Полный текст (2 914 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
كَمَا لَوْ أَوْدَعَ كِيسًا مَرْبُوطًا وَصُنْدُوقًا مُقْفَلًا وَفَتَحَهُمَا الْمُسْتَوْدَعُ وَضَاعَا دُونَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا فَلَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ. يَعْنِي أَنَّ الْفَتْحَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ تَعَدِّيًا أَوْ تَقْصِيرًا.
وَنَظَرًا لِلُزُومِ دُخُولِ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي سَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا فِي الْمَادَّةِ (٧٨٤) فِي التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ يَعْنِي حَيْثُ إنَّهُ مِنْ اللَّازِمِ أَنْ تَكُونَ كُلُّ مُخَالَفَةٍ لِأَحَدِ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ تَعَدِّيًا وَبِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ لَنْ يَكُونَ مَانِعًا لِغَيْرِهِ فَدَفْعًا لِلْإِشْكَالِ زِيدَ قَيْدُ (وَلَا يُجَوِّزُ الشَّرْعُ) شَرْحًا: مَثَلًا لَوْ خَالَفَ الْمُسْتَوْدَعُ الشَّرْطَ الَّذِي شَرَطَهُ الْمُودِعُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مُمْكِنَ الْإِجْرَاءِ وَمُقَيَّدًا فَذَلِكَ لَيْسَ تَعَدِّيًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُودِعُ رَاضِيًا بِهِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُخَالَفَةَ جَائِزَةٌ شَرْعًا.
بَعْضُ الْمَسَائِلِ الْمَعْدُودَةِ وَغَيْرُ الْمَعْدُودَةِ تَعَدِّيًا وَتَقْصِيرًا: ١ مَسْأَلَةُ - أَنَّ دَفْعَ الْوَدِيعَةِ لِأَجْلِ الْحِفْظِ إلَى مَنْ لَيْسَ أَمِينًا كَمَا سَيُذْكَرُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٨٠) تَعَدٍّ فَحِفْظُ شَخْصٍ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَأْتَمِنْهُ الْمُسْتَوْدَعُ عَلَى حِفْظِ مَالِهِ الْوَدِيعَةَ فِي مَحِلِّ حِفْظِ مَالِ نَفْسِهِ فِيهِ تَقْصِيرٌ كَمَا سَيُذْكَرُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٨١) .
٢ - مَسْأَلَةُ - عِنْدَ ذَهَابِ الْمُسْتَوْدَعِ إلَى سَفَرٍ فَأَخْذُهُ الْوَدِيعَةَ مَعَهُ حَالٍ كَوْنِ الطَّرِيقِ غَيْرَ أَمِينٍ تَعَدٍّ عَلَى مَا سَيَجِيءُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٨١) .
٣ - مَسْأَلَةُ - كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ خِلَافَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمَادَّةِ (٧٨٤) وَالْفِقْرَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْمَادَّةِ (٧٨٣) تَعَدٍّ فَالْفِقْرَاتُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَوَادِّ (٧٨٨، ٧٩٠، ٧٩٢) وَالْفِقْرَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ الْمَادَّتَيْنِ (٧٩٣ و ٧٩٤) تَعَدٍّ أَيْضًا.
٤ - مَسْأَلَةُ - كَمَا أَنَّ الْمُخَالَفَةَ لِلْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْمَادَّةِ (٧٩٦) تَعَدٍّ فَالْفِقْرَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَادَّةِ (٧٩٩) الْوَدِيعَةُ أَيْضًا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٨٠١) تَعَدٍّ أَيْضًا.
٥ - مَسْأَلَةُ - كَمَا أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَضْمَنُ إذَا قَالَ أَنَّهُ وَضَعَ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةً فِي مَحِلٍّ غَيْرِ بَيْتِهِ وَبَعْدَ أَنْ جَلَسَ وَقَامَ نَسِيَهَا وَيَضْمَنُ الدَّلَّالُ إذَا قَالَ: إنَّهُ وَضَعَ الْمَالَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ لِأَجْلِ بَيْعِهِ فِي دُكَّانٍ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ فِي أَيِّ دُكَّانٍ وَضَعَهُ.
٦ - مَسْأَلَةُ - إذَا قَالَ الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ إنْ كَانَ وَضَعَ الْوَدِيعَةَ فِي دَارِهِ أَوْ فِي دَارِ أُخْرَى يَضْمَنُ (الْهِنْدِيَّةُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٧ - مَسْأَلَةُ - إذَا أَعْطَى شَخْصٌ شَخْصًا آخَرَ ثِيَابًا كَيْ يَدَعَهَا عِنْدَ الْخَيَّاطِ فَأَعْطَى الْخَيَّاطُ إيَّاهَا وَنَسِيَ الْخَيَّاطُ الَّذِي أَعْطَاهُ إيَّاهَا فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَإِذَا قَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: لَا أَعْلَمُ إنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ فُقِدَتْ أَمْ لَا، لَا يَضْمَنُ وَلَكِنَّهُ إنْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ إنْ كُنْت أَضَعْتهَا أَمْ لَا فَقَوْلُ هَذَا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَمَا ذُكِرَ فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ.
٨ - مَسْأَلَةُ - إنْكَارِ الْمُسْتَوْدَعِ الْوَدِيعَةَ حِينَ طَلَبِ الْمُودِعُ وَنَقْلِهِ الْوَدِيعَةَ الْمَنْقُولَةَ فِي حَالٍ إنْكَارِهِ مِنْ مَحِلِّهَا إلَى مَحِلٍّ آخَرَ تَعَدٍّ؛ لِأَنَّ إنْكَارَ الْمُودِعِ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ وَحَيْثُ إنَّ عَقْدَ الْوَدِيعَةِ يَنْفَسِخُ بِهِ فَلَا يَعُودُ
стр. 1052
بِدُونِ عَقْدٍ جَدِيدٍ (الْبَحْرُ) .
وَكَوْنُ إنْكَارِ الْوَدِيعَةِ تَعَدِّيًا مُقَيَّدٌ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ.
الشَّرْطُ الْأَوَّلُ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْكَارُ تِجَاهَ الْمُودِعِ بِنَاءً عَلَيْهِ فَإِنْكَارُهُ تِجَاهَ غَيْرِ الْمُودِعِ لَيْسَ تَعَدِّيًا.
بَلْ لَرُبَّمَا كَانَ حِفْظًا كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْهَا مِنْ مَحِلِّهَا حَالَ جُحُودِهِ أَوْ كَانَتْ عَقَارًا وَكَانَ نَقَلَهَا غَيْرَ قَابِلٍ فَعِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ الضَّمَانُ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَكِنَّهُ لَازِمٌ عِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ (الْبَحْرُ) .
مَثَلًا لَوْ سَأَلَ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ قَائِلًا: هَلْ لِفُلَانٍ وَدِيعَةٌ عِنْدَك؟ فَأَجَابَهُ الْمُسْتَوْدَعُ سَلْبًا، لَا يُعَدُّ ذَلِكَ تَعَدِّيًا بَلْ لَرُبَّمَا كَانَ مُحَافَظَةً عَلَى الْوَدِيعَةِ مِنْ سُوءِ قَصْدِ السَّائِلِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْكَارُ حِينَمَا يَطْلُبُهَا الْمُودِعُ بِقَصْدِ أَخْذِهَا. وَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ السُّؤَالِ عَنْ الْوَدِيعَةِ لِأَجْلِ تَذْكِيرِ الْمُسْتَوْدَعِ بِالْمُحَافَظَةِ وَشُكْرِهِ فَجَوَابُ الْمُسْتَوْدَعِ أَنْ لَيْسَ لَك عِنْدِي وَدِيعَةٌ، لَا يُعَدُّ جُحُودًا وَإِنْكَارًا عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ (الْبَحْرُ) . وَسَنَزِيدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَفْصِيلًا فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٨٧) .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ إنْكَارُ الْمُسْتَوْدَعِ مَبْنِيًّا عَلَى سَبَبٍ شَرْعِيٍّ.
فَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا كَانَ عَدُوٌّ مَوْجُودًا عِنْدَ طَلَبِ الْمُودِعِ الْوَدِيعَةَ وَكَانَ يَخَافُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَهَا جَبْرًا لَدَى الْإِقْرَارِ بِهَا فَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَوْ أَنْكَرَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ وَهَلَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ قَصَدَ الْحِفْظَ بِهَذَا الْإِنْكَارِ (الْبَحْرُ) .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: يَجِبُ أَنْ لَا يُحْضِرَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بَعْدَ الْإِنْكَارِ فَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَحْضَرَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بَعْدَ أَنْ أَنْكَرَهَا وَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهَا لِلْمُودِعِ قَالَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ لِلْمُسْتَوْدَعِ: (فَلْتَبْقَ الْوَدِيعَةُ بِيَدِك) ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هَلَكَتْ تِلْكَ الْوَدِيعَةُ مَعَ أَنَّ الْمُودِعَ كَانَ مُقْتَدِرًا عَلَى أَخْذِهَا فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ إيدَاعًا جَدِيدًا. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُودِعُ مُقْتَدِرًا عَلَى أَخْذِ الْوَدِيعَةِ فِي ذَلِكَ الْحِينِ لَا يَخْلُصُ مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَالْإِعَارَةَ لَمْ يَتِمَّا بَعْدُ.
٩ - مَسْأَلَةُ - إذَا دَلَّ الْمُسْتَوْدَعُ السَّارِقَ عَلَى الْوَدِيعَةِ فَسَرَقَهَا السَّارِقُ الْمَرْقُومُ لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. وَلَكِنْ بَعْدَ الدَّلَالَةِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ إذَا مَنَعَ السَّارِقَ أَثْنَاءَ السَّرِقَةِ وَأَخَذَهَا السَّارِقُ جَبْرًا وَقَهْرًا لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ أَيْضًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
١٠ - مَسْأَلَةُ - إنَّ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ يُعْتَبَرَانِ فِي كَوْنِ بَعْضِ الْمُعَامَلَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ فِي الْوَدِيعَةِ تَعَدِّيًا أَمْ لَا. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٣٦) .
مَثَلًا لَوْ رَبَطَ الْمُسْتَوْدَعُ الْحَيَوَانَ فِي مَحِلٍّ يُعَدُّ رَبْطُهُ إيَّاهُ فِيهِ تَعَدِّيًا عُرْفًا فَهَلَكَ بَعْدَ أَنْ بَعُدَ عَنْ نَظَرِهِ يَضْمَنُ.
كَمَا لَوْ تَرَكَ صَاحِبُ الدُّكَّانِ الْوَدِيعَةَ الَّتِي بِيَدِهِ فِي دُكَّانٍ بَابُهُ مَفْتُوحٌ أَوْ شَدَّ شَبَكَتَهُ عَلَى بَابِ الدُّكَّانِ وَتَرَكَهَا وَبَعْدَ أَنْ ذَهَبَ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ لِأَجْلِ شَغْلِهِ هَلَكَتْ فَإِذَا كَانَ الْعُرْفُ هَكَذَا يَعْنِي أَنْ يُتْرَكَ بَابُ الدُّكَّانِ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ أَمْتِعَةٌ مَفْتُوحًا مَعَ عَدَمِ وُجُودِ حَارِسٍ لَهُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَكُونُ فِي هَذَا
стр. 1053
حَفِظَ الْوَدِيعَةَ بِجِيرَانِهِ كَمَا حَافَظَ عَلَى أَمْوَالِهِ وَلَا يَكُونُ قَصْدُ الْإِيدَاعِ لِلْجِيرَانِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْمَادَّةِ (٧٩٠) . وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ الْعَادَةُ كَذَلِكَ يَضْمَنُ. وَتَرْكُ صَبِيٍّ غَيْرِ مُقْتَدِرٍ عَلَى الْمُحَافَظَةِ فِي الدُّكَّانِ كَتَرْكِهِ خَالِيًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
كَذَلِكَ إذَا وَضَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فِي غُرْفَةٍ مِنْ غُرَفِ خَانٍ وَاكْتَفَى بِسَدِّ بَابِهِ وَلَمْ يُقْفِلْهُ بِالْمِفْتَاحِ وَسُرِقَتْ الْوَدِيعَةُ فَإِنْ كَانَ قَفْلُ الْبَابِ فَقَطْ فِي مَوَاضِعَ كَهَذِهِ يُعَدُّ تَوْثِيقًا وَحِفْظًا لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. وَإِنْ كَانَ مَعْدُودًا مِنْ الْإِغْفَالِ وَالتَّضْيِيعِ يَكُونُ الضَّمَانُ لَازِمًا.
١١ - مَسْأَلَةُ - حَيْثُ إنَّ إطْلَاقَ الْبَقَرِ الْوَدِيعَةِ بِلَا إذْنٍ فِي الصَّحْرَاءِ مَعْدُودٌ مِنْ التَّعَدِّي فَإِذَا فُقِدَتْ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ أَتْلَفَهَا الذِّئْبُ يَضْمَنُهَا الْمُسْتَوْدَعُ. وَلَكِنْ إذَا هَلَكَ الْحَيَوَانُ الْمَذْكُورُ حَتْفَ أَنْفِهِ فِي الصَّحْرَاءِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فَبَعْضُهُمْ قَالَ بِالضَّمَانِ وَبَعْضُهُمْ بِعَدَمِهِ.
١٢ - مَسْأَلَةُ - فَتْحِ الْقَفَصِ الْمَوْجُودِ فِيهِ وَدِيعَةٌ وَفَتْحُ بَابِ الْإِصْطَبْلِ الْمَوْجُودِ فِيهِ الْحَيَوَانُ الْمُودَعُ تَعَدٍّ بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا فَتَحَهُ الْمُسْتَوْدَعُ وَهَرَبَ الطَّيْرُ وَالْحَيَوَانُ مِنْهُ يَضْمَنُ سَوَاءٌ أَهَرَبَ عِنْدَ فَتْحِ الْبَابِ أَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ.
١٣ - مَسْأَلَةُ - إذَا أَعْطَى الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ شَخْصًا آخَرَ بِالْإِكْرَاهِ غَيْرِ الْمُلْجِئِ يَكُونُ تَعَدِّيًا. وَأَمَّا إعْطَاؤُهُ بِنَاءً عَلَى الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ فَلَيْسَ تَعَدِّيًا.
رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٠٠٧) . بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَكْرَهَ شَخْصٌ الْمُسْتَوْدَعَ بِقَوْلِهِ: إنْ لَمْ تُعْطِنِي الْوَدِيعَةَ أَسْجُنُك شَهْرًا فَأَعْطَاهُ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِنَاءً عَلَى هَذَا يَضْمَنُ. وَلَكِنْ إذَا قَالَ شَخْصٌ لِلْمُسْتَوْدَعِ: إنْ لَمْ تُعْطِنِي هَذِهِ الْوَدِيعَةَ أَقْتُلُك أَوْ أَقْطَعُ كَذَا عُضْوَك فَأَعْطَاهُ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ الْمَذْكُورَةَ لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُجْبِرِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ لِوُقُوعِ الْإِكْرَاهِ مُسْتَجْمِعًا شُرُوطَهُ وَعُدَّ التَّهْدِيدُ بِإِتْلَافِ كُلِّ الْمَالِ يَعْنِي بِإِتْلَافِ جَمِيعِ مَالِ الْمُسْتَوْدَعِ بِحَيْثُ لَنْ يَبْقَى قَدْرُ كِفَايَةٍ مِنْهُ إكْرَاهًا مُلْجِئًا. وَعُدَّ التَّهْدِيدُ بِإِتْلَافِ بَعْضِ الْمَالِ أَيْ بِحَيْثُ إنْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ كِفَايَةٍ لِلْمُسْتَوْدَعِ إكْرَاهًا غَيْرَ مُلْجِئٍ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ كُلِّ الْمَالِ يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ النَّفْسِ. وَلَكِنْ إذَا كَانَ التَّهْدِيدُ بِصُورَةِ إتْلَافِ مَا بَقِيَ بَعْدَ أَنْ تَرَكَ لَهُ قُوتًا كَافِيًا لَا يُعْتَبَرُ. وَهَلْ الْمَقْصُودُ مِنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ كِفَايَةُ شَهْرٍ أَوْ يَوْمٍ أَوْ الْعُمْرِ الْغَالِبِ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كِفَايَةُ شَهْرٍ أَوْ يَوْمٍ. (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٤ - ١ مَسْأَلَةُ - كَمَا أَنَّ دَفْنَ النُّقُودِ فِي الْمَفَازَةِ لِأَجْلِ الْحِفْظِ تَعَدٍّ، فَبَيْعُ الْوَدِيعَةِ وَتَسْلِيمُهَا آخَرَ أَيْضًا تَعَدٍّ. وَأَمَّا إذَا بِيعَتْ فَقَطْ وَلَمْ تُسَلَّمْ لَا يُعَدُّ ذَلِكَ تَعَدِّيًا.
فَلِذَلِكَ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ: بِعْت الْوَدِيعَةَ وَقَبَضْت ثَمَنَهَا لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِعْتهَا لِآخَرَ وَسَلَّمْته إيَّاهَا يُوجِبُ الضَّمَانَ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٩٠) .
١٥ - مَسْأَلَةُ - مُعَالَجَةِ الْحَيَوَانِ الْمُودَعِ تَعَدٍّ. فَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَمَرَ الْمُسْتَوْدَعُ شَخْصًا بِمُعَالَجَةِ الْحَيَوَانِ الْمُودَعِ فَتَلِفَ الْحَيَوَانُ مِنْ ذَلِكَ لَزِمَ الْمُسْتَوْدَعَ الضَّمَانُ. كَمَا أَنَّهُ يَلْزَمُ ذَلِكَ الشَّخْصَ أَيْضًا. عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُودِعُ مُخَيَّرًا إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ الْمُسْتَوْدَعَ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ الرُّجُوعُ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ.
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ الْمُعَالِجَ وَلِهَذَا أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ إنْ كَانَ ظَنَّ أَنَّ الْحَيَوَانَ مِلْكَ الْمُسْتَوْدَعِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٦٥٨) .
стр. 1054
مَسْأَلَةُ - إذَا قَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: كُنْت وَضَعْت الْوَدِيعَةَ فِي مَحِلٍّ وَلَا أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعْتهَا وَقَدْ نَسِيت يَضْمَنُ كَمَا لَوْ قَالَ: وَضَعْت الدَّرَاهِمَ الْوَدِيعَةَ فِي جَيْبِي وَبِوَقْتِهَا فَقَدْتهَا، يَضْمَنُ أَيْضًا.
١٧ - مَسْأَلَةُ - إذَا وَضَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِجَانِبِهِ وَاتَّكَأَ وَنَامَ فَسُرِقَتْ الْوَدِيعَةُ يَضْمَنُ. مَا لَمْ يُحَصِّلْ هَذَا الْمَالَ فِي السَّفَرِ. فَلَا يَضْمَنُ إذْ ذَاكَ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَّكِئْ وَتَنَاوَلَ فِي مَحِلِّهِ وَفُقِدَتْ لَا يَضْمَنُ.
١٨ - مَسْأَلَةُ - إذَا نَزَعَ الْمُسْتَوْدَعُ ثِيَابَهُ وَوَضَعَهَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ وَلَمَّا غَطَسَ وَغَابَتْ الْوَدِيعَةُ عَنْ نَظَرِهِ سُرِقَتْ تِلْكَ الْوَدِيعَةُ يَضْمَنُهَا كَمَا أَنَّهُ إذَا نَسِيَهَا هُنَاكَ وَفُقِدَتْ يَضْمَنُهَا أَيْضًا.
[ (الْمَادَّةُ ٧٨٠) حِفْظُ الْمُسْتَوْدَع الْوَدِيعَة]
(الْمَادَّةُ ٧٨٠) :
يَحْفَظُ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ مِثْلَ مَالِهِ بِالذَّاتِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ. وَإِذَا هَلَكَتْ أَوْ فُقِدَتْ عِنْدَ أَمِينِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ وَلَا عَلَى الْأَمِينِ.
يَحْفَظُ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ الَّتِي أُودِعَتْ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ (يَعْنِي لَمْ تُقَيَّدْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَادَّةِ ٧٨٤) مِثْلَ مَالِهِ يَعْنِي كَمَا أَنَّهُ يَحْفَظُ مَالَهُ بِالذَّاتِ أَوْ بِمَعْرِفَةِ أَمِينِهِ يَحْفَظُ الْوَدِيعَةَ أَيْضًا أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ أَيْ بِوَاسِطَةِ مَنْ يَأْتَمِنُهُ عَلَى مَالِهِ وَمَنْ هُوَ أَهْلٌ وَمُقْتَدِرٌ عَلَى الْحِفْظِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُودِعُ نَهَى عَنْ إعْطَائِهَا الْأَمِينَ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ الْمُودِعُ مَجْبُورًا عَلَى ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ النَّهْيُ وَتُعْطَى لَهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَجْبُورًا يُعْتَبَرُ النَّهْيُ وَلَا تُعْطَى. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٨٤) . وَكَمَا أَنَّ الْأَمِينَ يَحْفَظُهَا بِالذَّاتِ لَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا أَيْضًا بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ (الْبَحْرُ) .
فِقْرَةُ (أَوْ) مَعْطُوفَةٌ عَلَى كَلِمَةِ (بِالذَّاتِ) . يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ لَهُ أَنْ يَحْفَظَ مَالَ نَفْسِهِ بِالذَّاتِ وَبِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ لَهُ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ أَيْضًا بِالذَّاتِ أَوْ بِمَعْرِفَةِ أَمِينِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ حِفْظُ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ. فَإِذَا ضَاعَتْ الْوَدِيعَةُ وَهُوَ يُحَافِظُ عَلَيْهَا بِهَذَا الْوَجْهِ لَا يَكُونُ مَسْئُولًا وَلَا ضَامِنًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ حَفِظَ الْوَدِيعَةَ كَمَا حَفِظَ مَالَ نَفْسِهِ وَجَعَلَ الْوَدِيعَةَ بِمَنْزِلَةِ مَالِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ شَيْءٌ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَكِنَّ تَرْكَ الْحِفْظِ بِلَا عُذْرٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ. وَأَمَّا تَرْكُ الْحِفْظِ بِعُذْرٍ لَا يَسْتَلْزِمُ الضَّمَانَ. كَمَا لَوْ سَلَّمَ شَخْصٌ أَمْتِعَتَهُ وَحِمَارَهُ الْمُحَمَّلَ إلَى رَجُلٍ ذَاهِبٍ إلَى مَحِلٍّ مَعَ بِغَالِهِ وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُسَلِّمَهَا لِفُلَانٍ فِي الْمَحِلِّ الْمَذْكُورِ وَبَيْنَمَا هُوَ سَائِرٌ وَقَعَ بَغْلُهُ فِي الطَّرِيقِ وَلَمَّا كَانَ مَشْغُولًا بِهِ هَرَبَ الْحِمَارُ الْحَامِلُ الْوَدِيعَةَ وَفُقِدَ فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ بَغْلَهُ وَأَمْوَالَهُ تَضِيعُ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِهِ إيَّاهَا وَانْصِرَافِهِ وَرَاءَ الْحِمَارِ الْمَفْقُودِ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ الْحِمَارِ وَالْأَمْتِعَةِ. كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٦٠٩) وَشَرْحِهَا وَالْحُكْمُ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ.
وَيَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمَجَلَّةِ (يَحْفَظُهَا بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ) أَنَّ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَدْفَعَهَا لِأَمِينِهِ لِأَجْلِ الْحِفْظِ وَأَمَّا إذَا طَلَبَهَا الْأَمِينُ كَيْ يَصْرِفَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَأَعْطَاهُ إيَّاهَا الْمُسْتَوْدَعُ يَضْمَنُهَا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
هَلْ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَتَقَاضَى أُجْرَةً لِأَجْلِ الْحِفْظِ بِلَا مُقَاوَلَةٍ؟ .
لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَطْلُبَ أُجْرَةَ هَذَا الْحِفْظِ. إلَّا إذَا كَانَتْ مُقَاوَلَةً؛ لِأَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لِمَنْ يَعْمَلُ لِأَجْلِ الْغَيْرِ أَمَانَةً. مَا لَمْ يَكُنْ وَصِيًّا وَنَاظِرًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
стр. 1055
وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ عَلَى تَقْدِيرِ هَلَاكِ الْوَدِيعَةِ بِيَدِهِ أَوْ ضَيَاعِهَا بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٧٧٧) لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْأَمِينِ وَلَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ إذَا تَلِفَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ فُقِدَتْ بِيَدِ الْأَمِينِ الْمَذْكُورِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ بِنَاءً عَلَى الْمَادَّتَيْنِ (٩١ و ٧٧٧) .
مَثَلًا إذَا غَسَلَ غَسَّالٌ الثِّيَابَ وَعَلَّقَهَا فِي دُكَّانِهِ ثُمَّ تَرَكَ ابْنَ أَخِيهِ لِأَجْلِ الْحِفْظِ وَذَهَبَ فَسُرِقَتْ الثِّيَابُ مِنْ الدُّكَّانِ حِينَمَا نَزَلَ مَثَلًا ابْنُ الْأَخِ إلَى سِرْدَابِ الدُّكَّانِ فَإِنْ كَانَ ابْنُ الْأَخِ أَجِيرَ الْغَسَّالِ وَتِلْمِيذَهُ وَكَانَ بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا مَأْذُونًا يُنْظَرُ: فَإِذَا كَانَتْ الثِّيَابُ فِي حَالَةِ أَنَّهَا تُرَى مِنْ السِّرْدَابِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى ابْنِ الْأَخِ وَلَا عَلَى الْغَسَّالِ. وَعَدَمُ لُزُومِ الضَّمَانِ عَلَى الْغَسَّالِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ حَفِظَ الثِّيَابَ بِأَمِينِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ وَبِأَمِينِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ نَظَرًا لِلْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَتْهُ الْمَجَلَّةُ كَمَا أَنَّ عَدَمَ تَرَتُّبِ الضَّمَانِ عَلَى ابْنِ الْأَخِ نَشَأَ عَنْ أَنَّهُ يَرَى الثِّيَابَ مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ وَلَمْ يَتْرُكْ الْحِفْظَ. وَإِذَا كَانَتْ الثِّيَابُ لَا تُرَى مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى ابْنِ الْأَخِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْحِفْظَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْغَسَّالِ إذَا كَانَ الصَّبِيُّ مَحْجُورًا؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ الْمَحْجُورَ لَا يُؤَاخَذُ عَلَى اسْتِهْلَاكِ وَتَضْيِيعِ الْوَدِيعَةِ (جَامِعُ أَحْكَامِ الصِّغَارِ) وَقَدْ مَرَّ إيضَاحُهُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٧٦) .
اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي الْأَمِينِ وَالْقَوْلُ الَّذِي اخْتَارَتْهُ الْمَجَلَّةُ: هَلْ إنَّ وُجُودَ هَذَا الْأَمِينِ فِي عِيَالِ الْمُسْتَوْدَعِ شَرْطُ؟ .
بَيَانِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ وُجُودَ هَذَا الْأَمِينِ فِي عِيَالِ الْمُسْتَوْدَعِ أَوْ فِي مَنْزِلَةِ عِيَالِهِ شَرْطٌ.
مِثَالٌ عَلَى الِابْنِ فِي عِيَالِ أَبِيهِ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ بِوَاسِطَةِ ابْنِهِ الْأَمِينِ الْبَالِغِ أَوْ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ الْمَوْجُودِ فِي عِيَالِهِ فَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَعْطَى الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ ابْنَهُ الْمَوْجُودَ فِي عِيَالِهِ وَالْغَائِبَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَيَّنَ الْبَلَدَ لِأَجْلِ الْحِفْظِ وَادَّعَى ابْنُهُ أَنَّهُ سَلَّمَهَا إلَى ذَاكَ الشَّخْصِ الْحَاضِرِ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ بِأَنَّهُ أَعْطَاهَا الِابْنَ الْمَرْقُومَ لِذَاكَ الشَّخْصِ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ.
وَكَأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَجْعَلُ الِابْنَ الْمَرْقُومَ مَحِلَّهُ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالْبَحْرُ) .
وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ بِأَنَّهُ أَعْطَى الْوَدِيعَةَ أَمِينَهُ ابْنَهُ ذَاكَ الْمَوْجُودَ فِي عِيَالِهِ وَبَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ الِابْنُ تُوُفِّيَ وَكَانَ الْأَبُ وَارِثًا لَهُ تُضْمَنُ الْوَدِيعَةُ مِنْ تَرِكَتِهِ.
مِثَالٌ عَلَى مَنْزِلَةِ عِيَالٍ: إذَا آجَرَ شَخْصٌ غُرْفَةً مِنْ غُرَفِ بَيْتِهِ إلَى شَخْصٍ آخَرَ وَسَلَّمَ الْوَدِيعَةَ إلَى هَذَا الْمُسْتَأْجِرِ يُنْظَرُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ مَفَاتِيحُ عَلَى حِدَةٍ وَكَانَ يَدْخُلُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِلَا مَانِعٍ إلَى مَحِلِّ إقَامَةِ الْآخَرِ كَانَ الضَّمَانُ غَيْرَ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُسْتَأْجِرَ فِي مَنْزِلَةِ عِيَالِ الْمُسْتَوْدَعِ.
وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِفْتَاحٌ عَلَى حِدَةٍ لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُسْتَأْجِرَ لَيْسَ فِي عِيَالِ الْمُسْتَعِيرِ وَلَا فِي مَنْزِلَةِ عِيَالِهِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَنَظَرًا لِقَوْلِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: هَذَا إذَا دَفَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ لِشَخْصٍ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ عِنْدَ هَلَاكِهَا وَإِنْ كَانَ الشَّخْصُ الْمَذْكُورُ أَمِينَهُ. رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٢٧٢) بِخُصُوصِ تَعْرِيفِ الْعِيَالِ.
