُوتِ. وَقَدْ نَقَلَ سَيِّدِي عَبْدُ الْقَادِرِ الْفَاسِيُّ فِي نَوَازِلِهِ جَوَابَ أَبِي عِمْرَانَ الْمُتَقَدِّمَ مُخْتَصَرًا أَوْ أَتْبَعَهُ بِكَلَامِ الْوَنْشَرِيسِيِّ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ مَا نَصُّهُ: وَبِمِثْلِ هَذَا أَفْتَى أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى السَّرَّاجُ وَقَالَ تَسْلِيمُ الْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْعَمَّاتِ فِي مِيرَاثِهِنَّ لَا يَلْزَمُهُنَّ وَلَهُنَّ رَدُّ ذَلِكَ وَلِوَرَثَتِهِنَّ بَعْدَ مَوْتِهِنَّ كُنَّ مُتَجَالَّاتٍ أَوْ صَغِيرَاتٍ لَهُنَّ أَوْلَادٌ أَمْ لَا وَمِثْلُهُ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ الْعَرَبِيُّ الْفَاسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الَّذِي اسْتَمَرَّتْ بِهِ الْفَتْوَى فِي مِثْلِ هَذِهِ النَّازِلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الرُّجُوعَ فِي ذَلِكَ مَتَى شَاءَتْ
стр. 699
وَلِوَرَثَتِهَا بَعْدَهَا كَذَلِكَ إذْ مَنْ مَاتَ عَنْ حَقٍّ فَلِوَارِثِهِ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِي جَوَابٍ لِأَبِي سَالِمٍ إبْرَاهِيمَ الْكَرْلَاتِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الَّذِي تَقَدَّمَتْ عِنْدَنَا بِهِ الْفَتْوَى بِالْحَضْرَةِ الْفَاسِيَّةِ أَمَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِمَّنْ أَدْرَكْنَا مِنْ شُيُوخِنَا مُفْتِي الْمَغْرِبِ فِي حِينِهِ سَيِّدِي يَحْيَى وَشَيْخِنَا قَاضِي الْجَمَاعَةِ وَفِي حَيَاةِ سَيِّدِي عَبْدُ الْوَاحِدِ الْحُمَيْدِيُّ مِنْ بَعْدِهِمَا أَنَّ تَسْلِيمَ نِسَاءِ الْبَوَادِي لِإِخْوَانِهِنَّ وَهِبَتَهُنَّ وَتَمْنِيعَهُنَّ كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لَهُنَّ الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِنَّ وَلِوَرَثَتِهِنَّ بَعْدَ مَمَاتِهِنَّ هَكَذَا شَاهَدْنَا فَتْوَاهُمَا بِخَتَلِهِمَا غَيْرَ مَا مَرَّةٍ وَسَمِعْنَا مِنْهُمَا فِي الْمَجَالِسِ مُشَافَهَةً كَذَلِكَ غَيْرَ مَا مَرَّةٍ وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ لِأَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ إلَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِتَوْرِيثِ الْأَخَوَاتِ فِيهَا فَيَتَنَزَّلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْحَاضِرَةِ يَلْزَمُهُنَّ ذَلِكَ اهـ.
قُلْت قَوْلُهُ إلَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ إلَخْ فِيهِ مَا يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ عَدَمُ تَوْرِيثِ النِّسَاءِ وَعَدَمُهَا، وَلَا يُنْظَرُ لِحَاضِرَةٍ، وَلَا بَادِيَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى الْمَازُونِيُّ فِي دُرَرِهِ الْمَكْنُونَةِ سُئِلَ سَيِّدِي أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ عَنْ أُخْتٍ بَاعَ أَخُوهَا نَصِيبَهُ وَنَصِيبَهَا وَسَكَتَتْ مُدَّةً طَوِيلَةً هَلْ لَهَا قِيَامٌ فِي اسْتِرْجَاعِ نَصِيبِهَا أَمْ لَا؟ وَهَلْ لَهَا مُطَالَبَةٌ بِمَا اُغْتُلَّ مِنْهُ؟ وَهَلْ تَرْجِعُ عَلَى أَخِيهَا بِمَا اغْتَلَّتْهُ مِنْ نَصِيبِهَا قَبْلَ بَيْعِهِ؟ فَأَجَابَ: أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ فِي مَسْأَلَةِ أُخْتٍ كَانَ أَخُوهَا يَغْتَلُّ نَصِيبَهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ أَنَّهَا تَأْخُذُ الْغَلَّةَ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْمُدَرِّسِينَ بِجِهَةٍ وَرُغْمَهُ يُفْتِي بِأَنْ لَا غَلَّةَ لَهَا حَتَّى سُئِلَ الْفَقِيهُ رَاشِدٌ عَنْ ذَلِكَ فَأَفْتَى بِالْغَلَّةِ وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ فَأَفْتَى بِالْغَلَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ عَادَةَ نِسَاءِ الْبَادِيَةِ لَا يَطْلُبْنَ مِيرَاثَهُنَّ مِنْ قَرَابَتِهِنَّ، وَلَا يَطْلُبْنَ الْغَلَّةَ خَوْفًا مِنْ قَطْعِ رَحِمِهِنَّ فَإِنَّهُنَّ إنْ طَلَبْنَهُ قَطَعَهُنَّ أَهْلُهُنَّ وَجَفَوْنَهُنَّ فَيَصِرْنَ بِذَلِكَ كَالْمَقْهُورَاتِ فَلَهُنَّ الْغَلَّةُ مَتَى قُمْنَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَجَازَ الْوَصِيَّةَ، وَهُوَ فِي عِيَالِ الْمُوصِي وَقَالَ بَعْدَ الْمَوْتِ خِفْت أَنْ يَمْنَعَنِي رِفْدَهُ فَلَا تَلْزَمُهُ الْإِجَازَةُ، وَأَمَّا إذَا بِيعَ النَّصِيبُ وَعَلِمْت بِهِ فَالشَّأْنُ أَنَّهُنَّ يَقُمْنَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَا يَسْكُتْنَ عَلَيْهِ فَيُعَدُّ سُكُوتُهُنَّ رِضًا إنْ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ مَانِعٌ قِيلَ لَهُ عَلَى هَذَا لَهُنَّ الْغَلَّةُ قَالَ لَهُنَّ الْغَلَّةُ مِثْلُ الْبَادِيَةِ، وَلَا فَرْقَ إذَنْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا هِيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمَنْقُولَةُ فِي نَوَازِلِ الِاسْتِحْقَاقِ الْمِعْيَارِ وَلَفْظُهُ وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ زَوْجَةً وَابْنًا كَبِيرًا وَابْنَةً صَغِيرَةً فَانْفَرَدَ بِمَا تَرَكَ أَبُوهُ مِنْ الرَّبْعِ بِغَلَّتِهِ نَحْوَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا، ثُمَّ تُوُفِّيَ فَقَامَتْ أُخْتُهُ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنْ الرَّبْعِ وَمِمَّا اغْتَلَّهُ أَخُوهَا فِي الْمُدَّةِ وَزَعَمَتْ أَنَّهَا شَرِيكَتُهُ فِي الْجَمِيعِ فَهَلْ يُحْكَمُ لَهَا بِنَصِيبِهَا مِنْهُ أَمْ لَا؟ لِأَنَّهَا كَانَتْ حَاضِرَةً تَنْظُرُ إلَى اغْتِلَالِهِ الرَّبْعَ، وَلَا تَطْلُبُهُ بِشَيْءٍ.
