Полный текст (2 914 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الْمَوْجُودَةَ فِي الْمَخْزَنِ الْفُلَانِيِّ وَقَبِلَ مِنْهُ الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُسَلِّمَهُ خِلَافَ الْحِنْطَةِ الْمُبَاعَةِ وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ مِنْ جِنْسٍ أَعْلَى مِنْ جِنْسِ تِلْكَ.
وَلَمَّا كَانَ الْمَبِيعُ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ الْبَيْعِ فَقَدْ اُشْتُرِطَ فِيهِ كَمَا وَرَدَ فِي الْمَوَادِّ (١٩٤ و ١٩٧ و ١٩٨) أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَمَقْدُورَ التَّسْلِيمِ وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِتَلَفِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. أَمَّا الثَّمَنُ فَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَهُوَ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٢٤٣) .
فَلَوْ بَاعَ شَخْصٌ خَمْسِينَ كَيْلَةً مِنْ الْحِنْطَةِ وَكَانَ حِينَ الْبَيْعِ لَا يَمْلِكُ الْحِنْطَةَ الْمَذْكُورَةَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ (اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ١١٥) وَلَا يَنْقَلِبُ الْبَيْعُ إلَى حَالِ الصِّحَّةِ لَوْ أَصْبَحَ الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالِكًا لِهَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ الْحِنْطَةِ حَتَّى وَلَوْ سَلَّمَهَا لِلْمُشْتَرِي.
أَمَّا لَوْ اشْتَرَى الْمُشْتَرِي مَالًا بِمِائَةِ جُنَيْهٍ وَكَانَ لَا يَمْلِكُ الْمِائَةَ جُنَيْهٍ حِينَ الْعَقْدِ فَلَا يَطْرَأُ بِذَلِكَ خَلَلٌ مَا عَلَى الْعَقْدِ وَلَهُ بَعْدَئِذٍ أَنْ يَتَدَارَكَهَا وَيَدْفَعَهَا لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَعْيَانِ، وَالْأَثْمَانُ إنْ هِيَ إلَّا وَسِيلَةٌ لِلْمُبَادَلَةِ.
أَعْيَانٌ: جَمْعُ عَيْنٍ وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ كَمَا عُرِّفَتْ فِي الْمَادَّةِ (١٥٩) تَشْمَلُ الثَّمَنَ الْمَوْجُودَ فَبِالنَّظَرِ لِلْمُقَابَلَةِ الْوَارِدَةِ هُنَا يُعْلَمُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْيَانِ إنْ هُوَ إلَّا غَيْرُ الثَّمَنِ.
الْأَمْوَالُ: جَمْعُ مَالٍ وَكَلِمَةُ الْمَالِ وَإِنْ تَكُنْ كَمَا فُهِمَ مِنْ الْمَادَّةِ (١٢٦) تَشْمَلُ الثَّمَنَ أَيْضًا وَلَكِنْ بِمَا أَنَّهَا جَاءَتْ هُنَا مُقَابِلَةً لِلثَّمَنِ فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهَا غَيْرُ الْأَثْمَانِ مِنْ الْأَمْوَالِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٥٢) الثَّمَنُ مَا يَكُونُ بَدَلًا لِلْمَبِيعِ وَيَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ]
(الْمَادَّةُ ١٥٢) الثَّمَنُ مَا يَكُونُ بَدَلًا لِلْمَبِيعِ وَيَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ حَتَّى وَلَوْ أُشِيرَ إلَى الثَّمَنِ حِينَ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ نَقْدًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ بَلْ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَادَّةِ (٢٤٣) لَا يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِهِ فِي الْعَقْدِ.
وَالثَّمَنُ: لُغَةً هُوَ قِيمَةُ الشَّيْءِ وَهَذَا الْمَعْنَى أَعَمُّ مِنْ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ فَنَقْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ إلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ هُوَ مِنْ نَقْلِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ.
وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الثَّمَنُ بِمَعْنَى الْبَدَلِ مُطْلَقًا وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ (٤٦٣) بِهَذَا الْمَعْنَى فَسَيَأْتِي فِي شَرْحِهَا إيضَاحُهُ وَتَفْصِيلُهُ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ لِلثَّمَنِ مَعْنَيَيْنِ بِمَعْنَى أَنَّهُ قِيمَةُ الْمَبِيعِ وَيَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْوَارِدُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ، وَمَعْنَى أَنَّهُ بَدَلٌ: أَيْ أَنَّهُ الْمَالُ الَّذِي يَكُونُ عِوَضًا عَنْ الْمَبِيعِ.
فَيَدْخُلُ فِيهِ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ الْمَكِيلَاتُ، وَالْمَوْزُونَاتُ، وَالْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَقَارِبَةُ وَالنُّقُودُ دُونَ الْأَعْيَانِ لِعَدَمِ إمْكَانِ تَرَتُّبِهَا بِالذِّمَّةِ.
وَيَدْخُلُ فِيهِ بِمَعْنَاهُ الثَّانِي النُّقُودُ وَالْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ وَالْأَعْيَانُ غَيْرُ الْمِثْلِيَّةِ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَمَا إلَيْهَا هَذَا وَالثَّمَنُ نَوْعَانِ:
стр. 107
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الثَّمَنُ الْمُسَمَّى.
النَّوْعُ الثَّانِي: ثَمَنُ الْمِثْلِ. وَسَيَأْتِي فِي الْمَادَّتَيْنِ الْآتِيَتَيْنِ تَعْرِيفُهُمَا.
وَقُصَارَى الْقَوْلِ أَنَّهُ بِمَا أَنَّ الثَّمَنَ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ الْمَبِيعِ فَلَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ.
وَلِلسَّبَبِ نَفْسِهِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَقْتَ الْعَقْدِ وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَمَقْدُورَ التَّسْلِيمِ حِينَئِذٍ.
وَإِذَا تَلِفَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ.
مِثَالٌ: لَوْ اشْتَرَى شَخْصٌ مَالًا بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَكَانَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ حِينَ الْعَقْدِ فَالشِّرَاءُ صَحِيحٌ كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِينَارًا فَاشْتَرَى بِهَا مَالًا وَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهَا لِلْبَائِعِ تَلِفَتْ بِيَدِهِ فَلَا يَطْرَأُ خَلَلٌ مَا عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
أَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ فَسَيَأْتِي الْبَحْثُ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٥٥) .
[ (الْمَادَّةُ ١٥٣) الثَّمَنُ الْمُسَمَّى]
(الْمَادَّةُ ١٥٣) الثَّمَنُ الْمُسَمَّى هُوَ الثَّمَنُ الَّذِي يُسَمِّيهِ وَيُعَيِّنُهُ الْعَاقِدَانِ وَقْتَ الْبَيْعِ بِالتَّرَاضِي سَوَاءٌ كَانَ مُطَابِقًا لِلْقِيمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ نَاقِصًا عَنْهَا أَوْ زَائِدًا عَلَيْهَا.
وَعَلَى ذَلِكَ كَمَا أَنَّ الثَّمَنَ الْمُسَمَّى قَدْ يَكُونُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ الْحَقِيقِيَّةِ يَكُونُ أَيْضًا أَزْيَدَ مِنْ الْقِيمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ أَنْقَصَ.
مِثَالٌ: لَوْ بَاعَ إنْسَانٌ فَرَسًا لَهُ قِيمَتُهُ الْحَقِيقِيَّةُ خَمْسِينَ جُنَيْهًا بِخَمْسِينَ جُنَيْهًا فَيَكُونُ قَدْ بَاعَهُ بِقِيمَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ لَوْ بَاعَهُ بِسِتِّينَ فَيَكُونُ قَدْ بَاعَهُ بِعَشَرَةِ جُنَيْهَاتٍ زِيَادَةً عَنْ قِيمَتِهِ، أَمَّا لَوْ بَاعَهُ بِأَرْبَعِينَ فَيَكُون الثَّمَنُ الْمُسَمَّى قَدْ نَقَصَ عَنْ الْقِيمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْفَرَسِ.
هَذَا وَلَمَّا كَانَتْ كَلِمَةُ (قِيمَةٍ) كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ هِيَ السِّعْرُ الْحَقِيقِيُّ لِثَمَنِ الْمَبِيعِ فَوَصْفُهَا بِالْحَقِيقِيَّةِ إنَّمَا هُوَ وَصْفٌ تَفْسِيرِيٌّ.
حَاشِيَةٌ لِبَيَانِ بَعْضِ الِاصْطِلَاحَاتِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالثَّمَنِ:
١ - الْغِشُّ الْغَالِبُ: هُوَ أَنْ تَكُونَ كَمِّيَّةُ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ فِي النُّقُودِ أَقَلَّ مِنْ الْكَمِّيَّةِ الْمَعْدِنِيَّةِ الْمَمْزُوجَةِ مَعَهَا كَأَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ فِضَّةً أَوْ ذَهَبًا وَالثُّلُثَانِ نُحَاسًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمَعَادِنِ الْأُخْرَى.
٢ - الْغِشُّ الْمَغْلُوبُ: وَذَلِكَ هُوَ النُّقُودُ الَّتِي تَكُونُ كَمِّيَّةُ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ فِيهَا أَزْيَدَ مِنْ الْمَعَادِنِ الْأُخْرَى الْمَمْزُوجَةِ بِهَا.
٣ - النَّقْدُ الْخَالِصُ: وَهُوَ النُّقُودُ الذَّهَبِيَّةُ أَوْ الْفِضِّيَّةُ الَّتِي لَمْ تُمْزَجْ بِمَعْدِنٍ آخَرَ مِنْ الْمَعَادِنِ.
стр. 108
زُيُوفٌ: جَمْعُ زَيْفٍ هِيَ الدَّرَاهِمُ الَّتِي لَا يُوجَدُ فِيهَا ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ مِثْلُ الْأَجْزَاءِ الْمَعْدِنِيَّةِ أَوْ النُّحَاسِيَّةِ الْبَحْتَةِ.
٥ - الْكَسَادُ: وَهُوَ أَنْ يَبْطُلَ التَّدَاوُلُ بِنَوْعٍ مِنْ الْعُمْلَةِ وَيَسْقُطَ رَوَاجُهَا فِي الْبِلَادِ كَافَّةً.
٦ - الِانْقِطَاعُ: هُوَ عَدَمُ وُجُودِ مِثْلِ الشَّيْءِ مَا فِي الْأَسْوَاقِ. وَلَوْ وُجِدَ ذَلِكَ الْمِثْلُ فِي الْبُيُوتِ فَإِنَّهُ مَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَسْوَاقِ فَيُعَدُّ مُنْقَطِعًا.
٧ - الرُّخْصُ: هُوَ تَنَزُّلُ قِيمَةِ شَيْءٍ مَا أَيْ نُقْصَانُهَا.
٨ - الْغَلَاءُ: تَزَايُدُ قِيمَةِ الشَّيْءِ أَيْ ارْتِفَاعُهَا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٥٤) الْقِيمَةُ هِيَ الثَّمَنُ الْحَقِيقِيُّ لِلشَّيْءِ]
(الْمَادَّةُ ١٥٤) الْقِيمَةُ هِيَ الثَّمَنُ الْحَقِيقِيُّ لِلشَّيْءِ وَكَذَلِكَ ثَمَنُ الْمِثْلِ.:
أَيْ أَنَّهَا الْمِقْيَاسُ لِلْمَالِ بِدُونِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
فَالْقِيمَةُ بِمَا أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمِقْيَاسِ فَلَا تَكُونُ زَائِدَةً أَوْ نَاقِصَةً (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
وَتُجْمَعُ الْقِيمَةُ عَلَى قِيَمٍ كَعِنَبٍ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ السِّعْرَ لَمَّا كَانَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَتَاعِ فَقَدْ سُمِّيَ قِيمَةً.
وَكَمَا بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٥٢) أَنَّ الثَّمَنَ الْمُسَمَّى وَثَمَنَ الْمِثْلِ هُمَا مِنْ أَقْسَامِ الثَّمَنِ فَالثَّمَنُ هُوَ الْمُطْلَقُ الْأَعَمُّ أَمَّا الثَّمَنُ الْمُسَمَّى وَثَمَنُ الْمِثْلِ فَهُمَا الْمُطْلَقُ الْأَخَصُّ.
عَلَى أَنَّهُ يُوجَدُ بَيْنَ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى وَبَيْنَ ثَمَنِ الْمِثْلِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ فَيَجْتَمِعَانِ فِي مَادَّةٍ وَيَفْتَرِقَانِ فِي اثْنَتَيْنِ.
مَادَّةُ الِاجْتِمَاعِ - هِيَ كَمَا لَوْ بَاعَ شَخْصٌ مَالَهُ الَّذِي يُسَاوِي مِائَةَ قِرْشٍ بِمِائَةِ قِرْشٍ ثَمَنًا مُسَمِّيًا فَالْمِائَةُ قِرْشٍ كَمَا أَنَّهَا الثَّمَنُ الْمُسَمَّى لِلْمَبِيعِ فَهِيَ الْقِيمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَهُ أَوْ ثَمَنُ الْمِثْلِ.
افْتِرَاقُ الْقِيمَةِ عَنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى - وَذَلِكَ كَمَا لَوْ بَاعَ شَخْصٌ مَالًا يُسَاوِي مِائَةَ قِرْشٍ بِخَمْسِينَ قِرْشًا بَيْعًا فَاسِدًا وَتَلِفَ الْمَبِيعُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي فَتَلْزَمُهُ الْمِائَةُ قِرْشٍ قِيمَةُ الْمَبِيعِ الْحَقِيقِيَّةُ وَيَضْمَنُهَا لِلْبَائِعِ. فَهُنَا قَدْ وُجِدَتْ الْقِيمَةُ وَلَمْ يُوجَدْ الثَّمَنُ الْمُسَمَّى.
افْتِرَاقُ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى عَنْ الْقِيمَةِ - وَذَلِكَ كَأَنْ يَبِيعَ شَخْصٌ مَالًا يُسَاوِي مِائَةَ قِرْشٍ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ بَيْعًا صَحِيحًا فَالْمِائَةُ وَالْخَمْسُونَ هِيَ الثَّمَنُ الْمُسَمَّى لِلْمَبِيعِ وَلَيْسَتْ قِيمَتُهُ.
[ (الْمَادَّةُ ١٥٥) الْمُثَمَّنُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُبَاعُ بِالثَّمَنِ]
(الْمَادَّةُ ١٥٥) الْمُثَمَّنُ الشَّيْءُ الَّذِي يُبَاعُ بِالثَّمَنِ
الْمُثَمَّنِ: مِنْ التَّثْمِينِ بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى مَعَ فَتْحِ الثَّاءِ وَالْمِيمِ الثَّانِيَةِ الْمُشَدَّدَةِ.
التَّثْمِينُ: بِمَعْنَى وَضْعِ الْقِيمَةِ وَالسِّعْرِ.
стр. 109
يُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَ الْمُثَمَّنِ وَالْمَبِيعِ بَلْ بَيْنَ هَذِهِ الْمَادَّةِ وَبَيْنَ الْمَادَّةِ (١٥١) . فَالْمُثَمَّنُ كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٥٢) بِتَعْرِيفِ الثَّمَنِ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُبَاعُ مُقَابِلَ بَدَلٍ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ أَمَّا فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ وَإِنْ قُبِلَ لِلْبَدَلَيْنِ بَيْعٌ فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا مُثَمَّنٌ. فَعَلَى ذَلِكَ يُفْهَمُ بِأَنَّهُ يُوجَدُ بَيْنَ الْمُثَمَّنِ وَبَيْنَ الْمَبِيعِ عُمُومٌ مُطْلَقٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ فَالْمُثَمَّنُ هُوَ الْمُطْلَقُ الْأَخَصُّ، فَإِذَا بِيعَ مَالٌ مَثَلًا بِخَمْسِينَ قِرْشًا فَكَمَا أَنَّهُ يُقَالُ لِلْمَالِ مَبِيعٌ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا مُثَمَّنٌ.
أَمَّا إذَا بِيعَ حِصَانٌ بِجَمَلٍ بَيْعَ مُقَايَضَةٍ فَيُقَالُ لِلْحِصَانِ وَالْجَمَلِ: مَبِيعٌ، فَقَطْ. وَلَا تُطْلَقُ عَلَيْهِمَا لَفْظَةُ مُثَمَّنٍ.
هَذَا وَلَمَّا كَانَ فَهْمُ الْمَادَّتَيْنِ (٢٥٢ و ٢٥٣) فَهْمًا جَيِّدًا يَقْتَضِي مَعْرِفَةَ الْفَرْقِ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا فَنَرَى أَنْ نَأْتِيَ هُنَا بِالْإِيضَاحَاتِ الْآتِيَةِ:
الْأَعْيَانُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهِيَ الْأَعْيَانُ الَّتِي تَكُونُ دَائِمًا أَثْمَانًا. وَتِلْكَ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَلَا يَكُونُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ إلَّا ثَمَنٌ سَوَاءٌ دَخَلَتْ عَلَيْهِمَا (الْبَاءُ) وَهِيَ الْأَدَاةُ الْمُخْتَصَّةُ بِالثَّمَنِ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ وَسَوَاءٌ كَانَ مُقَابِلُهُمَا فِي الْبَيْعِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ مِثْلُهُمَا أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ الْمِثْلِيَّاتِ وَالْقِيَمِيَّاتِ.
وَعَلَيْهِ لَا تَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِهَا فِي الْعَقْدِ وَإِذَا تَلِفَتْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِتَلَفِهَا.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
وَهُوَ الْأَعْيَانُ الَّتِي تَكُونُ أَبَدًا مَبِيعَةً. وَهَذِهِ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَلَا مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ كَالْحَيَوَانَاتِ وَالدُّورِ وَالْأَثْوَابِ وَمَا إلَيْهَا مِنْ الْأَمْوَالِ الْقِيَمِيَّةِ، وَهَذِهِ الْأَمْوَالُ سَوَاءٌ دَخَلَتْ عَلَيْهَا (الْبَاءُ) أَدَاةُ الثَّمَنِ وَاسْتُعْمِلَتْ مَعَهَا أَوْ لَمْ تَدْخُلْ وَسَوَاءٌ اُسْتُبْدِلَتْ بِأَمْوَالٍ مِنْ جِنْسِهَا أَوْ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ فَلَا تَتَغَيَّرُ عَنْ وَضْعِيَّتِهَا وَتَبْقَى مَبِيعًا أَبَدًا لِهَذَا فَقَدْ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً وَمَعْلُومَةً فِي الْبَيْعِ لِأَجْلِ صِحَّتِهِ (اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ ٢٠٠ و ٢٠٣) .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مُتَرَاوِحًا بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ وَذَلِكَ كَالْمَكِيلَاتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ، وَالْعَدَدِيَّاتِ، الْمُتَقَارِبَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ. وَسَيَتَّضِحُ لَك ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلَاتِ الْآتِيَةِ:
١ - إذَا تَقَابَلَتْ الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ وَالْعَدَدِيَّاتُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ أَيْ كُلُّ مَا كَانَ غَيْرَ النَّقْدِ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَهُنَاكَ احْتِمَالَانِ:
الْأَوَّلُ: هُوَ كَوْنُ تِلْكَ الْمِثْلِيَّاتِ مُتَعَيِّنَةً وَعَلَى ذَلِكَ فَتُعَدُّ مِنْ الْمَبِيعَاتِ فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: قَدْ بِعْتُ حِنْطَتِي الْمَوْجُودَةَ فِي الْمَحِلِّ الْفُلَانِيِّ لَكَ بِكَذَا دِينَارًا وَعَقَدَ الْبَيْعَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فَالْمِثْلِيَّاتُ تَكُونُ مَبِيعًا مُتَعَيَّنًا فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ شُرُوطِ الْمَبِيعِ فِيهَا.
الِاحْتِمَالُ الثَّانِي - كَوْنُ الْمِثْلِيَّاتِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرَ مُقْتَرِنَةٍ بِحَرْفِ (الْبَاءِ) أَدَاةِ الثَّمَنِ فَيَكُونُ الْعَقْدُ عَقْدَ سَلَمٍ وَالْمِثْلِيَّاتُ الْمَذْكُورَةُ (مُسْلَمٌ فِيهِ) .
стр. 110
وَتَجِبُ فِيهِ مُرَاعَاةُ. شَرَائِطَ السَّلَمِ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: قَدْ اشْتَرَيْتُ كَذَا كَيْلَةً حِنْطَةً بِكَذَا دِينَارًا فَالْحِنْطَةُ الْمَذْكُورَةُ مَبِيعٌ مُسْلَمٌ فِيهِ. (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
٢ - مَتَى تَقَابَلَتْ الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ وَالْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَقَارِبَةُ (أَيْ كُلُّ الْأَمْوَالِ الْمِثْلِيَّةِ مَا عَدَا النَّقْدَيْنِ) بِعَيْنٍ وَفِي ذَلِكَ احْتِمَالَانِ أَيْضًا:
الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ - هُوَ كَوْنُ الْمِثْلِيَّاتِ الْمَذْكُورَةِ مُتَعَيِّنَةً فَتَكُونُ بِذَلِكَ ثَمَنًا كَمَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: بِعْتُكَ هَذَا الْحِصَانَ بِصُبْرَةِ هَذِهِ الْحِنْطَةِ أَوْ بِعْتُكَ صُبْرَةَ هَذِهِ الْحِنْطَةِ بِهَذَا الْحِصَانِ فَالْحِنْطَةُ تَكُونُ ثَمَنًا وَالْحِصَانُ مَبِيعًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
الِاحْتِمَالُ الثَّانِي - هُوَ كَوْنُ الْمِثْلِيَّاتِ غَيْرَ مُتَعَيِّنَةٍ وَعَلَى ذَلِكَ فَتَكُونُ تِلْكَ الْمِثْلِيَّاتُ مَبِيعًا وَمُسْلَمًا فِيهِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: قَدْ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ كَذَا كَيْلَةً مِنْ الْحِنْطَةِ بِهَذَا الْفَرَسِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ ٢) .
٣ - أَمَّا إذَا تَقَابَلَتْ الْمَكِيلَاتُ وَالْمَوْزُونَاتُ وَالْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَقَارِبَةُ أَيْ كُلُّ مَا كَانَ مِثْلِيًّا مِنْ الْأَمْوَالِ مَا عَدَا النَّقْدَيْنِ بِأَمْثَالِهَا أَيْ بِمَالٍ مِثْلِيٍّ مِنْ نَوْعِهَا فَإِذَا كَانَ الْمُقَابِلُ (بِالْكَسْرِ) وَالْمُقَابَلُ (بِالْفَتْحِ) عَيْنًا فَيُعَدُّ الْبَدَلَانِ مَبِيعًا وَالْبَيْعُ بَيْعَ مُقَايَضَةٍ.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: بِعْتُ هَذِهِ الْخَمْسِينَ كَيْلَةَ حِنْطَةٍ بِهَذِهِ الْعَشَرَةِ قَنَاطِيرَ أُرْزٍ فَالْبَدَلَانِ مَبِيعَانِ وَالْبَيْعُ بَيْعُ مُقَايَضَةٍ.
[ (الْمَادَّةُ ١٥٦) التَّأْجِيلُ تَعْلِيقُ الدَّيْنِ وَتَأْخِيرُهُ إلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ]
(الْمَادَّةُ ١٥٦) التَّأْجِيلُ: تَعْلِيقُ الدَّيْنِ وَتَأْخِيرُهُ إلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ. وَهُوَ لُغَةً بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ وَتَحْدِيدِ الْأَجَلِ
وَشَرْعًا هُوَ كَمَا وَرَدَ فِي تَعْرِيفِ هَذِهِ الْمَادَّةِ.
وَيُقَالُ لِلزَّمَنِ الْمَضْرُوبِ فِي التَّأْجِيلِ وَلِلْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ فِيهِ (أَجَلٌ) وَلِلدَّيْنِ (مُؤَجَّلٌ) وَيُقَالُ لِلدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ (الدَّيْنُ الْحَالُّ) يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ التَّأْجِيلَ قَدْ خُصِّصَ أَوَّلًا: بِالدَّيْنِ ثَانِيًا: بِالْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ.
أَمَّا إذَا أُجِّلَتْ الْعَيْنُ الَّتِي تَكُونُ ثَمَنًا أَوْ مَبِيعًا أَوْ كَانَ الْأَجَلُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَمَجْهُولًا فَالتَّأْجِيلُ حِينَئِذٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَالْبَيْعُ يَكُونُ فَاسِدًا.
هَذَا وَالتَّأْجِيلُ لَازِمٌ فِي غَيْرِ الْقَرْضِ وَلَيْسَ لِلْمُؤَجِّلِ الرُّجُوعُ عَنْ تَأْجِيلِهِ.
وَيَحْصُلُ التَّأْجِيلُ (١) حِينَ الْعَقْدِ وَذَلِكَ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ اللَّذَيْنِ يُعْقَدَانِ عَلَى أَنْ يُؤَدَّى بَدَلُهُمَا بَعْدَ سَنَةٍ مَثَلًا.
(٢) بَعْدَ الْعَقْدِ وَذَلِكَ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ اللَّذَيْنِ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا تَعْجِيلُ الثَّمَنِ أَوْ الْبَدَلِ حِينَ الْعَقْدِ ثُمَّ يُؤَجَّلَانِ لِمُدَّةِ سَنَةٍ مَثَلًا " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٢٤٨) ".
هَذَا وَيُقَابِلُ تَأْجِيلَ الدَّيْنِ حُلُولُ أَجَلِهِ.
(رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
стр. 111
[ (الْمَادَّةُ ١٥٧) التَّقْسِيطُ تَأْجِيلُ أَدَاءِ الدَّيْنِ]
(الْمَادَّةُ ١٥٧) التَّقْسِيطُ تَأْجِيلُ أَدَاءِ الدَّيْنِ مُفَرَّقًا إلَى أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُعَيَّنَةٍ. هَذَا التَّعْرِيفُ هُوَ تَعْرِيفُ التَّقْسِيطِ الشَّرْعِيِّ وَأَمَّا تَعْرِيفُهُ اللُّغَوِيُّ: فَهُوَ تَجْزِئَةُ الشَّيْءِ إلَى أَجْزَاءٍ
وَذَلِكَ كَتَأْجِيلِ دَيْنٍ بِخَمْسِمِائَةِ قِرْشٍ إلَى خَمْسَةِ أَسَابِيعَ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ مِنْهُ مِائَةَ قِرْشٍ كُلَّ أُسْبُوعٍ.
