Полный текст (2 914 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
الْأَوَّلُ: يَكُونُ بِثُبُوتِ كَوْنِهِ غَيْرَ رَشِيدٍ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَجُوزُ إعْطَاؤُهُ مَالَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَبِيًّا فَهُوَ مَحْجُورٌ أَصْلًا.
الثَّانِي: أَنْ لَا يُعْرَفَ رُشْدُهُ مِنْ عَدَمِهِ، أَيْ يَكُونُ رُشْدُهُ غَيْرَ ظَاهِرٍ مِنْ عَدَمِهِ. فَلَوْ أَعْطَى الْوَصِيُّ الصَّغِيرَ مَالَهُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ وَأَتْلَفَهُ الصَّغِيرُ ضَمِنَ الْوَصِيُّ وَهَذِهِ الْمَادَّةُ بِمَا أَنَّهَا مُقَابِلَةٌ لِلْمَادَّةِ (٩٦٨) فَكَانَ مِنْ الْمُنَاسِبِ ذِكْرُهَا فِي تِلْكَ الْمَادَّةِ أَوْ فِي مَادَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَقِبَهَا. قِيلَ (قَبْلَ ثُبُوتِ رُشْدِهِ) ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ بَعْدَ ثُبُوتِ رُشْدِهِ جَائِزٌ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٩٦٨) فَإِذَا أَعْطَاهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَضَاعَهُ فَلَا يَلْزَمُ الْوَصِيَّ أَوْ الْوَلِيَّ ضَمَانٌ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩١) بَلْ إذَا كَانَ الصَّبِيُّ غَيْرَ بَالِغٍ وَطَلَبَ مِنْ الْوَصِيِّ أَمْوَالَهُ بَعْدَ أَنْ تَحَقَّقَ رُشْدُهُ وَلَمْ يُعْطِهِ إيَّاهَا وَتَلِفَتْ فِي يَدِ الْوَصِيِّ أَوْ الْوَلِيِّ فَلَا يَلْزَمُهَا ضَمَانٌ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٨١) لِأَنَّ رَفْعَ الْحَجْرِ عَنْ الصَّغِيرِ يَكُونُ بِالْبُلُوغِ وَالْإِذْنِ وَإِذَا لَمْ يَحْصُلَا يَبْقَى عَلَى حَجْرِهِ الْأَصْلِيِّ.
[ (مَادَّةُ ٩٨٤) أَعْطَى إلَى الصَّغِيرِ مَالَهُ عِنْدَ بُلُوغِهِ ثُمَّ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ سَفِيهًا]
(مَادَّةُ ٩٨٤) - (إذَا أَعْطَى إلَى الصَّغِيرِ مَالَهُ عِنْدَ بُلُوغِهِ ثُمَّ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ سَفِيهًا يُحْجَرُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ) إذَا أَعْطَى إلَى الصَّغِيرِ مَالَهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ الْمُبَيَّنِ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٨١) بِنَاءً عَلَى بُلُوغِهِ ثُمَّ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ سَفِيهًا يُحْجَرُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ. وَظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إعْطَاءِ الصَّغِيرِ مَالَهُ بِاعْتِبَارِهِ رَشِيدًا بِمُجَرَّدِ بُلُوغِهِ. وَالْحَالُ أَنَّهُ كَمَا وَضَّحَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٨١) لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الْبُلُوغِ فِي الْحَالِ الثَّانِي لِاعْتِبَارِ الشَّخْصِ رَشِيدًا، وَقَدْ وُضِّحَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْمَادَّةِ (٩٨٢) .
يَعْنِي أَوَّلًا: إذَا صَارَ سَفِيهًا بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا، يُحْجَرُ.
ثَانِيًا: إذَا تَحَقَّقَ كَوْنُهُ سَفِيهًا بَعْدَ بُلُوغِهِ مَجْهُولَ الْحَالِ يُحْجَرُ.
ثَالِثًا: إذَا بَلَغَ سَفِيهًا يُحْجَرُ، اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٩٨٢) .
[ (مَادَّةُ ٩٨٥) يَثْبُتُ حَدّ الْبُلُوغ بِالِاحْتِلَامِ وَالْإِحْبَالِ وَالْحَيْضِ وَالْحَبَلِ]
(مَادَّةُ ٩٨٥) - (يَثْبُتُ حَدُّ الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ وَالْإِحْبَالِ وَالْحَيْضِ وَالْحَبَلِ.) حَدُّ الْبُلُوغِ يَثْبُتُ فِي الرَّجُلِ بِالِاحْتِلَامِ مَعَ الْإِنْزَالِ (خواب ديدن بآب) ، وَالْإِحْبَالِ (آبستن كردن) ، وَالْإِنْزَالِ (جَدّ اشدن آب) أَيْ نُزُولُ الْمَنِيِّ بِأَيِّ سَبَبٍ، وَفِي النِّسَاءِ بِالْحَيْضِ وَالِاحْتِلَامِ وَالْحَبَلِ (ابستن شدن) وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ فَيُعَدُّ الصَّبِيُّ بَالِغًا كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ إذَا أَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً هِجْرِيَّةً وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: بُلُوغُ الصَّغِيرِ بِالْإِحْبَالِ وَالْإِنْزَالِ وَالِاحْتِلَامِ، وَالصَّغِيرَةِ بِهِمَا وَبِالْحَبَلِ وَبِالْحَيْضِ.
(الْقُهُسْتَانِيُّ) الْبُلُوغُ لُغَةً بِمَعْنَى الْوُصُولِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى انْتِهَاءِ الصِّغَرِ.
الصِّغَرُ: بِمَا أَنَّ الصِّغَرَ هُوَ أَحَدُ أَسْبَابِ الْحَجْرِ فَيَنْبَغِي بَيَانُ الْمُدَّةِ الَّتِي يَنْتَهِي عِنْدَهَا، وَقَدْ وُضِعَتْ هَذِهِ الْمَادَّةُ مَعَ الْمَوَادِّ الْآتِيَةِ لِهَذَا الْغَرَضِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَقَدْ مَرَّ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٦٧) أَنَّ الْبُلُوغَ هُوَ أَحَدُ الْأَحْوَالِ الَّتِي تَرْفَعُ الْحَجْرَ عَنْ الصَّغِيرِ.
стр. 1472
الْحَبَلُ، بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْبَاءِ، يُقَالُ حَبِلَتْ الْمَرْأَةُ حَبَلًا مِنْ بَابِ تَعِبَ إذَا حَمَلَتْ بِالْوَلَدِ، وَكَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى احْتِلَامِ النَّائِمِ بِرُؤْيَتِهِ الْجِمَاعَ وَإِنْزَالِ الْمَنِيِّ فِي الْغَالِبِ، فَغَلَبَ لَفْظُ الِاحْتِلَامِ فِي هَذَا دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَامِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
الْإِنْزَالُ أَصْلٌ فِي الِاحْتِلَامِ وَالْإِحْبَالِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمَجَلَّةِ صَرَاحَةً إلَّا أَنَّهُ ضِمْنًا؛ لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ الْحَاصِلَ بِدُونِ إنْزَالِ الْمَنِيِّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي إثْبَاتِ الْبُلُوغِ كَمَا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ إحْبَالٌ بِدُونِ إنْزَالٍ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْإِنْزَالُ وَمَا عَدَاهُ فَهُوَ عَلَامَةٌ (الطُّورِيُّ وَالدُّرُّ الْمُنْتَقَى) .
وَإِذَا جَامَعَ امْرَأَتَهُ بَعْدَ مَا بَلَغَتْ حَدًّا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِحْبَالُ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ وَيُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ ضَرُورَةً ثُبُوتُ نَسَبِ الْوَلَدِ (الْهِنْدِيَّةُ قُبَيْلَ الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ الْحَجْرِ) .
الِاحْتِلَامُ كَمَا يَكُونُ لِلرِّجَالِ عَلَامَةٌ لِلْبُلُوغِ يَكُونُ لِلنِّسَاءِ كَذَلِكَ، لَكِنْ كَمَا يَخْتَصُّ الْإِحْبَالُ بِالرِّجَالِ يَخْتَصُّ الْحَيْضُ بِالْإِنَاثِ، وَيُفْهَمُ مِنْ تَقْيِيدِ الْمَجَلَّةِ الْبُلُوغَ بِالِاحْتِلَامِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْبُلُوغَ لَا يَثْبُتُ بِنَبَاتِ الْعَانَةِ وَالذَّقَنِ وَالشَّارِبِ وَشَعْرِ مَا تَحْتَ الْإِبْطِ وَخُشُونَةِ الصَّوْتِ وَبُرُوزِ النُّهُودِ وَمَا إلَى ذَلِكَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
[ (مَادَّةُ ٩٨٦) مَبْدَأُ سِنِّ الْبُلُوغِ]
(مَادَّةُ ٩٨٦) - (مَبْدَأُ سِنِّ الْبُلُوغِ فِي الرَّجُلِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً وَفِي الْمَرْأَةِ تِسْعُ سَنَوَاتٍ وَمُنْتَهَاهُ فِي كِلَيْهِمَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَإِذَا أَكْمَلَ الرَّجُلُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَمْ يَبْلُغْ يُقَالُ لَهُ " الْمُرَاهِقُ " وَإِذَا أَكْمَلَتْ الْمَرْأَةُ تِسْعًا وَلَمْ تَبْلُغْ يُقَالُ لَهَا " الْمُرَاهِقَةُ " إلَى أَنْ يَبْلُغَا)
إنَّ أَقَلَّ سِنٍّ يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَلِمَ فِيهَا الذُّكُورُ وَيَبْلُغُوا هِيَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَالْإِنَاثُ تِسْعُ سَنَوَاتٍ، وَمُنْتَهَى السِّنِّ فِي الِاثْنَيْنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ، وَعَلَيْهِ فَمَتَى أَتَمَّ الذَّكَرُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ يُمْكِنُ أَنْ تَظْهَرَ عَلَيْهِ آثَارُ الْبُلُوغِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شُوهِدَتْ عَلَامَةُ الْبُلُوغِ فِي هَذِهِ السِّنِّ، وَلَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَصْغَرَ مِنْ أَبِيهِ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَطْ، كَذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ تَظْهَرَ آثَارُ الْبُلُوغِ عَلَى الْأُنْثَى مَتَى اكْتَمَلَتْ السَّنَةُ التَّاسِعَةُ مِنْ عُمُرِهَا؛ لِأَنَّ الْبِنْتَ أَسْرَعُ بُلُوغًا مِنْ الْغُلَامِ (أَبُو السُّعُودِ) وَجَاءَ فِي الْجَوْهَرَةِ (لِأَنَّ الْإِنَاثَ نُشُوءُهُنَّ وَإِدْرَاكُهُنَّ أَسْرَعُ مِنْ إدْرَاكِ الذُّكُورِ) .
وَإِذَا أَكْمَلَ الشَّخْصُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ وَلَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ آثَارُ الْبُلُوغِ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى فَيُحْكَمُ عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ بِبُلُوغِهِ. وَقَدْ أَفْتَى بِقَوْلِ الْإِمَامَيْنِ، مَشَايِخُ الْإِسْلَامِ وَاخْتَارَتْهُ الْمَجَلَّةُ أَيْضًا (عَلِيٌّ أَفَنْدِي مِنْ كِتَابِ الْحَجْرِ) وَإِذَا أَكْمَلَ الْغُلَامُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَالْبِنْتُ تِسْعَ سَنَوَاتٍ فَيُدْعَى الْغُلَامُ بِالْبَالِغِ الْمُرَاهِقِ وَتُدْعَى الْبِنْتُ بِالْبَالِغَةِ الْمُرَاهِقَةِ إلَى حِينِ ظُهُورِ آثَارِ الْبُلُوغِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ أَوْ إلَى بُلُوغِهَا سِنَّ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَعْنَى الْمُرَاهِقُ: الْمُتَقَارِبُ، أَيْ الْقَرِيبُ مِنْ الْبُلُوغِ (مُنْلَا مِسْكِينٍ) .
بِمَا أَنَّهُ تَعَيَّنَ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ مَبْدَأُ الْبُلُوغِ وَمُنْتَهَاهُ فَالْمَادَّةُ (٩٨٨) تَتَفَرَّعُ مِنْ الْمَبْدَأِ كَمَا أَنَّ الْمَادَّةَ الْآتِيَةَ تَتَفَرَّعُ مِنْ الْمُنْتَهَى. فَكَانَ مِنْ الْمُنَاسِبِ تَقْدِيمُ الْمَادَّةِ (٩٨٨) عَلَى الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ.
[ (مَادَّةُ ٩٨٧) أَدْرَكَ سِنَّ الْبُلُوغِ وَلَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ آثَارُ الْبُلُوغِ]
(مَادَّةُ ٩٨٧) - (مَنْ أَدْرَكَ سِنَّ الْبُلُوغِ وَلَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ آثَارُ الْبُلُوغِ يُعَدُّ بَالِغًا حُكْمًا)
стр. 1473
مَنْ أَدْرَكَ مُنْتَهَى سِنِّ الْبُلُوغِ، أَيْ مَنْ أَتَمَّ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ وَلَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ آثَارُ الْبُلُوغِ يُعَدُّ بَالِغًا حُكْمًا، يَعْنِي إذَا أَكْمَلَ الْغُلَامُ أَوْ الْبِنْتُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ يَلْزَمُ الْحُكْمُ بِكَوْنِهِمَا بَالِغَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْبُلُوغِ (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ عَلَامَةِ الْبُلُوغِ فِي هَذِهِ السِّنِّ هُوَ الْغَالِبُ الشَّائِعُ، وَعَلَيْهِ فَكَمَا أَنَّ مَنْ تَظْهَرُ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْبُلُوغِ يُعَدُّ بَالِغًا بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٩٨٥) كَذَلِكَ يُعَدُّ بَالِغًا مَنْ أَدْرَكَ مُنْتَهَى سِنِّ الْبُلُوغِ وَلَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ إحْدَى الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيُسْتَعَادُ حُكْمُ هَذِهِ الْمَادَّةِ مِنْ الْفِقْرَةِ الْأُولَى مِنْ الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ، وَهَذِهِ الْمَادَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ، وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ أَيْضًا، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ كَمَا ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ. أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَإِنَّهُ إذَا أَكْمَلَ الْغُلَامُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ وَالْبِنْتُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهَا يُعَدَّانِ بَالِغَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمَا آثَارُ الْبُلُوغِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالدُّرَرُ) .
[ (مَادَّةُ ٩٨٨) الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ مَبْدَأَ سِنِّ الْبُلُوغِ إذَا ادَّعَى الْبُلُوغَ]
(مَادَّةُ ٩٨٨) - (الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ مَبْدَأَ سِنِّ الْبُلُوغِ إذَا ادَّعَى الْبُلُوغَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ) الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ مَبْدَأَ سِنِّ الْبُلُوغِ الْمُبَيَّنِ فِي الْمَادَّةِ (٩٨٦) إذَا ادَّعَى الْبُلُوغَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ. مَثَلًا لَوْ قَالَ غُلَامٌ لَمْ يُكْمِلْ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ إنَّهُ بَالِغٌ، فَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ بِنْتٍ لَمْ تُتِمَّ التَّاسِعَةَ بِأَنَّهَا بَالِغَةٌ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي الْخَامِسَةِ مِنْ عُمُرِهَا، وَلَوْ جَاءَهَا الدَّمُ لَا يُعْتَبَرُ حَيْضًا (الطَّحْطَاوِيُّ) ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ يُكَذِّبُهَا وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا تَجُوزُ مُعَامَلَاتُهُمَا كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْقِسْمَةِ. (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الْعِنَايَةُ) .
وَتُطْلَقُ الدَّعْوَى، كَمَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى، عَلَى طَلَبِ الْحَقِّ لَدَى الْحَاكِمِ. لَكِنَّ الدَّعْوَى فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ لَمْ تَكُنْ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَعَلَيْهِ فَلَوْ بَيَّنَ بُلُوغَهُ فِي حُضُورِ غَيْرِ الْحَاكِمِ فَلَا حُكْمَ لَهُ، وَيَبْقَى مَحْجُورًا كَالْأَوَّلِ.
[ (مَادَّةُ ٩٨٩) أَقَرَّ الْمُرَاهِقُ أَوْ الْمُرَاهِقَةُ فِي حُضُورِ الْحَاكِمِ بِبُلُوغِهِ]
(مَادَّةُ ٩٨٩) - (إذَا أَقَرَّ الْمُرَاهِقُ أَوْ الْمُرَاهِقَةُ فِي حُضُورِ الْحَاكِمِ بِبُلُوغِهِ فَلَا يُصَدَّقُ إقْرَارُهُ إنْ كَانَ ظَاهِرُ الْحَالِ مُكَذِّبًا لَهُ بِأَنْ كَانَتْ جُثَّتُهُ لَا تَتَحَمَّلُ الْبُلُوغَ، أَمَّا إذَا كَانَ ظَاهِرُ الْحَالِ غَيْرُ مُكَذِّبٍ لَهُ بِأَنْ كَانَتْ جُثَّتُهُ مُتَحَمِّلَةً الْبُلُوغَ فَيُصَدَّقُ وَتَكُونُ عُقُودُهُ وَإِقْرَارَتُهُ نَافِذَةً مُعْتَبَرَةً وَلَوْ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ أَنْ يَفْسَخَ تَصَرُّفَاتِهِ الْقَوْلِيَّةِ بِأَنْ يَقُولَ: إنِّي لَمْ أَكُنْ بَالِغًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَيْ حِينَ أَقْرَرْت بِالْبُلُوغِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ) .
وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ وَرَدَتْ فِي التَّنْوِيرِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا قَيْدَ (فِي حُضُورِ الْحَاكِمِ) وَإِنَّمَا الْعِبَارَةُ الْوَارِدَةُ فِي التَّنْوِيرِ هِيَ (إذَا قَالَ الْمُرَاهِقُ أَوْ الْمُرَاهِقَةُ: إنَّنِي بَلَغْتُ وَكَانَتْ جُثَّتُهُ إلَخْ) فَأَصْبَحَتْ عِبَارَةُ (فِي حُضُورِ الْحَاكِمِ) (وَالْإِقْرَارِ) غَيْرَ قَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ. وَجَاءَ فِي التَّنْقِيحِ أَيْضًا (أَقَرَّ مُرَاهِقٌ بِصُلْحٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ لَهُ بَاغٍ ثُمَّ ادَّعَى هُوَ أَوْ غَيْرُهُ فَسَادَ الصُّلْحِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ بَالِغٍ لَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِ الْبُلُوغِ) (انْتَهَى بِتَغْيِيرٍ مَا) . ٥ فَإِنْ كَانَتْ جُثَّةُ الْمُقِرِّ (وَجُثَّتُهُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الثَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ شَخْصُ الْإِنْسَانِ) غَيْرَ مُتَحَمِّلَةٍ
стр. 1474
لِلْبُلُوغِ وَكَانَ ظَاهِرُ الْحَالِ مُكَذِّبًا لَهُ فَلَا يُصَدَّقُ إقْرَارُهُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ أَنْ لَا يُكَذِّبَهُ ظَاهِرُ الْحَالِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (١٥٧٧) . مَثَلًا إذَا ادَّعَى غُلَامٌ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ عُمُرِهِ وَلَا يُحْتَمَلُ احْتِلَامُهُ بِسَبَبِ ضَعْفِ جُثَّتِهِ لَا يُقْبَلُ ادِّعَاؤُهُ وَلَا تَنْفُذُ عُقُودُهُ وَمُعَامَلَاتُهُ وَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ، وَإِنْ كَانَتْ جُثَّتُهُ تَتَحَمَّلُ الْبُلُوغَ فَيُسْأَلُ عَنْ صُورَةِ بُلُوغِهِ، يَعْنِي يُسْأَلُ، هَلْ بَلَغَ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ بِالْإِحْبَالِ، فَإِذَا بَيَّنَ أَحَدَهُمَا صُدِّقَ؛ لِأَنَّ الْبُلُوغَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِأَحَدِهِمَا (الْجَوْهَرَةُ) . كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي الْحَيْضِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي) .
وَلَا يَلْزَمُهُمَا يَمِينٌ يَعْنِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا يَمِينٌ عَلَى كَوْنِهِمَا بَلَغَا عَلَى الْوَجْهِ الْفُلَانِيِّ. وَلَوْ ادَّعَيَا الْبُلُوغَ بِالسِّنِّ طُولِبَا بِالْبَيِّنَةِ لِإِمْكَانِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ الْبَدْوِ فَإِنَّهُمَا لَا يُطَالَبَانِ بِالْبَيِّنَةِ لِعَدَمِ التَّأْرِيخِ بَيْنَهُمْ (عَبْدُ الْحَلِيمِ) .
وَالْخُلَاصَةُ أَنَّهُ يُوجَدُ لِهَذَا التَّصْدِيقِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ مُدَّعِي الْبُلُوغِ مُرَاهِقًا، أَيْ أَنْ تَكُونَ الْبِنْتُ قَدْ أَكْمَلَتْ السَّنَةَ التَّاسِعَةَ وَالْغُلَامُ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ ادَّعَى الْبُلُوغَ غَيْرُ الْمُرَاهِقِ فَلَا يُقْبَلُ ادِّعَاؤُهُ وَلَا الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ (الدُّرُّ الْمُنْتَقَى) وَفِي هَذِهِ الْحَالِ لَا يُنْظَرُ إلَى تَحَمُّلِ جُثَّتِهِ الْبُلُوغَ أَوْ عَدَمِ تَحَمُّلِهَا، وَالْمُبَيَّنُ فِي الْمَادَّةِ (٩٨٨) هُوَ هَذَا.
ثَانِيهَا: كَوْنُ الْجُثَّةِ تَتَحَمَّلُ الْبُلُوغَ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ ادَّعَى مُرَاهِقٌ لَا يَتَحَمَّلُ الْبُلُوغَ أَنَّهُ بَالِغٌ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَالْمُبَيَّنُ فِي الْفِقْرَةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ هُوَ هَذَا.
ثَالِثُهَا: تَفْسِيرُ الْبُلُوغِ، يَعْنِي بِأَيِّ شَيْءٍ عُلِمَ الْبُلُوغُ، أَيْ يَجِبُ أَنْ يُفَسَّرَ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ بِالْإِحْبَالِ (أَبُو السُّعُودِ، رَدُّ الْمُحْتَارِ، صُرَّةُ الْفَتَاوَى) .
ثُمَّ إنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَلْزَمُ سُؤَالُهُ وَالِاسْتِقْصَاءُ عَنْ الشَّخْصِ الَّذِي احْتَلَمَ بِهِ، يَعْنِي هَلْ كَانَ احْتِلَامُهُ بِغُلَامٍ أَوْ بِنْتٍ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ أَحْيَانًا يُقِرُّ بِالْبُلُوغِ كَذِبًا بِتَلْقِينِهِ كَيْفِيَّتِهِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَإِذَنْ فَتَكُونُ أَحْكَامُ هَؤُلَاءِ كَأَحْكَامِ الْبَالِغِينَ وَتُعْتَبَرُ عُقُودُهُمْ كَالْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ وَتَنْفُذُ إقْرَارَاتُهُمْ (الْهِنْدِيَّةُ) . يَعْنِي أَنَّ عُقُودَهُمْ لَا تَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ، وَلَا يَبْطُلُ إقْرَارُهُمْ. وَلَوْ أَرَادَ الْعَاقِدُ أَوْ الْمُقِرُّ بَعْدَ تِلْكَ الْعُقُودِ وَالْإِقْرَارَاتِ بِمُدَّةٍ أَنْ يَفْسَخَ تَصَرُّفَاتِهِ الْقَوْلِيَّةَ بِأَنْ يَقُولَ: إنِّي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَيْ حِينَ أَقْرَرْت بِالْبُلُوغِ، لَمْ أَكُنْ بَالِغًا وَكَذَبْتُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٠٠) (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ، رَدُّ الْمُحْتَارِ) . فَعَلَيْهِ لَوْ أَقَرَّ صَغِيرٌ أَكْمَلَ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، وَجُثَّتُهُ تَتَحَمَّلُ الْبُلُوغَ، بِأَنَّهُ بَلَغَ بِالِاحْتِلَامِ ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ أَنْ صَالَحَ عَلَى أَلْفِ قِرْشٍ فِي ذِمَّةِ أَحَدٍ بِأَرْبَعِمِائَةِ قِرْشٍ مَثَلًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَ الصُّلْحِ بَالِغًا فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) .
صَبِيٌّ بَاعَ وَاشْتَرَى، وَقَالَ أَنَا بَالِغٌ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَا غَيْرُ بَالِغٍ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ الْبُلُوغُ فِيهِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى جُحُودِهِ بَعْدَ ذَلِكَ (الْجَوْهَرَةُ) وَلَا يُحْكَمُ بِالْبُلُوغِ بِمُجَرَّدِ صَيْرُورَةِ الشَّخْصِ مُرَاهِقًا وَمُرَاهِقَةً، أَيْ بِبُلُوغِ مَبْدَأِ سِنِّ الْبُلُوغِ، بَلْ يَجِبُ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْمَجَلَّةِ أَنْ يَدَّعِيَ الْبُلُوغَ وَأَنْ يُقِرَّ بِذَلِكَ، مَثَلًا إذَا أَكْمَلَ صَغِيرٌ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ وَلَمْ يُقِرَّ بِبُلُوغِهِ، لَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ بِمُجَرَّدِ إكْمَالِهِ سِنَّ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) .
стр. 1475
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي حَقِّ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ] [ (مَادَّةُ ٩٩٠) السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ هُوَ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ]
(مَادَّةُ ٩٩٠) - (السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ هُوَ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ وَوَلِيُّ السَّفِيهِ الْحَاكِمُ فَقَطْ، وَلَيْسَ لِأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَأَوْصِيَائِهِ حَقُّ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ)
يُؤْثَرُ الْحَجْرُ فِي التَّصَرُّفِ الَّذِي لَا يَتَسَاوَى جَدُّهُ وَهَزْلُهُ، وَلَا يَنْفُذُ مِنْ الْمَحْجُورِ مَا لَمْ يُجِزْهُ الْقَاضِي (رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي الْحَجْرِ) . وَعَلَيْهِ فَالسَّفِيهُ الْمَحْجُورُ هُوَ كَالصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْإِقْرَارِ وَالْحَوَالَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالِارْتِهَانِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالتَّوْكِيلِ، وَمَا يُمَاثِلُ ذَلِكَ، يَعْنِي كَمَا أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ الدَّائِرَةَ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْإِذْنِ، فَتَصَرُّفَاتُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ السَّفِيهِ لَيْسَتْ بِبَاطِلَةٍ، وَالتَّصَرُّفُ الْمَذْكُورُ لَمَّا كَانَ يُلَاحَظُ فِيهِ وُجُودُ الْمَنْفَعَةِ فَكَانَ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِذْنِ وَقَابِلًا لِلْإِجَازَةِ (الشِّبْلِيُّ) . أَمَّا فِي التَّصَرُّفِ الَّذِي يَتَسَاوَى جَدُّهُ وَهَزْلُهُ فَلَا تَأْثِيرَ فِيهِ لِلْحَجْرِ، وَيَنْفُذُ مِنْ الْمَحْجُورِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَالنِّكَاحِ (الْكِفَايَةُ) لَكِنْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَبَيْنَ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ بِسِتَّةِ أَوْجُهٍ كَمَا بَيَّنَهُ الشِّبْلِيُّ
(١) - لِلصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ وَلِيٌّ غَيْرُ الْحَاكِمِ أَيْضًا كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٩٧٤) أَمَّا السَّفِيهُ فَوَلِيُّهُ الْحَاكِمُ فَقَطْ، يَعْنِي إنَّمَا يَحْجُرُ عَلَى السَّفِيهِ الْحَاكِمُ فَقَطْ. وَالْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يَفُكُّ عَنْهُ الْحَجْرَ عِنْدَ اللُّزُومِ وَإِذَا اقْتَضَى إجَازَةَ تَصَرُّفَاتِ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ الْقَوْلِيَّةِ فَالْقَاضِي هُوَ الَّذِي يُجِيزُهَا أَوْ مَنْ يُنَصِّبُهُ الْقَاضِي وَيَأْذَنُهُ بِذَلِكَ (عَبْدُ الْحَلِيمِ) وَلَيْسَ لِأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَأَوْصِيَائِهِ عَلَيْهِ حَقُّ وِلَايَةٍ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ تَثْبُتُ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ، أَمَّا السَّفِيهُ فَهُوَ قَادِرٌ. وَمَنْعُ التَّصَرُّفِ مَعَ الْقُدْرَةِ هُوَ لِلتَّأْدِيبِ، وَوِلَايَةُ التَّأْدِيبِ عَائِدَةٌ إلَى الْقَاضِي (الشِّبْلِيُّ) . وَلِأَنَّهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ تَنْقَطِعُ وِلَايَةُ الْوَلِيِّ (الطُّورِيُّ) . وَعَلَيْهِ فَلَوْ بَاعَ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ مَالًا لَهُ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ، كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٩٩٣) ، وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُجِيزَهُ إذَا رَأَى فِيهِ مَنْفَعَةً (الْهِدَايَةُ) أَمَّا وَصِيٌّ لِسَفِيهٍ فَإِذَا تَصَرَّفَ فِي مَالِهِ فَلَا يَصِحُّ.
(٢) تَصِحُّ وَصَايَا السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ الَّتِي تُوَافِقُ الْحَقَّ وَالشَّرْعَ، وَتَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْقُرْبَةِ، مَعَ أَنَّ وَصَايَا الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بَاطِلَةٌ.