فَأَجَابَ: لَا يُبْطِلُ حَقَّهَا سُكُوتُهَا وَلَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ إلَى وَفَاةِ أَخِيهَا وَطَلَبَتْ تَرِكَتَهُ بِحِصَّتِهَا مِنْ الْغَلَّةِ زَادَ الْوَنْشَرِيسِيُّ قِيلَ لَمَّا تَقَرَّرَ فِي الْعَادَةِ أَنَّهَا لَا تَطْلُبُ أَخَاهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ تَارِكَةٍ لِحَقِّهَا فَلِهَذَا لَا يُبْطِلُ حَقَّهَا مُضِيُّ الْمُدَّةِ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا حِيَازَةُ الْأَقَارِبِ انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ السَّلْجِمَاسِيُّ فِي شَرْحِ الْعَمَلِيَّاتِ الْفَاسِيَّةِ.
[وَهَبَ هِبَةً ثُمَّ رَجَعَ وَاعْتَذَرَ]
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) : مَنْ وَهَبَ هِبَةً، ثُمَّ رَجَعَ وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ حَيَاءً فَظَاهِرُ مَا قَدَّمْنَا أَوَّلًا عَنْ نَوَازِلِ الْمَازُونِيِّ أَنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ فِي الرُّجُوعِ وَكَذَا ظَاهِرُ مَا أَجَابَ بِهِ ابْنُ لُبٍّ فِي مَسْأَلَةِ أَبَوَيْنِ نَحَلَا
стр. 700
ابْنَتَهُمَا كَذَا وَكَذَا فَلَمَّا مَاتَ الْأَبُ وَطُولِبَتْ الْأُمُّ بِنِصْفِهَا ادَّعَتْ أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَيْهَا إنَّمَا كَانَ حَيَاءً وَخَجَلًا مِنْ النَّاسِ وَنَصُّهُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُؤَدِّيَ الشُّهُودُ شَهَادَتَهُمْ عَلَى مَا فَهِمُوا مِنْ حَالِ الْأُمِّ مِنْ خَجَلِهَا وَعَدَمِ طِيبِ نَفْسِهَا وَتَحْلِفُ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَقْصِدْ عِمَارَةَ ذِمَّتِهَا، وَلَا تَعَلُّقَ شَيْءٍ مِنْ النِّحْلَةِ بِمَالِهَا انْتَهَى الْغَرَضُ مِنْهُ نَقَلَهُ ابْنُ هِلَالٍ وَصَاحِبُ الْمِعْيَارِ فِي نَوَازِلِ النِّكَاحِ وَاَلَّذِي فِي نَوَازِلِ الْوَصَايَا وَأَحْكَامِ الْمَحَاجِيرِ عَنْ الْقَاضِي الْيَزْنَاسِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: فِي مَسْأَلَةِ مَحْجُورٍ وَقَعَ مِنْهُ إبْرَاءُ بَعْدَ مَوْتِ وَصِيِّهِ، ثُمَّ ادَّعَى الْإِكْرَاهَ مَا نَصُّهُ فَإِنْ أَرَادَ السَّائِلُ بِلَفْظِ الْإِكْرَاهِ مَا كَانَ يَمْنَعُنِي الْحَيَاءُ فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ اهـ.
وَكَذَا فِي الدُّرَرِ عَنْ سَيِّدِي سَعِيدٍ الْعُقْبَانِيِّ فِيمَنْ سَلَّمَتْ لِأَخِيهَا فِي مِيرَاثِهَا، ثُمَّ أَنْكَرَتْ وَادَّعَتْ أَنَّ سُكُوتَهَا عَلَيْهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَهُوَ يَتَصَرَّفُ كَانَ حَيَاءً وَثَبَتَ التَّسْلِيمُ مِنْهَا بِالسَّمَاعِ الْفَاشِي قَالَ سَيِّدِي سَعِيدٌ الْمَذْكُورُ وَقَوْلُهَا إنَّمَا سَكَتَتْ حَيَاءً مِنْ أَخِيهَا لَا يَنْفَعُهَا ا. هـ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَاتَيْنِ النَّازِلَتَيْنِ إنَّمَا فِيهِمَا دَعْوَى الْحَيَاءِ بِلَا دَلِيلٍ فَلِذَلِكَ أُلْغِيَتْ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا فَفِيهِ مَا يُصَدِّقُ دَعْوَى الْإِكْرَاهِ بِسَبَبِ الْحَيَاءِ فَلَا خِلَافَ إذَنْ نَعَمْ وَجَدْتُ الْخِلَافِ مُصَرَّحًا بِهِ فِي تَقْيِيدٍ كُنْت قَيَّدْته، وَلَا أَسْتَحْضِرُ الْآنَ أَصْلَهُ الَّذِي قَيَّدْته مِنْهُ وَنَصُّهُ الَّذِي فِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ إذَا أَدْخَلَ الرَّجُلُ عَلَى زَوْجَتِهِ جَمَاعَةً مِنْ النَّاسِ لِتَضَعَ عَنْهُ صَدَاقَهَا فَأَدْرَكَهَا الْحَيَاءُ وَالْحِشْمَةُ فَوَهَبَتْ لَهُ صَدَاقَهَا فَلَهَا الرُّجُوعُ.
وَفِي أَسْئِلَةِ الْقَابِسِيِّ لَا تَرْجِعُ، وَلَا عُذْرَ لَهَا فِي الْحَيَاءِ وَالْحِشْمَةِ انْتَهَى.
