Полный текст (808 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
تَشْهَدُ بِأَنَّ الْحُلِيَّ الْمُعَيَّنَ أَوْ الْمَسْكُوكَ الْمُعَيَّنَ مِلْكٌ لِعَمْرٍو لَا يَعْلَمُونَ خُرُوجَهُ وَلَا خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى الْآنَ وَأَعْذَرَ الْحَاكِمُ لِزَيْدٍ فِي الْبَيِّنَةِ فَعَجَزَ وَحَلَفَ عَمْرٌو عَلَى طِبْقِ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا فِي الْحَلِفِ مِنْ الْخِلَافِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْحُلِيِّ أَوْ الْمَسْكُوكِ لِعَمْرٍو إذْ شُرُوطُ الِاسْتِحْقَاقِ مَوْجُودَةٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِ الْمُسْتَحَقِّ إنْ كَانَ غَيْرَ عَقَارٍ وَإِلَّا فَحِيَازَتُهُ.
الثَّانِي: الْإِعْذَارُ فِي ذَلِكَ لِلْحَائِزِ.
الثَّالِثُ: يَمِينُ الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى خِلَافٍ فِيهَا وَلَمْ يَذْكُرُوا مِنْ شُرُوطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مَسْكُوكًا وَلَا حُلِيًّا بَلْ صَرَّحَ الْعَلَّامَةُ الْخَرَشِيُّ وَالْأُسْتَاذُ عَبْدُ الْبَاقِي بِأَنَّ الْحُلِيَّ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَفِي عَرْضٍ بِعَرْضٍ بِمَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ أَوْ قِيمَتِهِ وَنَصَّ الثَّانِي وَرَجَعَ فِي بَيْعِ عَرْضٍ بِعَرْضٍ مُقَوَّمٍ أَوْ مِثْلِيٍّ مُعَيَّنٍ ثُمَّ اسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا بِمَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ عَرْضُهُ الَّذِي بَذَلَهُ إنْ وَجَدَهُ لَا فِيمَا أُخِذَ بِالِاسْتِحْقَاقِ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ عَرْضُ غَيْرِهِ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ وَكَانَ مُقَوَّمًا وَإِلَّا فَبِمِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَأَرَادَ بِالْعَرْضِ مَا قَابَلَ النَّقْدَ الَّذِي لَا يَقْضِي فِيهِ بِالْقِيمَةِ فَالنَّقْدُ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ بِالْقِيمَةِ كَالْحُلِيِّ مِنْ جُمْلَةِ الْعَرْضِ هُنَا انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ وَأَقَرَّهُمَا النُّقَّادُ كَالْعَلَّامَةِ الرَّمَاصِيِّ وَالْإِمَامِ الْعَدَوِيِّ وَالْأُسْتَاذِ الْبُنَانِيِّ وَخَاتِمَتِهِمْ الْأَمِيرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَأَنْتَ تَرَاهُ عَمَّمَ فِي الْعَرْضِ وَجَعَلَهُ شَامِلًا لِلْمُقَوَّمِ وَالْمِثْلِيِّ وَأَدْخَلَ فِيهِ الْحُلِيَّ وَقَالَ ثُمَّ اسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا فَكَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحِلَّ يَسْتَحِقُّ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ اسْتِحْقَاقٌ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مُعَيِّنَةٍ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ ثُمَّ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ غَيِّهِ بِهَذَا الْبَيَانِ فَهُوَ مُعَانِدٌ فَاجِرٌ شَيْطَانٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ وَمَنْ جَحْدِ الْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ، اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ فَنَتْبَعَهُ وَالْبَاطِلَ بَاطِلًا فَنَجْتَنِبَهُ وَنَسْأَلُك بِجَاهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ تَمُنَّ عَلَيْنَا بِحُسْنِ الْخِتَامِ.
[مَسَائِلُ الْحِيَازَةِ]
[ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ لِأُمِّ أَبِي أَبِيهِ ثُلُثَ الْعَقَارِ وَهُوَ حَاضِرٌ فِي النَّاحِيَةِ سَاكِتٌ وَوَالِدُهُ وَجَدُّهُ كَذَلِكَ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْحِيَازَةِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ وَرِثَ عَقَارًا عَنْ وَالِدِهِ وَوَالِدُهُ عَنْ وَالِدِهِ أَيْضًا وَتَصَرَّفَ كُلٌّ فِيهِ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَبَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى ثَمَانِينَ سَنَةٍ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ لِأُمِّ أَبِي أَبِيهِ ثُلُثَ الْعَقَارِ وَهُوَ حَاضِرٌ فِي النَّاحِيَةِ سَاكِتٌ وَوَالِدُهُ وَجَدُّهُ كَذَلِكَ فَأَجَابَ الْحَائِزُ بِأَنَّ جَدَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهَا بِوَثِيقَةٍ وَشُهُودٍ عُدُولٍ غَيْرَ أَنَّ الْوَثِيقَةَ ضَاعَتْ وَالْبَيِّنَةَ هَلَكَتْ فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْقَائِمِ حَيْثُ حَضَرَ هُوَ وَأُصُولُهُ وَسَكَتُوا الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ بِلَا مَانِعٍ مِنْ الْقِيَامِ وَيَبْقَى الْعَقَارُ بِيَدِ حَائِزِهِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ضَيَاعُ الْوَثِيقَةِ وَمَوْتُ الْبَيِّنَةِ فَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً فِي دَارٍ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْ فُلَانٍ وَأَنَّهُ بَاعَهُ مَالِكٌ وَأَقَامَ مَنْ بِيَدِهِ الدَّارُ بَيِّنَةً أَنَّهُ يَمْلِكُهَا قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا وَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَتَا وَبَقِيَتْ الدَّارُ بِيَدِ حَائِزِهَا كَمَا لَوْ ادَّعَاهَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّ هَذَا الْمُدَّعِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ لَقَضَى بِهَا لِحَائِزِهَا عِنْدَ تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لِلْحَائِزِ بَيِّنَةٌ قَضَى بِهَا لِلْمُدَّعِي إلَّا أَنْ تَكُونَ طَالَتْ حِيَازَةُ الْحَائِزِ بِحَالِ مَا وَصَفْنَا فِي الْحِيَازَةِ وَالْمُدَّعِي حَاضِرٌ فَهُوَ قَطْعٌ لَدَعْوَاهُ انْتَهَى، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ إلَخْ، وَفِيهَا أَيْضًا سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَنْ قِيمَ عَلَيْهِ فِي مِلْكٍ بِيَدِهِ وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ
стр. 737
أَنَّهُ مَلَكَهُ وَاسْتَظْهَرَ بِرَسْمٍ يَتَضَمَّنُ أَنَّ أَبَا الْمَقُومِ عَلَيْهِ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ قَوْمٍ آخَرِينَ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ الْمِلْكِ بَيْنَهُمْ شَرِكَةً عَلَى أَجْزَاءٍ بَيَّنُوهَا وَتَقَارَرُوا عَلَيْهَا وَجَعَلُوهُ عَلَى نُسَخٍ تَحْصِينًا لَهُمْ وَلِمَنْ يَأْتِي مِنْ الْوَرَثَةِ، وَالْقَائِمُ أَحَدُ وَرَثَةِ الْمُشْهَدِينَ وَأَثْبَتَ الرَّسْمَ بِشَهَادَةٍ عَلَى شَهَادَةٍ حَتَّى بَلَغَ إلَيْهِ فَهَلْ يَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ أَوْ لَا حَتَّى يَزِيدَ هَؤُلَاءِ الشُّهُودُ الَّذِينَ ثَبَتَ بِهِمْ الْأَصْلُ بَعْدَ طَبَقَةٍ رَابِعَةٍ لِكَوْنِ الرَّسْمِ لَهُ نَحْوُ سِتِّينَ سَنَةً مَعْرِفَةَ الْمِلْكِ وَلَا يَعْرِفُونَهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ أَوْ لَا يَلْزَمُهُمْ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا شَهِدُوا شَهَادَةً عَلَى شَهَادَةٍ وَإِذَا لَمْ يَكْفُوا هَذَا فَهَلْ يُكَلَّفُ الْقَائِمُ شَهَادَةً بِهَذَا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَكْفِ الشُّهُودُ الَّذِينَ ثَبَتَ بِهِمْ الْأَصْلُ عَلَى الشَّهَادَةِ مِلْكًا وَلَا غَيْرَهُ إذْ لَمْ يَشْهَدُوا بِهِ وَإِنَّمَا شَهِدُوا عَلَى إشْهَادِ غَيْرِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ حَقًّا كَانَ أَوْ بَاطِلًا وَلَا يُكَلَّفُ الْقَائِمُ ذَلِكَ أَيْضًا إذْ لَا تَصِحُّ فِيهِ الزِّيَادَةُ غَيْرَتَهُ عَنْ مَعْرِفَةِ الْمِلْكِ وَالْوَاجِبُ إنْ كَانَ الْقَائِمُ غَائِبًا طَرَأَ وَقَامَ بِالْعَقْدِ أَنْ يُوقَفَ الْمَقُومُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَنْكَرَهُ وَعَجَزَ عَنْ إبْطَالِهِ أَوْ أَقَرَّ بِهِ وَقَالَ إنَّ تِلْكَ الْحِصَّةَ اشْتَرَاهَا وَالِدُهُ وَعَجَزَ عَنْ إثْبَاتِهِ وَلَوْ بِالسَّمَاعِ لِطُولِ الْمُدَّةِ وَجَبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِمَا تَضْمَنَّهُ الْعَقْدُ لِلْقَائِمِ بِهِ انْتَهَى.
وَمَفْهُومٌ إنْ كَانَ الْقَائِمُ غَائِبًا طَرَأَ أَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا سَاكِتًا بِلَا مَانِعٍ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَفِي الْمَجْمُوعِ وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ وَلَا تُفِيدُ دَعْوَى وَلَا وَثَائِقُ بَعْدَ الْحَوْزِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ شَرِيكِ عَشْرَ سِنِينَ وَهُوَ يَتَصَرَّفُ كَالْمَالِكِ مُدَّعِيًا الْمِلْكِيَّةَ وَفِي لُزُومِ بَيَانِ سَبَبِهَا وَالْحَلِفِ خِلَافٌ وَالْآخَرُ سَاكِتٌ بِلَا عُذْرٍ كَخَوْفٍ وَبُعْدِ غَيْبَةٍ وَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ عَلَى حَقِّهِ وَفِي حَمْلِهِ عَلَى الْعُذْرِ مَعَ الْقُرْبِ خِلَافٌ وَالْحَاضِرُ مَحْمُولٌ عَلَى عِلْمِ التَّصَرُّفِ اهـ بِتَصَرُّفٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ مَلَكَ مَنْزِلًا وَوَرِثَهُ عَنْهُ وَلَدُهُ وَوَرِثَهُ عَنْهُ وَلَدُهُ أَيْضًا وَوَرِثَهُ عَنْهُ وَلَدُهُ أَيْضًا وَمُدَّةُ حِيَازَتِهِمْ تَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةٍ وَهُمْ يَتَصَرَّفُونَ بِالْبِنَاءِ وَالْهَدْمِ وَادَّعَى الْآنَ رَجُلٌ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ثُلُثَهُ بِالْإِرْثِ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ أَبِي أَبِيهِ وَأَنَّهَا أُخْتُ جَدِّ جَدِّ الْحَائِزِ وَالْحَالُ أَنَّهُ حَاضِرٌ فِي النَّاحِيَةِ سَاكِتٌ بِلَا مَانِعٍ وَكَذَلِكَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ وَأَجَابَ الْحَائِزُ بِأَنَّ الْمَنْزِلَ بَنَاهُ أَبُو جَدِّهِ وَلَيْسَ لِأَبِي أَبِي جَدِّهِ فِيهِ شَيْءٌ فَمَنْ يُطَالَبُ بِالْبَيِّنَةِ مِنْهُمَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى وَلِيِّ نِعْمَتِنَا سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ أَقَرَّ الْقَائِمُ بِالْحِيَازَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَلَا بَيِّنَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَبْقَى الْمَنْزِلُ بِيَدِ حَائِزِهِ وَيُقْضَى لَهُ بِهِ وَلَا تُفِيدُ الْقَائِمَ عَلَيْهِ دَعْوَاهُ وَإِلَّا فَعَلَى الْحَائِزِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْحِيَازَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَإِنْ أَقَامَهَا وَسَلَّمَهَا الْقَائِمُ أَوْ عَجَزَ عَنْ دَفْعِهَا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ.
وَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ عَقْدٌ يَعْرِفُ شُهُودُهُ فُلَانًا وَيَعْلَمُونَهُ يَعْتَمِرُ الْمِلْكَ الْمَحْدُودَ بِكَذَا وَيَسْتَغِلُّهُ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ ذِي الْمِلْكِ فِي مِلْكِهِ مُنْذُ أَزْيَدَ مِنْ عَشْرَةِ أَعْوَامٍ تَقَدَّمَتْ التَّارِيخَ حَتَّى الْآنَ وَفُلَانٌ الْقَائِمُ عَلَيْهِ الْآنَ فِيهِ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ حَاضِرٌ بِذَلِكَ سَاكِتٌ لَا يُغَيِّرُ عَلَيْهِ وَلَا يَعْتَرِضُهُ وَلَا يُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ بِطُولِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ تَارِكًا لِلْقِيَامِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَعْلَمُونَهُ لَهُ فِي ذَلِكَ إلَى أَنْ اتَّصَلَ بِهِمْ أَنَّهُ قَامَ عَلَيْهِ فِيهِ مُنْذُ كَذَا يَتَحَقَّقُونَ ذَلِكَ وَلَا يَشُكُّونَ فِيهِ وَيَحُوزُونَ الْمَوْضِعَ مَتَى دُعُوا إلَى ذَلِكَ وَقَيَّدُوا عَلَى ذَلِكَ شَهَادَتَهُمْ فِي كَذَا فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا حَازَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(بَيَانٌ) إذَا ثَبَتَ هَذَا الْعَقْدُ فِي الِاعْتِمَارِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْقَائِمِ فِيهِ مَدْفَعٌ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ عَقْدِ الْمِلْكِ وَيَبْقَى
стр. 738
الْمَوْضِعُ الَّذِي كَانَ بِيَدِهِ وَيْحكُمْ لَهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ فِيهِ بَيْعًا وَلَا غَيْرَهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ لِلْقَائِمِ الْمَذْكُورِ فِيهِ حَقًّا وَلَا يُكَلَّفُ بِأَنْ يُقَالَ بِأَيِّ شَيْءٍ صَارَ ذَلِكَ لَهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَتْ لَهُ وَإِنْ قَالَ إنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ كُلِّفَ إثْبَاتَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الِاعْتِمَارِ وَعَلَى الْقَائِمِ الْيَمِينُ وَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ قَالَ الْمُشَاوِرُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الْبَيْعِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ دَفَعَ لَهُ ثَمَنًا عَنْهُ وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ بِهِ إنْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ الثَّمَنِ يُشْبِهُ ثَمَنَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ وَلَا يَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنْهُ إلَّا إلَى الْأَمَدِ الَّذِي لَا يَبْتَاعُ النَّاسُ إلَى مِثْلِهِ قَالَ وَهُوَ قَوْلُ شُيُوخِنَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنًا وَابْنَتَيْنِ وَمِلْكًا وَعَاشَتْ الْبِنْتَانِ مُدَّةً طَوِيلَةً إلَى أَنْ تَزَوَّجَتَا وَوَلَدَتَا أَوْلَادًا ثُمَّ مَاتَتَا وَتَرَكَتَا أَوْلَادًا أَوْ أَزْوَاجًا فَعَاشَ الْأَزْوَاجُ مُدَّةً طَوِيلَةً وَلَمْ يُعْرَفُ لَهُمَا طَلَبٌ فِي الْمِلْكِ الَّذِي تَرَكَهُ الْمَيِّتُ الْأَوَّلُ فَقَامَ الْآنَ أَوْلَادُ الْبِنْتَيْنِ يَطْلُبُونَ نَصِيبَ أُمِّهِمْ فِي الْمِلْكِ الْمَذْكُورِ وَعَاشَ أَخُو الْبِنْتَيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا مُدَّةً مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا يَهْدِمُ وَيَبْنِي وَيَغْرِسُ بِعِلْمِ الْأَزْوَاجِ وَبَنِي الْأُخْتَيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا فِي ذَلِكَ الْمِلْكِ فَقَالَ إذَا كَانَ الِابْنُ قَدْ حَازَ الْمِلْكَ الْمُدَّةَ الَّتِي ذُكِرَتْ بِالْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ وَالْغَرْسِ، وَبَنُو الْأُخْتَيْنِ وَأَزْوَاجُهُمَا حُضُورٌ لَا يُغَيِّرُونَ وَلَا يُنْكِرُونَ وَلَا يَعْتَرِضُونَ وَادَّعَى أَنَّهُ صَارَ لَهُ بِمُقَاسَمَةٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ انْفَرَدَ بِهِ دُونَهُمْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ أَقَامَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمِلْكُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِالسَّمَاعِ الْفَاشِي أَنَّ أَبَاهُ ابْتَاعَ الْمِلْكَ مِنْ الْقَائِمِ أَوْ مِمَّنْ يَدَّعِي الْقَائِمُ أَنَّهَا صَارَتْ إلَيْهِ بِشُبْهَةٍ نَفَعَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ لِلِابْتِيَاعِ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ كَالسِّتِّينَ سَنَةٍ وَجَوَّزَ ابْنُ الْعَطَّارِ ذَلِكَ فِي الثَّلَاثِينَ سَنَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ وَقِيلَ يَجُوزُ فِي الْعِشْرِينَ سَنَةٍ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَسْمَعُوا مِمَّنْ كَانَ الِابْتِيَاعُ أَوْ كَانَ فِي مُدَّةٍ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ انْتَهَى.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تَلَقَّى عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ أَرْضًا بِنَخِيلِهَا وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَصَارَ يَنْتَفِعُ بِهَا مُدَّةً طَوِيلَةً نَحْوَ السِّتِّينَ سَنَةٍ فَالْآنَ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ بِأَنَّهَا مِلْكُ عَمِّهِ مُورِثِهِ وَيُرِيدُ أَخْذَهَا مِنْ يَدِهِ فَأَنْكَرَ دَعْوَاهُ فَهَلْ إذَا كَانَ مُورِثُ الْمُدَّعِي حَاضِرًا مَوْجُودًا مُشَاهِدًا لِتَصَرُّفِ مُورِثِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ سَنَةٍ وَلَمْ يُنَازِعْ وَلَمْ يَدْعُ لَا هُوَ وَلَا وَارِثُهُ مِنْ بَعْدِهِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ لَا تُسْمَعُ دَعْوَى وَارِثِهِ بَعْدَهُ وَيَكُونُ الْحَقُّ فِيهَا لِوَاضِعِ الْيَدِ عَلَيْهَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ الْحَقُّ فِيهَا لِوَاضِعِ الْيَدِ وَلَا تُفِيدُ الْقَائِمَ دَعْوَاهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ وَلَا تُفِيدُ دَعْوَى وَلَا وَثَائِقُ بَعْدَ الْحَوْزِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ شَرِيكِ عَشْرِ سِنِينَ وَهُوَ يَتَصَرَّفُ كَالْمَالِكِ مُدَّعِيًا الْمِلْكِيَّةَ وَالْآخَرُ سَاكِتٌ بِلَا عُذْرٍ اهـ وَتُلَفَّقُ مُدَّةُ الْعَشْرِ مِنْ حِيَازَةِ الْوَارِثِ وَمُورِثِهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْمُورِثُ حَازَهَا خَمْسَ سِنِينَ وَالْوَارِثُ كَذَلِكَ قَالَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الزَّائِدَةِ عَنْ هَذِهِ وَالْقَصِيرِ عَنْهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ فَفِي الدَّابَّةِ وَأَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ إلَخْ وَكَذَا السَّنَةُ انْتَهَى شَبْرَاخِيتِيٌّ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَصَبَةٍ مِنْ جَرِينٍ شِرَاءً صَحِيحًا وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَانْتَفَعَ بِهَا وَأَخَذَ مِنْهَا طِينًا ضَرَبَهُ طُوبًا فِي حَيَاةِ الْبَائِعِ وَعَلِمَهُ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى خَمْسِ عَشْرَةَ سَنَةٍ
стр. 739
ثُمَّ مَاتَ الْمُشْتَرِي وَقَامَتْ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى خَمْسِ عَشْرَةَ سَنَةٍ أَيْضًا وَمَاتَ الْبَائِعُ فَنَازَعَتْ وَرَثَةُ الْبَائِعِ وَرَثَةَ الْمُشْتَرِي فِيهَا وَطَلَبَتْ مِنْهَا وَثِيقَةَ الشِّرَاءِ فَادَّعَتْ ضَيَاعَهَا وَتَرَافَعُوا لِلْقَاضِي وَأَقَامَتْ وَرَثَةُ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً بِشِرَاءِ مُوَرِّثِهِمْ شِرَاءً صَحِيحًا وَعَجَزَتْ وَرَثَةُ الْبَائِعِ عَنْ التَّجْرِيحِ فِيهَا فَحَكَمَ الْقَاضِي بِهَا لِوَرَثَةِ الْمُشْتَرِي فَهَلْ إذَا أَرَادَتْ وَرَثَةُ الْبَائِعِ إقَامَةَ بَيِّنَةٍ عَلَى عَدَمِ الْبَيْعِ لَا تُسْمَعُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ يُنْظَرُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ بِحَسَبِ الشَّأْنِ وَإِنْ بُوِّرَتْ لِغَرَضِ الدَّرْسِ وَالتَّذْرِيَةِ فِيهَا فَبَيْعُهَا لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا لِأَنَّ أَرْضَ مِصْرَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَنَاعِرُهَا السُّلْطَانُ فَلَا مِلْكَ فِيهَا لِأَحَدٍ حَتَّى تُبَاعَ نَعَمْ يَصِحُّ فِيهَا إسْقَاطُ الْحَقِّ اسْتَأْجَرَهَا مِنْ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ وَأَصْلَحَهَا وَغَرِمَ عَلَيْهِ أَمْوَالًا وَحَيْثُ ثَبَتَتْ حِيَازَةُ الْمُسْقَطِ لَهُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَصَرُّفِهِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ وَلَا مَانِعَ لِلْمُسْقِطِ مِنْ الْقِيَامِ عَلَيْهِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى وَرَثَةِ الْمُسْقِطِ بِالْكَسْرِ وَلَوْ لَمْ تَشْهَدْ عَلَى الْإِسْقَاطِ بَيِّنَةٌ وَلَا وُجِدَتْ بِهِ وَثِيقَةٌ كَيْفَ وَقَدْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ وَرَثَةِ الْمُسْقِطِ بِالْكَسْرِ بِعَدَمِ الْإِسْقَاطِ لِمَوَانِعَ: الْأَوَّلُ: الْحِيَازَةُ الْمَذْكُورَةُ.
الثَّانِي: مُعَارَضَةُ الْبَيِّنَةِ الْمُثْبِتَةِ.
الثَّالِثُ: تَقَدُّمُ الْحُكْمِ، بِخِلَافِ مَا شَهِدَتْ بِهِ بَعْدَ الْإِعْذَارِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ بِنَفْيِ الْإِسْقَاطِ مَحْضُ زُورٍ إذْ لَا يُمْكِنُ مُلَازَمَتُهَا لِلْمُسْقِطِ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيهَا الْإِسْقَاطُ. وَبِالْجُمْلَةِ الْحَقُّ فِيهَا لِوَرَثَةِ الْمَسْقَطِ لَهُ الَّذِي عَبَّرْت عَنْهُ أَيُّهَا السَّائِلُ بِالْمُشْتَرِي قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ وَلَا تُفِيدُ دَعْوَى وَلَا وَثَائِقُ بَعْدَ الْحَوْزِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ شَرِيكِ عَشْرِ سِنِينَ وَهُوَ يَتَصَرَّفُ كَالْمَالِكِ مُدَّعِيًا الْمِلْكِيَّةَ وَالْآخَرُ سَاكِتٌ بِلَا عُذْرٍ اهـ.
فَإِنْ قُلْت: نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْحِيَازَةَ لَا تُفِيدُ فِي الْوَقْفِ وَعِبَارَةُ الْعَدَوِيِّ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْحُبْسُ لَا تَنْفَعُ فِيهِ الْحِيَازَةُ بَلْ الْمُدَّعِي عَلَى دَعْوَاهُ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ وَمِثْلُ ذَلِكَ الطُّرُقُ وَالْمَسَاجِدُ لَا حِيَازَةَ فِيهَا بَلْ تُسْمَعُ فِيهَا الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ اهـ.
قُلْت الْحِيَازَةُ هُنَا لَمْ نَعْتَبِرْهَا فِي ذَاتِ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ بِحَيْثُ نَحْكُمُ بِمِلْكِهَا لِلْحَائِزِ حَتَّى يُنَافِيَ مَا ذُكِرَ بَلْ فِي إصْلَاحِهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْإِسْقَاطُ وَوَقَعَتْ عَلَيْهِ الْمُعَارَضَةُ نَظِيرُ خُلُوِّ الْوَقْفِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْمُسْتَأْجِرُ الْمُصْلِحُ بِإِذْنِ نَاظِرِهِ فَيَمْلِكُهُ وَيُورَثُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ بِأَنْ كَانَتْ مَوَاتًا أُحْيِيَتْ أَوْ مِنْ أَرْضٍ فُتِحَتْ صُلْحًا فَالشِّرَاءُ فِيهَا صَحِيحٌ وَالْحَقُّ فِيهَا لِوَرَثَةِ الْمُشْتَرِي لِمَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[دَعْوَى الْمِلْكِيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْحِيَازَةِ هَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَصْدُرَ فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي دَعْوَى الْمِلْكِيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْحِيَازَةِ هَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَصْدُرَ فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ كَمَا قَالَ الْبُنَانِيُّ عَلَى الزَّرْقَانِيِّ وَيَسْكُتُ الْمُحَازُ عَنْهُ أَوْ يَكْفِي حِينَ الْمُنَازَعَةِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَابَ عَنْهُ شَيْخُ مَشَايِخِي خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الزَّرْقَانِيِّ أَنَّ دَعْوَى الْمِلْكِيَّةِ الْمُشْرَطَةِ فِي الْحِيَازَةِ لَا بُدَّ أَنْ تَصْدُرَ فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ وَلَوْ مَرَّةً وَلَكِنْ ذَكَرَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَيْهِ أَنَّهَا تَكْفِي حِينَ الْمُنَازَعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلَيْنِ حَائِزَيْنِ قِطْعَةَ أَرْضٍ مِنْ أَرْضِ مَزَارِعِ مِصْرَ مُتَصَرِّفَيْنِ فِيهَا بِكَامِلِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كَأُصُولِهِمْ قَبْلَهُمْ وَمُقَيَّدَةً عَلَيْهِمْ بِالدَّفَاتِرِ الدِّيوَانِيَّةِ طِبْقَ الذِّمَمِ الْمَاضِيَةِ يَزْرَعُونَهَا
стр. 740
وَيَدْفَعُونَ مَا عَلَيْهَا لِلدِّيوَانِ مِنْ الْخَرَاجِ وَمَكَثُوا عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ وَأُصُولِهِمْ مَا يَنُوفُ عَلَى سِتِّينَ سَنَةٍ فَادَّعَى عَلَيْهِمَا الْآنَ رَجُلَانِ أَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ تِلْكَ الْقِطْعَةَ بِالْإِرْثِ عَنْ وَالِدِهِمَا وَالْحَالُ أَنَّ وَالِدَهُمَا عَاشَ طُولَ عُمُرِهِ مُشَاهِدًا لَوَضْعِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَدَعُ بِدُونِ مَانِعٍ مِنْ الدَّعْوَى وَسَمِعَ نَائِبُ الْقَاضِي تِلْكَ الدَّعْوَى وَطَلَبَ الْبَيِّنَةَ مِنْ كُلٍّ فَأَحْضَرَ الْمُدَّعِيَانِ بَيِّنَةً شَهِدَتْ بِأَنَّهَا لَمْ تَرَ الْأَرْضَ الْمَذْكُورَةَ تَحْتَ يَدِ مُوَرِّثِ الْمُدَّعِيَيْنِ بَلْ عَايَنَتْهُ فِي يَدِ وَاضِعِ الْيَدِ وَأُصُولِهِ وَأَحْضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمَا بَيِّنَةً شَهِدَتْ بِوَضْعِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِمَا وَأُصُولِهِمَا وَبَعْدَ ذَلِكَ حَكَمَ بِالْأَرْضِ لِلْمُدَّعِيَيْنِ وَكَتَبَ صَكًّا بِذَلِكَ فَهَلْ يُنْقَضُ هَذَا الْحُكْمُ وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى لِمَانِعِ الْحِيَازَةِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَمَا ثَبَتَ لَهُ يَثْبُتُ لِوَارِثِهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْهُدَاةِ، نَعَمْ يُنْقَضُ هَذَا الْحُكْمُ لِكَوْنِهِ خَطَأً صِرْفًا وَضَلَالًا مَحْضًا وَمَبْنِيًّا عَلَى نَقِيضِ الشَّهَادَةِ وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى لِمَانِعِ الْحِيَازَةِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَمَا ثَبَتَ لَهُ يَثْبُتُ لِوَارِثِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ يَمْلِكُ مَنْزِلًا عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ سَنَةٍ وَالْآنَ قَامَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمَنْزِلَ آلَ إلَيْهِ بِالْإِرْثِ مِنْ أُمِّهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِذَلِكَ وَالْحَالُ أَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ حَاضِرَةً عَالِمَةً بِحِيَازَةِ وَالِدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَجَدِّهِ أَيْضًا وَعَاشَتْ طُولَ عُمُرِهَا وَمَاتَتْ وَلَمْ تُنَازِعْ فَهَلْ يَسُوغُ لِوَلَدِهَا الطَّلَبُ وَيُعْذَرُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إذْ ثَبَتَ حُضُورُ أُمِّ الْقَائِمِ وَعِلْمُهَا بِالْحِيَازَةِ مِنْ أَبِي الْحَائِزِ وَجَدِّهِ وَسُكُوتُهَا بِلَا مَانِعٍ فَلَا يَسُوغُ لِوَلَدِهَا الطَّلَبُ وَلَا يُعْذَرُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ وَيَجِبُ الْحُكْمُ بِالْمَنْزِلِ لِحَائِزِهِ قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ وَإِنْ كَانَ الْقَائِمُونَ وَرَثَةً فَلَا يَسْقُطُ قِيَامُهُمْ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ الِاعْتِمَارُ بِحَضْرَةِ مُوَرِّثِهِمْ أَوْ يَثْبُتَ أَنَّهُمْ عَلِمُوا بِذَلِكَ وَسَكَتُوا الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ اهـ.
وَسُئِلَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى مِنْ امْرَأَةٍ مَنْزِلًا وَحَازَهُ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ الْحِيَازَةِ وَهِيَ حَاضِرَةٌ ثُمَّ قَامَتْ وَأَنْكَرَتْ الْبَيْعَ فَأَحْضَرَ الْمُشْتَرِي وَثِيقَةً مَاتَ كَاتِبُهَا وَشُهُودُهَا أَنْكَرُوا الشَّهَادَةَ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي فَهَلْ إذَا شَهِدَتْ جَمَاعَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْوَثِيقَةَ خَطُّ فُلَانٍ وَكَانَ الْكَاتِبُ لَهَا عَدْلًا مَشْهُورًا يُعْمَلُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَيَكُونُ الْمَنْزِلُ لِلْمُشْتَرِي أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَتَى مَضَتْ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ وَالْمَرْأَةُ حَاضِرَةٌ سَاكِتَةٌ بِلَا مَانِعٍ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهَا عَلَى الْحَائِزِ وَلَا يَلْزَمُهُ إثْبَاتُ الْمِلْكِ بَلْ الْحِيَازَةُ تَكْفِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى) عَنْ أَقَارِبَ بَيْنَهُمْ مِيرَاثٌ فَاسْتَوْلَى بَعْضُهُمْ عَلَى جَمِيعِ التَّرِكَةِ مِنْ عَقَارٍ وَغَيْرِهِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِينَ سَنَةٍ وَالْحَالُ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِحِصَّتِهِمْ لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ صَغِيرًا وَبَعْضِهِمْ مَاتَ عَنْ وَارِثٍ وَبَعْضِهِمْ كَبِيرًا لَمْ يَعْلَمْ ثُمَّ عَلِمُوا أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ حِصَّةً مِنْ التَّرِكَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهَلْ يَسُوغُ لَهُمْ الطَّلَبُ بَعْدَ عِلْمِهِمْ وَيَكُونُ عَدَمُ الْعِلْمِ عُذْرًا وَهَلْ قَوْلُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا مُعَوِّلِينَ عَلَى مَنْعِ السُّلْطَانِ الْقُضَاةَ مِنْ سَمَاعِهَا مُعَوَّلٌ عَلَيْهِ وَهَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى أَوْ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْإِرْثِ وَالْوَقْفِ
стр. 741
وَمَالِ الْيَتِيمِ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ وَهَلْ قَوْلُ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى بَعْدَ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةٍ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْعَالِمِ بِحَقِّهِ أَوْ شَامِلٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
(فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ) الْحَمْدُ لِلَّهِ إنْ أَقَرَّ وَاضِعُ الْيَدِ بِأَنَّ الْمَالَ أَصْلُهُ تَرِكَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ كَمَا نَقَلَهُ الشُّرَّاحُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَإِنْ أَنْكَرَ كَوْنَهُ تَرِكَةً وَادَّعَى الْمِلْكِيَّةَ سُمِعَتْ دَعْوَى النِّسَاءِ مُطْلَقًا طَالَ الزَّمَانُ أَوْ لَا عَلِمْنَ أَوْ لَا لِأَنَّهُنَّ مُكْرَهَاتٌ عَلَى السُّكُوتِ خَوْفًا مِنْ عَدَمِ انْتِصَارِ الرِّجَالِ لَهُنَّ إنْ احْتَجْنَ إلَيْهِمْ عِنْدَ مُضَارَّةِ أَزْوَاجٍ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا الذُّكُورُ فَمَنْ سَكَتَ مِنْهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِمِلْكِهِ وَتَصَرُّفِ وَاضِعِ الْيَدِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفْ وَاضِعُ الْيَدِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُنَازِعُ بِأَنَّ لَهُ مِلْكًا سُمِعَتْ دَعْوَاهُ فَإِنْ ثَبَتَ لَهُ حَقٌّ أَخَذَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ سَيِّدِي أَحْمَدُ الدَّرْدِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَمَّنْ ادَّعَى أَنَّ خَالَهُ غَصَبَ مِنْهُ جَامُوسَةً مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ مَعَ سُكُوتِهِ تِلْكَ الْمُدَّةِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَى الرَّجُلِ أَنَّ خَالَهُ قَدْ غَصَبَ مِنْهُ الْجَامُوسَةَ بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَيُمْنَعُ قَهْرًا عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي أَخَوَيْنِ اقْتَسَمَا تَرِكَةَ أَبِيهِمَا وَارْتَكَنَ أَحَدُهُمَا لِخَالِهٍ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَطْلُبْ أَخُوهُ تَرِكَتَهُ مِنْ خَالِهِ ثُمَّ مَاتَا عَنْ أَوْلَادٍ ثُمَّ وَجَدَ أَوْلَادُ الْأَخِ وَرَقَةً مَكْتُوبًا فِيهَا صِفَةُ الْقِسْمَةِ بَيْنَ عَمِّهِمْ وَأَبِيهِمْ بَعْدَ نَحْوِ خَمْسِينَ سَنَةٍ فَطَلَبُوا تَرِكَةَ عَمِّهِمْ مِنْ ابْنِ الْخَالِ وَلَمْ يَجِدُوا مَعَهُ سِوَى فَدَّانِ طِينٍ وَفِي الْوَرَقَةِ خَمْسَةُ فَدَادِينَ فَهَلْ يُمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهَلْ إذَا اصْطَلَحُوا عَلَى دَرَاهِمَ يَنْفُذُ الصُّلْحُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يُمَكَّنُونَ مِنْ طَلَبِ تَرِكَةِ عَمِّهِمْ مِنْ ابْنِ الْخَالِ بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ الْحِيَازَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ مَانِعَةً مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ إذَا جُهِلَ كَيْفِيَّةُ اسْتِيلَاءِ الْحَائِزِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَحُوزِ وَادَّعَى مِلْكِيَّتَهُ وَلَمْ يُعْذَرْ الْمَحُوزُ عَلَيْهِ بِنَحْوِ غَيْبَةٍ وَعَدَمِ عِلْمٍ وَهُنَا كَيْفِيَّةُ اسْتِيلَاءِ الْخَالِ وَابْنِهِ عَلَى تَرِكَةِ ابْنِ أُخْتِهِ مَعْلُومَةٌ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدَّعِيَ مِلْكَهَا بِالْإِرْثِ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَأَيْضًا الْمَحُوزُ عَلَيْهِ وَهُمْ أَوْلَادُ الْأَخِ مَعْذُورُونَ بِعَدَمِ الْعِلْمِ وَإِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى دَرَاهِمَ نَفَذَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَهُوَ يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي دَارٍ وَرِثَهَا ابْنَانِ وَبِنْتَانِ وَحَازَهَا أَحَدُ الِابْنَيْنِ مُدَّةً طَوِيلَةً مِنْ السِّنِينَ وَبَنَى فِيهَا ثُمَّ مَاتَ الِابْنَانِ عَنْ وَرَثَةٍ ثُمَّ أَرَادَ وَارِثُ الِابْنِ الَّذِي لَمْ يَحُزْ أَخْذَ نَصِيبِهِ فِيهَا فَمَنَعَهُ وَارِثُ الْحَائِزِ مُتَعَلِّلًا بِحِيَازَتِهَا مُدَّةً طَوِيلَةً لِأَبِيهِ وَلَهُ بَعْدَهُ فَهَلْ لَا يُعْتَبَرُ تَعَلُّلُهُ بِالْحِيَازَةِ الطَّوِيلَةِ وَالْبِنَاءِ وَلِوَارِثٍ غَيْرِ الْحَائِزِ أَخْذُ نَصِيبِهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا يُعْتَبَرُ تَعَلُّلُهُ بِالْحِيَازَةِ الطَّوِيلَةِ وَالْبِنَاءِ لِأَنَّ شَرْطَ اعْتِبَارِ الْحِيَازَةِ مَانِعَةً مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى جَهْلُ كَيْفِيَّةِ اسْتِيلَاءِ الْحَائِزِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَحُوزِ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَالْمَجْمُوعِ وَالْكَيْفِيَّةُ مَعْلُومَةٌ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ فَلِوَارِثٍ غَيْرِ الْحَائِزِ أَخْذُ نَصِيبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
стр. 742
مَا قَوْلُكُمْ) فِي جَمَاعَةٍ وَرِثُوا سَاقِيَةً عَنْ آبَائِهِمْ عَنْ جَدِّهِمْ وَاسْتَعْمَلُوهَا مُنَاوَبَةً ثُمَّ عَجَزَ بَعْضُهُمْ عَنْ الِاسْتِعْمَالِ مُدَّةً وَالْبَعْضُ مُتَوَلٍّ عَلَيْهَا فَهَلْ إذَا طَلَبَ الْعَاجِزُونَ أَنْ يَأْخُذُوا حَقَّهُمْ لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّينَ مَنْعُهُمْ مُتَعَلِّلِينَ عَلَيْهِمْ بِوَضْعِ الْيَدِ وَعَدَمِ الْمُنَازَعَةِ فِي مُدَّةِ عَجْزِهِمْ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ إذَا طَلَبَ الْعَاجِزُونَ أَخْذَ حَقِّهِمْ فَلَيْسَ لِلْمُتَوَلِّينَ مَنْعُهُمْ وَلَا يُفِيدُهُمْ تَعَلُّلُهُمْ بِوَضْعِ الْيَدِ وَعَدَمِ الْمُنَازَعَةِ فِي مُدَّةِ الْعَجْزِ عَنْ الِاسْتِعْمَالِ لِأَنَّ شَرْطَ اعْتِبَارِ الْحِيَازَةِ مَانِعَةً مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى جَهْلُ كَيْفِيَّةِ اسْتِيلَاءِ الْحَائِزِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَحُوزِ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَالْمَجْمُوعِ وَالْكَيْفِيَّةُ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ مَعْلُومَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تَدَايَنَ مِنْ ذِي شَوْكَةٍ بِوَثِيقَةٍ وَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ خَلَّصَهُ وَلَمْ يُعْطِهِ الْوَثِيقَةَ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَى الْخَلَاصِ وَمَضَى نَحْوُ عِشْرِينَ سَنَةِ وَهُمَا فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ تَأْخُذُهُمَا الْأَحْكَامُ وَالرَّجُلُ مَلِيءٌ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ أَنَّ ذَا الشَّوْكَةِ طَالَبَهُ بِالدَّيْنِ ثُمَّ مَاتَ ذُو الشَّوْكَةِ وَسَكَتَ وَرَثَتُهُ نَحْوَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ ثُمَّ قَامَ وَرَثَةُ ذِي الشَّوْكَةِ عَلَى وَرَثَةِ الرَّجُلِ وَطَالَبُوهُمْ بِالدَّيْنِ فَأَجَابَهُمْ وَرَثَةُ الرَّجُلِ بِأَنَّهُ دَفَعَهُ لَمُوَرِّثِهِمْ وَحَكَمَ لَهُمْ قَاضٍ بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ وَأَفْتَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَا وَبَعْضُهُمْ بِعَدَمِهَا فَمَا الْحُكْمُ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الْقَوْلُ لِوَرَثَةِ رَبِّ الدَّيْنِ فِي بَقَائِهِ عَلَى الدَّيْنِ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَالْحِيَازَةُ لَا تُعْتَبَرُ فِيمَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا فِي شُرُوحِ الْمُخْتَصَرِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ وَتُصْرَفُ وَلِوَرَثَةِ الْمَدِينِ تَحْلِيفُ مَنْ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ بِالْقَضَاءِ مِنْ وَرَثَةِ رَبِّ الدَّيْنِ عَلَى عَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ وَحُكْمُ الْقَاضِي بِسُقُوطِهِ بِهَا لَا يُعْتَبَرُ لِمُخَالِفَتِهِ لِلنَّصِّ وَالِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ «لَا يَبْطُلُ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَإِنْ قَدُمَ» صَحِيحٌ وَهُوَ خَاصٌّ بِمَا فِي الذِّمَّةِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» وَهَذَا خَاصٌّ بِغَيْرِ مَا فِي الذِّمَّةِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ كَمَا بَيَّنَتْهُ الْأَئِمَّةُ.
وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيِّ وَسُئِلَ ابْنُ الضَّابِطِ عَمَّنْ تُوُفِّيَ مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ فَقَامَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ بِوَثِيقَةِ دَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ فَاعْتَرَفَ بِهَا وَادَّعَى دَفْعَ بَعْضِهِ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَفِيهِمْ مَوْلَى عَلَيْهِ وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ.
فَأَجَابَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ قَضَاءُ الدَّيْنِ بِبَيِّنَةِ أَوْ عَادَةٍ وَاضِحَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِهِ وَلَا يَمِينَ عَلَى مُوَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ قَضَاهُ مِنْ الْحَائِزِينَ بِأَمْرِ (٧) الْيَمِينِ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ قَضَى الْمَيِّتَ حَلَفَ مَنْ يُمْكِنُهُ عِلْمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى عَدَمِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ اهـ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ فَلَا حِيَازَةَ عَلَى دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ لِعَدَمِ التَّصَرُّفِ اهـ.
وَفِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ أَيْ لَا يُقَالُ سَقَطَ بِالسُّكُوتِ عَنْهُ بِلَا عُذْرٍ مَعَ طُولِ مُدَّتِهِ سَوَاءً كَانَ بِوَثِيقَةٍ أَمْ لَا وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا غَيْرُ دَعْوَى الْقَضَاءِ أَمَّا إنْ ادَّعَى الْمَطْلُوبُ الْقَضَاءَ فَإِنْ كَانَ بِوَثِيقَةٍ فَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَثِيقَةٍ فَالْقَوْلُ لِلْمَطْلُوبِ بِيَمِينِهِ حَيْثُ مَضَى طُولٌ لَا يُؤَخَّرُ مَعَهُ عُرْفًا وَلَا مَانِعَ مِنْ الطَّلَبِ وَعَنْ مَالِكٍ الطُّولُ ثَلَاثُونَ سَنَةٍ وَعَنْ مُطَرِّفٍ عِشْرُونَ اهـ
وَقَالَ الْعَدَوِيُّ الْحِيَازَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي غَيْرِ وَثَائِقِ الْحُقُوقِ وَإِلَّا فَلَهُ الْقِيَامُ بِمَا فِيهَا وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ اهـ.
وَفِي الْمَجْمُوعِ وَشَرْحِهِ لِكَاتِبِهِ وَإِنْ ادَّعَى مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِمَيِّتٍ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ قَضَاءً أَيْ دَفَعَ الدَّيْنَ إلَى الْمَيِّتِ وَأَنْكَرَ وَرَثَتُهُ ذَلِكَ حَلَفَ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْقَضَاءِ شَخْصٌ بَالِغٌ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ بِالْقَضَاءِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمَدِينُ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ كَأَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَخِيهِ وَثَبَتَ حَقُّ غَيْرِهِ تَبَعًا وَإِنْ نَكَلَ
стр. 743
بَطَلَ حَقُّهُ فَقَطْ وَيُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ قَضَاهُ وَسَقَطَ حَقُّ الْبَالِغِ فَقَطْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِرَقَ الْوَرَثَةِ ثَلَاثَةٌ بَالِغٌ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ وَبَالِغٌ لَا يُظَنُّ بِهِ عِلْمُهُ وَغَيْرُ بَالِغٍ فَإِنْ حَلَفَ الْأَوَّلُ ثَبَتَ حَقُّهُ وَحَقُّ الْآخَرِينَ وَإِنْ نَكَلَ سَقَطَ حَقُّهُ فَقَطْ إنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ فَإِنْ نَكَلَ أَيْضًا غَرِمَهُ لَهُ.
وَفِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ وَلَهُ وَرَثَةٌ كِبَارٌ وَصِغَارٌ وَتَرَكَ ذِكْرَ حَقٍّ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ الْكِبَارَ يَحْلِفُونَ كُلُّهُمْ مَعَ شَاهِدِهِمْ وَيَسْتَحِقُّونَ حَقَّهُمْ، وَأَمَّا الصِّغَارُ فَيُقَالُ لِلْمَطْلُوبِ احْلِفْ أَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ عَلَيْك الشَّاهِدُ بَاطِلٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْك فَإِنْ نَكَلَ أُخِذَ مِنْهُ حَقُّ الصَّبِيِّ وَدُفِعَ لِوَلِيِّهِ وَإِنْ حَلَفَ أَقَرَّ حَقَّ الصَّبِيِّ بِيَدِهِ، فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ حَلَفَ وَأَخَذَهُ وَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ اسْتَوْلَى عَلَى أَرْضٍ بَعْدً مَوْتِ أَهْلِهَا وَانْهِدَامِ بِنَائِهَا بِغَيْرِ حَقِّ مَعَ وُجُودِ وَرَثَتِهِمْ وَبَنَاهَا وَنَازَعَهُ الْوَرَثَةُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مَنْعِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ رُؤَسَاءِ بَلْدَتِهِمْ فَهَلْ لَا تُعْتَبَرُ حِيَازَتُهُ وَلَوْ طَالَتْ مَدَّتُهَا وَيُلْزَمُ بِقَلْعِ بِنَائِهِ أَوْ أَخْذِ قِيمَتِهِ مَنْقُوضًا وَتَكُونُ الْأَرْضُ لِوَرَثَةِ مُلَّاكِهَا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا تُعْتَبَرُ حِيَازَتُهُ وَلَوْ طَالَتْ مَدَّتْهَا وَيُخَيَّرُ مُسْتَحِقُّ الْأَرْضِ بَيْنَ إلْزَامِهِ بِهَدْمِ بِنَائِهِ وَنَقْلِ أَنْقَاضِهِ مِنْهَا وَتَسْوِيَتِهَا وَبَيْنَ دَفْعِ قِيمَتِهِ لَهُ مَهْدُومًا مُسْقِطًا مِنْهَا أُجْرَةَ مَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ إنْ كَانَ الْحَائِزُ لَا يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ وَلَا بِخَدَمِهِ وَإِلَّا فَلَا فَقَدْ ذَكَرَ فُقَهَاؤُنَا مِنْ مَوَانِعِ الْحِيَازَةِ الْخَوْفَ مِنْ سَطْوَةِ الْحَائِزِ أَوْ مِنْ اسْتِنَادِهِ لِذِي سَطْوَةٍ وَسَمِعَ يَحْيَى بْنَ الْقَاسِمِ مَنْ عُرِفَ بِغَصْبِ أَمْوَالِ النَّاسِ لَا يَنْتَفِعُ بِحِيَازَتِهِ مَالَ غَيْرِهِ فِي وَجْهِهِ فَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ عَطِيَّةٍ وَإِنْ طَالَ بِيَدِهِ أَعْوَامًا إنْ أَقَرَّ بِأَصْلِ الْمِلْكِ لِمُدَّعِيهِ أَوْ قَامَتْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ.
ابْنُ رُشْدٍ هَذَا صَحِيحٌ لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَنَّ الْحِيَازَةَ لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ إنَّمَا هِيَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ تُوجِبُ تَصْدِيقَ غَيْرِ الْغَاصِبِ فِيمَا ادَّعَاهُ مَنْ تَصِيرُ إلَيْهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ مَالِ أَحَدٍ وَهُوَ حَاضِرٌ لَا يَطْلُبُهُ وَلَا يَدَّعِيهِ إلَّا وَقَدْ صَارَ إلَى حَائِزِهِ إذَا حَازَهُ عَشْرَةَ أَعْوَامٍ وَنَحْوِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تُوُفِّيَ عَنْ زَوْجَةٍ وَابْنٍ وَبِنْتٍ وَلَهُ ابْنُ عَمٍّ فَتَزَوَّجَ ابْنُ عَمِّهِ بِنْتَه ثُمَّ قُسِّمَتْ التَّرِكَةُ مَعَ حُضُورِهِ وَتَصْدِيقِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ الْمُقَوَّمَ مِلْكٌ لِلْمُتَوَفَّى ثُمَّ مَاتَ عَنْ ابْنٍ وَتَصَرَّفَ وَرَثَةُ الْمُتَوَفَّى الْأَوَّلِ فِيمَا خَصَّهُمْ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ مُدَّةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةٍ ثُمَّ قَامَ ابْنُ ابْنِ الْعَمِّ فِي بَعْضِ الْعَقَارِ مُسْتَظْهِرًا بِوَثِيقَةٍ مُدَّعِيًا أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا فَهَلْ يُعْمَلُ بِتِلْكَ الْوَثِيقَةِ أَوْ لَا لِسُكُوتِهِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ مَعَ حُضُورِهِ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يُعْمَلُ بِتِلْكَ الْوَثِيقَةِ إنْ كَانَتْ وَثِيقَةَ قَاضٍ وَفِيهَا عَلَامَةُ الثُّبُوتِ عِنْدَهُ وَلَوْ مَاتَ شُهُودُهَا وَجُهِلَ حَالُهُمْ إذْ الْأَصْلُ الصِّحَّةُ وَإِلَّا فَإِنْ حَضَرَ شُهُودُهَا فَالْعِبْرَةُ بِهِمْ وَإِنْ غَابُوا غَيْبَةً بَعِيدَةً أَوْ مَاتُوا وَقَدْ وَضَعُوا خُطُوطَهُمْ فِيهَا وَشَهِدَ عَلَيْهَا الْعُدُولُ بِشَرْطِهَا الْمَعْرُوفِ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ الْخَطَّ كَالْمُعَيَّنِ وَإِنْ كَاتِبُهُ اسْتَمَرَّ عَدْلًا مِنْ كِتَابَتِهِ إلَى مَوْتِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِهَا سُكُوتُهُ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ لِقِصَرِهَا عَنْ مُدَّةِ حِيَازَةِ الْأَقَارِبِ وَهِيَ مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعِينَ سَنَةٍ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَحِيَازَةُ الْأَقَارِبِ وَلَوْ غَيْرَ شُرَكَاءَ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ فَكَالْأَجَانِبِ فِي الْعَقَارِ فَوْقَ الْأَرْبَعِينَ وَلَوْ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَقِيلَ يَكْفِي مَعَهُمَا الْعَشَرَةُ كَالْمَوَالِي
стр. 744
وَالْأَصْهَارُ عَلَى الْأَظْهَرِ وَقِيلَ كَالْأَجَانِبِ وَلَا سُكُوتُ وَالِدِهِ وَلَا تَصْدِيقُهُ عَلَى مِلْكِ الْأَوَّلِ لِحَمْلِهِ عَلَى عَدَمِ عِلْمِهِ بِمِلْكِ نَفْسِهِ وَالْوَثِيقَةُ الشَّاهِدَةُ لَهُ وَعُذْرُهُ بِهِ بَلْ لَوْ فُرِضَ زِيَادَةُ الْمُدَّةِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَالْحُكْمُ كَمَا ذُكِرَ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَلِأَنَّ شَرْطَ الْحِيَازَةِ جَهْلُ كَيْفِيَّةِ وَضْعِ الْحَائِزِ عَلَى الْمَحُوزِ وَهِيَ هُنَا مَعْلُومَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِثَلَاثِ نُوقٍ دَفَعَهَا لَهَا بِحَضْرَةِ أُمِّهِ سَاكِتَةً إلَى تَمَامِ سَبْعِ سِنِينَ فَادَّعَتْ أَنَّ إحْدَى النِّيَاقِ أَقْرَضَتْهَا لِابْنِهَا وَأَرَادَتْ أَخْذَهَا مِنْ الزَّوْجَةِ فَهَلْ لَا تُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا تُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَرْضَ يُمْلَكُ بِالْقَوْلِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي قِطْعَةِ أَرْضٍ بِيَدِ امْرَأَةٍ وَكَّلَتْ زَوْجَهَا عَلَى احْتِكَارِهَا مِنْ وَقْفِ زَاوِيَةٍ وَغَرْسِهَا ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ وَبَقِيَتْ الْأَرْضُ بِيَدِهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ ثُمَّ قَامَ الْآنَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ وَبَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ مُدَّعِينَ أَنَّهَا لِلْمَيِّتِ وَشَهِدَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ وَشَهِدَ لَهَا بَيِّنَةٌ عَلَى إقْرَارِهِ فِي صِحَّتِهِ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهَا فِي الِاحْتِكَارِ وَالْغَرْسِ وَأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهَا فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَتُهَا أَوْ بَيِّنَتُهُمْ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ الْغُرَمَاءُ وَبَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ أَجَانِبَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَسَكَتُوا تِلْكَ الْمُدَّةَ عَالَمِينَ بِلَا مَانِعٍ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُمْ وَلَا بَيِّنَتُهُمْ وَلَوْ لَمْ تُعَارِضْهَا بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ وَإِلَّا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[مَسَائِلُ الْوَكَالَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْوَكَالَةِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ أَرْسَلَ رَسُولًا يَأْتِي لَهُ بِشَعِيرٍ مِنْ مَحِلٍّ وَأَعْطَاهُ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا الشَّعِيرَ وَأَخَذَ الرَّسُولُ الدَّابَّةَ وَتَوَجَّهَ لِيَأْتِيَ بِالشَّعِيرِ وَذَلِكَ الْمَحَلُّ لَهُ طَرِيقَانِ طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِ تُرْعَةُ مَاءٍ وَاحِدَةٌ شَدِيدَةُ الْجَرْيِ مَعَ كَوْنِهَا عَوْمًا وَالْأُخْرَى لَيِّنَةٌ مَعَ كَوْنِهَا عَوْمًا أَيْضًا فَسَلَكَ الطَّرِيقَ الَّتِي تُرْعَتُهَا لَيِّنَةُ الْجَرْيِ فَبَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْ التُّرْعَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ وَالدَّابَّةُ فَإِذَا هِيَ قَدْ مَاتَتْ فَهَلْ لَا يَضْمَنُ الرَّسُولُ الدَّابَّةَ وَلَا يُعَدُّ مُقَصِّرًا أَفِيدُوا الْجَوَابَ وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِعَدَمِ الضَّمَانِ قَالَ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ أَمِينٌ حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ تَعَدٍّ وَقَالَ الثَّانِي لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَلَمْ يُفَرِّطْ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يَضْمَنُ الرَّسُولُ الدَّابَّةَ لِتَعَدِّيهِ لِأَنَّ رَبَّهَا لَا يَخْلُو حَالُهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَنَّ التُّرْعَتَيْنِ عَوْمٌ فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ وُجُودِ قَنْطَرَةٍ أَوْ سَفِينَةٍ يُعَدِّي عَلَيْهَا الشَّعِيرَ فَيَكُونُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي تَعْدِيَةِ الدَّابَّةِ عَلَى الْقَنْطَرَةِ أَوْ السَّفِينَةِ فَحَيْثُ تَرَكَ ذَلِكَ وَعَامَ بِالدَّابَّةِ فَقَدْ تَعَدَّى عَلَيْهَا وَخَاطَرَ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ
стр. 745
إنْ لَمْ يَجِدْ قَنْطَرَةً أَوْ سَفِينَةً فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ بِالدَّابَّةِ وَعَدَمُ الْعَوْمِ وَالْمُخَاطَرَةُ بِهَا فَحَيْثُ عَامَ بِهَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فَتَعَدِّيهِ أَظْهَرُ هَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ السَّدِيدُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[صَبِيّ وَكَّلَ بَالِغًا قَبِلَ لَهُ النِّكَاحَ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي صَبِيٍّ وَكَّلَ بَالِغًا قَبِلَ لَهُ النِّكَاحَ فَهَلْ الْوَكَالَةُ صَحِيحَةٌ وَيَمْضِي النِّكَاحُ مُطْلَقًا أَوْ إنْ كَانَ مُهْمَلًا أَوْ بَاطِلَةً وَلَا يَمْضِي مُطْلَقًا أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، وَكَالَةُ الصَّبِيِّ غَيْرَهُ بَاطِلَةٌ اتِّفَاقًا حَسْبَمَا نَقَلَهُ الْعَدَوِيُّ ﵀ أَوَّلَ بَابِ الشَّرِكَةِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمُضِيِّ فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ وَلِيَ فَلَهُ الْإِمْضَاءُ وَالرَّدُّ إنْ قَرُبَ اطِّلَاعُهُ عَلَى الْعَقْدِ وَكَانَ بِالْبَلَدِ حِينَهُ وَلَمْ يَرِدْ قَبْلُ وَلَمْ يُخْبِرْ الْعَاقِدَ بِتَعَدِّيهِ وَلَمْ يَتَعَدَّ عَلَى الزَّوْجَةِ أَيْضًا وَإِلَّا تَعَيَّنَ الرَّدُّ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الِافْتِيَاتِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا فِي الْمُخْتَصَرِ بِقَوْلِهِ أَوْ أُفْتِيتَ عَلَيْهَا وَصَحَّ إنْ قَرُبَ رِضَاهَا إلَخْ قَالَ شُرَّاحُهُ وَالِافْتِيَاتُ عَلَى الزَّوْجِ كَالِافْتِيَاتِ عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا فِي الْمَالِكِ أَمْرَ نَفْسِهِ أَمَّا الْمَحْجُورُ فَيُقَالُ الِافْتِيَاتُ عَلَى وَلِيِّهِ كَالِافْتِيَاتِ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ فَالِافْتِيَاتُ عَلَى الْحَاكِمِ فَيَجْرِي فِيهِ مَا مَرَّ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَجَبَرَ أَبٌ وَوَصِيٌّ وَحَاكِمٌ مَجْنُونًا احْتَاجَ وَصَغِيرًا.