(٣) يَصِحُّ نِكَاحُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ وَطَلَاقُهُ، مَعَ أَنَّ نِكَاحَ الصَّبِيِّ وَطَلَاقَهُ غَيْرُ صَحِيحَيْنِ وَبِمَا أَنَّ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ الْأُخْرَى لَا تَدْخُلُ فِي بَحْثِنَا فَقَدْ صَرَفْنَا النَّظَرَ عَنْهَا.
стр. 1476
قِيلَ هُنَا " الْمُعَامَلَاتُ "؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ كَالْبَالِغِ الرَّشِيدِ فِي وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ وَفِي غَيْرِهَا كَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَفِي الْعُقُوبَاتِ أَيْضًا كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَمَا مَرَّ آنِفًا (الْكِفَايَةُ) . وَعَلَيْهِ فَيَجُوزُ تَزَوُّجُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ بِامْرَأَةٍ مَعَ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ مُعَيَّنٍ، فَإِذَا كَانَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَنْقَصَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَبِهَا، وَإِذَا زَادَ فَالزِّيَادَةُ بَاطِلَةٌ. وَإِذَا طَلَّقَ الْمَحْجُورُ بِالسَّفَهِ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَزِمَهُ نِصْفُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ تَزَوَّجَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ حَيَاةُ الْإِنْسَانِ بَعْدَ وَفَاتِهِ إنَّمَا تَكُونُ بِبَقَاءِ الْأَوْلَادِ، فَالنِّكَاحُ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ أَيْ كَالطَّعَامِ. وَالْمَرْأَةُ الْمَحْجُورَةُ بِمَا أَنَّهَا كَالرَّجُلِ الْمَحْجُورِ، فَتَزْوِيجُ الْمَرْأَةِ الْمَحْجُورَةِ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ كُفُؤٍ بِمَهْرِ الْمِثْلِ جَائِزَةٌ (الْهِدَايَةُ وَالْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) .
وَلَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةٌ سَفِيهَةٌ مِنْ رَجُلٍ كُفُؤٍ بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ بِأَقَلَّ مِمَّا يُتَغَابَنُ فِيهِ جَازَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ مَعَ الْحَجْرِ، وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا بِمَا لَا يُتَغَابَنُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا يُقَالُ لَهُ: إنْ شِئْتَ الدُّخُولَ بِهَا فَتَمِّمْ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، وَإِلَّا يُفَرَّقُ بَيْنَكُمَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُتَمِّمَ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا مَحْجُورًا مِثْلَهَا وَسُمِّيَ أَكْثَرُ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا بَطَلَ الْفَضْلُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ خُوطِبَ بِالْإِتْمَامِ أَوْ الْفُرْقَةِ. أَمَّا إذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ كُفُؤٍ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهَا أَدْخَلَتْ الشَّيْنَ عَلَى أَوْلِيَائِهَا، فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ لِأَجْلِهِمْ (الْجَوْهَرَةُ) .
كَذَلِكَ لَوْ تَخَالَعَتْ امْرَأَةٌ سَفِيهَةٌ مَعَ زَوْجِهَا عَلَى مَالٍ مُعَيَّنٍ وَقَعَ الْخُلْعُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ (الطُّورِيُّ) . كَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ بِأَمْرٍ يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي نَفْسِهِ أَوْ أَطْرَافِهِ يَكُونُ ذَلِكَ صَحِيحًا وَنَافِذًا، كَمَا أَنَّ لَهُ الْإِنْفَاقَ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٩٩٢) ، وَتَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ لِجِهَةِ الْقُرْبَةِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) .
[ (مَادَّةُ ٩٩١) تَصَرُّفَاتُ السَّفِيهِ الْقَوْلِيَّةُ بَعْدَ الْحَجْرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ]
(مَادَّةُ ٩٩١) - (تَصَرُّفَاتُ السَّفِيهِ الْقَوْلِيَّةُ بَعْدَ الْحَجْرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَلَكِنَّ تَصَرُّفَاتِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ نَافِذَةٌ كَتَصَرُّفَاتِ سَائِرِ النَّاسِ) .
تَصَرُّفَاتُ السَّفِيهِ الْقَوْلِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُعَامَلَاتِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٩٩٠) ، أَمَّا قَبْلَ الْحَجْرِ فَتَصَرُّفَاتُهُ كَتَصَرُّفَاتِ سَائِرِ النَّاسِ. هَذِهِ الْمَادَّةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى فِقْرَتَيْنِ حُكْمِيَّتَيْنِ:
الْأُولَى: أَنَّهُ لَا تَصِحُّ تَصَرُّفَاتُ السَّفِيهِ الْقَوْلِيَّةُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْمُعَامَلَاتِ بَعْدَ الْحَجْرِ، وَهَذِهِ الْفِقْرَةُ تُسْتَفَادُ مِنْ الْمَادَّةِ (٩٩٠) وَالتَّصَرُّفَاتُ الْقَوْلِيَّةُ هِيَ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِقْرَارِ وَأَشْبَاهِهَا (الْعِنَايَةُ) وَسَبَبُ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ (الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمُعَامَلَاتِ) هُوَ كَمَا ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ، وَعِلَّةُ تَقْيِيدِ التَّصَرُّفَاتِ (بِالْقَوْلِيَّةِ) هُوَ لُزُومُ الضَّمَانِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ، أَيْ ضَمَانِ مَا نَشَأَ عَنْ فِعْلِهِ مِنْ الْخَسَارَةِ وَالْأَضْرَارِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٩٦٠) . وَالتَّصَرُّفَاتُ الْقَوْلِيَّةُ هِيَ مِثْلُ امْرَأَةٍ مُسْرِفَةٍ سَفِيهَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا عَلَى مَالٍ وَقَبِلَتْ، وَقَعَ الطَّلَاقُ
стр. 1477
رَجْعِيًّا وَلَا يَلْزَمُهَا الْمَالُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ مَحْجُورٌ عَنْ الْمَالِ (الطُّورِيُّ) .
الثَّانِيَةُ: كَوْنُ تَصَرُّفَاتِهِ الَّتِي قَبْلَ الْحَجْرِ صَحِيحَةً، وَهَذَا الْحُكْمُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ الْمَذْكُورِ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٥٨) . أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ فَبِمَا أَنَّ السَّفِيهَ يَنْحَجِرُ بِمُجَرَّدِ سَفَهِهِ فَتَصَرُّفَاتُهُ الْقَوْلِيَّةُ بَعْدَ السَّفَهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ الْحَجْرِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) .
[ (مَادَّةُ ٩٩٢) يُنْفَقُ عَلَى السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ وَعَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُمْ مِنْ مَالِهِ]
السَّفِيهُ مُسَاوٍ لِغَيْرِ السَّفِيهِ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَثْبُتُ بِإِيجَابٍ إلَهِيٍّ، أَوْ الَّذِي يَثْبُتُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلنَّاسِ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهِ فَاَلَّذِي يَجِبُ بِالْإِيجَابِ الْإِلَهِيِّ هُوَ الزَّكَاةُ وَحَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَا يُمَاثِلُ ذَلِكَ، أَمَّا مَا يَجِبُ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلنَّاسِ فَهُوَ كَنَفَقَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ. وَعَلَيْهِ فَيُنْفَقُ عَلَى السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ شَرْعًا كَالزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ حَيَاةَ زَوْجِهِ وَأَوْلَادِهِ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ. وَنَفَقَةُ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَاجِبَةٌ لِحَقِّ الْقَرَابَةِ، وَالسَّفَهُ لَا يُبْطِلُ حُقُوقَ النَّاسِ، فَلِذَلِكَ تَلْزَمُ النَّفَقَاتُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ مَالِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (الزَّيْلَعِيّ) . وَإِذَا مَرِضَ السَّفِيهُ يُزَادُ فِي نَفَقَتِهِ لِزِيَادَةِ الْحَاجَةِ فِي أَوْقَاتِ الْمَرَضِ (الطُّورِيُّ) . وَبِمَا أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إقْرَارُ السَّفِيهِ بِالنَّسَبِ فَالْقَرِيبُ الَّذِي يَدَّعِي النَّفَقَةَ مُجْبَرٌ عَلَى إثْبَاتِ جِهَةِ قَرَابَتِهِ بِالْبَيِّنَةِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ السَّفِيهُ الْمُقِرُّ بِالنَّسَبِ رَجُلًا فَيُصَدَّقُ إقْرَارُهُ بِالنَّسَبِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ فَقَطْ: بِالْوَالِدِ، وَالْوَلَدِ، وَالزَّوْجَةِ، وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ إذَا لَمْ يَكُنْ سَفِيهًا وَكَانَ مُصْلِحًا يُصَدَّقُ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ فَقَطْ وَلَا يُصَدَّقُ فِي مَا عَدَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَحْمِيلُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ، فَلَا يُصَدَّقُ السَّفِيهُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ. يَعْنِي أَنَّ السَّفِيهَ وَالْمُصْلِحَ فِي هَذَا مُتَسَاوِيَانِ وَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِالزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ابْتَدَأَ التَّزْوِيجَ يَصِحُّ فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ بِهِ (الْجَوْهَرَةُ) وَإِذَا كَانَتْ الْمُقِرَّةُ سَفِيهَةً تُصَدَّقُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فَقَطْ: بِالْوَالِدِ، وَالزَّوْجِ، وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ أَمَّا فِي الْوَلَدِ فَلَا تُصَدَّقُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْمِيلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ. وَيَلْزَمُ أَنْ يَثْبُتَ بِالْبَيِّنَةِ كَوْنُ مُسْتَحِقِّ النَّفَقَةِ مُعْسِرًا أَيْ مُحْتَاجًا لِلنَّفَقَةِ. حَتَّى تُقَدَّرَ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ. وَلَا تُقَدَّرُ النَّفَقَةُ بِإِقْرَارِ السَّفِيهِ عَلَى كَوْنِ مُدَّعِي النَّفَقَةِ مُعْسِرًا (الشِّبْلِيُّ) ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ قَرَارٌ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْإِلْزَامِ (الْعِنَايَةُ) .
أَمَّا صُورَةُ الْإِنْفَاقِ وَالصَّرْفِ، فَلَا يُسَلِّمُ الْقَاضِي السَّفِيهَ بَلْ يَدْفَعُهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ إلَى مُحْتَاجِي النَّفَقَةِ وَيُسَلِّمُهَا إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ لَيْسَ عِبَادَةً، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَوْ نَذَرَ لَهُ ظَاهِرٌ، حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ، فَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ وَظِهَارِهِ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُمَا وَجَبَا بِفِعْلِهِ، فَلَوْ فَتَحْنَا هَذَا الْبَابَ لَبَذَّرَ أَمْوَالَهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ (الْجَوْهَرَةُ) .
صُورَةُ أَدَاءِ زَكَاةِ الْمَحْجُورِ: إنَّ الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ عَلَى الْمَحْجُورِ يُفْرِزُهَا الْقَاضِي مِنْ مَالِهِ، أَيْ مَالِ الْمَحْجُورِ، وَيُسَلِّمُهَا إلَيْهِ لِيُعْطِيَهَا الْمَحْجُورُ إلَى مَصْرِفِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَلْزَمُ فِيهَا النِّيَّةُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَيُرْسِلُ مَعَهُ أَمِينَهُ حَتَّى لَا يَصْرِفَهَا فِي مَكَان آخَرَ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) .
صُورَةُ حَجِّ الْمَحْجُورِ: إذَا أَرَادَ السَّفِيهُ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَلَا يَمْنَعُ الْقَاضِي النَّفَقَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا السَّفِيهُ إلَى حَاجٍّ ثِقَةٍ أَمِينٍ تُصْرَفُ عَنْ يَدِهِ حَتَّى لَا يُبَذِّرَهَا وَيُسْرِفَ فِيهَا.
стр. 1478
وَقْفُ الْمَحْجُورِ بِالسَّفَهِ: إذَا وَقَفَ السَّفِيهُ مَالًا كَانَ بَاطِلًا أَمَّا إذَا وَقَفَ بِإِذْنِ الْقَاضِي فَعِنْدَ الْإِمَامِ الْبَلْخِيّ يَصِحُّ. بِخِلَافِ الْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ فَعِنْدَهُ لَا يَصِحُّ أَيْضًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ، وَالْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) .
وَصِيَّةُ الْمَحْجُورِ: إذَا أَوْصَى الْمَحْجُورُ بِالسَّفَهِ وَصِيَّةً، كَوَصِيَّةِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، كَانَتْ جَائِزَةً، وَذَلِكَ كَالْوَصِيَّةِ لِلْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْحَجِّ وَمَا إلَى ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَجِبُ بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْمَالِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَمَصْلَحَةُ الْمَحْجُورِ تَقْضِي بِإِنْفَاذِ وَصِيَّتِهِ لَا بِمَنْعِهَا (الْعِنَايَةُ) وَتَنْفُذُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَإِذَا كَانَتْ مُخَالِفَةً لِوَصِيَّةِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ فَلَا تَنْفُذُ، وَذَلِكَ كَالْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْقُرْبَةِ (الْهِنْدِيَّةُ) .
[ (مَادَّةُ ٩٩٣) إذَا بَاعَ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ]
(مَادَّةُ ٩٩٣) - (إذَا بَاعَ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَا يَكُونُ بَيْعُهُ نَافِذًا وَلَكِنْ إذَا رَأَى الْحَاكِمُ فِيهِ مَنْفَعَةً يُجِيزُهُ)
إنَّ تَصَرُّفَاتِ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ الْقَوْلِيَّةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إجَازَةِ الْحَاكِمِ فَإِذَا بَاعَ السَّفِيهُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَا يَكُونُ بَيْعُهُ نَافِذًا وَلَكِنْ إذَا رَأَى الْحَاكِمُ فِيهِ مَنْفَعَةً يُجِيزُهُ يَعْنِي إذَا كَانَ الثَّمَنُ قَائِمًا فِي يَدِ السَّفِيهِ وَفِيهِ رِبْحٌ أَوْ مِثْلُ الْقِيمَةِ، فَأَمَّا إذَا ضَاعَ الثَّمَنُ فِي يَدِ السَّفِيهِ فَلَا يُجِيزُهُ (الْجَوْهَرَةُ) .
وَتُوجَدُ الْمَنْفَعَةُ حَيْثُ يَكُونُ الرِّبْحُ فِي الْمَالِ الَّذِي يَبِيعُهُ السَّفِيهُ، وَالْمُحَابَاةُ فِي الْمَالِ الَّذِي يَشْتَرِيهِ، يَعْنِي بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ رَخِيصًا (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) وَفِي هَذِهِ الْمَادَّةِ حُكْمَانِ:
أَوَّلُهُمَا: إذَا بَاعَ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ مَالَهُ كَانَ بَيْعُهُ غَيْرَ نَافِذٍ وَبِمَا أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ قَدْ مَرَّ فِي الْمَادَّةِ (٩٩١) فَلَيْسَ ذِكْرُهُ هُنَا مَقْصُودًا بِالذَّاتِ.
ثَانِيهِمَا: إذَا بَاعَ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ مَالَهُ وَرَأَى الْحَاكِمُ مَنْفَعَةً يُجِيزُهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ هُوَ هَذِهِ الْفِقْرَةُ. وَإِذَا بَاعَ السَّفِيهُ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ أَوْ بِأَكْثَرَ أَوْ كَانَ لَا يَزَالُ ثَمَنُ الْمَبِيعِ مَوْجُودًا فِي يَدِهِ فَيُجِيزُ الْحَاكِمُ الْبَيْعَ وَيَأْخُذُ ثَمَنَ الْمَبِيعِ مِنْ يَدِ السَّفِيهِ. أَمَّا إذَا كَانَ بِأَنْقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْمِثْلِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَنُ الْمَبِيعِ فِي يَدِ السَّفِيهِ بِأَنْ تَلِفَ فَلَا يُجِيزُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَجَازَ الْبَيْعَ وَالثَّمَنُ قَدْ تَلِفَ فِي يَدِ السَّفِيهِ، فَذَلِكَ يَكُونُ كَإِدْخَالٍ لِلْمَبِيعِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِلَا بَدَلٍ (الْعِنَايَةُ وَالْجَوْهَرَةُ) .
وَالسَّبَبُ فِي جَوَازِ إجَازَةِ الْقَاضِي هُوَ أَنَّ رُكْنَ التَّصَرُّفِ، وَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، قَدْ وُجِدَ، وَوُجُودُهُ يُوجِبُ نَفَاذَ التَّصَرُّفِ، وَجَعْلُهُ مَوْقُوفًا إنَّمَا كَانَ لِفَائِدَةِ السَّفِيهِ وَلَمَّا كَانَ مَأْمُورًا بِتَحَرِّي مَنْفَعَةِ السَّفِيهِ فَلِذَلِكَ إذَا وَجَدَ الْقَاضِي تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ فَلَهُ أَنْ يُجِيزَهُ (الْهِدَايَةُ) وَالْحُكْمُ فِي بَيْعِ الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، كَمَا فَصَّلَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٦٧) . وَيُفْهَمُ مِنْ ذِكْرِ عَدَمِ نَفَاذِ الْبَيْعِ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفُذُ وَلَوْ كَانَ بِالْقِيمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ بِأَزْيَدَ مِنْ بَدَلِ الْمِثْلِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
وَإِذَا أَجَازَ الْقَاضِي بَيْعَ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ الْمَذْكُورِ فَهَذِهِ الْإِجَازَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى الْإِجَازَةِ لِلسَّفِيهِ الْمَحْجُورِ
стр. 1479
بِقَبْضِ الثَّمَنِ أَيْضًا. لِلْمَحْجُورِ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْضُ الثَّمَنِ وَلِذَلِكَ يَبْرَأُ الْمُشْتَرِي إذَا أَعْطَى السَّفِيهَ الْمَرْقُومَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ، وَاللَّائِقُ بِالْقَاضِي إذَا أَجَازَ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُشْتَرِيَ مِنْ تَسْلِيمِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ لِلسَّفِيهِ، فَعَلَى ذَلِكَ إذَا أَجَازَ الْقَاضِي بَيْعَ السَّفِيهِ وَمَنَعَ الْمُشْتَرِيَ مِنْ تَسْلِيمِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ لِلسَّفِيهِ، وَأَخْبَرَ الْمُشْتَرِيَ بِهَذَا الْمَنْعِ فَدَفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ رَغْمًا عَنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي ضَامِنًا لِلثَّمَنِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ ثَانِيًا لِلْقَاضِي، وَيَثْبُتُ حُكْمُ النَّهْيِ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ، يَعْنِي لَوْ أَخْبَرَ شَخْصٌ وَاحِدٌ الْمُشْتَرِيَ بِنَهْيِ الْحَاكِمِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُعْطِيَ الْمَحْجُورَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا نَهَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَارَ حَقُّ الْقَبْضِ لِلْقَاضِي، وَأَصْبَحَ الْمَحْجُورُ كَالْأَجْنَبِيِّ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَالْوَاحِدُ الْمَذْكُورُ سَوَاءٌ أَكَانَ عَدْلًا أَمْ غَيْرَ عَدْلٍ، وَأَمَّا قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَيُشْتَرَطُ فِي الْخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدَالَةُ وَإِذَا كَانَ الْمُخْبِرُ اثْنَيْنِ كَمَا هُوَ نِصَابُ الشَّهَادَةِ فَلَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ لَكِنْ لَوْ أَعْطَى الْمُشْتَرِي ثَمَنَ الْمَبِيعِ لِلسَّفِيهِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِمَنْعِ الْحَاكِمِ يَبْرَأُ مِنْ الثَّمَنِ وَقَدْ جَاءَ فِي (الطُّورِيِّ) أَنَّهُ إذْ قَالَ الْحَاكِمُ لِلْمُشْتَرِي أَجَزْتُ بَيْعَهُ، وَنَهَى الْمُشْتَرِيَ عَنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ، فَدَفَعَ قَبْلَ الْعِلْمِ بَرِئَ، وَبَعْدَ الْعِلْمِ لَا يَبْرَأُ كَالْوَكِيلِ.
وَيُفْهَمُ مِنْ قَيْدِ الْمَجَلَّةِ (إذَا رَأَى مَنْفَعَةً) أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَنْفَعَةُ مَوْجُودَةً فَلَا يُجِيزُ الْعَقْدَ وَيُبْطِلُهُ وَيَسْتَرِدُّ الْمَبِيعَ مِنْ الْمُشْتَرِي، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٥٨) ، فَعَلَيْهِ لَوْ بَاعَ السَّفِيهُ مَالَهُ بِمُحَابَاةٍ يُبْطِلُ الْحَاكِمُ الْبَيْعَ وَيَسْتَرِدُّ الْمَبِيعَ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ إذَا لَمْ يُعْطِ الْمُشْتَرِي ثَمَنَ الْمَبِيعِ لِلسَّفِيهِ بَعْدُ فَلَا يَلْزَمُهُ إعْطَاؤُهُ وَإِذَا أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَكَانَ مَوْجُودًا فِي يَدِهِ عَيْنًا فَيُرَدُّ إلَى الْمُشْتَرِي، فَإِذَا اسْتَهْلَكَ الثَّمَنَ يُنْظَرُ إذَا لَمْ يُجِزْهُ الْحَاكِمُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَيْعُ بِطَرِيقِ الْمُحَابَاةِ أَمْ لَمْ يَكُنْ فَإِذَا صَرَفَ السَّفِيهُ الْمَذْكُورُ الثَّمَنَ الْمَأْخُوذَ فِي أُمُورِهِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا يَعْنِي كَأَنْ يَصْرِفَهُ فِي نَفَقَتِهِ الْمِثْلِيَّةِ أَوْ زَكَاتِهِ أَوْ فِي أَدَاءِ فَرْضِ الْحَجِّ ضَمِنَ الْحَاكِمُ لِلْمُشْتَرِي ذَلِكَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ، أَمَّا إذَا صَرَفَهُ فِي وُجُوهِ الْفَسَادِ فَلَا يَضْمَنُ الْحَاكِمُ ذَلِكَ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمَادَّةِ (٩٦٦) (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) .
اخْتِلَافُ الْمَحْجُورِ وَالْمُشْتَرِي: إذَا اخْتَلَفَ الْمَحْجُورُ بِالسَّفَهِ وَالْمُشْتَرِي فَقَالَ الْمُشْتَرِي: إنَّهُ اشْتَرَى الْمَالَ فِي حَالِ الصَّلَاحِ وَقَبْلَ الْحَجْرِ وَادَّعَى الْمَحْجُورُ بِالسَّفَهِ أَنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ فِي حَالِ حَجْرِهِ فَالْقَوْلُ لِلْمَحْجُورِ، وَإِذَا أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ رَجَحَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ، أَيْ بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ قَبْلَ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ عِنْدَ تَعَارُضِ بَيِّنَتَيْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الصِّحَّةِ، وَعِنْدَ الِانْفِرَادِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُثْبِتِ (الطَّحْطَاوِيُّ قُبَيْلَ فَصْلِ بُلُوغِ الْغُلَامِ) .
أَمَّا لَوْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْ الْمَحْجُورِ بِالسَّفَهِ الشِّرَاءَ بَعْدَ الْفَكِّ، وَادَّعَى الْمَحْجُورُ الشِّرَاءَ قَبْلَ الْفَكِّ، فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١١) (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) .
قَبُولُ الْمَحْجُورِ بِالسَّفَهِ الْوَدِيعَةَ: لَوْ أَوْدَعَ الْمَحْجُورُ بِالسَّفَهِ مَالًا لَهُ وَأَقَرَّ بِاسْتِهْلَاكِهِ إيَّاهُ فَلَا يُصَدَّقُ. ثُمَّ إذَا فُكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ بَعْدَ
стр. 1480
ذَلِكَ لِصَيْرُورَتِهِ مُصْلِحًا يُسْأَلُ عَنْ الْوَدِيعَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِذَا أَقَرَّ بِاسْتِهْلَاكِهَا فِي حَالِ حَجْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. أَمَّا لَوْ أَقَرَّ بِاسْتِهْلَاكِهَا فِي حَالِ صَلَاحِهِ وَبَعْدَ الْفَكِّ فَيَضْمَنُ. كَذَلِكَ لَوْ اسْتَهْلَكَ الْمَحْجُورُ بِالسَّفَهِ الْمَالَ الَّذِي أُعْطِيَ إلَيْهِ وَدِيعَةً فِي حَالٍ حَجْرِهِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ، فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ لَا فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُصْلِحًا (الْهِنْدِيَّةُ) .
[ (مَادَّةُ ٩٤٤) إقْرَارُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ بِدَيْنٍ لِآخَرَ]
(مَادَّةُ ٩٤٤) - (لَا يَصِحُّ إقْرَارُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ بِدَيْنٍ لِآخَرَ مُطْلَقًا يَعْنِي لَيْسَ لِإِقْرَارِهِ تَأْثِيرٌ فِي حَقِّ أَمْوَالِهِ الْمَوْجُودَةِ وَقْتَ الْحَجْرِ وَالْحَادِثَةِ بَعْدَهُ)
يَصِحُّ الْحَجْرُ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لَا يَصِحُّ بِالْهَزْلِ وَالْإِكْرَاهِ وَفِي كُلِّ تَصَرُّفٍ مُحْتَمِلٍ لِلْفَسْخِ أَيْضًا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ (الْهِنْدِيَّةُ) كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٩٠) ، وَسَيُوَضَّحُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٠٦) أَيْضًا.
وَعَلَيْهِ فَلَا يُفْتَحُ إقْرَارُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ لِآخَرَ بِدَيْنٍ أَوْ بِعَيْنٍ مُطْلَقًا. يَعْنِي يَكُونُ إقْرَارُهُ بَاطِلًا أَسَاسًا وَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ، وَتَصَرُّفَاتُهُ الْقَوْلِيَّةُ لَيْسَتْ صَحِيحَةً بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٩٩١) .
الِاخْتِلَافُ فِي وَقْتِ الْإِقْرَارِ. فَلَوْ قَالَ الْمَحْجُورُ بِالسَّفَهِ، بَعْدَ أَنْ فُكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ لِصَلَاحِهِ: إنَّنِي أَقْرَرْتُ فِي حَالِ حَجْرِي بِإِنَّنِي اسْتَهْلَكْتُ مَالَ فُلَانٍ. وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ أَيْ صَاحِبُ الْمَالِ: إنَّكَ أَقْرَرْتَ فِي حَالِ صَلَاحِكَ. وَاخْتَلَفُوا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَالْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ بِمَا أَنَّهُ يُضِيفُ إقْرَارَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ تُنَافِي صِحَّةَ الْإِقْرَارِ فَهُوَ مُنْكِرٌ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ بِمُقِرٍّ. كَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ لِلْمُقِرِّ: إنَّكَ وَإِنْ أَقْرَرْتَ فِي حَالِ الْحَجْرِ وَالْفَسَادِ إلَّا أَنَّ إقْرَارَكَ حَقٌّ وَصَحِيحٌ، وَقَالَ الْمُقِرُّ: إنَّ إقْرَارِي غَيْرُ حَقٍّ وَغَيْرُ صَحِيحٍ، فَالْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ، وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمَالِ ثُمَّ صَلَحَ بِأَنْ صَارَ أَهْلًا، وَقَالَ: أَقْرَرْت بِهِ بَاطِلًا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِنْ قَالَ: كَانَ حَقًّا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ قَالَ: كَانَ بَاطِلًا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إقْرَارٌ بَعْدَ الصَّلَاحِ، فَلَا يَلْزَمُهُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الطُّورِيُّ) . وَوَصْفُ السَّفِيهِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ (بِالْمَحْجُورِ) مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ، أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ السَّفِيهَ يَنْحَجِرُ بِمُجَرَّدِ طُرُوءِ السَّفَهِ عَلَيْهِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ إقْرَارُهُ صَحِيحًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ حُجِرَ مِنْ طَرَفِ الْحَاكِمِ، وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٥٨) .
وَيُفَسَّرُ قَوْلُ الْمَجَلَّةِ (مُطْلَقًا) بِأَنَّهُ لَيْسَ لِإِقْرَارِهِ تَأْثِيرٌ فِي حَقِّ أَمْوَالِهِ الْمَوْجُودَةِ وَقْتَ الْحَجْرِ وَالْحَادِثَةِ بَعْدَهُ. يَعْنِي أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ يَعُمُّ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ، أَمَّا الْحَجْرُ عَلَى الْمَدِينِ فَيَنْحَصِرُ فِي مَالِهِ الْمَوْجُودِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (١٠٠١) ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩٥٩) وَيُفَسَّرُ هُنَا لَفْظُ (مُطْلَقًا) بِالتَّفْسِيرِ الْآتِي أَيْضًا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ أَثْنَاءَ حَجْرِهِ، كَمَا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٠٠١) وَشَرْحَهَا (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي: وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) .
стр. 1481
وَحُكْمُ هَذِهِ الْمَادَّةِ يُسْتَفَادُ مِنْ الْمَادَّةِ (٩٩١) بِقَوْلِهَا (لَا تُعْتَبَرُ تَصَرُّفَاتُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ الْقَوْلِيَّةُ) ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ، وَإِنَّمَا قَدْ بَحَثَ هُنَا فِي الْإِقْرَارِ عَلَى حِدَةٍ.
