← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21692

درر الحكام في شرح مجلة الأحكام

علي حيدر

Полный текст (2 914 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وَعِشْرِينَ رِيَالًا ادَّعَى الْمَدِينُ أَنَّهُ أَدَّى ذَلِكَ عَنْ النِّصْفِ الْفُلَانِيِّ مِنْ الدَّيْنِ فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ إذْ لَيْسَ مِنْ فَائِدَةٍ مِنْ هَذَا التَّعْيِينِ، أَمَّا إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ جِهَتُهُمَا مُخْتَلِفَةً، فَالتَّعْيِينُ مُعْتَبَرٌ. مَثَلًا: لَوْ كَفَلَ أَحَدٌ نِصْفَ الْخَمْسِينَ رِيَالًا الْمَدِينِ بِهَا آخَرُ وَبَعْدَ أَنْ أَدَّى ذَلِكَ الْآخَرُ الْمَدِينُ لِلدَّائِنِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ رِيَالًا ادَّعَى أَنَّهُ أَدَّى النِّصْفَ الَّذِي كَفَلَهُ الْكَفِيلُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ هَذَا، كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَفَلَ زَيْدٌ نِصْفَ الْخَمْسِينَ رِيَالًا وَكَفَلَ عَمْرٌو النِّصْفَ الْآخَرَ وَبَعْدَ أَنْ أَدَّى الْمَدِينُ لِلدَّائِنِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ رِيَالًا ادَّعَى أَنَّهُ أَدَّى الْقِسْمَ الَّذِي كَفَلَهُ زَيْدٌ فَتَعْيِينُهُ صَحِيحٌ وَمُعْتَبَرٌ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ قَدْ صَدَرَ مِنْ الْمَدِينِ وَفِي التَّعْيِينِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إخْرَاجٌ لِذَلِكَ الْكَفِيلِ مِنْ الْكَفَالَةِ، وَبِمَا أَنَّ فِي ذَلِكَ فَائِدَةً لِلْمَدِينِ فِي قَطْعِ حَقِّ رُجُوعِ الْكَفِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ أَصْبَحَ التَّعْيِينُ الْمَذْكُورُ مُعْتَبَرًا (الْأَنْقِرْوِيُّ) . مُتَّحِدُ الْجِنْسِ: أَمَّا إذَا كَانَتْ الدُّيُونُ غَيْرَ مُتَّحِدَةٍ الْجِنْسِ بَلْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا ذَهَبًا وَالْآخَرُ فِضَّةً أَوْ أَحَدُهُمَا شَعِيرًا وَالْآخَرُ حِنْطَةً فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِأَنَّهُ أَدَّى جِنْسًا عَنْ الْجِنْسِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ مُعَاوَضَةٌ وَالْمُعَاوَضَةُ إنَّمَا تَتِمُّ بِرِضَاءِ الطَّرَفَيْنِ. مَثَلًا: لَوْ كَانَ أَحَدٌ مَدِينًا لِآخَرَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَبِخَمْسِينَ رِيَالًا وَبَعْدَ أَنْ أَدَّى الْمَدِينُ لِلدَّائِنِ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ رِيَالًا ادَّعَى أَنَّهُ أَدَّى ذَلِكَ عَنْ دَيْنِهِ الْعَشَرَةَ الدَّنَانِيرَ، وَأَنَّ الدَّائِنَ قَدْ قَبِلَ بِذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِدُونِ الْإِثْبَاتِ. كَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَحَدٌ مَدِينًا لِآخَرَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مِنْ جِهَةِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَبَعْدَ أَنْ أَدَّى الْمَدِينُ لِلدَّائِنِ فَرَسًا ادَّعَى أَنَّهُ أَدَّاهَا مِنْ أَصْلِ دَيْنِهِ الْعَشَرَةِ الدَّنَانِيرِ، وَأَنْكَرَ الدَّائِنُ أَخْذَ الْفَرَسِ مُقَابِلَ الدَّيْنِ الْمَذْكُورِ فَيُنْظَرُ: فَإِذَا قَالَ الدَّائِنُ: قَدْ أَخَذْت الْفَرَسَ أَمَانَةً وَكَانَتْ الْفَرَسُ فِي يَدِهِ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْقَابِضِ؛ لِأَنَّ الْمَدِينَ يَدَّعِي عَلَى الدَّائِنِ الْمُعَاوَضَةَ أَيْ بَيْعَهُ فَرَسَهُ مُقَابِلَ دَيْنِهِ وَالدَّائِنُ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُنْكِرِ، اُنْظُرْ مَادَّةَ (٧٦) أَمَّا إذَا قَالَ الدَّائِنُ إنِّي أَخَذْت الْفَرَسَ مُقَابِلَ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ دَيْنًا آخَرَ فَفِي ذَلِكَ احْتِمَالَانِ: الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَدِينُ مُنْكِرًا لِلدَّيْنِ الثَّانِي، وَفِي هَذَا الْحَالِ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمَدِينِ الْمُنْكِرِ الدَّيْنِ الثَّانِي، وَيَلْزَمُ الدَّائِنَ أَنْ يُعِيدَ الْفَرَسَ لِلْمَدِينِ. الِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَدِينُ مُقِرًّا بِالدَّيْنِ الثَّانِي، وَفِي هَذَا الْحَالِ يَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمَدِينِ؛ لِأَنَّ كِلَا الطَّرَفَيْنِ قَدْ اتَّفَقَا عَلَى وُقُوعِ الْمُعَاوَضَةِ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الْجِهَةِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي جِهَةِ الْمُعَاوَضَةِ وَالتَّمْلِيكِ لِلْمُمَلِّكِ؛ لِأَنَّ الْمُمَلِّكَ مُنْكَرٌ زَوَالَ مِلْكِهِ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى وَالْقَابِضَ مُدَّعٍ لِذَلِكَ (الْأَنْقِرْوِيُّ) . مَنْ كَانَتْ دُيُونُهُ الْمُخْتَلِفَةُ مُثْبَتَةً: أَمَّا إذَا كَانَتْ دُيُونُهُ الْمُخْتَلِفَةُ غَيْرَ مُثْبَتَةٍ فَيَجْرِي حُكْمُ هَذِهِ الْمَادَّةِ بَعْدَ تَدْقِيقِ جِهَةِ الثُّبُوتِ فِي الدُّيُونِ الْأُخْرَى، وَبَعْدَ إعْطَاءِ الْحُكْمِ فِيهَا. مَثَلًا: إذَا ادَّعَى أَحَدٌ بَعْدَ أَنْ أَدَّى لِآخَرَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ قَائِلًا: أَنْتَ أَدَّيْت ذَلِكَ مُقَابِلَ دَيْنِي مِنْ ثَمَنِ الْفَرَسِ، وَادَّعَى الدَّائِنُ قَائِلًا: أَنَّهُ يُطْلَبُ لِي مِنْك عَشَرَةُ دَنَانِيرَ أُخْرَى مِنْ ثَمَنِ الْحَانُوتِ، وَأَنَّك أَدَّيْت الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ مِنْ ثَمَنِ الْحَانُوتِ فَيَجِبُ أَوَّلًا أَنْ يُثْبِتَ الدَّائِنُ

