Полный текст (2 914 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
الْإِجَارَةُ: إذَا تَعَدَّى الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْمَأْجُورِ أَوْ خَالَفَ أَمْرَ الْمُؤَجِّرِ الْمُعْتَبَرِ يَضْمَنُ. رَاجِعْ الْمَوَادَّ ٥٤٥، ٥٤٦، ٥٤٧، ٥٤٨، ٥٥٠، ٥٥١، ٥٥٢، ٥٥٦، ٥٥٧، ٥٥٩، ٦٠٢، ٦٠٣، ٤ ٦٠،.
٣ - إذَا هَلَكَ الْمُسْتَأْجَرُ فِيهِ بِمُخَالِفَةِ الْأَجِيرِ لِأَمْرِ مُسْتَأْجِرِهِ أَوْ بِتَعَدِّيهِ يَضْمَنُهُ الْأَجِيرُ رَاجِعْ الْمَوَادَّ ٥٧١، ٨٠٧، ٦٠٨، ٦٠٩، ١ ٦١. .
مَثَلًا لَوْ دَخَلَ شَخْصٌ الْحَمَّامَ وَتَرَكَ ثِيَابَهُ عِنْدَ حَارِسِ الثِّيَابِ وَبَعْدَ دُخُولِهِ رَأَى الْحَارِسُ شَخْصًا آخَرَ وَهُوَ يَرْتَدِي الثِّيَابَ وَظَنَّ أَنَّهُ صَاحِبُهَا لَكِنْ، تَبَيَّنَ أَنَّ الثِّيَابَ لَيْسَتْ لَهُ بَلْ لِلشَّخْصِ الْمَارِّ ذِكْرُهُ يَضْمَنُهَا الْحَارِسُ الْمَذْكُورُ كَمَا لَوْ نَامَ الْحَمَّامِيُّ وَسُرِقَتْ الثِّيَابُ فَإِنْ نَامَ قَاعِدًا لَا يَضْمَنُ وَأَمَّا إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا يَضْمَنُ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
٤ - الْكَفَالَةُ: إذَا كَانَ عِنْدَ رَجُلٍ مَالٌ أَمَانَةٌ لِشَخْصٍ وَكَفَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ دَيْنَ الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ وَبَعْدَ ذَلِكَ أَعَادَ الْمَالَ إلَى صَاحِبِهِ يَكُونُ ضَامِنًا. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٠ ٥ ٦) .
٥ - الرَّهْنُ: إذَا تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْمَرْهُونِ وَهَلَكَ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ. اُنْظُرْ لَاحِقَةَ شَرْحِ الْمَادَّةِ (١ ٧٤) وَالْمَادَّةُ (٩ ٥ ٧) . .
٦ - إذَا خَالَفَ الْعَدْلُ يَضْمَنُ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٤ ٧٥) .
٧ - الْأَمَانَاتُ: إذَا قَصَّرَ الْمُسْتَوْدَعُ بِالْأَجْرِ فِي أَمْرِ الْمُحَافَظَةِ يَضْمَنُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٧٧) .
٨ - إذَا تَعَدَّى الْمُسْتَوْدَعُ عَلَى الْوَدِيعَةِ وَهَلَكَتْ أَوْ طَرَأَ نَقْصٌ عَلَى قِيمَتِهَا يَكُونُ ضَامِنًا. رَاجِعْ الْمَوَادَّ ٧٧٩، ٨٨٢، ٧٨٣، ٧٨٤، ٧٩٤، ٧٩٩، ١ ٨٠، ٢ ٨٠. .
٩ - إذَا تَعَدَّى الْمُسْتَعِيرُ عَلَى الْعَارِيَّةِ وَهَلَكَتْ أَوْ طَرَأَ نَقْصٌ عَلَى قِيمَتِهَا يَكُونُ ضَامِنًا. رَاجِعْ الْمَوَادَّ ٨١٤، ٨١٥، ٨١٦، ٨١٧، ٨١٨، ٠ ٨٢، ١ ٨٢، ٨٢٣، ٨٢٥، ٨٢٦، ٨٢٧، ٨٢٨، ٨٢٩. .
٠ - ١ - الشَّرِكَةُ: إذَا تَعَدَّى شَرِيكُ الْمِلْكِ وَهَلَكَ الْمَالُ الْمُشْتَرَكُ أَوْ عَرَضَ نَقْصٌ عَلَى قِيمَتُهٌ يَضْمَنُ الْحِصَّةَ الْعَائِدَةَ إلَى الشَّرِيكِ الْآخَرِ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٨٧ ٠ ١) . .
١١ - إذَا تَعَدَّى شَرِيكُ الْعَقْدِ يَضْمَنُ. اُنْظُرْ الْمَوَادَّ: ١٣٧٩، ١٣٨٠، ١٣٨٢، ١٣٨٣. .
٢ - ١ - إذَا تَعَدَّى الْمُضَارِبُ يَضْمَنُ رَاجِعْ الْمَوَادَّ ١٥ ٤ ١، ٤١٦ ١، ٤٢١ ١، ٤٢٢ ١، ٤٣٠ ١. .
١٣ - الْوَكَالَةُ: إذَا خَالَفَ الْوَكِيلُ وَتَرَتَّبَ ضَرَرٌ عَلَى مُوَكِّلِهِ مِنْ ذَلِكَ يَضْمَنُ الضَّرَرَ. رَاجِعْ الْمَوَادَّ ١٤٩٤، ١٤٩٨، ١١٥٠، ١٥١٥
[ (الْمَادَّةُ ٧٦٩) وَجَدَ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي مَحِلٍّ آخَرَ وَأَخَذَهُ عَلَى أَنَّهُ مَالٌ لَهُ]
(الْمَادَّةُ ٧٦٩) - إذَا وَجَدَ شَخْصٌ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي مَحِلٍّ آخَرَ وَأَخَذَهُ عَلَى أَنَّهُ مَالٌ لَهُ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْغَاصِبِ وَعَلَى هَذَا إذَا هَلَكَ ذَلِكَ الْمَالُ أَوْ فُقِدَ يَضْمَنُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صُنْعٌ وَتَقْصِيرٌ وَأَمَّا إذَا أَخَذَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ لِصَاحِبِهِ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مَعْلُومًا فَهُوَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ مَحْضَةٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إلَى صَاحِبِهِ. وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَيْرَ مَعْلُومٍ فَهُوَ لُقَطَةٌ وَأَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي وَجَدَهُ وَأَخَذَهُ
стр. 1017
إذَا أَخَذَ شَخْصٌ مَالًا لَيْسَ لَهُ لِنَفْسِهِ يَكُونُ غَاصِبًا حُكْمًا (الْهِنْدِيَّةُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) سَوَاءٌ كَانَ عَنْ عِلْمٍ أَمْ جَهْلٍ.
مِثَالُ أَخْذِهِ عَنْ عِلْمٍ: إذَا وَجَدَ شَخْصٌ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي مَحِلٍّ آخَرَ كَمَا الْمَنْقُولَاتُ وَالْحَيَوَانَاتُ الَّتِي يَفْقِدُهَا صَاحِبُهَا وَأَخَذَهُ فَفِي هَذَا ثَلَاثَةُ احْتِمَالَاتٍ:
١ - إذَا أَخَذَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَالًا لِنَفْسِهِ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْغَاصِبِ. سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهُ مَعْلُومًا أَوْ غَيْرَ مَعْلُومٍ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩٦) . وَإِمَّا يَكُونُ فِي حُكْمِ الْغَاصِبِ لِأَنَّ أَخْذَ الرَّجُلِ الشَّيْءَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَالًا لَهُ مَمْنُوعٌ وَمُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَى مَا سَيُذْكَرُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
وَسَبَبُ الْقَوْلِ هُنَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الْغَاصِبِ عِوَضٌ عَنْ الْقَوْلِ يَكُونُ غَاصِبًا هُوَ أَنَّ الْغَصْبَ كَمَا سَيُوَضَّحُ فِي تَعْرِيفِهِ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ يَحْصُلُ بِإِزَالَةِ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ وَإِثْبَاتِ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ وَحَيْثُ إنَّ الشَّيْءَ الْمَذْكُورَ فُقِدَ يَعْنِي أَنَّ يَدَ صَاحِبِهِ لَمْ تُوجَدْ عَلَيْهِ فَلَا تَكُونُ الْيَدُ الْمُحِقَّةُ أُزِيلَتْ يَعْنِي لَا يَكُونُ الْمَالُ الْمَذْكُورُ نُزِعَ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ بِنَاءً عَلَى أَخْذِ الرَّجُلِ الْمَالَ الْمَذْكُورَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَالًا لَهُ فَإِذَا هَلَكَ ذَلِكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ يَكُونُ ضَامِنًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صُنْعٌ وَتَقْصِيرٌ فِي هَلَاكِهِ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١ ٨٩) . وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إذَا أَعَادَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمَالَ الْمَذْكُورَ إلَى الْمَحِلِّ الَّذِي وَجَدَهُ فِيهِ لَا يَكُونُ بَرِيئًا مِنْ الضَّمَانِ بَلْ يَبْقَى فِي ضَمَانِهِ مَا لَمْ يَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٢ ٨٩) . .
مِثَالٌ أَوَّلٌ: إذَا أَخَذَ رَجُلٌ شَاةً فَرَّتْ مِنْ قَطِيعِ غَيْرِهِ وَالْتَحَقَتْ بِقَطِيعِهِ ظَانًّا أَنَّهَا مِنْ غَنَمِهِ وَهَلَكَتْ فِي يَدِهِ يَكُونُ ضَامِنًا وَتُوَضَّحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١ ٨٨) . .
مِثَالٌ ثَانٍ عَلَى الْأَخْذِ عَنْ جَهْلٍ: إذَا وَضَعَ الْمُسْتَوْدَعُ ضِمْنَ الثَّوْبِ الْمَوْجُودِ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً ثَوْبًا لَهُ ثُمَّ أَعْطَى الثِّيَابَ إلَى صَاحِبِهَا بِنَاءً عَلَى طَلَبِهِ وَنَسِيَ ثَوْبَهُ وَأَخَذَهُ الْمُودِعُ مَعَ الْوَدِيعَةِ وَبَعْدَ اطِّلَاعِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ عَلَى ذَلِكَ هَلَكَ الثَّوْبُ فِي يَدِهِ يَكُونُ ضَامِنًا. وَجَهْلُ الْمُودِعِ لَيْسَ بِعُذْرٍ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٢) وَفِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ دَفَعَ ثَوْبَ الْوَدِيعَةِ إلَى صَاحِبِهِ نَاسِيًا فِيهِ ثَوْبَهُ فَقَدْ دَفَعَ الْمُسْتَوْدَعُ مَا لَهُ إلَى غَيْرِهِ فَكَانَ هَذَا مِنْ قِبَلِ الْمَادَّةِ (١ ٧٧) حَيْثُ دَفَعَ صَاحِبُ الْمَالِ مَالَهُ إلَى غَيْرِهِ وَالْغَيْرُ أَخَذَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فَكَيْفَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلَوْ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَقْصُودَ يُلْزِمُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إذَا أَخَذَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ وَأَخْفَاهُ عَنْ صَاحِبِهِ فَكَانَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمَادَّةِ (٩٠١) وَيُقَالُ: إنَّ الْمُودِعَ أَخَذَ ثَوْبَ الْوَدِيعَةِ بِلَا أَمْرٍ مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ وَكَانَ فِيهِ ثَوْبُ الْمُسْتَوْدَعِ وَذَهَبَ بِهِ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ حَيْثُ أَخَذَ مَالَ الْغَيْرِ بِلَا أَمْرٍ مِنْ صَاحِبِهِ. (الشَّارِحُ) .
٢ - وَأَمَّا إذَا كَانَ أَخْذُهُ الشَّيْءَ بِقَصْدِ إعْطَائِهِ إلَى صَاحِبِهِ مَعْلُومًا فَهُوَ أَمَانَةٌ صِرْفَةٌ وَلَيْسَتْ اللُّقَطَةُ كَالْمَالِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ السَّكْرَانِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ ذَاهِبٌ فِي الطَّرِيقِ وَيَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ أَنْ يَرَى الشَّخْصَ الَّذِي سَقَطَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَالُ.
كَمَا لَوْ وَجَدَ شَخْصٌ فِي حَائِطِ الْبَيْتِ الَّذِي اشْتَرَاهُ نُقُودًا مَدْفُونَةً فَيُنْظَرُ. إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهَا مِلْكَهُ
стр. 1018
تَكُونُ لَهُ وَيُجِبْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُ. وَأَمَّا إذَا قَالَ الْبَائِعُ: إنَّهَا لَيْسَتْ مَالَهُ فَتَكُونُ لُقَطَةً (رَدُّ الْمُحْتَارِ) الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الشَّيْءُ الْمَفْقُودُ كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْفِقْرَةِ الْأُولَى.
وَيُحْتَرَزُ بِتَعْبِيرِ (فُقِدَ) مِنْ مَسْأَلَتَيْنِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى - الْأَشْيَاءُ الَّتِي رَمَاهَا وَتَرَكَهَا صَاحِبُهَا قَصْدًا فَكَمَا أَنَّهَا لَا تُعَدُّ لُقَطَةً لَا يَلْزَمُ رَدُّهَا لِصَاحِبِهَا وَلَوْ كَانَ مَعْلُومًا. مَثَلًا فِي زَمَانِنَا عِنْدَمَا يُعَطِّلُ أَصْحَابُ الْكُرُومِ وَالْبَسَاتِينِ كُرُومَهُمْ وَبَسَاتِينَهُمْ يَتْرُكُونَ بَقَايَا الْعِنَبِ وَالْبِطِّيخِ وَيَتْرُكُ أَصْحَابُ الْمَزْرُوعَاتِ أَيْضًا بَعْدَ الْحَصَادِ بَقِيَّةَ السَّنَابِلِ فِي الْحُقُولِ. فَإِنْ كَانَ تَرْكُ أَصْحَابِهَا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَيْ يَأْخُذَهَا مَنْ شَاءَ فَلَا بَأْسَ فِي أَخْذِهَا فَهِيَ بِحُكْمِ الْمُبَاحِ مَعَ مَعْلُومِيَّةِ أَصْحَابِهَا (الْهِنْدِيَّةُ) كَمَا أَنَّ الْأَشْيَاءَ السَّرِيعَةَ الْفَسَادِ وَالْمُعْتَادَ رَمْيُهَا وَاَلَّتِي لَيْسَتْ ذَاتَ قِيمَةٍ لَا تُعَدُّ لُقَطَةً وَبِنَاءً عَلَيْهِ الْكُمَّثْرَى مَثَلًا الْمَعْدُودَةُ مِنْ الْأَثْمَارِ إذَا وُجِدَتْ فِي النَّهْرِ الْجَارِي لَا تَكُونُ لُقَطَةً وَحَيْثُ إنَّ أَصْحَابَهَا رَمَوْهَا قَصْدًا وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَا يَطْلُبُونَهَا فَأَخَذَهَا لِأَجْلِ تَمَلُّكِهَا جَائِزٌ (عَبْدُ الْحَلِيمِ عَنْ الْخُلَاصَةِ) .
وَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الْقَيِّمَةُ الَّتِي يُسَارِعُ الْفَسَادُ إلَيْهَا كَالْأَشْجَارِ وَالْأَخْشَابِ إذَا وُجِدَتْ فِي النَّهْرِ الْجَارِي فَتَكُونُ لُقَطَةً إنْ كَانَ أَصْحَابُهَا غَيْرَ مَعْلُومِينَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ - الْأَشْيَاءُ الْمَوْجُودَةُ فِي يَدِ أَصْحَابِهَا وَاَلَّتِي لَمْ تُفْقَدْ لَيْسَتْ لُقَطَةً. مَثَلًا لَوْ أَخَذَ شَخْصٌ خُفْيَةً أَوْ جَهْرًا وَقَهْرًا مَالَ شَخْصٍ آخَرَ مِنْ جَيْبِهِ أَوْ مِنْ بَيْتِهِ بِدُونِ إذْنِ الْمَالِكِ بِنِيَّةِ أَنْ يُعِيدَهُ لَهُ يَكُونُ سَارِقًا أَوْ غَاصِبًا بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ مَوْجُودًا يَلْزَمُ رَدُّهُ وَتَسْلِيمُهُ عَيْنًا لِصَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ تُوُفِّيَ فَلِجَمِيعِ وَرَثَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ فَلِبَيْتِ الْمَالِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٤ ٧٩) وَإِذَا كَانَ قَدْ هَلَكَ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ وَيَلْزَمُ إنْ كَانَ هَلَاكُهُ بِتَعَدٍّ وَتَقْصِيرٍ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ السَّابِقَةَ وَشَرْحَهَا.
فَهَا إنَّ الْمَالَ الَّذِي يُعْلَمُ صَاحِبُهُ لَا يَكُونُ لُقَطَةً عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ. وَبِنَاءً عَلَيْهِ لَا حَاجَةَ لِلْإِشْهَادِ وَلَا لِلْإِعْلَانِ لِأَجْلِ التَّفْتِيشِ عَلَى صَاحِبِهِ كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٧٧٠) . وَفِي قَوْلٍ إنَّ هَذَا لُقَطَةٌ وَعَلَيْهِ أَيْضًا لَا حَاجَةَ لِلْإِعْلَانِ. وَالْمَجَلَّةُ بِتَعْبِيرِ (مَحْضَةٍ) اخْتَارَتْ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ.
٣ - وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَيْرَ مَعْلُومٍ فَهُوَ لُقَطَةٌ وَأَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُلْتَقَطِ. وَإِذَا وَجَدَ اللُّقَطَةَ شَخْصَانِ فَكِلَاهُمَا يُعَرِّفَانِ وَيَكُونَانِ مُشْتَرِكَيْنِ فِي حُكْمِ اللَّقْطَةِ. وَذِكْرُ لَفْظَةِ شَخْصٍ الْوَارِدِ فِي صَدْرِ الْمَادَّةِ لَيْسَ احْتِرَازًا مِنْ الِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بَلْ الْقَصْدُ مِنْهُ التَّنْكِيرُ وَالتَّعْمِيمُ يَعْنِي أَيًّا كَانَ مِنْ النَّاسِ. وَفِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ بَيَانُ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ وَبَيَانُ حُكْمِهَا مَعًا.
. مَسَائِلُ اللُّقَطَةِ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ مُسْتَقِلَّةٌ فِي كِتَابٍ تَحْتَ عِنْوَانِ (كِتَابِ اللُّقَطَةِ) وَفِيهَا تَفْصِيلَاتٌ مُهِمَّةٌ وَلَكِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمَجَلَّةِ إلَّا مَسَائِلُ قَلِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا وَجَبَ أَنْ نُوَسِّعَ هَذَا الْمَبْحَثَ وَنُفَصِّلَ بَعْضَ التَّفْصِيلِ.
الْمَسَائِلُ الْعَائِدَةُ لَهَا. وَالْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَحْكَامِ الْآتِيَةِ:
أَوَّلًا - تَعْرِيفُ اللُّقْطَةِ
стр. 1019
ثَانِيًا - أَرْكَانُ اللُّقَطَةِ.
ثَالِثًا - شَرَائِطُ اللُّقَطَةِ.
رَابِعًا - حِلُّ أَخْذِ اللُّقَطَةِ.
خَامِسًا - الْإِشْهَادُ وَالْإِعْلَانُ اللَّازِمَانِ فِي اللُّقَطَةِ وَالِاسْتِغْنَاءُ بِالْوَاحِدِ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ.
سَادِسًا - مَحِلُّ إشْهَادِ اللُّقَطَةِ.
سَابِعًا - إعَادَةُ اللُّقَطَةِ إلَى مَحِلِّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا.
ثَامِنًا - زَمَانُ إعْلَانِ اللُّقَطَةِ وَمُدَّتُهُ وَمِقْدَارُهُ.
تَاسِعًا - تَسْلِيمُ اللُّقَطَةِ إلَى الَّذِي طَلَبَهَا مُدَّعِيًا أَنَّهَا مَالَهُ.
عَاشِرًا - الْمُعَامَلَةُ الَّتِي يَجِبُ إجْرَاؤُهَا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ ظُهُورِ صَاحِبِهَا.
حَادِي عَشَرَ - صُورَةُ تَدَارُكِ تَسْوِيَةِ نَفَقَةِ اللُّقَطَةِ.
١ - تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ: اللَّقْطَةُ هِيَ الْمَالُ الَّذِي فُقِدَ وَوَجَدَهُ آخَرُ وَكَانَ غَيْرَ مُبَاحٍ وَمَالِكُهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ. سَوَاءٌ أَفُقِدَ مِنْ مَالِكِهِ أَمْ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرُ الْغَاصِبُ وَسَوَاءٌ أَكَانَ سَبَبُ الْفَقْدِ سُقُوطَ الْمَالِ بِدُونِ عِلْمٍ أَمْ النَّوْمَ أَمْ الْفِرَارَ أَمْ تَرْكَ الْحِمْلِ لِثِقَلِهِ. (الْبَاجُورِيُّ) .
يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ التَّفْصِيلَاتِ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي وُجِدَ يَكُونُ أَمَانَةً سَوَاءٌ أَكَانَ صَاحِبُهُ مَعْلُومًا أَمْ غَيْرَ مَعْلُومٍ وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّهُ إذَا كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ مَعْلُومًا فَلَا يَكُونُ لُقَطَةً وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ فَهُوَ لُقَطَةٌ.
إيضَاحُ الْقُيُودِ:
فُقِدَ: بِهَذَا التَّعْبِيرِ تَبْقَى الْأَمْوَالُ الَّتِي فِي الْمَنَازِلِ وَعِنْدَ مُحَافِظِيهَا خَارِجَةً. وَآخِذُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ سَارِقٌ أَوْ غَاصِبٌ. وَيَجِيءُ تَعْرِيفُ وَبَيَانُ أَحْكَامِهِ فِي الْكِتَابِ الثَّامِنِ.
بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ إنَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْمَنَازِلِ وَفِي جِوَارِ الْقُرَى وَفِي الْمَرَاعِي وَفِي أَطْرَافِ الْعَشَائِرِ وَالْبَدْوِ وَالرُّحُلِ وَبِجِوَارِ الْقَوَافِلِ النَّازِلَةِ فِي مَحِلٍّ لَا تُعَدُّ لُقَطَةً وَمَنْ أَخَذَهَا يَكُونُ غَاصِبًا أَوْ سَارِقًا.
وَبِتَعْبِيرِ (فُقِدَ) يَبْقَى الْمَالُ الَّذِي أَلْقَاهُ صَاحِبُهُ خَارِجًا. وَإِلْقَاءُ مَالٍ بِهَذِهِ الصُّورَةِ إبَاحَةٌ. مَثَلًا: لَوْ رَمَى شَخْصٌ مَالًا وَقَالَ: مَنْ وَجَدَهُ فَهُوَ لَهُ فَكَانَ لِمَنْ سَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ بِالذَّاتِ حَقُّ أَخْذِ وَتَمْلِيكِ الْمَالِ الْمَرْقُومِ كَمَا أَنَّ لِلشَّخْصِ الَّذِي لَمْ يَسْمَعْ الْقَوْلَ بِالذَّاتِ وَإِنَّمَا الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعَهُ بِالْوَاسِطَةِ صَلَاحِيَةٌ فِي أَخْذِ الْمَالِ وَتَمَلُّكِهِ. وَكَذَلِكَ كَمَا أَنَّ أَخْذَ الدَّرَاهِمِ الَّتِي تُنْثَرُ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْوَلَائِمِ وَاسْتَمْلَاكهَا جَائِزٌ فَالشُّرْبُ مِنْ الْمَاءِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَ الْبَابِ خُصُوصًا حَتَّى يَشْرَبَ مِنْهُ النَّاسُ جَائِزٌ أَيْضًا. كَذَلِكَ إذَا غَرَسَ رَجُلٌ شَجَرَةً ذَاتَ فَاكِهَةٍ فِي مَفَازَةٍ لَيْسَتْ مِلْكَ أَحَدٍ وَأَبَاحَ ثَمَرَهَا لِلنَّاسِ جَازَ لِلْكُلِّ تَنَاوُلُ ثِمَارِهَا.
مَالِكُهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ: بِهَذَا التَّعْبِيرِ تَخْرُجُ الْأَمَانَةُ الَّتِي مَالِكُهَا مَعْلُومٌ وَتُرَدُّ هَذِهِ الْأَمَانَةُ إلَى صَاحِبِهَا وَلَا حَاجَةَ لِلْإِعْلَانِ. وَيُفْهَمُ مِنْ مَادَّةِ الْمَجَلَّةِ هَذِهِ أَنَّ الْمَالَ لَيْسَ لُقَطَةً (عَبْدُ الْحَلِيمِ) .
غَيْرُ مُبَاحٍ: بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ يَخْرُجُ الْمَالُ الَّذِي يُغْتَنَمُ مِنْ الْحَرْبِيِّ أَثْنَاءَ الْمُحَارَبَةِ. وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ غَنِيمَةً وَهَذَا. الْمَالُ لَيْسَ لُقَطَةً.
стр. 1020
الْمَالُ: بِهَذَا اللَّفْظِ يَبْقَى اللَّقِيطُ خَارِجًا. يَعْنِي إنَّ مَا وُجِدَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَالًا وَكَانَ وَلَدًا فَلَا يُقَالُ لَهُ لُقَطَةٌ بَلْ يُسَمَّى لَقِيطًا. وَفِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِاللَّقِيطِ. وَحَيْثُ إنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الْمَجَلَّةِ مَسَائِلُ عَائِدَةٌ لَهُ صُرِفَ النَّظَرُ عَنْ تَصْرِيفِ أَحْكَامِهِ.
٢ - أَرْكَانُ اللُّقَطَةِ: أَرْكَانُ اللُّقَطَةِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: اللَّاقِطُ أَيْ آخِذُ اللُّقَطَةِ؛ الْمَلْقُوطُ أَيْ اللُّقَطَةُ؛ اللُّقْطَةُ يَعْنِي أَخْذَ اللُّقَطَةِ (الْبَاجُورِيُّ) .
٣ - شُرُوطُ اللُّقَطَةِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُلْتَقِطُ عَاقِلًا، يَعْنِي إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ عَاقِلًا فَالْتِقَاطُهُ صَحِيحٌ.
بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَخَذَ شَخْصٌ اللُّقَطَةَ جَبْرًا مِنْ يَدِ الْمُلْتَقِطِ الْعَاقِلِ أَوْ فُقِدَتْ اللُّقَطَةُ وَوَجَدَهَا شَخْصٌ آخَرُ فَلِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَدَّعِيَهَا وَيَسْتَرِدَّهَا مِنْهُ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ فَقِيرًا فَلَهُ حَقُّ تَمَلُّكِهَا بَعْدَ الْإِعْلَانِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
كَمَا أَنَّ أَخْذَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ اللُّقَطَةَ جَائِزٌ أَيْضًا وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَانَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ مَأْذُونًا يُجْرِي الْإِعْلَانَ الْمَسْرُودَ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ وَلِيُّهُ أَوْ وَصِيُّهُ.
حَتَّى إنَّهُ إذَا كَانَ الصَّبِيُّ مُقْتَدِرًا عَلَى الْإِشْهَادِ فِي الْمَحِلِّ الَّذِي أَخَذَ اللُّقَطَةَ مِنْهُ وَتَرَكَهُ لَزِمَهُ الضَّمَانُ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَيْرَ عَاقِلٍ فَالْتِقَاطُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
بِنَاءً عَلَيْهِ، الْتِقَاطُ الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمَنْهُوشِ غَيْرُ صَحِيحٍ. حَتَّى إنَّهُ إذَا أَخَذَ مَجْنُونٌ مَالًا لُقَطَةً وَانْتَزَعَهُ مِنْهُ شَخْصٌ ثُمَّ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ وَيَأْخُذَ اللُّقَطَةَ مِنْ الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
٤ - حِلُّ أَخْذِ اللُّقَطَةِ: اُخْتُلِفَ فِي الْمَالِ الْمَفْقُودِ إذَا بِقَصْدِ رَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ هَلْ هُوَ حَلَالٌ أَمْ حَرَامٌ. فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: بِمَا أَنَّهُ فِي هَذَا الْأَخْذِ وَالِالْتِقَاطِ وَضْعُ يَدٍ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنٍ فَبِحُكْمِ الْمَادَّةِ (٦ ٩) لَا يَكُونُ أَخْذُهُ وَالْتِقَاطُهُ حَلَالًا.