[ (مَادَّةُ ٩٩٥) حُقُوقُ النَّاسِ الَّتِي عَلَى الْمَحْجُورِ]
(مَادَّةُ ٩٩٥) - (حُقُوقُ النَّاسِ الَّتِي عَلَى الْمَحْجُورِ تُؤَدَّى مِنْ مَالِهِ) لِأَنَّ السَّفَهَ لَا يُبْطِلُ حُقُوقَ النَّاسِ، وَقِسْمٌ مِنْ الْمَادَّةِ (٩٩٢) فَرْعٌ لِهَذِهِ الْمَادَّةِ. لَكِنْ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْحُقُوقُ ثَابِتَةً بِالْبَيِّنَةِ. وَلَا تَثْبُتُ الْحُقُوقُ بِإِقْرَارِ السَّفِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِإِقْرَارِهِ كَمَا قَدْ بَيَّنَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٩٢) . مَثَلًا إذَا كَانَ عَلَى السَّفِيهِ دَيْنُ مَالٍ اشْتَرَاهُ قَبْلَ الْحَجْرِ فَتَلْزَمُ تَأْدِيَتُهُ مِنْ مَالِهِ، كَمَا أَنَّهُ إذَا تَلِفَ بَعْدَ الْحَجْرِ مَالُ أَحَدٍ، فَيَلْزَمُ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٩٦٠) إيفَاؤُهُ مِنْ مَالِهِ أَيْضًا (مُنْلَا مِسْكِينٍ) .
[ (مَادَّة ٩٩٦) اسْتَقْرَضَ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ دَرَاهِمَ وَصَرَفَهَا فِي نَفَقَتِهِ]
(مَادَّة ٩٩٦) - (إذَا اسْتَقْرَضَ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ دَرَاهِمَ وَصَرَفَهَا فِي نَفَقَتِهِ فَإِنْ كَانَ صَرْفُهُ إيَّاهَا بِالْقَدْرِ الْمَعْرُوفِ أَدَّاهَا الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ زَائِدًا عَنْ الْقَدْرِ الْمَعْرُوفِ يُؤَدِّي مِقْدَارَ نَفَقَتِهِ وَيَبْطُلُ الزَّائِدُ عَنْهَا) .
هَذَا إذَا اسْتَقْرَضَ النَّفَقَةَ وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِ الْقَاضِي فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ الْآنِفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ السَّفِيهُ يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ فِي الْأَصْلِ فَلَا يُعَدُّ هَذَا الصَّرْفُ إسْرَافًا وَسَفَهًا وَإِنْ كَانَ صَرْفُهُ زَائِدًا عَنْ الْقَدْرِ الْمَعْرُوفِ يُؤَدِّي مِقْدَارَ نَفَقَةِ السَّفِيهِ مِنْ مَالِهِ، وَيَبْطُلُ الزَّائِدُ عَنْهَا وَلَا تُؤْخَذُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ إسْرَافٌ. وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْإِيضَاحَاتِ أَنَّ السَّفِيهَ إذَا لَمْ يَصْرِفْ مَا اقْتَرَضَهُ مِنْ مَالِهِ فِي نَفَقَتِهِ بَلْ صَرَفَهُ فِي الْمَلَاهِي وَالْمَلَذَّاتِ كَأَنْ أَعْطَاهُ لِلْمُغَنِّينَ وَالْعَازِفِينَ فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُبْطِلَهُ كُلَّهُ.
إنَّ السَّفِيهَ الْمَحْجُورَ وَإِنْ يَكُنْ مُؤَاخَذًا عَلَى أَفْعَالِهِ، وَعَمَلِهِ هَذَا فِعْلٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٩٦٠) إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ عَادَةِ السَّفِيهِ تَضْيِيعُ الْأَمْوَالِ، فَبِإِقْرَاضِ الْمُقْرِضِ لِلسَّفِيهِ الْمَالَ وَتَسْلِيمِهِ إيَّاهُ مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِ السَّفِيهِ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْمُقْرِضِ رِضَاءً بِالْإِتْلَافِ فَلِذَلِكَ لَيْسَ لَهُ حَقُّ تَضْمِينِ مَالِهِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ فِي الْوَدِيعَةِ) كَمَا قَدْ صَارَ إيضَاحُهُ فِي الْمَادَّةِ (٩٦٠) الْمَذْكُورَةِ. وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ بَعْدَ الصَّلَاحِ: أَقْرَضْتنِي فِي حَالٍ فَسَادِي، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ فِي حَالٍ صَلَاحِك وَاسْتَهْلَكْتهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمَحْجُورُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ (الطُّورِيُّ) ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١١) .
[ (مَادَّةُ ٩٩٧) عِنْدَ صَلَاحِ حَالِ الْمَحْجُورِ يُفَكُّ حَجْرُهُ]
(مَادَّةُ ٩٩٧) - (عِنْدَ صَلَاحِ حَالِ الْمَحْجُورِ يُفَكُّ حَجْرُهُ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ) .
إذَا كَسَبَ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ صَلَاحًا ارْتَفَعَ عَنْهُ الْحَجْرُ، يَعْنِي لَا يَزُولُ الْحَجْرُ بِمُجَرَّدِ كَسْبِهِ صَلَاحًا وَرُشْدًا، وَإِنَّمَا يُفَكُّ حَجْرُهُ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا إذَا تَبَيَّنَ فِي حُضُورِ الْحَاكِمِ كَسْبُ الصَّلَاحِ؛ لِأَنَّهُ بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ (٢٢) إذَا زَالَ الْمَانِعُ عَادَ الْمَمْنُوعُ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُ السَّفِيهِ الْقَوْلِيَّةُ بَعْدَ الْحَجْرِ إذَا اكْتَسَبَ صَلَاحًا وَلَمْ يُفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ بِمُقْتَضَى الْمَادَّتَيْنِ (٩٩٠، ٩٩١) . وَفَكُّ الْحَجْرِ كَمَا
стр. 1482
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنَجَّزًا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُون مُعَلَّقًا. وَعَلَيْهِ لَوْ قَالَ الْقَاضِي لِلسَّفِيهِ إنَّنِي أَطْلَقْتُك إذَا اكْتَسَبْتَ صَلَاحًا كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ وَالْإِطْلَاقَ مُسْقِطَانِ لِلْحَجْرِ. وَتَعْلِيقُ الْإِسْقَاطِ بِالشَّرْطِ جَائِزٌ (الطُّورِيُّ) وَالْإِذْنُ بِالْعُقُودِ الْمُكَرَّرَةِ فَكٌّ لِلْحَجْرِ، فَلِذَلِكَ لَوْ أَعْطَى الْقَاضِي السَّفِيهَ بَعْدَ أَنْ حَجَرَهُ إذْنًا بِبَيْعِ شَيْءٍ أَوْ شِرَائِهِ بِنَفْسِهِ وَبَاعَ السَّفِيهُ أَوْ اشْتَرَى جَازَ وَفُكَّ الْحَجْرُ. أَمَّا لَوْ أَمَرَ الْقَاضِي السَّفِيهَ بِبَيْعِ مَالٍ مُعَيَّنٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ فَكًّا لِلْحَجْرِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) وَهَذِهِ الْمَادَّةُ مُقَابِلَةٌ لِلْمَادَّةِ (٩٥٨) فَقَدْ جَاءَ فِيهَا (يُحْجَرُ السَّفِيهُ بِحَجْرِ الْحَاكِمِ) كَمَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ (لَا يَنْفَكُّ الْحَجْرُ بِنَفْسِهِ إذَا كَسَبَ السَّفِيهُ صَلَاحًا) إنَّ هَذِهِ الْمَادَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ كَمَا مَرَّ إيضَاحُهُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٥٨) . أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ فَيُحْجَرُ السَّفِيهُ بِمُجَرَّدِ السَّفَهِ، فَإِذَا كَسَبَ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ صَلَاحًا انْفَكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ بِدُونِ حَاجَةٍ إلَى فَكِّ الْحَاكِمِ لِحَجْرِهِ.
الْفَرْقُ بَيْنَ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ وَالْمَدِينِ الْمَحْجُورِ:
١ - إنَّ فَكَّ الْحَجْرِ عَنْ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ طَرَفِ الْقَاضِي. أَمَّا الْمَدِينُ الْمَحْجُورُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ. كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٩٦١) . إذْ أَنَّ الْمَدِينَ الْمَحْجُورَ إذَا أَدَّى دَيْنَ الدَّائِنِ الَّذِي حُجِرَ مِنْ أَجْلِهِ، أَوْ أَبْرَأَهُ ذَلِكَ الدَّائِنُ مِنْ الدَّائِنِ ارْتَفَعَ الْحَجْرُ عَنْهُ.
٢ - إقْرَارُ الْمَحْجُورِ بِالدَّيْنِ مُعْتَبَرٌ بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ. وَكَذَلِكَ إقْرَارُهُ بِالْأَمْوَالِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا فِي وَقْتِ حَجْرٍ مُعْتَبَرٍ أَمَّا إقْرَارُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ فِي حَالِ حَجْرِهِ أَوْ بَعْدَ زَوَالِ حَجْرِهِ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ سَوَاءٌ أَكَانَ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ الْمَالِ الْمَوْجُودِ أَمْ حَقِّ الْمَالِ الْحَادِثِ (الطُّورِيُّ) . صُورَةُ الدَّعْوَى: لَوْ طَلَبَ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ فَكَّ حَجْرِهِ لِكَوْنِهِ كَسَبَ صَلَاحًا وَأَنْكَرَ خَصْمُهُ ذَلِكَ وَادَّعَى بَقَاءَ السَّفَهِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ مِنْهُ، وَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ كِلَاهُمَا رُجِّحَتْ بَيِّنَةُ بَقَاءِ السَّفَهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْأَشْبَاهُ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الذَّخِيرَةِ قَدْ جَزَمَ بِتَرْجِيحِ بَيِّنَةِ زَوَالِ السَّفَهِ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ أَمْرًا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا؛ وَلِأَنَّهَا تُثْبِتُ خِلَافَ الظَّاهِرِ إذْ الظَّاهِرُ إبْقَاءُ مَا كَانَ، فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الرُّشْدِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا وَالْبَيِّنَاتُ شُرِّعَتْ لِإِثْبَاتِ خِلَافِ الظَّاهِرِ هَذَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْحَجْرِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ قَبْلَ الْحَجْرِ فَالظَّاهِرُ الرُّشْدُ وَبَيِّنَةُ السَّفَهِ تُثْبِتُ خِلَافَهُ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ مَنْ يُثْبِتُ خِلَافَ الظَّاهِرِ (الطَّحْطَاوِيُّ بِتَغْيِيرٍ مَا، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) .
стр. 1483
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْمَدِينِ الْمَحْجُورِ]
وَالدَّيْنُ أَيْضًا عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا طَلَبُ الْغُرَمَاءِ، وَعِلْمُ الْمَدِينِ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ (الْعِنَايَةُ الطُّورِيُّ) ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩٩٩) .
(مَادَّةُ ٩٩٨) - (لَوْ ظَهَرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مُمَاطَلَةُ الْمَدِينِ فِي أَدَاءِ دَيْنِهِ حَالٍ كَوْنِهِ مُقْتَدِرًا أَوْ طَلَبَ الْغُرَمَاءُ بَيْعَ مَالِهِ وَتَأْدِيَةَ دَيْنِهِ حَجَرَ الْحَاكِمُ مَالَهُ، وَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ بَيْعِهِ وَتَأْدِيَةِ الدَّيْنِ بَاعَهُ الْحَاكِمُ وَأَدَّى دَيْنَهُ فَيَبْدَأُ بِمَا بَيْعُهُ أَهْوَنُ فِي حَقِّ الدَّيْنِ بِتَقْدِيمِ النُّقُودِ أَوَّلًا فَإِنْ لَمْ تَفِ فَالْعُرُوضُ فَإِنْ لَمْ تَفِ الْعُرُوض أَيْضًا فَالْعَقَارُ) .
حَتَّى لَا يَضُرَّ بِالدَّائِنِ بِإِخْرَاجِهِ مَالَهُ مِنْ مِلْكِهِ ظَاهِرًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِقْرَارِ مُوَاضَعَةً مَثَلًا (الْهِدَايَةُ) ، وَيَلْزَمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمَجَلَّةِ فِي حَجْرِ الْمَدِينِ طَلَبَ الدَّائِنُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ حَجْرُ الْمَدِينِ بِلَا طَلَبٍ.
الْإِشْهَادُ عَلَى الْحَجْرِ: يُشْهِدُ الْحَاكِمُ شُهُودًا عَلَى حَجْرِهِ الْمَدِينَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِأَجْلِ الدَّيْنِ يَعْنِي أَنَّهُ يَقُولُ لِلشُّهُودِ قَدْ حَجَرْتُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ أَوْ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ لِلدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ لِفُلَانٍ. وَالْإِشْهَادُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْحَجْرِ إلَّا إنَّهُ يَجِبُ الْإِشْهَادُ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْإِثْبَاتِ عِنْدَ مَسِّ الْحَاجَةِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ) وَجَاءَ فِي الْخَانِيَّةِ: فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْجُرُ عَلَيْهِ وَيُشْهِدُ عَلَى حَجْرِهِ فَيَقُولُ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ حَجَرْتُ عَلَى هَذَا أَوْ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ غَائِبًا لِأَجْلِ دَيْنِ فُلَانٍ وَيَمْنَعُ عَنْهُ مَالَهُ وَيَبِيعُ مَالَهُ إذَا سَأَلَهُ غَرِيمُهُ. شُرُوطُ الْحَجْرِ:
١ - طَلَبُ الدَّائِنِينَ فِي حَجْرِ الْمَدِينِ شَرْطٌ.
٢ - كَوْنُ الدَّيْنِ الَّذِي سَيُحْجَرُ لِأَجْلِهِ مُثْبَتًا، وَكَمَا يَجُوزُ الْحَجْرُ لِأَجْلِ الدُّيُونِ الْمَحْكُومِ بِهَا عَلَى الْمَدِينِ يَجُوزُ الْحَجْرُ أَيْضًا إذَا اخْتَفَى الْمَدِينُ وَأَثْبَتَ الدَّائِنُونَ دُيُونَهُمْ عَلَيْهِ فِي مُوَاجَهَةِ وَكِيلِهِ الْمُسَخَّرِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ) وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ الْحَجْرُ عَلَى الْمَدِينِ بِمُجَرَّدِ ادِّعَاءِ الدَّائِنِينَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْجُرُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ لَا قَبْلَهُ (الْخَانِيَّةُ) .
قَوْلُهُ فِي الْمَجَلَّةِ " إذَا كَانَ الْمَدِينُ مُقْتَدِرًا، لَيْسَ بِقَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَجُوزُ الْحَجْرُ عَلَى الْمَدِينِ إذَا
стр. 1484
امْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ وَهُوَ مُقْتَدِرٌ يَجُوزُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ غَيْرَ مُقْتَدِرٍ أَيْ مُفْلِسًا وَامْتَنَعَ عَنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ كَمَا سَيَذْكُرُ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ ٠ وَهَذَا الْحَجْرُ يُؤَثِّرُ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَادَّةِ (١٠٠٢) الْهِدَايَةُ.
تَجْرِي الْأُمُورُ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْآتِي:
١ - إذَا امْتَنَعَ عَنْ بَيْعِ مَالِهِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهُ (وَلَوْ كَانَ الْمَالُ عَقَارًا وَالثَّمَنُ قَلِيلًا) يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ بِحَبْسِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ لِإِيفَاءِ دَيْنِهِ فَيُحْبَسُ لِأَجْلِهِ فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ (نَتَائِجُ الْأَفْكَارِ) وَلِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ عَلَى الْمَدِينِ، وَالْمُمَاطَلَةَ ظُلْمٌ فَيَحْبِسُ الْحَاكِمُ الْمَدِينَ لِدَفْعِ ظُلْمِهِ وَلِإِيصَالِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحَقِّهِ وَهَذَا الْجَبْرُ لَا يُعَدُّ إكْرَاهًا عَلَى الْبَيْعِ (الطَّحْطَاوِيُّ) ؛ لِأَنَّ الْجَبْرَ الْمَذْكُورَ يَحِقُّ. اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٩٤٨) وَالْحَبْسُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. فَقَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] أَيْ يُحْبَسُوا؛ لِأَنَّ نَفْيَهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ لَا يُتَصَوَّرُ وَفِي السُّنَّةِ قَدْ حَبَسَ الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه رَجُلًا وَفِي الْإِجْمَاعِ فَقَدْ أَنْشَأَ عَلِيٌّ ﵁ مَحْبِسًا فِي الْكُوفَةِ وَأَسْمَاهُ (النَّافِعَ) ثُمَّ أَسْمَاهُ (مَحْبِسًا) لِإِنْشَائِهِ إيَّاهُ مُسْتَحْكِمًا لِعَدَمِ فِرَارِ الْمَحْبُوسِينَ مِنْهُ. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَجْمَعِينَ وَلَمْ يُخَالِفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
وَالْمَحْبِسُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا مَعْنَاهُ الْمُذَلِّلُ يُقَالُ حَبَسَهُ أَذَلَّهُ (الْجَوْهَرَةُ) .
وَيُفْهَمُ مِنْ ذِكْرِ لَفْظِ الْمَالِ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ مُطْلَقًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الدَّائِنِ أَوْ مَأْجُورًا أَوْ مُسْتَعَارًا أَيْ أَنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مِلْكٍ لَهُ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٦٤) (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَيُسْتَفَادُ مِنْ تَعْبِيرِ الْمَجَلَّةِ (وَإِذَا امْتَنَعَ) الْإِجْبَارُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِيهَا إجْبَارُ الْمَدِينِ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ صَرَاحَةً. وَفِي النَّوَادِرِ (وَإِذَا حُبِسَ فِي الدَّيْنِ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُشْهِدَ أَنَّهُ قَدْ حَجَرَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ حَتَّى يَقْضِيَ دُيُونَهُ الَّتِي حُبِسَ لِأَجْلِهَا) (الطُّورِيُّ) .
وَعَلَيْهِ لَوْ امْتَنَعَ الدَّيْنُ بَعْدَ إجْبَارِهِ عَنْ بَيْعِهِ مَالَهُ وَتَأْدِيَةِ الدَّيْنِ بَاعَهُ الْحَاكِمُ وَأَدَّى دَيْنَهُ؛ وَلِأَنَّ بَيْعَ الْمَالِ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَلَازِمٌ وَالْمُمَاطَلَةَ ظُلْمٌ وَلِذَا يَنُوبُ الْحَاكِمُ مَنَابَ الْمَدِينِ فِي حَالِ إجْبَارِهِ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ بِالْحَبْسِ وَإِصْرَارِهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ كَمَا فِي الْجُبِّ وَالْعُنَّةِ (الْهِدَايَةُ) .
وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ امْتَنَعَ عَنْ إيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ وَهُوَ مِمَّا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) . وَقَدْ أُرِيدَ بِتَغْيِيرِ (مَالِهِ) فِي الْمَجَلَّةِ الِاحْتِرَازُ عَمَّا يُعْهَدُ إلَيْهِ بِهِ مِنْ الْجِهَاتِ وَالتَّعْيِينَاتِ كَالْقِيَمِيَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ فَلَا يُجْبَرُ الْمَدِينُ إذَا كَانَ فِي عُهْدَتِهِ أَشْيَاءُ كَهَذِهِ عَلَى الْفَرَاغِ بِهَا لِأَجْلِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مَالَهُ فَلَا يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِهَا (رَدُّ الْمُحْتَارِ بِإِيضَاحٍ) . لَكِنَّ التَّعْبِيرَ الْمَذْكُورَ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْمُسْتَغَلَّاتِ الْوَقْفِيَّةِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِالْإِجَارَتَيْنِ وَالْأَرَاضِي الْأَمِيرِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِجْبَارَ عَلَى الْفَرَاغِ بِهَا لِآخَرَ لِأَجْلِ الدَّيْنِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ السُّلْطَانِيُّ.
стр. 1485
وَلَا يَمْتَازُ الْحَاجِرُ عَنْ غَيْرِهِ يَعْنِي لَا يُوجَدُ لِلدَّائِنِينَ الْحَاجِرِينَ امْتِيَازٌ فِي أَمْوَالِ الْمَدِينِ الْمَوْجُودَةِ حِينَ الْحَجْرِ فَلِكُلِّ دَائِنٍ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ بِمِقْدَارِ مَالِهِ مِنْ الدَّيْنِ الثَّابِتِ وُجُودُهُ بِالشَّهَادَةِ حَتَّى لَيْسَ لِلْمَحْجُورِ أَنْ يُؤَدِّيَ لِبَعْضِ الدَّائِنِينَ دُيُونَهُمْ كَامِلَةً بِرِضَاهُ وَيَحْرِمَ الْآخَرِينَ وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَعْطَى الْمَدِينُ الْمَحْجُورُ دَائِنًا دَيْنَهُ كَامِلًا فَيُجْبَرُ ذَلِكَ الدَّائِنُ عَلَى رَدِّ مَا يَزِيدُ عَمَّا يَلْحَقُهُ مِنْ الدَّيْنِ غَرَامَةَ بَاقِي الْغُرَمَاءِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ) .
وَهَذِهِ الْمَادَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ. أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَ مَالَ الْمَدِينِ وَإِنَّمَا يُجْبَرُ الْمَدِينُ عَلَى بَيْعِهِ إجْبَارًا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ؛ لِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ لَا يَجُوزُ الْحَجْرُ أَيْضًا لِأَجْلِ الدَّيْنِ فَيَبْدَأُ بِمَا بَيْعُهُ أَهْوَنُ فِي حَقِّ الْمَدِينِ بِتَقْدِيمِ النُّقُودِ أَوَّلًا فَإِنْ لَمْ تَفِ فَالْعُرُوضُ فَإِنْ لَمْ تَفِ الْعُرُوض أَيْضًا فَالْعَقَارُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ تَحْصُلُ بِهِ الْمُسَارَعَةُ إلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ مَعَ مُرَاعَاةِ جَانِبِ الْمَدِينِ وَهَذَا نَافِعٌ لَلْمَدِينِ وَالْغُرَمَاءِ مَعًا (الْهِنْدِيَّةُ) . حَاصِلُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ يُنَصِّبُ نَاظِرًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ لَلْمَدِينِ كَمَا يَنْظُرُ لِلْغُرَمَاءِ فَيَبِيعَ مَا كَانَ أُنْظِرَ لَهُ (الْعِنَايَةُ) وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْعُرُوضِ يَكْفِي فَيَلْزَمُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْعُرُوضِ الَّتِي يُخْشَى عَلَيْهَا التَّلَفُ وَتُبَاعُ الْعُرُوض الْأُخْرَى فِي حَالِ عَدَمِ كِفَايَةِ تِلْكَ الْعُرُوضِ وَمِنْ ثَمَّ يَنْتَهِي إلَى الْعَقَارِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
وَيَبْدَأُ الْقَاضِي بِبَيْعِ النُّقُودِ؛ لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِلسَّلْبِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا فَيَكُونُ بَيْعُهَا أَهْوَنُ عَلَى الْمَدِينِ، فَإِنْ فُضِلَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بَاعَ الْعُرُوضَ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُعَدُّ لِلتَّقَلُّبِ وَالِاسْتِرْبَاحِ فَلَا يَلْحَقُهُ كَبِيرُ ضَرَرٍ فِي بَيْعِهَا فَإِنْ لَمْ يَفِ ثَمَنُهَا بَاعَ الْعَقَارَ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ يُعَدُّ لِلِاقْتِنَاءِ فَيَلْحَقُهُ ضَرَرٌ فِي بَيْعِهِ فَلَا يَبِيعُهُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ (التَّنْقِيحُ) . فَقَوْلُهُ (يَبْدَأُ بِالنُّقُودِ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَبْدَأُ بَيْعَ النُّقُودِ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ عِبَارَةُ (يَبْدَأُ بِالْأَهْوَنِ) وَيَكُونُ بَيْعُ النُّقُودِ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي: فَإِذَا كَانَ دَيْنُ الدَّائِنِ ذَهَبًا وَالْمَوْجُودُ عِنْدَ الْمَدِينِ مِنْ النُّقُودِ فِضَّةٌ تُبْدَلُ الْفِضَّةُ بِذَهَبٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ فِضَّةً وَالْمَوْجُودُ ذَهَبًا فَيُبْدَلُ الذَّهَبُ بِفِضَّةٍ وَيُؤَدَّى الدَّيْنُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الْهِدَايَةُ) . أَمَّا إذَا كَانَ الدَّيْنُ ذَهَبًا وَمَالُ الْمَدِينِ ذَهَبًا أَيْضًا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَيْعِ فَيُوفِي الْحَاكِمُ الدَّيْنَ مِنْهُ بِلَا أَمْرِ الْمَدِينِ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ الدَّيْنُ فِضَّةً وَنَقْدُ الْمَدِينِ فِضَّةً أَيْضًا فَلِلْحَاكِمِ أَيْضًا أَنْ يُوفِيَ الدَّيْنَ مِنْهُ بِلَا أَمْرِ الْمَدِينِ وَهَذِهِ الْمُعَامَلَةُ صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الدَّائِنَ إذَا ظَفِرَ بِمَالٍ لِلْمَدِينِ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَهُ الْحَقُّ فِي أَخْذِهِ مِنْهُ بِدُونِ رِضَا الْمَدِينِ وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُعِينَهُ فِي اسْتِيفَاءِ ذَلِكَ الْحَقِّ (الْهِدَايَةُ) .
وَبَيْعُ النُّقُودِ أَخَفُّ وَأَهْوَنُ مِنْ بَيْعِ غَيْرِهَا كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمَجَلَّةِ وَوَجْهُ الْأَخَفِّيَّةِ هُوَ إمْكَانُ الِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهَا فَقَدْ أُعِدَّتْ لِلسَّلْبِ (التَّنْقِيحُ) . وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْمَدِينِ هُنَا الْمَدِينُ الْحَاضِرُ أَمَّا إذَا كَانَ الْمَدِينُ غَائِبًا فَحِينَئِذٍ لَا تُبَاعُ عُرُوضُهُ وَعَقَارَاتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ (أَبُو السُّعُودِ)
[ (مَادَّةُ ٩٩٩) الْمَدِينُ الْمُفْلِسُ إذَا خَافَ غُرَمَاؤُهُ ضَيَاعَ مَالِهِ]
(مَادَّةُ ٩٩٩) - (الْمَدِينُ الْمُفْلِسُ أَيْ الَّذِي دَيْنُهُ مُسَاوٍ لِمَالِهِ أَوْ أَزْيَدُ إذَا خَافَ غُرَمَاؤُهُ ضَيَاعَ مَالِهِ بِالتِّجَارَةِ أَوْ أَنْ يُخْفِيَهُ أَوْ يَجْعَلَهُ بِاسْمِ غَيْرِهِ وَرَاجَعُوا الْحَاكِمَ عَلَى
стр. 1486
حَجْرِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ أَوْ إقْرَارِهِ بِدَيْنِ الْآخَرِ حَجَرَهُ الْحَاكِمُ وَبَاعَ أَمْوَالَهُ وَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْغُرَمَاءِ إلَّا أَنَّهُ يَتْرُكُ لَهُ ثَوْبًا أَوْ ثَوْبَيْنِ مِنْ ثِيَابِهِ وَإِنْ كَانَ لِلْمَدِينِ ثِيَابٌ ثَمِينَةٌ وَأَمْكَنَ الِاكْتِفَاءُ بِمَا دُونَهَا بَاعَهَا وَاشْتَرَى لَهُ مِنْ ثَمَنِهَا ثِيَابًا رَخِيصَةً تَلِيقُ بِحَالِهِ وَأَعْطَى بَاقِيَهَا لِلْغُرَمَاءِ أَيْضًا وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ دَارٌ وَأَمْكَنَ الِاكْتِفَاءُ بِمَا دُونَهَا بَاعَهَا وَاشْتَرَى مِنْ ثَمَنِهَا دَارًا مُنَاسِبَةً لِحَالِ الْمَدِينِ وَأَعْطَى بَاقِيَهَا لِلْغُرَمَاءِ) الْمَدِينُ الْمُفْلِسُ: أَفْلَسَ الرَّجُلُ كَأَنَّهُ صَارَ إلَى حَالٍ لَيْسَ لَهُ فُلُوسٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: صَارَ ذَا فُلُوسٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ ذَا دَرَاهِمَ فَهُوَ مُفْلِسٌ وَالْجَمْعُ مَفَالِيسُ وَصَنْعَتُهُ الِانْتِقَالُ مِنْ حَالِ الْيُسْرِ إلَى حَالِ الْعُسْرِ (الطَّحْطَاوِيُّ) أَيْ هُوَ الَّذِي دَيْنُهُ مُسَاوٍ لِمَالِهِ أَوْ كَانَ دَيْنُهُ أَزْيَدَ إذَا خَافَ غُرَمَاؤُهُ ضَيَاعَ مَالِهِ بِالتِّجَارَةِ، أَوْ أَنْ يُخْفِيَهُ وَكَيْفَ يَصِيرُ إخْفَاءُ الْمَالِ؟ وَلَعَلَّ الْفِقْرَةَ الَّتِي بَعْدَ عِبَارَةِ (أَنْ يُخْفِيَ مَالَهُ) مُفَسِّرَةُ الْعَطْفِ الْوَاقِعِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ (الشَّارِحُ) أَوْ يَجْعَلُهُ بِاسْمِ غَيْرِهِ بِوَجْهٍ كَأَنْ يَبِيعَ مَالَهُ مُوَاضَعَةً أَوْ يُقِرَّ بِهِ وَرَاجَعُوا الْحَاكِمَ لِأَجْلِ حَجْرِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ أَوْ إقْرَارِهِ بِدَيْنٍ لِآخَرَ حَجَرَهُ الْحَاكِمُ (الْكِفَايَةُ) .