стр. 1056
وَعِنْدَ الْبَعْضِ الْآخَرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَتَى حَفِظَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِوَاسِطَةِ شَخْصٍ أَمِينٍ لَهُ يَجُوزُ هَذَا الْحِفْظُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْأَمِينُ فِي عِيَالِهِ وَنَظَرًا لِهَذَا الْقَوْلِ فَلِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ بِوَاسِطَةِ وَكِيلِهِ الْأَمِينِ وَشَرِيكِهِ مُفَاوَضَةً أَوْ عِنَانًا، وَالْحَاصِلُ بِوَاسِطَةِ مَنْ يَأْتَمِنُهُ عَلَى حِفْظِ مَالِ نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَكِيلُ مَثَلًا فِي عِيَالِهِ؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ كَحِفْظِ الْمُسْتَوْدَعِ مَالَ نَفْسِهِ فَلَا يَجِبُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا. وَكَمَا أَنَّ الْفَتْوَى هِيَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَبِمَا أَنَّهُ أَفْتَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا فِي الْفَتَاوَى الْمُسَمَّاةِ عَلِيٌّ أَفَنْدِي يَظْهَرُ مِنْ إتْيَانِ لَفْظِ أَمِينٍ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ فِي الْمَجَلَّةِ أَنَّ الِاخْتِيَارَ وَقَعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَمَا يُسْتَخْرَجُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ عِبَارَةِ (أَوْ لِلشَّخْصِ الَّذِي اعْتَادَ حِفْظَ مَالِ نَفْسِهِ) الْوَارِدَةِ فِي الْمَادَّةِ (٨٧٤) وَمِنْ قَوْلِهِ: (يَحْفَظُ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ بِالذَّاتِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ كَخَادِمِهِ أَوْ شَرِيكِهِ أَوْ عِيَالِهِ) فِي الْمَادَّةِ (٧٢٢) ؛ لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ الضَّمَانُ مِنْ أَجْلِهِ يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ لِسَبَبِهِ أَيْضًا. أَمَّا كُلُّ فِعْلٍ لَا يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ الضَّمَانُ مِنْ أَجْلِهِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ لِسَبَبِهِ أَيْضًا. وَلَكِنَّ الْوَدِيعَةَ إذَا هَلَكَتْ لَا تُضْمَنُ (الزَّيْلَعِيّ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) وَأَمَّا الْمَرْهُونُ إذَا هَلَكَ يُضْمَنُ بِغَيْرِهِ.
الْحِفْظُ بِوَاسِطَةِ غَيْرِ الْأَمِينِ: نَظَرًا لِلْقَوْلَيْنِ السَّالِفِي الْبَيَانِ يُشْتَرَطُ لِحِفْظِ الْمُسْتَوْدَعِ الْوَدِيعَةَ بِوَاسِطَةِ عِيَالِهِ أَنْ تَكُونَ الْعِيَالُ أُمَنَاءَ وَأَشَارَتْ الْمَجَلَّةُ إلَى هَذَا بِلَفْظِ أَمِينٍ. بِنَاءً عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ حِفْظُ الْوَدِيعَةِ بِوَاسِطَةِ شَخْصٍ غَيْرِ أَمِينٍ وَإِنْ كَانَ فِي عِيَالِ الْمُسْتَوْدَعِ.
أَحْوَالٌ ثَلَاثَةٌ فِي الْأَمِينِ: الْحَاصِلُ فِي الْأَمِينِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ.
الْمُسْتَوْدَعُ الَّذِي أُودِعَتْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ: (١) إمَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ شَخْصٌ أَمِينٌ.
(٢) أَوْ أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَالُهُ أَلْبَتَّةَ.
(٣) أَوْ يُعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَمِينٍ.
وَلَهُ أَنْ يُودِعَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُودِعَهُ فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ.
وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ لَهُ أَنْ يُودِعَهُ أَيْضًا وَبِنَاءً عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ (الطَّحْطَاوِيُّ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ إنْ كَانَ لِشَخْصٍ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ بِوَاسِطَةِ زَوْجَتِهِ الْأَمِينَةِ السَّاكِنَةِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِوَاسِطَةِ زَوْجَتِهِ غَيْرِ الْأَمِينَةِ.
كَمَا أَنَّهُ نَظَرًا لِقَوْلِ الثَّانِي لَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِوَاسِطَةِ شَرِيكِهِ مُفَاوَضَةً، وَحَيْثُ إنَّ هَذَا مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ الشَّرِيكِ أَمِينًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا إنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ.
حَتَّى أَنَّهُ إذَا حَفِظَهَا بِوَاسِطَةِ الشَّرِيكِ وَهَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ بِيَدِ الشَّرِيكِ وَلَوْ بِلَا تَعَدٍّ يَكُونُ الْمُسْتَوْدَعُ ضَامِنًا.
وَبِمَا أَنَّ فَائِدَةَ قَيْدِ (بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ) سَتُفْهَمُ مِنْ شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٩٠) فَلْتُرَاجِعْ.
الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْأَمِينِ: يَظْهَرُ مِنْ التَّقْرِيرِ الْمَشْرُوحِ أَنَّ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْمَارِّ ذِكْرُهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مُطْلَقًا فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَخَصُّ مُطْلَقًا وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَعَمُّ مُطْلَقًا فَحِينَمَا يَكُونُ إيدَاعُ الْمُسْتَوْدَعِ لِغَيْرِهِ وَحِفْظُهُ بِوَاسِطَتِهِ صَحِيحًا يَكُونُ صَحِيحًا فِي الْقَوْلِ الثَّانِي أَيْضًا.
الْحُكْمُ فِي الْحِفْظِ بِوَاسِطَةِ غَيْرِ الْأَمِينِ، إذَا حَفِظَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ غَيْرِ أَمِينٍ وَهَلَكَتْ بِيَدِهِ الْوَدِيعَةُ فَالْمُودِعُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُسْتَوْدَعَ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ ذَلِكَ الشَّخْصَ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٩٠) . أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَلَا يَرَى أَنَّهُ يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ عَلَى تَقْدِيرِ هَلَاكِ
стр. 1057
الْوَدِيعَةِ بِيَدِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ. وَلَكِنْ يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ فِي أَيِّ حَالٍ.
الْفَرْقُ بَيْنَ الْحِفْظِ عِنْدَ الْأَمِينِ وَالْإِيدَاعِ لِلْغَيْرِ: إذَا حَفِظَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ الْأَمِينِ بِمُوجِبِ هَذِهِ الْفِقْرَةِ يَكُونُ كَأَنَّهُ أَوْدَعَهَا لَهُ وَالْحَالُ أَنَّهُ مُصَرَّحٌ فِي الْمَادَّةِ (٧٩٠) أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ لِآخَرَ فَيَحْصُلُ بِنَاءً عَلَى هَذَا تَنَافٍ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَادَّتَيْنِ فَيُجَابُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَادَّةَ (٧٩٠) مُقَيَّدَةٌ بِهَذِهِ الْمَادَّةِ يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ عِنْدَ آخَرَ مُطْلَقًا بَلْ عِنْدَ أَمِينِهِ فَقَطْ (الدُّرُّ الْمُنْتَقَى وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَعَلِيٌّ أَفَنْدِي) .
[ (الْمَادَّةُ ٧٨١) لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ حَيْثُ يَحْفَظُ مَالَ نَفْسِهِ]
لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ حَيْثُ يَحْفَظُ مَالَ نَفْسِهِ الْمُمَاثِلِ لِلْوَدِيعَةِ.
مَكَانُ الْحِفْظِ: يَظْهَرُ مِنْ تَعْبِيرِ (حَيْثُ يَحْفَظُ) أَنَّ مَحِلَّ الْحِفْظِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْجُورَ وَالْمُسْتَعَارَ أَيْضًا. فَعَلَيْهِ كَمَا أَنَّ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ فِي بَيْتِهِ الَّذِي هُوَ مِلْكُهُ وَفِي غُرْفَتِهِ وَفِي دُكَّانِهِ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَوْ يَسْتَعِيرَ مَحِلًّا مُعَيَّنًا وَيَحْفَظَهَا فِيهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَوْدَعِ مَالٌ هُنَالِكَ.
وَكَمَا أَنَّهُ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَضَعَ الدَّرَاهِمَ الْمَوْدُوعَةَ فِي جَيْبِهِ. حَتَّى إنَّهُ إذَا وَضَعَهَا فِي جَيْبِهِ وَحَضَرَ إلَى مَجْلِسِ الْفِسْقِ وَسُرِقَتْ هُنَاكَ أَوْ ضَاعَتْ بِصُورَةٍ أُخْرَى لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَحْفَظَ مَالَهُ فِي الْمَحِلِّ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ وَاسْتَعَارَهُ وَأَنْ يَضَعَ دَرَاهِمَهُ فِي جَيْبِهِ لَهُ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ أَيْضًا.
وَإِنَّمَا إذَا سَكِرَ الْمُسْتَوْدَعُ وَزَالَ عَقْلُهُ وَفُقِدَتْ الدَّرَاهِمُ فَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى لُزُومِ الضَّمَانِ.
وَلَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ فِي الْمَحِلِّ الَّذِي حَفِظَ شَخْصٌ آخَرُ مَالَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ فِي الْمَحِلِّ الَّذِي يَحْفَظُ فِيهِ مَالَهُ الَّذِي لَيْسَ مُمَاثِلًا لِلْوَدِيعَةِ عَلَى مَا هُوَ مُحَرَّرٌ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ فِي الْمَحِلِّ الَّذِي يَحْفَظُ فِيهِ شَخْصٌ آخَرُ مَالَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحِلَّ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ وَإِنَّمَا هُوَ بِيَدِ الشَّخْصِ الْمَرْقُومِ فَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ وَضْعُهُ الْوَدِيعَةَ فِي ذَلِكَ الْمَحِلِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَلَّمَهَا لِلْغَيْرِ أَيْ لِشَخْصٍ لَيْسَ أَمِينًا وَهَذَا بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (٧٩٠) مُسْتَلْزِمٌ لِلضَّمَانِ (الْبَحْرُ) .
فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ يُبْحَثُ عَنْ مَحِلِّ حِفْظِ الْوَدِيعَةِ.
يُشْتَرَطُ فِي مَحِلِّ حِفْظِ الْوَدِيعَةِ أَنْ يَكُونَ مَحِلًّا مَحْفُوظًا.
حَتَّى أَنَّهُ إذَا تَرَكَ شَخْصٌ الْوَدِيعَةَ فِي دَارٍ مَكْشُوفَةِ الْأَطْرَافِ غَيْرِ مُحَاطَةٍ بِحَائِطٍ وَغُرَفُهَا عَارِيَّةٌ عَنْ الْأَبْوَابِ وَخَرَجَ مِنْهَا وَذَهَبَ وَقْتُ الْوَدِيعَةِ يَضْمَنُ. وَقَدْ سُئِلْت عَنْ خَيَّاطَةٍ فِي دَارٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ خَرَجَتْ مِنْهَا هِيَ وَزَوْجُهَا لَيْلًا لِعُرْسِ جَارَتِهَا فَسُرِقَتْ ثِيَابُهَا مِنْهَا فَأَفْتَيْت بِالضَّمَانِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُعَدُّ تَضْيِيعًا. تَأَمَّلْ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
أَخْذُ الْوَدِيعَةِ فِي السَّفَرِ: إذَا كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ ذَاهِبًا إلَى مَحِلٍّ بَعِيدٍ أَوْ قَرِيبٍ وَكَانَ الطَّرِيقُ أَمِينًا فَعِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْوَدِيعَةَ مَعَهُ.
سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْوَدِيعَةُ مُحْتَاجَةً إلَى حَمْلٍ وَمُؤْنَةٍ أَمْ لَمْ تَكُنْ (الْبَحْرُ) . كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٧٩) .
стр. 1058
لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْحِفْظِ صَادِرٌ مِنْ الْمُودِعِ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالزَّمَانِ، لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَكَانِ أَيْضًا. (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٦٤) . فَإِذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ.
رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩١) .
وَالشَّيْءُ الْمُحْتَاجُ إلَى حَمْلٍ وَمُؤْنَةٍ هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ فِي حَمْلِهِ يَعْنِي فِي نَقْلِهِ إلَى ظَهْرٍ أَوْ إلَى أُجْرَةٍ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَلَا يُقَالُ: إنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ عَائِدَةٌ عَلَى الْمُودِعِ حَيْثُ إنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ وَالْإِعَارَةِ مِنْ مَسَافَةِ السَّفَرِ تَكُونُ زِيَادَةً فَأَخْذُ الْوَدِيعَةِ فِي السَّفَرِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُودِعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُؤْنَةَ مِنْ لَوَازِمِ الْمُودِعِ الضَّرُورِيَّةِ.
إلَّا أَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فِي السَّفَرِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ احْتِيَاجٌ إلَى مُؤْنَةِ الْحَمْلِ فَعَلَى مَنْ تَكُونُ عَائِدَةً هَلْ عَلَى الْمُودِعِ أَمْ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ (الطَّحْطَاوِيُّ) وَلَعَلَّهَا عَائِدَةٌ عَلَى الْمُودِعِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْحِفْظِ رَاجِعَةٌ إلَيْهِ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٨٨) وَأَمَّا إذَا اخْتَارَ الْمُسْتَوْدَعُ هَذَا الْمَصْرِفَ بِلَا أَمْرٍ فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُودِعِ بَعْدَهُ (الشَّارِحُ) .
وَأَمَّا إذَا كَانَ الطَّرِيقُ غَيْرَ أَمِينٍ فَيُنْظَرُ حِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ ضَرُورِيًّا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا وَكَانَ سَفَرُهُ مَعَ أَهْلِهِ فَلَا يَضْمَنُ وَأَمَّا إذَا كَانَ سَفَرُهُ مُنْفَرِدًا فَيَضْمَنُ.
(الْبَحْرُ) .
أَخْذَ الْوَدِيعَةِ فِي السَّفَرِ بَحْرًا: السَّفَرُ بَحْرًا مِنْ الْأَسْفَارِ ذَاتِ الْأَخْطَارِ وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَحْرُ أَنَّ التَّلَفَ وَالْهَلَاكَ غَالِبٌ فِيهِ وَلَكِنْ حَيْثُ إنَّ نَقْلَ الْأَمْوَالِ التِّجَارِيَّةِ فِي السُّفُنِ مُتَعَارَفٌ فِي زَمَانِنَا وَالسَّلَامَةُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْيَانِ غَالِبَةٌ فِيهَا فَاللَّائِقُ أَنْ لَا يَكُونَ فَرْقٌ بَيْنَ السَّفَرِ بَحْرًا وَالسَّفَرِ بَرًّا فَحِينَئِذٍ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَأْخُذَ الْوَدِيعَةَ مَعَهُ إنْ سَافَرَ بَرًّا أَوْ بَحْرًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَبِمَا أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ السُّفُنُ التِّجَارِيَّةُ مَوْجُودَةً فِي زَمَنِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْأَسْفَارُ كَانَتْ تَحْصُلُ بِالسُّفُنِ ذَاتِ الشِّرَاعِ وَلِذَلِكَ كَانُوا يُعِدُّونَ السَّفَرَ فِي الْبَحْرِ خَطَرًا وَمُؤَدِّيًا لِلْهَلَاكِ. وَأَمَّا فِي الْحَالَةِ الْحَاضِرَةِ فَنَظَرًا لِوُجُودِ سُفُنٍ تِجَارِيَّةٍ جَسِيمَةٍ فَلَا خَطَرَ فِي السَّفَرِ فِيهَا.
فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا نَقَلَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فِي سَفِينَةٍ شِرَاعِيَّةٍ يَجِبُ عَدُّهَا خَطِرَةً وَإِنْ نَقَلَهَا فِي سَفِينَةٍ تِجَارِيَّةٍ يَلْزَمُ عَدُّهَا سَالِمَةً كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ (الشَّارِحُ) .
وَإِذَا عَيَّنَ الْمُودِعُ مَكَانَ الْحِفْظِ أَوْ نَهَى عَنْ السَّفَرِ بِهَا فَلَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَأْخُذَهَا فِي سَفَرِهِ، يَعْنِي إذَا عَيَّنَ الْمُودِعُ مَكَانَ حِفْظٍ لِأَجْلِ الْوَدِيعَةِ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُغَيِّرَهُ وَلَا أَنْ يَأْخُذَهَا فِي السَّفَرِ إذَا نَهَى الْمُودِعُ عَنْ ذَلِكَ. كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا إذَا اُشْتُرِطَتْ أُجْرَةٌ فِي مُقَابَلَةِ حِفْظِهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْفَاظَ مُقَابِلَ الْأُجْرَةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَالتَّسْلِيمَ لَازِمٌ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ (قطلوبغا فِي الْوَدِيعَةِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ) .
[ (الْمَادَّةُ ٧٨٢) يَلْزَمُ حِفْظُ الْوَدِيعَةِ مِثْل أَمْثَالِهَا]
(الْمَادَّةُ ٧٨٢) يَلْزَمُ حِفْظُ الْوَدِيعَةِ مِثْلُ أَمْثَالِهَا. بِنَاءً عَلَيْهِ حِفْظُ الْأَمْوَالِ كَالنُّقُودِ وَالْمُجَوْهَرَاتِ فِي مَحَالَّ كَالْإِصْطَبْلِ وَالتِّبْنِ تَقْصِيرٌ فِي الْحِفْظِ فَإِذَا هَلَكَتْ أَوْ ضَاعَتْ لَزِمَ الضَّمَانُ.
بِاخْتِلَافِ الْوَدِيعَةِ يَخْتَلِفُ مَحِلُّ الْحِفْظِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ كَأَمْثَالِهَا لَازِمٌ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. يَعْنِي أَنَّ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ فِي حِرْزِ مِثْلِهَا لَازِمٌ وَمَا كَانَ حِرْزًا أَيْ مَحِلَّ حِفْظٍ لِنَوْعٍ مِنْ الْوَدِيعَةِ لَا يَكُونُ حِرْزًا لِنَوْعِ وَدِيعَةٍ آخَرَ.
стр. 1059
فَإِذَا وَضَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فِي مَحِلٍّ لَا تُحْفَظُ فِيهَا أَمْثَالُهَا فَهَذَا الْوَضْعُ وَالْحِفْظُ تَقْصِيرٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحِرْزِ فِي الْوَدِيعَةِ وَالْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ: وَأَمَّا فِي السَّرِقَةِ فَمَا كَانَ حِرْزًا لِنَوْعٍ مِنْ الْمَالِ يَكُونُ حِرْزًا لِنَوْعِ مَالٍ آخَرَ وَبِنَاءً عَلَيْهِ يَلْزَمُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ سَرَقَ الْأَمْوَالَ الْغَالِيَةَ الثَّمَنِ كَالنُّقُودِ وَالْمُجَوْهَرَاتِ مِنْ الْإِصْطَبْلِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
الْحُكْمُ فِي الْحِفْظِ فِي غَيْرِ مِثْلِ الْحِرْزِ وَبَعْضُ الْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ: أَوَّلًا: يُحْفَظُ الْحَيَوَانُ الْمُودَعُ فِي الْإِصْطَبْلِ وَإِذَا فُقِدَ فِيهِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَأَمَّا حِفْظُ النُّقُودِ وَالْمُجَوْهَرَاتِ وَالْأَمْوَالِ الْغَالِيَةِ الثَّمَنِ مِنْ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا فِي مَحَالَّ مِنْ الْإِصْطَبْلِ مَحِلُّ التِّبْنِ وَالْبُسْتَانِ وَالْعَرْصَةِ فَهُوَ تَقْصِيرٌ فِي الْحِفْظِ فَإِذَا هَلَكَتْ أَوْ فُقِدَتْ الْأَمْوَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي أَمَاكِنَ كَهَذِهِ لَزِمَ الضَّمَانُ.
ثَانِيًا: إذَا وَضَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فِي دَارِهِ حَيْثُ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ أَشْخَاصٌ كَثِيرُونَ يُنْظَرُ. فَإِذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ شَيْئًا يُمْكِنُ حِفْظُهُ فِي حَالَةِ دُخُولِ وَخُرُوجِ أُنَاسٍ كَثِيرِينَ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. وَإِلَّا يَلْزَمُ الضَّمَانُ.
ثَالِثًا: إذَا وَضَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فِي دَارِ وَتَرَكَ بَابَهَا مَفْتُوحًا وَضَاعَتْ الْوَدِيعَةُ لِعَدَمِ وُجُودِ أَحَدٍ فِي الدَّارِ كَانَ ضَامِنًا.
رَابِعًا: إذَا تَرَكَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فِي الْحَمَّامِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ وَغَابَ وَفُقِدَتْ الْوَدِيعَةُ يَكُونُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ بِهَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَصَّرَ فِي الْحِفْظِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالْهِنْدِيَّةُ) .
خَامِسًا: إذَا تُرِكَتْ الْوَدِيعَةُ فِي مَحِلٍّ يَسْكُنُهُ الْفَأْرُ فَأَفْسَدَهُ يُنْظَرُ. فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ أَعْلَمَ الْمُودِعَ بِأَنَّ الْفَأْرَ يَدْخُلُ ذَلِكَ الْمَحِلَّ وَوَضَعَهَا بِأَمْرِهِ وَإِذْنِهِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُخْبِرْ الْمُودِعَ مَعَ عِلْمِهِ بِدُخُولِ الْفَأْرِ وَلَمْ يَسُدَّ الْمَنَافِذَ الَّتِي يَدْخُلُ مِنْهَا وَأَفْسَدَ الْفَأْرُ الْوَدِيعَةَ يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ.
الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ ضَاعَتْ الْوَدِيعَةُ بَيْنَمَا كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ يَحْفَظُهَا كَأَمْثَالِهَا: وَأَمَّا إذَا ضَاعَتْ الْوَدِيعَةُ فِي الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ يَحْفَظُهَا الْمُودَعُ نَظِيرَ أَمْثَالِهَا فَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَوْدَعَ الضَّمَانُ بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ (٧٧٧) وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي هَذَا الْخُصُوصِ مَعَ الْيَمِينِ بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (١٧٧٤) (وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
[ (الْمَادَّةُ ٧٨٣) تَعَدَّدَ الْمُسْتَوْدَعُ وَلَمْ تَكُنْ الْوَدِيعَةُ تَصِحُّ قِسْمَتُهَا]
(الْمَادَّةُ ٧٨٣) إذَا تَعَدَّدَ الْمُسْتَوْدَعُ وَلَمْ تَكُنْ الْوَدِيعَةُ تَصِحُّ قِسْمَتُهَا يَحْفَظُهَا الْوَاحِدُ بِإِذْنِ الْآخَرِ أَوْ يَحْفَظُونَهَا بِالْمُنَاوَبَةِ. وَإِنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ تَصِحُّ قِسْمَتُهَا؛ يُقَسِّمُونَهَا بَيْنَهُمْ بِالتَّسَاوِي وَيَحْفَظُ كُلٌّ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ. وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفَعَ حِصَّتَهُ إلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْآخَرِ بِلَا إذْنِ الْمُودِعِ. فَإِنْ فَعَلَ وَهَلَكَتْ أَوْ ضَاعَتْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ بِيَدِ الْآخَرِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْآخِذِ.
يُمْكِنُ إيدَاعُ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ أَكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ أَيْضًا وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا تَعَدَّدَ الْمُسْتَوْدَعُ بِأَنْ كَانَ اثْنَيْنِ
стр. 1060
أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ تَكُنْ الْوَدِيعَةُ تَسُوغُ قِسْمَتُهَا يَعْنِي أَنَّ تَقْسِيمَهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ أَلْبَتَّةَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ حَيَوَانًا أَوْ إذَا كَانَتْ تَسُوغُ قِسْمَتُهَا وَلَكِنَّهَا تَنْقُصُ قِيمَتُهَا عِنْدَ تَقْسِيمِهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ ثَوْبًا. يَحْفَظُهَا أَحَدُهُمْ بِإِذْنِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْدَعَ الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ لِأَشْخَاصٍ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَمَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى الْحِفْظِ لَيْلًا وَنَهَارًا يَكُونُ رَضِيَ بِإِثْبَاتِ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٧٧٢) . وَالْمَادَّةَ (٧٩٠) وَلَا تُنَافِي هَذَا الْحُكْمَ؛ لِأَنَّهُ كَمَا سَيُذْكَرُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْمَذْكُورَةِ قُيِّدَ (بِلَا إذْنٍ) وَهُوَ هُنَاكَ مُعْتَبَرٌ فَكَذَا هُنَا الْإِذْنُ مَوْجُودٌ دَلَالَةً أَوْ يَحْفَظُونَهَا بِالْمُنَاوَبَةِ أَيْ بِطَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ وَتَكُونُ هَذِهِ الْمُهَايَأَةُ مُهَايَأَةً فِي الْحِفْظِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانِ (الْبَحْرُ تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِقْرَتَيْنِ: نَظَرًا لِعَطْفِ هَذِهِ الْفِقْرَةِ عَلَى الْفِقْرَةِ الْأُولَى بِعِبَارَةِ (أَوْ) يُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَ الْفِقْرَتَيْنِ. وَظَاهِرُ الْفَرْقِ هُوَ: إذَا كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ اثْنَيْنِ مَثَلًا فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ بِصُورَةٍ دَائِمَةٍ بِمُوجِبِ الْفِقْرَةِ الْأُولَى.
يَعْنِي أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْفِقْرَةِ الْأُولَى هُوَ الْحِفْظُ الدَّائِمِيُّ. وَفِي الْوَاقِعِ أَنَّ الْحَمَوِيُّ قَدْ اشْتَبَهَ فِي جَوَازِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَقَالَ: إذَا قَرَّرَ الْمُسْتَوْدِعُونَ الْحِفْظَ بِطَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ فِي الْمَالِ الَّذِي لَا تَصِحُّ قِسْمَتُهُ وَتَرَكَ أَحَدُهُمْ الْوَدِيعَةَ عِنْدَهُ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى نَوْبَتِهِ فَحُكْمُ هَذَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى النَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ انْتَهَى. لَكِنَّ الْمَجَلَّةَ جَوَّزَتْ هَذِهِ الصُّورَةَ.
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَعْنِي فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَحَالَةِ حِفْظِ أَحَدِهِمْ بِإِذْنِ الْآخَرِ بِصُورَةٍ دَائِمَةٍ وَحِفْظِهِمْ بِالْمُنَاوَبَةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ يَعْنِي لَا عَلَى الْآخِذِ وَلَا عَلَى الدَّافِعِ. (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٩١) . وَأَمَّا إذَا هَلَكَتْ بِتَعَدٍّ أَوْ بِتَقْصِيرٍ يَضْمَنُ الْمُتَعَدِّي أَوْ الْمُقَصِّرُ بِمُوجِبِ الْمَادَّةِ (٧٨٧) . وَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ عَلَى الْآخَرِ. وَالْأَئِمَّةُ الْحَنَفِيَّةُ مُتَّفِقُونَ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْفِقْرَةِ.
وَإِذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ لَا تَصِحُّ قِسْمَتُهَا. كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمِثْلِيَّاتِ السَّائِرَةِ يُقَسِّمُهَا الْمُسْتَوْدِعُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيَحْفَظُ كُلٌّ مِنْهُمْ الْحِصَّةَ الَّتِي تُصِيبُهُ.
مَثَلًا إذَا أَوْدَعَ الْمُودِعُ ثَلَاثِينَ ذَهَبًا عِنْدَ شَخْصَيْنِ يَحْفَظُ كُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسَةَ عَشْرَ ذَهَبًا وَإِذَا أَوْدَعَهَا عِنْدَ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ يَحْفَظُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرَ ذَهَبَاتٍ.
وَلَيْسَ لِلْوَاحِدِ أَنْ يَدْفَعَ كَامِلَ حِصَّتِهِ أَوَجُزْءًا مِنْهَا إلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْآخَرِ بِلَا إذْنِ الْمُودِعِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ عِنْدَمَا أَوْدَعَ الْوَدِيعَةَ الَّتِي تَسُوغُ قِسْمَتُهَا لِأَشْخَاصٍ مُتَعَدِّدِينَ رَضِيَ بِحِفْظِ الْمُتَعَدِّدِ وَلَمْ يَرْضَ بِحِفْظِ الْبَعْضِ وَرِضَاهُ بِحِفْظِ الِاثْنَيْنِ مَثَلًا لَا يَسْتَلْزِمُ رِضَاهُ بِحِفْظِ الْوَاحِدِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْمُشَارُ إلَيْهِ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي حَقِّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَمْثَالِهَا: (إذَا جُعِلَ فِعْلُ الشَّخْصَيْنِ مُضَافًا إلَى شَيْءٍ قَابِلِ التَّجْزِيءِ يَتَنَاوَلُ الْبَعْضَ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَبِنَاءً عَلَى هَذَا إذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ لَمْ يَرْضَ بِهِ) ٠ وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ جَارِيَةٌ أَيْضًا فِي الْمَسَائِلِ الْآتِي ذِكْرُهَا كَمَا أَنَّ فِي الْمُرْتَهِنِ الْمُتَعَدِّدِ وَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ
стр. 1061
وَالْعُدُولُ فِي الرَّهْنِ وَالْأَوْصِيَاءِ والمُسْتَبْضِعِينَ هُوَ هَكَذَا أَيْضًا.
يَعْنِي أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَيْ أَحَدِ الْمُرْتَهَنِينَ مَثَلًا إذَا سَلَّمَ حِصَّتَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ الْآخَرِ وَهَلَكَتْ بِيَدِهِ يَضْمَنُ بِضَمَانِ الْغَصْبِ.