فَعَلَى ذَلِكَ يُفْهَمُ بِأَنَّ فِي كُلِّ تَقْسِيطٍ يُوجَدُ تَأْجِيلٌ وَلَيْسَ فِي كُلِّ تَأْجِيلٍ يُوجَدُ تَقْسِيطٌ.
وَأَنَّهُ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ يُوجَدُ بَيْنَ التَّأْجِيلِ وَالتَّقْسِيطِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ وَالتَّقْسِيطُ هُوَ الْمُطْلَقُ الْأَخَصُّ مِنْهُمَا.
[ (الْمَادَّةُ ١٥٨) الدَّيْنُ هُوَ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ]
(الْمَادَّةُ ١٥٨) الدَّيْنُ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَمِقْدَارٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ وَمِقْدَارٍ مِنْهَا لَيْسَ بِحَاضِرٍ وَالْمِقْدَارُ الْمُعَيَّنُ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ مِنْ صُبْرَةِ الْحِنْطَةِ الْحَاضِرَتَيْنِ قَبْلَ الْإِفْرَازِ فَكُلُّهَا مِنْ قَبِيلِ الدَّيْنِ.
وَالدَّيْنُ يَتَرَتَّبُ فِي الذِّمَّةِ بِعَقْدٍ كَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالْحَوَالَةِ أَوْ اسْتِهْلَاكِ مَالٍ أَوْ اسْتِقْرَاضٍ وَالدَّيْنُ هُوَ مَالٌ حُكْمِيٌّ سَوَاءٌ كَانَ نَقْدًا أَوْ مَالًا مِثْلِيًّا غَيْرَ النَّقْدِ كَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
وَلَيْسَ بِمَالٍ حَقِيقِيٍّ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يُدَّخَرُ وَأَنَّ اعْتِبَارَ الدَّيْنِ مَالًا حُكْمِيًّا إنَّمَا هُوَ؛ لِأَنَّهُ بِاقْتِرَانِهِ بِالْقَبْضِ فِي الزَّمَنِ الْآتِي سَيَكُونُ قَابِلًا لِلِادِّخَارِ. أَمَّا الذِّمَّةُ فَقَدْ سَبَقَ تَعْرِيفُهَا فِي الْمَادَّةِ الثَّامِنَةِ.
هَذَا وَإِنَّ أَحْكَامَ الدَّيْنِ تَخْتَلِفُ عَنْ أَحْكَامِ الْعَيْنِ.
فَالدَّيْنُ قَابِلٌ لِلْإِسْقَاطِ بِخِلَافِ الْعَيْنِ وَالْعَيْنُ تَكُونُ فِي بَيْعِ السَّلَمِ ثَمَنًا بِعَكْسِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّيْنَ يُقْسَمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
١ - هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْمَدِينِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
٢ - هُوَ الَّذِي وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالذِّمَّةِ فَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ وَلَا مُشَارٍ إلَيْهِ.
٣ - هُوَ الَّذِي وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا وَمُشَارًا إلَيْهِ فَهُوَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ غَيْرِ الْمُفْرَزَةِ كَكَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْحِنْطَةِ غَيْرِ مُفْرَزَةٍ فِي صُبْرَةِ حِنْطَةٍ.
يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ التَّفْصِيلَاتِ كُلِّهَا أَنَّ الدَّيْنَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالشَّيْءِ الثَّابِتِ بِالذِّمَّةِ وَعَلَيْهِ يَكُونُ الْمِثَالُ الْوَارِدُ فِي الْمَجَلَّةِ أَعَمُّ مِنْ الْمُمَثَّلِ.
أَمَّا الْقَرْضُ فَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْمِثْلِيِّ الَّذِي يَدْفَعُهُ الْمُقْرِضُ لِلْمُسْتَقْرِضِ.
يُوجَدُ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْقَرْضِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ وَالْقَرْضُ هُوَ الْمُطْلَقُ الْأَخَصُّ.
стр. 112
فَلَوْ اشْتَرَى شَخْصٌ مَالًا مِنْ آخَرَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مَثَلًا فَكَمَا أَنَّ الْمَالَ يُصْبِحُ مِلْكًا لَهُ تُصْبِحُ الْعَشَرَةُ دَنَانِيرَ فِي ذِمَّتِهِ مِلْكًا لِلْبَائِعِ وَبِإِعْطَاءِ الْمُشْتَرِي الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ لِلْبَائِعِ يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي مِثْلَ الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ هَذِهِ إلَّا أَنَّ الدَّيْنَ الْمُتَرَتِّبَ بِذِمَّةِ الْمُشْتَرِي بِاشْتِرَاءِ الْمَبِيعِ يَكُونُ بَاقِيًا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يُؤَدِّ عَيْنَ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ بَلْ إنَّمَا قَضَى مِثْلَهُ وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ الْبَائِعَ إذَا طَالَبَ الْمُشْتَرِيَ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ يَحِقُّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْمَبْلَغِ الَّذِي قَضَاهُ إيَّاهُ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ حِينَئِذٍ أَنْ يُطَالِبَ الْمُشْتَرِيَ إذْ لَا فَائِدَةَ مِنْ الْمُطَالَبَةِ الْمُتَقَابِلَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
وَالْحَاصِلُ بِمَا أَنَّهُ كَمَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي مِنْ جِهَةِ الْبَيْعِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ لِلْبَائِعِ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ أَيْضًا وَهِيَ الَّتِي أَخَذَهَا الْبَائِعُ ثَمَنًا لِلْمَبِيعِ فَيَحْصُلُ بَيْنَ هَذَيْنِ الدَّيْنَيْنِ تَقَاضٍ جَبْرِيٌّ فَلَا يَحِقُّ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ مُطَالَبَةُ الْآخَرِ أَشْبَاهٌ هَذَا وَيَتَفَرَّعُ بِنَاءً عَلَى حُصُولِ أَدَاءِ الدَّيْنِ بِطَرِيقِ التَّقَاضِي الْمَسْأَلَتَانِ الْآتِيَتَانِ:
١ - إذَا أَبْرَأَ الدَّائِنُ الْمَدِينَ إبْرَاءَ إسْقَاطٍ بَعْدَ أَنْ أَوْفَاهُ الْمَدِينُ إيَّاهُ فَالْإِبْرَاءُ صَحِيحٌ وَيَحِقُّ لِلْمَدِينِ اسْتِرْدَادُ الْمَبْلَغِ الَّذِي دَفَعَهُ لِلدَّائِنِ أَمَّا إذَا أَبْرَأَهُ إبْرَاءَ اسْتِيفَاءٍ فَلَا يَحِقُّ لَهُ اسْتِرْدَادُ مَا دَفَعَهُ؛ لِأَنَّ إبْرَاءَ الِاسْتِيفَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ إقْرَارٍ بِقَبْضِ الْحَقِّ وَاسْتِيفَائِهِ (أَشْبَاهٌ رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
٢ - إذَا أَوْفَى الْمَدِينُ الدَّيْنَ الَّذِي فِي مُقَابِلِهِ رَهْنٌ فَتَلِفَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ فَبِمَا أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي فِي مُقَابِلِ الرَّهْنِ يَسْقُطُ فَيَجِبُ عَلَى الدَّائِنِ إعَادَةُ مَا اسْتَوْفَاهُ وَفَاءً لِلدَّيْنِ
[ (الْمَادَّةُ ١٥٩) الْعَيْنُ هِيَ الشَّيْءُ الْمُعَيَّنُ الْمُشَخَّصُ]
(الْمَادَّةُ ١٥٩) الْعَيْنُ: هِيَ الشَّيْءُ الْمُعَيَّنُ الْمُشَخَّصُ كَبَيْتٍ وَحِصَانٍ وَكُرْسِيٍّ وَصُبْرَةِ حِنْطَةٍ وَصُبْرَةِ دَرَاهِمَ حَاضِرَتَيْنِ وَكُلُّهَا مِنْ الْأَعْيَانِ. الْعَيْنُ: هِيَ لَفْظٌ مِنْ أَشْهَرِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ وَأَكْثَرِهَا مَعَانٍ. فَمِنْ مَعَانِيهَا الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ كَاسْتِعْمَالِهَا لِحَاسَّةِ الْبَصَرِ وَمِنْهَا الْمَجَازِيُّ. فَتَجِيءُ الْعَيْنُ بِمَعْنَى النَّفْسِ وَالذَّاتِ كَمَا تَجِيءُ بِمَعْنَى الشَّيْءِ الْحَاضِرِ الْمَوْجُودِ وَيُرَادُ بِهَا هُنَا الشَّيْءُ الْمُقَابِلُ لِلدَّيْنِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
يُفْهَمُ مِنْ الْمِثَالِ الْوَارِدِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّ لَفْظَةَ الْعَيْنِ كَمَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ عَقَارًا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ، وَالْمِثْلِيَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ، وَالْمَكِيلَاتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ، وَالنُّقُودِ، وَالْعُرُوضِ
[ (الْمَادَّةُ ١٦٠) مَعْنَى الْبَائِعُ]
(الْمَادَّةُ ١٦٠) الْبَائِعُ: هُوَ مَنْ يَبِيعُ.
هَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْمَشْهُورُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَقَدْ تُطْلَقُ كَمَا مَرَّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُشْتَرِي أَيْضًا.
стр. 113
[ (الْمَادَّةُ ١٦١) مَعْنَى الْمُشْتَرِي]
(الْمَادَّةُ ١٦١) الْمُشْتَرِي هُوَ مَنْ يَشْتَرِي وَهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا هُوَ الْمَشْهُورُ لِكَلِمَةِ مُشْتَرِي وَقَدْ تُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْبَائِعِ كَمَا مَرَّ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٦٢) الْمُتَبَايِعَانِ هُمَا الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي]
(الْمَادَّةُ ١٦٢) الْمُتَبَايِعَانِ هُمَا الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي وَيُسَمَّيَانِ عَاقِدَيْنِ أَيْضًا مُتَبَايِعَانِ مُثَنَّى مُتَبَايِعٍ وَعَاقِدَانِ مُثَنَّى عَاقِدٍ، وَكَلِمَةُ عَاقِدَيْنِ أَعَمُّ مِنْ مُتَبَايِعَيْنِ؛ لِأَنَّهَا تَشْمَلُ كُلَّ عَاقِدَيْنِ لِعَقْدٍ سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ عَقْدَ بَيْعٍ أَوْ عَقْدَ إجَارَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٦٣) الْإِقَالَةُ رَفْعُ عَقْدِ الْبَيْعِ وَإِزَالَتُهُ]
تَقَعُ إقَالَةُ الْبَيْعِ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ كَأَقَلْتُ وَقَبِلْتُ وَبِمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ. يَخْرُجُ بِقَوْلِنَا " بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ " فَسْخُ الْعُقُودِ غَيْرِ اللَّازِمَةِ كَالْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ، وَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
وَمَعْنَى الْإِقَالَةِ، هُوَ رَفْعُ وَإِزَالَةُ الْعَقْدِ أَيْ فَسْخُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ بَيْعًا أَوْ إجَارَةً أَوْ أَيَّ عَقْدٍ مِنْ الْعُقُودِ الْأُخْرَى اللَّازِمَةِ.
وَذِكْرُ الْإِقَالَةِ هُنَا لَا يُسْتَدَلُّ مِنْهُ بِأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْبَيْعِ فَهِيَ كَمَا تَقَعُ فِي الْبَيْعِ تَقَعُ أَيْضًا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ.
وَلَمَّا كَانَ جَوْهَرُهَا وَاحِدًا وَحَقِيقَتُهَا لَا تَتَغَيَّرُ فِي الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ جَمِيعِهَا فَلَمْ تُذْكَرْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ مِنْ كُتُبِ الْمَجَلَّةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٦٤) التَّغْرِيرُ تَوْصِيفُ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ صِفَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ]
تَغْرِيرٌ، عَلَى وَزْنِ تَفْعِيلٍ وَهُوَ بِمَعْنَى الْإِخْدَاعِ. وَيُقَالُ لِلْخَادِعِ غَارٌّ وَلِلْمَخْدُوعِ مَغْرُورٌ.
وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: إنَّ مَالِيَ يُسَاوِي كَذَا وَهُوَ لَا يُسَاوِي ذَلِكَ فَخُذْهُ، أَوْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: إنَّ مَالَكَ لَا يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ كَذَا، وَهُوَ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَبِعْهُ لِي بِهِ.
أَمَّا الْغُرُورُ فَهُوَ أَنْ يَخْدَعَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ: وَذَلِكَ كَمَا لَوْ بَاعَ الْبَائِعُ مَالَهُ بِأَنْقَصَ مِمَّا يُسَاوِي بِدُونِ تَغْرِيرٍ مِنْ الْمُشْتَرِي بِقَوْلِهِ لِلْبَائِعِ: إنَّهُ لَا يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ كَذَا.
стр. 114
[ (الْمَادَّةُ ١٦٥) الْغَبْنُ الْفَاحِشُ]
(الْمَادَّةُ ١٦٥) الْغَبْنُ الْفَاحِشُ: غَبْنٌ عَلَى قَدْرِ نِصْفِ الْعُشْرِ فِي الْعُرُوضِ وَالْعُشْرِ فِي الْحَيَوَانَاتِ وَالْخُمُسِ فِي الْعَقَارِ أَوْ زِيَادَةٍ.
وَرُبْعُ الْعُشْرِ فِي الدَّرَاهِمِ بِالنَّظَرِ إلَى قِيَمِ الْأَشْيَاءِ الْحَقِيقِيَّةِ أَيْضًا.
يَعْنِي: أَنَّ إعْطَاءَ الْعَشَرَةِ بِعَشَرَةٍ وَرُبْعٍ، أَوْ أَخْذَ الْعَشَرَةِ وَرُبْعٍ بِعَشَرَةٍ فِي الدَّرَاهِمِ وَإِعْطَاءَ مَا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ بِعَشَرَةٍ وَنِصْفٍ، أَوْ أَخْذَ مَا قِيمَتُهُ الْعَشَرَةُ وَنِصْفٌ بِعَشَرَةٍ فِي الْعُرُوضِ وَإِعْطَاءَ مَا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ بِأَحَدَ عَشَرَ، أَوْ أَخْذَ مَا قِيمَتُهُ أَحَدَ عَشَرَ بِعَشَرَةٍ فِي الْحَيَوَانَاتِ وَإِعْطَاءَ مَا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ بِاثْنَيْ عَشَرَ وَأَخْذَ مَا قِيمَتُهُ اثْنَيْ عَشَرَ بِعَشَرَةٍ فِي الْعَقَارِ يُعَدُّ غَبْنًا فَاحِشًا.
وَوَجْهُ اخْتِلَافِ مِقْدَارِ الْغَبْنِ بِاخْتِلَافِ الْأَمْوَالِ نَاشِئٌ عَنْ مِقْدَارِ التَّصَرُّفِ بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ فَمَا كَانَ التَّصَرُّفُ بِهَا كَثِيرًا قَلَّ الْمِقْدَارُ الَّذِي يُعَدُّ فِيهَا غَبْنًا فَاحِشًا وَمَا كَانَ التَّصَرُّفُ بِهَا قَلِيلًا كَثُرَ فِيهِ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ.
الْغَبْنُ، مِنْهُ الْفَاحِشُ وَذَلِكَ كَمَا مَرَّ وَمِنْهُ الْغَبْنُ الْيَسِيرُ وَهُوَ الَّذِي لَا يَبْلُغُ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ لِلْغَبْنِ الْفَاحِشِ كَأَنْ يُعْطِيَ رَجُلٌ آخَرَ عَشَرَةً بِعَشَرَةٍ وَثُمْنٍ أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْعَشَرَةَ وَثُمْنٍ بِعَشَرَةٍ فِي الدَّرَاهِمِ، أَوْ يُعْطِيَ الْعَشَرَةَ بِعَشَرَةٍ وَرُبْعٍ أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْعَشَرَةَ وَرُبْعٍ بِعَشَرَةٍ فِي الْعُرُوضِ.
وَالْعُرُوضُ هُنَا أَيْضًا تَشْمَلُ الْمَوْزُونَاتِ وَالْمَكِيلَاتِ كَمَا قَدْ مَرَّ مَعَنَا فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ " ١٣١ " وَيُوجَدُ بَيْنَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَالْغَبْنِ الْيَسِيرِ فَرْقٌ فِي الْأَحْكَامِ. فَبَيْعُ مَالِ الْيَتِيمِ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ صَحِيحٌ وَبَاطِلٌ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ. وَالْغَبْنُ الْيَسِيرُ وَلَوْ اقْتَرَنَ بِالتَّغْرِيرِ فَلَا يَكُونُ مُثْبِتًا لِخِيَارِ الْغَبْنِ، وَالتَّغْرِيرُ بِخِلَافِ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ فَإِنَّهُ إذَا اقْتَرَنَ بِالتَّغْرِيرِ فَيَجِبُ فِيهِ الْخِيَارُ.
[ (الْمَادَّةُ ١٦٦) الْقَدِيمُ هُوَ الَّذِي لَا يُوجَدُ مَنْ يَعْرِفُ أَوَّلَهُ]
(الْمَادَّةُ ١٦٦) الْقَدِيمُ: هُوَ الَّذِي لَا يُوجَدُ مَنْ يَعْرِفُ أَوَّلَهُ. فَمُنْتَهَى الْوَقْتِ الَّذِي يَعْلَمُهُ النَّاسُ يُعْتَبَرُ حَدًّا لِلْقِدَمِ. وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ كَلِمَةُ الْقَدِيمِ بِمَعْنَى الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لِوُجُودِهِ عَدَمٌ وَلَكِنَّ الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي جَاءَ فِي تَعْرِيفِ الْمَجَلَّةِ. عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ إضَافَةُ كَلِمَةٍ " بِالْمُشَاهَدَةِ " عَلَى التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَشْيَاءِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى عَهْدٍ بَعِيدٍ كَمِائَتَيْ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ يُعْرَفُ زَمَنُ وُجُودِهَا بِمَا ذَكَرَهُ التَّارِيخُ عَنْهَا. وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ لَفْظُ الْقَدِيمِ بِمَعْنَاهُ هَذَا فِي الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ وَفِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ وَإِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ.
стр. 115
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِعَقْدِ الْبَيْعِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ] [ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِرُكْنِ الْبَيْعِ]
الْبَابُ الْأَوَّلُ:
فِي بَيَانِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِعَقْدِ الْبَيْعِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ:
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ:
فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِرُكْنِ الْبَيْعِ
(الْمَادَّةُ ١٦٧) :
الْبَيْعُ يَنْعَقِدُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ.
وَيَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ الْقَبُولُ مِنْ الشَّخْصِ الَّذِي حَصَلَ الْإِيجَابُ لَهُ وَإِلَّا فَالْقَبُولُ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ غَيْرَهُ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا وَمَتَى اقْتَرَنَ الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ عَلَى الصُّورَةِ الْمَشْرُوعَةِ فَلَا يَتَوَقَّفُ الِانْعِقَادُ عَلَى إذْنِ أَحَدِ النَّاسِ أَوْ رِضَائِهِ. إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقَبُولِ الشُّرُوطُ السَّبْعَةُ الْآتِيَةُ:
١ - مُرَافَقَةُ الْقَبُولِ لِلْإِيجَابِ.
٢ - وُجُودُ الْمُوجِبِ حِينَ الْقَبُولِ فِي قَيْدِ الْحَيَاةِ.
٣ - أَلَا يَكُونَ الْمُوجِبُ قَدْ رَجَعَ عَنْ إيجَابِهِ قَبْلَ الْقَبُولِ.
٤ - أَلَا يَكُونَ الْمُخَاطَبُ قَدْ رَدَّ الْإِيجَابَ.
٥ - أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَاقِدَانِ قَدْ سَمِعَا أَلْفَاظَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ.
٦ - صُدُورُ كُلٍّ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مِنْ شَخْصٍ غَيْرِ الشَّخْصِ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ الْآخَرُ.
٧ - أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدَانِ جَادَّيْنِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ غَيْرَ هَازِلَيْنِ.
فَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ السَّبْعَةِ سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْمَادَّةِ " ١٧٧ " وَالْمَوَادِّ الَّتِي تَلِيهَا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُوجِبُ فِي قَيْدِ الْحَيَاةِ حِينَ الْقَبُولِ وَيَكُونَ أَهْلًا لِلْبَيْعِ. فَإِذَا تُوُفِّيَ الْمُوجِبُ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ فَإِيجَابُهُ يُصْبِحُ بَاطِلًا وَلَا يَصِحُّ قَبُولُ الْمُخَاطَبِ بَعْدَ ذَلِكَ هِنْدِيَّةٌ ".
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: سَيَأْتِي بَيَانُهُ " فِي الْمَادَّةِ " ١٨٤، وَمَا يَتْلُوهَا مِنْ الْمَوَادِّ.
شَرْطُ الرُّجُوعِ: لَكِنْ يُشْتَرَطُ لِيَكُونَ رُجُوعُ الْمُوجِبِ صَحِيحًا سَمَاعُ الْفَرِيقِ الْآخَرِ إيَّاهُ. فَإِذَا وَجَبَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ بِقَوْلِهِ لِآخَرَ: قَدْ بِعْتُكَ مَالِي الْفُلَانِيَّ بِكَذَا وَقَبْلَ الْقَبُولِ رَجَعَ عَنْ إيجَابِهِ هَذَا فَأَجَابَهُ الْفَرِيقُ الْآخَرُ وَلَمْ يَسْمَعْ رُجُوعَهُ قَدْ قَبِلْت فَيُعْقَدُ الْبَيْعُ " الْهِنْدِيَّةُ
стр. 116
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: إذَا أَوْجَبَ أَحَدُ الْمُبَايِعَيْنِ الْبَيْعَ فَرَدَّ الثَّانِي إيجَابَهُ يَبْطُلُ الْإِيجَابُ فَلَوْ حَصَلَ الْقَبُولُ بَعْدَئِذٍ فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ طَحْطَاوِيٌّ، (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٥) .
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ سَمَاعُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي إيجَابَهُمَا وَقَبُولَهُمَا فَلَوْ أَوْجَبَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ فَقَبِلَ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَسْمَعْ الْبَائِعُ فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ وَلَكِنْ إذَا سَمِعَ الْحَاضِرُونَ قَبُولَ الْمُشْتَرِي فَادِّعَاءُ الْبَائِعِ بِعَدَمِ السَّمَاعِ غَيْرُ مُصَدَّقٍ مَا لَمْ يَدَّعِ فَقْدَ السَّمْعِ أَوْ ضَعْفَهُ " هِنْدِيَّةٌ ".
الشَّرْطُ السَّادِسُ: لَا يَصِحُّ قِيَامُ شَخْصٍ بِمُفْرَدِهِ مَقَامَ الْعَاقِدَيْنِ فَيَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَيْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوَلِّي شَخْصٍ فِي عَقْدِ بَيْعٍ وَاحِدٍ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ مَعًا؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْمُتَبَايِعَيْنِ مُتَمَلِّكٌ وَالثَّانِي مُمَلَّكٌ وَلَا تَجْتَمِعُ الصِّفَتَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَفِي شَيْءٍ وَاحِدٍ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا تَكُونُ الْبُيُوعُ الْآتِيَةُ صَحِيحَةً:
١ - إذَا وَكَّلَ شَخْصٌ آخَرَ بِبَيْعِ مَالٍ وَوَكَّلَ آخَرُ الْوَكِيلَ بِاشْتِرَاءِ الْمَالِ فَبَاعَهُ مُوَكِّلَهُ الثَّانِي فَلَا يَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا " مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ " ٢ - إذَا وَكَّلَ شَخْصٌ آخَرَ بِبَيْعِ مَالٍ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ مَالِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ وَالْوَكِيلُ بَاعَ مَالَ الرَّجُلِ أَوْ اشْتَرَى مَالَ الصَّغِيرِ فَلَا يَكُونُ الْبَيْعُ جَائِزًا (خُلَاصَةٌ فِي بَيْعِ الْأَبِ وَالْأُمِّ) .
٣ - إذَا وَكَّلَ أَبٌ بِبَيْعِ مَالِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ لِابْنٍ صَغِيرٍ ثَانٍ لَهُ وَالْوَكِيلُ فَعَلَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ غَيْرُ جَائِزٍ، أَمَّا إذَا وَكَّلَ أَبٌ شَخْصًا فِي بَيْعِ مَالٍ لِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ وَوَكَّلَ آخَرَ فِي شِرَاءِ ذَلِكَ الْمَالِ لِوَلَدِهِ الْآخَرِ الصَّغِيرِ فَيَكُونُ الْبَيْعُ جَائِزًا. وَذَلِكَ لِوُقُوعِهِ مِنْ شَخْصَيْنِ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٤٤٩) .
عَلَى أَنَّ لِهَذَا الْحُكْمِ مُسْتَثْنَيَاتٍ يَجُوزُ فِيهِمَا صُدُورُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَيَتِمُّ الْعَقْدُ أَحْيَانًا فِيهِمَا بِالْإِيجَابِ فَقَطْ وَإِلَيْكَ إيَّاهُمَا.