وَالْمَدِينُ إنَّمَا يُحْجَرُ بِحَجْرِ الْحَاكِمِ فَالِاخْتِلَافُ الْجَارِي فِي حَجْرِ السَّفِيهِ لَا يَجْرِي فِي حَجْرِ الْمَدِينِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) . وَقَدْ قَصَرَتْ الْمَجَلَّةُ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهَا (الَّذِي دَيْنُهُ. إلَخْ) عَلَى الْمُفْلِسِ الْحَقِيقِيِّ، وَالْحَالُ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْمَادَّةِ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى الْمُفْلِسِ الْحَقِيقِيِّ بَلْ يَعُمُّ الْمُفْلِسَ حَقِيقَةً وَغَيْرَ الْمُفْلِسِ حَقِيقَةً يَعْنِي كَأَنْ يَدَّعِيَ الْإِفْلَاسَ وَهُوَ غَنِيٌّ وَمُمْتَنِعٌ عَنْ تَأْدِيَةِ مَا عَلَيْهِ بِدَاعِي أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ نُقُودٌ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ حَالَ مَنْ يَدَّعِي الْإِفْلَاسَ وَمُمْتَنِعٌ عَنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ وَهُوَ غَنِيٌّ كَحَالِ الْمُفْلِسِ الْحَقِيقِيِّ. وَقَدْ جَاءَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُفْلِسِ هَهُنَا مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ إمَّا مَنْ يَدَّعِي الْإِفْلَاسَ - فَيَتَنَاوَلُ الْغَنِيَّ أَيْضًا، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَدِينَ الَّذِي لَا يُؤَدِّي دَيْنَهُ يَدَّعِي الْإِفْلَاسَ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي نَفْسِهِ - إمَّا مَنْ حَالُهُ حَالُ الْمُفْلِسِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَنِيَّ الَّذِي يُؤَدِّي دَيْنَهُ حَالٌ فِي عَدَمِ أَدَاءِ الدَّيْنِ حَالَ الْمُفْلِسِ فَلَا يَلْزَمُ تَخْصِيصُ الْمَسْأَلَةِ بِمَنْ هُوَ مُفْلِسٌ حَقِيقَةً. وَلَعَلَّ الْوَجْهَ فِي تَخْصِيصِ الْمَجَلَّةِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ بِالْمُفْلِسِ الْحَقِيقِيِّ هُوَ ذِكْرُ حُكْمِ مَنْ يَدَّعِي الْإِفْلَاسَ وَهُوَ غَيْرُ مُفْلِسٍ فِي الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ.
وَإِذَا حَجَرَ الْحَاكِمُ الْمَدِينَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَا تَصِحُّ بَعْدَئِذٍ عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ تَصَرُّفَاتُهُ كَالْهِبَةِ وَالتَّصَدُّقِ، أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ فَلَا تَأْثِيرَ لِلْحَجْرِ. وَتَصَرُّفَاتُهُ تَكُونُ صَحِيحَةً بَعْدَ الْحَجْرِ أَيْضًا، وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْحَبْسُ فِي هَذَا الْحَجْرِ، يَجُوزُ حَجْرُ الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَبْسِ وَبَعْدَهُ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ وَنَتَائِجُ الْأَفْكَارِ) وَبِمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ أَيْضًا فَكَانَ مِنْ الْمُنَاسِبِ أَنْ يَذْكُرَ مَعَ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ كَلِمَةَ (عَنْ التَّصَرُّفِ) كَمَا فِي الْهِدَايَةِ، لَا مَعَ الْبَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنْ قُوبِلَ الْعَامُّ بِالْخَاصِّ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ قَدْ قَصَدَ مَا عَدَا الْخَاصِّ الْمَذْكُورِ مِنْ الْعَامِّ عَطْفَ الْمُبَايِنِ عَلَى الْمُبَايَنِ، وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] الْآيَةَ (عَبْدُ الْحَلِيمِ) .
بِبَيْعِ الْحَاكِمِ أَوْ أَمِينِهِ فِي الْحَالِ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ الَّتِي لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ لَهُ وَيُقَسِّمُهَا بَيْنَ الْغُرَمَاءِ. وَعَلَيْهِ فَكَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ فِي الصَّيْفِ كُلَّ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَدِينُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ سَجَّادٍ وَبُسُطٍ
стр. 1487
وَكَوَانِينَ وَمَدَافِئَ وَيُوفِي الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهَا فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ فِي الشِّتَاءِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ نِطَعٍ وَمَقَاعِدَ جِلْدِيَّةٍ يُوفِي مِنْ ثَمَنِهَا الدَّيْنَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ) . كَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِلْمَدِينِ عِدَّةُ دُورٍ فَيُتْرَكُ لَهُ إحْدَاهَا مَسْكَنًا وَتُبَاعُ الْبَقِيَّةُ (أَبُو السُّعُودِ) . وَإِذَا كَانَتْ دُيُونُ الْمُفْلِسِ مُسَاوِيَةً لِمَالِهِ فَيَكُونُ قَدْ اسْتَوْفَى كُلُّ دَائِنٍ دَيْنَهُ كَامِلًا. وإذَا كَانَتْ دُيُونُهُ أَزْيَدَ مِنْ مَالِهِ فَبِمَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيفَاءُ كُلِّ دَيْنِهِ كَامِلًا فَيُعْطَى كُلٌّ بِنِسْبَةِ دَيْنِهِ وَيُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ (تَقْسِيمُ الْغُرَمَاءِ) . وَإِذَا كَانَتْ كُلُّ الدُّيُونِ حَالَّةً فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ تُقَسَّمُ بِحَسَبِ الْحِصَصِ. أَمَّا إذَا كَانَ بَعْضُهَا حَالًّا وَبَعْضُهَا مُؤَجَّلًا فَتُقَسَّمُ عَلَى أَرْبَابِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ، أَيْ عِنْدَ حُلُولِ أَجَلِ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ، لِلدَّائِنِينَ أَنْ يُرَاجِعُوا أَصْحَابَ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ وَيُقَاسِمُوهُمْ مَا أَخَذُوهُ وَيُشَارِكُوهُمْ فِيهِ كُلٌّ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ (عَبْدُ الْحَلِيمِ الْهِنْدِيَّةُ قُبَيْلَ كِتَابِ الْمَأْذُونِ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجْرِ) الدُّيُونُ الْمُمْتَازَةُ: بَعْضُ دُيُونِ الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ تَكُونُ مُمْتَازَةً فَلَا يَدْخُلُهَا أَصْحَابُهَا فِي الْغُرَمَاءِ، وَهِيَ: أَوَّلًا ثَمَنُ الْمَبِيعِ.
وَذَلِكَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَحَدٌ مَالًا، لَكِنْ قَبْلَ أَدَاءِ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ ٠ وَأَصْبَحَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا فَلِلْبَائِعِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ ٠ حَتَّى إنَّ الْمُشْتَرِيَ الْمَذْكُورَ لَوْ قَبَضَ الْمَبِيعَ بِلَا إذْنِ الْبَائِعِ فَلِلْبَائِعِ حَقٌّ بِأَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَبِيعَ وَيَحْبِسَهُ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ظَالِمًا بِقَبْضِ الْمَبِيعِ وَغَيْرِ مُحِقٍّ فَلَا يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ الْمَذْكُورُ (الطَّحْطَاوِيُّ) ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٢٢٧) . وَلَا يَدْخُلُ الْبَائِعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فِي تَقْسِيمِ الْغُرَمَاءِ (أَبُو السُّعُودِ) أَمَّا لَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ وَأَفْلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ حِينَئِذٍ فِي تَقْسِيمِ الْغُرَمَاءِ هَذَا إذَا كَانَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ مُعَجَّلًا أَمَّا إذَا كَانَ مُؤَجَّلًا فَلَا يَدْخُلُ مَعَ الْغُرَمَاءِ فِي الْحَالِ بَلْ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ يُشَارِكُ الْغُرَمَاءَ بِمَا قَبَضُوهُ وَلَيْسَ لَهُ اسْتِرْدَادُ الْمَبِيعِ. ثَانِيًا: الدَّيْنُ الَّذِي فِي مُقَابِلِ رَهْنٍ. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ رَهَنَ مَدِينٌ مَالًا لَهُ فِي دَيْنٍ عِنْدَ آخَرَ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ إفْلَاسِهِ فَبِمَا أَنَّ دَيْنَ الْمُرْتَهِنِ مُمْتَازٌ فَلَا يَتَدَخَّلُ الْغُرَمَاءُ فِي الرَّهْنِ مَا لَمْ يُؤَدِّ هَذَا الدَّيْنُ عُهْدَةَ الْبَيْعِ: لَوْ بَاعَ الْحَاكِمُ أَوْ أَمِينُهُ أَمْوَالَ الْمَدِينِ الْمَحْجُورِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَعُودُ عُهْدَةُ الْبَيْعِ أَيْ حُقُوقُ الْعَقْدِ إلَى الْمَدِينِ وَلَيْسَ إلَى الْحَاكِمِ أَوْ أَمِينِهِ وَعَلَيْهِ فَلَوْ ضُبِطَ الْمَبِيعُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي بِالِاسْتِحْقَاقِ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَدِينِ بِهِ أَيْضًا وَلَيْسَ عَلَى الْحَاكِمِ أَوْ أَمِينِهِ (مُنْلَا مِسْكِينٍ) . وَلَكِنْ يُتْرَكُ لَهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَيْ لِلْمَدِينِ دَسْتُ مِنْ الثِّيَابِ أَوْ دَسْتَانِ عَادِيَانِ مِنْ لِبَاسِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (الطَّحْطَاوِيُّ) وَعِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ بِبَيْعِ مَا عَلَيْهِ فَوْقَ الْإِزَارِ وَالسِّرْوَالِ، (الْخَانِيَّةُ) ، وَإِذَا وُجِدَ لِلْمَدِينِ دَسْتُ وَاحِدٌ لِلنَّهَارِ وَدِسْتٌ آخَرُ ثَمِينٌ يَلْبَسُهُ فِي الْأَعْيَادِ وَمَا يُمَاثِلُهَا يُتْرَكُ لَهُ الْأَوَّلُ وَيُبَاعُ الثَّانِي وَعَنْ شُرَيْحُ أَنَّهُ بَاعَ الْعِمَامَةَ (صُرَّةُ الْفَتَاوَى، الْخَانِيَّةُ) .
стр. 1488
يُتْرَكُ لَهُ دَسْتُ أَوْ دَسْتَانِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُتْرَكَ دَسْتُ وَإِذَا لَمْ يُتْرَكْ زِيَادَةٌ عَنْ دَسْتُ وَاحِدٍ فَيَلْزَمُ عِنْدَ غَسْلِهِ أَنْ يَمْكُثَ فِي الْبَيْتِ مَلُومًا مَحْسُورًا. أَمَّا عِنْدَ الْبَعْضِ الْآخَرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَيَلْزَمُ أَنْ يُتْرَكَ لَهُ دَسْتُ وَاحِدٌ وَيُبَاعُ الْبَاقِي (مُنْلَا مِسْكِينٍ، الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ) ؛ لِأَنَّ بِهِ كِفَايَةٌ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) . وَقَوْلُ الْمَجَلَّةِ (يُتْرَكُ لَهُ ثَوْبًا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلٍ وَقَوْلُهَا (أَوَثَوْبَيْنِ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلٍ آخَرَ. وَعَلَيْهِ فَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ تَرَكَ لَهُ دَسْتًا وَاحِدًا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ لَهُ دَسْتَيْنِ وَبَاعَ الْبَاقِيَ وَأَدَّى دَيْنَهُ. إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ لِذَلِكَ الْمَدِينِ ثِيَابٌ ثَمِينَةٌ وَكَانَ يُمْكِنُ بِالنَّظَرِ إلَى شَخْصِيَّتِهِ وَحَيْثِيَّتِهِ الِاكْتِفَاءُ بِمَا دُونَهَا بَاعَهَا وَاشْتَرَى لَهُ مِنْ ثَمَنِهَا ثِيَابًا رَخِيصَةً تَلِيقُ بِحَالِهِ وَأَعْطَى بَاقِيَهَا لِلْغُرَمَاءِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ؛ لِأَنَّ لُبْسَ ذَلِكَ لِلتَّجَمُّلِ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ فَرْضٌ عَلَيْهِ (الْجَوْهَرَةُ) . كَذَا إذَا كَانَ عِنْدَ الْمَدِينِ كَانُونٌ نُحَاسٌ يُبَاعُ الْكَانُونُ الْمَذْكُورُ وَيُشْتَرَى لَهُ كَانُونٌ مِنْ الطِّينِ وَالزَّائِدُ يُعْطَى إلَى الْغُرَمَاءِ (الْجَوْهَرَةُ) . كَذَلِكَ إذَا كَانَ لِلْمَدِينِ وَلَوْ كَانَ يُمْكِنُ بِالنَّظَرِ إلَى أَفْرَادِ عَائِلَتِهِ الِاكْتِفَاءُ بِمَا دُونَهَا بَاعَهَا وَاشْتَرَى مِنْ ثَمَنِهَا دَارًا مُنَاسِبَةً لِحَالِ الْمَدِينِ وَأَعْطَى مَا يَزِيدُ لِلْغُرَمَاءِ. وَلَا يُقَالُ يُعْطِي كَامِلَ ثَمَنِ الدَّارِ إلَى الْغُرَمَاءِ وَيَسْكُنُ الْمَدِينُ دَارًا بِالْأُجْرَةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ مَالًا) . قِيلَ (إذَا أَمْكَنَ الِاكْتِفَاءُ بِمَا دُونَهَا) فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا دُونَهَا جَسَامَةً. مَثَلًا إذَا كَانَتْ دَارُ الْمَدِينِ كَبِيرَةً عَلَيْهِ وَزَائِدَةً عَنْ حَاجَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْرَادِ عَائِلَتِهِ فَتُبَاعُ تِلْكَ الدَّارُ إذَا كَانَ فِي الْإِمْكَانِ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ غَيْرِهَا بِنِصْفِ ثَمَنِهَا مَثَلًا دَارًا صَغِيرَةً تَكْفِي الْمَدِينَ فِي جِوَارِهَا. يَعْنِي إعْطَاءَ (مَا دُونَهَا) وَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، كَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْكَانُونِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا آنِفًا فَهِيَ نَظِيرُ ذَلِكَ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا دُونَهَا قِيمَةً وَذَلِكَ كَأَنْ تَكُونَ دَارُ الْمَدِينِ فِي مَحَلٍّ مُعْتَبَرٍ لَوْ بِيعَتْ يُمْكِنُ شِرَاءُ مِثْلِهَا فِي مَكَان آخَرَ غَيْرِ مُعْتَبَرٍ بِنِصْفِ ثَمَنِهَا. مَثَلًا إذَا كَانَ لِلْمَدِينِ دَارٌ فِي (جُفَالٍ أَوْ غُلِّي) فِي إسْتَانْبُولْ تَكْفِي لِاسْتِيعَابِ أَفْرَادِ عَائِلَتِهِ فَقَطْ وَكَانَتْ إذَا بِيعَتْ تُسَاوِي أَلْفَيْ ذَهَبَةٍ وَيُمْكِنُ شِرَاءُ دَارٍ بِأَلْفِ ذَهَبَةٍ فِي جِوَارِ بَابِ أَدَرِنَةٍ بِعَيْنِ الْجَسَامَةِ وَالْحَجِّ.
وَإِنِّي وَإِنْ لَمْ أَجِدْ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ كَلَامًا صَرِيحًا فِي إعْطَاءِ هَذَا الْمَعْنَى (لِمَا دُونَهَا) أَيْ فِي جَعْلِهِ شَامِلًا لِلْمَعْنَيَيْنِ فَلَا يَرَى الْمَعْنَى الثَّانِيَ مُوَافِقًا لِلْعَدَالَةِ.
وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ دَارٍ مُنَاسِبَةٍ لِحَالِ الْمَدِينِ لِأَجْلِ الدَّيْنِ وَيَلْزَمُ تَرْكُهَا لِلْمَدِينِ. وَفِي هَذَا التَّرْكِ مُسَاعَدَةٌ خَاصَّةٌ لِلْمَدِينِ ذَاتِهِ، وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ فِي حَالِ وَفَاتِهِ - سَوَاءٌ أَكَانُوا صِغَارًا أَمْ كِبَارًا - أَنْ يَقُولُوا عَنْ دَارِ مُوَرِّثِهِمْ الْمَمْلُوكَةِ أَنَّ مَسْكَنَنَا الشَّرْعِيَّ لَا يُبَاعُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمَّا كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْإِرْثِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَسْكَنٍ لِلْوَارِثِ حَتَّى إذَا تُوُفِّيَ أَحَدٌ وَتَرِكَتُهُ مُسْتَغْرِقَةٌ لِلدُّيُونِ فَتَعُودُ جَمِيعُ أَمْوَالِهِ وَعَقَارَاتِهِ الْمَمْلُوكَةِ إلَى دَائِنِيهِ، وَلَا يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ فِيهَا حَقٌّ مَا مُطْلَقًا. وَإِذَا طَلَب دَائِنُو الْمُفْلِسِ حَبْسَ الْمَدِينِ لِعَدَمِ ظُهُورِ مَالٍ لَهُ وَادَّعَى الْمَدِينُ أَنَّهُ مُفْلِسٌ مُعْسِرٌ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ فَيُحْبَسُ لِكُلِّ دَيْنِ الْتَزَمَ بِهِ بِعَقْدٍ كَالْمَهْرِ الْمُعَجَّلِ وَالْكَفَالَةِ. وَيُحْبَسُ فِي الدَّرَاهِمِ وَفِي أَقَلَّ مِنْهَا وَيُحْبَسُ فِي قَلِيلِ الدَّيْنِ وَكَثِيرِهِ إذَا ظَهَرَ مِنْهُ. الْمَطْلُ (الْجَوْهَرَةُ) .
стр. 1489
أَمَّا إذَا كَانَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ حَصَلَ فِي يَدِهِ، فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى الْإِعْسَارِ؛ لِأَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَا غِنَاهُ بِهِ فَدَعْوَاهُ الْإِعْسَارُ دَعْوَى زَوَالِ مَا فِي يَدِهِ وَهُوَ مَعْنًى حَادِثٌ فَلَا يُصَدَّقُ وَكَذَا إذَا الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ كَالْمَهْرِ الْمُعَجَّلِ لَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الْإِعْسَارِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ بِدَعْوَاهُ أَنْ يُسْقِطَ مَا الْتَزَمَهُ فَلَا يُقْبَلُ (الْجَوْهَرَةُ) لَكِنْ لَوْ أَقَامَ بَعْدَ الْحَبْسِ بَيِّنَةً عَلَى كَوْنِهِ لَا يُوجَدُ لَدَيْهِ مَالٌ مُطْلَقًا يُخَلَّى سَبِيلُهُ وَيُنْتَظَرُ وَقْتُ يُسْرِهِ وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ إقَامَةَ بَيِّنَةٍ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ الْمَالِ لَدَيْهِ يُخَلَّى سَبِيلُهُ بَعْدَ حَبْسِهِ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، وَإِجْرَاءُ التَّدْقِيقَاتِ فِي حَقِّهِ وَعَدَمِ ظُهُورِ مَالٍ لَهُ وَإِلَّا فَلَا يُضْرَبُ الْمَحْبُوسُ وَلَا يُقَيَّدُ وَلَا يُؤَجَّرُ جَبْرًا عَنْهُ مِنْ أَحَدٍ وَلَا يُهَانُ أَمَامَ دَائِنِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَهُ بَاقِي دَيْنَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] الطَّحْطَاوِيُّ ثُمَّ الْمَحْبُوسُ فِي الدَّيْنِ لَا يَخْرُجُ بِمَجِيءِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَا لِلْعِيدَيْنِ وَلَا لِلْجُمُعَةِ وَلَا لِصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ وَلَا فَرِيضَةِ الْحَجِّ وَلَا لِحُضُورِ جِنَازَةِ بَعْضِ أَهْلِهِ وَلَوْ أُعْطِيَ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ، وَقِيلَ يَخْرُجُ بِكَفِيلٍ لِجِنَازَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَالْأَوْلَادِ وَفِي غَيْرِهِمْ لَا يَخْرُجُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (الْجَوْهَرَةُ) وَبَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْحَبْسِ فَإِذَا كَانَ يَكْسِبُ مَالًا فَيَأْخُذَ الدَّائِنُونَ الزَّائِدَ عَنْ حَاجَتِهِ وَيَقْتَسِمُوهُ بَيْنَهُمْ وَإِذَا لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ وَيَقْسِمُهُ بَيْنَ الدَّائِنِينَ. وَإِذَا أَقَامَ كُلٌّ مِنْ الْمَدِينِ وَالطَّالِبِ الْبَيِّنَةَ: الْمَدْيُونُ عَلَى إفْلَاسِهِ وَعُسْرِهِ، وَالطَّالِبُ عَلَى يَسَارِهِ ٠ تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الطَّالِبِ وَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُهُ مَدَارَ الْيَسَارِ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي بَيِّنَةِ الْإِفْلَاسِ حُضُورُ الْمُدَّعِي فَإِذَا أَثْبَتَ الْمَدِينُ إفْلَاسَهُ فِي غِيَابِهِ يَخْرُجُ أَيْضًا مِنْ الْحَبْسِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الْإِفْلَاسِ تَكُونُ هَكَذَا: إنَّنَا نَشْهَدُ عَلَى أَنَّنَا نَعْلَمُ بِأَنَّ فُلَانًا مُفْلِسٌ مُعْدِمٌ وَلَا نَعْلَمُ بِأَنَّ لَهُ شَيْئًا غَيْرَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ وَلِبَاسِ اللَّيْلِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ) .
وَقَدْ خُصِّصَتْ الدُّيُونُ الَّتِي يَجُوزُ حَبْسُ الْمَدِينِ فِيهَا بِعِبَارَةِ (كُلِّ دُيُونِهِ.) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْبَسُ إذَا ادَّعَى الْفَقْرَ فِي عِوَضِ الْمَغْصُوبِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَمَا يُمَاثِلُ ذَلِكَ مِنْ الدُّيُونِ إلَّا إذَا أَثْبَتَ الطَّرَفُ الْآخَرُ غِنَاهُ؛ لِأَنَّ الْفَقْرَ هُوَ الْأَصْلُ فَمَنْ ادَّعَى الْغِنَى يَدَّعِي مَعْنًى حَادِثًا فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (الْجَوْهَرَةُ) وَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ مَحْجُورًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُرَجِّحَ بَعْضَ دَائِنِيهِ فَيُؤَدِّيَ إلَيْهِمْ دُيُونَهُمْ وَيَحْرِمَ الْبَعْضَ الْآخَرَ أَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ مَحْجُورٍ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ إيثَارُ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِذِمَّتِهِ (أَبُو السُّعُودِ) . وَلَوْ كَانَ مَحْبُوسًا لِأَجْلِ الدَّيْنِ مَثَلًا لَوْ كَانَ أَحَدٌ مَدِينًا لِثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ، لِأَحَدِهِمَا خَمْسُمِائَةِ قِرْشٍ، وَلِلثَّانِي ثَلَاثُمِائَةِ قِرْشٍ، لِلثَّالِثِ مِائَتَانِ وَكَانَ مَالُهُ عِبَارَةً عَنْ خَمْسِمِائَةِ قِرْشٍ فَقَطْ وَحَبَسَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ مَعًا مُتَّفِقِينَ هَذَا الْمَدِينَ، فَبِمَا أَنَّ لِلْمَدِينِ إذَا كَانَ حَاضِرًا أَنْ يُؤَدِّيَ دُيُونَهُ بِنَفْسِهِ فَلَهُ قَضَاءُ تَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّ لِلْمَدِينِ حَقَّ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ الْخَاصِّ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَدِينُ غَائِبًا، وَالدُّيُونُ ثَابِتَةٌ عِنْدَ الْقَاضِي فَالْقَاضِي يُقَسِّمُ مَالَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ إذْ لَيْسَ لِلْقَاضِي تَقْدِيمُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ (صُرَّةُ الْفَتَاوَى فِي الْحَجْرِ)
[ (الْمَادَّةُ ١٠٠٠) يُنْفَقُ عَلَى الْمَحْجُورِ الْمُفْلِسِ مِنْ مَالِهِ]
(الْمَادَّةُ ١٠٠٠) - (يُنْفَقُ عَلَى الْمَحْجُورِ الْمُفْلِسِ وَعَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ فِي مُدَّةِ الْحَجْرِ مِنْ مَالِهِ) كَزَوْجَةِ أَطْفَالِهِ وَذَوِي أَرْحَامِهِ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَحَوَائِجُ الْمَدِينِ الْأَصْلِيَّةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ وَعَلَيْهِ
стр. 1490
فَكَمَا أَنَّ عَدَمَ بَيْعِ دَسْتُ وَاحِدٍ مِنْ الثِّيَابِ، وَالْمَسْكَنُ الشَّرْعِيُّ لِلْمَدِينِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا فَلَا يَبْطُلُ بِالْحَجْرِ الْحَقُّ الثَّابِتُ شَرْعًا لِمُسْتَحِقِّ النَّفَقَةِ أَيْضًا. وَبِمَا أَنَّ التَّزَوُّجَ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ فَلَوْ تَزَوَّجَ الْمَحْجُورُ بِالدَّيْنِ امْرَأَةً بِمَهْرِ الْمِثْلِ، تَكُونُ الْمَرْأَةُ الْمَذْكُورَةُ شَرِيكَةً لِلْغُرَمَاءِ فِي مَهْرِ مِثْلِهَا، (الْهِدَايَةُ) وَقَوْلُهُ (الْمُفْلِسُ) فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ لَيْسَ بِقَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ فَتَجْرِي أَحْكَامُ هَذِهِ الْمَادَّةِ عَلَى الْمَدِينِ الَّذِي لَيْسَ بِمُفْلِسٍ أَيْضًا، (نَتَائِجُ الْأَفْكَارِ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٠٠١) الْحَجْرُ لِلدَّيْنِ يُؤْثَرُ فِي مَالِ الْمَدِينِ]
(الْمَادَّةُ ١٠٠١) - (الْحَجْرُ لِلدَّيْنِ يُؤْثَرُ فِي مَالِ الْمَدِينِ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا فِي وَقْتِ الْحَجْرِ فَقَطْ وَلَا يُؤْثَرُ فِي الْمَالِ الَّذِي تَمَلَّكَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ) ، الْحَجْرُ الْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ الْحَجْرُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ (٨٩٨) ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِالْأَمْوَالِ الْمَوْجُودَةِ وَقْتَ الْحَجْرِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إبْطَالِ حَقِّهِمْ لِغَيْرِهِمْ، (الطَّحْطَاوِيُّ) . وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَقَرَّ الْمَحْجُورُ لِآخَرَ بِدَيْنٍ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْأَمْوَالِ الَّتِي تَكُونُ مَوْجُودَةً وَقْتَ الْحَجْرِ كَمَا سَيُبَيَّنُ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ وَشَرْحِهَا. أَمَّا فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَتَمَلَّكُهَا بَعْدَ الْحَجْرِ فِي حَالِ حَجْرِهِ أَوْ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ فَلَا تَأْثِيرَ لِلْحَجْرِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَمْوَالُ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً وَقْتَ الْحَجْرِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الدَّائِنِينَ بِهَا، (الْهِدَايَةُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) .
وَلَوْ اسْتَفَادَ مَالًا آخَرَ بَعْدَ الْحَجْرِ يَنْفُذُ إقْرَارُهُ وَتَبَرُّعَاتُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِالْمَالِ الْقَائِمِ لَا بِالْمُسْتَفَادِ، وَكَذَا لَوْ اكْتَسَبَ مَالًا يَنْفُذُ إقْرَارُهُ فِيمَا اكْتَسَبَ وَإِنْ كَانَ دَيْنٌ لِأَوَّلٍ قَائِمًا وَتَنْفُذُ تَبَرُّعَاتُهُ فِيمَا اكْتَسَبَ مَعَ إبْقَاءِ دَيْنِ الْأَوَّلِ، (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ، صُرَّةُ الْفَتَاوَى فِي الْحَجْرِ وَالْإِذْنِ) ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ هَذَا الْإِقْرَارُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ:
١ - فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَتَمَلَّكُهَا بَعْدَ الْحَجْرِ.
٢ - فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَتَمَلَّكُهَا بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ.
٣ - فِي الْأَمْوَالِ الزَّائِدَةِ عَنْ دُيُونِ الْحَاجِرِينَ وَيُؤَدِّي مِنْهَا الْمُقَرَّ بِهِ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ)
[ (مَادَّةُ ١٠٠٢) الْحَجْرُ يُؤْثَرُ فِي كُلِّ مَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ]
، (مَادَّةُ ١٠٠٢) - (الْحَجْرُ يُؤْثَرُ فِي كُلِّ مَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَبَيْعِ مَالٍ بِأَنْقَصَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ. بِنَاءً عَلَيْهِ لَا تُعْتَبَرُ سَائِرُ تَصَرُّفَاتِ الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ وَتَبَرُّعَاتُهُ وَعُقُودُهُ الْمُضِرَّةُ بِحُقُوقِ الْغُرَمَاءِ فِي حَقِّ أَمْوَالِهِ الْمَوْجُودَةِ وَقْتَ الْحَجْرِ. وَلَكِنْ تُعْتَبَرُ فِي حَقِّ أَمْوَالِهِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا بَعْدَ الْحَجْرِ وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِآخَرَ لَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ أَمْوَالِهِ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي وَقْتِ الْحَجْرِ وَيُعْتَبَرُ بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ وَيَبْقَى مَدِينًا بِأَدَائِهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ وَأَيْضًا يَنْفُذُ إقْرَارُهُ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ مِمَّا يَكْتَسِبُ بَعْدَ الْحَجْرِ) .