الثَّانِي لَمْ أَرَ أَنَّ الْأُخْتَ إذَا قَامَتْ لِرَدِّ مَا وَهَبَتْ لِأَخِيهَا أَتَحْلِفُ أَوْ لَا تَحْلِفُ وَظَاهِرُ النُّصُوصِ السَّابِقَةِ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا إذَا عُلِمَ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَقْدِرْنَ عَلَى طَلَبِ حُقُوقِهِنَّ عَادَةً وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى فِي سُقُوطِ الْيَمِينِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا نَقَلَهُ سَيِّدِي عَبْدُ الْقَادِرِ الْفَاسِيُّ فِي نَوَازِلِهِ عَنْ الْوَنْشَرِيسِيِّ أَنَّ هِبَةَ نِسَاءِ الْبَوَادِي بَاطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ لِمَا غَلَبَ وَفَشَا أَنَّهُنَّ مَقْهُورَاتٌ وَمَغْلُوبَاتٌ قَالَ اُنْظُرْ كَيْفَ عَلَّلَ ذَلِكَ بِالْفُشُوِّ وَالْعِلْمِ وَكَأَنَّ ذَلِكَ قَامَ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ عَلَى الدَّعْوَى ا. هـ.
قُلْت إذَا كَانَ الْحُكْمُ سُقُوطَ الْيَمِينِ عَنْهَا فَالْبَيِّنَةُ الَّتِي قَامَ الْفُشُوُّ مَقَامَهَا هِيَ الْبَيِّنَةُ الْقَاطِعَةُ إذْ لَوْ قَامَ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ السَّامِعَةِ لَوُجِّهَتْ عَلَيْهَا الْيَمِينُ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي نَازِلَةِ ابْنِ لُبٍّ السَّابِقَةِ مَا فِي مَسْأَلَةِ هِبَةِ نِسَاءِ الْبَوَادِي مِنْ الْفُشُوِّ أَفْتَى بِيَمِينِ الزَّوْجَةِ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِمَا فَهِمُوا مِنْ حَالِ الْمَرْأَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، ثُمَّ هَذَا الَّذِي تَوَقَّفْنَا فِيهِ فِي حَقِّ نِسَاءِ الْبَوَادِي مِنْ تَوَجُّهِ الْيَمِينِ وَسُقُوطِهَا إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ صَدَرَ مِنْهَا الْهِبَةَ، ثُمَّ ادَّعَتْ مُوجِبَ عَدَمِ لُزُومِهَا أَوْ ادَّعَى عَلَيْهَا الْهِبَةَ وَأَنْكَرَتْ مَعَ تَحَقُّقِ الدَّعْوَى، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجَرَّدُ السُّكُوتِ عَنْ قَرِيبِهَا وَتَرَكَهُ يَسْتَغِلُّ وَحِينَ قَامَتْ عَلَيْهِ بِنَصِيبِهَا مِنْ الْغَلَّةِ اتَّهَمَهَا بِأَنْ تَكُونَ وَهَبَتْ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا وَلِذَا قَالَ الْوَنْشَرِيسِيُّ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِبْدَادِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِاسْتِغْلَالِ الْأُصُولِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي حُضُورِ الْوَارِثِ الْآخَرِ وَسُكُوتِهِ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشَرَ مِنْ مَسَائِلِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْخَالِدِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ سُكُوتَ الْوَارِثِ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ وَأَقْصَى مَا عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَأَنَّ سُكُوتَهُ لَمْ يَكُنْ هِبَةً قَالَ: وَهَذَا إنْ قُطِعَ عَلَيْهِ بِدَعْوَى الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ تَوَجُّهُ الْيَمِينِ فِي دَعْوَى الْمَعْرُوفِ، وَأَمَّا إنْ اتَّهَمَهُ فَقَطْ فَلَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى تُهْمَةٍ فِي تَبَرُّعٍ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ.
الثَّالِثُ تَقَدَّمَ فِي جَوَابِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ إذَا بِيعَ نَصِيبُ الْمَرْأَةِ وَعَلِمْت بِهِ وَسَكَتَتْ عُدَّ سُكُوتُهَا رِضًا إنْ لَمْ يَمْنَعْهَا مَانِعٌ.
قُلْت وَمِنْ الْمَوَانِعِ الَّتِي لَا يَسْقُطُ مَعَهَا الْحَقُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ تَكُونَ وَهَبَتْ نَصِيبَهَا لِقَرِيبِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا تَلْزَمُهَا الْهِبَةُ فِيهِ، ثُمَّ تَرَاهُ يَبِيعُ وَتَجْهَلُ أَنَّ هِبَتَهَا غَيْرُ
стр. 701
لَازِمَةٍ وَأَنَّ لَهَا الْقِيَامُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَتَسْكُتُ لِذَلِكَ وَيَدُلُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ سَيِّدِي أَبَا الْحَسَنِ الصَّغِيرَ سُئِلَ عَمَّنْ تَصَدَّقَتْ، وَهِيَ بِكْرٌ مُهْمَلَةٌ عَلَى أَخَوَاتِهَا بِإِرْثِهَا فَتَزَوَّجَتْ، ثُمَّ قَامَتْ بَعْدَ طُولٍ فَأَجَابَ الْقَوْلُ لِلْقَائِمَةِ أَنَّ سُكُوتَهَا الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ إنَّمَا كَانَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ هِبَةَ الْبِكْرِ الْمُهْمَلَةِ غَيْرُ لَازِمَةٍ لَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامِ أَوْ إلَى مَا تَعُدُّ فِيهِ مِنْ الزَّمَانِ مِنْ وَقْتِ عِلْمِهَا بِالْحُكْمِ إلَى وَقْتِ قِيَامِهَا مُجِيزَةً لِهِبَتِهَا مَعَ يَمِينِهَا فِي قَطْعِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ مُدَّعِيَةَ الْجَهْلِ فِيهِ مِمَّا تَجْهَلُهُ غَالِبًا، وَلَا يَعْرِفُهُ إلَّا أَهْلُ الْفِقْهِ وَقَاعِدَتُهُمْ أَنَّ مُدَّعِيَ الْجَهْلِ فِيمَا يَجْهَلُهُ أَبْنَاءُ جِنْسِهِ غَالِبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي جَهْلِهِ.