وَقَالَ غَيْرُهُمْ بِجَوَازِ الِالْتِقَاطِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الِالْتِقَاطِ هَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ: «مَنْ أَصَابَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ» . وَلَكِنْ يَجُوزُ أَيْضًا عَدَمُ أَخْذِ اللُّقَطَةِ مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ وَعِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ. لِأَنَّ صَاحِبَهُ يُفَتِّشُ عَلَيْهِ فِي الْمَحِلِّ الَّذِي فُقِدَ مِنْهُ وَيَجِدُهُ. وَيَظْفَرُ بِمَالِهِ. (فَتْحُ الْقَدِيرِ) . هَلْ الْأَوْلَى أَخْذُ اللُّقَطَةِ أَوْ عَدَمُ أَخْذِهَا؟ هَذِهِ الْجِهَةُ تَحْتَاجُ إلَى إيضَاحٍ. الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْمَجَلَّةِ أَنَّ أَخْذَ الْمَالِ الْمَفْقُودِ بِقَصْدِ رَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ جَائِزٌ. سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الْمَالُ بِرْذَوْنًا أَوْ حَيَوَانًا آخَرَ أَوْ طَيْرًا أَوْ أَمْتِعَةً أَوْ أَشْيَاءَ أُخْرَى كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. فَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ أَمِينًا مِنْ نَفْسِهِ فَأَخْذُهُ لِأَجْلِ رَدِّهِ وَإِعَادَتِهِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ إنَّ ضَيَاعَ اللُّقَطَةِ مُتَوَهَّمٌ هُنَاكَ يَجِبُ أَخْذُهَا وَإِعْلَانُهَا لِأَجْلِ صِيَانَةِ وَحِفْظِ أَمْوَالِ النَّاسِ. مَعَ أَنَّ عَدَمَ الْتِقَاطِ اللُّقَطَةِ جَائِزٌ أَيْضًا. لِأَنَّ صَاحِبَهَا يُفَتِّشُ عَلَيْهَا فِي الْمَحِلِّ الَّذِي فَقَدَهَا وَيَجِدُهَا وَيَظْفَرُ بِمَالِهِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَمِينًا مِنْ نَفْسِهِ وَلَحَظَ أَنَّهُ يَسْتَهْلِكُهَا بِسَبَبِ حِرْصِهِ وَطَمَعِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَلْتَقِطَهَا (الْفَتْحُ وَالْهِدَايَةُ
стр. 1021
وَعَبْدُ الْحَلِيمِ) ، وَإِنَّمَا عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِ الْخَوْفِ مِنْ هَلَاكِ اللُّقَطَةِ فِي الْمَحِلِّ الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ وَكَانَ الشَّخْصُ الَّذِي وَجَدَهَا أَمِينًا فَالْتِقَاطُهَا لَازِمٌ وَوَاجِبٌ وَتَرْكُ هَذَا اللُّزُومِ مُوجِبٌ لِلْإِثْمِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ الضَّمَانَ. يَعْنِي فِي تِلْكَ الْحَالِ لَا يَلْزَمُ الشَّخْصَ الَّذِي لَمْ يَلْتَقِطْهَا الضَّمَانُ عَلَى تَقْدِيرِ ضَيَاعِ اللُّقَطَةِ الْمَذْكُورَةِ (عَبْدُ الْحَلِيمِ وَمَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ شَيْئًا مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا وَلَا يُفَتِّشُ عَلَيْهَا كَقُشُورِ الْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ وَفَضَلَاتِ الْخُضْرَةِ فَيُعْتَبَرُ رَمْيُهَا وَإِلْقَاؤُهَا إبَاحَةً فَلِلَّذِي وَجَدَهَا الِانْتِفَاعُ بِهَا بِدُونِ أَنْ يَكُونَ مَجْبُورًا عَلَى الْإِشْهَادِ وَالْإِعْلَانِ. وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا. وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ سَتَبْقَى فِي مِلْكِيَّةِ مَالِكِهَا فَلِصَاحِبِهَا اسْتِرْدَادُهَا مِنْ يَدِ الْآخِذِ إذَا وُجِدَتْ عَيْنًا، لِأَنَّ رَمْيَهَا إبَاحَةٌ وَلَيْسَ تَمْلِيكًا. وَفِي الْإِبَاحَةِ حَيْثُ إنَّ الْمَالَ الَّذِي أُبِيحَ لَا يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِيَّةِ صَاحِبِ الْمَالِ فَحَقُّ اسْتِرْدَادِهِ بَاقٍ (فَتْحُ الْقَدِيرِ)
٥ - الْإِشْهَادُ وَالْإِعْلَانُ اللَّازِمَانِ فِي اللُّقَطَةِ وَالِاسْتِغْنَاءُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ: مَتَى تَكُونُ اللُّقَطَةُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ يَلْزَمُ لَهُمَا ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:
الْأَوَّلُ: عِنْدَ أَخْذِ اللُّقَطَةِ وَرَفْعِهَا مِنْ الْمَحِلِّ. الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ أَنْ تُؤْخَذَ بِقَصْدِ إعَادَتِهَا إلَى صَاحِبِهَا. أُفِيدَ هَذَا الشَّرْطُ فِي الْمَجَلَّةِ بِفِقْرَةِ (إذَا أَخَذَهُ بِقَصْدِ إعَادَتِهِ إلَى صَاحِبِهِ) .
الثَّانِي: الْإِشْهَادُ عِنْدَ الْتِقَاطِ اللُّقَطَةِ. وَهَذَا الشَّرْطُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْمَجَلَّةِ.
الثَّالِثُ: الْإِعْلَانُ بَعْدَ الْتِقَاطِ اللُّقَطَةِ. وَهَذَا الشَّرْطُ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٠ ٧٧) .
فَلْنُوَضِّحْ الشَّرْطَ الثَّانِي: إذَا قَالَ الْمُلْتَقِطُ بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ أَثْنَاءَ الْتِقَاطِهِ اللُّقَطَةَ يَعْنِي عِنْدَمَا يَرْفَعُ اللُّقَطَةَ مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي يَجِدُهَا فِيهِ أَنَّهُ وَجَدَ اللُّقَطَةَ وَأَخَذَهَا عَلَى أَنْ يَرُدَّهَا لِصَاحِبِهَا يُفْهَمُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ أَخَذَهَا حَتَّى يَرُدَّهَا لِصَاحِبِهَا. وَحَيْثُ إنَّ الْمَقْصِدَ مِنْ الْإِشْهَادِ إثْبَاتُ الِالْتِقَاطِ لِأَجْلِ رَدِّ اللُّقَطَةِ إلَى صَاحِبِهَا لَدَى الْإِيجَابِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الشُّهُودُ أَشْخَاصًا عُدُولًا وَمَقْبُولِي الشَّهَادَةِ. وَيَحْصُلُ الْإِشْهَادُ بِقَوْلِ الْآخِذِ لِلشُّهُودِ: عِنْدِي شَيْءٌ مَفْقُودٌ أَخْبِرُوا عَنِّي كُلَّ مَنْ سَمِعْتُمْ بِأَنَّهُ يُفَتِّشُ عَلَى اللُّقَطَةِ وَيُقَالُ لِهَذَا (الْإِشْهَادُ عَلَى اللَّقْطَةِ) . وَالْإِشْهَادُ لَازِمٌ سَوَاءٌ أَكَانَتْ اللُّقَطَةُ ذَاتَ قِيمَةٍ أَوْ كَانَتْ لَا أَهَمِّيَّةَ لَهَا. وَلَا يَلْزَمُ فِي الْإِشْهَادِ التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ اللُّقَطَةِ أَوْ بَيَانِ جِنْسِهَا بِأَنَّ اللُّقَطَةَ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، عَبْدُ الْحَلِيمِ) .
الْمَالُ الَّذِي يُلْتَقَطُ تَحْتَ هَذِهِ الشُّرُوطِ يَكُونُ أَمَانَةً.
وَتَتَفَرَّعُ الْمَسَائِلُ الْآتِيَةُ عَلَى كَوْنِ اللُّقَطَةِ أَمَانَةً.
أَوَّلًا - إذَا هَلَكَتْ اللُّقَطَةُ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ أَوْ طَرَأَ نُقْصَانٌ عَلَى قِيمَتِهَا لَا يُلْزَمُ الضَّمَانَ رَاجِعْ الْقَاعِدَةَ الثَّانِيَةَ فِي شَرْحٍ الْمَادَّةِ (٧٦٨) وَإِذَا ادَّعَى الْمُلْتَقِطُ أَنَّ اللُّقَطَةَ هَلَكَتْ فِي يَدِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ يُصَدَّقُ مَعَ الْيَمِينِ حَسَبَ الْمَادَّةِ (٧٧٤ ١) .
ثَانِيًا - لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يُعْطِيَ اللُّقَطَةَ إلَى أَمِينِهِ لِأَجْلِ الْحِفْظِ بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ (٧٨٠) وَإِذَا هَلَكَتْ اللُّقَطَةُ فِي يَدِ الْأَمِينِ الْمَرْقُومِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ الْمُلْتَقِطَ وَلَا أَمِينَهُ الضَّمَانُ بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ (١ ٩) رَدُّ الْمُحْتَارِ.
ثَالِثًا - إذَا هَلَكَتْ اللُّقَطَةُ أَوْ فُقِدَتْ بِسَبَبِ تَعَدِّي أَوْ تَقْصِيرِ الْمُلْتَقِطِ لَزِمَ ضَمَانُ جَمِيعِ قِيمَتِهَا وَإِذَا
стр. 1022
حَصَلَ نُقْصَانٌ فِي الْقِيمَةِ يَجِبُ ضَمَانُ النُّقْصَانِ الْمَذْكُورِ. رَاجِعْ الْقَاعِدَةَ الثَّانِيَةَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ وَالْمَادَّةَ (٧٨٧) (الْهِنْدِيَّةُ) .
رَابِعًا - إذَا امْتَنَعَ الْمُلْتَقِطُ عَنْ تَسْلِيمِ اللُّقَطَةِ لِصَاحِبِهَا مَعَ أَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ ثُمَّ هَلَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ ضَامِنًا.
وَأَمَّا كَوْنُ الْإِشْهَادِ وَالْإِعْلَانِ مُغْنِيًا أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ. فَتَعْرِيفُ الْإِشْهَادِ الْمَذْكُورُ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ لَا يُفِيدُ الِاسْتِغْنَاءَ يَعْنِي أَنَّ التَّعْرِيفَ وَالْإِعْلَانَ أَيْضًا لَازِمٌ بَعْدَ الْإِشْهَادِ. وَهُنَاكَ قَوْلٌ الْإِعْلَانُ غَيْرُ لَازِمٍ بَعْدَ الْإِشْهَادِ.
وَأَمَّا الْإِعْلَانُ فَهُوَ لَا يُغْنِي عَنْ الْإِشْهَادِ. بِنَاءً عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ قَبْلَ الْإِعْلَانِ لَازِمٌ فَإِذَا حَصَلَ الْإِعْلَانُ بَعْدَ الِالْتِقَاطِ فَفِي هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّ الْإِعْلَانَ لَا يَكْفِي لِلْإِشْهَادِ الَّذِي لَمْ يُجَدْ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
٦ - مَحِلُّ إشْهَادِ اللُّقَطَةِ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْإِشْهَادُ عَلَى اللُّقَطَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ آنِفًا حِينَ أَخَذَهَا وَرَفَعَهَا وَتَرْكُ الْإِشْهَادِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُوجِبُ الضَّمَانَ. حَتَّى أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إذَا كَانَ مُقْتَدِرًا عَلَى الْإِشْهَادِ حِينَمَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ وَلَمْ يُشْهِدْ وَتَجَاوَزَ الْمَحِلَّ الْمَذْكُورَ يَكُونُ ضَامِنًا (الْبَزَّازِيَّةُ) مَا لَمْ تَكُنْ اللُّقَطَةُ فِي الْمَفَازَةِ وَالصَّحْرَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ أُنَاسٌ يَسْتَشْهِدُ بِهِمْ أَوْ أَنَّهُ بِتَقْدِيرِ الْإِشْهَادِ يَخَافُ مِنْ اغْتِصَابِ اللُّقَطَةِ مِنْ يَدِهِ وَتَرَكَ الْإِشْهَادَ لِأَحَدِ هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ فَلَا يُوجَبُ الضَّمَانُ بِالْإِجْمَاعِ. لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْإِشْهَادِ إنَّمَا كَانَتْ لِأَجْلِ صِيَانَةِ الْأَمْوَالِ يَعْنِي لِأَجْلِ حِفْظِ مَالِ الْغَيْرِ وَإِعَادَتِهِ إلَى صَاحِبِهِ عِنْدَ ظُهُورِهِ فَالْإِشْهَادُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ سَيُعْتَبَرُ غَاصِبًا يَكُونُ سَبَبًا لِضَيَاعِ الْمَالِ وَلَيْسَ لِحِفْظِهِ (الْهِدَايَةُ وَالْفَتْحُ) . وَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ - فِي أَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْإِشْهَادِ لِلْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ - قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ. يَعْنِي إذَا قَالَ الْمُلْتَقِطُ: إنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِشْهَادُ لِلسَّبَبِ الْفُلَانِيِّ يُقْبَلُ مَعَ الْيَمِينِ بَيْدَ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَدَمُ الشَّهَادَةِ نَاشِئًا عَنْ عَدَمِ وُجُودِ الشُّهُودِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِدَ بَعْدَئِذٍ حِينَمَا يَظْفَرُ بِالشُّهُودِ وَتَرْكُ الْإِشْهَادِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ. وَلَكِنْ تَرْكُ الْإِشْهَادِ بِلَا سَبَبٍ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ:
١ - مَسْأَلَةٌ، إذَا لَمْ يُشْهِدْ الْمُلْتَقِطُ وَلَكِنَّ صَاحِبَ اللُّقَطَةِ أَقَرَّ بِأَنَّ أَخَذَ الْمُلْتَقِطِ اللُّقَطَةَ وَرَفْعَهُ إيَّاهَا كَانَ بِقَصْدِ رَدَّهَا وَإِعَادَتِهَا لَهُ وَلَيْسَ بِقَصْدِ أَنْ يَمْتَلِكَهَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ لِأَنَّهُ تَصِيرُ حُجَّةً فِي حَقِّهِمَا (الْعِنَايَةُ) .
٢ - مَسْأَلَةٌ، إذَا ادَّعَى الْمُلْتَقِطُ الَّذِي تَرَكَ الْإِشْهَادَ بِغَيْرِ عُذْرٍ أَنَّ الْتِقَاطَهُ كَانَ لِأَجْلِ رَدِّ اللُّقَطَةِ وَإِعَادَتِهَا لِصَاحِبِهَا وَقَالَ صَاحِبُ الْمَالِ: إنَّهُ أَخَذَهَا لِأَجْلِ تَمَلُّكِهَا فَعِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ مَعَ يَمِينِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يَدَّعِي الضَّمَانَ وَوُجُوبَ الْبَدَلِ عَلَى الْمُلْتَقِطِ وَهَذَا يُنْكِرُ. فَنَظَرًا لِلْمَادَّةِ (٨) مِنْ الْمَجَلَّةِ يَكُونُ الْقَوْلُ لِمَنْ ادَّعَى بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ وَالْبَيِّنَةُ بِحَسَبِ الْمَادَّةِ (٧٦) عَلَى الْمُنْكِرِ وَحَيْثُ إنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْإِنْسَانِ الْكَامِلِ يَدُلُّ وَيَشْهَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْتَكِبُ الْمَعْصِيَةَ وَيَخْتَارُ الثَّوَابَ فَأَخْذُهُ وَالْتِقَاطُهُ جَائِزٌ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَخْذَ حَلَالٌ. وَهُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ لِأَجْلِ إعَادَتِهِ إلَى صَاحِبِهِ وَلَيْسَ لِنَفْسِهِ. وَهَذَا الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ قَائِمٌ مَقَامَ الْإِشْهَادِ. وَرَجَّحَ قَوْلَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ هَذَا بِعِبَارَةِ (وَبِهِ نَأْخُذُ) . وَتَرْكُ الْإِشْهَادِ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالْإِمَامِ مُحَمَّدٍ. وَرُجِّحَ هَذَا الْمَذْهَبَ
стр. 1023
بِالنَّظَرِ إلَى ظَاهِرِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ. وَلَا يُوجَدُ قَيْدٌ وَلَا إشَارَةٌ فِي الْمَجَلَّةِ إلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ وَمَعَ ذَلِكَ يُمْكِنُ الْقَوْلُ إنَّ الْمَجَلَّةَ بِعَدَمِ ذِكْرِهَا لُزُومَ الْإِشْهَادِ قَدْ قَبِلَتْ هَذَا الْمَذْهَبَ أَيْ مَذْهَبَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ. إنَّمَا مَحِلُّ هَذَا الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ آنِفًا مُحْتَاجٌ لِلْإِيضَاحِ.
وَيَحْصُلُ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ فِيمَا لَوْ اتَّفَقَ صَاحِبُ الْمَالِ وَالْمُلْتَقِطُ عَلَى كَوْنِ الْمَالِ لُقَطَةً وَأَمَّا إذَا قَالَ الْمُلْتَقِطُ: إنِّي أَخَذْتُ الْمَالَ وَرَفَعْتُهُ بِصِفَةِ لُقَطَةٍ عَلَى أَنْ أُعْطِيَكَهُ وَادَّعَى صَاحِبُ الْمَالِ أَنَّهُ لَمْ يُفْقَدْ مِنِّي بَلْ أَنْتَ غَصَبْتَهُ وَحَصَلَ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فَيَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ بِلَا تَفْصِيلٍ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالْخَيْرِيَّةُ فِي اللُّقَطَةِ) .
٧ - إعَادَةُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ الْأَخْذِ إلَى الْمَحِلِّ الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ: إذَا أَعَادَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ إلَى مَحِلِّهَا وَتَرَكَهَا هُنَاكَ بَعْدَ أَنَّ الْتَقَطَهَا فَفِي ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ:
١ - مَسْأَلَةٌ: بَعْدَ أَنْ الْتَقَطَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهَا لِصَاحِبِهَا إذَا أَعَادَهَا إلَى الْمَحِلِّ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ وَتَرَكَهَا هُنَاكَ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا فَعَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْخَانِيَّةِ يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ. سَوَاءٌ أَعَادَهَا بَعْدَ أَنْ تَجَاوَزَ الْمَحِلَّ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ أَمْ قَبْلَ التَّجَاوُزِ. وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَيْضًا هُوَ هَذَا (الْبَحْرُ) . وَهَذَا بِخِلَافِ مَا وَرَدَ فِي الْغَصْبِ فِي الْبَزَّازِيَّةُ أَنَّهُ إذَا أَعَادَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ قَبْلَ مُغَادَرَةِ الْمَحِلِّ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ وَتَجَاوُزِهِ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ. وَإِنْ أَعَادَهَا بَعْدَ الْمُغَادِرَةِ وَالتَّجَاوُزِ تَبْقَى فِي ضَمَانِهِ إلَى أَنْ يُعِيدَهَا وَيُسَلِّمَهَا لِصَاحِبِهَا سَالِمَةً.
٢ - مَسْأَلَةٌ: إذَا أَعَادَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ إلَى الْمَحِلِّ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ بَعْدَ أَنْ الْتَقَطَهَا كَيْ تَكُونَ مَالًا لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ لِأَجْلِ إعْطَائِهَا لِصَاحِبِهَا لَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ وَتَبْقَى تَحْتَ ضَمَانِ الْمُلْتَقِطِ وَمَسْئُولِيَّتِهِ إلَى أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَى صَاحِبِهَا سَالِمَةً (الْخَانِيَّةُ) .
٨ - زَمَانُ إعْلَانِ اللُّقَطَةِ وَمُدَّتُهُ وَمِقْدَارُهُ: لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْإِعْلَانُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَادَّةِ (٠ ٧٧) وَقْتَ الْأَخْذِ. فَكَمَا أَنَّ الْإِعْلَانَ يَجُوزُ وَقْتَ الْأَخْذِ فَإِذَا أَعْلَنَ بَعْدَ الِالْتِقَاطِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ هَلَاكِ اللُّقَطَةِ يَكُونُ صَحِيحًا وَمُعْتَبَرًا أَيْضًا وَإِذَا أَعْلَنَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّرِ يُفْهَمُ أَنَّهُ الْتَقَطَهَا بِقَصْدِ رَدِّهَا إلَى صَاحِبِهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا لِنَفْسِهِ لِأَجْلِ تَمَلُّكِهَا. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٦٨ (عَبْدُ الْحَلِيمِ) .
وَإِنْ كَانَ اُخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ الْإِعْلَانِ فَقَدْ قِيلَ أَنْ لَا تَكُونَ هَذِهِ الْمُدَّةُ مُخَصَّصَةً بِوَقْتٍ كَسَنَةٍ مَثَلًا. وَتَكُونُ مُدَّةُ الْإِعْلَانِ مُفَوَّضَةً لِرَأْيِ الْمُلْتَقِطِ فَإِنَّهُ يُعْلِنُهَا لِوَقْتِ حُصُولِ الظَّنِّ الْغَالِبِ عَلَى أَنَّ صَاحِبَهَا لَنْ يَطْلُبَهَا أَوْ لِزَمَنٍ لَا يَحْصُلُ فِيهِ فَسَادُهَا إذَا كَانَتْ اللُّقَطَةُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَثْمَارِ مَثَلًا بِبَقَائِهَا مُدَّةً طَوِيلَةً.
وَإِنْ كَانَ إعْلَانُ الْمُلْتَقِطِ مَرَّةً كَافِيًا لِأَجْلِ دَفْعِ الضَّمَانِ فَالْوَاجِبُ تَكْرَارُ الْإِعْلَانِ (الْفَتْحُ) .
٩ - صُورَةُ تَسْلِيمِ اللُّقَطَةِ لِمَنْ يَطْلُبُهَا مُدَّعِيًا أَنَّهَا مَالَهُ وَأَحْكَامُهَا إذَا ظَهَرَ صَاحِبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ:
الْأَسْبَابُ الَّتِي يَجُوزُ تَسْلِيمُ اللُّقَطَةِ إلَى مَنْ يَطْلُبُهَا مُدَّعِيًا أَنَّهَا مَالَهُ ثَلَاثَةٌ:
أَوَّلًا: إثْبَاتُ ذَلِكَ الشَّخْصِ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ اللُّقَطَةَ لَهُ وَيُسْرَدُ تَفْصِيلَاتٌ بِهَذَا الْخُصُوصِ فِي الْمَادَّةِ (٠ ٧٧) وَشَرْحِهَا.
ثَانِيًا: إذَا عَدَّدَ شَخْصٌ وَوَصَفَ جَمِيعَ عَلَامَاتِ اللُّقَطَةِ الْمُوَافِقَةِ لِنَفْسِ الْأَمْرِ مَثَلًا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهَا نُقُودٌ
стр. 1024
إذَا بَيَّنَ عَدَدَهَا وَجِنْسَهَا وَالْكِيسَ الْمَوْضُوعَةَ فِيهِ فَلِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يُعْطِيَ تِلْكَ اللُّقَطَةَ إلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ بِرِضَاهُ. يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إذَا أَعْطَاهُ إيَّاهَا. لَكِنْ إذَا لَمْ يُعْطِهَا بِرِضَاهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَلَهُ الْحَقُّ أَنْ يَطْلُبَ بَيِّنَةً. وَابْنُ الْهُمَامِ يُرَجِّحُ هَذَا الْقَوْلَ. كَمَا لَوْ ظَهَرَ شَخْصَانِ وَوَصَفَ كِلَاهُمَا اللُّقَطَةَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ آنِفًا وَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّ اللُّقَطَةَ مَالَهُ فَلِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يُعْطِيَهُمَا لَهُمَا بِالِاشْتِرَاكِ بِلَا إجْبَارٍ. وَلَكِنْ فِي الْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ بِفِقْرَةِ (ثَانِيًا) أَعْلَاهُ لِلْمُلْتَقِطِ حَقٌّ بِأَنْ يَطْلُبَ كَفِيلًا مِنْ الشَّخْصِ الَّذِي سَيُسَلِّمُهُ اللُّقَطَةَ وَأَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ التَّسْلِيمِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ إعْطَائِهِ كَفِيلًا.
ثَالِثًا - إذَا ظَهَرَ شَخْصٌ وَادَّعَى بِأَنَّ اللُّقَطَةَ مَالَهُ وَأَقَرَّ الْمُلْتَقِطُ وَصَادَقَ عَلَى ذَلِكَ يُسَلِّمُهُ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ وَإِنْ لَمْ يُوَصِّفْهَا وَيُعَرِّفْهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَارِّ ذِكْرُهُ وَلَكِنْ فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ هَذِهِ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ وَطَلَبَ بَيِّنَةً يُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَرَجَّحَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ كَمَالٍ هَذِهِ الْجِهَةَ (عَبْدُ الْحَلِيمِ) .
وَلَا يُجْبَرُ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْآخَرِينَ. لِأَنَّهُ حَيْثُ هَذَا الْإِقْرَارُ وَاقِعٌ عَلَى الْغَيْرِ. فَلَيْسَ حَائِزًا صِفَةً تُوجِبُ الْإِلْزَامَ. وَعَلَيْهِ فَلِلْمُلْتَقِطِ حَقٌّ بِطَلَبِ الْبَيِّنَةِ.
وَمَا جَاءَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِنْ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ اللُّقَطَةَ إلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ هُوَ بِمَعْنَى أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ إعْطَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ لَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْزِيرِ وَلَا مَسْئُولًا مِنْ جِهَةِ الْآخِرَةِ حَيْثُ إنَّهُ اسْتَهْلَكَ مَالَ الْغَيْرِ بِتَسْلِيمِهِ إلَى شَخْصٍ آخَرَ لَيْسَ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ بَرِيئًا مِنْ الضَّمَانِ تُجَاهَ صَاحِبِهَا الْحَقِيقِيِّ.
بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا سَلَّمَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ إلَى شَخْصٍ بِبَيَانِ الْعَلَامَةِ أَوْ بِالتَّصْدِيقِ ثُمَّ ظَهَرَ شَخْصٌ آخَرُ وَأَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ اللُّقَطَةَ مَالَهُ فَكَمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ اللُّقَطَةَ عَيْنًا إنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً لَهُ الْخِيَارُ إذَا هَلَكَتْ. فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْمُلْتَقِطِ وَإِنْ شَاءَ لِلشَّخْصِ الَّذِي قَبَضَهَا. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٠ ٩١) .
وَإِذَا ضَمَّنَهَا لِلْقَابِضِ فَلَيْسَ لِلْقَابِضِ أَنْ يُضَمِّنَهَا لِلْمُلْتَقِطِ كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٥٨) . وَأَمَّا إذَا ضَمَّنَهَا لِلْمُلْتَقِطِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْقَابِضِ وَالصَّحِيحُ هُوَ هَذَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمُلْتَقِطِ وَتَصْدِيقَهُ كُذِّبَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَكَأَنَّهُ سَلَّمَ بِلَا تَصْدِيقٍ وَفَهِمَ أَخِيرًا أَنَّ اللُّقَطَةَ لَيْسَتْ مَالَهُ. (الْفَتْحُ) رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ٧٩ مِنْ الْمَجَلَّةِ وَالْمَادَّةَ ٤٦٥١.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّ الْأَظْهَرَ هُوَ هَذَا فَإِنْ سَلَّمَ الْمُلْتَقِطُ عَلَى بَيَانِ الْعَلَامَةِ وَصَارَ ضَامِنًا تُجَاهَ صَاحِبِ اللُّقَطَةِ الْحَقِيقِيِّ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الشَّخْصِ الَّذِي أَخَذَهَا بِبَدَلِ الضَّمَانِ وَأَمَّا إذَا سَلَّمَ بِالْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ (عَبْدُ الْحَلِيمِ) يَعْنِي قَالُوا: إنَّ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الَّتِي ذُكِرَتْ آنِفًا رُجُوعًا وَلَيْسَ مِنْ رُجُوعٍ فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ.
اسْتِثْنَاءٌ: إذَا أَقَرَّ الْمُلْتَقِطُ بِاللُّقَطَةِ لِشَخْصٍ وَسُلِّمَتْ لَهُ بِسَبَبِ لُحُوقِ الْحَاكِمِ بِالتَّسْلِيمِ ثُمَّ ظَهَرَ شَخْصٌ آخَرُ وَأَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ اللُّقَطَةَ مَالُهُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ.