١ - لِأَبِي الصَّغِيرِ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدِ الْبَيْعِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَأَنْ يَعْقِدَ لَهُ الْبَيْعَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ الْأَنْقِرْوِيُّ فَقَدْ اُعْتُبِرَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ مِنْ الْأَبِ مَقَامَ اللَّفْظَيْنِ بِدَاعِي الشَّفَقَةِ الْأَبَوِيَّةِ. مِثَالٌ: لَوْ أَرَادَ أَبُو الصَّغِيرِ بَيْعَ مَالٍ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ فَقَالَ: بِعْت مَالِي مِنْ وَلَدِي الصَّغِيرِ فُلَانٍ بِكَذَا قِرْشًا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَا حَاجَةٍ لِقَبُولِ الْأَبِ أَوْ قَبُولِ شَخْصٍ آخَرَ لِهَذَا الْبَيْعِ. وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَبُو الصَّغِيرِ شِرَاءَ مَالِهِ لِنَفْسِهِ فَالْحُكْمُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا.
عَلَى أَنَّ انْعِقَادَ الْبَيْعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ إنَّمَا يَتِمُّ بِإِنْشَاءِ الْعَاقِدِ الْبَيْعَ بِأَلْفَاظٍ تُفِيدُ الْأَصَالَةَ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا رَأَيْت فِي الْمِثَالَيْنِ، أَمَّا إذَا أَنْشَأَ الْعَاقِدُ الْبَيْعَ بِأَلْفَاظٍ تَدُلُّ عَلَى الْوِلَايَةِ عَلَى الصَّغِيرِ فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ وَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ الْقَبُولِ لِانْعِقَادِ الْبَيْعِ. مِثَالٌ: لَوْ أَرَادَ أَبُو الصَّغِيرِ شِرَاءَ مَالِ الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ فَأَوْجَبَ الْبَيْعَ قَائِلًا: قَدْ بِعْت مِنْ نَفْسِي هَذَا الْمَالَ الْمَمْلُوكَ لِوَلَدِي الصَّغِيرِ بِكَذَا دِينَارًا فَمَا لَمْ يَقْبَلْ الْبَيْعَ فَلَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الْأَبَ بِقَوْلِهِ " بِعْتُ " فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ الْبَيْعَ بِصِفَتِهِ وَلِيًّا عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ
стр. 117
لَوْ أَرَادَ أَبُو الصَّغِيرِ بَيْعَ مَالِ وَلَدِهِ هَذَا مِنْ وَلَدٍ صَغِيرٍ آخَرَ لَهُ. فَلَهُ أَنْ يَتَوَلَّى هُنَا أَيْضًا طَرَفَيْ الْعَقْدِ أَنْقِرْوِيٌّ هِنْدِيَّةٌ ".
مِثَالٌ: لَوْ قَالَ الْأَبُ: قَدْ بِعْت هَذَا الْمَالَ الْمَمْلُوكَ لِوَلَدِي الصَّغِيرِ فُلَانٍ مِنْ وَلَدِي الصَّغِيرِ الْآخَرِ فُلَانٍ بِكَذَا فَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ.
وَيَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ هَذَا بَعْدَ وَفَاتِهِ أَبُو الْأَبِ، وَالْوَصِيُّ وَالْقَاضِي هِنْدِيَّةٌ ".
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي الْبَيْعِ رَسُولًا لِكِلَا الْعَاقِدَيْنِ هِنْدِيَّةٌ ".
الشَّرْطُ السَّابِعُ: رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ " ٦٩ ".
هَذَا وَبِمَا أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْبَيْعِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَلَيْسَ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ الرُّجُوعُ عَنْ الْبَيْعِ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِدَاعِي أَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يُرْبَطْ بِحُجَّةٍ أَوْ سَنَدٍ، أَوْ بِحُجَّةِ أَنَّ مَجْلِسَ الْبَيْعِ لَمْ يُفَضَّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا فَيَكُونُ قَدْ أَبْطَلَ حَقَّ الْمِلْكِيَّةِ الثَّابِتَ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ أَيْ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ الْبَائِعُ فَيَكُونُ قَدْ أَبْطَلَ حَقَّ الْمُشْتَرِي فِي مِلْكِيَّةِ الْبَيْعِ " بَدَائِعُ ".
فَإِذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُكَ هَذَا الْمَالَ بِكَذَا، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُهُ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ وَلَا فَائِدَةَ مِنْ رُجُوعِ الْبَائِعِ بَعْدَئِذٍ، وَقَوْلُهُ: نَدِمْتُ فَلَا أُرِيدُ بَيْعَ مَالِي " رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٣٧٥ " هِنْدِيَّةٌ ".
أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَلِلْعَاقِدَيْنِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا يَعْنِي أَنَّهُ بَعْدَ الْبَيْعِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ يَحِقُّ لِلْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ أَوْ أَنْ يُجِيزَهُ حَتَّى انْفِضَاضِ الْمَجْلِسِ وَإِذَا أَمْضَى أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ وَأَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الْخِيَارِ بَقِيَ الْخِيَارُ لِلطَّرَفِ الْآخَرِ.
أَمَّا إذَا تَفَرَّقَ الْمُتَعَاقِدَانِ بَدَنًا أَوْ اخْتَارَا لُزُومَ الْعَقْدِ فَلَا خِيَارَ مَجْلِسٍ وَالتَّفَرُّقُ مِنْ الْمَجْلِسِ يُعْرَفُ بِالْعُرْفِ؛ لِأَنَّ الْخُصُوصَاتِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ حَدٌّ أَوْ مِقْدَارٌ فَيُرْجَعُ بِهَا إلَى الْعُرْفِ، وَخِيَارُ الْمَجْلِسِ يَثْبُتُ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ بِدُونِ أَنْ يَشْتَرِطَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا حَتَّى أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ خِيَارُ مَجْلِسٍ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ الْبَاجُورِيُّ وَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ يَسْتَدِلُّ عَلَى ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ بِالْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» .
أَمَّا الْأَئِمَّةُ الْحَنَفِيَّةُ فَيَقُولُونَ: إنَّ الْخِيَارَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يُقْصَدُ بِهِ خِيَارُ رُجُوعِ الْقَوْلِ يَعْنِي إذَا قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُ فَيَحِقُّ لِلْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي قَبِلْتُ أَنْ يَقُولَ: رَجَعْتُ عَنْ الْبَيْعِ، كَمَا أَنَّهُ يَحِقُّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُولَ لَا أَقْبَلُ الْبَيْعَ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ هَذَا الْمَالَ فَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: رَجَعْتُ، قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ الْبَائِعُ بِالْبَيْعِ، كَمَا أَنَّهُ يَحِقُّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ: لَا أَقْبَلُ، فَالْخِيَارُ الْمَقْصُودُ بِالْحَدِيثِ هُوَ هَذَا الْخِيَارُ بَدَائِعُ ".
أَسْبَابُ الِاخْتِلَافِ: يُوجَدُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِاسْتِعْمَالِ اسْمِ الْفَاعِلِ.
стр. 118
إذَا كَانَ مَعْنَى الْمَصْدَرِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ اسْتِعْمَالِ اسْمِ الْفَاعِلِ فَيَكُونُ قَدْ اُسْتُعْمِلَ اسْمُ الْفَاعِلِ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ كَاسْتِعْمَالِ كَلِمَةِ " ضَارِبٍ " فِيمَنْ يَضْرِبُ فِي الْحَالِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبَيْنِ.
٢ - إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى غَيْرَ مَوْجُودٍ إلَّا أَنَّهُ سَيُوجَدُ فِي الْآتِي فَاسْتِعْمَالُ اسْمِ الْفَاعِلِ فِي ذَلِكَ مَجَازِيٌّ كَاسْتِعْمَالِ كَلِمَةِ " ضَارِبٍ " فِيمَنْ لَمْ يَضْرِبْ وَسَيَضْرِبُ وَهَذَا أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٣ - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَانَ مَوْجُودًا فِي الْمَاضِي وَانْقَضَى فِي الْحَالِ فَاسْتِعْمَالُ اسْمِ الْفَاعِلِ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَجَازٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حَقِيقَةٌ كَإِطْلَاقِ كَلِمَةِ " ضَارِبٍ " عَلَى مَنْ وَقَعَ مِنْهُ الضَّرْبُ وَانْقَطَعَ.
وَلَفْظَةُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْوَارِدَةُ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ بِمَا أَنَّهَا قَدْ اُسْتُعْمِلَتْ فِيمَنْ وَقَعَ مِنْهُمَا الْبَيْعُ فَالْحَنَفِيَّةُ لَمْ يُثْبِتُوا خِيَارَ الْمَجْلِسِ وَحَمَلُوا كَلِمَةَ التَّفَرُّقِ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَقْوَالِ، وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ أَثْبَتُوا خِيَارَ الْمَجْلِسِ وَحَمَلُوا لَفْظَةَ التَّفَرُّقِ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ.
أَمَّا سَبَبُ وُجُوبِ الْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ فَهُوَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يُثْبِتَ مِلْكًا لِآخَرَ بِدُونِ قَبُولِهِ وَرِضَاهُ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْمِلْكِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الرِّضَاءِ وَالْقَبُولِ فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ يَتَفَرَّعُ مِنْهَا وُجُوبُ الْقَبُولِ بَعْدَ الْإِيجَابِ فِي عُقُودِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَثْنَى الْمِيرَاثُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. فَمَالُ الْمُوَرِّثِ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ بِدُونِ رِضَا الْوَارِثِ - حَتَّى لَوْ صَرَّحَ الْوَارِثُ بِعَدَمِ قَبُولِهِ. إنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَرَاخِيًا أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ أَيْ أَنْ يَكُونَ الْإِيجَابُ أَوَّلًا وَالْقَبُولُ ثَانِيًا. فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا شَكَّ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ. وَإِمَّا أَنْ يَصْدُرَا مَعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ فَعَلَى رَأْيِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ وَعَلَى رَأْيِ غَيْرِهِ لَا يَنْعَقِدُ مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ " الدُّرُّ الْمُنْتَقَى " الْبَحْرُ، وَلَمْ يَرِدْ فِي الْمَجَلَّةِ مَا يَتَرَجَّحُ بِهِ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ صَرَاحَةً إلَّا أَنَّ قَوْلَ الْمَجَلَّةِ فِي الْمَادَّةِ " ١٠١ " وَالْمَادَّةِ " ١٠٢ " إنَّ الْإِيجَابَ هُوَ أَوَّلُ كَلَامٍ وَأَنَّ الْقَبُولَ هُوَ ثَانِي كَلَامٍ يَشْمَلُ اخْتِيَارُهَا الْقَوْلَ الثَّانِيَ.
يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ مِنْ الَّذِي وُجِّهَ إلَيْهِ الْإِيجَابُ فَلَوْ أَوْجَبَ شَخْصٌ الْبَيْعَ لِشَخْصٍ فَقَبِلَ الْبَيْعَ آخَرُ كَانَ مَوْجُودًا فِي مَجْلِسِ الْبَيْعِ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: بِعْتُك هَذَا الْحِصَانَ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَلَمْ يُجِبْ ذَلِكَ الشَّخْصُ بِشَيْءٍ إلَّا أَنَّ الشَّخْصَ الْآخَرَ الْجَالِسَ بِجَانِبِ ذَلِكَ الشَّخْصِ قَالَ: قَبِلْت الْبَيْعَ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ وَقَعَ مِنْ شَخْصٍ لَمْ يُوَجَّهْ إلَيْهِ الْإِيجَابُ.
وَلَكِنْ إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: بِعْتُك هَذَا الْمَالَ وَأَمَرَ الْمُوَجَّهُ إلَيْهِ الْإِيجَابُ آخَرَ مَوْجُودًا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَنْ يَقْبَلَ الْبَيْعَ فَقَبِلَهُ يُنْظَرُ مَاذَا قَبِلَ ذَلِكَ الشَّخْصُ فَإِنْ كَانَ قَبِلَ الْبَيْعَ بِأَلْفَاظِ قَبُولِ الرَّسُولِ لِلْبَيْعِ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ وَأَمَّا إذَا قَبِلَ بِأَلْفَاظِ قَبُولِ الْوَكِيلِ لِلْبَيْعِ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ. وَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِدُونِ أَنْ يَتَوَقَّفَ الِانْعِقَادُ عَلَى إذْنِ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ كَيْفَمَا يَشَاءُ وَلَا يَحْتَاجُ فِي تَصَرُّفِهِ لِإِذْنِ آخَرَ " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ " ١١٩٢ " وَعَلَى هَذَا فَكَمَا يَحِقُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَبِيعَ دَارِهِ وَأَمْوَالَهُ الْمَنْقُولَةَ لِشَخْصٍ آخَرَ بِدُونِ إذْنٍ فَكَذَلِكَ يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ أَشْجَارَهُ الْمَغْرُوسَةَ فِي أَرْضِ وَقْفٍ مَرْبُوطَةٍ بِمُقَاطَعَةٍ أَوْ أَبْنِيَتِهِ الْمُنْشَأَةِ عَلَى أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ بِدُونِ
стр. 119
إذْنِ مُتَوَلِّي الْوَقْفِ.
إلَّا أَنَّهُ قَدْ صَدَرَتْ إرَادَةٌ سَنِيَّةٌ بِتَارِيخِ ١٧ أَيْلُول سَنَةَ ١٣١٨ تَمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ دَعْوَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْأَمْلَاكِ غَيْرِ الْمَنْقُولَةِ إذَا حَصَلَ الْبَيْعُ بِسَنَدَاتٍ عَادِيَّةٍ وَلَمْ يُرْبَطْ بِسَنَدَاتِ الدَّفْتَرِ الْخَاقَانِيِّ أَيْ سَنَدَاتِ الطَّابُو.
[ (الْمَادَّةُ ١٦٨) الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي الْبَيْعِ]
(الْمَادَّةُ ١٦٨) الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي الْبَيْعِ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ لَفْظَيْنِ مُسْتَعْمَلَيْنِ لِإِنْشَاءِ الْبَيْعِ فِي عُرْفِ الْبَلَدِ وَالْقَوْمِ.
أَلْفَاظُ الْبَيْعِ هِيَ بِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ وَقَبِلْتُ وَرَضِيتُ وَقَوْلُكَ كُلْ هَذَا الطَّعَامَ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَكَ خَمْسَةُ قُرُوشٍ، وَهَذَا الشَّيْءُ فِدَاءٌ لَكَ، أَوْ أُمَلِّكُكَ هَذَا الشَّيْءَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْعِبَارَاتِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِإِنْشَاءِ الْبَيْعِ فِي عُرْفِ الْبُلْدَانِ وَعَادَاتِ الْأُمَمِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: بِعْنِي هَذَا الْمَالَ بِكَذَا، فَقَالَ لَهُ الثَّانِي: بِعْته مِنْك فَقَبِلَ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْك أَوْ اشْتَرَيْت يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَكُونَا هَازِلَيْنِ.
كَذَلِكَ لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: بِعْتُك هَذِهِ الدَّارَ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَأَجَابَهُ الثَّانِي بِقَوْلِهِ قَبِلْت يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظَةِ قَبِلْتُ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي فِي مَجْلِسٍ: إذَا دَفَعْت لِي أَلْفَ قِرْشٍ فِي حِصَانِي هَذَا أَبِيعُهُ فَدَفَعَ الْمُشْتَرِي لَهُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ فِي نَفْسِ الْمَجْلِسِ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا رَدُّ الْمُحْتَارِ " وَقَدْ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِالتَّعْلِيقِ عَلَى فِعْلِ الْقَلْبِ " الرَّغْبَةِ " كَقَوْلِ شَخْصٍ لِآخَرَ إذَا: رَغِبْتَ فِي اشْتِرَاءِ هَذَا الشَّيْءِ فَقَدْ بِعْتُهُ مِنْكَ بِخَمْسِينَ قِرْشًا فَيُجِيبُهُ الْآخَرُ نَعَمْ إنَّهُ يُوَافِقُنِي أَوْ أَحْبَبْتُهُ أَوْ رَغِبْتُ فِيهِ أَوْ أُرِيدُهُ فَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ.
وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظِ " الرَّدِّ " كَقَوْلِ شَخْصٍ لِآخَرَ قَدْ رَدَدْتُ لَكَ هَذَا الْحِصَانَ بِخَمْسِينَ دِينَارًا فَيُجِيبُهُ الثَّانِي بِقَوْلِهِ قَبِلْتُ.
وَكَذَلِكَ يَصِيرُ إيجَابُ الْبَيْعِ بِلَفْظِ أَدْخَلْتُكَ أَوْ أَشْرَكْتُكَ.
وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظَةِ (الْقَصْرِ) كَأَنْ يَقُولَ رَجُلٌ لِشَرِيكِهِ: قَصَرْت عَلَيْك حَقِّي فِي هَذَا الْحِصَانِ بِأَلْفِ قِرْشٍ فَيُجِيبُهُ الشَّرِيكُ بِقَوْلِهِ قَبِلْت. وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِقَوْلِ الْبَائِعِ " ادْفَعْ النُّقُودَ فَهُوَ لَك وَهُوَ فِدَاءٌ لَك هِنْدِيَّةٌ ".
وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظِ " السَّلَمِ " " وَالْهِبَةِ " كَأَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لِآخَرَ: قَدْ وَهَبْتُكَ مَالِي هَذَا بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا فَإِنْ أَجَابَهُ الْآخَرُ بِقَوْلِهِ قَبِلْتُ انْعَقَدَ الْبَيْعُ وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِكَلِمَتَيْ " أَعْطَيْتُ وَمَلَّكْتُ " كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَادَّةِ " ١٦٩ ".
وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَيْضًا بِقَوْلِ أَحَدِ الْمُتَابِعَيْنِ وَيَشْمَلُ الثَّانِي كَقَوْلِ شَخْصٍ لِآخَرَ: بِعْتُكَ هَذَا الْمَالَ بِأَلْفِ قِرْشٍ وَبِقَبْضِ الْمُشْتَرِي لِلْمَالِ بِدُونِ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا. وَيَنْعَقِدُ هَذَا الْبَيْعُ عَلَى أَنَّهُ بَيْعٌ قَوْلِيٌّ لَا بَيْعُ تَعَاطٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَ التَّعَاطِي لَا يَتَضَمَّنُ إيجَابًا بَلْ يَتَضَمَّنُ قَبْضًا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الثَّمَنِ رَدُّ الْمُحْتَارِ ".
كَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِثَانٍ: كِلْ لِي كَيْلَةَ حِنْطَةٍ بِعِشْرِينَ قِرْشًا فَكَالَ لَهُ الثَّانِي صَامِتًا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ فِي مَجْلِسٍ: قَدْ اشْتَرَيْت مِنْك هَذَا الْمِقْدَارَ مِنْ الْحِنْطَةِ بِخَمْسِينَ قِرْشًا
стр. 120
وَأَطْلُبُ إِلَيْكَ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ وَتَصَدَّقَ الثَّانِي بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ تَصَدُّقَ الْبَائِعِ يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ وَلَوْ تَصَدَّقَ الْبَائِعُ بِالْحِنْطَةِ بَعْدَ انْفِضَاضِ الْمَجْلِسِ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ مُبْطِلٌ لِلْإِيجَابِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ " ١٨٣ " وَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْقَبُولِ.
كَذَلِكَ إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: قَدْ بِعْتُك هَذَا الْقُمَاشَ بِخَمْسِينَ قِرْشًا وَخَاطَ الثَّانِي مِنْ ذَلِكَ الْقُمَاشِ ثَوْبًا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ هِنْدِيَّةٌ ".
وَيُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ " إنْشَاءِ الْبَيْعِ " أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ بِإِقْرَارِ الطَّرَفَيْنِ بِهِ فَلَوْ أَقَرَّ رَجُلَانِ بِبَيْعٍ لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا بَيْنَهُمَا قَبْلًا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِهَذَا الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ وَلَيْسَ بِإِنْشَاءٍ كَمَا يَتَبَيَّنُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٥٧٢) وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: كُنْتُ بِعْتُك هَذَا الْمَالَ بِكَذَا قِرْشًا، فَأَجَابَهُ الثَّانِي: أَنَا لَمْ أَشْتَرِ مِنْك ذَلِكَ الْمَالَ، فَسَكَتَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يُقِرَّ إنْكَارَ الثَّانِي. ثُمَّ أَقَرَّ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْمُنْكِرُ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِاشْتِرَاءِ ذَلِكَ الْمَالِ يَثْبُتُ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْبَيْعِ عَائِدٌ لِلْمُتَابِعَيْنِ فَأَمَّا الْإِقْرَارُ بَعْدَ الْإِنْكَارِ بِمَا يَكُونُ فِيهِ حَقٌّ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ كَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ. وَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا تَدُلُّ عَلَى التَّمْلِيكِ كَقَوْلِ شَخْصٍ لِآخَرَ: بِعْنِي هَذَا الْمَالَ بِكَذَا قِرْشًا، فَيُجِيبُهُ بِقَوْلِهِ: إنَّنِي أَرْغَبُ فِي ذَلِكَ فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ طَحْطَاوِيٌّ.
وَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَيْضًا بِلَفْظِ الْإِقَالَةِ كَقَوْلِ شَخْصٍ لِآخَرَ: قَدْ أَقَلْتُكَ مَالِي هَذَا بِكَذَا قِرْشًا فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ أَجَابَهُ الْآخَرُ بِقَوْلِهِ: قَبِلْتُ هِنْدِيَّةٌ ".
يُفْهَمُ مِنْ جُمْلَةِ " الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ لَفْظَيْنِ إلَخْ " أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ بِالْإِشَارَةِ فَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: هَلْ تَبِيعُنِي مَالَك هَذَا بِكَذَا قِرْشًا؟ فَأَشَارَ لَهُ الثَّانِي بِرَأْسِهِ إشَارَةَ قَبُولٍ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ تَحْرِيكَ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ رَأْسَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ إلَّا إذَا أَتْبَعَ الْإِشَارَةَ بِاللَّفْظِ فِي الْمَجْلِسِ فَيَنْعَقِدُ.
جَاءَ فِي الْمَجَلَّةِ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي إنْشَاءِ الْبَيْعِ أَكْثَرُ مَا تَكُونُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ فِيمَا يَقَعُ بِهِ الْبَيْعُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهَا وَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا إلَّا فِي الْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمِلَةِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ الثَّانِيَةَ) وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ صِيغَةِ الْمَاضِي فِي الْبَيْعِ يَكُونُ إنْشَاءً (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٠١) .
وَيُفْهَمُ مِنْ الْمِثَالَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ الْوَارِدَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّ الْإِيجَابَ إذَا كَانَ لَفْظِيًّا فَلَيْسَ بِضَرُورِيٍّ أَنْ يُعَادَ فِي الْقَبُولِ جَمِيعُهُ كَمَا إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: بِعْتُك هَذَا الْمَالَ بِمِائَةِ قِرْشٍ فَأَجَابَهُ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: أَخَذْته مِنْك، أَوْ قَالَ الْأَوَّلُ: أَخَذْت مِنْك هَذَا بِمِائَةِ قِرْشٍ، فَأَجَابَهُ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: بِعْت، فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ وَلَا حَاجَةَ لَأَنْ يَقُولَ الْآخَرُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ فِي قَبُولِهِ وَلَا أَنْ يَقُولَ الْآخَرُ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ.
الْجِدُّ، شَرْطٌ فِي الْبَيْعِ فَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ الْهَزْلِ إذْ لَا رِضَاءَ فِي عَقْدٍ يُبْنَى عَلَى الْهَزْلِ وَالْهَزْلُ لُغَةً اللَّعِبُ وَاصْطِلَاحًا قَصْدُ شَيْءٍ بِلَفْظٍ لَمْ يُوضَعْ لَهُ وَلَا يَصْلُحُ لِلتَّجَوُّزِ فِيهِ.
стр. 121
وَعَلَى هَذَا إذَا قُصِدَ بِالْمُبَايَعَةِ الْهَزْلُ وَجَبَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ أَثْنَاءَ الْعَقْدِ إذْ لَا تُغْنِي دَلَالَةُ الْحَالِ عَنْ ذَلِكَ وَحْدُهَا.
فَعَلَى الْهَازِلِ فِي بَيْعِهِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْتَرِي إنِّي بِعْتُكَ هَذَا الْمَالَ هَازِلًا.
وَإِذَا تَوَاطَأَ مُتَبَايِعَانِ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي سَيُجْرِيَانِهِ بِحُضُورِ الشُّهُودِ يُرَادُ بِهِ الْهَزْلُ فَالتَّوَاطُؤُ الَّذِي تَقَدَّمَ الْعَقْدَ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِقَصْدِ الْهَزْلِ أَثْنَاءَ الْعَقْدِ وَيَكُونُ هَذَا الْبَيْعُ بَيْعَ هَزْلٍ فَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الْبَيْعِ هَلْ هُوَ هَزْلٌ أَوْ جِدٌّ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الْجِدِّ مَعَ يَمِينِهِ فَإِذَا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الْهَزْلِ فِي الْبَيْعِ كَأَنْ يُبَاعَ الشَّيْءُ بِنَقْصٍ فَاحِشٍ جِدًّا فَالْقَوْلُ إذْ ذَاكَ لِمُدَّعِي الْهَزْلِ، أَمَّا إذَا ادَّعَى الْهَزْلَ مُشْتَرٍ بَعْدَ أَنْ دَفَعَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ أَوْ بَعْضَهُ فَدَعْوَاهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ.
[ (الْمَادَّةُ ١٦٩) الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ يَكُونَانِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي]
(الْمَادَّةُ ١٦٩) :
الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ يَكُونَانِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي كَبِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ وَأَيُّ لَفْظٍ مِنْ هَذَيْنِ ذُكِرَ أَوَّلًا فَهُوَ إيجَابٌ وَالثَّانِي قَبُولٌ فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت، ثُمَّ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْت، أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي أَوَّلًا: اشْتَرَيْت، ثُمَّ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت، انْعَقَدَ الْبَيْعُ وَيَكُونُ لَفْظُ " بِعْت " فِي الْأَوَّلِ إيجَابًا وَ " اشْتَرَيْت " قَبُولًا.
وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْعَكْسِ، وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَيْضًا بِكُلِّ لَفْظٍ يُنْبِئُ عَنْ إنْشَاءِ التَّمْلِيكِ وَالتَّمَلُّكِ كَقَوْلِ الْبَائِعِ: أَعْطَيْت أَوْ مَلَّكْت وَقَوْلِ الْمُشْتَرِي: أَخَذْت أَوْ تَمَلَّكْت أَوْ رَضِيت أَوْ أَمْثَالُ ذَلِكَ ".
قَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ الْمَوَادِّ السَّابِقَةِ مَا فِيهِ الْغَنِيَّةُ عَنْ التَّطْوِيلِ وَالتَّكْرَارِ بِشَرْحِ هَذِهِ الْمَادَّةِ فَلْيُرَاجَعْ فِي مَوَاطِنِهِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٧٠) الْبَيْعُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ]
(الْمَادَّةُ ١٧٠) يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ أَيْضًا إذَا أُرِيدَ بِهَا الْحَالُ كَمَا فِي عُرْفِ بَعْضِ الْبِلَادِ كَأَبِيعُ وَأَشْتَرِي وَإِذَا أُرِيدَ بِهَا الِاسْتِقْبَالُ لَا يَنْعَقِدُ.
فِي الْبَيْعِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ ثَلَاثَةُ احْتِمَالَاتٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ مَا يُرَادُ مِنْهُ إيجَابُ الْبَيْعِ فِي الْحَالِ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ ".
مِثَالُ ذَلِكَ:
إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: أَبِيعُك هَذَا الْمَالَ بِمِائَةِ قِرْشٍ، وَأَجَابَهُ الْمُشْتَرِي: أَشْتَرِيهِ، وَكَانَ قَصْدُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مِنْ قَوْلِهِمَا الْحَالَ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك هَذَا الْمَالَ فَأَجَابَهُ الْمُشْتَرِي بِقَوْلِهِ: أَشْتَرِيه وَقَصَدَ الْحَالَ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ.
الِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ الِاسْتِقْبَالَ فَلَا يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَخْلُوَ عَنْ قَصْدِ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَيْضًا رَدُّ الْمُحْتَارِ ".
مُسْتَثْنَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إذَا كَانَتْ صِيغَةُ الْمُضَارِعِ تُسْتَعْمَلُ فِي عُرْفِ بَلَدٍ لِلْحَالِ وَغَيْرُ مُحْتَمِلَةٍ لِإِرَادَةِ الِاسْتِقْبَالِ كَمَا هُوَ
стр. 122
الْحَالُ عِنْدَ أَهْلِ خَوَارِزْمَ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ بِلَا نِيَّةٍ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْمَادَّةِ ٢ الْبَحْثُ فِي سَبَبِ احْتِيَاجِ التَّبَايُعِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ إلَى النِّيَّةِ.
وَكَذَلِكَ الْحَالُ فِي الْمُضَارِعِ إذَا اُقْتُرِنَ بِمَا يَعْنِيهِ لِلْحَالِ فَالْبَيْعُ بِهِ يَنْعَقِدُ بِلَا نِيَّةٍ.
مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا قَالَ الْبَائِعُ: أَبِيعُ الْآنَ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ.
[ (الْمَادَّةُ ١٧١) صِيغَةُ الِاسْتِقْبَالِ]
(الْمَادَّةُ ١٧١) :
صِيغَةُ الِاسْتِقْبَالِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْوَعْدِ الْمُجَرَّدِ مِثْلُ سَأَبِيعُ وَأَشْتَرِي لَا يَنْعَقِدُ بِهَا الْبَيْعُ.
صِيغَةُ الِاسْتِقْبَالِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ هِيَ الْمُضَارِعُ الْمُقْتَرِنُ بِالسِّينِ أَوْ سَوْفَ كَأَنْ يُقَالَ: سَأَبِيعُك أَوْ سَوْفَ أَبِيعُك وَإِنَّمَا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا وَعْدٌ مُجَرَّدٌ وَفِي مَعْنَى الْمُسَاوَمَةِ فِي الْبَيْعِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ كَمَا إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ هَلْ تَبِيعُنِي هَذَا بِمِائَةِ قِرْشٍ فَأَجَابَهُ " بِعْتُ " نَعَمْ إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي ثَالِثًا " قَبِلْت " فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ حَصَلَا بِكَلِمَتَيْ (بِعْت وَقَبِلْت) الدَّالَّتَيْنِ عَلَى الْإِنْشَاءِ هِنْدِيَّةٌ ".
[ (الْمَادَّةُ ١٧٢) الْبَيْعُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ]
(الْمَادَّةُ ١٧٢) لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَيْضًا كَبِعْ وَاشْتَرِ إلَّا إذَا دَلَّتْ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ عَلَى الْحَالِ فَحِينَئِذٍ يَنْعَقِدُ بِهَا الْبَيْعُ فَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: بِعْنِي هَذَا الشَّيْءَ بِكَذَا مِنْ الدَّرَاهِمِ وَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ، أَمَّا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: خُذْ الْمَالَ بِكَذَا مِنْ الدَّرَاهِمِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: أَخَذْته، أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: أَخَذْت هَذَا الشَّيْءَ بِكَذَا قِرْشًا، وَقَالَ الْبَائِعُ: خُذْهُ، أَوْ قَالَ: اللَّهُ يُبَارِكُ لَك وَأَمْثَالَهُ انْعَقَدَ الْبَيْعُ فَإِنَّ قَوْلَهُ: خُذْهُ، وَاَللَّهُ يُبَارِكُ هَهُنَا بِمَعْنَى: هَا أَنَا ذَا بِعْت فَخُذْ (رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ الثَّانِيَةِ) .
يَعْنِي أَنَّ إرَادَةَ مَعْنَى الْحَالِ مِنْ صِيغَةِ الْأَمْرِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَشْبَاهٌ وَنَهْرٌ " إلَّا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَالِ دَلَالَةَ اقْتِضَاءٍ وَذَلِكَ الدَّلَالَةُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:
١ - دَلَالَةُ مَنْطُوقِ النَّصِّ.
٢ - دَلَالَةُ مَفْهُومِ النَّصِّ.
٣ - دَلَالَةُ إشَارَةِ النَّصِّ.
٤ - دَلَالَةٌ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ.
وَلَا شَأْنَ لَنَا فِي الثَّلَاثَةِ الْأُولَى إذْ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِهَذِهِ الْمَادَّةِ فَنَكْتَفِي بِإِيضَاحِ الدَّلَالَةِ الرَّابِعَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَادَّةِ دُونَ غَيْرِهَا.
стр. 123
فَدَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ هَذِهِ أَلَّا يَصِحَّ اللَّفْظُ شَرْعًا إلَّا بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ لَهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَوْلَا التَّقْدِيرُ لَكَانَ لَغْوًا يُصَارُ عَنْهُ كَلَامُ الْعَاقِلِ مَا أَمْكَنَ كَأَنْ يُقَالَ لِرَجُلِ مَثَلًا: اعْتِقْ عَبْدَكَ مِنِّي بِخَمْسِينَ دِينَارًا فَالْإِعْتَاقُ الْمَذْكُورُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْمِلْكِيَّةِ وَالْمِلْكِيَّةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالْبَيْعِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ " فَتَقْدِيرُ الْبَيْعِ لَازِمٌ لِتَصْحِيحِ قَوْلِهِ (اعْتِقْ عَبْدَكَ) إلَخْ.
فَالْبَيْعُ هُنَا " مُقْتَضًى " كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِعْتَاقِ (مُقْتَضًى) أَيْضًا وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمِثَالِ: قَدْ اشْتَرَيْت عَبْدَك بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَإِنَّنِي أُوَكِّلُك بِعِتْقِهِ. فَالْبَيْعُ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ هُنَا قَدْ أَصْبَحَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ مَذْكُورًا وَقَدْ ثَبَتَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْإِعْتَاقِ حَمَوِيٌّ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْت عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ، وَأَجَابَهُ الْمُشْتَرِي بِقَوْلِهِ: فَهُوَ حُرٌّ، فَقَدْ ثَبَتَ اقْتِضَاءُ لَفْظَةِ " اشْتَرَيْت " وَأَصْبَحَ مَعْنَى ذَلِكَ قَدْ اشْتَرَيْته فَهُوَ حُرٌّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ هُنَا (مُقْتَضًى) وَطَلَبَ هَذَا الْكَلَامُ الزِّيَادَةَ يَعْنِي طَلَبَهُ الْبَيْعُ (اقْتِضَاءً) وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ (مُقْتَضًى) وَالشَّيْءُ الَّذِي ثَبَتَ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ ثَبَتَ (بِحُكْمِ الِاقْتِضَاءِ) .
وَبَيَانُ الْمِثَالِ الْأَخِيرِ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ وَهُوَ (إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: خُذْ هَذَا الْمَالَ، وَأَجَابَهُ الْمُشْتَرِي: أَخَذْت، أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: أَخَذْت، وَأَجَابَهُ الْبَائِعُ: خُذْهُ) إنَّ صِيغَةَ (خُذْ) هُنَا تَقْتَضِي وُجُودَ الْبَيْعِ قَبْلَ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فَأَصْبَحَتْ دَالَّةً عَلَى الْحَالِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ إذْ يَكُونُ الْمَعْنَى بِعْتُكَ فَخُذْهُ فَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِهَا وَلَا يَحِقُّ لِلْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَنْ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، أَمَّا عَدَمُ انْعِقَادِ الْبَيْعِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ فَهُوَ فِي حَالَةِ عَدَمِ وُجُودِ الْقَبُولِ ثَالِثًا كَمَا تَقَدَّمَ، أَمَّا إذَا وُجِدَ الْقَبُولُ ثَالِثًا فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ.
مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: بِعْنِي هَذَا الْمَالَ بِكَذَا دِرْهَمًا فَأَجَابَهُ الْبَائِعُ: بِعْته، ثُمَّ عَادَ الْمُشْتَرِي وَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ أَوْ أَخَذْته، أَوْ إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: اشْتَرِ مِنِّي هَذَا الْمَالَ بِمَبْلَغِ كَذَا فَأَجَابَهُ الْمُشْتَرِي بِقَوْلِهِ اشْتَرَيْت ثُمَّ خَاطَبَهُ الْبَائِعُ بِقَوْلِهِ: بِعْت فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ (هِنْدِيَّةٌ) " رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ١٧٠ "
[ (الْمَادَّةُ ١٧٣) الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ بِالْمُكَاتَبَةِ]
(الْمَادَّةُ ١٧٣) :
كَمَا يَكُونُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ بِالْمُشَافَهَةِ يَكُونُ بِالْمُكَاتَبَةِ أَيْضًا يَجْرِي حُكْمُ هَذِهِ الْمَادَّةِ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ كَالْإِجَارَةِ، وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا فَكَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي تِلْكَ الْعُقُودِ لَفْظًا وَشِفَاهًا فَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِيهَا أَيْضًا مُكَاتَبَةً، وَكَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ مُكَاتَبَةً مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَذَلِكَ يَجُوزُ بِكِتَابٍ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ. ثَالِثًا: بِرِسَالَةٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ. رَابِعًا: بِرِسَالَةٍ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ وَلَفْظٍ مِنْ الطَّرَفِ الْآخَرِ إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مُعَنْوَنًا وَمَرْسُومًا كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَقْبَلَ الْإِيجَابَ مِنْ الْمُخَاطَبُ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي يَصِلُ فِيهِ إلَيْهِ الْكِتَابُ. يَعْنِي يَعْتَبِرُ الْمَجْلِسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بُلُوغَ الْكِتَابِ أَدَاءُ الرِّسَالَةِ.
مِثَالٌ: إذَا كَتَبَ شَخْصٌ كِتَابًا لِآخَرَ غَائِبٍ يَتَضَمَّنُ بَيْعَهُ لِمَالٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَالٍ لِذَلِكَ الشَّخْصِ وَأَرْسَلَ ذَلِكَ الْكِتَابَ لَهُ وَبَعْدَ أَنْ وَصَلَ الْكِتَابُ لِذَلِكَ الشَّخْصِ وَقَرَأَهُ وَوَقَفَ عَلَى مَالِهِ كَتَبَ أَيْضًا كِتَابًا إلَى ذَلِكَ الْبَائِعِ مُعَنْوَنًا وَمَرْسُومًا يَتَضَمَّنُ قَبُولَ ذَلِكَ الْبَيْعِ فَالْبَيْعُ يَكُونُ قَدْ انْعَقَدَ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ كِتَابِيٍّ وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبَ شَخْصٌ كِتَابًا إلَى شَخْصٍ غَائِبٍ يَتَضَمَّنُ بَيْعَهُ
стр. 124
مَالًا مُعَيَّنًا وَأَرْسَلَ الْكِتَابَ إلَيْهِ وَعِنْدَ وُصُولِ الْكِتَابِ لِلشَّخْصِ الْآخَرِ وَبَعْدَ أَنْ قَرَأَهُ وَاطَّلَعَ عَلَى مَالِهِ قَالَ: قَبِلْت الْبَيْعَ، فَالْبَيْعُ يَكُونُ قَدْ انْعَقَدَ بِإِيجَابٍ كِتَابِيٍّ وَقَبُولٍ شَفَهِيٍّ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: إنِّي بِعْت مَالِي هَذَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ بِكَذَا دِرْهَمًا اذْهَبْ وَاعْلِمْهُ فَذَهَبَ ذَلِكَ الرَّسُولُ أَوْ ذَهَبَ شَخْصٌ آخَرُ فُضُولًا وَأَخْبَرَ ذَلِكَ الشَّخْصَ بِذَلِكَ وَقَبِلَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْبَيْعَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ بِطَرِيقِ الرِّسَالَةِ مِنْ طَرَفٍ وَبِطَرِيقِ الْقَبُولِ الشَّفَهِيِّ مِنْ الطَّرَفِ الْآخَرِ هِنْدِيَّةٌ ".
وَانْعِقَادُ الْبَيْعِ وَلَوْ بِإِخْبَارِ شَخْصٍ غَيْرِ الرَّسُولِ بِسَبَبِ أَنَّ الْمُوجِبَ بِقَوْلِهِ لِلرَّسُولِ أَخْبِرْ فُلَانًا يَكُونُ قَدْ أَظْهَرَ الرِّضَاءَ بِالتَّبْلِيغِ عَنْ نَفْسِهِ فَالتَّبْلِيغُ الَّذِي جَرَى مِنْ أَيِّ شَخْصٍ كَانَ هُوَ بِرِضَاءِ الْمُوجِبِ، أَمَّا الْإِيجَابُ فِي غِيَابِ الطَّرَفِ الْآخَرِ بِغَيْرِ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِ الْغَائِبِ فَقَطْ.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ: قَدْ بِعْت مَالِي الْفُلَانِيَّ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ فَالْإِيجَابُ بَاطِلٌ حَتَّى لَوْ سَمِعَ هَذَا الْإِيجَابَ شَخْصٌ وَأَخْبَرَ بِهِ الطَّرَفَ الْآخَرَ بِلَا أَمْرٍ مِنْ الْمُوجِبِ أَيْ بِدُونِ رِسَالَةٍ وَالشَّخْصُ الْآخَرُ قَبِلَ الْبَيْعَ عِنْدَمَا بَلَغَهُ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ. كَذَلِكَ لَوْ كَتَبَ شَخْصٌ إلَى آخَرَ كِتَابًا لِآخَرَ وَسَأَلَهُ: هَلْ تَبِيعُنِي مَالَكَ بِكَذَا؟ وَأَجَابَهُ الْآخَرُ: قَدْ بِعْته فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بَزَّازِيَّةٌ "؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ لَا يَصِحُّ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ. كَذَلِكَ لَوْ كَتَبَ شَخْصٌ إلَى آخَرَ بِعْنِي مَالَك بِكَذَا دِينَارًا فَأَجَابَهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ بِكِتَابٍ أَنِّي بِعْته مِنْك فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بَلْ يَحْتَاجُ انْعِقَادُ الْبَيْعِ إلَى قَبُولٍ. ثَالِثًا؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ لَا يَصِحُّ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٧٢ "، وَيَبْطُلُ الْإِيجَابُ الْوَاقِعُ كِتَابَةً وَرِسَالَةً إذَا رَجَعَ الْكَاتِبُ أَوْ الْمُرْسِلُ عَنْ إيجَابِهِ قَبْلَ قَبُولِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَالْمُرْسَلِ إلَيْهِ هِنْدِيَّةٌ ". وَالْقَبُولُ الَّذِي يَقَعُ بَعْدَ رُجُوعِ الْمُوجِبِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ لَاغِيًا " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٧٤ ".
أَمَّا إذَا عُزِلَ الرَّسُولُ فَلَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ عِلْمُ عَزْلِهِ فَعَلَى هَذَا يُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَ عَزْلِ الرَّسُولِ وَبَيْنَ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِيجَابِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ أَوْجَبَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ وَأَمَرَ رَسُولًا أَنْ يُبَلِّغَهُ الْمُشْتَرِيَ ثُمَّ رَجَعَ الْمُوجِبُ عَنْ الْبَيْعِ بِدُونِ أَنْ يَعْلَمَ الرَّسُولُ حَتَّى أَدَّى الرِّسَالَةَ فَقَبِلَ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ الْبَيْعَ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الطَّرَفَ الْآخَرَ قَبِلَ الْبَيْعَ بَعْدَ رُجُوعِ الْمُوجِبِ عَنْ إيجَابِهِ وَبَعْدَ بُطْلَانِ الْإِيجَابِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَرْجِعْ الْمُوجِبُ عَنْ الْإِيجَابِ إلَّا أَنَّهُ عَزَلَ الرَّسُولَ وَلَمْ يَعْلَمْ الرَّسُولُ خَبَرَ عَزْلِهِ حَتَّى أَدَّى الرِّسَالَةَ فَقَبِلَ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِعَزْلِهِ فَالرِّسَالَةُ صَحِيحَةٌ وَقَدْ تَمَّ الْبَيْعُ بِقَبُولِ الطَّرَفِ الْآخَرِ لِلْبَيْعِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٧٤) الْبَيْعُ بِالْإِشَارَةِ]
(الْمَادَّةُ ١٧٤) يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِالْإِشَارَةِ الْمَعْرُوفَةِ لِلْأَخْرَسِ.
يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ الْمَعْرُوفَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَخْرَسُ عَالِمًا بِالْكِتَابَةِ أَوْ جَاهِلًا بِهَا. فَلَا يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْكِتَابَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ انْضِمَامُ إشَارَتِهِ إلَى كِتَابَتِهِ.
وَكَمَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِإِشَارَتِهِ الْمَعْهُودَةِ يَنْعَقِدُ بِهَا سَائِرُ الْعُقُودِ الْأُخْرَى كَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ
стр. 125
وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ أَشْبَاهٌ " وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ الصَّادِرَةُ مِنْ الْأَخْرَسِ مَعْرُوفَةً فَإِذَا كَانَتْ غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ كِفَايَةٌ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٧٠ أَمَّا إشَارَةُ غَيْرُ الْأَخْرَسِ فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِهَا فَلِذَلِكَ قُيِّدَتْ الْإِشَارَةُ بِالْأَخْرَسِ " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٦٨ ".
[ (الْمَادَّةُ ١٧٥) بَيْعَ التَّعَاطِي]
(الْمَادَّةُ ١٧٥) بِمَا أَنَّ الْمَقْصِدَ الْأَصْلِيَّ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ هُوَ تَرَاضِي الطَّرَفَيْنِ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِالْمُبَادَلَةِ الْفِعْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرَاضِي وَيُسَمَّى هَذَا بَيْعَ التَّعَاطِي.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يُعْطِيَ الْمُشْتَرِي لِلْخَبَّازِ مِقْدَارًا مِنْ الدَّرَاهِمِ فَيُعْطِيَهُ الْخَبَّازُ مِقْدَارًا مِنْ الْخُبْزِ بِدُونِ تَلَفُّظٍ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ، أَوْ أَنْ يُعْطِيَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ وَيَأْخُذَ السِّلْعَةَ وَيَسْكُتَ الْبَائِعُ، وَكَذَا لَوْ جَاءَ رَجُلٌ إلَى بَائِعِ الْحِنْطَةِ وَدَفَعَ لَهُ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ وَقَالَ: بِكَمْ تَبِيعَ الْمُدَّ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ؟ فَقَالَ: بِدِينَارٍ فَسَكَتَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ الْحِنْطَةَ، فَقَالَ الْبَائِعُ: أُعْطِيك إيَّاهَا غَدًا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَوْ ارْتَفَعَ سِعْرُ الْحِنْطَةِ فِي الْغَدِ إلَى دِينَارٍ وَنِصْفٍ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى إعْطَاءِ الْحِنْطَةِ بِسِعْرِ الْمُدِّ بِدِينَارٍ وَكَذَا بِالْعَكْسِ لَوْ رَخُصَتْ الْحِنْطَةُ وَتَدَنَّتْ قِيمَتُهَا فَالْمُشْتَرِي مُجْبَرٌ عَلَى قَبُولِهَا بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْقَصَّابِ: اقْطَعْ لِي بِخَمْسَةِ قُرُوشٍ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ فَقَطَعَ الْقَصَّابُ اللَّحْمَ وَوَزْنَهُ وَأَعْطَاهُ إيَّاهُ انْعَقَدَ الْبَيْعُ وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِهِ وَأَخْذِهِ أَيْ أَنَّ الْمَقْصِدَ فِي الْبَيْعِ تَرَاضِي الطَّرَفَيْنِ إلَّا أَنَّ تَرَاضِيَ الطَّرَفَيْنِ بِمَا أَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ فَقَدْ أُقِيمَ مَقَامَهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ؛ لِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَيْهِ " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٦٨ ".
وَكَمَا أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ اللَّفْظِيَّيْنِ لِدَلَاتِهِمَا عَلَى التَّرَاضِي فَكَذَلِكَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِالْمُبَادَلَةِ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَكَمَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِالتَّعَاطِي فِي الْأَمْوَالِ الْخَسِيسَةِ يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي فِي الْأَمْوَالِ النَّفِيسَةِ الشَّلَبِيُّ عَلَى الزَّيْلَعِيّ "؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْعَقْدِ لَيْسَ مُسْتَنَدُهُ صُورَةُ اللَّفْظِ بَلْ مُسْتَنَدُهُ التَّرَاضِي وَلِذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ إذَا لَمْ يَتَرَاضَ الْمُتَعَاقِدَانِ لَفْظِيًّا.
يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ التَّعَاطِي أَلَّا يَكُونَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَفْظِيَّيْنِ فَإِذَا كَانَا كَذَلِكَ فَالْبَيْعُ لَا يَكُونُ بَيْعَ تَعَاطٍ بَلْ يَكُونُ قَوْلِيًّا فَإِذَا حَصَلَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَفْظًا مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ دُونَ أَنْ يَجْرِيَ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ دَفْعِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ وَلَكِنْ لَا يُعَدُّ هَذَا الْبَيْعُ بَيْعَ تَعَاطٍ وَبَيْعُ التَّعَاطِي يَنْعَقِدُ إمَّا بِالدَّفْعِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَإِمَّا بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَإِمَّا بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ أَيْ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بَيْعُ التَّعَاطِي بِتَسْلِيمِ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي وَتَسْلِيمِ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ. وَكَذَلِكَ يَنْعَقِدُ بِتَسْلِيمِ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ عَلَى وَجْهِ الشِّرَاءِ أَوْ تَسْلِيمِ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي بِدُونِ قَبْضِ الثَّمَنِ هِنْدِيَّةٌ " وَرَدُّ الْمُحْتَارِ ".
стр. 126
وَإِعْطَاءُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ فِي الْمِثَالِ الْوَارِدِ فِي مَتْنِ الْمَجَلَّةِ هُوَ رِضَاءٌ صَرَاحَةً وَإِعْطَاءُ الْبَائِعِ لِلْمَبِيعِ هُوَ رِضَاءٌ دَلَالَةً. أَمَّا إذَا لَمْ يَسْكُتْ الْبَائِعُ وَصَرَّحَ بِعَدَمِ الرِّضَاءِ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ فَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا دَفَعَ الْمُشْتَرِي النُّقُودَ لِلْبَائِعِ وَحِينَمَا أَخَذَ الْبِطِّيخَةَ قَالَ لَهُ الْبَائِعُ: اُتْرُكْهَا فَلَا يَبْقَى حُكْمٌ لِبَيْعِ التَّعَاطِي وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْبَائِعِ هَذَا عَلَى أَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ بَيَانَ بَيْعِهِ الْمَالَ بِالرُّخْصِ وَأَنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ هَذَا إدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا عَدَمَ الرِّضَاءِ بِالْبَيْعِ.
كَذَلِكَ إذَا رَدَّ شَخْصٌ لِآخَرَ مَالًا بِخِيَارِ الْغَبْنِ وَكَانَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي هُوَ غَيْرُ هَذَا الْمَالِ الَّذِي رَدَّهُ إلَيْهِ فَإِذَا أَخَذَهُ وَرَضِيَ بِهِ فَالْبَيْعُ يَكُونُ بَيْعُ تَعَاطٍ أَبُو السُّعُودِ. كَذَلِكَ إذَا طَلَبَ شَخْصٌ مِنْ الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ مَا اشْتَرَاهُ وَكَانَ ذَلِكَ الطَّلَبُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الشُّفْعَةِ وَسَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ الْمَبِيعَ بِرِضَاهُ أَيْ بِلَا حُكْمِ الْحَاكِمِ فَبِالتَّعَاطِي يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ.
إنَّ فِي الْمِثَالِ الْأَخِيرِ الْوَارِدِ فِي مَتْنِ الْمَجَلَّةِ خَمْسَ مَسَائِلَ: (١) - إنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي.
(٢) - إنَّ بَيْعَ التَّعَاطِي يَنْعَقِدُ فِي الْأَمْوَال الْخَسِيسَةِ وَالنَّفِيسَةِ.
(٣) - إنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِالْإِعْطَاءِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ (٤) - بِإِعْطَاءِ الْمَبِيعِ وَبِإِعْطَاءِ الثَّمَنِ.