الرَّابِعُ يُؤْخَذُ مِنْ عَدَمِ لُزُومِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ لِقَرِيبِهَا أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِمَا وَهَبَتْهُ وَاسْتِغْلَالَهُ قَبْلَ قِيَامِهَا حَرَامٌ لَا يَحِلُّ وَسُكُوتَهَا حَيَاءٌ لَا يُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يُنَجِّيهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَا قَالَ ابْنُ لُبٍّ وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي الصَّدَقَةِ إذَا طَلَبَتْ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ وَفُهِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ أَعْطَاهَا حَيَاءً وَخَجَلًا لَا عَنْ طِيبِ النَّفْسِ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ شَرْحِ السَّلْجِمَاسِيِّ عَلَى الْعَمَلِيَّاتِ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تَبَرَّعَ لِأَوْلَادِ ابْنِهِ بِجُزْءٍ مِنْ دَارِهِ وَلَمْ تَزَلْ تَحْتَ يَدِهِ وَرَجَعَ فِي تَبَرُّعِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ أَوْ لَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ لِلْجَدِّ الرُّجُوعُ فِيمَا تَبَرَّعَ بِهِ لِأَوْلَادِ ابْنِهِ وَلَوْ اسْتَمَرَّ تَحْتَ يَدِهِ سَوَاءٌ قَصَدَ بِهِ ثَوَابَ الْآخِرَةِ أَوْ وَجْهَ الْأَوْلَادِ، وَإِنْ اُطُّلِعَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَوَانِعِ جُبِرَ عَلَى تَحْوِيزِهَا لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ يَمْلِكُهُمَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَالْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ وَاعْتِصَارُ الْهِبَةِ إنَّمَا هُوَ لِلْأَبِ دَنِيَّةٌ وَالْأُمِّ بِشُرُوطٍ وَكَذَا الرُّجُوعُ فِي الصَّدَقَةِ بِالْقِيمَةِ وَهَذَا إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْجَدُّ الرُّجُوعَ فِيهَا وَإِلَّا عُمِلَ بِشَرْطِهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَحِيزَتْ الْهِبَةُ جَبْرًا لِلُزُومِهَا بِالْقَوْلِ، ثُمَّ قَالَ وَلِلْأَبِ نَزْعُ الْهِبَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ الِاعْتِصَارِ عَلَى التَّحْقِيقِ حَازَ الْوَلَدُ أَوْ لَا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا كَالْأُمِّ مِنْ ذِي الْأَبِ وَلَوْ فَقِيرًا أَوْ مَجْنُونًا إلَّا أَنْ يَطْرَأَ يُتْمُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا يُنْزَعُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهُ صِلَةُ الرَّحِمِ وَلَوْ بِلَفْظِ الْهِبَةِ إلَّا بِشَرْطٍ، وَإِنْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَفَاتَ النَّزْعُ بِغَيْرِ النَّقْلِ وَحَوَالَةُ السُّوقِ كَنِسْيَانِ صَنْعَةٍ لَهَا بَالٌ وَبِوَطْءِ الثَّيِّبِ وَيَكْفِي فِي الْبِكْرِ مُجَرَّدُ الِافْتِضَاضِ وَبِالْمُعَامَلَةِ وَبِمَرَضِ الْوَاهِبِ أَوْ الْمَوْهُوبِ إلَّا أَنْ يَزُولَ أَوْ يَهَبَ فِيهِ، وَأَمَّا التَّعَامُلُ فَيَمْنَعُ وَلَوْ زَالَ وَكُرِهَ مِلْكُ الصَّدَقَةِ بِغَيْرِ إرْثٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَلَوْ تَدَاوَلَتْهَا الْأَمْلَاكُ وَسَبَقَ التَّرْخِيصُ فِي الْعَرِيَّةِ وَكَذَا الْعُمْرَى وَمَا تَتَسَامَحُ فِيهِ النُّفُوسُ مِنْ شُرْبِ الْمُحْبِسِ مِنْ مَائِهِ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهَا وَلَوْ أَذِنَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ وَلَوْ رَشِيدًا عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا لِغَيْرِهِ حَرُمَ وَجَازَ إنْفَاقٌ عَلَى أَبٍ افْتَقَرَ مِنْ صَدَقَتِهِ وَتَقْوِيمُ رَقَبَةٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى كَصَغِيرٍ أَرْفَعَ الْقَيِّمَ لِلضَّرُورَةِ لِكَوْنِ نَفْسِ الْأَبِ عُلِّقَتْ بِالْجَارِيَةِ أَوْ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ انْتَهَى بِاخْتِصَارِ. قَالَ الْعَدَوِيُّ وَمِثْلُ الْأَبِ الْأُمُّ فِي الْإِنْفَاقِ وَالتَّقْوِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ وَهَبَ لِوَلَدِ وَلَدِهِ يَتِيمٍ نِصْفَ قِيرَاطٍ فِي طَاحُونٍ وَاسْتَمَرَّ الْوَلَدُ فِي حَضَانَةِ جَدِّهِ حَتَّى مَاتَ فَبَقِيَ الْوَلَدُ مُهْمَلًا فِي كَفَالَةِ الْأَجَانِبِ حَتَّى رَشَدَ وَعَلِمَ بِالْهِبَةِ فَقَامَ سَرِيعًا يُرِيدُ أَخْذَهَا فَوَجَدَهَا فِي حِيَازَةِ رَجُلٍ مُدَّعٍ اشْتِرَاءَهَا مِمَّنْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْجَدِّ فَهَلْ لَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ بِالْبَيْعِ وَلَهُ نَزْعُهَا مِنْ وَاضِعِ الْيَدِ قَهْرًا عَنْهُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
стр. 702
فَأَجَابَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَحْمَةً وَاسِعَةً بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إذَا أَشْهَدَ الرَّجُلُ عَلَى الْهِبَةِ لِوَلَدِ وَلَدِهِ الْيَتِيمِ الْمَحْجُورِ لَهُ صَحَّتْ الْهِبَةُ وَلَمْ يَضُرَّ بَقَاؤُهَا تَحْتَ يَدِ الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَحُوزُ لَهُ وَسَوَاءٌ صَرَفَ الْغَلَّةَ لِلْيَتِيمِ أَوْ لَا وَالْبَيْعُ الْوَاقِعُ مِنْهُ قَبْلَ رُشْدِ الْيَتِيمِ وَعَمَلِهِ بَيْعُ فُضُولِيٍّ، فَإِذَا رَشَدَ الْيَتِيمُ وَعَلِمَ فَلَهُ الْخِيَارُ إمَّا أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ وَيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى جَدِّهِ أَوْ عَلَى تَرِكَتِهِ وَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ الْهِبَةَ وَيَرْجِعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى مَنْ دَفَعَهُ لَهُ قَهْرًا عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[امْرَأَة وَهَبَتْ لِبِنْتِ مِنْ بَنَاتِهَا شَيْئًا وَمَاتَتْ أُمُّهَا قَبْلَ حَوْزِ الْهِبَةِ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ وَهَبَتْ لِبِنْتٍ مِنْ بَنَاتِهَا شَيْئًا وَمَاتَتْ أُمُّهَا قَبْلَ حَوْزِ الْهِبَةِ فَهَلْ تَبْطُلُ لِعَدَمِ الْحَوْزِ، وَإِنْ ادَّعَتْ الْبِنْتُ أَنَّهَا كَانَتْ أَرْشَدَ أَخَوَاتِهَا وَأَنَّهَا الَّتِي كَانَتْ تَقْضِي لِأُمِّهَا حَوَائِجَهَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَابَ شَيْخُ شُيُوخِنَا أَحْمَدُ الدَّرْدِيرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ مَاتَتْ الْأُمُّ قَبْلَ أَنْ تَحُوزَ الْبِنْتُ الْهِبَةَ فَالْهِبَةُ بَاطِلَةٌ وَتَرْجِعُ مِيرَاثًا وَلَوْ كَانَتْ الْبِنْتُ أَرْشَدَ أَخَوَاتِهَا وَتَقْضِي حَوَائِجَ أُمِّهَا وَكَوْنُهَا كَذَلِكَ لَا يُصَحِّحُ لَهَا الْهِبَةَ مِنْ غَيْرِ حَوْزٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجَابَ بِنَحْوِهِ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ الْحَفْنَاوِيُّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وَأَجَابَ الشَّيْخُ عُمَرُ الطَّحْلَاوِيُّ الْمَالِكِيُّ بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ مَاتَتْ الْأُمُّ قَبْلَ حِيَازَةِ الْبِنْتِ لِلْهِبَةِ بَطَلَتْ وَصَارَتْ مِيرَاثًا، وَلَا عِبْرَةَ بِدَعْوَى الْبِنْتِ أَنَّهَا أَرْشَدُ وَأَنَّهَا كَانَتْ تَقْضِي حَوَائِجَ أُمِّهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ أَعْطَى أَوْلَادَهُ جَمِيعَ بَيْتِهِ وَنَخْلِهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ أَحَدُ الْأَوْلَادِ عَنْ زَوْجَةٍ حَامِلٍ فَأَرَادَتْ أَخْذَ صَدَاقِهَا مِنْ الْبَيْتِ وَثَمَنِهَا فَادَّعَى ذَلِكَ الرَّجُلُ أَنَّهُ رَجَعَ فِيمَا أَعْطَاهُ قَبْلَ مَوْتِ ابْنِهِ بِسِتِّ سَنَوَاتٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً فَشَهِدَتْ بِرُجُوعِهِ فِي النَّخْلِ فَقَطْ وَهَلْ إذَا أَثْبَتَ أَنَّ الِابْنَ الْمُتَوَفَّى قَطَعَ ثَمَرَ النَّخْلِ وَأَخَذَهُ فَهَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ حِيَازَةً؟ وَهَلْ إذَا قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إذَا وَضَعَتْ زَوْجَةُ ابْنِي وَلَدًا فَلَهُ حِصَّةُ أَبِيهِ فِي النَّخْلِ وَوَضَعَتْ وَلَدًا فَهَلْ يُعْمَلُ بِذَلِكَ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَابَ الشَّيْخُ الدَّرْدِيرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الرَّجُلَ رَجَعَ فِيمَا أَعْطَاهُ لِوَلَدِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْمُعْطَى مِلْكًا لِلْأَبِ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ الْوَلَدُ لَمْ يَنْكِحْ أَوْ يُدَايِنْ لِأَجْلِ تِلْكَ الْعَطِيَّةِ قَبْلَ رُجُوعِ الْأَبِ وَإِلَّا فَلَا رُجُوعَ لَهُ وَحَيْثُ وَضَعَتْ زَوْجَةُ الِابْنِ وَلَدًا كَانَتْ حِصَّةُ أَبِيهِ مِلْكًا لَهُ عَمَلًا بِقَوْلِ الْأَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَأَجَابَ) الشَّيْخُ عَبْدُ الْبَاسِطِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِرُجُوعِهِ فِيهِ فِي حَيَاةِ الْمَيِّتِ فَقَدْ رَجَعَ إلَى مِلْكِهِ، وَمَا لَمْ تَشْهَدْ بِرُجُوعِهِ فِيهِ فِي حَيَاتِهِ تَكُونُ حِصَّةُ الْمَيِّتِ فِيهِ مِيرَاثًا عَنْهُ يُقْضَى مِنْهُ صَدَاقُ زَوْجَتِهِ وَغَيْرُهُ وَيُقَسَّمُ بَاقِيهِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالِابْنِ وَالْأَبِ قَهْرًا عَلَى الْمُعَارِضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِد الْمَذْهَبِ.
(وَسُئِلَ الشَّيْخُ الدَّرْدِيرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ رَجُلٍ مَلَكَ عَقَارًا وَمَوَاشِيَ وَلَهُ أَوْلَادٌ كِبَارٌ وَعَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ دُيُونٌ فَأَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الْعَقَارِ وَالْمَوَاشِي لِأَوْلَادِهِ وَقَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ صَحِيحًا مُخْتَارًا وَحَازَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَعْطَاهُ لَهُ حِيَازَةً شَرْعِيَّةً وَجَعَلَ الْأَبُ الدُّيُونَ الَّتِي عَلَيْهِ عَلَى أَوْلَادِهِ فَكُلُّ مَنْ أَخَذَ قِسْمًا دَفَعَ مَا جَعَلَهُ الْأَبُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ وَأَشْهَدَ
стр. 703
الْأَبُ عَلَى أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَعْطَاهُ لَهُمْ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ مُدَّةٍ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِمْ فَهَلْ يُمْنَعُ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ) الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ كَانَ إسْقَاطُ الْأَبِ حَقَّهُ فِي الْعَقَارِ وَالْمَوَاشِي لِأَوْلَادِهِ فِي مُقَابَلَةِ وَفَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ الْمُعَيَّنِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعُهُ مِنْ التَّعَرُّضِ لِأَوْلَادِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَقَرَّهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْعَقَّادُ الْمَالِكِيُّ وَأَجَابَ عَنْهُ أَيْضًا الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الدُّسُوقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ كَانَ إسْقَاطُ الْأَبِ حَقَّهُ فِي الْأَرْضِ وَالْعَقَارِ وَالْمَوَاشِي لِأَوْلَادِهِ فِي مُقَابَلَةِ مَا جَعَلَهُ عَلَيْهِمْ وَفَاءَ دَيْنِهِ الْمُعَيَّنِ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى بَيْعًا لَهُمْ وَحِينَئِذٍ لَا كَلَامَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَعَلَى الْحَاكِمِ زَجْرُهُ وَمَنْعُهُ عَنْ مُعَارَضَةِ أَوْلَادِهِ قَهْرًا عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَقَرَّهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الطَّحْلَاوِيُّ الْمَالِكِيُّ وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْبَاسِطِ الشَّافِعِيُّ.
