← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21692

درر الحكام في شرح مجلة الأحكام

علي حيدر

Полный текст (2 914 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الرَّهْنِ (الْخَانِيَّةُ) . كَذَلِكَ التَّقَدُّمُ لِأَجْلِ الْحَائِطِ الْعَائِدِ لِلْقَاصِرِينَ لِأَوْلِيَائِهِمْ صَحِيحٌ كَمَا قَدْ أَوْضَحَ آنِفًا؛ لِأَنَّهُمْ مُقْتَدِرُونَ عَلَى إصْلَاحِهَا (الْخَانِيَّةُ) . الشَّرْطُ الرَّابِعُ: مُرُورُ وَقْتٍ يُمْكِنُ الْهَدْمُ فِيهِ بَعْدَ التَّقَدُّمِ. فَعَلَيْهِ لَوْ انْهَدَمَ الْحَائِطُ وَأَضَرَّ بِأَحَدٍ بَيْنَمَا كَانَ صَاحِبُ الْحَائِطِ ذَاهِبًا بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِتَدَارُكِ الْعَمَلَةِ لِلْهَدْمِ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ اللَّازِمَةَ لِتَدَارُكِ الْعَمَلَةِ مُسْتَثْنَاةٌ شَرْعًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَسْتَمِرَّ اقْتِدَارُ الشَّخْصِ الْمُتَقَدَّمِ لَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ إلَى أَنْ يَنْهَدِمَ الْحَائِطُ الْمَذْكُورُ. فَعَلَيْهِ لَوْ تَقَدَّمَ لِأَجْلِ الْحَائِطِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الْمُتَقَدَّمِ لَهُ وَزَالَ تَصَرُّفُهُ مِنْهُ وَانْهَدَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا فَلَا يَلْزَمُ مَالِكَهُ الْأَوَّلَ وَلَا مَالِكَهُ الثَّانِيَ ضَمَانٌ مَثَلًا: لَوْ وَقَعَ التَّقَدُّمُ لِأَحَدٍ لِأَجْلِ حَائِطٍ فَوَهَبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْحَائِطَ الْمَذْكُورَ لِآخَرَ وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ أَوْ بَاعَهُ مِنْهُ ثُمَّ انْهَدَمَ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ. حَتَّى لَوْ انْهَدَمَ الْحَائِطُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ لَا يَقْتَدِرُ عَلَى هَدْمِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ. (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٩٦) . لَكِنْ لَوْ بَاعَ مَا أَشْرَعَهُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ أَوْ مَا وَضَعَهُ فِيهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ مَنْ آجَرَ وَأَحْدَثَتْ ضَرَرًا لَزِمَ الضَّمَانُ عَلَى الْمَشْرُوعِ وَالْوَاضِعِ وَلَا يَخْلُصُ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ بِالْبَيْعِ مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ إحْدَاثِ ذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ جِنَايَةٌ وَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ وَلَا يَزُولُ أَثَرُ فِعْلِهِ (الْخَانِيَّةُ فِي فَصْلِ جِنَايَةِ الْحَائِطِ) . وَلَا يَعُودُ التَّقَدُّمُ بَعْدَ الْبُطْلَانِ: أَيْ: لَوْ عَادَ الْمِلْكُ لِلْمُتَقَدَّمِ إلَيْهِ بَعْدَ بُطْلَانِ التَّقَدُّمِ بِأَحَدِ الْوُجُوهِ كَالْهِبَةِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْبَيْعِ فَلَا يَعُودُ حُكْمُ التَّقَدُّمِ الْبَاطِلِ. (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٥١) . مَثَلًا: لَوْ بَاعَ الْمُتَقَدَّمُ لَهُ ذَلِكَ الْحَائِطَ مِنْ آخَرَ ثُمَّ رُدَّ إلَيْهِ بِخِيَارِ الْعَيْبِ سَوَاءٌ رُدَّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ بِدُونِهِ أَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ شَرْطٍ فَرَدَّهُ بِهِ أَوْ رَدَّهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَانْهَدَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ بِسَبَبِ التَّقَدُّمِ السَّابِقِ. أَمَّا إذَا كَانَ خِيَارُ الشَّرْطِ لِلْبَائِعِ وَانْهَدَمَ الْحَائِطُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَأَضَرَّ لَزِمَ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ لِلْبَائِعِ لَا يُزِيلُ اقْتِدَارَهُ عَلَى إصْلَاحِ ذَلِكَ الْحَائِطِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٣٠٨) لَكِنْ لَوْ سَقَطَ الْبَائِعُ خِيَارُهُ فَأَصْبَحَ الْبَيْعُ لَازِمًا ثُمَّ انْهَدَمَ الْحَائِطُ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٢٠) ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ قَدْ خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ كَذَا لَوْ جُنَّ الْمُتَقَدَّمُ لَهُ بَعْدَ التَّقَدُّمِ جُنُونًا مُطْبِقًا ثُمَّ انْهَدَمَ الْحَائِطُ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا يَبْطُلُ التَّقَدُّمُ الْمَذْكُورُ بِسَبَبِ زَوَالِ حَقِّ الْمَجْنُونِ فِي التَّصَرُّفِ وَاقْتِدَارِهِ عَلَى هَدْمِهِ بِمُقْتَضَى مَادَّتَيْ (٩٥٧ و ٩٧٩) . وَلَا يَعُودُ التَّقَدُّمُ الْبَاطِلُ بَعْدَ إفَاقَةِ الْمَجْنُونِ وَعَوْدَةِ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَائِطِ (الْخَانِيَّةُ بِتَصَرُّفٍ) . كَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ التَّقَدُّمُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ أَوْ وَصِيِّهِ لِأَجْلٍ حَائِطٍ لِلصَّبِيِّ مَائِلٍ إلَى الِانْهِدَامِ فَبَلَغَ الصَّبِيُّ أَوَمَاتَ الْوَلِيُّ أَوْ الْوَصِيُّ الْمَذْكُورُ وَانْهَدَمَ الْحَائِطُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ أَحَدًا؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْوَلِيِّ أَوْ الْوَصِيِّ تَزُولُ بِبُلُوغِ الصَّبِيِّ أَوْ بِوَفَاةِ الْوَلِيِّ أَوْ الْوَصِيِّ (جَامِعُ أَحْكَامِ الصِّغَارِ)

стр. 1402

كَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ التَّقَدُّمُ لِمُتَوَلِّي الْوَقْفِ وَتُوُفِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُتَوَلِّي الْمَذْكُورُ أَوْ عُزِلَ فَلَا يَبْقَى حُكْمٌ لِلتَّقَدُّمِ، تَجْدِيدُ التَّقَدُّمِ بَعْدَ بُطْلَانِهِ لَا شُبْهَةَ فِي أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ التَّقَدُّمُ عَلَى طُولِهِ تَكْرَارًا بَعْدَ بُطْلَانِ التَّقَدُّمِ بِأَخْذِ الْأَسْبَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَمَا لَوْ حَصَلَ التَّقَدُّمُ تَكْرَارًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْآنِفَةِ لِلْمُتَوَلِّي اللَّاحِقِ وَانْهَدَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا؛ لَزِمَ الضَّمَانُ (مِعْيَارُ الْعَدَالَةِ) . الشَّرْطُ السَّادِسُ: كَوْنُ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ أَصْحَابِ حَقِّ التَّقَدُّمِ. هَذَا الشَّرْطُ يُوَضَّحُ بِالْفِقْرَةِ الْآتِيَةِ: وَتَخْتَلِفُ أَصْحَابُ حَقِّ التَّقَدُّمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الضَّرَرِ الَّذِي يُورِثُهُ ذَلِكَ الْحَائِطُ. وَيَكُونُ الْحَائِطُ مَائِلًا إمَّا إلَى دَارِ أَحَدٍ أَوْ إلَى طَرِيقٍ عَامٍّ أَوْ طَرِيقٍ خَاصٍّ. وَعَلَيْهِ إذَا انْهَدَمَ عَلَى دَارِ جَارِهِ أَوْ دُكَّانِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ سُكَّانِ تِلْكَ الدَّارِ أَوْ تِلْكَ الدُّكَّانِ. وَيَدُلُّ تَعْبِيرٌ مِنْ سُكَّانِهَا عَلَى أَنَّ لِلسَّاكِنِ فِي تِلْكَ الدَّارِ أَوْ الدُّكَّانِ التَّقَدُّمَ سَوَاءٌ أَكَانَ صَاحِبَهَا أَوْ مُسْتَأْجِرًا لَهَا أَوْ مُسْتَعِيرًا يَجُوزُ لَهُ التَّقَدُّمُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ الْحَادِثَ بِالِانْهِدَامِ عَائِدٌ وَرَاجِعٌ إلَيْهِ (جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ) . وَإِذَا تَعَدَّدَ سُكَّانُهَا فَكَمَا أَنْ تَنْهَدِمَ جُمْلَةً صَحِيحٌ فَتَقَدُّمُ أَحَدِهِمْ فَقَطْ صَحِيحٌ أَيْضًا. فَعَلَيْهِ إذَا مَالَ حَائِطٌ إلَى الِانْهِدَامِ عَلَى دَارِ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ جَمَاعَةٍ وَانْهَدَمَ بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ الْجَمَاعَةُ أَوْ تَقَدَّمَ أَحَدٌ لِصَاحِبِهِ فَأَمَرَ بِمَالِ لِتِلْكَ الْجَمَاعَةِ أَوْ بِمَالِ لِغَيْرِهِمْ كَانَ صَاحِبُهُ ضَامِنًا (الْأَنْقِرْوِيُّ) . وَتَقَدَّمَ أَحَدٌ مِنْ الْخَارِجِ وَتَبَيَّنَ غَيْرُ مُفِيدٍ يَعْنِي: لَيْسَ لِلْجَارِ حَقُّ تَضْمِينِ صَاحِبِ الْحَائِطِ بِتَقَدُّمِ أَحَدٍ مِنْ الْخَارِجِ. وَكَذَلِكَ إذَا وُجِدَ حِمْلٌ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ وَلَمْ يُوجَدْ لِلْآخَرِ حِمْلٌ وَمَالَ الْحَائِطُ إلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ الَّذِي لَيْسَ لِصَاحِبِهِ حِمْلٌ عَلَى الْحَائِطِ وَتَقَدَّمَ هَذَا الشَّرِيكُ إلَى صَاحِبِ الْحِمْلِ وَنَبَّهَهُ كَانَ صَحِيحًا ثُمَّ انْهَدَمَ الْحَائِطُ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا لِلْمُتَقَدِّمِ ضَمِنَ صَاحِبُ الْحُمُولَةِ نِصْفَ الضَّرَرِ (جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ، وَالْخَانِيَّةُ فِي الْحِيطَانِ) . وَإِذَا هُدِمَ عَلَى طَرِيقٍ خَاصٍّ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ لَهُمْ حَقُّ الْمُرُورِ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ. وَيَكْفِي التَّقَدُّمُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَوْ وَقَعَ مِنْ أَحَدِهِمْ لَكَفَى. وَإِذَا انْهَدَمَ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ فَلِكُلِّ أَحَدٍ حَقُّ التَّقَدُّمِ سَوَاءٌ أَكَانَ عَاقِلًا بَالِغًا أَمْ صَبِيًّا مَأْذُونًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً مُسْلِمًا أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ. (رَدُّ الْمُحْتَارِ، وَالْخَانِيَّةُ) وَتَقَدُّمُ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ كَافِيًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا. مَثَلًا: إذَا كَانَ حَائِطُ أَحَدٍ مَائِلًا لِلِانْهِدَامِ عَلَى مِلْكٍ لِآخَرَ وَلَمْ يَكُنْ مَائِلًا لِلِانْهِدَامِ عَلَى الطَّرِيقِ الْعَامِّ وَلَا مَخُوفًا وَتَقَدَّمَ صَاحِبُ الدَّارِ إلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ ثُمَّ انْهَدَمَ بَعْدَئِذٍ عَلَى الطَّرِيقِ الْعَامِّ فَأَحْدَثَ ضَرَرًا لِأَحَدٍ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ (جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ) . اجْتِمَاعُ ضَرَرَيْنِ: قَدْ يَجْتَمِعُ ضَرَرَانِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ الِانْهِدَامِ. مَثَلًا: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْحَائِطِ الْوَاحِدِ مَائِلًا إلَى الِانْهِدَامِ عَلَى الطَّرِيقِ الْعَامِّ وَبَعْضُهُ مَائِلًا إلَى الِانْهِدَامِ عَلَى دَارِ أَحَدٍ. وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَوْ انْهَدَمَ الْقِسْمُ الْمَائِلُ إلَى الدَّارِ عَلَيْهَا فَأَحْدَثَ ضَرَرًا كَانَ صَاحِبُ الْحَائِطِ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَائِطَ لَمَّا كَانَ وَاحِدًا وَصَاحِبُ الدَّارِ أَحَدَ الْعَامَّةِ فِي الْقِسْمِ الْمَائِلِ إلَى الطَّرِيقِ مُتَقَدِّمُهُ

стр. 1403

وَتَنْبِيهُهُ صَحِيحَانِ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا لَمْ يَتَنَدَّمْ صَاحِبُ الدَّارِ بِهِ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ مِنْ الْعَامَّةِ كَانَ صَحِيحًا فِي الْقِسْمِ الْمَائِلِ إلَى الطَّرِيقِ وَعَلَيْهِ فِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَقَدُّمُهُ فِي الْقِسْمِ الْمَائِلِ إلَى الطَّرِيقِ صَحِيحًا فَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْكُلِّ أَيْضًا (الْخَانِيَّةُ فِي جِنَايَةِ الْحَائِطِ) . الْفُرُوقُ بَيْنَ الْحَائِطِ الْمَائِلِ إلَى الطَّرِيقِ وَبَيْنَ الْحَائِطِ الْمَائِلِ إلَى مِلْكِ إنْسَانٍ: الْخُلَاصَةُ، يُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَ الْحَائِطِ الْمَائِلِ إلَى الطَّرِيقِ وَبَيْنَ الْحَائِطِ الْمَائِلِ إلَى مِلْكِ إنْسَانٍ فِي حُكْمَيْنِ: الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: أَنَّ التَّقَدُّمَ لِلْحَائِطِ الْمَائِلِ إلَى مِلْكِ إنْسَانٍ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ ذَلِكَ الْمِلْكِ. وَلَا حُكْمَ لِلتَّقَدُّمِ مِنْ آخَرَ الْحُكْمُ الثَّانِي، أَنَّ التَّأْجِيلَ وَالْإِبْرَاءَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِ لِلْحَائِطِ الْمَائِلِ إلَى مِلْكِ إنْسَانٍ بَعْدَ تَقَدُّمٍ صَحِيحَانِ. أَمَّا التَّأْجِيلُ وَالْإِبْرَاءُ، بَعْدَ التَّقَدُّمِ لِلْحَائِطِ الْمَائِلِ إلَى الطَّرِيقِ الْعَامِّ فَلَا يَصِحَّانِ مِنْ أَحَدٍ.

стр. 1404

[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي جِنَايَةِ الْحَيَوَانِ] سَنَذْكُرُ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَعْضَ الْمَسَائِلِ فِي جِنَايَةِ الْحَيَوَانَاتِ. وَلَمَّا كَانَتْ الْمَجَلَّةُ لَمْ تَذْكُرْ مَسَائِلَ مُتَعَلِّقَةً بِجِنَايَةِ الْحَيَوَانَاتِ فَسَنَأْتِي عَلَى ذَلِكَ فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ إتْمَامًا لِلْفَائِدَةِ. إنَّ مَسَائِلَ هَذَا الْفَصْلِ مُؤَسَّسَةٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثِ الْآتِيَةِ: الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: إذَا كَانَ الْمُتَسَبِّبُ مُتَعَدِّيًا كَانَ ضَامِنًا وَإِلَّا فَلَا كَمَا هُوَ مُوَضَّحٌ فِي الْمَادَّةِ (٩٢٤) . الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُبَاشِرُ ضَامِنٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْمَادَّةِ (٩١٢) . الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: لِكُلٍّ حَقُّ الْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ لَكِنْ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ عَلَى مَا هُوَ مُوَضَّحٌ فِي الْمَادَّةِ (٩٢٦) . وَقَدْ أُشِيرَ فِي شَرْحِ الْمَوَادِّ الْأَتِيَّةِ إلَى كَيْفِيَّةِ تَفَرُّعِ الْمَسَائِلِ مِنْ الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثِ هَذِهِ وَقِيَامِهَا عَلَيْهَا. (مَادَّةُ ٩٢٩) : الضَّرَرُ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْحَيَوَانُ بِنَفْسِهِ لَا يَضْمَنُهُ صَاحِبُهُ (رَاجِعْ مَادَّةَ ٩٤) وَلَكِنْ لَوْ اسْتَهْلَكَ حَيَوَانٌ مَالَ أَحَدٍ وَرَآهُ صَاحِبُهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ يَضْمَنُ وَيَضْمَنُ صَاحِبُ الْحَيَوَانِ ذِي الضَّرَرِ الْمُتَعَيِّنِ كَالثَّوْرِ النَّطُوحِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ مَا أَتْلَفَهُ إذَا تَقَدَّمَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ مَحَلَّتِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ بِقَوْلِهِ امْسِكْ حَيَوَانَك وَلَمْ يُمْسِكْهُ. أَنَّ الضَّرَرَ وَالْجِنَايَةَ اللَّذَيْنِ يُوقِعُهُمَا الْحَيَوَانُ (أَيْ: كُلُّ حَيَوَانٍ مَا عَدَا الْإِنْسَانِ) هَدَرٌ مَا لَمْ يُنْسَبَا إلَى صَاحِبِهِ. فَعَلَيْهِ لَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الْحَيَوَانِ مَا أَوْقَعَهُ حَيَوَانٌ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ سَوَاءٌ فِي اللَّيْلِ أَوْ فِي النَّهَارِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٩٤) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ» أَيْ: هَدَرٌ وَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ. وَقَدْ وَرَدَ عَلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» . مَعْنَاهُ إتْلَافُ الْبَهِيمَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ بِجُرْحٍ أَوْ بِغَيْرِهِ جُبَارٌ أَيْ: هَدَرٌ لَا شَيْءَ فِيهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ مُسْتَدِلًّا بِهَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ بِالْإِضْمَانِ فِي الشَّيْءِ الَّذِي تُتْلِفُهُ الْبَهَائِمُ سَوَاءٌ وُجِدَ جَرْحٌ أَمْ لَمْ يُوجَدْ وَسَوَاءٌ أَحْدَثَ ذَلِكَ لَيْلًا أَمْ نَهَارًا وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَعَ الْبَهِيمَةِ صَاحِبُهَا أَمْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الشَّرِيفَ الْمَذْكُورَ عَامٌّ وَالْوَاجِبُ الْعَمَلُ بِالْعَامِّ عَلَى عُمُومِهِ وَيَلْزَمُ الضَّمَانُ أَيْضًا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ إذَا وُجِدَ مَعَ الْحَيَوَانِ صَاحِبُهُ أَوْ مُسْتَأْجِرُهُ أَوْ مُسْتَعِيرُهُ أَوْ مُسْتَوْدِعُهُ أَوْ غَاصِبُهُ وَمَنْ إلَيْهِمْ (الْعَيْنِيُّ شَارِحُ الْبُخَارِيُّ) . مَسَائِلُ تَتَفَرَّعُ مِنْ هَذَا: أَوَّلًا: لَوْ دَخَلَ أَحَدٌ إلَى دَارِ آخَرَ بِإِذْنِهِ فَعَضَّ كَلْبٌ عَقُورٌ أَوْ دَابَّةٌ مُؤْذِيَةٌ ذَلِكَ الشَّخْصَ أَوْ تَلِفَتْ مَالُهُ فَلَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الدَّارِ (الْخَانِيَّةُ) .

стр. 1405

ثَانِيًا: لَوْ وَطِئَ بَعِيرٌ لِأَحَدٍ وَهُوَ فِي الْمَرْعَى وَأَهْلَكَهُ بِدُونِ أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِهِ فِي ذَلِكَ صُنْعٌ بَعِيرًا لِآخَرَ فَلَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الْبَعِيرِ الْأَوَّلِ ضَمَانٌ. ثَالِثًا: لَوْ اسْتَهْلَكَ حَيَوَانٌ لِأَحَدٍ بِدُونِ صُنْعِ صَاحِبِهِ زَرْعًا لِآخَرَ فَلَا يَلْزَمُ صَاحِبَهُ ضَمَانٌ (عَلِيٌّ أَفَنْدِي، الْمَجْمُوعَةُ الْجَدِيدَةُ) رَابِعًا: لَوْ نَخَسَ أَحَدٌ كَفَلَ دَابَّةٍ أَثْنَاءَ الْمُسَاوَمَةِ فَرَفَسَتْهُ الدَّابَّةُ وَحَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ بِذَلِكَ فَلَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ الضَّرَرَ (الْبَهْجَةُ) . خَامِسًا: لَوْ دَخَلَ أَحَدٌ مَكَانًا فَعَضَّتْهُ كِلَابٌ لِأَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَأَضَرَّتْ بِهِ فَلَا يَلْزَمُ أَهْلَهُ ضَمَانٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَرَّشَهَا أَحَدُهُمْ بِهِ (جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ) . سَادِسًا: لَوْ وَضَعَ أَحَدٌ خَلَايَا نَحْلِهِ فِي أَطْرَافِ بُسْتَانٍ لِآخَرَ فَاقْتَرَبَ فَرَسُ صَاحِبِ الْبُسْتَانِ مِنْ الْخَلَايَا فَخَرَجَ النَّحْلُ مِنْهَا وَأَهْلَكَهُ فَلَا يَلْزَمُ صَاحِبَ النَّحْلِ ضَمَانٌ (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) . سَابِعًا: لَوْ أَفْلَتَ فَرَسُ أَحَدِ الْمُسَافِرِينَ النَّازِلِينَ فِي مَنْزِلٍ وَكَسَرَ رِجْلَ فَرَسٍ لِمُسَافِرٍ آخَرَ نَازِلٍ فِي هَذَا النُّزُلِ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) . ثَامِنًا: لَوْ أَلْقَى أَحَدٌ هِرَّةً عَلَى دَجَاجَةٍ لِآخَرَ فَلَمْ تَخْتَطِفْهَا الْهِرَّةُ حِينَ الْإِلْقَاءِ بَلْ خَطَفَتْهَا بِنَفْسِهَا بَعْدَ تَوَقُّفِ بُرْهَةٍ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ (جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ) . تَاسِعًا: لَوْ أَفْلَتَ الْحَيَوَانُ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْفِقْرَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْمَادَّةِ (٩٣١) وَدَخَلَ مِلْكَ الْآخَرِ بِنَفْسِهِ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ. عَاشِرًا: إذَا رَبَطَ أَحَدٌ حَيَوَانَهُ فِي مِلْكِهِ عَلَى مَا بُيِّنَ فِي الْمَادَّةِ (٩٣٨) فَجَاءَ آخَرُ وَرَبَطَ حَيَوَانَهُ هُنَاكَ بِلَا إذْنِهِ رَفَسَ حَيَوَانُ صَاحِبِ الْمِلْكِ ذَلِكَ الشَّخْصَ وَتَلِفَ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ. الْحَادِيَ عَشَرَ: إذَا رَبَطَ اثْنَانِ حَيَوَانَيْهِمَا فِي مَحَلٍّ لَهُمَا حَقُّ الرَّبْطِ فِيهِ حَسَبَ الْمَادَّةِ (٩٣٩) فَأَتْلَفَ أَحَدٌ الْحَيَوَانَيْنِ الْآخَرَ فَلَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الْحَيَوَانِ الْمُتْلِفِ ضَمَانٌ. الثَّانِيَ عَشَرَ: لَوْ رَبَطَ اثْنَانِ حَيَوَانَيْهِمَا فِي مَحَلٍّ لَيْسَ لَهُمَا حَقُّ الرَّبْطِ فِيهِ وَأَتْلَفَ حَيَوَانُ الرَّابِطِ أَوَّلًا، حَيَوَانَ الثَّانِي فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ. الثَّالِثَ عَشَرَ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ مُمْسِكًا رَسَنَ فَرَسِهِ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فَجَاءَ أَحَدٌ مِنْ خَلْفِ الْفَرَسِ وَنَخَسَهُ فَرَفَسَهُ وَأَتْلَفَهُ بِدُونِ صُنْعِ صَاحِبِهِ فَلَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الْفَرَسِ دِيَةٌ (مِعْيَارُ الْعَدَالَةِ) . الرَّابِعَ عَشَرَ: لَوْ أَفْلَتَ فَرَسٌ لِأَحَدٍ بِدُونِ صُنْعِهِ وَفَرَّ فَلَحِقَ شَخْصٌ ذَلِكَ الْفَرَسَ وَأَرَادَ إمْسَاكَهُ فَرَفَسَ الْفَرَسُ ذَلِكَ الشَّخْصَ وَأَتْلَفَهُ فَلَا يَضْمَنُ صَاحِبَ الْفَرَسِ دِيَةُ ذَلِكَ الشَّخْصِ (مِعْيَارُ الْعَدَالَةِ) . الْخَامِسَ عَشَرَ: لَوْ رَفَسَ الْحَيَوَانُ الْبَيْطَارَ وَهُوَ يُنْعِلُهُ فَلَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الْحَيَوَانِ دِيَةَ الْبَيْطَارِ (مِعْيَارُ الْعَدَالَةِ) . السَّادِسَ عَشَرَ: لَوْ رَفَسَ أَوْ صَدَمَ حَيَوَانٌ أَحَدَ سَائِسِهِ وَأَتْلَفَهُ فَلَا تَلْزَمُ صَاحِبَ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ دِيَةٌ (مِعْيَارُ الْعَدَالَةِ) . السَّابِعَ عَشَرَ: لَوْ أَتْلَفَ حَيَوَانُ أَحَدٍ وَهُوَ يَرْعَى فِي الْمَرْعَى أَحَدًا اقْتَرَبَ مِنْهُ بِرَفْسِهِ أَوْ صَدْمِهِ إيَّاهُ فَلَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الْحَيَوَانِ دِيَةَ ذَلِكَ الشَّخْصِ (مِعْيَارُ الْعَدَالَةِ) .