(٥) - يَنْعَقِدُ بَيْعُ التَّعَاطِي وَلَوْ تَأَخَّرَتْ مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ، مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ أَوَّلًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْصُلُ مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ. كَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إذَا أَنْكَرَ الْوَكَالَةَ بَعْدَ شِرَائِهِ الْمَالَ ثُمَّ سَلَّمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمُوَكِّلِهِ فَتَسَلَّمَهُ الْمُوَكِّلُ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكَّلِ وَيَكُونُ بَيْعَ تَعَاطٍ وَلَا يَحِقُّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُوَكَّلِ أَثْبِتْ وَكَالَتَك وَإِلَّا فَإِنَّنِي أَسْتَرِدُّ الْمَالَ. كَذَلِكَ إذَا سَأَلَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِكَمْ تَبِيعَ كَيْلَةَ هَذِهِ الْحِنْطَةِ؟ فَأَجَابَهُ الْبَائِعُ بِعِشْرِينَ قِرْشًا مَثَلًا فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي: كِلْ لِي كَيْلَةً فَكَالَ لَهُ الْبَائِعُ ذَلِكَ وَسَلَّمَهُ لَهُ أَوْ وَضَعَهُ بِأَمْرِ الْبَائِعِ فِي كِيسٍ لَهُ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ.
يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُبَادَلَةِ الْفِعْلِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ بَيْعُ التَّعَاطِي إذَا لَمْ تَحْصُلْ الْمُبَادَلَةُ الْفِعْلِيَّةُ فِعْلًا.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ رَأَى شَخْصٌ حَطَّابًا يَحْمِلُ عَلَى حِمَارِهِ حَطَبًا فَقَالَ: لَهُ كَمْ ثَمَنُ حِمْلِ الْحِمَارِ، فَقَالَ الْحَطَّابُ: عَشْرَةُ قُرُوشٍ، فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي: سُقْ الْحِمَارَ إلَى بَيْتِي فَلَا يَتِمُّ الْبَيْعُ بِهَذَا الْقَوْلِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ حِمْلَ الْحِمَارِ إلَى الْبَيْتِ، وَيَدْفَعُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْبَائِعِ حِمَارَهُ نَحْوَ بَيْتِ الْمُشْتَرِي لَيْسَ فِيهِ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ أَوْ الْمَبِيعِ وَلَا يَتِمُّ بَيْعُ التَّعَاطِي إلَّا بِالتَّسْلِيمِ. يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ التَّعَاطِي (١) أَنْ يُسَمَّى الثَّمَنُ وَأَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَوْجُودًا وَمَعْلُومًا " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٩٧ و ٢٣٧ " إلَّا أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَكُونُ أَسْعَارُهَا مَعْلُومَةً كَالْخُبْزِ مَثَلًا لَا يَجِبُ تَسْمِيَةُ الثَّمَنِ فِيهَا (٢) يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ هَذَا الْبَيْعِ أَلَّا يَكُونَ التَّعَاطِي مَبْنِيًّا عَلَى بَيْعٍ فَاسِدٍ أَوْ بَاطِلٍ وَقَعَ قَبْلًا. فَإِذَا بُنِيَ التَّعَاطِي عَلَى بَيْعٍ فَاسِدٍ أَوْ بَاطِلٍ فَلَا يَنْعَقِدُ مَا لَمْ يَحْصُلْ مُتَارَكَةٌ أَيْ فَسْخُ أَوْ إقَالَةُ الْبَيْعِ السَّابِقِ (بَزَّازِيَّةَ) (وَالدُّرَّ الْمُخْتَارَ) .
مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا بَاعَ شَخْصٌ سَمَكَةً تَسْبَحُ فِي الْبَحْرِ مِنْ شَخْصٍ بِعَشْرَةِ قُرُوشٍ مَثَلًا وَالْمُشْتَرِي قَبِلَ بِذَلِكَ فَاصْطَادَ الْبَائِعُ تِلْكَ السَّمَكَةَ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ اللَّفْظِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ وَقَعَا بَيْنَهُمَا وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ سَلَّمَ الْبَائِعُ السَّمَكَةَ لِلْمُشْتَرِي وَالْمُشْتَرِي سَلَّمَهُ الْعَشَرَةَ الْقُرُوشَ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ بِهَذَا التَّعَاطِي وَيَحِقُّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَرِدَّ الثَّمَنَ مِنْ الْبَائِعِ. أَمَّا إذَا تَفَرَّغَ الطَّرَفَانِ عَنْ الْبَيْعِ
стр. 127
الْبَاطِلِ وَالْفَاسِدِ بِوَجْهِ الْمُتَارَكَةِ ثُمَّ تَبَايَعَا بِالتَّعَاطِي فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ حِينَئِذٍ وَلَيْسَ جَوَازُ الْعَقْدِ بِالتَّعَاطِي قَاصِرًا عَلَى الْبَيْعِ بَلْ يَجْرِي فِي الْإِقَالَةِ وَالْإِجَارَةِ أَيْضًا.
[ (الْمَادَّةُ ١٧٦) إذَا تَكَرَّرَ عَقْدُ الْبَيْعِ بِتَبْدِيلِ الثَّمَنِ أَوْ تَزْيِيدِهِ أَوْ تَنْقِيصِهِ]
(الْمَادَّةُ ١٧٦) إذَا تَكَرَّرَ عَقْدُ الْبَيْعِ بِتَبْدِيلِ الثَّمَنِ أَوْ تَزْيِيدِهِ أَوْ تَنْقِيصِهِ يُعْتَبَرُ الْعَقْدُ الثَّانِي فَلَوْ تَبَايَعَ رَجُلَانِ مَالًا مَعْلُومًا بِمِائَةِ قِرْشٍ ثُمَّ بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ تَبَايَعَا ذَلِكَ الْمَالَ بِدِينَارٍ أَوْ بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ أَوْ بِتِسْعِينَ قِرْشًا يُعْتَبَرُ الْعَقْدُ الثَّانِي.
الْقَاعِدَةُ الْأَصْلِيَّةُ أَنَّ الْعَقْدَ إذَا جُدِّدَ وَأُعِيدَ فَالثَّانِي بَاطِلٌ. فَالْبَيْعُ بَعْدَ الْبَيْعِ وَالصُّلْحُ بَعْدَ الصُّلْحِ وَالنِّكَاحُ بَعْدَ النِّكَاحِ وَالْحَوَالَةُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ إلَّا أَنَّ بَعْضَ صُوَرِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ خَارِجٌ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَمَا يَجِيءُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ فَإِذَا عُقِدَ الْبَيْعُ أَوَّلًا ثُمَّ عُقِدَ ثَانِيًا عَلَى مِثْلِ ثَمَنِ الْأَوَّلِ جِنْسًا وَوَصْفًا وَقَدْرًا فَالْعَقْدُ الثَّانِي غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَيَبْقَى الْعَقْدُ الْأَوَّلُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فَائِدَةٌ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي.
وَشَرْطُ صِحَّةِ الْعَقْدِ أَنْ تَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٢٠٠) .
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ بِيعَ مَالٌ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثُمَّ عُقِدَ بَيْعُ ذَلِكَ الْمَالِ مِنْ الْبَائِعِ لِنَفْسِ الْمُشْتَرِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَالْبَيْعُ الثَّانِي غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَلَا يَطْرَأُ خَلَلٌ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِ بِذَلِكَ الْعَقْدِ الثَّانِي (هِنْدِيَّةٌ) . كَذَلِكَ لَوْ بَاعَ مَالًا مِنْ آخَرَ بِعَشَرَةِ رِيَالَاتٍ ثُمَّ دَفَعَ لِلْبَائِعِ عَنْ الْمُشْتَرِي رِيَالَيْنِ مِنْهَا إبْرَاءَ إسْقَاطٍ ثُمَّ عَادَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فَعَقَدَا الْبَيْعَ ثَانِيَةً عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ بِعَشَرَةِ رِيَالَاتٍ فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ.
أَمَّا إذَا كَانَ الْعَقْدُ الثَّانِي يَتَضَمَّنُ تَبْدِيلَ الثَّمَنِ أَوْ زِيَادَتَهُ أَوْ نَقْصَهُ فَالْعَقْدُ الثَّانِي صَحِيحٌ لِمَكَانِ الْفَائِدَةِ مِنْهُ وَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ. وَإِذَا شَرَطَ الطَّرَفَانِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مُعَجَّلًا ثُمَّ تَعَاقَدَا عَلَى أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا، أَوْ إذَا اتَّفَقَا فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا وَفِي الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُعَجَّلًا انْفَسَخَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ وَصَارَ الثَّانِي مُعْتَبَرًا وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ مَالًا بَيْعًا صَحِيحًا ثُمَّ بَاعَهُ مِنْهُ ثَانِيَةً بَيْعًا فَاسِدًا يَنْفَسِخُ الْأَوَّلُ (مُشْتَمِلُ الْأَحْكَامِ أَنْقِرْوِيٌّ) .
إنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى الْوَارِدَةَ فِي مِثَالِ الْمَجَلَّةِ هِيَ تَبْدِيلٌ وَزِيَادَةٌ لِلثَّمَنِ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ تَبْدِيلٌ وَتَنْزِيلٌ لِلثَّمَنِ، وَفِي الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ زِيَادَةٌ لِلثَّمَنِ فَقَطْ، وَفِي الصُّورَةِ الْخَامِسَةِ تَنْزِيلٌ لَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَالْمُشْتَرِي يَكُونُ مُجْبَرًا عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ الَّذِي يُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الثَّانِي فَلِذَلِكَ إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّنِي بِعْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ كَذَا بِأَلْفِ قِرْشٍ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّنِي اشْتَرَيْتهَا فِي شَهْرِ شَوَّالٍ بِخَمْسِمِائَةِ قِرْشٍ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا عَلَى تَنْزِيلِ الثَّمَنِ وَيُحْكَمُ فِي الثَّمَنِ بِالْبَيْعِ الثَّانِي أَنْقِرْوِيٌّ وَيُعْتَبَرُ أَنَّ شُهُودَ الطَّرَفَيْنِ صَادِقُونَ فِيمَا شَهِدُوا بِهِ
стр. 128
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي بَيَانِ لُزُومِ مُوَافَقَةِ الْقَبُولِ لِلْإِيجَابِ]
الْفَصْلُ الثَّانِي:
فِي بَيَانِ لُزُومِ مُوَافَقَةِ الْقَبُولِ لِلْإِيجَابِ (الْمَادَّةُ ١٧٧) إذَا أَوْجَبَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ بَيْعَ شَيْءٍ بِشَيْءٍ يَلْزَمُ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ قَبُولُ الْعَاقِدِ الْآخَرِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُطَابِقِ لِلْإِيجَابِ وَلَيْسَ لَهُ تَبْعِيضُ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ وَتَفْرِيقُهُمَا فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِمِائَةِ قِرْشٍ مَثَلًا فَإِذَا قَبِلَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ أَخَذَ الثَّوْبَ جَمِيعَهُ بِمِائَةِ قِرْشٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ جَمِيعَهُ أَوْ نِصْفَهُ بِخَمْسِينَ قِرْشًا وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ: بِعْتُك هَذَيْنِ الْفَرَسَيْنِ بِثَلَاثَةِ آلَافِ قِرْشٍ وَقَبِلَ الْمُشْتَرِي، يَأْخُذُ الْفَرَسَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ آلَافٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَهُمَا بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ.
يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ مُوَافِقًا لِلْإِيجَابِ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلًا: فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ.
ثَانِيًا: فِي جِنْسِهِ.
ثَالِثًا: فِي الْمُثَمَّنِ.
رَابِعًا: فِي صِفَةِ الثَّمَنِ.
خَامِسًا: فِي شَرْطِ الْخِيَارِ.
لِئَلَّا تَتَفَرَّقَ صَفْقَةُ الْبَيْعِ. وَيُفْهَمُ مِنْ الْمِثَالِ الْوَارِدِ فِي الْمَجَلَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ تَبْعِيضُ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ أَوْ كِلَيْهِمَا أَوْ تَغْيِيرُهُمَا أَوْ تَبْدِيلُهُمَا سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَبِيعُ وَاحِدًا أَمْ مُتَعَدِّدًا فَإِذَا فَرَّقَ فِي ذَلِكَ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِرًا عَلَى تَفْرِيقِ صَفْقَةِ الْبَيْعِ فَالْبَائِعُ يَتَضَرَّرُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ أَنْ يَضُمُّوا الْمَالَ الْجَيِّدَ إلَى الْمَالِ الدُّونِ وَيَبِيعُوهُمَا مَعًا بِقَصْدِ تَرْوِيجِ الْمَالِ الدُّونِ فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي يَحِقُّ لَهُ تَفْرِيقُ صَفْقَةِ الْبَيْعِ لَاخْتَارَ الْمَالَ الْجَيِّدَ لِنَفْسِهِ وَتَرَكَ الدُّونَ لِلْبَائِعِ فَيَتَضَرَّرُ الْبَائِعُ مِنْ ذَلِكَ إذْ يَخْرُجُ الْمَالُ الْجَيِّدُ مِنْ يَدِهِ وَيَبْقَى لَهُ الدُّونُ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا وَاحِدًا وَكَانَ يَحِقُّ لِلْمُشْتَرِي تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ فَإِنَّ الْمَبِيعَ سَيَكْتَسِبُ صِفَةَ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فَالْبَائِعُ أَيْضًا يَتَضَرَّرُ مِنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الْبَائِعُ إذَا كَانَ مُقْتَدِرًا عَلَى تَفْرِيق صَفْقَةِ الْبَيْعِ فَالْمُشْتَرِي يَتَضَرَّرُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَتَضَرَّرُ الْمُشْتَرِي بِضَرَرِ الشَّرِكَةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مُتَعَدِّدًا فَفِي هَذِهِ
стр. 129
الْحَالَةِ قَدْ تَكُونُ رَغْبَةُ الْمُشْتَرِي بِالنِّسْبَةِ إلَى غَرَضِ الِاشْتِرَاءِ فِي زِيَادَةِ الْمَبِيعِ الْمُتَعَدِّدِ عَنْ الْمَبِيعِ غَيْرِ الْمُتَعَدِّدِ فَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى تَفْرِيقِ صَفْقَةِ الْبَيْعِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يُبْقِيَ بَعْضَ الْمَبِيعِ وَيَنْشَأَ عَنْ ذَلِكَ ضَرَرُ الْمُشْتَرِي وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: قَدْ اشْتَرَيْت هَذَيْنِ الْحِصَانَيْنِ مِنْك بِثَلَاثَةِ آلَافِ قِرْشٍ فَإِذَا بَاعَهُ الْبَائِعُ الْحِصَانَيْنِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ يَكُونُ قَدْ بَاعَهُمَا بِثَلَاثَةِ آلَافِ قِرْشٍ وَلَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا بِخَمْسِمِائَةِ قِرْشٍ أَوْ بِأَلْفَيْ قِرْشٍ. كَذَلِكَ إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك هَذَا الْمَالَ بِخَمْسِينَ قِرْشًا، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَدْ اشْتَرَيْتُهُ بِلَا ثَمَنٍ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ.
إنَّ مُوَافَقَةَ الْقَبُولِ لِلْإِيجَابِ فِي صِفَةِ الثَّمَنِ وَشَرْطِ الْخِيَارِ تَتَّضِحُ فِيمَا يَأْتِي:
إذَا كَانَ الْقَبُولُ مُخَالِفًا لِلْإِيجَابِ فِي صِفَةِ الثَّمَنِ وَشَرْطِ الْخِيَارِ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ مَا لَمْ يَقْبَلْ الطَّرَفُ الْآخَرُ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِ الْبَيْعِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: قَدْ بِعْتُك هَذَا الْمَالَ بِأَلْفِ قِرْشٍ فَأَجَابَهُ الْمُشْتَرِي: قَدْ اشْتَرَيْته مِنْك بِأَلْفِ قِرْشٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى سَنَةٍ، أَوْ قَدْ اشْتَرَيْته بِخِيَارِ الشَّرْطِ فَإِذَا لَمْ يَرْضَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ أَبُو السُّعُودِ.
أَمَّا إذَا رَضِيَ الْبَائِعُ صَارَ الْإِيجَابُ الْأَوَّلُ بَاطِلًا وَالْقَبُولُ الثَّانِي إيجَابًا وَرِضَا الْبَائِعِ الثَّالِثُ قَبُولًا وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. إنَّ عَدَمَ جَوَازِ التَّبْعِيضِ فِي الثَّمَنِ وَفِي الْمُثَمَّنِ هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يُعَدْ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ أَمَّا إذَا أُعِيدَ صَارَ الْبَيْعُ صَحِيحًا بِاعْتِبَارِهِ بَيْعًا جَدِيدًا وَيَبْطُلُ الْإِيجَابُ الْأَوَّلُ.
مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا أَوْجَبَ الْبَيْعَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ وَالْعَاقِدُ الثَّانِي قَبِلَ الْبَيْعَ بِتَبْعِيضِ الثَّمَنِ وَتَفْرِيقِ صَفْقَةِ الْبَيْعِ فَإِذَا قَبِلَ الْمُوجِبُ ثَالِثًا يَعْنِي (الَّذِي أَوْجَبَ الْبَيْعَ أَوَّلًا مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ) يُنْظَرُ فِيمَا إذَا كَانَ فِي قَبُولِ الثَّانِي وُجِدَتْ تَسْمِيَةُ الثَّمَنِ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ مِثْلِيًّا أَوْ قِيَمِيًّا أَوْ كَانَ الْمَبِيعُ وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ بِالرِّضَاءِ الَّذِي يَقَعُ ثَالِثًا وَيَكُونُ هَذَا الْبَيْعُ بَيْعًا جَدِيدًا وَيَبْطُلُ الْإِيجَابُ الْأَوَّلُ.
مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: قَدْ بِعْتُك هَذَيْنِ الْحِصَانَيْنِ بِأَلْفَيْ قِرْشٍ، وَأَجَابَهُ الْآخَرُ ثَانِيًا: قَدْ اشْتَرَيْت هَذَا الْحِصَانَ الْأَشْقَرَ مِنْهُمَا بِأَرْبَعِمِائَةِ قِرْشٍ فَأَجَابَهُ الْبَائِعُ ثَالِثًا: بِعْته مِنْك أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الرِّضَاءِ فَيَبْطُلُ الْإِيجَابُ الَّذِي قِيلَ أَوَّلًا وَيُصْبِحُ الْقَوْلُ الَّذِي قِيلَ ثَانِيًا إيجَابًا ثُمَّ يَكُونُ الرِّضَاءُ الَّذِي قِيلَ ثَالِثًا قَبُولًا وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ عَلَى الْحِصَانِ الْأَشْقَرِ بِأَرْبَعِمِائَةِ هِنْدِيَّةٌ ".
أَمَّا إذَا لَمْ يُسَمَّ الثَّمَنُ فِي قَبُولِ الْقَابِلِ فَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ مُنْقَسِمًا عَلَى الْمَبِيعِ بِالْأَجْزَاءِ يَعْنِي أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِثْلِيًّا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ شَيْئًا وَاحِدًا مِنْ الْقِيَمِيِّ فَبِالرِّضَاءِ الْوَاقِعِ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ إذَا كَانَ مُنْقَسِمًا عَلَى الْمَبِيعِ بِالْأَجْزَاءِ يُصْبِحُ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ مَعْلُومَةٌ وَلَا يَحْصُلُ ضَرَرٌ مِنْ الِانْقِسَامِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ رَدُّ الْمُحْتَارِ ".
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: قَدْ بِعْتُك هَذِهِ الْخَمْسِينَ كَيْلَةَ حِنْطَةٍ بِخَمْسِمِائَةِ قِرْشٍ فَقَالَ الْآخَرُ ثَانِيًا قَدْ اشْتَرَيْت خَمْسًا وَعِشْرِينَ كَيْلَةً فَإِذَا قَبِلَ الْبَائِعُ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ فِي الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ بِثَمَنِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ قِرْشًا وَهُوَ حِصَّةُ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى.
كَذَلِكَ إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ أَوَّلًا: قَدْ بِعْتُك حِصَانِي هَذَا بِأَلْفِ قِرْشٍ وَأَجَابَهُ الْآخَرُ ثَانِيًا قَدْ اشْتَرَيْت نِصْفَهُ فَأَجَابَهُ ذَلِكَ الْبَائِعُ ثَالِثًا بِكَلَامٍ يُفِيدُ الرِّضَاءَ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ فِي نِصْفِ الْحِصَانِ بِثَمَنِ خَمْسِمِائَةِ قِرْشٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ يَنْقَسِمُ عَلَى الْمَبِيعِ
стр. 130
بِالْأَجْزَاءِ أَمَّا إذَا كَانَ الثَّمَنُ غَيْرَ مُنْقَسِمٍ عَلَى الْمَبِيعِ بِالْأَجْزَاءِ وَكَانَ الْمَبِيعُ قِيَمِيًّا وَمُتَعَدِّدًا أَوْ كَانَ فِي الْمَبِيعِ مِثْلِيَّانِ وَلَكِنْ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِذَا لَمْ يُسَمَّ الثَّمَنُ فِي قَبُولِ الْقَابِلِ فَبِالرِّضَاءِ الثَّالِثِ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي ذَلِكَ يَكُونُ بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاءً وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْعَلُ حِصَّةَ الْمَبِيعِ مِنْ الثَّمَنِ مَجْهُولَةً.
وَقَدْ جَاءَ فِي رَدِّ الْمُحْتَارِ ": " صُورَةُ الْبَيْعِ فِي الْحِصَّةِ ابْتِدَاءً كَمَا إذَا قَالَ: بِعْت هَذَا الْحَيَوَانَ بِحِصَّةٍ مِنْ الْأَلْفِ الْمُوَزَّعِ عَلَى قِيمَتِهِ وَعَلَى قِيمَةِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ وَقْتَ الْبَيْعِ، وَخَرَجَ بِالِابْتِدَاءِ مَا إذَا عَرَضَ الْبَيْعَ بِالْحِصَّةِ بِأَنْ بَاعَ الدَّارَ بِتَمَامِهَا فَاسْتُحِقَّ بَعْضُهَا وَرَضِيَ الْمُشْتَرِي بِالْبَاقِي فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِعُرُوضِ الْبَيْعِ بِالْحِصَّةِ انْتِهَاءً ".
وَقَدْ اتَّضَحَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ انْقِسَامَ الثَّمَنِ عَلَى الْمَبِيعِ بِالْأَجْزَاءِ يَكُونُ عَلَى صُورَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ قِيَمِيًّا وَاحِدًا وَأَنْ يَكُونَ مِثْلِيًّا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
وَكَذَلِكَ يَكُونُ عَدَمُ انْقِسَامِ الثَّمَنِ عَلَى الْمَبِيعِ بِالْأَجْزَاءِ عَلَى صُورَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مُتَعَدِّدًا قِيَمِيًّا وَأَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِثْلِيًّا مِنْ أَجْنَاسٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَبَيْعِ عَشْرِ كَيْلَاتِ حِنْطَةٍ وَعَشَرِ كَيْلَاتِ شَعِيرٍ مَعًا بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ. فَعَلَيْهِ إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ أَوَّلًا: قَدْ بِعْتُك حِصَانِي هَذَا الْأَشْقَرَ وَحِصَانِي هَذَا الْأَدْهَمَ بِأَلْفَيْ قِرْشٍ، وَقَالَ الْآخَرُ ثَانِيًا: قَدْ قَبِلْت هَذَا الْحِصَانَ الْأَدْهَمَ فَقَطْ وَأَجَابَهُ الْبَائِعُ ثَالِثًا أَنْ قَدْ قَبِلْت فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ حِصَّةَ الْحِصَانِ الْأَدْهَمِ مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى قَدْ أَصْبَحَتْ مَجْهُولَةً وَجَهَالَةُ الثَّمَنِ تُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ " اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ ٣٨٥ و ٣٦٤ ".
لَا يُقَالُ: إنَّ حِصَّةَ الْحِصَانِ الْأَدْهَمِ مِنْ الثَّمَنِ خَمْسُمِائَةِ قِرْشٍ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ اثْنَانِ وَالثَّمَنَ أَلْفُ قِرْشٍ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمُحْتَمَلِ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْحِصَانِ الْأَدْهَمِ سَبْعُمِائَةِ قِرْشٍ وَقِيمَةُ الْحِصَانِ الْأَشْقَرِ ثَلَاثُمِائَةِ قِرْشٍ إلَّا أَنَّهُ فِي الشُّفْعَةِ قَدْ جُوِّزَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَشْتَرِيَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ دَارًا وَحِصَانًا صَفْقَةً وَاحِدَةً وَالثَّمَنُ الْمُسَمَّى يُقْسَمُ عَلَى الدَّارِ وَالْحِصَانِ، وَالشَّفِيعُ يَأْخُذُ الْعَقَارَ بِحِصَّةٍ مِنْ الثَّمَنِ وَهَذَا التَّقْسِيمُ يَحِلُّ بِقَاعِدَةِ التَّنَاسُبِ مِنْ عِلْمِ الْحِسَابِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا كَانَ مَجْمُوعُ قِيمَةِ ذَلِكَ الْعَقَارِ وَالْحِصَانِ خَمْسَةَ آلَافِ قِرْشٍ إلَّا أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى ثَمَنِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِائَةِ قِرْشٍ وَوُجِدَ أَنَّ قِيمَةَ الدَّارِ الْحَقِيقِيَّةَ ثَلَاثَةُ آلَافِ قِرْشٍ وَبِمَا أَنَّ مَجْمُوعَ الثَّمَنِ هُوَ نِصْفُ مَجْمُوعِ الْقِيمَةِ فَالشَّفِيعُ يَأْخُذُ الْعَقَارَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَيْ بِنِصْفِ الثَّلَاثَةِ الْآلَافِ الَّتِي هِيَ قِيمَتُهُ الْحَقِيقِيَّةُ. وَكَذَلِكَ إذَا بِيعَ عَقَارٌ مُتَعَدِّدٌ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَالشَّفِيعُ شَفَعَ بِبَعْضِ الْعَقَارِ فَقَطْ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْعَقَارَ الْمَشْفُوعَ بِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٠٤١ " فَتَجْوِيزُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الشُّفْعَةِ هُوَ لِضَرُورَةِ حِفْظِ حَقِّ الشَّفِيعِ وَبِمَا أَنَّ الضَّرُورَةَ تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا فَلَا تَجُوزُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ فِي غَيْرِ الشُّفْعَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ الضَّرُورَةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٧٨) مُوَافَقَةُ الْقَبُولِ لِلْإِيجَابِ ضِمْنًا]
(الْمَادَّةُ ١٧٨) تَكْفِي مُوَافَقَةُ الْقَبُولِ لِلْإِيجَابِ ضِمْنًا فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك هَذَا الْمَالَ بِأَلْفِ قِرْشٍ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْته مِنْك بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ قِرْشٍ انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى الْأَلْفِ إلَّا أَنَّهُ لَوْ قَبِلَ الْبَائِعُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي الْمَجْلِسِ يَلْزَمُ عَلَى الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطِيَهُ الْخَمْسَمِائَةِ قِرْشٍ الَّتِي زَادَهَا أَيْضًا وَكَذَا لَوْ قَالَ
стр. 131
الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: اشْتَرَيْت مِنْك هَذَا الْمَالَ بِأَلْفِ قِرْشٍ، فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْته مِنْك بِثَمَانِمِائَةِ قِرْشٍ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ وَيَلْزَمُ تَنْزِيلُ الْمِائَتَيْنِ مِنْ الْأَلْفِ.