(وَسُئِلَ الْجِدَّاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَمَّنْ أَسْقَطَ لَهُ آخَرُ حَقَّهُ فِي فَدَّانٍ وَشَرَطَ عَلَيْهِ دَفْعَ خَرَاجِهِ، وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي الدَّفْتَرِ نِصْفُ فَدَّانٍ فَهَلْ يُعْمَلُ بِالشَّرْطِ وَلَوْ انْتَقَلَ لِذِمَّةِ آخَرَ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ (فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ) الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ اسْتَوْلَى عَلَى الْفَدَّانِ وَزَرَعَهُ كَانَ عَلَيْهِ خَرَاجُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَوَافَقَهُ الدَّرْدِيرُ.
(وَسُئِلَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَنْ رَجُلٍ وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ بَعْضَ نَخِيلٍ وَمَا زَالَ حَائِزًا لَهُ تِلْكَ النَّخِيلَ وَيَتَصَرَّفُ لَهُ فِيهَا بِحَسَبِ الشَّرْعِ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ بُلُوغِ وَلَدِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ رَشِيدًا وَعَلِمَ بِالْهِبَةِ وَجَدَ النَّخِيلَ تَحْتَ يَدِ رَجُلٍ شَيْخِ بَلْدَةٍ فَأَرَادَ أَخْذَهَا مِنْهُ فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ أَبِيهِ فِي حَالَةِ حَيَاتِهِ فَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ وَيَأْخُذُ الْوَلَدُ النَّخِيلَ قَهْرًا أَمْ لَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ) الْحَمْدُ لِلَّهِ إذَا وَهَبَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ شَيْئًا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَالنَّخِيلِ قَامَ الْإِشْهَادُ بِالْهِبَةِ مَقَامَ الْحَوْزِ وَلَمْ يَضُرَّ بَقَاءُ الْمَوْهُوبِ تَحْتَ يَدِ الْوَاهِبِ وَدَعْوَى وَاضِعِ الْيَدِ أَنَّ الْوَاهِبَ قَدْ بَاعَ لَهُ إنْ كَانَتْ بِلَا بَيِّنَةٍ فَلَا عِبْرَةَ بِهَا، وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْبَيْعِ كَانَ بَيْعًا فُضُولِيًّا فَلِلْوَلَدِ نَقْضُهُ وَأَخْذُ النَّخِيلِ مِنْ وَاضِعِ الْيَدِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ عَلَى التَّرِكَةِ مَا لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ الْأَبَ قَدْ كَانَ رَجَعَ فِي هِبَتِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَإِلَّا مَضَى الْبَيْعُ، وَلَا كَلَامَ لِلْوَلَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ سَيِّدِي أَحْمَدُ الدَّرْدِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَنْ ذِي فَرَحٍ نَثَرَ عَلَى حَاضِرِيهِ دَرَاهِمَ فَوَقَعَ فِي حِجْرِ رَجُلٍ مِنْهُمْ دَرَاهِمُ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ فَهَلْ يَخْتَصُّ بِهَا عَنْ الْحَاضِرِينَ.
(فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ) الْحَمْدُ لِلَّهِ يَخْتَصُّ الَّذِي سَقَطَ فِي حِجْرِهِ الدَّرَاهِمُ الزَّائِدَةُ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ تَبَرَّعَتْ لِابْنِ أَخِيهَا بِدَارٍ وَحَازَهَا وَأَصْلَحَ فِيهَا بِبِنَاءٍ، ثُمَّ مَاتَ فَأَرَادَتْ الْمُتَبَرِّعَةُ الرُّجُوعَ فَهَلْ لَا يَكُونُ لَهَا الرُّجُوعُ وَتَكُونُ الدَّارُ لِوَرَثَةِ ابْنِ الْأَخِ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا يَكُونُ لَهَا الرُّجُوعُ فِي الدَّارِ الَّتِي تَبَرَّعَتْ بِهَا لِابْنِ أَخِيهَا وَتَكُونُ لِوَرَثَتِهِ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ رَشِيدَةً خَالِيَةً عَنْ زَوْجٍ أَوْ لَهَا زَوْجٌ وَقِيمَتُهَا قَدْرُ ثُلُثِ مَالِهَا أَوْ أَقَلَّ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا دَيْنٌ مُحِيطٌ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ يَلْزَمُ الْمُتَبَرِّعَ بِالْقَوْلِ وَاعْتِصَارُ الْهِبَةِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْأَبِ وَالْأُمِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ لَهُ دَارٌ ثَمَانُونَ ذِرَاعًا وَنَخْلَةٌ وَقِيرَاطٌ مِنْ طَاحُونٍ، وَهُوَ مُقِيمٌ فِي بَلَدٍ آخَرَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَبِيعَ مَا ذَكَرَ فَغَصَبَهُ شَيْخُ الْبَلَدِ عَلَى أَنْ يَهَبَ نِصْفَ مَا ذُكِرَ لِأَوْلَادِ أَوْلَادِ أَخِيهِ وَإِلَّا لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْ الْبَيْعِ فَوَهَبَهُمْ نِصْفَ مَا ذُكِرَ فَهَلْ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ فِي تِلْكَ الْهِبَةِ لَهُ ذَلِكَ؟ وَلَوْ حَازُوهَا لِكَوْنِهِ
стр. 704
مُكْرَهًا عَلَيْهَا أَوْ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَّا إذَا لَمْ يَحُوزُوهَا، وَإِذَا حَازُوا الْبَعْضَ نَفِدَتْ فِيهِ أَفِيدُوا وَالْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إذَا ثَبَتَ إكْرَاهُهُ عَلَيْهَا بِخَوْفٍ مُؤْلِمٍ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ قَيْدٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَلَوْ حَازُوهَا كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَكَذَا جَمِيعُ الْعُقُودِ لَا تَلْزَمُ بِالْإِكْرَاهِ اهـ.