стр. 1406

الثَّامِنَ عَشَرَ: لَوْ جَمَحَ الْحَيَوَانُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ كَبْحَهُ بِاللِّجَامِ فَأَتْلَفَ شَخْصًا فَلَا يَلْزَمُ رَاكِبَهُ دِيَةٌ (مِعْيَارُ الْعَدَالَةِ) . جَاءَ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَاقَ أَحَدٌ حَيَوَانَهُ إلَى زَرْعِ آخَرَ وَأَدْخَلَهُ فِيهِ فَأَفْسَدَ الزَّرْعَ ضَمِنَ لَكِنْ لَوْ سَيَّبَ أَحَدٌ حَيَوَانَهُ وَدَخَلَ الْحَيَوَانُ مِنْ دُونِ أَنْ يَسُوقَهُ أَوْ يَتْبَعَهُ وَمِنْ دُونِ أَنْ يَعْطِفَ الْحَيَوَانُ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا زَرْعَ آخَرَ وَأَفْسَدَهُ لَزِمَ الضَّمَانُ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ طَرِيقٌ آخَرُ (الْخَانِيَّةُ) . اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩٣٥) كَذَلِكَ لَوْ سَاقَ أَحَدٌ غَنَمَهُ وَأَدْخَلَهَا فِي كُرُومٍ لِآخَرَ وَأَطْعَمَهَا عِنَبَهَا فَكَمَا أَنَّهُ يَضْمَنُ فَلَوْ اقْتَرَبَ بِهَا إلَى حَيْثُ يُمْكِنُهَا أَكْلُهَا إنْ شَاءَتْ وَأَكَلَتْهُ الْغَنَمُ بِالْفِعْلِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ أَيْضًا (جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ) وَفِي هَذِهِ الْحَالِ تُقَوَّمُ الْأَرْضُ تَارَةً مَعَ الزَّرْعِ النَّابِتِ وَأُخْرَى بِدُونِهِ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ هُوَ حِصَّةُ الزَّرْعِ الْمُتْلَفِ وَيَضْمَنُهُ الرَّاعِي (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) لَكِنْ يُسْتَثْنَى بَعْضُ الْمَسَائِلِ مِنْ حُكْمِ هَذِهِ الْمَادَّةِ وَإِلَيْكَهَا: أَوَّلًا: إذَا رَأَى صَاحِبُ الْحَيَوَانِ حَيَوَانَهُ بَيْنَمَا كَانَ يَسْتَهْلِكُ مَالًا لِآخَرَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْحَيَوَانِ يُنْسَبُ إلَى صَاحِبِهِ كَمَا أَنَّ نَفْعَهُ يَعُودُ إلَيْهِ، وَعَدَمُ مَنْعِهِ الْحَيَوَانَ مِنْ ذَلِكَ، مَعَ إمْكَانِ الْمَنْعِ مِمَّا يُقَوِّي عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَإِذَا اسْتَهْلَكَ الْحَيَوَانُ قِسْمًا مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ صَاحِبُهُ وَاسْتَهْلَكَ الْقِسْمَ الْبَاقِيَ مِنْهُ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ إيَّاهُ يَلْزَمُهُ ضَمَانُ هَذَا الْبَاقِي فَقَطْ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ (الشَّارِحُ) قَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي لُزُومِ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ وَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ هُوَ لُزُومُ الضَّمَانِ وَقَدْ اخْتَارَتْهُ الْمَجَلَّةُ (الْأَنْقِرْوِيُّ) أَمَّا إذَا كَانَ قَدْ رَأَى الْحَيَوَانَ غَيْرُ صَاحِبِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ فَلَا يَلْزَمُ الرَّائِي ضَمَانٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنَّ مَنْفَعَةَ أَكْلِ الْحَيَوَانِ لَمَّا كَانَتْ رَاجِعَةً إلَى صَاحِبِهِ يُنْسَبُ الْفِعْلُ إلَيْهِ أَمَّا مَنْفَعَتُهُ مَا يَأْكُلُهُ حَيَوَانُ أَحَدٍ مَا فَبِمَا أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِ فَلَا يُنْسَبُ فِعْلُهُ إلَى الْغَيْرِ (حَاشِيَةُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ) ثَانِيًا: وَيَضْمَنُ صَاحِبُ الْحَيَوَانِ الَّذِي ضَرَرُهُ مُتَعَيِّنٌ كَالثَّوْرِ النَّطُوحِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ مَا أَتْلَفَهُ بَعْدَ أَنْ قَدِمَ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ حَيِّهِ أَوْ قَرْيَتِهِ بِقَوْلِهِ حَافِظْ عَلَى حَيَوَانِك وَلَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِ. أَمَّا ضَرَرُهُ قَبْلَ التَّقَدُّمِ فَلَا يَضْمَنُهُ (الْبَهْجَةُ) وَالضَّرَرُ الْمَقْصُودُ هُوَ الضَّرَرُ الَّذِي يَقَعُ عَلَى بَنِي آدَمَ كَمَا أُشِيرَ إلَى ذَلِكَ شَرْحًا. أَمَّا التَّقَدُّمُ لِأَجْلِ الضَّرَرِ الَّذِي يَقَعُ عَلَى غَيْرِ الْآدَمِيِّ كَالْحَيَوَانِ الَّذِي هُوَ مَالٌ فَلَا يُفِيدُ: فَعَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ ضَمَانُ الضَّرَرِ الَّذِي يُوقِعُهُ الْحَيَوَانُ بَعْدَ التَّقَدُّمِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا) وَالْحَاصِلُ، أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَكُونُ تَلَفُ الْآدَمِيِّ مَلْحُوظًا فِيهِ فَالتَّقَدُّمُ لِأَجْلِهِ مُفِيدٌ وَإِذَا تَلِفَ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إنْسَانٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَكَمَا أَنَّهُ تَلْزَمُ تَأْدِيَةُ الدِّيَةِ يَلْزَمُ تَبَعًا لِهَذَا ضَمَانُ الْأَمْوَالِ أَيْضًا. أَمَّا الشَّيْءُ الَّذِي يُلْحَظُ فِيهِ تَلَفُ الْمَالِ فَقَطْ فَالتَّقَدُّمُ لِأَجْلِهِ غَيْرُ مُفِيدٍ وَلَا مُوجِبَ لِلضَّمَانِ (التَّنْقِيحُ) مَثَلًا: لَوْ كَانَ كَلْبٌ لِأَحَدٍ اعْتَادَ أَكْلَ الْعِنَبِ فَقَالَ لَهُ الْجِيرَانُ: أَمْسِكْهُ لِئَلَّا يَأْكُلَ عِنَبنَا وَلَمْ يُمْسِكْهُ وَأَكَلَ الْعِنَبَ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ (رَدُّ الْمُحْتَارِ)

стр. 1407

[ (مَادَّةُ ٩٣٠) لَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ الَّتِي أَضَرَّتْ بِيَدَيْهَا أَوْ رَأْسِهَا أَوْ ذَيْلِهَا أَوْ رِجْلِهَا] (مَادَّةُ ٩٣٠) لَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ الَّتِي أَضَرَّتْ بِيَدَيْهَا أَوْ رَأْسِهَا أَوْ ذَيْلِهَا أَوْ رِجْلِهَا حَصَلَ كَوْنُهَا فِي مِلْكِهِ رَاكِبًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَسَوَاءٌ أَكَانَ قَائِدًا أَوْ سَائِقًا أَوْ لَمْ يَكُنْ سَوَاءٌ ضَرَبَتْ بِيَدَيْهَا أَوْ ذَيْلِهَا أَوْ رَفَسَتْ بِرِجْلَيْهَا أَوْ عَضَّتْ بِفَمِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ لَيْسَ مُبَاشِرًا ذَلِكَ بَلْ مُتَسَبِّبًا بِهِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ تَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسَبُّبِ فَلَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ اُنْظُرْ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى الْمَذْكُورَةَ قُبَيْلَ الْمَادَّةِ (٩٢٩) ١ - فِي مِلْكِهِ، يُفْهَمُ مِنْ ذِكْرِ لَفْظِ الْمِلْكِ مُطْلَقًا هُوَ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَالُ مِلْكًا خَاصًّا لِذَلِكَ الشَّخْصِ أَوْ كَانَ بِالِاشْتِرَاكِ مَعَ غَيْرِهِ. ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذِي حِصَّةٍ فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ مُقْتَدِرٌ عَلَى تَسْيِيرِ الدَّابَّةِ وَإِيقَافِهَا فِيهِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ٢ - صَدَمَ، وَالسَّبَبُ فِي اسْتِعْمَالِ هَذَا التَّعْبِيرِ هُوَ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَ الْحَيَوَانُ الَّذِي رَكِبَهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ شَيْئًا بِيَدِهِ أَوْ بِرِجْلَيْهِ أَوْ دَاسَهُ وَتَلِفَ لَزِمَ الرَّاكِبَ الضَّمَانُ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٩٣٦) ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ أَتْلَفَ الشَّيْءَ مُبَاشَرَةً [ (مَادَّةُ ٩٣١) إذَا أَدْخَلَ أَحَدٌ دَابَّتَهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ لَا يَضْمَنُ جِنَايَتَهَا] (مَادَّةُ ٩٣١) إذَا أَدْخَلَ أَحَدٌ دَابَّتَهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ لَا يَضْمَنُ جِنَايَتَهَا فِي الصُّوَرِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ حَيْثُ إنَّهَا تُعَدُّ كَالْكَائِنَةِ فِي مِلْكِهِ وَإِنْ كَانَ أَدْخَلَهَا بِدُونِ إذْنِ صَاحِبِهِ يَضْمَنُ ضَرَرَ تِلْكَ الدَّابَّةِ وَخَسَارَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ يَعْنِي: حَالَ كَوْنِهِ رَاكِبًا أَوْ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا أَوْ مَوْجُودًا عِنْدَهَا أَوْ غَيْرَ مَوْجُودٍ أَمَّا لَوْ أَفْلَتَتْ بِنَفْسِهَا وَدَخَلَتْ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَأَضَرَّتْ فَلَا يَضْمَنُ لَوْ أَدْخَلَ أَحَدٌ حَيَوَانَهُ فِي مِلْكٍ لِآخَرَ فَإِذَا أَدْخَلَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِ الْمِلْكِ الْمَذْكُورِ لَا يَضْمَنُ جِنَايَتَهُ فِي الصُّوَرِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ أَيْ: مَادَّةِ (٩٣٠) حَيْثُ إنَّهَا تُعَدُّ كَالْكَائِنَةِ فِي مِلْكِهِ يَعْنِي: لَوْ أَنَّ الْحَيَوَانَ الْمَذْكُورَ صَدَمَ أَحَدًا بِيَدِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ أَوْ بِذَيْلِهِ أَوْ بِطَرْفِهِ الْآخَرَ وَرَفَسَ بِرِجْلِهِ أَوْ عَضَّ بِفِيهِ وَأَضَرَّ بِهِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَيَوَانِ وَإِنْ كَانَ مُتَسَبِّبًا بِهَذِهِ الْجِنَايَةِ؛ فَلَيْسَ مُتَعَدِّيًا لِكَوْنِهِ قَدْ أَدْخَلَ الْحَيَوَانَ بِإِذْنِ صَاحِبِ الْمِلْكِ. اُنْظُرْ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى الَّتِي فِي شَرْحِ هَذَا الْفَصْلِ (الْخَانِيَّةُ) كَذَلِكَ لَوْ أَدْخَلَ أَحَدٌ حَيَوَانَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِ الْمِلْكِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَأَحْدَثَ الْحَيَوَانُ أَضْرَارًا وَصَاحِبُهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَلَا يَضْمَنُ الْجِنَايَاتِ الْمَذْكُورَةَ. أَمَّا الْحَالُ الْمُبَيَّنَةُ فِي فِقْرَةِ (أَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ رَاكِبًا عَلَيْهَا. . . إلَخْ) فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ فَيَكُونُ فِيهَا بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْمَادَّةِ ضَامِنًا أَيْضًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَإِذَا أَدْخَلَهُ بِدُونِ إذْنِ صَاحِبِ الْمِلْكِ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا أَوْ قَائِدًا أَوْ سَائِقًا أَوْ وَاقِفًا وَسَوَاءٌ أَكَانَ قَدْ ذَهَبَ صَاحِبُهُ بَعْدَ إدْخَالِهِ وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ أَمْ لَمْ يَذْهَبْ يَضْمَنُ الضَّرَرَ وَالْخَسَارَ اللَّذَيْنِ أَحْدَثَهُمَا الْحَيَوَانُ عَلَى كُلِّ حَالٍ (الْبَهْجَةُ) ؛ لِأَنَّ كَوْنَ ذَلِكَ الشَّخْصِ يَكُونُ مُتَسَبِّبًا مُتَعَدِّيًا حِينَئِذٍ كَذَلِكَ لَوْ رَبَطَ أَحَدٌ حَيَوَانَهُ فِي مِلْكٍ لِآخَرَ مِنْ دُونِ إذْنِهِ فَأَحْدَثَ الْحَيَوَانُ ضَرَرًا لَدَى جَوْلَاتِهِ

стр. 1408

ضِمْنَ دَائِرَةِ الْحَبْلِ الَّذِي رُبِطَ بِهِ كَانَ ضَامِنًا (جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ) أَمَّا إذَا انْطَلَقَ الْحَيَوَانُ وَدَخَلَ بِنَفْسِهِ فِي مِلْكٍ لِآخَرَ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا فَلَا يَضْمَنُ صَاحِبُ هَذَا الضَّرَرِ عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْفِقْرَةِ الْأُولَى مِنْ مَادَّةِ (٩٢٩) . إنَّ تَعْبِيرَ مِلْكِهِ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ لَيْسَ احْتِرَازِيًّا فَلَوْ أَحْدَثَ ضَرَرًا كَهَذَا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ لَا يَضْمَنُ أَيْضًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . مَثَلًا: لَوْ أَفْلَتَ حَيَوَانُ أَحَدٍ بِنَفْسِهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَيْ: بِغَيْرِ إرْسَالِ الْمَالِكِ أَوْ أَفْسَدَ زَرْعًا لِآخَرَ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ) . [ (الْمَادَّةُ ٩٣٢) لِكُلِّ أَحَدٍ حَقُّ الْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ مَعَ حَيَوَانِهِ] (الْمَادَّةُ ٩٣٢) : لِكُلِّ أَحَدٍ حَقُّ الْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ مَعَ حَيَوَانِهِ أَيْضًا فَلِذَلِكَ لَا يَضْمَنُ الْمَارُّ رَاكِبًا عَلَى حَيَوَانِهِ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ الضَّرَرَ وَالْخَسَارَةَ اللَّذَيْنِ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُمَا مَثَلًا: لَوْ انْتَشَرَ أَوْ تَطَايَرَ مِنْ رِجْلِ الدَّابَّةِ غُبَارٌ أَوْ طِينٌ وَلَوَّثَ ثِيَابَ الْآخَرِ وَرَفَسَتْ بِرِجْلِهَا الْمُؤَخَّرَةِ أَوْ لَطَمَتْ بِذَيْلِهَا وَأَضَرَّتْ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَلَكِنْ يَضْمَنُ الرَّاكِبُ الضَّرَرَ وَالْخَسَارَةَ اللَّذَيْنِ وَقَعَا مِنْ مُصَادَمَتِهَا وَلَطْمَةِ يَدِهَا أَوْ رَأْسِهَا لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْ ذَلِكَ. لِكُلٍّ حَقُّ الْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ بِحَيَوَانِهِ كَمَا أَنَّ لَهُ حَقَّ الْمُرُورِ رَاجِلًا عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٩٢٦) وَعَلَيْهِ لَا يَضْمَنُ الْمَارُّ رَاكِبًا حَيَوَانَهُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ الضَّرَرَ وَالْخَسَارَةَ اللَّذَيْنِ يُولِعُهُمَا الْحَيَوَانُ بِنَفْسِهِ وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُمَا اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩١) . مَثَلًا: لَوْ انْتَشَرَ مِنْ رِجْلِ الدَّابَّةِ غُبَارٌ أَوْ طِينٌ أَوْ حَصَى أَثْنَاءَ سَيْرِهَا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ بَيْنَمَا كَانَ صَاحِبُهَا رَاكِبًا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فَلَوَّثَ أَثْوَابَ الْآخَرِ أَوْ مَزَّقَهَا أَوْ رَفَسَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ لَطَمَتْ بِذَيْلِهَا وَأَضَرَّتْ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْمَسِيرِ فَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. إيضَاحُ الْقُيُودِ: ١ - الطَّرِيقُ الْعَامُّ، قَوْلُهُ الطَّرِيقُ الْعَامُّ فِيهِ اُنْظُرْ إلَى الْمَقَامِ. وَإِلَّا فَلَوْ وَقَعَتْ الْحَالَاتُ الْمُبَيَّنَةُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ الْعَامِّ يَعْنِي: لَوْ وَقَعَتْ فِي مِلْكِهِ الْخَاصِّ أَوْ فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ فَلَيْسَتْ مُوجِبَةً لِلضَّمَانَةِ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ فِي هَذَا غَيْرُ مُبَاشِرٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَسَبِّبٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . ٢ - أَثْنَاءَ سَيْرِهَا، هَذَا الْقَيْدُ احْتِرَازِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْقَفَ الدَّابَّةَ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا لَزِمَ الضَّمَانُ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ فِي الْمَادَّةِ (٩٣٤) . ٣ - بِنَفْسِهِ، هَذَا الْقَيْدُ احْتِرَازِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَفَلَ الرَّاكِبُ الْحَيَوَانَ بِضَرْبِهِ وَمُعَامَلَتِهِ إيَّاهُ بِشِدَّةٍ أَوْ رَكَضَهُ فَأَحْدَثَ ضَرَرًا كَهَذَا كَانَ ضَامِنًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ قَدْ كَانَ فِي هَذِهِ الْحَالِ مُتَسَبِّبًا وَمُتَعَدِّيًا. كَذَلِكَ لَوْ ضَيَّقَ بِغَالٌ عَلَى بَغْلِهِ بِالْقُرْبِ بَيْنَمَا كَانَ مَارًّا بِهِ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ فَأَصَابَ الْحِمْلُ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ

стр. 1409

الْأَشْيَاءَ الْمَعْرُوضَةَ أَمَامَ الدُّكَّانِ وَقَدْ وُضِعَ مِقْدَارٌ مِنْ الْأَكْوَابِ فَكُسِرَتْ الْأَكْوَابُ كَانَ الْبَغَّالُ ضَامِنًا (الْمَجْمُوعَةُ الْجَدِيدَةُ) . وَيَضْمَنُ الضَّرَرَ وَالْخَسَارَةَ اللَّذَيْنِ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُمَا مَثَلًا يَضْمَنُ الرَّاكِبُ الضَّرَرَ وَالْخَسَارَةَ اللَّذَيْنِ وَقَعَا مِنْ اصْطِدَامِهَا أَوْ لَطْمَةِ يَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ رَأْسِهَا لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ ذَلِكَ مُمْكِنٌ بِالِاحْتِرَازِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) . لَكِنَّ مَا يَجْنِيهِ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَضْرَارِ هَدَرٌ. مَثَلًا: لَوْ حَمَلَ أَحَدٌ فِي عَجَلَةِ النَّقْلِ حَطَبًا وَبَيْنَمَا هُوَ مَارٌّ بِهَا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ اقْتَحَمَ الْعَجَلَةَ فَارِسٌ فَأَصَابَتْ الْحَدِيدَةُ الَّتِي فِي مُقَدَّمِ الْعَجَلَةِ بَطْنَ فَرَسِهِ فَأَتْلَفَتْهُ لَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الْعَجَلَةِ ضَمَانٌ (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) . إيضَاحُ الْقُيُودِ: ١ - الْمُصَادَمَةُ، الضَّرْبُ بِالْجَسَدِ، يَعْنِي: لَوْ اصْطَدَمَ جِسْمُ الْحَيَوَانِ بِشَيْءٍ فَأَضَرَّ بِهِ كَانَ ضَامِنًا. ٢ - رِجْلُهُ الْأَمَامِيَّةُ، قَوْلُهُ رِجْلُهُ الْأَمَامِيَّةُ لَيْسَ احْتِرَازًا فَلَوْ اصْطَدَمَ بِشَيْءٍ بِرِجْلِهِ الْخَلْفِيَّةِ يَعْنِي: لَوْ حَصَلَ الِاصْطِدَامُ يَرْفَعُ الْحَيَوَانُ رِجْلَهُ أَوْ لِوَضْعِهِ إيَّاهَا عَلَى الْأَرْضِ أَوْ دَوْسِهِ بِرِجْلِهِ شَيْئًا كَانَ ضَامِنًا. ٣ - بِرَأْسِهِ، يَعْنِي: لَوْ حَدَثَ ضَرَرٌ بِاصْطِدَامِ رَأْسِهِ بِشَيْءٍ أَوْ بَعْضِهِ إيَّاهُ أَوْ بِتَطَايُرِ أَحْجَارٍ كِبَارٍ مِنْ حَوَافِرِهِ كَانَ ضَامِنًا. وَالْحَاصِلُ، أَنَّ الرَّاكِبَ يَضْمَنُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ الْأَضْرَارَ الْآتِيَةَ الَّتِي يُحْدِثُهَا الْحَيَوَانُ، (١) الْأَضْرَارُ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ مُصَادَمَتِهِ (٢) عَنْ لَطْمَةِ يَدِهِ (٣) عَنْ رَفْسَةِ رِجْلِهِ (٤) أَوْ صَدْمِهِ رَأْسَهُ (٥) أَوْ عَضِّهِ (٦) تَطَايُرِ حَجَرٍ كَبِيرٍ مِنْ رِجْلِهِ (٧) بِالْوَطْءِ بِيَدِهِ أَوْ بِرِجْلِهِ. [ (الْمَادَّةُ ٩٣٣) الْقَائِدُ وَالسَّائِقُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ يَضْمَنَانِ مَا يَضْمَنُهُ الرَّاكِبُ مِنْ الضَّرَرِ] (الْمَادَّةُ ٩٣٣) الْقَائِدُ وَالسَّائِقُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ كَالرَّاكِبِ يَعْنِي: لَا يَضْمَنَانِ إلَّا مَا يَضْمَنُهُ الرَّاكِبُ مِنْ الضَّرَرِ فَعَلَيْهِ لَوْ وَضَعَ أَحَدٌ خَابِيَةً أَمَامَ الدُّكَّانِ فَمَرَّ حَيَوَانُ الْآخَرِ الْمُحَمَّلُ عُشْبًا فَصَدَمَهَا وَكَسَرَهَا لَزِمَ الضَّمَانُ (جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ) . وَالْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدَفِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ أَيْضًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَلَا يَضْمَنُ الْقَائِدُ وَالسَّائِقُ الضَّرَرَ الَّذِي يَضْمَنُهُ الرَّاكِبُ. مَثَلًا: لَوْ قَادَ أَحَدٌ فَرَسَهُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ فَجَاءَ أَحَدٌ مِنْ وَرَاءِ الْفَرَسِ وَنَخَسَهُ الْفَرَسُ وَأَضَرَّ بِهِ فَلَا يَضْمَنُ صَاحِبُهُ (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) . سُقُوطُ شَيْءٍ مِنْ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ وَإِحْدَاثُهُ ضَرَرًا: لَكِنْ لَوْ سَقَطَ مِنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ شَيْءٌ كَالسَّرْجِ بَيْنَمَا كَانَ يَسُوقُهَا وَأَحْدَثَ ضَرَرًا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الشَّخْصُ قَدْ أَحْكَمَ رَبْطَهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ. اجْتِمَاعُ الْقَائِدِ وَالسَّائِقِ: لَوْ وَطِئَ حَيَوَانٌ فِي قِطَارٍ مِنْ الدَّوَابِّ يَقُودُهُ أَحَدٌ شَيْئًا لَزِمَ الضَّمَانُ. وَإِذَا

стр. 1410

وُجِدَ مَعَ هَذَا الْقَائِدِ سَائِقٌ كَانَ السَّائِقُ وَالْقَائِدُ شَرِيكَيْنِ فِي الضَّمَانِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . [ (الْمَادَّةُ ٩٣٤) لَيْسَ لِأَحَدٍ حَقُّ تَوْقِيفِ دَابَّتِهِ أَوْ رَبْطِهَا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ] (الْمَادَّةُ ٩٣٤) لَيْسَ لِأَحَدٍ حَقُّ تَوْقِيفِ دَابَّتِهِ أَوْ رَبْطِهَا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ بِنَاءً عَلَيْهِ لَوْ وَقَفَ أَوْ رَبَطَ أَحَدٌ دَابَّتَهُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ يَضْمَنُ جِنَايَتَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ رَفَسَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ جَنَتْ بِسَائِرِ الْوُجُوهِ وَأَمَّا الْمَحَالُّ الَّتِي أُعِدَّتْ لِتَوْقِيفِ الدَّوَابِّ كَسَوْقِ الدَّوَابِّ وَمَحَلِّ وُقُوفِ دَوَابِّ الْكِرَاءِ فَمُسْتَثْنَاةٌ. لَيْسَ لِأَحَدٍ تَوْقِيفُ دَابَّتِهِ أَوْ رَبْطُهَا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ أَوْ فِي بَابِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ الْعَامَّ مُعَدٌّ لِلْمُرُورِ وَالْعُبُورِ فَتَوْقِيفُ الْحَيَوَانِ فِيهِ إخْلَالٌ بِحَقِّ الْمُرُورِ الَّذِي هُوَ حَقٌّ لِكُلِّ أَحَدٍ وَبَاعِثٌ عَلَى الْإِضْرَارِ بِالْعَامَّةِ. فَعَلَيْهِ لَوْ وَقَفَ أَحَدٌ حَيَوَانَهُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ أَوْ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ رَبَطَهُ يَضْمَنُ جِنَايَتَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَمَا فِي الْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَادَّةِ (٩٣٢) سَوَاءٌ رَفَسَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ جَنَتْ بِسَائِرِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِتَوْقِيفِهِ حَيَوَانَهُ فِي مَكَان لَيْسَ مُعَدًّا لِذَلِكَ اُنْظُرْ إلَى الْقَاعِدَةِ الْأُولَى الْمَذْكُورَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْفَصْلِ. مُسْتَثْنًى: إلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَوْقِيفُ الْحَيَوَانِ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ لِلرَّوْثِ أَوْ لِلْبَوْلِ أَوْ بِسَبَبِ ازْدِحَامٍ أَوْ لِضَرُورَةٍ أُخْرَى لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَبُولُ وَلَا يَرُوثُ مَا لَمْ يَقِفْ فَعَلَيْهِ لَوْ وَقَفَ الْحَيَوَانُ بِنَفْسِهِ لِإِجْرَاءِ ذَلِكَ أَوْ أَوْقَفَهُ رَاكِبُهُ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا بِأَحَدٍ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ. كَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ الْحَيَوَانُ لِلِازْدِحَامِ أَوْ لِضَرُورَةٍ أُخْرَى يُنْظَرُ فَإِذَا كَانَتْ الْعَوْدَةُ وَالتَّخَلُّصُ مُمْكِنَيْنِ أَيْ: إذَا كَانَ الرُّجُوعُ إلَى الْوَرَاءِ مُمْكِنًا أَوْ كَانَ فِي الْإِمْكَانِ شِقُّ طَرِيقٍ لَهُ فِي هَذَا الِازْدِحَامِ وَالْمَسِيرِ فِيهَا لَزِمَ الضَّمَانُ وَإِلَّا فَلَا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) أَمَّا الْمَحَالُّ الْمُعَدَّةُ وَالْمُعَيَّنَةُ لِوُقُوفِ الْحَيَوَانَاتِ بِأَمْرِ وَلِيِّ الْأَمْرِ كَسُوقِ الدَّوَابِّ وَالْأَمْكِنَةِ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا دَوَابُّ الْكِرَاءِ أَوْ الْمَوَاضِعِ الْمُخْتَصَّةِ بِوُقُوفِ الْحَيَوَانَاتِ فِي بَابِ الْمَسْجِدِ فَمُسْتَثْنَاةٌ وَكَذَلِكَ الْجِبَالُ الَّتِي فِي خَارِجِ الْبَلَدِ وَالْقَفْرِ. يَعْنِي: يَجُوزُ وَقْفُ الْحَيَوَانِ فِي هَذِهِ الْمَحَالِّ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهُ رَاكِبًا أَوْ قَائِدًا أَوْ سَائِقًا. فَعَلَيْهِ لَوْ وَقَفَ أَحَدٌ حَيَوَانَهُ فِي مَحَالَّ كَهَذِهِ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا فَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ وَقْفُ الْحَيَوَانِ فِيهَا يُصْبِحُ جَائِزًا بِأَمْرِ وَلِيِّ الْأَمْرِ فَلَا يَكُونُ تَعَدِّيًا. لِذَلِكَ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ (الْخَانِيَّةُ) . اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩١) . كَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ أَحَدٌ حَيَوَانًا فِي الْمَفَازَةِ أَيْ: فِي غَيْرِ عَجَّةِ الطَّرِيقِ (أَيْ: فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ) وَأَحْدَثَ ضَرَرًا فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ. وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ إذْنٌ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ بِذَلِكَ (الْخَانِيَّةُ، عَلِيٌّ أَفَنْدِي) اُنْظُرْ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى الْمَذْكُورَةَ فِي شَرْحِ هَذَا الْفَصْلِ. أَمَّا لَوْ سَيَّرَ الْفَرَسَ فِي الْمَحَالِّ الْمُعَدَّةِ لِوَقْفِ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ آنِفًا وَأَحْدَثَ ضَرَرًا وَخَسَارَةً لَزِمَ الضَّمَانُ سَوَاءً أَكَانَ قَائِدًا أَمْ سَائِقًا؛ لِأَنَّ الَّذِي يُسَيِّرُ الْفَرَسَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ مُتَسَبِّبًا مُتَعَدِّيًا.