. ١٠ - الْمُعَامَلَةُ الَّتِي يَجِبُ إجْرَاؤُهَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لِلُّقَطَةِ صَاحِبٌ: إذَا أَعْلَنَ الْمُلْتَقِطُ وَعَرَّفَ بِظَرْفِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَتْنًا وَشَرْحًا فِي الْمَادَّةِ (٠ ٧٧) وَلَمْ يَظْهَرْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ
стр. 1025
يَكُونُ مُخَيَّرًا بِالتَّصَرُّفِ فِي الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ الْآتِي ذِكْرُهَا:
١ - إنْ شَاءَ يُدَاوِمُ عَلَى حِفْظِ اللُّقَطَةِ لِأَجْلِ صَاحِبِهَا بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَعِنْدَ وَفَاتِهِ يُوصِي بِهَا آخَرَ حَتَّى لَا يُدْخِلَهَا وَرَثَتُهُ فِي الْمِيرَاثِ وَلَا يَقْتَسِمُوهَا.
يَعْنِي أَنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ لُقَطَةٌ وَيُوصِي بِحِفْظِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ (الْفَتْحُ) .
٢ - وَإِنْ شَاءَ يَضَعُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ كَيْ تُرَدَّ إلَى صَاحِبِهَا عِنْدَ وُجُودِهِ بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَوُجُودُ خَزِينَةٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِمُحَافَظَةِ اللُّقَطَاتِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.
٣ - وَإِنْ شَاءَ أَعْطَى اللُّقَطَةَ إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَحْفَظَهَا بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَالْحَاكِمُ يُقْرِضُهَا إلَى غَنِيٍّ إنْ كَانَتْ قَابِلَةً لِلْإِقْرَاضِ. وَإِذَا اسْتَقْرَضَهَا الْمُلْتَقِطُ مِنْ الْحَاكِمِ يَجُوزُ أَيْضًا. أَوْ أَنَّ الْحَاكِمَ يُعْطِيهَا إلَى غَنِيٍّ بِطَرِيقِ الْمُضَارَبَةِ.
وَإِذَا كَانَتْ اللُّقَطَةُ شَيْئًا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيْعِ يَبِيعُهَا الْمُلْتَقِطُ أَوْ الْحَاكِمُ وَيَحْفَظُ ثَمَنَهَا. وَإِذَا بَاعَهَا الْحَاكِمُ لَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ بَعْدَئِذٍ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ شَيْئًا قَابِلًا لِلْفَسَادِ وَلَمْ يَبِعْهَا الْمُلْتَقِطُ وَهَلَكَتْ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٨٥) . .
٤ - وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى فَقِيرٍ عَلَى أَنْ يَعُودَ الثَّوَابُ عَلَى صَاحِبِهَا وَيَكُونُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَوْصَلَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحَقِّهِ.
يَعْنِي وَإِنْ يَكُنْ الْمُلْتَقِطُ مَجْبُورًا عَلَى إيصَالِ عَيْنِ اللُّقَطَةِ إلَى صَاحِبِهَا وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ أَوْصَلَهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا. عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ صَاحِبَهَا يُجِيزُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَكَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَنِيٍّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى وَلَدِ الْغَنِيِّ الصَّغِيرِ أَيْضًا (الْهِدَايَةُ وَعَبْدُ الْحَلِيمِ) .
وَإِذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ فَقِيرًا فَلَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى وَلَدِهِ الْفَقِيرِ وَزَوْجَتِهِ وَأَنْ يَبِيعَهَا إذَا كَانَتْ مُحْتَاجَةً لِلْبَيْعِ وَيَصْرِفَ ثَمَنَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَكِنْ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ فَقِيرًا يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ إذْنًا مِنْ الْحَاكِمِ مَتَى أَرَادَ أَنْ يَصْرِفَهَا عَلَى نَفْسِهِ. وَإِنْ قَالُوا: إنَّ صَرْفَهَا بِدُونِ إذْنٍ لَا يَحِلُّ فَعَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ الْمُتُونِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ حِلَّ صَرْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْقَاضِي (عَبْدُ الْحَلِيمِ) .
وَإِذَا وُجِدَ صَاحِبُ الْمَالِ بَعْدَ التَّصَدُّقِ فَإِنْ أَجَازَ التَّصَدُّقَ يَكُونُ ثَوَابُهُ عَائِدًا عَلَيْهِ. وَقِيَامُ اللُّقَطَةِ فِي يَدِ الْفَقِيرِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ هَذِهِ الْإِجَازَةِ وَلَهُ أَنْ يُجِيزَهُ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً. وَإِنْ كَانَ عَدَمُ لُحُوقِ الْإِجَازَةِ مِنْ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَيْ مَسْأَلَةَ الْإِجَازَةِ بَعْدَ هَلَاكِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِ الْفَقِيرِ مُسْتَثْنَاةٌ.
وَلَكِنْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَكُونُ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ قَاصِرًا فَهُوَ غَيْرُ أَهْلٍ لِلتَّبَرُّعَاتِ فَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ أَوْ وَصِيِّهِ أَنْ يُجِيزَ التَّصَدُّقَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَضْمَنَ كَمَا سَيُذْكَرُ رَاجِعْ مَادَّتَيْ (٥٨ و ٨٠) . وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ مُخْتَارًا فِي التَّصَرُّفِ بِالْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا يَبْعَثُ هَذَا الِاخْتِيَارُ إلَى إبْطَالِ حَقِّ صَاحِبِ الْمَالِ.
فَبِنَاءً عَلَيْهِ فِي صُوَرِ الْبَيْعِ وَالتَّصَدُّقِ لِصَاحِبِ الْمَالِ حَقُّ التَّضْمِينِ كَمَا يَأْتِي:
حَقُّ التَّضْمِينِ فِي التَّصَدُّقِ:
стр. 1026
إذَا تَصَدَّقَ الْمُلْتَقِطُ بِاللُّقَطَةِ عَلَى فَقِيرٍ أَجْنَبِيٍّ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ فَقِيرًا ثُمَّ ظَهَرَ صَاحِبُ الْمَالِ وَإِنْ يَكُنْ التَّصَرُّفُ الْمَذْكُورُ مُقْتَرِنًا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ. فَإِنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ مَوْجُودَةً عَيْنًا فَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا وَيَأْخُذَهَا مِنْ وَاضِعِ الْيَدِ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً يُضَمِّنُهَا لِلْمُلْتَقِطِ أَوْ لِلْفَقِيرِ (الْهِدَايَةُ) يُضَمِّنُهَا لِلْمُلْتَقِطِ لِأَنَّهُ سَلَّمَ مَالَ الْآخَرِ بِدُونِ إذْنِهِ إلَى الْغَيْرِ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩٦) . .
سُؤَالٌ: نَعَمْ فِي الْوَاقِعِ سَلَّمَهَا بِدُونِ إذْنِ صَاحِبِهَا لَكِنَّهُ سَلَّمَهَا بِإِذْنِ وَإِبَاحَةِ الشَّرْعِ وَحَيْثُ إنَّ الْجَوَازَ الشَّرْعِيَّ مُنَافٍ لِلضَّمَانِ بِمُوجِبِ الْمَادَّةِ (٩١) فَمَا كَانَ مِنْ اللَّازِمِ أَنْ يَتَرَتَّب الضَّمَانُ.
الْجَوَابُ: إنَّ الثَّابِتَ مِنْ الشَّارِعِ هُوَ الْإِذْنُ بِالتَّصَدُّقِ وَلَيْسَ إيجَابُ التَّصَدُّقِ يَعْنِي أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَجْعَلْ التَّصَدُّقَ بِاللُّقَطَةِ وَاجِبًا عَلَى الْمُلْتَقِطِ. بَلْ أَنَّهُ رَخَّصَ بِالتَّصَدُّقِ فَقَطْ (فَتْحُ الْقَدِيرِ) وَهُوَ مُخْتَارٌ فِي الْعَمَلِ بِهَذِهِ الرُّخْصَةِ وَعَدَمِهِ. فَلَا يَبْقَى بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مُتَخَلِّصًا مِنْ الضَّمَانِ. وَيُضَمِّنُهَا لِلْفَقِيرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ أَخَذَ مَالَ الْغَيْرِ بِدُونِ إذْنِهِ.
سُؤَالٌ: لَمَّا قَبَضَ الْفَقِيرُ اللُّقَطَةَ وَثَبَّتَ مِلْكِيَّتَهُ فِيهَا بِإِذْنِ الشَّرْعِ فَكَيْفَ يَسْتَرْجِعُهَا؟ يَعْنِي كَيْفَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يَسْتَرِدُّهَا مِنْ الْفَقِيرِ بِالتَّضْمِينِ؟
الْجَوَابُ: ثُبُوتُ الْمِلْكِ بِإِذْنِ الشَّرْعِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حَقِّ الِاسْتِرْدَادِ كَمَا هُوَ فِي الْهِبَةِ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٨٦٤) الْفَتْحُ.
وَلَيْسَ لِمَنْ ضُمِّنَ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ عَلَى رَفِيقِهِ. يَعْنِي أَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ الْمُلْتَقِطُ بِاللُّقَطَةِ عَلَى فَقِيرٍ آخَرَ وَاسْتَهْلَكَهَا هَذَا ثُمَّ ظُهْر صَاحِبُهَا وَضَمَّنَهَا لِلْفَقِيرِ فَلَيْسَ لِلْفَقِيرِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ.
سُؤَالٌ: بِمَا أَنَّ الْفَقِيرَ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَةِ الْمُلْتَقِطِ فَكَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَنْ يَحِقَّ لَهُ الرُّجُوعُ.
الْجَوَابُ: حَيْثُ إنَّ الْغُرُورَ لَمْ يَقَعْ ضِمْنَ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ أَوْ عَقْدِ التَّبَرُّعِ الَّذِي يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الدَّافِعِ فَلَيْسَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ وَلَا مُسْتَلْزِمًا لِلرُّجُوعِ (الْعِنَايَةُ) رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٦٥٨) . .
كَمَا أَنَّهُ إذَا ضَمَّنَهَا لِلْمُلْتَقِطِ فَلَيْسَ لِلْمُلْتَقِطِ أَيْضًا أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَصِيرُ كَأَنَّهُ مَالِكٌ لِلُّقَطَةِ بِالضَّمَانِ اسْتِنَادًا عَلَى وَقْتِ أَخْذِهِ إيَّاهَا وَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَالِ نَفْسِهِ.
كَذَلِكَ إذَا دُفِعَتْ اللُّقَطَةُ لِلْحَاكِمِ وَبَعْدَ أَنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى فَقِيرٍ ظَهَرَ صَاحِبُهَا فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مَأْمُورٌ بِمُحَافَظَةِ أَمْوَالِ الْغُيَّابِ وَلَيْسَ بِاسْتِهْلَاكِهَا (الْفَتْحُ) وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْفَقِيرِ. وَأَيُّهُمَا ضَمِنَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْآخَرِ. رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٦٥٨) .
حَقُّ التَّضْمِينِ فِي بَيْعِ الْمُلْتَقِطِ وَبَيْعِ الْحَاكِمِ: إذَا بَاعَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ عَلَى بِنَاءِ أَنْ يَحْفَظَ ثَمَنَهَا ثُمَّ وَجَدَ صَاحِبَهَا بَعْدَ ذَلِكَ يُنْظَرُ:
فَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ بَاعَهَا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ يَأْخُذُ صَاحِبُ الْمَالِ الثَّمَنَ فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ. كَمَا لَوْ بَاعَهَا الْحَاكِمُ بِالذَّاتِ فَالْحَاكِمُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ بَاعَهَا الْمُلْتَقِطُ بِدُونِ إذْنِ الْحَاكِمِ يُنْظَرُ.
فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مَوْجُودًا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ شَاءَ صَاحِبُهُ أَجَازَ الْبَيْعَ وَإِنْ شَاءَ أَبْطَلَهُ وَاسْتَرَدَّ مَالَهُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٣٧٨) .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَبِيعُ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُهُ مُخَيَّرٌ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ
стр. 1027
لِلْبَائِعِ وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْبَيْعُ نَافِذًا وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ لِلْمُشْتَرِي. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٠ ١ ٩) وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَيَأْخُذُ الْمُشْتَرِي ثَمَنَ الْمَبِيعِ مِنْ الْبَائِعِ.
جُعْلُ اللُّقَطَةِ وَنَفَقَتُهَا: لَيْسَ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَطْلُبَ جُعْلًا أَيْ أُجْرَةً مُقَابِلَ الْتِقَاطِهِ. سَوَاءٌ الْتَقَطَهَا مِنْ مَحِلٍّ قَرِيبٍ أَوْ مِنْ مَحِلٍّ بَعِيدٍ وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهَا قَالَ: (إنِّي أَدْفَعُ كَذَا مَالًا لِمَنْ وَجَدَهَا وَسَلَّمَنِي إيَّاهَا) . وَيَكُونُ الْمُلْتَقِطُ مُتَبَرِّعًا فِي إنْفَاقِهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ قَاصِرَةٌ وَلَكِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي الْإِنْفَاقِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَيَرْجِعُ بَعْدَهُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ. كَمَا لَوْ رَاجَعَ الْمُلْتَقِطُ الْحَاكِمَ قَائِلًا: إنَّ فِي يَدِهِ حَيَوَانًا لُقَطَةً وَطَلَبَ إذْنًا بِالْإِنْفَاقِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ وَأَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ ذَلِكَ الْحَيَوَانَ لُقَطَةً فِي يَدِهِ يَأْمُرُ الْحَاكِمُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ وِلَايَةً عَلَى مَالِ الْغَائِبِ وَلِلْغَائِبِ فَائِدَةٌ فِي هَذَا الْإِنْفَاقِ (الْهِدَايَةُ) .
وَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ تُقَامُ عَلَى الْمُنْكِرِ وَيُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَ إقَامَتِهَا وَلَكِنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ لِأَجْلِ كَشْفِ الْحَالِ يَعْنِي لِكَيْ يَنْكَشِفَ أَمَامَ الْحَاكِمِ أَنَّ الْحَيَوَانَ الْمَذْكُورَ لُقَطَةٌ. وَإِلَّا بِمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِأَجْلِ الْحُكْمِ فَالْخَصْمُ لَيْسَ بِلَازِمٍ حِينَ اسْتِمَاعِهَا (الْفَتْحُ) .
وَأَمَّا إذَا أَفَادَ الْمُلْتَقِطُ أَنْ لَيْسَ لَدَيْهِ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَيَوَانَ لُقَطَةٌ يَقُولُ الْحَاكِمُ لِلْمُلْتَقِطِ بِحُضُورِ شُهُودٍ ثِقَاتٍ: (إنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي قَوْلِكَ فَأَنْفِقْ عَلَيْهِ) ، وَسَبَبُ إعْطَاءِ الْحَاكِمِ الْإِذْنَ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ بِهَذَا الْوَجْهِ الْحَذَرُ مِنْ لُزُومِ أَحَدِ الضَّرَرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمَرَ الْحَاكِمُ بِالْإِنْفَاقِ بِصُورَةٍ قَطْعِيَّةٍ وَمُطْلَقَةٍ فَعَلَى تَقْدِيرِ ظُهُورِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ مَغْصُوبًا يَتَقَرَّرُ عَلَى الْمَالِكِ الضَّمَانُ أَيْ لُزُومُ النَّفَقَةِ وَهَذَا ضَرَرٌ لِلْمَالِكِ. وَإِذَا لَمْ يَأْمُرْ بِالْإِنْفَاقِ فَبِصُورَةِ ظُهُورِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ لُقَطَةً وَأَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِإِنْفَاقِهِ وَمُتَضَرِّرًا مِنْ ذَلِكَ (الْعِنَايَةُ) .
صُورَةُ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ وَمَرْهُونِيَّةِ اللُّقَطَةِ مُقَابِلَ هَذَا الْمَصْرِفِ: لِيَكُنْ مَعْلُومًا نَظَرًا لِأَصَحِّ الرِّوَايَاتِ أَنَّ أَمْرَ الْحَاكِمِ بِالْإِنْفَاقِ فَقَطْ لَا يَكْفِي لِصِحَّةِ الرُّجُوعِ بَلْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ إلَى صَاحِبِهِ أَخِيرًا؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْحَاكِمِ يَتَرَاوَحُ بَيْنَ الرُّجُوعِ وَالْحِسْبَةِ فَيَحْصُلُ الشَّكُّ بِجِهَةِ الْإِنْفَاقِ الْمَذْكُورِ. وَالْحَالُ أَنْ لَا دَيْنَ بِالشَّكِّ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٨) . .
فَإِذَا أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ بِنَاءً عَلَى أَمْرِ الْحَاكِمِ فِي الصُّورَةِ الْمَشْرُوحَةِ يَأْخُذُ مَصْرِفَهُ مِنْ صَاحِبِ اللُّقَطَةِ. سَوَاءٌ أَأَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ مِنْ مَالِهِ أَمْ اسْتَدَانَ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ وَأَنْفَقَ حَتَّى إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ عَنْ إعْطَاءِ الْمَصْرِفِ الْمَذْكُورِ يَبِيعُ الْحَاكِمُ اللُّقَطَةَ الْمَذْكُورَةَ وَيُؤَدِّي مَصْرِفَهَا مِنْ ثَمَنِهَا وَيَرُدُّ الْبَقِيَّةَ إلَى صَاحِبِهَا. وَهَلَاكُ اللُّقَطَةِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ هَذَا الْمَصْرِفِ.
بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا ظَهَرَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ هَلَاكِهَا فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ لَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ الَّتِي صَرَفَهَا الْمُلْتَقِطُ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ بَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَصْرِفِهِ هَذَا عَلَى صَاحِبِ اللُّقَطَةِ. وَلَكِنْ حَيْثُ إنَّ لِلْمُلْتَقِطِ حَقُّ إمْسَاكِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِهِ وَالِامْتِنَاعِ عَنْ تَسْلِيمِهَا لِصَاحِبِهَا لِأَجْلِ اسْتِيفَاءِ مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهَا فَإِنْ هَلَكَتْ بَعْدَ أَنْ أَمْسَكَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَسْقُطُ النَّفَقَةُ كَمَا هِيَ الْحَالُ فِي الرَّهْنِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي - (الْهِدَايَةِ وَالْغُرَرِ وَالْمُنْتَقَى وَرَدِّ الْمُحْتَارِ وَالْهِنْدِيَّةِ وَالتَّبْيِينِ) .
وَإِنَّمَا نَظَرًا لِلْإِيضَاحَاتِ الَّتِي سَرَدَهَا والشرنبلالي:
стр. 1028
إنَّ سُقُوطَ النَّفَقَةِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَذْهَبُ الْإِمَامِ زُفَرَ وَأَمَّا فِي مَذْهَبِ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ فَلَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ.
. صُورَةُ تَدَارُكِ النَّفَقَةِ وَكَوْنُ الْإِنْفَاقِ مُؤَقَّتًا: تُتَدَارَكُ النَّفَقَةُ أَوَّلًا مِنْ بَدَلِ الْإِيجَارِ. كَمَا لَوْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ قَابِلَةً لِلْإِيجَارِ كَالْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَالْحِصَانِ فَيُؤَجِّرُهَا الْمُلْتَقِطُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ أُجْرَتِهَا.
ثَانِيًا: يُنْفِقُ الْمُلْتَقِطُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ مُؤَقَّتًا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ. كَمَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ مُسْتَأْجِرٌ لِلُّقَطَةِ وَخِيفَ مِنْ أَنْ تَسْتَغْرِقَ النَّفَقَةُ قِيمَةَ الْحَيَوَانِ أَوْ كَانَتْ شَاةً مَثَلًا أَيْ حَيَوَانًا غَيْرَ قَابِلٍ لِلْإِيجَارِ فَيَأْمُرُ الْحَاكِمُ الْمُلْتَقِطَ بِالْإِنْفَاقِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَبِيعُهَا وَيَحْفَظُ ثَمَنَهَا لِأَنَّ أَمْرَ الْحَاكِمِ نَظَرِيٌّ مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ.
وَيُعْطِي الْحَاكِمُ الْمُلْتَقِطَ مَصْرِفَ الْيَوْمَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ هَذَا الثَّمَنِ. (" ١ " رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٥٨) وَقَدْ أُوضِحَ بَيْعُ اللُّقَطَةِ آنِفًا) .
وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْحَاكِمِ أَنْ يُثْبِتَ الْمُلْتَقِطُ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ لُقَطَةٌ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَدُرُّ الْمُخْتَارِ وَالْهِنْدِيَّةُ) .
تَبَدُّلُ الْحِذَاءِ فِي الِازْدِحَامِ: إذَا تَرَكَ إنْسَانٌ عِنْدَ ازْدِحَامِ النَّاسِ حِذَاءَهُ سَهْوًا وَأَخَذَ حِذَاءَ غَيْرِهِ يَكُونُ لُقَطَةً. وَيَجِبُ التَّفْتِيشُ عَلَى صَاحِبِهِ وَأَمَّا إذَا أَخَذَ حِذَاءَ أَحَدِهِمْ قَصْدًا فِي الِازْدِحَامِ وَتَرَكَ مَحِلَّهُ حِذَاءً أَدْنَى مِنْهُ فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَذَا الْحِذَاءِ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَخَذَهُ وَتَرَكَ الْأَدْنَى مِنْهُ يَكُونُ أَظْهَرَ رِضًا بِانْتِفَاعِ الْغَيْرِ بِذَلِكَ الْأَدْنَى وَيَجِبُ أَنْ لَا يُفْهَمَ مِنْ هَذِهِ الْإِيضَاحَاتِ جَوَازُ وَمَشْرُوعِيَّةُ انْتِفَاعِ الشَّخْصِ الَّذِي أَخَذَ الْأَعْلَى بِهِ وَلَكِنْ إذَا كَانَ الْحِذَاءُ الَّذِي تُرِكَ مُسَاوِيًا لِلَّذِي أُخِذَ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ يَكُونُ فِي حُكْمِ اللُّقَطَةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ بِزِيَادَةٍ)
[ (الْمَادَّةُ ٧٧٠) إعْلَانُ الْمُلْتَقِط أَنَّهُ وَجَدَ لُقَطَةً وَحِفْظُهَا عِنْدَهُ أَمَانَةً]
(الْمَادَّةُ ٧٧٠) يُعْلِنُ الْمُلْتَقِطُ أَنَّهُ وَجَدَ لُقَطَةً وَيَحْفَظُهَا عِنْدَهُ أَمَانَةً لِبَيْنَمَا يَظْهَرُ صَاحِبُهَا فَإِذَا ظَهَرَ شَخْصٌ وَأَثْبَتَ أَنَّهَا مَالَهُ لَزِمَهُ أَنْ يُسَلِّمَهُ إيَّاهَا.
يُعْلِنُ الْمُلْتَقِطُ بِوَاسِطَةِ الْمُنَادِي فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَجَدَ اللُّقَطَةَ فِيهِ وَفِي الْأَسْوَاقِ وَالشَّوَارِعِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ كَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ أَنَّهُ وَجَدَ لُقَطَةً أَوْ يُعْلِنُ هُوَ بِذَاتِهِ. وَيَقُولُ الْفُقَهَاءُ لِهَذَا الْإِعْلَانِ (تَعْرِيفٌ) .
سَبَبُ الْإِعْلَانِ فِي الْمَحَالِّ الْمَذْكُورَةِ هُوَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِعْلَانِ ظُهُورُ صَاحِبِ الْمَالِ وَتَسْلِيمُهُ إيَّاهُ وَنَوَالُ صَاحِبِ الْمَالِ مَالَهُ فَالْإِعْلَانُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يُسَهِّلُ الْمَقْصُودَ الْمَذْكُورَ.
وَأَمَّا الْإِعْلَانُ فِي الْجَرَائِدِ فَلَمْ تَكُنْ أَوْرَاقَ حَوَادِثَ فِي عَصْرِ الْفُقَهَاءِ كَمَا هُوَ فِي زَمَانِنَا فَلَا يُوجَدُ بَحْثٌ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ بِشَأْنِ الْإِعْلَانِ بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ. وَلَكِنَّ الْإِعْلَانَ فِي زَمَانِنَا بِوَاسِطَةِ الْأَوْرَاقِ الْمَذْكُورَةِ أَيْضًا جَائِزٌ. وَلَكِنْ بِمَا أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْرَءُونَ الْجَرَائِدَ وَيَعْرِفُونَ قِرَاءَتَهَا وَبِمَا أَنَّهُ لَا تُوجَدُ جَرَائِدُ فِي كُلِّ مَحِلٍّ فَيَجِبُ الْإِعْلَانُ أَيْضًا بِوَاسِطَةِ الْمُنَادِي فِي مَجَامِعِ النَّاسِ كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ.
стр. 1029
وَيَحْفَظُ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ أَمَانَةً عِنْدَهُ لِبَيْنَمَا يَظْهَرُ صَاحِبُهَا.
الصُّوَرُ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا تَسْلِيمُ اللُّقَطَةِ إلَى مَنْ قَالَ: إنَّهَا مَالِي، وَاَلَّتِي لَا تَجُوزُ الْأَحْوَالُ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا تَسْلِيمُ اللُّقَطَةِ إلَى صَاحِبِهَا يَعْنِي لِمَنْ قَالَ: إنَّهَا مَالِي ثَلَاثَةٌ:
الْأَوَّلُ - إذَا ظَهَرَ شَخْصٌ وَأَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ اللُّقَطَةَ مَالُهُ بِحُضُورِ الْحَاكِمِ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِمُوجِبِ الْبَيِّنَةِ بِتَسْلِيمِهَا لَهُ لَزِمَ الْمُلْتَقِطَ تَسْلِيمُهَا لَهُ. يَعْنِي أَنَّ الْمُلْتَقِطَ مَجْبُورٌ عَلَى ذَلِكَ. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَعْنِي إذَا ادَّعَى شَخْصٌ بِأَنَّ اللُّقَطَةَ مَالُهُ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ وَأَرَادَ أَخْذَهَا فَلَيْسَ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ كَفِيلًا بِالْمَالِ أَوْ كَفِيلًا بِالنَّفْسِ (الْهِدَايَةُ) وَلَا يُجْبَرُ الْمُلْتَقِطُ عَلَى تَسْلِيمِ اللُّقَطَةِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَحُكْمٍ لِأَنَّهُ حَيْثُ إنَّ الْمُدَّعِي فِي هَذَا هُوَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ فَبِحُكْمِ الْمَادَّةِ (٧٦) يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ (الْفَتْحُ) .
إذَا أَثْبَتَ شَخْصٌ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ اللُّقَطَةَ مَالُهُ وَأَخَذَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ مِنْ الْمُلْتَقِطِ حُكْمًا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ شَخْصٌ آخَرُ وَادَّعَى وَأَثْبَتَ أَنَّ اللُّقَطَةَ مَالُهُ فَلَا يَلْزَمُ الْمُلْتَقِطَ الضَّمَانُ أَلْبَتَّةَ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١ ٩) . وَيَلْزَمُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ، وَقَدْ مَرَّتْ الْإِيضَاحَاتُ بِهَذَا الْخُصُوصِ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ.
الثَّانِي - بَيَانُ جَمِيعِ عَلَامَاتِ اللُّقَطَةِ.
وَالثَّالِثُ تَصْدِيقُ الْمُلْتَقِطِ.
وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُ هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ.
[ (الْمَادَّةُ ٧٧١) هَلَكَ مَالُ شَخْصٍ عِنْدَ آخَرَ قَضَاءً]
(الْمَادَّةُ ٧٧١) إذَا هَلَكَ مَالُ شَخْصٍ عِنْدَ آخَرَ قَضَاءً فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِدُونِ إذْنِ الْمَالِكِ يَضْمَنُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ مَا لَمْ يَكُنْ أَخَذَهُ بِصُورَةِ سَوْمِ الشِّرَاءِ وَسُمِّيَ الثَّمَنُ فَهَلَكَ الْمَالُ لَزِمَهُ الضَّمَانُ مَثَلًا إذَا أَخَذَ شَخْصٌ إنَاءَ بِلَّوْرٍ مِنْ دُكَّانِ الْبَائِعِ بِدُونِ إذْنِهِ فَوَقَعَ مِنْ يَدِهِ وَانْكَسَرَ ضَمِنَ قِيمَتَهُ وَأَمَّا إذَا أَخَذَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فَوَقَعَ مِنْ يَدِهِ بِلَا قَصْدٍ أَثْنَاءَ النَّظَرِ وَانْكَسَرَ فَلَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ الْإِنَاءُ عَلَى إنَاءٍ آخَرَ فَانْكَسَرَ ذَلِكَ الْإِنَاءُ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ فَقَطْ وَأَمَّا الْإِنَاءُ الْأَوَّلُ فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَأَمَّا لَوْ قَالَ لِصَاحِبِ الدُّكَّانِ: بِكَمْ هَذَا الْإِنَاءُ؟ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الدُّكَّانِ: بِكَذَا قِرْشًا خُذْهُ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَانْكَسَرَ ضَمِنَ ثَمَنَهُ وَكَذَا لَوْ وَقَعَ كَأْسُ الْفُقَّاعَيْ مِنْ يَدِ أَحَدٍ فَانْكَسَرَ وَهُوَ يَشْرَبُ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ مِنْ قَبِيلِ الْعَارِيَّةِ وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ بِسَبَبِ سُوءِ اسْتِعْمَالِهِ فَانْكَسَرَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ.