مُوَافَقَةُ الْقَبُولِ لِلْإِيجَابِ ضِمْنًا تَكُونُ كَمَا إذَا كَانَ الْمُوجِبُ الْبَائِعَ وَسَمَّى الثَّمَنَ فَقَبِلَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِثَمَنٍ أَزْيَدَ مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى أَوْ كَانَ الْمُوجِبُ الْمُشْتَرِي فَقَبِلَ الْبَائِعُ بِثَمَنٍ أَنْقَصَ مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُوَافَقَةَ الضِّمْنِيَّةَ تَكُونُ فِيمَا إذَا دَلَّتْ عِبَارَةُ الْقَبُولِ عَلَى قَبُولِ الْإِيجَابِ ضِمْنًا؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ الْقِرْشَ الَّتِي سُمِّيَتْ ثَمَنًا فِي الْإِيجَابِ فِي مِثَالِ الْمَتْنِ تَدْخُلُ ضِمْنًا فِي الْأَلْفِ وَالْخَمْسِ الْمِائَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْقَبُولِ فِي هَذَا الْمِثَالِ وَبِذَلِكَ تَكُونُ مُوَافَقَةُ الْقَبُولِ لِلْإِيجَابِ ضِمْنًا.
وَاذَا كَانَ الْقَابِلُ لِلْبَيْعِ الْمُشْتَرِيَ وَزَادَ فِي الثَّمَنِ الْمُسَمَّى تَوَقَّفَ لُزُومُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى قَبُولِ الْبَائِعِ فِي الْمَجْلِسِ.
فَإِذَا قَبِلَ الْبَائِعُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي دَفْعُهَا كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي مِثَالِ الْمَتْنِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٥٥) أَمَّا إذَا صَرَّحَ الْبَائِعُ بِعَدَمِ قَبُولِهِ لِلزِّيَادَةِ كَأَنْ يَقُولَ لَا أَقْبَلُ مَثَلًا أَوْ صَمَتَ فِي الْمَجْلِسِ فَإِنَّ قَبُولَهُ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَدْفَعَهَا وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ عَلَى الثَّمَنِ الْمُسَمَّى فِي الْإِيجَابِ وَهُوَ الْأَلْفُ الْقِرْشُ فِي الْمِثَالِ الْوَارِدِ هَهُنَا.
وَتَكُونُ الْمُوَافَقَةُ الضِّمْنِيَّةُ مَعَ الزِّيَادَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى أَمْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. مِثَالُ الْأَوَّلِ مَا تَقَدَّمَ، وَمِثَالُ الثَّانِي: لَوْ قَالَ الْبَائِعُ بِعْت مِنْك هَذَا الْمَالَ بِمِائَةِ رِيَالٍ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْته بِمِائَةِ رِيَالٍ وَخَمْسَةِ دَنَانِيرَ فَالْمُوَافَقَةُ الضِّمْنِيَّةُ هَهُنَا حَاصِلَةٌ وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى. وَإِذَا بَايَنَ الثَّمَنُ الْوَارِدُ فِي عِبَارَةِ الْقَبُولِ الثَّمَنَ الْوَارِدَ فِي عِبَارَةِ الْإِيجَابِ لَمْ تَحْصُلْ الْمُوَافَقَةُ الضِّمْنِيَّةُ وَبَطَل الْبَيْعُ كَمَا إذَا قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت هَذَا الْمَالَ بِمِائَةِ رِيَالٍ فَقَالَ الْمُشْتَرِي قَبِلْته بِمِائَةِ دِينَارٍ فَالْمُوَافَقَةُ الضِّمْنِيَّةُ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِي هَذَا الْمِثَالِ؛ لِأَنَّ الْمِائَةَ الدِّينَارَ الْوَارِدَةَ فِي عِبَارَةِ الْقَبُولِ مُغَايِرَةٌ لِلْمِائَةِ الرِّيَالِ الْوَارِدَةِ فِي عِبَارَةِ الْإِيجَابِ وَإِذَا كَانَ الْقَابِلُ لِلْبَيْعِ هُوَ الْبَائِعُ وَحَطَّ مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى فَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي دَفْعُ مَا حَطَّهُ الْبَائِعُ وَيُصْبِحُ الْمُشْتَرِي مَالِكًا لِلْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ الْبَائِعُ فِي قَبُولِهِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: قَدْ اشْتَرَيْت مِنْك هَذَا الْمَالَ بِمِائَةِ رِيَالٍ وَخَمْسَةِ دَنَانِيرَ فَيُجِيبُهُ الْبَائِعُ بِقَوْلِهِ: قَدْ بِعْته مِنْك بِمِائَةِ رِيَالٍ فَفِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ عَلَى الْمِائَةِ الرِّيَالِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي قَبُولِ الْبَائِعِ، أَمَّا إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْت هَذَا الْمَالَ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْته مِنْك بِخَمْسَةِ رِيَالَاتٍ فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ لِلْمُبَايَنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ " اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ١٧٧ " وَهِبَةُ كُلِّ الثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبُولِ مُبْطِلَةٌ لِلْإِيجَابِ رَدُّ الْمُحْتَارِ ".
مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْت مِنْك مَالِي هَذَا بِخَمْسِينَ قِرْشًا وَقَالَ لَهُ أَيْضًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَهُ: وَهَبْتُك خَمْسِينَ قِرْشًا فَالْإِيجَابُ بَاطِلٌ فِي هَذَا الْمِثَالِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ أَعْقَبَ بَيْعَهُ بِالْهِبَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ الْمُشْتَرِي وَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِقَبُولِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمَذْكُورَ قَدْ اخْتَلَّ رُكْنُهُ كَالْبَيْعِ الَّذِي يُنْفَى فِيهِ الثَّمَنُ " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٣٦٢ ".
[ (الْمَادَّةُ ١٧٩) أَوْجَبَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ بِصَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ]
(الْمَادَّةُ ١٧٩) إذَا أَوْجَبَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ بِصَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ
стр. 132
عَيَّنَ لِكُلٍّ مِنْهَا ثَمَنًا عَلَى حِدَةٍ أَمْ لَا فَلِلْآخَرِ أَنْ يَقْبَلَ وَيَأْخُذَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ بِكُلِّ الثَّمَنِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ وَيَأْخُذَ مَا شَاءَ مِنْهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ مَثَلًا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت هَذِهِ الْأَثْوَابَ الثَّلَاثَةَ كُلَّ وَاحِدٍ بِمِائَةِ قِرْشٍ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَبِلْت أَحَدَهُمَا بِمِائَةِ قِرْشٍ أَوْ كِلَيْهِمَا بِمِائَتَيْ قِرْشٍ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ ".
إذَا كَانَ الْإِيجَابُ وَاحِدًا لَا يَتَعَدَّدُ بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ عِنْدَ الْإِمَامِ اسْتِحْسَانًا " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٧٧ ". وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ صَفْقَةِ الْبَيْعِ فَلَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ صَفْقَةِ الْقَبْضِ.
فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَدْفَعَ بَعْضَ الثَّمَنِ وَيَطْلُبَ تَسْلِيمَ بَعْضِ الْمَبِيعِ كَمَا أَنَّ الْبَائِعَ إذَا أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ مِنْ بَعْضِ الثَّمَنِ أَوْ أَجَّلَ لَهُ الثَّمَنَ فَلَيْسَ لَهُ قَبْضُ مَا يُصِيبُ ذَلِكَ الثَّمَنُ مِنْ الْمَبِيعِ. أَمَّا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ فَيَتَعَدَّدُ الْبَيْعُ بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ جِهَةَ التَّعَدُّدِ رَاجِحَةٌ فِيهِ بَيْدَ أَنَّ وَاضِعِي الْمَجَلَّةِ اخْتَارُوا قَوْلَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ. وَقَدْ مَثَّلَتْ الْمَجَلَّةُ. فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ لِوُقُوعِ الْإِيجَابِ مِنْ الْبَائِعِ وَالْقَبُولِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَنَحْنُ نُمَثِّلُ لِوُقُوعِ الْإِيجَابِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْقَبُولِ مِنْ الْبَائِعِ وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: قَدْ اشْتَرَيْت هَذَيْنِ الْحِصَانَيْنِ بِثَلَاثَةِ آلَافِ قِرْشٍ فَهَذَا بِأَلْفٍ وَهَذَا بِأَلْفَيْنِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَهُمَا بِثَلَاثَةِ آلَافِ قِرْشٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا بِمَا سُمِّيَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: قَدْ اشْتَرَيْت هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أَثْوَابٍ كُلَّ ثَوْبٍ بِمِائَةٍ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: بِعْتُك أَحَدَهَا بِمِائَةٍ أَوْ اثْنَيْنِ مِنْهَا بِمِائَتَيْنِ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْبَيْعِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: الْعَاقِدُ، وَالْعَقْدُ، وَالثَّمَنُ. فَيَتَّحِدُ الْعَقْدُ بِاتِّحَادِ الْآخَرَيْنِ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَاحِدًا وَالثَّمَنُ ذُكِرَ جُمْلَةً فَصَفْقَةُ الْبَيْعِ تُعْتَبَرُ مُتَّحِدَةً قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٧٧ " وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ وَيَتَعَدَّدُ الْعَقْدُ بِتَعَدُّدِ الْآخَرَيْنِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَإِذَا كَانَ الْإِيجَابُ وَاحِدًا فَالْعَقْدُ مُتَّحِدٌ فَلَا يَسْتَطِيعُ الَّذِي يَقْبَلُ الْإِيجَابَ الْمُتَّحِدَ أَنْ يُفَرِّقَ الْبَيْعَ. وَلِذَلِكَ ثَمَانِي صُوَرٍ:
الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ وَاحِدًا وَالْمُشْتَرِي وَاحِدًا.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ مُتَعَدِّدًا وَالْمُشْتَرِي وَاحِدًا.
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ وَاحِدًا وَالْمُشْتَرِي مُتَعَدِّدًا.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ مُتَعَدِّدًا وَالْمُشْتَرِي مُتَعَدِّدًا.
وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَرْبَعَةِ تَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُفْصَلَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ.
وَالثَّانِي: أَلَّا يُفْصَلَ فَتَكُونَ الصُّوَرُ ثَمَانِيًا وَقَدْ أَوْرَدْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَمْثِلَةً لِلصُّورَةِ الْأُولَى وَنُورِدُ الْآنَ أَمْثِلَةَ مَا بَقِيَ:
فَمِثَالُ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَقُولَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو لِرَجُلٍ: بِعْنَاك مَالَنَا هَذَا بِأَلْفِ قِرْشٍ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: قَبِلْت بِحِصَّةِ زَيْدٍ فَقَطْ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ.
وَمِثَالُ الثَّالِثَةِ:
أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ لِاثْنَيْنِ بِعْت مَالِي هَذَا مِنْكُمَا بِأَلْفِ قِرْشٍ إذَا قَبِلَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ وَلَمْ يَقْبَلْ الْآخَرُ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ.
وَمِثَالُ الرَّابِعَةِ:
قَالَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو لِبَكْرٍ وَعُثْمَانَ قَدْ بِعْنَاكُمَا هَذَيْنِ الْحِصَانَيْنِ بِأَلْفَيْ قِرْشٍ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ وَلَمْ يَقْبَلْ الثَّانِي فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ.
وَمِنْ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ الْأَرْبَعَةِ لِلصُّوَرِ الْأَرْبَعَةِ تُسْتَخْرَجُ أَمْثِلَةٌ لِلْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٨٠) ذَكَرَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةً]
(الْمَادَّةُ ١٨٠) :
لَوْ ذَكَرَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةً وَبَيَّنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَنًا عَلَى حِدَتِهِ وَجَعَلَ لِكُلٍّ عَلَى الِانْفِرَادِ إيجَابًا وَقَبِلَ الْآخَرُ بَعْضَهَا بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى لَهُ
стр. 133
انْعَقَدَ الْبَيْعُ فِيمَا قَبِلَهُ فَقَطْ.
مَثَلًا: لَوْ ذَكَرَ الْبَائِعُ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةً وَبَيَّنَ لِكُلٍّ مِنْهَا ثَمَنًا مُعَيَّنًا عَلَى حِدَةٍ وَكَرَّرَ لَفْظَ الْإِيجَابِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ كَأَنْ يَقُولَ: بِعْت هَذَا بِأَلْفٍ وَبِعْت هَذَا بِأَلْفَيْنِ فَالْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ وَيَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ بِالثَّمَنِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ ".
إذَا كَرَّرَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْإِيجَابَ وَفَصَلَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ فَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَعَدُّدِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ تَكْرِيرَ الْإِيجَابِ مَعَ تَفْصِيلِ الثَّمَنِ دَلِيلٌ عَلَى رِضَا الْمُوجِبِ بِالتَّفْرِيقِ " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٦٨ ".
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يُشِيرَ الْبَائِعُ إلَى أَرْبَعَةِ حُصُنٍ وَيَقُولَ: بِعْت هَذِهِ الْحُصُنَ الْأَرْبَعَةَ بِأَلْفَيْ قِرْشٍ فَهَذَانِ الْأَدْهَمَانِ بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْ قِرْشٍ وَهَذَانِ الْأَشْقَرَانِ بِثَمَانِمِائَةٍ فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْت هَذَيْنِ الْأَدْهَمَيْنِ بِأَلْفِ قِرْشٍ وَمِائَتَيْنِ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ عَلَى هَذَيْنِ الْحِصَانَيْنِ اللَّذَيْنِ حَصَلَ الْقَبُولُ فِيهِمَا بِالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ فِي الْإِيجَابِ وَهُوَ الْأَلْفُ الْقِرْشُ وَالْمِائَتَانِ. أَمَّا إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْت أَحَدَ هَذَيْنِ الْأَدْهَمَيْنِ بِسِتِّمِائَةِ قِرْشٍ مُشِيرًا إلَيْهِ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَفْصِيلَ فِي ثَمَنِ هَذَيْنِ الْحِصَانَيْنِ.
وَكَذَلِكَ إذَا تَعَدَّدَ الْإِيجَابُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ وَالْخُلَاصَةُ أَنَّهُ إذَا كَرَّرَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْإِيجَابَ وَسَمَّى لِكُلِّ مَبِيعٍ ثَمَنًا عَلَى حِدَةٍ فَلِلْآخَرِ قَبُولُ الْبَيْعِ فِي أَيٍّ شَاءَ مِنْ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي سُمِّيَ لَهُ فِي الْإِيجَابِ. وَلِذَلِكَ أَرْبَعُ صُوَرٍ:
الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ وَاحِدًا وَالْمُشْتَرِي وَاحِدًا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ مُتَعَدِّدًا وَالْمُشْتَرِي وَاحِدًا.
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ وَاحِدًا وَالْمُشْتَرِي مُتَعَدِّدًا.
وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ مُتَعَدِّدًا وَالْمُشْتَرِي مُتَعَدِّدًا.
وَلَا يَذْكُرُ هُنَا تَفْصِيلَ الثَّمَنِ وَلَا عَدَمَهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَادَّةِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلُ الثَّمَنِ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثَالَ الصُّورَةِ الْأُولَى فِي الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ.
وَمِثَالُ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَقُولَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو لِبَكْرٍ: بِعْنَاك هَذَيْنِ الْبَغْلَيْنِ بِأَلْفِ قِرْشٍ هَذَا بِسِتِّمِائَةٍ وَهَذَا بِأَرْبَعِمِائَةِ قِرْشٍ فَلِبَكْرٍ أَنْ يَقْبَلَ أَيَّهمَا شَاءَ بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى لَهُ.
وَمِثَالُ الثَّالِثَةِ أَنْ يَقُولَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو وَبَكْرٍ: بِعْتُكُمَا هَذَيْنِ الْبَغْلَيْنِ بِأَلْفِ قِرْشٍ هَذَا بِسِتِّمِائَةِ قِرْشٍ وَهَذَا بِأَرْبَعِمِائَةٍ فَلِعَمْرٍو وَبَكْرٍ أَنْ يَقْبَلَا أَحَدَ الْبَغْلَيْنِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى.
وَمِثَالُ الرَّابِعَةِ أَنْ يَقُولَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو لِبَكْرٍ وَعُثْمَانَ: قَدْ بِعْنَاكُمَا هَذَيْنِ الْبَغْلَيْنِ بِأَلْفِ قِرْشٍ هَذَا بِسَبْعِمِائَةٍ وَهَذَا بِثَلَاثِمِائَةٍ فَلِبَكْرٍ وَعُثْمَانَ أَنْ يَقْبَلَا مَا شَاءَا مِنْ الْبَغْلَيْنِ بِثَمَنِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ رَدُّ الْمُحْتَارِ " وَهِنْدِيَّةٌ ".
стр. 134
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي حَقِّ مَجْلِسِ الْبَيْعِ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
فِي حَقِّ مَجْلِسِ الْبَيْعِ
(الْمَادَّةُ ١٨١) مَجْلِسُ الْبَيْعِ هُوَ الِاجْتِمَاعُ الْوَاقِعُ لِعَقْدِ الْبَيْعِ. بَعْدَ أَنْ يُوجِبَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي مَجْلِسٍ فَالْآخَرُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَبُولِ الْبَيْعِ عَلَى مَا فِي الْمَادَّةِ ١٧٧ وَرَدِّهِ وَهَذَا يُسَمَّى خِيَارُ الْقَبُولِ وَيَثْبُتُ هَذَا الْخِيَارُ قَبْلَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ أَمَّا سَائِرُ الْخِيَارَاتِ فَتَثْبُتُ بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ.
وَإِنَّمَا ثَبَتَ خِيَارُ الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ لَلَزِمَ أَحَدَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْبَيْعُ بِمُجَرَّدِ صُدُورِ الْإِيجَابِ مِنْ الْآخَرِ وَدُخُولِ الْبَيْعِ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَاخْتِيَارِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ مُوجِبِ الْبَيْعِ زَيْلَعِيٌّ وَيَرُدُّ عَلَى هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّ الْمَجْلِسَ اسْمُ مَكَان بِمَعْنَى مَكَانِ اسْتِقْرَارِ النَّاسِ أَمَّا الِاجْتِمَاعُ فَهُوَ وَصْفُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَحَمْلُ لَفْظِ " اجْتِمَاعٍ " عَلَى الْمَجْلِسِ غَيْرُ جَائِزٍ وَغَيْرُ صَحِيحٍ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ " مَحِلُّ الِاجْتِمَاعِ " عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ.
الثَّانِي - أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَجْلِسَ اسْمُ مَكَان بَلْ هُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ فَيَكُونُ مَعْنَى مَجْلِسِ الْبَيْعِ " الْجُلُوسُ لِأَجْلِ الْبَيْعِ ".
وَالْخِيَارُ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ فَلَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: بِعْتُك هَذَا الْمَالَ بِخَمْسِينَ قِرْشًا فَتُوُفِّيَ الْآخَرُ قَبْلَ الْقَبُولِ، فَقَبِلَ وَارِثُهُ الَّذِي لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ فِي الْمَجْلِسِ فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ.
إذَا كَانَ الْمُتَبَايِعَانِ مُتَبَاعِدَيْنِ لَكِنَّهُمَا بِحَيْثُ يَرَى أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَاعُدُهُمَا لَا يُنَافِي اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ وَلَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْبَيْعِ بَزَّازِيَّةٌ " مَا لَمْ يَكُنْ التَّبَاعُدُ يُؤَدِّي إلَى الْتِبَاسٍ وَاشْتِبَاهٍ فِي كَلَامِهِمَا أَيْ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ اللَّذَيْنِ يَقَعَانِ بَيْنَهُمَا مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ ".
[ (الْمَادَّةُ ١٨٢) الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ بَعْدَ الْإِيجَابِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ]
(الْمَادَّةُ ١٨٢) الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ بَعْدَ الْإِيجَابِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ، مَثَلًا: لَوْ أَوْجَبَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْبَيْعَ فِي مَجْلِسِ الْبَيْعِ بِأَنْ قَالَ: بِعْت هَذَا الْمَالَ أَوْ اشْتَرَيْت وَلَمْ يَقُلْ الْآخَرُ عَلَى الْفَوْرِ اشْتَرَيْت أَوْ بِعْت بَلْ قَالَ ذَلِكَ مُتَرَاخِيًا قَبْلَ انْتِهَاءِ الْمَجْلِسِ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ وَإِنْ طَالَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ.
خِيَارُ الْقَبُولِ يَمْتَدُّ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ وَقَدْ جَعَلَ الْمَتْنُ الْخِيَارَ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ مَعَ أَنَّ الْخِيَارَ لِأَحَدِهِمَا وَالْمُخَيَّرُ مِنْهُمَا هُوَ الْقَابِلُ فَإِذَا أَوْجَبَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْقَبُولِ وَإِذَا أَوْجَبَ
стр. 135
الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ صَارَ الْبَائِعُ مُخَيَّرًا؛ لِأَنَّهُ الْقَابِلُ فَلَوْ قَالَ الْمَتْنُ (الْقَابِلُ) مَكَانَ قَوْلِهِ (الْمُتَبَايِعَانِ) لَكَانَ أَبْيَنَ وَأَوْضَحَ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَمَا أَنَّ الْقَابِلَ مُخَيَّرٌ فَالْمُوجِبُ مُخَيَّرٌ أَيْضًا فَإِنْ شَاءَ بَقِيَ عَلَى إيجَابِهِ وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَنْهُ فَنَقُولُ فِي الْجَوَابِ: إنَّ هَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَّا أَنَّ قَوْلَ الْمَتْنِ " إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ " وَمِثَالُهُ لَا يُسَاعِدَانِ عَلَى ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ يَكُونُ تَكْرَارًا لِلْمَادَّةِ ١٨٤ " وَيُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِيجَابَ لَا يَبْطُلُ بِتَرَاخِي الْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ كَانَ التَّرَاخِي طَوِيلًا سَوَاءٌ أَكَانَ الْإِيجَابُ خِطَابًا أَمْ كِتَابَةً الدُّرَرُ " " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٧٣ ".
أَمَّا إذَا وَقَعَ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ بَعْضُ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَادَّةِ التَّالِيَةِ كَصُدُورِ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ أَوْ افْتِرَاقِ الْعَاقِدَيْنِ فَقَدْ بَطَلَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ يَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ وَالتَّفَرُّقِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ خِيَارَ الْقَبُولِ يَمْتَدُّ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ مَهْمَا طَالَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مُضْطَرٌّ إلَى التَّفْكِيرِ وَالتَّرَوِّي فِي أُمُورِهِ فَجُعِلَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ مُمْتَدًّا إلَى آخِرِهِ لِذَلِكَ تَيْسِيرًا وَبِمَا أَنَّ الْمَجْلِسَ جَامِعٌ لِلْمُتَفَرِّقَاتِ فَقَدْ عُدَّتْ سَاعَاتُهُ سَاعَةً وَاحِدَةً دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَلَوْ جُعِلَ خِيَارُ الْقَبُولِ لَا يَمْتَدُّ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ وَكَانَ فَوْرًا لَلَزِمَ الْحَرَجُ وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، وَقَالَ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَالَ ﵊ «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» الزَّيْلَعِيّ.
إذَا أَوْجَبَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْبَيْعَ وَكَانَ الْآخَرُ قَائِمًا فَجَلَسَ وَقَبِلَ الْبَيْعَ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ يَعْنِي أَنَّ قُعُودَ الْقَابِلِ بَعْدَ الْإِيجَابِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبُولِ وَكَذَلِكَ إذَا أَوْجَبَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْبَيْعَ وَكَانَ فِي يَدِ الْآخَرِ كَأْسُ مَاءٌ أَوْ لُقْمَةُ خُبْزٍ فَشَرِبَ الْمَاءَ أَوْ أَكَلَ اللُّقْمَةَ ثُمَّ قَبِلَ الْبَيْعَ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ.