وَقَالَ الْحَطَّابُ فِي الْتِزَامَاتِهِ يُشْتَرَطُ فِي الْمُلْتَزِمِ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الَّذِي لَا حِجْرَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ وَلَيْسَ بِمُكْرَهٍ فَلَا يَلْزَمُ الْتِزَامُ الْمُكْرَهِ اهـ. بِتَصَرُّفٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ يُوَاسِي آخَرَ فِي كَفَرَحٍ بِحُبُوبٍ أَوْ مَوَاشٍ أَوْ دَرَاهِمَ وَذَا يُسَمَّى فِي عُرْفِنَا نُقُوطًا فَإِذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُوَاسِي مُوجِبٌ يَرُدُّ الْآخَرُ لَهُ مِثْلَ الَّذِي وَاسَاهُ بِهِ أَوْ أَزْيَدَ أَوْ أَنْقَصَ فَهَلْ يَدْخُلُ ذَلِكَ الرَّبَّا وَهَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ بِدُونِ مُوجِبٍ وَمَا اللَّازِمُ عِنْدَ تَلَفِ الشَّيْءِ الْمُهْدَى بَيِّنُوا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يَدْخُلُ ذَلِكَ رِبَا النَّسَاءِ وَالْفَضْلِ إنْ اتَّحَدَا جِنْسًا وَاخْتَلَفَا قَدْرًا وَهُمَا رِبَوِيَّانِ وَإِنَّمَا يُقْضَى فِيهَا بِالْعُرُوضِ الَّتِي فِيهَا وَفَاءٌ بِقِيمَةِ الْمَوْهُوبِ وَتُبَاعُ بِهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ لَهُ شَبَهٌ بِالْبَيْعِ وَلِلْمُوَاسِي الْمُطَالَبَةُ بِهِ بِدُونِ مُوجِبٍ وَلَوْ جَرَى عُرْفٌ بِالتَّأْخِيرِ لِمُوجِبٍ عِنْدَ التَّتَّائِيِّ وَالْأُجْهُورِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا.
وَفِي الْبُرْزُلِيِّ إنْ جَرَى عُرْفٌ بِالتَّأْخِيرِ عُمِلَ بِهِ فَلَا مُطَالَبَةَ لَهُ بِهِ إلَّا بَعْدَ مُوجِبٍ، وَإِنْ تَلِفَ الشَّيْءُ الْمُهْدَى بَعْدَ قَبُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَضَمَانُهُ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِمُجَرَّدِ الْقَبُولِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَلَا غَائِبًا، وَلَا مَحْبُوسًا لِلْإِشْهَادِ أَوْ لِأَخْذِ الثَّوَابِ قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ، وَأَمَّا هِبَةُ الثَّوَابِ فَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَا تَكُونُ مِنْ غَنِيٍّ لِفَقِيرٍ، وَلَا تَحْتَاجُ إلَى حِيَازَةٍ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهَا وَالثَّوَابِ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَبِلَهَا وَاَلَّذِي يَلْزَمُ فِيهَا هُوَ قِيمَتُهَا قَائِمَةً كَانَتْ أَوْ فَائِتَةً وَهَلْ يَلْزَمُ الثَّوَابُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ؟ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ، وَإِذَا أَطْلَقَا الْهِبَةَ حَمْلًا عَلَى الْعُرْفِ فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ، وَلَا يُحْكَمُ بِالثَّوَابِ فِي الْهِبَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا لَهُ بَالٌ وَمِقْدَارٌ يُثَابُ عَلَى مِثْلِهِ وَإِلَّا فَلَا قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَلَيْسَ فِي الْهَدَايَا، وَلَا التُّحَفِ مُكَافَأَةٌ، وَلَا مَثُوبَةٌ إلَّا لِمَنْ اشْتَرَطَهَا عِنْدَ إرْسَالِهَا وَقَالَ الشَّعْبَانِيُّ لَيْسَ عَلَى الْفُقَهَاءِ أَنْ يَسْتَهْدُوا مِنْ النَّاسِ، وَلَا أَنْ يُضَيِّفُوا أَحَدًا، وَلَا أَنْ يُكَافِئُوا عَلَى الْهَدَايَا وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ﵁ وَكَذَلِكَ السُّلْطَانُ لَا يُكَافِئُ، وَلَا يُكَافَأُ ذَكَرَهُ فِي الِاسْتِغْنَاءِ قَالَ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ، وَلَا ثَوَابَ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ الْوَاهِبُ فَيُثَابُ عَنْهَا عَرَضٌ وَكَذَلِكَ لَا ثَوَابَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَكَذَلِكَ مَا يُهْدِيهِ الرَّجُلُ لِلْآخَرِ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ أَوْ الْأَعْرَاسِ أَوْ فِي الْأَعْيَادِ وَمَا يُهْدِيهِ الْقَادِمُ مِنْ السَّفَرِ مِنْ التَّمْرِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ غَنِيٍّ لِفَقِيرٍ فَلَا ثَوَابَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ إلَّا مَا يُهْدِيهِ مِنْ الْكِبَاشِ وَغَيْرِهَا عِنْدَ الْعُرْسِ فَإِنَّهُ يَقْضِي لِلطَّالِبِ بِالْمُكَافَأَةِ عَلَى ذَلِكَ لِلْعُرْفِ وَأَنَّ الضَّمَائِرَ مُنْعَقِدَةٌ عَلَى أَنْ يُهْدِيَهُ مِثْلَهَا إذَا كَانَ لَهُ عُرْسٌ وَنَزَلَتْ عِنْدَنَا فَقُضِيَ لَهُ بِذَلِكَ وَحَاسَبَهُ بِمَا أَكَلَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الصَّنِيعِ مِنْ قِيمَةِ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ حَيَوَانًا أَوْ عُرُوضًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَالْعَقْدُ فِيهَا لِلْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ إلَّا فِي الْعَيْنِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ فِيهَا لِلصَّغِيرِ حَتَّى يُخْرِجَهَا الْأَبُ عَنْ يَدِهِ بِالْمُعَايَنَةِ ا. هـ.