إذَا هَلَكَ فِي يَدِ شَخْصٍ مَالُ شَخْصٍ آخَرَ قَضَاءً يَعْنِي بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ أَوْ طَرَأَ نُقْصَانٌ عَلَى قِيمَتِهِ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ:
الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ - إذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَخَذَ الْمَالَ الْمَذْكُورَ بِدُونِ إذْنِ صَاحِبِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ أَمْ غَيْرَ عَالَمٍ يَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخُصُوصَ مِنْ قَبِيلِ الْغَصْبِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ الْمَادَّةِ (١ ٨٨) فَيَجْرِي فِيهِ حُكْمُ الْمَادَّةِ (١ ٨٩) .
стр. 1030
إيضَاحُ الْقُيُودِ:
١ - إذَا كَانَ أَخَذَهُ: يُفْهَمُ مِنْ ذِكْرِ لَفْظِ الْأَخْذِ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ هُنَا (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٦٤) أَنَّهُ سَوَاءٌ أَخَذَهُ عَالِمًا بِأَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ أَمْ غَيْرَ عَالَمٍ يَلْزَمُ الضَّمَانُ. كَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَ شَخْصٌ مَالَ غَيْرِهِ ظَنًّا بِأَنَّهُ مَالُهُ يَكُونُ ضَامِنًا. مَثَلًا لَوْ أَعْطَى الْقَصَّارُ أَحَدًا ثَوْبَ الْغَيْرِ ظَانًّا بِأَنَّهُ لَهُ وَاسْتَهْلَكَهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ يَكُونُ الِاثْنَانِ ضَامِنَيْنِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩١٢) . وَالْجَهْلُ لَيْسَ عُذْرًا. وَلِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يُضَمِّنَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْهُمَا وَإِنْ ضَمَّنَّهُ لِلْمُسْتَهْلِكِ فَلَيْسَ لِهَذَا أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْقَصَّارِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٦٥٨) . وَأَمَّا إذَا ضَمَّنَهُ لِلْقَصَّارِ يَرْجِعُ هَذَا عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٢ - عَلَى كُلِّ حَالٍ: هَذَا التَّعْبِيرُ لِأَجْلِ التَّعْمِيمِ وَيُلَاحَظُ هَذَا التَّعْبِيرُ بِثَلَاثَةِ وُجُوهِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - بِمَعْنَى أَنَّهُ سَوَاءٌ أَكَانَ هَلَاكُهُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ أَمْ بِتَعَدٍّ وَتَقْصِيرٍ وَعَدَمُ إتْيَانِ قَيْدِ قَضَاءً فِي الْمِثَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّعْمِيمُ فَلَا شُبْهَةَ بِأَنَّ التَّعْمِيمَ الْمَذْكُورَ صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى مَا هُوَ مُصَرَّحٌ فِي الْمَادَّةِ (٨٩١) . إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِيءُ مُلَائِمًا قَيْدَ قَضَاءٍ الْمَذْكُورَ فِي صَدْرِ الْمَادَّةِ بِمَقَامٍ بِلَا تَعَدٍّ.
الْوَجْهُ الثَّانِي - يَعْنِي أَنَّهُ سَوَاءٌ أَخَذَهُ لِأَجْلِ الرُّؤْيَةِ أَوْ لِأَجْلِ إرَاءَتِهِ لِلْغَيْرِ أَوْ لِغَرَضٍ آخَرَ كَالِاسْتِعْمَالِ مَثَلًا. وَهَذَا التَّعْمِيمُ أَيْضًا صَحِيحٌ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْبَزَّازِيَّةُ وَلَكِنْ لَا يُوجَدُ فِي الْعِبَارَةِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ - بِمَعْنَى أَنَّهُ سَوَاءٌ أَسُمِّيَ الثَّمَنُ أَوْ لَمْ يُسَمَّ. وَهَذَا أَيْضًا صَحِيحٌ بِالنَّظَرِ لِرِوَايَةِ الظَّهِيرِيَّةِ وَبِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُلَاءَمَةِ الْعِبَارَةِ لَا شَكَّ فِي صِحَّةِ التَّعْمِيمِ بِالْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ أَيْضًا.
الِاحْتِمَالُ الثَّانِي - إذَا كَانَ أَخْذُهُ لِلْمَالِ الَّذِي هَلَكَ قَضَاءً فِي يَدِهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فَلِكَوْنِ ذَلِكَ الْمَالِ أَمَانَةً فِي يَدِهِ لَا يَضْمَنُهُ فِي حَالَةِ هَلَاكِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ. (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٧٨٦) . .
وَلَا اشْتِبَاهَ فِي أَنَّ قَيْدَ (قَضَاءً الْوَارِدَ فِي صَدْرِ الْمَادَّةِ مُعْتَبَرٌ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ عَلَى مَا أُشِيرَ إلَيْهِ) . كَمَا يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ الْمِثَالَيْنِ الْآتِي ذِكْرُهُمَا أَيْضًا.
هَذِهِ الْفِقْرَةُ أَيْ فِقْرَةُ (الْمَالُ الْمَأْخُوذُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ أَمَانَةٌ) قَاعِدَةٌ تَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا مَسَائِلُ مِنْ أَبْوَابِ عِلْمِ الْفِقْهِ الْمُتَفَرِّقَةِ. فَلْنَذْكُرْ بَعْضَهَا:
١ - الْإِقْرَاضُ. إذَا طَلَبَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ خَمْسِينَ ذَهَبًا قَرْضًا فَأَعْطَاهُ سَهْوًا سِتِّينَ ذَهَبًا وَبَيْنَمَا كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ آيِبًا فِي الطَّرِيقِ كَيْ يَرُدَّ الْعَشْرَ ذَهَبَاتٍ لَهُ بَعْدَ أَنْ أَفْرَزَهَا هَلَكَتْ فَحَيْثُ إنَّ خَمْسَةَ أَسْدَاسِ الْعَشْرِ ذَهَبَاتٍ قَرْضًا يَضْمَنُ هَذِهِ الْخَمْسَةَ أَسْدَاسٍ. يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ دَيْنٌ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ وَأَمَّا الْبَاقِي مِنْهُ فَحَيْثُ إنَّهُ وَدِيعَةٌ وَأُخِذَتْ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ (الْأَنْقِرْوِيُّ) . وَالْخَمْسُونَ ذَهَبًا الْبَاقِيَةُ فِي يَدِ الْمُسْتَقْرِضِ تَكُونُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ دَيْنُ الْمُقْرِضِ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ (الشَّارِحُ) .
٢ - أَدَاءُ الدَّيْنِ. إذَا كَانَ الشَّخْصُ مَدِينًا لِآخَرَ بِعَشْرِ ذَهَبَاتٍ وَأَعْطَاهُ سَهْوًا اثْنَيْ عَشْرَ ذَهَبًا وَاطَّلَعَ الْقَابِضُ عَلَى ذَلِكَ أَخِيرًا فَعِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ تَكُونُ الِاثْنَتَانِ الْبَاقِيَتَانِ أَمَانَةً (الْخَانِيَّةُ فِي الْغَصْبِ) .
стр. 1031
٣ - الْبُيُوعُ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ أَمْوَالٍ الَّتِي قُبِضَتْ بِخِيَارِ التَّعْيِينِ مَبِيعًا تَكُونُ الْبَاقِيَةُ أَمَانَةً لِأَنَّهَا قُبِضَتْ بِإِذْنِ الْبَائِعِ وَإِذَا هَلَكَتْ قَضَاءً فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانُهَا.
٤ - الْمَالُ الَّذِي قُبِضَ بِطَرِيقِ سَوْمِ النَّظَرِ أَمَانَةٌ. فَإِذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْقَابِضِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٢٩٩) .
٥ - الْمَالُ الَّذِي قُبِضَ بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ بِدُونِ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ أَمَانَةٌ، وَإِذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْقَابِضِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٢٩٨) .
٦ - إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَالَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ فِي الْبَيْعِ الْبَاطِلِ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ لَا يَضْمَنُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٣٧٠) . ٧ - حَيْثُ إنَّ الْمَبِيعَ وَفَاءً قُبِضَ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فَهُوَ أَمَانَةٌ. وَإِذَا هَلَكَ قَضَاءً فِي يَدِ الْقَابِضِ لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ ضَمَانُ الزِّيَادَةِ عَنْ الدَّيْنِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٤٠١) .
٨ - الْإِجَارَةُ: حَيْثُ إنَّ الْمُسْتَأْجِرَ قَبَضَ الْمَأْجُورَ الَّذِي فِي يَدِهِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَهُوَ أَمَانَةٌ وَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ قَضَاءً لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٦٠١) . .
٩ - إذَا هَلَكَ الْمَالُ الْمَوْجُودُ فِي يَدِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ قَضَاءً لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٦١٠) .
١٠ - الْكَفَالَةُ: إذَا هَلَكَتْ الْأَمَانَةُ الَّتِي فِي يَدِ الْكَفِيلِ الَّذِي كَفَلَ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْ مَالِ الْأَمَانَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي يَدِهِ لَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَ الضَّمَانُ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٦٥٠) .
١١ - الرَّهْنُ: إذَا هَلَكَ الْمَالُ الْمَرْهُونُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ فَفَضَلَ ذَلِكَ الْمَالُ عَنْ الدَّيْنِ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا. رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٧٤١) .
١٢ - الْأَمَانَاتُ: إذَا دَخَلَ رَجُلٌ إلَى بَيْتِ آخَرَ بِإِذْنِهِ وَبَيْنَمَا كَانَ يَشْرَبُ مَاءً بِالْقَدَحِ الْمَوْجُودِ فِي الْعَرْصَةِ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ قَضَاءً وَانْكَسَرَ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٧٢) .
١٣ - إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ فِي يَدِ الْمُسْتَوْدَعِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٧٧) .
١٤ - إذَا هَلَكَتْ الْعَارِيَّةُ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ لَا يَضْمَنُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧١٣) .
١٥ - الشَّرِكَةُ: إذَا هَلَكَ مَالُ الشَّرِكَةِ فِي يَدِ الشَّرِيكِ لَا يَضْمَنُ الشَّرِيكُ الْمَرْقُومُ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٣٥٠) .
٩٧١٦ - إذَا هَلَكَ مَالُ الْمُضَارَبَةِ فِي يَدِ الْمُضَارِبِ لَا يَضْمَنُ الْمُضَارِبُ الْمَرْقُومُ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٤١٣) .
١٧ - الْوَكَالَةُ: إذَا هَلَكَ الْمَالُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ الَّذِي قَبَضَهُ مِنْ جِهَةِ الْوَكَالَةِ لَا يَضْمَنُ ذَلِكَ الْوَكِيلُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٤٦٣) . غَيْرَ أَنَّ أَرْبَعَ مَسَائِلَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَفِيهَا يَلْزَمُ ضَمَانُ الْمَالِ الْمَقْبُوضِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ.
стр. 1032
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى - إذَا أَخَذَ الْمُشْتَرِي مَالًا بِصُورَةِ سَوْمِ الشِّرَاءِ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَلْزَمُ الضَّمَانُ فِي حَالِ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ وَلَوْ شُرِطَ عَدَمُ الضَّمَانِ (الْبَزَّازِيَّةُ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ) . وَبِمَا أَنَّ تَفْصِيلَاتِ هَذِهِ الْفِقْرَةِ سَبَقَتْ فِي الْمَادَّةِ (٢٩٨) وَشَرْحِهَا فَلْتُرَاجَعْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ - يَلْزَمُ ضَمَانُ الْمَالِ الَّذِي قُبِضَ بِصُورَةِ سَوْمِ الرَّهْنِ وَقَدْ مَرَّ إيضَاحُهُ فِي الْمَبْحَثِ الثَّالِثِ مِنْ شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧١٠) .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ - الْمَالُ الَّذِي قَبْضُهُ بِجِهَةِ الْبَيْعِ هَذَا الْمَالُ كَالْمَقْبُوضِ بِسَوْمِ الشِّرَاءِ كَمَا لَوْ سَلَّمَ الْبَائِعُ خَطَأً غَيْرَ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي ظَنًّا بِأَنَّهُ الْمَبِيعُ وَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الْمَرْقُومِ يَكُونُ ضَامِنًا بَدَلَهُ. (الْبَزَّازِيَّةُ) .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ - الْمَالُ الْمَقْبُوضُ بِطَرِيقِ الْوَثِيقَةِ يَعْنِي بِصُورَةِ الرَّهْنِ. فَالْمِقْدَارُ الْمُعَادِلُ لِلدَّيْنِ مِنْ هَذَا الْمَقْبُوضِ مَضْمُونٌ بِدَيْنِهِ. (رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ٧٤١) . .
١ - مَثَلًا إذَا أَخَذَ رَجُلٌ إنَاءً مِنْ دُكَّانِ الْبَائِعِ الَّذِي يَبِيعُ الْأَوَانِيَ الزُّجَاجِيَّةَ بِدُونِ إذْنِهِ فَوَقَعَ مِنْ يَدِهِ وَانْكَسَرَ يَكُونُ ضَامِنًا لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ لَيْسَ مَأْذُونًا بِهِ دَلَالَةً. وَدُخُولُهُ إلَى الدُّكَّانِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ لَا يَتَضَمَّنُ الْإِذْنَ دَلَالَةً بِأَخْذِ الْإِنَاءِ (الْخَانِيَّةُ بِزِيَادَةٍ) . سَوَاءٌ أَكَانَ وُقُوعُهُ قَضَاءً أَوْ عَنْ تَعَدٍّ وَتَقْصِيرٍ.
وَالْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي هَذَا وَاحِدٌ وَلَيْسَ مَا وُضِعَ لِلْبَيْعِ نَظِيرَ دُخُولِ الرَّجُلِ مَنْزِلَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ (الْبَزَّازِيَّةُ فِي الثَّالِثِ فِي مَسَائِلِ الضَّمَانِ مِنْ الْبَيْعِ) .
هَذَا الْمِثَالُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفِقْرَةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ.
٢ - وَإِذَا أَخَذَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَبَيْنَمَا كَانَ يَنْظُرُ فِيهِ سَقَطَ إلَى الْأَرْضِ قَضَاءً وَانْكَسَرَ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَالْأَمَانَةُ لَيْسَتْ مَضْمُونَةً بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (٧٦٨) . وَهَذَا الْمِثَالُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ.
كَمَا لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ إلَى دُكَّانِ سَمَّانٍ بِقَصْدِ شِرَاءِ سَمْنٍ وَلَمَّا نَظَرَ إلَى الْكُوبِ الْمَوْضُوعِ فِيهِ السَّمْنُ سَالَ مِنْ أَنْفِهِ دَمٌ قَضَاءً فَتَنَجَّسَ السَّمْنُ يُنْظَرُ.
فَإِنْ كَانَ نَظَرُهُ بِإِذْنِ السَّمَّانِ لَا يَضْمَنُ. وَإِلَّا يَكُونُ ضَامِنًا. وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إنْ كَانَ السَّمْنُ الْمَذْكُورُ غَيْرَ مَأْكُولٍ يَضْمَنُ نُقْصَانَ قِيمَتِهِ وَإِنْ كَانَ مَأْكُولًا يَضْمَنُ كُلَّ بَدَلِهِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْكُولٍ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ ضَرَرٌ مِنْ سَيَلَانِ الدَّمِ لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ.
٣ - وَإِذَا سَقَطَ ذَلِكَ الْإِنَاءُ أَيْ الْإِنَاءُ الَّذِي أُخِذَ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَوَانٍ أُخْرَى قَضَاءً فَانْكَسَرَ وَكُسِرَتْ تِلْكَ الْأَوَانِي لَزِمَ ضَمَانُ الْأَوَانِي الْمَذْكُورَةِ أَيْ الْأَوَانِي الَّتِي سَقَطَ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْإِنَاءُ. لِأَنَّ تِلْكَ الْأَوَانِي انْكَسَرَتْ بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩١٢) (الْخَانِيَّةُ) .
بُحِثَ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ عَمَّا أُخِذَ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ. وَحَيْثُ إنَّ تِلْكَ الْأَوَانِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الْفِقْرَةُ اسْتِطْرَادًا هُنَا وَإِلَّا لَيْسَتْ مِثَالًا عَلَى هَذِهِ الْمَادَّةِ.
وَلَعَلَّ هَذِهِ الْفِقْرَةَ الثَّالِثَةَ فَرْعٌ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْعُمُومِيَّةِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٩١٢) الَّتِي هِيَ " إذَا اسْتَهْلَكَ شَخْصٌ مَالَ الْآخَرِ الْمَوْجُودَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ أَمِينِهِ قَصْدًا أَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ يَكُونُ ضَامِنًا ".
стр. 1033
وَلَكِنْ حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الْإِنَاءَ الَّذِي نُظِرَ فِيهِ أُخِذَ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَأَنَّهُ أَمَانَةٌ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانُهُ أَيْضًا يَعْنِي كَمَا كَانَ فِي فِقْرَةِ (إذَا أَخَذَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَبَيْنَمَا كَانَ يَنْظُرُ فِيهِ. ..) فَالْمِثَالُ الرَّابِعُ هَذَا نَظَرًا لِكَوْنِهِ عَيْنَ الْفِقْرَةِ الْمِثَالِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي الَّتِي هِيَ (إذَا أَخَذَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ فِيهِ. ..) فَمَعَ أَنَّ ذِكْرَهُ تَكْرَارٌ فَوُقُوعُ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ أَيْضًا فِي مَوْقِعِهِ جَدِيرٌ بِالتَّأَمُّلِ.
٥ - أَمَّا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِصَاحِبِ الدُّكَّانِ: بِكَمْ هَذَا الْإِنَاءُ؟ فَأَجَابَهُ صَاحِبُ الدُّكَّانِ: بِكَذَا قِرْشًا خُذْهُ فَأَخَذَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ بَعْدَ أَنْ تَقَرَّرَ الثَّمَنُ ثُمَّ سَقَطَ إلَى الْأَرْضِ وَانْكَسَرَ وَحْدَهُ أَوْ انْكَسَرَ وَكَسَرَ أَوَانٍ أُخْرَى مَعَهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ جَمِيعِ مَا انْكَسَرَ مِنْ الْأَوَانِي. وَهَذَا الْمِثَالُ مِثَالٌ عَلَى الْفِقْرَةِ الثَّالِثَةِ يَعْنِي مِثَالٌ لِفِقْرَةِ (مَا لَمْ يَكُنْ أَخَذَهُ بِسَوْمِ الشِّرَاءِ) .
٦ - كَذَلِكَ إذَا وَقَعَ كَأْسُ الشُّرْبِ الْفَقَّاعِي قَضَاءً مِنْ يَدِ شَخْصٍ وَهُوَ يَشْرَبُ شَرَابًا وَانْكَسَرَ فَلِكَوْنِ ذَلِكَ الْكَأْسِ مِنْ قَبِيلِ الْعَارِيَّةِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ (٨١٣) .
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَقْدَانِ:
الْعَقْدُ الْأَوَّلُ: بَيْعُ الشَّرَابِ وَالْآخَرُ إعَارَةُ الْكَأْسِ فَإِذَا قَبَضَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الشَّرَابَ مَعَ الْكَأْسِ فَوَقَعَتْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ فَانْكَسَرَتْ وَسَالَ الشَّرَابُ أَيْضًا لَزِمَهُ إعْطَاءُ ثَمَنِ الشَّرَابِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٢٩٤) وَلَا يَلْزَمُ ضَمَانُ الْكَأْسِ كَمَا ذُكِرَ أَعْلَاهُ. وَالْمِثَالُ السَّادِسُ هَذَا مِثَالٌ مُسْتَقِلٌّ لِلْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ.
٧ - غَيْرَ أَنَّهُ إذَا سَقَطَ الْكَأْسُ بِسَبَبِ سُوءِ اسْتِعْمَالِهِ أَوْ أَنَّهُ رَمَاهُ قَصْدًا أَوْ كَسَرَهُ يَصِيرُ ضَامِنًا بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ (٧٨٧) . اُنْظُرْ الْقَاعِدَةَ الثَّانِيَةَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٦٨) .
كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَسَرَ ذَلِكَ الْكَأْسُ أَوَانِيَ أُخْرَى وَجَبَ ضَمَانُهَا أَيْضًا كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ فِي الْمَادَّةِ (٩١٢) الْمِثَالُ السَّابِعُ هَذَا لِأَجْلِ بَيَانِ الْمُحْتَرَزِ عَنْهُ فِي قَيْدِ (قَضَاءً) الَّذِي وَرَدَ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ.
وَالْمَسْأَلَةُ الْعُمُومِيَّةُ فِي هَذَا كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ ٧٨٧ هِيَ (إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ طَرَأَ نُقْصَانٌ عَلَى قِيمَتِهَا بِتَعَدِّي الْمُسْتَوْدَعِ أَوْ تَقْصِيرِهِ لَزِمَ الضَّمَانُ) .
[ (الْمَادَّةُ ٧٧٢) الْإِذْنُ دَلَالَةً كَالْإِذْنِ صَرَاحَةً]
(الْمَادَّةُ ٧٧٢) - الْإِذْنُ دَلَالَةً كَالْإِذْنِ صَرَاحَةً. بَيْدَ أَنَّهُ عِنْدَ وُجُودِ النَّهْيِ صَرَاحَةً لَا اعْتِبَارَ لِلدَّلَالَةِ. مَثَلًا إذَا دَخَلَ رَجُلٌ بَيْتَ آخَرَ فَهُوَ مَأْذُونٌ دَلَالَةً بِشُرْبِ الْمَاءِ بِالْإِنَاءِ الْمَخْصُوصِ لَهُ. وَإِذَا سَقَطَ مِنْ يَدِهِ قَضَاءً وَهُوَ يَشْرَبُ وَانْكَسَرَ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. وَلَكِنْ إذَا أَخَذَهُ بِيَدِهِ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْبَيْتِ نَهَاهُ بِقَوْلِهِ: لَا تَمَسَّهُ فَسَقَطَ وَانْكَسَرَ يَصِيرُ ضَامِنًا.
الْإِذْنُ دَلَالَةً كَالْإِذْنِ صَرَاحَةً فِي الْحُكْمِ: فَلِذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ فِي الْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْمَادَّةِ السَّابِقَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ضَمَانُ الْمَالِ الْهَالِكِ قَضَاءً فِي يَدِ الَّذِي أَخَذَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ الصَّرِيحِ وَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا ضَمَانُ الْمَالِ الْهَالِكِ فِي يَدِ الَّذِي أَخَذَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ دَلَالَةً.
стр. 1034
غَيْرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ نَهْيٌ وَمَنْعٌ صَرِيحَانِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الْإِذْنِ دَلَالَةً. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٣) .
وَتَرِدُ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى الْفِقْرَةِ الْأُولَى أَيْ عَلَى أَنَّ الْإِذْنَ صَرَاحَةً كَالْإِذْنِ دَلَالَةً وَهِيَ:
١ - مَثَلًا لَوْ دَخَلَ شَخْصٌ بَيْتَ أَوْ دُكَّانَ آخَرَ بِإِذْنِهِ يَكُونُ مَأْذُونًا دَلَالَةً لِشُرْبِ الْمَاءِ بِالْإِنَاءِ الْمَوْضُوعِ خُصُوصًا يَعْنِي أَنَّ دُخُولَهُ الْبَيْتَ بِإِذْنِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَأْذُونٌ بِالشُّرْبِ بِالْكَأْسِ الْمَوْضُوعِ لِأَجْلِ ذَلِكَ. وَإِذَا أَخَذَ الْكَأْسَ بِيَدِهِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْإِذْنِ دَلَالَةً وَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ قَضَاءً وَهُوَ يَشْرَبُ بِهِ وَانْكَسَرَ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ السَّابِقَةَ.
كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ إذَا هَلَكَ الْكَأْسُ بِلَا قَصْدٍ وَلَا تَقْصِيرٍ بَيْنَمَا كَانَ يَشْرَبُ بِهِ شَخْصٌ بِنَاءً عَلَى إذْنِ صَاحِبِهِ الصَّرِيحِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٨١٣) . وَلَكِنْ إذَا أَخَذَ الْكَأْسَ الصِّينِيَّ الْمَوْضُوعَ لِأَجْلِ الزِّينَةِ وَغَيْرَ الْمُعَدِّ لِلشُّرْبِ أَوْ أَحَدَ الْآنِيَةِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الدُّكَّانِ لِأَجْلِ الْبَيْعِ بِلَا إذْنٍ وَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ قَضَاءً وَهُوَ يَشْرَبُ بِهِ وَانْكَسَرَ لَزِمَ الضَّمَانُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ عَنْ الْوَلْوَالِجِيَّةِ) .
٢ - إذَا دَخَلَ رَجُلٌ حَمَّامًا وَأَخَذَ طَاسَ الْجُرْنِ وَأَعْطَاهُ لِأَحَدِ الزَّبَائِنِ الْمَوْجُودِينَ فِي الْحَمَّامِ وَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُعْطِي وَلَا عَلَى الْآخِذِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ مَأْذُونٌ بِهِ دَلَالَةً.
٣ - إذَا دَخَلَ نَفَرٌ مِنْ النَّاسِ بَيْتَ رَجُلٍ وَأَخَذَ أَحَدُهُمْ الْمِرْآةَ الْمَوْضُوعَةَ فِي مَحِلٍّ ظَاهِرٍ وَبَعْدَ أَنْ نَظَرَ فِيهَا أَعْطَاهَا لِغَيْرِهِ ثُمَّ فُقِدَتْ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ إذْنٌ دَلَالَةً لِلنَّظَرِ فِي الْمِرْآةِ. وَأَمَّا إذَا أَخَذَ شَيْئًا أَخْذُهُ مَمْنُوعٌ فَيَكُونُ غَاصِبًا. كَمَا ذُكِرَ آنِفًا.
٤ - إذَا ذَهَبَ الْأَبُ بِبَغْلِ ابْنِهِ أَوْ الِابْنُ بِبَغْلِ أَبِيهِ أَوْ الزَّوْجُ بِبَغْلِ الزَّوْجَةِ أَوْ الزَّوْجَةُ بِبَغْلِ الزَّوْجِ إلَى الطَّاحُونِ وَهَلَكَ الْبَغْلُ قَضَاءً لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ، لِأَنَّهُ يُوجَدُ إذْنٌ بِذَلِكَ.
٥ - إذَا أَرْسَلَ شَخْصٌ رَجُلًا إلَى مَحِلٍّ لِأَجْلِ شَغْلِهِ وَأَخَذَ الرَّسُولُ حَيَوَانَ ذَلِكَ الشَّخْصِ بِلَا إذْنٍ صَرِيحٍ وَرَكِبَهُ فَهَلَكَ فِي الطَّرِيقِ يُنْظَرُ. فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْآمِرِ وَالرَّسُولِ صَدَاقَةٌ لَا يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يَضْمَنُ.
٦ - إذَا مَرِضَ حَيَوَانٌ مُشْتَرَكٌ وَرَأَى الْبَيْطَارُ لُزُومًا لِكَيِّهِ وَكَانَ الشَّرِيكُ غَائِبًا فَلِلشَّرِيكِ الْحَاضِرِ أَنْ يَكْوِيَهُ فَإِذَا هَلَكَ الْحَيَوَانُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَضْمَنُ الْمُشَارِكُ الَّذِي حَمَلَ عَلَى كيه. (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٩١) .
٧ - إذَا ذَبَحَ الرَّاعِي حَيَوَانًا مَأْكُولَ اللَّحْمِ كَالشَّاةِ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ الرَّجَاءَ مِنْ دَوَامِ حَيَاتِهِ لَا يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا نَظَرًا لِلْقَوْلِ الصَّحِيحِ الْمُفْتَى بِهِ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا إذْنًا دَلَالَةً. وَإِذَا ذَبَحَهُ أَجْنَبِيٌّ فَفِي قَوْلٍ يَضْمَنُ وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَا يَضْمَنُ.