стр. 1411

وَالْحَاصِلُ: كَمَا أَنَّ وَقْفَ الْحَيَوَانِ فِي الْمَحَالِّ الَّتِي لَا حَقَّ لَهُ فِي الْوَقْفِ فِيهَا مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ فَالسَّيْرُ فِي الْمَحَلِّ الْمَخْصُوصِ لِوَقْفِ الْحَيَوَانِ مُسْتَلْزِمٌ لِلضَّمَانِ [ (مَادَّةُ ٩٣٥) تَرَكَ لِدَابَّتِهِ الْحَبْلَ عَلَى الْغَارِبِ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ] (مَادَّةُ ٩٣٥) - (مَنْ تَرَكَ لِدَابَّتِهِ الْحَبْلَ عَلَى الْغَارِبِ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ يَضْمَنُ الضَّرَرَ الَّذِي أَحْدَثَهُ) . لَوْ سَيَّبَ أَحَدٌ حَيَوَانَهُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ وَكَانَ مِمَّا لَمْ يَعْتَدْ تَسْيِيبُهُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ يَضْمَنُ ذَلِكَ الشَّخْصُ ضَرَرَ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ فِي كُلِّ حَالٍ كَمَا هُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَالْقَوْلُ الْمُفْتَى بِهِ هُوَ هَذَا الْقَوْلُ وَالظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمَجَلَّةِ أَنَّهَا قَبِلَتْ هَذَا الْقَوْلَ أَيْضًا. أَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْآخَرِينَ فَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَاجَةٌ إلَى التَّفْصِيلِ. فَلَوْ سَيَّبَ أَحَدٌ دَابَّتَهُ فَدَخَلَتْ فِي زَرْعِ آخَرَ وَأَحْدَثَتْ ضَرَرًا يَنْظُرُ فَإِذَا كَانَتْ قَدْ أَحْدَثَتْ الضَّرَرَ بَيْنَمَا كَانَ هُوَ يَمْشِي وَرَاءَهَا يَضْمَنُ ذَلِكَ الشَّخْصُ ضَرَرَهَا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ الْحَامِلُ لَهَا أَمَّا إذَا سَيَّبَهَا وَلَمْ يَتْبَعْهَا وَأَحْدَثَتْ ضَرَرًا مِنْ دُونِ أَنْ تُعَرِّجَ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا وَمِنْ دُونِ أَنْ تَقِفَ وَهِيَ سَائِرَةٌ فِي سَمْتٍ وَاحِدٍ كَانَ ضَامِنًا إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ طَرِيقٌ آخَرُ (فَمَا دَامَتْ فِي فَوْرِهَا فَسَائِقٌ حُكْمًا) . وَإِذَا كَانَ ثَمَّةَ طَرِيقٌ آخَرُ فَلَا يَضْمَنُ. كَذَلِكَ لَوْ سَيَّبَ أَحَدٌ دَابَّتَهُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ وَبَعْدَ أَنْ تَوَقَّفَتْ عَنْ الْمَسِيرِ مُدَّةً سَارَتْ وَحْدَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَأَحْدَثَتْ ضَرَرًا لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ انْقَطَعَ السَّوْقُ (الْخَانِيَّةُ، التَّنْوِيرُ وَشَرْحُهُ لِلْعَلَّالِيِّ) . كَذَا لَوْ أَلْقَى أَحَدٌ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ هَامَّةً مِنْ الْهَوَامِّ الْمُؤْذِيَةِ كَالثُّعْبَانِ فَأَضَرَّ بِأَحَدٍ فَإِذَا أَضَرَّتْ بِهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أُلْقِيَتْ فِيهِ يَضْمَنُ ذَلِكَ الشَّخْصُ وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ رَجُلٌ كَلْبًا فَأَصَابَ فِي فَوْرِهِ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ أَوْ مَزَّقَ ثِيَابَهُ ضَمِنَ الْمُرْسِلُ (الْهِنْدِيَّةُ، الْخَانِيَّةُ) . أَمَّا لَوْ أَحْدَثَ الضَّرَرَ بَعْدَ مُزَايَلَتِهِ الْمَكَانَ الَّذِي أَلْقَى فِيهِ فَلَا يَضْمَنُ ذَلِكَ الشَّخْصُ هَذَا الضَّرَرَ. كَذَلِكَ لَوْ وَضَعَ أَحَدٌ جَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ وَاحْتَرَقَ بِهَا شَيْءٌ فَإِذَا احْتَرَقَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَضَعَهَا فِيهِ يَضْمَنُ أَمَّا لَوْ نَقَلَ الرِّيحُ تِلْكَ الْجَمْرَةَ إلَى مَكَان آخَرَ وَاحْتَرَقَ بِهَا شَيْءٌ فَلَا يَضْمَنُ (الْخَانِيَّةُ) . [ (مَادَّةُ ٩٣٦) دَاسَتْ دَابَّةٌ مَرْكُوبَةٌ لِأَحَدٍ عَلَى شَيْءٍ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَحَلٍّ آخَرَ وَأَتْلَفَهُ] (مَادَّةُ ٩٣٦) لَوْ دَاسَتْ دَابَّةٌ مَرْكُوبَةٌ لِأَحَدٍ عَلَى شَيْءٍ بِرِجْلَيْهَا الْأَمَامِيَّتَيْنِ أَوْ رِجْلَيْهَا الْخَلْفِيَّتَيْنِ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَحَلٍّ آخَرَ وَأَتْلَفَهُ يُعَدُّ الرَّاكِبُ قَدْ أَتْلَفَ ذَلِكَ الشَّيْءَ مُبَاشَرَةً فَيَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَرْكُوبَةً أَوْ مَسُوقَةً أَوْ مُقَادَةً وَسَوَاءٌ أَكَانَ فِي مِلْكِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَادَّةِ (٩٣) أَوْ كَانَ فِي مِلْكِ آخَرَ وَقَدْ دَخَلَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ بِمُوجَبِ الْمَادَّةِ (٩٣١) أَوْ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ عَلَى وَجْهِ مَادَّتَيْ (٩٣٢ و ٩٣٣) . وَيَجْرِي الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي السَّائِقِ وَالْقَائِدِ أَيْضًا مَثَلًا: لَوْ دَاسَ الْحَيَوَانُ شَيْئًا بِإِحْدَى رِجْلَيْهِ الْأَمَامِيَّتَيْنِ أَوْ بِإِحْدَى رِجْلَيْهِ الْخَلْفِيَّتَيْنِ أَوْ عَضَّهُ فَتَلِفَ ضَمِنَ ذَلِكَ الشَّخْصُ هَذَا الضَّرَرَ (الْبَهْجَةُ) . لِأَنَّ

стр. 1412

الْمُبَاشِرَ ضَامِنٌ وَلَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لَمَّا كَانَ هَذَا التَّلَفُ قَدْ نَشَأَ مُبَاشَرَةً فَلَوْ كَانَ الْمُتْلِفُ إنْسَانًا وَكَانَ الرَّاكِبُ وَارِثًا لَهُ حُرِمَ الْوَارِثُ مِنْ الْإِرْثِ. إذَا اجْتَمَعَ الرَّاكِبُ وَالسَّائِقُ يَعْنِي: لَوْ كَانَ أَحَدٌ رَاكِبًا عَلَى حَيَوَانٍ وَآخَرُ سَائِقًا لَهُ وَوَطِئَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ شَيْئًا فَالضَّمَانُ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ يَلْزَمُ الرَّاكِبَ الْمُبَاشِرَ وَلَيْسَ السَّائِقَ الْمُتَسَبِّبَ وَعِنْدَ آخَرِينَ يَضْمَنُ الرَّاكِبُ وَالسَّائِقُ كِلَاهُمَا بِالِاشْتِرَاكِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . [ (مَادَّةُ ٩٣٧) كَانَتْ الدَّابَّةُ جُمُوحًا وَلَمْ يَقْدِرْ الرَّاكِبُ عَلَى ضَبْطِهَا وَأَضَرَّتْ] (مَادَّةُ ٩٣٧) لَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ جُمُوحًا وَلَمْ يَقْدِرْ الرَّاكِبُ عَلَى ضَبْطِهَا وَأَضَرَّتْ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ جُمُوحًا وَلَمْ يَقْدِرْ الرَّاكِبُ عَلَى ضَبْطِهَا وَإِمْسَاكِهَا وَمَنْعِهَا عَنْ الضَّرَرِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. وَلَوْ كَانَ الرَّاكِبُ سَكْرَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضَافُ فِي هَذِهِ الْحَالِ سَيْرُ الْحَيَوَانِ إلَى رَاكِبِهِ فَلِذَلِكَ لَا تُمْكِنُ نِسْبَةُ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ لِصَاحِبِهِ لَكِنْ إذَا اخْتَلَفَ فِي هَذَا الْخُصُوصِ، يَعْنِي: لَوْ ادَّعَى الرَّاكِبُ أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِ الْحَيَوَانِ وَادَّعَى الْمُتَضَرِّرُ قُدْرَةَ الرَّاكِبِ عَلَى ذَلِكَ وَاخْتَلَفَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَالْقَوْلُ لِلْخَصْمِ يَعْنِي: لِلْمُتَضَرِّرِ أَمَّا الْبَيِّنَةُ فَعَلَى الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إنْكَارِ أَصْلِ الضَّمَانِ فِي أَثْنَاءِ الدَّعْوَى بَعْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِ الضَّمَانِ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) . [ (مَادَّةُ ٩٣٨) أَتْلَفَتْ الدَّابَّةُ الَّتِي قَدْ رَبَطَهَا صَاحِبُهَا فِي مِلْكِهِ دَابَّةَ غَيْرِهِ] (مَادَّةُ ٩٣٨) - (لَوْ أَتْلَفَتْ الدَّابَّةُ الَّتِي قَدْ رَبَطَهَا صَاحِبُهَا فِي مِلْكِهِ دَابَّةَ غَيْرِهِ الَّتِي أَتَى بِهَا صَاحِبُهَا وَرَبَطَهَا فِي مِلْكِ ذَلِكَ الشَّخْصِ بِلَا إذْنِهِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَإِذَا أَتْلَفَتْ تِلْكَ الدَّابَّةُ دَابَّةَ صَاحِبِ الْمِلْكِ يَضْمَنُ صَاحِبُهَا) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمِلْكِ لَيْسَ مُبَاشِرًا لِهَذَا التَّلَفِ فَلَيْسَ بِمُتَسَبِّبٍ مُتَعَدٍّ لِكَوْنِهِ قَدْ رَبَطَ دَابَّتَهُ فِي مِلْكِهِ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩٣٩) . أَمَّا إذَا تَلِفَتْ الدَّابَّةُ الَّتِي رَبَطَهَا الْآخَرُ بِدُونِ إذْنِ دَابَّةِ صَاحِبِ الْمِلْكِ فَيَضْمَنُ صَاحِبُهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ اُنْظُرْ إلَى الْقَاعِدَةِ الْأُولَى الْمَذْكُورَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْفَصْلِ كَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ سَفِينَةٌ عَلَى الشَّاطِئِ وَمَرْبُوطَةٌ بِهِ فَجَاءَتْ سَفِينَةٌ لِآخَرَ فَاصْطَدَمَتْ بِهَا فَانْكَسَرَتْ إحْدَاهُمَا فَإِذَا انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ الْأُولَى ضَمِنَ صَاحِبُ الثَّانِيَةِ أَمَّا إذَا انْكَسَرَتْ الثَّانِيَةُ فَلَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الْأُولَى (جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ) . [ (مَادَّةُ ٩٣٩) رَبَطَ شَخْصَانِ دَابَّتَيْهِمَا فَأَتْلَفَتْ إحْدَى الدَّابَّتَيْنِ الْأُخْرَى] (مَادَّةُ ٩٣٩) إذَا رَبَطَ شَخْصَانِ دَابَّتَيْهِمَا فِي مَحَلٍّ لَهُمَا حَقُّ الرَّبْطِ فِيهِ فَأَتْلَفَتْ إحْدَى الدَّابَّتَيْنِ الْأُخْرَى فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ مَثَلًا: لَوْ أَتْلَفَتْ دَابَّةُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَارٍ دَابَّةِ الْآخَرِ عِنْدَمَا رَبَطَاهُمَا فِي تِلْكَ الدَّارِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْهَالِكَةُ مِنْهُمَا هِيَ الْمَرْبُوطَةُ أَوَّلًا أَمْ الْمَرْبُوطَةُ ثَانِيًا. إذَا لَمْ يَنْقُلْهَا مِنْ مَكَان إلَى مَكَان آخَرَ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الْغَصْبِ) .

стр. 1413

مَثَلًا: لَوْ أَتْلَفَتْ دَابَّةُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَارٍ دَابَّةَ الْآخَرِ عِنْدَمَا رَبَطَاهُمَا فِي مَكَان مِنْ تِلْكَ الدَّارِ لَا يَلْزَمُ ضَمَانُ الدَّابَّةِ الْمُتْلَفَةِ صَاحِبَ الدَّابَّةِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا مُتَسَبِّبَيْنِ فَلَيْسَا بِمُتَعَدِّيَيْنِ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٠٦٩) [ (مَادَّة ٩٤٠) ربطا دَابَّتَيْهِمَا فِي مَحِلّ لَيْسَ لَهُمَا فِيهِ حَقّ وَأَتْلَفَتْ دَابَّة الرَّابِط أَوَّلًا دَابَّة الرَّابِط مُؤَخَّرًا] (مَادَّةُ ٩٤٠) لَوْ رَبَطَ اثْنَانِ دَابَّتَيْهِمَا فِي مَحَلٍّ لَيْسَ لَهُمَا فِيهِ حَقُّ رِبَاطِ حَيَوَانٍ وَأَتْلَفَتْ دَابَّةُ الرَّابِطِ أَوَّلًا دَابَّةَ الرَّابِطِ مُؤَخَّرًا لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ يَلْزَمُ الضَّمَانُ كَمَا لَوْ رَبَطَاهُمَا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ أَوْ فِي مِلْكِ أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّ الرَّابِطَ أَوَّلًا فَكَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مُتَسَبِّبًا فَلَيْسَ بِمُبَاشِرٍ أَيْضًا وَلَمَّا كَانَ الرَّابِطُ الثَّانِي قَدْ أَتْلَفَ مَالَهُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ هَدَرٌ. وَقَدْ ذُكِرَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي شَرْجِ الْمَادَّةِ (٩٣٢) وَإِذَا أَتْلَفَ حَيَوَانُ الرَّابِطِ ثَانِيًا حَيَوَانَ الرَّابِطِ أَوَّلًا لَزِمَ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الرَّابِطَ ثَانِيًا مُتَسَبِّبٌ مُتَعَدٍّ (عَلِيٌّ أَفَنْدِي وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) .

стр. 1414

[خَاتِمَةٌ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ] الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: لَوْ ذَبَحَ أَحَدٌ حَيَوَانًا لِآخَرَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ كَشَاةٍ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ كَانَ مَالِكُهُ مُخَيَّرًا إنْ شَاءَ تَرَكَ الْمَذْبُوحَ أَوْ الْمَقْطُوعَ لِلذَّابِحِ وَالْقَاطِعِ وَضَمَّنَهُ تَمَامَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ إتْلَافًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ؛ إذْ يُفَوِّتُ حِينَئِذٍ الْحَيَوَانَ وَنَسْلَهُ. وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَذْبُوحَ أَوْ الْمَقْطُوعَ وَضَمِنَ نُقْصَانَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ بَاقٍ وَمَوْجُودٌ عَلَى وَجْهٍ؛ إذْ إنَّ لَحْمَ الْحَيَوَانِ يُؤْكَلُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . أَمَّا لَوْ ذَبَحَ حَيَوَانًا غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ كَالْحِمَارِ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ فَالْمَالِكُ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ تَرَكَ الْمَذْبُوحَ لِلذَّابِحِ وَضَمَّنَهُ كُلَّ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ يَدِ وَرِجْلِ الْعَوَامِلِ اسْتِهْلَاكٌ. وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَذْبُوحَ وَالْمَقْطُوعَ وَلَا يَطْلُبُ شَيْئًا وَالْفَتْوَى عَلَى هَذَا لَكِنْ عِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ الْمَالِكُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ تَرَكَهُ لِلذَّابِحِ وَضَمَّنَهُ كُلَّ قِيمَتِهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَقْطُوعَ وَالْمَذْبُوحَ وَضَمِنَ نُقْصَانَ قِيمَتِهِ (التَّنْوِيرُ، الدُّرُّ الْمُخْتَارُ، الطَّحْطَاوِيُّ، جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ، الْخَانِيَّةُ) . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَوْ عَوَّرَ أَحَدٌ عَيْنَ الْحَيَوَانِ كَالدَّجَاجَةِ وَالْحَمَامَةِ وَالشَّاةِ ضَمِنَ نُقْصَانَ الْقِيمَةِ النَّاشِئَ عَنْ تَعْوِيرِهِ عَيْنَهُ وَضَعْفِهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى هَذَا السَّبَبِ الْعَارِضِ وَلَوْ كَانَتْ شَاةً مُعَدَّةً لِلذَّبْحِ كَالشَّاةِ الْعَائِدَةِ لِلْقَصَّابِ. وَيُعَيَّنُ نُقْصَانُ الْقِيمَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي: يُقَوَّمُ الْحَيَوَانُ تَارَةً عَلَى أَنَّهُ سَالِمُ الْعَيْنَيْنِ وَأُخْرَى عَلَى أَنَّهُ أَعْوَرُ وَمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ تَفَاوُتٍ يَضْمَنُهُ الْفَاعِلُ. أَمَّا إذَا أَعْمَاهُ فَصَاحِبُهُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَبْقَى الْحَيَوَانَ فِي يَدِهِ وَضَمَّنَهُ نُقْصَانَ قِيمَتِهِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ الْحَيَوَانَ لِلْجَانِي وَأَخَذَ كُلَّ قِيمَتِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَتَعْوِيرُ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ لِلْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي حَمْلِ الْأَثْقَالِ وَحَرْثِ الْأَرْضِينَ كَالْحِمَارِ، وَالْبَغْلِ، وَالثَّوْرِ، وَالْجَمَلِ يَسْتَلْزِمُ ضَمَانَ رُبْعِ قِيمَتِهَا. وَلَوْ كَانَ هَذَا الثَّوْرُ وَغَيْرُهُ مَالَ جَلْبٍ مُعَدًّا لِلذَّبْحِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الْخَانِيَّةُ الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) . مَثَلًا: لَوْ ضَرَبَ أَحَدٌ ثَوْرًا لِآخَرَ بِالْعَصَا فَعَوَّرَتْ إحْدَى عَيْنَيْهِ ضَمِنَ رُبْعَ قِيمَتِهِ (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) . أَمَّا لَوْ أَعْمَى أَحَدٌ حِمَارًا لِآخَرَ أَوْ جَحْشَهُ أَوْ ثَوْرَهُ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ (وَالْبَقَرَةُ إنْ كَانَ يَعْمَلُ بِهَا فَكَذَلِكَ) يُسَلَّمُ ذَلِكَ الشَّخْصُ جُثَّةَ الْحِمَارِ مَثَلًا وَيَضْمَنُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ وَإِلَّا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَيَوَانَ وَيُضَمِّنَهُ نُقْصَانَ قِيمَتِهِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي الْخَانِيَّةُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَاتَ مُعْظَمُ مَنَافِعِهِ يُعَدُّ كَأَنَّهُ قَدْ تَلِفَ بِالْكُلِّيَّةِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لَوْ ضَرَبَ أَحَدٌ ثَوْرَ الْآخَرِ فَكَسَرَ أَضْلَاعَهُ ضَمَّنَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ نُقْصَانَ قِيمَتِهِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: لَوْ قَطَعَ أَحَدٌ لِسَانَ ثَوْرٍ أَوْ حِمَارٍ لِآخَرَ ضَمِنَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ نُقْصَانَ قِيمَتِهِ فَقَطْ وَعِنْدَ الْبَعْضِ الْآخَرِ جَمِيعَ قِيمَتِهِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .

стр. 1415

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: لَوْ قَطَعَ أَحَدٌ أُذُنَ حَيَوَانٍ لِآخَرَ كُلَّهَا أَوْ قَطَعَ ذَنَبَهُ ضَمِنَ نُقْصَانَ قِيمَتِهِ مَثَلًا: لَوْ دَخَلَ حِمَارُ أَحَدٍ فِي زَرْعِ الْآخَرِ فَأَمْسَكَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْحِمَارَ وَقَطَعَ أُذُنَهُ مِنْ أَصْلِهَا ضَمِنَ نُقْصَانَ قِيمَةِ الْحِمَارِ (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) . وَيُعَيَّنُ نُقْصَانُ الْقِيمَةِ هُنَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأُصُولِ الَّتِي اُتُّبِعَتْ فِي نُقْصَانِ الْقِيمَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ. إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْحِمَارُ مُخْتَصًّا بِرُكُوبِ الْقَاضِي لَزِمَ الشَّخْصَ الَّذِي قَطَعَ ذَيْلَهُ ضَمَانُ جَمِيعِ قِيمَتِهِ (وَاقِعَاتُ الْمُفْتِينَ) . تَمَّ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَرِيمِ

стр. 1416

[الْكِتَابُ التَّاسِعُ الْحَجْرُ وَالْإِكْرَاهُ وَالشُّفْعَةُ] [ الْمُقَدَّمَةُ فِي الِاصْطِلَاحَاتِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَجْرِ وَالْإِذْنِ وَالْإِكْرَاهِ وَالشُّفْعَةِ] الْحَجْرُ وَالْإِكْرَاهُ وَالشُّفْعَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْحَكِيمِ، الْغَفُورِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَاحِبِ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ضِيَاءِ الْمِلَّةِ وَسِرَاجِ الدِّينِ الْقَوِيمِ. الْكِتَابُ التَّاسِعُ فِي الْحَجْرِ وَالْإِذْنِ وَالْإِكْرَاهِ وَالشُّفْعَةِ. وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدَّمَةٍ وَثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ، وَقَدْ جُمِعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ التَّاسِعِ مِنْ الْمَجَلَّةِ بَعْضُ الْمَسَائِلِ الْوَارِدَةِ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ تَحْتَ عِنْوَانِ كِتَابِ الْإِكْرَاهِ، وَكِتَابِ الْحَجْرِ، وَكِتَابِ الشُّفْعَةِ، وَحَيْثُ إنَّهُ قَدْ بُحِثَ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْإِذْنِ كَانَ مِنْ الْمُنَاسِبِ أَنْ يَدْخُلَ فِي عِنْوَانِ هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا. الْمُقَدَّمَةُ فِي الِاصْطِلَاحَاتِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَجْرِ وَالْإِذْنِ وَالْإِكْرَاهِ وَالشُّفْعَةِ (الْمَادَّةُ ٩٤١) - (الْحَجْرُ هُوَ مَنْعُ شَخْصٍ مِنْ تَصَرُّفِهِ الْقَوْلِيِّ وَيُقَالُ لِذَلِكَ الشَّخْصِ بَعْدَ الْحَجْرِ مَحْجُورٌ) الْحَجْرُ - بِسُكُونِ الْجِيمِ وَتَثْلِيثِ الْحَاءِ مَصْدَرٌ مِنْ الْبَابِ الْأَوَّلِ وَمَعْنَاهُ لُغَةً الْمَنْعُ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ الْعَقْلِ أَمْ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِهِ، وَإِطْلَاقُ الْحَجْرِ عَلَى الْعَقْلِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ يَحْجُرُ الْإِنْسَانَ عَنْ ارْتِكَابِ الْقَبَائِحِ. وَقَدْ فُسِّرَتْ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَ ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] بِذِي عَقْلٍ (الزَّيْلَعِيّ) . قَوْلُنَا فُلَانٌ فِي حِجْرِ فُلَانٍ أَيْ: فِي كَنَفِهِ وَحِمَايَتِهِ (مِسْكِينٌ، أَبُو السُّعُودِ) وَمَعْنَاهُ شَرْعًا مَنْعُ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ أَيْ: مَنْعُ أَحَدِ الْأَشْخَاصِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْمَوَادِّ (٩٥٧، ٩٥٨، ٩٥٩) وَهُمْ الصَّغِيرُ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْمَعْتُوهُ، وَالسَّفِيهُ، وَالْمَدِينُ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ الْقَوْلِيِّ أَيْ: مِنْ تَصَرُّفِهِمْ الْقَوْلِيِّ فِي أَمْثَالِ الْبَيْعِ، وَالْإِيجَارِ، وَالْحَوَالَةِ، الْكَفَالَةِ، الْإِيدَاعِ وَالِاسْتِيدَاعِ، الرَّهْنِ، الْهِبَةِ وَالْإِقْرَارِ وَمَا إلَيْهَا أَوْ مِنْ نَفَاذِ التَّصَرُّفِ الْمَذْكُورِ وَيُقَالُ لِذَلِكَ الشَّخْصِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ مَحْجُورٌ. إيضَاحُ الْقُيُودِ: ١ - شَخْصٌ مَخْصُوصٌ: يَخْرُجُ بِهَذَا التَّعْبِيرِ مِنْ التَّعْرِيفِ مَنْعُ الْحَاكِمِ نَفَاذَ إقْرَارِ الْمُكْرَهِ. ؛ إذْ لَا يُقَالُ لِهَذَا حَجْرٌ (الْقُهُسْتَانِيُّ) . ٢ - مِنْ تَصَرُّفِهِ الْقَوْلِيِّ: لَيْسَ مَعْنَاهُ مَنْعُ صُدُورِ التَّصَرُّفِ الْمَذْكُورِ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ

стр. 1417

ذَلِكَ لَيْسَ مُمْكِنًا؛ إذْ قَدْ يُقْدِمُ الْمَحْجُورُ أَحْيَانًا كَثِيرَةً عَلَى التَّصَرُّفِ بِالْقَوْلِ بِالرَّغْمِ مِنْ الْمَنْعِ وَإِنَّمَا هُوَ مَنْعُ حُكْمِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ مِنْ الثُّبُوتِ أَوْ مَنْعُ نَفَاذِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ أَيْ أَنَّهُ إذَا تَصَرَّفَ فَلَا حُكْمَ لِتَصَرُّفِهِ. ٣ - الْمَنْعُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ ضِدُّ الْإِعْطَاءِ. الْمَنْعُ مِنْ التَّصَرُّفِ الْقَوْلِيِّ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الْمَنْعُ مِنْ نَفْسِ التَّصَرُّفِ الْقَوْلِيِّ وَأَصْلُهُ، وَقَدْ وَضَحَ مَنْعُ النَّفْسِ آنِفًا وَهُوَ كَمَنْعِ الصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونِ مِنْ التَّصَرُّفِ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْحَجْرِ أَقْوَى أَنْوَاعِهِ. مَثَلًا: قَدْ جَاءَ فِي الْمَادَّتَيْنِ ٩٦٦ و ٩٧٩ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ الْقَوْلِيَّةَ بَاطِلَةٌ وَلَا تَجُوزُ وَلَوْ كَانَتْ نَافِعَةً لَهُمَا وَأَجَازَهَا وَلِيَّاهُمَا كَمَا لَوْ وَهَبَ الصَّغِيرُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ مَالَهُ لِآخَرَ أَيْ: لَوْ كَانَ تَصَرُّفُهُ ضَرَرًا مَحْضًا لَهُ يُمْنَعُ مِنْ إجْرَائِهِ وَلَا يَجُوزُ هَذَا التَّصَرُّفُ أَيْضًا وَلَوْ لَحِقَتْهُ الْإِجَازَةُ. النَّوْعُ الثَّانِي: الْمَنْعُ مِنْ لُزُومِ التَّصَرُّفِ الْقَوْلِيِّ وَنَفَاذِهِ وَذَلِكَ كَبَيْعِ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ الْمَحْجُورِ مَالًا مِنْ آخَرَ. وَهَذَا النَّوْعُ يُدْعَى بِالْحَجْرِ الْمُتَوَسِّطِ (الْقُهُسْتَانِيُّ) وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ (٩٦٧) أَنَّهُ إذَا بَاعَ الصَّغِيرُ الْمُمَيِّزُ وَالْمَعْتُوهُ وَالسَّفِيهُ الْمَحْجُورُ مَالًا مِنْ آخَرَ يَمْتَنِعُ لُزُومُهُ وَنَفَاذُهُ بِالرَّغْمِ مِنْ وُجُودِهِ بِالْفِعْلِ وَمَتَى اطَّلَعَ وَلِيُّهُ عَلَى ذَلِكَ إنْ شَاءَ أَجَازَهُ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ أَيْ: أَنَّ تَصَرُّفَ هَؤُلَاءِ قَابِلٌ لِلْإِجَازَةِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: هُوَ مَنْعُ وَصْفِ التَّصَرُّفِ مِنْ وَصْفِهِ أَيْ: مَنْعُ تَحَقُّقِ نَفَاذِهِ فِي الْحَالِ، وَالنَّفَاذُ وَصْفٌ وَصَيْرُورَتُهُ فِي الْحَالِ وَصْفٌ لِلْوَصْفِ، كَمَنْعِ نَفَاذِ إقْرَارِ الْمَحْجُورِ بِالدَّيْنِ فِي الْحَالِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٠٠٢) وَيُقَالُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْحَجْرِ الضَّعِيفُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي أَوَّلِ الْحَجْرِ بِتَغْيِيرٍ) . وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٠٠٢) أَنَّ إقْرَارَ الْمَحْجُورِ بِالدَّيْنِ بِدَيْنِ آخَرَ يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ الْأَمْوَالِ الْمَوْجُودَةِ وَقْتَ الْحَجْرِ أَيْ: لَا يَنْفُذُ فِي الْحَالِ وَلَكِنْ بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ وَيَكُونُ مَدِينًا وَمُكَلَّفًا بِأَدَاءِ مَا أَقَرَّ بِهِ وَيُسْتَفَادُ مِنْ اخْتِصَاصِ الْمَنْعِ بِالتَّصَرُّفِ الْقَوْلِيِّ، أَنَّ الْحَجْرَ لَا يَجْرِي فِي التَّصَرُّفِ الْفِعْلِيِّ وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْمَادَّةِ (٩٦٠) ، صَرِيحًا. وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَتْلَفَ مَجْنُونٌ مَالَ أَحَدٍ فَلَا تَأْثِيرَ لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُ الضَّمَانُ مِنْ مَالِهِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَصْدِ الصَّحِيحِ كَذَلِكَ لَوْ مَزَّقَ مَجْنُونٌ ثَوْبَ أَحَدٍ لَزِمَ الضَّمَانُ مِنْ مَالِهِ (الطَّحْطَاوِيُّ) . كَذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَ الطِّفْلُ مَالَ آخَرَ كَمَا لَوْ انْقَلَبَ عَلَى قَارُورَةٍ لِأَحَدٍ مَثَلًا وَتَلِفَتْ لَزِمَ الضَّمَانُ مِنْ مَالِهِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) . كَذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَ الْمَحْجُورُ بِالدَّيْنِ مَالَ آخَرَ قَبْلَ أَدَاءِ الدَّيْنِ فَيَكُونُ صَاحِبُ الْمَالِ كَسَائِرِ الْغُرَمَاءِ وَيُشَارِكُهُمْ فِي التَّرِكَةِ بِلَا خِلَافٍ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ) . كَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ السَّفِيهَ الْمَحْجُورَ أَتْلَفَ مَالًا لَزِمَ الضَّمَانُ فِي الْحَالِ. وَالْحَجْرُ يَجْرِي فِي الْأَقْوَالِ وَلَا يَجْرِي فِي الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلتَّصَرُّفِ الْقَوْلِيِّ أَثَرٌ فِي الْخَارِجِ بَلْ هُوَ أَمْرٌ اُعْتُبِرَ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ؛ إذْ إنَّهُ يَنْشَأُ بِالْأَقْوَالِ مَعَ أَنَّ أَثَرَ الطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ لَا يُرَى وَلَا يُشَاهَدُ فِي مَحَالِّهَا بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ، وَالْأَحْكَامُ الَّتِي تَتَرَتَّبُ وَهِيَ الْحُرْمَةُ فِي الطَّلَاقِ، وَالْمَلَكِيَّةُ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةُ أَمْرٌ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ وَكَذَلِكَ الشَّهَادَاتُ الَّتِي هِيَ إخْبَارَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى الْمَخْبَرِ عَنْهُ تُعْرَفُ أَيْضًا بِالشَّرْعِ لِكَوْنِهَا فِي نَفْسِهَا مُحْتَمِلَةً الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ؛ إذْ إنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ لَا تَدُلَّ الْإِخْبَارَاتُ وَالْإِنْشَاءَاتُ عَلَى مُقْتَضَيَاتِهَا (الْكِفَايَةُ) .

