Полный текст (2 914 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
رُكْنُ الْإِقْرَارِ وَتَقْسِيمُهُ - رُكْنُهُ هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْإِقْرَارِ، أَوْ الشَّيْءُ الَّذِي فِي حُكْمِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظِ يَنْكَشِفُ وَيَظْهَرُ الْحَقُّ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
الْإِقْرَارُ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْإِقْرَارُ الْعَامُّ.
يَكُونُ بِقَوْلِهِ: بِأَنَّ مَا فِي يَدَيَّ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ حَيَوَانٌ وَمَتَاعٌ أَوْ أَنَّ جَمِيعَ الْأَمْوَالِ الْمَنْسُوبَةِ لِي وَالْأَشْيَاءِ هِيَ لِفُلَانٍ، وَهَذَا الْإِقْرَارُ صَحِيحٌ، وَقَدْ وُضِعَ مَوْضِعَ الْبَحْثِ فِي الْمَادَّةِ (١٥٩١) .
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْإِقْرَارُ الْخَاصُّ.
إقْرَارٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ أَنَّ هَذَا الْمَالَ الَّذِي يُنْسَبُ لِي هُوَ لِفُلَانٍ.
[ (الْمَادَّةُ ١٥٧٣) يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ عَاقِلًا بَالِغًا]
الْمَادَّةُ (١٥٧٣) - (يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ عَاقِلًا بَالِغًا فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ إقْرَارُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمَعْتُوهَةِ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى هَؤُلَاءِ إقْرَارُ أَوْلِيَائِهِمْ وَأَوْصِيَائِهِمْ، وَلَكِنَّ الصَّغِيرَ الْمُمَيِّزَ الْمَأْذُونَ هُوَ فِي حُكْمِ الْبَالِغِ فِي الْخُصُومَاتِ الَّتِي تَصِحُّ مَأْذُونِيَّتُهُ فِيهَا) .
يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ عَاقِلًا بَالِغًا فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ إقْرَارُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمَعْتُوهَةِ وَلَوْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ، أَوْ الْوَصِيُّ اُنْظُرْ الْمَوَادَّ (٩٥٧ وَ ٩٦٦ وَ ٩٦٧) ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَ الْأَهْلِيَّةِ مُنْعَدِمٌ فِيهِمْ، وَالنَّائِمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَالْمَجْنُونِ فَلِذَلِكَ لَا يُؤَاخَذُ النَّائِمُ فِي الْإِقْرَارِ الْوَاقِعِ مِنْهُ فِي حَالَةِ نَوْمِهِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ مُرْتَفِعَةٌ عَنْ النَّائِمِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالزَّيْلَعِيّ) .
فَعَلَيْهِ لَوْ سَأَلَ أَحَدٌ آخَرَ غَيْرَ عَاقِلٍ، وَهُوَ يَهْذِي هَلْ أَنْتَ مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِكَذَا دِينَارًا؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ: لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ.
كَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ فِي حَالِ صَبْوَتِهِ بِأَنَّهُ مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ بِأَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ قَدْ أَضَافَ الْإِقْرَارَ إلَى حَالِ الصَّبَاوَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلضَّمَانِ أَمَّا الْبَيِّنَةُ فَلِلْمُقِرِّ لَهُ.
كَذَلِكَ لَوْ أَبْرَزَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَنَدَ الْإِبْرَاءِ، وَادَّعَى الْمُدَّعِي بِأَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا وَقْتَ الْإِبْرَاءِ، فَالدَّفْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ أَسْنَدَ الْبَرَاءَةَ إلَى الْحَالَةِ الْمَعْهُودَةِ الْمُنَافِيَةِ لِصِحَّتِهَا (جَامِعُ أَحْكَامِ الصِّغَارِ وَالصُّرَّةُ) .
مُسْتَثْنًى - إقْرَارُ السَّكْرَانِ بِطَرِيقٍ مَحْظُورٍ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمُعَامَلَاتِ صَحِيحٌ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
وَلَا يَصِحُّ عَلَى هَؤُلَاءِ إقْرَارُ أَوْلِيَائِهِمْ وَأَوْصِيَائِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ
стр. 2312
فَلِذَلِكَ إذَا أَقَرَّ وَلِيُّ الصَّبِيِّ عَنْ الصَّبِيِّ بِأَنَّهُ مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِكَذَا لَا يَصِحُّ.
وَلَيْسَ لِلْمُقَرِّ لَهُ اسْتِنَادًا عَلَى هَذَا الْإِقْرَارِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُقَرَّ بِهِ مِنْ مَالِ الْوَلِيِّ، أَوْ مِنْ مَالِ الْوَصِيِّ (الزَّيْلَعِيّ) .
كَذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُ الْوَصِيِّ فِيمَا لَوْ أَقَرَّ بِقَوْلِهِ: إنَّ الْمُتَوَفَّى مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِكَذَا دِرْهَمًا أَوْ إنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ الْمَوْجُودَةَ فِي التَّرِكَةِ لِفُلَانٍ، أَوْ إنَّ الْمُتَوَفَّى قَدْ أَوْصَى لِفُلَانٍ فَلَا يُعْتَبَرُ، وَلَا يَخْرُجُ الْوَصِيُّ بِإِقْرَارِهِ هَذَا عَنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا لِلْمُدَّعِي أَيْ أَنَّهُ لَا تَجْرِي حُكْمُ الْمَادَّةِ (١٥١٨) هُنَا فَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْغَرِيمُ بَيِّنَةً بِالدَّيْنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ قَبِلَ بَيِّنَتَهُ أَمَّا إذَا كَانَ الْوَصِيُّ وَارِثًا فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِدَيْنِ الْمُتَوَفَّى حَسَبَ وِرَاثَتِهِ (آدَابُ الْأَوْصِيَاءِ وَالتَّنْقِيحُ) .
مُسْتَثْنًى - يُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْفِقْرَةِ مَسْأَلَتَانِ: (١) - إذَا كَانَ حَقُّ وَمَطْلُوبُ الصَّبِيِّ تَعَلَّقَ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ بِمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ، أَوْ الْوَصِيِّ فَيَصِحُّ إبْرَاءُ الْوَصِيِّ، أَوْ الْوَلِيِّ لِذَلِكَ الْمَدِينِ، أَوْ إقْرَارُهُمَا بِأَنَّهُمَا اسْتَوْفَيَا ذَلِكَ الْحَقَّ مِنْهُ إلَّا أَنَّ الْوَلِيَّ وَالْوَصِيَّ يَضْمَنَانِ ذَلِكَ لِلصَّبِيِّ.
مَثَلًا لَوْ أَجَرَ وَلِيُّ الصَّبِيِّ دَارَ الصَّبِيِّ لِآخَرَ بِكَذَا دِرْهَمًا ثُمَّ أَقَرَّ بِأَنَّهُ قَبَضَ بَدَلَ الْإِيجَارِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ كَانَ صَحِيحًا وَيَضْمَنُ بَدَلَ الْإِيجَارِ لِلصَّبِيِّ إنْ كَانَ يَتَقَاضَاهُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ (١٥٤٠ وَ ١٦٣٤) (الزَّيْلَعِيّ وَآدَابُ الْأَوْصِيَاءِ) .
(٢) - لَوْ تُوُفِّيَ أَحَدٌ عَنْ وَلَدَيْنِ: أَحَدُهُمَا كَبِيرٌ، وَالْآخَرُ صَغِيرٌ فَقَالَ وَصِيُّ الصَّغِيرِ الْمُخْتَارُ: اشْهَدُوا بِأَنِّي قَدْ تَقَاسَمْت التَّرِكَةَ مَعَ الْوَلَدِ الْكَبِيرِ وَأَخَذْت حِصَّةَ الصَّغِيرِ مِنْهَا ثُمَّ تَلِفَتْ فِي يَدَيَّ بِلَا تَعَدٍّ، وَلَا تَقْصِيرٍ وَعِنْدَمَا بَلَغَ الصَّغِيرُ ادَّعَى بِأَنَّ وَصِيَّهُ لَمْ يَقْبِضْ مِنْ شَرِيكِهِ (أَخِيهِ الْكَبِيرِ) وَمِنْ التَّرِكَةِ شَيْئًا وَطَلَبَ مُشَارَكَتَهُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ فَإِذَا كَانَ الْوَصِيُّ قَدْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فِي حَالِ صِغَرِ الْمُدَّعِي فَلَيْسَ لِلصَّغِيرِ الْبَالِغِ حَقُّ الْمُشَارَكَةِ فِي الْمَالِ الَّذِي تَحْتَ يَدِ أَخِيهِ (آدَابُ الْأَوْصِيَاءِ) .
أَمَّا الصَّغِيرُ الْمُمَيِّزُ الْمَأْذُونُ وَالْمَعْتُوهُ الْمَأْذُونُ فَهُمَا فِي حُكْمِ الْبَالِغِ فِي الْخُصُومَاتِ الَّتِي تَصِحُّ فِيهَا مَأْذُونِيَّتهمَا.
وَالْخُصُومَاتُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ التِّجَارَةُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَاَلَّتِي هِيَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ التِّجَارَةِ كَالدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَالْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ فَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ الْمَأْذُونَانِ بِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْخُصُومَاتِ الْمَذْكُورَةِ يَصِحُّ إقْرَارُهُمَا؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ الْمَأْذُونَ فِي تِلْكَ الْخُصُومَاتِ مُلْحَقٌ بِالْبَالِغِ.
إذْ إعْطَاءُ الْإِذْنِ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ عَاقِلًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُمَا فِي تِلْكَ الْخُصُومَاتِ لَابْتَعَدَ النَّاسُ عَنْ مُعَامَلَتِهِمَا فَلِذَلِكَ قَدْ عُدَّ إقْرَارُهُمَا بِتِلْكَ الْخُصُومَاتِ مِنْ لَوَازِمِ التِّجَارَةِ (الزَّيْلَعِيّ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَلَوْ أَقَرَّ الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ بِمَا وَرِثَ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ غَيْرِهِ صَحَّ إقْرَارُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ ارْتَفَعَ بِالْإِذْنِ فَصَارَ كَالْبَالِغِ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الْإِرْثِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ فِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِمَا مَعَهُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ لِلتِّجَارَةِ، وَلَا حَاجَةَ فِي الْمَوْرُوثِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٩٧٢) .
إنَّ هَذِهِ الْفِقْرَةَ هِيَ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى كَوْنِ الْإِقْرَارِ إخْبَارًا فَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ إنْشَاءً لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ
стр. 2313
إقْرَارُ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ هِبَةً وَالْحَالُ أَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ أَهْلٍ لِلْهِبَةِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٨٥٩) وَشَرْحَ الْمَادَّةِ (١٥٧٢) .
أَمَّا إقْرَارُ الصَّغِيرِ الْمَأْذُونِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَصِحُّ فِيهَا مَأْذُونِيَّتُهُ كَالْكَفَالَةِ وَالْمَهْرِ وَالْجِنَايَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ مَثَلًا لَوْ أَقَرَّ الصَّبِيُّ بِأَنَّهُ كَفِيلٌ لِفُلَانٍ فَلَا يَصِحُّ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٦٢٨) ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً كَمَا أَنَّ الْمَهْرَ هُوَ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ، وَالْجِنَايَةُ لَا تَتَضَمَّنُ الْمُبَادَلَةَ مُطْلَقًا فَلِذَلِكَ لَا تُعَدُّ هَذِهِ الْأُمُورُ مِنْ أُمُورِ التِّجَارَةِ الَّتِي هِيَ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ (الزَّيْلَعِيّ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٥٧٤) لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّ لَهُ عَاقِلًا]
الْمَادَّةُ (١٥٧٤) - (لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّ لَهُ عَاقِلًا بِنَاءً عَلَيْهِ لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ لِلصَّغِيرِ الْغَيْرِ مُمَيِّزٍ يَصِحُّ، وَيَلْزَمُهُ إعْطَاءُ ذَلِكَ الْمَالِ) .
لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّ لَهُ عَاقِلًا؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ فَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ لَهُ عَاقِلًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَاقِلِ لَيْسَ أَهْلًا لِلْقَبُولِ.
فَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ لِلصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ أَوْ لِلصَّغِيرِ الرَّضِيعِ أَوْ لِلْمَجْنُونِ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ، وَلَوْ بَيَّنَ الْمُقِرُّ سَبَبًا لَا يُمْكِنُ لِلْمُقَرِّ لَهُ عَمَلُهُ أَيْ أَنَّ بَيَانَ السَّبَبِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ لَا يَمْنَعُ حُجِّيَّةَ الْإِقْرَارِ.
مَثَلًا لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِأَنَّهُ اسْتَقْرَضَ مِنْ الرَّضِيعِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ الرَّضِيعِ دَارًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ، وَيُؤْخَذُ الْمَبْلَغُ الْمَذْكُورُ مِنْهُ بِدُونِ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ اقْتِدَارِ الرَّضِيعِ عَلَى الْإِقْرَاضِ مَانِعًا لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ اسْتَقْرَضْتُ مِنْ الرَّضِيعِ، عَلَى مَعْنَى: اسْتَقْرَضْتُ أَوْ اشْتَرَيْتُ مِنْ وَلِيِّ، أَوْ وَصِيِّ الرَّضِيعِ.
وَيُعَدُّ جَائِزًا بِإِضَافَتِهِ لِلصَّغِيرِ اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ (٦٠ و ٦١) (الْحَمَوِيُّ وَجَامِعُ أَحْكَامِ الصِّغَارِ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) وَيَلْزَمُ الْمُقِرَّ حَسَبَ الْمَادَّةِ (١٥٨٧) إعْطَاءُ ذَلِكَ الْمَالِ لِلْمُقَرِّ لَهُ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ (الصَّغِيرِ الْغَيْرِ مُمَيِّزٍ) لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الْجَنِينِ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَنِينًا؛ إذْ يُوجَدُ ثَلَاثُ صُوَرٍ فِي إقْرَارِ الْمَالِ لِلْجَنِينِ: الصُّورَةُ الْأُولَى - إبْهَامُ الْإِقْرَارِ كَقَوْلِ الْمُقِرِّ: إنَّنِي مَدِينٌ لِحَمْلِ فُلَانٍ بِكَذَا دِرْهَمًا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ هَذَا الْإِقْرَارِ الَّذِي لَمْ يُبَيَّنْ فِيهِ سَبَبٌ صَالِحٌ كَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ أَوْ سَبَبٌ غَيْرُ صَالِحٍ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِقْرَارِ يَنْصَرِفُ إلَى سَبَبِ التِّجَارَةِ، وَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ الْآتِيَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَالْإِقْرَارُ الَّذِي يَقَعُ عَلَى الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ صَحِيحٌ، وَيُحْمَلُ عَلَى السَّبَبِ الصَّالِح.
إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ رَجَّحُوا قَوْلَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ - الْإِقْرَارُ بِبَيَانِ سَبَبٍ صَالِحٍ.
إنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ صَحِيحٌ بِالْإِجْمَاعِ.
مَثَلًا لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ لِحَمْلِ الْمَرْأَةِ الْفُلَانِيَّةِ؛ لِأَنَّ وَالِدَهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَهُ مِيرَاثًا لَهُ أَوْ
стр. 2314
قَالَ: إنَّنِي اسْتَهْلَكْتُ مِنْ مَالِ مُورَثِهِ كَذَا دِرْهَمًا، أَوْ قَالَ: إنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِهِ لِلْجَنِينِ كَانَ إقْرَارُهُ صَحِيحًا (الْبَحْرُ وَالْكِفَايَةُ) ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ إذَا أَقَرَّ لِحَمْلِ امْرَأَةٍ ذَاتِ زَوْجٍ وَوَلَدَتْ الْحَامِلُ لِمُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْإِقْرَارِ، أَوْ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَدًا حَيًّا وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ لِلْمُعْتَدَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ فَوَلَدَتْ فِي تَمَامِ السَّنَتَيْنِ، أَوْ فِي أَقَلَّ مِنْ السَّنَتَيْنِ وَلَدًا حَيًّا فَيَكُونُ الْمَالُ لَهُ، وَإِذَا وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، وَكَانَا بِنْتَيْنِ، أَوْ ذَكَرَيْنِ يَأْخُذَانِ الْمَالَ مُنَاصَفَةً سَوَاءٌ كَانَ إرْثًا، أَوْ وَصِيَّةً؛ إذْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ هُوَ لِلْحَمْلِ، وَالْحَمْلُ هُوَ مَجْمُوعُهُمَا، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا رُجْحَانٌ عَلَى آخَرَ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا بِنْتًا، وَالْآخَرُ وَلَدًا فَيَأْخُذَانِ الْمَالَ فِي الْمِيرَاثِ ثُلُثًا وَثُلُثَيْنِ، وَفِي الْوَصِيَّةِ مُنَاصَفَةً.
أَمَّا إذَا تَوَلَّدَ الْحَمْلُ بَعْدَ مُدَّةٍ زَائِدَةٍ عَنْ تِلْكَ الْمُدَدِ فَلَا يَكُونُ الْمُقَرُّ بِهِ لِلْحَمْلِ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَثْبُتُ وُجُودُ الْجَنِينِ وَقْتَ الْإِقْرَارِ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا كَذَلِكَ إذَا وُلِدَ الْجَنِينُ مَيِّتًا يَمْلِكُ الْمُقَرَّ بِهِ، وَيُرَدُّ الْمُقَرُّ بِهِ لِوَرَثَةِ الْمُورَثِ، أَوْ الْمُوصِي (الزَّيْلَعِيّ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَابْنُ عَابِدِينَ عَلَى الْبَحْرِ) .
لِأَنَّ الْجَنِينَ لَا يَكُونُ أَهْلًا لَأَنْ يَكُونَ وَارِثًا، أَوْ مُورَثًا، أَوْ مُوصَى لَهُ إذَا لَمْ يُولَدْ حَيًّا (التَّكْمِلَةُ) .
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ - الْإِقْرَارُ بِبَيَانِ سَبَبٍ غَيْرِ صَالِحٍ.
إنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ غَيْرُ جَائِزٍ بِالْإِجْمَاعِ.
مَثَلًا لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: إنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ لِحَمْلِ فُلَانَةَ؛ لِأَنَّنِي كُنْتُ بِعْت هَذَا الْمَالَ لَهُ، أَوْ وَهَبْتُهُ لَهُ فَلَا يَصِحُّ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٥٧٧) ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: بِأَنَّنِي بِعْتُ الْمَالَ لَهُ بِمَعْنَى أَنَّنِي بِعْتُهُ لِوَلِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ وِلَايَةٌ عَلَى الْجَنِينِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْجَنِينَ مِنْ وَجْهٍ أَصْلٌ وَلِذَلِكَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ وَمِنْ وَجْهٍ تَابِعٌ لِلْأَصْلِ وَجُزْءٌ مِنْ أُمِّهِ فَلَا تَصِحُّ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ أَوْصَى أَحَدٌ بِمَالِ مَعْلُومٍ لِحَمْلٍ وَبَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي تَصَالَحَ أَبُو الْحَمْلِ عَنْ الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ وَرَثَةِ الْمُوصِي كَانَ الصُّلْحُ غَيْرَ صَحِيحٍ.
وَبِهَذِهِ ظَهَرَ خَطَأُ مَنْ أَفْتَى أَنَّ الْوَصِيَّ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ الْمَوْقُوفِ لِلْحَمْلِ.
سُؤَالٌ: إنَّ بَيَانَ السَّبَبِ غَيْرِ الصَّالِحِ هُوَ رُجُوعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ فَلَا يَصِحُّ؟ الْجَوَابُ: أَنَّ الرَّجُلَ الْجَاهِلَ ظَنًّا مِنْهُ بِأَنَّ الْوِلَايَةَ ثَابِتَةٌ عَلَى الْجَنِينِ يَتَعَامَلُ مَعَ مَنْ يَظُنُّ وَلِيًّا، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُقِرُّ بِذَلِكَ الْمَالِ لِلْجَنِينِ حَسَبَ ظَنِّهِ، وَيُبَيِّنُ سَبَبَ الْإِقْرَارِ ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ بُطْلَانُ السَّبَبِ فَلِذَلِكَ فَإِنَّ بَيَانَ السَّبَبِ مِنْهُ لَيْسَ رُجُوعًا عَنْ الْإِقْرَارِ بَلْ هُوَ بَيَانٌ وَإِيضَاحٌ لِكَلَامِهِ وَلِذَلِكَ يُقْبَلُ (الْكِفَايَةُ وَالْحَمَوِيُّ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٥٧٥) يُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ رِضَاءُ الْمُقِرِّ]
الْمَادَّةُ (١٥٧٥) - (يُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ رِضَاءُ الْمُقِرِّ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ الْوَاقِعُ بِالْجَبْرِ وَالْإِكْرَاهِ رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٠٠٦) .
يُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ (أَوَّلًا) رِضَاءُ الْمُقِرِّ (ثَانِيًا) عَدَمُ وُجُودِ التَّلْجِئَةِ وَالْمُوَاضَعَةِ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ، وَلَا يُنَفَّذُ الْإِقْرَارُ الْوَاقِعُ بِالْجَبْرِ وَالْإِكْرَاهِ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٠٠٦) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ مُحْتَمِلُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَفِي حَالَةِ الْإِخْبَارِ يُرَجَّحُ طَرَفُ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ وَيَكُونُ حُجَّةً.
стр. 2315
أَمَّا وَقْتُ الْإِكْرَاهِ فَيَتَرَجَّحُ بِالْعَكْسِ أَيْ جَانِبُ الْكَذِبِ عَلَى طَرَفِ الصِّدْقِ أَيْ لَا يَكُونُ حُجَّةً اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٧) .
فَعَلَى ذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ الرَّجُلُ الْمُتَّهَمُ بِسَرِقَةٍ بِالْجَبْرِ وَالْإِكْرَاهِ عَلَى كَوْنِهِ سَرَقَ كَذَا مَالًا فَلَا يُعْتَبَرُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ وَاحِدٌ بِأَنَّهُ مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ، وَكَانَ إقْرَارُهُ وَاقِعًا بِإِكْرَاهٍ مُعْتَبَرٍ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ.
وَعِبَارَةُ لَا يَصِحُّ الْوَارِدَةُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ هِيَ بِمَعْنَى لَا يُنَفَّذُ فَلِذَلِكَ يَكُونُ الْمُقِرُّ الْمُكْرَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ مُخَيَّرًا إنْ شَاءَ بَيَّنَ بِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إقْرَارِهِ الْوَاقِعِ بِإِكْرَاهٍ، وَيَحْلِفُ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَادَّةِ (١٥٨٦) ، وَلَا يُعْمَلُ بِإِقْرَارِهِ.
وَإِنْ شَاءَ ذَكَرَ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي إقْرَارِهِ الْوَاقِعِ بِإِكْرَاهٍ، اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (١٠٠٩) (الْقُهُسْتَانِيُّ) .
كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ الْوَاقِعُ عَلَى طَرِيقِ التَّلْجِئَةِ وَالْمُوَاضَعَةِ، (التَّلْجِئَةُ) أَنْ يَقُولَ لِآخَرَ سَأُقِرُّ لَكَ عَلَنًا بِكَذَا مَالًا إلَّا أَنَّ إقْرَارِي هَذَا فَاسِدٌ وَيَتَّفِقُ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ يُقِرُّ فَلَا يَكُونُ حُكْمٌ لِذَلِكَ الْإِقْرَارِ.
فَعَلَى ذَلِكَ إذَا ادَّعَى الْمُقِرُّ أَنَّ إقْرَارَهُ تَلْجِئَةٌ وَمُوَاضَعَةٌ وَفَسَّرَ الْمُوَاضَعَةَ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ إلَّا أَنَّهُ إذَا ادَّعَى الْمُقِرُّ الْهَزْلَ وَالتَّلْجِئَةَ وَادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ الْجِدَّ فَالْقَوْلُ لِمَنْ يَدَّعِي الْجِدَّ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْآخَرِ
اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (١٥٧٨) .
[ (الْمَادَّةُ ١٥٧٦) يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُقِرُّ مَحْجُورًا عَلَيْهِ]
الْمَادَّةُ (١٥٧٦) - (يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُقِرُّ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، رَاجِعْ الْفَصْلَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِنْ كِتَابِ الْحَجْرِ) .
يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُقِرُّ عَجُوزًا بِسَبَبِ سَفَهٍ، أَوْ دَيْنٍ فَإِذَا أَقَرَّ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ بِدَيْنٍ فَإِقْرَارُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩٩٤) كَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ الْمُدِينُ الْمَحْجُورُ لِآخَرَ بِدَيْنٍ فَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ الْأَمْوَالِ الْمَوْجُودَةِ وَقْتَ الْحَجْرِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٠٠٢) وَشَرْحَهَا.
اُنْظُرْ الْفَصْلَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَالرَّابِعَ مِنْ الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْحَجْرِ، وَعَلَى الْخُصُوصِ الْمَوَادَّ (٩٦٦ وَ ٩٧٨ وَ ٩٧٩ وَ ٩٩١ وَ ٩٩٤ وَ ١٠٠٢) وَتَعْبِيرُ الْمَحْجُورِ الْوَارِدُ هُنَا يَشْمَلُ أَيْضًا الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ وَالْمَعْتُوهَ الْمَحْجُورِينَ أَصْلًا إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ بِعَدَمِ صِحَّةِ إقْرَارِهِمْ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ فِي الْمَادَّةِ (١٥٧٣) فَلَا حَاجَةَ لِلْبَحْثِ عَنْهُ هُنَا.
[ (الْمَادَّةُ ١٥٧٧) يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُكَذِّبَ ظَاهِرُ الْحَالِ الْإِقْرَارَ]
الْمَادَّةُ (١٥٧٧) - (يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُكَذِّبَ ظَاهِرُ الْحَالِ الْإِقْرَارَ بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَقَرَّ الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ تَتَحَمَّلُ جُثَّتُهُ الْبُلُوغَ بِقَوْلِهِ: بَلَغْت لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ) يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُكَذِّبَ ظَاهِرُ الْحَالِ وَالشَّرْعُ الْإِقْرَارَ.
فَإِذَا كَذَّبَهُ أَحَدُهُمَا فَلَا يُعْتَبَرُ.
فَلِذَلِكَ فَالْإِقْرَارَاتُ الْآتِيَةُ الذِّكْرِ بَاطِلَةٌ:
١ - إذَا أَقَرَّ الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ تَتَحَمَّلْ جُثَّتُهُ الْبُلُوغَ بِقَوْلِهِ: بَلَغْتُ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ، وَيَبْقَى مَحْجُورًا كَالْأَوَّلِ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ، وَلَا بِأَقْوَالِهِ اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ (٩٨٨ وَ ٩٩٨) .