وَأَمَّا إذَا ذَبَحَ الرَّاعِي حَيَوَانًا غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ كَالْحِمَارِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ فِي حَالِ الذَّبْحِ أَيْ فِي الْحَالَةِ الَّتِي قَطَعَ الْأَمَلَ مِنْ حَيَاتِهِ (الْفُصُولَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ مُصَادِفٌ مَالًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
٨ - إذَا ذَبَحَ شَخْصٌ الشَّاةَ الَّتِي رَبَطَ الْجَزَّارُ أَرْجُلَهَا لِأَجْلَ ذَبْحِهَا لَا يَكُونُ ضَامِنًا وَإِذَا وَضَعَ رَجُلٌ
стр. 1035
اللَّحْمَ فِي الْقِدْرِ لِأَجْلِ طَبْخِهَا وَبَعْدَ أَنْ وَضَعَهَا عَلَى الْمُوقَدَةِ وَضَعَ شَخْصٌ آخَرُ النَّارَ تَحْتَهَا وَطَبَخَهَا لَا يَكُونُ ضَامِنًا.
٩ - إذَا وَقَعَ الْحَمْلُ عَنْ دَابَّةٍ وَحَمَّلَهُ شَخْصٌ عَلَيْهَا بِلَا إذْنٍ وَهَلَكَتْ فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ لَا يَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ دَلَالَةً بِهَذَا ثَابِتٌ.
١٠ - إذَا أَرْسَلَ شَخْصٌ لِآخَرَ هَدِيَّةً ضِمْنَ إنَاءٍ وَكَانَتْ تِلْكَ مِنْ قَبِيلِ مَا تَزُولُ لَذَّتُهُ بِتَفْرِيغِهَا إلَى إنَاءٍ آخَرَ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إذْنًا دَلَالَةً. وَإِذَا انْكَسَرَ الْإِنَاءُ قَضَاءً أَثْنَاءَ الْأَكْلِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. وَإِنْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ شَيْئًا مِنْ الْفَوَاكِهِ الَّتِي تَزُولُ لَذَّتُهَا بِتَفْرِيغِهَا إلَى إنَاءٍ آخَرَ فَلَيْسَ لِلشَّخْصِ إلَّا أَنْ يَأْكُلَهَا فِيهِ. مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى لَهُ صَدَاقَةٌ وَمُسَامَحَةٌ.
١١ - إذَا دَخَلَ شَخْصٌ كَرْمَ صَدِيقِهِ وَتَنَاوَلَ شَيْئًا يَعْنِي مِقْدَارًا مِنْ الْعِنَبِ مَثَلًا بِلَا إذْنٍ صَرِيحٍ فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يُبَالِي بِذَلِكَ عِنْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ بَأْسٌ فِي هَذَا التَّنَاوُلِ.
١٢ - إذَا خَرَجَ رَجُلَانِ لِسَفَرٍ وَتُوُفِّيَ أَحَدُهُمَا فِي مَوْضِعٍ لَا يُوجَدُ فِيهِ حَاكِمٌ يُرَاجَعُ فَلِرَفِيقِهِ الْبَاقِي بِقَيْدِ الْحَيَاةِ أَنْ يَبِيعَ أَمْتِعَتَهُ وَحَيَوَانَاتِهِ وَيُسَلِّمُ ثَمَنَهَا لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَبِعْهَا وَقَصَدَ نَقْلَهَا عَيْنًا فَيَضْطَرُّ إلَى مَصَارِيفَ نَقْلِيَّةٍ كَثِيرَةٍ مَعَ أَنَّ رَفِيقَهُ مَأْذُونٌ دَلَالَةً بِالْبَيْعِ فِي مَوَاضِعَ كَهَذِهِ.
إنَّمَا هَذَا الْمَسَاغُ بِمَعْنَى أَنَّ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ لَا يُعَاقَبَانِ مِنْ جَرَّاءِ بَيْعِ وَشِرَاءِ مَالِ الْغَيْرِ وَإِلَّا لَا يَكُونُ بِمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ نَافِذٌ، رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٣٧٨) . وَلَهُ أَنْ يَقْبِضَ نَقُودَهُ وَأَشْيَاءَهُ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى الْبَيْعِ أَيْضًا لِأَجْلِ حِفْظِهَا وَاذَا هَلَكَتْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ فِي يَدِهِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) .
رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩١) وَشَرْحَهَا.
وَلَكِنْ إذَا أَخَذَ ذَلِكَ الْإِنَاءَ بِيَدِهِ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْبَيْتِ أَوْ صَاحِبَ الدُّكَّانِ نَهَاهُ بِقَوْلِهِ: لَا تَمَسَّهُ، يَعْنِي بَعْدَ النَّهْيِ الْمَذْكُورِ فَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ قَضَاءً وَانْكَسَرَ يَصِيرُ ضَامِنًا بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ (٨٩١) .
وَلَكِنْ إذَا نُهِيَ بَعْدَ أَنْ أَخَذَهُ فَبِنَاءً عَلَى الْمَأْذُونِيَّةِ دَلَالَةً وَبَعْدَ هَلَاكِهِ قَضَاءً فِي يَدِهِ فَلَا حُكْمَ لِلنَّهْيِ. (رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ١٣) .
стр. 1036
[الْبَابُ الثَّانِي فِي الْوَدِيعَةِ وَفِيهِ فَصْلَانِ]
ِ مَشْرُوعِيَّةُ الْإِيدَاعِ ثَابِتَةٌ بِأَدِلَّةٍ أَرْبَعَةٍ بِالْكِتَابِ. كَمَا وَرَدَ فِي الْآيَةِ الْجَلِيلَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَغَنِيٌّ عَنْ الْبَيَانِ أَنَّ أَدَاءَ الْأَمَانَاتِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْقَبُولِ. فَبِنَاءً عَلَيْهِ تُعْتَبَرُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ دَالَّةً عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْإِيدَاعِ.
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْجَلِيلَةُ بِحَقِّ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ. يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إذْ أَقْفَلَ عُثْمَانُ الْكَعْبَةَ وَصَعِدَ عَلَى سَطْحِهَا فَطَلَبَ الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ ﷺ الْمِفْتَاحَ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ عِنْدَ عُثْمَانَ. فَطَلَبَهُ مِنْهُ، فَامْتَنَعَ عُثْمَانُ عَنْ إعْطَائِهِ وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ لَأَعْطَيْتُكَ، فَضَغَطَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى يَدِ عُثْمَانَ، وَأَخَذَ الْمِفْتَاحَ وَفَتَحَ الْبَابَ فَدَخَلَ الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ ﷺ الْكَعْبَةَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْكَعْبَةِ، فَطَلَبَ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ وَأَنْ يَجْمَعَ فِيهِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ السِّقَايَةَ وَالسِّدَانَةَ أَيْ شَرَفَ خِدْمَةِ الْكَعْبَةِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْجَلِيلَةُ عَقِبَ ذَلِكَ. فَأَمَرَ الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ عَلِيًّا فَرَدَّ الْمِفْتَاحَ إلَى عُثْمَان، وَقَدَّمَ مَعْذِرَةً بِوَاسِطَتِهِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا عَلِيُّ جِئْتَ قَبْلًا وَأَخَذْتَ الْمِفْتَاحَ مِنِّي بِالْجَبْرِ وَالْإِكْرَاهِ، وَالْآنَ أَتَيْتَ بِالرِّفْقِ وَاللُّطْفِ. فَأَخْبَرَهُ عَلِيٌّ بِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَلَفَظَ عُثْمَانُ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ. وَنَزَلَ جَبْرَائِيلُ مُخَيِّرًا أَنَّ السِّقَايَةَ وَالسِّدَانَةَ لِعُثْمَانَ وَأَوْلَادِهِ أَبَدًا بِمُقْتَضَى الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ. وَلَمَّا هَاجَرَ عُثْمَانُ أَخِيرًا أَعْطَى الْمِفْتَاحَ لِأَخِيهِ شَيْبَةَ. بِنَاءً عَلَيْهِ فَحَقَّ حِفْظُ الْمِفْتَاحِ وَالسِّدَانَةِ مَنُوطَانِ بِشَيْبَةَ وَأَوْلَادِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (شَيْخُ زَادَهْ) .
ثُمَّ إنَّ قَبُولَ الْوَدِيعَةِ مِنْ بَابِ إعَانَةِ الْإِنْسَانِ إخْوَانَهُ وَالْإِعَانَةُ مَنْدُوبَةٌ بِنَصِّ الْآيَةِ الْجَلِيلَةِ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَمَوْضُوعُ عِلْمِ الْفِقْهِ هُوَ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِ كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالرَّهْنِ فَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ بِنَاءً عَلَى هَذَا بَعْضَ الْمَبَاحِثِ بِالْعِنْوَانِ الْمَذْكُورِ فَقَالُوا: كِتَابُ النِّكَاحِ وَكِتَابُ الْبُيُوعِ وَذَكَرُوا بَعْضَ الْمَبَاحِثِ الْأُخْرَى تَحْتَ عِنْوَانِ شَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِ فَقَالُوا كِتَابُ الْعَارِيَّةُ وَكِتَابُ الْمَأْذُونِ. وَسَبَبُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَإِنْ كَانَتْ الْمَجَلَّةُ أَيْضًا حَرَّرَتْ هَذَا الْعِنْوَانَ هُنَا هَكَذَا فَالظَّاهِرُ وَالْمُوَافِقُ لِمَوْضُوعِ عِلْمِ الْفِقْهِ أَنْ يُقَالَ (فِي الْإِيدَاعِ) .
стр. 1037
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِعَقْدِ وَشَرْطِ الْإِيدَاعِ]
بِمَا أَنَّ الْمَجَلَّةَ أَدْخَلَتْ الشَّرْطَ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالرَّهْنِ فِي عِنْوَانِ الْعَقْدِ وَجَعَلَتْ تَعْبِيرَ الْعَقْدِ شَامِلًا لِلرُّكْنِ وَالشَّرْطِ فَقَدْ تَغَيَّرَ أُسْلُوبُهَا هُنَا.
أَرْكَانُ الْإِيدَاعِ أَرْبَعَةٌ: (١) الْوَدِيعَةُ يَعْنِي الْعَيْنَ الْمُودَعَةَ.
(٢) الصِّيغَةُ (٣) الْمُودِعُ (٤) الْوَدِيعُ.
يُبْحَثُ عَنْ الْأَوَّلِ فِي الْمَادَّةِ (٧٧٥) وَعَنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فِي الْمَادَّةِ (٧٧٦) وَعَنْ الرَّابِعِ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ: (الْمَادَّةُ ٧٧٣) يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ دَلَالَةً أَوْ صَرَاحَةً. مَثَلًا لَوْ قَالَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ: أَوْدَعْتُكَ هَذَا الْمَالَ أَوْ أَمَّنْتُكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْمُسْتَوْدِعُ أَيْضًا: قَبِلْتُ يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ صَرَاحَةً. وَإِذَا دَخَلَ شَخْصٌ إلَى الْخَانِ وَقَالَ لِصَاحِبِ الْخَانِ: أَيْنَ أَرْبِطُ حَيَوَانِي؟ فَأَرَاهُ مَحِلًّا وَرَبَطَ حَيَوَانَهُ فِيهِ يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ دَلَالَةً وَكَذَلِكَ إذَا تَرَكَ شَخْصٌ مَالَهُ بِجَانِبِ صَاحِبِ الدُّكَّانِ وَذَهَبَ وَرَآهُ هُوَ أَيْضًا وَسَكَتَ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ وَدِيعَةً عِنْدَ صَاحِبِ الدُّكَّانِ وَإِذَا تَرَكَ رَجُلٌ مَالَهُ بِجَانِبِ صَاحِبِ دُكَّانٍ قَائِلًا لَهُ: هَذَا وَدِيعَةٌ عِنْدَك، وَذَهَبَ وَرَآهُ هُوَ أَيْضًا وَسَكَتَ يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ. وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الدُّكَّانِ: لَا أَقْبَلُ، وَرَدَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ. وَإِذَا تَرَكَ شَخْصٌ مَالَهُ بِجَانِبِ جُمْلَةِ أَشْخَاصٍ عَلَى سَبِيلِ الْوَدِيعَةِ وَذَهَبَ وَرَأَوْهُ هُمْ أَيْضًا وَسَكَتُوا يَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ وَدِيعَةً عِنْدَهُمْ جَمِيعًا. وَلَكِنْ إذَا انْصَرَفُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَحِلِّ الْوَاحِدُ بَعْدَ الْآخَرِ يَتَعَيَّنُ الَّذِي بَقِيَ أَخِيرًا لِلْحِفْظِ وَيَكُونُ الْمَالُ وَدِيعَةً عِنْدَهُ.
رُكْنَا الْإِيدَاعِ: الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ.
بِنَاءً عَلَيْهِ يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِالصَّرَاحَةِ أَوْ دَلَالَةً.
وَبِتَعْبِيرِ (دَلَالَةً) يَعْنِي: بِالدَّلَالَةِ الْقَوْلِيَّةِ، وَبِالدَّلَالَةِ الْفِعْلِيَّةِ وَبِالْكِنَايَةِ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٤٩.
الْمَسَائِلُ الَّتِي يَلْزَمُ فِيهَا الْقَبُولُ أَوْ لَا يَلْزَمُ بَعْدَ الْإِيجَابِ: وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ بِالْإِيجَابِ فَقَطْ. كَمَا يُفْهَمُ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الْفِقْرَةِ (وَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ صَاحِبُ الدُّكَّانِ) . لِأَنَّهُ حَيْثُ سَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ نَتِيجَةَ عَقْدِ الْإِيدَاعِ حِفْظُ الْوَدِيعَةِ فَلَا يَكُونُ الْتِزَامٌ بِلَا لُزُومٍ غَيْرَ أَنَّ لُزُومَ
стр. 1038
الْقَبُولِ فِي الْإِيدَاعِ بَعْدَ الْإِيجَابِ هُوَ لِأَجْلِ وُجُوبِ الْحِفْظِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ وَلَكِنْ لِاكْتِسَابِ الْمَالِ صِفَةَ الْأَمَانَةِ فَالْإِيجَابُ وَحْدَهُ كَافٍ وَالْقَبُولُ لَيْسَ لَازِمًا فِيهِ. حَتَّى أَنَّهُ إذَا هَلَكَ الْمَالُ بَعْدَ الْإِيجَابِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ فِي يَدِ الَّذِي سَيَكُونُ مُسْتَوْدَعًا لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ.
مَثَلًا لَوْ قَالَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ لِلْغَاصِبِ: أَوْدَعْتُكَ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِكَ وَلَمْ يَقْبَلْ الْغَاصِبُ لَا يُجَابُ، وَلَوْ رَدَّهُ أَيْضًا يَكُونُ بَرِيئًا مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ يَكْتَسِبُ صِفَةَ الْأَمَانَةِ فِي يَدِهِ (الْبَحْرُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَيَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ بِخَمْسَةِ وُجُوهٍ الْأَرْبَعَةُ مِنْهَا تُسْتَفَادُ مِنْ الْمَجَلَّةِ لَفْظِ صَرَاحَةً وَدَلَالَةً الْوَارِدَيْنِ بَعْدُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ بِنَاءً مِنْ احْتِمَالِ ارْتِبَاطِهِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كِلَيْهِمَا فَيَكُونُ انْعِقَادُ الْإِيدَاعِ بِالنَّظَرِ لِلْمِجَلَّةِ بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: انْعِقَادُ الْإِيدَاعِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ صَرَاحَةً. كَمَا هُوَ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمَجَلَّةِ الْآتِي ذِكْرُهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: انْعِقَادُ الْإِيدَاعِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ دَلَالَةً. وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى نَوْعَيْنِ:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الدَّلَالَةُ الْقَوْلِيَّةُ كَمَا هُوَ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي مِنْ الْمَجَلَّةِ الْآتِي ذِكْرُهُ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الدَّلَالَةُ الْفِعْلِيَّةُ. كَمَا هُوَ فِي الْمِثَالِ الثَّالِثِ الْآتِي ذِكْرُهُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: انْعِقَادُ الْإِيدَاعِ بِالْإِيجَابِ صَرَاحَةً وَالْقَبُولِ دَلَالَةً.
كَمَا هُوَ فِي الْمِثَالِ الرَّابِعِ مِنْ الْمَجَلَّةِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: انْعِقَادُ الْإِيدَاعِ بِالْإِيجَابِ دَلَالَةً وَالْقَبُولِ صَرَاحَةً.
وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ مِثَالٌ عَلَى هَذَا فِي الْمَجَلَّةِ فَنَذْكُرُ لَهُمْ مِثَالًا كَمَا يَأْتِي: مَثَلًا لَوْ تَرَكَ رَجُلٌ مَالًا بِجَانِبِ صَاحِبِ دُكَّانٍ وَبَيْنَمَا هُوَ ذَاهِبٌ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا قَالَ صَاحِبُ الدُّكَّانِ: إنِّي قَبِلْتُ هَذَا الْمَالَ وَدِيعَةً فَيَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ بِالْإِيجَابِ دَلَالَةً وَالْقَبُولِ صَرَاحَةً.
وَفُهِمَ مِنْ التَّفْصِيلَاتِ السَّابِقَةِ سَبَبُ تَعَدُّدِ الْأَمْثِلَةِ وَظَهَرَ أَيْضًا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الدَّلَالَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَجَلَّةِ أَعَمُّ مِنْ الدَّلَالَةِ الْفِعْلِيَّةِ وَالدَّلَالَةِ الْقَوْلِيَّةِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ كِنَايَةً.
كَمَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: أَعْطِنِي هَذِهِ الْعَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ أَعْطِنِي هَذَا الثَّوْبَ وَأَعْطَاهُ يَكُونُ وَدِيعَةً؛ لِأَنَّ إعْطَاءَ الدَّرَاهِمِ أَوْ الثَّوْبِ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْهِبَةِ أَيْضًا وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ الْوَدِيعَةَ أَدْنَى مِنْ الْهِبَةِ تَكُونُ الْوَدِيعَةُ مُتَيَقَّنَةً وَالْهِبَةُ مَشْكُوكَةً وَبِنَاءً عَلَيْهِ يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ كِنَايَةً (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ فِي آخِرِ الْوَدِيعَةِ) .
مَثَلًا لَوْ قَالَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ: أَوْدَعْتُكَ هَذَا الْمَالَ أَوْ أَمَّنْتُكَ عَلَيْهِ وَقَبِلَ الْمُسْتَوْدَعُ يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ بِالْإِيجَابِ صَرَاحَةً وَبِالْقَبُولِ صَرَاحَةً.
وَإِذَا رَدَّ الْمُسْتَوْدَعُ الْإِيجَابَ بِأَنْ رَفَضَ قَبُولَ الْوَدِيعَةِ.
وَلَكِنَّ الْمُودِعَ مَعَ ذَلِكَ تَرَكَهَا وَذَهَبَ فَهَلَكَتْ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَإِذَا أَخَذَ الْمُسْتَوْدَعُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ الْمَالَ الْمَذْكُورَ إلَى بَيْتِهِ كَيْ يَكُونَ مَالًا لَهُ يَكُونُ غَاصِبًا. رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٧٦٩) . وَأَمَّا إذَا أَخَذَهُ حَتَّى يُعْطِيَهُ لِصَاحِبِهِ فَاللَّائِقُ وَالْمُنَاسِبُ أَيْضًا أَنْ يُعَدَّ غَاصِبًا نَظَرًا لِمَا ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ. وَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا هَلَكَ
стр. 1039
فِي يَدِهِ فَالْمُنَاسِبُ أَيْضًا أَنْ يَضْمَنَ، وَلَكِنَّ صَاحِبَ الْفُصُولَيْنِ اعْتَرَضَ عَلَى الذَّخِيرَةِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ قَائِلًا: إنَّ الظَّاهِرَ أَنْ لَا يَكُونَ ضَامِنًا. لِنُبَيِّنَ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي مَعَ ذِكْرِ أَجْوِبَتِهَا اللَّازِمَةِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: حَيْثُ إنَّ الْغَصْبَ عِبَارَةٌ عَنْ إزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ يَدُ مَالِكٍ وَأَزَالَهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَكُونُ غَصْبًا. فَنَقُولُ جَوَابًا عَلَى هَذَا: إنَّ الْحَالَ وَالْكَيْفِيَّةَ الَّتِي تُسَاوِي الْغَصْبَ فِي إزَالَةِ التَّصَرُّفِ تُعَدُّ مِنْ قَبِيلِ الْغَصْبِ حُكْمًا. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩٠١) .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَخْذُ الْمُسْتَوْدَعِ ذَلِكَ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ بِقَصْدِ الضَّرَرِ بَلْ رُبَّمَا كَانَ بِقَصْدِ النَّفْعِ، جَوَابُهُ: لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْغَصْبِ بِالنِّيَّةِ. وَلِهَذَا إذَا أَخَذَ أَحَدٌ مِنْ جَيْبِ السَّكْرَانِ كِيسَ دَرَاهِمِهِ حَتَّى لَا يَضِيعَ وَيَرُدُّهُ إلَيْهِ حِينَمَا يَزُولُ سُكْرُهُ وَيُفِيقُ يَكُونُ غَاصِبًا. رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٢) .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: تَرْكُ الْمَالِكِ الْمَالَ بَعْدَ رَدِّ الْمُسْتَوْدَعِ إيدَاعٌ ثَانٍ وَأَخْذُ الْمُسْتَوْدَعِ وَرَفْعُهُ أَيْضًا قَبُولٌ ضِمْنِيٌّ فَبِنَاءً عَلَيْهِ الظَّاهِرُ عَدَمُ تَرَتُّبِ الضَّمَانِ.
الْجَوَابُ: حَيْثُ إنَّ الْمُسْتَوْدَعَ رَدَّ صَرَاحَةً وَلِكَوْنِ الصَّرَاحَةِ أَقْوَى مِنْ الدَّلَالَةِ وَالضِّمْنِيَّاتِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الدَّلَالَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُوجَدُ فِيهِ الصَّرَاحَةُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٣) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْإِيضَاحَاتِ أَنَّ الِاعْتِرَاضَاتِ الَّتِي وَجَّهَهَا صَاحِبُ الْفُصُولَيْنِ إلَى صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ غَيْرُ وَارِدَةٍ فَبَقِيَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ قَوْلُ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ (اللَّائِقُ لُزُومُ الضَّمَانِ) سَالِمًا مِنْ الِاعْتِرَاضِ.
كَمَا أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ شَخْصٌ مَتَاعًا فِي بَيْتِ شَخْصٍ آخَرَ بِلَا أَمْرٍ وَفُقِدَ لِعَدَمِ مُحَافَظَةِ الشَّخْصِ الْآخَرِ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ لَمْ يَلْتَزِمْ الْمُحَافَظَةَ وَلَا لُزُومَ بِدُونِ الْتِزَامٍ.
وَإِنَّمَا إذَا رَمَاهُ الشَّخْصُ الْآخَرُ الْمَذْكُورُ خَارِجَ الْبَيْتِ وَفُقِدَ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ اسْتِهْلَاكٌ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩١٢) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفِقْرَةِ (كَمَا سَقَطَ مَالٌ شَخْصٍ بِهُبُوبِ الرِّيحِ. ..) الْمُنْدَرِجَةِ فِي الْمَادَّةِ (٧٦٢) وَبَيْنَ هَذِهِ ظَاهِرٌ.
فَفِي الْفِقْرَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُوجَدُ إحَالَةٌ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ وَأَمَّا هُنَا وَإِنْ كَانَتْ إحَالَةُ صَاحِبِ الْمَالِ قَصْدًا مَوْجُودَةً فَقَبُولُ الْآخَرِ غَيْرُ مَوْجُودٍ. وَبِلَا قَبُولٍ لَا يَحْصُلُ إجْبَارٌ عَلَى الْمُحَافَظَةِ.
وَلَكِنْ إذَا أَدْخَلَ رَجُلٌ دَابَّتَهُ إلَى دَارِ غَيْرِهِ وَأَخْرَجَهَا صَاحِبُ الدَّارِ مِنْ دَارِهِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ مُضِرَّةٌ لِلدَّارِ. وَأَمَّا إذَا وُجِدَتْ دَابَّةُ الْغَيْرِ فِي إصْطَبْلِهِ وَأَخْرَجَهَا صَاحِبُهَا وَفُقِدَتْ فَيَكُونُ ضَامِنًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٢ - وَكَذَلِكَ إذَا دَخَلَ شَخْصٌ خَانًا وَسَأَلَ صَاحِبَهُ أَيْنَ يَرْبِطُ حَيَوَانَهُ؟ فَأَرَاهُ مَحِلًّا فَرَبَطَهُ فِيهِ يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ دَلَالَةً قَوْلِيَّةً وَيَكُونُ صَاحِبُ الْخَانِ مُسْتَوْدَعًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) . حَتَّى أَنَّهُ إذَا جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْحَيَوَانِ وَلَمْ يَجِدْ الْحَيَوَانَ فِي مَحِلِّهِ وَسَأَلَ صَاحِبَ الْخَانِ فَأَجَابَهُ أَنَّ رَفِيقَك أَخَذَهُ لِيَسْقِيَهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَفِيقٌ فَيَكُونُ صَاحِبُ الْخَانِ قَصَّرَ فِي الْمُحَافَظَةِ. يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ الرَّجُلَ حِينَمَا رَآهُ آخِذًا الْحَيَوَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَصِيرُ ضَامِنًا
стр. 1040
ذَلِكَ الشَّخْصَ مُسْتَوْدَعًا؛ لِأَنَّ التَّصْرِيحَيْنِ تَعَارَضَا فَيَتَسَاقَطَانِ وَيَبْقَى ذَلِكَ الْمَالُ وَدِيعَةً فِي يَدِهِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَفِيهِ أَنَّ الثَّانِيَ رُجُوعٌ عَنْ الْأَوَّلِ فَالظَّاهِرُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْمَالُ وَدِيعَةً؛ لِأَنَّهُ رَدُّ الْحِفْظِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ حِينَمَا دَفَعَ إلَى دَارِهِ الْمَالَ وَرَأَى صَاحِبَهُ وَسَكَتَ صَارَ قَابِلًا دَلَالَةً (الشَّارِحُ) .
٣ - وَكَذَلِكَ إذَا تَرَكَ رَجُلٌ مَالَهُ بِجَانِبِ صَاحِبِ دُكَّانٍ دُونَ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا كَهَذَا الْمَالِ وَدِيعَةٌ عِنْدَك مَثَلًا، وَذَهَبَ وَرَآهُ صَاحِبُ الدُّكَّانِ وَسَكَتَ فَحَيْثُ إنَّ الْإِيدَاعَ يَنْعَقِدُ فِعْلًا أَيْ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ دَلَالَةً فَعَلَيْهِ يَصِيرُ ذَلِكَ الْمَالُ وَدِيعَةً عِنْدَ صَاحِبِ الدُّكَّانِ. حَتَّى أَنَّهُ إذَا تَرَكَ صَاحِبُ الدُّكَّانِ الْوَدِيعَةَ هُنَاكَ وَذَهَبَ يَصِيرُ ضَامِنًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَرَدَ فِي هَذَا الْمِثَالِ (وَرَآهُ) لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَرَهُ لَا تَكُونُ الْوَدِيعَةُ قُبِلَتْ بِالدَّلَالَةِ الْقَوْلِيَّةِ أَوْ الْفِعْلِيَّةِ. فَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا هَلَكَ ذَلِكَ الْمَالُ لِعَدَمِ مُحَافَظَةِ صَاحِبِ الدُّكَّانِ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ.
وَلَكِنْ لَيْسَ لِصَاحِبِ الدُّكَّانِ أَنْ يَرْمِيَ بِهِ إلَى الْخَارِجِ. فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ. عَلَى مَا مَرَّ فِي شَرْحِ الْمِثَالِ الْأَوَّلِ.
٤ - وَكَذَلِكَ إذَا أَرْسَلَ شَخْصٌ بِوَاسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ حَيَوَانَهُ إلَى الرَّاعِي لِأَجْلِ رَعْيِهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ الرَّاعِي وَقَالَ: لَا أَقْبَلُ أَعِدْهُ إلَى صَاحِبِهِ وَبَيْنَمَا كَانَ يُعِيدُهُ هَلَكَ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الشَّخْصِ الْآخَرِ وَلَا عَلَى الرَّاعِي؛ لِأَنَّ الرَّاعِيَ بِعَدَمِ قَبُولِهِ لَمْ تَنْعَقِدْ الْأَمَانَةُ. وَحَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ الْآخَرَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَسْلِيمِ الْحَيَوَانِ إلَى الرَّاعِي فَلَمْ تَنْتَهِ رِسَالَتُهُ وَيَدُ أَمَانَتِهِ بَاقِيَةٌ وَالْحَالَةُ هَذِهِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٥ - وَكَذَلِكَ إذَا نَزَعَ رَجُلٌ ثَوْبَهُ فِي الْحَمَّامِ وَتَرَكَهُ عِنْدَ حَارِسِ الثِّيَابِ وَرَآهُ هَذَا وَسَكَتَ يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ. بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمُغْتَسَلِ، وَقَالَ الْحَارِسُ: إنَّ شَخْصًا لَبِسَ الثَّوْبَ وَذَهَبَ فَظَنَنْته لَهُ، فَلِكَوْنِهِ تَرَكَ السُّؤَالَ وَالْبَحْثَ وَقَصَّرَ فِي الْحِفْظِ يَكُونُ ضَامِنًا. وَلَكِنْ إذَا قَالَ الْحَارِسُ: رَأَيْت الشَّخْصَ وَهُوَ يَرْفَعُ ثَوْبَك وَلَكِنْ ظَنَنْته إيَّاكَ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ سُرِدَ وَجْهَانِ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - عَدَمُ لُزُومِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ظَنَّ فِيمَنْ رَفَعَ الثَّوْبَ أَنَّهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ لَمْ يَكُنْ قَصَّرَ فِي الْحِفْظِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
الْوَجْهُ الثَّانِي - لُزُومُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ فَتَكُونُ حِينَئِذٍ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرْت شَرْحًا وَهِيَ (حَتَّى إذَا جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ صَاحِبُهُ وَلَمْ يَرَ الْحَيَوَانَ فِي مَحِلِّهِ وَعِنْدَ سُؤَالِهِ مِنْ صَاحِبِ الْخَانِ إلَخْ) نَظِيرَةً لِهَذِهِ.