وَفِي الْمَجْمُوعِ وَإِنْ تَوَلَّى غَيْرُ الْمُجْبَرِ مَعَ وُجُودِهِ فُسِخَ فِي الْأُنْثَى أَبَدًا وَلَوْ أَجَازَهُ فَيُسْتَأْنَفُ عَقْدًا إلَّا مَا يَأْتِي اهـ وَأَشَارَ بِمَا يَأْتِي لِقَوْلِهِ وَإِنْ عَقَدَ مَنْ ثَبَتَ تَفْوِيضُ الْمُجْبَرِ لَهُ صَحَّ إنْ فَوَّضَ لَهُ النِّكَاحَ أَوْ أَجَازَهُ هَلْ يُشْتَرَطُ الْقُرْبُ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْإِجَازَةِ قَوْلَانِ وَمَفْهُومُ الْأُنْثَى عَدَمُ تَعَيُّنِ الْفَسْخِ فِي الذَّكَرِ وَيَجْرِي عَلَى تَفْصِيلِ الِافْتِيَاتِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْبُرْزُلِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِثْلَ هَذَا الْجَوَابِ وَأَثْبَتَهُ فِي بَابِ النِّكَاحِ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ أَمَرَ شَخْصًا بِأَنْ يَذْبَحَ لَهُ بَقَرَةً فَأَخْطَأَ فِي ذَبْحِهَا وَصَارَتْ مَيْتَةً لَا تُؤْكَلُ فَهَلْ تَلْزَمُ الذَّابِحَ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ أَوْ لَا تَلْزَمُهُ نَظَرًا لِأَمْرِ رَبِّهَا لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى هَلَاكِهَا وَهَلْ الضَّمَانُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ بِحَلِيَّةِ الْأَكْلِ بِأَنْ قَطَعَ نِصْفَ حُلْقُومِهَا وَجَمِيعَ الْوَدَجَيْنِ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ يَضْمَنُهَا الذَّابِحُ لِمَا ذَكَرْت وَلَوْ وُجِدَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ بِصِحَّةِ الذَّكَاةِ لِحُرْمَةِ الْعَمَلِ بِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَبُو الْبَرَكَاتِ الدَّرْدِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَنْ مُلْتَزِمٍ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى قَبْضِ خَرَاجِ حِصَّتِهِ فَقَبَضَهَا وَخَزَّنَهَا عِنْدَ رَجُلٍ ثُمَّ طَرَدَ الْوَكِيلَ ذُو شَوْكَةٍ مِنْ الْمَحِلِّ فَهَلْ لِلْمُوَكِّلِ أَخْذُهَا مِنْ الْوَكِيلِ وَلَا عِبْرَةَ بِكَوْنِهِ مَغْلُوبًا وَلَوْ كَانَ مِثْلُهُ يَتَوَلَّى قَبْضَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ الْوَكِيلُ الَّذِي طَرَدَهُ ذُو الشَّوْكَةِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا قَبَضَهُ وَصَارَ فِي ذِمَّتِهِ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَقْبِضْهُ أَوْ قَبَضَهُ وَصَارَ مَخْزُونًا عِنْدَ النَّاسِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ فَلَا يَلْزَمُهُ وَلَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ بِهِ عَلَاقَةٌ لِكَوْنِهِ مَغْلُوبًا وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي وَكِيلٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ لِغَائِبٍ وَفِيهِ عَبْدٌ يَخْدُمُ الْحَرِيمَ فَحَصَلَ أَمْرٌ مِنْهُ فَأَمَرَ الْحَرِيمُ الْوَكِيلَ بِبَيْعِهِ فَبَاعَهُ ثُمَّ اطَّلَعَ فِيهِ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِ الْعَبْدِ بِأَنَّ خَدَّامَةَ الْحَرِيمِ ضَرَبَتْهُ عَلَى ظَهْرِهِ بِالنَّبُّوتِ وَالْكُرْبَاجِ فَهَلْ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ عَلَى الْوَكِيلِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ الثَّمَنَ جَبْرًا خُصُوصًا وَالْمُوَكِّلُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي بَيْعِهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
стр. 746
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ عَلَى الْوَكِيلِ وَأَخْذُ الثَّمَنِ مِنْهُ جَبْرًا عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ وَكِيلًا مُفَوَّضًا سَوَاءٌ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِوَكَالَتِهِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا فَإِنْ كَانَ وَكِيلًا خَاصًّا فَلَهُ الرَّدُّ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِوَكَالَتِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِهَا فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ عَلَيْهِ إنَّمَا يَرُدُّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ إذَا حَضَرَ وَشَرَطَ الرَّدَّ عَلَيْهِ أَوْ الْمُوَكِّلِ ثُبُوتِ قِدَمِ الْعَيْبِ بِشَهَادَةِ بَيِّنَةٍ أَوْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْعَبْدِ إنَّ عَيْبَهُ قَدِيمٌ لِعَدَمِ عَدَالَتِهِ مَعَ اتِّهَامِهِ بِمَحَبَّةِ سَادَاتِهِ الْأَوَّلُ وَإِنْ تَمَسَّكَ الْمُشْتَرِي بِالْعَبْدِ وَقَدِمَ الْغَائِبُ وَأَثْبَتَ إنَّ تَوْكِيلَهُ خَاصٌّ بِغَيْرِ بَيْعِ الْعَبْدِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي إمْضَاءِ بَيْعِهِ وَرَدِّهِ وَكَذَا إنْ كَانَ الْعَبْدُ زَائِدَ الْخِدْمَةِ عَلَى خِدْمَةِ أَمْثَالِهِ وَلَوْ فَوَّضَ لَهُ فِي الْوَكَالَةِ وَلَمْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى بَيْعِهِ بِخُصُوصِهِ لِأَنَّ هَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي لَا يَمْضِي تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ لَهُ فِيهَا إلَّا بِالنَّصِّ عَلَيْهَا ثَانِيهَا: طَلَاقُ الزَّوْجَةِ.
ثَالِثُهَا: إنْكَاحُ الْبِكْرِ.
رَابِعُهَا بَيْعُ دَارِ السُّكْنَى قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ عَاطِفًا عَلَى مُتَعَلِّقِ طُولِبَ النَّائِبُ عَنْ فَاعِلِهِ ضَمِيرُ الْوَكِيلِ وَبِالْعُهْدَةِ مَا لَمْ يَعْلَمْ قَالَ الْخَرَشِيُّ وَكَذَلِكَ يُطَالَبُ الْوَكِيلُ بِعُهْدَةِ الْمَبِيعِ مِنْ عَيْبٍ أَوْ اسْتِحْقَاقٍ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لِلْبَيْعِ وَكِيلٌ فَإِنْ عَلِمَ فَالْعُهْدَةُ لَا تَكُونُ عَلَيْهِ وَتَكُونُ عَلَى مَنْ وَكَّلَهُ فَيُرَدَّ الْمَبِيعُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ وَهَذَا فِي الْوَكِيلِ الْمَخْصُوصِ، وَأَمَّا الْمُفَوَّضُ فَيَتْبَعُ كَمَا يُتْبَعُ وَالْبَائِعُ وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ كَالشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ وَالْمُقَارِضِ، بِخِلَافِ الْقَاضِي وَالْوَصِيِّ اهـ وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَغَا كَوَكَّلْتُكَ وَأَنْتَ وَكِيلِي حَتَّى يُخَصِّصَ وَإِنْ بِقَرِينَةٍ أَوْ يُفَوِّضَ فَيَمْضِي النَّظَرُ كَغَيْرِهِ وَهُوَ مَا لَا تَنْمِيَةَ فِيهِ كَعِتْقٍ إنْ جُعِلَ لَهُ وَلَا يَمْضِي طَلَاقٌ وَإِنْكَاحُ بِكْرٍ وَبَيْعُ دَارِ السُّكْنَى وَعَبْدِ الْغَرَضِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ كَالتَّاجِرِ وَزَائِدِ الْخِدْمَةِ إلَّا بِالنَّصِّ عَلَى خُصُوصِهَا اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ أَمَرَ آخَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً مِنْ مِصْرَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ يَدْفَعُهُ لَهُ عِنْدَ مَجِيئُهُ بِهَا فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ السِّلْعَةَ وَضَاعَتْ مِنْهُ فَهَلْ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الضَّيَاعَ وَيَلْزَمُ الْآمِرَ دَفْعُ الثَّمَنِ أَمْ لَا؟
أَجَابَ عَنْهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الطَّحْلَاوِيُّ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إنْ كَانَ الْآمِرُ دَفَعَ الدَّرَاهِمَ لِلْمَأْمُورِ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً مِنْ مِصْرَ وَادَّعَى الْمَأْمُورُ الشِّرَاءَ ثُمَّ الضَّيَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ صُدِّقَ فِي ذَلِكَ وَضَاعَ ثَمَنُهَا عَلَى الْآمِرِ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ الثَّمَنَ وَادَّعَى الشِّرَاءَ ثُمَّ الضَّيَاعَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ الثَّمَنَ فَالْمُنَاسِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ وَحُكْمُهُ فِي مَوْضُوعِ عَدَمِ دَفْعِهِ بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْمُوَكِّلِ مِنْ الثَّمَنِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَمُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْمُخْتَصَرِ وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ غُرْمُ الثَّمَنِ إلَى أَنْ يَصِلَ لِرَبِّهِ إنْ لَمْ يَدْفَعْهُ لَهُ اهـ وَلِقَوْلِ الْمَجْمُوعِ وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ عَلَى شِرَاءِ غُرْمِ الثَّمَنِ وَلَوْ تَلِفَ مِنْ الْوَكِيلِ مِرَارًا حَتَّى يَصِلَ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَهُ فَيَتْلَفَ فَالْمَبِيعُ لِلْوَكِيلِ وَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ اهـ وَلِقَوْلِ الْأُجْهُورِيِّ فِي فَتَاوِيهِ الثَّانِي مِنْ أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ ثُبُوتُ حُكْمِ الْأَمَانَةِ لِلْوَكِيلِ اعْلَمْ أَنَّ الْوَكِيلَ يَدُهُ يَدُ أَمَانَةٍ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَا تَضْمَنَ مَا تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ سَوَاءٌ كَانَ وَكِيلًا بِجَعْلٍ أَوْ بِغَيْرِ جَعْلٍ ثُمَّ إنْ سَلَّمَ إلَيْهِ الثَّمَنَ فَهُوَ مُطَالَبٌ بِهِ مَهْمَا وَكَّلَ بِالشِّرَاءِ فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهِ الثَّمَنَ وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ كَوْنَهُ وَكِيلًا طَالَبَهُ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِوَكَالَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ ثُمَّ حَيْثُ طُولِبَ الْوَكِيلُ رَجَعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَلَوْ وَكَّلَ عَلَى شِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فَالْمُسْتَحِقُّ يُطَالِبُ الْمُوَكِّلَ دُونَ الْوَكِيلِ وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ عَلَى الْبَيْعِ إذَا قَبَضَ الثَّمَنَ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَخَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ
стр. 747
[رَجُل وَكَّلَهُ إنْسَانٌ عَلَى بَيْعِ سِلْعَة مُعَيَّنَة وَوَكَّلَهُ آخَرُ عَلَى شِرَائِهَا]
مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ وَكَّلَهُ إنْسَانٌ عَلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَوَكَّلَهُ آخَرُ عَلَى شِرَائِهَا لَهُ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَدَفَعَهُ لَهُ وَقَبْلَ قَبْضِهِ لِلسِّلْعَةِ ادَّعَى الْوَكِيلُ سَرِقَتَهَا مَعَ بَعْضِ أَمْتِعَتِهِ فَمَاذَا يَكُونُ الْعَمَلُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ ادَّعَى الْوَكِيلُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لَلْمُوَكِّل الثَّانِي قَبْلَ سَرِقَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ مِمَّا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ أَوْ كَانَتْ مِنْهُ وَادَّعَى أَنَّهُ اسْتَوْفَاهَا لَهُ قَبْلَهَا أَيْضًا فَضَمَانُهَا مِنْ الْمُوَكِّلِ الثَّانِي فَلَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ لِلْوَكِيلِ وَيَسْتَحِقُّهُ الْمُوَكِّلُ الْأَوَّلُ وَإِلَّا فَضَمَانُهَا مِنْ الْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ وَيَرُدُّ لِلْمُوَكِّلِ الثَّانِي ثَمَنَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ أَرْسَلَ لِوَالِدِهِ مَكْتُوبًا ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ يَعْقِدُ لَهُ عَلَى بِنْتٍ وَفِيهِ خُطُوطٌ بَيِّنَةٌ وَأَخْتَامُهُمْ فَهَلْ تَثْبُتُ بِهِ الْوَكَالَةُ عَلَى الْعَقْدِ وَيَصِحُّ مِنْ الْوَالِدِ أَمْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ الْمَكْتُوبُ بِخَطِّ الْوَلَدِ وَشَهِدَ عَدْلَانِ بِأَنَّهُ خَطُّهُ بِيَقِينٍ وَهُمَا عَارِفَانِ بِالْخُطُوطِ ثَبَتَتْ بِهِ الْوَكَالَةُ عَلَيْهِ وَصَحَّ مِنْ الْوَالِدِ وَإِلَّا فَلَا وَلَا عِبْرَةَ بِخُطُوطِ الْبَيِّنَةِ وَأَخْتَامِهِمْ وَلَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهَا الْعُدُولُ قَالَ الْعَدَوِيُّ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ سَوَاءٌ كَانَ مَالًا وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ كَطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا خَطُّ الشَّاهِدِ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ بِمَالٍ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَشْهَدُ عَلَى خَطِّهِ وَهُوَ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْفَتْوَى انْتَهَى.
وَتَبِعْهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ وَفِي الْأَحْكَامِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا يَأْمُرُهُ بِدَفْعِهِ إلَى الَّذِي يُوَجِّهُهُ بِالْكِتَابِ فَقَالَ الَّذِي قِبَلَهُ الْحَقُّ أَعْرِفُ الْكِتَابَ وَأَنَّهُ خَطُّهُ وَلَكِنْ لَا أَدْفَعُ لَك شَيْئًا فَذَلِكَ لَهُ وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِدَفْعِهِ وَلَا يُبْرِئهُ إنْ أَنْكَرَ صَاحِبُ الْكِتَابِ انْتَهَى.
وَفِي أَجْوِبَةِ الْأُجْهُورِيِّ عَنْ التَّبْصِرَةِ أَنَّ الْوَكَالَةَ عَلَى غَيْرِ الْمَالِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ الْمُنَاصِفِ أَنَّهُ اخْتَلَفَ فِي الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى التَّوْكِيلِ بِالْمَالِ مِنْ غَائِبٍ هَلْ يَحْلِفُ مَعَهُ الْوَكِيلُ أَوْ لَا وَالْأَشْهَرُ الْمَنْعُ وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالتَّوْكِيلِ حَقٌّ لِلْوَكِيلِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْغَائِبِ أَوْ يَكُونَ الْمَالُ بِيَدِهِ قِرَاضًا فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْوَكَالَةَ عَلَى الْمَالِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ تَثْبُت بِشَاهِدِ وَامْرَأَتَيْنِ وَاَللَّه أَعْلَم وَصَلَّى اللَّه عَلَى سَيِّدنَا مُحَمَّدٍ وَآله وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي أَجِيرٍ عِنْدَ آخَرَ خَاصٍّ بِهِ دَفَعَ لَهُ جَمَلَيْنِ لِيُوَصِّلهُمَا إلَى بَلَدِ كَذَا فَسَافَرَ بِهِمَا وَضَاعَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ فَمَا الْحُكْمُ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي وَكِيلٍ عَلَى خِصَامِ آخَرَ فِي حَقٍّ ادَّعَى عَلَيْهِ الْآخَرُ أَنَّ نِصْفَ الْبُسْتَانِ الَّذِي فِي بَلَدِ كَذَا الْمُحَدِّدِ بِحَدِّ كَذَا وَحَدِّ كَذَا وَحَدِّ كَذَا وَحَدّ كَذَا مِنْ جِهَاتِهِ الْأَرْبَعِ الْمَحُوزِ لِمُوَكِّلِهِ مِلْكٌ لِلْمُدَّعِي وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَالنِّصْفَ الْآخَرَ مِلْكٌ لِلْمُوَكِّلِ تَصَدَّقَ بِهِ جَدُّ الْمُدَّعِي عَلَى جَدِّ الْمُوَكِّلِ فَأَنْكَرَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ وَقَالَ الْبُسْتَانُ كُلُّهُ مِلْكٌ لِمُوَكِّلِهِ فَطَلَبَ مِنْ الْمُدَّعِي مَا يُصَحِّحُ دَعْوَاهُ فَأَخْرَجَ صُورَةَ وَثِيقَةٍ بِشِرَاءِ جَدِّهِ نِصْفَ الْبُسْتَانِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَقَالَ لَهُ الْوَكِيلُ ذَلِكَ النِّصْفُ هُوَ الَّذِي ذَكَرْت فِي دَعْوَاك أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ جَدُّك عَلَى جَدِّ مُوَكِّلَيَّ وَآلَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا إلَى أَنْ سَلَّمَ الْمُدَّعِي فِي النِّصْفِ الَّذِي تَصَدَّقَ
стр. 748
بِهِ جَدُّهُ عَلَى جَدِّ الْمُوَكِّلِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَكِيلُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ لِلْمُدَّعِي وَالْحَالُ أَنَّ الْوَكِيلَ بِيَدِهِ وَثِيقَةُ مِلْكٍ لِمُوَكِّلِهِ عَلَى جَمِيعِ الْبُسْتَانِ وَمُدَّةُ حَوْزِهِ لَهُ ثَلَاثُونَ عَامًا، وَوَثِيقَةُ تَسْلِيمٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ تَارِيخُهَا قَدِيمٌ لَمْ يُخْرِجْهُمَا فِي الْمَجْلِسِ وَاعْتَرَفَ بِالْمَجْلِسِ الْمَذْكُورِ لِلْمُدَّعِي دُونَ مُخَاصَمَةٍ وَآجَالٍ وَنُسَخٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهَلْ تَسْلِيمُ الْوَكِيلِ وَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ مَاضٍ عَلَى مُوَكِّلِهِ أَوْ لَا؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَتْ الْوَثِيقَةُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِمِلْكِ الْمُوَكِّلِ جَمِيعَ الْبُسْتَانِ مُثْبَتَةً لَهُ شَرْعًا بِأَنْ كَتَبَ عَلَيْهَا الْقَاضِي عَلَامَةَ الصِّحَّةِ وَخَتَمَهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وَوُجِدَتْ بَيِّنَةُ شَرْعِيَّةٌ تَشْهَدُ بِمَضْمُونِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَتْ الْحِيَازَةُ الْمَذْكُورَةُ ثَابِتَةً مَانِعَةً مِنْ قَبُولِ دَعْوَى الْمُدَّعِي بِحَسَبِ حَالِهِ مِنْ كَوْنِهِ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا شَرِيكًا أَوْ غَيْرَ شَرِيكٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ الْحِيَازَةُ كَذَلِكَ وَكَانَ هَذَا الْوَكِيلُ لَيْسَ وَكِيلًا مُفَوَّضًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْمُوَكِّلُ الْإِقْرَارَ فَإِقْرَارُهُ لَا يَلْزَمُ مُوَكِّلَهُ وَإِنْ كَانَ مُفَوَّضًا مُطْلَقًا أَوْ غَيْرَ مُفَوَّضٍ وَجَعَلَ لَهُ مُوَكِّلُهُ الْإِقْرَارَ لَزِمَ إقْرَارُهُ مُوَكِّلَهُ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ الْوَكِيلُ فِي إقْرَارِهِ بِقَرَابَةٍ أَوْ صَدَاقَةٍ لِلْمَقَرِّ لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَا يَلْزَمُ إقْرَارُ الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يُفَوَّضَ أَوْ يُجْعَلَ لَهُ وَيُقِرَّ مِنْ نَوْعِ الْخُصُومَةِ بِمُشْبِهٍ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ ثُمَّ قَالَ فَيَمْضِي النَّظَرُ كَغَيْرِهِ إنْ جُعِلَ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ لَا بُدَّ فِي وَكَالَةِ الْخِصَامِ أَنْ يَذْكُرَ فِيهَا الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ لَا تُقْبَلُ حَتَّى يُجْعَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَقَالَ أَصْبَغُ يَقْبَلُ الْحَاكِمُ وَلَا يَرُدُّهَا وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَقَدْ نَزَلَتْ فَقَضَى فِيهَا بِأَنْ لَا تُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَحْضُرَ مَعَ وَكِيلِهِ لِيُقِرَّ بِمَا يُوقِفُهُ عَلَيْهِ خَصْمُهُ وَيَكُونُ فِي وَقْتِ الْحُكْمِ قَرِيبًا مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَيَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ مَا قَالَهُ عَنْهُ وَكِيلُهُ إذَا جَعَلَ لَهُ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ وَكَانَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الْمَالِ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ وَسَقَطَ عَنْ خَصْمِهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِ الْمُوَكِّلِ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا يَلْزَمُهُ سَائِرُ إقْرَارِهِ بَعْدَ تَوْكِيلِهِ أَمَّا قَبْلَهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ رَأَيْت فُقَهَاءَ طُلَيْطِلَة يَذْهَبُونَ إلَى أَنَّ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى الْمُخَاصَمَةِ عَنْهُ وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ فَأَقَرَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَهَبَ دَارِهِ لِزَيْدٍ فَذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَتَّابٍ قَائِلًا إنَّمَا يَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ فِيمَا كَانَ مِنْ مَعْنَى الْمُخَاصَمَةِ الَّتِي وَكَّلَ عَلَيْهَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ وَكَّلَ عَلَى قَبْضِ شُفْعَتِهِ فَأَقَرَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ سَلَّمَهَا فَهُوَ شَاهِدٌ لِلْمُشْتَرِي وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْكَافِي اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إقْرَارِ الْوَكِيلِ فِي الْخُصُومَةِ فَمَرَّةً أَجَازَهُ وَمَرَّةً أَبَاهُ وَقَالَ لَا يَلْزَمُ وَجَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ إذَا جَعَلَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ الْخُصُومَةَ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي وَزَعَمَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ أَنَّ تَحْصِيلَ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إقْرَارُهُ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ قَالَ وَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ قَالَ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ لَازِمٌ لِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ انْتَهَى
(سُئِلَ) ابْنُ رُشْدٍ عَنْ وَكِيلٍ قُيِّدَتْ عَلَيْهِ مَقَالَتُهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ فَلَمَّا طَلَبَ مُوَكِّلُهُ بِإِقْرَارِهِ اسْتَظْهَرَ بِعَزْلِهِ قَبْلَ إقْرَارِهِ دُونَ أَنْ يُعْلِمَهُ بِهِ فَقَالَ مَا قُيِّدَ عَلَى الْوَكِيلِ لَازِمٌ لِمُوَكِّلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَزَلَهُ قَبْلَ مُنَاسَبَةِ الْخِصَامِ عَزْلًا أَعْلَنَ بِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ فِي تَأْخِيرِ إعْلَانِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ مُنَاسَبَةِ الْخِصَامِ وَقَبْلَ الْإِقْرَارِ فَلَا يَجُوزُ عَزْلُهُ إذْ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَشَأْ أَحَدٌ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا فِي الْخِصَامِ وَيُشْهِدَ فِي السِّرِّ عَلَى عَزْلِهِ إلَّا فَعَلَ هَذَا الَّذِي أَقُولُ بِهِ وَلَا يَصِحُّ سِوَاهُ عَلَى أُصُولِهِمْ وَلَا يُلْتَفَتُ
стр. 749
إلَى مَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ مِنْ خِلَافٍ
[وَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى الْخِصَامِ فَوَكَّلَ خَصْمُهُ عَلَى الْخِصَامِ وَكِيلًا عَدُوًّا لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ فَهَلْ يُرَدُّ تَوْكِيلُهُ]
(سُئِلَ) ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ وَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى الْخِصَامِ فَوَكَّلَ خَصْمُهُ عَلَى الْخِصَامِ وَكِيلًا عَدُوًّا لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ فَهَلْ يُرَدُّ تَوْكِيلُهُ؟ فَقَالَ الَّذِي أَرَاهُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لِأَحَدٍ تَوْكِيلُ عَدُوِّ خَصْمِهِ وَلَا عَدُوُّ وَكِيلِهِ الْمُخَاصَمِ عَنْهُ عَلَى الْخِصَامِ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي الْوَجْهَيْنِ بَيِّنٌ.
وَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ مَنْ عَزَلَ وَكِيلَهُ عَلَى الْخِصَامِ وَأَرَادَ خَصْمُهُ تَوْكِيلَهُ فَأَبَى الْأَوَّلُ ذَلِكَ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى وُجُوهِ خُصُومَتِهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلِخَصْمِهِ تَوْكِيلُهُ إنْ شَاءَ اهـ.
وَفِي الْحَاضِرِ لِابْنِ الْحَارِثِ إنْ أَرَادَ الْخَصْمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا التَّوْكِيلَ فِي أَوَّلِ مَجْلِسٍ جَلَسَا فِيهِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ فَمَنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ انْعِقَادِ الْكَلَامِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَكَانَ سَحْنُونٌ لَا يُبِيحُ وَكَالَةَ الْمَطْلُوبِ.
وَإِذَا وَكَّلَ عَلَى الْخِصَامِ فَخَاصَمَ وَطَالَ الْخِصَامُ فِي قَضِيَّةٍ وَاتَّصَلَ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْوَكَالَةِ عَلَيْهَا وَإِنْ اتَّصَلَ سِنِينَ وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا عَلَى الدَّوَامِ وَإِنْ مَاتَ الْمُوَكِّلُ وَقَدْ أَشْرَفَ الْوَكِيلُ عَلَى الْإِتْمَامِ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ عَزْلُهُ فَإِنَّ الْقَضِيَّة الَّتِي وَكَّلَ عَلَى الْخِصَامَ فِيهَا أَرَادَ الْمُخَاصَمَةَ عَنْهُ فِي غَيْرِهَا فَلَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ بِقُرْبِ الْأَوَّلِ كَسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَنَحْوِهَا وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِتَجْدِيدِ التَّوْكِيلِ أَوْ كَوْنِهِ عَلَى الدَّوَامِ.
ابْنُ رُشْدٍ لَا خِلَافَ أَنَّ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلَ وَكِيلِهِ مَتَى شَاءَ وَأَنَّ لِلْوَكِيلِ حَلَّهَا عَنْ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ إلَّا فِي الْوَكَالَةِ عَلَى الْخِصَامِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ حَلُّهَا عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ مُجَالَسَةِ الْخَصْمِ ثَلَاثًا وَلَيْسَ لِمُوَكِّلِهِ عَزْلُهُ بَعْدَهَا وَقَالَ غَيْرُهُ الْوَكَالَةُ نَوْعَانِ وَكَالَةٌ بِعِوَضٍ وَوَكَالَةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَإِنْ كَانَتْ بِعِوَضٍ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ لَزِمَتْهُمَا وَإِنْ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْجِعَالَةِ فَقِيلَ لَازِمَةٌ كَالْإِجَارَةِ وَقِيلَ تَلْزَمُ الْجَاعِلَ وَالْمَجْعُولَ لَهُ بِالْخِيَارِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَقِيلَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ قَبْلَهُ فَإِنْ شَرَعَ فِيهِ سَقَطَ خِيَارُ الْجَاعِلِ وَبَقِيَ خِيَارُ الْمَجْعُولِ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَزِمَتْ الْمُوَكِّلَ وَلَهُ عَزْلُهُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ وَاخْتُلِفَ فِي الْوَكِيلِ فَقَالَ مَالِكٌ يُخَيَّرُ بَيْنَ التَّمَادِي وَالتَّرْكِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ وَقِيلَ تَلْزَمُهُ.
وَمَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ بِمَا جَعَلَ لَهُ فَلَا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِمَوْتِهِ وَيَنْعَزِلَانِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ عَنْهُ وَإِنْ عَزَلَ الْمُوَكِّلُ وَكِيلَهُ أَوْ مَاتَ الْمُوَكِّلُ وَهُوَ غَائِبٌ وَتَصَرَّفَ بَعْدَ الْعَزْلِ أَوْ الْمَوْتِ غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ فَفِي نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ وَعَدَمِهِ قَوْلَانِ: مَنْ وَكَّلَ عَلَى الْبَيْعِ فَلَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ بِاتِّفَاقٍ.
مَنْ وَكَّلَ عَلَى الشِّرَاءِ فَاشْتَرَى مَا لَا يَلِيقُ فِيهِ قَوْلَانِ: مَنْ وَكَّلَ عَلَى بَيْعٍ بِكَذَا نَسِيئَةً فَبَاعَ بِهِ نَقْدًا فِيهِ قَوْلَانِ: مَنْ وَكَّلَ عَلَى شِرَاءٍ بِكَذَا نَقْدًا فَاشْتَرَى بِهِ نَسِيئَةً فِيهِ قَوْلَانِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَرْضٍ وَلَا نَسِيئَةٍ وَلَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ إلَّا بِإِذْنٍ فِي ذَلِكَ وَلَا يَبِيعُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِوَلَدِهِ وَلَا لِيَتِيمِهِ وَلَا يُشْتَرَى وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَوَجَدَهُ مَعِيبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَإِنْ اشْتَرَى مَعِيبًا عَالِمًا بِعَيْبِهِ فَلَا يَلْزَمُ مُوَكِّلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ يَسِيرًا وَيَكُونَ الشِّرَاءُ نَظَرًا وَالْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ عَلَيْهِ الْعُهْدَةُ وَالْيَمِينُ كَالْوَصِيِّ وَغَيْرُ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ إنْ صَرَّحَ بِالْوَكَالَةِ أَوْ عُلِمَتْ فَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهِيَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ وَكِيلٌ فَإِنْ تَبَيَّنَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا النَّخَّاسُونَ وَالسَّمَاسِرَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهٍ وَعُهْدَةُ مَا يَبِيعُونَهُ عَلَى صَاحِبِهِ إنْ عَرَفَ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ فَمُصِيبَتُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي نَاظِرِ وَقْفٍ غَابَ عَنْ بَلَدِهِ وَوَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى الْقِيَامِ بِشَعَائِرِهِ وَقَبْضِ غَلَّاتِهِ وَصَرْفِهَا
стр. 750
فِي مَصَارِفِهَا وَتَرْمِيمِهِ فَاسْتَوْلَى أَجْنَبِيٌّ عَلَى بَعْضِ الْوَقْفِ فَحَضَرَ النَّاظِرُ وَوَكَّلَ وَكِيلَهُ الْمَذْكُورَ عَلَى مُخَاصَمَةِ الْمُسْتَوْلِي عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ لِلْوَكِيلِ رَفْعُ الْمُسْتَوْلِي لِلْقَاضِيَّ وَمُخَاصَمَتُهُ وَإِنْ امْتَنَعَ الْمُسْتَوْلِي مِنْ قَبُولِ وَكَالَتِهِ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يُجْبَرُ الْمُسْتَوْلِي الْمَذْكُورُ عَلَى قَبُولِ وَكَالَةِ الْوَكِيلِ الْمَذْكُورِ وَمُخَاصَمَتِهِ فِيمَا هُوَ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ مِنْ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ حَتَّى يَظْهَرَ الْحَقُّ وَيَحْكُمَ بِهِ الْقَاصِّي.
قَالَ الْخَرَشِيُّ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخُصُومَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَإِنْ كَرِهَ خَصْمُهُ أَوْ الْقَاضِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي التَّوْكِيلِ لِلْمُوَكِّلِ فِي حُضُورِ الْخَصْمِ أَوْ غَيْبَتِهِ اهـ.
وَفِي تَبْصِرَةِ ابْنُ فَرْحُونٍ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ النَّاسُ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ قَبُولُ الْوُكَلَاءِ إلَّا مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ تَشْغِيبٌ وَلَدَدٌ فَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إبْعَادُهُ وَأَنْ لَا يَقْبَلَ لَهُ وَكَالَةً عَلَى أَحَدٍ ثُمَّ قَالَ مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَغَيْرُهُ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ التَّوْكِيلَ جَائِزٌ لِمَنْ شَاءَ مِنْ طَالِبٍ أَوْ مَطْلُوبٍ وَكَانَ سَحْنُونٌ لَا يُبِيحُ لِلْمَطْلُوبِ أَنْ يُوَكِّلَ إلَّا لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ امْرَأَةٍ مَحْجُوبَةٍ أَوْ رَجُلٍ وَاقِفٍ فِي بَابِ الْحَاكِمِ كَالْحَاجِبِ وَنَحْوِهِ وَيَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ، وَأَمَّا مِنْ سَائِرِ الْجَبَابِرَةِ فَلَا مِنْ الطُّرُرِ.