стр. 2316
الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ وَلَوْ بِمَهْرٍ بَعْدَ هِبَتِهَا لَهُ عَلَى الْأَشْبَهِ.
اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٥١) .
مَثَلًا لَوْ أَقَرَّ الْمَدِينُ بِأَنَّ فِي ذِمَّتِهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ لِفُلَانٍ بَعْدَ أَنْ أَبْرَأَهُ الدَّائِنُ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ اعْتَرَفَ الدَّائِنُ (بَعْدَ إبْرَائِهِ الْمَدِينَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ) بِبَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ كَانَ الْإِقْرَارُ بَاطِلًا (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ قُبَيْلَ كِتَابِ الصُّلْحِ بِإِيضَاحٍ) اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٥٦٢) .
٣ - إقْرَارُ الْمُحَالِ الْعَقْلِيِّ بَاطِلٌ.
مَثَلًا لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِأَنَّهُ مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَرْشًا لِكَوْنِهِ قَطَعَ يَدَهُ، وَكَانَتْ يَدَا ذَلِكَ الرَّجُلِ سَلِيمَتَيْنِ كَانَ الْإِقْرَارُ الْوَاقِعُ بَاطِلًا، وَلَا يُلْزَمُ الْمُقِرُّ بِشَيْءٍ.
كَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّ فُلَانًا قَدْ أَقْرَضَنِي فِي الشَّهْرِ الْفُلَانِيِّ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَكَانَ مَعْلُومًا وَفَاةُ ذَلِكَ الشَّخْصِ قَبْلَ ذَلِكَ الشَّهْرِ كَانَ الْإِقْرَارُ بَاطِلًا.
٤ - الْإِقْرَارُ بِالْمُحَالِ الشَّرْعِيِّ بَاطِلٌ.
لَوْ أَقَرَّ وَارِثٌ لِوَارِثٍ آخَرَ بِحِصَّةٍ فِي التَّرِكَةِ أَزْيَدَ مِنْ حِصَّتِهِ الْإِرْثِيَّةِ كَانَ الْإِقْرَارُ بَاطِلًا.
مَثَلًا لَوْ تُوُفِّيَ أَحَدٌ وَتَرَكَ وَلَدًا وَبِنْتًا فَأَقَرَّ الْوَلَدُ بِأَنَّ تَرِكَةَ الْمُتَوَفَّى هِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً كَانَ الْإِقْرَارُ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ.
كَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِنَفَقَةِ الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ.
وَاعْتَرَفَتْ زَوْجَتُهُ بِأَنَّهَا كَانَتْ نَاشِزَةً فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَضَايَا مِنْهَا فِي خُصُوصِ تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ أَوْ رِضَاءٌ بَيْنَهُمَا عَلَى تَقْدِيرِهَا كَانَ هَذَا الْإِقْرَارُ بَاطِلًا حَيْثُ إنَّهُ إقْرَارٌ بِالْمُحَالِ الشَّرْعِيِّ إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُحَالُ الشَّرْعِيُّ مُحَالًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَمَّا إذَا كَانَ مُمْكِنَ الْحُصُولِ فِي الْجُمْلَةِ فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ.
مَثَلًا لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِقَوْلِهِ: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ الصَّغِيرِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لِإِقْرَاضِهِ لِي تِلْكَ الدَّنَانِيرَ، أَوْ مِنْ ثَمَنِ الْمَالِ الَّذِي بَاعَهُ لِي كَانَ صَحِيحًا حَالَةَ كَوْنِ الصَّغِيرِ غَيْرَ أَهْلٍ لِلْقَرْضِ وَالْبَيْعِ إلَّا أَنَّ الْمُقِرَّ هُوَ أَهْلٌ فِي الْجُمْلَةِ لِثُبُوتِ دَيْنِ الصَّغِيرِ عَلَيْهِ.
٥ - لَوْ زَوَّجَ أَحَدٌ بِنْتَه لِآخَرَ بِخَمْسِينَ دِينَارًا مَهْرًا مُؤَجَّلًا، وَطَلَبَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ مِنْ الْبِنْتِ أَنْ تُقِرَّ بِأَنَّهَا قَبَضَتْ مِنْ الْمَهْرِ عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَقَرَّتْ فَالْإِقْرَارُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَجْلِسِ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ، وَيُعْلَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْإِقْرَارِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالْأَشْبَاهُ فِي الْإِقْرَارِ) .
٦ - لَوْ أَقَرَّتْ امْرَأَةٌ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ بِتَسْمِيَةِ مَهْرٍ مَعْلُومٍ بِأَنَّ الْمَهْرَ الَّذِي فِي ذِمَّةِ زَوْجِهَا هُوَ لِأَبِيهَا، أَوْ لِفُلَانٍ الْأَجْنَبِيِّ كَانَ الْإِقْرَارُ بَاطِلًا.
أَمَّا إذَا أَقَرَّتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ حَوَّلَتْ دَائِنَهَا (وَالِدَهَا) حَوَالَةً مُقَيَّدَةً بِالدَّيْنِ كَانَ الْإِقْرَارُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ صَحِيحًا (الْأَشْبَاهُ فِي الْإِقْرَارِ بِزِيَادَةٍ) .
٧ - الْإِقْرَارُ لِلْحَمْلِ بِسَبَبٍ غَيْرِ صَالِحٍ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا مَرَّ ذِكْرُهُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٥٧٤) وَعَدَمُ صِحَّةِ هَذَا الْإِقْرَارِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَفَرَّعُ عَنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ لِكَوْنِهِ مُحَالًا (الْأَشْبَاهُ فِي الْإِقْرَارِ بِزِيَادَةٍ) .
стр. 2317
لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِأَنَّهُ بَاعَ مَالَهُ لِفُلَانٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ ثَمَنَ الْمَبِيعِ ثُمَّ أَنْكَرَ الْبَيْعَ كَانَ الْإِنْكَارُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْبَيْعِ بِغَيْرِ الثَّمَنِ بَاطِلٌ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
٩ - لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ لِآخَرَ بِأَنَّهُ وَلَدُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الْآخَرُ غَيْرَ صَالِحٍ بِأَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ) .
إنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ تَتَفَرَّعُ عَلَى مَادَّةِ (إذَا تَعَذَّرَ إعْمَالُ الْكَلَامِ يُهْمَلُ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٥٧٨) يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُقَرُّ لَهُ مَجْهُولًا جَهَالَةً فَاحِشَةً]
الْمَادَّةُ (١٥٧٨) - (يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُقَرُّ لَهُ مَجْهُولًا جَهَالَةً فَاحِشَةً، أَمَّا الْجَهَالَةُ الْيَسِيرَةُ فَلَا تَكُونُ مَانِعَةً لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ. مَثَلًا لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِأَنَّ هَذَا الْمَالَ لِرَجُلٍ مُشِيرًا إلَى مَالٍ مُعَيَّنٍ فِي يَدِهِ، أَوْ أَقَرَّ قَائِلًا: إنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَلْدَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَهَالِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ مَعْدُودِينَ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ. أَمَّا لَوْ قَالَ: إنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ لِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهَالِي الْمَحَلَّةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَكَانَ أَهَالِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ قَوْمًا مَحْصُورِينَ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ وَقَالَ: إنَّ هَذَا الْمَالَ لِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَلَهُمَا إذَا اتَّفَقَا أَنْ يَأْخُذَا ذَلِكَ الْمَالَ، وَيَمْلِكَانِهِ بَعْدَ الْأَخْذِ بِالِاشْتِرَاكِ. وَإِنْ اخْتَلَفَا فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْمُقِرِّ الْيَمِينَ عَلَى عَدَمِ كَوْنِ الْمَالِ لَهُ فَإِنْ نَكَلَ الْمُقِرُّ عَنْ يَمِينِ الِاثْنَيْنِ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ كَذَلِكَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ يَمِينِ أَحَدِهِمَا فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ مُسْتَقِلًّا لِمَنْ نَكَلَ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ حَلَفَ لِلِاثْنَيْنِ يَبْرَأُ الْمُقِرُّ مِنْ دَعْوَاهُمَا، وَيَبْقَى الْمَالُ فِي يَدِهِ) .
الْجَهَالَةُ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ: جَهَالَةُ الْمُقَرِّ لَهُ وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُقَرُّ لَهُ مَجْهُولًا بِجَهَالَةٍ فَاحِشَةٍ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ الشَّخْصُ الْمَجْهُولُ صَالِحًا لَأَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْمُقَرِّ بِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَا يَجُوزُ إجْبَارُ الْمُقِرِّ عَلَى بَيَانِ الْمُقَرِّ لَهُ فَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ فَائِدَةً مِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ (الزَّيْلَعِيّ) .
السَّفْتَجَةُ الْمُبْهَمَةُ (الْحَوَالَةُ التِّجَارِيَّةُ الْمُبْهَمَةُ) .
وَمِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُفْهَمُ حُكْمُ السَّفْتَجَةِ التِّجَارِيَّةِ الْمُبْهَمَةِ، وَهُوَ السَّنَدُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ بِأَنَّ مُوَقِّعَهُ مَدِينٌ لِحَامِلِهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَعَلَيْهِ لَيْسَ لِحَامِلِ ذَلِكَ السَّنَدِ حَقُّ طَلَبٍ وَدَعْوَى قِيمَةِ ذَلِكَ السَّنَدِ مِنْ مَوْقِعِهِ مَا لَمْ يُثْبِتْ حَقَّهُ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ بِأَنْ يُثْبِتَ مَثَلًا بِأَنَّهُ أَقْرَضَهُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ.
أَمَّا إذَا كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ مَجْهُولًا جَهَالَةً يَسِيرَةً فَلَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ الشَّخْصِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُدَّعِي (تَعْلِيقَاتُ ابْنِ عَابِدِينَ عَلَى الْبَحْرِ) .
مَثَلًا: لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّ هَذَا الْمَالَ لِرَجُلٍ مُشِيرًا إلَى الْمَالِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ، أَوْ قَالَ: هُوَ لِأَحَدِ
стр. 2318
النَّاسِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ هُوَ ذَلِكَ الشَّخْصُ، أَوْ أَقَرَّ قَائِلًا: إنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهَالِي الْبَلْدَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَهَالِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ مَعْدُودِينَ فَبِمَا أَنَّهُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ مَجْهُولًا جَهَالَةً فَاحِشَةً فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٦٤٦) .
فَعَلَيْهِ لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ (الْمِائَةِ شَخْصٍ) فَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لِجَهَالَةِ الْمُقَرِّ لَهُ جَهَالَةً فَاحِشَةً؛ فَلِذَلِكَ لَوْ ظَهَرَ شَخْصٌ مَعْلُومٌ مِنْ أَهَالِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ، وَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ هُوَ مَالُهُ، وَأَنَّ الْمُقِرَّ قَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ مَجْهُولًا عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّرِ، وَأَثْبَتَ الْإِقْرَارَ الْمَذْكُورَ فَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا وَعَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ حَقَّهُ بِوَجْهٍ آخَرَ.
أَمَّا لَوْ قَالَ: إنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ لِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، أَوْ قَالَ: هُوَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهَالِي الْمَحَلَّةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَكَانَ أَهَالِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ قَوْمًا مَحْصُورِينَ أَيْ أُنَاسًا مَعْدُودِينَ (مِائَةَ نَفَرٍ، أَوْ أَقَلَّ) يَصِحُّ إقْرَارُهُ الْمَذْكُورُ.
فَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الثَّلَاثَةِ فَالْحُكْمُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ.
كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَدَدُ الرِّجَالِ مِائَةً فَالْحُكْمُ أَيْضًا كَذَلِكَ.
يَعْنِي لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ الْمِائَةِ رَجُلٍ يَجْرِي فِي ذَلِكَ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ.
وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ قَائِلًا: إنَّ هَذَا الْمَالَ لِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى بَيَانِ كَوْنِ الْمَالِ لِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْجَبْرَ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ الْحَقِّ حَالَ كَوْنِ الْحَاكِمِ مُكَلَّفًا بِإِيصَالِ أَصْحَابِ الْحُقُوقِ إلَى حُقُوقِهِمْ، وَلَيْسَ بِإِبْطَالِهِ (تَعْلِيقَاتُ ابْنِ عَابِدِينَ عَلَى الْبَحْرِ) .
وَلَهُمَا إنْ اتَّفَقَا أَنْ يَأْخُذَا ذَلِكَ الْمَالَ مِنْ الْمُقِرِّ، وَيَمْلِكَانِهِ بَعْدَ الْأَخْذِ بِالِاشْتِرَاكِ مُنَاصَفَةً.
وَإِنْ اخْتَلَفَا، وَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ هُوَ مِلْكُهُ مُسْتَقِلًّا، وَأَنْ لَيْسَ لِلْآخَرِ حَقٌّ فِيهِ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْمُقِرِّ الْيَمِينَ عَلَى عَدَمِ كَوْنِ الْمَالِ لَهُ وَيَحْلِفُ الْمُقِرُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُمَا الْيَمِينَ عَلَى حِدَةٍ يَعْنِي لَوْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُمْ اثْنَيْنِ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُقِرِّ يَمِينَانِ.
، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَثَلَاثَةُ أَيْمَانٍ، وَهَلُمَّ جَرًّا.
وَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُعَيِّنَ مِنْ نَفْسِهِ تَحْلِيفَ الْمُقِرِّ لِأَيِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُمْ، أَوْ أَنْ يُعَيِّنَ ذَلِكَ بِالْقُرْعَةِ.
أَمَّا عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فَيَحْلِفُ الْمُقِرُّ لِلْمُقَرِّ لَهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً إلَّا أَنَّ الْمَجَلَّةَ قَدْ اخْتَارَتْ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ.
وَإِذَا نَكَلَ الْمُقِرُّ عَنْ يَمِينِ الِاثْنَيْنِ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى إذَا كَلَّفَ الْحَاكِمُ الْمُقِرَّ بِحَلِفِ الْيَمِينِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُمَا عَلَى حِدَتِهِ حَسَبَ الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَتْهُ الْمَجَلَّةُ وَنَكَلَ عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ مُشْتَرَكًا مُنَاصَفَةً بَيْنَ الِاثْنَيْنِ.
(الْهِنْدِيَّةُ) .
وَأَمَّا إذَا نَكَلَ عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ لِأَحَدِهِمَا وَحَلَفَ يَمِينًا لِلْآخَرِ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ مُسْتَقِلًّا لِلرَّجُلِ الَّذِي نَكَلَ عَنْ يَمِينِهِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٨١٩) .
، وَلَا يَأْخُذُ الشَّخْصُ الَّذِي حَلَفَ لَهُ الْيَمِينَ حِصَّةً فِي ذَلِكَ الْمَالِ.
إلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي هَاتَيْنِ الْفِقْرَتَيْنِ سَبَبَ الْحُكْمِ النُّكُولُ عَنْ الْيَمِينِ، وَلَيْسَ الْإِقْرَارُ.
أَمَّا إذَا حَلَفَ الْيَمِينَ لِلِاثْنَيْنِ يَبْرَأُ الْمُقِرُّ مِنْ دَعْوَاهُمَا، وَيَبْقَى الْمَالُ الْمُقَرُّ بِهِ فِي يَدِهِ.
وَلَيْسَ لِلْمُقَرِّ لَهُمَا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الثَّانِي الْآخَرِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَّفِقَا، وَأَنْ يَأْخُذَا الْمَالَ الْمَذْكُورَ مِنْ الْمُقِرِّ، وَأَنْ يَتَمَلَّكَاهُ بِالِاشْتِرَاكِ.
أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الثَّالِثِ فَلَهُمَا ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: هُوَ لِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ، وَهِيَ:
стр. 2319
إذَا أَقَرَّ الْمُقِرُّ بِمَالِ لِأَحَدٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: إنَّ الْمَالَ لَيْسَ لِفُلَانٍ بَلْ هُوَ لِفُلَانٍ الْآخَرِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ.
إلَّا أَنَّ الْمُقِرَّ إذَا سَلَّمَ الْمَالَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ بِلَا حُكْمِ الْحَاكِمِ يَضْمَنُ بَدَلَ ذَلِكَ الْمَالِ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي.
أَمَّا إذَا سَلَّمَهُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَلَا يَضْمَنُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الثَّانِي وَيَضْمَنُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الثَّالِثِ (الْبَحْرُ قُبَيْلَ الْعَارِيَّةِ وَنُقُولُ النَّتِيجَةِ) .
وَالْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ الْإِقْرَارِ لِلْمَجْهُولِ.
وَهِيَ لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّ هَذِهِ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَدِيعَةُ زَيْدٍ ثُمَّ قَالَ: بَلْ وَدِيعَةُ عَمْرٍو فَتَكُونُ الْعَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَدِيعَةَ زَيْدٍ، وَيَضْمَنُ الْمُقِرُّ لَعَمْرٍو الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ صَحَّ لِلْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ: لَا بَلْ وَدِيعَةُ عَمْرٍو إضْرَابٌ عَنْهُ وَرُجُوعٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مِثْلِ الدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهَا، وَقَدْ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِهَا لِلْأَوَّلِ، وَيَضْمَنُهَا لَهُ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَالتَّكْمِلَةُ) .
النَّوْعُ الثَّانِي: جَهَالَةُ الْمُقَرِّ بِهِ وَسَيُبَيَّنُ فِي الْمَادَّةِ (١٥٧٩) .
النَّوْعُ الثَّالِثُ: جَهَالَةُ الْمُقِرِّ، وَتُوَضَّحُ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي (الْكِفَايَةُ) يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ مُتَعَيَّنًا فَعَلَيْهِ لَوْ قَالَ رَجُلَانِ: إنَّ عَلَى أَحَدِنَا لِفُلَانٍ دَيْنًا، أَوْ قَالَا لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ: إنَّ لَك عَلَى أَحَدِنَا كَذَا دَنَانِيرَ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي سَيُحْكَمُ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي سَيُؤَاخَذُ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ مَجْهُولٌ، وَصُدُورُ الْإِقْرَارِ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا يُعَيِّنُ أَنَّ الْمُطَالَبَ وَالْمُقِرَّ هُوَ الْآخَرُ حَتَّى لَوْ سُئِلَ الْمُقَرُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ دَيْنُكَ عِنْدَ فُلَانٍ فَأَجَابَ قَائِلًا: كَلًّا.
فَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ الْآخَرَ (الزَّيْلَعِيّ وَالْبَحْرُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) فَعَلَيْهِ لَوْ قَالَ وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةٍ وَلَوْ مَحْصُورِينَ، لِشَخْصٍ: لَكَ عَلَى أَحَدِنَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ لِجَهَالَةِ الْمَقْضِيّ عَلَيْهِ وَصُدُورُ الْإِقْرَارِ مِنْ أَحَدِهِمْ لَا يُعَيِّنُ أَنَّهُ هُوَ الْمُطَالَبُ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ (التَّكْمِلَةُ) .
وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ الْجِدِّيَّةُ فَلِذَلِكَ فَالْإِقْرَارُ الْوَاقِعُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِخْفَافِ غَيْرُ صَحِيحٍ.
مَثَلًا لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: إنَّك مَدِينٌ لِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَأَجَابَهُ مُسْتَهْزِئًا (نَعَمْ) ، أَوْ قَالَ (كيسه بدوز وَقَبض كُنْ) يَعْنِي خِطْ كِيسَك وَاقْبِضْ فَلَا يَكُونُ مُقِرًّا.
كَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: أَدِّ لِي الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ الَّتِي فِي ذِمَّتِك فَأَجَابَهُ الْآخَرُ مُسْتَهْزَأ سَتَأْخُذُهَا قَرِيبًا فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَلَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: لِي عَلَيْك كَذَا فَقَالَ اسْتِهْزَاءً (نَعَمْ أَحْسَنْت) فَهُوَ إقْرَارٌ وَيُؤَاخَذُ بِهِ (صُرَّةُ الْفَتَاوَى فِي الْإِقْرَارِ) فَإِذَا ادَّعَى الْمُقِرُّ بِأَنَّ إقْرَارَهُ اسْتِهْزَاءٌ، وَادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ بِأَنَّهُ كَانَ جِدًّا وَاخْتَلَفَا فَلَا يُصَدَّقُ الْمُقِرُّ بِادِّعَاءِ الِاسْتِهْزَاءِ بِلَا بَيِّنَةٍ أَيْ أَنَّ مُجَرَّدَ ادِّعَاءِ الِاسْتِهْزَاءِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَقَرِينَةُ هَزِّ الرَّأْسِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ.
فَإِذَا عَجَزَ الْمُقِرُّ عَنْ إثْبَاتِ الِاسْتِهْزَاءِ فَيُصَدَّقُ الْمُقَرُّ لَهُ بِحَلِفِ الْيَمِينِ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِكَوْنِ الْإِقْرَارِ اسْتِهْزَاءً.
стр. 2320
[خُلَاصَةُ الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي شُرُوطُ الْإِقْرَارِ]
خُلَاصَةُ الْبَابِ الْأَوَّلِ شُرُوطُ الْإِقْرَارِ ١ - يُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ عَدَمُ التَّلْجِئَةِ (فِي نَفَاذِهِ) .
٢ - يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُكَذِّبَ ظَاهِرُ الْحَالِ وَالشَّرْعُ الْإِقْرَارَ (فِي صِحَّتِهِ) .
فَلِذَلِكَ فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ فِي الصُّوَرِ الْآتِيَةِ: (١) الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ.
(٢) الْإِقْرَارُ بِالْمُحَالِ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ (٣) الْإِقْرَارُ الْوَاقِعُ لِلْجَنِينِ مَعَ ذِكْرِ سَبَبٍ غَيْرِ صَالِحٍ.
٣ - يُشْتَرَطُ الْجِدُّ فِي الْإِقْرَارِ.
الْمُقِرُّ:
١ - أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا.
٢ - رِضَاءُ الْمُقِرِّ.
٣ - أَنْ يَكُونَ مُتَعَيَّنًا.
الْمُقَرُّ بِهِ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلْمُقِرِّ وَقْتَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ.
يُشْتَرَطُ مَعْلُومِيَّةُ الْمُقَرِّ بِهِ فِي الْعُقُودِ الَّتِي لَا تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٥٧٩) .
الْمُقَرُّ لَهُ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا فَيَصِحُّ أَنْ يُقَرَّ بِمَالٍ لِصَغِيرٍ غَيْرِ مُمَيِّزٍ، وَفِي الْإِقْرَارِ لِلْجَنِينِ بِمَالٍ ثَلَاثُ صُوَرٍ:
١ - الْإِقْرَارُ بِدُونِ بَيَانِ سَبَبٍ صَالِحٍ، أَوْ سَبَبٍ غَيْرِ صَالِحٍ كَقَوْلِكَ: إنَّنِي مَدِينٌ لِحَمْلِ فُلَانٍ بِكَذَا دِرْهَمًا.
فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
٢ - الْإِقْرَارُ بِبَيَانِ سَبَبٍ صَالِحٍ وَهَذَا صَحِيحٌ بِالْإِجْمَاعِ.
٣ - الْإِقْرَارُ بِبَيَانِ سَبَبٍ غَيْرِ صَالِحٍ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ بِالْإِجْمَاعِ.
يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُقَرُّ لَهُ مَجْهُولًا جَهَالَةً فَاحِشَةً الْمَادَّةَ (١٥٧٨) أَمَّا الْجَهَالَةُ الْيَسِيرَةُ فَلَيْسَتْ مَانِعَةً.
стр. 2321
[الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ وُجُوهِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ] [ الْمَادَّةُ (١٥٧٩) - كَمَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالْمَعْلُومِ كَذَلِكَ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ]
ِ الْمَادَّةُ (١٥٧٩) - (كَمَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالْمَعْلُومِ كَذَلِكَ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ مَجْهُولِيَّةَ الْمُقَرِّ بِهِ فِي الْعُقُودِ الَّتِي لَا تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ مَانِعَةٌ لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ فَلِذَلِكَ إذَا قَالَ أَحَدٌ: لِفُلَانٍ عِنْدِي أَمَانَةٌ، أَوْ غَصَبْت مَالَ فُلَانٍ، أَوْ سَرَقْته يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَيُجْبَرُ عَلَى بَيَانِ وَتَعْيِينِ الْأَمَانَةِ الْمَجْهُولَةِ أَوْ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ، أَوْ الْمَغْصُوبِ. أَمَّا لَوْ قَالَ: بِعْت لِفُلَانٍ شَيْئًا، أَوْ اسْتَأْجَرْت مِنْهُ شَيْئًا فَلَا يَصِحُّ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى بَيَانِ مَا بَاعَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ) .
لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ مَعْلُومًا، أَوْ مُمْكِنًا تَسْلِيمُهُ إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْدُومًا اُنْظُرْ فِقْرَةَ وَلَكِنْ إلَخْ الْوَارِدَةَ فِي الْمَادَّةِ (١٥٩١) فَلِذَلِكَ فَالْمُقِرُّ إمَّا أَنْ يُطْلِقَ الْمُقَرَّ بِهِ الْمَجْهُولَ أَيْ لَا يُبَيِّنُ سَبَبَهُ فَالْإِقْرَارُ الْمَجْهُولُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ صَحِيحٌ، وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى السَّبَبِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الْإِقْرَارُ مَعَ الْجَهَالَةِ كَالْغَصْبِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالزَّيْلَعِيّ) وَإِمَّا أَنْ يُبَيِّنَ السَّبَبَ فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ مُضِرَّةً فِي السَّبَبِ الْمَذْكُورِ كَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ أَيْضًا.
فَعَلَيْهِ كَمَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالْمَعْلُومِ كَذَلِكَ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ أَيْضًا فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ كَالْإِقْرَارِ بِالْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ وَالسَّرِقَةِ.
لِأَنَّهُ يَجِبُ الْحَقُّ بَعْضًا، وَهُوَ مَجْهُولٌ كَإِتْلَافِ شَخْصٍ مَالَ آخَرَ لَا يَعْرِفُ قِيمَتَهُ وَكَتَسْلِيمِ دَنَانِيرَ مَوْضُوعَةٍ فِي كِيسٍ مَجْهُولٍ مِقْدَارُهَا (تَكْمِلَةُ الْمُحْتَارِ) .
إلَّا أَنَّ الْإِقْرَارَاتِ الْآتِيَةَ لَيْسَتْ إقْرَارًا بِالْمَجْهُولِ.
١ - الْإِقْرَارُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ تَرْدِيدٌ بِالْمُقَرِّ بِهِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالْمَجْهُولِ.
فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَجِبُ أَقَلُّهُ.
مَثَلًا لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِعَشَرَةٍ، أَوْ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا فَحَيْثُ يَكُونُ إقْرَارُهُ بِالْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ قَطْعِيًّا فَيَجِبُ أَدَاءُ الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) وَإِذَا ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ الْأَكْثَرَ فَيَلْزَمُهُ الْإِثْبَاتُ.
٢ - إنَّ الْإِقْرَارَ الْوَارِدَ فِي مِثَالِ الْمَادَّةِ (١٥٩١) الْمُتَضَمِّنَ نَفْيَ الْمِلْكِ مَعَ الْإِقْرَارِ لَيْسَ إقْرَارًا بِالْمَجْهُولِ بَلْ هُوَ إقْرَارٌ بِالْعَامِّ اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
٣ - لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّ هَذِهِ الْفَرَسَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ فَلَا يَكُونُ إقْرَارُهُ هَذَا إقْرَارًا بِالْمَجْهُولِ
стр. 2322
بَلْ يُحْمَلُ عَلَى الِاشْتِرَاكِ.
بِالنِّصْفِ إلَّا أَنَّ الْمُقِرَّ إذَا قَالَ مُتَّصِلًا بِإِقْرَارِهِ: إنَّ الثُّلُثَيْنِ لَهُ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى لَوْ قَالَ: إنَّ هَذِهِ الْفَرَسَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ، وَثُلُثَاهَا لِي فَيُصَدَّقُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي إقْرَارِ الْمَرِيضِ) لَكِنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ وَتَحَقُّقِهِ بَيَانُ وَإِعْلَامُ الشَّيْءِ الَّذِي يُصَادِفُ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ الْإِقْرَارُ مَعَ الْجَهَالَةِ (الدُّرَرُ) فَعَلَيْهِ إذَا بَيَّنَ الْمُقِرُّ سَبَبَ الْمُقَرِّ بِهِ، وَكَانَتْ الْجَهَالَةُ مُضِرَّةً فِي السَّبَبِ الْمَذْكُورِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ، فَجَهَالَةُ الْمُقَرِّ بِهِ فِي ذَلِكَ مَانِعَةٌ لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ بِقَوْلِهِ مَثَلًا: قَدْ اشْتَرَيْتُ مِنْ فُلَانٍ مَالًا، أَوْ اسْتَأْجَرْتُ مِنْهُ مَالًا، أَوْ أَجَرْتُهُ مَالًا فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ (الزَّيْلَعِيّ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
أَمَّا إذَا قَالَ أَحَدٌ: إنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ حَقًّا، أَوْ إنَّ لَهُ أَمَانَةً عِنْدِي، أَوْ قَالَ إنَّنِي غَصَبْتُ مَالَ فُلَانٍ، أَوْ سَرَقْتُهُ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَعِنْدَ ادِّعَاءِ الْمُقَرِّ لَهُ عَلَى الْمُقِرِّ يُجْبَرُ الْمُقِرُّ عَلَى بَيَانِ وَتَعْيِينِ الْحَقِّ الْمَجْهُولِ أَوْ الْأَمَانَةِ الْمَجْهُولَةِ أَوْ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ الْمَسْرُوقِ بِشَيْءٍ ذِي قِيمَةٍ كَالْفَلْسِ وَالْجَوْزَةِ، وَيُحْبَسُ لِحِينِ أَنْ يُبَيِّنَ وَيُعَيِّنَ ذَلِكَ (الزَّيْلَعِيّ وَالْبَحْرُ فِي إقْرَارِ الْمَرِيضِ) .
فَفِي هَذَا الْحَالِ إذَا بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّخْصُ ذَلِكَ الْحَقَّ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ قَائِلًا: إنَّ الْحَقَّ الَّذِي أَقْرَرْتُ بِهِ هُوَ حَقُّ الْإِنْسَانِيَّةِ، أَوْ حَقُّ الْجِوَارِ، أَوْ أَنَّ تِلْكَ الْأَمَانَةَ الْمَجْهُولَةَ، أَوْ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ هِيَ حَبَّةُ حِنْطَةٍ أَوْ فُلَانٌ الصَّبِيُّ الْحُرُّ أَوْ قَطْرَةُ مَاءٍ لَا يُقْبَلُ سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْبَيَانَ هُوَ خِلَافُ الْعُرْفِ بَلْ يَجِبُ بَيَانُ الْمَجْهُولِ وَتَعْيِينُهُ بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ قَلِيلَةٌ أَوْ كَثِيرَةٌ؛ لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ قَدْ أَخْبَرَ بِشَيْءٍ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَأَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ لَا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، فَبَيَانُهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ يَكُونُ رُجُوعًا مِنْهُ عَنْ الْإِقْرَارِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٥٨٨) وَلَكِنْ فِي تَكْمِلَةِ (قَاضِي زَادَهْ) أَنَّهُ إذَا وَصَلَهُ صُدِّقَ، وَإِنْ فَصَلَهُ لَا وَعَلَيْهِ مَشَى فِي (التَّتَارْخَانِيَّة) .
أَمَّا لَوْ بَيَّنَ الْمُقِرُّ تِلْكَ الْأَمَانَةَ الْمَجْهُولَةَ بِشَيْءٍ ذِي قِيمَةٍ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ فَرَسٌ أَوْ بَيْضَةٌ، أَوْ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ فَيَكُونُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِيضَاحَ هُوَ بَيَانٌ مُقَرَّرٌ بِأَصْلِ الْكَلَامِ.
وَيَصِحُّ بَيَانُ التَّقْرِيرِ سَوَاءٌ وَرَدَ مَوْصُولًا أَمْ مَفْصُولًا.
أَمَّا إذَا ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ بِشَيْءٍ أَزْيَدَ مِمَّا عَيَّنَهُ الْمُقِرُّ كَادِّعَائِهِ بِفَرَسَيْنِ أَوْ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَإِذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ فَبِهَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُقِرِّ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ زِيَادَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ (٧٦ وَ ٨) (الزَّيْلَعِيّ وَالْكِفَايَةُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
كَمَا أَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَقَّ هُوَ ذَلِكَ الْعَقَارُ الْمَغْصُوبُ، أَوْ خَمْرُ الْمُسْلِمِ فَهُوَ صَحِيحٌ.
وَإِنْ يَكُنْ لَا يَجْرِي اصْطِلَاحُ كَلِمَةِ الْغَصْبِ فِي الْعَقَارِ، وَفِي الْخَمْرِ حَيْثُ إنَّهُ تُتْرَكُ الْحَقِيقَةُ بَعْضًا بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ.
مَثَلًا لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: إنَّ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ هُوَ الْعَقَارُ الَّذِي فِي يَدِ فُلَانٍ فَيَكُونُ بَيَانُهُ صَحِيحًا وَبِقَوْلِهِ هَذَا، لَا يُؤْخَذُ الْعَقَارُ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ ضَمَانٌ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ يُقِرُّ بِغَصْبِ الْعَقَارِ، وَالْعَقَارُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْغَصْبِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالْكِفَايَةِ) .
كَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: عِنْدِي لِفُلَانٍ حَقٌّ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ وَيُجْبَرُ عَلَى بَيَانِ ذَلِكَ الْحَقِّ بِشَيْءٍ ذِي قِيمَةٍ
стр. 2323
فَلَوْ قَالَ الْمُقِرُّ كَمَا بُيِّنَ سَالِفًا: إنَّنِي قَصَدْتُ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ حَقَّ الْإِسْلَامِ فَلَا يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْعُرْفِ أَيْ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى عُرْفًا مِنْ لَفْظِ (كَلِمَةِ الْحَقِّ) فَلِذَلِكَ يَكُونُ هَذَا الْبَيَانُ رُجُوعًا عَنْ الْإِقْرَارِ.
إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ إذَا حَصَلَ الْبَيَانُ مَوْصُولًا كَقَوْلِهِ: إنَّ عِنْدِي لِفُلَانٍ حَقًّا هُوَ حَقُّ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ صَحِيحًا أَمَّا إذَا وَقَعَ مَفْصُولًا فَلَا يَكُونُ بَيَانُهُ صَحِيحًا، وَيَجْرِي عَلَى بَيَانِ الْمُقَرِّ بِهِ.
وَعِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْآخَرِينَ أَنَّ هَذَا الْبَيَانَ غَيْرُ صَحِيحٍ سَوَاءٌ وَقَعَ مَفْصُولًا، أَوْ مَوْصُولًا وَيُعَدُّ رُجُوعًا عَنْ الْإِقْرَارِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالْكِفَايَةُ وَابْنُ عَابِدِينَ عَلَى الْبَحْرِ وَالْبَحْرُ وَالزَّيْلَعِيّ) .
لَكِنْ إذَا بَيَّنَ الْحَقَّ الْمَجْهُولَ بِشَيْءٍ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ، أَوْ حَقِّ الْمُرُورِ فَاللَّائِقُ أَنْ يُصَدَّقَ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
كَذَلِكَ لَوْ ادَّعَتْ زَوْجَةُ الْمُتَوَفَّى كَذَا دِرْهَمًا مِنْ تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى فَقَالَ الْوَرَثَةُ: إنَّ مُورَثَنَا مَدِينٌ لِلْمُدَّعِيَةِ مِنْ جِهَةِ صَدَاقِهَا إلَّا أَنَّنَا لَا نَعْلَمُ مِقْدَارَهُ فَيَكُونُ هَذَا الْإِقْرَارُ صَحِيحًا، وَيُجْبَرُ الْوَرَثَةُ عَلَى بَيَانِ مِقْدَارِهِ.
كَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ فِي بَلْدَةٍ يُتَدَاوَلُ فِيهَا دَنَانِيرُ مُتَنَوِّعَةٌ بِأَنَّهُ مَدِينٌ بِكَذَا دِينَارًا فَيُجْبَرُ الْمُقِرُّ عَلَى بَيَانِ الدِّينَارِ الْمَدِينِ بِهِ.
أَمَّا فِي الْبَيْعِ فَيُصْرَفُ إلَى الدِّينَارِ الْأَكْثَرِ رَوَاجًا كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٢٤٠) (ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى الْبَحْرِ) .
وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ أَنَّ الْبَيْعَ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ يَفْسُدُ فَلِلتَّصْحِيحِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَرْوَجِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ يَصِحُّ.
وَفَاةُ الْمُقِرِّ قَبْلَ الْبَيَانِ.
يُجْبَرُ الْمُقِرُّ عَلَى الْبَيَانِ كَمَا بُيِّنَ آنِفًا إلَّا أَنَّهُ إذَا تُوُفِّيَ الْمُقِرُّ قَبْلَ الْبَيَانِ يُرْجَعُ إلَى وَرَثَتِهِ، فَإِذَا فَسَّرَ وَبَيَّنَ الْوَرَثَةُ الْحَقَّ الْمُقَرَّ بِهِ، وَقَبِلَ الْمُقَرُّ لَهُ ذَلِكَ يُحْكَمُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
أَمَّا إذَا قَالَ الْوَرَثَةُ: إنَّنَا نَجْهَلُ الْمُقَرَّ بِهِ الْمَجْهُولَ، فَمَاذَا يَجِبُ عَمَلُهُ؟ وَبِمَا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ بِأَنَّ الْوَرَثَةَ يَجْهَلُونَ الْمُقَرَّ بِهِ فَخَبَرُهُمْ عَلَى الْبَيَانِ يُؤَدِّي إلَى إجْبَارِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ بِعِلَاوَةٍ) .
لَا يَكُونُ بَيَانُ الْمَجْهُولِ بَعْضًا أَقَلَّ مِنْ الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ - إنَّ الْإِقْرَارَ الَّذِي يَحْصُلُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِبَعْضِ الْأَلْفَاظِ لَا تَصْدُقُ عَلَى مَا دُونَ مِقْدَارِهَا الْمُعَيَّنِ - مَثَلًا لَوْ قَالَ لَهُ؛ عَلَى مَالٍ فَلَا يَصْدُقُ بِأَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ مِنْ فِضَّةٍ كَمَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَى مَالٍ عَظِيمٍ، فَلَا يَصْدُقُ بِأَقَلَّ مِنْ نِصَابِ الزَّكَاةِ فِي حَالَةِ بَيَانِهِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَأَمَّا إذَا بَيَّنَهُ مِنْ الْجِمَالِ فَلَا يَصْدُقُ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ جَمَلًا، وَإِذَا بَيَّنَهُ بِغَيْرِ مَالِ الزَّكَاةِ فَلَا يَصْدُقُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ نِصَابِ الزَّكَاةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِقْرَارَاتِ الْمَجْهُولَةَ الَّتِي تَقَعُ بِمِثْلِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ تُفَسَّرُ بِصُورَةٍ مُخْتَلِفَةِ الْمِقْدَارِ حَسَبَ مَدْلُولِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ) .
وَأَمَّا لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّنِي ابْتَعْت مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا أَوْ بِعْته سَهْمًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرَ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ أَوْ قَالَ: اشْتَرَيْت دَارَ فُلَانٍ بِشَيْءٍ، أَوْ اسْتَأْجَرْتُهَا أَوْ أَجَرْتُ فُلَانًا شَيْئًا أَوْ اسْتَأْجَرَ مِنْهُ شَيْئًا فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لِكَوْنِ تِلْكَ الْعُقُودِ لَا تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ، وَلَا يُجْبَرُ الْمُقِرُّ عَلَى تَسْلِيمِ شَيْءٍ مَا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) فَلِذَلِكَ لَا يُجْبَرُ الْمُقِرُّ عَلَى بَيَانِ مَا بَاعَهُ، أَوْ بَيَانِ بَدَلِ الدَّارِ الَّتِي اشْتَرَاهَا، أَوْ بَدَلِ إيجَارِهَا، أَوْ عَلَى بَيَانِ الشَّيْءِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ
стр. 2324
إنَّ شَرْطَ الْمُقَرِّ بِهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَعْدُومٍ، عَلَى وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: يَكُونُ الْمُقَرُّ بِهِ مَعْلُومًا، وَمُحَقَّقَ الْوُجُودِ كَقَوْلِكَ: هَذَا الْمَالُ لِفُلَانٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ الْمُقَرُّ بِهِ شَيْئًا مُحْتَمَلَ الْوُجُودِ كَالْحَمْلِ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّ مَا فِي بَطْنِ نَعْجَتِي هَذِهِ لِفُلَانٍ فَإِذَا وُجِدَ الْحَمْلُ الْمَذْكُورُ فِي أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ يَكُونُ ذَلِكَ الْحَمْلُ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُقِرُّ سَبَبَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ مُمْكِنُ التَّصْحِيحِ بِحَمْلِهِ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَذَلِكَ كَأَنْ يُوصِيَ أَحَدٌ بِحَمْلِ شَاتِهِ الْفُلَانِيَّةِ لِآخَرَ ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُقِرُّ وَارِثُهُ بِذَلِكَ الْحَمْلِ لِآخَرِ.
وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ فِي الشَّاةِ أَرْبَعَةُ شُهُورٍ، وَفِي الْحَيَوَانَاتِ الْأُخْرَى سِتَّةُ شُهُورٍ أَمَّا حَسَبَ قَوْلِ الْقُهُسْتَانِيِّ فَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ فِي الْإِنْسَانِ سِتَّةُ شُهُورٍ، وَفِي الْفِيلِ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، وَفِي الْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ، وَفِي الْبَقَرِ تِسْعَةُ شُهُورٍ، وَفِي الشَّاةِ وَالْمَعْزِ خَمْسَةُ شُهُورٍ، وَفِي الْقِطَطِ شَهْرَانِ، وَفِي الْكَلْبِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَفِي الطَّيْرِ وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّ بِهِ مُمْكِنًا تَسْلِيمُهُ فَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ الْمُقِرُّ بِجِذْعٍ كَائِنٍ فِي سَقْفِ بَيْتِهِ فَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ.
لِأَنَّ إقْرَارَ الشَّيْءِ الْغَيْرِ مُمْكِنِ.
التَّسْلِيمِ هُوَ إقْرَارٌ بِقِيمَتِهِ (صُرَّةُ الْفَتَاوَى فِي الْإِقْرَارِ) .
إنَّ هَذَا مُتَفَرِّعٌ عَلَى كَوْنِ الْإِقْرَارِ إخْبَارًا فَلَوْ كَانَ إنْشَاءً لَكَانَ هِبَةً حَالَ كَوْنِ هِبَةِ ذَلِكَ وَبَيْعِهِ غَيْرَ جَائِزَيْنِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٥٨٠) لَا يَتَوَقَّفُ الْإِقْرَارُ عَلَى قَبُولِ الْمُقَرِّ لَهُ]
الْمَادَّةُ (١٥٨٠) - (لَا يَتَوَقَّفُ الْإِقْرَارُ عَلَى قَبُولِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَلَكِنْ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ، وَلَا يَبْقَى لَهُ حُكْمٌ، وَإِذَا رَدَّ الْمُقَرُّ لَهُ مِقْدَارًا مِنْ الْمُقَرِّ بِهِ لَا يَبْقَى لِلْإِقْرَارِ حُكْمٌ فِي الْمِقْدَارِ الْمَرْدُودِ، وَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالْمِقْدَارِ الَّذِي لَمْ يُرَدَّ) .
لَا يَتَوَقَّفُ الْإِقْرَارُ عَلَى قَبُولِ وَتَصْدِيقِ الْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ بِإِنْشَاءٍ بَلْ هُوَ مِنْ وَجْهِ إخْبَارٍ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٥٧٢) فَعَلَيْهِ لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِقَوْلِهِ: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَسَكَتَ، وَلَمْ يُصَدَّقْ الْمُقِرَّ بِقَوْلِهِ: لَا أَوْ نَعَمْ.
فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمُقِرِّ بِالْأَلْفِ دِرْهَمٍ.
إلَّا أَنَّهُ يُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَ الْإِقْرَارِ لِلْحَاضِرِ وَالْإِقْرَارِ لِلْغَائِبِ.
فَالْإِقْرَارُ لِلْحَاضِرِ لَازِمٌ مِنْ جَانِبِ الْمُقِرِّ فَلِذَلِكَ إذَا أَقَرَّ الْمُقِرُّ بِمَالٍ لِحَاضِرٍ فَلَيْسَ لَهُ إقْرَارُهُ لِآخَرَ.
مَثَلًا لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذَا الْمَالَ لِهَذَا الشَّخْصِ، وَكَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ حَاضِرًا وَلَمْ يَقُلْ بِأَنَّنِي أُصَدِّقُ ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ فَلَيْسَ لِلْمُقِرِّ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إقْرَارِهِ هَذَا، وَأَنْ يَقُولَ: إنَّ هَذَا الْمَالَ لِهَذَا الشَّخْصِ الْآخَرِ، وَلَا يَكُونُ إقْرَارُهُ الثَّانِي صَحِيحًا لَكِنْ إذَا رَدَّ الْمُقَرُّ لَهُ الْإِقْرَارَ فَيَكُونُ الْإِقْرَارُ الثَّانِي حِينَئِذٍ مُعْتَبَرًا.
أَمَّا الْإِقْرَارُ لِلْغَائِبِ فَلَيْسَ لَازِمًا مِنْ جَانِبِ الْمُقِرِّ مَا لَمْ يُصَدِّقْهُ الْغَائِبُ فَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: إنَّ هَذَا الْمَالَ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ خَبَرُ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ لِلْغَائِبِ وَيُصَدِّقَهُ: إنَّ هَذَا الْمَالَ لِفُلَانٍ
стр. 2325
الْآخَرِ كَانَ إقْرَارُهُ الثَّانِي صَحِيحًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالزَّيْلَعِيّ) ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الْمُقَرِّ لَهُ الْحَاضِرِ قَبُولٌ ضِمْنِيٌّ فَلِذَلِكَ يُصْبِحُ ذَلِكَ الْمَالُ بِالْإِقْرَارِ وَاقِعًا بِالْمُقَرِّ لَهُ.
أَمَّا الْغَائِبُ فَحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ سُكُوتُهُ وَقَبُولُهُ الضِّمْنِيُّ فَلَا يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْمُقَرِّ لَهُ الْغَائِبُ بِالْمُقَرِّ بِهِ.
وَلَكِنْ يَرْتَدُّ الْإِقْرَارُ بِرَدِّ الْمُقَرِّ لَهُ، وَلَا يَبْقَى لَهُ حُكْمٌ أَيْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقَبُولُ وَالتَّصْدِيقُ بَعْدَ الرَّدِّ.
اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٥١) ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُقْبَلُ مِنْ الْمُقِرِّ الْإِثْبَاتُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ حَقَّهُ فِي الْمُقَرِّ بِهِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ وَجْهٍ إنْشَاءٌ، وَلَيْسَ بِإِخْبَارٍ، وَمِنْ وَجْهٍ أَنَّ الْمُتَضَمِّنَ تَمْلِيكَ الْمَالِ قَابِلٌ لِلرَّدِّ كَالْإِقْرَارِ.
أَمَّا مَا لَا يَتَضَمَّنُ تَمْلِيكَ الْمَالِ فَرَدُّهُ غَيْرُ قَابِلٍ كَإِبْطَالِ الشُّفْعَةِ وَكَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالدُّرُّ الْمُخْتَارُ) .
مَثَلًا؛ لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِأَنَّهُ مَدِينٌ لِآخَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَرَدَّ ذَلِكَ الْآخَرُ هَذَا الْإِقْرَارَ بِقَوْلِهِ: لَسْت مَدِينًا لِي بِشَيْءٍ ثُمَّ صَدَّقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّك مَدِينٌ لِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَا يَصِحُّ تَصْدِيقُهُ (الزَّيْلَعِيّ) .
حَتَّى إنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ دَيْنًا مِنْ وَارِثٍ، وَأَبْرَزَ سَنَدًا حَاوِيًا إقْرَارَ الْمُورَثِ وَدَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْوَارِثُ دَعْوَى الْمُدَّعِي بِقَوْلِهِ: إنَّ الْمُقَرَّ لَهُ الْمُدَّعِي قَدْ رَدَّ الْإِقْرَارَ، وَطَلَبَ تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ عَلَى ذَلِكَ فَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي (صُرَّةُ الْفَتَاوَى) .
مُسْتَثْنًى - إنَّ صِحَّةَ رَدِّ الْإِقْرَارِ هُوَ فِي حَالَةِ إبْطَالِ الْمُقَرِّ لَهُ حَقَّهُ بِرَدِّ الْإِقْرَارِ.
أَمَّا إذَا كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ يُبْطِلُ بِهَذَا حَقَّ الْغَيْرِ فَلَا حُكْمَ لِلرَّدِّ.
مَثَلًا لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّنِي بِعْت فَرَسِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لِفُلَانٍ فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: إنَّنِي لَمْ أَشْتَرِ مِنْك شَيْئًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّنِي اشْتَرَيْتُهَا مِنْك بِذَلِكَ الثَّمَنِ فَيَكُونُ الْبَيْعُ لَازِمًا؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ قَدْ أَنْكَرَ الْبَيْعَ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ، وَالْحَالُ أَنَّ جُحُودَ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ.
أَمَّا لَوْ رَدَّ الْمُقَرُّ لَهُ الْإِقْرَارَ بِقَوْلِهِ: لَمْ أَشْتَرِ مِنْكَ شَيْئًا وَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ الْمُقِرُّ بِقَوْلِهِ: إنَّنِي فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ أَبِعْكَ ثُمَّ قَالَ الْمُشْتَرِي: إنَّنِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ فَلَا يَثْبُتُ الشِّرَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى، وَلَوْ أَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَدْ تَمَّ الْفَسْخُ بِجُحُودِ الْعَاقِدَيْنِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
أَمَّا إذَا قَبِلَ الْمُقَرُّ لَهُ الْإِقْرَارَ، وَصَدَّقَهُ فَلَا يَرْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالرَّدِّ لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْحَالِ قَدْ أَصْبَحَ الْمُقَرُّ بِهِ مِلْكًا لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَنَفْيُ الْمَالِكِ الْمِلْكَ عَنْ نَفْسِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُنَازَعِ لَا يَصِحُّ، وَلَكِنْ لَوْ تَصَادَقَ عَلَى عَدَمِ الْحَقِّ صَحَّ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
مَثَلًا: لَوْ أَقَرَّ الْمُقِرُّ لِأَحَدٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: لَيْسَ لِي عِنْدَك دَيْنٌ فَيُرَدُّ الْإِقْرَارُ الْمَذْكُورُ، وَيَسْقُطُ حَقُّ الْمُقَرِّ لَهُ بِمُطَالَبَةِ الْمُقِرِّ، وَلَكِنْ إذَا رَدَّ الْمُقَرُّ لَهُ الْإِقْرَارَ بَعْدَ أَنْ صَدَّقَ الْمُقِرَّ بِقَوْلِهِ: إنَّكَ مَدِينٌ لِي فِي الْحَقِيقَةِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَلَا يُرَدُّ الْإِقْرَارُ كَمَا أَنَّهُ إذَا كَرَّرَ الْمُقِرُّ الْإِقْرَارَ بَعْدَ الرَّدِّ وَأَعَادَهُ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ الْمَذْكُورُ اسْتِحْسَانًا، وَيَكُونُ لَازِمًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ هُوَ الْأَخِيرُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ إذَا أَعَادَ الْمُقِرُّ الْإِقْرَارَ فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: أَجَلْ، يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ فِي الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ فَبَطَلَ وَانْعَدَمَ وَصَدَّقَهُ فِي الْإِقْرَارِ الثَّانِي فَاعْتُبِرَ وَانْبَرَمَ.
وَلِأَنَّهُ احْتَمَلَ أَنَّ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ فَبَطَلَ بِالتَّكْذِيبِ وَانْعَدَمَ، وَكَانَ وَاجِبًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ الثَّانِي فَلَزِمَ بِالتَّصْدِيقِ وَانْبَرَمَ،
стр. 2326
وَوَرَدَ فِي رَدِّ الْمُحْتَارِ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَذَّبَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ لِغَرَضٍ مِنْ الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ فَانْقَطَعَ عَنْهُ ذَلِكَ الْغَرَضُ، وَرَجَعَ إلَى تَصْدِيقِهِ.
وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُقِرُّ الْإِقْرَارَ الثَّانِيَ فَلَا يَحْلِفُ الْيَمِينَ إلَّا أَنَّهُ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ) وَإِذَا رَدَّ الْمُقَرُّ لَهُ مِقْدَارًا مِنْ الْمُقَرِّ بِهِ كَأَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ مَثَلًا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَرَدَّ أَرْبَعَةً مِنْهَا فَلَا يَبْقَى حُكْمُ الْإِقْرَارِ فِي الْمِقْدَارِ الْمَرْدُودِ أَيْ فِي الْأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ فِي الْمِقْدَارِ الْبَاقِي الَّذِي لَمْ يَرُدَّهُ الْمُقَرُّ لَهُ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ شَخْصَيْنِ فَرَدَّ أَحَدُهُمَا وَقَبِلَ الْآخَرُ، فَيَأْخُذُ الْقَابِلُ نِصْفَ الْمُقَرِّ بِهِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ فِي إقْرَارِ الْمَرِيضِ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٥٨١) إذَا اخْتَلَفَ الْمُقِرُّ وَالْمُقَرُّ لَهُ فِي سَبَبِ الْمُقَرِّ بِهِ]
الْمَادَّةُ (١٥٨١) - (إذَا اخْتَلَفَ الْمُقِرُّ، وَالْمُقَرُّ لَهُ فِي سَبَبِ الْمُقَرِّ بِهِ فَلَا يَكُونُ اخْتِلَافُهُمَا هَذَا مَانِعًا لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ مَثَلًا: لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ جِهَةِ الْقَرْضِ، وَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ جِهَةِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ فَلَا يَكُونُ اخْتِلَافُهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَانِعًا لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ) .
إذَا اخْتَلَفَ الْمُقِرُّ وَالْمُقَرُّ لَهُ فِي سَبَبِ الْمُقَرِّ بِهِ فَلَا يَكُونُ اخْتِلَافُهُمَا هَذَا مَانِعًا لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ لَا تَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ السَّبَبِ، وَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُ الْإِقْرَارُ صَحِيحًا وَالسَّبَبُ بَاطِلًا وَبِلَا حُكْمٍ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ لَا يَنْفِي الْإِقْرَارَ (الْهِدَايَةُ التَّغْيِيرُ وَالْكِفَايَةُ) .
مَثَلًا: لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ دَيْنًا مِنْ جِهَةِ الْقَرْضِ، وَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ دَيْنًا مِنْ جِهَةِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ، أَوْ جِهَةِ الْغَصْبِ فَالْإِقْرَارُ الْوَاقِعُ صَحِيحٌ، وَلَا يَكُونُ اخْتِلَافُهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَانِعًا لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ فِي الْإِقْرَارِ) .
إنَّ فِقْرَةَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ الْوَارِدَةَ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ مُحْتَاجَةٌ لِلْإِيضَاحِ وَإِلَيْكَ ذَلِكَ: يَكُونُ ذَلِكَ الْمَبِيعُ إمَّا مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، أَوْ مُسْلَمًا أَوْ غَيْرَ مُسْلَمٍ.
، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَقُولَ الْمُقِرُّ: إنَّنِي مَدِينٌ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لِفُلَانٍ ثَمَنًا لِلْفَرَسِ الْمُعَيَّنِ الَّتِي اشْتَرَيْتُهَا، وَلَمْ أَقْبِضْهَا فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا تَلْزَمُ الْعَشَرَةُ دَنَانِيرَ الْمُقِرَّ مَا لَمْ تُسَلَّمْ الْفَرَسُ إلَيْهِ فَلِذَلِكَ يُقَالُ لِلْمُقَرِّ لَهُ: إذَا كُنْتَ تُرِيدُ أَخْذَ الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَسَلِّمْ الْفَرَسَ إلَى الْمُقِرِّ وَخُذْهَا.
فَإِذَا سَلَّمَ الْمُقَرُّ لَهُ الْفَرَسَ لِلْمُقِرِّ يَأْخُذُ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ؛ لِأَنَّ الْمُعَايَنَةَ الثَّابِتَةَ بِتَصَادُقِهِمَا كَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ (الْهِدَايَةُ وَنَتَائِجُ الْأَفْكَارِ) .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ الْمُقِرُّ: (إنَّنِي مَدِينٌ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لِفُلَانٍ ثَمَنِ الْفَرَسِ الْفُلَانِيَّةِ الَّتِي اشْتَرَيْتُهَا مِنْهُ وَقَبَضْتَهَا) فَلَوْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِلْمُقِرِّ: إنَّ تِلْكَ الْفَرَسَ هِيَ لَكَ، وَإِنَّنِي لَمْ أَبِعْهَا لَكَ بَلْ بِعْتُكَ غَيْرَهَا فَيَلْزَمُ الْمُقِرَّ أَنْ يُؤَدِّيَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ الْمُقَرَّ بِهَا؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ الَّذِي قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْهَا قَدْ بَقِيَتْ سَالِمَةً لِلْمُقِرِّ، وَالِاخْتِلَافُ فِي السَّبَبِ غَيْرُ مَانِعٍ لِلْإِقْرَارِ.
كَذَلِكَ لَوْ
стр. 2327
ادَّعَى أَحَدٌ عَلَى آخَرَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثَمَنِ الْفَرَسِ الْمُعَيَّنِ الَّتِي بَاعَهَا وَسَلَّمَهَا، وَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثَمَنًا لِفَرَسٍ آخَرَ، أَوْ بَغْلَةٍ أُخْرَى بِيعَتْ لَهُ، وَتَسَلَّمَهَا فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ - أَنْ يَقُولَ الْمُقَرُّ لَهُ: إنَّ تِلْكَ الْفَرَسَ هِيَ مِلْكِي، وَإِنَّنِي لَمْ أَبِعْهَا فَفِي هَذَا الْحَالِ لَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ قَدْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ عَلَى كَوْنِهِ عِوَضًا لِلْفَرَسِ فَلَا يَلْزَمُهُ الدَّيْنُ بِدُونِهَا.
وَإِنَّ وُجُودَ الْفَرَسِ فِي يَدِ الْمُقِرِّ، أَوْ الْمُقَرِّ لَهُ سِيَّانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِذَا كَانَتْ الْفَرَسُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ فَلِلْمُقَرِّ لَهُ اسْتِرْدَادُهَا فِي حَالَةِ عَدَمِ إثْبَاتِ الْمُقِرِّ وُقُوعَ الْبَيْعِ لَهُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ - أَنْ يَقُولَ الْمُقَرُّ لَهُ: إنَّ الْفَرَسَ لِي، وَإِنَّنِي لَمْ أَبِعْهَا لَك، بَلْ بِعْت غَيْرَهَا لَك فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ يَطْلُبُ تَسْلِيمَ الْفَرَسِ الَّتِي عَيَّنَهَا مِنْ طَرَفِهِ، وَالْمُقَرُّ لَهُ يُنْكِرُ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ الْمُقَرَّ لَهُ الْمُنْكِرَ الْيَمِينُ كَمَا أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَدَّعِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثَمَنِ فَرَسٍ أُخْرَى، وَالْمُقِرُّ يُنْكِرُ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ الْيَمِينُ، وَعَلَيْهِ إذَا جَرَى التَّحَالُفُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَحَلَفَ كِلَاهُمَا الْيَمِينَ فَلَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ الْعَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَتَبْقَى الْفَرَسُ سَالِمَةً لِلْمُقَرِّ لَهُ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يَقُولَ الْمُقِرُّ، إنَّنِي مَدِينٌ لَك بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثَمَنِ فَرَسٍ اشْتَرَيْتُهَا وَلَمْ أَقْبِضْهَا مِنْك بِدُونِ أَنْ يُعَيِّنَ، وَيُخَصِّصَ الْفَرَسَ فَيَكُونُ الْإِقْرَارُ الْوَاقِعُ صَحِيحًا، وَلَا يُصَدَّقُ بِقَوْلِهِ: لَمْ أَقْبِضْهَا سَوَاءٌ أَقَالَ ذَلِكَ مَوْصُولًا، أَوْ مَفْصُولًا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِثَمَنِ فَرَسٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ وَغَيْرِ مُسَلَّمَةٍ فَيَكُونُ الْمُقِرُّ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَقُولَ عَنْ كُلِّ فَرَسٍ يُسَلِّمُهَا لَهُ الْبَائِعُ، إنَّهَا لَيْسَتْ الْفَرَسَ الَّتِي اشْتَرَاهَا، وَحَيْثُ إنَّ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ يَلْزَمُ بَعْدَ إحْضَارِ الْمَبِيعِ فَالْمَالُ الْغَيْرُ مُعَيَّنٍ أَوْ الْغَيْرُ مُسَلَّمٍ هُوَ فِي حُكْمِ الْمَالِ الْمُسْتَهْلَكِ فَلِذَلِكَ إذَا أَقَرَّ الْمُقِرُّ بِالثَّمَنِ يُعَدُّ بِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَبْضِ الْمَبِيعِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّنِي لَمْ أَقْبِضْ هُوَ رُجُوعٌ مِنْهُ عَنْ الْإِقْرَارِ (الْهِدَايَةُ وَالْكِفَايَةُ وَالْعِنَايَةُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٥٨٢) طَلَبُ الصُّلْحِ عَنْ مَالٍ]
الْمَادَّةُ (١٥٨٢) - (طَلَبُ الصُّلْحِ عَنْ مَالٍ يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ الْمَالِ، وَأَمَّا. طَلَبُ الصُّلْحِ عَنْ دَعْوَى مَالٍ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا بِذَلِكَ الْمَالِ، فَعَلَيْهِ إذَا قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَأَعْطِنِي إيَّاهَا فَطَلَبَ مِنْهُ الصُّلْحَ قَائِلًا: صَالِحْنِي عَلَى الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ بِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا يَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِالْأَلْفِ دِرْهَمٍ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ، وَلَكِنْ لَوْ طَلَبَ الصُّلْحَ لِمُجَرَّدِ دَفْعِ الْمُنَازَعَةِ بِقَوْلِهِ: صَالِحْنِي عَنْ دَعْوَى الْأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَا يَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِالْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ) .
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: إذَا ذَكَرَ الْمُقِرُّ فِي جَوَابِهِ مَطْلُوبَ الْمُدَّعِي صَرَاحَةً بِقَوْلِهِ: دَيْنُكَ الْأَلْفُ دِرْهَمٍ، أَوْ أَشَارَ بِضَمِيرِ (هُوَ - أَوْ ذَلِكَ) فَيَكُونُ قَدْ أَقَرَّ لِلْمُدَّعِي بِذَلِكَ الْمَطْلُوبِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَعَلَى ذَلِكَ فَالْخُصُومَاتُ الْآتِيَةُ إقْرَارٌ:
١ - طَلَبُ الصُّلْحِ عَنْ مَالٍ، أَوْ حَقٍّ، وَلَوْ كَانَ مَجْهُولًا.
٢ -، أَوْ طَلَبُ الْإِبْرَاءِ مِنْهَا هُوَ بِمَعْنَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ الْمَالِ.
مَثَلًا؛ لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ عَلَى آخَرَ
стр. 2328
بِقَوْلِهِ: إنَّ لِي عِنْدَكَ حَقًّا.
فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: صَالِحْنِي عَنْ ذَلِكَ الْحَقِّ فَيَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْحَقِّ، وَيُقْبَلُ بَيَانُ الْمُدَّعِي عَمَّا هُوَ ذَلِكَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَقَّ مُجْمَلًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَأَمَّا طَلَبُ الْإِبْرَاءِ، أَوْ الصُّلْحِ عَنْ دَعْوَى مَالٍ، أَوْ طَلَبُ تَأْخِيرِ الدَّعْوَى فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا بِذَلِكَ الْمَالِ (الْخُلَاصَةُ وَالْبَزَّازِيَّةُ وَالتَّنْوِيرُ) وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الصُّلْحِ عَنْ الدَّعْوَى وَالْإِبْرَاءِ عَنْهَا قَطْعُ النِّزَاعِ فَلَا يُفِيدُ ثُبُوتَ الْحَقِّ بِخِلَافِ طَلَبِ الصُّلْحِ وَالْإِبْرَاءِ عَنْ الْحَقِّ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْمُدَّعَى بِهِ (التَّكْمِلَةُ) .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَانِيَّةِ (قَالَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: طَلَبُ الْبَرَاءَةِ عَنْ الدَّعْوَى لَا يَكُونُ إقْرَارًا، وَخَالَفَهُمْ فِيهَا الْمُتَأَخِّرُونَ، وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ أَصَحُّ) .
فَعَلَيْهِ إذَا قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ جِهَةِ الْقَرْضِ فَأَعْطِنِي إيَّاهَا فَطَلَبَ مِنْهُ الصُّلْحَ قَائِلًا لَهُ: صَالِحْنِي عَنْ الْأَلْفِ دِرْهَمٍ الْمَذْكُورَةِ بِسَبْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا، أَوْ طَلَبَ مِنْهُ إبْرَاءَ ذِمَّتِهِ بِقَوْلِهِ: أَبْرِئْ ذِمَّتِي مِنْ الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ فَيَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِأَنَّ الْأَلْفَ دِرْهَمٍ الْمَطْلُوبَةَ هِيَ لِلْمُدَّعِي، وَإِذَا لَمْ يَرْضَ الْمُدَّعِي بِالصُّلْحِ، أَوْ الْإِبْرَاءِ فَلَهُ أَخْذُ الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ بِتَمَامِهِ مِنْ الْمُقِرِّ، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْمُقِرِّ بِقَوْلِهِ: إنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ أَبْرَأَ ذِمَّتِي قَبْلَ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَنَاقُضًا اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٦٤٧) .
وَلَكِنْ لَوْ كَانَ طَلَبُ الصُّلْحِ لِمُجَرَّدِ دَفْعِ الْمُنَازَعَةِ كَمَا إذَا قَالَ: صَالِحْنِي عَنْ دَعْوَى هَذِهِ الْأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَبْرِئْنِي مِنْهَا فَلَا يَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِالْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ، مَثَلًا لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ عَلَى آخَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَجَابَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: إنَّك أَبْرَأْتَنِي مِنْ دَعْوَى الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَكُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ هَذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ الْمَبْلَغِ (الْفَيْضِيَّةُ) .
٣ - طَلَبُ تَأْجِيلِ الدَّيْنِ.
٤ - الِادِّعَاءُ بِتَأْدِيَةِ الدَّيْنِ.
٥ - الدَّعْوَى بِهِبَةِ الدَّيْنِ لَهُ أَوْ التَّصَدُّقِ بِهِ عَلَيْهِ.
٦ - الِادِّعَاءُ بِإِبْرَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ.
٧ - الِادِّعَاءُ بِحَوَالَةِ الدَّيْنِ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ.
٨ - طَلَبُ كَفَالَةِ شَخْصٍ آخَرَ عَلَى الْمَبْلَغِ الْمُدَّعَى بِهِ.
٩ - إذَا طَلَبَ أَحَدٌ مِنْ آخَرَ مَطْلُوبًا فَيَقُولُ ذَلِكَ الشَّخْصُ لَهُ: خُذْهُ ١٠ - قَوْلُهُ تَنَاوَلْهُ.
١١ - قَوْلُهُ أُعْطِيكَ إيَّاهُ قَرِيبًا.
١٢ - قَوْلُهُ أُعْطِيكَ إيَّاهُ غَدًا.
١٣ - قَوْلُهُ لَيْسَ لَدَيَّ الْيَوْمَ دَرَاهِمُ تَكْفِي لِأَدَائِهِ.
١٤ - قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَا أُعْطِيكَ إيَّاهُ الْيَوْمَ.
١٥ - قَوْلُهُ: لَا تَأْخُذْهُ مِنِّي الْيَوْمَ.
١٦ - قَوْلُهُ: لَمْ يَحِلَّ وَقْتُ أَدَائِهِ.
стр. 2329
قَوْلُهُ: لِمَاذَا تُكْثِرُ مِنْ طَلَبِهِ.
١٨ - قَوْلُهُ حُلْ دَائِنِيكَ، أَوْ مَنْ شِئْتَ بِهِ عَلَيْهِ.
١٩ - قَوْلُهُ: إنَّ فُلَانًا قَدْ أَدَّاهُ عَنِّي.
٢٠ - إذَا قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: لِي عِنْدَك كَذَا دِرْهَمًا فَأَجَابَهُ الْمَدِينُ بِقَوْلِهِ (بنم دخي سَنِّدْنَ أَوْ قَدْرَ الأجغم وَأَرَادُوا) أَيْ لِي عِنْدَك قَدْرُ ذَلِكَ الْمَبْلَغِ فَيَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ مَدِينٌ بِذَلِكَ الْمَبْلَغِ.
٢١ - لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: إنَّ لِي عَلَيْك أَلْفَ دِرْهَمٍ دَيْنًا، أَوْ لِي عِنْدَك كَذَا أَمَانَةً فَأَجَابَهُ آخَرُ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ فَيَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ الدَّيْنِ، أَوْ تِلْكَ الْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ (نَعَمْ) مَوْضُوعٌ لِلْجَوَابِ، وَلَا يَحْتَاجُ لِلرَّابِطَةِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٦٦) حَتَّى لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: افْتَحْ بَابَ دَارِي هَذِهِ، أَوْ قَالَ لَهُ: أَسْرِجْ فَرَسِي هَذِهِ، أَوْ أَعْطِنِي سَرْجَهَا أَوْ لِجَامَهَا فَأَجَابَهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ.
فَيَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا مِنْهُ أَيْ أَنَّهُ يَكُونُ قَدْ صَدَّقَ بِأَنَّ تِلْكَ الدَّارَ دَارُهُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ جَوَابٌ فِي الْخَبَرِ لَا فِي الْإِنْشَاءِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ إنْشَاءٌ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَقُولُ لِتَبْعِيدِ الْكَلَامِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ مَاذَا تَقُولُ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْكَلَامُ الْمَذْكُورُ، وَإِنْ كَانَ إنْشَاءً لَكِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْخَبَرِ فَنَعَمْ جَوَابٌ لَهُ.
٢٢ - لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: لِي عِنْدَك دَيْنٌ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَأَجَابَهُ الْآخَرُ بِقَوْلِهِ (اتَّزِنْهُ) ، أَوْ (انْتَقِدْهُ) فَيَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلَيْهَا فِي كُلِّ ذَلِكَ فَكَانَ جَوَابًا لَا رَدًّا، وَلَا ابْتِدَاءً فَيَكُونُ إثْبَاتًا لِلْأَوَّلِ إلَّا إذَا تَصَادَقَا أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ السُّخْرِيَةِ (الْبَحْرُ وَالدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَالتَّكْمِلَةُ وَصُرَّةُ الْفَتَاوَى فِي الْإِقْرَارِ) .
٢٣ - لَوْ طَلَبَ أَحَدٌ مِنْ آخَرَ مَبْلَغًا مُعَيَّنًا فَأَجَابَهُ قَائِلًا: انْتَظِرْ حُضُورَ الصَّرَّافِ فَإِنَّهُ سَيُؤَدِّيهِ لَك فَيَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا.
٢٤ - لَوْ قَالَ لَهُ مُجِيبًا: لَمْ أَقْتَرِضْ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَك كَانَ إقْرَارًا عَلَى رَأْيِ السَّرَخْسِيِّ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِأَنَّنِي اقْتَرَضْتُ مِنْكَ، وَلَمْ أَقْتَرِضْ مِنْ غَيْرِكَ.
٢٥ - إذَا حُرِّرَ سَنَدُ بَيْعٍ ذُكِرَ فِيهِ بِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ صَحِيحًا وَنَافِذًا، وَحُرِّرَتْ شَهَادَةُ أَحَدٍ عَلَيْهِ، وَوَقَّعَ ذَلِكَ الشَّاهِدُ ذَلِكَ السَّنَدَ، أَوْ خَتَمَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّاهِدُ قَدْ أَقَرَّ بِأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ (التَّكْمِلَةُ وَهَامِشُ الْأَنْقِرْوِيِّ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) .
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا لَمْ يَذْكُرُ الْمُقِرُّ فِي جَوَابِهِ مَطْلُوبَ الْمُدَّعِي صَرَاحَةً، وَلَمْ يُشِرْ إلَيْهِ بِضَمِيرٍ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا.
فَلِذَلِكَ لَا تُعَدُّ الْمَسَائِلُ الْآتِيَةُ إقْرَارًا:
١ - أَجَلْ (٢) قَدْ أَدَّيْتُكَ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا لِعَدَمِ انْصِرَافِهِ.
إلَى الْمَذْكُورِ فَكَانَ كَلَامًا مُبْتَدَأً (٣) تَصَدَّقْ عَلَيَّ (٤) إنَّكَ وَهَبْتَ لِي (٥) اتَّزِنْ (٦) لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: إنَّ لِي فِي ذِمَّتِك أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَأَجَابَهُ الْآخَرُ بِقَوْلِهِ: فَلْنَتَحَاسَبْ (٧) لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: لِي فِي ذِمَّتِك كَذَا دِرْهَمًا، فَأَجَابَهُ قَائِلًا: إنَّ لِي فِي ذِمَّتِك مِثْلَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا، فَالصُّورَةُ السَّابِعَةُ إقْرَارٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ أَفْتَى ظَهِيرُ الدِّينِ عَلَى هَذَا
стр. 2330
الْوَجْهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ إقْرَارًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّ مَا يَصْلُحُ لِلِابْتِدَاءِ لَا لِلْبِنَاءِ، أَوْ يَصْلُحُ لَهُمَا كَاتَّزِنْ يُجْعَلُ ابْتِدَاءً لِئَلَّا يَلْزَمَهُ الْمَالُ بِالشَّكِّ (رَدُّ الْمُحْتَارِ، وَتَكْمِلَتُهُ وَابْنُ نُجَيْمٍ وَصُرَّةُ الْفَتَاوَى فِي الْإِقْرَارِ وَالْأَنْقِرْوِيِّ) .
٨ - لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: لَا تُخْبِرْ فُلَانًا بِأَنَّنِي مَدِينٌ لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا (صُرَّةُ الْفَتَاوَى فِي الْإِقْرَارِ) .
٩ - لَوْ اشْتَرَى أَحَدٌ مِنْ آخَرَ مَالًا وَحَرَّرَ اسْمَ شَاهِدٍ فِي سَنَدِ الْبَيْعِ الَّذِي حُرِّرَ لِذَلِكَ وَخَتَمَ ذَلِكَ الشَّاهِدُ ذَلِكَ السَّنَدَ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا مِنْ الشَّاهِدِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ مِلْكُ الْبَائِعِ فَلِلشَّاهِدِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ لَهُ.
لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَبِيعُ بَعْضَ مَالِ الْغَيْرِ فُضُولًا.
أَمَّا إذَا ذَكَرَ فِي سَنَدِ الْبَيْعِ بِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ صَحِيحًا، أَوْ نَافِذًا فَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَكُونُ إقْرَارًا كَمَا بُيِّنَ آنِفًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي أَوَائِلِ الْإِقْرَارِ وَالتَّكْمِلَةِ) .
١٠ - لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: أَدِّ لِي مَا عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ فَقَالَ لَهُ: اصْبِرْ، أَوْ تَأْخُذُ قَرِيبًا فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا.
[ (الْمَادَّةُ ١٥٨٣) طَلَبَ أَحَدٌ شِرَاءَ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ شَخْصٍ آخَرَ أَوْ اسْتِئْجَارَهُ أَوْ اسْتِعَارَتَهُ .]
الْمَادَّةُ (١٥٨٣) - (إذَا طَلَبَ أَحَدٌ شِرَاءَ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ شَخْصٍ آخَرَ أَوْ اسْتِئْجَارَهُ، أَوْ اسْتِعَارَتَهُ، أَوْ قَالَ: هَبْنِي إيَّاهُ وَأَوْدِعْنِي إيَّاهُ، أَوْ قَالَ الْآخَرُ: خُذْهُ وَدِيعَةً وَقَبِلَ يَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِعَدَمِ كَوْنِ الْمَالِ لَهُ) .
إذَا طَلَبَ أَحَدٌ شِرَاءَ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ شَخْصٍ آخَرَ، أَوْ فِي يَدِ وَكِيلِهِ، أَوْ اسْتِئْجَارَهُ أَوْ اسْتِعَارَتَهُ، أَوْ قَالَ هَبْنِي إيَّاهُ، أَوْ أَوْدِعْنِي إيَّاهُ أَوْ قَالَ الْآخَرُ: خُذْهُ وَدِيعَةً وَقَبِلَ فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ السِّتِّ يَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِعَدَمِ كَوْنِ الْمَالِ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَقَرَّ ضِمْنًا عَلَى كَوْنِ الْمَالِ مِلْكًا لِذِي الْيَدِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ سَوَاءٌ وَقَعَ الطَّلَبُ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ ذِي الْيَدِ، أَوْ مِنْ وَكِيلِهِ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ) .
وَفِي الْأَنْقِرْوِيِّ عَنْ الأُسْتُروشَنِيَّة؛ إنَّ الِاسْتِشْرَاءَ مِنْ غَيْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ نَظِيرُ الِاسْتِشْرَاءِ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ الْمُدَّعِيَ اسْتَشْرَى هَذِهِ الْعَيْنَ مِنْ فُلَانٍ كَانَ دَفْعًا.
وَمَسْأَلَةُ الِاسْتِئْجَارِ قَدْ قُيِّدَتْ مِنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَقِيلَ فِيهَا: إنَّ مُنَافَاةَ الِاسْتِئْجَارِ بِدَعْوَى الْمِلْكِيَّةِ هُوَ فِي حَالَةِ عَدَمِ ظُهُورِ مِلْكِيَّةِ الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْمَأْجُورِ.
أَمَّا لَوْ اسْتَأْجَرَ الرَّاهِنُ، أَوْ الْبَائِعُ وَفَاءَ الْمَالِ الْمَرْهُونِ، أَوْ الْمَبِيعِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا مِنْهُ بِعَدَمِ مِلْكِيَّةِ ذَلِكَ الْمَالِ.
حَتَّى إنَّ اسْتِئْجَارَ الْمَرْهُونِ لَمْ يَجُزْ فَلَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ فِيهِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ صَاحِبِ الْمَالِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
يَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إنَّ طَلَبَ الشِّرَاءِ وَغَيْرِهِ إقْرَارٌ مِنْهُ بِأَنَّ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ مَالَهُ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَثَلًا.
لَوْ طَلَبَ أَحَدٌ شِرَاءَ مَالِ آخَرَ الَّذِي فِي يَدِ وَكِيلِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ لَهُ قَبْلَ الْمُسَاوَمَةِ، أَوْ لِوَالِدِهِ الْمُتَوَفَّى قَبْلَ الْمُسَاوَمَةِ مَا لَمْ يَقُلْ: إنَّ الْمَالَ لِوَالِدِي، وَقَدْ وَكَّلَ هَذَا الشَّخْصَ
стр. 2331
بِالْبَيْعِ، وَقَدْ.