٦ - وَكَذَلِكَ إذَا تَرَكَ شَخْصٌ مَالًا بِجَانِبِ صَاحِبِ دُكَّانٍ قَائِلًا: هَذَا الْمَالُ وَدِيعَةٌ عِنْدَك وَذَهَبَ بَعْدَ أَنْ رَآهُ الْمُودِعُ وَسَكَتَ يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ. وَإِذَا رَدَّ صَاحِبُ الدُّكَّانِ قَائِلًا: لَا أَقْبَلُ، لَا يَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ عُرْفًا لَا يَثْبُتُ عِنْدَ الرَّدِّ صَرَاحَةً (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَلَا تُعَارِضُ الدَّلَالَةُ الصَّرِيحَ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٣) وَشَرْحَهَا وَعَلَيْهِ إذَا فُقِدَ ذَلِكَ الْمَالُ بَعْدَهُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِ الدُّكَّانِ. وَهَذِهِ الْفِقْرَةُ مُرْتَبِطَةٌ فِي الْمِثَالِ الثَّالِثِ وَمُقَابِلَةٌ فِقْرَةَ (وَإِذَا رَآهُ وَسَكَتَ) .
стр. 1041
كَمَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: قَالَ الْمُسْتَوْدَعُ لِلْمُودِعِ: أَوْدِعْ هَذَا الْمَالَ عِنْدِي فَتَرَكَ الْمُودِعُ ذَلِكَ الْمَالَ عِنْدَهُ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا تَنْعَقِدُ الْوَدِيعَةُ (الْبَاجُورِيُّ) .
٧ - وَكَذَلِكَ إذَا تَرَكَ شَخْصٌ مَالَهُ عِنْدَ جُمْلَةِ أَشْخَاصٍ عَلَى سَبِيلِ الْوَدِيعَةِ وَذَهَبَ وَرَأَوْهُ هُمْ أَيْضًا وَسَكَتُوا فَيَنْعَقِدُ الْإِيدَاعُ هُنَا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ دَلَالَةً فِعْلِيَّةً وَيَصِيرُ ذَلِكَ الْمَالُ وَدِيعَةً عِنْدَهُمْ جَمِيعًا. يَعْنِي أَنَّ تَرْكَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَذَهَابَهُ أَيْ الْمُودِعِ الْمَرْقُومِ يَكُونُ إيدَاعًا فَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا هَلَكَ الْمَالُ بِنَاءً عَلَى مُغَادَرَتِهِمْ جَمِيعِهِمْ ذَلِكَ الْمَحِلَّ يَضْمَنُونَ كُلُّهُمْ بِالِاشْتِرَاكِ بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ (٧٨٧) . يَعْنِي أَنَّ بَدَلَ الضَّمَانِ يَنْقَسِمُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الَّذِينَ قَامُوا وَذَهَبُوا فَإِنْ كَانُوا خَمْسَةَ أَشْخَاصٍ مَثَلًا يَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خُمْسَ قِيمَةِ الْوَدِيعَةِ.
جَاءَ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ (وَإِذَا رَأَوْهُ هُمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَرَوْهُ لَا يُوجَدُ قَبُولٌ بِالسُّكُوتِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ وَدِيعَةً كَمَا هِيَ الْحَالُ فِي الْمَالِ الَّذِي دَفَعَهُ شَخْصٌ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ بِدُونِ أَمْرِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ آنِفًا.
وَسِيَّانِ قَاعِدَةُ تَسْلِيمِ الْوَدِيعَةِ إلَى الْمُسْتَوْدَعِ وَرَدِّ الْمُسْتَوْدَعِ الْوَدِيعَةَ إلَى الْمُودِعِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا فُهِمَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَجَلَّةِ تَسْلِيمُ الْوَدِيعَةِ إلَى الْمُسْتَوْدَعِ يَتِمُّ بِوَضْعِهَا أَمَامَهُ وَلَيْسَ شَرْطًا وَضْعُهَا فِي يَدِهِ أَوْ فِي حِضْنِهِ. كَمَا أَنَّ رَدَّ الْوَدِيعَةِ أَيْضًا يَتِمُّ بِوَضْعِهَا أَمَامَ الْمُودِعِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ وَضْعُهَا فِي يَدِهِ أَوْ فِي حِضْنِهِ فَبِنَاءً عَلَيْهِ كَانَ الْإِيدَاعُ وَانْتِهَاءُ الْإِيدَاعِ مُتَسَاوِيَانِ. مَعَ أَنَّهُ فِي الدَّيْنِ لَيْسَتْ الْحَالَةُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ بَلْ وَضْعُ الْمَدِينِ دَيْنَهُ فِي يَدِ الدَّائِنِ أَوْ فِي حِضْنِهِ كَانَ شَرْطًا. حَتَّى أَنَّهُ بِوَضْعِهِ الدَّيْنَ أَمَامَهُ لَا يَكُونُ أَدَّى دَيْنَهُ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
إلَّا أَنَّهُ إذَا غَادَرَ أُولَئِكَ الْأَشْخَاصُ الْوَاحِدُ تِلْوَ الْآخَرِ ذَلِكَ الْمَحِلَّ بَعْدَ أَنْ رَأَوْهُ وَسَكَتُوا فَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فِي الْآخِرِ يَكُونُ تَعَيَّنَ لِلْحِفْظِ وَيَصِيرُ ذَلِكَ الْمَالُ وَدِيعَةً عِنْدَهُ فَقَطْ (الْبَحْرُ) .
فَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا تَرَكَ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَيْضًا الْمَحِلَّ الْمَذْكُورَ وَفُقِدَ ذَلِكَ الْمَالُ لَزِمَهُ الضَّمَانُ لَا غَيْرُ.
يَرِدُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سُؤَالٌ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي.
إنَّ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ أَشْخَاصٍ كَثِيرِينَ تَجْعَلُهُمْ جَمِيعًا مُسْتَوْدَعِينَ كَمَا جَاءَ فِي الْفِقْرَةِ الْأُولَى. وَحَيْثُ إنَّ مَنْ يَذْهَبُ مِنْهُمْ وَيَتْرُكُ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ الْبَاقِي كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَلْزَمَهُ الضَّمَانُ عِنْدَ الْهَلَاكِ بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ (٧٩٠) الْجَوَابُ: أَنَّ الطَّحْطَاوِيَّ حَصَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْوَدِيعَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ عَادًّا إيَّاهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَادَّةِ (٧٨٣) وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ قَابِلَةً لِلْقِسْمَةِ فَقَالَ: إنَّ الْمُنَاسِبَ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى مَنْ ذَهَبَ ضَمَانُ مِقْدَارِ حِصَّتِهِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
[ (الْمَادَّةُ ٧٧٤) لِكُلٍّ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَوْدَعِ فَسْخُ عَقْدِ الْإِيدَاعِ مَتَى شَاءَ]
الْإِيدَاعُ لَيْسَ عَقْدًا لَازِمًا. يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ لَازِمًا بِحَقِّ أَحَدٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ.
رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (١١٤) وَفِي هَذَا التَّقْدِيرِ لِلْمُودِعِ أَنْ يَسْتَرِدَّ وَدِيعَتَهُ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْمَالِ. وَلِصَاحِبِ الْوَدِيعَةِ أَيْضًا أَنْ يَرُدَّ الْوَدِيعَةَ مَتَى أَرَادَ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِخُصُوصِ حِفْظِ الْوَدِيعَةِ (الْبَاجُورِيُّ) .
فَبِنَاءً عَلَيْهِ لِكُلٍّ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَوْدَعِ صَلَاحِيَةُ فَسْخِ الْإِيدَاعِ مَتَى أَرَادَ. سَوَاءٌ أَكَانَ عَقْدُ الْإِيدَاعِ
стр. 1042
مُوَقَّتًا لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ مَثَلًا أَمْ لَمْ يَكُنْ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْ الْمَادَّةِ (٧٩٤) أَنَّ لِلْمُودِعِ فَسْخُ الْإِيدَاعِ وَحْدَهُ بِالِاسْتِقْلَالِ.
فَلِذَلِكَ مَتَى طَلَبَ الْمُودِعُ وَدِيعَتَهُ يُقَدِّمُهَا لَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الطَّلَبَ يَتَضَمَّنُ فَسْخَ عَقْدِ الْإِيدَاعِ فَإِذَا امْتَنَعَ الْمُسْتَوْدَعُ عَنْ إعَادَتِهَا ثُمَّ هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ لَزِمَ ضَمَانُهَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ وَلَوْ كَانَ هَلَاكُهَا بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ. وَعِنْدَمَا تُطْلَبُ الْوَدِيعَةُ مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ تَسْلِيمِهَا فِي الْحَالِ قَائِلًا (حِينَمَا سَلَّمْتنِي كَانَ ذَلِكَ بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ وَأَنَا أَيْضًا أُسَلِّمُك بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ مُصَدَّقٌ بِالْيَمِينِ بِمُوجِبِ الْمَادَّةِ (١٧٧٤) وَغَيْرُ مُحْتَاجٍ لِإِثْبَاتِ الرَّدِّ بِالشُّهُودِ وَعَلَيْهِ فَلَا حَقَّ لَهُ بِالتَّأْخِيرِ بِحُجَّةِ الْإِشْهَادِ (الْبَاجُورِيُّ) .
إنَّمَا عَقْدُ الْإِيدَاعِ يَكُونُ لَازِمًا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَهِيَ: إذَا كَانَ الْحِفْظُ فِي مُقَابَلَةِ أُجْرَةٍ كَمَا ذُكِرَ فِي الْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْمَادَّةِ (٧٧٧) فَحَيْثُ إنَّ عَقْدَ الْوَدِيعَةِ هَذَا عَقْدُ حِفْظٍ وَفِيهِ الْمُسْتَوْدَعُ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ فَيَصِيرُ الْعَقْدُ الْمَذْكُورُ عَقْدَ إجَارَةٍ وَلَيْسَ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ أَنْ يَفْسَخَهُ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٤٠٦) (الْأَنْقِرْوِيُّ وَالْعِنَايَةُ) .
[ (الْمَادَّةُ ٧٧٥) مِنْ شُرُوط الْوَدِيعَةِ أَنْ تَكُونَ قَابِلَةً لِوَضْعِ الْيَدِ وَصَالِحَةً لِلْقَبْضِ]
(الْمَادَّةُ ٧٧٥) يُشْتَرَطُ فِي الْوَدِيعَةِ أَنْ تَكُونَ قَابِلَةً لِوَضْعِ الْيَدِ وَصَالِحَةً لِلْقَبْضِ. فَبِنَاءً عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ إيدَاعُ الطَّيْرِ الطَّائِرِ فِي الْهَوَاءِ.
يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْوَدِيعَةُ وَقْتَ الْإِيدَاعِ قَابِلَةً؛ لَأَنْ يَضَعَ الْمُسْتَوْدَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا وَأَنْ تَكُونَ صَالِحَةً وَقَابِلَةً لِلْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ عَقْدُ اسْتِحْفَاظٍ فَلَا يُمْكِنُ حِفْظُهَا قَبْلَ أَنْ يُثْبِتَ الْمُسْتَوْدَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا يَعْنِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا وَعِبَارَةُ (صَالِحَةً لِلْقَبْضِ) عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ لِعِبَارَةِ (قَابِلَةً لِوَضْعِ الْيَدِ) .
بِنَاءً عَلَيْهِ إيدَاعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالْمَالِ الْمُسْتَحِيلِ إخْرَاجُهُ مِنْ الْبَحْرِ وَالْحَيَوَانِ الْآبِقِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِوَضْعِ الْيَدِ وَقْتَ الْإِيدَاعِ. فَلِذَلِكَ إذَا فُقِدَ الطَّيْرُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ بِالضَّمَانِ بِحُجَّةِ أَنَّهُ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِ.
هَلْ الشَّرْطُ وَضْعُ الْيَدِ فِعْلًا أَوْ الْقَابِلِيَّةُ لِوَضْعِ الْيَدِ فَقَطْ؟ إنَّ الْبَعْضَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالزَّيْلَعِيّ مِنْ جُمْلَتِهِمْ قَالُوا بِأَنَّ وَضْعَ الْيَدِ فِعْلًا شَرْطٌ وَذَهَبَ الْبَعْضُ الْآخَرُ إلَى أَنَّ الْقَابِلِيَّةَ لِوَضْعِ الْيَدِ كَافِيَةٌ وَلَيْسَ وَضْعُ الْيَدِ فِعْلًا شَرْطًا.
وَيُفْهَمُ مِنْ الْمِثَالِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فِي الْمَادَّةِ (٧٧٣) مِنْ الْمَجَلَّةِ وَمَنْ ظَاهِرِ عِبَارَةِ هَذِهِ الْمَادَّةِ أَيْضًا أَنَّ الْمَجَلَّةَ اخْتَارَتْ الْقَوْلَ الثَّانِيَ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
[ (الْمَادَّةُ ٧٧٦) شُرُوط صِحَّةِ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ]
(الْمَادَّةُ ٧٧٦) يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُودِعُ وَالْمُسْتَوْدَعُ عَاقِلَيْنِ مُمَيِّزَيْنِ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا بَالِغَيْنِ. فَبِنَاءً عَلَيْهِ إيدَاعُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَقَبُولُهُمَا الْوَدِيعَةَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَأَمَّا إيدَاعُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الْمَأْذُونِ وَقَبُولُهُ الْوَدِيعَةَ فَهُوَ صَحِيحٌ.
стр. 1043
يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ كَوْنُ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَوْدَعِ عَاقِلَيْنِ مُمَيِّزَيْنِ وَزِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَوْدَعُ مَأْذُونًا (الْبَحْرُ) .
وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُودِعُ وَالْمُسْتَوْدَعُ بَالِغَيْنِ. فَبِنَاءً عَلَيْهِ إيدَاعُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَقَبُولُهُمَا الْوَدِيعَةَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَحَيْثُ إنَّ إيدَاعَ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِذَا قَبِلَ شَخْصٌ مَالَ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِنَاءً عَلَى أَنْ يَكُونَ وَدِيعَةً عِنْدَهُ يَكُونُ غَاصِبًا.
وَحَيْثُ إنَّ قَبُولَ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ الْوَدِيعَةَ غَيْرُ جَائِزٍ فَإِذَا أَوْدَعَ شَخْصٌ مَالَهُ عِنْدَ الْمَجْنُونِ أَوْ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَاسْتَهْلَكَهُ لَا يَكُونُ ضَامِنًا بِالْإِجْمَاعِ. يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ الْمَادَّةِ (٩١٦) لَا يَجْرِي فِيهِ. وَلَكِنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُودِعَ مَالَهُمَا.
وَلَكِنَّ إيدَاعُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الْمَأْذُونِ وَقَبُولَهُ الْوَدِيعَةَ صَحِيحٌ. سَوَاءٌ أَكَانَ مَأْذُونًا إذْنًا عَامًّا أَمْ خَاصًّا لِقَبُولِ الْوَدِيعَةِ الْمَذْكُورَةِ رَاجِعْ الْمَادَّتَيْنِ (٩٦٦ و ٩٦٧) .
وَبِنَاءً عَلَى أَنَّ إيدَاعَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الْمَأْذُونِ صَحِيحٌ إذَا أَخَذَ شَخْصٌ وَدِيعَةً مِنْهُ وَهَلَكَتْ فِي يَدِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَصِيرُ ضَامِنًا. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٧٧) .
وَإِذَا تُوُفِّيَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ الْمَأْذُونُ مُجْهِلًا الْوَدِيعَةَ تُضْمَنُ مِنْ تَرِكَتِهِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٨٠١) . وَإِذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ بِتَعَدِّيهِ كَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَهَا أَوْ بِتَقْصِيرِهِ فِي الْحِفْظِ يَكُونُ ضَامِنًا (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٧٨٧) ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ الْمَأْذُون مُؤَاخَذٌ بِالضَّمَانِ لِتَضْيِيعِ الْوَدِيعَةِ.
اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي لُزُومِ الضَّمَانِ فِي حَالَةِ اسْتِهْلَاكِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الْوَدِيعَةَ أَوْ الْمَالَ الَّذِي اسْتَقْرَضَهُ أَوْ اسْتَعَارَهُ: تَقْيِيدُ الصَّبِيِّ بِالْمَأْذُونِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ احْتِرَازِيٌّ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الْمَحْجُورِ الْوَدِيعَةَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَكَمَا أَنَّهُ إذَا قَبِلَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ الْوَدِيعَةَ وَهَلَكَتْ فِي يَدِهِ بِسَبَبِ عَدَمِ مُحَافَظَتِهِ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ كَذَلِكَ إذَا اسْتَهْلَكَ الصَّبِيُّ الْوَدِيعَةَ فِي حَالِ صِبَاهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ طَعَامًا فَأَكَلَهُ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ أَيْضًا لَا فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْبُلُوغِ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالْإِمَامِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ عَادَةَ الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ تَضْيِيعُ الْأَمْوَالِ فَيَكُونُ الْمُودِعُ بِتَسْلِيمِهِ الْمَالَ مَعَ عِلْمِهِ هَذِهِ الْعَادَةَ رَضِيَ بِاسْتِهْلَاكِهِ وَلِذَلِكَ لَا يُؤَاخَذُ الصَّبِيُّ مِنْ جَرَّاءِ اسْتِهْلَاكِهِ الْوَدِيعَةَ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَلِذَلِكَ إذَا دَلَّ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ السَّارِقَ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ الْمُودَعِ عِنْدَهُ أَوْ شَاهَدَ السَّارِقَ وَهُوَ يَسْرِقُ الْوَدِيعَةَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَعَ اقْتِدَارِهِ عَلَى الْمَنْعِ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ. وَالْحَالُ أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ مَتَى بَلَغَ يَضْمَنُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٨٨٧) . أَيْ إذَا اسْتَهْلَكَ الْوَدِيعَةَ بَعْدَ الْبُلُوغِ يَكُونُ ضَامِنًا.
وَلِذَلِكَ أَيْضًا إذَا أُودِعَ مَالٌ عِنْدَ الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ وَتُوُفِّيَ قَبْلَ الْبُلُوغِ مُجْهِلًا فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ
стр. 1044
كَذَلِكَ إذَا تُوُفِّيَ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ أَيْضًا. مَا لَمْ يَثْبُتْ وُجُودُ الْوَدِيعَةِ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ. (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٨٠١) .
الْمَعْتُوهُ كَالصَّبِيِّ فِي هَذَا.
إذَا أُودِعَ مَالٌ عِنْدَ الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ وَاسْتَهْلَكَهُ يَضْمَنُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَوَافَقَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي هَذَا الرَّأْيِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَجَلَّةِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ خَاصَّةً إذَا كَانَ مَعَهُ أَحَدُ الْإِمَامَيْنِ يُعَدُّ مُرَجِّحًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ.
وَإِذَا دُفِعَ مَالٌ لِلصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ قَرْضًا أَوْ عَارِيَّةً أَوْ بِيعَ مِنْهُ وَسُلِّمَ لَهُ وَاسْتَهْلَكَهُ الصَّبِيُّ الْمَرْقُومُ يَحْصُلُ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَيْضًا. وَأَمَّا إذَا تَعَدَّى الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ مِنْ غَيْرِ سَابِقِ الْإِقْرَاضِ وَالِاسْتِيدَاعِ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ يَكُونُ ضَامِنًا. وَلِذَلِكَ إذَا اسْتَهْلَكَ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ مَالَ غَيْرِهِ يَضْمَنُ. وَلَا تَأْثِيرَ فِي هَذَا لِكَوْنِهِ صَبِيًّا مَحْجُورًا؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ يَجْرِي فِي الْأَقْوَالِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَفْعَالِ بِنَاءً عَلَيْهِ يَلْزَمُ الصَّبِيَّ الْمَرْقُومَ الضَّمَانُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يُنَافِي هَذَا الشَّرْحُ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٧٧٨) وَالْمَادَّةِ (٩١٦) مِنْ الْمَجَلَّةِ.
وَلِذَلِكَ أَيْضًا إذَا أَوْدَعَ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ بِلَا إذْنٍ مَالَ غَيْرِهِ عِنْدَ صَبِيٍّ مَحْجُورٍ آخَرَ فَلِكَوْنِ الِاثْنَيْنِ مُتَعَدِّيَيْنِ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الصَّبِيَّيْنِ لَدَى هَلَاكِهِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ بَيْنَ الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ الْإِيدَاعِ وَالِاسْتِهْلَاكِ بَعْدَ الْإِيدَاعِ إذْ إنَّهُ إذَا أَوْدَعَ شَخْصٌ مَالَهُ عِنْدَ صَبِيٍّ مَحْجُورٍ يَكُونُ إذْنَ دَلَالَةٍ بِاسْتِهْلَاكِهِ كَمَا أُوضِحَ سَابِقًا وَأَمَّا فِي الِاسْتِهْلَاكِ بِلَا سَبْقِ الْإِيدَاعِ فَلَيْسَ مِنْ إذْنٍ.
стр. 1045
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْوَدِيعَةِ وَضَمَانَاتِهَا]
عَطْفُ الضَّمَانَاتِ عَلَى الْأَحْكَامِ عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
وَلِلْوَدِيعَةِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ:
١ - كَوْنُ الْمَالِ أَمَانَةً وَاجِبَةَ الْحِفْظِ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ.
وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٧٧٧) .
٢ - لُزُومُ الرَّدِّ وَالْإِعَادَةِ عِنْدَ الطَّلَبِ. وَهَذَا مَسْطُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٧٩٤) .
٣ - كَوْنُ قَبُولِ الْوَدِيعَةِ مُسْتَحَبًّا (الْبَحْرُ) . وَلَا ذِكْرَ لِهَذَا الْحُكْمِ فِي الْمَجَلَّةِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ.
(الْمَادَّةُ ٧٧٧) الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا هَلَكَتْ أَوْ فُقِدَتْ بِدُونِ صُنْعِ الْمُسْتَوْدَعِ وَتَعَدِّيهِ وَتَقْصِيرِهِ فِي الْحِفْظِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. فَقَطْ إذَا أُودِعَتْ بِأُجْرَةٍ لِأَجْلِ الْحِفْظِ وَهَلَكَتْ بِسَبَبٍ مُمْكِنِ التَّحَرُّزِ كَالسَّرِقَةِ تَكُونُ مَضْمُونَةً. مَثَلًا إذَا سَقَطَتْ السَّاعَةُ الْمُودَعَةُ مِنْ يَدِ رَجُلٍ قَضَاءً وَانْكَسَرَتْ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. وَأَمَّا إذَا وَطِئَهَا بِرِجْلِهِ أَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ شَيْءٌ عَلَيْهَا وَانْكَسَرَتْ لَزِمَ الضَّمَانُ. كَذَلِكَ إذَا أَعْطَى رَجُلٌ لِآخَرَ أُجْرَةً لِأَجْلِ إيدَاعِ وَحِفْظِ مَالِهِ ثُمَّ فُقِدَ ذَلِكَ الْمَالُ بِسَبَبٍ مُمْكِنِ التَّحَرُّزِ كَالسَّرِقَةِ لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ.
الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ لَازِمَةُ الْحِفْظِ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَلْزَمُ مَعْرِفَةُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
الْأَوَّلُ: الْحَافِظُ.
الثَّانِي: عِلَّةُ الْحِفْظِ.
وَالثَّالِثُ: كَيْفِيَّةُ الْحِفْظِ.
فَالْأَوَّلُ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٧٨٠) وَالثَّانِي فِي الْمَادَّةِ (٧٨١) وَالثَّالِثُ فِي الْمَادَّةِ (٧٨٢) .
بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا أَوْ فُقِدَتْ بِدُونِ صُنْعِ الْمُسْتَوْدَعِ وَتَعَدِّيهِ وَتَقْصِيرِهِ فِي الْحِفْظِ كَمَا لَوْ سُرِقَتْ الْوَدِيعَةُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ يَعْنِي أَنَّ خَسَائِرَهَا تَعُودُ عَلَى الْمُودِعِ. اُنْظُرْ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى فِي الْمَادَّةِ (٧٦٨) ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ الْأَكْرَمَ ( ﷺ ) قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ وَلَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» وَمَعْنَى أَهَلَكْت وَالْإِغْلَالُ الْخِيَانَةُ. ثُمَّ حَيْثُ إنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْإِيدَاعِ أُهْلِكَتْ بِنَاءً عَلَى
احْتِيَاجِ النَّاسِ
فَلَوْ لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِ الْوَدِيعَةِ وَلَزِمَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ تَعْطِيلُ الْمَصَالِحِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَوْدَعُ: وَقَعْت الْوَدِيعَةُ مِنِّي أَوْ وَقَعَتْ الْوَدِيعَةُ، فَكِلَا الْقَوْلَيْنِ ادِّعَاءٌ بِفِقْدَانِ الْوَدِيعَةِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ.
رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٦٠٧) .
стр. 1046
الْمَسَائِلُ الْعَدِيدَةُ. الْمُتَفَرِّعَةُ عَلَى كَوْنِ الْوَدِيعَةِ أَمَانَةً: ١ مَسْأَلَةٌ - إذَا أَعْطَى رَجُلٌ مَالًا لِشَخْصٍ وَقَالَ لَهُ: أَعْطِهِ الْيَوْمَ لِفُلَانٍ فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، فَلَمْ يُعْطِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهَلَكَ بِيَدِهِ فَحَيْثُ إنَّ الشَّخْصَ الْمَرْقُومَ أَيْ الْمُسْتَوْدَعَ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى إعْطَاءِ الْمَالِ الْمَذْكُورِ لِفُلَانٍ الشَّخْصِ الْآخَرِ بِقَوْلِ (نَعَمْ) وَبِمَا أَنَّ الْمَالَ الْمَذْكُورَ وَدِيعَةٌ فَلَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ.
٢ - مَسْأَلَةٌ - إذَا فُقِدَ الْبَغْلُ الْمُودَعَ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ فَأَعْطَى الْمُسْتَوْدَعُ بَغْلَهُ لِلْمُودِعِ قَائِلًا لَهُ (اسْتَعْمِلْهُ لَبَيْنَمَا أَجِدُ بَغْلَك وَأُعِيدُهُ لَك) وَهَلَكَ هَذَا الْبَغْلُ بِيَدِ الْمُودِعِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ وَبَعْدَ ذَلِكَ وَجَدَ الْمُسْتَوْدَعُ الْبَغْلَ الْمَفْقُودَ وَأَعَادَهُ فَلَا يَضْمَنُ الْمُودِعُ الْبَغْلَ الْمُسْتَهْلَكَ.