الْحَجْرُ يُؤْثَرُ فِي كُلِّ مَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ كَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ وَبَيْعِ مَالٍ بِأَنْقَصَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، أَيْ مَعَ الْغَبْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ النُّقْصَانُ يَسِيرًا أَمْ فَاحِشًا، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْمَحْجُورُ مَالًا بِالنُّقْصَانِ الْمَذْكُورِ، (الْعِنَايَةُ) .
стр. 1491
تَفْصِيلُ بَيْعِ الْمَحْجُورِ بِالدَّيْنِ: إذَا بَاعَ الْمَدِينُ الْمَحْجُورُ مَالًا وَكَانَ بَيْعُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ يَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مُبْطِلٍ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ فَلَا يُمْنَعُ الْمَحْجُورُ مِنْهُ، (الْهِدَايَةُ) . أَمَّا إذَا كَانَ الْبَيْعُ مَعَ الْغَبْنِ فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَكْمَلَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ إلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ وَرَدَّ الْمَبِيعَ، كَمَا فِي بَيْعِ الْمَرِيضِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ، (١٦٠٤) (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ) .
وَلَوْ حَجَرَ الْقَاضِي عَلَى رَجُلٍ لِأَجْلِ قَوْمٍ لَهُمْ دُيُونٌ مُخْتَلِفَةٌ فَقَضَى دَيْنَ بَعْضِهِمْ فَلِلْغُرَمَاءِ الْآخَرِينَ أَنْ يَسْتَرِدُّوا مِنْ الْغُرَمَاءِ الْقَابِضِينَ كُلٌّ عَلَى حَسَبِ حِصَّتِهِ، (الْخَانِيَّةُ) بِنَاءً عَلَيْهِ لَا تُعْتَبَرُ تَصَرُّفَاتُ الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ الْقَوْلِيَّةُ وَتَبَرُّعَاتُهُ وَسَائِرُ عُقُودِهِ الْمُضِرَّةِ بِحُقُوقِ الْغُرَمَاءِ فِي حَقِّ أَمْوَالِهِ الْمَوْجُودَةِ وَقْتَ الْحَجْرِ. وَقَدْ قَيَّدَهَا " بِالتَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ "؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَهْلَكَ الْمَحْجُورُ بِالدَّيْنِ مَالَ أَحَدٍ، كَمَا صَارَ تَفْصِيلُهُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ، (٩٤١) ، تُعْتَبَرُ فِي حَقِّ أَمْوَالِهِ الْمَوْجُودَةِ وَقْتَ الْحَجْرِ أَيْضًا، وَيَكُونُ صَاحِبُ الْمَالِ شَرِيكًا لِسَائِرِ الدَّائِنِينَ فِي الْأَمْوَالِ الْمَوْجُودَةِ، (الْهِدَايَةُ) وَلَكِنْ تُعْتَبَرُ فِي حَقِّ أَمْوَالِهِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا بَعْدَ الْحَجْرِ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ مَحْجُورٌ امْرَأَةً كَانَ زَوَاجًا صَحِيحًا تُشَارِكُ الْمَرْأَةُ الْغَرِيبَ الْحَاجِرَ فِي مِثْلِ مَهْرِهَا، لَكِنْ لَا تُشَارِكُ فِيمَا يَزِيدُ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَيَلْزَمُ أَنْ تَأْخُذَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَكْتَسِبُهَا الْمَدِينُ بَعْدَ إذْنِهِ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ) وَإِذَا أَقَرَّ الْمَدِينُ لِآخَرَ فِي الدَّيْنِ يَثْبُتُ إقْرَارُ الْمَحْجُورِ فَقَطْ، لَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ أَمْوَالِهِ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي وَقْتِ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّهُ مَا تَعَلَّقَ حَقُّ أُولَئِكَ الدَّائِنِينَ بِالْأَمْوَالِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَا يُبْطِلُ الْمَحْجُورُ بِإِقْرَارِهِ الْمَذْكُورِ حُقُوقَهُمْ لَكِنْ إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، يَعْنِي لَوْ شَهِدَتْ الشُّهُودُ عَلَى الِاسْتِقْرَاضِ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ عَلَى الشِّرَاءِ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ أَوْ عَلَى اسْتِهْلَاكِ مَالِ الْغَيْرِ، وَثَبَتَ الدَّيْنُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، يُعْتَبَرُ هَذَا الدَّيْنُ أَيْضًا فِي حَقِّ الْأَمْوَالِ الْمَوْجُودَةِ وَقْتَ الْحَجْرِ وَيَصِيرُ مُزَاحِمًا لِسَائِرِ الْغُرَمَاءِ أَرْبَابِ الدُّيُونِ إذْ لَا حَجْرَ فِي الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي هَذَا، (الطَّحْطَاوِيُّ) . وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ هَذَا الدَّيْنُ بِالْبَيِّنَةِ، بَلْ ثَبَتَ بِعِلْمِ الْقَاضِي، فَلَا حُكْمَ لِهَذَا الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ عِلْمَ الْقَاضِي غَيْرُ مَعْدُودٍ مِنْ أَسْبَابِ الْحُكْمِ، (أَبُو السُّعُودِ) .
وَيُفْهَمُ مِنْ تَقْيِيدِ فِقْرَتَيْ، (الْأَمْوَالُ الْمُجَوِّدَةُ) وَ (لَا يُعْتَبَرُ. . .) بِعِبَارَةِ (وَقْتِ الْحَجْرِ) أَنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِ هَذَا الْإِقْرَارِ مَشْرُوطٌ بِشَرْطَيْنِ:
الْأَوَّلُ - فِي حَقِّ الْأَمْوَالِ الْمَوْجُودَةِ أَثْنَاءَ الْحَجْرِ.
الثَّانِي - فِي وَقْتِ الْحَجْرِ يَعْنِي لَا يُعْتَبَرُ فِي وَقْتِ الْحَجْرِ. فَيَنْفُذُ وَيُعْتَبَرُ بِنَاءً عَلَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ حَتَّى فِي حَقِّ الْأَمْوَالِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا الْمَحْجُورُ فِي أَثْنَاءِ الْحَجْرِ، وَهُوَ عَجُوزٌ وَيُعْتَبَرُ بِنَاءً عَلَى الشَّرْطِ الثَّانِي بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ فِي حَقِّ الْأَمْوَالِ الْفَاضِلَةِ عَنْ الْغُرَمَاءِ الْحَاضِرِينَ وَالْمَوْجُودَةِ فِي أَثْنَاءِ الْحَجْرِ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) . وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْفِقْرَةَ الْآتِيَةَ مَعْنِيَّةٌ بِالنَّظَرِ إلَى هَذِهِ الْإِيضَاحَاتِ.
أَمَّا بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ فَيُعْتَبَرُ الْإِقْرَارُ وَعَلَيْهِ فَيَبْقَى مَدِينًا بِأَدَائِهَا ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَيْ بَعْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ، وَمَعَ أَنَّ الْإِقْرَارَ أَحَدُ التَّصَرُّفَاتِ، فَقَدْ ذَكَرَتْهُ الْمَجَلَّةُ عَلَى حِدَةٍ مَعَ دُخُولٍ تَحْتَ تَعْبِيرِ، (سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ) .
стр. 1492
وَأَيْضًا يَنْفُذُ إقْرَارُهُ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ مَا يَكْتَسِبُ بَعْدَ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْحَجْرِ فِي هَذَا الْمَالِ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ، (١٠٠١) ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ وَقْتَ الْحَجْرِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْحَاضِرِينَ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الْهِدَايَةُ) وَفِي عَصْرِنَا لَا يُحْجَرُ عَلَى الْمَدِينِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ بَلْ تُضْبَطُ أَمْوَالُهُ بِمَعْرِفَةِ الْمَحْكَمَةِ وَتُوقَفُ وَتُبَاعُ بِالْمُزَايَدَةِ وَتُقَسَّمُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ.
стр. 1493
[الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْإِكْرَاهِ]
الْبَابُ الثَّانِي
فِي بَيَانِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْإِكْرَاهِ
لِلْإِكْرَاهِ تَعْرِيفٌ، وَرُكْنٌ، وَدَلِيلٌ، وَشَرْطٌ، وَحُكْمٌ وَقَدْ بَيَّنَ تَعْرِيفَهُ فِي الْمَادَّةِ، (٩٤٨) وَرُكْنُهُ هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي يُفِيدُ الْإِكْرَاهَ وَدَلِيلُهُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦] وَالْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ الشَّرِيفُ «، أَلَا لَا إقَالَةَ فِي الطَّلَاقِ» وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ مُكْرَهًا فَرَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الرَّسُولِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ، (الطُّورِيُّ) . شُرُوطُ الْإِكْرَاهِ: لِلْإِكْرَاهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ، (الدُّرَرُ) .
١ - كَوْنُ الْمُجْبَرِ مُقْتَدِرًا عَلَى إيقَاعِ مَا تَهَدَّدَ بِهِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ، (١٠٠٣)
٢ - خَوْفُ الْمُكْرَهِ مِنْ وُقُوعِ الْمُكْرَهِ بِهِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ، (١٠٠٤) .
٣ - كَوْنُ الْمُكْرَهِ بِهِ مُتْلِفًا لِلنَّفْسِ أَوْ لِلْعُضْوِ أَوْ مُوجِبًا لِلْغَمِّ وَمُعْدِمًا لِلرِّضَا، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ، (٩٤٩) فَلَوْ خَوَّفَ زَوْجَتَهُ بِالضَّرْبِ حَتَّى وَهَبَتْهُ مَهْرَهَا لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ هَدَّدَهَا بِطَلَاقٍ أَوْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ تَسَرَّى فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، (أَبُو السُّعُودِ عَنْ الْخَانِيَّةِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ جَائِزٌ شَرْعًا، وَالْأَفْعَالُ الشَّرْعِيَّةُ لَا تُوصَفُ بِالْإِكْرَاهِ، (الطَّحْطَاوِيُّ) وَكَذَا التَّهْدِيدُ بِالشَّتْمِ، (الْقُهُسْتَانِيُّ) أَيْ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ.
٤ - كَوْنُ الْمُكْرَهِ مُمْتَنِعًا عَنْ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا لَا يَكُونُ إكْرَاهًا لِفَوَاتِ رُكْنِهِ وَهُوَ فَوْتُ الرِّضَا كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الِاخْتِيَارِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُسْتَدْرَكٌ، (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ، أَبُو السُّعُودِ، الطَّحْطَاوِيُّ) . وَيَكُونُ الِامْتِنَاعُ بِسَبَبٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ:
السَّبَبُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِّ نَفْسِهِ، كَالْإِكْرَاهِ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ.
السَّبَبُ الثَّانِي: فِي حَقِّ شَخْصٍ آخَرَ، كَالْإِكْرَاهِ عَلَى إتْلَافِ مَالِ غَيْرِهِ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: فِي حَقِّ الشَّرْعِ، كَالْإِكْرَاهِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا، (الْهِنْدِيَّةُ) وَيَكُونُ غَيْرُ الْمُمْتَنِعِ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي:
إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ مُبَاحًا: كَمَا لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ، فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِكْرَاهُ الشَّرْعِيُّ. مَثَلًا، لَوْ أَكْرَهَ أَحَدٌ آخَرَ بِقَوْلِهِ لَهُ: اشْرَبْ كَأْسَ الْمَاءِ هَذَا، أَوْ بِعْ ثَوْبَكَ مِنْ فُلَانٍ، فَشَرِبَ الْمَاءَ أَوْ بَاعَ الثَّوْبَ، جَازَ الْمَبِيعُ وَصَحَّ وَلَا يَكُونُ بَيْعَ مُكْرَهٍ لَكِنْ لَوْ كَانَ الْمَالُ لِغَيْرِهِ أَوْ كَانَ مُحَرَّمًا، كَأَنْ يَكُونَ خَمْرًا، فَيَكُونُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ بَيْعَ مُكْرَهٍ، (الطَّحْطَاوِيُّ، الْأَنْقِرْوِيُّ، مُنْلَا مِسْكِينٍ) . وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا: مَثَلًا إذَا حَنِثَ أَحَدٌ فِي يَمِينِهِ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ فَجَاءَهُ شَخْصٌ فَأَكْرَهَهُ عَلَى إيفَاءِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِدُونِ تَعْيِينِ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَاتِ وَأَوْفَى ذَلِكَ الشَّخْصُ أَحَدَ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَاتِ جَازَ وَلَا يَلْزَمُ الْمُجْبَرَ شَيْءٌ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) .
стр. 1494
وَإِلَيْكَ فِيمَا يَلِي عِدَّةُ نُظُمٍ لِهَذَا:
١ - لَوْ أَصْبَحَ أَحَدٌ بِلَا قُوَّةٍ مِنْ الْجُوعِ وَلَمْ يَأْكُلْ طَعَامَهُ فَأَجْبَرَهُ أَحَدٌ عَلَى أَكْلِهِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُجْبَرَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الطَّعَامِ وَإِمْلَاءَ الْبَطْنِ فَائِدَةٌ لِلْمُكْرَهِ، فَلَا يَكُنْ مُوجِبًا لِتَلَفِ الْمَالِ لَكِنْ لَوْ كَانَ بَطْنُهُ مُمْتَلِئًا رَجَعَ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْمُجْبَرِ، قَالَ أَبُو السُّعُودِ: أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ طَعَامِ نَفْسِهِ، إنْ جَائِعَ لَا رُجُوعَ وَإِنْ شَبْعَانَ رَجَعَ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْمُكْرَهِ.
٢ - لَوْ أُكْرِهَ الْبَائِعُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ وَأُكْرِهَ الْمُشْتَرِي عَلَى شِرَائِهِ، وَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَعْدَ وُقُوعِ تَقَابُضِ الْيَدَيْنِ لِعَقْدِ الْبَيْعِ الَّتِي قَبَضَتْ الْمَالَ الْمَقْبُوضَ بِالْبَيْعِ الْمَذْكُورِ الْوَاقِعِ بِالْإِكْرَاهِ جَازَ الْبَيْعُ وَلَزِمَ وَلَا يَلْزَمُ الْجَبْرَ ضَمَانٌ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . ٣ - لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ إكْرَاهًا مُلْجِئًا فَإِنْ كَانَ مِنْ مُعْتَادِي شُرْبِ الْخَمْرِ وَلَمْ يَزَلْ بَاقِيًا وَمُصِرًّا عَلَى عَادَتِهِ فَلَا يَكُونُ شُرْبُ الْخَمْرِ لَهُ مُبَاحًا بِخِلَافِ مَا إذَا تَابَ وَأَقْلَعَ وَعَزَمَ أَنْ لَا يَعُودَ، (أَبُو السُّعُودِ الْمِصْرِيُّ)
حُكْمُ الْإِكْرَاهِ، لِلْإِكْرَاهِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ.
الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: إذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ مُلْجِئًا يُنْقَلُ الْفِعْلُ إلَى الْحَامِلِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمُكْرَهُ فِيهَا آلَةً لِلْمُجْبَرِ الْحَامِلِ وَيُفْرَضُ الْمُجْبِرُ أَنَّهُ إنِّي ذَلِكَ الْفِعْلِ بِنَفْسِهِ وَالْمُكْرَهَ مَالُهُ فَقَطْ كَإِتْلَافِ الْمَالِ وَالنَّفْسِ وَكَذَا لَوْ أَكْرَهَ مُسْلِمٌ مَجُوسِيًّا عَلَى ذَبْحِ شَاةٍ فَإِنَّهُ يُنْقَلُ الْفِعْلُ إلَى الْمُسْلِمِ الْآمِرِ فِي حَقِّ الْإِتْلَافِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلَا يُنْقَلُ فِي حَقِّ حِلِّ الذَّبْحِ فِي الدِّينِ وَبِالْعَكْسِ يَحِلُّ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ، (وَيَجِبُ أَنْ لَا يُفْهِمَ مَا مَرَّ أَنَّ إتْلَافَ النَّفْسِ وَالْمَالِ جَائِزَانِ كَمَا سَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ) . وَعَلَيْهِ لَوْ قَتَلَ أَحَدٌ آخَرَ بِإِكْرَاهٍ مُلْجِئٍ أَوْ أَتْلَفَ مَالًا لَهُ يُضَافُ الْقَتْلُ وَالْإِتْلَافُ إلَى الْمُجْبِرِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْفَاعِلُ آلَةً لِلْقَتْلِ وَالْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّهُمَا يَصْلُحَانِ أَنْ يَكُونَا آلَةً لِلْمُجْبِرِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ ذَلِكَ الْمُجْبَرُ أَحَدًا أَوْ أَتْلَفَ مَالَهُ أَمَّا الْأُمُورُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لَأَنْ يَكُونَ فِيهَا آلَةٌ فَيَبْقَى الْفِعْلُ فِيهَا مَقْصُورًا عَلَى الْمُكْرَهِ، كَأَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ كَالْأَقْوَالِ وَالْأَكْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِنْسَانَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلِسَانِ غَيْرِهِ وَيَأْكُلَ بِفَمِهِ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ فَلَا تُضَافُ الْأَقْوَالُ لِغَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ، وَالْأَكْلُ لِغَيْرِ الْآكِلِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْقَوْلِ وَالْأَكْلِ إتْلَافٌ، وَحِينَئِذٍ فَيُضَافُ الْقَوْلُ وَالْأَكْلُ مِنْ حَيْثُ الْإِتْلَافِ إلَى الْمُجْبَرِ، وَلِلْمُكْرَهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُجْبَرِ بِبَدَلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَأَبُو السُّعُودِ، حَتَّى إذَا أَكْرَهَهُ عَلَى الْعِتْقِ يَقَعُ كَأَنَّهُ أَوْقَعَهُ بِاخْتِيَارِهِ، حَتَّى يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ، وَيُضَافُ إلَى الْمُجْبَرِ مِنْ حَيْثُ الْإِتْلَافِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، (الطَّحْطَاوِيُّ بِتَغْيِيرٍ) . مَثَلًا لَوْ طَلَّقَ أَحَدٌ زَوْجَتَهُ الَّتِي أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِهَا، وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَالطَّلَاقُ بِمَا أَنَّهُ مِنْ الْأَقْوَالِ، فَقَدْ وَقَعَ مَحْصُورًا بِالْمُتَكَلِّمِ، أَيْ مُضَافًا إلَى الْمُكْرَهِ، كَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ بِلَا إكْرَاهٍ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ الْوَاقِعُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَكَانَ يُوجَدُ فِيهِ إتْلَافٌ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، يَعْنِي وَكَانَ يَلْزَمُ الْمُكْرَهَ نِصْفُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى، فَيُرَاجِعُ الْمُكْرَهُ الْمُجْبِرَ بِذَلِكَ الْمَالِ، (الزَّيْلَعِيّ) وَالْحُكْمُ فِي الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَالْإِجَارَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ أَيْضًا وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ مِنْ الْأَقْوَالِ فَتُضَافُ إلَى التَّكَلُّمِ، أَيْ الْبَائِعِ، وَيَنْفُذُ
стр. 1495
الْبَيْعُ، إلَّا أَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ كَالطَّلَاقِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا الرِّضَاء لَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ، وَسَتُوَضَّحُ هَذِهِ الْجِهَةُ فِيمَا يَأْتِي. كَذَلِكَ لَوْ أُكْرِهَ الزَّوْجُ عَلَى قَبُولِ الطَّلَاقِ، فِي مُقَابِلِ مَالٍ، وَقَبِلَهُ، وَقَعَ الطَّلَاقُ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ الْمَالُ؛ لِأَنَّ الرِّضَا شَرْطٌ فِي لُزُومِ الْمَالِ أَمَّا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَالرِّضَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، (الزَّيْلَعِيّ) .
الْحُكْمُ الثَّانِي: كَوْنُ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ غَيْرَ فَرْضٍ، (الدُّرَرُ) ، مَثَلًا لَوْ أُكْرِهَ مُسْلِمٌ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ إكْرَاهًا مُلْجِئًا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مُعْتَادٍ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا، فَيَكُونُ شُرْبُ الْخَمْرِ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ حَتَّى أَنَّ الْمُكْرَهَ يَأْثَمُ إذَا لَمْ يَشْرَبْ الْخَمْرَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْإِبَاحَةِ فِي أَحْوَالٍ اضْطِرَارِيَّةٍ كَهَذِهِ، وَأَتْلَفَهُ الْمُجْبَرُ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا مُقَيَّدَةٌ بِحَالِ الِاخْتِيَارِ أَمَّا فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ فَقَدْ أُبْقِيَ عَلَى أَصْلِهِ حَلَالًا؛ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وَعَلَيْهِ فَشُرْبُ الْخَمْرِ مَثَلًا قَدْ أُبِيحَ فِي هَذَا الْحَالِ بِنَاءً عَلَى الْإِكْرَاهِ الْمَذْكُورِ فَيَكُونُ بِامْتِنَاعِهِ فِي حَقِّ إتْلَافِ النَّفْسِ مُعَيَّنًا لِلْغَيْرِ، (أَبُو السُّعُودِ) لَكِنَّهُ إنَّمَا يَأْثَمُ إذَا عَلِمَ بِالْإِبَاحَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّ فِي انْكِشَافِ الْحُرْمَةِ خَفَاءٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْفُقَهَاءُ، فَيُعْذَرُ بِالْجَهْلِ كَالْجَهْلِ بِالْخِطَابِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ قِيلَ: إضَافَةُ الْإِثْمِ إلَى تَرْكِ الْمُبَاحِ مِنْ بَابِ فَسَادِ الْوَضْعِ وَهُوَ فَاسِدٌ، فَالْجَوَابُ - أَنَّ الْمُبَاحَ إنَّمَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَالْإِتْيَانُ بِهِ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مُحَرَّمٌ، وَهَهُنَا قَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَتْلُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمِ، فَصَارَ التَّرْكُ حَرَامًا؛ لِأَنَّ مَا أَفْضَى إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ، (أَبُو السُّعُودِ عَنْ الْعِنَايَةِ) ، أَقُولُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْإِثْمَ لَيْسَ عَلَى تَرْكِ الْمُبَاحِ بَلْ عَلَى تَرْكِ الْفَرْضِ، (الطُّورِيُّ) .
كَذَلِكَ لَوْ أَصَابَ أَحَدًا مَخْمَصَةٌ فَامْتَنَعَ عَنْ تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ يَأْثَمُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، (مُنْلَا مِسْكِينٍ) .
الْحُكْمُ الثَّالِثُ: حَظْرُ عَمَلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ، يَعْنِي كَوْنَ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ حَرَامًا، (الدُّرَرُ) فَلَوْ أُكْرِهَ مُسْلِمٌ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ إكْرَاهًا غَيْرَ مُلْجِئٍ، فَلَا يَصِيرُ شُرْبُهُ الْخَمْرَ حَلَالًا، بَلْ يَكُونُ حَرَامًا كَالْأَوَّلِ؛ إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي إكْرَاهِ غَيْرِ الْمُلْجِئِ، لِعَدَمِ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الطَّحْطَاوِيُّ) .
كَذَلِكَ لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى قَتْلِ النَّفْسِ أَوْ قَطْعِ عُضْوِ الْغَيْرِ أَوْ عَلَى الزِّنَا إكْرَاهًا مُلْجِئًا، يَكُونُ ارْتِكَابُ فِعْلِ الْقَتْلِ أَوْ قَطْعِ الْعُضْوِ أَوْ الزِّنَا حَرَامًا؛ لِأَنَّ الزِّنَا كَالْقَتْلِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الزِّنَا هَالِكٌ حُكْمًا لِعَدَمِ مَنْ يُرَبِّيهِ، فَلَا يُسْتَبَاحُ لِضَرُورَةٍ مَا، (الدُّرَرُ) كَمَا لَوْ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى أَنْ يَقْتُلَ شَخْصًا أَوْ يَقْطَعَ عُضْوَهُ أَوْ يَضْرِبَهُ ضَرْبًا يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ أَوْ يَشْتُمَهُ أَوْ يُؤْذِيَهُ، (الطُّورِيُّ) لَوْ قِيلَ لَهُ لِيَأْكُلْ هَذِهِ الْمَيْتَةَ أَوْ يَقْتُلْ هَذَا الرَّجُلَ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ وَلَا يَقْتُلُ الرَّجُلَ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهَا حَتَّى قُتِلَ فَهُوَ آثِمٌ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ وَقَتَلَ الرَّجُلَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، (الْهِنْدِيَّةُ بِتَغْيِيرٍ فِي الْبَابِ الثَّانِي) .
وَعَلَيْهِ فَيَلْزَمُ ذَلِكَ الشَّخْصَ أَنْ يَصْبِرَ وَلَا يَقْتُلُ وَلَوْ قُتِلَ هُوَ يُثَابُ بِسَبَبِ امْتِنَاعِهِ عَنْ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، (الزَّيْلَعِيّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ قَتْلُ الْآدَمِيِّ مَثَلًا بِمِثْلِ هَذِهِ الضَّرُورَاتِ، (وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ مُبَاحًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَتَخْلِيصِ النَّفْسِ) ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يُرَخَّصُ لِضَرُورَةٍ مَا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ قَتَلَهُ وَكَذَا يَقْتُلُهُ بِإِخْرَاجِهِ السَّرِقَةَ إذَا لَمْ يُلْقِهَا بِصِيَاحٍ عَلَيْهِ، أَوْ بِإِتْيَانِهِ حَلِيلَتَهُ كَذَلِكَ، (الشُّرُنْبُلَالِيُّ) ، وَمَعَ هَذَا فَلَوْ قَتَلَهُ كَانَ قَتْلَ عَمْدٍ. وَإِذَا كَانَ الْمُجْبَرُ مُكَلَّفًا لَزِمَ الْمُجْبَرَ الْقِصَاصُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُكْرِه مُكَلَّفًا أَيْ عَاقِلًا بَالِغًا، لَا
стр. 1496
الْمُكْرَهَ، لَكِنَّ الْمُكْرَهَ يَأْثَمُ إثْمَ الْقَاتِلِ، (أَبُو السُّعُودِ) . أُكْرِهَ رَجُلٌ بِالْقَتْلِ عَلَى أَنْ يَقْطَعَ يَدَ نَفْسِهِ، وَسِعَهُ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ أَهْوَنُ مِنْ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْقَطْعَ يَنْتَصِرُ وَلَا يُسْرِي، (الطُّورِيُّ) . فَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ خَاصَمَهُ فِي ذَلِكَ فَعَلَى الْمُجْبِرِ الْقَوَدُ، وَلَوْ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، وَلَوْ قَتَلَ نَفْسَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُجْبِرِ، (الطَّحْطَاوِيُّ مُلَخَّصًا) .
الْحُكْمُ الرَّابِعُ: كَوْنُ عَمَلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ مُبَاحًا وَمُرَخَّصًا بِهِ، (الدُّرَرُ) فَلَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ إكْرَاهًا مُلْجِئًا عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ فَيُرَخَّصُ لِذَلِكَ الشَّخْصِ فِي إتْلَافِ الْمَالِ الْمَذْكُورِ. وَلَا يَأْثَمُ إذَا أَتْلَفَهُ. أَمَّا إذَا لَمْ يُتْلِفْهُ وَصَبَرَ مُرَجِّحًا الْمَنْعَ الْأَصْلِيَّ لِإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ وَقُتِلَ فَيُثَابُ، (الْكَنْزُ، وَأَبُو السُّعُودِ) ؛ لِأَنَّ أَخْذَ مَالِ الْغَيْرِ ظُلْمٌ وَلَا يُبَاحُ الظُّلْمُ، (الْأَنْقِرْوِيُّ) .