كَمَا مَرَّ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٢٠) وَأَمَّا عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْوَاحِدِ أَنْ يَحْفَظَ بِإِذْنِ الْآخَرِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْوَدِيعَةُ تَجُوزُ قِسْمَتُهَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْمُودِعَ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمْ (الْبَحْرُ) .
قِيلَ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ (بِدُونِ إذْنٍ) لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ إيدَاعَ الْمُسْتَوْدَعِ بِإِذْنِ الْمُودِعِ السَّابِقِ جَائِزٌ فَبِإِذْنِهِ اللَّاحِقِ جَائِزٌ أَيْضًا. كَمَا سَيُذْكَرُ فِي شَرْحِ الْمَادَّتَيْنِ (٧٩٠ و ٧٩١) .
إذَا دَفَعَ أَحَدُ الْمُسْتَوْدَعِينَ كَامِلَ حِصَّتِهِ مِنْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْبَعْضَ مِنْهَا إلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْآخَرِ بِدُونِ إذْنِ الْمُودِعِ وَهَلَكَتْ بِيَدِ الْآخَرِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ عَلَى الْقَابِضِ يَعْنِي عَلَى الْآخِذِ ضَمَانُ تِلْكَ الْحِصَّةِ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ مُسْتَوْدَعُ الْمُسْتَوْدَعِ وَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى مُسْتَوْدَعِ الْمُسْتَوْدَعِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٧٧) " الْبَحْرُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ ".
وَأَمَّا الدَّافِعُ فَيَضْمَنُ حِصَّتَهُ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٩٠) . يَعْنِي يَضْمَنُ الَّذِي دَفَعَ خَمْسَ عَشْرَةَ ذَهَبًا فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ فِي الشَّرْحِ آنِفًا وَعَشْرَ ذَهَبَاتٍ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي وَلَيْسَ عَلَى الْآخِذِ ضَمَانٌ. قِيلَ شَرْحًا تِلْكَ الْحِصَّةُ؛ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ وَبِالذَّاتِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ وَأَمَّا عَدَمُ ضَمَانِ الْحِصَّةِ الْأُخْرَى فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَادَّةِ (٧٧٧) .
[ (الْمَادَّةُ ٧٨٤) إِن كَانَ الشَّرْط الْوَارِد عِنْد عَقْدِ الْإِيدَاع مفيدًا فَهُوَ مُعْتَبَر وَإِلَّا فَهُوَ لَغْو]
(الْمَادَّةُ ٧٨٤) إنْ كَانَ الشَّرْطُ الْوَارِدُ عِنْدَ عَقْدِ الْإِيدَاعِ مُفِيدًا وَمُمْكِنَ الْإِجْرَاءِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ وَإِلَّا فَهُوَ لَغْوٌ. مَثَلًا إذَا أُودِعَ مَالٌ بِشَرْطِ أَنْ يُحْفَظَ فِي دَارِ الْمُسْتَوْدَعِ وَحَصَلَتْ ضَرُورَةٌ فَانْتَقَلَ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ لِوُقُوعِ الْحَرِيقِ فَلَا يُعْتَبَرُ الشَّرْطُ. وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا نُقِلَتْ الْوَدِيعَةُ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ وَهَلَكَتْ أَوْ فُقِدَتْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. وَإِذَا اشْتَرَطَ الْمُودِعُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ وَنَهَاهُ عَنْ إعْطَائِهَا زَوْجَتَهُ أَوْ ابْنَهُ أَوْ خَادِمَهُ أَوْ لِمَنْ اعْتَادَ حِفْظَ مَالَ نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ اضْطِرَارٌ لِإِعْطَائِهَا لِذَلِكَ الشَّخْصِ فَلَا يُعْتَبَرُ النَّهْيُ وَإِذَا أَعْطَى الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ وَهَلَكَتْ أَوْ فُقِدَتْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. وَإِذَا أَعْطَاهَا وَلَمْ يَكُنْ اضْطِرَارٌ لِذَلِكَ يَضْمَنُ، كَذَلِكَ إذَا شَرَطَ حِفْظَهَا فِي الْغُرْفَةِ الْفُلَانِيَّةِ مِنْ الدَّارِ وَحَفِظَهَا الْمُسْتَوْدَعُ فِي غُرْفَةٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ الْغُرَفُ مُتَسَاوِيَةً فِي أَمْرِ الْمُحَافَظَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ الشَّرْطُ. وَاذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ أَيْضًا وَأَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ كَمَا لَوْ كَانَتْ إحْدَى الْغُرَفُ مِنْ الْحَجَرِ وَالْأُخْرَى مِنْ الْخَشَبِ فَيُعْتَبَرُ الشَّرْطُ لِكَوْنِهِ مُفِيدًا وَيَكُونُ الْمُسْتَوْدَعُ مَجْبُورًا عَلَى حِفْظِهَا فِي الْغُرْفَةِ الْمَشْرُوطَةِ لَهَا. وَإِذَا وَضَعَ الْوَدِيعَةَ فِي غُرْفَةٍ أَدْنَى مِنْهَا فِي الْحِفْظِ وَهَلَكَتْ يَضْمَنُ.
стр. 1062
لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي يُورِدُهُ الْمُودِعُ أَثْنَاءَ عَقْدِ الْإِيدَاعِ أَوْ بَعْدَ عَقْدِ الْإِيدَاعِ وَيَقْبَلُهُ الْمُسْتَوْدَعُ مُعْتَبَرٌ إذَا كَانَ مُمْكِنَ التَّنْفِيذِ يَعْنِي إنْ كَانَ تَنْفِيذُهُ وَإِيفَاؤُهُ مُمْكِنًا وَمُفِيدًا أَيْ نَافِعًا لِلْمُودِعِ. وَيَلْزَمُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ رِعَايَةُ ذَلِكَ الشَّرْطِ حَتَّى إذَا لَمْ يُرَاعِهِ وَهَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ طَرَأَ نُقْصَانٌ عَلَى قِيمَتِهَا يَضْمَنُ.
رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٨٧) . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنَ التَّنْفِيذِ وَمُفِيدًا فَهُوَ لَغْوٌ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ رِعَايَةُ ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ فُقِدَتْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ (رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ٨٣) .
يَحْصُلُ مِنْ تَحْلِيلِ هَذِهِ الْمَادَّةِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ: اثْنَانِ فِي جِهَةِ الْمُثْبِتِ وَاثْنَانِ فِي جِهَةِ الْمَنْفِيِّ.
الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: إنْ كَانَ الشَّرْطُ الْوَارِدُ أَثْنَاءَ عَقْدِ الْإِيدَاعِ مُمْكِنَ التَّنْفِيذِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ.
الْحُكْمُ الثَّانِي: إنْ كَانَ الشَّرْطُ الْوَارِدُ أَثْنَاءَ عَقْدِ الْإِيدَاعِ مُفِيدًا فَهُوَ مُعْتَبَرٌ.
الْحُكْمُ الثَّالِثُ: إنْ كَانَ الشَّرْطُ الْوَارِدُ أَثْنَاءَ عَقْدِ الْإِيدَاعِ غَيْرَ مُمْكِنِ التَّنْفِيذِ فَهُوَ لَغْوٌ وَلَوْ كَانَ مُفِيدًا.
الْحُكْمُ الرَّابِعُ: إنْ كَانَ الشَّرْطُ الْوَارِدُ أَثْنَاءَ عَقْدِ الْإِيدَاعِ غَيْرَ مُفِيدٍ فَهُوَ لَغْوٌ وَلَوْ كَانَ مُمْكِنَ التَّنْفِيذِ.
، وَسَنُوَضِّحُ هَذِهِ الْأَحْكَامَ الْأَرْبَعَةَ بِالْأَمْثِلَةِ الْآتِيَةِ بِصُورَةِ النَّشْرِ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبِ اللَّفِّ.
مَثَلًا لَوْ أُودِعَ مَالٌ بِشَرْطِ أَنْ يُحْفَظَ فِي دَارِ الْمُسْتَوْدَعِ وَحَصَلَتْ ضَرُورَةٌ لِنَقْلِهِ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ لِوُقُوعِ الْحَرِيقِ فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ الشَّرْطُ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ فَإِذَا نُقِلَتْ الْوَدِيعَةُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ وَهَلَكَتْ أَوْ فُقِدَتْ هُنَاكَ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩١) . وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْحَرِيقُ غَالِبًا مُحِيطًا بِدَارِ الْمُسْتَوْدَعِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْحَرِيقُ مُحِيطًا بِدَارِ الْمُسْتَوْدَعِ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يُخَافُ مِنْ أَنْ تَحْتَرِقَ الْوَدِيعَةُ يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ فِي حَالَةِ تَسْلِيمِهَا إلَى شَخْصٍ أَجْنَبِيٍّ.
هَذَا الْمِثَالُ الْحُكْمُ الرَّابِعُ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ كَانَتْ رِعَايَةُ الْمُسْتَوْدَعِ بِهَذَا الشَّرْطِ مُمْكِنَةً فَإِذَا رَاعَاهُ يَكُونُ عَدَمُ نَقْلِهِ الْوَدِيعَةَ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ غَيْرَ مُفِيدٍ لِلْمُودِعِ لَا بَلْ مُضِرًّا لَهُ بِاحْتِرَاقِ الْوَدِيعَةِ. وَلَكِنْ إذَا نَقَلَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ وَادَّعَى هَذِهِ الضَّرُورَةَ بِنَاءً عَلَى هَلَاكِهَا هُنَالِكَ فَأَنْكَرَ الْمُودِعُ لَا يُصَدَّقُ الْمُسْتَوْدَعُ بِلَا بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ النَّقْلَ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ فَادِّعَاءُ الضَّرُورَةِ ادِّعَاءٌ مُسْقِطٌ الضَّمَانَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَهَذَا لَا يُصَدَّقُ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَلَكِنْ إذَا ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ حُصُولَ الِاضْطِرَارِ لِلنَّقْلِ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ لِحَرِيقٍ وَقَعَ فِي دَارِهِ فَإِنْ كَانَ وُقُوعُ الْحَرِيقِ فِي دَارِهِ مَعْلُومًا يُصَدَّقُ الْمُسْتَوْدَعُ بِيَمِينِهِ.
خُلَاصَةُ الْكَلَامِ، مَتَى ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ وُقُوعُ الْحَرِيقِ فِي دَارِ الْمُسْتَوْدَعِ لَا يَبْقَى احْتِيَاجٌ لِإِثْبَاتِ أَنَّهُ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ لِلْآخَرِ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَحْتَرِقَ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَإِذَا شَرَطَ الْمُودِعُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ بِنَفْسِهِ وَبِالذَّاتِ وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ وَنَهَاهُ عَنْ إعْطَائِهَا زَوْجَتَهُ أَوْ ابْنَهُ أَوْ خَادِمَهُ أَوْ شَخْصًا اعْتَادَ مِنْ الْقَدِيمِ حِفْظَ مَالَ نَفْسِهِ - أَيْ مَالِ الْمُسْتَوْدَعِ - أَوْ أَجْنَبِيًّا كَوَكِيلِهِ أَوْ شَرِيكِهِ مُفَاوَضَةً كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٨٠) فَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ اضْطِرَارٌ وَاحْتِيَاجٌ لِإِعْطَاءِ الْوَدِيعَةِ ذَلِكَ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ النَّهْيُ وَالشَّرْطُ مُعْتَبَرَيْنِ لِعَدَمِ وُجُودِ الْإِمْكَانِ لِتَنْفِيذِهِمَا.
سُؤَالٌ، شَرْطُ حِفْظِ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ لَيْسَ أَمْرًا لَازِمًا إذْ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْحِفْظُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ بِعَقْدِ
стр. 1063
الْوَدِيعَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٧٧) . فَلَا لُزُومَ إذَنْ لِلْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ " إذَا شَرَطَ وَأَمَرَ ".
الْجَوَابُ، مَقْصُودُ الْحِفْظِ بِنَفْسِهِ وَبِالذَّاتِ كَمَا وَرَدَ شَرْحًا.
مَتَى تَحْصُلُ ضَرُورَةُ الْإِعْطَاءِ إلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ، تَحْصُلُ ضَرُورَةُ الْإِعْطَاءِ إلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ حِينَمَا تَكُونُ الْوَدِيعَةُ شَيْئًا يُحْفَظُ بِيَدِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ الْمُجَوْهَرَاتِ وَنَهَاهُ عَنْ إعْطَائِهَا زَوْجَتَهُ أَوْ فَرَسًا وَنَهَاهُ عَنْ دَفْعِهَا إلَى السَّائِسِ.
فَإِذَا أَعْطَاهَا الْمُسْتَوْدَعُ ذَلِكَ الشَّخْصَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا - وَهَلَكَتْ أَوْ فُقِدَتْ بِيَدِهِ أَوْ طَرَأَ نُقْصَانٌ عَلَى قِيمَتِهَا بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ مُرَاعَاةِ الشَّرْطِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَالشَّرْطُ الْمَذْكُورُ غَيْرُ مُفِيدٍ إذَنْ (الْبَحْرُ) . الظَّاهِرُ بِمَعْنَى أَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنِ التَّنْفِيذِ. (الشَّارِحُ) .
مَثَلًا إذَا أَوْدَعَ شَخْصٌ عِنْدَ آخَرَ حَيَوَانًا وَنَهَاهُ عَنْ إعْطَائِهِ إلَى خَادِمِهِ فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ خَادِمَهُ جَبْرًا يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ مَجْبُورًا لِإِعْطَائِهِ إيَّاهَا لِعَدَمِ وُجُودِ أَمِينٍ يَحْفَظُهَا فَضَاعَتْ بِيَدِهِ لَا يَضْمَنُ. وَأَمَّا إذَا أَعْطَاهُ إيَّاهَا مَعَ وُجُودِ خَادِمٍ غَيْرِهِ يَحْفَظُ الْوَدِيعَةَ وَهَلَكَتْ يَكُونُ ضَامِنًا.
وَكَذَلِكَ إذَا نَهَى الْمُودِعُ عَنْ إعْطَاءِ عَقْدِ الْجَوْهَرِ الْمُودَعِ إلَى زَوْجَتِهِ فُلَانَةَ فَإِنْ كَانَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَمِينَةٌ أُخْرَى تَحْفَظُ تِلْكَ الْوَدِيعَةَ كَزَوْجَةٍ أُخْرَى مَثَلًا فَالنَّهْيُ مُعْتَبَرٌ وَإِلَّا فَلَا. (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالزَّيْلَعِيّ وَالْبَحْرُ) .
وَفِي الشَّخْصِ الَّذِي حَصَلَ النَّهْيُ عَنْ إعْطَائِهِ الْوَدِيعَةَ احْتِمَالَانِ:
الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ الْوَدِيعَةُ شَيْئًا يُحَافَظُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الشَّخْصِ. كَمَا لَوْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ جَوْهَرًا وَنَهَى عَنْ إعْطَائِهِ زَوْجَتَهُ أَوْ فَرَسًا وَنَهَى عَنْ إعْطَائِهَا سَائِسَهُ.
الِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْوَدِيعَةُ شَيْئًا لَا يُحْفَظُ بِيَدِ ذَلِكَ الشَّخْصِ. كَمَا لَوْ كَانَتْ جَوْهَرًا وَنَهَى عَنْ إعْطَائِهِ خَادِمَهُ أَوْ فَرَسًا وَنَهَى عَنْ إعْطَائِهَا زَوْجَتَهُ. وَنَظَرًا لِإِيضَاحِ الزَّيْلَعِيّ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْمَجَلَّةِ هِيَ الصُّورَةُ الْأُولَى وَأَمَّا حَيْثُ إنَّ النَّهْيَ الْمَذْكُورَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مُفِيدٌ فَمُخَالَفَتُهُ تُوجِبُ الضَّمَانَ هَذَا الْمِثَالُ مِثَالُ الْحُكْمِ الثَّالِثِ وَيَكُونُ مِثَالًا لِلْحُكْمِ الثَّانِي أَيْضًا بِاعْتِبَارِ الْفِقْرَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ الْآتِي ذِكْرُهَا.
مِثَالٌ ثَانٍ لِلْحُكْمِ الثَّالِثِ الْمَذْكُورِ - إذَا اقْتَرَبَ أَجَلُ الْمَرْأَةِ الْمُسْتَوْدَعَةِ وَسَلَّمَتْ الْوَدِيعَةَ إلَى جَارِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمَذْكُورَةِ أَمِينٌ يَجُوزُ دَفْعُ وَتَسْلِيمُ الْوَدِيعَةِ لَهُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَيْهَا (الْخَانِيَّةُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالْبَحْرُ) .
مِثَالٌ ثَالِثٌ عَلَى الْحُكْمِ الثَّالِثِ الْمَذْكُورِ - إذَا قَالَ الْمُودِعُ لَا تَحْفَظْ الْوَدِيعَةَ فِي الْغُرْفَةِ الْفُلَانِيَّةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ حَصِينَةٍ وَحَفِظَهَا الْمُسْتَوْدَعُ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ وَضَاعَتْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَحِلٌّ حَصِينٌ غَيْرَ تِلْكَ الْغُرْفَةِ لَا يَضْمَنُهَا الْمُسْتَوْدَعُ.
وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَحِلٌّ غَيْرَهَا وَكَانَ مُقْتَدِرًا عَلَى نَقْلِهَا إلَيْهَا يَجْرِي حُكْمُ الْمِثَالِ الْآتِي.
مِثَالٌ رَابِعٌ عَلَى الْحُكْمِ الثَّالِثِ الْمَذْكُورِ - إنَّ قَوْلَ الْمُودِعِ لِلْمُسْتَوْدَعِ احْفَظْ الْوَدِيعَةَ بِيَدِك وَلَا تَتْرُكْهَا
стр. 1064
مِنْ يَدِك لَيْلًا وَنَهَارًا شَرْطٌ مُمْكِنُ التَّنْفِيذِ وَبِنَاءً عَلَيْهِ فَهُوَ لَغْوٌ وَإِذَا أَعْطَاهَا لِذَلِكَ الشَّخْصِ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ اضْطِرَارٌ وَاحْتِيَاجٌ لِذَلِكَ وَتَلِفَتْ أَوْ ضَاعَتْ وَلَوْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ فَحَيْثُ إنَّ النَّهْيَ مُفِيدٌ يَكُونُ الْمُسْتَوْدَعُ ضَامِنًا إنْ كَانَ هَلَاكُهَا حَصَلَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ لِلْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي وَغَيْبُوبَتِهِ عَنْ عَيْنَيْهِ وَيَجْرِي فِي هَذَا الضَّمَانِ الَّذِي عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ التَّفْصِيلَاتُ الَّتِي سَتُذْكَرُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٩٠) .
وَسَبَبُ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ هُوَ أَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي الْأَمَانَةِ وَالْكِيَاسَةِ وَالدِّينِ وَمَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُوجِبُ الشَّيْنَ.
فَبِنَاءً عَلَيْهِ يَكُونُ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ مُفِيدًا.
وَأَمَّا إذَا وَقَعَ هَلَاكُ الْوَدِيعَةِ وَضَيَاعُهَا قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ الْمُسْتَوْدَعُ الْأَوَّلُ الْمُسْتَوْدَعَ الثَّانِيَ فَحَيْثُ إنَّ الْوَدِيعَةَ تَكُونُ حِينَئِذٍ فِي حِفْظِ الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ فَعَلَى تَقْدِيرِ هَلَاكِهَا بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ لَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ وَلَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي.
يَكُونُ عَدَمُ وُجُودِ اضْطِرَارِ إعْطَاءِ الْوَدِيعَةِ لِلْغَيْرِ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَوَرَدَ فِي الْمَجَلَّةِ (إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ اضْطِرَارٌ) .
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - أَنْ تَكُونَ الْوَدِيعَةُ شَيْئًا خَفِيفًا كَسَاعَةِ جَيْبٍ وَخَاتَمٍ فَيُعْطِيهَا الْمُسْتَوْدَعُ لِأَمِينِهِ مَعَ اقْتِدَارِهِ عَلَى حِفْظِهَا وَاسْتِصْحَابِهَا بِنَفْسِهِ. وَفِي هَذَا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَحْفَظَهَا بِنَفْسِهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ مَجْبُورًا عَلَى إعْطَاءِ الْوَدِيعَةِ أَمِينَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ شَيْئًا خَفِيفًا لِغَيْرِهِ لِأَجْلِ حِفْظِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي - أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَمِينٌ يَحْفَظُ الْوَدِيعَةَ غَيْرَ الْأَمِينِ الَّذِي نَهَى الْمُودِعُ عَنْهُ (الْبَحْرُ) كَذَلِكَ إذَا شَرَطَ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ فِي الْغُرْفَةِ الْفُلَانِيَّةِ مِنْ الدَّارِ وَحَفِظَهَا الْمُسْتَوْدَعُ فِي غُرْفَةٍ غَيْرِهَا مِنْ تِلْكَ الدَّارِ - سَوَاءٌ أَنَهَى عَنْ حِفْظِهَا فِي غُرْفَةٍ غَيْرِهَا أَمْ لَمْ يَنْهَ - وَعَلَى تَقْدِيرِ حِفْظِهَا فِي غُرْفَةٍ غَيْرِهَا مِنْ تِلْكَ الدَّارِ فَإِنْ كَانَتْ الْغُرَفُ مُتَسَاوِيَةً فِي أَمْرِ الْمُحَافَظَةِ أَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْغُرْفَةُ الْأُخْرَى أَقْوَى فِي الْحِفْظِ فَحَيْثُ إنَّ الشَّرْطَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ غَيْرُ مُفِيدٍ فَلَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ كُلَّ الدَّارِ حِرْزٌ وَاحِدٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا: أَنَّهُ إذَا نَقَلَ السَّارِقُ الْمَالَ مِنْ غُرْفَةٍ إلَى أُخْرَى لَا يَلْزَمُهُ حَدُّ السَّرِقَةِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
كَمَا لَوْ شَرَطَ وَضْعَ النُّقُودِ الْمُودَعَةِ فِي كَذَا كِيسٍ وَوُضِعَتْ فِي غَيْرِهِ وَفُقِدَتْ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ وَضْعُ النَّقْدِ الْمُودَعِ بِشَرْطِ وَضْعِهِ فِي الْكِيسِ فِي الصُّنْدُوقِ يَجُوزُ حِفْظُ النُّقُودِ الْمُودَعَةِ بِشَرْطِ أَنْ تُوضَعَ فِي الصُّنْدُوقِ فِي الْغُرْفَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ وَإِنْ كَانَتْ مُمْكِنَةَ التَّنْفِيذِ فَلَيْسَتْ مُفِيدَةً.
وَإِذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَكَمَا أَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ الضَّمَانُ فِي أَمْثِلَةِ الْحُكْمِ الرَّابِعِ وَالْحُكْمِ الثَّالِثِ فَلَا يَلْزَمُ فِي هَذَا أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ الشُّرُوطُ الَّتِي مِثْلُ (خُذْ الْوَدِيعَةَ بِيَدِك الْيُمْنَى وَلَا تَأْخُذْهَا بِالْيَدِ الْيُسْرَى) أَوْ اُنْظُرْ الْوَدِيعَةَ بِالْعَيْنِ الْيُمْنَى وَلَا تَنْظُرْ إلَيْهَا بِالْعَيْنِ الْيُسْرَى لَغْوٌ وَمُخَالَفَتُهَا لَا تُوجِبُ الضَّمَانَ.
كَمَا لَوْ دَخَلَ شَخْصٌ إلَى دَارِ آخَرَ وَنَقَلَ بِلَا إذْنٍ الثَّوْبَ مِنْ إحْدَى غُرَفِهَا إلَى غُرْفَةٍ أُخْرَى يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ الْغُرَفُ مُتَسَاوِيَةً فِي الْحِرْزِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَيَلْزَمُ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَسَاوِيَةٍ.
стр. 1065
أَمَّا إذَا كَانَتْ إحْدَى الْغُرَفُ يَعْنِي الْغُرْفَةَ الَّتِي شَرَطَ فِي الْحِفْظِ فِيهَا حَجَرًا وَالْأُخْرَى أَيْ الَّتِي حَفِظَ الْمُسْتَوْدَعُ فِيهَا مُخَالِفًا الشَّرْطَ خَشَبًا أَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا فَوْقَ السُّوقِ وَالْأُخْرَى لَيْسَتْ فَوْقَهُ يَعْنِي إذَا كَانَ يُوجَدُ تَفَاوُتٌ بَيْنَهُمَا فِي أَمْرِ الْمُحَافَظَةِ فَالشَّرْطُ مُفِيدٌ مُعْتَبَرٌ وَالْمُسْتَوْدَعُ مَجْبُورٌ عَلَى حِفْظِ الْوَدِيعَةِ فِي الْغُرْفَةِ الْمَشْرُوطَةِ لَهَا أَيْ الْغُرْفَةِ الَّتِي مِنْ حَجَرٍ أَوْ لَيْسَتْ فَوْقَ الطَّرِيقِ. وَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا وَضَعَهَا فِي غُرْفَةٍ أَدْنَى مِنْ تِلْكَ الْغُرْفَةِ فِي الْمُحَافَظَةِ وَهَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ ضَمِنَهَا. وَهَذَا الْمِثَالُ مِثَالُ الْحُكْمِ الثَّانِي.
كَمَا لَوْ أُودِعَتْ وَشَرَطَ الْحِفْظَ فِي هَذَا الصُّنْدُوقِ وَحَفِظَهَا فِي غَيْرِ صُنْدُوقٍ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَلَكِنْ إذَا كَانَ أَحَدُ الصُّنْدُوقَيْنِ مِنْ خَشَبٍ وَالْآخَرُ خِزَانَةً مِنْ حَدِيدٍ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ إذَا هَلَكَتْ فِي حَالَةِ حِفْظِهِ إيَّاهَا فِي صُنْدُوقٍ مِنْ الْخَشَبِ.
كَذَلِكَ قَيْدُ (تِلْكَ الدَّارِ) الْوَاقِعُ فِي الْمِثَالِ وَهُوَ (كَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ الْحِفْظَ فِي الْغُرْفَةِ الْفُلَانِيَّةِ مِنْ الدَّارِ) احْتِرَازِيٌّ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي أُودِعَ بِشَرْطِ أَنْ يُحْفَظَ فِي تِلْكَ الدَّارِ الْكَائِنَةِ فِي الْمَحَلَّةِ الْفُلَانِيَّةِ لَا يَحْفَظُ فِي دَارٍ غَيْرَهَا. وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ الْأُخْرَى أَحْرَزَ مِنْ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الدَّارَيْنِ تَكُونَانِ غَالِبًا مُخْتَلِفَتَيْنِ فِي الْحِرْزِ وَبِنَاءً عَلَيْهِ يَكُونُ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ مُفِيدًا.
وَعِنْدَ الْبَعْضِ الْآخَرِ إنْ كَانَتْ الدَّارُ الْأُخْرَى مُسَاوِيَةً فِي الْحِفْظِ لِتِلْكَ الدَّارِ أَوْ أَحْصَنَ مِنْهَا يَجُوزُ حِفْظُهَا فِي تِلْكَ الدَّارِ الْأُخْرَى. فَقَيْدُ (تِلْكَ الدَّارِ) نَظَرًا لِهَذَا الْقَوْلِ لَيْسَ احْتِرَازِيًّا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالْهِنْدِيَّةُ) . وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمَجَلَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُخْتَارُ.
كَمَا أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْحِفْظَ فِي كَذَا بَلْدَةٍ وَحُفِظَتْ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى يَلْزَمُ الضَّمَانُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٨٧) وَقَدْ ظَهَرَتْ مِنْ التَّفْصِيلَاتِ الْمُحَرَّرَةِ أَسْبَابُ تَعَدُّدِ الْأَمْثِلَةِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ.
[ (الْمَادَّةُ ٧٨٥) غَابَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ وَلَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ وَمَمَاتُهُ]
(الْمَادَّةُ ٧٨٥) إذَا غَابَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ وَلَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ وَمَمَاتُهُ يَحْفَظُهَا الْمُسْتَوْدَعُ إلَى أَنْ تَتَبَيَّنَ وَفَاتُهُ. إنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَفْسُدُ بِالْمُكْثِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَيَحْفَظَ ثَمَنَهَا أَمَانَةً عِنْدَهُ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبِعْهَا وَفَسَدَتْ بِالْمُكْثِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ.
إذَا غَابَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ الْمَكَانُ الْمَوْجُودُ فِيهِ وَلَا حَيَاتُهُ وَمَمَاتُهُ يَعْنِي إذَا صَارَ مَفْقُودًا يَحْفَظُ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ إلَى أَنْ تَتَبَيَّنَ وَفَاتُهُ وَتَتَحَقَّقَ وَرَثَتُهُ. يَعْنِي أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْحِفْظُ لِذَلِكَ الْحِينِ وَإِلَّا فَكَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ بِنَاءً عَلَى فَقْدِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ وَغَيْبُوبَتِهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى أَحَدٍ أَوْ يُعْطِيَهَا لِوَرَثَتِهِ أَوْ يَصْرِفَهَا وَيَسْتَهْلِكَهَا عَلَى أُمُورِهِ أَوْ أَنْ يَرُدَّهَا إلَى بَيْتِ الْمَالِ فَلَيْسَ لِمَأْمُورِ بَيْتِ الْمَالِ أَيْضًا أَنْ يَطْلُبَهَا مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَوْدَعِ قَائِمَةٌ مَقَامَ يَدِ الْمَفْقُودِ.
بِنَاءً عَلَيْهِ وَكَمَا أَنَّ لَيْسَ لِأَمِينِ بَيْتِ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ الْمَوْجُودَ بِيَدِ الْمَفْقُودِ بِالذَّاتِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ الَّذِي بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ أَيْضًا.
غَيْرَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَفْسُدُ بِالْمُكْثِ بِأَنْ كَانَتْ صُوفًا مَثَلًا فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا بِإِذْنِ
стр. 1066
الْحَاكِمِ وَيَحْفَظَ ثَمَنَهَا أَمَانَةً عِنْدَهُ مِثْلَ أَصْلِهَا. يَعْنِي أَنَّ اللَّائِقَ وَالْمُنَاسِبَ بِالْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَبِيعَ الْوَدِيعَةَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّرِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَأَنْ يَحْفَظَ ثَمَنَهَا وَلَكِنْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلْدَةِ حَاكِمٌ يَبِيعُهَا الْوَدِيعُ بِالذَّاتِ وَيَحْفَظُ ثَمَنَهَا.
وَأَمَّا مَا دَامَتْ مُرَاجَعَةُ الْحَاكِمِ مُمْكِنَةً فَإِذَا بَاعَهَا الْمُسْتَوْدَعُ بِدُونِ الْمُرَاجَعَةِ يَكُونُ بَيْعًا فُضُولِيًّا وَتَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْفُضُولِيِّ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبِعْهَا وَفَسَدَتْ بِالْمُكْثِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ حَفِظَ الْوَدِيعَةَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ حَيْثُ إنَّ عَدَمَ بَيْعِهِ إيَّاهَا امْتِنَاعٌ عَنْ عَمَلِ الْخَيْرِ أَكْثَرُ مِمَّا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ، فَفَسَادُ الْوَدِيعَةِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُعَدُّ تَقْصِيرًا أَيْضًا.
مَثَلًا لَوْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ مِنْ الصُّوفِ أَوْ شَيْئًا يُفْسِدُهُ الْعُثُّ وَلَمْ يَبِعْهَا الْمُسْتَوْدَعُ وَلَمْ يُعَرِّضْهَا إلَى الشَّمْسِ وَالْهَوَاءِ فِي الصَّيْفِ وَأَفْسَدَهَا الْعُثُّ فَهَلَكَتْ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. ذُكِرَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ عَرْضَ وَدِيعَةٍ كَهَذِهِ إلَى الشَّمْسِ وَالْهَوَاءِ وَالِارْتِدَاءِ بِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُفْسِدُهَا الْعُثُّ لَازِمٌ كَمَا أَنَّ لُبْسَ الثِّيَابِ وَإِلْبَاسَهَا غَيْرَهُ لَازِمٌ أَحْيَانًا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ مِنْ الْحَرِيرِ وَاقْتُضِيَ ذَلِكَ لِأَجْلِ مُحَافَظَتِهَا مِنْ آفَاتٍ مِثْلِ هَذِهِ وَأَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْمُسْتَوْدَعُ هَذَا اللُّزُومَ وَفَسَدَتْ الثِّيَابُ يَكُونُ ضَامِنًا.
إنَّمَا إذَا كَانَ الْمُودِعُ نَهَى الْمُسْتَوْدَعَ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَوْدَعَ الضَّمَانُ (الْبَاجُورِيُّ) .
وَتَظْهَرُ وَفَاةُ الْغَائِبِ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَرَدَ فِي الْمَجَلَّةِ (إلَى أَنْ تَتَبَيَّنَ وَفَاتُهُ) وَتَبَيُّنُ وَفَاةِ الْغَائِبِ الْمَرْقُومِ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: تَبَيُّنُ وَفَاةِ الْمَفْقُودِ حَقِيقَةً.
تَظْهَرُ وَفَاتُهُ حَقِيقَةً وَتَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ. كَمَا لَوْ كَانَ لِلْمَفْقُودِ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ مَالٌ أَوْ دَيْنٌ عِنْدَ أَحَدٍ فَلِوَارِثِهِ أَنْ يَدَّعِيَ الْوَدِيعَةِ وَيَطْلُبَهَا مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ وَيَدَّعِيَ بِالدَّيْنِ وَيَطْلُبَهُ مِنْ الْمَدِينِ. مَثَلًا إذَا ادَّعَى ابْنُ الْمَفْقُودِ عَلَى مَدِينِ وَالِدِهِ قَائِلًا: بِمَا أَنَّ وَالِدِي تُوُفِّيَ وَقَدْ بَقِيَ دَيْنُهُ الَّذِي بِذِمَّتِك الْبَالِغُ كَذَا قِرْشًا مِيرَاثًا لِي فَاعْطِنِي إيَّاهُ وَمَعَ إقْرَارِ الْمَدِينِ وَإِثْبَاتِ وَفَاةِ وَالِدِهِ بِالشُّهُودِ تَثْبُتُ وَفَاةُ الْمَفْقُودِ حَقِيقَةً. كَمَا لَوْ ادَّعَى وَارِثُ الْغَائِبِ وَالْمَفْقُودِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ نَظَرًا لِوَفَاةِ مُوَرِّثِهِ فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ انْتَقَلَ إرْثُ الْوَدِيعَةِ إلَيْهِ فَقَطْ وَطَلَبَ تَسْلِيمَهَا لَهُ مُثْبِتًا الْوَفَاةَ بِالْبَيِّنَةِ يَثْبُتُ مَوْتُ الْغَائِبِ الْمَرْقُومِ وَتَجْرِي الْمُعَامَلَةُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّرِ فِي الْمَادَّةِ (٨٠٢) .
الْوَجْهُ الثَّانِي: تَبَيُّنُ وَفَاةِ الْمَفْقُودِ حُكْمًا. يَعْنِي إذَا أَكْمَلَ الْمَفْقُودُ سِنَّ التِّسْعِينَ اعْتِبَارًا مِنْ تَارِيخِ وِلَادَتِهِ يُحْكَمُ بِوَفَاتِهِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ بَعْدَ هَذَا الْوَقْتِ نَادِرَةٌ وَلَا اعْتِبَارَ لِلنَّادِرِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ ٤٢ - الْمَجَلَّةُ. إنَّمَا وَفَاةُ الْمَفْقُودِ حُكْمًا بَعْدَ إكْمَالِهِ سِنَّ التِّسْعِينَ يَحْصُلُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ. وَإِلَّا لَا يُعَدُّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ إكْمَالِهِ سِنَّ التِّسْعِينَ بِدُونِ حُكْمِ الْحَاكِمِ. وَحُكْمُ الْحَاكِمِ إنَّمَا يَكُونُ ضِمْنَ دَعْوَى. كَمَا لَوْ ادَّعَى وَارِثُ الْمُودِعِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ بِقَوْلِهِ: إنَّ مُوَرِّثِي أَكْمَلَ سِنَّ التِّسْعِينَ وَوَدِيعَتُهُ مَوْرُوثَةٌ لِي فَأَعْطِنِي إيَّاهَا وَأَنْكَرَ الْمُسْتَوْدَعُ إكْمَالَهُ سِنَّ التِّسْعِينَ فَأَثْبَتَ الْوَارِثُ هَذِهِ الْجِهَةَ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِمَوْتِ الْمَفْقُودِ وَإِعْطَاءِ الْوَدِيعَةِ إلَى الْمُدَّعِي.
وَبَعْدَ أَنْ أَثْبَتَ الْحَاكِمُ وَفَاةَ الْمَفْقُودِ حَقِيقَةً بِالْبَيِّنَةِ إذَا ظَهَرَ الْمَفْقُودُ حَيًّا يَكُونُ الْمُوَرِّثُ الْمَرْقُومُ مُخَيَّرًا. إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْوَارِثَ. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الشُّهُودَ. وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُسْتَوْدَعَ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَ
стр. 1067
الْمُسْتَوْدَعِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ الْوَدِيعَةَ إلَى الْوَارِثِ جَائِزٌ بَلْ وَاجِبٌ بِنَاءً عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ وَالْجَوَازُ الشَّرْعِيُّ مُنَافٍ لِلضَّمَانِ بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ (٩١) .
وَلَكِنْ إذَا حُكِمَ بِوَفَاةِ الْمَفْقُودِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَبَعْدَ أَنْ أُعْطِيت الْوَدِيعَةُ إلَى الْوَارِثِ ظَهَرَ الْمَفْقُودُ حَيًّا يَأْخُذُ مَا كَانَ مَوْجُودًا عَيْنًا بِيَدِ الْوَارِثِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ مَا هَلَكَ (رِسَالَةُ الْمَفْقُودِ بِزِيَادَةٍ) .
[ (الْمَادَّةُ ٧٨٦) نَفَقَةُ الْوَدِيعَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ]
(الْمَادَّةُ ٧٨٦) نَفَقَةُ الْوَدِيعَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ كَالْفَرَسِ وَالْبَقَرَةِ عَائِدَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا. فَإِذَا كَانَ صَاحِبُهَا غَائِبًا يُرَاجِعُ الْمُسْتَوْدَعُ الْحَاكِمَ وَهُوَ أَيْضًا يَأْمُرُ بِإِجْرَاءِ الصُّورَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلَحُ وَأَنْفَعُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ. مِثْلُ إنْ كَانَ إيجَارُ الْوَدِيعَةِ مُمْكِنًا يُؤَجِّرُهَا الْمُسْتَوْدَعُ بِرَأْيِ الْحَاكِمِ وَيُنْفِقُ مِنْ أُجْرَتِهَا وَيَحْفَظُ الْفَضْلَ لِلْمُودِعِ. أَوْ يَبِيعُهَا بِثَمَنِ مِثْلِهَا. وَإِنْ كَانَ إيجَارُهَا غَيْرَ مُمْكِنٍ يَبِيعُهَا فِي الْحَالِ بِثَمَنِ مِثْلِهَا أَوْ بَعْدَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيَطْلُبَ مَصْرِفَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ صَاحِبِهَا وَأَمَّا إذَا أَنْفَقَ بِدُونِ إذْنِ الْحَاكِمِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَنْفَقَهُ مِنْ الْمُودِعِ.
تَعُودُ نَفَقَةُ الْوَدِيعَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ كَالْفَرَسِ وَالْبَقَرَةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَيْ عَلَى الْمُودِعِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٨٨) . وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ لِعَدَمِ إنْفَاقِ الْمُسْتَوْدَعِ مِنْ مَالِهِ أَوْ لِعَدَمِ تَرْكِ الْمُودِعُ نَفَقَتَهَا لِلْمُسْتَوْدَعِ لَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. وَوَرَدَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يُرَاجِعُ الْمُودِعَ أَوْ وَكِيلَهُ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ وَيَطْلُبُ إعْطَاءَهَا أَوْ اسْتِرْدَادَ الْحَيَوَانِ الْمُودَعِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُودِعُ تَرَكَ النَّفَقَةَ وَلَمْ يُنْفِقْ الْمُسْتَوْدَعُ وَلَمْ يُسَلِّمْ الْوَدِيعَةَ إلَى الْمُودِعِ مَعَ فَسْخِ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ وَهَلَكَتْ بِيَدِهِ يَضْمَنُ.
إذَا كَانَ صَاحِبُهَا - هَلْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْغَائِبِ هُنَا الْمَفْقُودُ أَوْ الشَّخْصُ الْمَوْجُودُ فِي مَسَافَةِ السَّفَرِ كَمَا هُوَ فِي الْغَائِبِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَادَّةِ (٧٩٩) أَمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَمْ الشَّخْصُ السَّاكِنُ وَالْمُقِيمُ فِي قَصَبَةٍ وَبَلْدَةٍ غَيْرِ الْبَلْدَةِ الَّتِي يُقِيمُ فِيهَا الْمُسْتَوْدَعُ. لَمْ أَظْفَرْ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَحْتَاجُ إلَى تَحَرٍّ وَتَفْتِيشٍ - وَيُرَاجِعُ إذْ ذَاكَ الْمُسْتَوْدَعُ الْحَاكِمَ وَعِنْدَمَا يَطْلُبُ إذْنًا وَرُخْصَةً لِإِنْفَاقٍ إذَا أَثْبَتَ الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّ الْمَالَ الْمَذْكُورَ وَدِيعَةٌ بِيَدِهِ وَأَنَّ صَاحِبَهُ غَائِبٌ يَأْمُرُ الْحَاكِمُ الْمُسْتَوْدَعَ بِإِجْرَاءِ الصُّورَةِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ نَفْعًا وَصَلَاحًا فِي حَقِّ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ بِمُوجِبِ الْمَادَّةِ (٥٨) . كَمَا لَوْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ شَيْئًا كَالْبَغْلِ وَالْحِصَانِ وَكَانَ إيجَارُهَا مُمْكِنًا فَيُؤَجِّرُهَا الْمُسْتَوْدَعُ بِرَأْيِ الْحَاكِمِ وَيُنْفِقُ مِنْ أُجْرَتِهَا وَيَحْفَظُ الْفَضْلَ لِلْمُودِعِ. وَفِي الْوَاقِعِ وَإِنْ كَانَ مُحَرَّرًا فِي الْمَادَّةِ (٧٩٢) أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ لِآخَرَ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الشَّرْعِيَّةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ. أَوْ يَبِيعُهَا بِثَمَنِ مِثْلِهَا بِرَأْيِ الْحَاكِمِ وَيَحْفَظُ الثَّمَنَ الْمَذْكُورَ لِلْمُودِعِ. وَلَا يَكُونُ هَذَا الْبَيْعُ بَيْعًا فُضُولِيًّا.
وَإِذَا كَانَ إيجَارُ الْوَدِيعَةِ غَيْرَ مُمْكِنٍ يَبِيعُهَا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ فِي الْحَالِ يَعْنِي بِدُونِ أَنْ يُنْفِقَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْفِقْرَةِ الْآتِيَةِ أَوْ بَعْدَ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِالْأَكْثَرِ عَلَى أَمَلِ أَنْ يَحْضُرَ الْمَالِكُ بِثَمَنِ مِثْلِهَا وَعِنْدَمَا يَحْضُرُ صَاحِبُهَا يَطْلُبُ مِنْهُ مُصَرِّفُ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ الْإِنْفَاقَ لَحَدِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هُوَ عَلَى أَمَلِ أَنْ
стр. 1068
يَحْضُرَ الْمَالِكُ وَلَا يُؤْمَرُ بِالْإِنْفَاقِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) . وَإِذَا صَرَفَ أَكْثَرَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ وَيَأْخُذَ الزِّيَادَةَ مِنْ الْمُودِعِ. غَيْرَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ حَيَوَانًا لَا يَجِبُ أَنْ يَتَجَاوَزَ هَذَا الْمُصْرَفُ قِيمَةَ الْحَيَوَانِ فَإِنْ تَجَاوَزَهَا فَلِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَطْلُبَ قِيمَتَهَا فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَذَكَرَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إذَا أَمَرَ الْمُودِعُ الْمُسْتَوْدَعَ قَبْلَ الْغَيْبَةِ بِعَدَمِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَيَوَانِ فَلَمْ يُنْفِقْ وَهَلَكَ الْحَيَوَانُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ الْمُسْتَوْدَعُ اخْتَارَ الْحُرْمَةَ لِسَبَبِ حُرْمَةِ ذِي الرُّوحِ (الْبَاجُورِيُّ) وَلِرُبَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ غَيْرَ مُخَالِفَةٍ لِلْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ.
أَمَّا إذَا صَرَفَ الْمُسْتَوْدَعُ عَلَى الْوَدِيعَةِ بِدُونِ إذْنِ الْحَاكِمِ فِي الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ الْمَذْكُورَةِ أَوْ قَبْلَهَا فَذَلِكَ تَبَرُّعٌ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذَا الْمُصْرَفَ مِنْ الْمُودِعِ. رَاجِعْ الْقَاعِدَةَ الْمُحَرَّرَةَ فِي شَرْحِ الْمَادَّتَيْنِ (٧٢٥ وَ ١٥٠٨) . طَلَبُ الْبَيِّنَةِ مِنْ الْمُودِعِ الَّذِي طَلَبَ الْإِذْنَ بِالْإِنْفَاقِ: إذَا رَاجَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْحَاكِمَ لِأَجْلِ الْإِنْفَاقِ أَوْ لِأَجْلِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ كَمَا ذُكِرَ شَرْحًا يَطْلُبُ الْحَاكِمُ مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ وَدِيعَةٌ بِيَدِهِ وَأَنَّ صَاحِبَهُ غَائِبٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُحْتَمَلِ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْمَالُ وَدِيعَةً بِيَدِهِ وَأَنْ يَكُونَ مَغْصُوبًا أَوْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا. وَحَيْثُ إنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ هِيَ لِأَجْلِ اسْتِكْشَافِ الْحَالِ وَلَيْسَتْ لِأَجْلِ الْحُكْمِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَحْضُرُ الْخَصْمُ فِيهَا. وَالْحُكْمُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى اللُّقَطَةِ أَيْضًا عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّرِ كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٧٠) .
[ (الْمَادَّةُ ٧٨٧) هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ طَرَأَ نُقْصَانٌ عَلَى قِيمَتِهَا فِي حَالِ تَعَدِّي الْمُسْتَوْدَعِ أَوْ تَقْصِيرِهِ]
(الْمَادَّةُ ٧٨٧) إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ طَرَأَ نُقْصَانٌ عَلَى قِيمَتِهَا فِي حَالٍ تَعَدِّي الْمُسْتَوْدَعِ أَوْ تَقْصِيرِهِ يَلْزَمُ الضَّمَانُ. مَثَلًا إذَا صَرَفَ الْمُسْتَوْدَعُ النُّقُودَ الْمُودَعَةَ عِنْدَهُ فِي أُمُورِ نَفْسِهِ وَاسْتَهْلَكَهَا أَوْ دَفَعَهَا لِغَيْرِهِ وَجَعَلَهُ يَسْتَهْلِكُهَا يَضْمَنُ. وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا صَرَفَ النُّقُودَ الَّتِي هِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ثُمَّ وَضَعَ مَحِلَّهَا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَضَاعَتْ بِدُونِ تَعَدِّيهِ وَتَقْصِيرِهِ لَا يَخْلُصُ مِنْ الضَّمَانِ.
وَكَذَلِكَ إذَا رَكِبَ الْمُسْتَوْدَعُ الْحَيَوَانَ الْمُودَعَ عِنْدَهُ وَهَلَكَ الْحَيَوَانُ أَثْنَاءَ سَيْرِهِ فِي الطَّرِيقِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِسَبَبِ سُرْعَةِ السُّوقِ أَمْ بِسَبَبٍ آخَرَ أَمْ سُرِقَ فِي الطَّرِيقِ يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ ذَلِكَ الْحَيَوَانَ. كَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ عِنْدَ وُقُوعِ الْحَرِيقِ مُقْتَدِرًا عَلَى نَقْلِ الْوَدِيعَةِ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ فَلَمْ يَنْقُلْهَا وَاحْتَرَقَتْ لَزِمَ الضَّمَانُ.
يَعْنِي أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ هَلَاكِ الْوَدِيعَةِ بِالْوَجْهِ الْمُحَرَّرِ فَكَمَا أَنَّ وَفَاءَ بَدَلِهَا لَازِمٌ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ إذَا طَرَأَ نُقْصَانٌ عَلَى قِيمَتِهَا لَزِمَ ضَمَانُ النُّقْصَانِ الْمَذْكُورِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٨٠٣) .
وَفِي هَذِهِ الْمَادَّةِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ:
الْأَوَّلُ: هَلَاكُ الْوَدِيعَةِ فِي حَالٍ تَعَدِّي الْمُسْتَوْدَعِ.
الثَّانِي: هَلَاكُ الْوَدِيعَةِ فِي حَالَةِ تَقْصِيرِ الْمُسْتَوْدَعِ.
الثَّالِثُ: طُرُوءُ نُقْصَانٍ عَلَى قِيمَةِ الْوَدِيعَةِ فِي حَالٍ تَعَدِّي الْمُسْتَوْدَعِ.
الرَّابِعُ: طُرُوءُ نُقْصَانٍ عَلَى قِيمَةِ الْوَدِيعَةِ فِي حَالٍ تَقْصِيرِ الْمُسْتَوْدَعِ.
فَكُلُّ هَذِهِ مُوجِبَةٌ لِلضَّمَانِ وَكَمَا أَنَّ الْمِثَالَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ مِنْ الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَجَلَّةِ وَارِدَانِ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَالْمِثَالَ الثَّالِثَ وَارِدٌ أَيْضًا
стр. 1069
عَلَى الْحُكْمِ الثَّانِي.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّعَدِّي وَالتَّقْصِيرِ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ ٧٧٩ وَبَعْضُهَا مَذْكُورٌ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ.
غَيْرَ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْمُسْتَوْدَعُ بَعْدَ تَعَدِّيهِ عَلَى الْوَدِيعَةِ التَّعَدِّيَ وَرَجَعَ إلَى الْوِفَاقِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ بِلَا تَعَدٍّ هَلْ يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَهَذِهِ الْجِهَةُ مُحْتَاجَةٌ لِلْإِيضَاحِ فَوَجَبَ إعْطَاءُ التَّفْصِيلَاتِ الْآتِيَةِ كَمَا يَلِي: الْأَمَانَاتُ قِسْمَانِ فَفِي الْبَعْضِ مِنْهَا يَزُولُ الضَّمَانُ بِالْعَوْدَةِ إلَى الْوِفَاقِ بَعْدَ التَّعَدِّي وَفِي الْبَعْضِ لَا يَزُولُ. كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْإِيضَاحَاتِ الْآتِيَةِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ ٨٦٤ الَّتِي هِيَ فِي مَقَامِ هَذِهِ الْمَادَّةِ فِي الْعَارِيَّةُ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ تَعَدٍّ أَوْ تَقْصِيرٌ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ وَهَلَكَتْ الْعَارِيَّةُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ أَوْ طَرَأَ نُقْصَانٌ عَلَى قِيمَتِهَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَجَاءَ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ (بِحَالَةِ تَعَدِّيهِ أَوْ تَقْصِيرِهِ) يَعْنِي بِالْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ كَوْنَ التَّعَدِّي أَوْ التَّقْصِيرِ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ مَشْرُوطٌ بِهَلَاكِ الْوَدِيعَةِ أَوْ بِطُرُوءِ نُقْصَانٍ عَلَى قِيمَتِهَا فِي حَالَةِ التَّعَدِّي أَوْ التَّقْصِيرِ. وَلِذَلِكَ بَادَرْنَا بِإِيضَاحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا يَلِي: الْأَمَانَاتُ عَلَى قِسْمَيْنِ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ - الْأَمَانَاتُ الَّتِي نَفْعُ وَضْعِ يَدِ الشَّخْصِ الَّذِي اُتُّخِذَ أَمِينًا عَلَى تِلْكَ الْأَمَانَاتِ يَعْنِي فَائِدَةُ عَمَلِ حِفْظِهِ يَكُونُ عَائِدًا إلَى صَاحِبِ الْمَالِ فَقَطْ وَتَقُومُ يَدُ الْأَمِينِ مَقَامَ يَدِ مَالِكِهَا كَالْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ نَفْعَ وَضْعِ يَدِ الْمُسْتَوْدَعِ فِي الْوَدِيعَةِ وَفَائِدَتَهُ عَائِدَانِ إلَى الْمُودِعِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْمَالِ فَقَطْ وَلَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ فِي وَضْعِ الْيَدِ هَذَا نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ مَا.
وَفِي هَذَا الْقِسْمِ مِنْ الْأَمَانَاتِ إذَا رَجَعَ الْأَمِينُ إلَى الْوِفَاقِ بَعْدَ التَّعَدِّي يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ يَدَ هَذَا الْأَمِينِ يَدُ صَاحِبِ الْمَالِ تَقْدِيرًا فَمَنْ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ بَعْدَ التَّعَدِّي فَالْأَمَانَةُ الَّتِي اكْتَسَبَتْ حُكْمَ الْمَغْصُوبِ بِالتَّعَدِّي فَبِالْعَوْدَةِ إلَى الْوِفَاقِ تَكُونُ كَأَنَّهَا أُعِيدَتْ لِيَدِ صَاحِبِ الْمَالِ.
فَكَمَا أَنَّ الْغَاصِبَ يَصِيرُ بَرِيئًا مَتَى أَعَادَ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ إلَى صَاحِبِهِ حَقِيقَةً بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (٨٩٢) يَبْرَأُ الْأَمِينُ أَيْضًا مِنْ حُكْمِ التَّعَدِّي مَتَى عَادَ إلَى الْوِفَاقِ بَعْدَ التَّعَدِّي.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْأَمَانَاتِ هُوَ هَذَا: (١) الْوَدِيعَةُ: (٢) الْمَالُ الْمُسْتَعَارُ لِأَجْلِ الرَّهْنِ وَاَلَّذِي لَمْ يُرْهَنْ بَعْدُ: (٣) مَالُ الشَّرِكَةِ الْمَوْجُودُ بِيَدِ الشَّرِيكِ فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ أَوْ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ: (٤) مَالُ الْمُضَارَبَةِ الْمَوْجُودُ بِيَدِ الْمُضَارِبِ: (٥) الْبِضَاعَةُ بِيَدِ الْمُسْتَبْضِعِ: (٦) الْمَالُ الْمَوْجُودُ بِيَدِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالْإِيجَارِ وَالِاسْتِئْجَارِ وَسَتَنْفَصِلُ هَذِهِ الْمَسَائِلُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٨١٤) .
إذَا تَعَدَّى الْمُسْتَوْدَعُ عَلَى الْوَدِيعَةِ وَلَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا ضَرَرٌ مَا مِنْ هَذَا التَّعَدِّي وَتَرَكَ التَّعَدِّي عَلَى نِيَّةِ أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهِ مَرَّةً ثَانِيَةً ثُمَّ هَلَكَتْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ يَعْنِي إذَا وَقَعَ الْهَلَاكُ بَعْدَ أَنْ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ بَعْدَ التَّعَدِّي لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ بِمُوجِبِ الْمَادَّةِ (٢) جَاءَ (وَلَمْ يَتَرَتَّبْ ضَرَرٌ مَا) لِأَنَّهُ إذَا تَرَتَّبَ نُقْصَانٌ بِسَبَبِ التَّعَدِّي وَالِاسْتِعْمَالِ يَضْمَنُ ذَلِكَ النُّقْصَانَ. حَيْثُ يَكُونُ حَبْسُ هَذَا النُّقْصَانِ عَنْ صَاحِبِهِ بِوَجْهِ التَّعَدِّي أَيْ
стр. 1070
أَصْبَحَ غَيْرَ مُقْتَدِرٍ عَلَى إعَادَةِ النُّقْصَانِ الْمَذْكُورِ إلَى صَاحِبِ الْمَالِ.
وَبَيْنَمَا كَانَ الضَّمَانُ يَزُولُ فِي الْوَدِيعَةِ بِإِزَالَةِ التَّعَدِّي بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَزُولُ الضَّمَانُ فِي الْعَارِيَّةُ وَالْمَأْجُورِ بِإِزَالَةِ التَّعَدِّي بَعْدَ وُقُوعِهِ عَلَى مَا سَيُوضَحُ قَرِيبًا؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ الضَّمَانِ تَحْصُلُ بِإِعَادَةِ الْوَدِيعَةِ وَالْأَمَانَةِ إلَى يَدِ صَاحِبِ الْمَالِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَحَيْثُ إنَّ أَيْدِيَ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ هِيَ نَفْسُهُمَا وَعَمَلُهُمَا لِنَفْسِهِمَا فَكَمَا أَنَّهَا لَنْ تَصِلَ حَقِيقَةً إلَى يَدِ صَاحِبِهَا بِمُجَرَّدِ تَرْكِ الْمُخَالَفَةِ لَنْ تَصِلَ إلَى يَدِهِ حُكْمًا أَيْضًا. وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْمُسْتَوْدَعِ وَحِفْظَهُ هُوَ لِأَجْلِ الْمُودِعِ وَيَدُهُ فِي حُكْمِ يَدِ الْمُودِعِ (الْبَحْرُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
فَلْتُوضَحْ الْمَسْأَلَةُ الْآنِفَةُ فِي حَقِّ الْبَرَاءَةِ مِنْ الضَّمَانِ بِإِزَالَةِ التَّعَدِّي بَعْدَ التَّعَدِّي بِمِثَالٍ.
مَثَلًا إذَا رَكِبَ الْمُسْتَوْدَعُ الْحَيَوَانَ الْمُودَعُ بِلَا إذْنٍ وَاسْتَعْمَلَهُ بِهَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ تَعَدَّى وَيَصِيرُ الرَّاكِبُ فِي حُكْمِ الْغَاصِبِ. إلَّا أَنَّهُ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ إيَّاهُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَدُونَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ مَا يَعْنِي دُونَ أَنْ يَهْلِكَ أَوْ يَطْرَأَ نُقْصَانٌ عَلَى قِيمَتِهِ إذَا تَرَكَ الرُّكُوبَ عَلَى أَنْ لَا يَتَعَدَّى يَعْنِي أَنْ لَا يَرْكَبَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً وَحَفِظَهُ كَمَا فِي السَّابِقِ يَصِيرُ بَرِيئًا وَتَنْقَلِبُ يَدُ الضَّمَانِ إلَى يَدِ الْأَمَانَةِ كَمَا كَانَتْ. حَتَّى إذَا هَلَكَ الْحَيَوَانُ أَوْ فُقِدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ.
أَمَّا إذَا رَكِبَهُ يَوْمًا وَبَعْدَ ذَلِكَ رَبَطَهُ فِي الْإِصْطَبْلِ مَسَاءً عَلَى أَنْ يَرْكَبَهُ صَبَاحًا أَيْ بِنِيَّةِ رُكُوبِهِ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَسُرِقَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَوْ هَلَكَ حَتْفَ أَنْفِهِ يَضْمَنُهُ الْمُسْتَوْدَعُ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٢) (الْبَحْرُ) .