٣ - مَسْأَلَةٌ - إذَا طَلَبَ رَجُلٌ مِنْ شَخْصٍ خَمْسِينَ ذَهَبًا قَرْضًا فَأَعْطَاهُ غَلَطًا سِتِّينَ وَعِنْدَ اطِّلَاعِ الْمُسْتَقْرِضِ عَلَى ذَلِكَ أَفْرَزَ الْعَشْرَ ذَهَبَاتٍ وَبَيْنَمَا هُوَ آيِبٌ لِأَجْلِ إعَادَتِهَا وَقَّعَهَا فِي الطَّرِيقِ يَضْمَنُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهَا بِجِهَةِ أَنَّهَا قَرْضٌ وَلَا يَلْزَمُ ضَمَانُ السُّدْسِ الْبَاقِي لِأَنَّهُ وَدِيعَةٌ صِرْفَةٌ. وَكَذَا لَوْ هَلَكَ الْبَاقِي (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٤ - مَسْأَلَةٌ - إذَا ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ هَلَاكَ الْوَدِيعَةِ كُلِّهَا فَكَمَا أَنَّ الْقَوْلَ مَعَ الْيَمِينِ قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ (١٧٧٤) وَإِذَا هَلَكَ قِسْمٌ مِنْهَا فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ فِي الْمِقْدَارِ الْهَالِكِ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَيْضًا. وَلَكِنْ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ يُعَدُّ هَذَا النُّكُولُ إقْرَارًا بِوُجُودِ الْوَدِيعَةِ عَيْنًا. فَبِنَاءً عَلَيْهِ يُجْبَرُ الْمُسْتَوْدَعُ وَيُحْبَسُ إلَى أَنْ يُظْهِرَ الْوَدِيعَةَ أَوْ يُثْبِتَ هَلَاكَهَا وَإِذَا أَقَامَ الطَّرَفَانِ الْبَيِّنَةَ يَعْنِي أَنَّ الْمُودِعَ أَقَامَ بَيِّنَتَهُ عَلَى اسْتِهْلَاكِ الْمُسْتَوْدَعِ الْوَدِيعَةَ وَالْمُسْتَوْدَعَ عَلَى هَلَاكِهَا بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ أَوْ عَلَى أَنَّهُ رَدَّهَا وَأَعَادَهَا تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْمُسْتَوْدَعِ.
٥ - مَسْأَلَةٌ - إذَا طَرَأَ نُقْصَانٌ عَلَى قِيمَةِ الْوَدِيعَةِ وَهِيَ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ إذَا اسْتَهْلَكَهَا شَخْصٌ آخَرُ لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَوْدَعَ الضَّمَانُ أَيْضًا بَلْ الضَّمَانُ يَلْزَمُ الشَّخْصَ الْمَرْقُومَ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩١٢) .
٦ - مَسْأَلَةٌ - إذَا اخْتَلَفَ الْمُودِعُ وَالْمُسْتَوْدَعُ فِيمَا لَوْ قَالَ الْمُودَعُ: اسْتَهْلَكْت الْوَدِيعَةَ بِدُونِ إذْنِي، وَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: أَنْتَ اسْتَهْلَكْتهَا أَوْ اسْتَهْلَكَهَا فُلَانٌ بِأَمْرِك فَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَوْدَعِ.
٧ - مَسْأَلَةٌ - إذَا أَخَذَ الْحَاكِمُ دَرَاهِمَ مِنْ شَخْصٍ لِأَجْلِ كَرْيِ النَّهْرِ يَعْنِي بِسَبَبِ مَشْرُوعٍ كَالْأَسْبَابِ الْمُحَرَّرَةِ فِي الْمَادَّةِ (١٣٢١) وَأَوْدَعَ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ عِنْدَ شَخْصٍ وَفُقِدَتْ بِيَدِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ أَوْدَعَهَا بِذَاتِهِ أَوْ بِاسْمِ كَرْيِ النَّهْرِ تَهْلِكُ مِنْ مَالِ الْعُمُومِ.
وَإِنْ كَانَ أَوْدَعَهَا بِاسْمِ ذَلِكَ الشَّخْصِ تَعُودُ خَسَارَتُهَا عَلَيْهِ خَاصَّةً (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٤٦٠) .
٨ - مَسْأَلَةٌ - إذَا كَانَ شَخْصٌ مَدِينًا لِشَخْصٍ آخَرَ بِأَلْفِ قِرْشٍ فَأَعْطَاهُ أَوَّلًا أَلْفَ قِرْشٍ ثُمَّ أَلْفَ قِرْشٍ ثَانِيَةً أَوْ أَعْطَاهُ أَلْفَيْ قِرْشٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً وَقَالَ لَهُ: امْسِكْ أَلْفَ قِرْشٍ مُقَابِلَ دَيْنِك وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ بِقَوْلِهِ هَذِهِ الْأَلْفُ قِرْشٍ مَثَلًا ثُمَّ هَلَكَتْ الْأَلْفَا قِرْشٍ - عِنْدَ الدَّائِنِ فَتَكُونُ هَلَكَتْ أَمَانَةً.
وَأَمَّا إذَا عَيَّنَ بِقَوْلِهِ: إنَّ مُدَّةَ الْأَلْفِ قِرْشٍ لِأَجْلِ دَيْنِك فَحَسِبَ أَنَّهُ أَخَذَ أَلْفَ قِرْشٍ مُقَابِلَ مَطْلُوبِهِ وَتَكُونُ الْأَلْفُ قِرْشٍ الْأُخْرَى هَلَكَتْ أَمَانَةً.
стр. 1047
وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَفَادُ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ مِنْ ذِكْرِ عَدَمِ الضَّمَانِ مُطْلَقًا فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ.
الْحُكْمُ الْأَوَّلُ - وَإِنْ شَرَطَ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ بِصُورَةِ هَلَاكِهَا بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. (اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ٨٣) .
الْحُكْمُ الثَّانِي - إذَا فُقِدَتْ الْوَدِيعَةُ وَحْدَهَا يَعْنِي بِدُونِ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْمُسْتَوْدَعِ مَعَهَا وَقِيلَ مَثَلًا: لَوْ سُرِقَتْ الْوَدِيعَةُ لَسُرِقَ مَالُ الْمُسْتَوْدَعِ مَعَهَا فَمَا دَامَ أَنَّ مَالَ الْمُسْتَوْدَعِ لَمْ يُسْرَقْ فَالْوَدِيعَةُ أَيْضًا لَمْ تُسْرَقْ فَلَا يُتَّهَمُ الْمُسْتَوْدَعُ وَلَا يُحْكَمُ بِالضَّمَانِ بِأَقَاوِيلَ كَهَذِهِ.
الْحُكْمُ الثَّالِثُ - سَوَاءٌ أَهَلَكَتْ أَوْ فُقِدَتْ الْوَدِيعَةُ بِسَبَبٍ مُمْكِنِ التَّحَرُّزِ أَوْ غَيْرِ مُمْكِنِ التَّحَرُّزِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ.
(اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ٦٠٨) . (الْبَحْرُ) .
بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا قَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: إنَّ الْوَدِيعَةَ فُقِدَتْ وَلَا أَعْلَمُ كَيْفَ فُقِدَتْ، فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ قَوْلُهُ وَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ أَمِينٌ. غَيْرَ أَنَّهُ إذَا قَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: وَضَعْت الْوَدِيعَةَ بِجَانِبِي ثُمَّ نَسِيت وَقُمْت فَحَيْثُ إنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَكُونُ إقْرَارًا مِنْهُ عَلَى التَّقْصِيرِ بِالْمُحَافَظَةِ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
إلَّا أَنَّهُ إذَا أَوْدَعَ مَالًا بِالْأُجْرَةِ لِأَجْلِ الْحِفْظِ فَفِي صُورَةِ هَلَاكِهِ أَوْ فِقْدَانِهِ بِسَبَبٍ مُمْكِنِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ كَالسَّرِقَةِ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. وَلَكِنْ إذَا هَلَكَتْ بِسَبَبٍ غَيْرِ مُمْكِنِ التَّحَرُّزِ كَالْحَرِيقِ الْغَالِبِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ.
وَيَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْفِقْرَةِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ الْمُودِعُ - وَإِنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ مَالَ غَيْرِهِ - أُجْرَةً مُقَابِلَ حِفْظِ الْوَدِيعَةِ لِلْمُسْتَوْدَعِ صَحَّ ذَلِكَ وَلَزِمَ عَلَى الْمُودِعِ إعْطَاءُ تِلْكَ الْأُجْرَةِ وَتَكُونُ مِنْ قَبِيلِ إجَارَةِ الْآدَمِيِّ.
حَتَّى أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا أَوْدَعَ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ وَاشْتَرَطَ أُجْرَةً مُقَابِلَ الْحِفْظِ صَحَّ ذَلِكَ وَلَزِمَتْ الْأُجْرَةُ عَلَى الْغَاصِبِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُسْتَوْدَعِ بِالْأُجْرَةِ: سُؤَالٌ - ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٠٧) أَنَّهُ إذَا هَلَكَ الْمُسْتَأْجَرُ فِيهِ بِيَدِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَذُكِرَ أَيْضًا أَنَّ عَدَمَ لُزُومِ الضَّمَانِ بِفِقْرَةِ (إذَا حَبَسَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهَلَكَ الْمَالُ بِيَدِهِ) فِي الْمَادَّةِ (٤٨٢) هُوَ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَقَالَ الْإِمَامَانِ: إنَّهُ يَلْزَمُ الضَّمَانُ فِي الْفِقْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فَالْمَسَائِلُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِعَدَمِ ضَمَانِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ الْبَابِ الثَّامِنِ مِنْ كِتَابِ الْإِجَارَاتِ فِي الْمَجَلَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ. فَبِنَاءً عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَلْزَمُ الضَّمَانُ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وَمُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ يَعْنِي يُظَنُّ أَنَّ الِاخْتِلَافَ السَّالِفَ الْبَيَانِ جَارٍ فِي الْمُسْتَوْدَعِ بِالْأَجِيرِ أَيْضًا وَقَدْ ذُكِرَ جَرَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي هَذَا أَيْضًا فِي الزَّيْلَعِيّ وَالْهِدَايَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ. يَعْنِي ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْمَذْكُورَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٠٧) يَجْرِي أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ إيدَاعِ مَالٍ لِأَجْلِ الْحِفْظِ بِأُجْرَةٍ وَهَلَاكِ الْوَدِيعَةِ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ. فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَا أَنَّ الْمَسَائِلَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِعَدَمِ ضَمَانِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ الْمَذْكُورَةَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَيَكُونُ قَبْلَ مَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ وَبِنَاءً عَلَيْهِ يَكُونُ اُخْتِيرَ
стр. 1048
مَذْهَبَانِ مُخْتَلِفَانِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ.
الْجَوَابُ - أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ لَيْسَ جَارِيًا فِي الْمُسْتَوْدَعِ بِالْأُجْرَةِ فَالْمُسْتَوْدَعُ بِالْأُجْرَةِ يَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ الْوَدِيعَةَ الَّتِي تَهْلِكُ بِشَيْءٍ مُمْكِنِ التَّحَرُّزِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُسْتَوْدَعِ بِالْأَجْرِ هُوَ هَذَا.
وَعِنْدَ الْإِمَامَيْنِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ هُوَ الْعَمَلُ وَحِفْظُ الْمُسْتَأْجَرِ فِيهِ وَاجِبٌ تَبَعًا. وَمَا فِي الْمُسْتَوْدَعِ بِالْأُجْرَةِ فَالْحِفْظُ مَقْصُودٌ وَوَاجِبٌ مُقَابِلَ بَدَلٍ. وَلِذَلِكَ إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ بِالْأُجْرَةِ بِسَبَبٍ مُمْكِنِ التَّحَرُّزِ يَكُونُ ضَامِنًا لَهَا بِالِاتِّفَاقِ.
بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا دَخَلَ رَجُلٌ حَمَّامًا وَتَرَكَ ثِيَابَهُ عِنْدَ النَّاطُورِ فَسُرِقَتْ مِنْهُ يُنْظَرُ. فَإِنْ كَانَ شَرَطَ لَهُ أُجْرَةً لِأَجْلِ الْمُحَافَظَةِ يَكُونُ ضَامِنًا، وَإِلَّا فَلَا وَفِي الْوَاقِعِ وَإِنْ كَانَ الشَّخْصُ الَّذِي دَخَلَ الْحَمَّامَ سَيُعْطِي أُجْرَةً لِصَاحِبِهِ فَهَذِهِ الْأُجْرَةُ فِي مُقَابَلَةِ انْتِفَاعِهِ بِالْحَمَّامِ وَلَيْسَتْ فِي مُقَابَلَةِ مُحَافَظَةِ الثِّيَابِ.
أَمْثِلَةٌ عَلَى عَدَمِ مَضْمُونِيَّةِ الْوَدِيعَةِ:
الْمِثَالُ الْأَوَّلُ: إذَا وَقَعَتْ السَّاعَةُ الْمُودَعَةُ مِنْ يَدِ شَخْصٍ قَضَاءً يَعْنِي بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ وَانْكَسَرَتْ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: إذَا وَضَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فِي حِرْزِ مِثْلِهَا وَقَفَلَ الْمَحِلَّ الْمَذْكُورَ وَأَعْطَى الْمِفْتَاحَ إلَى شَخْصٍ وَبَعْدَ أَنْ ذَهَبَ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ لَمْ يَجِدْ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ حُضُورِهِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ.
يَعْنِي أَنَّ إعْطَاءَ مِفْتَاحِ الْمَحِلِّ الَّذِي حُفِظَتْ الْوَدِيعَةُ فِيهِ إلَى الْغَيْرِ لَا يُعَدُّ تَعَدِّيًا أَوْ تَقْصِيرًا.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: إذَا وَضَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فِي صُنْدُوقٍ ثُمَّ وَضَعَ عَلَى الصُّنْدُوقِ إنَاءَ مَاءٍ فَتَقَاطَرَ وَأَفْسَدَ الْوَدِيعَةَ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ.
وَأَمَّا إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ فُقِدَتْ بِصُنْعِ الْمُسْتَوْدَعِ وَتَعَدِّيهِ أَوْ بِتَقْصِيرِهِ فِي الْحِفْظِ لَزِمَ الضَّمَانُ. كَمَا صَرَّحَ فِي الْمَادَّةِ (٧٨٧) . مَثَلًا لَوْ وَطِئَ الْمُسْتَوْدَعُ السَّاعَةَ بِقَدَمِهِ أَوْ وَقَعَ عَلَى السَّاعَةِ شَيْءٌ قَضَاءً وَانْكَسَرَتْ لَزِمَ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حَصَلَ التَّعَدِّي. وَيُسْتَفَادُ مِنْ تَعْبِيرِ وَطِئَ يَعْنِي مِنْ إسْنَادِ فِعْلِ التَّعَدِّي إلَى الْمُسْتَوْدَعِ أَنَّ لُزُومَ الضَّمَانِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ يَكُونُ فِي صُورَةِ إيقَاعِ الْمُسْتَوْدَعِ التَّعَدِّيَ وَأَمَّا إذَا تَعَدَّى عَلَى الْوَدِيعَةِ غَيْرُ الْمُسْتَوْدَعِ يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتَعَدِّي فَقَطْ وَصُرِّحَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْمَادَّةِ (٧٧٨) .
وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ - أَنَّ فِقْرَةَ (وَأَمَّا إذَا وَطِئَ السَّاعَةَ. .. إلَخْ) مُحْتَرَزٌ عَنْهَا بِقَيْدِ (بِدُونِ صُنْعِهِ وَتَعَدِّيهِ وَتَقْصِيرِهِ فِي الْحِفْظِ) وَمَعَ أَنَّ مُدَّةَ الْمُحْتَرَزِ عَنْهَا لَمْ تُذْكَرْ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ فَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْمَادَّةِ (٧٨٧) .
١ - سُؤَالٌ - مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِقْرَةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ وَالْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ إذَا وَقَعَتْ السَّاعَةُ قَضَاءً وَانْكَسَرَتْ وَأَمَّا إذَا وَطِئَهَا الْمُسْتَوْدَعُ بِقَدَمِهِ يَلْزَمُهُ فَمَا هُوَ الْفَرْقُ فِي اخْتِلَافِ الْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؟ الْجَوَابُ: الْمُسْتَوْدَعُ مَأْذُونٌ بِإِمْسَاكِ السَّاعَةِ وَحِفْظِهَا يَعْنِي أَنَّ الْإِمْسَاكَ حِفْظٌ أَيْضًا وَحَيْثُ إنَّ هَلَاكَ
стр. 1049
الْوَدِيعَةِ يَنْتِجُ عَنْ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مَأْذُونٌ بِهِ أَيْ عَنْ الْإِمْسَاكِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَوْدَعَ الضَّمَانُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩١) .
وَأَمَّا الْهَلَاكُ الْمُنْدَرِجُ فِي الْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ فَلَمْ يَنْشَأْ عَنْ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مَأْذُونٌ بِهِ بَلْ عَنْ الْفِعْلِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا بِهِ.
٢ - سُؤَالٌ: بَيْنَمَا كَانَ الضَّمَانُ لَازِمًا إذَا وَطِئَ السَّاعَةَ فَلِمَاذَا لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ إذَا وَطِئَ الْعَارِيَّةُ يَعْنِي كَمَا لَمْ يَلْزَمْ الضَّمَانُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٨١٣) فِيمَا لَوْ سَقَطَتْ الْمِرْآةُ الْمُسْتَعَارَةُ مِنْ يَدِ الْمُسْتَعِيرِ قَضَاءً أَوْ زَلَّتْ رِجْلُهُ وَاصْطَدَمَ بِالْمِرْآةِ فَانْكَسَرَتْ.
وَفِيمَا لَوْ سُكِبَ شَيْءٌ عَلَى الْبِسَاطِ وَتَلَوَّثَ وَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ فِي الْوَدِيعَةِ.
يَعْنِي أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ يُوجِبُ الضَّمَانَ فِي الْوَدِيعَةِ وَلَا يُوجِبُهُ فِي الْعَارِيَّةُ فَمَا هَذَا الْفَرْقُ؟ الْجَوَابُ: الْمُسْتَعِيرُ مَأْذُونٌ بِهَذَا الْعَمَلِ فِي الْعَارِيَّةُ يَعْنِي حَالَ كَوْنِ الْمُسْتَعِيرِ مَأْذُونًا بِفَرْشِ الْبِسَاطِ وَالْمَشْيِ عَلَيْهِ حَسَبَ الْعَارِيَّةُ مَثَلًا أَمَّا الْمُسْتَوْدَعُ فَلَيْسَ مَأْذُونًا بِدَوْسِ الْوَدِيعَةِ. وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ بِمَا أَنَّ الْفِعْلَ الْمُسْتَلْزِمَ الْهَلَاكَ مَأْذُونٌ فِيهِ فِي الْعَارِيَّةُ فَلَيْسَ مَأْذُونًا فِيهِ فِي الْوَدِيعَةِ (الْأَشْبَاهُ وَشَرْحُهَا وَتَنْوِيرُ الْأَذْهَانِ) . كَذَلِكَ إذَا أَعْطَى شَخْصٌ آخَرَ أُجْرَةً لِأَجْلِ إيدَاعِ مَالِهِ وَحِفْظِهِ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا تَقَاوَلَ مَعَهُ عَلَى الْأُجْرَةِ ثُمَّ فُقِدَ ذَلِكَ الْمَالُ بِسَبَبٍ مُمْكِنِ التَّحَرُّزِ كَالسَّرِقَةِ لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. وَهَذِهِ الْفِقْرَةُ نَظِيرُ فِقْرَةِ (غَيْرَ أَنَّهُ إذَا أَوْدَعَ لِأَجْلِ الْحِفْظِ بِأُجْرَةٍ) .
وَذَكَرَ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْإِجَارَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْأَجِيرِ إذَا كَانَ الْهَلَاكُ بِسَبَبٍ غَيْرِ مُمْكِنِ التَّحَرُّزِ كَالْحَرِيقِ الْغَالِبِ.
وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ الْوَدِيعَةَ مَالُ الْغَيْرِ وَإِنْ هَلَكَتْ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ بِلَا تَعَدٍّ يَلْزَمُ الضَّمَانُ. فَبِنَاءً عَلَيْهِ هَذَا الْحُكْمُ (أَيْ عَدَمُ لُزُومِ الضَّمَانِ عَلَى تَقْدِيرِ هَلَاكِ الْوَدِيعَةِ أَمَانَةً بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ) إنَّمَا يَجْرِي فِي الصُّورَةِ الَّتِي تَكُونُ الْوَدِيعَةُ مَالَ الْمُودِعِ وَأَمَّا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَدِيعَةَ مَالُ الْغَيْرِ فَكُلٌّ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَوْدَعِ يَكُونُ مَسْئُولًا. مَثَلًا لَوْ أَوْدَعَ الْغَاصِبُ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ عِنْدَ شَخْصٍ فَهَلَكَ وَلَوْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ لِلْغَاصِبِ وَلَيْسَ لِهَذَا أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ بِصِفَتِهِ مَالِكًا بِالضَّمَانِ وَقْتَ الْغَصْبِ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ أَوْدَعَ مَالَهُ وَتَكُونُ الْوَدِيعَةُ بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (٧٧٧) أَمَانَةً بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ، مَا لَمْ تَهْلِكْ بِشَيْءٍ أَوْقَعَهُ الْمُسْتَوْدَعُ فِيهَا كَالتَّعَدِّي وَالتَّقْصِيرِ.
وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَرْجِعُ الْغَاصِبُ أَيْضًا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ.
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ لِلْمُسْتَوْدَعِ وَفِي هَذَا التَّقْدِيرِ يَرْجِعُ الْمُسْتَوْدَعُ عَلَى الْمُودِعِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمُودِعَ غَاصِبٌ. (رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ٦٥٨) . وَعَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ غَاصِبٌ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِجَوَازِ رُجُوعِهِ، وَقَالَ الْبَعْضُ الْآخَرُ بِعَدَمِ جَوَازِهِ.
وَيُبْنَى حَقُّ تَضْمِينِهِ الْغَاصِبَ عَلَى الْمَادَّةِ (٨٩١) وَتَضْمِينِهِ الْمُسْتَوْدَعَ يَنْجُمُ مِنْ أَجْلِ أَخْذِهِ الْمَالَ الْمَذْكُورَ بِدُونِ رِضَا مَالِكِهِ أَيْ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
стр. 1050
[ (الْمَادَّةُ ٧٧٨) وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ يَدِ خَادِمِ الْمُسْتَوْدَعِ عَلَى الْوَدِيعَةِ فَتَلِفَتْ]
(الْمَادَّةُ ٧٧٨) إذَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ يَدِ خَادِمِ الْمُسْتَوْدَعِ عَلَى الْوَدِيعَةِ فَتَلِفَتْ يَكُونُ الْخَادِمُ ضَامِنًا.
إذَا اسْتَهْلَكَ الْوَدِيعَةَ غَيْرُ الْمُسْتَوْدَعِ أَوْ تَعَدَّى عَلَيْهَا وَجَلَبَ لَهَا نُقْصَانًا يَتَرَتَّبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ وَالْمُتَعَدِّي وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفِعْلِ يُضَافُ إلَى فَاعِلِهِ بِمُوجِبِ الْمَادَّةِ (٨٩) . رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩١٢) .
سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُسْتَهْلِكُ وَالْمُتَعَدِّي صَغِيرًا أَمْ كَبِيرًا أَمْ كَانَ ضَمَّنَ غَيْرَ الْمُسْتَوْدَعِ أَمْ أَجْنَبِيًّا. الْأَئِمَّةُ الْحَنَفِيَّةُ مُتَّفِقُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى لُزُومِ الضَّمَانِ عَلَى الصَّغِيرِ الْمُسْتَهْلِكِ وَالْمُتَعَدِّي وَلَا يَجْرِي الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٧٦) هُنَا. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ الْمُسْتَهْلِكِ وَالْمُتَعَدِّي مَالٌ يُنْتَظَرُ إلَى حِينِ يُسْرِهِ. وَإِلَّا لَا يَضْمَنُ وَلِيُّ الصَّغِيرِ بِسَبَبِ فِعْلِ الصَّغِيرِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩١٦) .
مَثَلًا إذَا سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ يَدِ خَادِمِ الْمُسْتَوْدَعِ عَلَى الْوَدِيعَةِ فَهَلَكَتْ يَضْمَنُ الْخَادِمُ. فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ إذَا اسْتَهْلَكَ أَجْنَبِيٌّ الْوَدِيعَةَ يَكُونُ ضَامِنًا وَحَيْثُ إنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَكُونُ خَصْمًا لِلْمُسْتَهْلِكِ فِي هَذَا لَهُ أَنْ يَطْلُبَ بَدَلَهَا وَيَدَّعِيَهُ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٦٣٧) .
وَفِقْرَةُ (وَكَذَلِكَ إذَا خَلَطَ شَخْصٌ غَيْرَ الْمُسْتَوْدَعِ الذَّهَبَاتِ الْمَذْكُورَةَ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّخْصُ ضَامِنًا) الْمَذْكُورَةَ فِي الْمَادَّةِ (٧٨٧) فَرْعٌ لِهَذِهِ الْمَادَّةِ.
فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ الْإِيضَاحَاتِ السَّابِقَةِ أَنَّ هَذِهِ الْمَادَّةَ مِنْ قَبِيلِ الْمِثَالِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْعُمُومِيَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ شَرْحًا وَكَانَ إتْيَانُهَا مِثَالًا مُنَاسِبًا.
[ (الْمَادَّةُ ٧٧٩) فِعْلُ مَا لَا يَرْضَاهُ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ فِي حَقِّ الْوَدِيعَةِ]
(الْمَادَّةُ ٧٧٩) :
فِعْلُ مَا لَا يَرْضَاهُ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ فِي حَقِّ الْوَدِيعَةِ تَعَدٍّ.
فِعْلُ مَا لَا يَرْضَاهُ الْمُودِعُ وَلَا يُجَوِّزُهُ الشَّرْعُ فِي حَقِّ الْوَدِيعَةِ تَعَدٍّ (الْعِنَايَةُ) . فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ تَعْرِيفُ التَّعَدِّي الَّذِي يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّ التَّعَدِّيَ غَيْرُ التَّقْصِيرِ وَهُوَ فِعْلُ الْمُسْتَوْدَعِ الْمَخْصُوصُ. يَعْنِي أَنَّ التَّعَدِّيَ فِعْلُ الْمُسْتَوْدَعِ وَهُوَ أَشْيَاءُ كَإِتْلَافِ الْوَدِيعَةِ وَإِعْطَاءِ الْوَدِيعَةِ لِغَيْرِ أَمِينِهِ لِأَجْلِ الْحِفْظِ وَإِيدَاعِ الْوَدِيعَةِ إلَى آخَرَ أَوْ اسْتِعْمَالِهَا وَوَطْءِ السَّاعَةِ الْمُودَعَةِ قَضَاءً وَإِسْقَاطِ شَيْءٍ قَضَاءً عَلَى السَّاعَةِ.
وَأَمَّا التَّقْصِيرُ فَهُوَ مِثْلُ عَدَمِ مَنْعِ السَّارِقِ أَثْنَاءَ سَرِقَةِ الْوَدِيعَةِ مَعَ وُجُودِ الِاقْتِدَارِ عَلَى ذَلِكَ وَحِفْظِ الْوَدِيعَةِ فِي مَحِلٍّ لَيْسَ مِنْ الْمُعْتَادِ حِفْظُهَا فِيهِ.
فَبِنَاءً عَلَيْهِ فِي الْمَادَّةِ (٧٨٧) . عُطِفَ التَّقْصِيرُ عَلَى التَّعَدِّي.
فَمُجَرَّدُ قَوْلِ الْمُسْتَوْدَعِ لِلْمُودِعِ (كُنْت وَهَبْتنِي أَوْ بِعْتنِي الْوَدِيعَةَ) وَانْكِسَارُ الْمُودَعِ لَيْسَ تَعَدِّيًا وَإِذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ لَا يَلْزَمُ ضَمَانُهَا (الْبَحْرُ) . إلَّا إذَا امْتَنَعَ الْمُسْتَوْدَعُ عَنْ إعَادَةِ الْوَدِيعَةِ بَعْدَ أَنْ طُلِبَتْ مِنْهُ وَهَلَكَتْ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٩٤) .
стр. 1051
كَمَا لَوْ أَوْدَعَ كِيسًا مَرْبُوطًا وَصُنْدُوقًا مُقْفَلًا وَفَتَحَهُمَا الْمُسْتَوْدَعُ وَضَاعَا دُونَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا فَلَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ. يَعْنِي أَنَّ الْفَتْحَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ تَعَدِّيًا أَوْ تَقْصِيرًا.
وَنَظَرًا لِلُزُومِ دُخُولِ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي سَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا فِي الْمَادَّةِ (٧٨٤) فِي التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ يَعْنِي حَيْثُ إنَّهُ مِنْ اللَّازِمِ أَنْ تَكُونَ كُلُّ مُخَالَفَةٍ لِأَحَدِ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ تَعَدِّيًا وَبِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ لَنْ يَكُونَ مَانِعًا لِغَيْرِهِ فَدَفْعًا لِلْإِشْكَالِ زِيدَ قَيْدُ (وَلَا يُجَوِّزُ الشَّرْعُ) شَرْحًا: مَثَلًا لَوْ خَالَفَ الْمُسْتَوْدَعُ الشَّرْطَ الَّذِي شَرَطَهُ الْمُودِعُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مُمْكِنَ الْإِجْرَاءِ وَمُقَيَّدًا فَذَلِكَ لَيْسَ تَعَدِّيًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُودِعُ رَاضِيًا بِهِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُخَالَفَةَ جَائِزَةٌ شَرْعًا.