[ (مَادَّةُ ١٠٠٣) يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُجْبِرُ مُقْتَدِرًا عَلَى إيقَاعِ تَهْدِيدِهِ]
، (مَادَّةُ ١٠٠٣) -، (يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُجْبِرُ مُقْتَدِرًا عَلَى إيقَاعِ تَهْدِيدِهِ، بِنَاءً عَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ إكْرَاهٌ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدِرًا عَلَى إيقَاعِ تَهْدِيدِهِ وَتَنْفِيذِهِ) اقْتِدَارُ الْمُجْبِرِ عَلَى إيقَاعِ مَا تَهَدَّدَ بِهِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْإِكْرَاهِ، وَقَدْ أَطْلَقَ الْحَامِلَ فَشَمِلَ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ وَمُخْتَلِطَ الْعَقْلِ إذَا كَانَ مُطَاعًا مُسَلَّطًا، (عَبْدُ الْحَلِيمِ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ مُعْدِمٌ لِرِضَا الْمُكْرَهِ وَمُفْسِدٌ لِاخْتِيَارِهِ مَعَ بَقَاءِ الْأَهْلِيَّةِ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي صُورَةِ اقْتِدَارِ الْمُجْبِرِ عَلَى إيقَاعِ تَهْدِيدِهِ. أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُجْبِرُ مُقْتَدِرًا عَلَى إيقَاعِ تَهْدِيدِهِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ التَّهْدِيدُ إكْرَاهًا بَلْ هَذَيَانًا، (لِسَانُ الْحُكَّامِ) . وَبِتَحْقِيقِ الْإِكْرَاهِ عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ وَلَوْ كَانَتْ الِاسْتِعَانَةُ بِالْغَيْرِ مُكْنَةً، وَكَانَ الْخَلَاصُ مِنْ الْجَبْرِ الْمَذْكُورِ قَابِلًا، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، عَبْدُ الْحَلِيمِ) . أَقْسَامُ التَّهْدِيدِ:
كَمَا يَكُونُ التَّهْدِيدُ صَرَاحَةً يَكُونُ دَلَالَةً، (عَبْدُ الْحَلِيمِ) مَثَلًا لَوْ أَمَرَ أَحَدٌ آخَرَ بِإِتْلَافِ مَالِ أَحَدٍ وَلَمْ يَتَهَدَّدْهُ بِشَيْءٍ، وَلَكِنْ كَانَ الْمُكْرَهُ يَخَافُ أَنْ يَقْتُلَهُ إذَا لَمْ يُتْلِفْ ذَلِكَ الْمَالَ، كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ فِي حُكْمِ الْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّ الْإِلْجَاءَ بِاعْتِبَارِ الْخَوْفِ وَقَدْ تَحَقَّقَ، وَالْمَأْمُورُ لَوْ عَلِمَ، بِدَلَالَةِ الْحَالِ، أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ يَقْتُلُهُ أَوْ يَقْطَعُ يَدَهُ أَوْ يَضْرِبُهُ ضَرْبًا يَخَافُ مِنْهُ تَلَفَ نَفْسِهِ أَوْ عُضْوِهِ، فَيَكُونُ إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا، (أَبُو السُّعُودِ بِتَغْيِيرٍ مَا) . وَيُبَيِّنُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ شَرْطَ الْمُجْبِرِ، وَيَجِبُ التَّفْتِيشُ عَلَيْهِ فِي قِسْمَيْ الْإِكْرَاهِ الْمُحَرَّرِينَ فِي الْمَادَّةِ، (٩٤٩) أَيْضًا. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُتَغَلِّبٍ كَاللِّصِّ وَقُطَّاعِ الطُّرُقِ مُجْبِرًا كَمَا فِي الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَهَذِهِ الْمَادَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ فَقَدْ اخْتَارَتْهُ الْمَجَلَّةُ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ، (٣٩) ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
وَعَلَيْهِ فَالْمُجْبِرُ الَّذِي يَكُونُ مُقْتَدِرًا عَلَى إيقَاعِ تَهْدِيدِهِ وَإِجْرَائِهِ يَكُونُ إكْرَاهُهُ مُعْتَبَرًا، أَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدِرًا عَلَى إيقَاعِ تَهْدِيدِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ إكْرَاهُهُ؛ لِأَنَّ إكْرَاهَ غَيْرِ الْمُقْتَدِرِ هَذَيَانٌ، (الْهِنْدِيَّةُ) .
أَمْثِلَةٌ لِلْإِكْرَاهِ الْمُعْتَبَرِ: لَوْ ادَّعَتْ الزَّوْجَةُ، بَعْدَ أَنْ اتَّفَقَتْ مَعَ زَوْجِهَا عَلَى طَلَاقِهَا مِنْهُ عَلَى مَهْرِهَا، أَنَّ
стр. 1497
ذَلِكَ الِاتِّفَاقَ قَدْ وَقَعَ بِإِكْرَاهٍ مُعْتَبَرٍ، أَثْبَتَتْ دَعْوَاهَا فَلَهَا أَنْ تَأْخُذَ مَهْرًا بَعْدَ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ غَيْرَ مُمْكِنٍ إذْ فِي الْبَلَدِ ضَابِطٌ وَحَاكِمٌ، (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) . كَذَلِكَ إذَا أُكْرِهَ شَخْصٌ آخَرَ، فِيمَا بَيْنَهُمَا، عَلَى الذَّهَابِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي لِيَبِيعَهُ دَارِهِ، فَذَهَبَ الْمُكْرَهُ إلَى الْقَاضِي وَبَاعَهُ دَارِهِ مُكْرَهًا، حَرَّرَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا حُجَّةَ الْبَيْعِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي، إذَا أَثْبَتَ الْبَائِعُ الْإِكْرَاهَ، أَخَذَ الدَّارَ مِنْ الْبَائِعِ بِحُجَّةِ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَقَرَّ فِي حُضُورِ الْقَاضِي بِحُصُولِ الْبَيْعِ مِنْهُ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، وَإِنَّهُ لَا إكْرَاهَ فِي حُضُورِ الْقَاضِي.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا دَخْلَ لِلْمَكَانِ فِي الْإِكْرَاهِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْمُدُنِ، كَالْقُدْسِ وَحَيْفَا، مُمْكِنٌ، (عَلِيٌّ أَفَنْدِي، الْبَهْجَةُ، وَأَبُو السُّعُودِ الْعِمَادِيُّ) .
[ (مَادَّةُ ١٠٠٤) يُشْتَرَطُ خَوْفُ الْمُكْرَهِ مِنْ الْمُكْرَهِ بِهِ]
، (مَادَّةُ ١٠٠٤) -، (يُشْتَرَطُ خَوْفُ الْمُكْرَهِ مِنْ الْمُكْرَهِ بِهِ. يَعْنِي يُشْتَرَطُ حُصُولُ ظَنٍّ غَالِبٍ لِلْمُكْرَهِ بِإِجْرَاءِ الْمُجْبِرِ الْمُكْرَهَ بِهِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ) يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْإِكْرَاهِ خَوْفُ الْمُكْرَهِ مِنْ الْمُكْرَهِ بِهِ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، وَيَحْصُلُ ظَنٌّ غَالِبٌ لِلْمُكْرَهِ بِإِجْرَاءِ الْمُجْبِرِ الْمُكْرَهِ بِهِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا أَكْرَهَ عَلَيْهِ لِيَصِيرَ بِهِ مَحْمُولًا عَلَى مَا دُعِيَ إلَيْهِ مِنْ الْفِعْلِ وَالْمُبَاشَرَةِ، (الدُّرَرُ) .
أَقُولُ هَذَا الشَّرْطُ يُغْنِي عَنْ الْمَادَّةِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخَوْفَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ قُدْرَةِ الْحَامِلِ، كَمَا لَا حَاجَةَ إلَى الشَّرْطِ الثَّالِثِ، أَيْ كَوْنُ الْمُكْرَهِ مُمْتَنِعًا مِنْهُ، بَعْدَ أَنْ اُعْتُبِرَ فِي نَوْعَيْ الْإِكْرَاهِ كَوْنُهُ مُقَوِّمًا لِرِضَاهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا مِنْهُ كَانَ رَاضِيًا فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ كَمَا لَا يَخْفَى، (عَبْدُ الْحَلِيمِ) .
قَدْ اُعْتُبِرَ هُنَا الظَّنُّ الْغَالِبُ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ الْغَالِبَ حُجَّةٌ يُعْمَلُ لَهَا، لَا سِيَّمَا إذَا تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَى الْيَقِينِ. حَتَّى إنَّهُ إذَا كَانَ ظَنُّ الْمُكْرَهِ الْغَالِبِ بِأَنَّ الْمُجْبِرَ لَا يُوقِعُ مَا تَهَدَّدَ بِهِ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ. وَلَوْ تَوَعَّدَهُ وَتَهَدَّدَهُ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَمْ تَتَحَقَّقْ، وَعَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَخَفْ الْمُكْرَهُ فَلَا يَكُونُ قَدْ أُجْبِرَ، (الْهِنْدِيَّةُ وَلِسَانُ الْحُكَّامِ) .
قَدْ مَرَّ فِي الْمَادَّةِ الرَّابِعَةِ مِثَالٌ آخَرُ فِي الْعَمَلِ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ شَكَّ فِي إجْرَاءِ الْمُكْرَهِ بِهِ فِيمَا لَوْ لَمْ يَأْتِ الْمُكْرَهُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، أَوْ عَلِمَ بِأَنَّ كَلَامَ الْمُجْبِرِ فِي هَذَا الشَّأْنِ مِنْ قَبِيلِ الْمِزَاحِ، فَلَا يَحْصُلُ الْإِكْرَاهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ الظَّنُّ الْغَالِبُ عِنْدَ فَقْدِ الْأَدِلَّةِ، (الطُّورِيُّ، الطَّحْطَاوِيُّ، الْهِنْدِيَّةُ) .
وَبِمَا أَنَّ الْمَجَلَّةَ قَدْ ذَكَرَتْ تَعْبِيرَ وُقُوعِ الْمُكْرَهِ بِهِ مُطْلَقًا، فَقَدْ شَمِلَتْ وُقُوعَهُ عَاجِلًا وَآجِلًا، وَبِنَاءً عَلَيْهِ لَوْ تَهَدَّدَهُ الْمُجْبِرُ بِالْإِتْلَافِ بَعْدَ مُدَّةٍ وَحَصَلَ عِنْدَ الْمُكْرَهِ ظَنٌّ غَالِبٌ بِإِيقَاعِ الْمُكْرَهِ مَا تَهَدَّدَهُ بِهِ، فَيَكُونُ قَدْ أُكْرِهَ أَيْضًا، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
وَالْمُكْرَهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْحَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَادَّةِ، (٩٤٩) وَعَلَيْهِ لَوْ أُكْرِهَ مَثَلًا بِقَتْلِ النَّفْسِ وَالضَّرْبِ كَانَ مُعْتَبَرًا، أَمَّا لَوْ أُكْرِهَ بِضَرْبَةٍ أَوْ ضَرْبَتَيْنِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا تَهَدَّدَهُ بِضَرْبَةٍ أَوْ ضَرْبَتَيْنِ هَكَذَا عَلَى مَذَاكِيرِهِ أَوْ عَيَّنَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
[ (مَادَّةُ ١٠٠٥) فِعْلَ الْمُكْرَهِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ فِي حُضُورِ الْمُجْبِرِ أَوْ حُضُورِ تَابِعِهِ]
، (مَادَّةُ ١٠٠٥) -، (إنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ فِي حُضُورِ الْمُجْبِرِ أَوْ حُضُورِ
стр. 1498
تَابِعِهِ يَكُونُ الْإِكْرَاهُ مُعْتَبَرًا. وَأَمَّا إذَا فَعَلَهُ فِي غِيَابِ الْمُجْبِرِ أَوْ تَابِعِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ فَعَلَهُ طَوْعًا بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ. مَثَلًا لَوْ أَكْرَهَ أَحَدٌ آخَرَ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ وَذَهَبَ الْمُكْرَهُ وَبَاعَ مَالَهُ فِي غِيَابِ الْمُجْبِرِ وَمَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ الْإِكْرَاهُ وَيَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا وَمُعْتَبَرًا)
يُشْتَرَطُ أَنْ يَخَافَ الْمُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ التَّابِعِ خَوْفَهُ مِنْ الْمُجْبِرِ الْمَتْبُوعِ، (الطُّورِيُّ) . لَكِنْ إذَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ هَذَا الْخَوْفَ فَيَكُونُ قَدْ زَالَ الْإِكْرَاهُ حَقِيقَةً فَإِذَا حَصَلَ خَوْفٌ مِنْ عَوْدَةِ الْإِكْرَاهِ، فَهَذَا الْحَالُ لَا يَثْبُتُ إكْرَاهًا، (الْأَنْقِرْوِيُّ) .
وَأَمَّا إذَا فَعَلَ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ فِي غِيَابِ الْمُجْبِرِ أَوْ تَابِعِهِ أَوْ فِي حُضُورِ التَّابِعِ وَهُوَ لَا يَخَافُ مِنْهُ فَلَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ فَعَلَهُ طَوْعًا بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ وَخَوْفًا مِنْ عَوْدَةِ الْإِكْرَاهِ وَإِنْ غَابَ الْمُكْرَهُ عَنْ نَظَرِ مَنْ أَكْرَهَهُ يَزُولُ الْإِكْرَاهُ، (صُرَّةُ الْفَتَاوَى) .
وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَرْسَلَ أَحَدٌ لِآخَرَ رَسُولًا لِيُحْضِرَ فُلَانًا إنْ لَمْ يَفْعَلْ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ وَكَانَ الرَّسُولُ الْمَذْكُورُ مُقْتَدِرًا عَلَى إحْضَارِهِ، وَخَافَ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ الشَّيْءَ الْمَذْكُورَ، وَفَعَلَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الشَّيْءَ الْمُكْرَهَ عَلَيْهِ فِي حُضُورِ الرَّسُولِ، كَانَ إكْرَاهًا وَإِلَّا فَلَا. وَيَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا أَنَّ أَعْوَانَ الظُّلْمَةِ لَا يَعْذِرُونَ فِي أَحَدِهِمْ ظُلْمًا فِي غِيَابِ الظَّالِمِ أَوْ رَسُولِهِ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
مَثَلًا لَوْ أَكْرَهَ أَحَدٌ آخَرَ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ وَذَهَبَ الْمُكْرَهُ وَبَاعَ مَالَهُ فِي غِيَابِ الْمُجْبِرِ وَمَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْإِكْرَاهُ وَيَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا وَمُعْتَبَرًا، (النَّتِيجَةُ) .
كَذَلِكَ لَوْ قَبِلَ أَحَدٌ بِالْوَكَالَةِ عَنْ رَجُلٍ غَائِبٍ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ عَلَى مَهْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا أَنَّ زَوْجِي أَجْبَرَنِي قَبْلَ الْغَيْبَةِ عَلَى الْقَبُولِ الْمَذْكُورِ فَقَبِلَ الْوَكِيلُ طَلَاقِي عَلَى مَهْرِي، فَإِنَّنِي أُرِيدُ مَهْرِي، (عَلِيٌّ أَفَنْدِي مُلَخَّصًا) .
[ (مَادَّةُ ١٠٠٦) لَا يُعْتَبَرُ الْبَيْعُ الَّذِي وَقَعَ بِإِكْرَاهٍ مُعْتَبَرٍ]
(مَادَّةُ ١٠٠٦) -، (لَا يُعْتَبَرُ الْبَيْعُ الَّذِي وَقَعَ بِإِكْرَاهٍ مُعْتَبَرٍ وَلَا الشِّرَاءُ وَلَا الْإِيجَارُ وَلَا الْهِبَةُ وَلَا الْفَرَاغُ وَلَا الصُّلْحُ وَالْإِقْرَارُ وَالْإِبْرَاءُ عَنْ مَالٍ وَلَا تَأْجِيلُ الدِّينِ وَلَا إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ، مُلْجِئًا كَانَ الْإِكْرَاهُ أَوْ غَيْرُ الْمُلْجِئِ، وَلَكِنْ لَوْ أَجَازَ الْمُكْرَهُ مَا ذَكَرَ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ يُعْتَبَرُ) يُعْتَبَرُ الْإِكْرَاهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ وَيَبْطُلُ بِالْهَزْلِ كَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ فِي الْمَتْنِ، أَمَّا مَا لَا يَبْطُلُ بِالْهَزْلِ مِنْ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْإِكْرَاهُ، وَتَكُونُ التَّصَرُّفَاتُ الْمَذْكُورَةُ صَحِيحَةً، (عَبْدُ الْحَلِيمِ)
وَسَتُوَضَّحُ قَرِيبًا وَيَصِيرُ تَعْدَادُهَا.
فَعَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ الْبَيْعُ الَّذِي وَقَعَ بِإِكْرَاهٍ مُعْتَبَرٍ وَلَا الشِّرَاءُ وَلَا الْإِيجَارُ وَلَا الِاسْتِئْجَارُ وَلَا الْهِبَةُ وَلَا الصَّدَقَةُ وَلَا الْفَرَاغُ، يَعْنِي فَرَاغَ الْأَرَاضِيِ الْأَمِيرِيَّةِ وَالْأَرَاضِيِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِالْإِجَارَتَيْنِ مِنْ
стр. 1499
الْمُسْتَغَلَّاتِ، وَلَا الصُّلْحُ وَالْإِقْرَارُ بِالْمَالِ وَالْإِقْرَارُ بِالْعَقْدِ وَالْإِقْرَارُ بِالطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارُ بِالرَّضَاعِ وَالْإِبْرَاءُ عَنْ مَالٍ، أَيْ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْحُقُوقِ، وَلَا تَأْجِيلُ الدَّيْنِ وَلَا إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ، وَلَا قَبُولُ الْكَفَالَةِ وَالْوَقْفِ وَالرَّهْنِ، وَلَا يَكُونُ لَازِمًا، أَيْ يَكُونُ مُنْعَقِدًا وَنَافِذًا وَقَابِلًا الْفَسْخَ، وَفِي الْبَيْعِ مَثَلًا يُفِيدُ الْمِلْكَ بَعْدَ الْقَبْضِ لِعَدَمِ لُزُومِهِ، (الدُّرَرُ، الدُّرُّ الْمُخْتَارُ، الطَّحْطَاوِيُّ، الْفَتَاوَى الْجَدِيدَةُ) .
حَتَّى إنَّهُ لِلْمُكْرَهِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ أَنْ يَفْسَخَهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ إذَا شَاءَ، لَكِنْ لَوْ أَوْقَعَ فِي هَذَا الْمَبِيعِ فِعْلًا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَفَعَلَ الْغَاصِبُ ذَلِكَ الْفِعْلَ فِي الْمَغْصُوبِ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ مِنْ الْمَغْصُوبِ وَلَا يَبْقَى لِلْبَائِعِ فِيهِ حَقٌّ فِي الِاسْتِرْدَادِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ حِنْطَةً وَصَارَتْ دَقِيقًا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
وَيُفِيدُ بَيْعُ الْمُكْرَهِ الْمِلْكَ بَعْدَ الْقَبْضِ، أَمَّا قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، (الطُّورِيُّ) مُلْجِئًا كَانَ الْإِكْرَاهُ أَوْ غَيْرَ مُلْجِئٍ. وَلَا تُسْقِطُ وَفَاةُ أَحَدٍ مِنْ الْمُجْبِرِ وَالْمُكْرَهِ حَقَّ الْفَسْخِ، فَعَلَيْهِ إذَا تُوُفِّيَ الْمُجْبِرُ تُؤْخَذُ التَّضْمِينَاتُ اللَّازِمَةُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِذَا تُوُفِّيَ الْمُكْرَهُ يَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ، (الطَّحْطَاوِيُّ) .
كَذَلِكَ الزِّيَادَةُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُنْفَصِلَةً مُتَوَلِّدَةً كَالثَّمَرِ وَالْوَلَدِ أَمْ لَمْ تَكُنْ، وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ الْمُتَوَلِّدَةُ كَالسَّمْنِ لَيْسَتْ مَانِعَةً لِلْفَسْخِ، (الطَّحْطَاوِيُّ) .
أَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ غَيْرُ الْمُتَوَلِّدَةِ فَمَانِعَةٌ مِنْ الِاسْتِرْدَادِ. مَا لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي رَاضِيًا. وَفِي الْبَحْرِ مَتَى فَعَلَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ يَعْنِي فِعْلًا فَاسِدًا يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ فِي الْغَصْبِ، يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ فِي الِاسْتِرْدَادِ، كَمَا إذَا كَانَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
وَتَكُونُ الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ مَضْمُونَةً بِالتَّعَدِّي.
وَالْمُكْرَهُ إذَا أَجَازَ التَّصَرُّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ يَكُونُ مُعْتَبَرًا حِينَئِذٍ أَيْ لَازِمًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَالْإِقْرَارَ يُثْبِتَانِ الْمِلْكَ وَلَوْ كَانَا بِإِكْرَاهٍ. الْإِكْرَاهُ سَوَاءٌ أَكَانَ مُلْجِئًا أَمْ غَيْرَ مُلْجِئٍ فَهُوَ مُعْدِمٌ لِلرِّضَا وَبِمَا أَنَّ الرِّضَا شَرْطٌ فِي لُزُومِ الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَالْإِقْرَارِ، فَتَفْسُدُ الْعُقُودُ بِفَوَاتِ الرِّضَا وَيَكُونُ حَقُّ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَائِدًا إلَى الْمُكْرَهِ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ، مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
وَعَلَيْهِ فَيَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الَّذِي اشْتَرَى الْمَبِيعَ مِنْ بَائِعِهِ مُكْرَهًا بِقَبْضِهِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ، (٣٧١) . لَكِنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْمَبِيعِ فَلَا تَكُونُ تَصَرُّفَاتُهُ لَازِمَةً، وَذَلِكَ كَالْبَيْعِ الْقَابِلِ لِلنَّقْضِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ.
كَذَلِكَ يَمْلِكُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْمَالَ الْمَوْهُوبَ بِالْإِكْرَاهِ إذَا قَبَضَهُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ إذَا وُجِدَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ يَقْتَضِي الْمِلْكَ، لَكِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ إذَا تَصَرَّفَ فِيهِ، فَفِي الصُّورَةِ الَّتِي يَكُونُ التَّصَرُّفُ الْمَذْكُورُ فِيهَا قَابِلًا لِلنَّقْصِ يَنْقُضُ وَيُرَدُّ الْمَالُ إلَى صَاحِبِهِ. كَمَا سَيُفَصَّلُ فِيمَا سَيَأْتِي،
الْعُقُودُ الَّتِي تَنْفُذُ وَاَلَّتِي لَا تَنْفُذُ بِالْإِكْرَاهِ الْمَذْكُورِ سَتُوَضَّحُ كَمَا سَيَأْتِي، فَالْمُكْرَهُ عَلَيْهِ قِسْمَانِ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَا كَانَ قَابِلًا وَمُحْتَمِلًا لِلْفَسْخِ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَا تَبْطُلُ بِالْهَزْلِ وَإِلَيْكَ فِيمَا يَلِي تَعْدَادُهَا، (عَبْدُ الْحَلِيمِ) :
الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالنَّذْرُ، وَالْعَتَاقُ، وَالْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ، وَالرَّجْعَةُ وَالْإِيلَاءُ، فِي الْإِيلَاءِ، الظِّهَارُ، الْيَمِينُ، التَّدْبِيرُ، الِاسْتِيلَاءُ، الرَّضَاعُ، الْحَلِفُ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ إيلَاءٍ أَوْ عِتْقِ الْعَبْدِ، وَالتَّوْكِيلُ بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ، وَإِيجَابُ الْحَجِّ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِيجَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى نَفْسِهِ، (الطَّحْطَاوِيُّ وَالْأَنْقِرْوِيُّ، وَمَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
стр. 1500
وَإِنَّنَا نَكْتَفِي بِإِيضَاحِ بَعْضِهَا:
إيضَاحُ الطَّلَاقِ: لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَأُكْرِهَ عَلَى تَطْلِيقِهَا، (طَلْقَةً وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ) وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، (وَالدُّخُولُ حُكْمًا هُوَ الْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ) ، وَطَلَّقَهَا بِإِكْرَاهٍ مُعْتَبَرٍ وَقَعَ الطَّلَاقُ. وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِنِصْفِ الْمَهْرِ الَّذِي يَلْزَمُهُ عَلَى الْمُجْبِرِ، (الْبَهْجَةُ، الْقُهُسْتَانِيُّ) . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِيهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ الْمُتْعَةِ، (الطُّورِيُّ) .
لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ هُنَا تَقَرَّرَ بِالدُّخُولِ لَا بِالطَّلَاقِ، وَالدُّخُولُ لَيْسَ بِصُنْعٍ مِنْ الْمُجْبِرِ، (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ بِتَغْيِيرٍ وَفِي الْجَوْهَرَةِ تَفْصِيلُ ذَلِكَ) .
وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا قَالَ أَرَدْتُ بِهِ الْإِنْشَاءَ فِي الْحَاكِمِ كَمَا طَلَبَ مِنِّي أَوْ قَالَ أَرَدْتُ الْإِتْيَانَ بِمَطْلُوبِهِ أَمَّا إذَا قَالَ أَرَدْتُ الْإِخْبَارَ كَاذِبًا فَيَقَعُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً وَلَا يَضْمَنُ الْمُكْرَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَمَّا أُكْرِهَ فَكَانَ طَائِعًا فِي ذَلِكَ فَلَا يَصْدُقُ قَضَاءً وَلَا يَضْمَنُ الْمُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَهُ، (الطُّورِيُّ) .
إيضَاحُ الطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ: لَوْ أَكْرَهَ أَحَدٌ زَوْجَتَهُ عَلَى قَبُولِ الطَّلَاقِ عَلَى مَهْرِهَا، وَقَبِلَتْ هِيَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، لَكِنْ لَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ، (عَلِيٌّ أَفَنْدِي، الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) . وَلَكِنْ لَوْ أَجَازَتْ الزَّوْجَةُ الطَّلَاقَ الْمَذْكُورَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَتْ إجَازَتُهَا صَحِيحَةً وَسَقَطَ الْمَهْرُ وَصَارَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) .
كَمَا لَوْ أُكْرِهَ الزَّوْجُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ فِي مُقَابِلِ أَلْفِ قِرْشٍ أَوْ أُكْرِهَتْ الزَّوْجَةُ عَلَى قَبُولِ الطَّلَاقِ الْمَذْكُورِ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ مَالٍ. وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الصُّلْحِ مِنْ الْقُوَّةِ، (الْهِنْدِيَّةُ فِيهِ) .
إيضَاحُ النِّكَاحِ، لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُكْرَهًا جَازَ النِّكَاحُ، وَلَكِنْ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّزْوِيجِ بِهَا بِأَزْيَدَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَتَزَوَّجَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ الزَّائِدُ عَنْ الْمَهْرِ الْمِثْلِ مَعَ جَوَازِ النِّكَاحِ. أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الطَّحْطَاوِيُّ فَتَجُوزُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ أَيْضًا وَيَأْخُذُهَا الْمُكْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْمُجْبِرِ، (الْبَزَّازِيَّةُ، وَالْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) .
كَذَلِكَ لَوْ أُكْرِهَتْ امْرَأَةٌ عَلَى التَّزَوُّجِ مِنْ أَحَدٍ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَتَزَوَّجَتْهُ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا وَلَا يَلْزَمُ الْمُجْبِرَ ضَمَانٌ، (الشُّرُنْبُلَالِيُّ) . لَكِنْ لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ مِنْ غَيْرِ كُفُؤٍ فَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَ أَحَدٌ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ مُكْرَهًا فَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ. مَا لَمْ يَبْلُغْ الْمَهْرُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، (الْأَنْقِرْوِيُّ) .
إيضَاحُ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ: لَوْ قَتَلَ أَحَدٌ آخَرَ قَتْلًا مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ فَعَفَا وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ الْبَارِّ عَنْ الْقَاتِلِ مِنْ الْقِصَاصِ مُكْرَهِينَ كَانَ صَحِيحًا وَكَمَا أَنَّ الْمُجْبِرَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِلْوَرَثَةِ فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَيْضًا أَنْ يُطَالِبُوهُ بِالدِّيَةِ، (النَّتِيجَةُ وَالْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ) .
كَذَلِكَ لَوْ أُجْبِرَ الْقَاتِلُ عَلَى الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مَالٍ وَقَبِلَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ، أَيْ بَدَلَ الصُّلْحِ، لَكِنْ يَبْطُلُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَ الْمَالِ مَعَ الْإِكْرَاهِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ مَعَ الْإِكْرَاهِ، (الْأَنْقِرْوِيُّ، الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ) .
فَلَوْ تَصَالَحَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ مُكْرَهًا، وَالْقَاتِلُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَى عَشَرَةِ دَنَانِيرَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ جَازَ، وَلَزِمَ الْقَاتِلَ بَدَلُ الصُّلْحِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُجْبِرَ ضَمَانُ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِمَالٍ، (الْأَنْقِرْوِيُّ) .
стр. 1501
إيضَاحُ الْإِرْضَاعِ: لَوْ أَكْرَهَ أَحَدٌ امْرَأَةً عَلَى أَنْ تُرْضِعَ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ، وَأَرْضَعَتْهُ مُكْرَهَةً، أَوْ لَوْ أَكْرَهَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ عَلَى أَنْ تُرْضِعَ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ مِنْ لَبَنِهَا وَفَعَلَتْ، ثَبَتَتْ أَحْكَامُ الرَّضَاعِ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ) .
إيضَاحُ الْيَمِينِ: لَوْ حَلَفَ أَحَدٌ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ فُلَانٍ مُكْرَهًا انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ حَتَّى لَوْ دَخَلَ الْحَالِفُ تِلْكَ الدَّارَ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، (مِنْ الْمَحَلِّ الْمَزْبُورِ) .
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْأَشْيَاءُ الْقَابِلَةُ لِلْفَسْخِ، (أَبُو السُّعُودِ) وَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي: قَدْ جُمِعَ فِي الْقَاعِدَةِ الْآتِيَةِ: كُلُّ تَصَرُّفٍ يَبْطُلُ بِالْهَزْلِ لَا يَجُوزُ بِالْإِكْرَاهِ. وَقَدْ ذَكَرَ آنِفًا بَعْضَ الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ مُجْمَلَةً وَإِلَيْكَ تَفْصِيلُهَا فِيمَا سَيَأْتِي:
١ - فِي الْبَيْعِ: الْبَيْعُ الَّذِي يَقَعُ بِالْإِكْرَاهِ أَيْ مُعْتَبَرًا يَعْنِي أَنَّ بَيْعَ الْمُكْرَهِ نَافِذٌ، أَيْ مُنْعَقِدٌ، لَكِنَّهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الرِّضَا شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فِي الْمَبِيعِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْإِكْرَاهِ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ، سَوَاءٌ أَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُكْرَهًا أَمْ الْبَائِعُ فَقَطْ أَمْ الْمُشْتَرِي فَقَطْ. وَأَيُّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَانَ مُكْرَهًا فَلَهُ حَقٌّ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ لَوْ لَمْ يَرْضَ الْآخَرُ بِذَلِكَ. أَمَّا الطَّرَفُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَسْخُ الْعَقْدِ بِدُونِ الرِّضَا، (الطُّورِيُّ) . وَسَتَأْتِي تَفْصِيلَاتُ ذَلِكَ قَرِيبًا.