سَاوَمْتُهُ، وَلَمْ نَتَّفِقْ عَلَى الشِّرَاءِ ثُمَّ تُوُفِّيَ وَالِدِي وَبَقِيَ مِيرَاثًا لِي.
كَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ مَالًا مِنْ آخَرَ فَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَكِيلَ قَدْ سَاوَمَهُ عَلَى الْمَالِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَأَثْبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَبْقَى لِلْوَكِيلِ، وَلِلْمُوَكِّلِ حَقُّ الْخُصُومَةِ أَمَّا لَوْ أَثْبَتَ أَنَّ الْوَكِيلَ سَاوَمَهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَيَخْرُجُ الْوَكِيلُ عَنْ الْخُصُومَةِ، وَلَكِنْ تَبْقَى خُصُومَةُ الْمُوَكِّلِ.
وَيُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ عِبَارَةِ (ذِي الْيَدِ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ ذَا الْيَدِ لَوْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَطَلَبَ آخَرُ الشِّرَاءَ مِنْهُ يَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا مِنْهُ كَمَا أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ الشِّرَاءَ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ غَيْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَكُونُ إقْرَارًا مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ مَالَهُ فَلِذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ بِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِ آخَرَ هُوَ مَالُهُ فَدَفَعَ ذُو الْيَدِ الدَّعْوَى قَائِلًا: إنَّكَ طَلَبْتَ شِرَاءَ هَذَا الْمَالِ مِنْ فُلَانٍ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ فَتَنْدَفِعُ دَعْوَى الْمُدَّعِي (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِقْرَارُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ هُوَ مِلْكُ ذَلِكَ الشَّخْصِ.
إنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ اخْتِلَافًا فَعَلَى رِوَايَةٍ بِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ بِمِلْكِيَّةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ لِذَلِكَ الْمَالِ، وَعَلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيَامَ يَكُونُ بَعْضًا مَعَ وَكِيلِ الْمَالِكِ فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ إقْرَارٌ بِالْمِلْكِ لِذِي الْيَدِ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ: لَوْ اسْتَشْرَى أَحَدٌ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِ آخَرَ ثُمَّ ادَّعَى ذَلِكَ الْمَالَ لِآخَرَ بِالْوَكَالَةِ أَوْ الْوِصَايَةِ فَدَعْوَاهُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى كَمَا أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ لَوْ ادَّعَى الْمَالَ لِنَفْسِهِ.
وَدَعْوَاهُ بِالْوَكَالَةِ أَوْ الْوِصَايَةِ صَحِيحَةٌ حَسَبَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ.
كَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ أَحَدٌ حَانُوتًا مِنْ آخَرَ ثُمَّ ادَّعَى الْحَانُوتَ الْمَذْكُورَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ.
لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ، وَإِنْ يَكُنْ إقْرَارًا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ بِعَدَمِ مِلْكِيَّتِهِ فِي الْمَأْجُورِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ إقْرَارًا بِمِلْكِ الْمُؤَجِّرِ الْمَأْجُورَ، وَلِأَنَّ كَوْنَ الْمَأْجُورِ غَيْرَ مِلْكٍ لِلْمُسْتَأْجِرِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلْغَيْرِ، وَعَلَيْهِ فَلِذَلِكَ الشَّخْصِ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ الْمِلْكَ بِالنِّيَابَةِ عَنْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ رُجِّحَتْ هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ بِالْقَوْلِ عَنْهُمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَصَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ قَدْ قَبِلَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى وَالْأَنْقِرْوِيُّ رَجَّحَ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) ، وَفِي هَذِهِ الْمَادَّةِ لَا يُوجَدُ دَلِيلٌ بِتَرْجِيحِ إحْدَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ.
إذَا صَدَرَ مِنْ الْمُدَّعِي شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ مِلْكٌ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ الْمَالَ لِنَفْسِهِ، أَوْ أَنْ يَدَّعِيَهُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَنَاقُضًا: وَلَكِنْ لَوْ صَدَرَ مِنْ الْمُدَّعِي شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْمُدَّعَى بِهِ لَيْسَ مِلْكًا لَهُ، وَلَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْمُدَّعَى بِهِ مِلْكًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَدَعْوَاهُ ذَلِكَ الْمَالَ لِنَفْسِهِ بَاطِلَةٌ أَمَّا دَعْوَاهُ لِغَيْرِهِ فَصَحِيحَةٌ وَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ الصَّادِرُ مِنْ الْمُدَّعِي لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمِلْكِيَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَجِبُ تَرْجِيحُ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ، وَإِلَّا فَلَا يَحْصُلُ الْإِقْرَارُ بِالشَّكِّ
стр. 2332
التَّكْمِلَةُ) .
مُسْتَثْنًى: لَوْ كَانَ الْمَالُ الْمُشْتَرَى ثِيَابًا مَلْفُوفَةً فِي شَيْءٍ (كَغِلَافٍ) وَلَمْ يَعْلَمْهَا الْمُسَاوِمُ، فَطَلَبُ شِرَائِهَا لَيْسَ إقْرَارًا بِأَنَّهَا مِلْكُهُ فَلِذَلِكَ لَوْ ادَّعَى بِأَنَّهَا غَيْرُ مِلْكِهِ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
إنَّ الِاسْتِشْرَاءَ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ صَرِيحٍ بِأَنَّ الْمَالَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ بَلْ هُوَ إقْرَارٌ ضِمْنِيٌّ؛ فَلِذَلِكَ لَوْ اسْتَشْرَى أَحَدٌ مَالًا مِنْ آخَرَ وَضَبَطَ أَبُو الْمُشْتَرِي ذَلِكَ الْمَالَ بِالِاسْتِحْقَاقِ ثُمَّ تُوُفِّيَ وَالِدُهُ وَوَرِثَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ الْمَالَ فَلَا يُؤْمَرُ الْوَارِثُ بِرَدِّ الْمَالِ لِلْبَائِعِ وَيَسْتَرِدُّ الْمُشْتَرِي ثَمَنَ الْمَبِيعِ مِنْ الْبَائِعِ.
أَمَّا إذَا أَقَرَّ صَرِيحًا حِينَ الْبَيْعِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ فَيُؤْمَرُ بِرَدِّ ذَلِكَ الْمَالِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) اُنْظُرْ (الْمَادَّةَ ١٥٧٥) .
[ (الْمَادَّةُ ١٥٨٤) الْإِقْرَارُ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ]
الْمَادَّةُ (١٥٨٤) - (الْإِقْرَارُ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ. وَلَكِنْ إذَا عُلِّقَ بِزَمَانٍ صَالِحٍ لِحُلُولِ الْأَجَلِ فِي عُرْفِ النَّاسِ يُحْمَلُ عَلَى إقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ مَثَلًا لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: إذَا وَصَلْتُ الْمَحَلَّ الْفُلَانِيَّ، أَوْ إذَا أَخَذْتُ عَلَى عُهْدَتِي الْمَصْلَحَةَ الْفُلَانِيَّةَ فَإِنَّنِي مَدِينٌ لَكَ بِكَذَا فَيَكُونُ إقْرَارُهُ هَذَا بَاطِلًا، وَلَا يَلْزَمُهُ تَأْدِيَةُ الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ، وَلَكِنْ إذَا قَالَ: إذَا أَتَى أَوَّلُ الشَّهْرِ الْفُلَانِيِّ، أَوْ يَوْمٌ قَاسِمٌ فَإِنَّنِي مَدِينٌ لَكَ بِكَذَا يُحْمَلُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ تَأْدِيَةُ الْمَبْلَغِ عِنْدَ حُلُولِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٤٠) .
يُوجَدُ قَاعِدَتَانِ فِي تَعْلِيقِ الْإِقْرَارِ عَلَى شَرْطٍ: الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: إذَا عُلِّقَ الْإِقْرَارُ عَلَى شَرْطٍ فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ غَيْرَ صَالِحٍ لِحُلُولِ الْأَجَلِ، وَغَيْرَ مَعْدُودٍ مِنْ آجَالِ النَّاسِ، فَيَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ مَانِعًا لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ.
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ صَالِحًا لِحُلُولِ الْأَجَلِ وَمَعْدُودًا مِنْ آجَالِ النَّاسِ فَلَا يَمْنَعُ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ (الْمُحِيطُ) .
إيضَاحُ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى: أَنَّ الْإِقْرَارَ الْمُعَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ فِيهِ احْتِمَالُ وُجُودِ الْخَطَرِ مِنْ عَدَمِ وُجُودِهِ بَاطِلٌ.
أَمَّا التَّعْلِيقُ عَلَى شَرْطٍ كَائِنٍ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَنْجِيزٌ، وَلَيْسَ بِتَعْلِيقٍ (رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْإِقْرَارِ) .
стр. 2333
وَعَلَيْهِ فَالْإِقْرَارُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْمَوْتِ صَحِيحٌ.
فَلَوْ قَالَ أَحَدٌ: إذَا مِتّ فَإِنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ كَانَ إقْرَارُهُ صَحِيحًا وَيَلْزَمُهُ الدَّيْنُ فِي الْحَالِ.
لِأَنَّ الْمَوْتَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ وَلَيْسَ فِيهِ خَطَرٌ.
فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَعْلِيقًا فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ هُوَ إشْهَادٌ عَلَى الدَّيْنِ مَنْعًا لِإِنْكَارِ الْوَرَثَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ مَا هُوَ إلَّا تَأْكِيدٌ لِلْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ صِيَانَةُ تَصَرُّفِ الْعَاقِلِ مِنْ الْإِلْغَاءِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَيَكُونُ هَذَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحَمْلِ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَعْنَى الْإِشْهَادِ.
لَكِنْ لَوْ رَضِيَ الْمُقِرُّ بِإِلْغَاءِ كَلَامِهِ قَائِلًا: بِأَنَّنِي قَصَدْتُ التَّعْلِيقَ فَلَا يُنْظَرُ إلَى رِضَائِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالزَّيْلَعِيّ وَالْبَحْرُ) .
الْخُلَاصَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الْإِقْرَارِ يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَصِلَ الْمُقِرُّ إقْرَارَهُ بِعِبَارَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَهَذَا الْإِقْرَارُ بَاطِلٌ كَمَا سَيُوَضَّحُ فِيمَا يَأْتِي: الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَصِلَ الْمُقِرُّ إقْرَارَهُ بِكَلَامٍ مُسْتَلْزِمٍ تَعْلِيقًا مُخْطَرًا كَقَوْلِهِ: إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَهَذَا الْقَوْلُ تَعْلِيقٌ، وَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: التَّعْلِيقُ عَلَى شَرْطٍ كَائِنٍ لَا مَحَالَةَ، فَالْإِقْرَارُ بِالتَّعْلِيقِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحِيحٌ كَقَوْلِهِ: إذَا مِتُّ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
إيضَاحُ الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ: وَلَكِنْ إذَا عُلِّقَ بِزَمَانٍ صَالِحٍ لِحُلُولِ الْأَجَلِ فِي عُرْفِ النَّاسِ أَيْ أَنْ يُعَلَّقَ الْمُقَرُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ يَتَضَمَّنُ الْأَجَلَ يُحْمَلُ عَلَى إقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ فَإِذَا صَدَّقَ الْمُقَرُّ لَهُ الْأَجَلَ، أَوْ أَثْبَتَ الْمُقِرُّ الْأَجَلَ فَبِهَا.
وَإِلَّا يَحْلِفْ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى عَدَمِ الْأَجَلِ فَإِذَا نَكَلَ يَثْبُتُ الْأَجَلُ، وَإِذَا حَلَفَ يَكُونُ الْمُقِرُّ مَجْبُورًا عَلَى دَفْعِ الْمَبْلَغِ الْمُقَرِّ بِهِ مُعَجَّلًا.
أَمْثِلَةٌ لِلْقَاعِدَةِ الْأُولَى: مَثَلًا لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: إذَا وَصَلْتُ الْمَحَلَّ الْفُلَانِيَّ، أَوْ أَخَذْتُ عَلَى عَاتِقِي الْمَصْلَحَةَ الْفُلَانِيَّةَ أَوْ إذَا هَبَّ الرِّيحُ، أَوْ إذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ، أَوْ إذَا دَخَلْتَ دَارِي، أَوْ إذَا أَرَادَ اللَّهُ، أَوْ إذَا حَكَمَ اللَّهُ، أَوْ إذَا رَضِيَ اللَّهُ، أَوْ إذَا قَدَّرَ اللَّهُ، أَوْ إذَا دَبَّرَ اللَّهُ، أَوْ إذَا أَقْرَضْتَنِي كَذَا دِرْهَمًا، أَوْ إذَا حَلَفْتَ يَمِينًا بِأَنَّنِي مَدِينٌ لَكَ، أَوْ إذَا ادَّعَى أَحَدٌ مِنْ آخَرَ كَذَا دِرْهَمًا فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي: إذَا لَمْ أُؤَدِّ لَك الْمَبْلَغَ الْمُدَّعَى بِهِ فِي الْيَوْمِ الْفُلَانِيِّ، فَإِنَّنِي مَدِينٌ لَك بِكَذَا دِرْهَمًا فَيَكُونُ إقْرَارُهُ هَذَا فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ بَاطِلًا.
وَلَوْ وُجِدَ الشَّرْطُ بِأَنْ وَصَلَ إلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ، أَوْ أَخَذَ عَلَى عَاتِقِهِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةَ.
وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ لِلْمُقَرِّ لَهُ (الْبَحْرُ) .
كَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدٌ: مَهْمَا أَقَرَّ فُلَانٌ لِي بِشَيْءٍ فَإِنَّنِي مُقِرٌّ لَهُ بِهِ فَلَا يَصِحُّ.
إنَّ بَعْضَ التَّعْلِيقَاتِ الْمُبْطِلَةِ لِلْإِقْرَارِ هِيَ: أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ لِآخَرَ: إذَا حَلَفْتَ الْيَمِينَ فَإِنَّ مَا ادَّعَيْتَهُ لَكَ، أَوْ إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ مَا لَمْ يَظْهَرْ لِي
стр. 2334
غَيْرُ ذَلِكَ، أَوْ أَرَى غَيْرَ ذَلِكَ، أَوْ إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ عَلَى مَا أَعْلَمُ، أَوْ قَوْلُهُ: اشْهَدُوا بِأَنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ عَلَى مَا أَعْلَمُ، أَوْ قَوْلُهُ: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ، أَوْ عَلَى عِلْمِهِ فَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ ٠ فَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْزَمُهُ، وَلَوْ دَفَعَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فَلَهُ اسْتِرْدَادُ الْمَدْفُوعِ كَمَا فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ.
وَلَوْ قَالَ: وَجَدْتُ فِي دَفْتَرِي أَنَّهُ عَلَيَّ كَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ بَلْخٍ: إنَّهُ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ فِي دَفْتَرِهِ إلَّا مَا عَلَيْهِ صِيَانَةً لِلنَّاسِ وَلِلْبِنَاءِ عَلَى الْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ (التَّكْمِلَةُ) وَلِأَنَّ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْمُقِرُّ لَفْظَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ إنْ شَاءَ فُلَانٌ مَوْصُولًا بِإِقْرَارِهِ يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ حَتَّى إذَا طَلَبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ وَلَمْ يُنَجِّزْ، وَاللُّزُومُ حُكْمُ التَّنْجِيزِ لَا التَّعْلِيقِ.
وَلِأَنَّ مَشِيئَةَ فُلَانٍ لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) أَمَّا إذَا لَمْ يَقُلْ كَلِمَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَوْصُولَةً بِإِقْرَارِهِ بَلْ قَالَهَا مَفْصُولَةً فَلَا يَبْطُلُ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَدْ تَمَّ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ مَا لَمْ يَحْصُلْ عَدَمُ الْوَصْلِ بِأَحَدِ الْأَعْذَارِ، كَالنَّفَسِ وَالسُّعَالِ وَأَخْذِ الْفَمِ (التَّنْوِيرُ وَالتَّكْمِلَةُ) .
وَقُيِّدَ بِالْوَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَفْصُولًا لَا يُؤَثِّرُ خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ.
كَذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي تَعْلِيقِ الْإِقْرَارِ عَلَى مَشِيئَةِ مَنْ لَمْ تَكُنْ مَشِيئَتُهُ مَعْلُومَةً كَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ.
مَثَلًا لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إذَا شَاءَتْ الْمَلَائِكَةُ فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ (التَّكْمِلَةُ) .
فَعَلَيْهِ لَوْ ادَّعَى الْمُقِرُّ أَنَّهُ قَالَ لَفْظَ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَوْصُولًا بِإِقْرَارِهِ يُنْظَرُ: فَبِمَا أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَدَّعِي بِحَقِّهِ، وَأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْحَقِّ، وَالْمُقِرُّ يُنْكِرُ دَيْنَهُ، وَإِقْرَارَهُ فَبَعْدَ أَنْ يُثْبِتَ الْمُدَّعِي إقْرَارَهُ، فَإِذَا ادَّعَى بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ اللَّفْظَ فَعَلَيْهِ الْإِثْبَاتُ، وَإِلَّا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّ الْغَيْرِ بَعْدَ تَقَرُّرِهِ.
أَمَّا لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ ابْتِدَاءً: إنَّنِي أَقْرَرْتُ بِأَنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ ذَلِكَ فِي إقْرَارِي فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَكَأَنَّهُ قَدْ قَالَ: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) وَلَوْ صَدَرَ هَذَا التَّعْلِيقُ مِنْ اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَهُوَ مُبْطِلٌ لِلْإِقْرَارِ أَيْضًا.
(التَّكْمِلَةُ) .
مُسْتَثْنًى: إذَا كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ عَقْدًا قَابِلًا لِلْخِيَارِ كَأَنْ يُقِرَّ بِدَيْنٍ نَاتِجٍ عَنْ عَقْدٍ فِيهِ خِيَارُ شَرْطٍ فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ.
مَثَلًا: لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخِرِ: إنَّنِي مَدِينٌ لَك بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ الَّذِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْك عَلَى شَرْطِ الْخِيَارِ فَالْإِقْرَارُ جَائِزٌ.
كَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنِهِ مِنْ جِهَةِ كَفَالَةٍ كَانَ مُخَيَّرًا فِيهَا لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا خِيَارُ الشَّرْطِ.
وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُقَرُّ لَهُ الْخِيَارَ فَعَلَى الْمُقِرِّ إثْبَاتُ ذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يُثْبِتْ فَالْقَوْلُ لِلْمُقَرِّ لَهُ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
مِثَالٌ لِلْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ: وَلَكِنْ إذَا قَالَ، إنْ أَتَى أَوَّلُ الشَّهْرِ الْفُلَانِيِّ، أَوْ يَوْمٌ قَاسِمٌ، أَوْ يَوْمُ الْعِيدِ فَإِنَّنِي مَدِينٌ لَك بِكَذَا.
فَحَيْثُ إنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ تَعْلِيقٌ صَالِحٌ لِحُلُولِ الْأَجَلِ، وَأَصْبَحَ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ الْعُرْفُ لَيْسَ تَعْلِيقَ الْإِقْرَارِ بِشَرْطٍ بَلْ إقْرَارٌ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا صَدَّقَ الْمُقَرُّ لَهُ الْأَجَلَ يَلْزَمُ تَسْلِيمُ الْمُقَرَّ بِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ عِنْدَ حُلُولِ ذَلِكَ الْوَقْتِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٤٠) لِأَنَّ مِنْ الْعَادَةِ ذِكْرَ ذَلِكَ لِبَيَانِ مُدَّةِ الْأَجَلِ
стр. 2335
فَلِذَلِكَ يُتْرَكُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ بِنَاءً عَلَى الْعُرْفِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يُصَدِّقْ الْمُقَرُّ لَهُ الْأَجَلَ، وَعَجَزَ الْمُقِرُّ عَنْ إثْبَاتِهِ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ عَلَى عَدَمِ الْأَجَلِ لِلْمُقَرِّ لَهُ فَيَجِبُ تَأْدِيَةُ الْمُقَرِّ بِهِ فِي الْحَالِ (الْخَانِيَّةُ بِإِيضَاحٍ) .
الْإِقْرَارُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ.
قَدْ ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٥٧٢) ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ الْوَاقِعَ بِخِيَارِ شَرْطٍ صَحِيحٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُ الْمُقَرِّ لَهُ لِلْخِيَارِ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ) .
مَثَلًا: لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ مِنْ جِهَةِ الْقَرْضِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، أَوْ قَالَ: إنَّنِي غَصَبْت مَالَهُ، أَوْ إنَّنِي اسْتَوْدَعْتُهُ، أَوْ اسْتَعَرْته عَلَى أَنْ أَكُونَ مُخَيَّرًا فِي إقْرَارِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيَلْزَمُهُ الْمُقَرُّ بِهِ بِلَا خِيَارٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ مِنْ الْخِيَارِ الْفَسْخُ.
وَلَمَّا كَانَ الْإِقْرَارُ إخْبَارًا كَانَ وَاجِبَ الْعَمَلِ بِهِ إذَا كَانَ صَادِقًا، وَوَاجِبَ الرَّدِّ إذَا كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ غَيْرُ مُحْتَمَلِ الْفَسْخِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِالِاخْتِيَارِ، أَوْ عَدَمِ الِاخْتِيَارِ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ فِيهِ خِيَارٌ (الدُّرَرُ وَالْعِنَايَةُ وَالْكِفَايَةُ) .
سُؤَالٌ: الْإِقْرَارُ يُرَدُّ بِالرَّدِّ وَهَذَا فَسْخٌ.
الْجَوَابُ: الرَّدُّ لَيْسَ فَسْخًا لِلْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ شَيْءٍ بَعْدَ الثُّبُوتِ، وَرَدُّ الْإِقْرَارِ هُوَ بِحَسَبِ الْأَصْلِ عَدَمُ ثُبُوتِ الْإِقْرَارِ وَلَيْسَ رَفْعًا بَعْدَ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْإِقْرَارُ مُحْتَمِلًا لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَإِذَا كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ يَثْبُتُ الْكَذِبُ فِي حَقِّهِ (التَّكْمِلَةُ)
[ (الْمَادَّةُ ١٥٨٥) الْإِقْرَارُ بِالْمُشَاعِ]
الْمَادَّةُ (١٥٨٥) - (الْإِقْرَارُ بِالْمُشَاعِ صَحِيحٌ فَعَلَيْهِ إذَا أَقَرَّ أَحَدٌ بِحِصَّةٍ شَائِعَةٍ مِنْ مِلْكِ عَقَارٍ فِي يَدِهِ كَالنِّصْفِ، أَوْ الثُّلُثِ وَصَدَّقَهُ الْآخَرُ ثُمَّ تُوُفِّيَ الْمُقِرُّ قَبْلَ الْإِفْرَازِ وَالتَّسْلِيمِ فَلَا يَكُونُ شُيُوعُ الْمُقَرِّ بِهِ مَانِعًا لِصِحَّةِ هَذَا الْإِقْرَارِ) .
الْإِقْرَارُ بِالْمُشَاعِ صَحِيحٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمُشَاعُ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ، أَوْ غَيْرَ قَابِلٍ.
لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ وَلَيْسَ بِإِنْشَاءٍ فَإِنَّ التَّمْلِيكَ بِلَا بَدَلٍ هِبَةٌ فَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ إنْشَاءً لَمَا جَازَ الْإِقْرَارُ بِمُشَاعٍ قَابِلِ الْقِسْمَةِ.
اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (١٥٧٢) فَعَلَيْهِ لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ لِآخَرَ بِحِصَّةٍ شَائِعَةٍ مِنْ الْمِلْكِ الْعَقَارِ الَّذِي فِي يَدِهِ كَإِقْرَارِهِ بِنِصْفِهِ، أَوْ ثُلُثِهِ وَصَدَّقَ الْمُقَرُّ لَهُ ذَلِكَ ثُمَّ تُوُفِّيَ الْمُقِرُّ قَبْلَ الْإِفْرَازِ، وَقَبْلَ تَسْلِيمِ الْحِصَّةِ الْمُفْرَزَةِ لِلْمُقَرِّ لَهُ فَلَا يَكُونُ شُيُوعُ الْمُقَرِّ بِهِ مَانِعًا لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ.
وَلَيْسَ تَعْبِيرُ (عَقَارٍ) الْوَارِدُ فِي مِثَالِ الْمَجَلَّةِ تَعْبِيرًا احْتِرَازِيًّا فَيَصِحُّ أَيْضًا الْإِقْرَارُ بِالْمَالِ الْمَنْقُولِ الْمُشَاعِ.
كَمَا أَنَّ تَعْبِيرَ (تَصْدِيقٍ) لَيْسَ احْتِرَازًا مِنْ السُّكُوتِ بَلْ احْتِرَازٌ مِنْ الرَّدِّ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٥٨٠)
[ (الْمَادَّةُ ١٥٨٦) إقْرَارُ الْأَخْرَسِ بِإِشَارَتِهِ الْمَعْهُودَةِ]
الْمَادَّةُ (١٥٨٦) - (إقْرَارُ الْأَخْرَسِ بِإِشَارَتِهِ الْمَعْهُودَةِ مُعْتَبَرٌ، وَلَكِنَّ إقْرَارَ النَّاطِقِ بِإِشَارَتِهِ لَا يُعْتَبَرُ، مَثَلًا لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِلنَّاطِقِ: هَلْ لِفُلَانٍ عَلَيْكَ كَذَا دَرَاهِمَ فَلَا يَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْحَقِّ إذَا خَفَضَ رَأْسَهُ) .
إقْرَارُ الْأَخْرَسِ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمُعَامَلَاتِ بِإِشَارَتِهِ الْمَعْهُودَةِ، أَوْ كِتَابَتِهِ مُعْتَبَرٌ.
فَلِذَلِكَ إذَا أَقَرَّ الْأَخْرَسُ
стр. 2336
بِبَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ رَهْنٍ أَوْ نِكَاحٍ، أَوْ طَلَاقٍ، أَوْ إبْرَاءٍ وَقِصَاصٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِيهِ بِإِشَارَتِهِ الْمَخْصُوصَةِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكِتَابَةِ.