أَمَّا إذَا انْفَضَّ الْمَجْلِسُ كَاشْتِغَالِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِأَكْلِ الطَّعَامِ ثُمَّ قَبُولِهِ بِالْإِيجَابِ يَبْطُلُ وَلَا يَبْقَى مَحِلٌّ لِلْقَبُولِ لِتَبَدُّلِ الْمَجْلِسِ وَلَوْ نَامَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ قَاعِدًا بَعْدَ الْإِيجَابِ ثُمَّ أَفَاقَ مِنْ نَوْمِهِ فَقَبِلَ الْآخَرُ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ أَمَّا إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا فَيُعْتَبَرُ الْمَجْلِسُ مُنْفَضًّا وَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِقَبُولِ الْآخَرِ بَعْدَ إفَاقَتِهِ، وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ فِي مَجْلِسٍ: بِعْت مَالِي هَذَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ عَنْ الْمَجْلِسِ ثُمَّ حَضَرَ ذَلِكَ الْغَائِبُ قَبْلَ انْفِضَاضِ الْمَجْلِسِ وَقَبْلَ الْبَيْعِ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ هِنْدِيَّةٌ ".
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ فَوْرًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْتَدَّ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ وَلِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ فَلَا يَرَى فِي ذَلِكَ حَرَجًا وَلَا مَشَقَّةً وَيُسْتَثْنَى مِمَّا قُلْنَا فِيهِ بِامْتِدَادِ خِيَارِ الْقَبُولِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ أَنْ يَكُونَ التَّبَايُعُ بَيْنَ اثْنَيْنِ سَائِرَيْنِ أَثْنَاءَ سَيْرِهِمَا مَاشِيَيْنِ فَإِنَّ الْقَبُولَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يَجِبُ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْإِيجَابِ كَمَا سَيَتَّضِحُ فِي مَحِلِّهِ.
يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ أَيْ حُصُولُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَعَلَى هَذَا إنْ اخْتَلَفَ مَجْلِسُ الْبَيْعِ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ هِنْدِيَّةٌ ".
стр. 136
وَاتِّحَادُ الْمَجْلِسِ يَكُونُ بِعَدَمِ الِاشْتِغَالِ فِي الْمَجْلِسِ بِشَيْءٍ غَيْرِ سَبَبِ الْعَقْدِ وَهَذَا الشَّرْطُ مِنْ شُرُوطِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَكَانِ، وَالْإِعْرَاضُ يَكُونُ إمَّا بِالْقَوْلِ وَإِمَّا بِالْفِعْلِ فَالْقِيَامُ مِنْ الْمَجْلِسِ لِمَصْلَحَةٍ كَأَكْلِ الطَّعَامِ أَوْ شُرْبِ الْمَاءِ أَوْ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ فَإِذَا فَعَلَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بَطَلَ وَإِنْ كَانَ مَكَانُ الِاجْتِمَاعِ مُتَّحِدًا لِتَفَرُّقِ مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِالْقَبُولِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ امْتِدَادَ خِيَارِ الْقَبُولِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ وَلَا يُعْتَبَرُ الْمَجْلِسُ مُتَّحِدًا مَعَ حُدُوثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ.
كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَالْمَشْيِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ أَمَّا إتْمَامُ الصَّلَاةِ الْفَرِيضَةِ أَوْ النَّفْلِ فَلَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْمَجْلِسِ كَمَا أَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ مِنْ الْكَأْسِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ أَوْ ازْدِرَادَ اللُّقْمَةِ لَا يُنَافِيَانِ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ رَدُّ الْمُحْتَارِ ".
وَيَبْطُلُ الْإِيجَابُ بِأُمُورٍ عَدِيدَةٍ مِنْهَا:
١ - صُدُورُ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُبْطِلُ الْإِيجَابَ وَهُوَ الَّذِي يُبْحَثُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ.
٢ - الرُّجُوعُ عَنْ الْإِيجَابِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الْمَادَّةِ ١٨٥.
٣ - تَكْرَارُ الْإِيجَابِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الْمَادَّةِ ١٨٥.
٤ - وَفَاةُ الْمُوجِبِ وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ.
٥ - تَغْيِيرُ الْمَبِيعِ وَسَيَجِيءُ ذِكْرُهُ فِي الْمَادَّةِ ١٨٤.
٦ - هِبَةُ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي جَمِيعَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ بَعْدَ إيجَابِ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٧٧ ".
مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك مَالِي بِكَذَا وَكَانَا جَالِسَيْنِ فَقَامَ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْإِيجَابُ وَلَوْ لَمْ يَمْشِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ دَلِيلٌ عَلَى الرُّجُوعِ وَالْإِعْرَاضِ كَمَا يَبْطُلُ أَيْضًا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ زَيْلَعِيٌّ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ ".
وَكَذَلِكَ إذَا تَبَايَعَ شَخْصَانِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا دَاخِلَ الدَّارِ وَالْآخَرُ خَارِجَهَا وَبَعْدَ أَنْ أَوْجَبَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ خَرَجَ الْآخَرُ مِنْ الدَّارِ وَقَالَ: قَبِلْت فَالْإِيجَابُ بَاطِلٌ وَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُتَبَايِعَانِ رَاجِلَيْنِ أَوْ رَاكِبَيْنِ سَوَاءٌ كَانَا عَلَى دَابَّةٍ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاكِبًا وَالْآخَرُ رَاجِلًا وَعَقَدَا الْبَيْعَ أَثْنَاءَ سَيْرِهِمَا يُنْظَرُ فَإِذَا كَانَ الْقَبُولُ مُتَّصِلًا بِالْإِيجَابِ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ وَإِذَا حَصَلَ الْقَبُولُ بَعْدَ الْإِيجَابِ بِمُدَّةٍ وَلَوْ وَجِيزَةٍ أَوْ فَصَلَ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ قَدْ تَغَيَّرَ.
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُتَبَايِعَانِ قَائِمَيْنِ وَبَعْدَ أَنْ أَوْجَبَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ مَشَيَا أَوْ مَشَى أَحَدُهُمَا وَقَبِلَ الْآخَرُ الْبَيْعَ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ هِنْدِيَّةٌ ".
وَإِذَا كَانَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي سَفِينَةٍ أَوْ قِطَارٍ فَكَمَا لَوْ كَانَا فِي غُرْفَةٍ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى إذَا صَدَرَ الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِهِمَا مُتَرَاخِيًا عَنْ الْإِيجَابِ فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ. وَسَيْرُ السَّفِينَةِ وَالْقِطَارِ لَا يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَةِ الْمُتَابِعَيْنِ إيقَافُ السَّفِينَةِ أَوْ الْقِطَارِ. وَيَرُدُّ عَلَى هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَنْعَقِدَ الْبَيْعُ بِقَبُولِ أَحَدِ الْمُتَابِعَيْنِ لِلْإِيجَابِ وَلَوْ حَصَلَ الْقَبُولُ بَعْدَ صُدُورِ فِعْلٍ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ؛ لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ
стр. 137
يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَقَبُولُ الْبَيْعِ قَوْلٌ صَرِيحٌ وَالْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ أَنْ لَا اعْتِبَارَ لِلدَّلَالَةِ مَعَ التَّصْرِيحِ وَالْجَوَابُ أَنَّ تَقْدِيمَ التَّصْرِيحِ عَلَى الدَّلَالَةِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَلَمْ يُسْبَقْ الْحُكْمُ بِالدَّلَالَةِ فَأَمَّا هُنَا فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالدَّلَالَةِ سَابِقٌ فَالتَّصْرِيحُ الَّذِي يَرِدُ بَعْدَئِذٍ يَكُونُ لَغْوًا فَلَا يُفِيدُ إجَازَةَ الْمَفْسُوخِ " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٣ ".
[ (الْمَادَّةُ ١٨٤) رَجَعَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَنْ الْبَيْعِ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ]
(الْمَادَّةُ ١٨٤) لَوْ رَجَعَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَنْ الْبَيْعِ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ بَطَلَ الْإِيجَابُ فَلَوْ قَبِلَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ مَثَلًا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت هَذَا الْمَتَاعَ بِكَذَا وَقَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي قَبِلْت رَجَعَ الْبَائِعُ ثُمَّ قَبِلَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ لِمُوجِبِ الْبَيْعِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ الْبَيْعِ قَبْلَ قَبُولِ الْآخَرِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إبْطَالٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ بِغَيْرِ الْقَبُولِ لَا يُفِيدُ حُكْمًا الدُّرَرُ " وَالزَّيْلَعِيّ غَيْرَ أَنَّ صِحَّةَ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِيجَابِ الَّذِي يَقَعُ مُوَاجَهَةً تَتَوَقَّفُ عَلَى سَمَاعِ الطَّرَفِ الْآخَرِ لِلرُّجُوعِ (اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ١٦٧) فَإِذَا قَبِلَ الْآخَرُ دُونَ أَنْ يَسْمَعَ رُجُوعَ الْمُوجِبِ فَالْقَبُولُ مُعْتَبَرٌ وَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ وَلَا حُكْمَ لِهَذَا الرُّجُوعِ.
وَإِنْ رَجَعَ الْمُوجِبُ عَنْ إيجَابِهِ بَعْدَ قَبُولِ الْآخَرِ فَرُجُوعُهُ لَغْوٌ وَالْبَيْعُ بَاقٍ عَلَى الِانْعِقَادِ " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٢٧ و ٣٧٥ ".
وَمِمَّا يَبْطُلُ بِهِ الْإِيجَابُ أَنْ يَرُدَّهُ الطَّرَفُ الْآخَرُ فَلَوْ قَبِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ. فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ ١٦٧.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبُولِ طَحْطَاوِيٌّ فَإِذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي بِعْتُك هَذَا الدَّقِيقَ فَقَبِلَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَ الدَّقِيقُ خُبْزًا فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ.
فَأَمَّا الْإِيجَابُ الَّذِي يَقَعُ كِتَابَةً أَوْ رِسَالَةً فَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الرُّجُوعِ عَنْهُ عِلْمُ الطَّرَفِ الْآخَرِ بِهَذَا الرُّجُوعِ " اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ١٧٣ ".
[ (الْمَادَّةُ ١٨٥) تَكْرَارُ الْإِيجَابِ قَبْلَ الْقَبُولِ]
(الْمَادَّةُ ١٨٥) :
تَكْرَارُ الْإِيجَابِ قَبْلَ الْقَبُولِ يُبْطِلُ الْأَوَّلَ وَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِيجَابُ الثَّانِي فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك هَذَا الشَّيْءَ بِمِائَةِ قِرْشٍ ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الْإِيجَابِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي قَبِلْت رَجَعَ فَقَالَ بِعْتُك إيَّاهُ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ قِرْشًا وَقَبِلَ الْمُشْتَرِي يُلْغَى الْإِيجَابُ الْأَوَّلُ وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ قِرْشًا "؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ الثَّانِيَ رُجُوعٌ عَنْ الْأَوَّلِ وَلِلْمُوجِبِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إيجَابِهِ قَبْلَ الْقَبُولِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَادَّةِ السَّابِقَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَذْكُرَ الْمُوجِبُ فِي إيجَابِهِ الثَّانِي رُجُوعَهُ عَنْ الْإِيجَابِ الْأَوَّلِ فَإِذَا قَبِلَ الطَّرَفُ الْآخَرُ الْبَيْعَ عَلَى الْإِيجَابِ الْأَوَّلِ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ. مَثَلًا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك بَغْلِي هَذَا بِأَلْفِ قِرْشٍ وَقَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي قَبِلْت قَالَ الْبَائِعُ بِعْتُكَهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ قِرْشٍ فَأَجَابَهُ الْمُشْتَرِي قَبِلْته بِأَلْفِ قِرْشٍ فَالْبَيْعُ لَا يَنْعَقِدُ " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٧٧ ".
стр. 138
وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك هَذَا الْبَغْلَ بِأَلْفِ قِرْشٍ وَقَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ الْمُشْتَرِي قَالَ: بِعْتُكَهُ بِأَلْفٍ وَخَمْسَمِائَةٍ فَقَالَ الْمُشْتَرِي قَبِلْت فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ عَلَى الْأَلْفِ وَخَمْسمِائَةٍ، وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ بِعْتُك هَذَا الْمَالَ بِمِائَةِ قِرْشٍ ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ الْمُشْتَرِي قَالَ بِعْتُكَهُ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ قِرْشًا فَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَتَيْ وَعِشْرِينَ قِرْشًا فَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ قِرْشًا وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي قَدْ زَادَ فِي الثَّمَنِ مِائَةً. وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَقْبَلَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَوْ أَنْ يَرُدَّهَا اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٧٨) .
هَذَا وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ بَيْنَ حُكْمِ هَذِهِ الْمَادَّةِ وَحُكْمِ الْمَادَّةِ " ١٧٦ "؛ لِأَنَّ " الْمَادَّةَ ١٧٦ " تَبْحَثُ فِي تَكْرَارِ الْعَقْدِ وَهَذِهِ الْمَادَّةُ تَبْحَثُ فِي تَكْرَارِ الْإِيجَابِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَبْحَثَيْنِ ظَاهِرٌ وَيَزْدَادُ ظُهُورًا بِمُطَالَعَةِ الْمَادَّتَيْنِ " ١٠١ و ١٠٣ " رَدُّ الْمُحْتَارِ " وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَقْدَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَالْإِيجَابُ جُزْءٌ مِنْ الْعَقْدِ وَلَيْسَ هُوَ الْعَقْدُ.
[ (الْمَادَّةُ ١٨٦) الْبَيْعُ بِشَرْطٍ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ]
(الْمَادَّةُ ١٨٦) :
الْبَيْعُ بِشَرْطٍ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ مُعْتَبَرٌ. مَثَلًا لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ إلَى أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ فَهَذَا الشَّرْطُ لَا يَضُرُّ فِي الْبَيْعِ بَلْ هُوَ بَيَانٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ.
الشُّرُوطُ الَّتِي هِيَ مُقْتَضَيَاتُ الْعَقْدِ هِيَ الَّتِي يُوجِبُهَا الْعَقْدُ وَلَوْ لَمْ تُذْكَرْ فِي أَثْنَائِهِ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ لَا تُفِيدُ شَيْئًا زَائِدًا عَنْ الْعَقْدِ بَلْ هِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِمَا يُوجِبُهُ وَلِذَلِكَ لَا تَقَعُ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَهِيَ سِتَّةٌ:
١ - حَبْسُ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ.
٢ - تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي وَتَسْلِيمُ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ.
٣ - امْتِلَاكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ.
٤ - طَرْحُ زِنَةِ الْإِنَاءِ مِنْ مَجْمُوعِ زِنَتِهِ وَزِنَةِ الْمَبِيعِ إذَا كَانَ مِنْ الْمَائِعَاتِ.
٥ - قَطْفُ الثَّمَرِ مِنْ الشَّجَرِ كَوْنُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي بَيْعِ الثَّمَرِ.
٦ - حَطُّ شَيْءٍ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ مَائِعًا كَالزَّيْتِ أَوْ السَّمْنِ أَوْ الْخَلِّ أَوْ الْعَسَلِ فِي إنَاءٍ وَشَرَطَ الْمُشْتَرِي تَنْزِيلَ مَا يُقَابِلُ وَزْنَ الْإِنَاءِ فَالشَّرْطُ مُعْتَبَرٌ وَيَجِبُ تَنْزِيلُ وَزْنِ الْإِنَاءِ مِنْ الْمَبِيعِ.
وَإِذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ زِنَةَ الْإِنَاءِ ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي طَرْحُ ذَلِكَ مِنْ زِنَةِ الْمَبِيعِ أَوْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْإِنَاءَ هُوَ الْإِنَاءُ الَّذِي اشْتَرَى فِيهِ الْمَبِيعَ وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فِي الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي مُنْكِرٌ الزِّيَادَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَفِي الثَّانِيَةِ الْمُشْتَرِي قَابِضٌ وَالْقَوْلُ لِلْقَابِضِ وَمِنْ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْقَابِضِ سَوَاءٌ كَانَ ضَمِينًا أَوْ أَمِينًا أَمَّا إذَا أَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ فَتُقْبَلُ مِنْهُ.
وَيَرِدُ عَلَى قَاعِدَةِ " الْقَوْلُ لِلْقَابِضِ " اعْتِرَاضَانِ أَحَدُهُمَا فِيمَا إذَا بَاعَ إنْسَانٌ مِنْ آخَرَ حِصَانَيْنِ وَبَعْدَ تَسْلِيمِهِمَا لِلْمُشْتَرِي تَلِفَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِهِ وَرَدَّ الْمُشْتَرِي الْآخَرَ بِخِيَارِ الْعَيْبِ وَوَقَعَ نِزَاعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَائِعِ
стр. 139
فِي الَّذِي تَلِفَ فَالْقَوْلُ هُنَا لِلْبَائِعِ وَذَلِكَ بِخِلَافِ مُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ قَابِضٌ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْبَائِعَ مُنْكِرٌ لِقَبْضِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَالثَّانِي أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الثَّمَنِ يُوجِبُ الْيَمِينَ وَالْيَمِينُ هُنَا خِلَافُ الْقِيَاسِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مُخَالَفَةَ الْقِيَاسِ تَكُونُ فِيمَا إذَا قَدَّرْنَا الْيَمِينَ نَاشِئَةً مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ قَصْدًا وَالْخِلَافُ فِي الثَّمَنِ لَمْ يَحْصُلْ قَصْدًا بَلْ ضِمْنًا وَتَبَعًا لِلْإِنَاءِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٨٧) الْبَيْعُ بِشَرْطٍ يُؤَيِّدُ الْعَقْدَ]
(الْمَادَّةُ ١٨٧) :
الْبَيْعُ بِشَرْطٍ يُؤَيِّدُ الْعَقْدَ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ أَيْضًا مُعْتَبَرٌ مَثَلًا لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يَرْهَنَ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الْبَائِعِ شَيْئًا مَعْلُومًا أَوْ أَنْ يَكْفُلَ لَهُ بِالثَّمَنِ هَذَا الرَّجُلَ صَحَّ الْبَيْعُ وَيَكُونُ الشَّرْطُ مُعْتَبَرًا حَتَّى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَفِ الْمُشْتَرِي بِالشَّرْطِ فَلِلْبَائِعِ فَسْخُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مُؤَيِّدٌ لِلتَّسْلِيمِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
وَيُسَمَّى هَذَا الشَّرْطُ الْمُلَائِمُ وَلَا يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ بَلْ تَجِبُ مُرَاعَاتُهُ. وَكَمَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالشَّرْطِ الَّذِي هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ يَصِحُّ بِالشَّرْطِ الَّذِي يُؤَيِّدُ الْمُقْتَضَى. وَمِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ عَقْدِ الْبَيْعِ أَمَامَ شُهُودٍ أَوْ تَقْرِيرُهُ كَذَلِكَ وَأَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ إنْسَانٌ آخَرُ وَأَنْ يُحَالَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى إنْسَانٍ آخَرَ فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُلَائِمَةِ الْمُؤَيِّدَةِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ الَّتِي يَجِبُ مُرَاعَاتُهَا لَكِنْ إذَا لَمْ يُرَاعِهَا الْمُشْتَرِي فَلَا يُجْبَرُ عَلَى مُرَاعَاتِهَا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَلَا يَصِحُّ الْإِجْبَارُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ تَقْدِيمُ الْمُشْتَرِي لِإِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ يَدْفَعُ عَنْهُ أَوْ يَكْفُلُهُ أَوْ يَقْبَلُ وَالْإِحَالَةُ عَلَيْهِ فَإِنَّ إجْبَارَ الْمُشْتَرِي عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إجْبَارٌ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ غَيْرَ أَنَّهُ فِي اشْتِرَاطِ الرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ يُؤْمَرُ الْمُشْتَرِي بِدَفْعِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ أَوْ قِيمَةِ الرَّهْنِ إذَا لَمْ يَفِ بِمَا اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ لِفَوَاتِ وَصْفٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ فِي الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ الْمَضْمُونَ بِالرَّهْنِ أَوْثَقُ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ فَصَارَ الرَّهْنُ هَهُنَا مِنْ صِفَاتِ الثَّمَنِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَصْفُ مَرْغُوبًا فِيهِ فَبِفَوَاتِهِ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ. وَلَوْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ الثَّمَنَ فَوْرًا أَوْ سَلَّمَهُ قِيمَةَ الرَّهْنِ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ فَسْخُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ فِي هَذَا الرَّهْنِ عَيْنَ الْمَرْهُونِ بَلْ الْمَقْصُودُ قِيمَتُهُ فَبِدَفْعِهَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي اشْتِرَاطِ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الِاسْتِيثَاقُ مِنْ أَدَاءِ الثَّمَنِ فَدَفْعُ الثَّمَنِ فَوْرًا تَحْصِيلٌ لِلْمَقْصُودِ بِصُورَةٍ أَتَمَّ، وَإِذَا شُرِطَ الرَّهْنُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ وَالْوَصْفِ لَهُ فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا فَسَدَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيهِ مُوجِبَةٌ لِلنِّزَاعِ وَالشِّقَاقِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَدَّعِيَ الْبَائِعُ أَنَّ الْمَرْهُونَ الَّذِي قَدَّمَهُ الْمُشْتَرِي غَيْرَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَيَطْلُبُ أَعْلَى مِنْهُ وَأَغْلَى. وَإِذَا عَيَّنَ الْمُتَبَايِعَانِ الرَّهْنَ قَبْلَ انْفِضَاضِ الْمَجْلِسِ بِالتَّرَاضِي أَوْ سَلَّمَ الْمُشْتَرِي الرَّهْنَ إلَى الْبَائِعِ فَوْرًا صَحَّ الْبَيْعُ وَبَطَلَ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ رَدُّ الْمُحْتَارِ " وَهِنْدِيَّةٌ " " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٢٤ ".
وَكَذَلِكَ إذَا شَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُقَدِّمَ كَفِيلًا بِدَفْعِ الثَّمَنِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْكَفِيلُ مَعْلُومًا حَاضِرًا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَأَنْ يَقْبَلَ الْكَفَالَةَ إذَا كَانَ غَائِبًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْكَفِيلُ مَجْهُولًا فَمِنْ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يُقَدِّمَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ كَفِيلًا فَقِيرًا فَلَا يَقْبَلُهُ الْبَائِعُ فَيَقَعُ بَيْنَهُمَا النِّزَاعُ وَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْكَفِيلُ مَجْهُولًا أَوْ غَائِبًا وَحَضَرَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ
стр. 140
مِنْ الْمَجْلِسِ وَقَبْلَ الْكَفَالَةِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ كَمَا إذَا كَانَ حَاضِرًا الْمَجْلِسَ فَلَمْ يَقْبَلْ إلَّا بَعْدَ التَّفَرُّقِ أَوْ تَشَاغَلَ بِأَمْرٍ آخَرَ. وَلَوْ قَبِلَ بَعْدَ التَّشَاغُلِ لَا يَنْقَلِبُ الْبَيْعُ صَحِيحًا هِنْدِيَّةٌ " وَرَدُّ الْمُحْتَارِ ".
وَحُكْمُ الْكَفَالَةِ بِالدَّرْكِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَادَّةِ " ٦١٦ " كَحُكْمِ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ هِنْدِيَّةٌ " وَالْبَيْعُ بِشَرْطِ الْحَوَالَةِ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْكَفَالَةِ. أَعْنِي إذَا تَبَايَعَ اثْنَانِ عَلَى أَنْ يُحَوِّلَ الْمُشْتَرِي مِنْهُمَا الْبَائِعَ عَلَى إنْسَانٍ آخَرَ لِاقْتِضَاءِ الثَّمَنِ مِنْهُ فَهَذَا الشَّرْطُ كَشَرْطِ الْبَيْعِ بِالْكَفَالَةِ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ تَحْوِيلَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ مَا يَضْمَنُ الثَّمَنَ وَيُؤَكِّدُ أَدَاءَهُ الَّذِي هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ.
وَإِذَا بَاعَ إنْسَانٌ مِنْ آخَرَ مَتَاعًا عَلَى أَنْ يُحَوِّلَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي مَنْ يَقْبِضُ الثَّمَنَ مِنْهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ بَاعَ إنْسَانٌ مِنْ آخَرَ مَتَاعًا وَشَرَطَ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي إنْسَانٌ غَيْرُهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ حَوَالَةَ الْبَائِعِ لَيْسَتْ لِلِاسْتِيثَاقِ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَتَأْكِيدِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ بَلْ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَقَطْ بَزَّازِيَّةٌ " وَهِنْدِيَّةٌ ".
[ (الْمَادَّةُ ١٨٨) الْبَيْعُ بِشَرْطٍ مُتَعَارَفٍ]
(الْمَادَّةُ ١٨٨) :
الْبَيْعُ بِشَرْطٍ مُتَعَارَفٍ يَعْنِي الْمَرْعِيَّ فِي عُرْفِ الْبَلَدِ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ مُعْتَبَرٌ، مَثَلًا: لَوْ بَاعَ الْفَرْوَةَ عَلَى أَنْ يَخِيطَ بِهَا الظِّهَارَةَ، أَوْ الْقُفْلَ عَلَى أَنْ يُسَمِّرَهُ فِي الْبَابِ أَوْ الثَّوْبَ عَلَى أَنْ يُرَقِّعَهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَلْزَمُ عَلَى الْبَائِعِ الْوَفَاءُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ.