стр. 1418

مَثَلًا جُمْلَةُ بِعْتُكَ هَذَا الْمَالَ هِيَ قَوْلٌ وَأَثَرُهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ وَغَيْرُ مَرْئِيٍّ فِي الْخَارِجِ فَمِنْ الْجَائِزِ اعْتِبَارُ عَدَمِهِ وَعَدُّ مَدْلُولَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ بِلَا حُكْمٍ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ إنْكَارٌ لِلْحَقَائِقِ أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الْفِعْلِيَّةُ الَّتِي تَصْدُرُ مِنْ الْجَوَارِحِ فَبِمَا أَنَّ أَثَرَهَا مَوْجُودٌ فَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ عَدَمِهَا مَثَلًا أَوْ قَتَلَ صَبِيٌّ شَخْصًا آخَرَ أَوْ أَتْلَفَ مَالَهُ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ مُنْعَدِمًا وَرَفْعُ وُجُودِهِ الْخَارِجِيِّ وَعَدُّ الْمَالِ الَّذِي أَتْلَفَ غَيْرَ مُتْلَفٍ وَتَخْلِيصُ الصَّبِيِّ مِنْ الضَّمَانِ. وَعَلَيْهِ فَاعْتِبَارُهُ مُنْعَدِمًا إنَّمَا هُوَ سَفْسَطَةٌ أَيْ: أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ دُخُولًا فِي اعْتِقَادَاتِ السُّوفُسْطَائيين الْبَاطِلَةِ (الدُّرَرُ فِي الْحَجْرِ) والسُّوفُسطائِيَة بِفَتْحِ السِّينِ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ تُنْكِرُ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ وَتَدَّعِي أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يُدْعَى بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ إنَّمَا هُوَ أَوْهَامٌ وَخَيَالَاتٌ (أَبُو السُّعُودِ الْمِصْرِيُّ، الْعِنَايَةُ) . أَسْبَابُ الْحَجْرِ: إنَّ بَعْضَ أَسْبَابِ الْحَجْرِ الصِّغَرُ، وَالْعَتَهُ، وَالْجُنُونُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَدْ خَلَقَ الْبَشَرَ وَشَرَّفَهُمْ عَلَى جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالْعَقْلِ وَمَيَّزَهُمْ عَنْ الْبَهَائِمِ فَالسَّعِيدُ مِنْهُمْ سَعِيدٌ بِعَقْلِهِ. وَالْخَالِقُ الْحَكِيمُ قَدْ أَوْدَعَ الْإِنْسَانَ الْعَقْلَ وَالْهَوَى أَمَّا الْبَهَائِمُ فَلَمْ يَخْلُقْ فِيهِمْ غَيْرَ الْهَوَى. فَمَنْ هَوَاهُ عَقْلُهُ مِنْ بَنِي الْإِنْسَانِ فَهُوَ أَرْدَأُ مِنْ الْبَهَائِمِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٤٤] أَمَّا مَنْ غَلَبَ عَقْلُهُ هَوَاهُ فَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَعَلَيْهِ فَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْمُخَالَفَةِ لِهَوَاهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلشَّدَائِدِ، وَالْخَالِقُ جَلَّ شَأْنُهُ قَدْ خَلَقَ مِنْ الْبَشَرِ كَثِيرًا مِنْ ذَوِي النُّهَى وَجَعَلَ بَعْضَهُمْ أَعْلَامَ الدِّينِ وَأَئِمَّةَ الْهُدَى وَمَصَابِيحَ الدُّجَى كَمَا خَلَقَ بَعْضَهُمْ وَابْتَلَاهُ بِأَسْبَابٍ تَسْتَلْزِمُ نُقْصَانَ الْعَقْلِ كَالْجُنُونِ وَفُقْدَانِ الْعَقْلِ بِأَسْبَابٍ أُخْرَى كَالصِّغَرِ وَالْعَتَهِ وَقَدْ جَعَلَ تَصَرُّفَاتِهِمْ بِالْحَجْرِ غَيْرَ نَافِذَةٍ لِيَصُونَ مَالَهُمْ مِنْ طَمَعِ الطَّامِعِينَ وَحِيَلِ الْمُحْتَالِينَ وَأَوْجَبَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ عَلَى الْوَلِيِّ الْخَاصِّ كَالْأَبِ وَالْوَلِيِّ الْعَامِّ كَالْقَاضِي كُلُّ ذَلِكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلُطْفِهِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الطَّحْطَاوِيُّ) كَمَا أَنَّهُ قَدْ اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّ الصِّغَرَ وَالْجُنُونَ وَالْعَتَهَ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْمُفْتِيَ الْمَاجِنَ وَالطَّبِيبَ الْجَاهِلَ وَالْمَكَّارَ وَالْمُفْلِسَ مَلْحُوقُونَ بِهِمْ أَيْ: أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى هَؤُلَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا (الشُّرُنْبُلَالِيُّ) وَقَدْ أَوْضَحَ فِي الْمَادَّةِ (٨٧٦) أَنَّ مَرَضَ الْمَوْتِ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ أَمَّا السَّفَهُ وَالدِّينُ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ فَهُمَا عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ مِنْ أَسْبَابِهِ، اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٩٥٩) وَلَيْسَ الْفِسْقُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ. ٤ - الْمَحْجُورُ، اسْمُ مَفْعُولٍ مَأْخُوذٌ مِنْ مَصْدَرِ الْحَجْرِ وَمَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يُذْكَرَ مَعَ الصِّلَةِ بِأَنْ تَقُولَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ كَمَا يَلْزَمُ ذِكْرُ الْمَأْذُونِ مَعَهَا أَيْضًا فَتَقُولَ الْمَأْذُونُ لَهُ فَقَدْ حَذَفَ الْفُقَهَاءُ الصِّلَةَ فِي كِلْتَا الْكَلِمَتَيْنِ تَخْفِيفًا وَلِأَنَّ الْمَعْنَى يُفْهَمُ بِدُونِهَا فَقَالُوا (مَحْجُورٌ، وَمَأْذُونٌ) . وَقَدْ جَرَتْ الْمَجَلَّةُ هَذَا الْمَجْرَى (رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي أَوَّلِ الْمَأْذُونِ، الطَّحْطَاوِيُّ، عَبْدُ الْحَلِيمِ) . مَحَاسِنُ الْحَجْرِ: الْحَجْرُ عِبَارَةٌ عَنْ النَّظَرِ وَالشَّفَقَةِ أَيْ: أَنَّ فِي الْحَجْرِ إشْفَاقًا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ وَهُوَ أَحَدُ قُطْبَيْ أَمْرِ الدِّيَانَةِ، أَمَّا الثَّانِي فَهُوَ تَعْظِيمُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى (الْعِنَايَةُ) وَهَذَانِ - النَّظَرُ وَالْإِشْفَاقُ - إمَّا أَنْ يَعُودَا

стр. 1419

إلَى الْمَحْجُورِ كَمَا فِي الْحَجْرِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَإِمَّا أَنْ يَعُودَا إلَى غَيْرِ الْمَحْجُورِ كَمَا فِي الْحَجْرِ عَلَى الْمَدِينِ، وَالْمُفْتِي الْمَاجِنِ وَالْمُكَارِي وَالْمُفْلِسِ، وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ، وَالْمَرِيضِ عِنْدَ تَصَرُّفِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ (الطَّحْطَاوِيُّ بِإِيضَاحٍ) سُؤَالٌ (١) : بِمَا أَنَّ الْحَجْرَ يَنْحَصِرُ فِي قَوْلِهِ (شَخْصٌ مَخْصُوصٌ) فِي الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ وَرَدَ ذِكْرُهُمْ فِي الْمَوَادِّ (٩٥٧ و ٩٥٨ و ٩٥٩) وَبَقِيَ الْحَجْرُ عَلَى الطَّبِيبِ الْجَاهِلِ الْوَارِدِ فِي الْمَادَّةِ (٩٦٤) خَارِجًا عَنْ هَذَا التَّعْرِيفِ فَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ لِإِفْرَادِهِ؟ جَوَابُهُ: إنَّ الْحَجْرَ الْوَارِدَ فِي الْمَادَّةِ الْمَذْكُورَةِ (٩٦٤) لَا يَمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ الْقَوْلِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ مَنْعٌ حِسِّيٌّ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ الطَّبِيبُ الْمَحْجُورُ مِنْ مُزَاوَلَةِ صَنْعَتِهِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ بُطْلَانُ تَصَرُّفَاتِهِ الْقَوْلِيَّةِ. لِذَلِكَ قَدْ قِيلَ فِي الدُّرُّ الْمُنْتَقَى (ثُمَّ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَنْعٌ لَا حَجْرٌ) سُؤَالٌ (٢) - وَيُوجَدُ الْحَجْرُ بِمَعْنَى مَنْعِ ثُبُوتِ حُكْمِ التَّصَرُّفِ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ أَيْضًا كَالزِّنَا وَالْقَتْلِ فَعَلَيْهِ لَوْ زَنَى الصَّبِيُّ أَوْ قَتَلَ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ وَلِهَذَا؛ فَلَيْسَ مِنْ فَائِدَةٍ فِي تَقْيِيدِ التَّصَرُّفِ بِالْقَوْلِيِّ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحَجْرُ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ كَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ، وَلَا يَجُوزُ فِي بَعْضِ الْأَقْوَالِ قَبُولُ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ أَيْضًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَجْرَ الَّذِي بِمَعْنَى مَنْعِ ثُبُوتِ حُكْمِ التَّصَرُّفِ يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ دُونَ الْبَعْضِ الْآخَرِ. لِذَلِكَ يُوجَدُ الْحَجْرُ الَّذِي بِهَذَا الْمَعْنَى فِي بَعْضِ الْأَقْوَالِ دُونَ الْبَعْضِ الْآخَرِ وَعَلَيْهِ؛ فَلَيْسَ مِنْ فَائِدَةٍ تَحْصُلُ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِلَفْظِ التَّصَرُّفِ الْقَوْلِيِّ الْجَوَابُ: - إنَّ بَيْنَ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَرْقًا، فَالْأَفْعَالُ الَّتِي لَا يَجُوزُ مَنْعُ ثُبُوتِ حُكْمِهَا كَثِيرَةٌ، وَالْأَفْعَالُ الَّتِي يَجُوزُ مَنْعُهُ قَلِيلَةٌ، كَمَا أَنَّ الْأَقْوَالَ الَّتِي يَجُوزُ مَنْعُ ثُبُوتِ حُكْمِهَا كَثِيرَةٌ وَاَلَّتِي لَا يَجُوزُ مَنْعُهُ قَلِيلَةٌ، فَالْقَلِيلُ وَالنَّادِرُ لَا اعْتِبَارَ لَهُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي أَوَّلِ الْمَأْذُونِ مَعَ إيضَاحٍ) [ (مَادَّةُ ٩٤٢) الْإِذْنُ هُوَ فَكُّ الْحَجْرِ وَإِسْقَاطُ حَقِّ الْمَنْعِ] (مَادَّةُ ٩٤٢) الْإِذْنُ هُوَ فَكُّ الْحَجْرِ وَإِسْقَاطُ حَقِّ الْمَنْعِ وَيُقَالُ لِلشَّخْصِ الَّذِي أَذِنَ مَأْذُونٌ. الْإِذْنُ لُغَةً الْإِطْلَاقُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ ضِدُّ الْحَجْرِ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ وَيُقَالُ لِلْإِطْلَاقِ أَيْضًا فَكُّ الْحَجْرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ (الْعَيْنِيُّ) وَشَرْعًا. هُوَ فَكُّ الْحَجْرِ الثَّابِتِ شَرْعًا فِي بَابِ التِّجَارَاتِ أَيْ: التَّصَرُّفُ فِي أَنْوَاعِهَا، فِي حَقِّ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ وَإِسْقَاطُ حَقِّ الْمَنْعِ وَإِثْبَاتُ الْوِلَايَةِ لِلْمَأْذُونِ، وَيُقَالُ لِلشَّخْصِ الَّذِي أَذِنَ مَأْذُونٌ، وَاَلَّذِي يَفُكُّ وَيُسْقِطُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّبِيِّ هُوَ الْوَلِيُّ (أَبُو السُّعُودِ) وَبِالنِّسْبَةِ إلَى السَّفِيهِ هُوَ الْقَاضِي وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَدِينِ هُوَ الدَّائِنُ وَفِقْرَةُ حَقِّ الْمَنْعِ هِيَ كَتَفْسِيرِ فَكِّ الْحَجْرِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الطَّحْطَاوِيُّ) وَهَذَا الْإِذْنُ كَمَا يَكُونُ لِلصَّبِيِّ

стр. 1420

الْمُمَيِّزِ يَكُونُ لِلْمَعْتُوهِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَكَذَلِكَ يَكُونُ لِلسَّفِيهِ أَيْضًا، أَمَّا فِي الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونِ فَلَا يُوجَدُ. وَرَدَ فِي الشَّرْحِ (بَابُ التِّجَارَاتِ) ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مِنْ بَابِ التِّجَارَاتِ لَا يَجْرِي فِيهَا الْإِذْنُ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مِنْ الْمَنَافِعِ الْمَحْضَةِ كَقَبُولِ الْهِبَةِ فَلَا حَاجَةَ فِيهَا إلَى الْإِذْنِ وَإِذَا كَانَتْ ضَرَرًا مَحْضًا كَالطَّلَاقِ وَالْهِبَةِ فَيَجِبُ أَنْ تُعَدَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ أَيْ مُنْعَدِمَةً (الْعِنَايَةُ) . كَذَلِكَ لَا يُفَكُّ الْحَجْرُ فِي الصَّدَقَةِ وَالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ أَيْ: لَا يَسْقُطُ الْحَجْرُ عَنْ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْمَعْتُوهِ فِيمَا عَدَا بَابِ التِّجَارَةِ مِنْ الْأَحْوَالِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩٦٧) - رَدُّ الْمُحْتَارِ. وَتَعْرِيفُ الْإِذْنِ هَذَا مُعْتَبَرٌ فِي نَظَرِ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ. أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ زُفَرَ وَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَالْإِذْنُ عِبَارَةٌ عَنْ تَوْكِيلٍ وَإِنَابَةٍ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ هِيَ كَمَا يَلِي: إنَّ الْإِذْنَ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَادَّةِ (٩٧٠) لَا يَتَقَيَّدُ وَلَا يُتَخَصَّصُ بِزَمَانٍ وَلَا بِمَكَانٍ وَلَا بِنَوْعٍ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ إسْقَاطٌ وَالْإِسْقَاطُ لَا يَقْبَلُ التَّوْقِيتَ. أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ الْمُشَارِ إلَيْهِمَا فَيَتَقَيَّدُ وَيَتَخَصَّصُ بِهَا الْإِذْنُ عِنْدَهُمَا تَوْكِيلٌ وَإِنَابَةٌ. وَالتَّوْكِيلُ يَتَقَيَّدُ وَيَتَخَصَّصُ حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (١٤٥٦) سُؤَالٌ: لَوْ كَانَ الْإِذْنُ إسْقَاطًا فَبِمَا أَنَّ السَّاقِطَ لَا يَعُودُ حَسَبَ الْمَادَّةِ (٥١) فَكَانَ مِنْ اللَّازِمِ عَدَمُ جَوَازِ الْحَجْرِ بَعْدَ الْإِذْنِ وَالْحَالُ أَنَّ الْحَجْرَ جَائِزٌ بَعْدَ الْإِذْنِ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٩٧٣) . جَوَابٌ: الْإِذْنُ لَا يَكُونُ إسْقَاطًا فِي حَقِّ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ بَلْ إنَّ الْحَجْرَ بَعْدَ الْإِذْنِ هُوَ امْتِنَاعٌ عَنْ الْإِسْقَاطِ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) أَيْ: لَوْ أَعْطَى الْوَلِيُّ الصَّغِيرَ إذْنًا وَبَعْدَ أَنْ تَصَرَّفَ عَشْرَةَ تَصَرُّفَاتٍ مَثَلًا عَادَ فَحَجَرَ عَلَيْهِ وَأَسْقَطَ الْإِذْنَ فِي حَقِّ التَّصَرُّفَاتِ الْعَشَرَةِ فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ فِي حَقِّ التَّصَرُّفِ الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ إسْقَاطٌ وَإِنَّمَا هُوَ امْتِنَاعٌ عَنْ إعْطَاءِ الْإِذْنِ. وَمَشْرُوعِيَّةُ الْإِذْنِ ثَابِتَةٌ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي التِّجَارَةِ لِلصَّغِيرِ إنَّمَا هِيَ إذْنٌ بِابْتِغَاءِ فَضْلِ اللَّهِ. وَسَبَبُ مَشْرُوعِيَّتِهِ هُوَ الْحَاجَةُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ أَحْيَانًا فِي شُغْلٍ شَاغِلٍ عَنْ الِاتِّجَارِ فَيَحْتَاجُونَ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالصِّغَارِ وَشَرْطُ الْإِذْنِ، كَوْنُ الْمَأْذُونِ يَعْقِلُ التَّصَرُّفَ وَيَقْصِدُهُ وَيَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْذُونًا وَكَوْنَ الْآذِنِ لَهُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ حَجْرًا وَإِطْلَاقًا مَنْعًا وَإِسْقَاطًا (الطُّورِيُّ) . وَيَتَفَرَّعُ مِنْ هَذَا الْمَسَائِلِ الْآتِيَةُ: أَوَّلًا، لَا يُعْطَى الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونُ إذْنًا وَلَوْ أَعْطَيَاهُ فَلَا حُكْمَ لَهُ. ثَانِيًا: إذَا لَمْ يَلْحَقْ عِلْمُ الصَّغِيرِ بِمَأْذُونِيَّتِهِ فَلَا يُصْبِحُ مَأْذُونًا. حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ الصَّغِيرُ فَتَصَرَّفَ وَلَمْ يَكُنْ وَاقِفًا عَلَى ذَلِكَ الْإِذْنِ فَلَا يَكُونُ تَصَرُّفُهُ صَحِيحًا وَيَحْصُلُ عِلْمُ الصَّغِيرِ وَوُقُوفُهُ عَلَى مَا أُعْطِيَ مِنْ إذْنٍ

стр. 1421

بِإِخْبَارِ شَخْصٍ وَاحِدٍ حَتَّى أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْخَبَرَ الْوَاقِعَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٨) (عَبْدُ الْحَلِيمِ، الدُّرُّ الْمُنْتَقَى) ثَالِثًا، لَوْ أَعْطَى الصَّبِيَّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ وَصِيٌّ أَخُوهُ أَوْ أُمُّهُ إذْنًا؛ فَلَيْسَ لِذَلِكَ الْإِذْنِ حُكْمٌ رَابِعًا: لَوْ أَحْضَرَ أَحَدٌ وَلَدًا صَغِيرًا مُمَيِّزًا إلَى السُّوقِ وَقَالَ هَذَا ابْنِي أَعْطَيْته إذْنًا بِالتِّجَارَةِ فَبِيعُوا مِنْهُ وَاشْتَرُوا فَعَامَلَهُ أَهْلُ السُّوقِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَبَاعُوا مِنْهُ وَاشْتَرَوْا وَتَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ كَثِيرَةٌ ثُمَّ ظَهَرَ شَخْصٌ آخَرُ وَأَثْبَتَ أَنَّ ذَلِكَ الصَّبِيَّ ابْنُهُ فَلَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ إلَّا إذَا حَصَلَ إذْنٌ مِنْ أَبِيهِ الْحَقِيقِيِّ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْعَاشِرِ) خَامِسًا، لَيْسَ لِلْقَائِمِ مَقَامٌ وَالْمُتَصَرِّفِ وَالْوَالِي الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَأْذُونِينَ بِالْحُكْمِ وَنَصْبِ الْحُكَّامِ أَنْ يَأْذَنُوا لِلصَّغِيرِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي عَشَرَ) مَحَلُّ الْإِذْنِ: الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ وَالْمَعْتُوهُ وَالسَّفِيهُ الْمَحْجُورُ الَّذِي اكْتَسَبَ صَلَاحًا يُمْكِنُ مَعَهُ التِّجَارَةُ حُكْمُ الْإِذْنِ: هُوَ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي مِنْ قَبِيلِ التِّجَارَةِ وَتَوَابِعِهَا وَضَرُورِيَّاتِهَا وَغَيْرِ مَالِكٍ خِلَافَ ذَلِكَ (فَتْحُ الْمُعِينِ، الطَّحْطَاوِيُّ، فَتْحُ الْقَدِيرِ) رُكْنُ الْإِذْنِ، هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلِ الْآذِنِ لِلصَّغِيرِ آذَنْتُك بِالتِّجَارَةِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْمَأْذُونِ) [ (مَادَّةُ ٩٤٣) الصَّغِيرُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ هُوَ الَّذِي لَا يَفْهَمُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ] (مَادَّةُ ٩٤٣) الصَّغِيرُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ هُوَ الَّذِي لَا يَفْهَمُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ يَعْنِي: مَنْ لَا يَعْرِفُ أَنَّ الْبَيْعَ سَالِبٌ لِلْمَلَكِيَّةِ وَالشِّرَاءَ جَالِبٌ لَهَا وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ الظَّاهِرِ كَالتَّغْرِيرِ فِي الْعَشَرَةِ خَمْسَةٌ وَبَيْنَ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَيُقَالُ لِلَّذِي يُمَيِّزُ ذَلِكَ: صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ الصَّغِيرُ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا غَيْرُ مُمَيِّزٍ وَهُوَ الَّذِي لَا يَفْهَمُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ يَعْنِي: مَنْ لَا يَعْرِفُ أَنَّ الْبَيْعَ سَالِبٌ لِلْمَلَكِيَّةِ أَيْ: أَنَّ الْمَبِيعَ خَارِجٌ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ وَالثَّمَنَ دَاخِلٌ مِلْكَهُ وَالشِّرَاءَ جَالِبٌ أَيْ: أَنَّ الْمَبِيعَ دَاخِلٌ مِلْكَ الْمُشْتَرِي وَالثَّمَنَ خَارِجٌ مِنْ مِلْكِهِ وَعَلَيْهِ فَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الثَّمَنَ وَالْمُثَمَّنَ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ وَمَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ فِي شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ كَالتَّغْرِيرِ فِي الْعَشَرَةِ خَمْسَةٌ وَبَيْنَ الْغَبْنِ الْيَسِيرِ الظَّاهِرِ كَالتَّغْرِيرِ فِي الْعَشَرَةِ وَاحِدٌ وَيُقَالُ لِلَّذِي يُمَيِّزُ ذَلِكَ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ. وَعَلَيْهِ فَالصَّغِيرُ الْمُمَيِّزُ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الْبَيْعَ سَالِبٌ وَالشِّرَاءَ جَالِبٌ وَيَقْصِدُ الرِّبْحَ وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَالْغَبْنِ الْيَسِيرِ كَمَا أَنَّ الْمَعْتُوهَ الَّذِي يُمَيِّزُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) يُطْلَقُ الصَّبِيُّ وَالصَّغِيرُ عَلَى الْمُدَّةِ الَّتِي تَبْتَدِئُ مِنْ وِلَادَتِهِ إلَى بُلُوغِهِ وَالصِّغَرُ هُوَ وَصْفٌ لِحَالٍ لَمْ تَتَكَامَلْ فِيهَا قُوَى الْإِنْسَانِ وَتَبْتَدِئ مِنْ وِلَادَتِهِ إلَى حِينِ بُلُوغِهِ الْحُلُمَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) إيضَاحُ الْقُيُودِ: ١ - يَعْنِي. إلَخْ لَا يَقْصِدُ بِقَوْلِهِ لَا يَفْهَمُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ غَيْرَ مَا يَقْصِدُ بِهِمَا وَمَضْمُونُهُمَا وَإِلَّا؛ فَلَيْسَ مُجَرَّدُ الْعِبَارَةِ يَعْنِي: لَيْسَ أَلْفَاظُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَذَلِكَ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ مَا مَرَّ مِنْ التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ إذَا لُقِّنَ أَلْفَاظَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ اسْتَظْهَرَهَا وَأَدْرَكَهَا وَعَلَيْهِ فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الْعِلْمِ لِيَكُونَ الصَّغِيرُ مُمَيِّزًا (الطَّحْطَاوِيُّ)