стр. 705
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ وَلَزِمَ الْمُعَيَّنُ بِالْقَبُولِ، وَلَا يَحْتَاجُ لِحَوْزٍ كَالْبَيْعِ وَلَزِمَ غَيْرُهُ الْوَاهِبَ بِالْقَبْضِ وَالْمَوْهُوبَ بِمُفَوِّتِ الِاعْتِصَارِ يَعْنِي التَّغَيُّرَ الْحِسِّيَّ أَوْ الْمَعْنَوِيَّ وَإِلَّا فَلَهُ رَدُّهُ وَالْقَوْلُ لِلْوَاهِبِ أَنَّهُ قَصَدَ الثَّوَابَ إلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ وَحَلَفَ إنْ أَشْكَلَ لَا شَهِدَ الْعُرْفَ لَهُ عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ وَقِيلَ يَحْلِفُ فِيهِمَا، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْمَسْكُوكِ وَهِبَةِ الْقَرِيبِ وَمِنْهُ الزَّوْجُ أَوْ قَادِمٌ، وَإِنْ غَنِيًّا لِفَقِيرٍ إلَّا لِعُرْفٍ أَوْ إثْبَاتِ شَرْطٍ وَلَهُ مَنْعُهُ مِنْهَا لِلثَّوَابِ وَأُثِيبَ مَا تَسَلَّمَ فِيهِ لَا عَرَضٌ عَنْ جِنْسِهِ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ بِنَفْعٍ، وَإِنْ مَعِيبًا، وَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ مَا خَالَفَ الْعَادَةَ كَالْحَطَبِ وَالتِّبْنِ إنْ خَالَفَا وَلِلْمَأْذُونِ وَالْأَبِ فَقَطْ فِي مَالِ مَحْجُورِهِ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ ا. هـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
وَسُئِلَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْأُجْهُورِيُّ عَمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُمْ يُهَادُونَ بَعْضَهُمْ وَيَمْتَنِعُ الْمُهْدَى لَهُ مِنْ رَدِّ الْإِنَاءِ فَارِغًا وَيُرْسِلُهُ بِشَيْءٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ حَصَلَ فِي نَفْسِ الْمُهْدِي شَيْءٌ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ يُمْتَنَعُ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي آخِرِ فَصْلِ آدَابِ الْأَكْلِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ هَذِهِ الْعَادَةِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ، وَهُوَ أَنْ يُهْدِيَ أَحَدُ الْأَقَارِبِ أَوْ الْجِيرَانِ طَعَامًا فَلَا يُمْكِنُ الْمُهْدَى إلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْوِعَاءَ فَارِغًا، وَإِنْ رَدَّهُ فَارِغًا وَجَدَ عَلَى فَاعِلٍ ذَلِكَ وَكَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ الْمُهَادَاةِ بَيْنَهُمَا وَلِسَانُ الْعِلْمِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ غَيْرَ يَدٍ بِيَدٍ وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مُتَفَاضِلًا وَيَدْخُلُهُ الْجَهَالَةُ.
فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْبِيَاعَاتِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْهَدَايَا وَقَدْ سُومِحَ فِيهَا.
فَالْجَوَابُ هُوَ مُسَلَّمٌ لَوْ مَشَوْا فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْهَدَايَا الشَّرْعِيَّةِ لَكِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ضِدَّ ذَلِكَ لِطَلَبِهِمْ الْعِوَضَ فَإِنَّ الدَّافِعَ يَتَشَوَّفُ لَهُ وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ يَحْرِصُ عَلَى الْمُكَافَأَةِ فَخَرَجَ بِالْمُشَاحَّةِ مِنْ بَابِ الْهَدَايَا إلَى بَابِ الْبِيَاعَاتِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ) عَمَّا يُدْفَعُ فِي الْأَفْرَاحِ لِنَحْوِ الطَّبَّالِينَ هَلْ يُرْجَعُ بِهِ عَلَى صَاحِبِ الْفَرَحِ
(فَأَجَابَ) إنْ كَانَ الدَّفْعُ فِي مِثْلِ الْكَبَرِ فِي نِكَاحٍ مِمَّا أُذِنَ فِيهِ شَرْعًا وَعَلِمَ بِهِ صَاحِبُ الْفَرَحِ وَأَقَرَّهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَدْفُوعِ لَهُ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا شَرْعًا فَمَنْ دَفَعَ فِيهَا شَيْئًا فَهُوَ الَّذِي أَتْلَفَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَصْدُ صَاحِبِ الْفَرَحِ، وَلَا إذْنُهُ مَعَ نَهْيِ الشَّارِعِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ بَعَثَتْ لِبِنْتِهَا أَمْتِعَةً مِنْ فِرَاشٍ وَنُحَاسٍ وَخِزَامٍ وَأَسَاوِرَ وَكِسَرٍ وَحَلَقٍ وَعَاجٍ وَقِرَاطِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَتَمَتَّعَتْ بِتِلْكَ الْأَمْتِعَةِ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، وَهِيَ مُتَزَوِّجَةٌ، ثُمَّ تَشَاجَرَتْ مَعَ الْبِنْتِ وَزَوْجِهَا وَأَخَذَتْ تِلْكَ الْأَمْتِعَةَ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْأُمِّ أَخْذُهَا مِنْ الْبِنْتِ لِكَوْنِهَا مَلَّكَتْهَا إيَّاهَا أَمْ لَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يَجُوزُ لِلْأُمِّ أَخْذُ تِلْكَ الْأَمْتِعَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ قَصَدَتْ بِتَمْلِيكِهَا لِبِنْتِهَا ثَوَابَ الْآخِرَةِ، وَلَا صِلَةَ الرَّحِمِ وَلَمْ يَحْصُلْ مُفَوِّتٌ مِنْ مُفَوِّتَاتِ الِاعْتِصَارِ الْمَعْرُوفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ لَهُ أَوْلَادٌ مِنْ زَوْجَاتٍ فَكَتَبَ لِأَوْلَادِ بَعْضِ الزَّوْجَاتِ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَهَلْ يَخْتَصُّ الْمَكْتُوبُ لَهُ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ أَوْ يَكُونُ تَرِكَةً بَيْنَ الْجَمِيعِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ
следующие страницы →