[مَسَائِلُ الْإِقْرَارِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْإِقْرَارِ (مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ لَهُ زَوْجَتَانِ وَلَهُ مِنْ إحْدَاهُمَا ابْنٌ وَلَهُ مِنْ الْأُخْرَى بِنْتَانِ وَكَتَبَ حَالَ مَرَضِهِ لِلِابْنِ وَأُمِّهِ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ وَأَقَرَّ لَهَا بِدَرَاهِمَ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يَكْتُبْ لِلْبِنْتَيْنِ وَأُمِّهِمَا شَيْئًا وَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ كِتَابَتُهُ وَإِقْرَارُهُ بَاطِلَانِ وَجَمِيعُ تَرِكَتِهِ بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ وَأَوْلَادِهِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ يُؤْخَذُ الْمُكَلَّفُ بِلَا حَجْرٍ وَإِتْهَامٍ بِإِقْرَارِهِ لِأَهْلٍ لَمْ يُكَذِّبْهُ لَا مَرِيضٌ لِأَقْرَبَ أَوْ مُسَاوٍ اهـ وَعِبَارَةُ الْخَرَشِيِّ فِي شَرْحِ قَوْل الْمُخْتَصَرِ لَا الْمُسَاوِي يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ لِشَخْصٍ مُسَاوٍ لِمَنْ لَمْ يُقِرَّ لَهُ فِي الدَّرَجَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا إذَا أَقَرَّ لِأَحَدِ أَوْلَادِهِ مَثَلًا اهـ وَقَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ وَبَطَلَتْ لِوَارِثٍ وَكَذَلِكَ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ بِأَنْ يُوصِي بِمَا يُخَالِفُ حُقُوقَهُمْ أَوْ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ لِخَبَرِ «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» اهـ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ بَعْضِ أَوْلَادِهِ دَرَاهِمَ وَكَتَبَ بِهَا وَثِيقَةً وَسَافَرَ إلَى قُطْرٍ آخَرَ مَاتَ فِيهِ فَهَلْ يُعْمَلُ بِالْوَثِيقَةِ وَيُقْضَى لَهُ بِأَخْذِهَا مِنْ التَّرِكَةِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يُعْمَلُ بِالْوَثِيقَةِ وَيُقْضَى لَهُ بِأَخْذِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي فِيهَا مِنْ التَّرِكَةِ إنْ كَانَتْ بِخَطِّ الْمُقِرِّ وَشَهِدَ عَلَى خَطِّهِ عَدْلَانِ مُتَيَقِّنَانِ أَنَّهُ خَطُّهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِخَطِّ غَيْرِهِ وَشَهِدَ عَلَى طِبْقِهَا عَدْلَانِ أَوْ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَحَلَفَ الْمَقَرُّ لَهُ مَعَهُ أَوْ كَتَبَ عَدْلَانِ شَهَادَتَهُمَا بِهَا وَمَاتَا أَوْ غَابَا وَشَقَّ حُضُورُهُمَا وَشَهِدَ عَلَى خَطِّهِمَا عَدْلَانِ مُتَيَقِّنَانِ أَنَّهُ
стр. 751
خَطُّهُمَا بِعَيْنِهِمَا وَأَنَّهُمَا عَدْلَانِ مِنْ تَحَمُّلِهِمَا لِمَوْتِهِمَا أَوْ غَيْبَتِهِمَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَجَازَ عَدْلَانِ عَلَى خَطِّ مُقِرٍّ مُطْلَقًا كَشَاهِدٍ مَاتَ أَوْ غَابَ وَشَقَّ حُضُورُهُ فِي الْأَمْوَالِ إنْ تَيَقَّنَتْ أَنَّهَا خَطُّهُ وَلَوْ لَمْ تُدْرِكْهُ وَأَنَّهُ عَدْلٌ مِنْ تَحَمُّلِهِ لِمَوْتِهِ اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقِيرَةً وَخَلَّفَ مِنْهَا أَوْلَادًا وَلَهُ أَوْلَادٌ مِنْ غَيْرِهَا أَيْضًا ثُمَّ تُوُفِّيَ وَأَخْرَجَتْ الزَّوْجَةُ وَثِيقَةً بِخَطِّهِ أَقَرَّ فِيهَا أَنَّ لَهَا مَبْلَغًا جَسِيمًا وَأَرَادَتْ أَخْذَهُ مِنْ التَّرِكَةِ فَنَازَعَهَا أَوْلَادُهُ مِنْ غَيْرِهَا بِأَنَّ هَذِهِ عَطِيَّةٌ لَا فِي نَظِيرِ عِوَضٍ وَشَهِدَ لَهَا بِإِقْرَارِهِ بِالْمَبْلَغِ رَجُلٌ مِنْ أَصْهَارِهَا فَهَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ سَبَبِ الدَّيْنِ بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ وَلَا يُعْمَلُ بِالْوَثِيقَةِ وَشَهَادَةِ الصِّهْرِ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الْوَثِيقَةُ الَّتِي بِخَطِّهِ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهَا إمَّا فِي صِحَّتِهِ وَإِمَّا فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَتْ فِي صِحَّتِهِ فَإِنْ أَقَرَّ فِيهَا بِدَيْنٍ لَهَا عَلَيْهِ فَهُوَ إقْرَارٌ صَحِيحٌ لَازِمٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ قَالَ الْخَرَشِيُّ، وَأَمَّا الزَّوْجُ الصَّحِيحُ فَإِقْرَارُهُ يَعْنِي بِدَيْنٍ لِزَوْجَتِهِ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ اهـ وَإِنْ أَقَرَّ فِيهَا بِأَنَّ لَهَا كَذَا مِنْ مَالِهِ فَهَذِهِ هِبَةٌ يَتَوَقَّفُ تَمَامُهَا عَلَى حِيَازَةٍ فِي الصِّحَّةِ وَالْعَقْلِ وَعَدَمِ الْفَلَسِ وَإِنْ فَلِسَ أَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ مَرِضَ إلَى أَنْ مَاتَ فِيهِمَا قَبْلَ حَوْزِهَا عَنْهُ بَطَلَتْ وَإِنْ كَانَتْ فِي مَرَضِهِ فَإِنْ جَعَلَ مِنْ مَالِهِ كَذَا فَوَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ بَاطِلَةٌ وَإِنْ أَقَرَّ لَهَا فِيهَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ فَإِنْ عُلِمَ حُبُّهُ لَهَا فَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ لِلتُّهْمَةِ وَإِنْ عُلِمَ بُغْضُهُ لَهَا فَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ لَازِمٌ وَلَوْ انْفَرَدَتْ بِصَغِيرٍ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَالنَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا وَإِنْ جُهِلَ حَالُهُ مَعَهَا فَإِقْرَارُهُ لَازِمٌ بِشَرْطَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ يَرِثَهُ ابْنٌ فَأَكْثَرُ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا تَنْفَرِدَ بِصَغِيرٍ فَإِنْ وَرِثَ كَلَالَةٌ أَوْ انْفَرَدَتْ بِصَغِيرٍ فَإِقْرَارُهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَإِنْ وَرِثَتْهُ بِنْتٌ فَأَكْثَرُ وَعُصْبَةٌ فَقِيلَ يَلْزَمُ الْإِقْرَارُ نَظَرًا لِبُعْدِهَا عَنْ الْبِنْتِ وَقِيلَ لَا نَظَرًا لَقُرْبِهَا عَنْ الْغَاصِبِ وَمَحِلِّهِمَا إنْ لَمْ تَنْفَرِدْ بِصَغِيرَةٍ فَأَكْثَرَ مِنْهُنَّ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ قَوْلًا وَاحِدًا وَيَجْرِي فِي إقْرَارِ الزَّوْجَةِ لِلزَّوْجِ مَا جَرَى فِي إقْرَارِهِ لَهَا مِنْ التَّفْصِيلِ كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ وَشُرَّاحِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَصَحَّ أَيْ الْإِقْرَارُ مِنْ زَوْجٍ مَرِيضٍ عَلَى بُغْضِهِ لَا حُبِّهِ وَإِقْرَارُهَا لَهُ كَعَكْسِهِ كَأَنْ جَهِلَ وَوَرِثَهُ غَيْرُ مَحْضِ الْإِنَاثِ وَلَوْ ابْنًا وَلَمْ تَنْفَرِدْ بِصَغِيرٍ لِلتُّهْمَةِ وَفِي الْإِنَاثِ مَعَ الْعُصْبَةِ غَيْرِ الِابْنِ لِتَوَسُّطِهَا بَيْنَهُمَا خِلَافٌ اهـ وَسُئِلَ الْأُجْهُورِيُّ ﵀ عَنْ رَجُلٍ أَقَرَّ حَالَ صِحَّتِهِ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ نَقْدٍ وَدَيْنٍ وَسَائِرِ مَا بِمَنْزِلِهِ مِنْ الْأَمْتِعَةِ مِمَّا يَلِيقُ بِالزَّوْجَةِ وَمَا لَا يَلِيقُ بِهَا لَهَا وَلِوَلَدِهَا فُلَانٍ مِنْهُ وَكَتَبَ بِذَلِكَ وَثِيقَةً عِنْدَ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ فَهَلْ هَذَا الْإِقْرَارُ صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَاصِدًا حِرْمَانَ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ أَمْ لَا وَهَلْ يُفْصَلُ بَيْنَ قَوْلِهِ مَا أَمْلِكُهُ أَوْ مَا بِيَدِي أَمْ لَا وَهَلْ يُفْصَلُ بَيْنَ كَوْنِ الْمُقِرِّ بِهِ يَلِيقُ بِهَا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ نَعَمْ الْإِقْرَارُ الْمَذْكُورُ الصَّادِرُ مِنْ الصَّحِيحِ الْعَاقِلِ الرَّشِيدِ لِلزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ صَحِيحٌ لَازِمٌ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَاصِدًا حِرْمَانَ بَاقِي مَنْ يَرِثُهُ وَلَا يَضُرُّهُ الْمِيلُ لِلزَّوْجَةِ وَهُوَ مِنْ الْهِبَةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حَوْزِ الْمُقَرِّ لَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ حُصُولِ مَانِعٍ لِلْمُقِرِّ مِنْ مَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ مَخُوفٍ وَنَحْوِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[أَقَرَّ بِأَنَّ عِنْدَهُ قَدْرًا مَعْلُومًا مِنْ الدَّرَاهِمِ لِآخَرَ ثَمَنَ جَمَلٍ وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ أَقَرَّ بِأَنَّ عِنْدَهُ قَدْرًا مَعْلُومًا مِنْ الدَّرَاهِمِ لِآخَرَ ثَمَنَ جَمَلٍ وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ الدَّرَاهِمِ لِرَبِّهَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
стр. 752
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ الشَّرْعِيَّةُ بِإِقْرَارِ الْمَدِينِ الْمَذْكُورِ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ الدَّرَاهِمِ لِرَبِّهَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَدِينُ الْمَذْكُورُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ لَهُ زَوْجَتَانِ لَهُ مِنْ إحْدَاهُمَا ابْنٌ وَبِنْتٌ وَلَهُ مِنْ الْأُخْرَى بِنْتَانِ وَلَهُ عَقَارٌ وَمَوَاشٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَكَتَبَ فِي مَرَضِهِ لِلِابْنِ جَانِبًا مِنْ الْعَقَارِ وَجَانِبًا مِنْ الْمَوَاشِي مُدَّعِيًا أَنَّ الْجَانِبَ الَّذِي مِنْ الْمَوَاشِي مُشْتَرَى مِنْ مَالِ أُمِّ الْوَلَدِ الْمَذْكُورِ وَأَنَّهَا وَهَبَتْهُ لِابْنِهَا وَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ هَذَا فَهَلْ لَا تَمْضِي الْكِتَابَةُ وَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا تَمْضِي الْكِتَابَةُ وَلَا يُعْتَبَرُ الْإِقْرَارُ الْمَذْكُورُ أَمَّا الْكِتَابَةُ فَلِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ وَكُلُّ وَصِيَّةٍ لِوَارِثٍ بَاطِلَةٌ لِخَبَرِ «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَلِأَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ لِوَارِثٍ مُسَاوٍ لِغَيْرِهِ أَوْ أَقْرَبَ بَاطِلٌ كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّصُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ الشَّيْخُ حَسَنٌ الْجِدَّاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَنْ زَوْجَةٍ أَقَرَّتْ فِي صِحَّتِهَا بِأَنَّهَا قَبَضَتْ مِنْ زَوْجِهَا جَمِيعَ مَا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ ثُمَّ ادَّعَى وَارِثُهَا بَعْدَ مَوْتِهَا أَنَّهَا قَبَضَتْ بَعْضَ الدَّرَاهِمِ وَأَخَذَتْ فِي نَظِيرِ الْبَعْضِ الْآخَرِ نِصْفَ جَامُوسَةً فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ إنْ أَقَامَ عَلَيْهَا بَيِّنَةً بَعْدَ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي صِحَّتِهَا أَخَذْت جَمِيعَ دَيْنِي الَّذِي فِي ذِمَّةِ زَوْجِيِّ لَا يُعَارِضُ قَوْلَ وَارِثِهَا إنَّهَا قَبَضَتْ الْبَعْضَ وَأَخَذَتْ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ نِصْفَ الْجَامُوسَةِ فَإِذَا أَقَامَ الْوَارِثُ الْبَيِّنَةَ بِأَنَّ نِصْفَ الْجَامُوسَةِ أَخَذَتْهُ مِنْ أَصْلِ دَيْنِهَا صَدَقَ فِي دَعْوَاهُ وَقُضِيَ بِنِصْفِ الْجَامُوسَةِ لِلْمَرْأَةِ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا عَلَى مِلْكِ الزَّوْجِ وَأَنَّهَا اسْتَوْفَتْ دَيْنَهَا مِنْ غَيْرِهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ مَرِيضٍ لَهُ أَوْلَادٌ وَزَوْجَتَانِ فَأَقَرَّ لِإِحْدَاهُمَا الَّتِي يُتَّهَمُ بِمَحَبَّتِهَا بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ وَمَاتَ سَرِيعًا فَهَلْ الْإِقْرَارُ بَاطِلٌ وَلَوْ كَتَبَ بِذَلِكَ وَثِيقَةً أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟ فَأَجَابَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا أَحْمَدُ الصَّاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ أَقَرَّ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي يُتَّهَمُ عَلَى حُبِّهَا بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهَا بِدُونِ الْإِقْرَارِ وَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ الَّذِي أَقَرَّ فِيهِ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ وَيَكُونُ الْمَالُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ تَرِكَةً يُقَسَّمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ذِي دَيْنٍ أَبْرَأَ مَدِينَهُ مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِمَا أَبْرَأهُ مِنْهُ]
(وَسُئِلَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَنْ ذِي دَيْنٍ أَبْرَأَ مَدِينَهُ مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِمَا أَبْرَأهُ مِنْهُ فَهَلْ لَا يُجَابُ لِذَلِكَ لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِالْإِبْرَاءِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
(فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ) الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ أَبْرَأَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مَدِينَهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ سَقَطَ عَنْ ذِمَّتِهِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مُطَالَبَةٌ وَيُمْنَعُ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنْ أَبْرَأَ فُلَانًا أَوْ كُلَّ شَخْصٍ لَا شَخْصًا مَا وَلَمْ يُقَيِّدْ عَمَّمَ أَوْ سَكَتَ بَرِئَ مُطْلَقًا وَلَوْ مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ كَدَارٍ عَلَى الصَّوَابِ مِمَّا فِي الْخِطَابِ إلَّا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَقَطْعِ السَّرِقَة، بِخِلَافِ مَا لَهَا وَحَدِّ الْقَذْفِ
стр. 753
لَوْ بَلَغَ الْإِمَامَ إنْ أُرِيدَ السِّتْرُ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ بِشَيْءٍ وَلَوْ بِصَكِّ وَثِيقَةٍ إلَّا بِبَيِّنَةِ أَنَّهُ بَعْدَهُ وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِمَّا مَعَهُ بَرِئَ مِنْ الْأَمَانَةِ لَا الدَّيْنِ إلَّا لَعُرِفَ بِاسْتِعْمَالِ " مَعَ " فِي الذِّمَمِ كَأَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ غَيْرُ الدَّيْنِ عَلَى الْأَظْهَرِ " وَعَلَيَّ " كَعِنْدَ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَا يُبَرِّئْ عُمُومًا قَاضٍ نَاظِرَ الْوَقْفِ وَلَا وَصِيٌّ لِمَحْجُورِهِ وَلَا مَحْجُورُ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ رُشْدِهِ كَذَا فِي الْخَرَشِيِّ اهـ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ قَالَ هَذَا الْجَمَلُ أَوْ الْبَقَرَةُ أَوْ الْجَامُوسَةُ لِزَوْجَتِي فُلَانَةَ ثُمَّ قَالَ إنَّمَا قُلْت ذَلِكَ مُدَارَاةً مِنْ الْحَاكِمِ فَهَلْ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمَقَرُّ بِهِ مَعْرُوفًا لِلْمُقِرِّ فَلَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا تَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجَةُ الْمَقَرِّ لَهَا إلَّا بِإِشْهَادٍ بِصَدَقَةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ بَيْعٍ سَوَاءً ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ مَا ذَكَرَ مُدَارَاةً مِنْ الْحَاكِمِ أَوْ لَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الشَّيْءُ مَعْرُوفًا لَهُ فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ لَهَا مُدَارَاةً مِنْهُ فَلَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ أَيْضًا وَإِلَّا أُخِذَ بِهِ قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ وَالْإِقْرَارُ بِالْمَالِ وَغَيْرُهُ لَازِمٌ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الْإِكْرَاهِ وَالْخَوْفِ ثُمَّ قَالَ.
وَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ إذَا قَالَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ يُعْرَفُ لَهُ هَذَا كَرْمُ وَلَدِي أَوْ دَابَّةُ وَلَدِي فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يُسْتَحَقُّ مِنْهُ شَيْءٌ لِلِابْنِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا إلَّا بِإِشْهَادٍ بِصَدَقَةِ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ بَيْعٍ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَقَدْ يَكُونُ هَذَا كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ فِي الْوَلَدِ وَلَا الزَّوْجِ اهـ وَنَحْوَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَشُرَّاحِهِ فِي مَبْحَثِ الْهِبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ اشْتَرَتْ جَامُوسَةً بِحَضْرَةِ زَوْجِهَا وَجَمْعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَدَفَعَتْ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهَا فَسَأَلَ الْحَاضِرُونَ الزَّوْجَ هَلْ لَك فِيهَا شَيْءٌ فَقَالَ إنَّهَا تُشْتَرَى لِنَفْسِهَا خَاصَّةً فَقَالُوا لَهُ نَشْهَدُ عَلَيْك إنْ ادَّعَيْت خِلَافَ ذَلِكَ فَقَالَ اشْهَدُوا ثُمَّ لَمَّا كَثُرَ نِتَاجُ الْجَامُوسَةِ ادَّعَى أَنَّهَا مِلْكُهُ وَتَرَافَعَ مَعَ الْمَرْأَةِ لِلْقَاضِي وَادَّعَى كُلٌّ أَنَّ الشِّرَاءَ لَهُ فَطَلَبَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ فَأَحْضَرَتْ الْمَرْأَةُ بَيِّنَةً مِنْ بَلَدِ الشِّرَاءِ فَجَرَّحَهَا الزَّوْجُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ فَأَحْضَرَتْ بَيِّنَةَ الْإِقْرَارِ فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ أَقَرَّ خَوْفًا مِنْ الْحُكَّامِ فَحَكَمَ الْقَاضِي بِمُقْتَضَى دَعْوَاهُ وَأَبْطَلَ بَيِّنَةَ الْمَرْأَةِ فَهَلْ يَنْفُذُ ذَلِكَ الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ إقْرَارَ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ بِمَا ذَكَرَ كَانَ تُقْيَةً وَخَوْفًا مِنْ جَوْرِ الْحُكَّامِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ نَفَذَ حُكْمُهُ وَإِلَّا فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(وَسُئِلَ الْأُسْتَاذُ الدَّرْدِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَمَّنْ رَدَّ بَيْعَ وَارِثِهِ فِي غَيْبَتِهِ حِصَّتَهُ فِي نَخْلٍ بَعْدَ بَيْعِ بَعْضِ شُرَكَائِهِ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ بَاعَهَا لِآخَرَ ثُمَّ أَقَرَّ بِأَنَّهُ كَانَ أَمْضَى بَيْعَ وَارِثِهِ قَبْلَ رَدِّهِ فَهَلْ يُعْمَلُ بِإِقْرَارِهِ وَيُرَدُّ مَا أَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ وَبَاعَهُ لِمَنْ اشْتَرَاهُ أَوْ لَا أَوْ كَيْفَ الْحَالُ.
(فَأَجَابَ) الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا يُعْمَلُ بِإِقْرَارِ الرَّجُلِ ثَانِيًا أَنَّهُ كَانَ أَمْضَى بَيْعَ وَارِثِهِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيْ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى الْكَذِبِ لِنَقْضِ الْبَيْعِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ هَذِهِ الْوَثِيقَةَ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى أَرْبَعِينَ زَكِيبَةٍ قَمْحًا خَطُّهُ وَأَنَّ الْقَمْحَ عِنْدَهُ لَفُلَانٍ الْمُتَوَفَّى عَنْ وَرَثَةٍ ثُمَّ ادَّعَى دَفْعَهَا لِلْمُلْتَزِمِ تَحْتَ خَرَاج الْمُتَوَفَّى وَاحْتَجَّ بِدَفْتَرِ الْمُلْتَزِمِ وَلَيْسَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَهَلْ يُعْمَلُ بِالدَّفْتَرِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ شَرْعِيَّةٍ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَابَ الشَّيْخُ حَسَنٌ الْجِدَّاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَأَمَّا دَفْتَرُ
стр. 754
الْمُلْتَزِمِ فَلَا يَكْفِي فِي ثُبُوتِ الدَّفْعِ فَهُوَ إمَّا أَنْ يَثْبُتُ الدَّفْعُ وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ الْغِلَالَ لِوَرَثَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَوَافَقَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ لَهُ سِتَّةُ أَبْنَاءٍ ثَلَاثَةٌ كِبَارٌ مِنْ زَوْجَةٍ وَثَلَاثَةٌ صِغَارٌ مِنْ أُخْرَى وَقَدْ انْعَزَلَ الْكِبَارُ عَنْهُ وَلَهُ عَقَارٌ وَأَمْوَالٌ وَأَمْتِعَةٌ أَرَادَ حِرْمَانَ الْكِبَارِ فَأَقَرَّ بِأَنَّ الْعَقَارَ وَالْأَمْوَالَ وَالْأَمْتِعَةَ مِنْ كَسْبِ الصِّغَارِ وَكَتَبَ لَهُمْ بِذَلِكَ وَثِيقَةً فَهَلْ يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ وَتُخْتَصُّ الصِّغَارُ بِمَتْرُوكَاتِهِ أَوْ تُقَسَّمُ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ كَانَ هَذَا الْإِقْرَارُ فِي صِحَّتِهِ اُعْتُبِرَ وَاخْتُصَّ الصِّغَارُ بِمَتْرُوكَاتِهِ إنْ حَازُوهَا عَنْهُ قَبْلَ مَانِعِ الْهِبَةِ لِأَنَّهُ مِنْهَا وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إرَادَةُ حِرْمَانِ الْكِبَارِ وَإِلَّا لَمْ يُعْتَبَرْ وَقُسِّمَتْ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَبَاقِي وَرَثَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي جَوَابِ الْأُجْهُورِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ عَنْ بِنْتَيْنِ وَعَاصِبٍ وَتَرَكَتْ مَا يُوَرَّثُ تَحْتَ إحْدَى الْبِنْتَيْنِ فَاقْتَسَمَتَا شَيْئًا مِنْهُ وَصَالَحَتَا الْعَاصِبَ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَبَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ تَحْتَ يَدِ الْبِنْتِ ثُمَّ مَاتَتْ أُخْتُهَا عَنْ وَرَثَةِ غَيْرِهَا فَأَرَادُوا أَخْذَ مَا يَخُصُّهَا مِنْ الْبَاقِي فَأَنْكَرَتْهُ ثُمَّ أَقَرَّتْ بِهِ طَائِعَةً مُخْتَارَةً وَبَيَّنَتْهُ فَهَلْ إذَا أَنْكَرَتْهُ عِنْدَ الْمُحَاسَبَةِ لَا يُعْتَبَرُ إنْكَارُهَا وَلَهُمْ مُحَاسَبَتُهَا بِمَا بَاعَتْهُ وَمَا اسْتَغَلَّتْهُ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا يُعْتَبَرُ إنْكَارُهَا بَعْدَ إقْرَارِهَا فَلَهُمْ مُحَاسَبَتُهَا بِمَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ مَرِيضٍ مَرَضًا شَدِيدًا لَهُ زَوْجَةٌ مَشْهُورَةٌ بِمَحَبَّتِهِ لَهَا شُهْرَةً زَائِدَةً وَلَهُ ابْنٌ وَبِنْتَانِ مِنْ غَيْرِهَا أَقَرَّ لَهَا بِجَارِيَةٍ وَدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ وَلَا وَلَدَ لَهَا مِنْهُ وَمَاتَ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِيَوْمٍ فَهَلْ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لَهَا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لَهَا بِهِمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِاتِّهَامِهِ فِيهِ بِالْكَذِبِ لِمَحَبَّتِهِ لَهَا قَالَ الْخَرَشِيُّ وَإِنْ كَانَ يُحِبُّهَا وَيَمِيلُ إلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ لَهَا لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[أَقَرَّ فِي حَالِ صِحَّتِهِ لِأُمِّهِ بِدَيْنٍ ثُمَّ مَاتَ فَهَلْ إقْرَارُهُ صَحِيح]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ أَقَرَّ فِي حَالِ صِحَّتِهِ لِأُمِّهِ بِدَيْنٍ ثُمَّ مَاتَ فَهَلْ إقْرَارُهُ صَحِيحٌ وَلِأُمِّهِ طَلَبُهُ وَتُسْمَعُ دَعْوَاهَا بِهِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ إقْرَارُهُ صَحِيحٌ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهَا بِهِ فَإِنْ أَثْبَتَتْهُ بِالْبَيِّنَةِ وَحَلَفَتْ يَمِينَ الِاسْتِظْهَارِ فَلَهَا أَخْذُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ إنْ كَانَتْ وَالْمِيرَاثُ.
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْكَافِي كُلٌّ مَنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ أَوْ لِغَيْرِ وَارِثٍ فِي صِحَّتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِ وَالدُّيُونِ وَالْبَرَاءَاتِ وَقَبْضِ أَثْمَانِ الْمَبِيعَةِ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ عَلَيْهِ لَا يَلْحَقُهُ فِيهِ تُهْمَةٌ وَلَا يُظَنُّ بِهِ تَوْلِيجٌ وَالْأَجْنَبِيُّ وَالْوَارِثُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ وَالْعَدُوُّ وَالصِّدِّيقُ فِي الْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ سَوَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
стр. 755
مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ اشْتَرَى صَمَغًا كُلُّ قِنْطَارٍ بِكَذَا دِرْهَمًا وَتَوَلَّى وَزْنَهُ بِحَضْرَةِ الْبَائِعِ وَأَلْصَقَ بِكِفَّةِ الْمِيزَانَ الَّتِي فِيهَا الصَّنْجَةُ صَمْغًا مِنْ أَسْفَلِهَا لِتَثْقُلَ وَلَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِهِ وَلَمَّا أَتَمَّ الْوَزْنَ قَالَ لِلْبَائِعِ إنْ كَانَ زَادَ لَك شَيْءٌ فَسَامَحَنِي فَقَالَ سَامَحَتْك لِحُضُورِهِ وَعَدَمِ عِلْمِهِ بِالزِّيَادَةِ وَلَوْ عَلِمَ لَمْ يُسَامِحْهُ وَعَادَةُ أَهْلِ الْبَلَدِ قَوْلُ مُتَوَلِّي الْوَزْنِ بَعْدَ التَّمَامِ الْمُسَامَحَةَ وَلَوْ لَمْ يُزِدْ شَيْئًا ثُمَّ حَرَّرَ الْمُشْتَرَى زِيَادَةَ قِنْطَارَيْنِ فَوَجَدَهَا نِصْفَ قِنْطَارٍ وَكَتَبَ سُؤَالًا عَنْ حُكْمِ ذَلِكَ وَأَجَابَ عَنْهُ بِسُقُوطِ حَقِّ الْبَائِعِ مِنْ الزِّيَادَةِ بِمُسَامَحَتِهِ دُنْيَا وَآخِرَةً لِقَوْلِ الْمُخْتَصَرِ وَإِنْ أَبْرَأَ فُلَانًا مِمَّا لَهُ قِبَلَهُ أَوْ مِنْ كُلِّ حَقٍّ أَوْ أَبْرَأَهُ بَرِئَ مُطْلَقًا مُفَسِّرًا الْإِطْلَاقَ بِقَوْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ يَعْلَمُ لَهُ شَيْئًا أَمْ لَا وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُمْ قَائِلِينَ هَذِهِ خِيَانَةٌ وَفَسَادٌ وَإِسْقَاطُ حَقٍّ قَبْلَ وُجُوبِهِ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ الْمُسَامَحَةَ فِي أَمْرٍ يَعْلَمُ عَدَمَهُ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ وَعِبَارَةُ الْمُخْتَصَرِ فِيمَنْ عَلِمَ لَهُ حَقًّا عِنْدَ الْمُبَرَّإِ سَوَاءٌ عَلِمَ قَدْرَهُ أَمْ لَا حَقَّقَ عَلَيْهِ الدَّعْوَى أَمْ لَا دَيْنًا أَوْ سَرِقَةً، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْلَمْ لَهُ حَقًّا وَلَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ الْمُبَرَّأُ فَمَنْ أَيِّ شَيْءٍ يُبْرِئُ فَهَلْ الصَّحِيحُ عِنْدَكُمْ فَتْوَى الْأَوَّلِينَ أَوْ الْآخَرِينَ وَهَلْ إذَا أَقَرَّ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْمُسَامَحَةِ بِمَا ذُكِرَ تَنْفَعُهُ الْمُسَامَحَةُ وَلَا رُجُوعَ لِلْبَائِعِ عَلَيْك بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الصَّحِيحُ فَتْوَى الْأَوَّلِينَ وَقَوْلُ الْآخَرِينَ هَذِهِ خِيَانَةٌ وَفَسَادٌ مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ عَدَمُ سُقُوطِ حَقِّ الْبَائِعِ بِمُسَامَحَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ السَّرِقَةَ خِيَانَةٌ وَفَسَادٌ وَمَعَ ذَلِكَ يَسْقُطُ الْمَالُ الْمَسْرُوقُ عَنْ السَّارِقِ بِمُسَامَحَتِهِ وَقَوْلُهُمْ إسْقَاطُ حَقٍّ قَبْلَ وُجُوبِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ بَعْدَ وُجُوبِهِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ مَا طَلَبَ الْمُسَامَحَةَ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْوَزْنِ وَتَحَقُّقِ الْخِيَانَةِ مِنْهُ وَقَوْلُهُمْ لِأَنَّهُ طَلَبَ إلَخْ لَا يُنْتِجُ أَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ عَدَمُهُ وَقَوْلُهُمْ يَعْلَمُ عَدَمَهُ مَمْنُوعٌ بَلْ لَا يَعْلَمُهُ وَذَا أَعَمَّ مِنْ عِلْمِ عَدَمِهِ فَلَا يَلْزَمُ صِدْقُهُ فِيهِ فَالْبَائِعُ مُفَرِّطٌ بِتَعَجُّلِ الْمُسَامَحَةَ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا طَلَبَ الْمُشْتَرِي الْمُسَامَحَةَ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ كَلَامُ الْمُخْتَصَرِ فِيمَنْ عَلِمَ لَهُ حَقًّا إلَخْ مَمْنُوعٌ بَلْ فِيمَنْ لَهُ حَقٌّ سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَقَدْ نَصَّ شُرَّاحُهُ عَلَى صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ وَقَوْلُهُمْ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ لَهُ حَقًّا وَلَا أَقَرَّ بِهِ الْمُبَرَّأُ فَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يُبْرِئُ جَوَابُهُ يُبْرِئُ مِنْ الْحَقِّ الثَّابِتِ لَهُ نَفْسَ الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَتَصِحُّ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ قَالَ لَهُ إنْ كَانَ زَادَ لَك شَيْءٌ فَسَامَحَنِي فَقَالَ لَهُ سَامَحَتْك أَيْ مِنْ الزِّيَادَةِ إنْ كَانَتْ فَالْمُبْرَأُ مِنْهُ مَعْلُومُ النَّوْعِ لِلْبَائِعِ مَجْهُولُ الْقَدْرِ وَقَدْ قُلْتُمْ إنَّ جَهْلَ الْقَدْرِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِبْرَاءِ عَلَى أَنَّ قَوْلَكُمْ حَقَّقَ عَلَيْهِ الدَّعْوَى أَمْ لَا مُبْطِلٌ لِقَوْلِكُمْ كَلَامُهُ فِيمَنْ عَلِمَ لَهُ حَقًّا إذَا الْمُتَّهَمُ الَّذِي لَمْ يُحَقِّقُ الدَّعْوَى غَيْرُ عَالِمٍ أَنَّ لَهُ حَقًّا وَقَدْ صَحَّحْتُمْ بَرَاءَتَهُ.