стр. 1422

سُؤَالٌ: التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَالْغَبْنِ الْيَسِيرِ مُشْكِلٌ لِلْغَايَةِ. وَبِمَا أَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمَا يَخْتَصُّ بِمَنْ حَذَقَ التِّجَارَةَ فَكَانَ مِنْ اللَّائِقِ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ مِثْلُ هَذَا فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ؟ . الْجَوَابُ: عَلَى ثَلَاثِ صُوَرٍ: أَوَّلًا: لَوْ قِيلَ لِلصَّغِيرِ مَا هُوَ تَغْرِيرُ خَمْسَةٍ فِي الْعَشَرَةِ مَثَلًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فَاحِشٌ فَلَا يَكُونُ مُمَيِّزًا أَيْ: أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِلصَّغِيرِ إذَا غُرِرْتَ بِخَمْسَةٍ فِي الْعَشَرَةِ أَوْ بِوَاحِدٍ فِي الْعَشَرَةِ فَكَيْفَ هَذَا الْغَبْنُ فَإِذَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصُّورَةِ الْأُولَى وَالصُّورَةِ الثَّانِيَةِ أَيْ: الْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَالْغَبْنِ الْيَسِيرِ فَلَا يَكُونُ مُمَيِّزًا (الطَّحْطَاوِيُّ) . وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمَجَلَّةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا قَبِلَتْ هَذَا الْجَوَابَ. ثَانِيًا: إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَمْيِيزِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَالْغَبْنِ الْيَسِيرِ الْكِنَايَةُ عَنْ كَوْنِ الصَّبِيِّ عَاقِلًا، وَإِلَّا؛ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ تَمْيِيزَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَالْغَبْنِ الْيَسِيرِ حَقِيقَةً وَعَلَيْهِ فَإِنَّ فِي الْعِبَارَةِ مَجَازًا مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اللَّازِمِ وَإِرَادَةِ الْمَلْزُومِ. ثَالِثًا: الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ هُوَ مَنْ لَا يُفَرِّقُ وَلَا يُمَيِّزُ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي تَكُونُ قِيمَتُهُ مَعْرُوفَةً وَمَشْهُورَةً. وَإِلَّا فَقَدْ يُخْدَعُ أَعْقَلُ النَّاسِ وَيُغَرَّرُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، التَّنْقِيحُ) . ٢ - إنَّ الْبَيْعَ سَالِبٌ لِلْمَلَكِيَّةِ وَالشِّرَاءَ جَالِبٌ لَهَا، وَعَلَيْهِ فَلَوْ جَاءَ الصَّغِيرُ إلَى بَائِعِ الْحَلْوَى وَأَعْطَاهُ نُقُودًا وَبَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُ الْبَائِعُ الْحَلْوَى طَلَبَ مِنْهُ إعَادَةَ النُّقُودِ يَكُونُ غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَمَّا إذَا لَمْ يَسْتَعِدْ النُّقُودَ بَعْدَ أَخْذِهِ الْحَلْوَى فَيَكُونَ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِهِ مُمَيِّزًا ٣ - وَالْغَبْنُ الْفَاحِشُ كَالْإِغْرَارِ بِخَمْسَةٍ فِي الْعَشَرَةِ وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَعْطَى صَغِيرٌ لُعْبَةً تُسَاوِي قِيمَتُهَا قِرْشًا فَأَعْطَى الْبَائِعَ مَا يَلْبَسُهُ مِنْ ثِيَابٍ تُسَاوِي أَرْبَعِينَ قِرْشًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِأَنَّهُ قَدْ خُدِعَ فَيَكُونُ الصَّغِيرُ حِينَئِذٍ غَيْرَ مُمَيِّزٍ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) [ (مَادَّةُ ٩٤٤) الْمَجْنُونُ عَلَى قِسْمَيْنِ] أَحَدُهُمَا: الْمَجْنُونُ الْمُطْبِقُ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَوْعِبُ جُنُونُهُ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ، وَالثَّانِي: الْمَجْنُونُ غَيْرُ الْمُطْبِقِ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مَجْنُونًا وَيُفِيقُ فِي بَعْضِهَا. الْمَجْنُونُ قِسْمَانِ وَلِكُلٍّ تَعْرِيفٌ فِيمَا يَأْتِي وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُ صَاحِبُ الدُّرَرُ فِي بَحْثِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ: إنَّ الْمَجْنُونَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: وَالْقِسْمَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي التَّقْسِيمِ الْمُعْتَمَدِ آنِفًا هُمَا: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْمَجْنُونُ الْمُطْبِقُ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَوْعِبُ جُنُونُهُ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ. وَالْجُنُونُ هُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ وَاخْتِلَالُهُ وَيَمْنَعُ الْأَفْعَالَ وَالْأَقْوَالَ أَنْ تَجْرِيَ عَلَى نَهْجٍ مُسْتَقِيمٍ. (الْمَجَامِعُ) وَيَنْشَأُ الْجُنُونُ إمَّا عَنْ نَقْصٍ فِطْرِيٍّ فِي الْعَقْلِ أَوْ رَدَاءَةِ مِزَاجِ الدِّمَاغِ وَاسْتِيلَاءِ التَّخَيُّلِ الْفَاسِدِ (فُصُولُ الْبَدَائِعِ) وَلَا يُقْصَدُ فِي الْجُنُونِ هُنَا أَنْ يَكُونَ الْمَجْنُونُ مَجْنُونًا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ كُلَّ عُمْرِهِ أَوْ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ بَعْدَ طُرُوءِ الْجُنُونِ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ الْمُطْبِقَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُ جُنُونِهِ مُطْبِقًا بَعْدَ وَفَاتِهِ وَلَا يُقْطَعُ قَبْلَ الْمَوْتِ بِكَوْنِ

стр. 1423

جُنُونِهِ مُطْبِقًا أَوْ غَيْرَ مُطْبِقٍ. وَعَلَيْهِ فَمَنْ يَقْضِي أَيَّامَ حَيَاتِهِ مَجْنُونًا لَا تَعْتَرِيهِ إفَاقَةٌ أَصْلًا وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يُعَدُّ مَجْنُونًا مُطْبِقًا كَمَا أَنَّهُ يُعَدُّ مَجْنُونًا مُطْبِقًا بِالِاتِّفَاقِ مَنْ يَقْضِي سَنَةً وَهُوَ مَجْنُونٌ كَمَا سَيَأْتِي إيضَاحُهُ وَعَلَيْهِ فَلَوْ أُرِيدَ بِجَمِيعِ الْأَوْقَاتِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فَلَا يَكُونُ جَامِعًا لِأَفْرَادِهِ وَلِذَلِكَ فَلَفْظُ (جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ) بِمَعْنَى جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ فِي سَنَةٍ كَامِلَةٍ أَوْ شَهْرٍ كَامِلٍ وَبِذَلِكَ تَكُونُ خُلَاصَةُ التَّعْرِيفِ كَمَا يَأْتِي: الْمَجْنُونُ الْمُطْبِقُ عَلَى قَوْلٍ هُوَ مَنْ يَسْتَوْعِبُ جُنُونُهُ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ فِي سَنَةٍ وَعَلَى قَوْلٍ آخَرَ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ فِي شَهْرٍ. وَالْآنَ فَلْنُدَقِّقْ الْوَقْتَ الَّذِي يَلْزَمُ لِيُعَدَّ الْجُنُونُ فِيهِ جُنُونًا مُطْبِقًا. وَيَكُونُ لَفْظُ الْمُطْبِقِ إذَا جَاءَ صِفَةً لِلْجُنُونِ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَإِذَا جَاءَ صِفَةً لِلْمَجْنُونِ يَكُونُ بِفَتْحِهَا. فِي الْجُنُونِ الْمُطْبِقِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: الْجُنُونُ الْمُطْبِقُ هُوَ الَّذِي يَمْتَدُّ إلَى سَنَةٍ كَامِلَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ إذَا تَقَلَّبَتْ عَلَيْهِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ وَلَمْ يُفِقْ مِنْ جُنُونِهِ عُلِمَ أَنَّ جُنُونَهُ مُسْتَحْكِمٌ، وَالْفَتْوَى فِي حَقِّ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى تَقْدِيرِ الْجُنُونِ لِمُدَّةِ سَنَةٍ (حَاشِيَةٌ الْأَشْبَاهُ لِلْغَزِّيِّ) وَقِيلَ (حَقُّ التَّصَرُّفَاتِ) ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْجُنُونِ فِي حَقِّ الْعِبَادَاتِ قَدْ حُدِّدَتْ بِصُورَةٍ أُخْرَى وَتُوجَدُ التَّفْصِيلَاتُ فِيهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. الْقَوْلُ الثَّانِي، الْجُنُونُ الْمُطْبِقُ لِمُدَّةِ شَهْرٍ أَيْ: الْجُنُونُ الَّذِي يَمْتَدُّ شَهْرًا كَامِلًا وَقَدْ رُجِّحَ هَذَا الْقَوْلُ بِقَوْلِ (وَبِهِ يُفْتَى) وَأَشْعَرَ قَوْلُ الْخَانِيَّةِ (وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) رُجْحَانَ هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . الْقَوْلُ الثَّالِثُ: هُوَ كَالْجُنُونِ الَّذِي يَمْتَدُّ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: هُوَ الْجُنُونُ الَّذِي يَسْتَوْعِبُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. إلَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الرَّابِعَ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْخَانِيَّةِ وَيُقَالُ لِلْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ الْمَجْنُونُ الْمَغْلُوبُ أَيْضًا. وَقَدْ ذُكِرَ حُكْمُ الْجُنُونِ الْمُطْبِقِ فِي الْمَادَّةِ (٩٧٩) . الْقِسْمُ الثَّانِي هُوَ الْمَجْنُونُ غَيْرُ الْمُطْبِقِ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مَجْنُونًا وَيُفِيقُ فِي بَعْضِهَا كَالْمَصْرُوعِ (التَّنْقِيحُ، وَالْهِنْدِيَّةُ فِي الْحَجْرِ) . وَيَصْدُقُ تَعْرِيفُ الْمَجْنُونِ غَيْرِ الْمُطْبِقِ هَذَا عَلَى الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ أَحَدٌ مَجْنُونًا سَنَةً كَامِلَةً أَوْ شَهْرًا كَامِلًا ثُمَّ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ إلَى عَقْلِهِ عَادَ فَجُنَّ أَيْضًا مُدَّةَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ أَوْ شَهْرٍ كَامِلٍ فَيُعَدُّ مَنْ كَانَ حَالُهُ كَذَلِكَ مَجْنُونًا غَيْرَ مُطْبِقٍ أَيْضًا. وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ الْمَجْنُونُ غَيْرَ الْمُطْبِقِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَجْنُونًا أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ عَلَى قَوْلٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ عَلَى قَوْلٍ آخَرَ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ بَعْضَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مُدَّةِ الْجُنُونِ وَقَدْ يَتَّحِدُ الْمَجْنُونُ الْمُطْبِقُ وَغَيْرُ الْمُطْبِقِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَذَلِكَ كَتَصَرُّفَاتِ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقُ وَالْمَجْنُونِ غَيْرِ الْمُطْبِقِ الْقَوْلِيَّةِ فِي حَالِ جُنُونِهِمَا يَعْنِي: مَثَلًا بَيْعُهُمَا وَشِرَاؤُهُمَا وَإِيجَادُهُمَا وَاسْتِئْجَارُهُمْ وَصَيْرُورَتُهُمَا مَحَالًا لَهُمَا أَوْ عَلَيْهِمَا أَوْ كَفَالَتُهُمَا أَوْ رَهْنُهُمَا وَارْتِهَانُهُمَا وَإِيدَاعُهُمَا وَاسْتِيدَاعُهُمَا وَهِبَتُهُمَا وَاتِّهَابُهُمَا فَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ. وَقَدْ مَرَّتْ التَّفْصِيلَاتُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهَذَا فِي شَرْح الْمَوَادّ الْمَخْصُوصَة وَإِذَا أَفَاقَ الْمَجْنُون الْمُطْبَق وَالْمَجْنُون غَيْر الْمُطْبَق وَعَادَ إلَيْهِمَا الْعَقْل تَامًّا تَصِحّ تَصَرُّفَاتهمَا الْقَوْلِيَّة الْمَذْكُورَة وَتَجُوز.

стр. 1424

وَيَخْتَلِف الْمَجْنُون الْمُطْبَق وَغَيْر الْمُطْبَق فِي بَعْض الْأَحْكَام وَذَلِكَ أَوَّلًا إذَا جن الْوَكِيل أَوْ الْمُوَكَّل جُنُونًا مُطْبَقًا تَبْطُلُ الْوَكَالَة وَعَلَيْهِ فَلَا يَبْقَى حُكْم لِلْوَكَالَةِ وَلَوْ أَفَاقَ بَعْد ذَلِكَ يَلْزَم تَحْدِيدهَا اُنْظُرْ الْمَادَّة (١٥٣٠) وَإِذَا جن جُنُونًا غَيْر مُطْبَق لَا تَبْطُلُ الْوَكَالَة فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يُوفِي الْوَكَالَة إلَى أَنْ يُجَنَّ الْمُوَكَّل جُنُونًا مُطْبَقًا كَمَا أَنْ لَهُ الْقِيَام بِهَا لَوْ جن هُوَ نَفْسه جُنُونًا غَيْر مُطْبَق بِدُونِ حَاجَة إلَى تَجْدِيدهَا؛ لِأَنَّ الْجُنُون غَيْر الْمُطْبَق هُوَ بِمَثَابَةِ إغْمَاء فَكَمَا أَنْ الْوَكَالَة لَا تَبْطُلُ بِالْإِغْمَاءِ فَلَا تَبْطُلُ بِالْجُنُونِ الْقَلِيل. ثَانِيًا: وَإِذَا جن أَحَد الشُّرَكَاء جُنُونًا مُطْبَقًا تَنْفَسِخ الشَّرِكَة كَمَا هُوَ مُبِين فِي الْمَادَّة (١٣٥٢) بِخِلَافِ مَا لَوْ جن جُنُونًا غَيْر مُطْبَق فَلَا تَنْفَسِخُ. وَفِي هَذِهِ الْحَالَة إذَا جن أَحَد الشُّرَكَاء تَبْقَى الشَّرِكَة إلَى أَنْ يُصْبِح الْجُنُون مُطْبَقًا وَمَتَى تَمَّ الْإِطْبَاق تَنْفَسِخ الشَّرِكَة فِي الْحَال (الْوَاقِعَات) وَقَدْ تَوَضَّحَ ذَلِكَ فِي شَرْح الْمَادَّة (١٦٥٢) . ثَالِثًا، تَنْفَسِخ الْمُضَارَبَة كَمَا هُوَ مُبِين فِي الْمَادَّة (١٤٢٩) إذَا جن رَبّ الْمَال أَوْ الْمُضَارِب جُنُونًا مُطْبَقًا أَمَّا إذَا كَانَ جُنُونهمَا غَيْر مُطْبَق فَلَا تَنْفَسِخ. رَابِعًا: إذَا جن الْمَأْذُون جُنُونًا مُطْبِقًا أصبح مَحْجُورًا. أَمَّا إذَا جن جُنُونًا غَيْر مُطْبَق فَلَا (الْهِنْدِيَّة فِي الْبَاب الْخَامِس) . وَسَيَأْتِي فِي الْمَادَّة (٩٨٠) بَيَان حُكْم الْجُنُون غَيْر الْمُطْبَق. [ (مَادَّةُ ٩٤٥) الْمَعْتُوهُ هُوَ الَّذِي اخْتَلَّ شُعُورُهُ] (مَادَّةُ ٩٤٥) الْمَعْتُوهُ هُوَ الَّذِي اخْتَلَّ شُعُورُهُ بِأَنْ كَانَ فَهْمُهُ قَلِيلًا وَكَلَامُهُ مُخْتَلِطًا وَتَدْبِيرُهُ فَاسِدًا. الْمَعْتُوهُ لُغَةً نَاقِصُ الْعَقْلِ وَشَرْعًا هُوَ الَّذِي اخْتَلَّ شُعُورُهُ بِأَنْ كَانَ قَلِيلَ الْفَهْمِ مُخْتَلِطَ الْكَلَامِ فَاسِدَ التَّدْبِيرِ. وَلَكِنَّهُ لَا يَشْتُمُ وَلَا يَضْرِبُ كَالْمَجْنُونِ. بَلْ يَكُونُ كَلَامُهُ مُخْتَلِطًا فَبَعْضُهُ يُشْبِهُ كَلَامَ الْعُقَلَاءِ وَبَعْضُهُ يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْمَجَانِينِ. وَإِنْ وَقَعَ اخْتِلَافٌ فِي تَفْسِيرِ الْمَعْتُوهِ فَالْمُخْتَارُ هَذَا التَّعْرِيفُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، التَّنْقِيحُ) وَعَلَيْهِ فَالْعَاقِلُ هُوَ الَّذِي تَكُونُ أَقْوَالُهُ وَأَفْعَالُهُ مُسْتَقِيمَةً (الْبَهْجَةُ) [ (مَادَّةُ ٩٤٦) السَّفِيهُ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُ مَالَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ] (مَادَّةُ ٩٤٦) السَّفِيهُ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُ مَالَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَيُبَذِّرُ فِي مَصْرُوفَاتِهِ وَيُضِيعُ أَمْوَالَهُ وَيُتْلِفُهَا بِالْإِسْرَافِ وَاَلَّذِينَ لَا يَزَالُونَ يَغْفُلُونَ فِي أَخْذِهِمْ وَإِعْطَائِهِمْ وَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ تِجَارَتِهِمْ وَتَمَتُّعِهِمْ بِحَسَبِ بَلَاهَتِهِمْ وَخُلُوِّ قُلُوبِهِمْ يُعَدُّونَ أَيْضًا مِنْ السُّفَهَاءِ. السَّفِيهُ مَأْخُوذٌ مِنْ السَّفَهِ، وَالسَّفَهُ لُغَةً خِفَّةُ الْعَقْلِ، وَالسَّفِيهُ هُوَ مَنْ كَانَ فِي عَقْلِهِ خِفَّةً، أَمَّا شَرْعًا فَهُوَ الَّذِي يَصْرِفُ مَالَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ يَعْنِي خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ وَيُبَذِّرُ فِي مَصْرُوفَاتِهِ وَيُضِيعُ أَمْوَالَهُ وَيُتْلِفُهَا بِالْإِسْرَافِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ هُوَ أَنَّ التَّبْذِيرَ صَرْفُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ اللَّائِقِ أَمَّا الْإِسْرَافُ فَهُوَ

стр. 1425

صَرْفُ الشَّيْءِ فِي مَحَلِّهِ اللَّائِقِ زِيَادَةً عَنْ اللَّازِمِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي الْفَرَائِضِ) فَعَلَى ذَلِكَ التَّبْذِيرُ هُوَ تَجَاوُزُ مَوْضِعِ الْحَقِّ وَجَهْلٌ بِمَوَاضِعِ وَمَوَاقِعِ الْحُقُوقِ أَمَّا الْإِسْرَافُ فَهُوَ تَجَاوُزٌ فِي الْكَمِّيَّةِ وَجَهْلٌ فِي مَقَادِيرِ الْحُقُوقِ. فَالتَّبْذِيرُ وَالْإِسْرَافُ اللَّذَانِ يَنْشَآنِ عَنْ السَّفَهِ يَكُونَانِ أَحْيَانًا فِي أُمُورِ الشَّرِّ فَكَمَا أَنَّ مَنْ يُعْطِي مَالَهُ لِلْعَازِفِينَ وَالْمُغَنِّينَ أَوْ يَجْمَعُ فِي بَيْتِهِ أَهْلَ الشُّرْبِ وَالْفِسْقِ فَيُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ أَوْ يُسْرِفُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ أَوْ مَنْ يَفْتَحُ بَابَ الْجَوَائِزِ وَالصِّلَاتِ أَوْ يَشْتَرِي الطُّيُورَ الطَّائِرَةَ بِأَثْمَانٍ بَاهِظَةٍ أَوْ مَنْ يُلْقِي أَمْوَالَهُ فِي النَّهْرِ وَالْبَحْرِ أَوْ يُحْرِقُهَا بِالنَّارِ، وَكَذَلِكَ يُعَدُّ سَفِيهًا مَنْ أَسْرَفَ فِي نَفَقَةٍ؛ إذْ إنَّ الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَصَرُّفَاتِهِ وَكَانَ لَهُ غَرَضٌ إلَّا أَنَّهُ تَصَرَّفَ بِهِ بِصُورَةٍ جَعَلَتْهُ لَا يُعَدُّ غَرَضًا فَهُوَ سَفِيهٌ كَالْغَبْنِ فِي التِّجَارَةِ مِنْ غَيْرِ مَحْمَدَةٍ وَإِنْ يَكُنْ الْأَصْلُ فِي التَّصَرُّفَاتِ أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلَى الْمُسَامَحَةِ كَمَا أَنَّ الْبِرَّ وَالْإِحْسَانَ مَشْرُوعَانِ إلَّا أَنَّ الْإِسْرَافَ فِيهِمَا حَرَامٌ كَالْإِسْرَافِ فِي الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] أَيْ: لَمْ يَتَجَاوَزُوا حَدَّ الْكَرَمِ ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] أَيْ: لَمْ يُضَيِّقُوا تَضْيِيقَ الشَّحِيحِ أَيْ: الْبَخِيلِ وَيَكُونُ الْإِسْرَافُ فِي الْأُمُورِ الْخَيْرِيَّةِ أَيْضًا كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ أَوْ صَرْفِ جَمِيعِ أَمْوَالِهِ عَلَى الْأُمُورِ الْخَيْرِيَّةِ مَعَ عَدَمِ اقْتِدَارِهِ مُتَّبِعًا الْهَوَى وَتَارِكًا مَا يَدُلُّ عَلَى الْحِجَى أَمَّا إذَا صَرَفَ شَخْصٌ مَالَهُ عَلَى الْمَعَاصِي كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا فَلَا يُعَدُّ سَفِيهًا بِالْمَعْنَى الْمُبَيَّنِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩٦٣) (رَدُّ الْمُحْتَارِ، أَبُو السُّعُودِ، الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) وَيُعَدُّ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ السَّفِيهِ الَّذِينَ لَا يَزَالُونَ يَغْفُلُونَ فِي أَخْذِهِمْ وَإِعْطَائِهِمْ وَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ تِجَارَتِهِمْ وَتَمَتُّعِهِمْ بِحَسَبِ بَلَاهَتِهِمْ مَعَ أَنَّهُ لَا يُعَدُّونَ سُفَهَاءَ بِالْمَعْنَى الْوَارِدِ فِي الْفِقْرَةِ الْأُولَى وَيُمْكِنُ الْحَجْرُ عَلَى أَبْلَهَ وَبَسِيطٍ كَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ كَمَا ذَهَبَتْ إلَيْهِ الْمَادَّةُ (٩٥٨) وَيُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَبْلَهِ وَالْبَسِيطِ مُغَفَّلٌ وَلَيْسَ الْمُغَفَّلُ فَاسِدًا وَإِنَّمَا هُوَ مَنْ كَانَ سَلِيمَ الْقَلْبِ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الرَّابِحَةِ مَعَ كَوْنِهِ يُخْدَعُ فِيهَا (رَدُّ الْمُحْتَارِ مُنْلَا مِسْكِينٍ، الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) ، وَالْمُغَفَّلُ أَيْضًا اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ التَّغْفِيلِ وَهُوَ مَنْ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ فَطَانَةٌ (الطَّحْطَاوِيُّ) [ (مَادَّةُ ٩٤٧) الرَّشِيدُ هُوَ الَّذِي يَتَقَيَّدُ بِمُحَافَظَةِ مَالِهِ وَيَتَوَقَّى السَّرَفَ وَالتَّبْذِيرَ] الرَّشِيدُ هُوَ الْمُصْلِحُ فِي مَالِهٍ أَيْ: الَّذِي يَتَقَيَّدُ بِمُحَافَظَةِ مَالِهِ وَيَتَوَقَّى السَّرَفَ وَالتَّبْذِيرَ وَالصَّرْفَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهِ وَيَجْتَنِبُهُ وَهَذَا يُعَدُّ رَشِيدًا مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ سَوَاءٌ أَكَانَ فَاسِقًا طَارِئًا أَوْ أَصْلِيًّا أَمْ غَيْرَ فَاسِقٍ يَعْنِي: أَنَّ مُجَرَّدَ الْفِسْقِ لَيْسَ مَانِعًا لِلرَّشِيدِ وَمُوجِبًا لِلسَّفِيهِ وَعَلَيْهِ إنَّمَا يَتَحَرَّى عَنْ الرُّشْدِ فِي الْمَالِ وَلَيْسَ فِي الْمَالِ وَالدَّيْنِ مَعًا وَقَدْ فُسِّرَ الرُّشْدُ بِالْإِصْلَاحِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ [النساء: ٦] أَيْ: عَرَفْتُمْ وَأَبْصَرْتُمْ ﴿مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] فَالرَّشِيدُ مَنْ يَكُونُ مُصْلِحًا فِي مَالِهِ فَقَطْ (التَّنْوِيرُ) [ (مَادَّةُ ٩٤٨) الْإِكْرَاهُ هُوَ إجْبَارُ أَحَدٍ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ دُونِ رِضَاهُ] (مَادَّةُ ٩٤٨) الْإِكْرَاهُ هُوَ إجْبَارُ أَحَدٍ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ دُونِ رِضَاهُ بِالْإِخَافَةِ وَيُقَالُ لَهُ الْمُكْرَهُ (بِفَتْحِ الرَّاءِ) وَيُقَالُ لِمَنْ أَجْبَرَهُ: مُجْبِرٌ، وَلِذَلِكَ الْعَمَلِ: مُكْرَهٌ عَلَيْهِ، وَلِلشَّيْءِ الْمُوجِبِ لِلْخَوْفِ: مُكْرَهٌ بِهِ

стр. 1426

الْإِكْرَاهُ لُغَةً إجْبَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى شَيْءٍ لَا يُرِيدُهُ أَيْ: عَلَى مَا يَرَاهُ بِطَبْعِهِ مُسْتَكْرَهًا سَوَاءٌ أَكَانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَ بِهِ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ أَخَافَ الْفَاعِلُ وُقُوعَهُ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْفَاعِلُ مُمْتَنِعًا لِحَقِّ الشَّرْعِ أَوْ الْعَبْدِ أَمْ لَا (أَبُو السُّعُودِ) . وَشَرْعًا هُوَ إجْبَارُ أَحَدٍ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ دُونِ رِضَاهُ أَيْ: بِالْإِخَافَةِ وَالتَّهْدِيدِ أَيْ: مَعَ إبْقَاءِ أَصْلِ الِاخْتِيَارِ وَيُقَالُ لَهُ الْمُكْرَهُ (بِفَتْحِ الرَّاءِ) وَيُقَالُ لِمَنْ أَجْبَرَ بِغَيْرِ حَقٍّ مُجْبِرٌ (بِكَسْرِ الْبَاءِ) وَلِذَلِكَ الْعَمَلُ مُكْرَهٌ عَلَيْهِ (بِفَتْحِ الرَّاءِ) وَلِلشَّيْءِ الْمُوجِبِ لِلْخَوْفِ أَيْ: الْمُوجِبِ لِخَوْفِ الْمُكْرَهِ وَالسَّالِبِ لِرِضَاهُ كَالْقَتْلِ وَالضَّرْبِ مُكْرَهٌ بِهِ (بِفَتْحِ الرَّاءِ) . إيضَاحُ الْقُيُودِ ١ - عَمَلًا: الْعَمَلُ أَعَمُّ مِنْ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ عَمَلُ اللِّسَانِ وَمِنْ أَعْمَالِ سَائِرِ الْجَوَارِحِ فَكَمَا أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى الْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ أَعْمَالَ سَائِرِ الْجَوَارِحِ كَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ مَثَلًا (الدُّرَرُ) . ٢ - بِغَيْرِ حَقٍّ، هَذَا التَّعْبِيرُ احْتِرَازِيٌّ؛ لِأَنَّ الْإِجْبَارِيَّ الَّذِي بِحَقٍّ لَا يُعَدُّ إكْرَاهًا وَعَلَيْهِ فَالْإِجْبَارَاتُ الْآتِيَةُ لَيْسَتْ بِإِكْرَاهٍ وَإِلَيْكَهَا: أَوَّلًا: إذَا امْتَنَعَ الْمَدِينُ عَنْ بَيْعِ مَالِهِ لِأَدَاءِ الدَّيْنِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَيْهِ. وَالْبَيْعُ الَّذِي يَقَعُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْإِجْبَارِ لَا يُعَدُّ بَيْعًا بِإِكْرَاهٍ. ثَانِيًا: إذَا بِيعَ الرَّهْنُ بِنَاءً عَلَى إجْبَارِ الْحَاكِمِ الرَّاهِنَ عَلَى بَيْعِهِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٧٦١) نَفَذَ الْبَيْعُ الْمَذْكُورُ. ثَالِثًا: إذَا أُجِّلَ الْعِنِّينُ إلَى الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْجِمَاعِ يُكْرِهُهُ الْحَاكِمُ عَلَى الْفُرْقَةِ وَبِمَا أَنَّ هَذَا الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ فَلَا يَكُونُ إكْرَاهًا بِالْمَعْنَى الْوَارِدِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ. بِدُونِ رِضَاهُ - بِمَا أَنَّ هَذَا نَفْيٌ لِلرِّضَا عَلَى الْإِطْلَاقِ يَشْمَلُ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ قِسْمَيْ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الرِّضَا كَمَا يَكُونُ فِي الْإِكْرَاهِ غَيْرِ الْمُلْجِئِ الَّذِي يَفُوتُ بِهِ الرِّضَا يَكُونُ أَيْضًا فِي الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ الْمُفْسِدِ لِلِاخْتِيَارِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَدَمَ الرِّضَا مُعْتَبَرٌ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الْإِكْرَاهِ وَأَصْلُ الِاخْتِيَارِ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ ثَابِتٌ لَكِنْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ وَفِي بَعْضِهَا لَا يُفْسِدُ (الزَّيْلَعِيّ) . وَالرِّضَا، مُقَابِلُ الْإِكْرَاهِ، وَأَمَّا الِاخْتِيَارُ فَمُقَابِلُ الْجَبْرِ الِاخْتِيَارُ - هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إرَادَةِ أَحَدٍ طَرَفَيْنِ جَائِزَيْنِ لِأَمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَمَقْدُورٍ فِعْلَهُ مِنْ الْفَاعِلِ بِتَرْجِيحِهِ أَحَدَهُمَا مَثَلًا: بَيْعُ مَالِ زَيْدٍ أَمْرٌ أَحَدُ جَانِبَيْهِ وُجُودٌ وَالْجَانِبُ الْآخَرُ عَدَمٌ وَالطَّرَفَانِ جَائِزَانِ فَإِذَا بَاعَ زَيْدٌ ذَلِكَ الْمَالَ مُرَجِّحًا طَرَفَ الْوُجُودِ يَكُونُ عَمَلُهُ هَذَا اخْتِيَارًا كَمَا أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ عَنْ بَيْعِهِ يَكُونُ قَدْ رَجَّحَ طَرَفَ الْعَدَمِ وَكَانَ عَمَلُهُ هَذَا اخْتِيَارًا وَالْفَاعِلُ وَإِنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا فِي قَصْدِهِ فَاخْتِيَارُهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا (قُهُسْتَانِيٌّ بِإِيضَاحٍ) .