وَالْإِشَارَةُ الْمَعْهُودَةُ تَكُونُ بِأَعْضَائِهِ كَالْيَدِ وَالْحَاجِبِ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا كَانَ الْقَاضِي وَاقِفًا عَلَى مَعْنَى إشَارَةِ الْأَخْرَسِ فَبِهَا، وَإِلَّا يَسْأَلُ مِنْ إخْوَانِ الْأَخْرَسِ أَوْ أَصْدِقَائِهِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ مَا هُوَ الْمَقْصِدُ مِنْ تِلْكَ الْإِشَارَةِ، وَهَؤُلَاءِ يُوَضِّحُونَ وَيُفَسِّرُونَ بِحُضُورِ الْقَاضِي مَقْصِدَ الْأَخْرَسِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ عُدُولًا، وَمِمَّنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ كَلَامُ الْفَاسِقِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) أَمَّا إقْرَارُهُ فِي الْحُدُودِ، وَلَوْ كَانَ حَدَّ الْقَذْفِ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
وَيُشَارُ بِقَوْلِهِ (إشَارَتِهِ الْمَعْهُودَةِ) بِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْإِشَارَةُ غَيْرَ مَعْهُودَةٍ لَا يُعْمَلُ بِهَا.
أَمَّا إقْرَارُ مُعْتَقَلِ اللِّسَانِ فَإِذَا دَامَ اعْتِقَالُهُ إلَى زَمَنِ مَوْتِهِ فَإِقْرَارُهُ، وَإِشْهَادُهُ صَحِيحَانِ.
اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧٠) (النَّتِيجَةُ وَالطَّحْطَاوِيُّ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
وَلَكِنَّ إقْرَارَ النَّاطِقِ بِإِشَارَتِهِ لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ، وَإِقْرَارُ النَّاطِقِ بِإِشَارَتِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَالِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، أَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْحُدُودِ.
مَثَلًا، لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِلنَّاطِقِ: هَلْ لِفُلَانٍ عَلَيْكَ كَذَا دَرَاهِمَ حَقًّا؟ فَلَا يَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْحَقِّ إذَا خَفَضَ رَأْسَهُ، كَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِشَخْصٍ نَاطِقٍ: هَلْ بِعْت دَارَكَ، أَوْ هَلْ أَجَّرْتهَا، أَوْ وَهَبْتَهَا فَخَفَضَ ذَلِكَ الشَّخْصُ رَأْسَهُ فَلَا يَكُونُ بِتَخْفِيضِهِ رَأْسَهُ قَدْ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ أَوْ الْإِجَارَةِ، أَوْ الْهِبَةِ.
تَتِمَّةٌ فِي حَقِّ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ وَالْأَقْرِبَاءِ وَالزَّوْجِيَّةِ: الْإِقْرَارُ بِالْوَلَدِ، لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ أَنَّ الْوَلَدَ الْفُلَانِيَّ، وَلَدُهُ فَيَصِحُّ هَذَا الْإِقْرَارُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَلَدُ فِي مَوْلِدِهِ أَوْ فِي الْبَلْدَةِ الْمَوْجُودِ فِيهَا (أَيْ بَلْدَةِ مَوْضِعِ الْإِقْرَارِ وَالدَّعْوَى) مَجْهُولَ النَّسَبِ لَكِنْ إذَا كَانَ الْوَلَدُ مَجْهُولَ النَّسَبِ فِي مَوْضِعِ الدَّعْوَى، وَحُكِمَ بِنَسَبِهِ لِلْمُدَّعِي وَوَرَدَتْ بَيِّنَةٌ مِنْ مَوْلِدِهِ بِأَنَّ نَسَبَهُ لِغَيْرِ الْمُدَّعِي فَتَبْطُلُ بِذَلِكَ الدَّعْوَى الْأُولَى.
أَمَّا إذْ ثَبَتَ النَّسَبُ بِالْإِقْرَارِ الْوَاقِعِ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ مَجْهُولَ النَّسَبِ فِي مَوْلِدِهِ فَلَا تُنْقَضُ الدَّعْوَى بَعْدَ ذَلِكَ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي فِي سِنٍّ بِحَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ الْوَلَدُ صَالِحًا لَأَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ أَيْ إذَا كَانَ الْمُقِرُّ رَجُلًا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ الْوَلَدِ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَنِصْفٍ، وَإِذَا كَانَ امْرَأَةً أَنْ تَكُونَ أَكْبَرَ بِتِسْعِ سِنِينَ وَنِصْفٍ.
اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٥٧٢) الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يُصَدِّقَ الْوَلَدُ الْمُقِرَّ إذَا كَانَ الْوَلَدُ مُمَيِّزًا.
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا فَلَا حَاجَةَ لِلتَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ فِي يَدِ الْغَيْرِ بِمَنْزِلَةِ الْبَهِيمَةِ، وَتَصْدِيقُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِخِلَافِ الْمُمَيِّزِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ.
فَإِذَا أَقَرَّ أَحَدٌ بِالْوَلَدِ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ وَيُشَارِكُ هَذَا الْوَلَدُ الْوَرَثَةَ الْأُخْرَى فِي الْإِرْثِ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ ثُبُوتِ النَّسَبِ. وَلَيْسَ لِلْمُقِرِّ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّجُوعُ عَنْ إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْإِبْطَالِ بَعْدَ الثُّبُوتِ.
أَمَّا إذَا عُدِمَ أَحَدُ هَذِهِ الشُّرُوطِ كَأَنْ يَكُونَ نَسَبُ الْوَلَدِ ثَابِتًا مِنْ شَخْصٍ آخَرَ لَوْ كَانَ حَسَبَ السِّنِّ غَيْرَ صَالِحٍ؛ لَأَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ.
أَوْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا مُمَيِّزًا
стр. 2337
فَلَمْ يُصَدِّقْ الْمُقِرَّ.
فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ الْمُقِرِّ.
الْإِقْرَارُ بِالْأَبَوَيْنِ: إذَا أَقَرَّ أَحَدٌ بِأَبَوَيْهِ، وَإِنْ عَلَيَا فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
مَثَلًا لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّ هَذَا أَبِي فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ مَجْهُولَ النَّسَبِ كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ صَالِحًا لَأَنْ يَكُونَ وَلَدًا لِذَلِكَ الرَّجُلِ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَتَكْمِلَتُهُ فِي إقْرَارِ الْمَرِيضِ) .
الْإِقْرَارُ بِالْقَرَابَةِ الْمُوجِبَةِ تَحْمِيلَ النَّسَبِ لِلْغَيْرِ: لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ لِآخَرَ بِنَسَبٍ عَلَى الْغَيْرِ بِصُورَةٍ لَا تُثْبِتُ نَسَبَ ذَلِكَ الشَّخْصِ مِنْ الْغَيْرِ فَهَذَا الْإِقْرَارُ صَحِيحٌ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ أَحْكَامٍ كَالْإِقْرَارِ بِالْأَخِ وَالْجَدِّ وَبِالْعَمِّ وَبِابْنِ الِابْنِ.
وَقَدْ أَعْطَيْتُ بَعْضَ تَفْصِيلَاتٍ عَنْ ذَلِكَ فِي مُؤَلَّفِنَا تَسْهِيلِ الْفَرَائِضِ.
مَثَلًا لَوْ تُوُفِّيَ أَحَدٌ وَتَرَكَ وَلَدَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ بِأَنَّ شَخْصًا ابْنُ أَبِيهِ فَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ الْمَالُ فَيَرُدُّ الْمُقِرُّ نِصْفَ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْحِصَّةِ الْإِرْثِيَّةِ لِذَلِكَ الشَّخْصِ الثَّالِثِ.
أَمَّا إقْرَارُهُ مِنْ حَيْثُ النَّسَبِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ فَلَا يُعَدُّ الشَّخْصُ الْمَذْكُورُ وَلَدًا لِلْمُتَوَفَّى (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَتَكْمِلَتُهُ) .
الْإِقْرَارُ بِالزَّوْجِيَّةِ: لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْفُلَانِيَّةَ هِيَ زَوْجَتُهُ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ الْآتِيَةِ:
١ - يَجِبُ أَلَا تَكُونَ تِلْكَ الْمَرْأَةُ فِي نِكَاحِ الْغَيْرِ، أَوْ عِدَّتِهِ.
٢ - يَجِبُ أَلَا تَكُونَ فِي عِصْمَةِ الْمُقِرِّ امْرَأَةٌ أُخْرَى لَا يَجُوزُ جَمْعُهَا مَعَهَا كَأُخْتِهَا مَثَلًا.
٣ - أَلَا يَكُونَ فِي نِكَاحِ الْمُقِرِّ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ غَيْرُهَا.
٤ - أَلَا تَكُونَ الْمَذْكُورَةُ مَجُوسِيَّةً أَوْ وَثَنِيَّةً مِمَّنْ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ)
[خُلَاصَةُ الْبَابِ الثَّانِي فِي وُجُوهِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ]
خُلَاصَةُ الْبَابِ الثَّانِي وُجُوهُ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ ١ - الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ صَحِيحٌ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ كَالْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ وَالسَّرِقَةِ وَلَكِنَّ الْإِقْرَارَ الْمُتَضَمِّنَ (١) التَّرْدِيدَ (٢) وَنَفْيَ الْمِلْكِ (٣) وَالِاشْتِرَاكَ لَا يُعَدُّ إقْرَارًا بِالْمَجْهُولِ.
شَرْحُ الْمَادَّةِ (١٥٧٩) ٢ - الْإِقْرَارُ مِنْ وَجْهٍ إخْبَارٌ فَلِذَلِكَ: (١) لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصْدِيقِ وَقَبُولِ الْمُقَرِّ لَهُ (٢) إقْرَارُ الْمُشَاعِ صَحِيحٌ.
стр. 2338
الْإِقْرَارُ مِنْ وَجْهٍ إنْشَاءٌ فَلِذَلِكَ يُرَدُّ بِرَدِّ الْمُقَرِّ لَهُ، وَلَكِنَّ رَدَّ الْمُقَرِّ لَهُ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ فَقَطْ فَإِذَا تَجَاوَزَ الْغَيْرَ فَلَا حُكْمَ لَهُ.
٤ - الِاخْتِلَافُ فِي سَبَبِ الْمُقَرِّ بِهِ لَيْسَ مَانِعًا مِنْ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ، وَيَبْطُلُ السَّبَبُ.
٥ - إذَا ذَكَرَ الْمُقِرُّ مَطْلُوبَ الْمُدَّعِي صَرَاحَةً، أَوْ أَشَارَ إلَى مَطْلُوبِهِ بِضَمِيرٍ فَيَكُونُ قَدْ أَقَرَّ لِلْمُدَّعِي بِالْمَطْلُوبِ الْمَذْكُورِ (الْمَسَائِلُ الْمُتَفَرِّعَةُ عَنْهُ. الْمَادَّةُ ١٥٨٢ وَشَرْحُهَا)
إذَا لَمْ يَذْكُرْ الْإِقْرَارَ صَرَاحَةً، أَوْ لَمْ يُشِرْ إلَيْهِ فَلَا يُعَدُّ إقْرَارًا.
٦ - الْإِقْرَارُ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ بَاطِلٌ.
إذَا وَقَعَ بِخِيَارِ الشَّرْطِ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَلَكِنَّ الْإِقْرَارَ صَحِيحٌ، وَعَلَيْهِ فَالْإِقْرَارَانِ الْآتِيَانِ بَاطِلَانِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَصَحِيحٌ:
١ - وَصْلُ الْمُقِرِّ إقْرَارَهُ بِلَفْظِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
٢ - وَصْلُ الْمُقِرِّ إقْرَارَهُ بِلَفْظِ إنْ شَاءَ فُلَانٌ.
٣ - تَعْلِيقُ الْإِقْرَارِ عَلَى شَرْطٍ كَائِنٍ.
٧ - إقْرَارُ الْأَخْرَسِ بِإِشَارَتِهِ الْمَعْهُودَةِ وَكِتَابَتِهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمُعَامَلَاتِ مُعْتَبَرٌ.
إشَارَةُ النَّاطِقِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.
стр. 2339
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْإِقْرَارِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ] [ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْإِقْرَارِ الْعُمُومِيَّةِ]
ٍ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْإِقْرَارِ الْعُمُومِيَّةِ
الْمَادَّةُ (١٥٨٧) - (يُلْزَمُ الْمَرْءُ بِإِقْرَارِهِ بِمُوجِبِ الْمَادَّةِ التَّاسِعَةِ وَالسَّبْعِينَ، وَلَكِنْ إذَا كُذِّبَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَلَا يَبْقَى لِإِقْرَارِهِ حُكْمٌ، فَعَلَيْهِ لَوْ ظَهَرَ مُسْتَحِقٌّ لِشَيْءٍ فِي يَدِ آخَرَ قَدْ اشْتَرَاهُ، وَادَّعَى الْمُسْتَحِقُّ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَلَدَى الْمُحَاكَمَةِ قَالَ ذَلِكَ الْآخَرُ: إنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ لِفُلَانٍ، وَقَدْ بَاعَنِي إيَّاهُ. إلَّا أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ أَثْبَتَ دَعْوَاهُ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ لَهُ. فَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ، وَيَسْتَرِدُّ ثَمَنَ الْمَبِيعِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَرَّ حِينَ الْمُحَاكَمَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ مَالُ الْبَائِعِ، وَأَنْكَرَ دَعْوَةَ الْمُسْتَحِقِّ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ قَدْ كُذِّبَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمٌ فَلَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ الرُّجُوعِ)
يُلْزَمُ الْمَرْءُ بِإِقْرَارِهِ حَسَبَ مَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٧٩) وَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ الْوَاقِعُ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِنَفْسِ الْأَمْرِ إذَا لَمْ يُكَذَّبْ إقْرَارُهُ شَرْعًا.
الْإِلْزَامُ بِالْإِقْرَارِ أَشَدُّ أَسْبَابِ الْحُكْمِ، وَأَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْإِقْرَارِ مَقْطُوعٌ بِهِ بَيْنَمَا الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ مَظْنُونٌ فِيهِ (مُعِينُ الْحُكَّامِ) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْإِقْرَارُ مُطَابِقًا لِنَفْسِ الْأَمْرِ فَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْمَشْرُوطِ لَهُ بِغَلَّةِ الْوَقْفِ، أَوْ بِبَعْضِهَا بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ تِلْكَ الْغَلَّةَ، وَأَنَّ فُلَانًا يَسْتَحِقُّهَا فَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ، وَلَوْ خَالَفَ مَضْمُونَ الْوَقْفِيَّةِ، وَيَسْقُطُ حَقُّ الْمُقِرِّ.
وَلَكِنْ لَوْ قَالَ الْمَشْرُوطُ لَهُ: قَدْ جَعَلْت غَلَّةَ الْوَقْفِ لِفُلَانٍ، أَوْ أَسْقَطْت حَقِّي مِنْهَا فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ (الدُّرُّ الْمُخْتَارِ فِي الْإِقْرَارِ) .
وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ الْمَسَائِلُ الْآتِيَةُ: ١ - لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي الْإِقْرَارِ حَسَبَ مَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٥٨٨) .
стр. 2340
إذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ الْمَعْرُوفُ بِوَارِثٍ آخَرَ فَيَجِبُ عَلَى الْمُقِرِّ أَنْ يُؤَدِّيَ لِلْمُقَرِّ لَهُ حِصَّتَهُ الْإِرْثِيَّةَ حَسَبَ إقْرَارِهِ.
مَثَلًا لَوْ تُوُفِّيَ أَحَدٌ، وَتَرَكَ وَلَدَيْنِ (زَيْدٌ وَعَمْرٌو) وَأَقَرَّ زَيْدٌ بِأَنَّ بَكْرًا أَخُوهُمَا فَيَجِبُ عَلَى زَيْدٍ أَنْ يُؤَدِّيَ نِصْفَ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنْ التَّرِكَةِ (أَيْ الرُّبْعَ) لِبَكْرٍ وَلَيْسَ لِهَذَا الْإِقْرَارِ أَيُّ تَأْثِيرٍ عَلَى عَمْرٍو كَمَا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهَذَا الْإِقْرَارِ نَسَبُ بَكْرٍ مِنْ الْمُتَوَفَّى.
وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ أَنَّ الْإِقْرَارَ الْمَذْكُورَ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَالِ، وَلَيْسَ فِي النَّسَبِ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ تَحْمِيلَ النَّسَبِ لِلْغَيْرِ أَيْ عَلَى الْمُتَوَفَّى وَإِقْرَارٌ فِي حَقِّ الْغَيْرِ.
حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ لِلْمُقِرِّ وِلَايَةٌ عَلَى الْغَيْرِ فَلَا يَحُوزُ هَذَا الْإِقْرَارُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ (وَاقِعَاتُ الْمُفْتِينَ وَصُرَّةُ الْفَتَاوَى فِي الْإِقْرَارِ وَالدُّرُّ الْمُخْتَارِ) .
٣ - لَوْ تُوُفِّيَ أَحَدٌ وَلَهُ فِي ذِمَّةِ آخَرَ مِائَةُ دِينَارٍ وَتَرَكَ وَلَدَيْنِ وَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَنَّ وَالِدَهُ قَدْ قَبَضَ فِي حَيَاتِهِ خَمْسِينَ دِينَارًا مِنْ مَدِينِهِ الْمَذْكُورِ فَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ فِي حِصَّتِهِ فَلَيْسَ لِلْمُقِرِّ الْمَذْكُورِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ الْمَدِينِ أَمَّا الِابْنُ الْآخَرُ فَيَأْخُذُ الْخَمْسِينَ دِينَارًا، وَيَحْصُرُهَا فِي حِصَّتِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الْيَمِينَ بِطَلَبِ الْأَخِ الْمُقِرِّ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِقَبْضِ وَالِدِهِ خَمْسِينَ دِينَارًا.
٤ - لَا عُذْرَ لِلْمُقِرِّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ تَحَاسَبَ أَحَدٌ مَعَ صَرَّافٍ عَلَى الْقَرْضِ الَّذِي أَخَذَهُ وَالتَّسْلِيمَاتِ الَّتِي دَفَعَهَا وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ مَدِينٌ مِنْ بَاقِي الْحِسَابِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ نَقْضُ إقْرَارِهِ وَطَلَبُ إعَادَةِ الْحِسَابِ مَعَ الصَّرَّافِ.
سُؤَالٌ: بِمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ حَسَبَ الْمَادَّةِ (١٥٧٢) خَبَرٌ، وَالْخَبَرُ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، فَكَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَلَا يَكُونَ الْإِقْرَارُ حُجَّةً وَدَلِيلًا.
الْجَوَابُ: قَدْ ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٩) الْجَوَابُ عَلَى ذَلِكَ.
قَدْ ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٥٧٢) أَنَّ لِبَعْضِ الْأَلْفَاظِ اخْتِصَاصًا بِالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ وَلِبَعْضِهَا اخْتِصَاصًا بِالْإِقْرَارِ بِالْأَمَانَةِ.
كَوْنُ جِهَةٍ مِنْ الْكَلَامِ إقْرَارًا وَجِهَةٍ مِنْهُ دَعْوَى.
إذَا كَانَتْ جِهَةٌ مِنْ كَلَامِ الْمُقِرِّ إقْرَارًا وَجِهَةٌ مِنْهُ دَعْوَى فَيُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ.
أَمَّا جِهَةُ الدَّعْوَى فَيُكَلَّفُ بِإِثْبَاتِهَا، لِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ بِحَقِّ الْغَيْرِ يُؤَاخَذُ فِي الْحَالِ.
أَمَّا إذَا ادَّعَى عَلَى الْغَيْرِ بِحَقٍّ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ بِلَا حُجَّةٍ.
وَالْمَسَائِلُ الْمُتَفَرِّعَةُ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ هِيَ: ١ - إذَا أَقَرَّ أَحَدٌ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ بِأَنَّ الدَّيْنَ حَالٌّ، وَكَذَّبَ الْأَجَلَ فَيَلْزَمُ الدَّيْنُ حَالًّا مَا لَمْ يُثْبِتْ الْمُقِرُّ بِأَنَّ الدَّيْنَ مُؤَجَّلٌ.
وَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْإِثْبَاتِ يَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى عَدَمِ الْأَجَلِ.
حَتَّى إنَّهُ لِلْمَدِينِ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ إذَا خَافَ أَنْ يُنْكِرَ خَصْمُهُ الْأَجَلَ فِي حَالَةِ قَرَارِهِ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ أَنْ يُنْكِرَ الدَّيْنَ بِدُونِ أَنْ يَقْصِدَ إبْطَالَ حَقِّ الدَّائِنِ، وَيُقِرَّ بِالدَّيْنِ حِينَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَيُؤَدِّيَ دَيْنَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْإِيضَاحَاتِ هِيَ فِي حَالَةِ عَدَمِ ذِكْرِ الْمُقِرِّ الْأَجَلَ مَوْصُولًا.
أَمَّا إذَا ذَكَرَ الْمُقِرُّ الْأَجَلَ مَوْصُولًا بِكَلَامِهِ فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِي الْأَجَلِ أَيْضًا (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَالْبَحْرُ) .
стр. 2341
لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ عَلَى آخَرَ قَائِلًا: إنَّ لِي فِي ذِمَّتِك خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا وَأَخَذْت مِنْهَا خَمْسَةَ دَنَانِيرَ وَبَقِيَ فِي ذِمَّتِك عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَأَدِّنِي إيَّاهَا فَأَجَابَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: إنَّنِي لَمْ أَكُنْ مَدِينًا لَك بِشَيْءٍ، وَعَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ الْإِثْبَاتِ.
فَلِذَلِكَ يُؤْمَرُ الْمُدَّعِي بِأَنْ يُؤَدِّيَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْخَمْسَةَ دَنَانِيرَ الَّتِي أَقَرَّ بِقَبْضِهَا إذَا طَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّنِي أَخَذْت مِنْ فُلَانٍ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ الَّتِي أَقْرَضْتهَا لَهُ، أَوْ الَّتِي كَانَ مَدِينًا لِي بِهَا، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الشَّخْصُ دَيْنَهُ فَيُجْبَرُ الْمُقِرُّ عَلَى إعَادَةِ الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ الَّتِي أَقَرَّ بِقَبْضِهَا؛ لِأَنَّ الْقَابِضَ قَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْهُ اقْتِضَاءً بِحَقِّهِ، وَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، إذْ الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا.
فَإِذَا أَقَرَّ بِالِاقْتِضَاءِ فَقَدْ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِمَا بَرَاءَتَهُ مِنْ الضَّمَانِ، وَهُوَ تَمَلُّكُهُ عَلَيْهِ بِمَا يَدَّعِيه مِنْ الدَّيْنِ مُقَاصَّةً وَالْآخَرُ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
٣ - لَوْ قَالَ أَحَدٌ عَنْ الْحِصَانِ الَّذِي فِي يَدِهِ: إنَّ هَذَا الْحِصَانَ لِفُلَانٍ قَدْ اسْتَأْجَرْتُهُ مِنْهُ فَيُصَدَّقُ إقْرَارُهُ عَلَى كَوْنِ الْحِصَانِ لِفُلَانٍ وَيُؤَاخَذُ بِذَلِكَ.
أَمَّا قَوْلُهُ: اسْتَأْجَرْتُهُ مِنْهُ فَلَا يُقْبَلُ بِلَا بَيِّنَةٍ لِأَنَّهَا دَعْوَى بِلَا حُجَّةٍ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ) .
٤ - لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ قَائِلًا: إنَّ هَذِهِ الْعَشَرَة دَنَانِيرَ كَانَتْ وَدِيعَةً لِي عِنْدَ فُلَانٍ، وَقَدْ أَخَذْتُهَا مِنْهُ، وَادَّعَى ذَلِكَ الشَّخْصُ أَنَّ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ لَهُ فَلَهُ اسْتِرْدَادُهَا مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ قَدْ أَقَرَّ أَنَّ يَدَ ذَلِكَ الشَّخْصِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الدَّنَانِيرَ، وَادَّعَى الِاسْتِحْقَاقَ فِيهَا، وَالْآخَرُ يُنْكِرُ دَعْوَاهُ، وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ (الْهِدَايَةُ) يَعْنِي لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِآخَرَ: إنَّ هَذَا الْمَالَ كَانَ وَدِيعَةً لِي عِنْدَكَ، وَقَدْ أَخَذْتُهُ مِنْكَ وَقَالَ ذَلِكَ الشَّخْصُ: إنَّ الْمَالَ مَالِي، وَلَمْ يُثْبِتْ الْمُقِرُّ دَعْوَاهُ فَلَهُ اسْتِرْدَادُ ذَلِكَ عَيْنًا إذَا كَانَ مَوْجُودًا، وَبَدَلِهِ إذَا كَانَ مُتْلَفًا.
لِأَنَّ الْمُقِرَّ قَدْ أَقَرَّ بِوَضْعِ يَدِ الْآخَرِ عَلَى الْمَالِ وَادَّعَى اسْتِحْقَاقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ.
فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَالِ لِوَاضِعِ الْيَدِ الْحَقِيقِيِّ، وَأَنْ يُثْبِتَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقَهُ فِيهِ إذَا كَانَ مُقْتَدِرًا عَلَى الْإِثْبَاتِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
وَلَكِنْ لَيْسَ الْحُكْمُ فِي الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ:
١ - إذَا أَقَرَّ الْكَفِيلُ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ فَالْقَوْلُ بِالتَّأْجِيلِ لِلْكَفِيلِ وَلَيْسَ لِلْمُقَرِّ لَهُ (الزَّيْلَعِيّ) لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْكَفَالَةِ يُثْبِتُ بَعْضًا بِلَا شَرْطٍ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٦٥٢) .
فَلِذَلِكَ فَالْأَجَلُ فِي الْكَفَالَةِ هُوَ نَوْعٌ مِنْ الْكَفَالَةِ، وَالْكَفَالَةُ الْمُؤَجَّلَةُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَفَالَةِ.
فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْإِقْرَارُ بِنَوْعٍ مِنْ الْكَفَالَةِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالنَّوْعِ الْآخَرِ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
٢ - لَوْ أَقَرَّ الْمَدِينُ بِأَنَّهُ مَدِينٌ بِسِكَّةٍ مَغْشُوشَةٍ، وَكَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي صِفَةِ الْمَغْشُوشَةِ فَتَلْزَمُ الْمَغْشُوشَةُ؛ لِأَنَّ الْمَغْشُوشَةَ هِيَ نَوْعٌ، فَالْإِقْرَارُ بِالْمَغْشُوشَةِ هُوَ إقْرَارٌ بِالنَّوْعِ.
(تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
الْحُكْمُ فِيمَا إذَا تَكَرَّرَ الْإِقْرَارُ: إذَا تَكَرَّرَ الْإِقْرَارُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُضَافًا لِلسَّبَبِ، أَوْ لَا فَإِذَا أُضِيفَ لِسَبَبٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مُتَّحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا فَإِذَا كَانَ السَّبَبُ مُتَّحِدًا فَيَلْزَمُ دَيْنٌ وَاحِدٌ.