وَإِذَا أَقَرَّ الْمُبَرَّأُ بِمَا فَعَلَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ بَعْدَ إبْرَائِهِ فَاَلَّذِي انْحَطَّ عَلَيْهِ كَلَامُ عَبْدِ الْبَاقِي فِي بَابِ الصُّلْحِ أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَنَصُّهُ قَالَ أَحْمَدُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ بَرَاءَةٌ أَمْ لَا وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ وَقَعَ الصُّلْحُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ فَلَا عِبْرَةَ بِهَا لِأَنَّهَا كَالصُّلْحِ وَإِنْ وَقَعَ لَا بِشَرْطِ الْبَرَاءَة ثُمَّ وَقَعَتْ فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ وَلَيْسَ لَهُ كَلَامٌ بَعْدَهَا اهـ وَصَدَّرَ بِهِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ فَقَالَ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ بَرِئَ أَوْ لَوْ أَقَرَّ الْمُبَرَّأُ بِالْفَتْحِ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ الْوَاقِعِ بَعْدَ إنْكَارِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا لِلْحَطَّابِ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرٍ قَوْلِهِ فِي الصُّلْحِ فَلَوْ أَقَرَّ بِهِ
стр. 756
بَعْدَهُ إلَى قَوْلِهِ فَلَهُ نَقْضُهُ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَشْمَلُ حُصُولَ إبْرَاءٍ بَعْدَ الْإِنْكَارِ وَقَبْلَ الْإِقْرَارِ وَبِهِ أَفْتَى الْبُرْهَانُ وَتِلْمِيذُهُ الشَّمْسُ اللَّقَانِيَّانِ فَيُعْمَلُ بِالْإِقْرَارِ الطَّارِئِ عَلَى الْإِبْرَاءِ بَعْدَ الْإِنْكَارِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ كَانَ ظَالِمًا بِإِنْكَارِهِ أَوْ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارٍ جَدِيدٍ فَيُقَيَّدُ مَا هُنَا بِعَدَمِ إقْرَارِ الْمُبَرَّإِ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ فَيُوَافِقُ مَا فِي الصُّلْحِ وَفَتْوَى اللَّقَانِيِّينَ اهـ وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْبُنَانِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِهِ فِي الصُّلْحِ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ عَبْدُ الْبَاقِي فِي الصُّلْحِ فَانْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسَائِلُ الْجِنَايَاتِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْجِنَايَاتِ (سُئِلَ شَيْخُنَا أَبُو يَحْيَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَنْ أَخَوَيْنِ ضَاعَ لَهُمَا عِجْلٌ فَسَعَيَا فِي طَلَبِهِ فَوَجَدَا عِجْلًا بِجِوَارِ بَلْدَةٍ غَيْرِ بَلْدَتِهِمَا فَأَرَادَا أَخْذَهُ فَتَعَرَّضَ لَهُمَا رَجُلٌ اسْمُهُ يُوسُف وَمَعَهُ أَوْلَادُ أُخْتِهِ فَتَقَاتَلُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعِجْل فَمَاتَ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ فَادَّعَى أَخُوهُ الْحَاضِرُ مَعَهُ أَنَّ يُوسُفَ قَتَلَهُ فَأَنْكَرَ وَقَالَ إنَّ الْمَيِّتَ ضَرَبَنِي بِنَبُّوتٍ فَانْكَبَبْت عَلَى وَجْهِي وَلَمَّا أَفَقْت وَجَدْته مَيِّتًا وَأَوْلَادُ أُخْتِي حَوْلِي فَهُمْ الْقَاتِلُونَ لَهُ فَصَدَّقَهُ أَخُو الْمَيِّتِ فِي ذَلِكَ وَقَالَ أَوْلَادُ الْأُخْتِ بَلْ خَالُنَا هُوَ الْقَاتِلُ لَهُ وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إنْ كَانَ الْعِجْلُ مِلْكًا لِيُوسُف وَمِنْ مَعَهُ، وَالْأَخَوَانِ يُرِيدَانِ أَخْذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُمَا إلَّا بِالْقَتْلِ فَالْقَتِيلُ هَدَرٌ لِأَنَّهُ صَائِلٌ وَإِنْ كَانَ عِجْلُ الْأَخَوَيْنِ، وَيُوسُفُ وَمَنْ مَعَهُ مُتَعَدُّونَ عَلَيْهِمَا فَهُمْ مُتَمَالِئُونَ عَلَى الْقَتْلِ يُقْتَلُونَ جَمِيعًا إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا قَاتِلَ غَيْرُهُمْ وَالْمُبَاشِرُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ وَلَا شَيْءَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَحْسَنُ مِنْ الصُّلْحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَقُولُ كَوْنُ الْعِجْلِ لِلْأَخَوَيْنِ لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ السُّؤَالِ بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا فَسَقَطَ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي وَمَا بُنِيَ عَلَيْهِ وَتَوَقُّفُ الدَّفْعِ عَلَى الْقَتْلِ خِلَافُ الْأَصْلِ وَلَيْسَ فِي السُّؤَالِ مَا يُشِيرُ إلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ اللَّوْثِ يُعَيِّنُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ شَخْصًا مِنْ الْمَتْهُومِينَ وَيُقْسِمُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَقْتَصُّونَ مِنْهُ إنْ شَاءُوا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا يُفْعَلُ فِي بِلَادِنَا فِي اللَّيَالِي كَاللَّيْلَةِ الَّتِي تُدْعَى بِلَيْلَةِ النَّجَّارِ وَكَلَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ وَلَيْلَةِ بَنِي حَمِيلٍ وَلَيْلَةِ الْأَمِيرِ ضِرَارٍ وَلَيْلَةِ الْعَشْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ اللَّيَالِي الْمَشْهُورَةِ مِنْ اجْتِمَاعِ جُلِّ الْقَبَائِلِ وَلَعِبِهِمْ فِيهَا بِالْخَيْلِ فِي مَيْدَانٍ ذِي مَبْدَأٍ وَغَايَة مَعْلُومِينَ فَهَلْ إذَا ضَرَبَ أَحَدُهُمْ آخَرَ بِالْجَرِيدِ الْأَخْضَرِ الْمَجْعُولِ لَهُمْ كَالسِّهَامِ فَفَقَأَ عَيْنَهُ أَوْ كَسَرَ عَظْمَهُ أَوْ قَتَلَهُ يُقْتَصُّ مِنْ الرَّامِي أَوْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَحْدَهُ وَهَلْ إذَا أَصَابَ الْجَرِيدُ بَعْضَ الْحَاضِرِينَ لِلْفُرْجَةِ يَلْزَمُ الرَّامِيَ أَوْ الِاثْنَيْنِ الْمُتَسَابِقَيْنِ وَكَذَا مَا يَطْرَأُ فِي الْأَفْرَاحِ مِنْ ضَرْبِ الْبُنْدُقِ مِنْ قَتْلِ بَعْضِ النَّاسِ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَضِّحُوا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ هَذِهِ الْجَنَابَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأَوَّلِيَّيْنِ مُلْحَقَةٌ بِالْخَطَأِ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّامِي إنْ بَلَغَ الْوَاجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَأَعْلَى وَإِلَّا فَعَلَيْهِ وَحْدَهُ وَنَصَّ الْمَجْمُوعِ وَضَرْبُ اللَّعِبِ بِآلَتِهِ خَطَأٌ انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ فِي الْخَرَشِيِّ وَحَاشِيَتِهِ وَفِي نَوَازِلِ الْأُجْهُورِيِّ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَشْهُورُ مَذْهَبِهِ فِي الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ إنَّ حُكْمَ
стр. 757
مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ حُكْمُ الْخَطَأِ فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الدِّيَةَ فِيمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ عَلَى الْعَاقِلَةِ انْتَهَى بِتَصَرُّفٍ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ فَإِنْ قَصَدَ الرَّامِي شَخْصًا مُعَيَّنًا مَعْصُومًا وَأَصَابَتْهُ الرَّمْيَةُ فَهَذَا عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ مِنْ الرَّامِي اتِّفَاقًا بِشَرْطِهِ وَإِنْ أَصَابَتْ غَيْرَهُ فَفِيهِ خِلَافٌ صَدَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ عَمْدٌ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْحَطَّابُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ إنَّهُ مِنْ الْخَطَأِ أَفَادَهُ الشَّيْخُ الْأُجْهُورِيُّ فِي نَوَازِلِهِ وَإِنْ قَصَدَ الرَّامِي الْهَوَاءَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا مَعْصُومًا فَهَذَا خَطَأُ دِيَةِ النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ الْبَالِغَةِ ثُلُثًا فَأَعْلَى عَلَى الْعَاقِلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى الرَّامِي وَحْدَهُ وَعَلَى الْحَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ أَحْوَالِ الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ يُحْمَلُ قَوْل ابْنِ سَلَمُونَ وَقَالَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو رِزْقٍ يَقُولُ فِي هَؤُلَاءِ الْفُرْسَانِ الَّذِينَ يَلْعَبُونَ فِي الْمَلَاعِبِ وَالْأَعْيَادِ أَنَّهُ إنْ أَصَابَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ آخَرَ فَجَرَحَهُ أَوْ قَتَلَهُ أَنَّهُ يُحْكَمُ فِيهِ بِحُكْمِ الْعَمْدِ لَا حُكْمِ الْخَطَأِ أَخْبَرْت بِذَلِكَ عَنْهُ وَكَأَنِّي سَمِعَتْهُ اهـ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي جَمَاعَةٍ يُدْعَوْنَ بِمَشَايِخِ الطَّوَائِفِ كَالْحَفْنَاوِيِّ وَالسَّمَّانِيَّةِ وَالشَّاذِلِيَّةِ والنقشبندية وَالْأَحْمَدِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ يَسْلُكُونَ الْحِلَقَ وَيَجْعَلُونَ لَهُمْ بِدَايَاتٍ مَعْرُوفِينَ وَلَا يَتَجَاوَزُ أَحَدُهُمْ الْآخَرَ وَيَقَعُ بَيْنَهُمْ تَشَاجُرٌ فَإِذَا قَتَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا فَهَلْ يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاتِلِ وَحْدَهُ أَوْ مِنْ شَيْخِ الطَّائِفَةِ وَيَجْعَلُونَ لَهُمْ عَلَى النَّاسِ عَادَاتٍ فَهَلْ هِيَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَيْضًا الْبِدَايَاتُ يَكْبِسُونَهُمْ وَهَذَا يُدْعَى عِنْدَهُمْ بِالسُّرُوحِ وَيَلْتَفُّ مَعَهُ فِي لِحَافٍ وَيَخْتَلِي مَعَهُ وَيَكْشِفُ دُبُرَ الْوَلَدِ وَيَجْعَلُهُ عَلَى قُبُلِهِ وَلَا يَنْتَصِبُ وَيَعُدُّهُ كَرَامَةً فَمَا الْحُكْمُ وَضِّحُوا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاتِلِ وَحْدَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَأُخِذَتْ الْعَادَاتُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَمَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ اللِّوَاطُ بِقَانُونِهِ الشَّرْعِيِّ يُرْجَمُ وَالِالْتِفَافُ وَالْخَلْوَةُ وَكَشْفُ الدُّبُرِ وَالْجَعْلُ الْمَذْكُورَاتُ حُرْمَتُهَا إجْمَاعِيَّةٌ ضَرُورَةً يُكَفَّرُ مُنْكِرُهَا وَغَيْرُهُ يُبَالَغُ فِي تَأْدِيبِهِ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَا اشْتَهَرَ عِنْدَنَا فِي اللَّيَالِي مِنْ جَمْعِ مُغَنِّينَ يُغَنُّونَ فِي جَمْعٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ بِالْفُقَرَاءِ وَصُحْبَتُهُمْ بِدَايَاتُهُمْ وَبَيَارِقُهُمْ وَكَاسَاتُهُمْ فَهَلْ هَذَا حَرَامٌ أَوْ فِيهِ وَعْظٌ لِلْعَوَامِّ وَهِدَايَةٌ لِدِينِهِمْ وَنُصْرَةٌ لِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ هَذَا حَرَامٌ وَفِيهِ إضْلَالٌ لِلْعَوَامِّ عَنْ دِينِهِمْ وَخِذْلَانٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِتَعْطِيلِهِ عَنْ أُمُورِ الدِّينِ وَإِيجَابِهِ اسْتِهْزَاءَ وَشَمَاتَةَ الْكَافِرِينَ قَالَ فِي الْمَدْخَلِ لَا شَكَّ أَنَّ مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ مِنْ هَذَا السَّمَاعِ الْمَوْجُودِ بَيْنَ النَّاسِ مُخَالِفٌ لِسَمَاعِ الصُّوفِيَّةِ لِاحْتِوَائِهِ عَلَى أَشْيَاءَ مُحَرَّمَاتٍ أَوْ مَكْرُوهَاتٍ أَوْ هُمَا مَعًا إذْ جَمَعُوا فِيهِ بَيْنَ الدُّفِّ وَالشَّبَّابَةِ وَالتَّصْفِيقِ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ التَّصْفِيقَ إنَّمَا هُوَ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ كَمَا مُنِعَتْ الْآلَاتُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا وَبَعْضُهُمْ نَسَبَ جَوَازَ ذَلِكَ لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَقَدْ سُئِلَ الْمُزَنِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْهُ وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقِيلَ لَهُ مَا تَقُولُ فِي الرَّقْصِ عَلَى الطَّارِّ
стр. 758
وَالشَّبَّابَةِ فَقَالَ هَذَا لَا يَجُوزُ فِي الدِّينِ فَقَالُوا أَمَا جَوَّزَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَأَنْشَدَ الْمُزَنِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
حَاشَا الْإِمَامِ الشَّافِعِيَّ النَّبِيهِ ... أَنْ يَرْتَضِي غَيْرَ مَعَانِي نَبِيهِ
أَوْ يَتْرُكَ السُّنَّةَ فِي نُسُكِهِ ... أَوْ يَبْتَدِعْ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ فِيهِ
أَوْ يَبْتَدِعَ طَارًّا وَشَبَّابَةً ... لِنَاسِكٍ فِي دِينِهِ يَقْتَدِيهِ
الضَّرْبُ بِالطَّارَّاتِ فِي لَيْلَةٍ ... وَالرَّقْصُ وَالتَّصْفِيقُ فِعْلُ السَّفِيهِ
هَذَا ابْتِدَاعٌ وَضَلَالٌ فِي الْوَرَى ... وَلَيْسَ فِي التَّنْزِيلِ مَا يَقْتَضِيهِ
وَلَا حَدِيثٍ عَنْ نَبِيِّ الْهُدَى ... وَلَا صَحَابِيٍّ وَلَا تَابِعِيهِ
بَلْ جَاهِلٌ يَلْعَبُ فِي دِينِهِ ... قَدْ ضَيَّعَ الْعُمْرَ بِلَهْوٍ وَتِيهِ
وَرَاحَ فِي اللَّهْوِ عَلَى رِسْلِهِ ... وَلَيْسَ يَخْشَى الْمَوْتَ إذْ يَعْتَرِيهِ
إنَّ وَلِيَّ اللَّهِ لَا يَرْتَضِي ... إلَّا بِمَا اللَّهُ بِهِ يَرْتَضِيهِ
وَلَيْسَ يُرْضِي اللَّهَ لَهُوَ الْوَرَى ... بَلْ يَمْقُتُ اللَّهُ بِهِ فَاعِلِيهِ
بَلْ بِصِيَامٍ وَقِيَامٍ فِي الدُّجَى ... وَآخِرِ اللَّيْلِ لِمُسْتَغْفِرَيْهِ
إيَّاكَ تَغْتَرَّ بِأَفْعَالِ مَنْ ... لَا يَعْرِفُ الْعِلْمَ وَلَا يَبْتَغِيهِ
قَدْ أَكَلُوا الدُّنْيَا بِدِينٍ لَهُمْ ... وَلَبَّسُوا الْأَمْرَ عَلَى جَاهِلِيهِ
جَهْلٌ وَطَيْشٌ فِعْلُهُمْ كُلُّهُ ... وَكُلُّ مَنْ دَانَ بِهِ نَزْدَرِيهِ
شِبْهُ نِسَاءٍ جَمَعُوا مَأْتَمًا ... فَقُمْنَ فِي النَّدْبِ عَلَى مَيِّتِيهِ
وَالضَّرْبُ فِي الصَّدْرِ كَمَا قَدْ تَرَى ... لَيْسَ لَهُمْ غَيْرُ النَّسَا مِنْ شَبِيهِ
أَنْكِرْ عَلَيْهِمْ إنْ تَكُنْ قَادِرًا ... فَهُمْ رِجَالُ إبْلِيسَ لَا شَكَّ فِيهِ
وَلَا تَخَفْ فِي اللَّهِ مِنْ لَائِمٍ ... وَفَّقَك اللَّهُ لِمَا يَرْتَضِيهِ
اهـ.
ثُمَّ قَالَ فِي الْمَدْخَلِ سُئِلَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا يَقُولُ سَيِّدِي الْفَقِيهُ فِي مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ وَاعْلَمْ حَرَسَ اللَّهُ مُدَّتَك أَنَّهُ مِنْ رِجَالٍ فَيُكْثِرُونَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَذِكْرِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٌ ﷺ ثُمَّ أَنَّهُمْ يُوقِعُونَ بِالْقَضِيبِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَدِيمِ وَيَقُومُ بَعْضُهُمْ يَرْقُصُ وَيَتَوَاجَدُ حَتَّى يَقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَيُحْضِرُونَ شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ هَلْ الْحُضُورُ مَعَهُمْ جَائِزٌ أَمْ لَا أَفْتَوْنَا يَرْحَمْكُمْ اللَّهُ.
الْجَوَابُ يَرْحَمُك اللَّهُ مَذْهَبُ الصُّوفِيَّةِ بَطَالَةٌ وَجَهَالَةٌ وَضَلَالَةٌ وَمَا الْإِسْلَامُ إلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا الرَّقْصُ وَالتَّوَاجُدُ فَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ أَصْحَابُ السَّامِرِيِّ لَمَّا اتَّخَذَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ قَامُوا يَرْقُصُونَ حَوَالَيْهِ وَيَتَوَاجَدُونَ فَهُوَ دِينُ الْكُفَّارِ وَعُبَّادِ الْعِجْلِ.
وَأَمَّا الْقَضِيبُ فَأَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَهُ الزَّنَادِقَةُ لِيَشْغَلُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا كَانَ يَجْلِسُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ مِنْ الْوَقَارِ فَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ وَنُوَّابِهِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ الْحُضُورِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُمْ وَيُعِينَهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
стр. 759
وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، ثُمَّ قَالَ فِي الْمَدْخَلِ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ نَحْوَ كُرَّاسٍ فَصْلٌ: وَيُقَالُ إنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ تُضِيفُ إلَى مَا هِيَ فِيهِ مِنْ الْبَاطِلِ اسْتِحْضَارَ الْمُرْدِ فِي مَجَالِسِهِمْ وَالنَّظَرَ فِي وُجُوهِهِمْ وَرُبَّمَا زَيَّنُوهُمْ بِالْحُلِيِّ وَالْمُصْبَغَاتِ مِنْ الثِّيَابِ وَتَزْعُمُ أَنَّهَا تَقْصِدُ بِذَلِكَ الِاسْتِدْلَالَ بِالصَّنْعَةِ عَلَى الصَّانِعِ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْقُشَيْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ مِنْ رُؤَسَاءِ وَطَائِفَتِهِمْ قَوْلًا عَظِيمًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَكَشْفِ فَضَائِحِهِمْ وَمَنْ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَبْدٌ أَهَانَهُ اللَّهُ وَخَذَلَهُ وَكَشَفَ عَوْرَتَهُ وَأَبْدَى سَوْأَتَهُ فِي الْعَاجِلِ وَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ سُوءُ الْمُنْقَلَبِ فِي الْآجِلِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ أَوْ مَمْلُوكَتَهُ فَلَيْسَ مِنَّا» .
خَبَّبَ أَيْ أَفْسَدَ وَخَدَعَ وَأَصْلُهُ مِنْ الْخِبِّ وَهُوَ الْخِدَاعُ وَيُقَالُ فُلَانٌ خِبٌّ هِبٌّ إذَا كَانَ فَاسِدًا مُفْسِدًا قَالَ الْوَاسِطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الصُّوفِيَّةِ إذَا أَرَادَ اللَّهُ هَوَانَ عَبْدٍ أَلْقَاهُ إلَى هَؤُلَاءِ لَأَنْتَانِ الْجِيَفِ أَوْ لَمْ تَسْمَعُوا إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] «وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁ لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّمَا لَك الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَك الْآخِرَةُ» وَقَالَ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ بَعْضُ التَّابِعِينَ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُحِدَّ الرَّجُلُ النَّظَرَ إلَى الْغُلَامِ الْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ الْوَجْهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لِلشَّيْطَانِ مِنْ الرَّجُلِ ثَلَاثَةُ مَنَازِلَ فِي نَظَرِهِ وَقَلْبِهِ وَذَكَرِهِ وَقَالَ عَطَاءٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلُّ نَظْرَةٍ يَهْوَاهَا الْقَلْبُ لَا خَيْرَ فِيهَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَبِثَ بِغُلَامٍ بَيْنَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ يُرِيدُ الشَّهْوَةَ لَكَانَ لِوَاطًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تُجَالِسُوا أَبْنَاءَ الْأَغْنِيَاءِ فَإِنَّ لَهُمْ صُوَرًا كَصُوَرِ النِّسَاءِ وَهُمْ أَشَدُّ فِتْنَةً مِنْ الْعَذْرَاءِ قَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ مَا أَنَا بِأَخْوَفَ مِنْ الشَّابِّ النَّاسِكِ مِنْ سَبُعٍ ضَارٍ عَلَيْهِ مِنْ الْغُلَامِ الْأَمْرَدِ يَقْعُدُ إلَيْهِ وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ ﵃ اللُّوطِيَّةُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ صِنْفٌ يَنْظُرُونَ وَصِنْفٌ يُصَافِحُونَ وَصِنْفٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ الْعَمَلَ وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَاءَ إلَيْهِ رَجُلٌ وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ حَسَنُ الْوَجْهِ فَقَالَ لَا تَجِئْنِي بِهِ فِي مَرَّةٍ أُخْرَى فَقِيلَ إنَّهُ ابْنُهُ وَهُمَا مَسْتُورَانِ فَقَالَ عَلِمْت وَلَكِنْ عَلَى رَأْيِ أَشْيَاخِنَا وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةٍ فَجَاءَهُ غُلَامٌ حَدَثٌ لِيَجْلِسَ إلَيْهِ فَأَجْلَسَهُ مِنْ خَلْفِهِ انْتَهَى بَعْضُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
[تَعَرَّضَ لِشَخْصِ فِي مَحِلّ مُظْلِمٍ وَصَرَخَ فِي وَجْهِهِ فَمَاتَ أَوْأَوْرَثَهُ فِي عَقْلِهِ خَلَلًا]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ تَعَرَّضَ لِشَخْصٍ فِي مَحِلٍّ مُظْلِمٍ وَصَرَخَ فِي وَجْهِهِ فَمَاتَ أَوْ أَوْرَثَهُ فِي عَقْلِهِ خَلَلًا فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ سُقُوطٍ اُقْتُصَّ مِنْ الصَّارِخِ بِلَا قَسَامَةٍ وَإِنْ سَقَطَ وَمَاتَ اُقْتُصَّ مِنْهُ بِقَسَامَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّ مَوْتَهُ مِنْ سُقُوطٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِيمَنْ طَلَبَ شَخْصًا وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ وَمَسْأَلَةِ مَنْ رَمَى شَخْصًا عَلَى حَائِطٍ فَحَادَ فَسَقَطَ مَاتَ.
وَفِي الْمَجْمُوعِ، وَأَمَّا الْقَتْلُ بِالْحَالِ فَفِي عَبْدِ الْبَاقِي وَغَيْرِهِ الْقِصَاصُ قِيَاسًا عَلَى الْعَائِنِ الْمُجَرَّبِ وَاسْتَبْعَدَهُ
стр. 760
الْبُنَانِيُّ اهـ قَالَ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ لِأَنَّ الْحَالَ يَخْفَى ضَبْطُهُ، بِخِلَافِ الْعَائِنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ وَإِنْ أَوْرَثَهُ خَلَلًا فِي عَقْلِهِ بِصُرَاخِهِ عَلَيْهِ بَغْتَةً فِي مَحِلٍّ مُظْلِمٍ فَإِنْ أَمْكَنَ فِعْلُ حِيلَةٍ بِالصَّارِخِ يَخْتَلُّ بِهَا عَقْلُهُ فُعِلَتْ وَإِلَّا غَرِمَ الدِّيَةَ مِنْ مَالِهِ بِحَسَبِ مَا ذَهَبَ مِنْ عَقْلِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالدِّيَةُ فِي الْعَقْلِ أَوْ السَّمْعِ أَوْ الْبَصَرِ أَوْ النُّطْقِ أَوْ الصَّوْتِ أَوْ الذَّوْقِ أَوْ قُوَّةِ الْجِمَاعِ أَوْ نَسْلِهِ أَوْ تَجْذِيمِهِ أَوْ تَبْرِيصِهِ أَوْ تَسْوِيدِهِ أَوْ قِيَامِهِ وَجُلُوسِهِ قَالَ الْخَرَشِيُّ يَعْنِي أَنَّ مَنْ ضَرَبَ شَخْصًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَذَهَبَ عَقْلُهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً وَقَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ اللَّخْمِيُّ وَلَوْ جُنَّ مِنْ الشَّهْرِ يَوْمًا كَانَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ ثَلَاثِينَ جُزْءًا مِنْ الدِّيَةِ وَإِنْ جُنَّ النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ أَوْ بِالْعَكْسِ كَانَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتِّينَ جُزْءًا اهـ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا وَمَا بَعْدَهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حُرًّا أَمَّا لَوْ كَانَ عَبْدًا فَإِنَّمَا عَلَى الْجَانِي مَا نَقَّصَهُ فَقَطْ وَكَذَلِكَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِشَخْصٍ فِعْلًا فَذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ بَصَرُهُ أَوْ نُطْقُهُ ثُمَّ قَالَ وَكَذَلِكَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِشَخْصٍ فِعْلًا ذَهَبَ بِسَبَبِهِ ذَوْقُهُ وَكَذَلِكَ تَجِب الدِّيَةُ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِشَخْصٍ فِعْلًا ذَهَبَ بِسَبَبِهِ قُوَّةُ جِمَاعِهِ أَوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا ذَهَبَ بِهِ نَسْلُهُ أَوْ حَصَلَ بِسَبَبِهِ تَجْذِيمُهُ أَوْ تَبْرِيصُهُ أَوْ تَسْوِيدُهُ وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِشَخْصٍ فِعْلًا ذَهَبَ بِسَبَبِهِ قِيَامُهُ مَعَ جُلُوسِهِ اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ وَلَا خَفَاءَ فِي شُمُولِ الْفِعْلِ لِلتَّخْوِيفِ وَقَدْ صَرَّحُوا فِي مَسْأَلَةِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْحَامِلِ بِأَنَّ التَّخْوِيفَ كَالضَّرْبِ وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ وَالتَّخْوِيفُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالشَّتْمُ كَالضَّرْبِ اهـ.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَإِذَا ضُرِبَتْ الْعَيْنُ فَذَهَبَ بَصَرُهَا وَبَقِيَ جَمَالُهَا فَفِيهَا عَقْلُهَا خَمْسُمِائَةٍ وَلَا قَوْدَ فِيهَا وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ مِنْهَا عَمْدًا لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الْقَوْدِ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْيَدُ إذَا شُلَّتْ وَلَمْ تُبَنْ وَكَذَلِكَ اللِّسَانُ إذَا أُخْرِسَ وَلَمْ يُقْطَعْ هَذِهِ سَبِيلُ كُلِّ مَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يُبَنْ عَنْ جُثْمَانِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَبَقِيَ جَمَالُهُ وَإِنْ كَانَ مَعِيبًا فَفِيهِ عَقْلُهُ كَامِلًا وَلَا قَوْدَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا وَيُؤَدَّبُ الْجَانِي مَعَ أَخْذِ الْعَقْلِ مِنْهُ وَإِذَا طَرَفَ رَجُلٌ عَيْنَ رَجُلٍ فَأَدْمَعَهَا أَوْ ضَرَبَ سِنَّةُ فَحَرَّكَهَا أَوْ ضَرَبَ يَدَهُ فَأَوْهَنَهَا اُسْتُؤْنِيَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ سَنَةً فَمَا آلَ إلَيْهِ أَمْرُ الْعَيْنِ وَالسِّنِّ وَالْيَدِ بَعْدَ السَّنَةِ حُكِمَ بِذَلِكَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ اهـ نَقَلَهُ الْحَطَّابُ شَارِحًا بِهِ قَوْلَ الْمُخْتَصَرِ وَإِنْ ذَهَبَ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ فَإِنْ اُسْتُطِيعَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَالْعَقْلُ كَأَنَّهُ شُلَّتْ يَدُهُ بِضَرْبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ تَزَوَّجَ بِكْرًا فَأَفْضَاهَا فَمَا يَلْزَمُهُ.
أَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْإِفْضَاءِ قَوْلَانِ حُكُومَةٌ أَوْ دِيَةٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْقَوْلُ بِالْحُكُومَةِ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْقَوْلُ بِالدِّيَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ وَعَلَّلَهُ ابْنُ شَعْبَانَ بِأَنَّهُ يَمْنَعُهَا مِنْ اللَّذَّةِ وَلَا تُمْسِكُ الْوَلَدَ وَلَا الْبَوْلَ إلَى الْخَلَاءِ وَلِأَنَّ مُصِيبَتَهَا أَعْظَمُ مِنْ الشَّفْرَيْنِ وَقَدْ نَصُّوا عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِيهِمَا اهـ نَقَلَهُ الْبُنَانِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَسَائِلِ النِّكَاحِ أَنَّ الْإِفْضَاءَ لَا يَنْدَرِجُ فِي الْمَهْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[عَمِلَ فِي الطَّرِيقِ الْمَعْهُودِ بُؤْرَةً وَغَطَّاهَا بِالتُّرَابِ فَعَثَرَتْ دَابَّةٌ فِيهَا فَحَصَلَ لَهَا خَلَلٌ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ عَمِلَ فِي الطَّرِيقِ الْمَعْهُودِ بُؤْرَةً وَغَطَّاهَا بِالتُّرَابِ فَعَثَرَتْ دَابَّةٌ فِيهَا فَحَصَلَ لَهَا خَلَلٌ فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، يَضْمَنُ أَرْشَ الْخَلَلِ
стр. 761
الْحَاصِلِ لِلدَّابَّةِ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَكَحَفْرِ بِئْرٍ قَالَ الْخَرَشِيُّ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا وَفِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ لَهُ حَفْرُهَا فِيهِ كَطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَقَصَدَ بِذَلِكَ الضَّرَرَ لِهَلَاكِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَهَلَكَ فِيهَا ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ فَإِنْ هَلَكَ فِيهَا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ إنْ كَانَ حُرًّا أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ عَبْدًا اهـ قَالَ الْعَدَوِيُّ اعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِحَفْرِهَا ضَرَرًا فَإِنْ حَفَرَهَا فِي مَحِلٍّ لَا يَجُوزُ لَهُ كَالطَّرِيقِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا لِأَنَّ فِعْلَهَا فِي الطَّرِيقِ يُحْمَلُ عَلَى قَصْدِ الضَّرَرِ وَإِنْ كَانَ فِي مَحِلٍّ يَجُوزُ لَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ حَفَرَهَا بِقَصْدِ الضَّرَرِ وَلَوْ فِي مَحِلٍّ يَجُوزُ لَهُ فَإِنْ حَفَرَهَا لِإِهْلَاكِ شَخْصٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا هَلَكَ فِيهَا غَيْرُ آدَمِيٍّ وَإِنْ حَفَرَهَا لِإِهْلَاكِ سَارِقٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَهَلَكَ فِيهَا غَيْرُ آدَمِيٍّ فَالظَّاهِرُ الضَّمَانُ وَإِنْ حَفَرَهَا لِإِهْلَاكِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ فَإِنْ هَلَكَ ذَلِكَ الشَّخْصُ اُقْتُصَّ مِنْهُ وَإِنْ هَلَكَ غَيْرُهُ ضَمِنَ دِيَتَهُ وَإِنْ حَفَرَهَا لِمَنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ كَحَفْرِهَا فِي بَيْتِهِ أَوْ حَائِطِهِ لِكَسَبُعٍ فَلَا يَضْمَنُ مَا هَلَكَ فِيهَا مِنْ آدَمِيٍّ سَارِقٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا حَوْلَ زَرْعِهِ لِمَنْعِ الدَّوَابِّ عَنْهُ خَشْيَةَ أَنْ تُفْسِدَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ حَفَرَهَا لِإِتْلَافِ دَوَابِّ النَّاسِ ضَمِنَ هَذَا مَا ذَكَرُوهُ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[كَبَّ مَاءً فِي الطَّرِيقِ فَزَلِقَتْ فِيهِ دَابَّةٌ فَحَصَلَ لَهَا خَلَلٌ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ كَبَّ مَاءً فِي الطَّرِيقِ فَزَلِقَتْ فِيهِ دَابَّةٌ فَحَصَلَ لَهَا خَلَلٌ فَمَا الْحُكْمُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يَضْمَنُ أَرْشَ الْخَلَلِ الْحَاصِلِ لِلدَّابَّةِ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَوَضْعِ مُزْلِقٍ بِطَرِيقٍ قَالَ الْخَرَشِيُّ وَكَذَلِكَ يُقْتَصُّ مِمَّنْ وَضَعَ مَا يُزْلِقُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ كَقُشُورِ بِطِّيخٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَصَدَ بِذَلِكَ الضَّرَرَ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَهَلَكَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ، وَأَمَّا إنْ هَلَكَ غَيْرُهُ فَالدِّيَةُ اهـ الْعَدَوِيُّ، قَوْلُهُ مَا يُزْلِقُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ كَرَشِّ وَوَضْعِ قِشْرِ بِطِّيخٍ، حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا فَعَلَهُ فِي الطَّرِيقِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الضَّرَرَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَصْدِ الضَّرَرِ وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مَحِلٍّ يَجُوزُ لَهُ فَإِنْ قَصَدَ إتْلَافَ آدَمِيٍّ بِعَيْنِهِ مُحْتَرَمٍ وَتَلِفَ اُقْتُصَّ مِنْهُ وَإِنْ تَلِفَ غَيْرُهُ أَوْ فَعَلَهُ لِإِتْلَافِ سَارِقٍ لَا بِعَيْنِهِ أَوْ لِإِتْلَافِ مَا لَا يَجُوزُ إتْلَافُهُ وَتَلِفَ بِهِ آدَمِيٌّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ دِيَتَهُ وَإِنْ فَعَلَهُ لِإِتْلَافِ مَا يَجُوزُ إتْلَافُهُ فَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ اهـ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي طَائِفَتَيْنِ اقْتَتَلَتَا فَقُتِلَ مِنْ إحْدَاهُمَا رَجُلٌ وَقَدْ سَبَقَتْ لَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ مُقَاتَلَةٌ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَشَهِدَ جَمَاعَةٌ مِنْ طَائِفَةٍ الْمَقْتُولِ بِأَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى قَتَلَاهُ فَهَلْ لَا تُقْبَلُ تِلْكَ الشَّهَادَةُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ لَا تُقْبَلُ تِلْكَ الشَّهَادَةُ لِمَانِعِي الْعَدَاوَةِ وَالْفِسْقِ إنْ كَانَ الشُّهُودُ مِمَّنْ حَضَرَ الْقِتَالَ يَوْمًا وَلِمَانِعِ الْعَدَاوَةِ فَقَطْ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَمْ يَحْضُرْهُ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَأَمَّا شَاهِدٌ مِنْ طَائِفَةِ الْمَقْتُولِ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ قَبُولِهِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ اقْتَتَلُوا فَانْكَشَفُوا وَبَيْنَهُمْ قَتِيلٌ أَوْ جَرِيحٌ لَا يُدْرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ أَنَّ فِيهِ الْعَقْلَ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ نَازَعُوا
стр. 762
وَإِنْ كَانَ الْقَتِيلُ أَوْ الْجَرِيحُ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيقَيْنِ فَعَقْلُهُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ مَعًا وَفِيهَا لَيْسَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَسَامَةٌ.
الْجَلَّابُ إنْ اقْتَتَلَتْ فِئَتَانِ ثُمَّ افْتَرَقَتَا عَنْ قَتِيلٍ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا قَوْدَ فِيهِ وَدِيَتُهُ عَلَى الْفِئَةِ الَّتِي نَازَعَتْهُ إنْ كَانَ مِنْ الْفِئَةِ الْأُخْرَى وَمِنْ غَيْرِهِمَا دِيَتُهُ عَلَيْهِمَا مَعًا وَالْأُخْرَى أَنَّ وُجُودَهُ بَيْنَهُمَا مَعًا لَوْثٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ لِأَوْلِيَائِهِ فَيَقْسِمُونَ عَلَى مَنْ ادَّعَوْا عَلَيْهِ قَتْلَهُ وَيَقْتُلُونَهُ بِهِ وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِهِ قِيلَ فِي قَوْلِهِ لَا قَسَامَةَ فِيمَنْ قُتِلَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ لَا قَسَامَةَ بِحَالٍ لَا بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ وَلَا بِشَاهِدٍ عَلَى الْقَتْلِ وَهِيَ رِوَايَةُ سَحْنُونَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقِيلَ لَا قَسَامَةَ بَيْنَهُمْ بِدَعْوَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ عَلَى الطَّائِفَةِ وَلَوْ دَمِيَ الْقَتِيلُ عَلَى أَحَدٍ أَوْ شَهِدَ بِهِ عَدْلٌ كَانَتْ الْقَسَامَةُ وَهُوَ سَمَاعُ عِيسَى وَغَيْرِهِ وَقَوْلُ أَشْهَبَ لِأَنَّ كَوْنَهُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ لَمْ يَرُدَّ دَعْوَاهُ إلَّا قُوَّةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ وَلَا بِشَاهِدٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ طَائِفَةِ الْمُدْمِي إذْ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْأُخْرَى وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ إذَا جُرِحَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَعَقْلُ جُرْحِهِ عَلَى الطَّائِفَةِ الَّتِي نَازَعَتْهُ وَلَا يُقْتَصُّ لِأَحَدٍ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ غَيْرِ الطَّائِفَتَيْنِ وَمَعَ شَاهِدٍ مِنْ طَائِفَةِ الْقَاتِلِ فَعَلَى الْخِلَافِ فِي الْقَسَامَةِ بِغَيْرِ الْعَدْلِ، وَأَمَّا شَاهِدٌ مِنْ طَائِفَةِ الْمَقْتُولِ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ قَبُولِهِ.
الْبَاجِيُّ إنْ كَانَ الْقَتِيلُ مِنْ غَيْرِ الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ فَعَقْلُهُ فِي أَمْوَالِهِمَا وَلَوْ مَشَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى بِالسِّلَاحِ إلَى مَنَازِلِهِمْ ضَمِنَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَا قَتَلَتْ مِنْ الْأُخْرَى رَوَاهُ مُحَمَّدٌ وَابْنُ عَبْدُوسٍ لِأَنَّ الْمَزْحُوفَ إلَيْهَا لَوْ شَاءُوا لَمْ يَقْتُلُوهُمْ وَرَفَعُوا أَمْرَهُمْ إلَى السُّلْطَانِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَهَذَا إنْ أَمْكَنَ السُّلْطَانُ الْحَجْزَ بَيْنَهُمْ وَلَوْ عَاجَلُوهُمْ نَاشَدُوهُمْ اللَّهَ فَإِنْ أَبَوْا فَالسَّيْفُ وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
قُلْت هُوَ مَا فِي الْجِهَادِ فِي مَسْأَلَةِ السَّلَّابَةِ وَنَحْوِهَا هَذِهِ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عَادُونَ وَمِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَلَوْ قَاتَلُوا بِالتَّأْوِيلِ فَلَا شَيْءَ فِيمَنْ قُتِلَ وَإِنْ عُرِفَ الْقَاتِلُ وَلَا دِيَةَ.
ابْنُ رُشْدٍ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَثَرِ فِي الْجِهَادِ وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ يُقَادُ مِنْهُمْ أَوْ يُقْتَصُّ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَعَطَاءٍ وَالْخِلَافُ فِي الْقِصَاصِ سَوَاءٌ تَابَ أَوْ أُخِذَ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْحِرَابَةِ وَإِنْ أُخِذَ عَنْوَةً وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا أَخَذَ مِنْ مَالٍ وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِعَيْنِهِ فَيُرَدُّ إلَى رَبِّهِ انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَإِنْ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ عَنْ قَتْلَى وَلَمْ يُعْلَمُ الْقَاتِلُ فَهَلْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوْدَ مُطْلَقًا أَوْ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ أَوْ عَنْ الشَّاهِدِ فَقَطْ تَأْوِيلَاتٌ قَالَ الْخَرَشِيُّ الْمُرَادُ بِالْبَاغِيَةِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَاتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِعَدَاوَةٍ أَوْ غَارَةٍ ثُمَّ قَالَ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ أَنَّهُ لَوْ عُلِمَ بِبَيِّنَةٍ اُقْتُصَّ مِنْهُ قَالَهُ مَالِكٌ قَالَ الْعَدَوِيُّ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ الْبُغَاةِ، وَأَمَّا مِنْ الْبُغَاةِ فَلَا تُعْتَبَرُ وَلَوْ مِنْ طَائِفَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ لِعَدَمِ الْعَدَالَةِ لِحُصُولِ الْبَغْيِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ اللَّقَانِيُّ وَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا لِأَنَّهُمْ مُتَمَالِئُونَ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فَإِنْ كَانَ الْقَتِيلُ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ اُقْتُصَّ مِنْ الْأُخْرَى وَإِنْ كَانَ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ اُقْتُصَّ مِنْ كُلٍّ لِلْأُخْرَى إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ وَقَعَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَهِيَ مُشْكِلَةٌ اهـ وَقَرَّرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا فَقَالَ كَانَ الْقِيَاسُ قَتْلَ الْجَمِيعِ فِي إحْدَاهُمَا بِقَتْلِ وَاحِدٍ لِأَنَّهُمْ مُتَمَالِئُونَ لَكِنْ لَمْ يُنْظَرْ لِذَلِكَ هُنَا كَمَا حَكَمَ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ اهـ وَدَفَعَ الْإِشْكَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَجْعَلُوا هَذَا مِنْ التَّمَالُؤِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَ مَنْ فَعَلَهُ أَوْ فِرْقَتُهُ اهـ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَإِنْ تَأَوَّلُوا فَهَدَرٌ كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ اهـ قَالَ
стр. 763
الْعَدَوِيُّ أَيْ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُتَأَوِّلًا فَالدَّمُ الْحَاصِلُ بَيْنَهُمَا هَدَرٌ، وَأَمَّا إذَا تَأَوَّلَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَإِنَّ دَمَ الْمُتَأَوِّلَةِ قِصَاصٌ وَدَمَ الْأُخْرَى هَدَرٌ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ فَالزَّاحِفَةُ غَيْرُ مُتَأَوِّلَةٍ وَالدَّافِعَةُ مُتَأَوِّلَةٌ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الرَّفْعُ لِلْحَاكِمِ أَوْ رَفَعَهُمْ بِالْمُنَاشَدَةِ وَإِلَّا فَلَا قِصَاصَ فِي الدَّافِعَةِ أَيْضًا وَتَلَخَّصَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ إمَّا أَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ لَا يَتَأَوَّلَانِ أَوْ يَتَأَوَّلَانِ أَوْ تَتَأَوَّلُ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ قَامَ بِهِ دَاءُ الْفَالِجِ وَقَتَلَ آخَرَ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا الْحَامِلُ لَهُ عَلَى قَتْلِهِ هَلْ الدَّاءُ الْقَائِمُ بِهِ أَوْ خِلَافُهُ فَهَلْ يُقْتَصُّ مِنْهُ أَوْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ أَنَّ الْفَالِجَ هُوَ النُّقْطَةُ الَّتِي تُمِيتُ الشِّقَّ وَتَمْنَعُ الْحَرَكَةَ وَالْكَلَامَ وَصَاحِبُ هَذَا لَا يَقْتُلُ عَادَةً فَلَعَلَّ الْمُرَادَ دَاءٌ آخَرُ يُغَيِّبُ الْعَقْلَ وَلَا يُبْطِلُ الْحَرَكَةَ ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا الْحَامِلُ لَهُ إلَخْ أَنَّهُ لَمْ يَدْرِ هَلْ قَتَلَهُ حَالَ غَيْبُوبَةِ عَقْلِهِ أَوْ حَالَ إقَامَتِهِ فَالْحُكْمُ عَدَمُ الْقِصَاصِ مِنْ الْقَاتِلِ وَفِي كَوْنِ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ خَاصَّةً أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ نَظَرٌ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ لَمْ يَدْرِ سَبَبَ الْقَتْلِ مَعَ الْعِلْمِ بِإِفَاقَتِهِ وَحُضُورِ عَقْلِهِ فَالْحُكْمُ هُوَ الْقِصَاصُ بِشَرْطِ كَوْنِ الْمَقْتُولِ لَيْسَ نَاقِصًا عَنْ الْجَانِي بِحُرِّيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ وَكَوْنِ الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعَدَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا إذَا شُكَّ هَلْ قَتَلَ حَالَ الْجُنُونِ أَوْ حَالَ الْإِفَاقَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ لَا يَلْزَمُهُ قِصَاصٌ، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَلَازِمَةٌ وَهَلْ لَهُ أَوْ لِعَاقِلَتِهِ اُنْظُرْ ذَلِكَ وَلَا يُجْرَى هُنَا الْقَوْلُ بِسُقُوطِهَا عَنْهُ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ ضَرَبَ آخَرَ بِنَبُّوتٍ ثُمَّ وَجَدَ الْمَضْرُوبُ الضَّارِبَ عَلَى فَرَسٍ فَضَرَبَهُ بِنَبُّوتٍ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَبَرَكَ عَلَيْهِ الضَّارِبُ فَعَضَّ الْمَضْرُوبُ الثَّانِي أُصْبُعَ الضَّارِبِ الثَّانِي فَقَطَعَ أُنْمُلَتَهَا فَمَاذَا يَلْزَمُ الْعَاضَّ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يَلْزَمُ الْعَاضَّ الْقِصَاصُ إنْ كَانَ الْمَعْضُوضُ مُكَافِئًا لَهُ وَإِلَّا فَالدِّيَةُ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ مِنْ الْإِبِلِ إنْ كَانَتْ أُنْمُلَةً غَيْرَ الْإِبْهَامِ وَخَمْسٌ مِنْهَا إنْ كَانَتْ أُنْمُلَتَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امَرْأَةٍ لَهَا وَلَدٌ عُمُرُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَرْقَدَتْهُ مَعَهَا فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ ثُمَّ انْتَبَهَتْ مِنْ نَوْمِهَا فَوَجَدَتْهُ مَيِّتًا فَهَلْ تَلْزَمُ دِيَتُهُ عَاقِلَتَهَا؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ تَلْزَمُ دِيَتُهُ عَاقِلَتَهَا لِأَنَّهَا قَتَلَتْهُ خَطَأً بِحَبْسِ نَفْسِهِ بِثَدْيِهَا الْعَظِيمِ كَمَا يَتَّفِقُ ذَلِكَ كَثِيرًا لِمَنْ لَمْ تُجِدْ الْإِرْضَاعَ أَوْ بِانْقِلَابِهَا عَلَيْهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ فِي الْحَطَّابِ إذَا انْتَبَهَتْ فَوَجَدَتْ وَلَدَهَا مَيِّتًا كَفَّرَتْ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهَا لِأَنَّهَا انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ نَائِمَةٌ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُفِيدُ أَنَّهُمَا إذَا انْتَبَهَا فَوَجَدَاهُ مَيِّتًا بَيْنَهُمَا فَهَدَرٌ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[رَجُل وَامْرَأَة بَاتَا جَمِيعًا وَإِلَى جَنْبِ أَحَدِهِمَا صَغِيرٌ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَمَاتَ الطِّفْلُ مِنْ الثِّيَابِ الْوَاقِعَةِ]
(وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ بَاتَا جَمِيعًا وَإِلَى جَنْبِ أَحَدِهِمَا صَغِيرٌ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَمَاتَ الطِّفْلُ مِنْ الثِّيَابِ الْوَاقِعَةِ
стр. 764
عَلَى وَجْهِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
(فَأَجَابَ) إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ وَلَا مَاتَ مِنْ تَقْلِيبِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ صَامَ كُلُّ مَنْ شَكَّ مِنْهُمَا شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.
قُلْت لَوْ مَاتَ مِنْ تَقْلِيبِهِ فَفِي غَيْرِ مَا كِتَابٍ إذَا انْقَلَبَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى وَلَدِهَا فِي نَوْمِهَا فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهَا انْتَهَى مِنْ نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيِّ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ أَرَادَ سَقْيَ غَنَمِهِ مِنْ بِئْرٍ قَلِيلَةِ الْمَاءِ وَمَعَهُ بِنْتٌ صَغِيرَةٌ أَرَادَ إنْزَالَهَا الْبِئْرَ لِتَأْخُذَ لَهُ الْمَاءَ فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَقَالَ أَنَا أَنْزِلُهَا لَأَخْذِهِ شَفَقَةً مِنْهُ عَلَى الْبِنْتِ وَنَزَلَهَا وَصَارَ يَأْخُذُ لَهُ الْمَاءَ فَوَقَعَ عَلَيْهِ حَجَرٌ مِنْ بِنَاءِ الْبِئْرِ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ وُقُوعُهُ بِسَبَبِ تَحْرِيكِ الدَّلْوِ أَوْ بِسَمَاوِيٍّ فَهَلْ تَلْزَمُ دِيَتُهُ عَاقِلَةَ سَاقِي الْغَنَمِ أَوْ يَكُونُ هَدَرًا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، يَنْظُرُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالْخِبْرَةِ لِلْمَحِلِّ الَّذِي سَقَطَ مِنْهُ الْحَجَرُ فَإِنْ جَزَمُوا بِضَعْفِ بِنَائِهِ وَتَخَلْخُلِهِ بِحَيْثُ يُوجِبُ السُّقُوطَ مِنْهُ مَشْيُ السَّاقِي عَلَى حَاشِيَةِ الْبِئْرِ وَتَحْرِيكُهُ الدَّلْوَ فِيهَا أَوْ ظَنُّوا ذَلِكَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ السَّاقِي لِأَنَّ سُقُوطَ الْحَجَرِ نَشَأَ مِنْ فِعْلِهِ وَإِنْ جَزَمُوا بِصِحَّةِ بِنَائِهِ وَعَدَمِ تَخَلْخُلِهِ بِحَيْثُ لَا يُوجِبُ السُّقُوطَ مِنْهُ مَشْيُ السَّاقِي عَلَى حَاشِيَةِ الْبِئْرِ وَلَا تَحْرِيكُهُ الدَّلْوَ فِيهَا أَوْ ظَنُّوا ذَلِكَ أَوْ شَكُّوا عَلَى السَّوَاءِ فَهَدَرٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الْعَاقِلَةِ فَلَا تُغَرَّمُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ جَوَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَمِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْقَسَامَةِ مَعَ اللَّوْثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[سَقَتْ وَلَدَهَا دَوَاءً فَشَرِقَ فَمَاتَ]
قَالَ الْحَطَّابُ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ التَّبْصِرَةِ.
(فَرْعٌ) لَوْ سَقَتْ وَلَدَهَا دَوَاءً فَشَرِقَ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَكَذَا لَوْ انْقَلَبَتْ عَلَى وَلَدِهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا غَيْرُ الْكَفَّارَةِ اهـ وَمَسْأَلَةُ سَقْيِ الدَّوَاءِ ذَكَرَهَا فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَسْمِ الْبِئْرِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَمَسْأَلَةُ النَّائِمَةِ تَنْقَلِبُ عَلَى وَلَدِهَا فَيَمُوتُ ذَكَرَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ فِيمَا أَصَابَ النَّائِمُ وَالنَّائِمَةُ وَزَادَ وَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَنَصُّهُ وَإِذَا نَامَتْ امْرَأَةٌ عَلَى وَلَدِهَا فَقَتَلَتْهُ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَتُعْتِقُ رَقَبَةً انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مُحَلَّةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ وَلَا يُدْرَى مَنْ قَتَلَهُ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ أَحَدٌ وَيَبْطُلُ دَمُهُ وَلَا يَكُونُ فِي بَيْتِ مَالٍ وَلَا غَيْرِهِ.
مَا نَصُّهُ سُئِلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَمَّنْ نَامَ مَعَ زَوْجَتِهِ فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ فَأَصْبَحَ الْوَلَدُ بَيْنَهُمَا مَيِّتًا لَا يُدْرَى أَيُّهُمَا رَقَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَعِنْدِي أَنَّهُ هَدَرٌ قُلْت لِشَيْخِنَا فَمَا رَأْيُكُمْ فِيهَا قَالَ كَرَأْيِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهَا هُنَا انْتَهَى.
[امْرَأَة اضْطَجَعَتْ وَجَعَلَتْ تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ فَأَصْبَحَ الْوَلَدُ مَيِّتًا]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَةٍ اضْطَجَعَتْ وَجَعَلَتْ تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ فَأَصْبَحَ الْوَلَدُ مَيِّتًا ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ فَجَعَلَ أَبُوهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ حَاجِزًا مَخَافَةً مِمَّا وَقَعَ سَابِقًا فَنَامَتْ لَيْلَةً بِجِوَارِ الْوَلَدِ فَمَرَّ رَجُلٌ بِهِمَا فَوَجَدَ الْوَلَدَ بَاكِيًا فَأَيْقَظَهَا لِتُرْضِعَهُ وَهِيَ جَالِسَةٌ فَأَرْضَعَتْهُ وَهِيَ نَائِمَةٌ فَأَصْبَحَ الْوَلَدُ بِجَنْبِهَا مَيِّتًا فَهَلْ إذَا طَلَبَ الْأَبُ الدِّيَةَ مِنْهَا يُجَابُ لِذَلِكَ وَإِذَا قُلْتُمْ لَا يُجَابُ فَهَلْ يُطَالِبُ بِهَا عَاقِلَتَهَا وَإِذَا أَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ انْقِلَابَهَا عَلَيْهِ فَهَلْ يُطَالَبُ الزَّوْجُ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِمَا وَقَعَ مِنْهَا أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟
стр. 765
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ لِلْأَبِ طَلَبُ دِيَتِي الْوَلَدَيْنِ مِنْ أُمِّهِمَا وَلَهُ طَلَبُهُمَا مِنْ عَاقِلَتِهَا إنْ أَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ انْقِلَابَهَا أَوْ انْقِلَابَ ثَدْيِهَا عَلَيْهِمَا وَشَهِدَتْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ أَوْ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا قَائِلًا أَقْسِمُ بِاَللَّهِ لَقَدْ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ وَمِنْ انْقِلَابِهَا عَلَيْهِ مَاتَ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْ عَاقِلَتِهَا يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ وَلَوْ بَلَغُوا أَلْفًا فَإِنْ حَلَفُوا كُلُّهُمْ سَقَطَتْ الدِّيَتَانِ عَنْهُمْ وَإِنْ نَكَلُوا كُلُّهُمْ غَرِمُوهُمَا بِتَمَامِهِمَا وَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ وَنَكَلَ غَيْرُهُ غَرِمَ النَّاكِلُ حِصَّتَهُ مِنْهُمَا بِحَسَبِ حَالِهِ غِنًى وَفَقْرًا وَتَوَسُّطًا بَيْنَهُمَا وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ بِلَا بَيِّنَةٍ فَالدِّيَتَانِ عَلَيْهَا وَحْدَهَا فِي مَالِهَا لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ دِيَةَ الْإِقْرَارِ وَقِيلَ تَحْمِلُهَا بِقَسَامَةٍ سَوَاءٌ مَاتَ الْمَقْتُولُ فِي الْحَالِ أَمْ لَا وَقِيلَ تَبْطُلُ الدِّيَةُ مُطْلَقًا وَقِيلَ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِشَرْطِ انْتِفَاءِ تُهْمَةِ الْمُقِرِّ بِإِغْنَاءِ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ وَقِيلَ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِ عَدَالَتِهِ وَقِيلَ تُفَضَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ فَمَا نَابَهُ لَزِمَهُ وَمَا نَابَ الْعَاقِلَةَ سَقَطَ وَكُلُّهَا مُسْتَقْرَاةٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَهُ بَهْرَامُ.
وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْجَلَّابِ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ بِقَسَامَةٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُتَّهَمَ الْمُقِرُّ فِي إغْنَاءِ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ وَاقْتَصَرَ فِي الْمَجْمُوعِ عَلَى الْأَوَّلِ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي امْرَأَتَيْنِ تَضَارَبَتَا وَخَلَّصَهُمَا مَنْ حَضَرَ فَوُجِدَتْ إحْدَاهُمَا مَقْلُوعَةَ الْأَسْنَانِ سَائِلًا دَمُهَا وَالْأُخْرَى مَعْضُوضَةً أُصْبُعُهَا فَادَّعَتْ الْمَقْلُوعَةُ الْأَسْنَانِ أَنَّ الْأُخْرَى لَطَمَتْهَا عَلَى وَجْهِهَا وَنَشَّتْ أَسْنَانَهَا بِأُصْبُعِهَا فَقَلَعَتْهَا وَادَّعَتْ الْأُخْرَى أَنَّهَا عَضَّتْهَا فَسَلَّتْ يَدَهَا بِعُنْفٍ مِنْ حَرَارَةِ الْعَضَّةِ فَقَلَعَتْ أَسْنَانَهَا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا شَيْءَ لِمَقْلُوعَةِ الْأَسْنَانِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ لَهَا بَيِّنَةٌ بِاللَّطْمِ وَالْقَلْعِ بِلَا عَضٍّ فَلَهَا الْقِصَاصُ قَالَ ﷺ . لِمَنْ عَضَّ آخَرَ فَسَلَّ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فَمِ الْعَاضِّ فَنَزَعَ أَسْنَانَهُ «أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ لَا دِيَةَ لَهُ» .
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ ضَرَبَ زَوْجَتَهُ عَلَى يَدِهَا فَفَسَدَتْ وَصَارَتْ لَا تَعْمَلُ بِهَا الْعَمَلَ الْمُعْتَادَ وَطَلَبَتْهُ بَعْدَ مُدَّةٍ فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ ضَرَبَهَا بِعُودِ خَوْخٍ وَشَهِدَتْ عَلَى إقْرَارِهِ بَيِّنَةٌ فَمَاذَا يَلْزَمُهُ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَزِمَتْهُ دِيَةُ يَدِ الْمَرْأَةِ.
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ كَأَنْ شُلَّتْ يَدُهُ بِضَرْبِهِ قَالَ الْخَرَشِيُّ التَّشْبِيهُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَإِلَّا فَالْعَقْلُ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ ضَرَبَ يَدَ شَخْصٍ أَوْ رِجْلَهُ عَمْدًا فَبِسَبَبِ تِلْكَ الضَّرْبَةِ شُلَّتْ يَدُ الْمَضْرُوبِ إنَّهُ يَفْعَلُ بِالْمُضَارِبِ مِثْلَ ذَلِكَ فَإِنْ شُلَّتْ يَدُ الضَّارِبِ وَإِلَّا فَالْعَقْلُ فِي مَالِهِ دُونَ الْعَاقِلَةِ وَقَيَّدَ أَشْهَبُ هَذَا بِمَا إذَا كَانَتْ الضَّرْبَةُ بِجُرْحٍ فِيهِ الْقَوَدُ، وَأَمَّا إنْ ضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَشُلَّتْ يَدُهُ فَلَا قَوْدَ فِيهِ وَعَلَيْهِ دِيَةُ الْيَدِ وَلَا يُنْظَرُ هُنَا لِكَوْنِهِ يُسْتَطَاعُ فِعْلُ الشَّلَلِ بِدُونِ الضَّرْبِ أَمْ لَا وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ نَدُورُ الشَّلَلِ عَنْ الضَّرْبِ، بِخِلَافِ ذَهَابِ الْبَصَرِ اهـ.