стр. 1427

وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ التَّعْبِيرَاتِ أَنَّ عَدَمَ الرِّضَا مُعْتَبَرٌ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الْإِكْرَاهِ إلَّا أَنَّ الْإِكْرَاهَ يُفْسِدُ أَصْلَ الِاخْتِيَارِ فِي بَعْضِ صُوَرِ الْإِكْرَاهِ كَالْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ وَلَا يُفْسِدُهُ فِي بَعْضِهَا كَالْإِكْرَاهِ غَيْرِ الْمُلْجِئِ (الدُّرَرُ وَالزَّيْلَعِيّ) . وَالْإِكْرَاهُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ يُعْدِمُ الرِّضَا إلَّا أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ يَعْنِي: أَنَّ فِي هَذَا الْإِكْرَاهِ إكْرَاهًا لِلْمُكْرَهِ وَعَدَمِ رِضَائِهِ مَعَ وُجُودِ اخْتِيَارِهِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الِاخْتِيَارِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْإِكْرَاهِ بِإِتْلَافِ النَّفْسِ أَوْ قَطْعِ الْعُضْوِ فَالْإِكْرَاهُ الَّذِي يَكُونُ بِقَتْلِ النَّفْسِ أَوْ قَطْعِ الْعُضْوِ مُعْدِمٌ لِلرِّضَا وَمُفْسِدٌ لِلِاخْتِيَارِ أَيْضًا (أَبُو السُّعُودِ، رَدُّ الْمُحْتَارِ) ٤ - الْإِخَافَةُ: بِمَا أَنَّ الْإِخَافَةَ قَدْ ذُكِرَتْ مُطَلَّقَةً فَكَمَا أَنَّهَا تَشْمَلُ الْإِخَافَةَ الَّتِي تَحْدُثُ بِالْفِعْلِ تَشْمَلُ الْإِخَافَةَ الَّتِي بِالْقَوْلِ كَالْوَعِيدِ (الطَّحْطَاوِيُّ) . ٥ - الْإِجْبَارُ: كَمَا يَكُونُ الْإِجْبَارُ حَقِيقِيًّا يَكُونُ حُكْمِيًّا فَلَوْ أَمَرَ أَحَدٌ آخَرَ بِإِتْلَافِ مَالِ أَحَدٍ وَلَمْ يُهَدِّدْهُ بِشَيْءٍ وَلَكِنَّهُ عَلِمَ بِدَلَالَةِ الْحَالِ أَنَّهُ سَيَقْتُلُهُ فَلَهُ أَنْ يُتْلِفَ ذَلِكَ الْمَالَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إكْرَاهٌ حُكْمِيٌّ [ (مَادَّةُ ٩٤٩) الْإِكْرَاهُ عَلَى قِسْمَيْنِ] الْأَوَّلُ هُوَ الْإِكْرَاهُ الْمُلْجِئُ الَّذِي يَكُونُ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ الْمُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ النَّفْسِ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ وَالثَّانِي هُوَ الْإِكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ الَّذِي يُوجِبُ الْغَمَّ وَالْأَلَمَ فَقَطْ كَالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ غَيْرِ الْمُبَرِّحِ وَالْمَدِيدِ الْإِكْرَاهُ قِسْمَانِ: وَكِلَاهُمَا سَالِبُ رِضَا الْمُكْرَهِ كَمَا فُهِمَ مِنْ الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ. وَوَجْهُ الِانْحِصَارِ هُوَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا إفْسَادَ اخْتِيَارِ الْمُكْرَهِ وَمُلْجِئًا إيَّاهُ أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ. فَإِذَا أَوْجَبَ إفْسَادَ اخْتِيَارِهِ أَوْ أَلْجَأَهُ كَانَ إكْرَاهًا مُلْجِئًا وَإِذَا لَمْ يُفْسِدْ اخْتِيَارَهُ وَلَمْ يُلْجِئْهُ كَانَ غَيْرَ مُلْجِئٍ فَفَوْتُ الرِّضَا أَعَمُّ مِنْ فَسَادِ الِاخْتِيَارِ فَفِي الْحَبْسِ أَوْ الضَّرْبِ يَفُوتُ الرِّضَا وَلَكِنَّ الِاخْتِيَارَ الصَّحِيحَ بَاقٍ وَفِي الْقَتْلِ لَا رِضَا وَلَكِنْ لَهُ اخْتِيَارٌ غَيْرُ صَحِيحٍ أَيْ: اخْتِيَارٌ فَاسِدٌ. (الطَّحْطَاوِيُّ) . فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ إكْرَاهٌ مُلْجِئٌ: الْمُلْجِئُ بِكَسْرِ الْجِيمِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَلْجَأَ إلَى كَذَا اضْطَرَّهُ إلَيْهِ فَهُوَ الْمُوجِبُ لِلِاضْطِرَارِ وَهُوَ الْإِكْرَاهُ الَّذِي يَكُونُ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ الْمُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ النَّفْسِ أَوْ قَطْعِ الْعُضْوِ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَاللِّسَانِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ نَحْوَ الْأَصَابِعِ وَالْأَعْضَاءِ وَيُقَالُ لِهَذَا الْإِكْرَاهِ: الْإِكْرَاهُ التَّامُّ وَهَذَا الْإِكْرَاهُ مُعْدِمٌ لِلرِّضَا مُفْسِدٌ لِلِاخْتِيَارِ (الْأَنْقِرْوِيُّ، الدُّرَرُ) ؛ إذْ الْإِنْسَانُ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ الْحَيَاةِ وَذَلِكَ يُضْطَرُّ إلَى ارْتِكَابِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ مُحَافَظَةً عَلَيْهَا فَيَفْسُدُ اخْتِيَارُهُ (الْجَوْهَرَةُ) . الْعُضْوُ، يُفْهَمُ مِنْ ذِكْرِهِ مُطْلَقًا أَنَّ الْعُضْوَ يَشْمَلُ الْأُنْمُلَةَ أَيْ: طَرَفَ الْأُصْبُعِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى يَشْمَلُ بَعْضَ الْعُضْوِ كَالْمَحَلِّ الَّذِي تُوجَدُ فِيهِ الْأَظَافِرُ مِنْ الْأُصْبُعِ أَيْضًا. وَعَلَيْهِ فَالْإِكْرَاهُ الَّذِي يَقَعُ بِالتَّهْدِيدِ بِقَطْعِ ذَلِكَ يَكُونُ إكْرَاهًا مُلْجِئًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ، وَالنَّتِيجَةُ) وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ يَقُولُ إذَا هُدِّدَ بِالْحَبْسِ وَالْقَيْدِ وَكَانَ الرَّجُلُ ذَا مُرُوءَةٍ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ يَمُوتُ بِسَبَبِ الْحَبْسِ وَالْقَيْدِ أَوْ يَذْهَبُ عُضْوٌ مِنْهُ فَهُوَ إكْرَاهٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَوَعَّدَهُ بِالْحَبْسِ فِي مَكَان مُظْلِمٍ بِحَيْثُ يَخَافُ ذَهَابَ الْبَصَرِ لِطُولِ مُقَامِهِ فِيهِ فَهُوَ إكْرَاهٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا (عَبْدُ الْحَلِيمِ) قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَمَّا الْحَبْسُ الَّذِي أَحْدَثُوهُ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّهُ مِنْ الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ وَإِنْ قَالَ لَأُجَوِّعَنَّكَ أَوْ لَتَفْعَلَنَّ بَعْضَ مَا ذُكِرَ، لَمْ يَسْعَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى يَجِيءَ

стр. 1428

مِنْ الْجُوعِ مَا يَخَافُ مِنْهُ التَّلَفَ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي بِتَغْيِيرٍ) . وَقَوْلُهُ النَّفْسُ أَعَمُّ مِنْ النَّفْسِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْحُكْمِيَّةِ فَالنَّفْسُ الْحَقِيقِيَّةُ مَعْلُومَةٌ أَمَّا النَّفْسُ الْحُكْمِيَّةُ فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ إتْلَافِ كُلِّ الْمَالِ وَعَلَيْهِ فَالتَّهْدِيدُ بِإِتْلَافِ مَالِ الْإِنْسَانِ كُلِّهِ يُعَدُّ إكْرَاهًا مُلْجِئًا أَيْضًا حَتَّى أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ لَا يَشْتَرِطُ التَّهْدِيدَ بِإِتْلَافِ جَمِيعِ الْمَالِ بَلْ يَعُدُّ أَخْذَ بَعْضِ الْمَالِ إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا. مَثَلًا: لَوْ قَالَ أَحَدُ الظَّلَمَةِ لِأَحَدٍ إذَا لَمْ تَبِعْنِي دَارَك فَسَأُعْطِيهَا إلَى عَدُوِّك وَبِنَاءً عَلَى هَذَا بَاعَهُمَا مِنْهُ فَيُعَدُّ ذَلِكَ الْبَيْعُ بَيْعًا بِإِكْرَاهٍ أَمَّا عِنْدَ الْبَعْضِ الْآخَرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَالْإِكْرَاهُ بِأَخْذِ الْمَالِ إذَا وَقَعَ بِأَخْذِ كُلِّ الْمَالِ فَالْإِكْرَاهُ مُعْتَبَرٌ وَالْإِكْرَاهُ الْوَاقِعُ بِأَخْذِ بَعْضِ الْمَالِ إذَا كَانَ مَا تُرِكَ لَهُ مِنْ الْمَالِ كَافِيًا يُعَدُّ ذَلِكَ إكْرَاهًا (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ، رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَالضَّرْبُ الَّذِي يُعَدُّ إكْرَاهًا مُلْجِئًا هُوَ الضَّرْبُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَى تَلَفِ النَّفْسِ أَوْ تَلَفِ عُضْوٍ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي تَعْيِينِ مِقْدَارِ هَذَا الضَّرْبِ أَنَّهُ يَلْزَمُ التَّهْدِيدُ بِمَا لَا يَقِلُّ عَنْ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً وَالْبَعْضُ يَقُولُ إنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَحَمَّلُ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُوتُ بِأَدْنَى مِنْهُ فَلَا طَرِيقَ سِوَى الرُّجُوعِ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ تَلَفَ النَّفْسِ وَالْعُضْوِ يَحْصُلُ بِهِ وُسْعُهُ وَإِلَّا فَلَا (الطُّورِيُّ) وَجَاءَ فِي الدُّرُّ الْمُخْتَارُ أَنَّ التَّهْدِيدَ بِالضَّرْبِ جَلْدَةً أَوْ جَلْدَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ لَا يُعَدُّ إكْرَاهًا مُلْجِئًا إلَّا أَنَّ التَّهْدِيدَ بِالضَّرْبِ، عَلَى مَذَاكِيرِ الْإِنْسَانِ أَوْ عَلَى عَيْنِهِ يُعَدُّ إكْرَاهًا مُلْجِئًا؛ لِأَنَّ وُقُوعَ مِثْلِهَا عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ يَكُونُ مُؤَدِّيًا إلَى التَّلَفِ (الطُّورِيُّ) . وَالتَّهْدِيدُ بِالْحَبْسِ الْمُؤَبَّدِ لَا يُعَدُّ إكْرَاهًا مُلْجِئًا لِكَوْنِهِ لَا يُؤَدِّي إلَى تَلَفِ الْمُهَدَّدِ مَا لَمْ يَمْنَعْ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ عَنْهُ (الْبَزَّازِيَّةُ، الطَّحْطَاوِيُّ) وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُهَدَّدُ (بِفَتْحِ الدَّالِ) بِالْحَبْسِ وَالتَّصْفِيدِ مِنْ أَرْبَابِ التَّنْعِيمِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْجَاهِ فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ سَيَمُوتُ فِيمَا إذَا سُجِنَ فِي مَكَان مُظْلِمٍ أَوْ أَنَّهُ سَيَفْقِدُ أَحَدَ أَعْضَائِهِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُقُوعَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ إكْرَاهًا مُلْجِئًا. كَذَلِكَ إذَا هُدِّدَ أَحَدٌ بِالْحَبْسِ فِي مَكَان مُظْلِمٍ وَخِيفَ مِنْ فَقْدِ الْبَصَرِ مِنْ جَرَّاءِ طُولِ السِّجْنِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ كَانَ الْإِكْرَاهُ مُلْجِئًا (الطَّحْطَاوِيُّ) . الْقِسْمُ الثَّانِي: الْإِكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْغَمَّ وَالْأَلَمَ فَقَطْ كَالضَّرْبِ الْيَسِيرِ وَالْحَبْسِ وَالتَّصْفِيدِ غَيْرِ الْمُبَرِّحِ وَالْمَدِيدِ وَيُقَالُ لَهُ الْإِكْرَاهُ النَّاقِصُ وَهَذَا الْإِكْرَاهُ وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا لِلرِّضَا لَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ (الدُّرَرُ) . الْغَمُّ، بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ هُوَ السِّتْرُ وَالْغِطَاءُ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحُزْنِ غَمٌّ؛ لِأَنَّهُ يُغَطِّي السُّرُورَ وَالْحِلْمَ أَلَمٌ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ بِمَعْنَى الْوَجَعِ وَيُجْمَعُ عَلَى آلَامٍ وَعَلَيْهِ فَالْأَلَمُ هُوَ شَيْءٌ كَرِيهٌ قَبِيحٌ سَوَاءٌ أَحَصَلَ بِعَارِضِ وَجَعٍ أَوْ فُتُورٍ أَوْ هَمٍّ فَهُوَ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ لِلْغَمِّ. وَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي هُوَ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْإِكْرَاهِ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَعَلَيْهِ فَلَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ فِي دَائِرَةٍ مُعَيَّنَةٍ. وَلَيْسَ فِيهِ تَقْدِيرٌ لَازِمٌ سِوَى أَنْ يَلْحَقَهُ مِنْهُ الِاغْتِمَامُ (أَبُو السُّعُودِ) . الْحَدُّ فِي الْحَبْسِ الَّذِي هُوَ إكْرَاهُ مَا يَجِيءُ الِاغْتِمَامُ الْبَيِّنُ بِهِ وَبِالضَّرْبِ الَّذِي هُوَ إكْرَاهُ مَا يَحْدُثُ مِنْهُ الْأَلَمُ الشَّدِيدُ وَلَيْسَ فِيهِ حَدٌّ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْحَاكِمُ إذَا رُفِعَ ذَلِكَ إلَيْهِ

стр. 1429

مُنْلَا مِسْكِينٍ) لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ النَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فَبَعْضُهُمْ يَتَضَرَّرُونَ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ وَالْحَبْسِ الْمَدِيدِ وَبَعْضُهُمْ يَتَضَرَّرُونَ بِضَرْبَةِ سَوْطٍ أَوْ فَرْكَةِ أُذُنٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْهَوَانِ وَالذُّلِّ كَالشُّرَفَاءِ وَأَصْحَابِ الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ وَالْجَاهِ وَالضُّعَفَاءِ مِنْ النَّاسِ أَيْضًا وَخُصُوصًا إذَا كَانَتْ عَلَى مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ. قَدْ جَعَلَ تَقْدِيرَ ذَلِكَ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي الَّذِي تُرْفَعُ إلَيْهِ الْقَضِيَّةُ كَمَا مَرَّ. وَعَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ فِي حَقِّ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ النَّاسِ إكْرَاهًا. أَلَا تَرَى مَا يَحْصُلُ عِنْدَ أَشْرَافِ النَّاسِ مِنْ الْغَمِّ فِيمَا إذَا وُجِّهَتْ إلَيْهِمْ كَلِمَاتٌ قَاسِيَةٌ بِخِلَافِ الْأَرَاذِلِ مِنْهُمْ فَلَا يَتَأَلَّمُونَ إلَّا مِنْ الضَّرْبِ الْمُبَرِّحِ وَعَلَيْهِ فَبِمَا أَنَّ تَعْيِينَ مَقَادِيرَ كَهَذِهِ بِالرَّأْيِ مُمْتَنِعٌ فَلِذَلِكَ يُعْتَبَرُ الْإِكْرَاهُ إذَا كَانَ بِدَرَجَةٍ تُؤَثِّرُ عَلَى الْمُكْرَهِ (فَتَاوَى أَبُو السُّعُودِ وَالزَّيْلَعِيّ، رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَعَلَيْهِ فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْحَبْسِ وَالتَّصْفِيدِ هُنَا الْحَبْسُ وَالتَّصْفِيدُ الْمَدِيدَانِ وَيُطْلَقُ الْحَبْسُ الْمَدِيدُ عَلَى الْحَبْسِ الَّذِي يَزِيدُ عَلَى يَوْمٍ وَاحِدٍ (أَبُو السُّعُودِ) أَمَّا الْحَبْسُ وَالتَّصْفِيدُ يَوْمًا وَاحِدًا وَالضَّرْبُ غَيْرُ الشَّدِيدِ فَلَا يُعَدَّانِ إكْرَاهًا وَعَلَيْهِ فَلَوْ هَدَّدَ أَحَدٌ آخَرَ بِالْحَبْسِ أَوْ بِالتَّصْفِيدِ يَوْمًا وَاحِدًا وَالضَّرْبِ جَلْدَةً وَاحِدَةً عَلَى أَنْ يُقِرَّ بِأَلْفِ قِرْشٍ دَيْنًا عَلَيْهِ وَفَعَلَ فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ إكْرَاهًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُبَالِي بِمِثْلِ ذَلِكَ عَادَةً، فَلِذَلِكَ لَا يُعَدُّ هَذَا مُعْدِمًا لِلرِّضَا مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ وَقَعَ التَّهْدِيدُ بِالْحَبْسِ يَوْمًا وَاحِدًا عَلَى ذِي جَاهٍ وَمَنْصِبٍ يَعْنِي: إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إكْرَاهًا لِرَجُلٍ لَهُ جَاهٌ وَعِزَّةٌ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ لِغَيْرِهِ فَيَفُوتُ بِهِ الرِّضَا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكُونُ إكْرَاهًا فِي الْمَالِ الْقَلِيلِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالزَّيْلَعِيّ، وَالْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ) لَكِنَّ التَّهْدِيدَ بِضَرْبَةِ عَصَا تُؤَدِّي إلَى تَلَفِ الْإِنْسَانِ لَا شُبْهَةَ أَنَّهُ إكْرَاهٌ مُعْتَبَرٌ، وَالْمَقْصُودُ بِالْحَبْسِ هُنَا حَبْسُ نَفْسِ الْمُكْرَهِ أَمَّا حَبْسُ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَوْلَادِ فَإِنْ ذَكَرَ الزَّيْلَعِيّ أَنَّهُ إكْرَاهٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَقَدْ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إنَّ الْإِكْرَاهَ بِحَبْسِ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَوْلَادِ وَالزَّوْجَةِ وَسَائِرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ إكْرَاهٌ مُعْتَبَرٌ اسْتِحْسَانًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ، عَبْدُ الْحَلِيمِ) وَلَا دَلِيلَ فِي الْمَجَلَّةِ عَلَى أَنَّهَا قَدْ أَخَذَتْ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ إلَّا أَنَّ جِهَةَ الِاسْتِحْسَانِ مُرَجَّحَةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْقِيَاسِ وَيُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَ قِسْمَيْ الْإِكْرَاهِ هَذَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: الْفَرْقُ مِنْ حَيْثُ الْمَاهِيَّةِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: الْفَرْقُ مِنْ حَيْثُ الْأَحْكَامُ. فَالْإِكْرَاهُ الْمُلْجِئُ يُؤَثِّرُ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ أَمَّا الْإِكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ فَلَا يُؤَثِّرُ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ بَلْ يُؤَثِّرُ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ فَقَطْ (الطَّحْطَاوِيُّ) كَمَا قَدْ بُيِّنَ فِي الْمَادَّةِ (١٠٠١ وَالْمَادَّةِ ١٠٠٧) [ (الْمَادَّةُ ٩٥٠) الشُّفْعَةُ هِيَ تَمَلُّكُ الْمِلْكِ الْمُشْتَرَى بِمِقْدَارِ الثَّمَنِ الَّذِي قَامَ عَلَى الْمُشْتَرِي] (الْمَادَّةُ ٩٥٠) (الشُّفْعَةُ هِيَ تَمَلُّكُ الْمِلْكِ الْمُشْتَرَى بِمِقْدَارِ الثَّمَنِ الَّذِي قَامَ عَلَى الْمُشْتَرِي) الشُّفْعَةُ لُغَةً بِمَعْنَى الضَّمِّ وَهِيَ ضِدُّ الْوِتْرِ وَتَسْمِيَةُ التَّمَلُّكِ فِي الْآتِي شُفْعَةً مَبْنِيٌّ عَلَى ضَمِّ الْمَالِ الْمُشْتَرَى لِعَقَارِ الشَّفِيعِ، وَمِنْهُ شَفَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُذْنِبِينَ؛ لِأَنَّهُ يَضُمُّهُمْ بِهَا إلَى الْفَائِزِينَ (الْهِدَايَةُ،

стр. 1430

مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) وَشَرْعًا هِيَ حَقُّ تَمَلُّكِ الْعَقَارِ أَوْ مَا كَانَ فِي حُكْمِ الْعَقَارِ مِنْ الْمِلْكِ الْمُشْتَرَى بِمِقْدَارِ الثَّمَنِ الَّذِي قَامَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَيْ: أَنَّهُ يَتَمَلَّكُ ذَلِكَ بِإِعْطَاءِ مِثْلِهِ لِلْمُشْتَرِي إذَا كَانَ مِثْلِيًّا وَقِيمَتُهُ إذَا كَانَ قِيَمِيًّا بِدُونِ أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى رِضَا الْمُشْتَرِي (أَبُو السُّعُودِ) . أَمَّا نَفْسُ التَّمَلُّكِ فَيَحْصُلُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (١٠٣٦) بِتَسْلِيمِ الْمُشْتَرِي إيَّاهُ بِالرِّضَا أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَقَضَائِهِ إيضَاحُ الْقُيُودِ: ١ - الْعَقَارُ أَوْ مَا فِي حُكْمِ الْعَقَارِ: الْعَقَارُ كَالدَّارِ مَعَ الْعَرْصَةِ أَوْ الْعَرْصَةِ فَقَطْ وَمَا كَانَ فِي حُكْمِ الْعَقَارِ هُوَ كَالْعُلُوِّ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٠١١) (الدُّرَرُ) . ٢ - مِلْكٌ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ وَإِنْ كَانَتْ تَشْمَلُ الْمَنْقُولَ وَالْعَقَارَ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمَادَّتَيْنِ (١٢٥ و ١٥٩) إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تُخَصَّصَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِالْعَقَارِ فَقَطْ كَمَا قَدْ جَرَى تَخْصِيصُهَا فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَجْرِي بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (١٠١٧) فِي الْعَقَارِ وَحْدَهُ وَبِمَا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ ذِكْرُ الْمِلْكِ الْمُشْتَرَى مُطْلَقًا فَكَمَا أَنَّهُ يَشْمَلُ كُلَّ الْمِلْكِ يَشْمَلُ بَعْضَهُ أَيْضًا. مَثَلًا: لَوْ اشْتَرَى أَحَدُ الشُّفَعَاءِ الْعَقَارَ الْمَمْلُوكَ فَبِمَا أَنَّهُ يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ الْمُشْتَرِي حَقُّ الشُّفْعَةِ فَلِلشُّفَعَاءِ الْآخَرِينَ إذَا سَاوَوْهُ فِي الدَّرَجَةِ حَقُّ الشُّفْعَةِ بِمِقْدَارِ حِصَصِهِمْ فَقَطْ مَا عَدَا حِصَّتَهُ يَعْنِي: أَنَّ لَهُمْ طَلَبُ مَا عَدَا الْحِصَّةَ الَّتِي اشْتَرَاهَا الشَّفِيعُ مِنْ الْحِصَصِ بِالشُّفْعَةِ. مَثَلًا: لَوْ بَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي الْعَقَارِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ أَثْلَاثًا حِصَّتَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلِلشَّرِيكِ الثَّانِي أَنْ يُطَالِبَ الشَّرِيكَ بِنِصْفِ مَا اشْتَرَاهُ فَقَطْ. ٣ - عَلَى الْمُشْتَرِي: يُفْهَمُ مِنْ هَذَا التَّعْبِيرِ أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجْرِي فِي تَمْلِيكِ الْعَقَارِ بِلَا عِوَضٍ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِرْثِ كَذَلِكَ لَا تَجْرِي فِي الْقِسْمَةِ وَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَادَّتَيْنِ (١٠٣٣ و ١٠٢٧) (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . لَكِنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ أَيْ: (عَلَى الْمُشْتَرِي) يَسْتَلْزِمُ إيرَادَ سُؤَالَيْنِ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُقِرًّا بِالشِّرَاءِ، أَوْ إذَا كَانَ مُنْكِرًا إيَّاهُ وَأَثْبَتَ الشَّفِيعُ شِرَاءَ الْمُشْتَرِي أَوْ نَكَلَ الْمُشْتَرِي عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ كَانَ ذَلِكَ ضِدَّ تَمَلُّكِ الْمُشْتَرِي وَأَمَّا إذَا كَانَ الْبَائِعُ مُقِرًّا بِالْبَيْعِ وَكَانَ الْمُشْتَرِي مُنْكِرًا لَهُ وَلَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُ الْبَيْعِ وَحَلَفَ الْمُشْتَرِي الْيَمِينَ عَلَى عَدَمِ الشِّرَاءِ فَيَكُونُ التَّمَلُّكُ الْوَاقِعُ عَلَى الْبَائِعِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُصْبِحُ هَذَا التَّمَلُّكُ خَارِجًا مِنْ التَّعْرِيفِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ (بِمِقْدَارِ الثَّمَنِ الَّذِي قَامَ عَلَى الْمُشْتَرِي) وَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ غَيْرَ جَامِعٍ لِأَفْرَادِهِ. وَيُجَابُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ هُوَ تَعْرِيفُ الشُّفْعَةِ الْكَثِيرَةِ الْوُقُوعِ؛ لِأَنَّ التَّمَلُّكَ بِالشُّفْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ نَادِرُ الْوُقُوعِ وَلَا اعْتِبَارَ لِلنَّادِرِ السُّؤَالُ الثَّانِي: بِمَا أَنَّ الشُّفْعَةَ تَجْرِي فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ بِنَاءً عَلَى مَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٠٢٢) وَبِقَوْلِهِ (عَلَى الْمُشْتَرِي) تَخْرُجُ هَذِهِ الشُّفْعَةُ مِنْ التَّعْرِيفِ فَيَكُونُ هَذَا التَّعْرِيفُ غَيْرَ جَامِعٍ لِأَفْرَادِهِ وَيُجَابُ عَلَى هَذَا أَيْضًا بِأَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ هِيَ شِرَاءُ انْتِهَاءٍ فَلَا تَخْرُجُ هَذِهِ الْهِبَةُ بِقَوْلِ (عَلَى