وَإِذَا نَزَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الثِّيَابَ بَعْدَ أَنْ لَبِسَهَا أَوْ رَفَعَ السَّجَّادَ بَعْدَ أَنْ فَرَشَهُ أَوْ بَعْدَ أَنْ وَضَعَ الْوَدِيعَةَ فِي مَحِلٍّ لَا تُحْفَظُ فِيهِ أَمْثَالُهَا رَفَعَهَا مِنْهُ وَخَبَّأَهَا فِي مَحِلِّ حِصْنٍ آخَرَ أَوْ بَعْدَ أَنْ حَفِظَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ غَيْرِ أَمِينِهِ أَخَذَهَا مِنْهُ وَهَلَكَتْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ بِيَدِهِ فَالْحُكْمُ عَلَى الْمِنْوَالِ الْمَشْرُوحِ.
اخْتِلَافٌ فِي إزَالَةِ التَّعَدِّي: إذَا اُخْتُلِفَ فِي إزَالَةِ التَّعَدِّي وَعَدَمِهِ يُنْظَرُ. إذَا أَقَرَّ الْمُودِعُ بِإِزَالَةِ التَّعَدِّي فِيهَا. أَوْ أَنْكَرَ فَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ لَازِمَةٌ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ بَادِئَ ذِي بَدْءٍ مُوجِبَةٌ لِلضَّمَانِ نَظَرًا لِأَنَّ الِادِّعَاءَ بِأَنَّ عَمَلَ الْمُسْتَوْدَعِ إيَّاهُ هُوَ بِإِذْنِ الْمُودِعِ ادِّعَاءٌ بِأَمْرٍ عَارِضٍ وَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الصِّفَةِ الْعَارِضَةِ هُوَ الْعَدَمُ لَا يَصْدُقُ ادِّعَاؤُهُ هَذَا بِلَا بَيِّنَةٍ.
(الْبَدَائِعُ بِزِيَادَةٍ) .
فَمَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ هُوَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْقَوْلَ فِي حَقِّ الْعَوْدَةِ إلَى الْوِفَاقِ لِلْمُسْتَوْدَعِ وَلَيْسَ مَجْبُورًا عَلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَنْفِي عَنْ نَفْسِهِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَإِذَا ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ فِعْلًا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَإِتْلَافِهِ الْوَدِيعَةَ بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْمُودِعِ فَالْحُكْمُ عَلَى الْمِنْوَالِ الْمَشْرُوحِ (الْبَدَائِعُ) .
مَثَلًا إذَا ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ بَعْدَ أَنْ حَفِظَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ غَيْرِ أَمِينِهِ بِقَوْلِهِ: أَعَدْتهَا لِيَدِي، وَهَلَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَقَابَلَهُ الْمُودِعُ بِالْقَوْلِ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ تُعِيدَهَا فَيَلْزَمُ الضَّمَانُ وَاخْتَلَفَا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فَالْقَوْلُ لِلْمُودِعِ وَالْمُسْتَوْدَعُ مَجْبُورٌ عَلَى إثْبَاتِ دَفْعِهِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٦٣٢) .
كَمَا لَوْ ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ أَرْسَلَ الْوَدِيعَةَ مَعَ غَيْرِ أَمِينِهِ إلَى الْمُودَعِ وَأَنَّهَا وَصَلَتْ وَأَنْكَرَ الْمُودِعُ وُصُولَهَا
стр. 1071
فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ وَحَلَفَ الْمُودِعُ الْيَمِينَ يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ. وَإِذَا صَادَقَ الْمُسْتَوْدَعُ عَلَى إيصَالِ الرَّسُولِ الْمَرْقُومِ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى ذَلِكَ الرَّسُولِ وَلَيْسَ لَهُ تَضْمِينُهُ. وَإِنَّمَا إذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ مَوْجُودَةً بِيَدِ الرَّسُولِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا.
اسْتِثْنَاءٌ: الْمَسَائِلُ الْآتِي ذِكْرُهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الضَّمَانِ بِإِزَالَةِ التَّعَدِّي بَعْدَ التَّعَدِّي فِي الْوَدِيعَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إذَا أَنْكَرَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِنَاءً عَلَى طَلَبِ صَاحِبِ الْمَالِ رَدَّهَا وَأَعَادَهَا بِقَوْلِهِ: لَمْ تُودِعْنِي إيَّاهَا، وَنَقَلَ الْوَدِيعَةَ الْمَنْقُولَةَ بِالْجُحُودِ تِجَاهَ الْمُودِعِ مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ وَقْتَ الْإِنْكَارِ وَلَمْ يُحْضِرْهَا مَا لَمْ يَعُدْ وَيُسَلِّمْ الْوَدِيعَةَ الْمَذْكُورَةَ إلَى صَاحِبِهَا.
يَعْنِي مَعَ أَنَّ الْجُحُودَ الْمَذْكُورَ تَعَدٍّ وَلَا يُعَدُّ تَرْكُ التَّعَدِّي بِمُجَرَّدِ اعْتِرَافِهِ بَعْدَ الْجُحُودِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِيدَاعِ فُسِخَ فِي حَالَةِ طَلَبِ الْمُودِعِ وَدِيعَتَهُ وَالْمُسْتَوْدَعُ بِامْتِنَاعِهِ عَنْ الْإِعَادَةِ أَصْبَحَ غَاصِبًا وَحَيْثُ إنَّ يَدَهُ لَا تَكُون كَيَدِ الْمَالِكِ فَبِإِقْرَارِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الرَّدُّ إلَى يَدِ الْمَالِكِ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
إيضَاحُ قُيُودِ الْمَسْأَلَةِ:
١ - قِيلَ (بِنَاءً عَلَى طَلَبِهِ رَدَّ وَإِعَادَةَ الْوَدِيعَةِ) لِأَنَّهُ بِنَاءً عَلَى سُؤَالِ الْمُودِعِ الْوَدِيعَةَ مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ يَعْنِي عَلَى قَوْلِهِ: وَدِيعَتِي بَاقِيَةٌ حَالَةَ إنْكَارِ الْمُسْتَوْدَعِ وَهَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ بَعْدَهُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِنْكَارَ لَيْسَ إنْكَارًا فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ إنَّهُ حِفْظٌ؛ وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَلْفِتُ نَظَرَ طَائِفَةِ اللُّصُوصِ إلَى الْوَدِيعَةِ وَيُوجِبُ انْتِبَاهَهُمْ إلَيْهَا وَالْجُحُودُ مِنْ بَابِ حِفْظِهَا.
٢ - جَاءَ (إذَا أَنْكَرَ الْوَدِيعَةَ بِقَوْلِهِ: لَمْ تُودِعْنِي إيَّاهَا) ؛ لِأَنَّهُ إذَا ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ قَائِلًا: إنَّ صَاحِبَ الْمَالِ وَهَبَنِي إيَّاهَا أَوْ بَاعَهَا، فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْمَالِ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ ثُمَّ هَلَكَ ذَلِكَ الْمَالُ بَعْدَهُ بِيَدِ مَنْ كَانَ مُسْتَوْدَعًا لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. حَيْثُ إنَّهُ بِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْيَدِ وَاخْتِلَافِهِمَا فِي الْجِهَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تُحْمَلُ عَلَى الْأَمَانَةِ الَّتِي هِيَ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ. كَمَا مَرَّ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٧٩) .
٣ - وَرَدَ (إذَا نَقَلَهَا مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ وَقْتَ الْإِنْكَارِ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْقُلْهَا إلَى مَحِلٍّ آخَرَ وَهَلَكَتْ هُنَاكَ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَنَقَلَ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ أَيْضًا هَذَا الْوَجْهَ مِنْ الْخُلَاصَةِ. وَقَالَ الْبَعْضُ الْآخَرُ: وَلَوْ لَمْ يَنْقُلْهَا وَيُحَوِّلُهَا الْمُسْتَوْدَعُ بَعْدَ الْإِنْكَارِ مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ فَإِذَا هَلَكَتْ هُنَالِكَ بَعْدَ الْإِنْكَارِ يَضْمَنُ. وَإِنْ كَانَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ ذَكَرَ أَصْحَابُ الْمُتُونِ لَمْ يَعْتَمِدُوا هَذَا الْقَوْلَ الثَّانِيَ لِعَدَمِ ظُهُورِ صِحَّتِهِ لَهُمْ وَيُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ الْمَادَّةِ (٩٠١) مِنْ الْمَجَلَّةِ أَنَّ الْقَوْلَ الْمُخْتَارَ هُوَ هَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٤ - قِيلَ (الْمَنْقُولَةُ) لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ عَقَارًا وَانْكَسَرَ الْمُسْتَوْدَعُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ثُمَّ هَلَكَتْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ. فَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: الضَّمَانُ غَيْرُ لَازِمٍ يَعْنِي أَنَّ الْعَقَارَ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْجُحُودِ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقَارِ. فَقَالَ الْبَعْضُ الْآخَرُ: وَإِنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ عَقَارًا يَكُونُ الْمُسْتَوْدَعُ بِالْإِنْكَارِ
стр. 1072
ضَامِنًا وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٠٥) . (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٥ - جَاءَ (الْجُحُودُ تِجَاهَ الْمُودِعِ أَوْ وَكِيلِهِ) . لِأَنَّهُ إذَا طَلَبَ الْوَدِيعَةَ غَيْرُ الْمُودِعِ أَوْ وَكِيلِهِ وَأَنْكَرَ الْمُسْتَوْدَعُ ثُمَّ هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِنْكَارَ هُوَ لِأَجْلِ مَنْعِ مَقْصِدٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ لِلسَّائِلِ كَأَنْ يُفَكِّرَ فِي أَخْذِ الْوَدِيعَةِ جَبْرًا فَهُوَ حِفْظٌ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْإِيدَاعِ عَلَى السِّتْرِ وَالْإِخْفَاءِ وَالْإِنْكَارُ تِجَاهَ الْمَالِكِ عُرْفًا وَعَادَةً مِنْ قَبِيلِ الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ.
٦ - (إذَا لَمْ يُحْضِرْ الْوَدِيعَةَ بَعْدَ الْجُحُودِ) لِأَنَّهُ إذَا أَحْضَرَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بَعْدَ الْجُحُودِ يَعْنِي هَيَّأَهَا لِيُعْطِيَهَا الْمُودِعَ فَقَالَ لَهُ الْمُودِعُ: دَعْهَا تَبْقَى وَدِيعَةً يُنْظَرُ. فَإِنْ كَانَ الْإِحْضَارُ الْمَذْكُورُ بِدَرَجَةِ أَنْ يُعَدَّ الْمُودِعُ قَابِضًا لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَوْدَعَ الضَّمَانُ؛ لَانَ هَذَا إيدَاعٌ جَدِيدٌ، إنْ لَمْ يَكُنْ إحْضَارُ الْمَذْكُورِ بِدَرَجَةِ أَنْ يَصِيرَ الْمُودِعُ مَعَهُ قَابِضًا يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَالْإِعَادَةَ لَمْ يَتِمَّا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْأَمَانَاتُ الَّتِي نَفْعُ وَضْعِ يَدِ الشَّخْصِ الَّذِي اتَّخَذَ أَمِينًا عَلَيْهَا وَفَائِدَةُ عَمَلِهِ يَعُودَانِ إلَى صَاحِبِ الْمَالِ غَيْرَ أَنْ لَا تَقُومَ يَدُ الْأَمِينِ مَقَامَ يَدِ الْمَالِكِ بَلْ لِلْأَمِينِ نَفْعٌ فِيهَا وَمَأْمُورِيَّةُ الْأَمِينِ لِلْحِفْظِ لَيْسَتْ بِالْمَعْقُودِ الْأَصْلِيِّ بَلْ إنَّهَا تَبَعٌ لِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَفِي هَذِهِ الْأَمَانَاتِ لَا يَبْرَأُ الْأَمِينُ مِنْ الضَّمَانِ بِعَوْدَتِهِ إلَى الْوَفَاءِ بَعْدَ التَّعَدِّي؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ الضَّمَانِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ بِسَبَبِ التَّعَدِّي تَحْصُلُ بِرَدِّ الْأَمَانَةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِيَدِ صَاحِبِهَا فَكَمَا أَنَّ مُجَرَّدَ تَرْكِ التَّعَدِّي لَيْسَ إعَادَةً حَقِيقِيَّةً نَظَرًا لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَعَمَلَهُمَا إنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِمَا لَا تَحْصُلُ الْإِعَادَةُ حُكْمًا أَيْضًا. مَثَلًا الْمُسْتَأْجِرُ يَحْفَظُ الْمَأْجُورَ وَلَكِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالِكٌ لِمَنْفَعَتِهِ فَحِفْظُهُ كَانَ لِأَجْلِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ أَيْ لِأَجْلِ فَائِدَةِ ذَاتِهِ (الْهِدَايَةُ وَالْكِفَايَةُ فِي الْإِجَارَة) .
وَكَمَا أَنَّ صُورَةَ تَفَرُّعِ الْمَأْجُورِ عَلَى هَذِهِ الضَّابِطَةِ أُوضِحَتْ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٥٤٥) فَإِيضَاحُ كَيْفِيَّةِ تَفَرُّعِ الْمُسْتَعَارِ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٨١٤) .
مَثَلًا إذَا اسْتَهْلَكَ الْمُسْتَوْدَعُ النُّقُودَ الْمُودَعَةَ عِنْدَهُ بِصَرْفِهِ إيَّاهَا فِي أُمُورِ ذَاتِهِ أَوْ فِي أُمُورِ الْمُودَعِ بِلَا أَمْرِ الْمُودِعِ أَوْ أَعْطَاهَا رَجُلًا آخَرَ فَاسْتَهْلَكَهَا هَذَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ تَعَدٍّ.
اسْتِهْلَاكُ بَعْضِ الْوَدِيعَةِ: إذَا أَقَرَّ الْمُسْتَوْدَعُ بِأَنَّهُ صَرَفَ مِقْدَارًا مِنْ النُّقُودِ الْمَذْكُورَةِ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ فِي تَعَيُّنِ الْمِقْدَارِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَثِيرًا لِلْمُسْتَوْدَعِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٨) .
وَإِذَا اسْتَهْلَكَ الْمُسْتَوْدَعُ نِصْفَ الْوَدِيعَةِ مَثَلًا ثُمَّ هَلَكَ النِّصْفُ الْآخَرُ بِيَدِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ يَضْمَنُ النِّصْفَ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ وَلَا يَضْمَنُ النِّصْفَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّ تَعَدِّيَ الْمُسْتَوْدَعِ وَقَعَ عَلَى النِّصْفِ فَقَطْ وَالضَّمَانَ عَلَى مِقْدَارِ الْجِنَايَةِ.
غَيْرَ أَنَّهُ يَجْرِي هَذَا الْحُكْمُ يَعْنِي ضَمَانَ النِّصْفِ فَقَطْ عِنْدَ اسْتِهْلَاكِ نِصْفِ الْوَدِيعَةِ فِي تَقْدِيرِ عَدَمِ لُحُوقِ ضَرَرٍ لِلْوَدِيعَةِ مِنْ التَّبْعِيضِ.
مِثْلُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ.
стр. 1073
وَذَلِكَ كَاسْتِهْلَاكِ الْمُسْتَوْدَعِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ذَهَبًا مِنْ الْخَمْسِينَ ذَهَبًا الْمُودَعَةِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ التَّبْعِيضُ مُضِرًّا لِلْوَدِيعَةِ وَاسْتَهْلَكَ الْمُسْتَوْدَعُ بَعْضَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّرِ هَلْ يَضْمَنُ جَمِيعَ الْوَدِيعَةِ وَالْمِقْدَارَ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ مَعَ نُقْصَانِ مَا تَبَقَّى؟ هَذَا مَا يَجِبُ تَدْقِيقُهُ.
وَيُمْكِنُ إعْطَاءُ الْجَوَابِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ بِالْوَجْهِ الْآتِي تَوْفِيقًا لِلْمَادَّةِ (٩٠٠) : فَإِنْ كَانَ نُقْصَانُ الْبَاقِي دُونَ رُبْعِ قِيمَتِهِ يَضْمَنُ تَمَامَ مَا اسْتَهْلَكَهُ مَعَ نُقْصَانِ الْبَاقِي أَيْضًا وَأَمَّا إنْ كَانَ بَالِغًا رُبْعَ الْقِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَالْمُودِعُ بِالْخِيَارِ كَمَا سَيُفَصَّلُ فِي الْمَادَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَشَرْحِهَا.
(الْأَحْكَامُ فِي حَقِّ ادِّعَاءِ الْمُسْتَوْدَعِ بِأَنَّ هَلَاكَ الْوَدِيعَةِ بِتَعَدِّيهِ وَتَقْصِيرِهِ كَانَ بِأَمْرِ الْمُودِعِ) .
إذَا ادَّعَى الْمُسْتَهْلِكُ أَنَّ اسْتِهْلَاكَ النُّقُودِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ الْوَدِيعَةِ الْأُخْرَى بِصَرْفِهِ إيَّاهَا فِي أُمُورِهِ بِالذَّاتِ أَوْ بِغَيْرِهِ كَانَ بِإِذْنِ الْمُودِعِ فَإِنْ أَقَرَّ الْمُودِعُ بِهَذَا الْإِذْنِ فِيهَا وَاذَا أَنْكَرَ تُطْلَبُ الْبَيِّنَةُ مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ فَإِنْ أَثْبَتَ فِيهَا أَيْضًا. وَإِلَّا يَحْلِفُ الْمُودِعُ الْيَمِينَ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٦) . فَإِنْ حَلَفَ الْمُودِعُ يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٦٣٢) . تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ. وَقَدْ مَرَّ هَذَا الْبَحْثُ آنِفًا.
إيضَاحُ قُيُودِ الْمِثَالِ الْأَوَّلِ.
جَاءَ فِي الْمَجَلَّةِ (فِي أُمُورِهِ) هَذَا الْقَيْدُ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَوْفَى الْمُسْتَوْدَعُ بِنُقُودِ الْوَدِيعَةِ دَيْنَ الْمُودِعِ الْمُمَاثِلَ لِلْوَدِيعَةِ بِلَا أَمْرٍ يَضْمَنُ إذَا لَمْ يُجِزْ الْمُودِعُ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧٩٣) . وَعَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ حَيْثُ إنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي إيفَاءِ الدَّيْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ تِلْكَ النُّقُودَ مِنْ الدَّائِنِ. إنَّمَا لَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ لِمَنْ لَهُ النَّفَقَةُ كَمَا هُوَ مُحَرَّرٌ فِي الْمَادَّةِ (٧٩٩) .
(إذَا اسْتَهْلَكَهَا بِصَرْفِهِ إيَّاهَا) . لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْمُسْتَوْدَعُ النُّقُودَ الْمُودَعَةَ كَيْ يَصْرِفَهَا فِي أُمُورِهِ وَبَعْدَ أَنْ وَضَعَهَا فِي مَحِلِّهَا أَيْ فِي حِرْزِ مِثْلِهَا وَضَاعَتْ قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَهَا لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مُجَرَّدٌ قُصِدَ لِإِجْرَاءِ التَّعَدِّي فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الثَّانِيَةِ.
مَثَلًا لَوْ نَوَى شَخْصٌ غَصْبَ مَالَ شَخْصٍ آخَرَ وَهَلَكَ ذَلِكَ الْمَالُ بِيَدِ صَاحِبِهِ دُونَ أَنْ يَحْصُلَ الْغَصْبُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الَّذِي نَوَى لِمُجَرَّدِ نِيَّتِهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الضَّمَانُ لَازِمٌ فِي صُورَةِ أَخْذِ الْوَدِيعَةِ لِأَجْلِ صَرْفِهَا وَإِعَادَتِهَا قَبْلَ وُقُوعِ الصَّرْفِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ أَخَذَ الْوَدِيعَةَ بِصُورَةِ التَّعَدِّي (الْبَدَائِعُ) .
كَمَا أَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْمُسْتَوْدَعُ مِقْدَارًا مِنْ النُّقُودِ الْمُودَعَةِ بِقَصْدِ أَنْ يَصْرِفَهَا وَأَعَادَهَا إلَى مَحِلِّهَا يَعْنِي أَنَّهُ خَلَطَهَا مَعَ نُقُودِ وَدِيعَةٍ أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَهَا لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ (حَاشِيَةُ الْأَشْبَاهِ يَبْرِي زَادَهْ عَنْ النِّهَايَةِ) .
(أَوْ إذَا اسْتَهْلَكَهَا بِغَيْرِهِ) . عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْمُودِعُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا الْمُسْتَوْدَعَ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى أَوْ قَصَّرَ فِي الْحِفْظِ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا الْمُسْتَهْلِكَ.
مَثَلًا إذَا أَصَابَ الْحَيَوَانُ الْمُودَعَ مَرَضٌ وَعَالَجَهُ الْمُسْتَوْدَعُ بِوَاسِطَةِ بَيْطَارٍ فَهَلَكَ الْحَيَوَانُ بِسَبَبِ الْمُعَالَجَةِ يَكُونُ الْمَالِكُ مُخَيَّرًا إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ الْمُسْتَوْدَعَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ تَعَدَّى بِإِتْيَانِهِ عَمَلًا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَلَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ
стр. 1074
أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَيْطَارِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٦١٠) وَشَرْحَهَا. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا الْبَيْطَارَ. فَإِنْ كَانَ الْبَيْطَارُ غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّ ذَلِكَ الْحَيَوَانَ هُوَ مَالُ غَيْرِهِ يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ وَإِلَّا فَلَا. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٦٥٨) وَشَرْحَهَا. غَيْرَ أَنَّهُ نَظَرًا لِبَيَانِ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ يَرْجِعُ الْبَيْطَارُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ سَوَاءٌ أَكَانَ عَالِمًا بِأَنَّ ذَلِكَ الْحَيَوَانَ مَالُ غَيْرِهِ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ. وَإِنَّمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ أَمَرَ بِمُعَالَجَةِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ مَعَ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَيْسَ مَالَهُ فَعَالَجَهُ الْبَيْطَارُ وَهَلَكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَلَا يَخْلُصُ الْمُسْتَوْدَعُ مِنْ الضَّمَانِ بِوَضْعِهِ، مِثْلُ الْوَدِيعَةِ الَّتِي اسْتَهْلَكَهَا مَحِلَّهَا يَعْنِي أَنَّهُ إذَا صَرَفَ الْمُسْتَوْدَعُ النُّقُودَ الَّتِي هِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ وَبَعْدَ أَنْ وَضَعَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ ضَاعَتْ النُّقُودُ الَّتِي وَضَعَهَا مَحِلَّهَا بِدُونِ تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ مِنْهُ لَا يَخْلُصُ مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ النُّقُودَ الَّتِي وَضَعَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ بَاقِيَةٌ فِي مِلْكِ الْمُسْتَوْدَعِ وَلَا تُحْسَبُ لِلْوَدِيعَةِ مَا لَمْ يَقْبِضْهَا الْمُودِعُ (الْبَحْرُ) . وَلَيْسَ لِلشَّخْصِ الْوَاحِدِ أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا وَقَابِضًا يَعْنِي مُسَلِّمًا وَمُتَسَلِّمًا فِي آنٍ وَاحِدٍ.
أَلَمْ يُرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ رَجُلٌ مَدِينًا لِرَجُلٍ آخَرَ بِعَشْرِ ذَهَبَاتٍ قَرْضًا فَأَفْرَزَهَا وَهَلَكَتْ بِيَدِهِ وَهُوَ يَحْفَظُهَا لِكَيْ يُعْطِيَهَا لَكِنَّهُ قَبْلَ الْإِعْطَاءِ خَسَارَتُهَا تَعُودُ عَلَيْهِ. وَنَظِيرُ هَذِهِ كَمَا لَوْ أَلْقَى الْمَدِينُ فِي الْمَاءِ الدَّرَاهِمَ الَّتِي أَحْضَرَهَا كَيْ يُعْطِيَهَا دَائِنَهُ بِأَمْرِ الدَّائِنِ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا لَا يَصِيرُ الْمَدِينُ بَرِيئًا مِنْ الدَّيْنِ كَمَا مَرَّ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٥) .
وَكَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَ الْمُسْتَوْدَعُ نِصْفَ نُقُودِ الْأَمَانَةِ مَثَلًا وَجَلَبَ بَدَلًا مِنْهَا نُقُودًا مِنْ مَالِهِ وَمِنْ جِنْسِ الْبَاقِي وَضَمَّهَا إلَى النُّقُودِ الْبَاقِيَةِ يَعْنِي خَلَطَهَا بِصُورَةٍ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا تَمْيِيزُهَا عَنْهَا ثُمَّ ضَاعَتْ كُلُّهَا يَضْمَنُ الْجَمِيعَ. يَضْمَنُ مَا أَنْفَقَهُ وَاسْتَهْلَكَهُ بِسَبَبِ الِاسْتِهْلَاكِ وَيَضْمَنُ الْبَاقِيَ لِسَبَبِ الْخَلْطِ؛ لِأَنَّ خَلْطَ مَالِ غَيْرِهِ مَعَ مَالِ نَفْسِهِ يُعَدُّ اسْتِهْلَاكًا. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٨٨) .
خُلَاصَةُ الْكَلَامِ: أَنَّهُ يَجْرِي حُكْمُ الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ أَيْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَضَعُ مَحِلَّ الْمِقْدَارِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ مِنْ الْوَدِيعَةِ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا وَمِنْ مَالِهِ وَيَخْلِطُهُ بِالْبَاقِي. وَلَكِنْ إذَا وَضَعَ عَلَامَةً عَلَى النُّقُودِ الَّتِي وَضَعَهَا مِنْ مَالِهِ وَكَانَ تَمْيِيزُهَا بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ مُمْكِنًا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ مِقْدَارِ مَا اسْتَهْلَكَهُ فَقَطْ.
وَكَذَلِكَ إذَا رَكِبَ الْمُسْتَوْدَعُ الْحَيَوَانَ الْمُودَعَ عِنْدَهُ بِلَا إذْنٍ فَهَلَكَ وَهُوَ ذَاهِبٌ سَوَاءٌ أَكَانَ بِسَبَبِ سُرْعَةِ السَّيْرِ أَمْ بِسَبَبٍ آخَرَ أَمْ بِلَا سَبَبٍ أَمْ سُرِقَ فِي الطَّرِيقِ سَيَكُونُ الْمُسْتَوْدَعُ ضَامِنًا ذَلِكَ الْحَيَوَانَ؛ لِأَنَّ رُكُوبَ الْمُسْتَوْدَعِ الْحَيَوَانَ بِلَا إذْنٍ يُعَدُّ تَعَدِّيًا فَضَمَانُهُ وَاجِبٌ فِي حَالَةِ هَلَاكِهِ بِأَيِّ صُورَةٍ كَانَتْ أَثْنَاءَ وُقُوعِ ذَلِكَ التَّعَدِّي.
إيضَاحُ قُيُودِ الْمِثَالِ الثَّانِي:
١ - (الْحَيَوَانُ) هَذَا التَّعْبِيرُ لَيْسَ احْتِرَازِيًّا فَإِذَا ارْتَدَى الْمُسْتَوْدَعُ ثَوْبَ الْوَدِيعَةِ وَضَاعَ أَثْنَاءَ اسْتِعْمَالِهِ يَضْمَنُهُ. كَمَا لَوْ وَضَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الصَّحْنَ الْمُودَعَ عَلَى كُوبِهِ فَوَقَعَ وَانْكَسَرَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْوَضْعُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعْمَالِ لَزِمَ الضَّمَانُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعْمَالِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. وَإِذَا كَانَ فِي الْكُوبِ
стр. 1075
شَيْءٌ يَحْتَاجُ لِلْوِقَايَةِ وَالسِّتْرِ فَوَضْعُ الصَّحْنِ فَوْقَ الْكُوبِ يُعَدُّ اسْتِعْمَالًا. فَإِذَا انْكَسَرَ يَلْزَمُ الضَّمَانُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكُوبِ شَيْءٌ فَلَا يُعَدُّ وَضْعُ الصَّحْنِ فَوْقَهُ اسْتِعْمَالًا وَعَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ إذَا انْكَسَرَ.
٢ - (وَهُوَ ذَاهِبٌ فِي الطَّرِيقِ) فَائِدَةُ هَذِهِ الْقُيُودِ تُفْهَمُ مِنْ الْإِيضَاحَاتِ الْمَسْرُودَةِ فِي صَدْرِ الْمَادَّةِ.
٣ - (بِلَا إذْنٍ) يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ أَنَّ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَرْكَبَ الْحَيَوَانَ بِإِذْنِ الْمُودِعِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٩٢) .
٤ - (إذَا رَكِبَ) فِي هَذَا الْقَيْدِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْإِصْطَبْلِ بِقَصْدِ أَنْ يَرْكَبَهُ وَهَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَهُ فَلَا ضَمَانَ كَمَا أُوضِحَ فِي شَرْحِ الْمِثَالِ الْأَوَّلِ.
وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَدْفَعْ الْمُسْتَوْدَعُ وَيُسَلِّمُ الْوَدِيعَةَ إلَى شَخْصٍ آخَرَ وَلَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا أَثْنَاءَ وُقُوعِ حَرِيقٍ أَوْ لَمْ يَنْقُلْهَا إلَى مَحِلٍّ آخَرَ مَعَ وُجُودِ اقْتِدَارِهِ عَلَى ذَلِكَ وَاحْتَرَقَتْ يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَصَّرَ فِي الْحِفْظِ وَيُعْلَمُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْ هَذَا الْمِثَالِ. فَلْنَذْكُرْ بَعْضَهَا.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: مَثَلًا إذَا دُفِعَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَمَانَةٌ عَلَى أَنْ تُسَلَّمَ إلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فِي حَيْفَاءَ وَبَيْنَمَا كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ ذَاهِبًا بِالسَّفِينَةِ إلَى حَيْفَاءَ جَنَحَتْ السَّفِينَةُ وَأَشْرَفَتْ عَلَى الْغَرَقِ فَأَلْقَى الْمُسْتَوْدَعُ بِنَفْسِهِ مَعَ بَاقِي الرُّكَّابِ إلَى زَوْرَقٍ فَنَجَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ نَقْلِ تِلْكَ الْأَمَانَةِ إلَى الزَّوْرَقِ أَوْ إلَى سَفِينَةٍ أُخْرَى فَهَلَكَتْ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. وَلَكِنَّهُ إذَا كَانَ مُقْتَدِرًا عَلَى نَقْلِ الْأَمَانَةِ الْمَذْكُورَةِ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ وَمُحَافَظَتِهَا مِنْ الْغَرَقِ وَلَمْ يَفْعَلْ يَضْمَنُهَا عَلَى تَقْدِيرِ هَلَاكِهَا. كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمُسْتَأْجَرِ فِيهِ هُوَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ أَيْضًا عَلَى مَا حُرِّرَ فِي الْمَادَّةِ (٦٠٩) .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا تَرَكَ الْمُسْتَوْدَعُ الْأَمَانَةَ فِي السَّفِينَةِ وَرَمَى بِنَفْسِهِ إلَى الْبَحْرِ خَوْفًا مِنْ الْأَسْرِ أَوْ مِنْ الْقَتْلِ وَنَجَا سِبَاحَةً لَا يَضْمَنُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا خَرَجَتْ اللُّصُوصُ عَلَى الْمُكَارِي وَهُوَ سَائِرٌ فِي الطَّرِيقِ فَتَرَكَ الْحَمْلَ وَفَرَّ مَعَ حَيَوَانِهِ يُنْظَرُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا لَهُ أَنْ يَفِرَّ بِالْحَيَوَانِ وَبِحَمْلِهِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ اللُّصُوصَ تَتْبَعُهُ وَتُدْرِكُهُ إذْ ذَاكَ فَتَأْخُذُ الْحَيَوَانَ مَعَ حَمْلِهِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُكَارِي.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إذَا رَأَى الْمُسْتَوْدَعُ شَخْصًا أَجْنَبِيًّا مُبَاشِرًا بِأَخْذِ الْوَدِيعَةِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَعَ اقْتِدَارِهِ عَلَيْهِ يَضْمَنُ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِظَنِّهِ الْوَدِيعَةَ مَالَ الْآخِذِ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧٢) ؛ لِأَنَّهُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ يُعَدُّ مُقَصِّرًا فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ.
مَثَلًا لَوْ كَانَ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ وَدِيعَتَانِ لِشَخْصَيْنِ وَأَخَذَ أَحَدُهُمَا وَدِيعَةَ الْآخَرِ سَهْوًا بِإِذْنِ الْمُسْتَوْدَعِ لَزِمَ الْمُسْتَوْدَعَ الضَّمَانُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى مَنْعِهِ فَلَا يَضْمَنُ. رَاجِعْ الْمَسْأَلَةَ التَّاسِعَةَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٧٩) .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إذَا تَرَكَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فِي دَارِهِ وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ غَيْرَ أَمِينَةٍ وَمَوْجُودَةً فِي تِلْكَ الدَّارِ فَأَخَذَتْ الْوَدِيعَةَ وَأَضَاعَتْهَا يَلْزَمُ الْمُسْتَوْدَعَ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُقَصِّرًا فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ (
стр. 1076
تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
[ (الْمَادَّةُ ٧٨٨) خَلْطُ الْوَدِيعَةِ بِلَا إذْنِ صَاحِبِهَا مَعَ مَالٍ آخَرَ]
(الْمَادَّةُ ٧٨٨) :
خَلْطُ الْوَدِيعَةِ بِلَا إذْنِ صَاحِبِهَا مَعَ مَالٍ آخَرَ بِصُورَةٍ يَتَعَذَّرُ وَلَا يُمْكِنُ مَعَهَا تَفْرِيقُهَا عَنْهُ يُعَدُّ تَعَدِّيًا. بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا خَلَطَ الْمُسْتَوْدَعُ مِقْدَارَ الدَّنَانِيرِ ذَاتِ الْمِائَةِ الْمُودَعَةِ عِنْدَهُ بِدَنَانِيرَ بِلَا إذْنٍ ثُمَّ ضَاعَتْ أَوْ سُرِقَتْ يَكُونُ ضَامِنًا.
خَلْطُ الْوَدِيعَةِ بِلَا إذْنِ الْمُودِعِ مَعَ مَالٍ آخَرَ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ فَلَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُهَا عَنْهُ أَوْ أَمْكَنَ بِتَعَسُّرٍ يُعَدُّ تَعَدِّيًا.
يَعْنِي مُوجِبًا لِلضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ وَفُقِدَ إمْكَانُ وُصُولِ الْمُودِعِ إلَى عَيْنِ حَقِّهِ مِنْ أَجْلِ فِعْلِ الْمُسْتَوْدَعِ.
وَذَكَرَتْ الْمَجَلَّةُ الْخَلْطَ، وَاسْمُ فَاعِلِهِ الْخَالِطُ هُوَ لِأَجْلِ التَّعْمِيمِ. يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ الْخَالِطُ الْمُسْتَوْدَعَ أَوْ الْأَجْنَبِيَّ أَوْ شَخْصًا آخَرَ كَابْنِ الْمُسْتَوْدَعِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ الْمَوْجُودِ فِي عِيَالِهِ. وَالضَّمَانُ يَلْزَمُ عَلَى الْخَالِطِ فِي أَيِّ وَجْهٍ كَانَ.
يَعْنِي إنْ كَانَ الْخَالِطُ الْمُسْتَوْدَعُ فَالضَّمَانُ يَلْزَمُهُ وَإِنْ كَانَ الْخَالِطُ ابْنُ الْمُسْتَوْدَعِ الصَّغِيرُ مَثَلًا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى ذَلِكَ الصَّغِيرِ. (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٧٧٨) . وَإِلَّا لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ بِسَبَبِ الصَّغِيرِ الْمَرْقُومِ. (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٩١٦) . فَإِذَا خَلَطَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ الْمُسْتَوْدَعِ وَلَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْخَالِطِ يُصْبِحُ الْمَخْلُوطُ الْمَذْكُورُ مَالَ الْخَالِطِ وَلَيْسَ لِلْمُودِعِ وَلَا لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَتَدَخَّلَ فِي ذَلِكَ الْمَخْلُوطِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَخْلُوطُ يَصِيرُ مَالَ الْخَالِطِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْخَالِطُ الْمُسْتَوْدَعُ أَوْ أَمِينُ الْمُسْتَوْدَعِ أَوْ شَخْصًا أَجْنَبِيًّا فَلَا يُبَاحُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَخْلُوطِ مَا لَمْ يَضْمَنْهُ إلَى صَاحِبِ الْمَالِ. مَثَلًا لَوْ خَلَطَ عَشْرَ كَيْلَاتٍ مِنْ حِنْطَةٍ مُودَعَةٍ عِنْدَهُ بِحِنْطَةٍ تَصِيرُ الْحِنْطَةُ الْمَخْلُوطَةُ مَالَ الْخَالِطِ وَلَكِنْ لَا يَكُونُ مُبَاحًا لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْحِنْطَةِ الْمَخْلُوطَةِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ بَدَلَهَا إلَى الْمُودِعِ.
وَإِذَا كَانَ الْخَالِطُ غَيْرَ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَوْدَعِ فَخَلَطَ شَعِيرَ الْمُودِعِ مَعَ حِنْطَةِ الْمُسْتَوْدَعِ مَثَلًا ثُمَّ غَابَ بِحَيْثُ لَا تُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهُ فَإِذَا أَرَادَ الْمُودِعُ أَوْ الْمُسْتَوْدَعُ أَنْ يُعْطِيَ بَدَلَ أَحَدِهِمَا وَيَأْخُذَ الْمَخْلُوطَ وَوَافَقَ الْآخَرُ فَبِهَا. وَإِذَا لَمْ يَتَرَاضَوْا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُبَاعُ الْمَخْلُوطُ بِرِضَاهُمَا وَتُضْرَبُ قِيمَةُ حِنْطَةِ صَاحِبِ الْحِنْطَةِ غَيْرِ الْمَخْلُوطَةِ بِالثَّمَنِ وَيُضْرَبُ شَعِيرُ صَاحِبِ الشَّعِيرِ غَيْرِ الْمَخْلُوطِ بِثَمَنِهِ. وَيُقْسَمُ حَاصِلُ الضَّرْبِ عَلَى مَجْمُوعِ الثَّمَنِ فَخَارِجُ قِسْمَةِ الْمَضْرُوبِ يَكُونُ حِصَّةَ صَاحِبِهِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) . وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْخَلْطَ يُوجِبُ انْقِطَاعَ حَقِّ الْمَالِكِ عَنْ الْمَخْلُوطِ وَيَقْتَضِي كَوْنَ الْمَخْلُوطِ مِلْكًا لِلْخَالِطِ فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهُمَا التَّصَرُّفُ بِهَذَا الْوَجْهِ فِي مَالِ الْغَيْرِ؟ وَالْجَوَابُ بِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهَا بِهَذَا الْوَجْهِ إجَازَةٌ لِلْخَلْطِ وَلَا يُجْدِي نَفْعًا إذَا كَانَ الْخَلْطُ إتْلَافًا فَإِنَّ الْإِجَازَةَ لَا تَلْحَقُ الْإِتْلَافَ عَلَى مَا سَيَجِيءُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ ١٤٥٣ (الشَّارِحُ) .
يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمَجَلَّةِ (مَعَ مَالٍ آخَرَ) أَنَّهُ سَوَاءٌ أَخَلَطَ الْمُسْتَوْدَعُ بِمَالِهِ أَمْ بِمَالِ غَيْرِهِ فَلَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ حَتَّى لَوْ خَلَطَ الْمُسْتَوْدَعُ الْمَالَ الْمُودَعَ عِنْدَهُ بِمَالِ شَخْصٍ آخَرَ مُودَعٍ عِنْدَهُ أَيْضًا يَضْمَنُ الْوَدِيعَتَيْنِ وَيَبْقَى الْمَخْلُوطُ لَهُ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا خَلَطَ الْمُسْتَوْدَعُ مِقْدَارَ الدَّنَانِيرِ ذَاتِ الْمِائَةِ الْمُودَعَةِ عِنْدَهُ بِدَنَانِيرِ نَفْسِهِ أَوْ بِدَنَانِيرِ غَيْرِهِ بِلَا
стр. 1077
إذْنِ الْمُودِعِ ثُمَّ ضَاعَتْ أَوْ سُرِقَتْ أَوْ وُجِدَتْ مَخْلُوطَةً بِصُورَةٍ يَتَعَسَّرُ أَوْ يَمْتَنِعُ مَعَهَا تَمْيِيزُهَا يَصِيرُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ الْخَالِطَ يُعَدُّ مُسْتَهْلِكًا الْوَدِيعَةَ لِسَبَبِ خَلْطِهِ إيَّاهَا (الْبَحْرُ) .
إيضَاحُ الْقُيُودِ:
١ - (ضَاعَتْ أَوْ سُرِقَتْ) . هَذَا التَّعْبِيرُ لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا فَإِذَا وُجِدَ الْمَخْلُوطُ عَلَى الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الشَّرْحِ، عَيْنًا فَالضَّمَانُ لَازِمٌ أَيْضًا وَذُكِرَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ فِي التَّنْوِيرِ وَشَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ.
وَهَذِهِ التَّعْبِيرَاتُ أَيْ تَعْبِيرَاتُ إذَا ضَاعَتْ أَوْ سُرِقَتْ لَيْسَتْ مَذْكُورَةً فِي الْمُتُونِ الْفِقْهِيَّةِ كَالْهِدَايَةِ وَالتَّنْوِيرِ وَالْمُلْتَقَى وَالْكَنْزِ كَمَا أَنَّ الْمَجَلَّةَ لَمْ تَذْكُرْهَا أَيْضًا فِي مِثَالِهَا الْآتِي.
٢ - (بِلَا إذْنِ) هَذَا الْقَيْدُ احْتِرَازِيٌّ وَالْمُحْتَرَزُ عَنْهُ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ ٧٨٩ الْآتِي بَيَانُهَا.
وَكَذَلِكَ إذَا خَلَطَ شَخْصٌ غَيْرُ الْمُسْتَوْدَعِ الدَّنَانِيرَ الْمَذْكُورَةَ يَعْنِي دَنَانِيرَ الْمُسْتَوْدَعِ أَوْ دَنَانِيرَ غَيْرِهِ مَعَ دَنَانِيرِ وَدِيعَةِ الْمُودِعِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ بِلَا إذْنٍ يَضْمَنُ. وَسَوَاءٌ أَضَاعَتْ تِلْكَ الدَّنَانِيرُ أَمْ سُرِقَتْ أَمْ وُجِدَتْ مَخْلُوطَةً فَالْخَلْطُ الْمَذْكُورُ يُوجِبُ الضَّمَانَ وَيَنْقَطِعُ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ عَلَى مَا سَيُفَصَّلُ حَقُّ - الْمُودِعِ وَالْمُسْتَوْدَعِ مِنْ الْمَخْلُوطِ وَيَبْقَى الْمَخْلُوطُ الْمَذْكُورُ مَالًا لِلْمُخَالِطِ. وُجُوهُ الْخَلْطِ الْأَرْبَعَةِ وَأَحْكَامُهَا.
نَشْرَعُ فِي تَفْصِيلِ الْخَلْطِ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي. الْخَلْطُ يَكُونُ بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - الْخَلْطُ بِطَرِيقِ الْمُجَاوَرَةِ مَعَ تَيَسُّرِ التَّمْيِيزِ.
يَعْنِي أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا تَفْرِيقُ الْمَالَيْنِ الْمَخْلُوطَيْنِ وَتَمْيِيزُهُمَا أَيْ إفْرَازُهُمَا وَفَصْلُهُمَا. كَخَلْطِ الْجَوْزِ مَعَ اللَّوْزِ أَوْ الذَّهَبِ مَعَ الْفِضَّةِ الْمَجِيدِيَّةِ أَوْ الْمَجِيدِيِّ التَّامِّ مَعَ قِطَعٍ: النِّصْفِ أَوْ الرُّبْعِ مِنْهُ أَوْ الدِّينَارِ الذَّهَبِ التَّامِّ مَعَ أَجْزَائِهِ كَالنِّصْفِ وَالرُّبْعِ أَوْ الذَّهَبِ الْعُثْمَانِيِّ مَعَ الذَّهَبِ الْإِنْكِلِيزِيِّ أَوْ الْفَرَنْسَاوِيِّ.
فَالْخَلْطُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ بِالْإِجْمَاعِ فَيُفَرَّقُ الْمَخْلُوطُ وَيُرَدُّ قِسْمُ الْوَدِيعَةِ مِنْهُ إلَى صَاحِبِهِ. وَإِذَا هَلَكَ الْمَخْلُوطُ قَبْلَ التَّفْرِيقِ يَهْلِكُ أَمَانَةً كَمَا كَانَ قَبْلَ الْخَلْطِ تَكْمِلَةُ (رَدِّ الْمُحْتَارِ) . وَأَشَارَتْ الْمَجَلَّةُ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعِبَارَةِ (لَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُهَا) .
الْوَجْهُ الثَّانِي - الْخَلْطُ بِطَرِيقِ الْمُجَاوَرَةِ مَعَ تَعَسُّرِ التَّمْيِيزِ. يَعْنِي أَنْ يَكُونَ تَفْرِيقُ الْمَالَيْنِ الْمَخْلُوطَيْنِ عَسِرًا.
كَخَلْطِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ.
فَكَوْنُ هَذَا الْخَلْطِ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ أَوْ غَيْرَ مُوجِبٍ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا. فَعِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْلَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَالْهِدَايَةِ وَوَرَدَ فِي النِّهَايَةِ إيضَاحًا لِتَعَذُّرِ تَفْرِيقِ الْمَخْلُوطِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَيُعْتَبَرُ جَوَابًا لِمَا قِيلَ: إنَّ الْمَخْلُوطَ الْمَذْكُورَ حِينَمَا يُطْرَحُ فِي الْمَاءِ تَرْسُبُ الْحِنْطَةُ وَيَطْفُو الشَّعِيرُ فَيُمْكِنُ تَفْرِيقُهُمَا، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يُقْبَلُ الْمَخْلُوطُ وَيَنْقُصُ ثَمَنُهُ بِالْعَيْبِ الْحَاصِلِ مِنْ الْبَلَلِ وَبِمَا أَنَّهُ لَا تَخْلُو إعَادَةُ الْحِنْطَةِ مِنْ قَلِيلٍ مِنْ الشَّعِيرِ. وَالشَّعِيرِ مِنْ قَلِيلٍ مِنْ الْقَمْحِ. فَعَلَى هَذَا لَا يُمْكِنُ التَّفْرِيقُ وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ شَرَحْت هَذِهِ الْمَادَّةَ مِنْ الْمَجَلَّةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَعِنْدَ الْبَعْضِ الْآخَرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ خَلَطَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ فِي الْمَخْلُوطِ وَيَكُونُ الْمَالِكُ مُخَيَّرًا كَمَا ذُكِرَ فِي قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ الْآتِي (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ - الْخَلْطُ بِطَرِيقِ مَزْجِ جِنْسٍ بِجِنْسٍ آخَرَ.
وَهَذَا يَكُونُ بِخَلْطِ نَوْعٍ مِنْ الْمَائِعِ
стр. 1078
بِمَائِعٍ آخَرَ كَخَلْطِ الْخَلِّ بِالسَّمْنِ وَالطَّحِينَةِ بِالدِّبْسِ. وَالْخَلْطُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ بِالِاتِّفَاقِ (الْقُهُسْتَانِيُّ) .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ - الْخَلْطُ بِطَرِيقِ الْمُجَاوَرَةِ لِلْجِنْسِ بِالْجِنْسِ. كَخَلْطِ الْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ أَوْ زَيْتِ الْجَوْزِ بِزَيْتِ الْجَوْزِ أَوْ اللَّبَنِ بِاللَّبَنِ أَوْ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ.
وَقَدْ وَقَعَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْخَلْطِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
فَعِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ حَيْثُ إنَّ الْخَلْطَ الْمَذْكُورَ هُوَ اسْتِهْلَاكٌ لِلْمَخْلُوطِ فَيَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ مِنْ الْمَخْلُوطِ وَيَصِيرُ الْمَخْلُوطُ مَالَ الْخَالِطِ وَيَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْخَالِطِ يَعْنِي إنْ كَانَ الْمَخْلُوطُ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ يَلْزَمُ أَدَاءُ مِثْلِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْقِيَمِيَّاتِ أَدَاءُ قِيمَتِهِ. وَإِلَّا فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يُشَارِكَ الْمَخْلُوطَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَفْرِيقُ وَتَمْيِيزُ الْمَخْلُوطِ غَيْرَ مُمْكِنٍ فَالْمُودِعُ الْمَالِكُ يَبْقَى عَاجِزًا عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمَالِهِ الْوَدِيعَةِ. فَبِنَاءً عَلَيْهِ يَكُونُ الْخَلْطُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إتْلَافًا وَيَصِيرُ الْمُسْتَوْدَعُ ضَامِنًا وَمَالِكًا لِلْمَخْلُوطِ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، فَإِذَا تَرَكَ الْمُسْتَوْدَعُ الْمَخْلُوطَ بِهَذَا التَّقْدِيرِ وَتُوُفِّيَ عَنْ تَرِكَةِ غَرِيمِهِ يَسْتَوْفِي الْمُودِعُ حَقَّهُ مِنْ الْمَخْلُوطِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ كُلٌّ بِنِسْبَةِ حِصَّتِهِ (الْبَدَائِعُ) .
وَلَكِنْ لَا يُبَاحُ لِلْخَالِطِ الِانْتِفَاعُ بِالْمَخْلُوطِ قَبْلَ أَنْ يَضْمَنَ (الْبَحْرُ) . فَقَطْ إذَا أَبْرَأَ الْمُودِعُ الْخَالِطَ يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ مَعًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَعِنْدَ الْإِمَامَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الْمُودِعُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْخَالِطَ وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَكَ فِي الْمَخْلُوطِ بِمِقْدَارِ حِصَّتِهِ.
وَلَكِنْ إذَا أَبْرَأَ الْمُودِعُ الْخَالِطَ فَعِنْدَ الْمُشَارِ إلَيْهِ مَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ وَتَتَعَيَّنُ الْمُشَارَكَةُ فِي الْمَخْلُوطِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَى عَيْنِ حَقِّهِ صُورَةً وَأَمْكَنَهُ مَعْنًى بِالْقِيمَةِ فَكَانَ اسْتِهْلَاكًا مِنْ وَجْهٍ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ وَهَذَا لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِيمَا لَا يَتَفَاوَتُ آحَادُهُ إفْرَازٌ وَتَعْيِينٌ حَتَّى مَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ عَيْنًا مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضَاءٍ فَكَانَ إمْكَانُ الْوُصُولِ إلَى عَيْنِ حَقِّهِ قَائِمًا مَعَهُ (الزَّيْلَعِيّ) .
وَلَا يُوجَدُ فِي الْمَجَلَّةِ قَيْدٌ وَلَا إشَارَةٌ إلَى اخْتِيَارِ أَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَهُوَ مَوْجُودٌ أَيْضًا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ. إنَّمَا كَانَ الضَّمَانُ مُتَعَيِّنًا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَلَيْسَ مُتَعَيِّنًا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ. وَلَكِنْ إذَا حَمَلَ بَيَانُ الْمَجَلَّةِ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ فَيَكُونُ ذَكَرَ قِسْمًا مِنْهُ وَأَهْمَلَ الْقِسْمَ الْآخَرَ فَحَمْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَوْلَى.
[ (الْمَادَّةُ ٧٨٩) خَلَطَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا بِمَالٍ آخَرَ أَوْ اخْتَلَطَا بِدُونِ صُنْعِهِ]
(الْمَادَّةُ ٧٨٩) إذَا خَلَطَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا بِمَالِ آخَرَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ أَوْ اخْتَلَطَ الْمَالَانِ بِبَعْضِهِمَا الْبَعْضُ بِدُونِ صُنْعِهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُمَا مَثَلًا لَوْ انْخَرَقَ الْكِيسُ دَاخِلَ صُنْدُوقٍ وَاخْتَلَطَتْ الدَّنَانِيرُ الَّتِي فِيهِ مَعَ دَنَانِيرَ أُخْرَى يَصِيرُ الْمُسْتَوْدَعُ وَصَاحِبُ الْوَدِيعَةِ شَرِيكَيْنِ فِي مَجْمُوعِهَا. وَإِذَا هَلَكَتْ أَوْ ضَاعَتْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ.
стр. 1079
إذَا أَجْرَى الْمُسْتَوْدَعُ فِي الْوَدِيعَةِ التَّصَرُّفَ الْمَعْدُودَ تَعَدِّيًا بِأَمْرِ الْمُودِعِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْإِنْسَانِ فِي حَقِّ مِلْكِهِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (١٥١٠) .
وَلِذَلِكَ فَلِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ لِآخَرَ وَيُعِيرَهَا وَيَرْهَنَهَا وَيَهَبَهَا وَيُؤَجِّرَهَا وَيَبِيعَهَا بِإِذْنِ الْمُودِعِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٤٥٢) . وَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا أَيْضًا. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٩٢) . وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا مَعَ غَيْرِ أَمِينِهِ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧٩٩) . وَأَنْ يَصْرِفَهَا عَلَى مَنْ نَفَقَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ كَأَهْلِ الْمُودِعِ وَعِيَالِهِ.
اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٧٩٩) .
وَعَلَيْهِ أَيْضًا إذَا خَلَطَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ السَّابِقَةِ بِمَالٍ آخَرَ بِصُورَةٍ لَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُمَا مَعَهَا أَوْ اخْتَلَطَ الْمَالَانِ كَذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُمَا بِدُونِ رَأْي وَضْعِ الْمُسْتَوْدَعِ مَثَلًا - هَذَا التَّمْثِيلُ عَلَى فِقْرَةِ (بِدُونِ صُنْعِهِ) - إذَا انْخَرَقَ الْكِيسُ الْمَوْجُودُ وَدِيعَةً دَاخِلَ صُنْدُوقٍ وَاخْتَلَطَتْ دَنَانِيرُ الذَّهَبِ الْعُثْمَانِيِّ الَّتِي فِيهِ مَعَ دَنَانِيرِ ذَهَبٍ عُثْمَانِيٍّ أُخْرَى بِعَيْنِ الْوَزْنِ وَعَيْنِ الْمِقْدَارِ يَعْنِي لَوْ اخْتَلَطَتْ مَثَلًا عَشْرُ قِطَعِ دَنَانِيرِ ذَهَبٍ عُثْمَانِيٍّ كُلُّ قِطْعَةٍ بِمِائَةِ قِرْشٍ مَعَ خَمْسِ قِطَعِ دَنَانِيرَ عُثْمَانِيٍّ ذَهَبٍ كُلُّ قِطْعَةٍ بِمِائَةِ قِرْشٍ أَيْضًا وَكَانَ تَفْرِيقُهَا مُمْكِنًا مِنْ بَعْضِهَا فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَيَصِيرُ الْمُسْتَوْدَعُ وَصَاحِبُ الْوَدِيعَةِ شَرِيكَيْنِ فِي مَجْمُوعِهَا أَيْ فِي الْمَخْلُوطِ بِشَرِكَةِ الْمِلْكِ شَرِكَةً اخْتِيَارِيَّةً بِصُورَةِ الْخَلْطِ وَجَبْرِيَّةً بِتَقْدِيرِ الِاخْتِلَاطِ؛ لِأَنَّهُ حِينَمَا كَانَ مُحَرَّرًا فِي الْمَادَّةِ (٧٧٧) لَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ عَلَى تَقْدِيرِ هَلَاكِ الْوَدِيعَةِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ فَعَدَمُ لُزُومِ الضَّمَانِ بِالِاخْتِلَاطِ بِمُوجِبِ هَذِهِ الْمَادَّةِ يَكُونُ مَعْلُومًا بِالْأَوْلَوِيَّةِ.
وَيَثْبُتُ عَدَمُ لُزُومِ الضَّمَانِ أَيْضًا عِنْدَ الْخَلْطِ بِلَا صُنْعٍ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ صُنْعٌ وَتَعَدٍّ فِي الِاخْتِلَاطِ.
مَثَلًا لَوْ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ الْمُودَعَةُ عَشَرَةً وَالْأُخْرَى خَمْسَةً وَاخْتَلَطَا بِبَعْضِهِمَا تَكُونُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا مُشْتَرَكَةً أَثْلَاثًا ثُلُثَانِ لِصَاحِبِ الْوَدِيعَةِ وَثُلُثٌ لِلْآخَرِ.
وَإِذَا هَلَكَ أَوْ ضَاعَ بَعْضُ الدَّنَانِيرِ الْمُخْتَلِطَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَا يَلْزَمُ ضَمَانُ بَعْضِ الْوَدِيعَةِ أَوْ كُلِّهَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. وَإِذَا هَلَكَ بَعْضُ الذَّهَبِ الْمُخْتَلِطِ يَجْرِي حُكْمُ الْمَادَّةِ (١٠٦١) .
اخْتِلَافُ الْأَئِمَّةِ فِي الْخَلْطِ بِالْإِذْنِ: اشْتِرَاكُ الْمُسْتَوْدَعِ وَالْمُودِعُ فِي صُورَةِ خَلْطِ الْمُسْتَوْدَعِ بِإِذْنِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ هُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا يَجْرِي حُكْمُ الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ يَعْنِي أَنَّ الْمَخْلُوطَ يَكُونُ مِلْكَ الْخَالِطِ وَيَضْمَنُ الْخَالِطُ حَقَّهُ لِلْمُسْتَوْدَعِ.
كَمَا أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا يُوسُفَ أَتْبَعَ الْقَلِيلَ لِلْكَثِيرِ يَعْنِي مَنْ كَانَ مَالُهُ أَكْثَرَ يَكُونُ الْمَخْلُوطُ مِلْكَهُ وَيَضْمَنُ حَقَّهُ الْآخَرُ. وَأُشِيرَ بِقَوْلِ (لَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُمَا) فِي الْمَجَلَّةِ إلَى أَنَّهُ إذَا حَصَلَ الِاخْتِلَاطُ بِصُورَةٍ يَكُونُ التَّفْرِيقُ مُمْكِنًا فِيهَا لَا تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ فَيُفَرَّقُ الْمَالَانِ وَيُعْطَى لِكُلٍّ مَالُهُ.
إذَا ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ الْمُودِعِ فَإِنْ أَقَرَّ الْمُودِعُ بِالْإِذْنِ فَبِهَا وَإِنْ أَنْكَرَ يُجْبَرُ الْمُسْتَوْدَعُ عَلَى إثْبَاتِهِ وَفِي حَالِ عَجْزِهِ عَنْ الْإِثْبَاتِ لَهُ أَنْ يُكَلِّفَ الْمُودِعَ الْيَمِينَ. فَإِنْ حَلَفَ الْمُودِعُ صَارَ الْمُسْتَوْدَعُ ضَامِنًا.
стр. 1080
وَإِذَا أَوْدَعَهَا الْأَجْنَبِيُّ أَوْ اسْتَهْلَكَهَا بِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ بِإِذْنِ الْمُودِعِ فَالْحُكْمُ عَلَى الْمِنْوَالِ الْمَشْرُوحِ (جَوَاهِرُ الْفِقْهِ) . رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٧٨٧) . كَمَا أَنَّ نَظِيرَ هَذَا يَجِيءُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ أَيْضًا.
[ (الْمَادَّةُ ٧٩٠) لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ آخَرَ]
(الْمَادَّةُ ٧٩٠) :
لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ آخَرَ.
فَإِنْ فَعَلَ وَهَلَكَتْ بَعْدَهُ يَضْمَنُ وَإِذَا هَلَكَتْ بِتَعَدِّي الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي وَتَقْصِيرِهِ فَإِنْ شَاءَ الْمُودِعُ ضَمَّنَهَا لِلْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ وَيَرْجِعُ هَذَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي.
لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ (١) بِلَا عُذْرٍ (٢) بِلَا إذْنٍ (٣) بِلَا قَصْدٍ (٤) عِنْدَ آخَرَ يَعْنِي عِنْدَ شَخْصٍ لَيْسَ بِأَمِينِهِ.
(رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٩٦) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْوَدِيعَةِ لَمْ يَرْضَ بِحِفْظِ غَيْرِ الْمُسْتَوْدَعِ وَالْأَيْدِي تَخْتَلِفُ فِي الْأَمَانَةِ. ثُمَّ لَا يُمْكِنُ لِشَيْءٍ أَنْ يَتَضَمَّنَ مِثْلَهُ. كَمَا لَا يُمْكِنُ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يُعْطِيَ مَالَ الْمُضَارَبَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُضَارَبَةِ.
وَتُوجَدُ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ وَهُوَ مَالِكُهَا أَنْ يُمَلِّكَهَا لِغَيْرِهِ. أَوَّلُهَا: مَذْكُورٌ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ يَعْنِي لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُودِعَ. وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُمَلِّكَ الْحِفْظَ لِآخَرَ وَهُوَ مَالِكٌ لَهُ.
الثَّانِي: لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْهَنَ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٤٣) .
الثَّالِثُ: لَيْسَ لِوَكِيلِ الْبَيْعِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِي الْبَيْعِ. (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٤٦٦) .
الرَّابِعُ: لَيْسَ لِمُسْتَأْجِرِ الشَّيْءِ الَّذِي يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمَلِينَ أَنْ يُؤَجِّرَ الْمَأْجُورَ لِآخَرَ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٤٢٧) .
الْخَامِسُ: لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ الْمُعَارَ الَّذِي يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمَلِينَ لِآخَرَ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٨٢٠) .
السَّادِسُ: لَيْسَ لِلْمُزَارِعِ أَنْ يُعْطِيَ الْأَرْضَ لِآخَرَ عَلَى طَرِيقِ الْمُزَارَعَةِ.
السَّابِعُ: لَيْسَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يُعْطِيَ مَالَ الْمُضَارَبَةِ بِطَرِيقِ الْمُضَارَبَةِ إلَى آخَرَ.
الثَّامِنُ: لَيْسَ لِلْمُسْتَبْضِعِ أَنْ يُبْضِعَ.
التَّاسِعُ: لَيْسَ لِلْمُسَاقِي أَنْ يُسَاقِيَ آخَرَ بِغَيْرِ إذْنٍ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
(١) " الْوَدِيعَةُ " يَظْهَرُ مِنْ هَذَا التَّعْبِيرِ أَنَّ إعْطَاءَ مِفْتَاحِ الْحُجْرَةِ الَّتِي تُوجَدُ فِيهِ الْوَدِيعَةُ لِآخَرَ لَا يُعَدُّ تَسْلِيمًا لِتِلْكَ الْحُجْرَةِ إلَيْهِ وَبِهَذَا لَا تَكُونُ الْوَدِيعَةُ أُودِعَتْ عِنْدَ آخَرَ. وَبِنَاءً عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ ضَمَانٌ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ (الْبَحْرُ) .
(٢) " بِلَا عُذْرٍ " لِأَنَّهُ عِنْدَ وُقُوعِ حَرِيقٍ فِي دَارِ الْمُسْتَوْدَعِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٧٨٤) لِكَوْنِ الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرَ مُقْتَدِرٍ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَنْ يَحْفَظَ الْوَدِيعَةَ بِالذَّاتِ أَوْ بِأَمِينِهِ فَإِذَا وَضَعَهَا فِي دَارِ جَارِهِ وَهَلَكَتْ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ مَعَ أَنَّ الْوَضْعَ عِنْدَ الْجَارِ مَعْدُودٌ مِنْ الْإِيدَاعِ.
إنَّمَا بَعْدَ حُصُولِ الِاضْطِرَارِ لِلْإِيدَاعِ عِنْدَ الْغَيْرِ بِنَاءً عَلَى أَعْذَارٍ كَهَذِهِ إذَا لَمْ يَسْتَرِدَّهَا فِي حَالَةِ زَوَالِ الْعُذْرِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ نَظَرًا لِبَيَانِ قَاضِي خَانْ. (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٩١) . وَلَكِنْ عِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَلْزَمُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَدِيعَةَ مِنْ ذَلِكَ الْآخَرِ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ. حَيْثُ إنَّ مَا ثَبَتَ لِضَرُورَةٍ يُقَدَّرُ بِمِقْدَارِهَا بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (٢٢) وَلِكَوْنِ الضَّرُورَةِ تَرْتَفِعُ بَعْدَ زَوَالِ الْحَرِيقِ فَإِذَا لَمْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ الْمَذْكُورِ يَكُونُ أَوْدَعَهَا عِنْدَهُ ابْتِدَاءً وَبِلَا ضَرُورَةٍ وَيَتَرَتَّبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ عَلَى تَقْدِيرِ هَلَاكِهَا بِيَدِ الْأَجْنَبِيِّ الْمَذْكُورِ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ وَقَبْلَ الِاسْتِرْدَادِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
стр. 1081
كَمَا أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ خَطَرُ غَرَقِ السَّفِينَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا الْمُسْتَوْدَعُ فَدَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى الْأَجْنَبِيِّ الْمَوْجُودِ فِي سَفِينَةٍ أُخْرَى لِعَدَمِ اقْتِدَارِهِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ بِنَفْسِهِ وَعَدَمِ وُجُودِ أَمِينٍ يَسْتَلِمُ مِنْهُ الْوَدِيعَةَ هُنَاكَ لَا يَضْمَنُ. (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٢١) " تَعْلِيقَاتُ ابْنِ عَابِدِينَ عَلَى الْبَحْرِ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ ".
(٣) " بِلَا إذْنٍ "؛ لِأَنَّهُ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ آخَرَ بِإِذْنِ الْمُودِعِ ابْتِدَاءً بَعْدَ إيدَاعِهِ فَإِنْ أَجَازَهُ الْمُودِعُ صَارَ جَائِزًا. (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ الْآتِيَةَ وَشَرْحَهَا) .
وَحِينَمَا يُودِعُ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ آخَرَ بِإِذْنِ الْمُودِعِ يَخْرُجُ الْمُسْتَوْدَعُ الْأَوَّلُ وَيَكُونُ الْآخَرُ مُسْتَوْدَعًا (رَاجِعْ الْمَادَّتَيْنِ ١٤٥٢، ١٤٥٩) الْخُلَاصَةُ ".
حَتَّى لَوْ اسْتَرْجَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ مِنْ الْآخَرِ بِلَا إذْنٍ بَعْدَ أَنْ أَوْدَعَهَا عِنْدَهُ بِإِذْنِ الْمُودِعِ وَهَلَكَتْ بِيَدِهِ وَلَوْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ يَكُونُ ضَامِنًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَالْقَوْلُ فِي تَعْيِينِ الشَّخْصِ لِلْمُسْتَوْدَعِ. مَثَلًا لَوْ أَنَّهُ بَعْدَ إعْطَاءِ الْمُسْتَوْدَعِ الْوَدِيعَةَ إلَى شَخْصٍ آخَرَ بِإِذْنِ الْمُودِعِ حَصَلَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمُودِعِ وَبَيْنَ الْمُسْتَوْدَعِ فِيمَا إذَا قَالَ الْمُودِعُ: لَمْ آمُرْ بِإِعْطَائِهَا ذَلِكَ الشَّخْصَ، وَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: أَمَرْتَ بِإِعْطَائِهَا ذَلِكَ الشَّخْصَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعُ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِاتِّفَاقِ الطَّرَفَيْنِ فِي أَصْلِ الْإِذْنِ وَلِكَوْنِ الْمُسْتَوْدَعِ أَمِينًا فَقَبُولُ قَوْلِهِ لَازِمٌ. (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٧٧٤) .
وَلَكِنْ إذَا قَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: إنِّي أَعْطَيْتهَا لِلشَّخْصِ الْفُلَانِيِّ بِأَمْرِك، لَا يَثْبُتُ أَخْذُ ذَلِكَ الشَّخْصِ لَهَا بِمُجَرَّدِ هَذَا الْكَلَامِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٨) .
مَثَلًا لَوْ أَمَرَ الْمُودِعُ الْمُسْتَوْدَعَ بِأَنْ يُعْطِيَهَا إلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ وَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: إنِّي أَعْطَيْته إيَّاهَا، فَأَنْكَرَ الشَّخْصُ الْمَذْكُورُ وَقَالَ الْمُودِعُ أَيْضًا: لَمْ تُعْطِهِ فَالْقَوْلُ فِي حَقِّ بَرَاءَةِ نَفْسِهِ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُسْتَوْدَعِ. (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٧٧٤) وَلَكِنْ حَيْثُ إنَّ كَلَامَ الْمُسْتَوْدَعِ هَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَى الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ فَلَا تَلْزَمُ مَسْئُولِيَّتُهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْعَجْزِ عَنْ إثْبَاتِ أَخْذِهِ.
كَمَا لَوْ قَالَ الْمُودِعُ: إنِّي بَعْدَ أَنْ أَمَرْتُ الشَّخْصَ الْفُلَانِيَّ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ مِنْك نَهَيْته فَأَجَابَ الْمُسْتَوْدَعُ جَاءَ ذَلِكَ الشَّخْصُ وَأَخَذَ الْوَدِيعَةَ مِنِّي بِمُوجِبِ أَمْرِك وَأَفَادَ الشَّخْصُ الْمَرْقُومُ أَنَّهُ وَصَلَ عِنْدَهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ الْوَدِيعَةَ يَبْرَأُ الْمُسْتَوْدَعُ.
(٤) " قَصْدًا "؛ لِأَنَّ الْإِيدَاعَ التَّبَعِيَّ جَائِزٌ. مَثَلًا لَوْ دَخَلَ شَخْصٌ حَمَّامًا وَبَعْدَ أَنْ نَزَعَ ثِيَابَهُ وَضَعَهَا مَعَ الْوَدِيعَةِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَهُ أَمَامَ صَاحِبِ الْحَمَّامِ ثُمَّ سُرِقَتْ فَالْأَنْسَبُ عَدَمُ لُزُومِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ أُودِعَتْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ آخَرَ فَهَذَا الْإِيدَاعُ ضِمْنِيٌّ وَغَيْرُ قَصْدِيٍّ. (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٥٤) .
(٥) " عِنْدَ آخَرَ "؛ لِأَنَّ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ أَمِينِهِ. " رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٧٨٠ ".
بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَعْطَى شَخْصٌ لِآخَرَ مَالًا كَيْ يُعْطِيَهُ إلَى شَخْصٍ آخَرَ وَبَعْدَ أَنْ أَعْطَى الْآخَرَ الْمَالَ الْمَذْكُورَ إلَى رَجُلٍ حَتَّى يُعْطِيَهُ إلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ الْآخَرِ ضَاعَ ذَلِكَ الْمَالُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَمِينَ الْآخَرِ الْمَرْقُومِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْآخَرِ الْمَذْكُورِ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ أَمِينَهُ يَضْمَنُ رَدُّ الْمُحْتَارِ ".
стр. 1082
وَإِذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ آخَرَ بِلَا إذْنٍ وَكَانَتْ مَوْجُودَةً عَيْنًا فَلِلْمُسْتَوْدَعِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا فَإِنْ لَمْ يَسْتَرِدَّهَا وَهَلَكَتْ بَعْدَهُ يَعْنِي بَعْدَ الْإِيدَاعِ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ وَإِذَا كَانَ هَلَاكُهَا حَصَلَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ لِلْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي يَكُونُ الْمُسْتَوْدَعُ الْأَوَّلُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ الْأَوَّلَ تَرَكَ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
صُورَةُ الضَّمَانِ، هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ إعْطَاءِ الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ مِثْلَ الْوَدِيعَةِ إنْ كَانَتْ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَقِيمَتَهَا يَوْمَ وُقُوعِ تَعَدِّي الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ بِتَسْلِيمِهَا إلَى الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي إنْ كَانَتْ مِنْ الْقِيَمِيَّاتِ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧٠٣) .
غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَيْدَانِ وَشَرْطَانِ فِي لُزُومِ الضَّمَانِ:
الْقَيْدُ الْأَوَّلُ: لُزُومُ الضَّمَانِ بِهَذَا التَّقْدِيرِ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ شَرْحًا يَكُونُ فِي صُورَةِ هَلَاكِ الْوَدِيعَةِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ لِلْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي. وَأَمَّا إذَا هَلَكَتْ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ. وَعَدَمُ لُزُومِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي نَاشِئٌ عَنْ أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ الْمَذْكُورَ قَبَضَ الْمَالَ مِنْ يَدِ الْأَمِينِ وَعَدَمُ لُزُومِهِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ نَشَأَ عَنْ عَدَمِ تَرْكِهِ الْحِفْظَ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي وَلَمْ يُفَارِقْهُ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ بَاقِيَةً فِي حِفْظِهِ أَيْضًا وَبَقِيَ رَأْيُهُ حَاضِرًا وَمَوْجُودًا. وَأَمَّا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ فَحَيْثُ إنَّ الْمُسْتَوْدَعَ تَرَكَ الْحِفْظَ الَّذِي الْتَزَمَهُ يَلْزَمُ الضَّمَانُ. عَلَى مَا مَرَّ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٨٤) .
كَذَلِكَ لَوْ سَلَّمَ شَخْصٌ لِآخَرَ فِي الْقُدْسِ أَمْتِعَةً وَتَعَهَّدَ ذَلِكَ الْآخَرُ بِنَقْلِ الْأَمْتِعَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى حَيَوَانِهِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ إلَى حَلَبَ وَبَعْدَ أَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْحَيَوَانِ أَعْطَاهَا لِشَخْصٍ آخَرَ فَهَلَكَتْ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ يَضْمَنُهَا الْآخَرُ الْمَذْكُورُ.
كَذَلِكَ إذَا أَعْطَى شَخْصٌ شَخْصًا آخَرَ مَالًا عَلَى أَنْ يُودِعَهُ عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ النَّاسِ فَسَلَّمَ الشَّخْصُ الْآخَرُ الْمَالَ الْمَذْكُورَ إلَى فُلَانٍ قَائِلًا لَهُ: إنَّ الشَّخْصَ الْفُلَانِيَّ أَرْسَلَ لَك هَذَا الْمَالَ وَدِيعَةً وَبَعْدَ أَنْ قَبِلَهُ فُلَانٌ الْمَارُّ الذِّكْرِ أَعَادَهُ إلَى الشَّخْصِ الْآخَرِ وَهَلَكَ بِيَدِهِ يَضْمَنُ فُلَانٌ الْمَذْكُورُ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَئِمَّةُ فِي لُزُومِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي. وَإِلَيْك الْبَيَانُ: إذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ آخَرَ بِلَا إذْنٍ كَمَا أُوضِحَ سَالِفًا وَهَلَكَتْ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي يَلْزَمُ الضَّمَانُ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ فَقَطْ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْمُشَارِ إلَيْهِ حَيْثُ إنَّ مُسْتَوْدَعَ الْمُسْتَوْدَعِ قَبَضَ الْوَدِيعَةَ مِنْ يَدِ أَمِينٍ فَلَا يَصِيرُ ضَامِنًا. وَأَمَّا مُودَعُ الْغَاصِبِ فَيَضْمَنُ؛ لِأَنَّ مُودَعَ الْغَاصِبِ غَاصِبٌ أَيْضًا (الْبَحْرُ) .
وَأَمَّا الْإِمَامَانِ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ فَجَعَلُوا الْمُودِعَ مُخَيَّرًا بَيْنَ تَضْمِينِ الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ وَتَضْمِينِ الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي. وَفِي مَذْهَبِهِمْ فِي صُورَةِ تَضْمِينِ الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي يَكُونُ لِهَذَا الْأَخِيرِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ بِنَاءً عَلَى الْإِيضَاحَاتِ الْمَسْرُودَةِ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٥٨) . وَأَمَّا فِي تَقْدِيرِ تَضْمِينِ الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ الْأَوَّلَ لِكَوْنِهِ أَصْبَحَ مَالِكًا الْوَدِيعَةَ بِضَمَانِهِ فَيَكُونُ أَوْدَعَ مَالَهُ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧٧٧) . مَا لَمْ يَكُنْ هَلَاكُ الْوَدِيعَةِ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي بِتَعَدٍّ أَوْ بِتَقْصِيرٍ.
стр. 1083
وَنَظَرًا لِقَوْلِهِ فِي الْفِقْرَةِ الْآنِفَةِ فِي الْمَجَلَّةِ (يُضَمِّنُ الْمُسْتَوْدَعَ الْأَوَّلَ) وَعَدَمِ تَعَرُّضِهِ لِإِمْكَانِ تَضْمِينِ الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي أَيْضًا وَلِأَنَّهُ فِي حَالَةِ حَمْلِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ يَكُونُ ذَكَرَ قِسْمًا مِنْهَا وَأَهْمَلَ الْقِسْمَ الْآخَرَ وَمَعَ كَوْنِ الْمَادَّةِ (٧٨٣) هِيَ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُ (لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ) هُنَاكَ مَبْنِيًّا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فَقَدْ اخْتَارَتْ الْمَجَلَّةُ قَوْلَهُ.
الْقَيْدُ الثَّانِي - لُزُومُ الضَّمَانِ بَعْدَ هَلَاكِ الْوَدِيعَةِ بَعْدَ الْإِيدَاعِ يَكُونُ فِي صُورَةِ هَلَاكِهَا بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي.
وَأَمَّا إذَا اسْتَرَدَّ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بَعْدَ أَنْ أَوْدَعَهَا بِلَا إذْنٍ ثُمَّ هَلَكَتْ وَهِيَ بِيَدِهِ لَا يَصِيرُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَا يَلْزَمُ بَعْدَ مُخَالَفَةِ الْمُسْتَوْدَعِ وَعَوْدَتِهِ إلَى الْوِفَاقِ كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٨٧) .
فَإِذَا ادَّعَى وَالْحَالَةُ هَذِهِ الْمُودِعُ بِأَنَّ الْوَدِيعَةَ هَلَكَتْ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي وَطَلَبَ الضَّمَانَ عَلَى مَا ذُكِرَ آنِفًا وَادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ الْأَوَّلُ هَلَاكَهَا بَعْدَ أَنْ رَدَّهَا الْمُسْتَوْدَعُ الثَّانِي لَهُ فَلَا يُصَدَّقُ بِلَا بَيِّنَةٍ. وَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ مُقِرٌّ بِالسَّبَبِ الَّذِي أَوْجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ أَيْ الْإِيدَاعَ عِنْدَ الْغَيْرِ بِلَا إذْنٍ وَبَعْدَ ذَلِكَ فَادِّعَاؤُهُ الْبَرَاءَةَ لَا يُصَدَّقُ بِلَا بَيِّنَةٍ (الْبَحْرُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) . رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّتَيْنِ ٧٨٧ و ٧٨٩.
وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْمُودِعُ وَالْمُسْتَوْدَعُ كَمَا لَوْ قَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: إنَّ الْوَدِيعَةَ هَلَكَتْ بِيَدِهِ بَعْدَ أَنْ غُصِبَتْ مِنْهُ وَأُعِيدَتْ إلَيْهِ وَادَّعَى الْمُودِعُ بِأَنَّهَا هَلَكَتْ بِيَدِ الْغَاصِبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ يَبْقَى أَمِينًا كَمَا كَانَ.
فَالِاخْتِلَافُ السَّالِفُ الذِّكْرُ بَيْنَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالْإِمَامَيْنِ هُوَ فِي حَقِّ مُسْتَوْدَعِ الْمُسْتَوْدَعِ وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي حَقِّ مُسْتَوْدَعِ الْغَاصِبِ. مَثَلًا إذَا أَوْدَعَ الْغَاصِبُ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ عِنْدَ شَخْصٍ وَهَلَكَ بِيَدِهِ فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ مُخَيَّرٌ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ - وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. مَا لَمْ يَكُنْ هَلَاكُ الْوَدِيعَةِ بِيَدِهِ حَصَلَ بِتَعَدِّيهِ أَوْ بِتَقْصِيرِهِ - وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُسْتَوْدَعَ وَهَذَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ. رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٦٥٨) . وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمُسْتَوْدَعُ عَالِمًا بِأَنَّ الْمُودِعَ غَاصِبٌ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَلَكِنْ إذَا أَعَادَ مُودَعُ الْغَاصِبِ الْوَدِيعَةَ إلَى مُودِعِهِ يَبْرَأُ. كَمَا كَانَ غَاصِبُ الْغَاصِبِ بَرِيئًا بِرَدِّهِ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ إلَى الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) . اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٩١١) .
وَقَدْ ذَكَرَ وَجَزَمَ فِي الدُّرَرِ وَالْبَحْرِ أَنْ لِلْمُسْتَوْدَعِ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْغَاصِبِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَكِنْ نَظَرًا لِنَقْلِ الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْعِمَادِيَّةِ وَبَيَانِ الْبَاقَانِيِّ وَالْبُرْجَنْدِيِّ رُجُوعُ الْمُسْتَوْدَعِ عَلَى الْغَاصِبِ يَكُونُ فِي صُورَةِ عَدَمِ عِلْمِ الْمُسْتَوْدَعِ بِكَوْنِ الْمُودِعِ غَاصِبًا. رَاجِعْ شَرْحَ (٧٧٧) .
وَإِذَا هَلَكَتْ بِتَعَدِّي وَتَقْصِيرِ الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي فَالْمُودِعُ مُخَيَّرٌ كَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَهَا الْمُسْتَوْدَعُ. فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي - وَلَيْسَ لِهَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ.
كَمَا لَمْ يَكُنْ لِغَاصِبِ الْغَاصِبِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩١٠) - وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ وَهُوَ يَرْجِعُ عَلَى
стр. 1084
الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ الْأَوَّلَ بِضَمَانِهِ صَارَ مَالِكًا الْوَدِيعَةَ اسْتِنَادًا عَلَى الزَّمَانِ الَّذِي سَلَّمَهَا فِيهِ إلَى الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي.
[ (الْمَادَّةُ ٧٩١) أَوْدَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ آخَرَ وَأَجَازَ الْمُودِعُ ذَلِكَ]
(الْمَادَّةُ ٧٩١) - (إذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ شَخْصٍ آخَرَ وَأَجَازَ الْمُودِعُ ذَلِكَ خَرَجَ الْمُسْتَوْدَعُ الْأَوَّلُ مِنْ الْعُهْدَةِ وَصَارَ الشَّخْصُ الْآخَرُ مُسْتَوْدَعًا) .
إذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِلَا إذْنٍ عِنْدَ شَخْصٍ آخَرَ وَأَجَازَ الْمُودِعُ ذَلِكَ أَخِيرًا الْوَدِيعَةُ مَوْجُودَةٌ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي يَخْرُجُ الْمُسْتَوْدَعُ الْأَوَّلُ مِنْ الْعُهْدَةِ وَيَصِيرُ الْمُسْتَوْدَعُ الثَّانِي يَعْنِي ذَلِكَ الشَّخْصَ مُسْتَوْدَعًا. يَعْنِي تَكُونُ كَأَنَّهَا أُودِعَتْ مِنْ طَرَفِ الْمُودِعِ رَأْسًا عِنْدَ ذَلِكَ الشَّخْصِ وَيَكُونُ الْمُسْتَوْدَعُ الْأَوَّلُ خَارِجًا مِنْ الْمَسْئُولِيَّةِ. وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ الَّذِي وَرَدَ بَيَانُهُ فِي الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ كَوْنِ الْإِجَازَةِ تَلْحَقُ الْأَفْعَالَ كَمَا تَلْحَقُ الْأَقْوَالَ هِيَ قَاعِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ وَهَذِهِ الْمَادَّةُ جُزْءٌ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهَا، رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (١٤٥٣) .
وَأَمَّا إذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِلَا إذْنٍ عِنْدَ آخَرَ وَبَعْدَ أَنْ تَلِفَتْ فِي يَدِ الْمُسْتَوْدَعِ الثَّانِي ثُمَّ أَجَازَ الْمُودِعُ هَذَا الْإِيدَاعَ فَهَلْ هَذِهِ الْإِجَازَةُ وَيَكُونُ الْمُسْتَوْدَعُ الْأَوَّلُ بَرِيئًا مِنْ الضَّمَانِ بِنَاءً عَلَيْهَا وَنَظِيرُهَا مَذْكُورٌ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٩٣) .
وَكَذَلِكَ إذَا أَوْدَعَ الْمُسْتَوْدَعُ بِإِذْنِ الْمُودِعِ ابْتِدَاءَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ آخَرَ فَالْحُكْمُ عَلَى الْمِنْوَالِ الْمَشْرُوحِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى.
[ (الْمَادَّةُ ٧٩٢) لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا وَيُؤَجِّرَهَا وَيُعِيرَهَا وَيَرْهَنَهَا]
(الْمَادَّةُ ٧٩٢) - (كَمَا أَنَّ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا فَلَهُ أَيْضًا أَنْ يُؤَجِّرَهَا وَيُعِيرَهَا وَيَرْهَنَهَا وَأَمَّا إذَا آجَرَهَا أَوْ أَعَارَهَا أَوْ رَهَنَهَا بِدُونِ إذْنِ صَاحِبِهَا لِآخَرَ وَهَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ الْمُسْتَعِيرِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ ضَاعَتْ أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا يَكُونُ الْمُسْتَوْدَعُ ضَامِنًا) .
وَلِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا وَلَهُ أَيْضًا أَنْ يُؤَجِّرَهَا وَيُعِيرَهَا وَيَرْهَنَهَا وَيَبِيعَهَا وَيَهَبَهَا وَيُسَلِّمَهَا وَأَنْ يَأْخُذَهَا لِأَجْلِ دَيْنِ نَفْسِهِ وَأَنْ يَتَقَاضَى بِهَا وَيُجْرِيَ حِسَابَهَا وَتَفْصِيلَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي:
١ - الِاسْتِعْمَالُ: وَإِذَا اسْتَعْمَلَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا يَكُونُ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٧٦٥) .
٢ - إذَا أَجَرَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْإِيجَارُ لِأَجْلِ الْمُودِعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إعَارَةً أَيْ يَكُونُ الْمُودِعُ أَعَارَهَا الْمُسْتَوْدَعَ وَالْمُسْتَوْدَعُ أَجَرَ الْوَدِيعَةَ لِلْآخَرِ وَانْتَفَعَ بِهَا اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٧٦٥) .
٣ - الْإِعَارَةُ: إذَا أَعَارَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ الْمُودِعِ وَبِاسْمِهِ يَكُونُ الْمُسْتَوْدَعُ وَكِيلًا يَعْنِي رَسُولًا
стр. 1085
بِالْإِعَارَةِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٤٦٠) وَإِذَا أَعَارَهَا بِاسْمِ الْمُودِعِ وَبِاسْمِ نَفْسِهِ يَجُوزُ هَذَا أَيْضًا.
٤ - الرَّهْنُ: إذَا رَهَنَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا لِأَجْلِ دَيْنِ نَفْسِهِ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ رَهْنِ الْمُسْتَعَارِ وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ أَحْكَامِهِ فِي الْمَادَّةِ (٧٢٦) وَالْمَوَادِّ اللَّاحِقَةِ لَهَا. وَأَمَّا إذَا رَهَنَهَا لِأَجْلِ الْمُودِعِ يَكُونُ وَكِيلًا مِنْ طَرَفِ الْمُودِعِ يَعْنِي رَسُولًا بِالرَّهْنِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٤٦٠) .
٥ - الْبَيْعُ: إذَا بَاعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِإِذْنِ الْمُودِعِ يَكُونُ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ مِنْ طَرَفِ الْمُودِعِ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٤٥٢) .
وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إذَا جَعَلَ الْمُسْتَوْدَعُ عَقْدَ الْبَيْعِ مُضَافًا لِلْمُودِعِ تَكُونُ حُقُوقُ الْعَقْدِ عَائِدَةً لِلْمُودِعِ وَإِذَا أَضَافَهَا لِنَفْسِهِ تَكُونُ عَائِدَةً إلَى الْمُسْتَوْدَعِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٤٦١) .
٦ - الْهِبَةُ وَالتَّسْلِيمُ: لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَهَبَ الْوَدِيعَةَ وَيُسَلِّمَهَا لِآخَرَ بِإِذْنِ الْمُودِعِ بِمُوجِبِ الْمَادَّةِ (١٤٧٠) رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٤٥٩) .
٧ - التَّقَاصُّ وَإِجْرَاءُ الْمَحْسُوبِ: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ دَيْنٌ عَشْرُ ذَهَبَاتٍ عُثْمَانِيَّةٍ مِنْ جِهَةِ الْقَرْضِ وَأَعْطَى ذَلِكَ الشَّخْصَ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ عَشْرَ ذَهَبَاتٍ عُثْمَانِيَّةٍ وَدِيعَةً فَلِلرَّجُلِ أَنْ يُجْرِيَ تَقَاصَّ وَحِسَابَ الذَّهَبَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي مُقَابَلَةِ دَيْنِهِ بِإِذْنِ الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ وَرِضَاهُ. وَإِذَا كَانَتْ الذَّهَبَاتُ الْمُودَعَةُ مَوْجُودَةً بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ حِينَ التَّرَاضِي يَقَعُ التَّقَاصُّ بِدُونِ احْتِيَاجٍ إلَى قَبْضٍ جَدِيدٍ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الدَّنَانِيرُ الْمُودَعَةُ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ حِينَ التَّرَاضِي وَكَانَتْ فِي دَارِهِ لَا يَقَعُ التَّقَاصُّ قَبْلَ أَنْ يُحَدِّدَ الرَّجُلُ الْمَرْقُومُ الْقَبْضَ اُنْظُرْ الْفَائِدَةَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٢٦٢) وَلَا يَقَعُ التَّقَاصُّ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا أَوْ يُؤَجِّرَهَا أَوْ يُعِيرَهَا أَوْ يَرْهَنَهَا أَوْ يَبِيعَهَا وَيُسَلِّمَهَا أَوْ يَهَبَهَا وَيُسَلِّمَهَا لِآخَرَ وَلَا أَنْ يُجْرِيَ تَقَاصَّهَا وَحِسَابَهَا بِمَطْلُوبِهِ بِدُونِ إذْنِ صَاحِبِهَا وَإِذَا أَجْرَى وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ عَلَى مَا سَيُذْكَرُ فِي الْفِقْرَاتِ الْآتِيَةِ.