الشَّرْطُ الْمُتَعَارَفُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ جُوِّزَ الْبَيْعُ مَعَهُ اسْتِحْسَانًا وَصَارَ مُعْتَبَرًا هِنْدِيَّةٌ " " اُنْظُرْ الْمَوَادَّ ٣٦ و ٣٨ و ٨٣ " وَجَوَازُ الْبَيْعِ مَعَهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ الْعُرْفُ وَالتَّعَامُلُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَتَى كَانَ مُتَعَارَفًا فَلَا يَكُونُ بَاعِثًا عَلَى النِّزَاعِ وَيَحْصُلُ الْمِلْكُ الْمَقْصُودُ بِغَيْرِ خِصَامٍ. وَقَدْ جَاءَتْ الْمَجَلَّةُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ بِثَلَاثَةِ أَمْثِلَةٍ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي جَرَى الْعُرْفُ عَلَى التَّعَامُلِ بِهَا فِي الْبَيْعِ. وَالْمَدَارُ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَلَى الْعُرْفِ وَالتَّعَامُلِ فَحَيْثُمَا وُجِدَا فِي شَرْطٍ صَحَّ الْبَيْعُ مَعَهُ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ بَيْعُ الثَّمَرِ الَّذِي نَضِجَ قِسْمٌ مِنْهُ وَلَمْ يَنْضَجْ الْقِسْمُ الْآخَرُ بِشَرْطِ إبْقَائِهِ عَلَى الشَّجَرِ حَتَّى يَنْضَجَ وَيَرِدُ عَلَى هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْبَيْعِ فَتَجْوِيزُ الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ هُوَ تَرْجِيحٌ لِلْعُرْفِ عَلَى النَّصِّ مَعَ أَنَّ نَصَّ الشَّارِعِ أَقْوَى مِنْ الْعُرْفِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَرُدَّ النَّصَّ بِالْعُرْفِ كَمَا اتَّضَحَ فِي شَرْحِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجَوَابُ أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ مَا يُثِيرُهُ الْبَيْعُ بِالشَّرْطِ مِنْ النِّزَاعِ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ الشَّارِعِ إنَّمَا هِيَ قَطْعُ النِّزَاعِ وَحَسْمُ الْخِلَافِ بَيْنَ النَّاسِ وَالشُّرُوطُ الَّتِي يَجْرِي بِهَا الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ لَيْسَتْ مِمَّا يُسَبِّبُ نِزَاعًا وَيُثِيرُ خِصَامًا فَلَا تَكُونُ مَقْصُودَةً بِالنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ رَدُّ الْمُحْتَارِ ".
وَإِذَا اقْتَرَنَ الشَّرْطُ " بِإِنْ " بَطَلَ الْبَيْعُ عَلَى أَيَّةِ حَالٍ " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٨٢ " مَا لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ مُعَلَّقًا بِرِضَا مُعَيَّنٍ مَثَلًا: إذَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي بِعْتُك مَالِي هَذَا بِكَذَا قِرْشًا إنْ قَبِلَ زَيْدٌ بِذَلِكَ فِي مُدَّةِ
стр. 141
خَمْسَةِ أَيَّامٍ فَهَذَا يَكُونُ بَيْعًا مُشْتَرَطًا فِيهِ الْخِيَارُ لِإِنْسَانٍ أَجْنَبِيٍّ فَإِذَا عُيِّنَتْ الْمُدَّةُ كَمَا فِي هَذَا الْمِثَالِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ رَدُّ الْمُحْتَارِ " وَمِنْ الشُّرُوطِ الْعُرْفِيَّةِ: لَوْ اشْتَرَى إنْسَانٌ مِنْ آخَرَ ثَمَرًا بَعْضَهُ صَالِحٌ لِلْأَكْلِ وَالْآخَرَ غَيْرُ صَالِحٍ عَلَى أَنْ يَبْقَى الثَّمَرُ عَلَى الشَّجَرِ إلَى أَنْ يَنْضَجَ جَمِيعُهُ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ عِنْدَ الْإِمَامِ الثَّالِثِ وَعَلَى الْبَائِعِ مُرَاعَاةُ هَذَا الشَّرْطِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى رَدُّ الْمُحْتَارِ " وَكَذَلِكَ يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالشَّرْطِ الَّذِي يُسَوَّغُ شَرْعًا كَالْبَيْعِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَخِيَارِ النَّقْدِ وَخِيَارِ التَّعْيِينِ وَخِيَارِ الْغَبْنِ وَخِيَارِ التَّغْرِيرِ وَخِيَارِ كَشْفِ الْحَالِ وَخِيَارِ الِاسْتِحْقَاقِ وَشَرْطِ تَأْجِيلِ الثَّمَنِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَشَرْطِ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْبَائِعِ مِنْ دَعْوَى الْعَيْبِ وَشَرْطِ أَنْ يَتَّصِفَ الْمَبِيعُ بِوَصْفٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ وَشَرْطِ أَنْ يَسْتَأْصِلَ الْمُشْتَرِي الشَّجَرَةَ وَشَرْطِ رَدِّ الْمَبِيعِ لِلْبَائِعِ إنْ ظَهَرَ الْمَبِيعُ مَعِيبًا.
فَكُلُّ ذَلِكَ سَائِغٌ وَمُعْتَبَرٌ وَالْبَيْعُ مَعَهُ صَحِيحٌ " أَشْبَاهٌ " وَ " بَزَّازِيَّةَ ".
وَالشَّرْطُ الْفَاسِدُ الَّذِي يُشْتَرَطُ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى سَبِيلِ الْوَعْدِ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ وَاجِبٌ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ وَعَلَى هَذَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ الْمُتَبَايِعَانِ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ حِينَ الْعَقْدِ بَلْ ذَكَرَاهُ بَعْدَ تَمَامِهِ عَلَى سَبِيلِ الْوَعْدِ فَلَا يُخِلُّ ذِكْرُهُ حِينَئِذٍ بِالْبَيْعِ وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ رَدُّ الْمُحْتَارِ "
[ (الْمَادَّةُ ١٨٩) الْبَيْعُ بِشَرْطٍ لَيْسَ فِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ]
(الْمَادَّةُ ١٨٩) :
الْبَيْعُ بِشَرْطٍ لَيْسَ فِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ يَصِحُّ وَالشَّرْطُ لَغْوٌ مَثَلًا بَيْعُ الْحَيَوَانِ عَلَى أَلَّا يَبِيعَهُ الْمُشْتَرِي لِآخَرَ أَوْ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُرْسِلَهُ إلَى الْمَرْعَى صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ لَغْوٌ.
لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يُؤَدِّي إلَى النِّزَاعِ إذْ لَا فَائِدَةَ مِنْهُ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ وَالنِّزَاعُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الشَّرْطِ إنَّمَا هُوَ عِنَادٌ وَتَحَكُّمٌ فَعَلَى هَذَا إذَا اشْتَرَى الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ آخَرَ أَوْ يَهَبَهُ أَوْ أَلَّا يَرْكَبَهُ، أَوْ الْأَثْوَابَ عَلَى أَلَّا يَلْبَسَهَا، أَوْ الطَّعَامَ عَلَى أَلَّا يَأْكُلَهُ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ لَغْوٌ لَا يَجِبُ الْقِيَامُ بِهِ " اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٨٣ "؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ لَا فَائِدَةَ مِنْهَا لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ نَعَمْ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَائِدَةٌ لِلْحَيَوَانِ لَكِنَّ الْحَيَوَانَ لَيْسَ مِمَّا لَهُ حَقٌّ وَلِلْمُشْتَرِي بَيْعُ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ أَوْ هِبَتُهُ لِمَنْ أَرَادَ كَمَا أَنَّ لَهُ الْحَقَّ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْمَرْعَى وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ فَسْخُ الْبَيْعِ لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ وَإِنَّمَا قِيلَ فِي الْمِثَالِ هُنَا " بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ مِنْ آخَرَ " وَلَمْ يَقُلْ " مِنْ مُعَيَّنٍ " لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ الْبَيْعَ لِمُعَيَّنٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى الْحَيَوَانَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُقَدِّمَ لَهُ عَلَفًا أَوْ أَنْ يَذْبَحَهُ، أَوْ مَالًا بِشَرْطِ أَلَّا يَبِيعَهُ فِي الْبَلْدَةِ بَلْ يَبِيعَهُ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ عَبْدُ الرَّحِيمِ وَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَ (الْهِنْدِيَّةُ) وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى مَالًا عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ يَهَبَهُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَنْ
стр. 142
يُبَاعُ مِنْهُ أَوْ يُوهَبُ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ لَغْوٌ أَمَّا إذَا عَيَّنَ ذَلِكَ كَأَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي بَيْعَهُ مِنْ زَيْدٍ أَوْ هِبَتَهُ لِعَمْرٍو فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ هِنْدِيَّةٌ ".
وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى إنْسَانٌ مِنْ آخَرَ ثَمَرًا نَاضِجًا غَيْرَ مُحْتَاجٍ أَنْ يَبْقَى عَلَى الشَّجَرِ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى عَلَى الشَّجَرِ مُدَّةً فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ عَلَى الْقَوْلِ الْمُفْتَى بِهِ " مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ وَهِنْدِيَّةٌ "؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ. وَإِذَا شُرِطَ فِي الْبَيْعِ شَرْطٌ مُضِرٌّ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ لَغْوٌ كَمَا إذَا اشْتَرَى إنْسَانٌ الْعَبَاءَةَ عَلَى أَنْ يُمَزِّقَهَا أَوْ الدَّارَ عَلَى أَنْ يَهْدِمَهَا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ شُرِطَ فِي الْبَيْعِ شَرْطٌ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ كَاشْتِرَاطِ الْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي أَكْلَ الطَّعَامِ أَوْ لُبْسَ الثِّيَابِ أَوْ سُكْنَى الدَّارِ الَّتِي بَاعَهَا مِنْهُ أَوْ أَلَّا يَسْكُنَهَا غَيْرُ الْمُشْتَرِي فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ طَحْطَاوِيٌّ. وَكَذَلِكَ لَوْ عُقِدَ الْبَيْعُ عَلَى شَرْطٍ فِيهِ نَفْعٌ لِأَجْنَبِيٍّ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ " خَانِيَّةٌ. قُهُسْتَانِيٌّ. بَحْرٌ ".
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ بَاعَ إنْسَانٌ مِنْ آخَرَ مَالًا عَلَى أَنْ يُقْرِضَ الْمُشْتَرِي إنْسَانًا مُعَيَّنًا قَرْضًا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ دَارًا وَشَرَطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَنْ يَسْكُنَهَا شَخْصٌ مُعَيَّنٌ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ شَرْطٍ يُفْسِدُ الْبَيْعَ فِيمَا لَوْ شَرَطَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ إذَا شَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ.
مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ إنْسَانٌ مِنْ آخَرَ مَالَهُ عَلَى أَنْ يَهَبَ الشَّخْصَ الْفُلَانِيَّ الْمُشْتَرِي عِشْرِينَ قِرْشًا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَإِذَا لَمْ يُعْطِ الشَّخْصَ الْمَذْكُورَ الْهِبَةَ الْمَشْرُوطَةَ فَلَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي مُخَيَّرًا بَزَّازِيَّةٌ " وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ إنْسَانٌ مَالَهُ مِنْ آخَرَ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ فُلَانٌ الْأَجْنَبِيُّ مَبْلَغًا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ فَإِذَا لَمْ يُقْرِضْ ذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ الْبَائِعَ الْمَبْلَغَ فَلَا يَكُونُ الْبَائِعُ مُخَيَّرًا فِي فَسْخِ الْبَيْعِ خَانِيَّةٌ ".
" فَائِدَةٌ:.
إذَا ذَكَرَ الْمُتَبَايِعَانِ شَرْطًا مُفْسِدًا لِلْبَيْعِ خَارِجَ الْعَقْدِ وَجَرَى الْعَقْدُ دُونَ أَنْ يُذْكَرَ فِيهِ ذَلِكَ الشَّرْطُ وَيُبْنَى عَلَيْهِ فَالْبَيْعُ لَا يَكُونُ فَاسِدًا أَمَّا إذَا ذَكَرَاهُ دَاخِلَ الْعَقْدِ وَبَنَيَا الْعَقْدَ عَلَيْهِ مُتَّفِقَيْنِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ. وَهَا هُنَا مَسَائِلُ فِي الشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَسَّمُوا فِي مَذْهَبِهِمْ شَرَائِطَ الْبَيْعِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: جَائِزٌ، وَمُفْسِدٌ، وَلَغْوٌ وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ ١٨٩ الشَّرْطُ اللَّغْوُ وَنَرَى مِنْ الْمُنَاسِبِ أَنْ نَذْكُرَ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَادَّةِ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ.
فَالشَّرْطُ الْفَاسِدُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ هِنْدِيَّةٌ ":
الْأَوَّلُ: مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ عَقْدِ الْبَيْعِ، أَوْ الْمُتَعَارَفُ أَوْ الْمَشْرُوعُ، أَوْ الْمُؤَيِّدُ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، أَوْ مَا فِيهِ نَفْعٌ أَوْ فَائِدَةٌ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ فَالْبَيْعُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَاسِدٌ قُهُسْتَانِيٌّ، رَدُّ الْمِحْتَارُ "؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ التَّمْلِيكُ وَالتَّمَلُّكُ خَاصَّةً أَيْ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي مَالِكًا لِلْمَبِيعِ وَالْبَائِعُ مَالِكًا لِلثَّمَنِ بِلَا مَانِعٍ وَلَا مُزَاحِمٍ. فَإِذَا وَقَعَ فِي الْبَيْعِ شَرْطٌ نَافِعٌ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ كَانَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ طَالِبًا لِهَذَا الشَّرْطِ وَالْآخَرُ هَارِبًا مِنْهُ وَأَدَّى ذَلِكَ إلَى النِّزَاعِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَكُونُ الْعَقْدُ تَامًّا.
وَتَجْرِي الْإِجَارَةُ هَذَا الْمَجْرَى إنْ عُدِمَ وُقُوعُ الْمُنَازَعَةِ فِي بَعْضِ الْعُقُودِ الْمُحْتَوِيَةِ لِشَرْطٍ فَاسِدٍ لَا
стр. 143
يَقْتَضِي جَوَازَ هَذَا الْعَقْدِ الَّذِي لَمْ يَقَعْ فِيهِ مُنَازَعَةٌ مَعَ احْتِوَائِهِ لِشَرْطٍ فَاسِدٍ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي الْجِنْسِ لَا فِي الْأَفْرَادِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ الْمُشْتَمِلَيْنِ عَلَى شَرْطٍ نَافِعٍ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ قَدْ اُعْتُبِرَا فَاسِدَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُؤَدِّيَ هَذَا الشَّرْطُ إلَى النِّزَاعِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ؛ لِأَنَّ جِنْسَ الْإِجَارَاتِ وَالْبُيُوعِ الْمُشْتَمِلَ عَلَى شَرْطٍ نَافِعٍ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى النِّزَاعِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَنْبَغِي تَجْوِيزُ بَعْضِ الْإِجَارَاتِ وَالْبُيُوعِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى شَرْطٍ نَافِعٍ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ وَلَمْ يُؤَدِّ إلَى النِّزَاعِ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْجِنْسِ لَا لِلْفَرْدِ مَنَافِعُ الدَّقَائِقِ " وَنَذْكُرُ هُنَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَرْطًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ:
(١) إذَا اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي مَالًا بِشَرْطِ أَنْ يَهَبَهُ الْبَائِعُ أَوْ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ يُقْرِضَهُ مَالًا مَعْلُومًا أَوْ أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ يُؤَجِّرَهُ أَوْ يُعِيرَهُ مَالًا مُعَيَّنًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ فِيهَا نَفْعٌ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ كَمَا لَوْ بَاعَ إنْسَانٌ آخَرُ مِلْكَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَسْكُنَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ يَعُولَهُ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَمُوتَ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ هُنَا أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ لَا يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ إلَّا إذَا ذُكِرَ فِي الْعَقْدِ بِغَيْرِ الْوَاوِ فَإِذَا ذُكِرَ بِالْوَاوِ كَمَا إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ بِعْتُك هَذِهِ السِّلْعَةَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَعَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي خَمْسَةً فَالْبَيْعُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ جَائِزٌ وَلَا يُعْتَبَرُ مِثْلُ هَذَا شَرْطًا " رَدُّ الْمُحْتَارِ "؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرْطِ بِالْوَاوِ يَجْعَلُهُ مُسْتَقِلًّا عَنْ الْعَقْدِ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِهِ.
(٢) إذَا بَاعَتْ امْرَأَةٌ مَالًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَوْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهَا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ كَمَا إذَا بَاعَتْ مَالَهَا مِنْ زَوْجِهَا عَلَى أَلَّا يُطَلِّقَهَا.
(٣) إذَا اشْتَرَى إنْسَانٌ مِنْ آخَرَ حِصَانًا عَلَى أَنْ يَرُدَّهُ إنْ لَمْ يَقْبَلْ زَيْدٌ أَنْ يَتَّهِبَهُ أَوْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ الشَّارِي الْأَوَّلِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ كَمَا لَوْ بَاعَ إنْسَانٌ مِنْ آخَرَ دَارًا وَشَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ إذَا بَاعَ هَذِهِ الدَّارَ زِيَادَةً عَنْ مَبْلَغِ كَذَا أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُشْتَرِي هَذِهِ الزِّيَادَةَ " فَتْحُ الْقَدِيرِ ". وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ إنْسَانٌ حِمَارًا مِنْ آخَرَ وَشَرَطَ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ كَمَا لَوْ بَاعَ إنْسَانٌ مَالًا مِنْ آخَرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا وَشَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَلَّا يَسْقُطَ خِيَارُهُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ وَلَوْ عَرَضَ الْمَبِيعَ لِلْبَيْعِ أَوْ اسْتَعْمَلَهُ هِنْدِيَّةٌ " وَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَحْثِ وَالتَّدْقِيقِ فِي سُقُوطِ الْخِيَارِ وَعَدَمِهِ بِعَرْضِ الْمَبِيعِ لِلْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ قَابِلٌ لِلْفَسْخِ بِالْخِيَارِ.
(٤) لَوْ اشْتَرَى إنْسَانٌ عِنَبَ كَرْمٍ لَمْ يَنْضَجْ عَلَى أَنْ يَبْقَى فِي الْكَرْمِ حَتَّى يَنْضَجَ الْبَيْعُ فَاسِدٌ أَمَّا إذَا اشْتَرَاهُ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَلِلْبَائِعِ قَطْفُهُ خَانِيَّةٌ " كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْعِنَبَ عَلَى الْكَرْمِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
(٥) إذَا بَاعَ إنْسَانٌ نِصْفَ أَرْضِهِ الَّتِي مِسَاحَتُهَا مِائَةٌ دُونَم بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا عَلَى نِصْفِهِ الْآخَرِ مِنْ الضَّرِيبَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ يَدْفَعَ هُوَ الضَّرِيبَةَ السَّنَوِيَّةَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَى تِلْكَ الْأَرْضِ كُلَّهَا.
(٦) إذَا كَانَ إنْسَانٌ مَدِينًا لِآخَرَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَبَاعَ الْمَدِينُ مِنْ صَاحِبِ الدَّيْنِ مَالًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ
стр. 144
وَشَرَطَ فِي الْبَيْعِ أَنْ لَا يَحْصُلَ بَيْنَهُمَا تَقَاضٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ هِنْدِيَّةٌ "؛ لِأَنَّ الدَّيْنَيْنِ مُتَّحِدَانِ صِفَةً وَجِنْسًا فَيَحْصُلُ التَّقَاضِي جَبْرًا.
(٧) إذَا بَاعَ إنْسَانٌ آخَرَ مَالًا وَشَرَطَ فِي الْبَيْعِ إنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْبَائِعِ فُسِخَ الْبَيْعُ وَبَقِيَ الْمَبِيعُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ عَدَمَ رُجُوعِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ فِيمَا إذَا ضَبَطَ الْمَبِيعَ بِالِاسْتِحْقَاقِ " بَهْجَةٌ. مُؤَيَّدُ زَادَهْ.
(٨) إذَا بَاعَ رَجُلٌ مِنْ آخَرَ مَالًا بِأَلْفِ قِرْشٍ وَشَرَطَ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَهَبَ الْبَائِعُ مِائَةَ قِرْشٍ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَلْحَقُ أَصْلَ الْعَقْدِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْمَبِيعِ بِشَرْطِ تَنْزِيلِ الثَّمَنِ الْمَذْكُورِ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ ١٨٦ (بَزَّازِيَّةٌ) .
(٩) إذَا شَرَطَ الْمُشْتَرِي تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ قَبْلَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ الَّذِي يُعْقَدُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مُعَجَّلًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ.
(١٠) إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ آخَرَ ثَمَرًا عَلَى شَجَرٍ وَشَرَطَ فِي الْبَيْعِ قَطْفَ الثَّمَرِ عَلَى الْبَائِعِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ.
(١١) إذَا شَرَطَ الْبَائِعُ فِي الْبَيْعِ عَدَمَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي مُدَّةَ شَهْرٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ قُهُسْتَانِيٌّ.
(١٢) إذَا بَاعَ رَجُلٌ مِنْ آخَرَ قَطِيعَ غَنَمٍ عَلَى أَنَّهُ مِائَةُ رَأْسٍ كُلُّ رَأْسٍ بِكَذَا قِرْشًا وَأَنْ يَكُونَ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ مِنْ هَذَا الْقَطِيعِ بِلَا ثَمَنٍ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مِنْ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ مَا كَانَ فِيهِ غَرَرٌ كَبَيْعِ الْبَقَرَةِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَالْبَيْعُ بِمِثْلِ هَذَا الشَّرْطِ فَاسِدٌ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: شَرْطُ تَأْجِيلِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ الَّذِي يَكُونُ عَيْنًا فَهَذَا الشَّرْط مُفْسِدٌ لِلْبَيْعِ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: شَرْطُ الْخِيَارِ مُؤَبَّدًا وَمُوَقَّتًا بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ جَهَالَةً فَاحِشَةً فَالْبَيْعُ بِمِثْلِ هَذَا الشَّرْطِ بَيْعٌ فَاسِدٌ (اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ٣٠٠) (هِنْدِيَّةٌ)
стр. 145
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي إقَالَةِ الْبَيْعِ]
(الْمَادَّةُ ١٩٠) :
لِلْعَاقِدَيْنِ أَنْ يَتَقَايَلَا الْبَيْعَ بِرِضَاهُمَا.
إنَّ جَوَازَ الْإِقَالَةِ ثَابِتٌ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ فَمِنْ النَّقْلِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «مَنْ أَقَالَ نَادِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَثَرَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَالْعَقْلُ يَقْضِي بِأَنَّ مِنْ حَقِّ الطَّرَفَيْنِ أَنْ يَرْفَعَا الْعَقْدَ تَبَعًا لِلْمَصْلَحَةِ " مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ " لِلْمُتَبَايِعَيْنِ أَنْ يَتَقَايَلَا الْبَيْعَ فِي الْمَبِيعِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: إذَا بَاعَ إنْسَانٌ مَالًا مِنْ آخَرَ وَسَلَّمَ الْبَائِعُ الْمَالَ لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ قَالَ لِلْمُشْتَرِي: أَقَلْت الْبَيْعَ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَبِلْت فَتَكُونُ الْإِقَالَةُ هَهُنَا فِي كُلِّ الْمَبِيعِ وَيَرْجِعُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي إذَا بَاعَ إنْسَانٌ مِنْ آخَرَ خَمْسَ عَشْرَةَ كَيْلَةً حِنْطَةً، وَقَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي إمَّا أَنْ تَدْفَعَ لِي الثَّمَنَ أَوْ تَرُدَّ لِي الْحِنْطَةَ فَلَوْ رَدَّ الْمُشْتَرِي خَمْسَ كَيْلَاتٍ فَقَدْ وَقَعَتْ الْإِقَالَةُ فِي الْخَمْسِ الْكَيْلَاتِ بِالتَّعَاطِي (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٢٧٥) .
وَيُفْهَمُ مِنْ قَيْدِ الرِّضَاءِ أَنَّ رِضَاءَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْإِقَالَةِ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي رَفْعِ الْعَقْدِ اللَّازِمِ أَمَّا رَفْعُ الْعَقْدِ غَيْرِ اللَّازِمِ فَعَائِدٌ إلَى صَاحِبِ الْخِيَارِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ رِضَا الْآخَرِ بَلْ يَكْفِي عِلْمُهُ (أَبُو السُّعُودِ) وَلَا يُقَالُ لِرَفْعِ هَذَا الْعَقْدِ إقَالَةٌ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٦٣)
[ (الْمَادَّةُ ١٩١) الْإِقَالَةُ كَالْبَيْعِ تَكُونُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ]
(الْمَادَّةُ ١٩١) الْإِقَالَةُ كَالْبَيْعِ تَكُونُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَثَلًا لَوْ قَالَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ: أَقَلْت الْبَيْعَ أَوْ فَسَخْته وَقَالَ الْآخَرُ: قَبِلْت، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: أَقِلْنِي الْبَيْعَ فَقَالَ الْآخَرُ: قَدْ فَعَلْت صَحَّتْ الْإِقَالَةُ وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ.
تَنْعَقِدُ الْإِقَالَةُ فِي خَمْسِ صُوَرٍ:
الْأُولَى: الْمَذْكُورَةُ فِي مَتْنِ الْمَجَلَّةِ وَهِيَ الِانْعِقَادُ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ صِيغَةُ الْمَاضِي فِي الْأَكْثَرِ مَعَ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ لِصِيغَةِ الْأَمْرِ فَإِنَّ الْإِقَالَةَ تَنْعَقِدُ بِهَا مِنْ أَحَدِ الْمُتَقَايِلَيْنِ وَصِيغَةِ الْمَاضِي مِنْ الْآخَرِ كَمَا أَفْتَى الشَّيْخَانِ وَخَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ مُحَمَّدٌ وَالسَّبَبُ فِي جَوَازِ انْعِقَادِ الْإِقَالَةِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَامْتِنَاعِهِ فِي الْبَيْعِ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ فِي الْبَيْعِ تُحْمَلُ عَلَى الْمُسَاوَمَةِ فَلَا تَدُلُّ عَلَى التَّحْقِيقِ وَلَا تَكْفِي لِانْعِقَادِ الْبَيْعِ، أَمَّا الْإِقَالَةُ فَتَقَعُ بَعْدَ النَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ فِي الْأَمْرِ وَلَيْسَ فِيهَا مُسَاوَمَةٌ فَصِيغَةُ الْأَمْرِ فِيهَا تُحْمَلُ عَلَى التَّحْقِيقِ وَقَبُولُ الْإِقَالَةِ يَكُونُ عَلَى
следующие страницы →