стр. 1431

الْمُشْتَرِي) مِنْ. التَّعْرِيفِ. ٤ - بِمِقْدَارِ الثَّمَنِ الَّذِي قَامَ عَلَى الْمُشْتَرِي: سَيَأْتِي مَعْنَى ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٠٣٦) هَذَا وَبِمَا أَنَّ الشُّفْعَةَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْجَارِيَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهَذَا الْحُكْمُ غَيْرُ شَرْعِيٍّ فِي الْمَمَالِكِ الْأَجْنَبِيَّةِ فَلَوْ اشْتَرَى مُسْلِمٌ عَقَارًا فِي بِلَادٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَوِجَادَ لَهُ شَفِيعٌ مُسْلِمٌ؛ فَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ وَلَوْ كَانَتْ أُصُولُ الشُّفْعَةِ مَرْعِيَّةً فِي تِلْكَ الدِّيَارِ (أَبُو السُّعُودِ) . [ (مَادَّةُ ٩٥١) الشَّفِيعُ هُوَ مَنْ كَانَ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ] (مَادَّةُ ٩٥١) : الشَّفِيعُ هُوَ مَنْ كَانَ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ. أَيْ: مَنْ كَانَ لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ، مَثَلًا تُطْلَقُ كَلِمَةُ الشَّفِيعِ عَلَى مَنْ كَانَ شَرِيكًا فِي الْعَقَارِ الَّذِي بَاعَهُ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ كَالْحَانُوتِ مَثَلًا أَوْ مَنْ كَانَ جَارًا مُلَاصِقًا لِذَلِكَ الْعَقَارِ. [ (مَادَّةُ ٩٥٢) الْمَشْفُوعُ هُوَ الْعَقَارُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الشُّفْعَةِ] (مَادَّةُ ٩٥٢) : الْمَشْفُوعُ هُوَ الْعَقَارُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الشُّفْعَةِ. وَهُوَ الْعَقَارُ الَّذِي يُمْكِنُ لِلشَّفِيعِ تَمَلُّكُهُ جَبْرًا عَلَى الْمُشْتَرِي: وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَانُوتِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ فِي الْمَادَّةِ السَّالِفَةِ: مَشْفُوعٌ [ (مَادَّةُ ٩٥٣) الْمَشْفُوعُ بِهِ هُوَ مِلْكُ الشَّفِيعِ الَّذِي بِهِ الشُّفْعَةُ] (مَادَّةُ ٩٥٣) : الْمَشْفُوعُ بِهِ هُوَ مِلْكُ الشَّفِيعِ الَّذِي بِهِ الشُّفْعَةُ. أَيْ: بِسَبَبِهِ يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الشُّفْعَةِ فِي الْمَبِيعِ مَثَلًا: لَوْ بِيعَ عَقَارٌ مُتَّصِلٌ بِدَارِ أَحَدٍ فَتَكُونُ تِلْكَ الدَّارُ (مَشْفُوعًا بِهَا) أَوْ (مَا يُشْفَعُ بِهَا) . [ (مَادَّةُ ٩٥٣) الْخَلِيطُ هُوَ بِمَعْنَى الْمُشَارِكِ فِي حُقُوقِ الْمِلْكِ] (مَادَّةُ ٩٥٣) : الْخَلِيطُ هُوَ بِمَعْنَى الْمُشَارِكِ فِي حُقُوقِ الْمِلْكِ كَحِصَّةِ الْمَاءِ وَالطَّرِيقِ. مَثَلًا: لَوْ كَانَ لِأَحَدٍ حِصَّةٌ فِي نَهْرٍ خَاصٍّ وَلِآخَرَ فِيهِ حِصَّةٌ كَذَلِكَ فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَكُونُ خَلِيطًا لِلْآخَرِ. [ (مَادَّةُ ٩٥٥) الشِّرْبُ الْخَاصُّ] (مَادَّةُ ٩٥٥) الشِّرْبُ الْخَاصُّ هُوَ حَقُّ شُرْبِ الْمَاءِ الْجَارِي الْمَخْصُوصِ بِالْأَشْخَاصِ الْمَعْدُودِينَ وَأَمَّا أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ الْأَنْهُرِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا الْعَامَّةُ؛ فَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الشُّرْبِ الْخَاصِّ. الشِّرْبُ الْخَاصُّ (بِكَسْرِ الشِّينِ) هُوَ حَقُّ شُرْبِ الْمَاءِ الْجَارِي الْمَخْصُوصِ بِالْأَشْخَاصِ الْمَعْدُودِينَ أَيْ: الْمَخْصُوصِ لِسَقْيِ وَرَيِّ مَزَارِعِ أُوْلَئِكُمْ الْأَشْخَاصِ الْمَعْدُودِينَ. وَيُقَالُ لِلْأَشْخَاصِ الَّذِينَ دُونَ الْمِائَةِ أَشْخَاصٌ مَعْدُودُونَ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (١٦٤٦) (مُنْلَا مِسْكِينٍ وَعَبْدُ الْحَلِيمِ) . وَأَمَّا أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ الْأَنْهُرِ كَالْفُرَاتِ وَالدِّجْلَةِ وَالنِّيلِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا الْعَامَّةُ لِسَقْيِ الْمَزَارِعِ فَلَيْسَ مِنْ

стр. 1432

قَبِيلِ الشِّرْبِ الْخَاصِّ (الدُّرَرُ، الْقُهُسْتَانِيُّ) وَعَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ الشِّرْبُ الْخَاصُّ مَشْفُوعًا بِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الشِّرْبِ مَشْفُوعًا بِهِ. فِي تَعْرِيفِ الشِّرْبِ الْخَاصِّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: إذَا كَانَ الْمُشْتَرِكُونَ فِي النَّهْرِ أَشْخَاصًا مَعْدُودِينَ يَكُونُ نَهْرًا خَاصًّا وَيُقَالُ فِي حَقِّ أَخْذِ الْمَاءِ مِنْهُ شِرْبٌ خَاصٌّ وَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِكُونَ فِي النَّهْرِ غَيْرَ مَعْدُودِينَ فَيُقَالُ لَهُ نَهْرٌ عَامٌّ، وَالْقَوْلُ الَّذِي أَخَذَتْ بِهِ الْمَجَلَّةُ فِي الْمَادَّةِ هُوَ هَذَا الْقَوْلُ. الْأَشْخَاصُ الْمَعْدُودُونَ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ (الْأَشْخَاصِ) فَبَعْضُهُمْ قَالَ يُطْلَقُ عَلَى مَا دُونَ الْمِائَةِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ حَتَّى خَمْسِمِائَةٍ وَبَعْضُ الْمُتَفَقِّهِينَ قَالَ حَتَّى الْأَرْبَعِينَ. إلَّا أَنَّ الْبَعْضَ قَالَ يَجِبُ أَنْ يُفَوَّضَ تَعْيِينُ الْمِقْدَارِ لِرَأْيِ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ، إلَّا أَنَّ الْمَجَلَّةَ قَدْ قَبِلَتْ الرَّأْيَ الْأَوَّلَ الَّذِي هُوَ لِغَايَةِ مِائَةِ شَخْصٍ. الْقَوْلُ الثَّانِي: النَّهْرُ هُوَ الَّذِي يَتَفَرَّقُ عَلَى أَرَاضِي أَشْخَاصٍ مَعْدُودِينَ وَيَنْقَسِمُ عَلَيْهَا كَمَا وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي الْمَادَّةِ (١٢٣٩) وَيَتَلَاشَى إذَا انْتَهَى إلَى آخِرِ الْأَرَاضِي فَلَا يَكُونُ لَهُ مَنْفَذٌ لِمَفَازَةٍ وَيُقَالُ فِي حَقِّ الْأَخْذِ مِنْ هَذَا النَّهْرِ الشِّرْبُ الْخَاصِّ (مُنْلَا مِسْكِينٍ، مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ، الْقُهُسْتَانِيُّ فِي الشُّفْعَةِ) . الْقَوْلُ الثَّالِثُ: النَّهْرُ الْخَاصُّ عِبَارَةٌ عَنْ النَّهْرِ الَّذِي لَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ وَيُقَالُ فِي حَقِّ أَخْذِ الْمَاءِ مِنْهُ (الشِّرْبُ الْخَاصُّ) وَالْمَقْصُودُ مِنْ السُّفُنِ هِيَ صُغْرَاهَا أَيْ الزَّوَارِقُ (الْقُهُسْتَانِيُّ فِي الشُّفْعَةِ، الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الشُّفْعَةِ) . وَقَدْ قَبِلَتْ الْمَجَلَّةُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَفِي الْمَادَّةِ (١٢٣٩) قَبِلَتْ الْقَوْلَ الثَّانِيَ. وَعَلَى ذَلِكَ فَكَمَا أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ الْمُنْحَصِرَ فِي أَشْخَاصٍ مَعْدُودِينَ يُعَدُّ شِرْبًا خَاصًّا فَالنَّهْرُ الَّذِي بِالْمَعْنَى الْوَارِدِ فِي الْمَادَّةِ (١٢٣٩) يَكُونُ شِرْبًا خَاصًّا أَيْضًا. وَعَلَيْهِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالْقَوْلَيْنِ أَيْضًا، وَكَانَ الْأَجْدَرُ بِالْمَجَلَّةِ أَنْ تَكْتَفِيَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. [ (مَادَّةُ ٩٥٦) الطَّرِيقُ الْخَاصُّ] (مَادَّةُ ٩٥٦) : الطَّرِيقُ الْخَاصُّ هُوَ الزُّقَاقُ غَيْرُ النَّافِذِ. وَالْوَاقِعُ لَيْسَ كُلُّ زُقَاقٍ لَا يَنْفُذُ طَرِيقًا خَاصًّا كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ زُقَاقٍ يَنْفُذُ طَرِيقًا عَامًّا. وَعَلَيْهِ لَوْ سُدَّ مَنْفَذُ الطَّرِيقِ الْعَامِّ يَبْقَى طَرِيقًا عَامًّا كَمَا أَنَّ الطَّرِيقَ الْخَاصَّ لَا يَصِيرُ عَامًّا فِيمَا لَوْ فَتَحَ لَهُ أَصْحَابُهُ مَنْفَذًا فَاتَّصَلَ بِالطَّرِيقِ الْعَامِّ (عَبْدُ الْحَلِيمِ) وَعَلَيْهِ فَهَذَا التَّعْرِيفُ لَيْسَ جَامِعًا أَفْرَادَهُ وَلَا مَانِعًا أَغْيَارَهُ أَيْضًا فَيَجِبُ تَعْرِيفُ الطَّرِيقِ الْخَاصِّ بِأَنَّهُ (الطَّرِيقُ الَّذِي يَكُونُ مِلْكًا لِأَصْحَابِهِ) . وَلَمَّا كَانَ الطَّرِيقُ الْخَاصُّ مَمْلُوكًا فَلِأَصْحَابِهِ أَنْ يَمْنَعُوا غَيْرَهُمْ مِنْ الْمُرُورِ فِيهِ، فَلَوْ فَتَحَ أَصْحَابُ الطَّرِيقِ الْخَاصِّ بَابًا عَلَى الطَّرِيقِ الْعَامِّ وَوَصَلُوهُ بِهِ فَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا النَّاسَ مِنْ الْمُرُورِ مِنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الدُّرُّ الْمُنْتَقَى، الْهِنْدِيَّةُ) .

стр. 1433

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَجْرِ وَيَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ] [ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ صُنُوفِ الْمَحْجُورِينَ وَأَحْكَامِهِمْ] الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَجْرِ: وَيَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ صُنُوفِ الْمَحْجُورِينَ وَأَحْكَامِهِمْ يَعْنِي: أَنَّهُ سَيَصِيرُ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيَانُ أَصْنَافِ الْمَحْجُورِينَ وَأَحْكَامِهِمْ وَيَتَعَدَّدُ الْمَحْجُورُونَ بِسَبَبِ تَعَدُّدِ أَسْبَابِ الْحَجْرِ فَلِذَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُمْ أَيْضًا. أَسْبَابُ الْحَجْرِ سَبْعَةٌ: الرِّقُّ، الصِّغَرُ، الْجُنُونُ، الْغَفْلَةُ (أَيْ: الْبَلَهُ) ، ضَرَرُ الْعَامَّةِ، الدَّيْنُ، السَّفَهُ (الْخَانِيَّةُ) . وَبِمَا أَنَّ الْمَجَلَّةَ لَا تَتَعَرَّضُ لِأَحْكَامِ الرِّقِّ فَقَدْ أَهْمَلْتُ الْبَحْثَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ فِيهِ، وَأَمَّا الْبَقِيَّةُ فَسَيَأْتِي إيضَاحُهَا فِي الْمَوَادِّ الْآتِيَةِ. أَمَّا مُجَرَّدُ الْفِسْقِ؛ فَلَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٩٦٣) . وَاتُّفِقَ عَلَى أَنَّ الرِّقَّ، وَالصِّغَرَ، وَالْجُنُونَ، وَضَرَرَ الْعَامَّةِ، مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ، وَاخْتُلِفَ فِي كَوْنِ الدَّيْنِ وَالسَّفَهِ وَالْغَفْلَةِ، هَلْ هِيَ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ؟ . أَمَّا الْحَجْرُ عَلَى الْمُفْتِي الْمَاجِنِ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ، وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ؛ فَلَيْسَ اصْطِلَاحِيًّا وَسَيَأْتِي إيضَاحُ ذَلِكَ فِي الْمَادَّةِ (٩٦٤) (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . الْمَحْجُورُونَ قِسْمَانِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: هُمْ الْمَحْجُورُونَ أَصْلًا، وَهَذَا الْقِسْمُ نَوْعَانِ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَنْ كَانَ الْحَجْرُ عَلَيْهِمْ مُقَيَّدًا بِمَرَضِ الْمَوْتِ؛ إذْ إنَّ الْمَرِيضَ بِمَرَضِ الْمَوْتِ مَمْنُوعٌ مِنْ أَنْ يَبِيعَ مِنْ بَعْضِ وَرَثَتِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ أَوْ يَهَبَهُ مِنْهُ أَوْ يُقِرَّ لَهُ بِهِ وَمِنْ تَأْدِيَةِ دَيْنِ بَعْضِ دَائِنِيهِ مُرَجِّحًا إيَّاهُمْ عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ وَالتَّصَرُّفِ بِمَا يَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ التَّفْصِيلَاتِ فِي هَذَا الشَّأْنِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فِي شَرْحِ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْبَابِ الثَّانِي. النَّوْعُ الثَّانِي: مَنْ لَمْ يَكُنْ الْحَجْرُ عَلَيْهِمْ مُقَيَّدًا بِمَرَضِ الْمَوْتِ، وَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ: الصَّغِيرُ وَالْمَعْتُوهُ وَالْمَجْنُونُ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَنْ يَحْتَاجُونَ إلَى حَجْرِ الْحَاكِمِ، وَهُمْ سِتَّةُ أَشْخَاصٍ: السَّفِيهُ، الْمَدِينُ، الطَّبِيبُ الْجَاهِلُ، الْمُكَارِي الْمُفْلِسُ، الْمُفْتِي الْمَاجِنُ. [ (مَادَّةُ ٩٥٧) الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ مَحْجُورُونَ أَصْلًا] (مَادَّةُ ٩٥٧) : الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ مَحْجُورُونَ أَصْلًا سَوَاءٌ أَكَانَ الصَّغِيرُ مُمَيِّزًا أَمْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ وَالْمَجْنُونُ هُوَ الْمَجْنُونُ الْمُطْبِقُ وَلَا حَاجَةَ فِي الْحَجْرِ عَلَى هَؤُلَاءِ إلَى حَجْرٍ خُصُوصِيٍّ كَالْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ وَالْمَدِينِ وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ فَعَلَيْهِ لَوْ أَقَرَّ صَغِيرٌ مُمَيِّزٌ لِأَحَدٍ بِدَيْنٍ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الْإِقْرَارُ بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ (١٥٧٣) (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) .

стр. 1434

وَقَدْ حُجِرَ عَلَى الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ فَلِفِقْدَانِهِ الْعَقْلَ وَإِذَا كَانَ مُمَيِّزًا فَلِنُقْصَانِ عَقْلِهِ؛ إذْ يُوجَدُ احْتِمَالُ الْغَرَرِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ. أَمَّا إذَا أَذِنَ وَلِيُّ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ لَهُ فَتَصِحُّ تَصَرُّفَاتُهُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ بِتَرْجِيحِ جَانِبِ الْمَصْلَحَةِ. وَقَدْ حُجِرَ الْمَجْنُونُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُطْبِقًا فَهُوَ عَدِيمُ الْعَقْلِ. كَالصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ أَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ مُطْبِقٍ فَهُوَ مَحْجُورٌ أَصْلًا فِي حَالِ جُنُونِهِ وَلَمْ يَبْقَ حَاجَةٌ لِحَجْرٍ خُصُوصِيٍّ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِهِ حِينَئِذٍ غَيْرُ صَحِيحَةٍ بِلَا إذْنِ الْوَلِيِّ. أَمَّا فِي حَالِ صَحْوِهِ وَإِفَاقَتِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَحْجُورٍ أَصْلًا وَتَصِحُّ تَصَرُّفَاتُهُ. وَيُفْهَمُ مِنْ التَّفْصِيلَاتِ الْآتِيَةِ أَنَّ الصَّغِيرَ الْمَحْجُورَ وَالْمَجْنُونَ غَيْرَ الْمُطْبِقِ يُؤْذَنُ بِفَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُمَا، أَمَّا الصَّغِيرُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونُ الْمُطْبِقُ فَلَا يُؤْذَنَا بِفَكِّ الْحَجْرِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) [ (مَادَّةُ ٩٥٨) لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى السَّفِيهِ] هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ الثَّانِي أَبِي يُوسُفَ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ السَّفِيهِ هُنَا مَنْ يَبْلُغُ سِنَّ الرُّشْدِ غَيْرَ سَفِيهٍ فَيُصْبِحُ بَعْدَ ذَلِكَ سَفِيهًا. أَمَّا مَنْ يَبْلُغُ سِنَّ الرُّشْدِ وَهُوَ سَفِيهٌ فَتُمْنَعُ عَنْهُ أَمْوَالُهُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْخَامِسَةَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ أَيْ: أَنَّهُ لَا تُعْطَى إلَيْهِ أَمْوَالُهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٩٨٢) . وَلَكِنْ إذَا بَلَغَ الْخَامِسَةَ وَالْعِشْرِينَ فَيَجْرِي الِاخْتِلَافُ الْآتِي (أَبُو السُّعُودِ) وَقَوْلُ هَذِهِ الْمَادَّةِ " لِلْحَاكِمِ "، مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَى السَّفِيهِ لَيْسَتْ لِلْأَبِ وَلَا لِلْجَدِّ وَأَمْثَالِهِمَا بَلْ هِيَ لِلْحَاكِمِ فَقَطْ. وَالسَّفِيهُ، بِمَا أَنَّهُ يَصْرِفُ مَالَهُ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهِ وَيُتْلِفُهُ فَقَدْ أُلْحِقَ بِالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الصَّبِيِّ نَاشِئٌ عَنْ احْتِمَالِ صَرْفِهِ مَالَهُ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهِ وَقَدْ جَازَ الْحَجْرُ عَلَى السَّفِيهِ بِالنَّظَرِ إلَى مَنْفَعَتِهِ وَلِئَلَّا يُبْتَلَى بِالْفَقْرِ الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الْأَحْمَرُ بِإِتْلَافِهِ مَالَهُ (الْهِنْدِيَّةُ وَالطَّحْطَاوِيُّ) . مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ: لَكِنَّ الْإِمَامَ أَبَا يُوسُفَ يَرَى أَنَّهُ يَقْتَضِي لِعَدِّ السَّفِيهِ مَحْجُورًا أَنْ يَحْجُرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ مَحْجُورًا بِلَا حَجْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ السَّفَهَ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مَحْسُوسٍ فَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِالِانْخِدَاعِ فِي التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّ الِانْخِدَاعَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حِيلَةً قُصِدَ بِهَا اسْتِجْلَابُ الْقُلُوبِ كَمَا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إضَاعَةً لِلْمَالِ بِلَا مُوجِبٍ عَقْلِيٍّ بِدَاعِي السَّفَهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الشَّيْءِ الْمُحْتَمِلِ أَمْرَيْنِ أَوْ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ بِالْقَضَاءِ. وَيُوجَدُ أَيْضًا فِي حَجْرِ السَّفِيهِ (فَائِدَةٌ) بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى أَمْوَالِهِ (وَضَرَرٌ) بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ أَنْ تَكُونَ تَصَرُّفَاتُهُ بَعْدَ الْحَجْرِ غَيْرَ صَحِيحَةٍ وَإِهْدَارُ أَقْوَالِهِ وَإِلْحَاقُهُ بِالْبَهَائِمِ. وَتَرْجِيحُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فِي مُحْتَمَلَاتٍ كَهَذِهِ عَلَى الْآخَرِ يَكُونُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ الَّذِي هُوَ مُجْبَرٌ عَلَى مُلَاحَظَةِ جِهَتَيْ الْمَنْفَعَةِ وَالْمَضَرَّةِ (الْهِنْدِيَّةُ، الْكِفَايَةُ) . فَلِذَلِكَ إذَا صَارَ السَّفِيهُ مُسْتَحِقًّا الْحَجْرَ لَا يَكُونُ مَحْجُورًا بِنَفْسِهِ، فَإِذَا زَالَ السَّفَهُ وَاكْتَسَبَ صَلَاحًا فَلَا يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ بِنَفْسِهِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ وَعَلَيْهِ فَتَصَرُّفَاتُ السَّفِيهِ قَبْلَ الْحَجْرِ صَحِيحَةٌ وَمُعْتَبَرَةٌ. أَمَّا تَصَرُّفَاتُهُ بَعْدَ أَنْ اكْتَسَبَ صَلَاحًا بَعْدَ الْحَجْرِ وَقَبْلَ الْفَكِّ فِي حَالَةِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فَغَيْرُ صَحِيحَةٍ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَعِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ يَنْحَجِرُ السَّفِيهُ بِمُجَرَّدِ سَفَهِهِ بِلَا حَجْرِ الْحَاكِمِ وَلِذَلِكَ فَتَصَرُّفَاتُهُ بَعْدَ حُصُولِ

стр. 1435

السَّفَهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ حَتَّى إذَا عُرِضَتْ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتُ عَلَى الْحَاكِمِ فَهُوَ مُجْبَرٌ عَلَى إبْطَالِهَا كَمَا أَنَّهُ إذَا تَبَدَّلَ سَفَهُهُ بِالصَّلَاحِ فَالْحَجْرُ عَلَيْهِ يَزُولُ بِنَفْسِهِ وَتُصْبِحُ تَصَرُّفَاتُهُ صَحِيحَةً وَإِذَا عُرِضَتْ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتُ عَلَى الْحَاكِمِ فَعَلَيْهِ تَصْدِيقُهَا وَتَثْبِيتُهَا (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الْخَانِيَّةُ) . مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ: وَلَمْ يُجَوِّزْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْحَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْعَاقِلِ هُوَ اسْتِلَابٌ لِآدَمِيَّتِهِ وَإِلْحَاقُهُ بِالْبَهَائِمِ وَهَذَا أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ التَّبْذِيرِ وَأَقْوَى مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ اخْتِيَارُ الْحَجْرِ الْأَعْلَى بَدَلًا مِنْ التَّبْذِيرِ الْأَدْنَى وَيَصِيرُ إثْبَاتُ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَفْتَرِقُ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ بِاللِّسَانِ وَالْبَيَانِ وَعَلَيْهِ فَإِطْلَاقُ اللِّسَانِ وَاعْتِبَارُ الْبَيَانِ نِعْمَةً أَصْلِيَّةً وَأَمَّا الْمَالُ فَهُوَ نِعْمَةٌ زَائِدَةٌ فَتَكُونُ نِعْمَةُ إطْلَاقِ اللِّسَانِ النِّعْمَةَ الْعُلْيَا وَنِعْمَةُ الْمَالِ النِّعْمَةَ الدُّنْيَا (الْهِدَايَةُ، الْكِفَايَةُ) . وَيُفْهَمُ مِمَّا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلَاتِ أَنَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ مَذْهَبٌ مُتَوَسِّطٌ وَقَدْ أُسِّسَتْ هَذِهِ الْمَادَّةُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الْمُشَارِ إلَيْهِ (الْهِدَايَةُ) . لَوْ حَجَرَ حَاكِمٌ عَلَى سَفِيهٍ وَفَكَّ الْحَجْرَ عَنْهُ حَاكِمٌ آخَرُ وَأَجَازَ تَصَرُّفَاتِهِ كَبَيْعِ الْمَحْجُورِ قَبْلَ الْفَكِّ وَشِرَائِهِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا وَتَكُونُ تَصَرُّفَاتُهُ بَعْدَ الْفَكِّ صَحِيحَةً أَيْضًا (التَّنْوِيرُ، رَدُّ الْمُحْتَارِ) ؛ لِأَنَّ حَجْرَ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ كَإِفْتَاءٍ مِنْ وَجْهٍ وَلَيْسَ حُكْمًا وَقَضَاءً مِنْ وَجْهٍ وَلَا يُقَالُ بِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ: إنَّ حُكْمَ حَاكِمٍ فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ لَا يَنْقُضُهُ حَاكِمٌ آخَرُ. كَمَا سَيُذْكَرُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٦٢) أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَلْزَمُ فِي الْقَضَاءِ أَنْ يَكُونَ مَقْضِيًّا لَهُ وَمَقْضِيًّا عَلَيْهِ وَهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَا بِمَوْجُودَيْنِ (الْهِدَايَةُ، الْحَمَوِيُّ، رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَلَوْ عَرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ فَكُّ الْحَجْرِ لِلْقَاضِي الثَّانِي عَلَى قَاضٍ ثَالِثٍ فَيَلْزَمُهُ التَّصْدِيقُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ أَوْ يُبْطِلَهُ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَ الْقَاضِي قَرَارًا لِتَرْجِيحِ أَحَدِ الرَّأْيَيْنِ فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ يَكُونُ نَافِذًا بِالْإِجْمَاعِ وَغَيْرَ قَابِلٍ لِلْفَسْخِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) . [ (مَادَّةُ ٩٥٩) يُحْجَرُ الْمَدِينُ أَيْضًا مِنْ طَرَفِ الْحَاكِمِ بِطَلَبِ الْغُرَمَاءِ] (مَادَّةُ ٩٥٩) يُحْجَرُ الْمَدِينُ أَيْضًا مِنْ طَرَفِ الْحَاكِمِ بِطَلَبِ الْغُرَمَاءِ كَمَا يُحْجَرُ عَلَى السَّفِيهِ يُحْجَرُ عَلَى الْمَدِينِ أَيْضًا مِنْ طَرَفِ الْحَاكِمِ بَعْدَ أَنْ يَحْكُمَ بِإِفْلَاسِهِ بِطَلَبِ الدَّائِنِينَ وَالْمُرَادُ بِالْغُرَمَاءِ الدَّائِنُونَ لِئَلَّا يَضُرَّهُمْ بِتَصَرُّفِهِ فِي أَمْوَالِهِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْمَدِينُ أَمْوَالَهُ بِطَرِيقِ الْمُوَاضَعَةِ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ بِمَحْضَرِ شُهُودٍ أَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِطَرِيقِ الْمُوَاضَعَةِ فَلَا وَيَجِدُ الْغُرَمَاءُ مَا يَسْتَوْفُونَ بِهِ دُيُونَهُمْ فَالْحَجْرُ عَلَى السَّفِيهِ كَمَا أَنَّ فِيهِ نَظَرًا وَفَائِدَةً لَهُ فَالْحَجْرُ عَلَى الْمَدِينِ فِيهِ نَظَرٌ وَفَائِدَةٌ لِلْغُرَمَاءِ أَيْضًا (الْهِدَايَةُ، الْكِفَايَةُ) اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٢٦) فَعَدَمُ سَدَادِ الدَّيْنِ (بِالْفَتْحِ) أَثْقَلُ الْأَحْمَالِ وَأَضَرُّ فِي الدِّينِ مِنْ خَبَائِثِ الْأَعْمَالِ (الْخَيْرِيَّةُ) . وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَ إنَّمَا يُحْجَرُ بِحَجْرِ الْحَاكِمِ. وَلَمْ يَحْصُلْ فِي هَذَا الِاخْتِلَافُ الْحَاصِلُ فِي السَّفِيهِ إلَّا أَنَّ حَجْرَ الْمَدِينِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَوَّلًا الْحُكْمُ بِإِفْلَاسِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِإِفْلَاسِ ذَلِكَ الْمَدِينِ وَمِنْ ثَمَّ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْحَجْرِ بِنَاءً عَلَى إفْلَاسِهِ حَتَّى أَنَّهُ إذَا حَجَرَ ابْتِدَاءً أَيْ: قَبْلَ الْحُكْمِ بِإِفْلَاسِهِ فَهَذَا الْحَجْرُ

стр. 1436

غَيْرُ صَحِيحٍ بِالِاتِّفَاقِ. أَمَّا الْحَجْرُ بِالسَّفَهِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحُكْمُ ابْتِدَاءً بِالْإِفْلَاسِ (الْكِفَايَةُ، رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَيَحْجُرُ الْحَاكِمُ عَلَى الْمَدِينِ بِطَلَبِ الْغُرَمَاءِ سَوَاءٌ أَكَانَ مُفْلِسًا أَيْ: كَانَ دَيْنُهُ زَائِدًا عَلَى مَالٍ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ أَمْ غَيْرَ مُفْلِسٍ. وَالْحَجْرُ بِسَبَبِ الدَّيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ أَمَّا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ فَلَمْ يُجَوِّزْ الْحَجْرَ بِسَبَبِ الدَّيْنِ (تَنْوِيرُ الْأَبْصَارِ) وَقَدْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ الْحَجْرَ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَا فِيهِ مِنْ سَلْبِ وِلَايَةِ الْمُخْتَارِ عَنْ الْجَرْيِ عَلَى مُوجَبِ الِاخْتِيَارِ وَسَيَأْتِي فِي الْمَادَّةِ (٩٩٨) مَعَ الْمَوَادِّ التَّالِيَةِ لَهَا الْمَسَائِلُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِحَجْرِ الْمَدِينِ. التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي يُؤْثَرُ فِيهَا الْحَجْرُ لِلسَّفَهِ وَالدَّيْنِ: إنَّ حَجْرَ السَّفِيهِ وَحَجْرَ الْمَدِينِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَهُمَا مُنْحَصِرَانِ فِيمَا يُحْتَمَلُ فَسْخُهُ وَيَبْطُلُ بِالْهَزْلِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ. أَمَّا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَلَا يَبْطُلُ بِالْهَزْلِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ؛ فَلَا تَأْثِيرَ لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، كَمَا سَيُوَضَّحُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٩٤) . مَثَلًا: لَوْ تَزَوَّجَ الْمَدِينُ أَوْ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ بِزَوْجَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَسَمَّى صَدَاقًا مُعَيَّنًا كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الزَّوَاجَ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الصَّدَاقُ الْمُسَمَّى زِيَادَةً عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَزِمَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَيَبْطُلُ الزَّائِدُ (الزَّيْلَعِيّ، رَدُّ الْمُحْتَارِ) . الْفُرُوقَاتُ بَيْنَ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ وَبَيْنَ الْمَدِينِ الْمَحْجُورِ: يُوجَدُ فُرُوقٌ بَيْنَ حَجْرِ السَّفِيهِ وَبَيْنَ حَجْرِ الْمَدِينِ عَلَى الْأَوْجُهِ الْآتِيَةِ: أَوَّلًا: الْحَجْرُ عَلَى السَّفِيهِ يَكُونُ بِالْحَجْرِ عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِهِ أَيْ: أَنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا قَبْلَ الْحَجْرِ وَاَلَّتِي اكْتَسَبَهَا بَعْدَهُ وَيُؤَثِّرُ عَلَيْهَا. وَالْحَالُ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمَدِينِ يَنْحَصِرُ فِي الْمَالِ الْمَوْجُودِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ (١٠٠١) وَيَكُونُ تَصَرُّفُهُ فِي الْمَالِ الَّذِي يَكْتَسِبُهُ بَعْدَ الْحَجْرِ نَافِذًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ، وَالدُّرُّ الْمُنْتَقَيْ) . ثَانِيًا: إنَّ سَبَبَ حَجْرِ السَّفِيهِ سُوءُ اخْتِيَارِهِ مَعَ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمَدِينِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . ثَالِثًا: إنَّ إقْرَارَ الْمَحْجُورِ بِالسَّفَهِ حَالَ حَجْرِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٩٤٤) كَمَا أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ أَيْضًا فِي حَقِّ الْمَالِ الْمَوْجُودِ أَوْ الْمَالِ الْحَادِثِ مَعَ أَنَّ الْمَحْجُورَ بِالدَّيْنِ إذَا أَقَرَّ فِي حَالِ حَجْرِهِ يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ فِي حَقِّ الْأَمْوَالِ الْمَوْجُودَةِ حِينَ الْحَجْرِ وَالْأَمْوَالِ الْمُكْتَسَبَةِ بَعْدَهُ، كَمَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْأَمْوَالِ الْحَادِثَةِ حَالَ حَجْرِهِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) . رَابِعًا: قَدْ مَرَّ مَعَنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حَجْرِ الْمَدِينِ الْحُكْمُ بِإِفْلَاسِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ بِلَا إفْلَاسٍ غَيْرُ صَحِيحٍ بِخِلَافِ الْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحُكْمُ بِإِفْلَاسِهِ (مَادَّةُ ٩٦٠) الْمَحْجُورُونَ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْمَوَادِّ السَّابِقَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ تَصَرُّفُهُمْ الْقَوْلِيُّ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إلَّا أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ حَالًا الْخَسَارَةَ وَالضَّرَرَ اللَّذَيْنِ نَشَآ مِنْ فِعْلِهِمْ. مَثَلًا: لَوْ أَتْلَفَ الصَّغِيرُ مَالَ آخَرَ لَزِمَ الضَّمَانُ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ. يُؤَاخَذُ الْمَحْجُورُونَ بِأَفْعَالِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ لَا يَجْرِي فِي الْأَفْعَالِ. اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٩٤١) .