تَفْصِيلُ الْأَسْبَابِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ الْمَذْكُورَ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنٍ وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (٩٦) مِنْ الْمَجَلَّةِ. وَعَلَيْهِ فَكَمَا أَنَّ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْوَدِيعَةَ بِالذَّاتِ بِلَا إذْنِ صَاحِبِهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ غَيْرَهُ يَسْتَعْمِلُهَا أَيْضًا. وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ عَدَمُ جَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي مِنْ الْمَادَّةِ (٧٨٧) .
اسْتِثْنَائِيَّةٌ: اُسْتُثْنِيَتْ الْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ مِنْ مَسْأَلَةِ عَدَمِ جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْوَدِيعَةِ بِلَا إذْنٍ. مَثَلًا إذَا أُودِعَ عِنْدَ شَخْصٌ كُتُبُ عِلْمٍ فَلِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَنْظُرَ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ وَأَنْ يُطَالِعَهَا. إنْ كَانَ النَّظَرُ وَتَقْلِيبُ أَوْرَاقِهَا غَيْرَ مُضِرٍّ فِي الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ. وَهَذَا النَّظَرُ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِظْلَالِ بِجِدَارِ الْغَيْرِ وَالِاسْتِضَاءَةِ بِنَارِهِ. وَلِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ الْمُودَعِ عِنْدَهُ. فَإِذَا هَلَكَ فِي حَالِ قِرَاءَتِهِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ لِلْمُسْتَوْدَعِ وِلَايَةً وَاقْتِدَارًا عَلَى التَّصَرُّفِ بِهَذَا الْوَجْهِ وَالْجَوَازُ الشَّرْعِيُّ مُنَافٍ لِلضَّمَانِ
стр. 1086
الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٢ - وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا لِآخَرَ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ وَالْإِيدَاعَ عَقْدٌ لَازِمٌ فَإِذَا كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ مَالِكًا الْإِجَارَةَ فَإِمَّا أَنْ يَحْصُلَ لُزُومُ مَا لَا يَلْزَمُ أَيْ أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ لُزُومَ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ مَعَ كَوْنِهَا غَيْرَ لَازِمَةٍ أَوْ عَدَمَ لُزُومٍ يَعْنِي أَنْ تَصِيرَ الْإِجَارَةُ غَيْرَ لَازِمَةٍ مَعَ أَنَّهَا لَازِمَةٌ.
بِنَاءً عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْوَدِيعَةَ بِلَا إذْنٍ لِأَجْلِ مَنَافِعِ نَفْسِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا لِأَجْلِ الْمُودِعِ أَيْضًا. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩٦) .
٣ - وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيرَهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ غَيْرُ مَالِكٍ لِمَنَافِع الْوَدِيعَةِ وَحَيْثُ إنَّ الْإِعَارَةَ عِبَارَةٌ عَنْ تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ فَلَيْسَ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَمْلِكَ شَخْصٌ شَيْئًا لَا يَمْلِكُهُ.
٤ - وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهَا عِنْدَ آخَرَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ إيفَاءٌ حُكْمًا وَلَيْسَ لِشَخْصٍ أَنْ يَفِيَ دَيْنَهُ بِمَالِ الْغَيْرِ بِلَا أَمْرِ صَاحِبِهِ.
وَعَلَيْهِ فَكَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَرْهَنَ الْوَدِيعَةَ بِلَا إذْنٍ لِأَجْلِ دَيْنِ نَفْسِهِ أَوْ دَيْنِ شَخْصٍ أَجْنَبِيٍّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهَا لِأَجْلِ دَيْنِ الْمُودِعِ أَيْضًا بِلَا إذْنٍ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ لَازِمٌ وَالْوَدِيعَةَ لَيْسَتْ عَقْدًا لَازِمًا.
٥ - الْبَيْعُ وَالتَّسْلِيمُ: لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَبِيعَ الْوَدِيعَةَ لِآخَرَ بِلَا إذْنٍ وَيُسَلِّمَهَا. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩٦) . فَإِنْ فَعَلَ كَانَ بَيْعًا فُضُولِيًّا. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٣٦٨) .
٦ - الْهِبَةُ وَالتَّسْلِيمُ: لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَهَبَ الْوَدِيعَةَ لِآخَرَ وَيُسَلِّمَهَا بِلَا إذْنٍ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩٦) ؛ لِأَنَّهُ بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (٨٥٧) كَوْنُ الْوَاهِبِ مَالِكًا لِلْمَالِ الْمَوْهُوبِ شَرْطٌ.
٧ - التَّقَاصُّ وَالْحِسَابُ: لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَأْخُذَ الْوَدِيعَةَ مُقَابِلَ دَيْنِهِ عِنْدَ الْمُودَعِ وَيَجْرِي تَقَاصُّهَا وَحِسَابُهَا وَإِنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ وَالدَّيْنُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. مَثَلًا لَوْ كَانَ لِشَخْصٍ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ آخَرَ دَيْنٌ خَمْسُونَ ذَهَبًا وَأَوْدَعَ الشَّخْصُ الْآخَرُ عِنْدَهُ خَمْسِينَ ذَهَبًا فَلَا يَقَعُ التَّقَاصُّ بِالدَّيْنِ الْمَذْكُورِ بِلَا تَرَاضٍ.
فَإِذَا اسْتَعْمَلَهَا بِلَا إذْنٍ أَوْ آجَرَهَا أَوْ أَعَارَهَا أَوْ رَهَنَهَا وَسَلَّمَهَا أَوْ بَاعَهَا وَسَلَّمَهَا أَوْ وَهَبَهَا وَسَلَّمَهَا وَهَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ ضَاعَتْ أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا أَثْنَاءَ الِاسْتِعْمَالِ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ أَوْ بِيَدِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ الْمُسْتَعِيرِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَوْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ نَظَرًا لِكَوْنِهَا تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنٍ مُوجِبَةٌ لِلضَّمَانِ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩٦) .
تَفْصِيلُ الضَّمَانِ:
١ - الِاسْتِعْمَالُ: إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ أَثْنَاءَ اسْتِعْمَالِ الْمُسْتَوْدَعِ لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ فَقَطْ. وَمَسْأَلَةُ الِاسْتِعْمَالِ هَذِهِ وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ هُنَا وَلَكِنْ حَيْثُ إنَّهَا ذُكِرَتْ فِي مِثَالِ الْمَادَّةِ (٧٨٧) فَذُكِرَتْ شَرْحًا لِأَجْلِ حُسْنِ الْمُقَابَلَةِ.
٢ - الْإِيجَارُ: إذَا أَجَرَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِلَا إذْنٍ لِآخَرَ وَسَلَّمَهَا فَعِنْدَ هَلَاكِهَا بِيَدِ الْمُسْتَأْجِرِ فَالْمُودِعُ
стр. 1087
مُخَيَّرٌ. إنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْمُسْتَوْدَعِ بِسَبَبِ أَنَّهُ كَالْغَاصِبِ. وَلَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ. إنْ كَانَ هَلَاكُهَا بِيَدِ الْمُسْتَأْجِرِ حَصَلَ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ. رَاجِعْ الْمَوَادَّ ٦٠٠ و ٦٠١ و ٨٣١ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ بِسَبَبِ أَنَّهُ بِحُكْمِ غَاصِبِ الْغَاصِبِ. وَلِأَجْلِ مَسْأَلَةِ رُجُوعِ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الَّذِي هُوَ مُؤَجِّرُهُ فَلْيُرَاجَعْ شَرْحُ الْمَادَّةِ (٦٥٨) .
٣ - الْإِعَارَةُ: إذَا أَعَارَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِلَا إذْنٍ وَهَلَكَتْ بِيَدِ الْمُسْتَعِيرِ فَالْمُودِعُ مُخَيَّرٌ. إنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْمُسْتَوْدَعِ. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ. إذَا كَانَ هَلَاكُهَا بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ مَالِكٌ لِلْمُسْتَعَارِ بِسَبَبِ الضَّمَانِ وَالْمُسْتَعَارُ أَمَانَةٌ بِيَدِ الْمُسْتَعِيرِ، حُكْمُ الْمَادَّةِ (٨١٣) وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْمُسْتَعِيرِ وَلَيْسَ لِهَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٦٥٨) .
٤ - الرَّهْنُ: إذَا رَهَنَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِلَا إذْنٍ عِنْدَ آخَرَ وَلَمْ يُجِزْ الْمُودِعُ الرَّهْنَ فَإِنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ مَوْجُودَةً فَكَمَا لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا عَيْنًا مِنْ الْمُرْتَهِنِ يَكُونُ الْمُودِعُ مُخَيَّرًا إذَا هَلَكَتْ. إنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْمُسْتَوْدَعِ وَلَيْسَ لِهَذَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُرْتَهِنَ قِيمَتَهَا بَالِغًا مَا بَلَغَ بَلْ يَسْقُطُ الدَّيْنُ بِتَقْدِيرِ هَلَاكِ الْوَدِيعَةِ بِلَا تَعَدٍّ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ كَمَا ذُكِرَ فِي لَاحِقَةِ شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٤١) . وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْمُرْتَهِنِ. وَإِذَا ضَمَّنَهَا لِلْمُرْتَهِنِ يَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٧٠١) .
٥ - الْبَيْعُ وَالتَّسْلِيمُ: إذَا بَاعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِلَا إذْنٍ لِآخَرَ وَهَلَكَتْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ بِيَدِ الْمُشْتَرِي فَالْمُودِعُ مُخَيَّرٌ. إنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْمُسْتَوْدَعِ فَيَنْفُذُ الْبَيْعُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهَا لِلْمُشْتَرِي وَهُوَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٦٥٨) .
٦ - الْهِبَةُ وَالتَّسْلِيمُ: إذَا وَهَبَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ بِلَا إذْنٍ لِآخَرَ وَسَلَّمَهَا فَهَلَكَتْ بِيَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَالْمُودِعُ مُخَيَّرٌ. إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُسْتَوْدَعَ. وَلَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمَوْهُوبَ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ. (رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ٦٥٨) .
٧ - التَّقَاصُّ وَالْحِسَابُ: إذَا أَخَذَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ لِأَجْلِ تَقَاصِّهَا بِدَيْنِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُودِعُ يَسْتَرِدُّهَا إنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً بِيَدِهِ فَإِذَا كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ اسْتَهْلَكَهَا وَكَانَ الْمُسْتَهْلَكُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ يَجْرِي التَّقَاصُّ مَعَ مِقْدَارِ الدَّيْنِ وَلَا يَبْقَى مَحِلٌّ لِلتَّضْمِينِ.
[ (الْمَادَّةُ ٧٩٣) أَقْرَضَ الْمُسْتَوْدَعُ دَرَاهِمَ الْأَمَانَةِ بِلَا إذْنٍ إلَى آخَرَ]
(الْمَادَّةُ ٧٩٣) إذَا أَقْرَضَ الْمُسْتَوْدَعُ دَرَاهِمَ الْأَمَانَةِ بِلَا إذْنٍ إلَى آخَرَ وَسَلَّمَهَا وَلَمْ يُجِزْ صَاحِبُهَا يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ. وَكَذَلِكَ إذَا أَدَّى بِالدَّرَاهِمِ الْمَوْدُوعَةِ عِنْدَهُ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى صَاحِبِهَا لِآخَرَ وَلَمْ يَرْضَ صَاحِبُهَا يَضْمَنُ.
إذَا أَقْرَضَ الْمُسْتَوْدَعُ مَبْلَغَ الْأَمَانَةِ أَوْ مَالَ أَمَانَةٍ أُخْرَى مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ بِلَا إذْنٍ لِآخَرَ وَسَلَّمَهُ فَإِنْ أَجَازَ صَاحِبُهَا يَعْنِي إنْ أَجَازَ الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ عَيْنًا بِيَدِ الْمُسْتَقْرِضِ فَتَكُونُ الْإِجَازَةُ صَحِيحَةً وَإِلَّا فَيَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ أَوْ ذَلِكَ الْمَالَ. وَعَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْمُسْتَوْدَعُ مَالِكًا ذَلِكَ الْقَرْضَ بِسَبَبِ
стр. 1088
مِلْكِهِ يَعْنِي بِسَبَبِ ضَمَانِهِ.
إيضَاحُ الْقُيُودِ: (١) - دَرَاهِمُ الْأَمَانَةِ. هَذَا التَّعْبِيرُ لَيْسَ احْتِرَازِيًّا وَالْحُكْمُ فِي عُمُومِ الْمِثْلِيَّاتِ الَّتِي يَجُوزُ إقْرَاضُهَا عَلَى الْمِنْوَالِ الْمَشْرُوحِ. وَكَذَلِكَ فِي الْمَكِيلَاتِ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ الْأَمَانَةُ وَفِي الْمَوْزُونَاتِ كَالدَّقِيقِ وَالتِّبْنِ، وَفِي الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ.
(٢) - وَلَمْ يُجِزْ صَاحِبُهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَجَازَهَا صَاحِبُهَا كَانَ الْقَرْضُ صَحِيحًا. وَكَانَ اسْتِيفَاءُ ذَلِكَ الْقَرْضِ مِنْ الْمُسْتَقْرِضِ عَائِدًا إلَى الْمُودِعِ. وَيَجُوزُ كَمَا لَوْ أَقْرَضَهَا الْمُسْتَوْدَعُ بِأَمْرِ الْمُودِعِ ابْتِدَاءً رَاجِعْ مَادَّتَيْ (١٤٥٩ وَ ١٤٦٠) . غَيْرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ هَذِهِ الْإِجَازَةِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْوَدِيعَةُ مَوْجُودَةً عَيْنًا بِيَدِ الْمُسْتَقْرِضِ فَإِذَا أَجَازَ الْمُودِعُ هَذَا الْإِقْرَاضَ بَعْدَ أَنْ اسْتَهْلَكَهَا الْمُسْتَقْرِضُ لَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ وَيُضَمِّنُهَا الْمُودِعُ لِلْمُسْتَوْدَعِ.
(٣) - يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ. هَذَا التَّعْبِيرُ لَيْسَ لِأَجْلِ الْقَابِضِ؛ لِأَنَّ لِلْمُودِعِ أَنْ يَضْمَنَ الِاحْتِرَازَ مِنْ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ أَوْ ذَلِكَ الْمَالَ لِلْقَابِضِ أَيْضًا وَيَبْرَأُ الْمُسْتَوْدَعُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٦٣٥) . كَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الْمَذْكُورَةُ أَوْ ذَلِكَ الْمَالُ مَوْجُودَةً عَيْنًا بِيَدِ الْمُسْتَقْرِضِ فَلِلْمُودِعِ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا عَيْنًا. وَلَكِنْ هَلْ لِصَاحِبِهَا أَنْ يُضَمِّنَهَا لِلْمُسْتَوْدَعِ إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الْمَذْكُورَةُ مَوْجُودَةً عَيْنًا بِيَدِ الْقَابِضِ، رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٦٣٥) كَذَلِكَ إذَا أَدَّى الْمُسْتَوْدَعُ بِالدَّرَاهِمِ الْمَوْجُودَةِ أَمَانَةً عِنْدَهُ دَيْنَ صَاحِبِهَا أَيْ دَيْنَ الْمُودِعِ الَّذِي لِآخَرَ وَلَمْ يَرْضَ صَاحِبُهَا فَصَاحِبُهَا يَكُونُ مُخَيَّرًا. إنْ شَاءَ أَجَازَ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ وَلَيْسَ لِلْمُودِعِ أَنْ يَطْلُبَ شَيْئًا مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُجِزْ وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ يُضَمِّنُ وَدِيعَتَهُ لِلْمُسْتَوْدَعِ. وَتُصْبِحُ الدَّرَاهِمُ الَّتِي أُعْطِيت إلَى الدَّائِنِ مَالَهُ يَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ اسْتَوْفَى مَطْلُوبَهُ وَكَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُودِعِ بِحُجَّةِ أَنَّهُ أَوْفَى دَيْنَهُ بِذَلِكَ الْمَبْلَغِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَ الدَّائِنَ أَيْضًا وَيَسْتَرِدَّ الْوَدِيعَةَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنْ أَدَبِ الْقَاضِي) . رَاجَعَ الْمَادَّةُ (٧٨٧) .
وَفِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ إشَارَةٌ إلَى مَسْأَلَتَيْنِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: عِبَارَةُ (إذَا أَدَّى) تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ أَدَّى الدَّرَاهِمَ لِلدَّائِنِ قَصْدًا. وَأَمَّا إذَا كَانَ مَطْلُوبُ الدَّائِنِ مِنْ جِنْسِ الْوَدِيعَةِ فَلِلدَّائِنِ الْمَرْقُومِ عِنْدَ ظَفَرِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ مِقْدَارًا كَافِيًا لِمَطْلُوبِهِ. وَإِنْ كَانَ إعْطَاءُ الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرَ جَائِزٍ. وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَوْدَعَ الضَّمَانُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يُشَارُ بِعِبَارَةِ (لَمْ يَرْضَ صَاحِبُهَا) إلَى أَنَّ الْمُودِعَ الَّذِي هُوَ صَاحِبُهَا مَوْجُودٌ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ صَاحِبُهَا مُتَوَفَّى فَلِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُعْطِيَ تِلْكَ الْوَدِيعَةَ إلَى دَائِنِ الْمُتَوَفَّى إنْ كَانَ الدَّائِنُ الْمَذْكُورُ مَعْرُوفًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ أَتَى بِفِعْلٍ كَانَ عَلَى وَصِيِّ الْمُتَوَفَّى أَنْ يَفْعَلَهُ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنْ أَدَبِ الْقَاضِي) . رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٨٩٢) .
لِأَنَّهُ قَضَى مَنْ لَهُ الْحَقُّ وَهُوَ غَرِيمُ الْمَيِّتِ وَلَيْسَ لِلِابْنِ مِيرَاثٌ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
стр. 1089
كَمَا لَوْ كَانَ لِلْمُتَوَفَّى بِذِمَّةِ شَخْصٍ مَطْلُوبٍ عَشْرُ ذَهَبَاتٍ وَلِشَخْصٍ آخَرَ دَيْنٌ عَشْرُ ذَهَبَاتٍ وَأَعْطَى لِذَلِكَ الشَّخْصِ عَشْرَ ذَهَبَاتٍ بِقَوْلِهِ: إنِّي أُعْطِي هَذِهِ الْعَشْرَ ذَهَبَاتٍ لِذَلِكَ الشَّخْصِ الْآخَرِ لِأَجْلِ الْمَطْلُوبِ الَّذِي لِلْمُتَوَفَّى بِذِمَّتِي وَبِقَصْدِ إيفَائِهِ، كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا وَإِلَّا كَانَ مُتَبَرِّعًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ إعْطَاءُ دَيْنِ الْمُتَوَفَّى إلَى وَرَثَتِهِ (مِنْ الْمَحِلِّ الْمَذْبُورِ) .
[ (الْمَادَّةُ ٧٩٤) طَلَب صَاحِب الْوَدِيعَة وَدِيعَتَهُ]
(الْمَادَّةُ ٧٩٤) إذَا طَلَبَ الْوَدِيعَةَ صَاحِبُهَا لَزِمَ رَدُّهَا وَتَسْلِيمُهَا لَهُ. وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ وَالتَّسْلِيمِ يَعْنِي كُلْفَتَهُ تَعُودُ عَلَى الْمُودِعِ. وَإِذَا طَلَبَهَا الْمُودِعُ وَلَمْ يُعْطِهَا الْمُسْتَوْدَعُ وَهَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ ضَاعَتْ يَضْمَنُ. بَيْدَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ إعْطَاؤُهَا لِعُذْرٍ كَوُجُودِهَا فِي مَحِلٍّ بَعِيدٍ حِينَ الطَّلَبِ وَهَلَكَتْ أَوْ ضَاعَتْ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ.
إذَا طَلَبَ الْوَدِيعَةَ صَاحِبُهَا أَوْ وَكِيلُهُ أَوْ رَسُولُهُ فَإِنْ كَانَ مُقْتَدِرًا عَلَى الرَّدِّ وَالتَّسْلِيمِ لَزِمَ رَدُّ الْوَدِيعَةِ وَتَسْلِيمُهَا لَهُ أَوْ لِوَكِيلِهِ أَوْ لِرَسُولِهِ بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّ طَلَبَ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ وَدِيعَتَهُ هُوَ بِمَعْنَى فَسْخِ عَقْدِ الْوَدِيعَةِ وَحَيْثُ إنَّ عَقْدَ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْعُقُودِ غَيْرِ اللَّازِمَةِ فَحَقُّ الْمُودَعِ لَهُ ثَابِتٌ.
إيضَاحُ الْقُيُودِ:
١ - (طَلَبَ) .
يَظْهَرُ مِنْ ذِكْرِ طَلَبِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ هُنَا بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ أَنَّهُ سَوَاءٌ أَطَلَبَهَا بِذَاتِهِ أَمْ أَرْسَلَ وَكِيلًا أَمْ رَسُولًا وَطَلَبَهَا بِوَاسِطَةِ الْوَكِيلِ أَوْ الرَّسُولِ الْمَرْقُومِ يَلْزَمُ رَدُّهَا. كَمَا سَيُفَصَّلُ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٢ - (لَهُ) هَذَا التَّعْبِيرُ لَيْسَ احْتِرَازِيًّا؛ لِأَنَّ الرَّدَّ إلَى وَكِيلِهِ أَوْ رَسُولِهِ جَائِزٌ أَيْضًا. مَثَلًا لَوْ أَمَرَ الْمُودِعُ الْمُسْتَوْدَعَ بَانَ يُعْطِيَ الْوَدِيعَةَ لِفُلَانٍ يَلْزَمُ إعْطَاؤُهَا لَهُ. وَإِذَا أَعْطَاهَا لِفُلَانٍ يَبْرَأُ الْمُسْتَوْدَعُ الْأَوَّلُ وَحِينَمَا يُرِيدُ صَاحِبُهَا اسْتِرْدَادَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجْبِرَ الْمُسْتَوْدَعَ الْأَوَّلَ عَلَى الِاسْتِرْدَادِ الْمَذْكُورِ.
الرَّدُّ إلَى عِيَالِ الْمُودِعِ أَوْ مَنْزِلِهِ: فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ وَعَدَمِهِ إلَى عِيَالِ الْمُودِعِ وَمَنْزِلِهِ كَزَوْجَةِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ وَوَلَدِهِ بِلَا أَمْرِ الْمُودِعِ قَوْلَانِ: فَفِي قَوْلٍ: يَجُوزُ رَدُّهَا وَيَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَرَدِّ مِلْكِ الْمَالِكِ إلَى عِيَالِهِ وَلَا يَكُونُ هَذَا الرَّدُّ إيدَاعًا. وَلَكِنْ إذَا رَدَّ الْغَاصِبُ وَأَعَادَ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ إلَى مَنْ هُوَ فِي عِيَالِ صَاحِبِ الْمَالِ لَا يَبْرَأُ.
وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ بِيَدِ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَيْ بِيَدِ أَحَدِ مَنْ هُمْ فِي عِيَالِهِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ وَنَظَرًا لِهَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ (لَهُ) لَا يَكُونُ احْتِرَازًا مِنْ عِيَالِهِ.
وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَا تُرَدُّ إلَى عِيَالِهِ أَوْ إلَى مَنْزِلِهِ.
فَإِذَا رُدَّتْ وَهَلَكَتْ بِيَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَكُونُ الْمُسْتَوْدَعُ ضَامِنًا كَمَا سَيُفَصَّلُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ. وَلَكِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ الْمَجَلَّةُ يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
стр. 1090
صُورَةُ رَدِّ الْوَدِيعَةِ: يَحْصُلُ رَدُّ الْوَدِيعَةِ وَتَسْلِيمُهَا بِتَخْلِيَةِ الْمُسْتَوْدَعِ الْوَدِيعَةَ يَعْنِي بِإِفْرَاغِهِ إيَّاهَا بِحَالٍ يُمْكِنُ قَبْضُهَا وَالْإِذْنُ لَهُ بِقَبْضِهَا. كَوْنُهَا أَمَامَهُ وَقَوْلُهُ: اقْبِضْ.
٣ - (الرَّدُّ) يُشَارُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ إلَى أَنَّهُ إذَا طَلَبَ الْمُودِعُ حَمْلَ الْوَدِيعَةِ إلَيْهِ يَعْنِي نَقْلَهَا إلَى دَارِهِ مَثَلًا وَلَمْ يَنْقُلْهَا الْمُسْتَوْدَعُ يَعْنِي إذَا امْتَنَعَ عَنْ نَقْلِهَا وَهَلَكَتْ بَعْدَهُ بِيَدِهِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ شَيْءٌ سِوَى التَّخْلِيَةِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٤ - (فَإِنْ كَانَ مُقْتَدِرًا) هَذَا الْقَيْدُ احْتِرَازِيٌّ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَجَلَّةِ آتِيًا.
٥ - وَرَدَ فِي الشَّرْحِ (بِعَيْنِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الْمَوْجُودَةُ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ كَاسِدَةً يَلْزَمُ رَدُّهَا عَيْنًا إلَى صَاحِبِهَا. وَإِلَّا فَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الدَّرَاهِمُ كَاسِدَةٌ لَا آخُذُهَا وَأُرِيدُ بَدَلَهَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ نَقْدِيَّةً مَوْجُودَةً بِعَيْنِهَا وَكَانَتْ رَائِجَةً ثُمَّ مُنِعَ تَدَاوُلُهَا بِغِيَابِ الْمُودِعِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ التَّضْمِينَ بِحُجَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْدِلْهَا وَهِيَ رَائِجَةٌ كَمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْطِ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ عَيْنًا، وَقَالَ: إنِّي أُعْطِي مِثْلَهَا لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ، وَهُوَ مَجْبُورٌ عَلَى إعْطَائِهَا عَيْنًا إنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً. مَثَلًا إذَا أَمْسَكَ الْمُسْتَوْدَعُ دَنَانِيرَ الْوَدِيعَةِ وَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ أَمْثَالَهَا لِلْمُودِعِ فَلِلْمُودِعِ حَقٌّ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا وَأَنْ يَطْلُبَ عَيْنَ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٢٤٣) النُّقُودُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعَيُّنِ فِي الْأَمَانَاتِ.
طَلَبُ الْمُودِعِ وَإِنْكَارُ الْمُسْتَوْدَعِ: إذَا طَلَبَ الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ وَأَنْكَرَ الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ أَوْدَعَ عِنْدَهُ مَالًا فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُسْتَوْدَعِ.
(رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٧٨) . فَإِذَا نَكِلَ الْمُسْتَوْدَعُ عَنْ الْيَمِينِ يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَإِذَا أَقَامَ الْمُودِعُ الْبَيِّنَةَ لَزِمَ الضَّمَانُ أَيْضًا " رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٩٠١ ".
إذَا اُخْتُلِفَ فِي قِيمَةِ الْوَدِيعَةِ وَمِقْدَارِهَا وَوَضْعِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ. " رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٧٨ ".
مَثَلًا لَوْ أَوْدَعَ شَخْصٌ عِنْدَ شَخْصٍ آخَرَ صُنْدُوقًا مَقْفُولًا ثُمَّ لَمَّا قَبَضَهُ ادَّعَى بِأَنَّ كَذَا أَشْيَاءَ نَاقِصَةً فِي الصُّنْدُوقِ الْمَذْكُورِ وَقَالَ الْآخَرُ: لَا أَعْلَمُ وُجُودَ أَشْيَاءَ كَهَذِهِ فِي الصُّنْدُوقِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَلَا الْيَمِينُ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ الْآخَرِ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُودِعِ أَنْ يَدَّعِيَ إيدَاعَهُ لِلْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ لِاسْتِهْلَاكِ الشَّخْصِ الْآخَرِ وَتَضْيِيعِهِ إيَّاهَا.
كَذَلِكَ إذَا أَوْدَعَ شَخْصٌ عِنْدَ شَخْصٍ آخَرَ دَرَاهِمَ فِي كِيسٍ بِلَا تَعْدَادٍ وَادَّعَى أَخِيرًا بِأَنَّ الدَّرَاهِمَ كَانَتْ بِزِيَادَةِ كَذَا لَا يَلْزَمُ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ شَيْءٌ. مَا لَمْ يَدَّعِ لِقَوْلِهِ: إنَّهَا كَانَتْ زَائِدَةً مِقْدَارَ كَذَا وَأَنْتَ أَضَعْت الزِّيَادَةَ أَوْ حَصَلَتْ مِنْك خِيَانَةٌ بِوَجْهِ كَذَا، وَإِذَا ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إقْرَارِهِ يَحْلِفُ الْمُسْتَوْدَعُ رَاجِعْ الْمَادَّةَ " ١٥٨٩ ".
ادِّعَاءُ الْمُسْتَوْدَعِ بِأَنَّهُ رَدَّهَا أَوْ أَنَّهَا هَلَكَتْ: إذَا ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ أَوْ أَنَّهَا هَلَكَتْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ بِيَدِهِ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ.
" رَاجِعْ
следующие страницы →