مَثَلًا: لَوْ قَالَ أَحَدٌ فِي مَجْلِسٍ؛ إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثَمَنِ هَذَا الْحِصَانِ، ثُمَّ قَالَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِأَنَّهُ مَدِينٌ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثَمَنِ هَذَا الْحِصَانِ، وَكَانَ الْحِصَانُ وَاحِدًا فَيَلْزَمُهُ
стр. 2342
عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَقَطْ، وَلَا يَلْزَمُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا بِسَبَبِ إقْرَارِهِ مَرَّتَيْنِ.
أَمَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ مُخْتَلِفًا فَيَلْزَمُ الْمُقِرَّ دَيْنَانِ، مَثَلًا لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ فِي مَجْلِسٍ قَائِلًا: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثَمَنِ هَذَا الْحِصَانِ ثُمَّ أَقَرَّ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ قَائِلًا: إنَّنِي مَدِينٌ لِذَلِكَ الشَّخْصِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثَمَنِ بَغْلَةٍ فَيَلْزَمُهُ الدَّيْنَانِ أَيْ الْعِشْرُونَ دِينَارًا.
أَمَّا إذَا لَمْ يُضَفْ الْإِقْرَارُ لِسَبَبٍ فَإِمَّا أَنْ يُحَرَّرَ سَنَدٌ وَحُجَّةٌ بِهِ، أَوْ لَا يُحَرَّرَ، فَإِذَا كَانَ السَّنَدُ وَالْحُجَّةُ الْمُحَرَّرَةُ وَاحِدًا فَيَلْزَمُ دَيْنٌ وَاحِدٌ؛ مَثَلًا: لَوْ قَالَ أَحَدٌ فِي مَجْلِسٍ؛ إنَّنِي مَدِينٌ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْحُجَّةِ لِفُلَانٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ثُمَّ قَالَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِأَنَّهُ مَدِينٌ لِذَلِكَ الشَّخْصِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مُشِيرًا إلَى ذَلِكَ السَّنَدِ وَالْحُجَّةِ فَيَلْزَمُهُ دَيْنٌ وَاحِدٌ أَيْ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَقَطْ، وَلَا يَلْزَمُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا بِدَاعِي أَنَّهُ أَقَرَّ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مَرَّتَيْنِ فِي مَجْلِسَيْنِ، أَمَّا إذَا كَانَ السَّنَدُ وَالْحُجَّةُ الْمُحَرَّرَةُ مُتَعَدِّدًا، وَكَانَ بِالْفَرْضِ اثْنَانِ فَيَلْزَمُهُ دَيْنَانِ، مَثَلًا لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ فِي مَجْلِسٍ قَائِلًا: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مُشِيرًا إلَى سَنَدٍ، ثُمَّ أَقَرَّ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِأَنَّهُ مَدِينٌ لِذَلِكَ الشَّخْصِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مُشِيرًا إلَى سَنَدٍ آخَرَ فَيَلْزَمُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَيُنَزَّلُ اخْتِلَافُ الصَّكِّ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِ السَّبَبِ.
فَإِذَا لَمْ يُحَرَّرْ سَنَدٌ وَحُجَّةٌ، فَإِذَا كَانَ الْإِقْرَارُ الْأَوَّلُ فِي غَيْرِ حُضُورِ الْقَاضِي، وَالْإِقْرَارُ الثَّانِي فِي حُضُورِ الْقَاضِي فَيَلْزَمُهُ دَيْنٌ وَاحِدٌ.
مَثَلًا لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ فِي مَجْلِسٍ قَائِلًا: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الْآخَرَ دَعَا الْمُقِرَّ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي فَأَقَرَّ الْمُقِرُّ أَثْنَاءَ الدَّعْوَى بِدَيْنِهِ بِالْأَلْفِ دِرْهَمٍ فَيَلْزَمُهُ الْأَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَطْ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَدِّيَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أُخْرَى حَسَبَ إقْرَارِهِ الْأَوَّلِ.
أَمَّا إذَا كَانَ كِلَا الْإِقْرَارَيْنِ فِي حُضُورِ الْقَاضِي، وَفِي مَجْلِسَيْنِ، وَادَّعَى الطَّالِبُ بِمُوجِبِ الْإِقْرَارَيْنِ، فَإِذَا ادَّعَى الْمَدِينُ وَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ بِأَنَّ الدَّيْنَ وَاحِدٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَإِذَا كَانَ الْإِقْرَارَانِ فِي غَيْرِ حُضُورِ الْقَاضِي، وَأَشْهَدَ عَلَى كُلِّ إقْرَارٍ شُهُودًا مُخْتَلِفِينَ عَنْ شُهُودِ الْإِقْرَارِ الْآخَرِ أَوْ أَشْهَدَ عَلَى أَحَدِ الْإِقْرَارَيْنِ شَاهِدًا وَاحِدًا، وَأَشْهَدَ عَلَى الْإِقْرَارِ الثَّانِي شَاهِدَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَيَلْزَمُهُ أَيْضًا دَيْنٌ وَاحِدٌ.
أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ إذَا أَشْهَدَ عَلَى إقْرَارٍ شَاهِدَيْنِ، وَأَشْهَدَ عَلَى الْإِقْرَارِ الْآخَرِ شَاهِدَيْنِ آخَرِينَ فَيَلْزَمُهُ دَيْنَانِ إذَا ادَّعَى الطَّالِبُ كِلَيْهِمَا.
وَيَلْزَمُ عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ دَيْنٌ وَاحِدٌ إذَا كَانَ الدَّيْنَانِ الْمُقَرُّ بِهِمَا مُتَسَاوِيَيْنِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُونَا مُتَسَاوِيَيْنِ فَيَلْزَمُ الْأَكْثَرُ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَصُرَّةُ الْفَتَاوَى فِي الْإِقْرَارِ وَالْخَانِيَّةُ) .
وَلَكِنْ إذَا كُذِّبَ إقْرَارُ الْمُقِرِّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَلَا يَبْقَى لِإِقْرَارِهِ حُكْمٌ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْفِقْرَةِ خَمْسُ مَسَائِلَ وَهِيَ:
١ - الِاسْتِحْقَاقُ: لَوْ ظَهَرَ مُسْتَحِقٌّ لِشَيْءٍ فِي يَدِ آخَرَ قَدْ اشْتَرَاهُ وَادَّعَاهُ الْمُسْتَحِقُّ فَقَالَ ذَلِكَ الْآخَرُ: إنَّ هَذَا الشَّيْءَ كَانَ مَالَ فُلَانٍ بَاعَنِي إيَّاهُ إلَّا أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ أَثْبَتَ دَعْوَاهُ، وَحَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِهَا فَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ، وَاسْتِرْدَادُ ثَمَنِ الْمَبِيعِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَخَذَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَرَّ حِينَ الْمُحَاكَمَةِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مَالَ الْبَائِعِ، وَأَنْكَرَ دَعْوَى الْمُسْتَحِقِّ؛ لِأَنَّ
стр. 2343
إقْرَارَهُ هَذَا.
قَدْ كُذِّبَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ.
وَلَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمٌ فَلَا يَكُونُ مَانِعًا لِلرُّجُوعِ.
اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٦٥٤) .
فَلِذَلِكَ لَوْ دَخَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِي مِلْكِ الْمُقِرِّ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاءِ، أَوْ الِاتِّهَابِ، أَوْ الْإِرْثِ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ بِدَاعِي أَنَّهُ مِلْكُهُ وَأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ حَسَبَ الْإِيضَاحَاتِ الْمُبِينَةِ فِي الْمَادَّةِ (١٥٧٢) وَلَوْ كَانَ الْمُقِرُّ قَدْ أَقَرَّ حِينَ الِاشْتِرَاءِ، أَوْ الْمُحَاكَمَةِ بِأَنَّ الْمَالَ الْمَذْكُورَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ.
اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (١٥٨٣) (الْخَانِيَّةُ) .
٢ - الرَّدُّ بِخِيَارِ الْعَيْبِ: لَوْ بَاعَ أَحَدٌ الْمَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ لِآخَرَ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي رَدَّ الْمَبِيعِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مَعِيبًا بِعَيْبٍ قَدِيمٍ، وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ الْعَيْبَ الْقَدِيمَ فَأَثْبَتَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي ذَلِكَ وَرَدَّ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ فَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ رَدُّهُ لِبَائِعِهِ بِالْعَيْبِ الْمَذْكُورِ رَغْمًا عَنْ إقْرَارِهِ حِينَ الْمُحَاكَمَةِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ، وَإِنْكَارُهُ دَعْوَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي حَيْثُ إنَّهُ قَدْ كُذِّبَ فِي ذَلِكَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَلَا يَمْنَعُهُ إقْرَارُهُ الْمَذْكُورُ مِنْ الرَّدِّ.
٣ - الْكَفَالَةُ: لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ عَلَى آخَرَ بِأَنَّهُ قَدْ كَفَلَ مَدِينَهُ فُلَانًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْكَفَالَةَ، وَأَثْبَتَ الْمُدَّعِي كَفَالَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَا، وَأَخَذَ الْمَحْكُومُ لَهُ الْمَكْفُولَ مِنْ الْكَفِيلِ فَإِذَا ادَّعَى الْكَفِيلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْمَدِينِ قَائِلًا: قَدْ كَفَلْتُك بِأَمْرِك، وَأَثْبَتَ دَعْوَاهُ تُقْبَلُ، وَيَأْخُذُ الْمَالَ الْمَكْفُولَ مِنْ الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ.
اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٦٥٧) .
٤ - الشُّفْعَةُ قَدْ ذُكِرَتْ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٩) .
٥ - مَسْأَلَةُ الدُّيُونِ الْمُخْتَلِفَةِ: إذَا أَدَّى الْمَدِينُ بِدَيْنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بَعْضَ دَيْنِهِ، وَقَالَ: إنَّنِي أَدَّيْتُ مِنْ الْجِهَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَادَّعَى الدَّائِنُ بِأَنَّهُ أَدَّاهُ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى، وَاخْتَلَفَا وَحَلَفَ الْمَدِينُ الْيَمِينَ بِأَنَّ الدَّائِنَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي ادَّعَى الْأَخْذَ مِنْهَا، وَحُكِمَ لِصَالِحِ الْمَدِينِ فَلِلدَّائِنِ أَنْ يَأْخُذَ دَيْنَهُ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى، مَثَلًا لَوْ كَانَ أَحَدٌ مَدِينًا لِآخَرَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا مِنْهَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ثَمَنُ فَرَسٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ ثَمَنُ بَغْلَةٍ وَأَدَّى الْمَدِينُ لِلدَّائِنِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَادَّعَى بِأَنَّ مَا أَدَّاهُ هُوَ ثَمَنُ الْفَرَسِ وَادَّعَى الدَّائِنُ بِأَنَّ مَا أَخَذَهُ لَيْسَ مِنْ ثَمَنِ الْفَرَسِ بَلْ ثَمَنُ الْبَغْلَةِ، وَاخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ وَقُبِلَ قَوْلُ الْمَدِينِ بِمُوجِبِ حُكْمِ الْمَادَّةِ (١٧٧٥) وَحُكِمَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَلِلدَّائِنِ أَنْ يَطْلُبَ ثَمَنَ الْبَغْلَةِ، وَلَوْ أَنَّ الدَّائِنَ قَدْ أَقَرَّ قَبْلًا بِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ ثَمَنَ الْبَغْلَةِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ هَذَا قَدْ كُذِّبَ (الْأَنْقِرْوِيُّ عَنْ الْقَاعِدِيَّةِ)
[ (الْمَادَّةُ ١٥٨٨) لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ .]
الْمَادَّةُ (١٥٨٨) - (لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَعَلَيْهِ لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِكَذَا دِرْهَمًا فَيَلْزَمُ بِإِقْرَارِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّنِي رَجَعْتُ عَنْ إقْرَارِي) .
يَتَفَرَّعُ عَنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ الْمَسَائِلُ الْآتِيَةُ:
١ - لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ بِمَجْهُولٍ ثُمَّ بَعْدَ إقْرَارِهِ بَيَّنَ وَفَسَّرَ ذَلِكَ الْمَجْهُولَ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ، وَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ التَّفْسِيرُ، وَيُجْبَرُ عَلَى التَّفْسِيرِ بِشَيْءٍ ذِي قِيمَةٍ (الدُّرَرُ) اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (١٥٧٩) .
стр. 2344
لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّ أَبِي قَدْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ، أَوْ لِعَمْرٍو، أَوْ لِبَكْرٍ كَانَ ثُلُثُ الْمَالِ لِزَيْدٍ، وَلَا يَأْخُذُ الْآخَرَانِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ قَدْ أَقَرَّ أَوَّلًا لِزَيْدٍ فَيَسْتَحِقُّ زَيْدٌ وَرُجُوعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِثْبَاتُهُ الْوَصِيَّةَ لِآخَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَالتَّكْمِلَةُ) .
٣ - لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بَلْ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَيَلْزَمُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ (الْهِدَايَةُ) .
كَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّنِي مَدِينٌ لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهِيَ ثَمَنُ مَا اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ مِنْ الْجِيفَةِ، أَوْ الْإِنْسَانِ الْحُرِّ فَإِذَا لَمْ يُصَدِّقْ الْمُقَرُّ لَهُ فَتَلْزَمُهُ الْأَلْفُ دِرْهَمٍ مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ سَوَاءٌ قَالَ عِبَارَةَ، وَهُوَ ثَمَنُ مَا اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ مَوْصُولَةً، أَوْ مَفْصُولَةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَهُوَ ثَمَنُ مَا اشْتَرَيْتُهُ إلَخْ رُجُوعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الْمَيْتَةِ وَالْجِيفَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ.
وَكَلَامُهُ هَذَا لِعَدَمِ الْوُجُوبِ (الْهِدَايَةُ) إلَّا إذَا صَدَّقَهُ أَوْ أَقَامَ الْمُقِرُّ بَيِّنَةً، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ حَرَامٌ، أَوْ رِبًا فَهِيَ لَازِمَةٌ مُطْلَقًا وَصَلَ، أَوْ فَصَلَ لِاحْتِمَالِ حِلِّهِ عِنْدَ غَيْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ زُورًا أَوْ بَاطِلًا لَزِمَهُ إنْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، وَإِلَّا لَا يَلْزَمُهُ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ) .
وَعِنْدَ الْإِمَامَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ مَوْصُولًا، وَيَلْزَمُهُ إذَا قَالَ مَفْصُولًا (التَّكْمِلَةُ) .
٤ - لَوْ قَالَ أَحَدٌ: إنَّنَا غَصَبْنَا مِنْ فُلَانٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، وَقَدْ كُنَّا عَشَرَةَ أَشْخَاصٍ وَادَّعَى الْمَغْصُوبُ مِنْهُ أَنَّ الْمُقِرَّ هُوَ الَّذِي غَصَبَ مِنْهُ مُنْفَرِدًا فَيَلْزَمُ الْمُقِرَّ كُلُّ الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: غَصَبْنَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ تُسْتَعْمَلُ لِلْوَاحِدِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُقِرَّ يُخْبِرُ عَنْ فِعْلِهِ، وَلَيْسَ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: كُنَّا عَشَرَةَ أَشْخَاصٍ رُجُوعٌ مِنْهُ عَنْ الْإِقْرَارِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
اُنْظُرْ (فِقْرَةَ إذَا قَالَ الْغَاصِبُ فِي إقْرَارِهِ: إنَّنَا قَدْ غَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمُدَّعِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ) الْوَارِدَةَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٨٩١) فَعِنْدَ الْإِمَامِ زُفَرَ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ الْعُشْرُ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْمُقِرُّ: أَقْرَضَنَا، أَوْ أَوْدَعَنَا، أَوْ أَعَارَنَا، أَوْ إنَّ لِفُلَانٍ حَقًّا عَلَيْنَا كَذَا، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ، أَوْ أَرْبَعَةُ أَشْخَاصٍ فَالِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ جَارٍ فِي ذَلِكَ.
أَمَّا لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: إنَّنَا عَشَرَةُ أَشْخَاصٍ، وَقَدْ غَصَبْنَا فَلَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ إلَّا الْعُشْرُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَا تُسْتَعْمَلُ لِلْوَاحِدِ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَالتَّكْمِلَةُ) .
إنَّ تَعْبِيرَ حُقُوقِ الْعِبَادِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَجَلَّةِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي حَدِّ الزِّنَا قَبْلَ الْحَدِّ أَوْ أَثْنَاءَ الْحَدِّ فَرُجُوعُهُ صَحِيحٌ وَيَسْقُطُ الْحَدُّ (الدُّرَرُ) .
إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِقْرَارِ لَيْسَ رُجُوعًا عَنْ الْإِقْرَارِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَيُوَضَّحُ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي: الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْإِقْرَارِ: الِاسْتِثْنَاءُ مَعْنًى، وَلَيْسَ صُورَةً هُوَ التَّكَلُّمُ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا يَعْنِي بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّكَلُّمِ بِالْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ بِاعْتِبَارِ الْحَاصِلِ مِنْ مَجْمُوعِ التَّرْكِيبِ.
أَمَّا بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ اللَّفْظِيَّةِ فَهُوَ نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ أَيْ أَنَّ صَدْرَ الْجُمْلَةِ الِاسْتِثْنَائِيَّة، وَأَوَّلُهَا نَفْيٌ وَعَجُزُهَا وَآخِرُهَا إثْبَاتٌ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُبَيَّنُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَتَنَاوَلُ الصَّدْرَ الْمُسْتَثْنَى.
مَثَلًا إنَّ لِلْقَائِلِ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً عِبَارَتَيْنِ مُطَوَّلُهُمَا: أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً، وَمُخْتَصَرُهُمَا أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ تِسْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَبِهَذِهِ الْإِيضَاحَاتِ ظَهَرَ مَعْنَى التَّكَلُّمِ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا.
стр. 2345
تَقْسِيمُ الِاسْتِثْنَاءِ: الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مُتَّصِلٌ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِخْرَاجِ وَالتَّكَلُّمِ بِالْبَاقِي.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مُنْفَصِلٌ، وَإِخْرَاجُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
شُرُوطُ الِاسْتِثْنَاءِ: لِلِاسْتِثْنَاءِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: اتِّصَالُ الْمُسْتَثْنَى بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَمْ يُوجَدْ عُذْرٌ كَالنَّفَسِ وَالسُّعَالِ وَأَخْذِ الْفَمِ.
فَلِذَلِكَ إذَا وَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ مَفْصُولًا بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ.
، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مَفْصُولًا وَبِجَوَازِهِ وَلَوْ وَقَعَ بَعْدَ سَنَةٍ.
أَمَّا إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ نِدَاءٌ فَلَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ لِلتَّنْبِيهِ وَالتَّأْكِيدِ فَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ يَا فُلَانُ إلَّا عَشَرَةً فَالِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ إذَا كَانَ مُفْرَدًا كَقَوْلِهِ: يَا فُلَانُ، أَوْ مُضَافًا كَقَوْلِهِ: يَا ابْنَ فُلَانٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمُنَادَى الْمُقَرَّ لَهُ أَوْ أَحَدًا غَيْرَهُ نَحْوَ قَوْلِكَ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ يَا عَمْرُو إلَّا عَشَرَةً.
فَالِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ.
لَكِنْ إذَا تَخَلَّلَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إشْهَادٌ، أَوْ تَسْبِيحٌ أَوْ تَهْلِيلٌ، أَوْ تَكْبِيرٌ فَيُخِلُّ الِاتِّصَالَ، فَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَاشْهَدُوا إلَّا كَذَا فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ حَصَلَ بَعْدَ تَمَامِ الْإِقْرَارِ فَالِاسْتِثْنَاءُ كَانَ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَهُوَ رُجُوعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى بَعْضَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَلِذَلِكَ فَالِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ أَيْ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ بَاطِلٌ سَوَاءٌ أَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ عَيْنَ لَفْظِ الصَّدْرِ، أَوْ بِمُسَاوِيهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّكَلُّمِ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا فَبِاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ لَا يَبْقَى بَاقٍ فَهُوَ بَاطِلٌ سَوَاءٌ أَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مَوْصُولًا أَمْ مَفْصُولًا.
وَلَوْ كَانَ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْقَابِلَةِ لِلرُّجُوعِ كَالْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ لَيْسَ رُجُوعًا بَلْ هُوَ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ اسْتِثْنَاءٌ فَاسِدٌ؛ فَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ (إنَّ مَا فِي هَذَا الْكِيسِ مِنْ الدَّرَاهِمِ لِفُلَانٍ إلَّا أَلْفًا) يُنْظَرُ: فَإِذَا كَانَ فِي الْكِيسِ دَرَاهِمُ أَكْثَرُ مِنْ الْأَلْفِ فَالزِّيَادَةُ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَالْأَلْفُ لِلْمُقِرِّ، وَإِذَا كَانَتْ أَلْفًا، أَوْ أَقَلَّ كَانَتْ لِلْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ الْمُقِرُّ بِشَيْئَيْنِ، وَاسْتَثْنَى تَمَامَ أَحَدِهِمَا فَالِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ كَمَا أَنَّهُ لَوْ اسْتَثْنَى تَمَامَ أَحَدِهِمَا وَبَعْضَ الْآخَرِ فَالِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ أَيْضًا، مَثَلًا لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: (لَهُ عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ، وَكُرُّ شَعِيرٍ إلَّا كُرَّ حِنْطَةٍ وَقَفِيزَ شَعِيرٍ) فَاسْتِثْنَاءُ الْكُرِّ وَالْقَفِيزِ بَاطِلَانِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ كُرِّ الْحِنْطَةِ لَغْوٌ، وَبَاطِلٌ لِكَوْنِهِ اسْتِثْنَاءً مُسْتَغْرِقًا.
كَمَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمَذْكُورَ قَاطِعٌ لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَاسْتِثْنَاءُ الْقَفِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَمُنْقَطِعٌ مِنْهُ فَهُوَ بَاطِلٌ خِلَافًا لَهُمَا إلَّا أَنَّهُ إذَا قُدِّمَ اسْتِثْنَاءُ الْقَفِيزِ وَأُخِّرَ اسْتِثْنَاءُ الْكُرِّ أَيْ لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: لَهُ عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ وَكُرُّ شَعِيرٍ إلَّا قَفِيزَ شَعِيرٍ وَكُرَّ حِنْطَةٍ فَاسْتِثْنَاءُ الْقَفِيزِ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ.
لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُوجَدُ فَاصِلٌ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالتَّكْمِلَةُ) .
قِيلَ: إنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ سَوَاءٌ أَكَانَ بِعَيْنِ لَفْظِ الصَّدْرِ أَوْ بِمُسَاوِيهِ.
مِثَالٌ لَعَيْنِ لَفْظِ الصَّدْرِ قَوْلُهُ: (نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا نِسَائِي) وَمِثَالُ مُسَاوِيهِ قَوْلُهُ: (نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا زَوْجَاتِي) (وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا مَمَالِيكِي) .
стр. 2346
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِ لَفْظِ الصَّدْرِ، أَوْ بِمُسَاوِيهِ بَلْ كَانَ بِغَيْرِهِ فَالِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ.
لِأَنَّ إيهَامَ الْبَقَاءِ كَافٍ فِي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ حَقِيقَةُ الْبَقَاءِ.
وَذَلِكَ بِحَسَبِ صُورَةِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ فَلَا يَضُرُّ إيهَامُ الْمَعْنَى.
مَثَلًا لَوْ قَالَ: (عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا هَؤُلَاءِ، أَوْ قَالَ: عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا سَالِمًا وَرَاشِدًا وَغَانِمًا) ، وَكَانَ جَمِيعُ عَبِيدِهِ هَؤُلَاءِ فَالِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ.
كَذَلِكَ لَوْ قَالَ ثُلُثُ مَالِي لِزَيْدٍ إلَّا أَلْفًا، وَكَانَ ثُلُثُ مَالِهِ عِبَارَةً عَنْ الْأَلْفِ فَالِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ.
وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُقَرُّ لَهُ شَيْئًا.
كَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إلَّا دِينَارًا.
، وَكَانَتْ قِيمَةُ الدِّينَارِ مُسَاوِيَةً لِلْعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ أَكْثَرَ، فَالِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ (عَلَى مَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَالْيَنَابِيعِ وَالذَّخِيرَةِ) ، وَفِي هَذَا الْحَالِ لَا يَأْخُذُ الْمُقَرُّ لَهُ شَيْئًا.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَنَاوَلَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَفْظَ الْمُسْتَثْنَى فَعَلَيْهِ إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
مَثَلًا: اسْتِثْنَاءُ الْبِنَاءِ مِنْ الْبَيْتِ، أَوْ الدَّارِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ يَدْخُلُ فِي الدَّارِ تَبَعًا، وَهُوَ وَصْفٌ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْوَصْفِ.
لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ أَمْرٌ لَفْظِيٌّ وَيَعْمَلُ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ، وَالْحَالُ أَنَّ لَفْظَ دَارٍ أَصَالَةً لَا يَتَنَاوَلُ الْبِنَاءَ بَلْ يَدْخُلُ تَبَعًا، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
إذَا أَقَرَّ الْمُقِرُّ بِدَارٍ لِزَيْدٍ وَاسْتَثْنَى الْبِنَاءَ فَتَكُونُ الدَّارُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُقَرِّ لَهُ.
فَعَلَيْهِ لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: إنَّ بِنَاءَ هَذِهِ الدَّارِ لِي، وَأَرْضُهَا لِفُلَانٍ كَانَ الْبِنَاءُ وَالْأَرْضُ لِلْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ عِنْدَمَا قَالَ: إنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِي قَدْ ادَّعَى الدَّارَ لِنَفْسِهِ، وَبِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّ أَرْضَهَا لِفُلَانٍ يَكُونُ قَدْ أَقَرَّ بِالْبِنَاءِ لِلْمُقَرِّ لَهُ تَبَعًا لِلْإِقْرَارِ بِالْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ تَبَعٌ لِلْأَرْضِ.
إنَّ هَذِهِ الْمُطَالَعَاتِ هِيَ صَحِيحَةٌ فِي الْإِقْرَارَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
أَمَّا الْإِقْرَارَاتُ بِاللُّغَةِ التُّرْكِيَّةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَجَرَيَانُ الْمُطَالَعَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا مُحْتَاجٌ لِلتَّأَمُّلِ.
إنَّ أَحَدًا يُنْشِئُ أَبْنِيَةً فِي عَرْصَةِ آخَرَ غَصْبًا، أَوْ اسْتِعَارَةً، أَوْ اسْتِئْجَارًا ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّ الدَّارَ لِي وَالْعَرْصَةَ لِفُلَانٍ.