[افْتَضَّ زَوْجَتَهُ فَمَاتَتْ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِيمَنْ افْتَضَّ زَوْجَتَهُ فَمَاتَتْ
فَأَجَبْت بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: دِيَتُهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ وَعَلَيْهِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ كَالْخَطَأِ وَسَوَاءً كَانَتْ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً وَيُؤَدَّبُ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً نَقَلَهُ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ابْنُ الْمَاجِشُونِ.
[حَامِل تَسَبَّبَتْ فِي إسْقَاطِ جَنِينِهَا]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي حَامِلٍ تَسَبَّبَتْ فِي إسْقَاطِ جَنِينِهَا فَهَلْ عَلَيْهَا الْغُرَّةُ وَلَا تَرِثُ فِيهَا.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: نَعَمْ عَلَيْهَا الْغُرَّةُ وَلَا تَرِثُ فِيهَا قَالَ الْخَرَشِيُّ وَسَوَاءً كَانَ الضَّارِبُ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ
стр. 766
الْعَدَوِيُّ قَوْلُهُ أَبًا أَيْ أَوْ أَمَّا ضَرَبَتْ بَطْنَ نَفْسِهَا قِيلَ الْغُرَّةُ.
وَفِي مَوَاهِبِ الْقَدِيرِ وَالْغُرَّةُ تَجِبُ عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ وَفِي الْمُخْتَصَرِ فِي مَوَانِعِ الْإِرْثِ وَلَا قَاتِلَ عَمْدًا عُدْوَانًا وَإِنْ بِشُبْهَةٍ كَمُخْطِئٍ مِنْ الدِّيَةِ.
[جَمْعِ دِيَةِ الْخَطَأِ وَطَلَبِهَا مِنْ الْعَاقِلَةِ فَهَلْ يَلْزَمُ الْجَانِيَ أَوْ وَلِيَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي جَمْعِ دِيَةِ الْخَطَأِ وَطَلَبِهَا مِنْ الْعَاقِلَةِ فَهَلْ يَلْزَمُ الْجَانِيَ أَوْ وَلِيَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا يَلْزَمُ الْجَانِيَ وَلَا وَارِثَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي وَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ شَيْءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُهُ لِوَارِثِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِلَا إحْوَاجِهِ إلَى طَلَبِهِ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ مِنْ نَفْسِهِ فَلِوَارِثِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ طَلَبُهُ مِنْهُ وَلَهُ مُسَامَحَتُهُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي جَمَاعَةٍ مُسَافِرِينَ ارْتَحَلُوا مِنْ بَعْضِ مَنَازِلِهَا وَسَارُوا مَسَافَةً ثُمَّ فَقَدُوا أَحَدَهُمْ فَرَجَعُوا لَهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَتَرَكُوهُ وَسَافَرُوا فَهَلَكَ بِهَا فَهَلْ تَضْمَنُ عَاقِلَتُهُمْ دِيَتَهُ لِتَفْرِيطِهِمْ بِعَدَمِ تَنَبُّهِهِمْ لَهُ وَقْتَ ارْتِحَالِهِمْ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ قِلَّتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَا تَضْمَنُ عَاقِلَتُهُمْ شَيْئًا مِنْ دِيَتِهِ وَلَا تَفْرِيطَ عِنْدَهُمْ أَصْلًا وَفَقْدُهُ مِنْ بَيْنِهِمْ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَلَا مَنْسُوبًا لَهُمْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ابْنُ عَرَفَةَ الْخَطَأُ فِي الدِّمَاءِ لَهُ حُكْمٌ يَخُصُّهُ فَيَنْبَغِي تَعْرِيفُهُ وَهُوَ مَا سَبَبُهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِفَاعِلِهِ بِاعْتِبَارِ صِنْفِهِ غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فَقَوْلُهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِفَاعِلِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ سَبَبَ قَتْلِ الْخَطَأِ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ فِعْلًا مَنْسُوبًا لِفَاعِلِهِ وَفَقْدُ الرَّجُلِ مِنْ بَيْنِ رُفْقَتِهِ لَيْسَ فِعْلَا لَهُمْ بِلَا خَفَاءٍ إذَا هُوَ رَجُلٌ حُرٌّ عَاقِلٌ فَإِذَا أَرَادَ الْبُعْدَ عَنْهُمْ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ مَثَلًا فَلَيْسَ لَهُمْ مَنْعُهُ مِنْهُ فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ لِنَحْوِ ذَلِكَ فَأَكَلَهُ سَبُعٌ أَوْ ضَلَّ عَنْ طَرِيقِ رُجُوعِهِ إلَيْهِمْ وَسَارَ فِي غَيْرِهَا حَتَّى بَعُدَ عَنْهُمْ وَمَاتَ عَطَشًا وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا وَجَدَ عَبْدًا آبِقًا فَأَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ إلَى مَالِكِهِ فَأَبَقَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ مَالٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[مَسَائِلُ الرِّدَّةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الرِّدَّةِ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا. مَا قَوْلُكُمْ فِي رَجُلٍ اتَّهَمَهُ آخَرُ بِأَنَّهُ أَخَذَ دَرَاهِمَ فَقَالَ لَهُ تَتَّهِمُنِي وَأَنْت زَائِرٌ النَّبِيِّ فَقَالَ " بَلَا نَبِيّ بَلَا خَرَهْ " أَيَرْتَدُّ؟ .
وَفِي آخَرَ تَشَاجَرَ مَعَ أَخِيهِ فَاتَّهَمَهُ وَقَالَ لَهُ وَاَللَّهِ إنْ لَمْ تَرْجِعْ لَأُكَفِّرَنَّكَ وَأُكَفِّرَنَّ نَبِيَّك أَيَرْتَدُّ؟
وَفِي آخَرَ قَالَ لِرَجُلٍ ظَلَمْتنِي فَقَالَ اللَّهُ أَظْلَمَك أَيَرْتَدُّ؟
وَفِي آخَرَ قَالَ اللَّهُمَّ طَبِّقْ السَّمَاءَ عَلَى الْأَرْضِ أَيَرْتَدُّ؟
وَفِي آخَرَ قَالَ لِرَجُلٍ اسْمُهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ يَا عَبْدَ الطِّينِ أَوْ السُّخَامِ أَيَرْتَدُّ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إنْ دَلَّتْ الْقَرَائِنُ عَلَى أَنَّ قَائِلَ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ قَصَدَ تَسْوِيَةَ مُسَمَّى نَبِيٍّ بِمَا ذَكَرَهُ ثَانِيًا فَهُوَ سَابٌّ لِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُقْتَلُ وَلَوْ تَابَ وَأَوْلَى إنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى اسْتِثْقَالِهِ لَفْظَ الْقَائِلِ وَتَسْوِيَتِهِ بِمَا ذَكَرَهُ دُونَ مُسَمَّاهُ فَلَيْسَ سَابًّا وَلَكِنْ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ بِالْأَدَبِ وَالْحَبْسِ بِالِاجْتِهَادِ لِبَشَاعَةِ لَفْظِهِ وَصِيَانَةِ شَرَفِ
стр. 767
ذَلِكَ الْجَنَابِ الْمُعَظَّمِ وَرَدْعًا لِلسُّفَهَاءِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْبَشَاعَةِ وَالسَّفَاهَةِ وَكَذَا إنْ لَمْ تَدُلَّ عَلَى شَيْءٍ حَقْنًا لِلدَّمِ وَبُعْدًا عَنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ الصَّعْبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَصِيغَةُ الثَّانِي شَرْطِيَّةٌ لَا تَقْتَضِي وُقُوعَ مَا عَلَّقَهُ مِنْهُ نَعَمْ يُؤَدَّبُ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مَنْ قَالَ لَوْ سَبَّنِي مَلِكٌ لَسَبَبْته الْمُوجِبُ لِلْأَدَبِ بِالِاجْتِهَادِ دُونَ الْقَتْلِ وَلَفْظُ الثَّالِثِ إنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّ قَصْدَهُ بِهِ الْمُشَاكَلَةُ وَأَنَّهُ سَمَّى الْجَزَاءَ عَلَى الظُّلْمِ بِاسْمٍ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ فَعَلَيْهِ الْأَدَبُ بِالِاجْتِهَادِ دُونَ الْقَتْلِ لِبَشَاعَةِ لَفْظِهِ وَكَذَا إنْ لَمْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى شَيْءٍ حَقْنًا لِلدَّمِ وَتَخَلُّصًا مِنْ التَّكْفِيرِ الصَّعْبِ فَإِنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى نِسْبَةِ مَا ذَكَرَ لِلْحَضْرَةِ الْعَلِيَّةِ أَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فَهُوَ مُرْتَدٌّ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَتُبْ.
وَالرَّابِعُ: لَا يُتَوَهَّمُ ارْتِدَادُهُ بِمَا قَالَ.
وَالْخَامِسُ: إنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ تَحْقِيرَ الشَّخْصَ الْمُسَمَّى بِعَبْدِ الْحَمِيدِ وَأَنَّهُ لِحَقَارَتِهِ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى عَبْدَ الطِّينِ أَوْ السُّخَامِ أُدِّبَ بِالِاجْتِهَادِ لِلْإِيذَاءِ وَالتَّعَدِّي وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى قَصْدِهِ التَّعَرُّضَ لِلْحَضْرَةِ الْعَلِيَّةِ وَالتَّغْيِيرَ لِأَسْمَائِهِ تَعَالَى السُّنِّيَّةِ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَتُبْ وَإِنْ لَمْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى شَيْءٍ فَكَالْأَوَّلِ لِمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي الْبُرْزُلِيِّ عِيَاضٌ إنْ أَتَى الْمُتَكَلِّمُ بِكَلَامٍ مُشْكِلٍ أَوْ أَتَى بِكَلَامٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ السَّلَامَةِ مِنْ الْمَكْرُوهِ وَالْوُقُوعِ فِي شَرٍّ فَهُوَ مَظِنَّةُ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَى حِمَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَسَرَ عَلَى الْقَتْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ عَظَّمَ حُرْمَةَ الدَّمِ وَدَرَأَ الْحَدَّ بِالشُّبْهَةِ انْتَهَى.
وَفِيهِ أَيْضًا سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ سَبَّ رَجُلًا فَعَزَّ عَلَى الثَّانِي فَفَهِمَ الْأَوَّلُ هَذَا عَنْهُ فَقَالَ لَهُ أَيَشُقُّ عَلَيْك أَنْ أُوجِعَك فَبِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَوْ أَنَّ نَبِيًّا مُرْسَلًا أَوْ مَلَكًا مُقَرَّبًا يَسُبُّنِي لَرَدَدْت عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا سَبَّنِي بِهِ.
وَرَجُلٌ عَشَّارٌ طَلَبَ مِنْ آخَرَ قَبَالَةً فَهَدَّدَهُ الْآخَرُ بِأَنْ يَشْكُوَهُ فَقَالَ الْعَشَّارُ اغْرَمْ وَاشْتَكِ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ فَأَجَابَ الْحَالِفُ فِي الْكَلَامِ الْأَوَّلِ مُتَهَاوِنٌ بِحُرْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَعَلَيْهِ الْأَدَبُ الْوَجِيعُ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ بِالْخَيْرِ وَلَا يُتَّهَمَ فِي اعْتِقَادِهِ فَيُتَجَافَى عَنْهُ وَيُؤْمَرُ بِالِاسْتِغْفَارِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِيَمِينِهِ وَأَمَّا الْعَشَّارُ الْقَائِلُ لِمَا ذُكِرَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْأَدَبِ الْمُوجِعِ بِكُلِّ حَالٍ اهـ.
وَأَجَابَ ابْنُ الْحَاجِّ بِقَوْلِهِ أَتَى الرَّجُلُ الْمَسْبُوبُ بِعَظِيمٍ مِنْ الْقَوْلِ وَاجْتِرَاءٍ عَلَى مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْبِيَائِهِ تَعَالَى وَاسْتَخَفَّ بِمَا عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حُقُوقِهِمْ وَغَضَّ مِنْ تَوْقِيرِهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رَحْمَتِهِ إلَّا أَنَّ السَّبَّ الَّذِي وَعَدَ بِهِ لَمْ يَقُلْهُ، وَلَوْ قَالَهُ وَوُجِدَ مِنْهُ لَاسْتَبَحْت نَفْسَهُ وَسَفَكْت دَمَهُ دُونَ اسْتِتَابَةٍ الَّذِي أَرَى أَنْ يُضْرَبَ الضَّرْبَ الْوَجِيعَ الْمُبَرِّحَ بِالسَّوْطِ وَيُطَالَ حَبْسُهُ فِي السِّجْنِ وَكَذَلِكَ يَكُونُ فِي الْعَشَّارِ أَبْعَدَهُ اللَّهُ وَمَقَتَهُ، وَلَوْ عُرِفَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالِاسْتِخْفَافِ فِي مِثْلِ هَذَا لَكَانَا مَحْقُوقَيْنِ بِالْقَتْلِ دُونَ اسْتِتَابَةٍ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[حُكْم مِنْ قَالَ إِن آدَم عصى ربه]
وَفِيهِ أَيْضًا وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى عَنْ الْبَرْجِينِيِّ مَنْ قَالَ إنَّ آدَمَ عَصَى رَبَّهُ قُتِلَ فَإِنْ قَالَ: قَالَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ يُقَالُ اللَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مَعَ عِبَادِهِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فَتَمْثِيلُ النُّحَاةِ لِلَمْ وَلَمَّا بِقَوْلِهِمْ وَلَمَّا عَصَى آدَم رَبَّهُ وَلَمْ يَنْدَمْ كُفِّرَ وَكُفْرُهُ أُخْرَوِيٌّ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى نَصِّ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَنْدَمْ وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الْقَدْحِ وَلَوْ قَالَ إنْ كُنْت عَصَيْته فَقَدْ عَصَى آدَمَ فَهَذَا أَشَدُّ مِنْ قَوْلِهِ إنْ كُنْت رَعَيْت فَقَدْ رَعَى آدَمَ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّنْقِيصِ بِالتَّأَسِّي فَيُقْتَلُ اهـ.
وَفِي الْمَدْخَلِ وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إنَّ مَنْ قَالَ عَنْ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فِي غَيْرِ التِّلَاوَةِ وَالْحَدِيثِ إنَّهُ عَصَى أَوْ خَالَفَ فَقَدْ كَفَرَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حِينَ تَكَلَّمَ عَلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]
стр. 768
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ﵁ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَّا الْيَوْمَ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْ آدَمَ إلَّا إذَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ قَوْله تَعَالَى عَنْهُ أَوْ قَوْلِ نَبِيِّهِ فَأَمَّا أَنْ يَبْتَدِئَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ لَنَا فِي آبَائِنَا الْأَدْنَيْنَ الْمُمَاثِلِينَ لَنَا فَكَيْفَ فِي أَبِينَا الْأَقْدَمِ الْأَعْظَمِ الْأَكْبَرِ النَّبِيِّ الْمُقَدَّمِ ﷺ وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ انْتَهَى.
وَفِيهِ أَيْضًا وَنَقَلْت مِنْ خَطِّ الْغِرْيَانِيِّ أَنَّ نُسْخَةً مِنْ السِّيَرِ وُقِّعَتْ بِمِدَادٍ ضَعِيفٍ عَلَى مَنْ يُرِيدُ قِرَاءَتَهُ فَقَالَ طَالِبٌ هَذِهِ سِيرَةٌ رَدِيئَةٌ فَقِيمَ عَلَيْهِ وَأُنْكِرَتْ مَقَالَتُهُ وَشُنِّعَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُتَأَوَّلْ لَهُ تَأْوِيلٌ يُخْرِجُهُ عَنْ تَشْنِيعِ مَا وَقَعَ فِيهِ.
قُلْت وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَلْزَمُهُ وَعِنْدِي أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى الْقَائِلِ فَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا فِي دِينِهِ فَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ فِي الْأَدَبِ وَيُخْتَبَرُ أَمْرُهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ عُوقِبَ وَسُرِّحَ وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ رِيبَةٌ قَوِيَّةٌ أُطِيلَ حَبْسُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْخَطَّ لِسِيَاقِ الْقَضِيَّةِ وَيُنْكَرُ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ حَتَّى لَا يَعُودَ إلَيْهِ انْتَهَى.
[ضَابِطُ مَا يُكَفَّرُ بِهِ]
وَفِيهِ أَيْضًا قَالَ الْأَبْيَانِيُّ وَغَيْرُهُ ضَابِطُ مَا يُكَفَّرُ بِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: أَحَدُهَا مَا يَكُونُ نَفْسُ اعْتِقَادِهِ كُفْرًا كَإِنْكَارِ الصَّانِعِ أَوْ صِفَاتِهِ الَّتِي لَا يَكُونُ صَانِعًا إلَّا بِهَا وَجَحْدِ النُّبُوَّاتِ.
الثَّانِي: صُدُورُ مَا لَا يَقَعُ إلَّا مِنْ كَافِرٍ.
الثَّالِثُ: إنْكَارُ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً لِأَنَّهُ آيِلٌ إلَى تَكْذِيبِ الشَّارِعِ وَنَحْوُ هَذَا الضَّابِطِ ذَكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ وَالْقَرَافِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ وَغَيْرُهُمَا انْتَهَى.
وَفِي ابْنِ سَلَّمُونِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَا يُحْكَمُ عَلَى أَحَدٍ بِالْكُفْرِ إلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَجْهَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَالثَّالِثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَأَمَّا الِاثْنَانِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِمَا.
فَأَحَدُهُمَا: أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ قَوْلًا قَدْ وَرَدَ السَّمَاعُ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ إلَّا مِنْ كَافِرٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ كُفْرًا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَذَلِكَ نَحْوُ اسْتِحْلَالِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَغَصْبِ الْأَمْوَالِ وَتَرْكِ فَرَائِضِ الدِّينِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِالرُّسُلِ وَجَحْدِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَصَارَ ذَلِكَ عَلَمًا عَلَى الْكُفْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَبِهَذَا الْقِسْمِ يُلْحِقُ تَارِكَ الصَّلَاةِ مَنْ كَفَّرَهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إلَّا ظَوَاهِرُ آثَارٍ مُحْتَمَلَةٍ.
وَالثَّالِثُ: الْمُخْتَلَفُ فِيهِ أَنْ يَقُولَ قَوْلًا يُعْلَمُ أَنَّ قَائِلَهُ لَا يُمْكِنُهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ وَالتَّمَسُّكِ بِهِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّصْدِيقُ بِهِ وَإِنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُصَدِّقُ بِهِ وَبِهَذَا الْوَجْهِ حَكَمَ بِالْكُفْرِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ مَنْ كَفَّرَهُمْ بِمَآلِ قَوْلِهِمْ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَا آيَةٌ أَشَدُّ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وَأَمَّا الْقَطْعُ عَلَى أَحَدٍ بِكُفْرٍ أَوْ إيمَانٍ فَلَا يَصِحُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُبْطِنَ خِلَافَ مَا يُظْهِرُ إلَّا بِتَوْقِيفِ النَّبِيِّ ﷺ لَنَا أَوْ يُظْهِرُ اعْتِقَادًا يَقْطَعُ بِهِ اهـ.
وَفِي الْبُرْزُلِيِّ وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَنْ سَبَّ أَوْ دَعَا أَوْ تَنَقَّصَ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَدْلُولِهِ الْعُرْفِيِّ.
وَالثَّانِي قَصْدُ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ فَإِنْ عُدِمَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَاَلَّذِي عِنْدِي فِيهَا أَنَّهُ يُؤَدَّبُ أَدَبًا مُوجِعًا وَيُطَالُ حَبْسُهُ اهـ.
وَفِيهِ أَيْضًا نَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَزْدَرِي الصَّلَاةَ وَرُبَّمَا ازْدَرَى الْمُصَلِّينَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ مَلَأٌ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مِنْهُمْ مَنْ زُكِّيَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُزَكَّ فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الِازْدِرَاءِ بِالْمُصَلِّينَ لِقِلَّةِ اعْتِقَادِهِ فِيهِمْ فَهُوَ مِنْ سِبَابِ الْمُسْلِمِ فَيَلْزَمُهُ الْأَدَبُ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَمَنْ يَحْمِلْهُ عَلَى ازْدِرَاءِ الْعِبَادَةِ فَالْأَصْوَبُ أَنَّهُ رِدَّةٌ لِإِظْهَارِهِ إيَّاهُ وَشُهْرَتِهِ بِهِ كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا زَنْدَقَةٌ وَيُجْرَى عَلَى أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّ اهـ.
قُلْت
стр. 769
يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ فِيمَنْ سَبَّ الدِّينَ أَوْ الْمِلَّةَ أَوْ الْمَذْهَبَ وَهُوَ يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ بَعْضِ سَفِلَةِ الْعَوَامّ كَالْحَمَّارَةِ وَالْجَمَّالَةِ وَالْخَدَّامِينَ وَرُبَّمَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ الشَّرِيعَةَ الْمُطَهَّرَةَ وَالْأَحْكَامَ الَّتِي شَرَّعَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ قَطْعًا ثُمَّ إنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ فَهُوَ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ يُقْتَلُ وَلَوْ تَابَ وَإِنْ قَصَدَ حَالَةَ شَخْصٍ وَتَدَيُّنَهُ فَهُوَ سَبُّ الْمُسْلِمِ فَفِيهِ الْأَدَبُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَصْدَيْنِ بِالْإِقْرَارِ وَالْقَرَائِنِ وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ الْقَصْدَ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ فِي الْحُكْمِ فَفِي الْبَدْرِ عَنْ بَهْرَامَ فِي مَبْحَثِ الرِّدَّةِ إذَا قَالَ تَارِكُ الصَّلَاةِ لِمَنْ قَالَ لَهُ صَلِّ إذَا دَخَلْت الْجَنَّةَ فَأَغْلِقْ الْبَابَ خَلْفَك فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الدِّينِ فَقَدْ ارْتَدَّ اتِّفَاقًا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِلِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا لِكَوْنِهَا لَمْ تَنْهَهُ عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ فَفِي رِدَّتِهِ قَوْلَانِ اهـ
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مِنْ الدِّينِ وَالْمِلَّةِ الْقُرْآنَ الْعَزِيزَ وَسَبُّهُ كُفْرٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَوَاضِعَ
وَفِي نَوَازِلِ الْأُجْهُورِيِّ فِي الْجَوَابِ عَمَّنْ قَالَ أَنْتُمْ يَا مَالِكِيَّةُ تُصَلُّونَ وَالْكِلَابُ تَمَسُّكُمْ قَاصِدًا بِذَلِكَ الْأَذِيَّةَ وَالِاسْتِهْزَاءَ بِهِمْ وَبِمَذْهَبِهِمْ مَا نَصُّهُ يَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ فِي قَوْلِهِ أَنْتُمْ يَا مَالِكِيَّةُ تُصَلُّونَ وَالْكِلَابُ تَمَسُّكُمْ وَالِاسْتِهْزَاءُ بِمَذْهَبِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ كُفْرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَجَابَ عَنْهُ أَيْضًا الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ السَّنْجِيدِيُّ الشَّافِعِيُّ بِمَا نَصُّهُ: يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِمَقَالَتِهِ التَّعْزِيرُ اللَّائِقُ بِحَالِهِ الرَّادِعُ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَنْ ارْتِكَابِ قَبِيحِ أَقْوَالِهِ وَالِاسْتِهْزَاءُ بِالْعِلْمِ الشَّرِيفِ كُفْرٌ فَتُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ وُجُوبِ الِاسْتِتَابَةِ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَلَا يَجِبُ غُسْلُهُ وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ إغْرَاءُ الْكِلَابِ عَلَى جِيفَتِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ أَرَادَ قِرَاءَةَ رَبْعَةَ قُرْآنٍ فِي بَيْتِهِ فَوَجَدَ بَعْضَ الْأَجْزَاءِ غَائِبًا وَالْفَقِيهُ الَّذِي هِيَ مَوْقُوفَةٌ تَحْتَ يَدِهِ كَذَلِكَ فَقَالَ دَاهِيَةٌ تَجِيءُ الرَّبْعَةَ وَأَصْحَابَهَا فَهَلْ يَرْتَدُّ بِذَلِكَ وَتُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَرْتَدَّ بِذَلِكَ فَلَا تُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ الْجِلْدُ وَالْوَرَقُ وَالنُّقُوشُ لَا مَدْلُولُهَا مِنْ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ الْمُنَزَّلِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا الصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ الْقَائِمَةُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى نَعَمْ يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَيُزْجَرُ وَيُؤَدَّبُ حَتَّى لَا يَعُودَ إلَى مِثْلِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ جَوَابِ الْبُرْزُلِيِّ السَّابِقِ عَنْ مَسْأَلَةِ السِّيرَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[شَقَّ ثَوْبَهُ وَقَالَ خَرَجَ مِنْ دِينِهِ]
(وَسُئِلَ خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَمَّنْ شَقَّ ثَوْبَهُ وَقَالَ خَرَجَ مِنْ دِينِهِ.
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ الْأَدَبُ وَتَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ إلَّا أَنْ يَقْصِدَهَا لِأَنَّهَا أَمْرٌ خَطِرٌ يَسْتَلْزِمُ سَفْكَ الدَّمِ وَحُرْمَةَ الزَّوْجَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهَا فَلَا يُحْكَمُ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ الدِّينِ يَحْتَمِلُ الْخُرُوجَ عَنْ كَمَالِهِ بِالْفِسْقِ كَمَا وَرَدَ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ، «لَيْسَ مِنَّا مَنْ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ» وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَمَّنْ عُيِّرَ بِالْمَرَضِ أَوْ السَّفَرِ أَوْ الْفَقْرِ فَقَالَ إنْ ذَلِكَ وَقَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ الْأَدَبُ بِالِاجْتِهَادِ خُصُوصًا فِي مَسْأَلَةِ الْفَقْرِ وَإِنَّمَا لَمْ يُكَفَّرْ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَنْقِيصَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا قَصَدَ دَفْعَ الْعَارِ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ أَوْ تُعَايِرُنِي بِالْفَقْرِ وَالنَّبِيُّ
стр. 770
- ﷺ قَدْ رَعَى الْغَنَمَ وَأَحْوَالُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَيْسَتْ كَأَحْوَالِنَا فَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ أَعْرَضُوا عَنْ أُمُورِ الدُّنْيَا لِخِسَّتِهَا عِنْدَ رَبِّهِمْ إلَّا بِأَمْرِهِ فَلَا يُقَاسُ حَالُنَا بِحَالِهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي مَرْأَةٍ شَرِيفَةٍ مِنْ النَّسَبِ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ شَرِيفٍ فَأَتَتْ مِنْهُ بِأُنْثَى فَكَبِرَتْ وَتَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ شَرِيفٍ أَيْضًا وَأَتَتْ مِنْهُ بِذَكَرٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الشَّرَفِ نَظَرًا لِجَدَّتِهِ الشَّرِيفَةِ مِنْ النَّسَبِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِي الْعَلَّامَةُ الدُّسُوقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْلَمْ أَنَّ لُبْسَ الْعِمَامَةِ الْخَضْرَاءِ فِي الْأَصْلِ لِمَنْ كَانَ شَرِيفًا مِنْ أَبِيهِ وَقَدْ قَصَرَهَا عَلَيْهِ السُّلْطَانُ الْأَشْرَفُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ هُوَ شَرِيفٌ مِنْ أُمِّهِ لُبْسُهَا وَيُؤَدَّبُ إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ الْآنَ قَدْ جَرَى بِلُبْسِهِ لَهَا وَعَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا يُؤَدَّبُ وَإِنْ كَانَ لَا يَنْبَغِي لَهُ لُبْسُهَا كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[رَجُل جَرَى عَلَى لِسَانِهِ سَبُّ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ قَصْد]
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ سَبُّ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ هَلْ يُكَفَّرُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْقَصْدِ أَوْ لَا يُكَفَّرُ وَفِيمَنْ فَضَّلَ كَافِرًا عَلَى مُسْلِمٍ هَلْ يُكَفَّرُ أَوْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ نَعَمْ ارْتَدَّ لِأَنَّ السَّبَّ أَشَدُّ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ رِدَّةٌ فَالسَّبُّ رِدَّةٌ بِالْأَوْلَى وَفِي الْمَجْمُوعِ وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَزَلَلِ لِسَانٍ انْتَهَى وَتَفْضِيلُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ إنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ فَهُوَ رِدَّةٌ وَإِلَّا فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ سَبَقَ فِي مَبْحَثِ الطَّلَاقِ زِيَادَةُ شَوَاهِدَ لِتَكْفِيرِ سَابِّ الدِّينِ.
[مُسْلِم قَالَ لِذِمِّيٍّ فِي عِيدِهِ عِيدٌ مُبَارَكٌ]
(وَسُئِلَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ) عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ لِذِمِّيٍّ فِي عِيدِهِ عِيدٌ مُبَارَكٌ هَلْ يُكْرَهُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) إنْ قَالَهُ الْمُسْلِمُ لِذِمِّيٍّ عَلَى وَجْهِ قَصْدِ تَعْظِيمِ دِينِهِمْ وَعِيدِهِمْ فَإِنَّهُ يُكَفَّرُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ فَلَا يُكَفَّرُ بِمَا قَالَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ اهـ نَقَلَهُ الْحَطَّابُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ يَدَّعِي أَنَّهُ مُعَاهِدُ الْجِنِّ وَأَنَّهُ يُظْهِرُ السَّرَائِقَ وَيَرُدُّ الْآبِقَ وَيَضْرِبُ الْمَنْدَلَ وَرُبَّمَا اتَّهَمَ بَرِيئًا وَيَتَعَرَّضُ لِلنَّاسِ بِالسِّحْرِ فَيَكْتُبُ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِالْبُغْضِ فَيُطَلِّقُ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ أَوْ تَخْرُجُ الزَّوْجَةُ غَضْبَانَةً عَازِمَةً عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُطَلِّقَهَا الزَّوْجُ أَوْ يَدْفَعَ لَهُ دَرَاهِمَ عَلَى إبْطَالِ مَا كَتَبَهُ وَيَرْبِطُ الزَّوْجَ عَنْ زَوْجَتِهِ وَاشْتَهَرَ بِذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ وَبِالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ فَهَلْ يَكُونُ مُرْتَدًّا بِسَبَبِ السِّحْرِ وَتُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ حَاكِمٌ يُجْرِيهَا عَلَيْهِ وَقَتَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ فَهَلْ يَكُونُ هَدَرًا وَلَا يَأْثَمُ وَهَلْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ إجْرَاءُ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي نَوَازِلِهِ قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ السِّحْرُ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ مُطَّرِدُ الِارْتِبَاطِ بِسَبَبِهِ خَاصٌّ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ السَّاحِرُ إلَّا بِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ سَاحِرٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ السَّاحِرُ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يُورِثُ الْحُبَّ أَوْ الْبُغْضَ مَا يُرِيدُ لِأَنَّهُ وَقَعَ مَعْنَاهُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجَتِهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ ثُمَّ قَالَ وَوُقُوعُ السِّحْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ رَسْمِهِ مَوْجُودٌ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ذَكَرَهُ فِي الْإِرْشَادِ وَاتِّفَاقُ الْفُقَهَاءِ عَلَى وُجُودِ حُكْمِهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ عَيْنِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ
стр. 771
لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ الصَّحِيحُ أَنَّهُ أُمُورٌ خَيَالِيَّةٌ تُوجِبُ تَأْثِيرًا فِي النُّفُوسِ يَقَعُ بِسَبَبِهَا مَفَاسِدُ عَلَى حَسَبِ مَا تَشَكَّلَتْ بِهِ النُّفُوسُ مِنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ فِعْلِ السِّحْرِ وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ.
ثُمَّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَالصَّوَابُ أَنَّ اسْتِنْزَالَ الرُّوحَانِيَّاتِ وَخِدْمَةَ مُلُوكِ الْجَانِّ مِنْ عِلْمِ السِّيمَاءِ وَهُوَ السِّحْرُ وَهُوَ الَّذِي أَضَرَّ الْحَاكِمَ الْعُبَيْدِيَّ لَعَنَهُ اللَّهُ حَتَّى ادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ وَلَعِبْت بِهِ الشَّيَاطِينُ حَتَّى طَلَبَ الْمُحَالَ وَهُوَ مَجْبُولٌ عَلَى النَّقْصِ وَفِعْلِ أَفَاعِيلِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ وَالْمَعْصِيَةُ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهَا وَمُتَعَلِّقُ أَفْعَالِ خِدْمَةِ الْجِنِّ الْكُفْرُ وَكَبَائِرُ الْمَعَاصِي.
وَفِي النَّوَادِرِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ فَإِذَا سَحَرَ هُوَ بِنَفْسِهِ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ وَالسِّحْرُ كُفْرٌ قَالَ مَالِكٌ هُوَ كَالزِّنْدِيقِ إذَا عَمِلَ السِّحْرَ بِنَفْسِهِ وَقَدْ أَمَرَتْ حَفْصَةُ فِي جَارَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا أَنْ تُقْتَلَ فَقُتِلَتْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهُوَ كَالزِّنْدِيقِ مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَ لِلسِّحْرِ وَالزَّنْدَقَةِ مَظْهَرٌ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ وَمَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ أَنَّهُ لَا يُسْتَتَابُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَحُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُ مَالِكٍ إنَّهُ كُفْرٌ وَنَحْوُهُ مَا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لِأَصْبَغَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الزَّنْدَقَةَ إظْهَارُ الْإِيمَانِ وَإِخْفَاءُ الْكُفْرِ وَهَذَا مَظْهَرٌ لِلْكُفْرِ ثُمَّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَبْسُوطِ فِي امْرَأَةٍ أَقَرَّتْ أَنَّهَا عَقَدَتْ زَوْجَهَا عَنْ نَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا فَإِنَّهَا تُنَكَّلُ وَلَا تُقْتَلُ قَالَ وَلَوْ سَحَرَ نَفْسَهُ لَمْ يُقْتَلْ بِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فِعْلَ الْمَرْأَةِ سِحْرٌ وَأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَنْشَأُ عَنْهُ حَادِثٌ فِي أَمْرٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ مُحَالِ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ سِحْرٌ وَعَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ عَمَّنْ يَعْرِفُ الْجِنَّ وَعِنْدَهُ كُتُبٌ فِيهَا جَلْبُ الْجِنِّ وَأُمَرَائِهِمْ وَالْعَفَارِيتِ وَيُعْزِمُ فَيَصْرَعُ الْمَصْرُوعَ وَيَزْجُرُ مَرَدَةَ الْجِنِّ عَنْ الصَّرْعَةِ وَيَحِلُّ مَنْ عُقِدَ عَنْ امْرَأَتِهِ وَيَكْتُبُ كِتَابَ عَطْفِ الرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَقْتُلُ الْجِنَّ أَتَرَى بِهَذَا بَأْسًا إذَا كَانَ لَا يُؤْذِي أَحَدًا أَوْ يُنْهَى نَدْبًا أَنْ يَتَعَلَّمَهُ فَقَالَ إذَا كَانَ لَا يَقْتُلُ أَحَدًا وَلَا يَصْرَعُ بَرِيئًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُنْهَى نَدْبًا أَنْ يَتَعَلَّمَهُ.
قُلْت هَذَا نَحْوُ مَا أَنْكَرَهُ شَيْخُنَا مِنْ عَقْدِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا وَلَا يَقْتُلُ السَّاحِرَ إلَّا الْإِمَامُ قَالَ أَصْبَغُ وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ قَتْلُهُ وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ مِنْ السِّحْرِ الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ قَالَ أَصْبَغُ يَكْشِفُ عَنْ ذَلِكَ مَنْ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ السِّحْرِ وَيَثْبُتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ الَّذِي يَقْلَعُ أُذُنَ الرَّجُلِ أَوْ يُدْخِلُ السِّكِّينَ فِي جَوْفِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ سِحْرًا قُتِلَ وَإِنْ كَانَ خِلَافَهُ عُوقِبَ.
وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ فِي الطُّرُقَاتِ وَلَهُمْ مَلَاعِبُ يُرُونَ النَّاسَ أَنَّهُمْ يَقْطَعُونَ رَأْسَ الْإِنْسَانِ ثُمَّ يَدْعُونَهُ فَيَجِيئُهُمْ حَيًّا وَيَجْعَلُونَ مِنْ الثِّيَابِ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَيَقْطَعُونَ السِّلْسِلَةَ هَلْ تَرَاهُمْ بِهَذَا الْفِعْلِ سَحَرَةً فَقَالَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كُفْرٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا هِيَ خِفَّةُ يَدٍ وَمَلَاعِبُ.
قُلْت هَذَا خِلَافُ مَا اخْتَارَهُ شَيْخُنَا الْإِمَامُ فِي أَصْحَابِ الْحِلَقِ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ بِبَابِ الْمَنَارَةِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ سَحَرَةٌ وَأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَيْهِمْ لَا يَجُوزُ وَهُوَ يُشْبِهُ ظَاهِرَ الرِّوَايَاتِ انْتَهَى كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ بِتَصَرُّفٍ وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ مُخْتَارَهُ وَابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ خِدْمَةَ الرُّوحَانِيِّينَ سِحْرٌ وَأَنَّ فِعْلَ عَقْدِ الزَّوْجِ عَنْ زَوْجَتِهِ وَنَحْوِهِ سِحْرٌ وَأَنَّ فِعْلَ الْحُوَاةِ وَنَحْوِهِمْ كَذَلِكَ وَأَنَّ السَّاحِرَ إنْ كَانَ يَظْهَرُ سِحْرُهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ يُقْتَلُ وَإِنْ كَانَ يُخْفِيهِ يُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ وَلَا قَبْرَ لَهُ وَعِبَارَةُ الْخَرَشِيِّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَسِحْرُ هَذَا جَامِعٌ لِلَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ وَالْفِعْلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ كُفْرٌ
стр. 772
وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ قَالَهُ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَقَدْ اسْتَصْوَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَلَامَ أَصْبَغَ وَحَكَاهُ الطُّرْطُوشِيُّ عَنْ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ وَاسْتَشْكَلَ قَوْلَ مَالِكٍ إنَّ تَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ كُفْرٌ. اهـ. وَحَدَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ السِّحْرَ بِقَوْلِهِ هُوَ كَلَامٌ مُؤَلَّفٌ يُعَظَّمُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَتُنْسَبُ إلَيْهِ الْمَقَادِيرُ وَالْكَائِنَاتُ هَكَذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اهـ وَإِذَا حُكِمَ بِكُفْرِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَجَاهِرًا بِهِ فَيُقْتَلُ إلَّا أَنْ يَتُوبَ وَمَا لَهُ فَيْءٌ وَإِنْ كَانَ يُخْفِيهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ يُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ كَمَا يَأْتِي اهـ.
(وَسُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَمِيرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَمَّنْ قَالَ لِآخَرَ ظَلَمْتنِي اللَّهُ يَظْلِمُك هَلْ يَرْتَدُّ بِذَلِكَ اللَّفْظِ أَوْ لَا وَإِذَا ذَهَبَ الْمُسْلِمُ إلَى بَيْتِ الذِّمِّيِّ فِي يَوْمِ عِيدِهِ وَقَالَ لَهُ أَحْيَاك اللَّهُ لِكُلِّ عَامٍ هَلْ يَرْتَدُّ بِذَلِكَ أَوْ لَا وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ قَضَيْت حَاجَتِي فَقَالَ اللَّهُ يَسْمَعُ مِنْ سَاكِتٍ هَلْ يَرْتَدُّ بِذَلِكَ أَوْ لَا وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ يُرِيدُ قَضَاءَ حَاجَةٍ يَا اللَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ يَا اللَّهُ يَا سَيِّدِي أَحْمَدَ يَا بَدَوِيَّ أَوْ يَا اللَّهُ يَا سَيِّدَةُ نَفِيسَةَ هَلْ فِي ذَلِكَ رِدَّةٌ أَوْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا يَرْتَدُّ الرَّجُلُ بِقَوْلِهِ لِنَصْرَانِيٍّ أَحْيَاك اللَّهُ لِكُلِّ عَامٍ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ تَعْظِيمَ الْكُفْرِ وَلَا رَضِيَ بِهِ وَاَللَّهُ يَسْمَعُ مِنْ سَاكِتٍ لَا رِدَّةَ فِيهِ لِأَنَّ مَقْصُودَهُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ وَيُغِيثُ عَبْدَهُ وَلَوْ لَمْ يَدْعُهُ وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ سَمْعَهُ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ وَيَا اللَّهُ يَا فُلَانُ لَيْسَ رِدَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّشْرِيكَ وَلَا الِاتِّحَادَ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ التَّبَرُّكُ بِتَقْدِيمِ الِاسْتِغَاثَةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَكُفْرُ الْمُؤْمِنِ أَمْرٌ صَعْبٌ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَيُلْتَمَسُ عَدَمُهُ مَهْمَا أَمْكَنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْمَسَائِلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ أَيْضًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَمَّنْ مَاتَتْ زَوْجَتُهُ ثُمًّ ابْنُهُ فَقَالَ رَبَّنَا عَلِّمْنِي زَرْعَتَهُ أَوْ فِلَاحَتَهُ فَهَلْ يَرْتَدُّ بِذَلِكَ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَكَلِّمُ بِتِلْكَ الْعِبَارَةِ الشَّنِيعَةِ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ وَيَتُوبُ مِنْهَا وَلَا يَرْتَدُّ إلَّا إذَا أَرَادَ نِسْبَةَ الرَّبِّ تَعَالَى لِلظُّلْمِ وَالْجَوْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي لَهَبٍ وَأَبِي جَهْلٍ هَلْ تَجُوزُ عَلَيْهِمْ اللَّعْنَةُ كَبَقِيَّةِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَهَلْ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْآمِرُ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ ﵁ مَاتَ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا وَهَلْ تَجُوزُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ أَمْ لَا وَهَلْ تَجُوزُ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ وَمُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ أَمْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، نَعَمْ تَجُوزُ عَلَيْهِمْ اللَّعْنَةُ كَبَقِيَّةِ مَنْ عُلِمَ مَوْتُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ أَعَاذَنَا اللَّهُ بِمَنِّهِ مِنْ ذَلِكَ لَكِنْ يَنْبَغِي التَّأَدُّبُ بِالْكَفِّ عَنْ ذَلِكَ فِي قَرَابَتِهِ ﷺ وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ افْتَرَقَ النَّاسُ فِيهِ ثَلَاثَ فِرَقٍ فِرْقَةٌ تَتَوَلَّاهُ وَتُحِبُّهُ وَفِرْقَةٌ تَسُبُّهُ وَتَلْعَنُهُ وَفِرْقَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ فِي ذَلِكَ لَا تَتَوَلَّاهُ وَلَا تَلْعَنُهُ وَتَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ سَائِرِ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ وَخُلَفَائِهِمْ غَيْرِ الرَّاشِدِينَ وَهَذِهِ الْفِرْقَةُ هِيَ الْمُصِيبَةُ وَمَذْهَبُهَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَنْ يَعْرِفُ سِيَرَ الْمَاضِينَ وَيَعْلَمُ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ وَتَجُوزُ اللَّعْنَةُ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ وَمُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُجْهُورِيُّ وَأَمَّا لَعْنُهُ يَعْنِي قَاتِلَ الْحُسَيْنِ لَا بِالتَّسْمِيَةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا يَجُوزُ لَعْنُ شَارِبِ الْخَمْرِ وَآكِلِ الرِّبَا وَنَحْوِهِمَا إجْمَالًا اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ اخْتَلَفُوا فِي كُفْرِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ طَائِفَةٌ إنَّهُ كَافِرٌ قَالَ سِبْطُ بْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَهُ رَأْسُ الْحُسَيْنِ ﵁ جَمَعَ أَهْلَ الشَّامِ وَجَعَلَ يَنْكُثُ رَأْسَهُ بِالْخَيْزُرَانِ وَيَنْشُد أَبْيَاتَ ابْنِ الزِّبَعْرَى:
стр. 773
لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا
الْأَبْيَاتَ الْمَعْرُوفَةَ وَزَادَ فِيهَا بَيْتَيْنِ مُشْتَمِلَيْنِ عَلَى صَرِيحِ الْكُفْرِ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِيمَا حَكَاهُ سِبْطُهُ عَنْهُ لَيْسَ الْعَجَبُ مِنْ قِتَالِ ابْنِ زِيَادٍ لِلْحُسَيْنِ وَإِنَّمَا الْعَجَبُ مِنْ خِذْلَانِ يَزِيدَ وَضَرْبِهِ بِالْقَضِيبِ ثَنَايَا الْحُسَيْنِ وَحَمْلِهِ آلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبَايَا عَلَى أَقْتَابِ الْجِمَالِ وَذِكْرِ أَشْيَاءَ مِنْ قَبِيحِ مَا اُشْتُهِرَ عَنْهُ وَحَمْلِهِ الرَّأْسَ إلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ رِيحُهُ وَمَا كَانَ مَقْصُودُهُ إلَّا الْفَضِيحَةَ وَإِظْهَارَ الرَّأْسِ وَيَحْرُمُ أَنْ يُفْعَلَ هَذَا بِالْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ بَلْ يُكَفَّنُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَيُدْفَنُونَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ أَحْقَادٌ جَاهِلِيَّةٌ وَأَضْغَانٌ بَدْرِيَّةٌ لَاحْتَرَمَ الرَّأْسَ لَمَّا وَصَلَ إلَيْهِ وَكَفَّنَهُ وَدَفَنَهُ وَأَحْسَنَ إلَى آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَيْسَ بِكَافِرٍ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِلْكُفْرِ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا مِنْهَا شَيْءٌ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى إسْلَامِهِ حَتَّى نَعْلَمَ مَا يُخْرِجُهُ عَنْهُ وَمَا سَبَقَ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ يُعَارِضُهُ مَا حُكِيَ أَنَّ يَزِيدَ لَمَّا وَصَلَ إلَيْهِ رَأْسُ الْحُسَيْنِ قَالَ رَحِمَك اللَّهُ يَا حُسَيْنٌ لَقَدْ قَتَلَك رَجُلٌ لَمْ يَعْرِفْ حَقَّ الْأَرْحَامِ وَتَنَكَّرَ لِابْنِ زِيَادٍ وَقَالَ قَدْ زَرَعَ لِي الْعَدَاوَةَ فِي قَلْبِ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ وَلَمْ يَثْبُتْ مُوجِبُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَقَالَتَيْنِ وَالْأَصْلُ إسْلَامُهُ فَنَأْخُذُ بِالْأَصْلِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَنَا مَا يُوجِبُ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إنَّ الطَّرِيقَةَ الثَّانِيَةَ الْقَوِيمَةَ فِي شَأْنِهِ التَّوَقُّفُ فِيهِ وَتَفْوِيضُ أَمْرِهِ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِأَنَّهُ الْعَالِمُ بِالْخَفِيَّاتِ الْمُطَّلِعُ عَلَى مَكْنُونِ السَّرَائِرِ وَهَوَاجِسِ الضَّمَائِرِ فَلَا يُتَعَرَّضُ لِتَكْفِيرِهِ أَصْلًا وَهَذَا هُوَ الْأَحْرَى وَالْأَسْلَمُ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فَهُوَ فَاسِقٌ شِرِّيرٌ جَائِرٌ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَزَالُ أَمْرُ أُمَّتِي قَائِمًا بِالْقِسْطِ حَتَّى يَكُونَ أَوَّلُ مَنْ يَثْلِمُهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ» .
وَأَخْرَجَ الرُّويَانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «أَوَّلُ مَنْ يُبَدِّلُ سُنَّتِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ» وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ لِمَا قَدَّمْته أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَتْ خِلَافَتُهُ لَيْسَتْ كَخِلَافَةِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فَإِنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَثْلِمُ أَمْرَ أُمَّتِهِ وَيُبَدِّلُ سُنَّتَهُ يَزِيدُ فَأَفْهَمَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَثْلِمْ وَلَمْ يُبَدِّلْ وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الْمَهْدَوِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ رَجُلًا نَالَ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِحَضْرَتِهِ فَضَرَبَهُ ثَلَاثَةَ أَسْوَاطٍ مَعَ ضَرْبِهِ لِمَنْ يُسَمِّي يَزِيدَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِشْرِينَ سَوْطًا فَفَرَّقَ مَا بَيْنَهُمَا وَكَانَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عِلْمٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا وَقَعَ مِنْ يَزِيدَ فَإِنَّهُ كَانَ يَدْعُو اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ رَأْسِ السِّتِّينَ وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَتَوَفَّاهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَكَانَتْ وَفَاةُ مُعَاوِيَةَ وَوِلَايَةُ ابْنِهِ سَنَةَ سِتِّينَ وَقَالَ نَوْفَلُ بْنُ الْفُرَاتِ كُنْت عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَذَكَرَ رَجُلٌ يَزِيدَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ تَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ عِشْرِينَ سَوْطًا وَلِإِسْرَافِهِ فِي الْمَعَاصِي خَلَعَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ طُرُقٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ الْغَسِيلِ قَالَ وَاَللَّهِ مَا خَرَجْنَا عَلَى يَزِيدَ حَتَّى خِفْنَا أَنْ نُرْمَى بِالْحِجَارَةِ مِنْ السَّمَاءِ كَانَ يَنْكِحُ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَدَعُ الصَّلَوَاتِ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ وَلَمَّا فَعَلَ يَزِيدُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا فَعَلَ مَعَ شُرْبِهِ الْخَمْرَ وَإِتْيَانِهِ الْمُنْكَرَاتِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبَأْسُ وَخَرَجَ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَمْ يُبَارِكْ اللَّهُ فِي عُمْرِهِ وَبَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى فِسْقِهِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ لَعْنِهِ بِخُصُوصِ اسْمِهِ
стр. 774
فَأَجَازَهُ قَوْمٌ مِنْهُمْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَنَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالرَّدِّ عَلَى الْمُتَعَصِّبِ الْعَنِيدِ الْمَانِعِ مِنْ ذَمِّ يَزِيدَ سَأَلَنِي سَائِلٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَقُلْت لَهُ يَكْفِيهِ مَا بِهِ فَقَالَ أَيَجُوزُ لَعْنُهُ فَقُلْت قَدْ أَجَازَهُ الْعُلَمَاءُ الْوَرِعُونَ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي حَقِّ يَزِيدَ مَا يَزِيدُ عَلَى اللَّعْنَةِ ثُمَّ رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ أَبِي يَعْلَى أَنَّهُ رَوَى فِي كُتُبِهِ الْمُعْتَمَدَةِ الْأُصُولُ بِإِسْنَادِهِ إلَى صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ قُلْت لِأَبِي إنَّ قَوْمًا يَنْسُبُونَنَا إلَى تَوَلِّي يَزِيدَ قَالَ يَا بُنَيَّ وَهَلْ يَتَوَلَّى يَزِيدَ أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَلِمَ لَا يُلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقُلْت فَأَيْنَ لَعْنُ اللَّهِ يَزِيدَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] وَهَلْ يَكُونُ فَسَادٌ أَعْظَمُ مِنْ الْقَتْلِ وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ يَا بُنَيَّ مَا أَقُولُ فِي رَجُلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَذَكَرَهُ؟
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَصَنَّفَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى كِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ مَنْ يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَةَ وَذَكَرَ مِنْهُمْ يَزِيدَ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ «مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ظُلْمًا أَخَافَهُ اللَّهُ وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وَلَا خِلَافَ أَنَّ يَزِيدَ غَزَا الْمَدِينَةَ بِجَيْشٍ وَأَخَافَ أَهْلَهَا اهـ وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ مِنْ الْقَتْلِ وَالْفَسَادِ الْعَظِيمِ وَالسَّبْيِ وَإِبَاحَةِ الْمَدِينَةِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ حَتَّى فُضَّ نَحْوُ ثَلَثِمِائَةِ بِكْرٍ وَقُتِلَ مِنْ الصَّحَابَةِ نَحْوٌ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ نَحْوُ سَبْعِمِائَةِ نَفْسٍ وَأُبِيحَتْ الْمَدِينَةُ أَيَّامًا وَبَطَلَتْ الْجَمَاعَةُ مِنْ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَيَّامًا وَأُخِيفَتْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يُمَكِّنْ أَحَدًا دُخُولَ مَسْجِدِهَا حَتَّى دَخَلَتْهُ الْكِلَابُ وَالذِّئَابُ وَبَالَتْ عَلَى مِنْبَرِهِ ﷺ وَلَمْ يَرْضَ أَمِيرُ ذَلِكَ الْجَيْشِ إلَّا بِأَنْ يُبَايِعُوهُ لِيَزِيدَ عَلَى أَنَّهُمْ خَوَلٌ لَهُ إنْ شَاءَ بَاعَ وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ فَذَكَرَ لَهُ بَعْضُهُمْ الْبَيْعَةَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَذَلِكَ فِي وَقْعَةِ الْحَرَّةِ ثُمَّ سَارَ جَيْشُهُ هَذَا إلَى قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَرَمَوْا الْكَعْبَةَ بِالْمَنْجَنِيقِ وَأَحْرَقُوهَا بِالنَّارِ فَأَيُّ شَيْءٍ أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ الْقَبَائِحِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي زَمَنِهِ نَاشِئَةً عَنْهُ وَهِيَ مِصْدَاقُ الْحَدِيثِ السَّابِقِ «لَا يَزَالُ أَمْرُ أُمَّتِي قَائِمًا بِالْقِسْطِ حَتَّى يَثْلِمَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَالُ يَزِيدُ» وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَجُوزُ لَعْنُهُ إذْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا مَا يَقْتَضِيهِ وَبِهِ أَفْتَى الْغَزَالِيُّ وَأَطَالَ فِي الِانْتِصَارِ لَهُ وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِقَوَاعِدِ أَئِمَّتِنَا وَبِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَعْنُ شَخْصٍ بِخُصُوصِهِ إلَّا إنْ عُلِمَ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ كَأَبِي جَهْلٍ وَأَبِي لَهَبٍ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعْلَمْ فِيهِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَعْنُهُ حَتَّى أَنَّ الْكَافِرَ الْحَيَّ الْمُعَيَّنَ لَا يَجُوزُ لَعْنُهُ لِأَنَّ اللَّعْنَ هُوَ الطَّرْدُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الْمُسْتَلْزِمُ لِلْيَأْسِ عَنْهَا وَذَلِكَ إنَّمَا يَلِيقُ بِمَنْ عُلِمَ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعْلَمْ فِيهِ ذَلِكَ فَلَا وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فِي الْحَالَةِ الظَّاهِرَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُؤْمِنَ كَمَا لَا يَجُوزُ لَعْنُ فَاسِقٍ مُعَيَّنٍ.
وَإِذَا عَلِمْت هَذَا عَلِمْت بِأَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَعْنُ يَزِيدَ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا خَبِيثًا وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَسُرَّ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَنْ اسْتِحْلَالٍ أَوْ كَانَ عَنْهُ لَكِنْ بِتَأْوِيلٍ وَلَوْ بَاطِلًا فِسْقٌ لَا كُفْرٌ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِقَتْلِهِ وَسُرُورَهُ بِهِ لَمْ يَثْبُتْ صُدُورُهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ بَلْ حُكِيَ عَنْهُ ضِدُّهُ كَمَا قَدَّمْته وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ لَعْنِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [محمد: ٢٣] وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» فَلَا دَلَالَةَ فِيهِمَا لِجَوَازِ لَعْنِ يَزِيدَ بِخُصُوصِ اسْمِهِ وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِيهِ وَإِنَّمَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ جَوَازُ لَعْنِهِ لَا بِذَلِكَ الْخُصُوصِ وَهَذَا جَائِزٌ بِلَا نِزَاعٍ وَمِنْ ثَمَّ حَكَوْا الِاتِّفَاقَ عَلَى
стр. 775
أَنَّهُ يَجُوزُ لَعْنُ مَنْ قَتَلَ الْحُسَيْنَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَوْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ أَوْ أَجَازَهُ أَوْ رَضِيَ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ لِيَزِيدَ.
كَمَا يَجُوزُ لَعْنُ شَارِبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ إذْ لَيْسَ فِيهِمَا تَعَرُّضٌ لِلَعْنِ أَحَدٍ بِخُصُوصِ اسْمِهِ بَلْ لِمَنْ قَطَعَ رَحِمَهُ وَمَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا أَنْ يُقَالَ لُعِنَ مَنْ قَطَعَ رَحِمَهُ وَمَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ظُلْمًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِيهِ تَسْمِيَةُ أَحَدٍ بِخُصُوصِهِ فَكَيْفَ يَسْتَدِلُّ بِهِ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَلَى جَوَازِ لَعْنِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِخُصُوصِهِ مَعَ وُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ فَاتَّضَحَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَعْنُهُ بِخُصُوصِهِ وَأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ لِلْجَوَازِ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الصَّلَاحِ مِنْ أَكَابِرِ أَئِمَّتِنَا الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ لَمَّا سُئِلَ عَمَّنْ يَلْعَنُهُ لِكَوْنِهِ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ ﵁ وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ الْآمِرَ بِقِتَالِهِ الْمُفْضِيَ إلَى قَتْلِهِ إنَّمَا هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ وَالِي الْعِرَاقِ إذْ ذَاكَ وَأَمَّا سَبُّ يَزِيدَ وَلَعْنُهُ فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ صَحَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ أَوْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَحْفُوظِ أَنَّ «لَعْنَ الْمُسْلِمِ كَقَتْلِهِ» وَقَاتِلُ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُكَفَّرُ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا ارْتَكَبَ إثْمًا عَظِيمًا وَإِنَّمَا يُكَفَّرُ بِالْقَتْلِ قَاتِلُ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالنَّاسُ فِي يَزِيدَ ثَلَاثُ فِرَقٍ فِرْقَةٌ تَتَوَلَّاهُ وَتُحِبُّهُ وَفِرْقَةٌ تَسُبُّهُ وَتَلْعَنُهُ وَفِرْقَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ فِي ذَلِكَ لَا تَتَوَلَّاهُ وَلَا تَلْعَنُهُ وَتَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ سَائِرِ الْمُلُوكِ لِلْمُسْلِمِينَ وَخُلَفَائِهِمْ غَيْرِ الرَّاشِدِينَ فِي ذَلِكَ وَهَذِهِ الْفِرْقَةُ هِيَ الْمُصِيبَةُ وَمَذْهَبُهَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَنْ يَعْرِفُ سِيَرَ الْمَاضِينَ وَيَعْلَمُ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا اهـ لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ وَهُوَ نَصٌّ فِيمَا ذَكَرْته.
وَفِي الْأَنْوَارِ مِنْ كُتُبِ أَئِمَّتِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْبَاغُونَ لَيْسُوا بِفَسَقَةٍ وَلَا كَفَرَةٍ بَلْ هُمْ مُخْطِئُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ وَيَذْهَبُونَ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ الْقَدْحُ فِي مُعَاوِيَةَ لِأَنَّهُ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَلَا يَجُوزُ لَعْنُ يَزِيدَ وَلَا تَكْفِيرُهُ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمْرُهُ إلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ يَحْرُمُ عَلَى الْوَاعِظِ وَغَيْرِهِ رِوَايَةُ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ وَحِكَايَاتُهُ وَمَا جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنْ التَّشَاجُرِ وَالتَّخَاصُمِ فَإِنَّهُ يُهَيِّجُ عَلَى بُغْضِ الصَّحَابَةِ وَالطَّعْنِ فِيهِمْ وَهُمْ أَعْلَامُ الدِّينِ الَّذِينَ تَلَقَّى الْأَئِمَّةُ الدِّينَ عَنْهُمْ رِوَايَةً وَنَحْنُ تَلَقَّيْنَاهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ دِرَايَةً فَالطَّاعِنُ فِيهِمْ مَطْعُونٌ طَاعِنٌ فِي نَفْسِهِ وَدِينِهِ اهـ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ.
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي رَجُلٍ لَهُ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ لَعِبَ فِي مُصْحَفٍ شَرِيفٍ بِأَيْدِي أَوْلَادِ الْكُتَّابِ فَفَرَّقَ بَعْضَ أَوْرَاقِهِ وَدَشَّتْهُ فَضَرَبَهُ أَوْلَادُ الْكُتَّابِ فَشَكَا لِأَبِيهِ فَجَاءَ وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ الْمَسْجِدَ وَنَزَعَ الْمُصْحَفَ الشَّرِيفَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَسَبَّهُ سَبًّا بَلِيغًا بِكَلَامٍ سَمِعَهُ مِنْهُ النَّاسُ وَمَزَّقَ الْمُصْحَفَ وَرَمَاهُ فَأَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِي الْقَذَرِ وَضَرَبَ الْأَوْلَادَ ضَرْبًا مُؤْلِمًا بَعْدَ سَبِّهِمْ وَقَذْفِهِمْ وَقَذْفِ وَالِدَيْهِمْ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَمَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ وَالسِّيَاسِيُّ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى أَفْعَالِ هَذَا الرَّجُلِ أَفِيدُوا الْجَوَابَ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إذَا ثَبَتَ مَا ذُكِرَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الْخَبِيثِ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَقَامَ الْمَقْذُوفُونَ بِحَقِّهِمْ وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ جَلْدُهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً بِشَرْطِهِ الْمُبَيَّنِ فِي مَحَلِّهِ ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَتِيبَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا جُوعٍ وَلَا عَطَشٍ وَلَا ضَرْبٍ مِنْ رِدَّتِهِ بِسَبِّهِ الْمُصْحَفَ وَتَمْزِيقِهِ وَرَمْيِهِ الْمُسَبَّبِ عَنْهُ وُصُولُهُ لِلْقَذَرِ فَإِنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَصْدُرُ مِثْلُهُ مِمَّنْ يُصَدِّقُ بِالْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الضَّابِطِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنْ تَابَ مِنْهَا لَمْ يَقْبَلْهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ
следующие страницы →