بَعْضُ الْمَسَائِلِ الْمَعْدُودَةِ وَغَيْرُ الْمَعْدُودَةِ تَعَدِّيًا وَتَقْصِيرًا: ١ مَسْأَلَةُ - أَنَّ دَفْعَ الْوَدِيعَةِ لِأَجْلِ الْحِفْظِ إلَى مَنْ لَيْسَ أَمِينًا كَمَا سَيُذْكَرُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٨٠) تَعَدٍّ فَحِفْظُ شَخْصٍ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَأْتَمِنْهُ الْمُسْتَوْدَعُ عَلَى حِفْظِ مَالِهِ الْوَدِيعَةَ فِي مَحِلِّ حِفْظِ مَالِ نَفْسِهِ فِيهِ تَقْصِيرٌ كَمَا سَيُذْكَرُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٨١) .
٢ - مَسْأَلَةُ - عِنْدَ ذَهَابِ الْمُسْتَوْدَعِ إلَى سَفَرٍ فَأَخْذُهُ الْوَدِيعَةَ مَعَهُ حَالٍ كَوْنِ الطَّرِيقِ غَيْرَ أَمِينٍ تَعَدٍّ عَلَى مَا سَيَجِيءُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٨١) .
٣ - مَسْأَلَةُ - كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ خِلَافَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمَادَّةِ (٧٨٤) وَالْفِقْرَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْمَادَّةِ (٧٨٣) تَعَدٍّ فَالْفِقْرَاتُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَوَادِّ (٧٨٨، ٧٩٠، ٧٩٢) وَالْفِقْرَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ الْمَادَّتَيْنِ (٧٩٣ و ٧٩٤) تَعَدٍّ أَيْضًا.
٤ - مَسْأَلَةُ - كَمَا أَنَّ الْمُخَالَفَةَ لِلْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْمَادَّةِ (٧٩٦) تَعَدٍّ فَالْفِقْرَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَادَّةِ (٧٩٩) الْوَدِيعَةُ أَيْضًا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٨٠١) تَعَدٍّ أَيْضًا.
٥ - مَسْأَلَةُ - كَمَا أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَضْمَنُ إذَا قَالَ أَنَّهُ وَضَعَ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةً فِي مَحِلٍّ غَيْرِ بَيْتِهِ وَبَعْدَ أَنْ جَلَسَ وَقَامَ نَسِيَهَا وَيَضْمَنُ الدَّلَّالُ إذَا قَالَ: إنَّهُ وَضَعَ الْمَالَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ لِأَجْلِ بَيْعِهِ فِي دُكَّانٍ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ فِي أَيِّ دُكَّانٍ وَضَعَهُ.
٦ - مَسْأَلَةُ - إذَا قَالَ الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ إنْ كَانَ وَضَعَ الْوَدِيعَةَ فِي دَارِهِ أَوْ فِي دَارِ أُخْرَى يَضْمَنُ (الْهِنْدِيَّةُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٧ - مَسْأَلَةُ - إذَا أَعْطَى شَخْصٌ شَخْصًا آخَرَ ثِيَابًا كَيْ يَدَعَهَا عِنْدَ الْخَيَّاطِ فَأَعْطَى الْخَيَّاطُ إيَّاهَا وَنَسِيَ الْخَيَّاطُ الَّذِي أَعْطَاهُ إيَّاهَا فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَإِذَا قَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: لَا أَعْلَمُ إنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ فُقِدَتْ أَمْ لَا، لَا يَضْمَنُ وَلَكِنَّهُ إنْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ إنْ كُنْت أَضَعْتهَا أَمْ لَا فَقَوْلُ هَذَا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَمَا ذُكِرَ فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ.
٨ - مَسْأَلَةُ - إنْكَارِ الْمُسْتَوْدَعِ الْوَدِيعَةَ حِينَ طَلَبِ الْمُودِعُ وَنَقْلِهِ الْوَدِيعَةَ الْمَنْقُولَةَ فِي حَالٍ إنْكَارِهِ مِنْ مَحِلِّهَا إلَى مَحِلٍّ آخَرَ تَعَدٍّ؛ لِأَنَّ إنْكَارَ الْمُودِعِ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ وَحَيْثُ إنَّ عَقْدَ الْوَدِيعَةِ يَنْفَسِخُ بِهِ فَلَا يَعُودُ
стр. 1052
بِدُونِ عَقْدٍ جَدِيدٍ (الْبَحْرُ) .
وَكَوْنُ إنْكَارِ الْوَدِيعَةِ تَعَدِّيًا مُقَيَّدٌ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ.
الشَّرْطُ الْأَوَّلُ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْكَارُ تِجَاهَ الْمُودِعِ بِنَاءً عَلَيْهِ فَإِنْكَارُهُ تِجَاهَ غَيْرِ الْمُودِعِ لَيْسَ تَعَدِّيًا.
بَلْ لَرُبَّمَا كَانَ حِفْظًا كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْهَا مِنْ مَحِلِّهَا حَالَ جُحُودِهِ أَوْ كَانَتْ عَقَارًا وَكَانَ نَقَلَهَا غَيْرَ قَابِلٍ فَعِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ الضَّمَانُ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَكِنَّهُ لَازِمٌ عِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ (الْبَحْرُ) .
مَثَلًا لَوْ سَأَلَ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ قَائِلًا: هَلْ لِفُلَانٍ وَدِيعَةٌ عِنْدَك؟ فَأَجَابَهُ الْمُسْتَوْدَعُ سَلْبًا، لَا يُعَدُّ ذَلِكَ تَعَدِّيًا بَلْ لَرُبَّمَا كَانَ مُحَافَظَةً عَلَى الْوَدِيعَةِ مِنْ سُوءِ قَصْدِ السَّائِلِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْكَارُ حِينَمَا يَطْلُبُهَا الْمُودِعُ بِقَصْدِ أَخْذِهَا. وَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ السُّؤَالِ عَنْ الْوَدِيعَةِ لِأَجْلِ تَذْكِيرِ الْمُسْتَوْدَعِ بِالْمُحَافَظَةِ وَشُكْرِهِ فَجَوَابُ الْمُسْتَوْدَعِ أَنْ لَيْسَ لَك عِنْدِي وَدِيعَةٌ، لَا يُعَدُّ جُحُودًا وَإِنْكَارًا عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ (الْبَحْرُ) . وَسَنَزِيدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَفْصِيلًا فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٨٧) .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ إنْكَارُ الْمُسْتَوْدَعِ مَبْنِيًّا عَلَى سَبَبٍ شَرْعِيٍّ.
فَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا كَانَ عَدُوٌّ مَوْجُودًا عِنْدَ طَلَبِ الْمُودِعِ الْوَدِيعَةَ وَكَانَ يَخَافُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَهَا جَبْرًا لَدَى الْإِقْرَارِ بِهَا فَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَوْ أَنْكَرَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ وَهَلَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ قَصَدَ الْحِفْظَ بِهَذَا الْإِنْكَارِ (الْبَحْرُ) .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: يَجِبُ أَنْ لَا يُحْضِرَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بَعْدَ الْإِنْكَارِ فَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَحْضَرَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بَعْدَ أَنْ أَنْكَرَهَا وَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهَا لِلْمُودِعِ قَالَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ لِلْمُسْتَوْدَعِ: (فَلْتَبْقَ الْوَدِيعَةُ بِيَدِك) ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هَلَكَتْ تِلْكَ الْوَدِيعَةُ مَعَ أَنَّ الْمُودِعَ كَانَ مُقْتَدِرًا عَلَى أَخْذِهَا فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ إيدَاعًا جَدِيدًا. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُودِعُ مُقْتَدِرًا عَلَى أَخْذِ الْوَدِيعَةِ فِي ذَلِكَ الْحِينِ لَا يَخْلُصُ مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَالْإِعَارَةَ لَمْ يَتِمَّا بَعْدُ.
٩ - مَسْأَلَةُ - إذَا دَلَّ الْمُسْتَوْدَعُ السَّارِقَ عَلَى الْوَدِيعَةِ فَسَرَقَهَا السَّارِقُ الْمَرْقُومُ لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. وَلَكِنْ بَعْدَ الدَّلَالَةِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ إذَا مَنَعَ السَّارِقَ أَثْنَاءَ السَّرِقَةِ وَأَخَذَهَا السَّارِقُ جَبْرًا وَقَهْرًا لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ أَيْضًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
١٠ - مَسْأَلَةُ - إنَّ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ يُعْتَبَرَانِ فِي كَوْنِ بَعْضِ الْمُعَامَلَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ فِي الْوَدِيعَةِ تَعَدِّيًا أَمْ لَا. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٣٦) .
مَثَلًا لَوْ رَبَطَ الْمُسْتَوْدَعُ الْحَيَوَانَ فِي مَحِلٍّ يُعَدُّ رَبْطُهُ إيَّاهُ فِيهِ تَعَدِّيًا عُرْفًا فَهَلَكَ بَعْدَ أَنْ بَعُدَ عَنْ نَظَرِهِ يَضْمَنُ.
كَمَا لَوْ تَرَكَ صَاحِبُ الدُّكَّانِ الْوَدِيعَةَ الَّتِي بِيَدِهِ فِي دُكَّانٍ بَابُهُ مَفْتُوحٌ أَوْ شَدَّ شَبَكَتَهُ عَلَى بَابِ الدُّكَّانِ وَتَرَكَهَا وَبَعْدَ أَنْ ذَهَبَ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ لِأَجْلِ شَغْلِهِ هَلَكَتْ فَإِذَا كَانَ الْعُرْفُ هَكَذَا يَعْنِي أَنْ يُتْرَكَ بَابُ الدُّكَّانِ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ أَمْتِعَةٌ مَفْتُوحًا مَعَ عَدَمِ وُجُودِ حَارِسٍ لَهُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَكُونُ فِي هَذَا
стр. 1053
حَفِظَ الْوَدِيعَةَ بِجِيرَانِهِ كَمَا حَافَظَ عَلَى أَمْوَالِهِ وَلَا يَكُونُ قَصْدُ الْإِيدَاعِ لِلْجِيرَانِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْمَادَّةِ (٧٩٠) . وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ الْعَادَةُ كَذَلِكَ يَضْمَنُ. وَتَرْكُ صَبِيٍّ غَيْرِ مُقْتَدِرٍ عَلَى الْمُحَافَظَةِ فِي الدُّكَّانِ كَتَرْكِهِ خَالِيًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
كَذَلِكَ إذَا وَضَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فِي غُرْفَةٍ مِنْ غُرَفِ خَانٍ وَاكْتَفَى بِسَدِّ بَابِهِ وَلَمْ يُقْفِلْهُ بِالْمِفْتَاحِ وَسُرِقَتْ الْوَدِيعَةُ فَإِنْ كَانَ قَفْلُ الْبَابِ فَقَطْ فِي مَوَاضِعَ كَهَذِهِ يُعَدُّ تَوْثِيقًا وَحِفْظًا لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. وَإِنْ كَانَ مَعْدُودًا مِنْ الْإِغْفَالِ وَالتَّضْيِيعِ يَكُونُ الضَّمَانُ لَازِمًا.
١١ - مَسْأَلَةُ - حَيْثُ إنَّ إطْلَاقَ الْبَقَرِ الْوَدِيعَةِ بِلَا إذْنٍ فِي الصَّحْرَاءِ مَعْدُودٌ مِنْ التَّعَدِّي فَإِذَا فُقِدَتْ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ أَتْلَفَهَا الذِّئْبُ يَضْمَنُهَا الْمُسْتَوْدَعُ. وَلَكِنْ إذَا هَلَكَ الْحَيَوَانُ الْمَذْكُورُ حَتْفَ أَنْفِهِ فِي الصَّحْرَاءِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فَبَعْضُهُمْ قَالَ بِالضَّمَانِ وَبَعْضُهُمْ بِعَدَمِهِ.
١٢ - مَسْأَلَةُ - فَتْحِ الْقَفَصِ الْمَوْجُودِ فِيهِ وَدِيعَةٌ وَفَتْحُ بَابِ الْإِصْطَبْلِ الْمَوْجُودِ فِيهِ الْحَيَوَانُ الْمُودَعُ تَعَدٍّ بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا فَتَحَهُ الْمُسْتَوْدَعُ وَهَرَبَ الطَّيْرُ وَالْحَيَوَانُ مِنْهُ يَضْمَنُ سَوَاءٌ أَهَرَبَ عِنْدَ فَتْحِ الْبَابِ أَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ.
١٣ - مَسْأَلَةُ - إذَا أَعْطَى الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ شَخْصًا آخَرَ بِالْإِكْرَاهِ غَيْرِ الْمُلْجِئِ يَكُونُ تَعَدِّيًا. وَأَمَّا إعْطَاؤُهُ بِنَاءً عَلَى الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ فَلَيْسَ تَعَدِّيًا.
رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٠٠٧) . بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَكْرَهَ شَخْصٌ الْمُسْتَوْدَعَ بِقَوْلِهِ: إنْ لَمْ تُعْطِنِي الْوَدِيعَةَ أَسْجُنُك شَهْرًا فَأَعْطَاهُ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِنَاءً عَلَى هَذَا يَضْمَنُ. وَلَكِنْ إذَا قَالَ شَخْصٌ لِلْمُسْتَوْدَعِ: إنْ لَمْ تُعْطِنِي هَذِهِ الْوَدِيعَةَ أَقْتُلُك أَوْ أَقْطَعُ كَذَا عُضْوَك فَأَعْطَاهُ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ الْمَذْكُورَةَ لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُجْبِرِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ لِوُقُوعِ الْإِكْرَاهِ مُسْتَجْمِعًا شُرُوطَهُ وَعُدَّ التَّهْدِيدُ بِإِتْلَافِ كُلِّ الْمَالِ يَعْنِي بِإِتْلَافِ جَمِيعِ مَالِ الْمُسْتَوْدَعِ بِحَيْثُ لَنْ يَبْقَى قَدْرُ كِفَايَةٍ مِنْهُ إكْرَاهًا مُلْجِئًا. وَعُدَّ التَّهْدِيدُ بِإِتْلَافِ بَعْضِ الْمَالِ أَيْ بِحَيْثُ إنْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ كِفَايَةٍ لِلْمُسْتَوْدَعِ إكْرَاهًا غَيْرَ مُلْجِئٍ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ كُلِّ الْمَالِ يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ النَّفْسِ. وَلَكِنْ إذَا كَانَ التَّهْدِيدُ بِصُورَةِ إتْلَافِ مَا بَقِيَ بَعْدَ أَنْ تَرَكَ لَهُ قُوتًا كَافِيًا لَا يُعْتَبَرُ. وَهَلْ الْمَقْصُودُ مِنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ كِفَايَةُ شَهْرٍ أَوْ يَوْمٍ أَوْ الْعُمْرِ الْغَالِبِ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كِفَايَةُ شَهْرٍ أَوْ يَوْمٍ. (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٤ - ١ مَسْأَلَةُ - كَمَا أَنَّ دَفْنَ النُّقُودِ فِي الْمَفَازَةِ لِأَجْلِ الْحِفْظِ تَعَدٍّ، فَبَيْعُ الْوَدِيعَةِ وَتَسْلِيمُهَا آخَرَ أَيْضًا تَعَدٍّ. وَأَمَّا إذَا بِيعَتْ فَقَطْ وَلَمْ تُسَلَّمْ لَا يُعَدُّ ذَلِكَ تَعَدِّيًا.
فَلِذَلِكَ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ: بِعْت الْوَدِيعَةَ وَقَبَضْت ثَمَنَهَا لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِعْتهَا لِآخَرَ وَسَلَّمْته إيَّاهَا يُوجِبُ الضَّمَانَ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٩٠) .
١٥ - مَسْأَلَةُ - مُعَالَجَةِ الْحَيَوَانِ الْمُودَعِ تَعَدٍّ. فَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَمَرَ الْمُسْتَوْدَعُ شَخْصًا بِمُعَالَجَةِ الْحَيَوَانِ الْمُودَعِ فَتَلِفَ الْحَيَوَانُ مِنْ ذَلِكَ لَزِمَ الْمُسْتَوْدَعَ الضَّمَانُ. كَمَا أَنَّهُ يَلْزَمُ ذَلِكَ الشَّخْصَ أَيْضًا. عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُودِعُ مُخَيَّرًا إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ الْمُسْتَوْدَعَ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ الرُّجُوعُ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ.
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ الْمُعَالِجَ وَلِهَذَا أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ إنْ كَانَ ظَنَّ أَنَّ الْحَيَوَانَ مِلْكَ الْمُسْتَوْدَعِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٦٥٨) .
стр. 1054
مَسْأَلَةُ - إذَا قَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: كُنْت وَضَعْت الْوَدِيعَةَ فِي مَحِلٍّ وَلَا أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعْتهَا وَقَدْ نَسِيت يَضْمَنُ كَمَا لَوْ قَالَ: وَضَعْت الدَّرَاهِمَ الْوَدِيعَةَ فِي جَيْبِي وَبِوَقْتِهَا فَقَدْتهَا، يَضْمَنُ أَيْضًا.
١٧ - مَسْأَلَةُ - إذَا وَضَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِجَانِبِهِ وَاتَّكَأَ وَنَامَ فَسُرِقَتْ الْوَدِيعَةُ يَضْمَنُ. مَا لَمْ يُحَصِّلْ هَذَا الْمَالَ فِي السَّفَرِ. فَلَا يَضْمَنُ إذْ ذَاكَ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَّكِئْ وَتَنَاوَلَ فِي مَحِلِّهِ وَفُقِدَتْ لَا يَضْمَنُ.
١٨ - مَسْأَلَةُ - إذَا نَزَعَ الْمُسْتَوْدَعُ ثِيَابَهُ وَوَضَعَهَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ وَلَمَّا غَطَسَ وَغَابَتْ الْوَدِيعَةُ عَنْ نَظَرِهِ سُرِقَتْ تِلْكَ الْوَدِيعَةُ يَضْمَنُهَا كَمَا أَنَّهُ إذَا نَسِيَهَا هُنَاكَ وَفُقِدَتْ يَضْمَنُهَا أَيْضًا.
[ (الْمَادَّةُ ٧٨٠) حِفْظُ الْمُسْتَوْدَع الْوَدِيعَة]
(الْمَادَّةُ ٧٨٠) :
يَحْفَظُ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ مِثْلَ مَالِهِ بِالذَّاتِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ. وَإِذَا هَلَكَتْ أَوْ فُقِدَتْ عِنْدَ أَمِينِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ وَلَا عَلَى الْأَمِينِ.
يَحْفَظُ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ الَّتِي أُودِعَتْ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ (يَعْنِي لَمْ تُقَيَّدْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَادَّةِ ٧٨٤) مِثْلَ مَالِهِ يَعْنِي كَمَا أَنَّهُ يَحْفَظُ مَالَهُ بِالذَّاتِ أَوْ بِمَعْرِفَةِ أَمِينِهِ يَحْفَظُ الْوَدِيعَةَ أَيْضًا أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ أَيْ بِوَاسِطَةِ مَنْ يَأْتَمِنُهُ عَلَى مَالِهِ وَمَنْ هُوَ أَهْلٌ وَمُقْتَدِرٌ عَلَى الْحِفْظِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُودِعُ نَهَى عَنْ إعْطَائِهَا الْأَمِينَ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ الْمُودِعُ مَجْبُورًا عَلَى ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ النَّهْيُ وَتُعْطَى لَهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَجْبُورًا يُعْتَبَرُ النَّهْيُ وَلَا تُعْطَى. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٨٤) . وَكَمَا أَنَّ الْأَمِينَ يَحْفَظُهَا بِالذَّاتِ لَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا أَيْضًا بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ (الْبَحْرُ) .
فِقْرَةُ (أَوْ) مَعْطُوفَةٌ عَلَى كَلِمَةِ (بِالذَّاتِ) . يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ لَهُ أَنْ يَحْفَظَ مَالَ نَفْسِهِ بِالذَّاتِ وَبِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ لَهُ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ أَيْضًا بِالذَّاتِ أَوْ بِمَعْرِفَةِ أَمِينِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ حِفْظُ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ. فَإِذَا ضَاعَتْ الْوَدِيعَةُ وَهُوَ يُحَافِظُ عَلَيْهَا بِهَذَا الْوَجْهِ لَا يَكُونُ مَسْئُولًا وَلَا ضَامِنًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ حَفِظَ الْوَدِيعَةَ كَمَا حَفِظَ مَالَ نَفْسِهِ وَجَعَلَ الْوَدِيعَةَ بِمَنْزِلَةِ مَالِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ شَيْءٌ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَكِنَّ تَرْكَ الْحِفْظِ بِلَا عُذْرٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ. وَأَمَّا تَرْكُ الْحِفْظِ بِعُذْرٍ لَا يَسْتَلْزِمُ الضَّمَانَ. كَمَا لَوْ سَلَّمَ شَخْصٌ أَمْتِعَتَهُ وَحِمَارَهُ الْمُحَمَّلَ إلَى رَجُلٍ ذَاهِبٍ إلَى مَحِلٍّ مَعَ بِغَالِهِ وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُسَلِّمَهَا لِفُلَانٍ فِي الْمَحِلِّ الْمَذْكُورِ وَبَيْنَمَا هُوَ سَائِرٌ وَقَعَ بَغْلُهُ فِي الطَّرِيقِ وَلَمَّا كَانَ مَشْغُولًا بِهِ هَرَبَ الْحِمَارُ الْحَامِلُ الْوَدِيعَةَ وَفُقِدَ فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ بَغْلَهُ وَأَمْوَالَهُ تَضِيعُ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِهِ إيَّاهَا وَانْصِرَافِهِ وَرَاءَ الْحِمَارِ الْمَفْقُودِ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ الْحِمَارِ وَالْأَمْتِعَةِ. كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٦٠٩) وَشَرْحِهَا وَالْحُكْمُ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ.
وَيَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمَجَلَّةِ (يَحْفَظُهَا بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ) أَنَّ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَدْفَعَهَا لِأَمِينِهِ لِأَجْلِ الْحِفْظِ وَأَمَّا إذَا طَلَبَهَا الْأَمِينُ كَيْ يَصْرِفَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَأَعْطَاهُ إيَّاهَا الْمُسْتَوْدَعُ يَضْمَنُهَا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
هَلْ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَتَقَاضَى أُجْرَةً لِأَجْلِ الْحِفْظِ بِلَا مُقَاوَلَةٍ؟ .
لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَطْلُبَ أُجْرَةَ هَذَا الْحِفْظِ. إلَّا إذَا كَانَتْ مُقَاوَلَةً؛ لِأَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لِمَنْ يَعْمَلُ لِأَجْلِ الْغَيْرِ أَمَانَةً. مَا لَمْ يَكُنْ وَصِيًّا وَنَاظِرًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
стр. 1055
وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ عَلَى تَقْدِيرِ هَلَاكِ الْوَدِيعَةِ بِيَدِهِ أَوْ ضَيَاعِهَا بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٧٧٧) لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْأَمِينِ وَلَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ إذَا تَلِفَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ فُقِدَتْ بِيَدِ الْأَمِينِ الْمَذْكُورِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ بِنَاءً عَلَى الْمَادَّتَيْنِ (٩١ و ٧٧٧) .
مَثَلًا إذَا غَسَلَ غَسَّالٌ الثِّيَابَ وَعَلَّقَهَا فِي دُكَّانِهِ ثُمَّ تَرَكَ ابْنَ أَخِيهِ لِأَجْلِ الْحِفْظِ وَذَهَبَ فَسُرِقَتْ الثِّيَابُ مِنْ الدُّكَّانِ حِينَمَا نَزَلَ مَثَلًا ابْنُ الْأَخِ إلَى سِرْدَابِ الدُّكَّانِ فَإِنْ كَانَ ابْنُ الْأَخِ أَجِيرَ الْغَسَّالِ وَتِلْمِيذَهُ وَكَانَ بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا مَأْذُونًا يُنْظَرُ: فَإِذَا كَانَتْ الثِّيَابُ فِي حَالَةِ أَنَّهَا تُرَى مِنْ السِّرْدَابِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى ابْنِ الْأَخِ وَلَا عَلَى الْغَسَّالِ. وَعَدَمُ لُزُومِ الضَّمَانِ عَلَى الْغَسَّالِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ حَفِظَ الثِّيَابَ بِأَمِينِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ وَبِأَمِينِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ نَظَرًا لِلْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَتْهُ الْمَجَلَّةُ كَمَا أَنَّ عَدَمَ تَرَتُّبِ الضَّمَانِ عَلَى ابْنِ الْأَخِ نَشَأَ عَنْ أَنَّهُ يَرَى الثِّيَابَ مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ وَلَمْ يَتْرُكْ الْحِفْظَ. وَإِذَا كَانَتْ الثِّيَابُ لَا تُرَى مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى ابْنِ الْأَخِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْحِفْظَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْغَسَّالِ إذَا كَانَ الصَّبِيُّ مَحْجُورًا؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ الْمَحْجُورَ لَا يُؤَاخَذُ عَلَى اسْتِهْلَاكِ وَتَضْيِيعِ الْوَدِيعَةِ (جَامِعُ أَحْكَامِ الصِّغَارِ) وَقَدْ مَرَّ إيضَاحُهُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٧٦) .
اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي الْأَمِينِ وَالْقَوْلُ الَّذِي اخْتَارَتْهُ الْمَجَلَّةُ: هَلْ إنَّ وُجُودَ هَذَا الْأَمِينِ فِي عِيَالِ الْمُسْتَوْدَعِ شَرْطُ؟ .
بَيَانِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ وُجُودَ هَذَا الْأَمِينِ فِي عِيَالِ الْمُسْتَوْدَعِ أَوْ فِي مَنْزِلَةِ عِيَالِهِ شَرْطٌ.
مِثَالٌ عَلَى الِابْنِ فِي عِيَالِ أَبِيهِ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ بِوَاسِطَةِ ابْنِهِ الْأَمِينِ الْبَالِغِ أَوْ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ الْمَوْجُودِ فِي عِيَالِهِ فَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَعْطَى الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ ابْنَهُ الْمَوْجُودَ فِي عِيَالِهِ وَالْغَائِبَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَيَّنَ الْبَلَدَ لِأَجْلِ الْحِفْظِ وَادَّعَى ابْنُهُ أَنَّهُ سَلَّمَهَا إلَى ذَاكَ الشَّخْصِ الْحَاضِرِ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ بِأَنَّهُ أَعْطَاهَا الِابْنَ الْمَرْقُومَ لِذَاكَ الشَّخْصِ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ.
وَكَأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَجْعَلُ الِابْنَ الْمَرْقُومَ مَحِلَّهُ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالْبَحْرُ) .
وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ بِأَنَّهُ أَعْطَى الْوَدِيعَةَ أَمِينَهُ ابْنَهُ ذَاكَ الْمَوْجُودَ فِي عِيَالِهِ وَبَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ الِابْنُ تُوُفِّيَ وَكَانَ الْأَبُ وَارِثًا لَهُ تُضْمَنُ الْوَدِيعَةُ مِنْ تَرِكَتِهِ.
مِثَالٌ عَلَى مَنْزِلَةِ عِيَالٍ: إذَا آجَرَ شَخْصٌ غُرْفَةً مِنْ غُرَفِ بَيْتِهِ إلَى شَخْصٍ آخَرَ وَسَلَّمَ الْوَدِيعَةَ إلَى هَذَا الْمُسْتَأْجِرِ يُنْظَرُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ مَفَاتِيحُ عَلَى حِدَةٍ وَكَانَ يَدْخُلُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِلَا مَانِعٍ إلَى مَحِلِّ إقَامَةِ الْآخَرِ كَانَ الضَّمَانُ غَيْرَ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُسْتَأْجِرَ فِي مَنْزِلَةِ عِيَالِ الْمُسْتَوْدَعِ.
وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِفْتَاحٌ عَلَى حِدَةٍ لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُسْتَأْجِرَ لَيْسَ فِي عِيَالِ الْمُسْتَعِيرِ وَلَا فِي مَنْزِلَةِ عِيَالِهِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَنَظَرًا لِقَوْلِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: هَذَا إذَا دَفَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ لِشَخْصٍ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ عِنْدَ هَلَاكِهَا وَإِنْ كَانَ الشَّخْصُ الْمَذْكُورُ أَمِينَهُ. رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٢٧٢) بِخُصُوصِ تَعْرِيفِ الْعِيَالِ.
следующие страницы →