فَكَيْفَ تُعْطَى الْعَرْصَةُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ لَا يَتَخَطَّرُ أَيُّ تُرْكِيٍّ بِأَنَّ الْبِنَاءَ هُوَ وَصْفُ الْعَرْصَةِ.
اسْتِثْنَاءُ فَصِّ الْخَاتَمِ وَنَخْلَةِ الْبُسْتَانِ وَطَوْقِ الْجَارِيَةِ كَحُكْمِ الْبُسْتَانِ فَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: (هَذَا الْخَاتَمُ لِفُلَانٍ إلَّا فَصَّهُ) فَالِاسْتِثْنَاءُ غَيْرُ صَحِيحٍ بِخِلَافِ: الْحَلْقَةُ لِفُلَانٍ وَالْفَصُّ لِي فَإِنَّهُ يَصِحُّ.
لَكِنْ إذَا قَالَ الْمُقِرُّ: إنَّ بِنَاءَ الدَّارِ لِي، وَعَرْصَتُهَا لَك فَيَكُونُ كَمَا قَالَ الْمُقِرُّ: لِأَنَّ الْعَرْصَةَ بِدُونِ الْبِنَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ بُقْعَةٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ بَيَاضُ هَذِهِ الْأَرْضِ دُونَ الْبِنَاءِ لِفُلَانٍ.
وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: إنَّ بِنَاءَ هَذِهِ الدَّارِ لِزَيْدٍ، وَأَرْضُهَا لِعَمْرٍو فَتَكُونُ كَمَا يَقُولُ؛ لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ بِالْبِنَاءِ لِزَيْدٍ أَصْبَحَ الْبِنَاءُ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إقْرَارُ الْأَرْضِ لِعَمْرٍو، وَإِخْرَاجُ الْبِنَاءِ مِنْ مِلْكِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ لَا يُصَدَّقُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ.
بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّ الْبِنَاءَ مَمْلُوكٌ لَهُ فَإِذَا أَقَرَّ بِالْأَرْضِ لِغَيْرِهِ يَتْبَعُهَا الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ مَقْبُولٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
أَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْبَيْتِ مِنْ الدَّارِ فَصَحِيحٌ حَيْثُ إنَّ الْبَيْتَ جُزْءٌ مِنْ الدَّارِ فَاسْتِثْنَاؤُهُ صَحِيحٌ كَاسْتِثْنَاءِ ثُلُثِهَا وَرُبْعِهَا.
إذْ إنَّ الْبَيْتَ اسْمٌ لِجُزْءٍ مِنْ الدَّارِ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْضٍ وَبِنَاءٍ فَيَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ
стр. 2347
بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْأَرْضُ فَكَانَ مُتَنَاوِلًا لَفْظَ الدَّارِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ إخْرَاجٌ لِمَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ الْبِنَاءِ جُزْءًا مِنْ مُسَمَّى الْبَيْتِ مَعَ أَنَّهُ وَصْفٌ مِنْ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الْوَصْفَ مُنْفَرِدًا بَلْ قَائِلًا بِالْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْأَرْضُ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى صُورَةً وَمَعْنًى، أَوْ مَعْنًى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَيْ مِنْهُ فَلِذَلِكَ كَمَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ جِنْسٍ مِنْ الْمُقَدَّرَاتِ مِنْ بَعْضِهِ يَجُوزُ أَيْضًا اسْتِثْنَاءُ جِنْسٍ مِنْ الْمُقَدَّرَاتِ مِنْ جِنْسِ مُقَدَّرَاتٍ أُخْرَى.
فَعَلَيْهِ لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: (لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ كُرٍّ حِنْطَةً إلَّا كُرَّيْنِ) كَانَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ صُورَةً وَمَعْنًى مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَالِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ.
كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا، أَوْ عَدَدِيًّا مُتَقَارِبًا، وَكَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ فَالِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ يَكُونُ الْمُسْتَثْنَى قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّ الْكَيْلِيَّ وَالْآخَرَيْنِ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَمَا تَثْبُتُ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فِي الذِّمَّةِ.
فَعَلَيْهِ فَإِنَّ هَذِهِ فِي حُكْمِ الثُّبُوتِ فِي الذِّمَّةِ كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ مَعْنًى فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي مَعْنًى لَا صُورَةً كَأَنَّهُ قَالَ: ثَبَتَ لَكَ فِي ذِمَّتِي كَذَا إلَّا كَذَا أَيْ إلَّا قِيمَةَ كَذَا، وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعْنًى فَقَطْ، فَإِذَا اسْتَغْرَقَ الْمُسْتَثْنَى جَمِيعَ قِيمَةِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ يَصِحُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِغْرَاقَ قَدْ وَقَعَ اسْتِغْرَاقًا غَيْرَ مُسَاوٍ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَيْ مِنْهُ وَلَوْ مَعْنًى فَالِاسْتِثْنَاءُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلِذَلِكَ فَاسْتِثْنَاءُ غَيْرِ الْمُقَدَّرَاتِ مِنْ الْمُقَدَّرَاتِ لَيْسَ صَحِيحًا قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا.
مَثَلًا لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: (عَلَيَّ أَلْفِ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا) فَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ غَيْرُ صَحِيحٍ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا.
لَكِنْ حَيْثُ لَا يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ، وَلَا يَمْتَنِعُ بِهِ صِحَّةُ الْإِقْرَارِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ جَهَالَةَ الْمُقَرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ، وَلَكِنَّ جَهَالَةَ الْمُسْتَثْنَى تَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ.
مَسَائِلُ الِاسْتِثْنَاءِ: إذَا اسْتَثْنَى الْمُقِرُّ بَعْضَ الْمُقَرِّ بِهِ مُتَّصِلًا بِإِقْرَارِهِ فَالِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ، وَيَلْزَمُ الْبَاقِيَ الْمُقِرُّ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ قَابِلٍ لِلْقِسْمَةِ.
مَثَلًا لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: هَذِهِ الْفَرَسُ لِفُلَانٍ إلَّا ثُلُثَهَا، أَوْ ثُلُثَيْهَا فَصَحِيحٌ، وَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى يَكُونُ ثُلُثَا الْفَرَسِ لِلْمُقِرِّ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ يَكُونُ ثُلُثُهَا لَهُ.
يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَيْ أَكْثَرَ مِنْ الْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ فَعَلَيْهِ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ التِّسْعِينَ مِنْ الْمِائَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمَالِكٍ وَالْفَرَّاءِ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ غَيْرُ صَحِيحٍ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ مِنْ الْبَاقِي.
فَلَوْ قَالَ أَحَدٌ لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ سِتَّ طَلْقَاتٍ إلَّا أَرْبَعًا) فَالِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ، وَتَقَعُ طَلْقَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ السِّتُّ لَا صِحَّةَ لَهَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَزِيدُ عَنْ الثَّلَاثِ.
إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى عَدَدَيْنِ بَيْنَهُمَا حَرْفُ شَكٍّ فَعَلَى رِوَايَةٍ يُعْتَبَرُ الْأَقَلُّ مُسْتَثْنًى، وَعَلَى رِوَايَةٍ يُعْتَبَرُ الْأَكْثَرُ مَثَلًا، لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ، أَوْ خَمْسِينَ فَعَلَى رِوَايَةٍ تُعَدُّ الْخَمْسُونَ مُسْتَثْنًى فَقَطْ وَيُلْزَمُ الْمُقِرُّ بِتِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْمِائَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَخُرُوجُ الْأَقَلِّ (الْخَمْسُونَ) مُتَيَقِّنُ.
وَعَلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى تَلْزَمُهُ تِسْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَيَقُولُ قَاضِي خَانْ عَنْ ذَلِكَ (إنَّ هَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ) .
стр. 2348
إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولًا فَيَثْبُتُ الْأَكْثَرُ.
مَثَلًا لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: (لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا شَيْئًا، أَوْ إلَّا بَعْضًا، أَوْ إلَّا قَلِيلًا) فَيَلْزَمُهُ وَاحِدٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ الشَّكُّ فِي الْمُخْرَجِ فَيُحْكَمُ بِخُرُوجِ الْأَقَلِّ، وَهُوَ مَا دُونَ النِّصْفِ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الشَّيْءِ اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ عُرْفًا فَأَوْجَبْنَا النِّصْفَ وَزِيَادَةَ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ أَدْنَى مَا تَحِقُّ بِهِ الْقِلَّةُ النَّقْصُ عَنْ النِّصْفِ بِدِرْهَمٍ
[ (الْمَادَّةُ ١٥٨٩) إذَا ادَّعَى أَحَدٌ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إقْرَارِهِ .]
الْمَادَّةُ (١٥٨٩) - (إذَا ادَّعَى أَحَدٌ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إقْرَارِهِ فَيَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى عَدَمِ كَوْنِ الْمُقِرِّ كَاذِبًا. مَثَلًا لَوْ أَعْطَى أَحَدٌ سَنَدًا لِآخَرَ مُحَرَّرًا فِيهِ: إنَّنِي قَدْ اسْتَقْرَضْتُ كَذَا دَرَاهِمَ مِنْ فُلَانٍ ثُمَّ قَالَ: إنَّنِي، وَإِنْ كُنْتُ أَعْطَيْتُ هَذَا السَّنَدَ لَكِنَّنِي مَا أَخَذْتُ الْمَبْلَغَ الْمَذْكُورَ لِحَدِّ الْآنَ، يَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى عَدَمِ كَوْنِ الْمُقِرِّ كَاذِبًا فِي إقْرَارِهِ هَذَا) .
لَوْ أَقَرَّ أَحَدٌ لِآخَرَ بِحَقٍّ وَادَّعَى الْمُقِرُّ بَعْدَ إقْرَارِهِ، وَوَرَثَتُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إقْرَارِهِ الَّذِي وَقَعَ، أَوْ هَازِلٌ فِيهِ، أَوْ أَنَّ الْإِقْرَارَ تَلْجِئَةٌ فَيَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ بِأَنَّ الْمُقِرَّ غَيْرُ كَاذِبٍ فِي إقْرَارِهِ أَوْ هَازِلٍ فِيهِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ فِي الْإِقْرَارِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمُقِرُّ.
، أَوْ عَلَى عَدَمِ كَوْنِ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ تَلْجِئَةً سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الْحَقُّ دَيْنًا، أَوْ كَانَ غَيْرَ دَيْنٍ كَالْإِرْثِ (الْمُنْتَقَى وَالتَّنْقِيحُ) حَيْثُ إنَّ الْعَادَةَ الْجَارِيَةَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ يُحَرِّرُ السَّنَدَ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُسَلِّمُهُ لِلْمُقْرِضِ قَبْلَ قَبْضِهِ الْمَقْرُوضَ، وَيَأْخُذُ الْمَقْرُوضَ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَلِذَلِكَ فَالْإِقْرَارُ الْوَاقِعُ لَا يَكُونُ دَلِيلًا وَحُجَّةً.
إنَّ هَذِهِ الْمَادَّةَ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ وَقَوْلُهُ اسْتِحْسَانِيٌّ، وَقَدْ قَبِلَتْ الْمَجَلَّةُ هَذَا الْقَوْلَ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَكَثْرَةِ الْخِدَاعِ وَالْخِيَانَاتِ وَلِأَنَّهُ مِنْ الْمُحْتَمَلِ ضَرَرُ الْمُقِرِّ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ ضَرَرِ الْمُقَرِّ لَهُ مِنْ حَلِفِ الْيَمِينِ إذَا كَانَ صَادِقًا (الدُّرَرُ وَالْغُرَرُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
إلَّا أَنَّ دَعْوَى الْكَذِبِ وَالْهَزْلِ وَالتَّلْجِئَةِ يَحْلِفُ مِنْ أَجْلِهَا الْمُقَرُّ لَهُ قَبْلَ لُحُوقِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُقَرِّ عَلَيْهِ، أَمَّا بَعْدَ لُحُوقِ الْحُكْمِ فَلَا يُقْبَلُ ادِّعَاءٌ كَهَذَا، وَلَا يَجْرِي التَّحْلِيفُ (تَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ وَفَتَاوَى ابْنِ السُّعُودِ فِي الْإِقْرَارِ) .
أَمَّا إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَبَعْدَ أَنْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحُضُورِ الْحَاكِمِ بِالْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ ادَّعَى الْمُقِرُّ بِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إقْرَارِهِ قَبْلَ لُحُوقِ الْحُكْمِ لِلْمُقَرِّ بِهِ فَهَلْ يَلْزَمُ الْيَمِينُ؟ ؟ فَلْيُحَرَّرْ، أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَمُحَمَّدٍ فَلَا يَجْرِي التَّحْلِيفُ حَسَبَ هَذِهِ الْمَادَّةِ؛ لِأَنَّ التَّحْلِيفَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ، وَدَعْوَى الْكَذِبِ هَذِهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِلتَّنَاقُضِ فِيهَا (الْجِزْيَةُ) .
يُمْكِنُ إثْبَاتُ كَذِبِ الْإِقْرَارِ.
، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: إنَّكَ مَدِينٌ لِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ حَتَّى إنَّكَ أَقْرَرْتَ بِذَلِكَ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، قَدْ قُلْتَ لِي بِأَنْ أُحَرِّرَ سَنَدًا وَأَعْتَرِفَ فِيهِ بِأَنَّنِي
стр. 2349
قَبَضْتُ كَذَا دَنَانِيرَ وَأُسَلِّمَهُ لَكَ وَإِنَّكَ سَتُعْطِينِي بَعْدَ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ الْمَذْكُورَ، وَإِنَّنِي حَسَبَ ذَلِكَ الِاتِّفَاقِ وَالْمُوَاضَعَةِ أَقْرَرْتُ فَإِذَا أَثْبَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ وَالْمُوَاضَعَةَ يُقْبَلُ إثْبَاتُهُ، وَيُحْكَمُ بِإِبْطَالِ إقْرَارِهِ (فَتَاوَى أَبِي السُّعُودِ وَالْبَهْجَةُ وَهَامِشُ الْبَهْجَةِ) .
تُسْرَدُ الْمُطَالَعَاتُ الْآتِيَةُ تَفَقُّهًا: يُمْكِنُ إثْبَاتُ كَوْنِ الْإِقْرَارِ وَقَعَ صَحِيحًا أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْإِقْرَارِ كَذِبٌ، وَفِي هَذِهِ الْحَالِ يَلْزَمُ تَحْلِيفُ الْمُقَرِّ لَهُ.
وَهُوَ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ بِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إقْرَارِهِ الْوَاقِعِ.
بِأَنْ ادَّعَى أَنَّ السَّنَدَ الَّذِي حَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ مَدِينًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَإِنْ كَانَ أَعْطَاهُ لِلْمُدَّعِي إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ الدَّنَانِيرَ مِنْهُ، وَكُلِّفَ الْمُدَّعِي بِحَلِفِ الْيَمِينِ فَقَالَ: بِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالشُّهُودِ بِأَنَّهُ سَلَّمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَيَلْزَمُ اسْتِمَاعُ الشُّهُودِ، وَلَا يُقَالُ لِلْمُدَّعِي بِأَنَّكَ مُكَلَّفٌ بِحَلِفِ الْيَمِينِ عَلَى عَدَمِ الْكَذِبِ، وَإِذَا عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ إثْبَاتِ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَطَلَبَ تَحْلِيفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى كَوْنِهِ لَمْ يَقْبِضْ الْمَبْلَغَ نَقْدًا فَيُكَلَّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَلِفِ الْيَمِينِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصِرَّ عَلَى تَحْلِيفِ الْمُدَّعِي عَلَى عَدَمِ الْكَذِبِ.
فَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ يَتَحَقَّقُ أَخْذُهُ نَقْدًا وَيَرْتَفِعُ ادِّعَاءُ الْكَذِبِ فِي الْإِقْرَارِ.
وَإِذَا حَلَفَ فَهَلْ لِلْمُدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى عَدَمِ الْكَذِبِ، وَأَنْ يَأْخُذَ الْمُدَّعَى بِهِ؟ وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ الْمَسَائِلُ الْآتِيَةُ: أَوَّلًا: لَوْ حَرَّرَ أَحَدٌ سَنَدًا قَائِلًا فِيهِ: إنَّنِي اسْتَقْرَضْتُ مِنْ فُلَانٍ كَذَا دَرَاهِمَ، أَوْ بِعْتُ مِنْهُ دَارِي الْفُلَانِيَّةَ وَأَعْطَاهُ سَنَدًا ثُمَّ ادَّعَى قَائِلًا: إنَّنِي، وَإِنْ كُنْتُ أَعْطَيْتُ سَنَدًا بَكَوْنِي اسْتَقْرَضْتُ كَذَا دِرْهَمًا مِنْهُ، أَوْ بِعْتُ دَارِيَ إلَّا أَنَّنِي لَمْ آخُذْ مِنْهُ الْمَبْلَغَ الْمَذْكُورَ، أَوْ لِكَوْنِهِ لَمْ يُحْضِرْ الثَّمَنَ لَمْ أَبِعْهُ دَارِيَ لِحَدِّ الْآنَ فَيَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ بِأَنَّ الْمُقِرَّ لَهُ غَيْرُ كَاذِبٍ فِي إقْرَارِهِ هَذَا: فَإِذَا حَلَفَ فَيَأْخُذُ الْمُقَرَّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ فَلَا يَأْخُذُهُ.
كَذَلِكَ لَوْ أَعْطَى أَحَدٌ سَنَدًا عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ مَدِينٌ لِآخَرَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنَّ الدَّيْنَ الْحَقِيقِيَّ عِبَارَةٌ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا، وَأَنَّ مَا زَادَ هُوَ رِبًا وَأَثْبَتَ ذَلِكَ يُقْبَلُ.
فَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ فَيَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ بِأَنَّ الْخَمْسَةَ دَنَانِيرَ لَمْ تَكُنْ رِبًا، وَأَنَّ كُلَّ الْعِشْرِينَ دِينَارًا هُوَ دَيْنٌ شَرْعِيٌّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَتَكْمِلَةُ رَدِّ الْمُحْتَارِ) .
ثَانِيًا: لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ بِأَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا فِي إقْرَارِهِ فِي قَبْضِ وَدِيعَتِهِ مِنْ فُلَانٍ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِذَلِكَ فَيَحْلِفُ الْمُودِعُ عَلَى عَدَمِ الْكَذِبِ فِي الْإِقْرَارِ (الْخَيْرِيَّةُ) .
وَحَيْثُ إنَّ إبْرَاءَ الِاسْتِيفَاءِ نَوْعٌ مِنْ الْإِقْرَارِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (١٥٣٦) فَتَجْرِي فِيهِ دَعْوَى الْكَذِبِ.
مَثَلًا لَوْ أَقَرَّتْ الزَّوْجَةُ فِي مَجْلِسٍ شَرْعِيٍّ بِأَنَّهَا بَاعَتْ دَارَهَا لِزَوْجِهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَنَّهَا قَبَضَتْ الثَّمَنَ بِالتَّمَامِ وَاسْتَوْفَتْهُ مِنْهُ وَبَعْدَ إعْطَائِهِ حُجَّةً بِذَلِكَ ادَّعَتْ الزَّوْجَةُ بِأَنَّهَا لَمْ تَأْخُذْ ثَمَنَ الْمَبِيعِ، وَأَنَّهَا أَقَرَّتْ كَذِبًا فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ بِأَنَّ زَوْجَتَهُ غَيْرُ كَاذِبَةٍ فِي إقْرَارِهَا بِقَوْلِهَا: قَبَضْتُ الثَّمَنَ (فَتَاوَى أَبِي السُّعُودِ فِي الْإِقْرَارِ) .
ثَالِثًا: إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى مَالًا فِي حُضُورِ شُهُودٍ أَنَّهُ رَأَى الْمَالَ الْمَبِيعَ حِينَ الِاشْتِرَاءِ ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ وَطَلَبَ رَدَّهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَكَذَّبَهُ الْبَائِعُ يَحْلِفُ الْبَائِعُ أَيْ يَحْلِفُ عَلَى أَنَّ إقْرَارَ
стр. 2350
الْمُشْتَرِي قَدْ وَقَعَ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ الْمَبِيعَ وَوُقُوفِهِ عَلَى حَالِهِ وَأَنَّهُ لِذَلِكَ غَيْرُ كَاذِبٍ فِي إقْرَارِهِ فَإِذَا حَلَفَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِ الْمُشْتَرِي.
أَمَّا إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَيَرُدُّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ (التَّنْقِيحُ) .
رَابِعًا: إذَا تُوُفِّيَ الْمُقِرُّ فَلِوَرَثَتِهِ الِادِّعَاءُ بِالْإِقْرَارِ الْكَاذِبِ مَثَلًا: لَوْ حَرَّرَ أَحَدٌ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ اسْتَقْرَضَ مِنْ فُلَانٍ كَذَا مَبْلَغًا ثُمَّ تُوُفِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ وَطَلَبَ الْمُقَرُّ لَهُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ مِنْ تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى فَإِذَا قَالَ وَارِثُ الْمُقِرِّ، بِأَنَّ مُورَثِي، وَإِنْ كَانَ حَرَّرَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ اسْتَقْرَضَ ذَلِكَ الْمَبْلَعَ إلَّا أَنَّهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ أَخْذِهِ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ فَيَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَفَّى غَيْرُ كَاذِبٍ فِي إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ قَدْ ادَّعَوْا أَمْرًا لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمُقَرُّ لَهُ لَأُلْزِمَ بِإِقْرَارِهِ، فَبِإِنْكَارِهِ ذَلِكَ يَحْلِفُ (صُرَّةُ الْفَتَاوَى فِي الْإِقْرَارِ) ، وَفِي هَذَا الْحَالِ إذَا حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ الْيَمِينَ يَأْخُذُ الْمُقَرَّ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
إنَّ الْفُقَهَاءَ يُوَضِّحُونَ مَا يَأْتِي فِي خُصُوصِ تَحْلِيفِ الْيَمِينِ عَلَى الْكَذِبِ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ الْعَامِّ: لَوْ أَقَرَّتْ امْرَأَةٌ فِي حَالٍ صِحَّتِهَا لِبِنْتِهَا بِمَبْلَغٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ جَرَى بَيْنَهُمَا إبْرَاءٌ عَامٌّ وَتَوَفَّتْ الْمُقِرَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ وَادَّعَى وَصِيُّ الْمُتَوَفِّيَةِ بِأَنَّهَا كَانَتْ كَاذِبَةً فِي إقْرَارِهَا فَتَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهَا.
وَلَا يَمْنَعُ الْإِبْرَاءُ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّحْلِيفِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ يَدَّعِي عَدَمَ لُزُومِ الْمُدَّعَى بِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُقِرِّ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ الْمُقَرَّ بِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَحُصُولِ الْإِبْرَاءِ الْعَامِّ بَعْدَ ذَلِكَ، الِادِّعَاءُ بِالْكَذِبِ فِي الْإِقْرَارِ وَتَحْلِيفُ الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَطْلُبُ الْمُقِرُّ اسْتِرْدَادَ الْمُقَرِّ بِهِ، وَالْإِبْرَاءُ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ.
أَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَلَا يُوجَدُ طَلَبُ اسْتِرْدَادِ مَالٍ بَلْ يَرْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ لُزُومَ دَفْعِ الْمَالِ.
فَلِذَلِكَ يُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ (التَّكْمِلَةُ) .
وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّهُ لَوْ حَرَّرَ أَحَدٌ لِآخَرَ سَنَدَ دَيْنٍ وَأَبْرَأَ فِي ذَلِكَ السَّنَدِ دَائِنَهُ مِنْ كُلِّ خُصُوصٍ مَا عَدَا الدَّيْنَ فَلَهُ الِادِّعَاءُ بِكَذِبِ الْإِقْرَارِ.
خَامِسًا: إنَّ وَفَاةَ الْمُقَرِّ لَهُ لَا تُسْقِطُ حَقَّ تَحْلِيفِ الْمُقِرِّ، مَثَلًا.
لَوْ تُوُفِّيَ أَحَدٌ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ لِآخَرَ.
فَلِلْمُقِرِّ أَنْ يَدَّعِيَ فِي مُوَاجِهَةِ وَرَثَةِ الْمُقَرِّ لَهُ بِالْكَذِبِ فِي الْإِقْرَارِ، وَيَحْلِفُ الْوَرَثَةُ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِي الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ (صُرَّةُ الْفَتَاوَى)
[ (الْمَادَّةُ ١٥٩٠) إذَا أَقَرَّ أَحَدٌ لِآخِرِ بِقَوْلِهِ لَكَ فِي ذِمَّتِي كَذَا دَرَاهِمَ دَيْنًا]
الْمَادَّةُ (١٥٩٠) - (إذَا أَقَرَّ أَحَدٌ لِآخَرَ بِقَوْلِهِ: لَكَ فِي ذِمَّتِي كَذَا دَرَاهِمَ دَيْنًا وَقَالَ الْآخِرُ: هَذَا الدَّيْنُ لَيْسَ لِي، وَإِنَّمَا هُوَ لِفُلَانٍ وَصَدَّقَهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ يَكُونُ ذَلِكَ الدَّيْنُ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي، وَلَكِنْ يَكُونُ حَقُّ قَبْضِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ، يَعْنِي لَا يُجْبَرُ الْمَدِينُ عَلَى أَدَاءِ الْمُقَرِّ بِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي إذَا طَالَبَهُ أَمَّا إذَا أَعْطَى الْمَدِينُ الْمُقَرَّ بِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي بِرِضَاهُ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ، وَلَيْسَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ ثَانِيَةً) إذَا أَقَرَّ أَحَدٌ لِآخَرَ بِقَوْلِهِ: لَك فِي ذِمَّتِي كَذَا دَرَاهِمَ دَيْنًا، أَوْ عِنْدِي لَك كَذَا وَدِيعَةً، وَقَالَ الْآخَرُ: هَذَا الدَّيْنُ، أَوْ تِلْكَ الْوَدِيعَةُ لَيْسَا لِي، وَإِنَّمَا هُمَا لِفُلَانٍ، وَأَقَرَّ بِذَلِكَ بِدُونِ أَنْ يُضِيفَ الدَّيْنَ وَالْوَدِيعَةَ لِنَفْسِهِ وَصَدَّقَهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ الدَّيْنَ وَتِلْكَ الْوَدِيعَةَ يَكُونُ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّ اسْمِي مُسْتَعَارٌ فِي السَّنَدِ الْمُحَرَّرِ، وَلَوْ لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى الْقَبْضِ، وَلَكِنْ يَكُونُ حَقُّ قَبْضِهِ
следующие страницы →