стр. 1437

وَعَلَيْهِ فَالْمَحْجُورُونَ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْمَوَادِّ السَّابِقَةِ يَعْنِي الصَّغِيرَ، وَالْمَجْنُونَ، وَالْمَعْتُوهَ، وَالْأَبْلَهَ، وَالسَّفِيهَ، وَالْمَدِينَ وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ تَصَرُّفَاتُهُمْ الْقَوْلِيَّةُ الدَّائِرَةُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِقْرَارِ وَاَلَّتِي تَكُونُ ضَرَرًا مَحْضًا كَهِبَةِ مَالٍ وَالتَّصَدُّقِ بِهِ بِمُقْتَفَى الْمَوَادِّ (٩٦٦، ٩٦٧، ٩٧٨، ٩٧٩، ٩٩٠، ٩٩١) إلَّا أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ مِنْ مَالِهِمْ الضَّرَرَ وَالْخَسَارَةَ اللَّذَيْنِ نَشَآ مِنْ فِعْلِهِمْ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الضَّرَرُ عَائِدًا عَلَى الْمَالِ كَإِتْلَافِ مَالٍ أَمْ مُتَعَلِّقًا بِالنَّفْسِ كَإِتْلَافِ النَّفْسِ أَوْ قَطْعِ الْعُضْوِ حَالًا أَيْ: بِدُونِ انْتِظَارِ حَالِ الْبُلُوغِ أَوْ حَالِ الصَّحْوِ وَالْإِفَاقَةِ أَوْ انْتِظَارِ وَقْتِ فَكِّ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٩٤١) مُخْتَصٌّ بِالْأَقْوَالِ وَلَيْسَ فِي الْأَفْعَالِ حَجْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْفِعْلُ مَوْجُودًا حِسًّا وَمُشَاهَدَةً فَلَا يُمْكِنُ رَدُّهُ وَإِعَادَتُهُ وَاعْتِبَارُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ؛ مَثَلًا: إذَا أَتْلَفَ صَبِيٌّ غَيْرُ مُمَيِّزٍ أَوْ مُمَيِّزٌ مَحْجُورٌ مَالًا وَاعْتُبِرَ هَذَا الْإِتْلَافُ مَعْدُومًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ نَعْتَبِرَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي تَلِفَ عَدَمَ التَّلَفِ وَهَذِهِ الْحَالُ إنْكَارٌ لِلْحَقَائِقِ وَدُخُولٌ فِي مَذْهَبِ السُّفُسْطَائِيَّة (الْهِدَايَةُ) . فَلِذَلِكَ لَوْ قَتَلَ صَبِيٌّ أَحَدًا لَزِمَتْ الدِّيَةُ. وَإِلَّا فَعَدُّ الْقَتْلِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ فِي الْعَارِيَّةِ: لَوْ اسْتَهْلَكَ الصَّبِيُّ الْمَالَ الَّذِي أُعِيرُ لَهُ بِلَا إذْنِ الْوَلِيِّ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٨٠٩) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ الضَّمَانُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَلَزِمَ ضَمَانُ الْعَقْدِ وَالْحَالُ أَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِالْتِزَامِ لَكِنَّ الْإِمَامَ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ: إنَّ الضَّمَانَ هُنَا ضَمَانُ فِعْلٍ وَالصَّبِيُّ أَهْلٌ لِالْتِزَامِ الْفِعْلِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . فَرْقٌ: إذَا أَتْلَفَ الصَّبِيُّ مَالَ أَحَدٍ بِلَا سَبْقِ الْإِقْرَاضِ وَالْإِيدَاعِ وَالْإِعَارَةِ يَلْزَمُ الضَّمَانُ بِالْإِجْمَاعِ وَالسَّبَبُ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَدْ بُيِّنَ فِي الْمَادَّةِ (٧٧٦) شَرْحًا (الطَّحْطَاوِيُّ) . الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ فِي الْهِبَةِ: وَإِنْ يَكُنْ، أَنَّ الْمَالَ الْمَوْهُوبَ هِبَةً فَاسِدَةً وَالْمُسْلَمَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٨٥٨) إلَّا أَنَّ الْمَوْهُوبَ وَالْمُسْلَمَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِلصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ غَيْرُ مَضْمُونٍ فِيمَا إذَا اسْتَهْلَكَهُ الصَّبِيُّ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ فِي الشَّرِكَةِ: لَوْ أَعْطَى أَحَدٌ مَبْلَغًا لِصَبِيٍّ مَحْجُورٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالِ لِلشَّرِكَةِ وَاسْتَهْلَكَهُ الصَّبِيُّ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ قِيلَ فِي الْقَاعِدَةِ (إذَا سَلَّمَ الْمَالَ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ أَحَدٌ خَادِمَهُ لِصَبِيٍّ مَحْجُورٍ وَقَتَلَهُ الصَّبِيُّ تَلْزَمُ الدِّيَةُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَالِ وَالنَّفْسِ هُوَ: أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُمَكِّنَ آخَرَ مِنْ إتْلَافِ مَالِهِ وَيُرَخِّصَ لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِصْمَةَ الْمَالِ تَكُونُ لِحَقِّ صَاحِبِهِ أَمَّا عِصْمَةُ الْإِنْسَانِ فَلِحَقِّ نَفْسِهِ وَلَيْسَ لِحَقِّ مَوْلَاهُ وَعَلَيْهِ فَكَمَا أَنَّ مَوْلَى الْحَظِّ لَيْسَ لَهُ اسْتِهْلَاكُهُ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمَكِّنَ غَيْرَهُ مِنْ اسْتِهْلَاكِهِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ قَبِيلَ الْقَسَامَةِ) . [ (مَادَّة ٩٦١) إذَا حُجِرَ السَّفِيهُ وَالْمَدِينُ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ يُبَيَّنُ سَبَبُهُ لِلنَّاسِ] (مَادَّةُ ٩٦١) : إذَا حُجِرَ السَّفِيهُ وَالْمَدِينِ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ يُبَيَّنُ سَبَبُهُ لِلنَّاسِ وَيُشْهَدُ عَلَيْهِ وَيُعْلَن. إذَا حُجِرَ السَّفِيهُ وَالْمَدِينُ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ يَلْزَمُ.

стр. 1438

بَيَانُ سَبَبِهِ أَيْ: سَبَبِ الْحَجْرِ إنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ السَّفَهِ أَوْ مِنْ أَجْلِ الدَّيْنِ وَالْإِشْهَادُ عَلَى ذَلِكَ. ٢ - بِمَا أَنَّهُ يُوجَدُ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَحْكَامِ الْمَحْجُورِ بِالسَّفَهِ وَبَيْنَ أَحْكَامِ الْمَحْجُورِ بِالدَّيْنِ كَمَا سَيَأْتِي إيضَاحُهُ فَيَلْزَمُ بَيَانُ كَوْنِ الْحَجْرِ بِالسَّفَهِ أَوْ بِالدَّيْنِ. ٣ - إذَا كَانَ الْحَجْرُ لِأَجْلِ الدَّيْنِ يُبَيَّنُ وَيُعْلَنُ وُقُوعُ الْحَجْرِ لِأَجْلٍ أَيْ: دَائِنٍ وَإِيضَاحُ هَذِهِ الْمَادَّةِ كَمَا يَلِي: يَجْدُرُ بِالْحَاكِمِ الْإِشْهَادُ عَلَى الْحَجْرِ حَتَّى لَا يُنْكَرَ حَجْرُهُ عَلَى الْمَحْجُورِ كَمَا يَجِبُ أَنْ يُبَيَّنَ كَوْنُهُ وَقَعَ بِدَيْنٍ أَوْ سَفَهٍ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْحَجْرِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهِ فَالْحَجْرُ بِسَبَبِ الدَّيْنِ يُؤَثِّرُ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (١٠٠١) فِي حَقِّ الْمَالِ الْمَوْجُودِ. أَمَّا فِي الْمَالِ الْحَادِثِ فَغَيْرُ مُؤَثِّرٍ. وَالْحَالُ أَنَّ الْحَجْرَ بِسَبَبِ السَّفَهِ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْأَمْوَالِ. وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إذَا أُعْلِنَ أَنَّ الدَّيْنَ سَبَبُ الْحَجْرِ فَيُفْهَمُ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمَحْجُورِ فِي مَالِهِ الْحَادِثِ صَحِيحٌ وَيَجِبُ إذَا كَانَ الْحَجْرُ بِالدَّيْنِ أَنْ يُبَيَّنَ وَيُعْلَنَ اسْمُ الدَّائِنِ الَّذِي وَقَعَ الْحَجْرُ بِطَلَبِهِ حَتَّى يَرْتَفِعَ الْحَجْرُ بِاسْتِيفَاءِ الدَّائِنِ حَقَّهُ أَوْ بِإِبْرَائِهِ الْمَحْجُورَ (الْعِنَايَةُ، الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ) . إنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْمَادَّةِ أَيْ: بِالْإِشْهَادِ وَالْإِعْلَانِ خَاصٌّ بِحَجْرِ السَّفِيهِ وَحَجْرِ الْمَدِينِ؛ لِأَنَّ الْمَحْجُورِينَ الْآخَرِينَ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ غَيْرُ مُحْتَاجِينَ إلَى حَجْرِ الْحَاكِمِ وَهُمْ مَحْجُورُونَ بِأَنْفُسِهِمْ فَلَا يَجْرِي حُكْمُ هَذِهِ الْمَادَّةِ فِي: النَّوْعِ الثَّانِي - التَّصَرُّفَاتُ الْقَوْلِيَّةُ الَّتِي هِيَ ضَرَرٌ مَحْضٌ وَذَلِكَ كَهِبَةِ الصَّغِيرِ لِآخَرَ. وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مِنْ الصَّغِيرِ بَاطِلَةٌ وَلَوْ أَذِنَ وَلِيُّ الصَّغِيرِ وَالْمَعْتُوهِ بِهَا اُنْظُرْ الْفِقْرَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الْمَادَّةِ (٩٦٧) الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْمَادَّةِ (٨٥٩) . النَّوْعُ الثَّالِثُ - التَّصَرُّفَاتُ الْقَوْلِيَّةُ الدَّائِرَةُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ هِيَ الَّتِي بُيِّنَ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّهَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ. لَكِنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِ تَصَرُّفِ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ لِنَفْسِهِ؛ وَإِلَّا فَلَوْ تَصَرَّفَ بِالْوَكَالَةِ لِغَيْرِهِ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ فِي الْمَادَّةِ (١٤٥٨) (رَدُّ الْمُحْتَارِ) مَثَلًا: لَوْ اسْتَهْلَكَ مُفْلِسٌ أَوْ سَفِيهٌ مَحْجُورٌ مَالًا لِأَحَدٍ يَعْنِي إذَا ثَبَتَ اسْتِهْلَاكُهُ بِالْبَيِّنَةِ يَلْزَمُ الضَّمَانُ مِنْ أَمْوَالِهِ الْمَوْجُودَةِ وَقْتَ الْحَجْرِ كَذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَ صَبِيٌّ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَوْ مَجْنُونٌ مَالَ أَحَدٍ لَزِمَ الضَّمَانُ فِي الْحَالِ مِنْ مَالِهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَالٌ فَيَلْزَمُ الِانْتِظَارُ إلَى حَالِ يُسْرِهِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، أَبُو السُّعُودِ) . حَتَّى أَنَّهُ لَوْ انْقَلَبَ الطِّفْلُ الْمَوْلُودُ حَدِيثًا عَلَى قَارُورَةِ أَحَدٍ فَانْكَسَرَتْ يَلْزَمُ الصَّبِيَّ الضَّمَانُ فِي الْحَالِ كَذَلِكَ لَوْ أَلْقَى الصَّبِيُّ مَتَاعَ أَحَدٍ فِي النَّارِ وَاسْتَهْلَكَهُ لَزِمَ الضَّمَانُ (الْفَتَاوَى الْجَدِيدَةُ، رَدُّ الْمُحْتَارِ) . مُسْتَثْنَيَاتٌ: يُسْتَثْنَى بَعْضُ الْمَسَائِلِ مِنْ قَاعِدَةِ (يُؤَاخَذُ الْمَحْجُورُونَ بِأَفْعَالِهِمْ) وَإِلَيْكَ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الِاسْتِثْنَائِيَّة الْقَاعِدَةُ الْآتِيَةُ: الْقَاعِدَةُ: إذَا سَلَّمَ أَحَدٌ الصَّبِيَّ الْمَحْجُورَ مَالًا بِوَجْهٍ مِنْ أَوْجُهِ التَّسْلِيمِ وَاسْتَهْلَكَهُ الصَّبِيُّ فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ. أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الثَّانِي وَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَيَلْزَمُ الضَّمَانُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ قَبِيلَ الْقَسَامَةِ، الْخَانِيَّةُ فِي الْإِذْنِ، وَالْأَنْقِرْوِيُّ) .

стр. 1439

يَتَفَرَّعُ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ عَدِيدَةٌ وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الْبَيْعِ: بِمَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٣٦١) أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي عَاقِلًا مُمَيِّزًا فَلَوْ بَاعَ أَحَدٌ مَالًا لَهُ مِنْ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ وَاسْتَهْلَكَهُ الصَّبِيُّ فَكَمَا لَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ إعْطَاءُ ثَمَنِ الْمَبِيعِ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ الْمَالِ أَيْضًا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْإِجَارَةِ: بِمَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْإِجَارَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَأْجِرُ عَاقِلًا مُمَيِّزًا كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْمَادَّةِ (٤٤٤) فَلَوْ آجَرَ أَحَدٌ مَالًا لِصَبِيٍّ غَيْرِ مَأْذُونٍ أَوْ لِمَجْنُونٍ وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ وَاسْتَهْلَكَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ بَدَلُ الْإِيجَارِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الرَّهْنِ: بِمَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الرَّهْنِ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٧٠٨) أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَهِنُ عَاقِلًا فَلَوْ رَهَنَ أَحَدٌ مَالَهُ عِنْدَ صَبِيٍّ غَيْرِ عَاقِلٍ أَوْ مَجْنُونٍ وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ وَاسْتَهْلَكَهُ الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانُ الرَّهْنِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي الْقَرْضِ: إذَا أَخَذَ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ مَالًا قَرْضًا وَاسْتَهْلَكَهُ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانُ الطَّرَفَيْنِ. أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الثَّانِي وَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَلَزِمَ الضَّمَانُ. وَالصَّحِيحُ هُوَ هَذَا الْقَوْلُ (الطَّحْطَاوِيُّ) . أَمَّا حَقُّ صَاحِبِ الْمَالِ فِي اسْتِرْدَادِهِ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فِي يَدِ الصَّبِيِّ عَيْنًا وَعَدَمُ لُزُومِ الضَّمَانِ إذَا تَلِفَ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الطَّحْطَاوِيُّ قَبِيلَ الْقَسَامَةِ) . الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي الْوَدِيعَةِ: إذَا اسْتَهْلَكَ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ الْمَالَ الْمُودَعِ عِنْدَهُ بِلَا إذْنِ الْوَلِيِّ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ. أَمَّا لَوْ اسْتَهْلَكَ الصَّبِيُّ الْمَذْكُورُ الْمَالَ الْمُودَعِ عِنْدَ أَبِيهِ فَيَضْمَنُ. وَقَدْ مَرَّ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٧٨) بَعْضُ تَفْصِيلَاتٍ أَيْضًا. وَيُحْجَرُ عَلَى بَعْضِ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ تَكُونُ مَضَرَّتُهُمْ لِلْعُمُومِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ وَقَدْ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (كَالطَّبِيبِ) إلَى أَنَّ هُنَاكَ أَشْخَاصًا آخَرِينَ يَسْتَحِقُّونَ الْحَجْرَ وَهُمْ الْمُفْتِي الْمَاجِنُ وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسُ، وَلْنُوَضِّحْ الْآنَ الْبَحْثَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصِ الثَّلَاثَةِ. الطَّبِيبُ الْجَاهِلُ، هُوَ الَّذِي يُعْطِي الْأَدْوِيَةَ الْمُهْلَكَةَ لِلنَّاسِ وَيَسْقِيهِمْ إيَّاهَا عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَاَلَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَ الضَّرَرِ عِنْدَ ظُهُورِ الْمَضَرَّةِ وَالتَّهْلُكَةِ (الطَّحْطَاوِيُّ) . الْمُفْتِي الْمَاجِنُ: هُوَ مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْحِيَلَ الْبَاطِلَةَ أَيْ: الْحِيَلَ الْمُؤَدِّيَةَ إلَى الضَّرَرِ وَاَلَّذِي يُفْتِي عَنْ جَهْلٍ وَلَا يُبَالِي بِتَحْلِيلِ الْحَرَامِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ (أَبُو السُّعُودِ الْمِصْرِيُّ) . يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاجِنٌ، وَالْمَاجِنُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُجُونِ وَاسْمُهُ بِضَمِّ الْمِيمِ مُجَّانٌ مَعْنَاهُ الصُّلْبُ وَالْغَلِيظُ وَاَلَّذِي لَا يَخْشَى كَلَامَ النَّاسِ وَلَا يُبَالِي بِمَا صَنَعَ، يَعْنِي: هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَحْيِي وَلَا يَخْجَلُ وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ غِلَظِ الْوَجْهِ إذَا قَلَّ حَيَاؤُهُ وَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ الْمُكَارِي الْمُفْلِسُ، هُوَ مَنْ لَيْسَ لَدَيْهِ دَابَّةٌ وَلَيْسَ لَدَيْهِ وَسَائِطُ أُخْرَى لِلنَّقْلِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَدَيْهِ نُقُودٌ لِشِرَاءِ ذَلِكَ وَيُكْرِي النَّاسَ دَوَابَّ وَمَتَى جَاءَ وَقْتُ تَسْلِيمِهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ يَخْتَفِي وَبِمَا أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى كَلَامِ ذَلِكَ الْمُكَارِي فَيُعْطُونَهُ قِسْمًا مِنْ الْأَجْرِ سَلَفًا فَيَصْرِفُ ذَلِكَ فِي مَرَافِقِهِ وَحَوَائِجِهِ وَمَتَى

стр. 1440

حَلَّ وَقْتُ الذَّهَابِ إلَى الْمَحَلِّ الْمَقْصُودِ اخْتَفَى فَتَتْلَفُ بِذَلِكَ أَمْوَالُ النَّاسِ إذْ أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ الْمَكَانَ الْمَقْصُودَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَخْتَارُونَهُ وَبِذَلِكَ يُفَوِّتُ مَقْصُودَهُمْ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ الْحَجْرِ) . إنَّ هَؤُلَاءِ الْمُفْسِدِينَ أَيْ: اللَّذَيْنِ يُفْسِدُونَ الْأَبْدَانَ وَالْأَمْوَالَ وَالْأَدْيَانَ يُمْنَعُونَ إذْ يُخْتَارُ الضَّرَرُ الْخَاصُّ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَامٍّ، وَالْمَنْعُ الْمَذْكُورُ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا مِنْ الْحَجْرِ الْمَنْعُ مِنْ إجْرَاءِ الْعَمَلِ لَا مَنْعُ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ يَعْنِي: أَنَّ مَنْعَ هَؤُلَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ. وَعَلَيْهِ فَلَوْ بَاعَ الطَّبِيبُ الْجَاهِلُ بَعْدَ الْمَنْعِ وَالْحَجْرِ دَوَاءً فَكَمَا أَنَّ بَيْعَهُ يَكُون نَافِذًا فَالْمُفْتِي الْمَاجِنُ لَوْ أَفْتَى بَعْدَ الْحَجْرِ وَكَانَ مُصِيبًا فِي فَتْوَاهُ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا. وَتَدُلُّ هَذِهِ الْأَحْوَالُ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْحَجْرِ عَلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْعِهِمْ هُوَ الْمَنْعُ الْحِسِّيُّ (التَّنْوِيرُ، أَبُو السُّعُودِ، الطَّحْطَاوِيُّ، رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَعَلَيْهِ فَقَدْ جَاءَ فِي الْفِقْرَةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ (يُحْجَرُ) وَلَوْ قِيلَ (يُمْنَعُ) لَكَانَ أَوْلَى وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ أَرْدَعُ (الدُّرُّ الْمُنْتَقَى) وَقَدْ أَلْحَقَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُحْتَكِرِينَ وَمَنْ يَبِيعُ الْحَوَائِجَ الضَّرُورِيَّةَ بِأَغْلَى مِنْ قِيمَتِهَا بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاسِعٌ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُقْصَرَ مِثْلُ هَذَا الْحَجْرِ وَالْمَنْعِ عَلَى هَؤُلَاءِ فَقَطْ أَمَّا لَوْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَاطَى أَوْ أَنْ يَتَعَلَّمَ صَنْعَةً أَوْ حِرْفَةً مِنْ أَهْلِهَا؛ فَلَيْسَ لِأَصْحَابِ تِلْكَ الصَّنْعَةِ أَوْ الْحِرْفَةِ أَيْ: لَيْسَ لِنُقَبَائِهَا الْحَجْرُ عَلَيْهِ وَمَنْعُهُ بِدَاعِي أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَتَعَاطَى تِلْكَ الصَّنْعَةَ أَوْ أَنْ يُعَلِّمُوهُ إيَّاهَا وَذَلِكَ كَمَا سَيُبَيَّنُ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) (مَادَّةُ ٦٥) إذَا اشْتَغَلَ أَحَدٌ بِصَنْعَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ فِي سُوقٍ؛ فَلَيْسَ لِأَرْبَابِ هَذِهِ الصَّنْعَةِ أَوْ التِّجَارَةِ أَنْ يَحْجُرُوهُ أَوْ يَمْنَعُوهُ عَنْ اشْتِغَالِهِ بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ أَوْ التِّجَارَةِ بِدَاعِي أَنَّهُ يَطْرَأُ عَلَى رِبْحِهِمْ وَكَسْبِهِمْ نَقْصٌ وَخَلَلٌ. إذَا اشْتَغَلَ أَحَدٌ بِصِنَاعَةٍ كَالصِّبَاغَةِ وَالْخِيَاطَةِ أَوْ تِجَارَةٍ فِي سُوقٍ فَلَيْسَ لِأَرْبَابِ هَذِهِ الصَّنْعَةِ أَوْ التِّجَارَةِ أَنْ يَحْجُرُوهُ أَوْ يَمْنَعُوهُ عَنْ اشْتِغَالِهِ بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ أَوْ التِّجَارَةِ بِدَاعِي أَنَّهُ يَطْرَأُ عَلَى رِبْحِهِمْ وَكَسْبِهِمْ نَقْصٌ وَخَلَلٌ. مَثَلًا: لَوْ تَعَاطَى أَحَدٌ الدِّبَاغَةَ وَأَرَادَ بَيْعَ الْجُلُودِ الَّتِي دَبَغَهَا وَطَلَبَ الدَّبَّاغُونَ الْحَجْرَ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ وَمَنْعَهُ مِنْ تَعَاطِي الدِّبَاغَةِ فَلَا يُسْمَعُ لَهُمْ (التَّنْقِيحُ) كَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ شَخْصٌ أَنْ يَتَعَلَّمَ صَنْعَةً؛ فَلَيْسَ لِأَهْلِ تِلْكَ الصَّنْعَةِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ تَعَلُّمِهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ فَتَحَ أَحَدٌ حَانُوتًا فِي جَانِبِ حَانُوتٍ لِآخَرَ وَكَسَدَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْحَانُوتِ الْأَوَّلِ فَلَا يُقْفَلُ الْحَانُوتُ الثَّانِي عَلَى مَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٢٨٨) وَيَمْنَعُ فِي زَمَانِنَا بَعْضُ أَرْبَابِ الصَّنَائِعِ وَالتِّجَارَةِ غَيْرَهُ مِنْ فَتْحِ حَانُوتٍ أَوْ مَخْزَنٍ لِتَعَاطِي تِلْكَ الصِّنَاعَةِ أَوْ التِّجَارَةِ إذَا كَانَ الْحَانُوتُ أَوْ الْمَخْزَنُ قَرِيبًا مِنْ حَانُوتِهِ أَوْ مَخْزَنِهِ مَسَافَةً مَعْلُومَةً. فَعَلَيْهِ إذَا رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْمَحْكَمَةِ فَعَلَى الْمَحْكَمَةِ أَنْ تَمْنَعَ حُصُولَ أُمُورٍ كَهَذِهِ حَسَبَ هَذِهِ الْمَادَّةِ. وَإِلَيْكَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَادَّةِ السَّالِفَةِ وَبَيْنَ هَذِهِ الْمَادَّةِ. وَقَدْ اُخْتِيرَ فِي الْمَادَّةِ السَّالِفَةِ الضَّرَرُ الْخَاصُّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ وَهَذَا جَائِزٌ وَأَمَّا لَوْ مُنِعَ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ فَيَكُونُ قَدْ اُخْتِيرَ دَفْعُ الضَّرَرِ الْخَاصِّ لِدَفْعِ ضَرَرٍ خَاصٍّ مَعَ أَنَّهُ لَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِمِثْلِهِ.
следующие страницы →