بَيْعُ الْمُكْرَهِ يُشْبِهُ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَابِلٌ لِلْإِجَازَةِ وَالْفَسْخِ، وَيُشْبِهُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ. وَبَيْعُ الْمُكْرَهِ كَمَا جَاءَ فِي الْمَجَلَّةِ جَائِزٌ وَمُعْتَبَرٌ أَيْ لَازِمٌ. وَالْإِجَازَةُ فِيهِ تُزِيلُ الْحُرْمَةَ. أَمَّا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ فَلَا يَجُوزُ بِالْإِجَازَةِ، أَيْ لَا يَنْقَلِبُ إلَى الصِّحَّةِ، (الطَّحْطَاوِيُّ مُلَخَّصًا) .
كَذَلِكَ لَوْ فَسَخَ الْمُكْرَهُ الْبَيْعَ انْفَسَخَ وَلَهُ اسْتِرْدَادُ الْمَبِيعِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي. وَعَلَيْهِ فَلَوْ بَاعَ أَحَدٌ مَالَهُ مِنْ آخَرَ مُكْرَهًا ثُمَّ بَاعَهُ هَذَا مِنْ غَيْرِ بَيْعِ رِضًا وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ فَإِذَا لَمْ يُجِزْهُ صَاحِبُ الْمَالِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَالَ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ، (النَّتِيجَةُ، وَالْبَهْجَةُ) ، وَإِذَا وَقَعَ تَدَاوُلُ الْأَيْدِي فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ، فَأَيُّ عَقْدٍ أَجَازَهُ الْمُكْرَهُ كَانَ الْكُلُّ جَائِزًا. فَلَوْ بَاعَ أَحَدٌ مَالَهُ مِنْ آخَرَ مُكْرَهًا وَهَذَا بَاعَهُ رِضَاءً مِنْ غَيْرِهِ وَبَاعَهُ هَذَا مِنْ آخَرَ وَبَاعَهُ هَذَا مِنْ غَيْرِهِ وَبَاعَهُ هَذَا مِنْ آخَرَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَجَازَ صَاحِبُ الْمَالِ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ نَفَذَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ، أَوْ أَجَازَ الْبَيْعَ الثَّالِثَ نَفَذَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالرَّابِعُ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ إذَا أَجَازَ بَعْضَ الْعُقُودِ فَقَدْ زَالَ الْإِكْرَاهُ وَأَصْبَحَ طَائِعًا رَاضِيًا وَبِمَا أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ بِذَلِكَ جَائِزًا فَقَدْ أَصْبَحَتْ الْعُقُودُ كُلُّهَا جَائِزَةً وَيَأْخُذُ الْمُكْرَهُ الْمَبِيعَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، (الطُّورِيُّ) .
وَتَعْيِينُ الْمُشْتَرِي فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فَلَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْمُشْتَرِي فَبَاعَ ذَلِكَ الشَّخْصُ مَالَهُ مِنْ أَحَدٍ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْإِكْرَاهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْبَيْعُ بَيْعَ مُكْرَهٍ، (الْبَزَّازِيَّةُ) .
مُخَالَفَةُ الْمُكْرَهِ الْمُجْبِرَ فِي الثَّمَنِ: لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ بِمِائَةِ قِرْشٍ فَبَاعَهُ بِأَقَلَّ كَأَنْ يَكُونَ بَاعَهُ بِتِسْعِينَ كَانَ ذَلِكَ الْبَيْعُ بَيْعَ مُكْرَهٍ؛ لِأَنَّ الْمُجْبِرَ عَرَّضَ الْمُكْرَهَ لِلضَّرَرِ، وَبِمَا أَنَّ الْبَيْعَ بِالْأَقَلِّ بَاعِثٌ لِزِيَادَةِ الضَّرَرِ فَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْبَيْعِ بِالْأَكْثَرِ إكْرَاهٌ عَلَى الْبَيْعِ بِالْأَقَلِّ. أَمَّا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الْبَيْعِ بِأَلْفِ قِرْشٍ فَبَاعَهُ بِأَزْيَدَ نَفَذَ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ يَكُونُ قَدْ اكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ النَّفْعَ، (الطُّورِيُّ) .
стр. 1502
مُخَالَفَةُ الْمُكْرَهِ فِي نَوْعِ الْعَقْدِ: لَوْ وَهَبَ أَحَدٌ مَالَهُ فِي الْحَالَةِ الَّتِي أُكْرِهَ عَلَى بَيْعِهِ فِيهَا جَازَتْ الْهِبَةُ، (الْبَزَّازِيَّةُ) .
زَوَائِدُ الْمَالِ الَّذِي بِيعَ بِالْإِكْرَاهِ: أَمَّا فِي زَوَائِدِ الْمَالِ الَّذِي بِيعَ بِالْإِكْرَاهِ فَإِذَا كَانَتْ الزَّوَائِدُ مُنْفَصِلَةً مُتَوَلِّدَةً وَتَلِفَتْ بِالتَّعَدِّي لَزِمَ الضَّمَانُ. أَمَّا إذَا تَلِفَتْ بِلَا تَعَدٍّ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. وَإِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ وَبَقِيَتْ الزَّوَائِدُ الْمَذْكُورَةُ يَأْخُذُهَا الْبَائِعُ وَيَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَبِيعِ. وَإِذَا كَانَتْ الزَّوَائِدُ الْمَذْكُورَةُ مُنْفَصِلَةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ وَكَانَ لِلْبَائِعِ أَخْذُهَا فِي حَالِ وُجُودِهَا فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ إذَا تَلِفَتْ الزَّوَائِدُ الْمَذْكُورَةُ بِلَا تَعَدٍّ. لَكِنْ لَوْ اُسْتُهْلِكَتْ لَزِمَ عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ الضَّمَانُ. أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ فَلَا.
وَإِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ وَمَعَهُ زَوَائِدُ مُنْفَصِلَةٌ غَيْرُ مُتَوَلِّدَةٍ كَانَتْ لِلْمُشْتَرِي، (التَّنْقِيحُ) .
أَنْوَاعُ الْإِجَازَةِ: الْإِجَازَةُ نَوْعَانِ:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الْإِجَازَةُ قَوْلًا وَصَرَاحَةً، كَقَوْلِ الْمُكْرَهِ أَجَزْتُ الْبَيْعَ الْمَذْكُورَ أَوْ أَعْطَيْتُ إجَازَةً بِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْإِجَازَةُ الْفِعْلِيَّةُ، فَلَوْ قَبَضَ الْبَائِعُ الْمُكْرَهُ طَائِعًا ثَمَنَ الْمَبِيعِ أَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي طَائِعًا نَفَذَ الْبَيْعُ الْمَذْكُورُ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ، (٦٨) ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِكْرَاهَ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ فِي الْبَيْعِ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَلَمْ يَكُنْ التَّسْلِيمُ فِيهِ دَاخِلًا فِي الْإِكْرَاهِ، (أَبُو السُّعُودِ) .
(فِيهِ أَنَّ هَذَا فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ أَمَّا فِي الْفَاسِدِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ) ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْبَيْعِ وَأَرَادَ اسْتِرْدَادَ الْمَبِيعِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ مَا لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى التَّسْلِيمِ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ الْإِكْرَاهِ) .
لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ مُسْتَلْزِمًا الْإِكْرَاهَ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَوْهُوبِ، كَمَا هُوَ مُوَضَّحٌ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ، (٨٦) ، فَإِذَا وَهَبَ مُكْرَهًا وَسَلَّمَ الْمَوْهُوبُ فِي حُضُورِ الْمُجْبِرِ فَلَا تَنْفُذُ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُجْبِرِ هُوَ اسْتِحْقَاقُ الْمَوْهُوبِ لَا لَفْظُ الْهِبَةِ. وَالِاسْتِحْقَاقُ فِي الْهِبَةِ بِالتَّسْلِيمِ، بِمُقْتَضَى الْمَادَّةِ، (٨٣٧) .
فَكَانَ التَّسْلِيمُ فِي الْهِبَةِ دَاخِلًا فِي الْإِكْرَاهِ، (أَبُو السُّعُودِ، وَالْهِدَايَةُ، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) هَذَا إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ حَاضِرًا وَقْتَ التَّسْلِيمِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْهِبَةِ لَا يَكُونُ إكْرَاهًا عَلَى التَّسْلِيمِ، (أَبُو السُّعُودِ، رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
أَمَّا إذَا لَمْ يَقْبِضْ الْمُكْرَهُ ثَمَنَ الْمَبِيعِ طَائِعًا بَلْ قَبَضَهُ مُكْرَهًا أَوْ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ الْمَبِيعَ طَائِعًا بَلْ سَلَّمَهُ مُكْرَهًا، فَلَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِسَبَبِ عَدَمِ الرِّضَا، فَلَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ أَنْ يَرُدَّ هَذَا الثَّمَنَ وَيَسْتَرِدَّ الْمَبِيعَ، وَإِذَا تَلِفَ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي، وَالْقَبْضُ إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَإِنَّمَا يَجِبُ الضَّمَانُ إذَا قَبَضَهُ لِلتَّمَلُّكِ وَهُوَ لَمْ يَقْبِضْهُ؛ لِكَوْنِهِ مُكْرَهًا عَلَى قَبْضِهِ فَكَانَ أَمَانَةً، (الدُّرَرُ) .
يُوجَدُ بَيْنَ بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَبَيْنَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فُرُوقٌ عَلَى أَرْبَعِ صُوَرٍ، (أَبُو السُّعُودِ) .
١ - يَجُوزُ بَيْعُ الْمُكْرَهِ بِالْإِجَازَةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، يَعْنِي أَنَّ الْبَيْعَ الْمَذْكُورَ يَنْقَلِبُ بِالْإِجَازَةِ إلَى الصِّحَّةِ، مَعَ أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لَا يَجُوزُ بِإِجَازَةٍ كَهَذِهِ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ نَاشِئٌ عَنْ حَقِّ الشَّرْعِ، أَمَّا فَسَادُ بَيْعِ الْمُكْرَهِ فَنَاشِئٌ عَنْ حَقِّ الْعَبْدِ.
стр. 1503
٢ - تُنْقَضُ التَّصَرُّفَاتُ الْقَابِلَةُ لِلنَّقْضِ، كَبَيْعِ الْمُشْتَرِي الَّذِي اشْتَرَى مِنْ الْمُكْرَهِ الْمَبِيعَ مِنْ آخَرَ وَتَسْلِيمِهِ إيَّاهُ، وَلَوْ وَقَعَ تَدَاوُلُ الْأَيْدِي، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ وَإِنْ ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ، (٣٧٢) أَنَّ الْمَبِيعَ الَّذِي بِيعَ بَيْعًا فَاسِدًا إذَا بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ بَيْعًا صَحِيحًا فَلَا يَبْقَى حَقُّ الْفَسْخِ، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ بَيْعَ الْمَبِيعِ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَى بَيْعِهِ وَتَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِرْدَادَ فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ عَنْ حَقِّ الْعَبْدِ، وَحَقُّ الْمُكْرَهِ لَمَّا كَانَ مُسَاوِيًا لِحَقِّ الْمُشْتَرِي فَلَا يَسْتَدْعِي وُجُودُ الْحَقِّ الثَّانِي بُطْلَانَ الْحَقِّ الْأَوَّلِ، أَمَّا الِاسْتِرْدَادُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَبِمَا أَنَّهُ عَنْ حَقِّ الشَّرْعِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ بِالْبَيْعِ الثَّانِي حَقُّ الْعَبْدِ. فَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ لِحَاجَتِهِ عَنْ حَقِّ الشَّرْعِ لِغِنَى الرَّبِّ تَعَالَى، (الزَّيْلَعِيّ، رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
٣ - إذَا تَصَرَّفَ مُشْتَرِي الْمَالِ الْمَبِيعِ فِيهِ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ وَفَسْخُهُ، فَالْمَالِكُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُجْبِرُ، يَعْنِي إذَا كَانَ الْمَبِيعُ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ يَأْخُذُ مِثْلَهُ، وَإِذَا كَانَ مِنْ الْقِيَمِيَّاتِ يَأْخُذُ قِيمَتَهُ وَقْتَ تَسْلِيمِهِ، (عَبْدُ الْحَلِيمِ) .
وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي، وَإِذَا اخْتَارَ تَضْمِينَ الْمُشْتَرِي فِيهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ قَبْضِهِ إيَّاهُ وَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ وَقْتَ إحْدَاثِهِ الْحَالَ الْغَيْرَ قَابِلٍ لِلنَّقْضِ، (الْبَزَّازِيَّةُ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ عَلَى الْمَالِ بِهَذَا الْإِحْدَاثِ حَقَّ اسْتِرْدَادِهِ. وَفِي كَوْنِ الْمُكْرَهِ مُخَيَّرًا فِي التَّضْمِينِ نَظَرٌ لَهُ حَيْثُ يَحْتَارُ لِأَكْثَرَ عِنْدَ التَّفَاوُتِ، (عَبْدُ الْحَلِيمِ) . أَمَّا الْمُشْتَرِي الَّذِي يَشْتَرِي مَالًا شِرَاءً فَاسِدًا فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ قَبْضِهِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ، (٣٧١) ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
٤ - الثَّمَنُ الَّذِي فِي يَدِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْبَيْعِ أَمَانَةٌ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ قَبَضَ الثَّمَنَ الْمَذْكُورَ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي، كَمَا أَنَّ الْمَبِيعَ الَّذِي فِي يَدِ الْمُكْرَهِ عَلَى الشِّرَاءِ أَمَانَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ أَخَذَ الْمَبِيعَ الْمَذْكُورَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ وَمَتَى كَانَ الْقَبْضُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّمَلُّكِ، بِنَاءً عَلَيْهِ لَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ وَالْمُثَمَّنُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ ضَمَانٌ، بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ، (٧٦٨) وَيَلْزَمُ الضَّمَانُ الْمُشْتَرِيَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ فِي الْمَادَّةِ، (٣٧١) ، أَمَّا بَيْعُ الْمُكْرَهِ إذَا اشْتَرَى الْمُشْتَرِي مُكْرَهًا مَالًا مِنْ أَحَدٍ وَلَمْ يَكُنْ الْبَائِعُ مُكْرَهًا عَلَى الْبَيْعِ، وَتَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الدُّرَرُ)
صُوَرٌ ثَلَاثٌ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبَيْعِ:
تُوجَدُ ثَلَاثُ صُوَرٍ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبَيْعِ بِاعْتِبَارِ الْمُكْرَهِ
١ - كَوْنُ الْبَائِعِ مُكْرَهًا فَقَطْ.
٢ - كَوْنُ الْمُشْتَرِي مُكْرَهًا فَقَطْ.
٣ - كَوْنُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مُكْرَهَيْنِ مَعًا.
وَبِمَا أَنَّ أَحْكَامَ هَذِهِ الصُّوَرِ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِلَيْكَ الْإِيضَاحُ فِيمَا يَلِي:
تَجْرِي الْأَحْكَامُ الْآتِيَةُ إذَا كَانَ الْبَائِعُ مُكْرَهًا فَقَطْ:
أُوَلًا، لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى الْبَيْعِ بِأَلْفِ قِرْشٍ فِضَّةً وَبَاعَهُ بِمَا قِيمَتُهُ أَلْفُ قِرْشٍ مِنْ النُّقُودِ الذَّهَبِيَّةِ يَكُونُ مُكْرَهًا عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ مَعْدُودَةٌ فِي التِّجَارَةِ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ، أَمَّا لَوْ بَاعَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِأَقَلَّ مِنْ أَلْفِ قِرْشٍ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنْسٍ غَيْرِ الْجِنْسِ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ بِأَلْفِ قِرْشٍ وَبَاعَ بِمَا قِيمَتُهُ أَلْفٌ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ الْحَيَوَانَاتِ نَفَذَ الْبَيْعُ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ الطُّورِيُّ) .
стр. 1504
ثَانِيًا: لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ بَيْعًا جَائِزًا وَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا كَانَ الْبَيْعُ بَيْعَ إكْرَاهٍ. أَمَّا بِالْعَكْسِ، أَيْ لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ بَيْعًا فَاسِدًا فَبَاعَ بَيْعًا صَحِيحًا جَازَ الْبَيْعُ وَإِلَيْكَ الْفَرْقُ: إذَا بَاعَ الْمُكْرَهُ عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بَيْعًا صَحِيحًا يَكُونُ قَدْ أَجْرَى عَقْدًا لَمْ يُكْرَهْ عَلَى إجْرَائِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ يُفِيدُ أَحْكَامًا لَا يُفِيدُهَا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ. أَمَّا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ الصَّحِيحِ فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا يَكُونُ قَدْ أَجْرَى الْعَقْدَ، الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ، عَلَى صُورَةٍ أَنْقَصَ، (الطُّورِيُّ)
ثَالِثًا، لَوْ أُكْرِهَ عَلَى بَيْعِ نِصْفِ دَارِهِ مَقْسُومًا، فَبَاعَ الْكُلَّ، لَا يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ) .
رَابِعًا، إذَا عَقَدَ الْبَائِعُ عَقْدَ الْبَيْعِ وَهُوَ مُكْرَهٌ دُونَ الْمُشْتَرِي، كَانَ الْبَائِعُ مُخَيَّرًا إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ وَلَمْ يُمْكِنْ اسْتِرْدَادُهُ، لَهُ أَنْ يَضْمَنَ الْمُجْبِرُ الْبَدَلَ؛ لِأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْإِتْلَافِ، (أَبُو السُّعُودِ) ، فَصَارَ كَأَنَّهُ دَفَعَ مَالَ الْبَائِعِ إلَى الْمُشْتَرِي فَيُضَمِّنُ أَيَّهُمَا شَاءَ كَالْغَاصِبِ وَغَاصِبِ الْغَاصِبِ، (الطُّورِيُّ) . لِهَذَا أَنْ يَرْجِعَ بِبَدَلِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ مَضْمُونًا. فَالْمُجْبِرُ كَالْغَاصِبِ وَلَهُ تَضْمِينُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ، (الدُّرَرُ بِتَغْيِيرٍ) وَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي ضَامِنًا فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُجْبِرِ، (الشُّرُنْبُلَالِيُّ) .
لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ، غَيْرَ أَنَّهُ تُوقَفُ نُفُوذُهُ عَلَى سُقُوطِ حَقِّ الْمُكْرَهِ مِنْ الْفَسْخِ، فَإِذَا ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ نَفَذَ مِلْكُهُ فِيهِ كَسَائِرِ الْبُيُوعَاتِ الْفَاسِدَةِ، (الطُّورِيُّ) . وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَنْفُذُ كُلُّ شِرَاءٍ يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَمْلِكُ الْأَدَاءَ بِالضَّمَانِ فَيَكُونُ بَيْعُهُ لِمَالِهِ ظَاهِرًا أَمَّا الشِّرَاءُ الْوَاقِعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَنْفُذُ؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَمِنَ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْقِيمَةِ كَاسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ، فَتَبْطُلُ الْبِيَاعَاتِ الَّتِي قَبْلَهُ وَيَكُونُ أَخْذُ الثَّمَنِ اسْتِرْدَادًا لِلْمَبِيعِ، (الطَّحْطَاوِيُّ) .
بِخِلَافِ مَا لَوْ أَجَازَ الْمَالِكُ الْمُكْرَهُ عَقْدًا مِنْهَا، (وَلَوْ كَانَ الْمَجَازُ هُوَ الْأَخِيرُ) حَيْثُ يَنْفُذُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ النَّفَاذِ حَقُّهُ فَيَعُودُ الْكُلُّ جَائِزًا وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَوْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ نَفَذَتْ جَمِيعُ الْبُيُوعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالتَّضْمِينِ أَنَّهُ إذْ ضَمِنَ فَأَخَذَ الْقِيمَةَ، صَارَ كَأَنَّهُ اسْتَرَدَّ الْعَيْنَ فَتَبْطُلُ الْبِيَاعَاتِ الَّتِي قَبْلَهُ بِخِلَافِ أَخْذِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَأَخْذِ الْعَيْنِ بَلْ إجَازَةٌ فَافْتَرَقَا. بِخِلَافِ مَا لَوْ أَجَازَ الْمَالِكُ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَاحِدًا مِنْ الْأَشْرِبَةِ، حَيْثُ يَجُوزُ مَا أَجَازَهُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ وَقَدْ ثَبَتَ بِالْإِجَازَةِ لِأَحَدِهِمْ مِلْكٌ بَاتٌّ وَأَبْطَلَ الْمَوْقُوفَ لِغَيْرِهِ، وَفِي الْإِكْرَاهِ كُلُّ وَاحِدٍ بَاعَ مِلْكَهُ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ فِيهِ وَالْمَانِعُ مِنْ نُفُوذِ الْكُلِّ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ، فَإِنْ أَسْقَطَ الْمَالِكُ نَفَذَ الْكُلُّ. فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ إجَازَةِ الْمُكْرَهِ وَإِجَازَةِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ إذَا أَجَازَ بَيْعًا مِنْ الْبُيُوعِ نَفَذَ مَا أَجَازَهُ خَاصَّةً: أُجِيبَ بِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يُزِيلُ مِلْكَهُ فَكُلُّ بَيْعٍ مِنْ هَذِهِ الْبُيُوعِ تُوقَفُ عَلَى إجَازَتِهِ الْمُصَادَفَةِ مِلْكَهُ، فَتَكُونُ إجَازَتُهُ أَحَدَ الْبُيُوعِ تَمْلِيكًا لِلْعَيْنِ مِنْ الْمُشْتَرِي فَلَا يَنْفُذُ مَا سِوَاهُ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُكْرَهِ فَقَدْ مَلَكَهُ، فَالْبَيْعُ مِنْ كُلِّ مُشْتَرٍ صَادَفَهُ مِلْكُهُ فَلِهَذَا نَفَذَتْ الْبُيُوعُ كُلُّهَا بِإِجَازَةِ عَقْدٍ مِنْهَا، (الْعِنَايَةُ، وَالتَّبْيِينُ، وَأَبُو السُّعُودِ، وَالدُّرَرُ، والشُّرُنْبُلاليُّ) .
مَثَلًا لَوْ بَاعَ أَحَدٌ مَالَهُ مِنْ آخَرَ وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ مُكْرَهًا، بَاعَهُ هَذَا مِنْ شَخْصٍ غَيْرَهُ وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ، وَبَاعَهُ هَذَا مِنْ رَجُلٍ آخَرَ وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ، فَلَوْ ضَمِنَ صَاحِبُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلَ صَحَّ شِرَاءُ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ أَمَّا لَوْ ضَمِنَ الْمَالَ الْمَذْكُورَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَشِرَاءُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا، فَشِرَاءُ الْأَوَّلِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ
стр. 1505
لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ قَبْلَ التَّضْمِينِ حَتَّى يَمْلِكَهُ، (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الضَّامِنُ بِالثَّمَنِ عَلَى بَايِعِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَجَازَ الْمَالِكُ إحْدَى الْبِيَاعَاتِ حَيْثُ يَجُوزُ الْجَمِيعُ " وَنَظِيرُهُ إجَازَةُ الشَّفِيعِ لِوَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِينَ بَعْدَ تَدَاوُلِ الْأَيْدِي فِي الْمَبِيعِ، عَبْدُ الْحَلِيمِ "، وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَالْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ مَوْجُودًا وَالْمَانِعُ مِنْ النُّفُوذِ حَقُّهُ، وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ بِإِجَازَةٍ فَعَادَ الْكُلُّ إلَى الْجَوَازِ، (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
وَبِخِلَافِ مَا إذَا جَازَ الْمَالِكُ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَاحِدًا مِنْ الْعُقُودِ. حَيْثُ يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ سَابِقُهُ وَلَا لَاحِقُهُ، (عَبْدُ الْحَلِيمِ رَدُّ الْمُحْتَارِ، مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
خَامِسًا، إذَا صُودِرَ أَحَدٌ يَعْنِي إذَا أُرِيدَ أَخْذُ نَقْدِهِ ظُلْمًا، فَبَاعَ مَالًا مِنْ آخَرَ لِلْحُصُولِ عَلَى الْمَبْلَغِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ نَفَذَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ بَيْعَ الْمَالِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِ إذْ يُمْكِنُهُ أَدَاءُ مَا طَلَبَ مِنْهُ بِالِاسْتِقْرَاضِ وَنَحْوِهِ وَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ مِنْ أَيْنَ أُعْطِي وَلَا مَالَ لِي فَإِذَا قَالَ بِعْ كَذَا فَقَدْ صَارَ مُكْرَهًا فِيهِ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَأَبُو السُّعُودِ)
سَادِسًا، لَوْ أَكْرَهَ أَحَدٌ آخَرَ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ، (أَيْ مَالِ الْمُكْرَهِ) وَبَاعَهُ وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي مُكْرَهًا جَازَ الْبَيْعُ لَكِنَّ عُهْدَةَ الْبَيْعِ تَعُودُ إلَى الْمُجْبِرِ. وَإِذَا طَالَبَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَتْ عُهْدَةُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ) .
فَائِدَةٌ فِي الْبَيْعِ بِالْإِكْرَاهِ فَائِدَةٌ: لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ أَنَّهُ بَاعَ هَذَا الْعَقَارَ وَسَلَّمَهُ مُكْرَهًا بِإِكْرَاهٍ مُعْتَبَرٍ، وَطَلَبَ. رَدَّهُ إلَيْهِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ فَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَائِلًا: إنَّ الْأَمْرَ كَمَا ذَكَرْتَ وَلَكِنَّكَ مُعِدٌّ ذَلِكَ قَدْ بِعْتُهُ عَنْ طَوْعٍ وَرِضًا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَنْدَفِعُ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَحَقُّ اسْتِرْدَادِ الْبَائِعِ، (الْأَنْقِرْوِيُّ) .
وَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ مُكْرَهًا تَجْرِي الْأَحْكَامُ الْآتِيَةُ:
أَوَّلًا: لَوْ اشْتَرَى الشَّخْصُ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَى شِرَاءِ مَالٍ يُسَاوِي أَلْفَ قِرْشٍ بِعَشَرَةِ آلَافِ قِرْشٍ وَبِأَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ قِرْشٍ صَحَّ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ) .
ثَانِيًا: لَوْ اشْتَرَى الْمُشْتَرِي مَالًا وَقَبَضَهُ وَهُوَ مُكْرَهٌ دُونَ الْبَائِعِ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً. وَعَلَيْهِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
وَلِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْفَسْخُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَكِنْ بَعْدَ الْقَبْضِ لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ فَقَطْ. جَاءَ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُكْرَهًا صَحَّ الْفَسْخُ لِلْكُلِّ قَبْلَ الْقَبْضِ وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِلْمُشْتَرِي، وَالْحُكْمُ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ أَيْضًا. فَلَوْ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ أَخَذَ الْمَالَ بِنِيَّةِ رَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ إذَا تَلِفَ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُجْبِرَ. كَذَلِكَ لَوْ أَكْرَهَ أَحَدٌ آخَرَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَالَ عَمْرٍو وَيُعْطِيَهُ لِزَيْدٍ، وَأَخَذَهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ بِنِيَّةِ أَنْ يُعْطِيَهُ مُؤَخَّرًا لِصَاحِبِهِ وَتَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ لِزَيْدٍ فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ. أَمَّا إذَا لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ. وَعَلَيْهِ لَوْ أَقَرَّ الْمُكْرَهُ بِأَنَّهُ قَدْ قَبَضَ الْمَالَ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ، فَصَاحِبُ الْمَالِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُكْرَهَ لِكَوْنِهِ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُجْبِرَ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ، (٢) وَشَرْحَهَا. وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالْمُكْرَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ فِي النِّيَّةِ، فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفِي الضَّمَانَ
стр. 1506
عَنْ نَفْسِهِ وَعِنْدَهُ قَرِينَةٌ عَلَى صِدْقِهِ وَهِيَ إكْرَاهُهُ، (الطَّحْطَاوِيُّ) وَصُورَةُ الْيَمِينِ: أَنَّهُ مَا أَخَذَهُ لِيَدْفَعَهُ إلَيْهِ طَائِعًا وَمَا أَخَذَهُ إلَّا لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ إلَّا أَنْ يُكْرَهَ عَلَى دَفْعِهِ، (الطَّحْطَاوِيُّ. مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ قُبَيْلَ الْحَجْرِ) ، وَمِثْلُهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى قَبُولِ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْهِبَةِ وَقَالَ قَبَضْتُهَا لِأَرُدَّهَا إلَى مَالِكِهَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
ثَالِثًا، لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ مَالَ آخَرَ لِلْمُجْبِرِ، وَشِرَاءُ الْمُكْرَهِ لِلْمُجْبِرِ بِرِضَا الْبَائِعِ جَازَ الشِّرَاءُ وَكَانَ الْمَتَاعُ لِلْمُجْبِرِ، لَكِنْ لَا يُطَالِبُ الْمُشْتَرِيَ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ عُهْدَةَ الشِّرَاءِ لَيْسَتْ عَلَيْهِ. إلَّا أَنَّهُ إذَا طَلَبَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ رَجَعَتْ عُهْدَةُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ وَيُطَالِبُ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ) .
وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مُكْرَهًا تَجْرِي الْأَحْكَامَ الْآتِيَةَ:
أَوَّلًا: إذَا أُكْرِهَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّقَابُضِ وَفَعَلَا ذَلِكَ مُكْرَهَيْنِ وَأَجَازَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ بَعْدَئِذٍ جَازَ مِنْ طَرَفِهِ، وَبَقِيَ الثَّانِي مُخَيَّرًا. وَإِذَا أَجَازَ الِاثْنَانِ غَيْرَ مُكْرَهَيْنِ جَازَ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ) .
ثَانِيًا: لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ مِنْ آخَرَ، وَأُكْرِهَ هَذَا عَلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ وَأُكْرِهَا عَلَى التَّقَابُضِ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ دَعْوَى التَّضْمِينَاتِ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ وَالتَّقَابُضِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَتَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَالثَّمَنُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَيُسْأَلُ كُلٌّ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ: لِأَيِّ شَيْءٍ قَبَضَ مَا قَبَضَ، وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثُ صُوَرٍ.
الصُّورَةُ الْأُولَى، إذَا قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا إنَّنِي قَبَضْتُ الثَّمَنَ أَوْ الْمَبِيعَ لِنَفْسِي، بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْبَيْعِ الَّذِي وَقَعَ بِالْجَبْرِ عَنِّي، جَازَ الْبَيْعُ وَلَزِمَ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُجْبِرَ شَيْءٌ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ كُلٌّ مِنْهُمَا إنَّنِي قَبَضْتُ مُكْرَهًا عَلَى أَنْ أَرُدَّهُ لِصَاحِبِهِ وَأَسْتَرِدَّ مِنْهُ مَا أَخَذَهُ مِنِّي، وَيُصَدِّقُهُ الْآخَرُ أَوْ لَا يُصَدِّقُهُ، فَلِكُلٍّ عَلَى الْآخَرِ الْيَمِينُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِذَا حَلَفَ كُلٌّ لِكُلٍّ فَلَا يَضْمَنُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ شَيْئًا.
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: نُكُولُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْيَمِينِ، بِنَاءً عَلَى تَكْلِيفِهِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُنْظَرُ، فَإِذَا كَانَ النَّاكِلُ هُوَ الْمُشْتَرِي فَلِلْبَائِعِ أَنْ يُضَمِّنَ مَنْ أَرَادَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْمُجْبِرِ وَالْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَخْلًا فِي هَلَاكِ مَالِهِ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالذَّاتِ وَوَاحِدٌ آخَرُ بِالْوَاسِطَةِ، (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
وَعَلَيْهِ فَإِذَا ضَمِنَ الْمُجْبِرُ فَلِلْمُجْبِرِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِبَدَلِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مَلَكَهُ. قَامَ مَقَامَ الْمُجْبِرِ فَيَكُونُ مَالِكًا لَهُ مِنْ وَقْتٍ وَحَدَّدَ السَّبَبَ بِالِاسْتِنَادِ، (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ بِتَغْيِيرٍ) . أَمَّا إذَا ضَمِنَ الْمُشْتَرِي فَكَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُجْبِرِ بِبَدَلِ الضَّمَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ. وَإِذَا كَانَ النَّاكِلُ هُوَ الْبَائِعُ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُضَمِّنَ الْمُجْبِرَ الثَّمَنَ الَّذِي أَعْطَاهُ وَهَذَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ وَإِذَا ضَمِنَ الْبَائِعُ، الرُّجُوعُ عَلَى الْمُجْبِرِ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ، الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) .
[٢]- الشِّرَاءُ: لَوْ أَكْرَهَ أَحَدٌ آخَرَ عَلَى شِرَاءِ ثَوْبِ هَذَا الرَّجُلِ بِكَذَا قِرْشًا، وَشَرَاهُ مُكْرَهًا، فَلَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ لِذَلِكَ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ وَيَسْتَرِدَّ مِنْهُ نَقُودَهُ، (النَّتِيجَةُ) . وَقَدْ بَيَّنَ آنِفًا بَعْضَ أَحْكَامِ الشِّرَاءِ الَّذِي يَقَعُ الْمُشْتَرِي مُكْرَهًا فَقَطْ أَوْ وَالْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ مُكْرَهَانِ.
стр. 1507
الْإِيجَارُ: لَوْ أَكْرَهَ أَحَدٌ مُتَوَلِّيًا عَلَى وَقْفِ إيجَارِ حَمَّامٍ لِذَلِكَ الْوَقْفِ مِنْ آخَرَ، بِأَجْرِ الْمِثْلِ، وَآجَرَ الْمُتَوَلِّي مُكْرَهًا لَا يَصِحُّ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ، (٤٤٨) النَّتِيجَةُ
. [٤]- الِاسْتِئْجَارُ: لَوْ اسْتَأْجَرَ أَحَدٌ مَالَ الْغَيْرِ بِإِكْرَاهٍ مُلْجِئٍ أَوْ غَيْرِ مُلْجِئٍ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّخْصُ مُخَيَّرًا بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ إنْ شَاءَ فَسَخَ وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ، (٤٨ ٤)
. [٥]- الْهِبَةُ: تَجْرِي الْأَحْكَامُ الْآتِيَةُ فِي الْهِبَةِ بِإِكْرَاهٍ.
أَوَّلًا: يَلْزَمُ فِي الْهِبَةِ رِضَا الْوَاهِبِ، كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ، (٨٦٠) ، فَلَيْسَتْ الْهِبَةُ الَّتِي تَقَعُ بِالْجَبْرِ وَالْإِكْرَاهِ صَحِيحَةٌ وَلَمَّا كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْهِبَةِ يَسْتَلْزِمُ الْإِكْرَاهَ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلَوْ وَهَبَ مُكْرَهًا وَسَلَّمَ طَائِعًا، فَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ مَا لَمْ يَقْبِضْ الْمُكْرَهُ الْعِوَضَ طَائِعًا وَيَقْبَلُهُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ أَجَازَ الْهِبَةَ الْوَاقِعَةَ بِإِكْرَاهٍ، (الْأَنْقِرْوِيُّ، رَدُّ الْمُحْتَارِ) . مَثَلًا لَوْ أَكْرَهَ الزَّوْجُ الزَّوْجَةَ عَلَى أَنْ تَهَبَهُ مَهْرَهَا بِتَهْدِيدِهِ إيَّاهَا بِالضَّرْبِ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى الضَّرْبِ، فَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ الْهِبَةَ وَكُلِّفَتْ الزَّوْجَةُ بِالْيَمِينِ، بِنَاءً عَلَى إنْكَارِهَا إيَّاهَا فَتَطْلُبُ الزَّوْجَةُ إلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُ هَلْ يَدَّعِي الْهِبَةَ. بِاخْتِيَارٍ أَوْ بِإِكْرَاهٍ فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ، (أَدَّعِي الْهِبَةَ بِإِكْرَاهٍ) تُرَدُّ دَعْوَاهُ، وَإِنْ قَالَ، (أَدَّعِي الْهِبَةَ بِاخْتِيَارٍ) فَتَخْلُصُ الزَّوْجَةُ بِحَلِفِهَا الْيَمِينَ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَهَبْ بِدُونِ إكْرَاهٍ، (أَبُو السُّعُودِ الْعِمَادِيُّ) يَعْنِي تَطْلُبُ الْبَيِّنَةَ مِنْ زَوْجِهَا عَلَى أَنَّهَا وَهَبَتْهُ إيَّاهُ طَوْعًا، فَإِذَا عَجَزَ تَحْلِفُ الزَّوْجَةُ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَهَبْهُ طَوْعًا، فَإِنْ فَعَلَتْ حُكِمَ لَهَا بِالْمَهْرِ، (مِنْ الْمَحَلِّ الْمَزْبُورِ) .
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَهَبَ لِرَجُلٍ هَذَا الْمَالَ، فَوَهَبَ وَسَلَّمَ وَغَابَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَانَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُجْبِرِ بِقِيمَةِ ذَلِكَ الْمَالِ وَكَذَلِكَ فِي الصَّدَقَةِ، (صُرَّةُ الْفَتَاوَى بِتَغْيِيرٍ) .
ثَانِيًا: لَوْ مَنَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ الْمَرِيضَةَ مِنْ الذَّهَابِ إلَى بَيْتِ أَبِيهَا إلَّا أَنْ تَهَبَهُ مَهْرَهَا فَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ. كَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِابْنَتِهِ، بَعْدَ أَنْ زَوَّجَهَا مِنْ أَحَدٍ، إنَّنِي أَمْتَنِعُ مِنْ زِفَافِكِ إلَى زَوْجِكِ مَا لَمْ تُقِرِّي بِأَنَّكِ أَخَذْتِ كُلَّ مِيرَاثِكِ عَنْ وَالِدَتِكِ، وَمَنَعَهَا بِالْفِعْلِ فَأَقَرَّتْ بِذَلِكَ فَإِقْرَارُهَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْبِنْتَ فِي هَذَا فِي حُكْمِ الْمُكْرَهَةِ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالْإِجَارَةُ كَالْإِقْرَارِ وَالْهِبَةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَكُلِّ وَلِيٍّ مُقْتَدِرٍ عَلَى الْمَنْعِ فِي الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ كَالْأَبِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي دِيَارِنَا مِنْ أَخْذِ مُهُورِهِنَّ كَرْهًا عَنْهُنَّ حَتَّى مِنْ ابْنِ ابْنِ الْعَمِّ وَإِنْ بَعُدَ وَإِنْ مَنَعَتْ أَضَرَّ بِهَا أَوْ مِثْلِهَا، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
ثَالِثًا، لَوْ أُكْرِهَ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى هِبَةِ مَالِهِ هَذَا لِهَذَا الرَّجُلِ وَبَعْدَ أَنْ قِبَلَ الرَّجُلُ الْمَالَ وَقَبَضَهُ مُكْرَهًا أَيْضًا، فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ الْمَالِ لِيَكُونَ فِي يَدِهِ أَمَانَةً، فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ، أَمَّا لَوْ قَالَ إنَّنِي أَخَذْتُهُ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ حَتَّى يَبْقَى لِي، فَلِصَاحِبِ الْمَالِ تَضْمِينُ الْمُجْبِرِ وَلَهُ تَضْمِينُ الْمُكْرَهِ، يَعْنِي الْمَوْهُوبَ لَهُ، وَإِذَا ضَمِنَ الْمُجْبِرُ فَيَرْجِعُ هَذَا أَيْضًا عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) .
رَابِعًا، لَوْ أَكْرَهَ أَحَدٌ آخَرَ عَلَى هِبَةِ مَالِهِ لِآخَرَ وَوَهَبَهُ هَذَا إلَى غَيْرِهِ فَالْهِبَةُ فِي حَقِّ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْأَوَّلِ هِبَةُ مُكْرَهٍ وَفِي حَقِّ الثَّانِي هِبَةٌ صَحِيحَةٌ، (الْبَزَّازِيَّةُ) .
خَامِسًا، إذَا قَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْمَوْهُوبَ فِي الْهِبَةِ الَّتِي تَقَعُ بِالْإِكْرَاهِ صَارَ مَالِكًا لَهُ. لَكِنْ تُنْقَضُ
стр. 1508
تَصَرُّفَاتُهُ الْقَابِلَةُ لِلنَّقْضِ وَيُرَدُّ الْمَالُ الْمَوْهُوبُ لِلْوَاهِبِ أَمَّا مَا لَيْسَ بِقَابِلٍ لِلنَّقْضِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ فَلَا يَنْقُضُهَا الْمُكْرَهُ وَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُجْبِرَ قِيمَةَ الْمَالِ يَوْمِ تَسْلِيمِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ. وَلَهُ أَنْ يَضْمَنَ الْمَوْهُوبُ لَهُ. وَمَتَى اخْتَارَ تَضْمِينَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَيُضَمِّنُهُ إنْ شَاءَ قِيمَتَهُ وَقْتَ قَبْضِهِ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ وَقْتَ إحْدَاثِهِ الْحَالَ الَّذِي أَصْبَحَ فِيهِ غَيْرَ قَابِلٍ لِلنَّقْضِ، (الْبَزَّازِيَّةُ) .
سَادِسًا، لَوْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ يَهَبَ نِصْفَ دَارِهِ غَيْرَ مَقْسُومٍ، أَوْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ مَقْسُومًا وَلَا غَيْرَهُ، وَأُكْرِهَ عَلَى التَّسْلِيمِ فَوَهَبَ وَسَلَّمَ الدَّارَ كُلَّهَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ. أَمَّا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى هِبَةِ نِصْفِ دَارِهِ مَقْسُومًا أَوْ عَلَى هِبَةِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهِ فَوَهَبَ الْكُلَّ لَمْ يَجُزْ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ) .
وَيَلْزَمُ أَنْ يُبَيِّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
سَابِعًا، لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْهِبَةِ فَتَصَدَّقَ، أَوْ عَلَى الصَّدَقَةِ فَوَهَبَ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ غَيْرُ الصَّدَقَةِ.
ثَامِنًا، لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْهِبَةِ وَالتَّسْلِيمِ، فَوَهَبَ فِي مُقَابِلِ عِوَضٍ، وَحَصَلَ التَّقَابُضَ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ جَازَ.
تَاسِعًا، إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْهِبَةِ وَالتَّسْلِيمِ وَأَعْطَى الْمَوْهُوبُ لَهُ لِلْوَاهِبِ عِوَضًا بِلَا إكْرَاهٍ بَعْدَ أَنْ وَهَبَهُ وَسَلَّمَهُ لِلْمَوْهُوبِ جَازَتْ الْهِبَةُ
. [٦]- فَرَاغُ الْأَرَاضِي وَالْأَوْقَافِ لَوْ أَكْرَهَ أَحَدٌ آخَرَ إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا عَلَى فَرَاغِ الْأَرَاضِيِ الْأَمِيرِيَّةِ وَالْأَرَاضِيِ الْمَوْقُوفَةِ الَّتِي فِي عُهْدَتِهِ لِأَحَدٍ لَا يَلْزَمُ وَلَا يَنْفُذُ حَتَّى إنَّهُ لَوْ تَفَرَّغَ أَحَدٌ لِآخَرَ عَنْ الْأَرَاضِيِ الْمَذْكُورَةِ فَلَهُ الصَّلَاحِيَّةُ فِي دَعْوَى الْإِكْرَاهِ، فَلَوْ تُوُفِّيَ الْمُكْرَهُ فَلِوَرَثَتِهِ الَّذِينَ لَهُمْ حَقُّ الِانْتِقَالِ الصَّلَاحِيَّةُ فِي دَعْوَى الْإِكْرَاهِ. كَذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ فَرَاغُ عَرْصَةِ الْوَقْفِ بِالْإِكْرَاهِ الْمُعْتَبَرِ، (الْفَتَاوَى الْجَدِيدَةُ) . لَكِنَّ الَّذِي يَتَفَرَّغُ مُكْرَهًا إذَا تَفَرَّغَ بِالْعَقَارِ الْمَفْرُوضِ لَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ صَحَّ، وَصَارَ كَأَنَّهُ قَدْ أَجَازَ الْفَرَاغَ الَّذِي وَقَعَ وَهُوَ مُكْرَهٌ.
[٧]- الصُّلْحُ عَنْ مَالٍ: إذَا كَانَ لِأَحَدٍ دَعْوَى عَلَى آخَرَ وَكَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا فَأَكْرَهَهُ الْمُدَّعِي عَلَى الصُّلْحِ وَصَالَحَهُ الْمُنْكِرُ مُكْرَهًا. فَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ. لَكِنْ لَوْ وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ الصُّلْحَ مُخْتَارًا وَسَلَّمَهُ بَدَلَ الصُّلْحِ طَوْعًا نَفَذَ، (الْبَهْجَةُ)
[٨]- لَا يُعْتَبَرُ الْإِقْرَارُ الَّذِي يَقَعُ بِإِكْرَاهٍ فَلَوْ أَكْرَهَ أَحَدٌ آخَرَ عَلَى أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ مَدِينٌ لِزَيْدٍ بِكَذَا قِرْشًا أَوْ أَنْ يُقِرَّ بِعَقْدٍ مِنْ الْعُقُودِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمُكْرَهُ مُخَيَّرًا بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ، إنْ شَاءَ أَجَازَ أَيْ يَقُولُ إنَّنِي كُنْتُ صَادِقًا فِي إقْرَارِي، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ، يَعْنِي أَنْ يَقُولَ إنَّنِي كُنْتُ كَاذِبًا فِي إقْرَارِي، (مُنْلَا مِسْكِينٍ، عَبْدُ الْحَلِيمِ، الطَّحْطَاوِيُّ) .
لِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ. أَمَّا الْإِكْرَاهُ فَيُرَجَّحُ جِهَةَ الْكَذِبِ (الْبَزَّازِيَّةُ) ، وَعَلَيْهِ فَالْإِقْرَارُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ حُجَّةٌ وَبِهَذَا السَّبَبِ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الصِّدْقِ، أَمَّا حَالُ الْإِكْرَاهِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، لِهَذَا يُرَجَّحُ جَانِبُ الْكَذِبِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ، (أَبُو السُّعُودِ) .
لَا يُعْتَبَرُ الطَّلَاقُ الَّذِي يُقَرُّ بِهِ بِالْإِكْرَاهِ فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ عَلَى قِرْطَاسٍ، (امْرَأَتُهُ طَالِقٌ، أَوْ أَمْرُهَا بِيَدِهَا) لَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ إنْ نَوَى الطَّلَاقَ أَوْ لَمْ يَنْوِ، (صُرَّةُ الْفَتَاوَى) .
كَذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ الرَّضَاعُ الَّذِي تُقِرُّ بِهِ الْمَرْأَةُ مُكْرَهَةً، أَمَّا الطَّلَاقُ الَّذِي يَقَعُ بِالْإِكْرَاهِ وَالرَّضَاعُ الَّذِي تُكْرَهُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ فَمُغَيَّرَانِ وَيَثْبُتُ حُكْمُهُمَا، (عَبْدُ الْحَلِيمِ بِإِيضَاحٍ) وَقَدْ مَرَّ إيضَاحُهُ آنِفًا.
стр. 1509
وَالْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ أَنَّ لَهُ فِي ذِمَّةِ فُلَانٍ كَذَا قِرْشًا وَأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ وَأَعْطَاهُ سَنَدًا مُعَنْوَنًا وَمَرْسُومًا فَدَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّعْوَى بِقَوْلِهِ قَدْ كُنْتُ مُكْرَهًا عَلَى إعْطَاءِ ذَلِكَ السَّنَدِ وَأَثْبَتَ دَفْعَهُ هَذَا، فَلَيْسَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُقِرَّ لِرَجُلٍ بِمَالٍ فَأَقَرَّ وَأَخَذَ الرَّجُلُ الْمَالَ وَغَابَ عَنْهُ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ مُفْلِسًا، كَانَ لِلْمُكْرَهِ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُكْرِهِ، (صُرَّةُ الْفَتَاوَى، الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ) .
الْإِقْرَارُ بِاسْتِيفَاءِ الْمِيرَاثِ: لَوْ مَنَعَ وَلِيٌّ كَالْأَبِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَنْ تُزَفَّ إلَى زَوْجِهَا، وَقَالَ لَهَا إذَا لَمْ تُقِرِّي بِاسْتِيفَاءِ مَا بَقِيَ لَكِ مِنْ مِيرَاثِكِ عَنْ وَالِدَتِكِ فَلَا أَسْمَحُ بِزِفَافِكِ، وَأَقَرَّتْ بِاسْتِيفَائِهَا ذَلِكَ. فَلَا يَكُونُ الْإِقْرَارُ صَحِيحًا، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
الْإِقْرَارُ بِالْبُلُوغِ، لَوْ أُكْرِهَتْ الصَّغِيرَةُ، الْبَالِغَةُ مِنْ الْعُمُرِ عَشْرَ سَنَوَاتٍ، عَلَى أَنْ تُقِرَّ بِأَنَّهَا قَدْ أَصْبَحَتْ بَالِغَةً، وَأَقَرَّتْ وَهِيَ مُكْرَهَةً، كَانَ إقْرَارُهَا بَاطِلًا، (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) .
الْإِقْرَارُ بِالْكَفَالَةِ، لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِالْكَفَالَةِ وَهُوَ مُكْرَهٌ عَلَى ذَلِكَ إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا فَإِقْرَارُ الْمَذْكُورِ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ (التَّنْقِيح) .
الْإِقْرَارُ بِالنُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ، لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَلْفِ قِرْشٍ، وَأَقَرَّ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَلَيْسَ الْإِقْرَارُ مُعْتَبَرًا؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى الْأَلْفِ وَعَلَى إبْعَاضِهَا، أَمَّا لَوْ أَقَرَّ بِأَلْفَيْ قِرْشٍ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْأَلْفُ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ الْأَوَّلَ أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ، وَالْأَلْفَ الثَّانِيَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْإِكْرَاهِ وَإِنَّمَا ابْتَدَأَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَزِمَهُ، (الْجَوْهَرَةُ، الْبَزَّازِيَّةُ) .
الْإِقْرَارُ لِلْمُجْبِرِ وَلِغَيْرِهِ: لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِشَيْءٍ لِلْمُجْبِرِ فَأَقَرَّ لِلْمُجْبِرِ وَلِلْغَائِبِ، فَالْإِقْرَارُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ سَوَاءٌ اعْتَرَفَ الْغَائِبُ بِالتَّرِكَةِ أَمْ لَمْ يَعْتَرِفْ. لَكِنَّ الْإِقْرَارَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ إذَا اعْتَرَفَ الْغَائِبُ بِالشَّرِكَةِ أَمَّا إذَا أَنْكَرَ الشَّرِكَةَ فَالْإِقْرَارُ جَائِزٌ بِالنَّظَرِ إلَى حِصَّةِ الْغَائِبِ فَقَطْ، (الْبَزَّازِيَّةُ، الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ)
الْإِقْرَارُ بِخِلَافِ الْجِنْسِ: لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِدَرَاهِمَ فَأَقَرَّ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِجِنْسٍ آخَرَ كَانَ الْإِقْرَارُ صَحِيحًا وَلَوْ وَجَدَ عِنْدَهُ دَرَاهِمَ بِقِيمَةِ الْمُقَرِّ بِهِ، (الْبَزَّازِيَّةُ، الْجَوْهَرَةُ، وَالْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ الْإِكْرَاهِ) وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِنِصْفٍ غَيْرِ مَا أَكْرَهُوهُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَهُوَ طَائِعٌ فَبِمَا أَقَرَّ بِهِ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ) .
الْإِقْرَارُ بِالسَّرِقَةِ: لَوْ سُرِقَتْ دَارُ أَحَدٍ فَاتُّهِمَ بَعْضُ مَنْ لَيْسُوا مَظِنَّةً لِلتُّهَمِ وَأَقَرُّوا بِالسَّرِقَةِ بِالتَّعْذِيبِ الْمُخَالِفِ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ فَلَا تَثْبُتُ السَّرِقَةُ، (أَبُو السُّعُودِ الْعِمَادِيُّ) وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالسَّرِقَةِ مُكْرَهًا، (هَامِشُ الْأَنْقِرْوِيِّ) .
الْهِبَةُ بِالْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِقْرَارِ؛ لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَلْفِ قِرْشٍ لِآخَرَ، فَوَهَبَهُ إيَّاهُ جَازَتْ الْهِبَةُ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ) .
الْإِقْرَارُ بِالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ: لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا عَلَى الْإِقْرَارِ بِطَلَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ حَقٍّ لَمْ يَقَعْ، كَانَ الْإِقْرَارُ الْمَذْكُورُ بَاطِلًا، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ) .
الْإِقْرَارُ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ: لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِإِكْرَاهٍ مُعْتَبَرٍ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَالْقِصَاصَ كَانَ إقْرَارُهُ بَاطِلًا
стр. 1510
الْإِقْرَارُ بِالْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ الْوَدِيعَةِ: لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا عَلَى الْإِقْرَارِ بِكَوْنِهِ غَصَبَ مَالَ أَحَدٍ أَوْ أَتْلَفَهُ أَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ وَدِيعَةً فَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِعَدَمِ التَّزْوِيجِ، لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِكَوْنِهِ لَمْ يَتَزَوَّجْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ، وَلَيْسَ لَهُ شُهُودٌ عَلَى الزَّوَاجِ كَانَ إقْرَارُهُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ قَبُولَ بَيِّنَةٍ عَلَى مَا يَدَّعِي مِنْ النِّكَاحِ، (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ) .
[٩] الْإِبْرَاءُ: لَا يُعْتَبَرُ الْإِبْرَاءُ وَالْمُبْرِئُ مُكْرَهًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِفَرَاغِ الذِّمَّةِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْإِقْرَارَاتِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، (الْقُهُسْتَانِيُّ) ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ أَمْ إبْرَاءٌ مِنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ أَوْ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُصْبِحُ الْمُكْرَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ مُخَيَّرًا فَإِنْ شَاءَ أَمْضَى الْإِبْرَاءَ وَنَفَّذَهُ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ، (الطَّحْطَاوِيُّ، وَالْقُهُسْتَانِيُّ) ، مَثَلًا لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى إبْرَاءِ مَدِينٍ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَالْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ مِنْ كَفَالَتِهِ، فَلَا يَكُونُ الْإِبْرَاءُ الْمَذْكُورُ مُعْتَبَرًا؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ لَا تَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ؛ لِأَنَّهَا إقْرَارٌ بِفَرَاغِ الذِّمَّةِ فَيُؤْثَرُ فِيهَا الْإِكْرَاهُ، (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ)
. [١٠] تَأْجِيلُ الدَّيْنِ: لَوْ كَانَ لِأَحَدٍ فِي ذِمَّةِ آخَرَ دَيْنٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، فَأُكْرِهَ عَلَى تَأْجِيلِ ذَلِكَ الدَّيْنِ سَنَةً فَأَجَّلَهُ السَّنَةَ فَلَا حُكْمَ لِلتَّأْجِيلِ
. [١١] قَبُولُ الْوَدِيعَةِ: لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى قَبُولِ وَدِيعَةٍ إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا، فَقَبِلَهَا هُوَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ بَعْدَ أَنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ظَهَرَ لَهَا مُسْتَحِقٌّ، فَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُودِعَ الْمُجْبِرَ، (الْأَنْقِرْوِيُّ، الْحَمَوِيُّ فِي الْبَابِ الثَّانِي)
. [١٢] قَبُولُ الْحَوَالَةِ وَالْإِحَالَةِ: لَوْ قَبِلَ أَحَدٌ مُكْرَهًا إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا أَنْ يُحِيلَ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ أَنْ يُحَالَ عَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ، فَلَوْ ادَّعَى الْمُحَالُ لَهُ أَنَّ الْحَوَالَةَ قَدْ وَقَعَتْ بِإِكْرَاهٍ مُعْتَبَرٍ وَأَثْبَتَ دَعْوَاهُ يَأْخُذُ دَيْنَهُ مِنْ الْمُحِيلِ، اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ، (٦٨٥)
. [١٣] إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ: لَا يُعْتَبَرُ إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ الَّذِي يَقَعُ مَعَ الْإِكْرَاهِ. يَعْنِي لَوْ أُكْرِهَ الشَّفِيعُ عَلَى تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ أَنْ طَلَبَهَا طَلَبَ الْمُوَاثَبَةِ فَأُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ الطَّلَبِ وَعَدَمِ التَّكَلُّمِ بِذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ الطَّلَبَ مُدَّةَ يَوْمٍ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ، رَدُّ الْمُحْتَارِ، الطَّحْطَاوِيُّ)
. [١٤] قَبُولُ الْكَفَالَةِ: لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى كَفَالَةِ الدَّيْنِ، وَكَفَلَ بِهِ مُكْرَهًا فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَذِهِ الْكَفَالَةِ، (التَّنْقِيحُ)
. [١٥] الْوَقْفُ لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَقِفَ الْجِهَةَ الْفُلَانِيَّةَ مِنْ مِلْكِهِ بِكَذَا قِرْشًا وَوَقَفَ الْمُكْرَهُ ذَلِكَ كَانَ الْوَقْفُ غَيْرَ صَحِيحٍ
. [١٦] الْوَكَالَةُ: لَوْ أُكْرِهَ أَحَدٌ عَلَى تَوْكِيلِ آخَرَ بِبَيْعِ بَعْضِ أَمْتِعَتِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ، حَتَّى إنَّهُ لَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ تِلْكَ الْأَمْتِعَةَ مِنْ شَخْصٍ وَسَلَّمَهُ إيَّاهَا، فَادَّعَى الْمُكْرَهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي التَّوْكِيلِ الْمَذْكُورِ مُكْرَهًا إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا وَأَثْبَتَ دَعْوَاهُ، فَلَهُ اسْتِرْدَادُ أَمْتِعَتِهِ إذَا لَمْ يُجِزْ الْبَيْعَ، (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) وَإِذَا تَلِفَتْ تِلْكَ الْأَمْتِعَةُ فِي يَدِ
следующие страницы →