стр. 2767

دَيْنَهُ الْآخَرَ فَإِذَا أَثْبَتَ أَوْ نَكَلَ الْمَدِينُ عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ فَيُحْكَمُ بِالدَّيْنِ الثَّانِي ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمَدِينِ بِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ الْحَانُوتِ يَعْنِي أَنَّهُ يُحْكَمُ فِي هَذَا الْحَالِ بِأَنَّ الْمَدِينَ قَدْ أَدَّى الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ مِنْ ثَمَنِ الْفَرَسِ، وَلِلدَّائِنِ أَنْ يَطْلُبَ دَيْنَهُ الْآخَرَ عَلَى حِدَةٍ أَمَّا إذَا لَمْ يُثْبِتْ الدَّائِنُ دَيْنَهُ الْآخَرَ وَحَلَفَ الْمَدِينُ الْيَمِينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَدِينًا لِلدَّائِنِ بِدَيْنٍ آخَرَ فَتَنْتَهِي الْمَسْأَلَةُ (الْأَنْقِرْوِيُّ) . [ (الْمَادَّةُ ١٧٧٦) أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ تَنْزِيلَ حَقِّهِ مِنْ الْأُجْرَةِ] الْمَادَّةُ (١٧٧٦) (إذَا أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ إجَارَةِ الطَّاحُونِ تَنْزِيلَ حَقِّهِ مِنْ الْأُجْرَةِ بِسَبَبِ انْقِطَاعِ الْمَاءِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَوَقَعَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ، وَلَمْ تَكُنْ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ يُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ الِانْقِطَاعِ فَادَّعَى الْمُسْتَأْجِرُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَالْمُؤَجِّرُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ فَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَعَ الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي أَصْلِ الِانْقِطَاعِ يَعْنِي أَنْ أَنْكَرَ الْمُؤَجِّرُ انْقِطَاعَ الْمَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ يُحَكَّمُ الْحَالُ الْحَاضِرُ يَعْنِي يُجْعَلُ حَكَمًا وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَاءُ جَارِيًا فِي وَقْتِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَةِ فَالْقَوْلُ لِلْمُؤَجِّرِ مَعَ الْيَمِينِ، وَإِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُنْقَطِعًا فَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَعَ الْيَمِينِ) . إذَا أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ إجَارَةِ الطَّاحُونِ تَنْزِيلَ قَسْمٍ مِنْ الْأُجْرَةِ بِسَبَبِ انْقِطَاعِ مَاءِ الطَّاحُونِ اسْتِنَادًا عَلَى الْمَادَّةِ (٥١٨) ، وَأَنْكَرَ الْمُؤَجِّرُ ذَلِكَ وَحَصَلَ خِلَافٌ بَيْنَ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ عَلَى ذَلِكَ فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ مِمَّنْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ مِنْهُمَا فَإِذَا أَقَامَ كِلَاهُمَا الْبَيِّنَةَ فَتُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ. مَثَلًا لَوْ أَقَامَ الْمُسْتَأْجِرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ مَاءَ الطَّاحُونِ قَدْ انْقَطَعَ كَذَا يَوْمًا، وَأَقَامَ الْمُؤَجِّرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ مَاءَ الطَّاحُونِ كَانَ جَارِيًا، وَأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ قَدْ انْتَفَعَ بِالْمَأْجُورِ فَتُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ. كَذَلِكَ إذَا أَقَامَ الْمُسْتَأْجِرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ قَدْ انْقَطَعَ كَذَا يَوْمًا وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِالْحَمَّامِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَأَقَامَ الْمُؤَجِّرُ الْبَيِّنَةَ بِأَنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ كَانَ جَارِيًا، وَانْتَفَعَ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ فَتُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ (التَّتَارْخَانِيَّة) وَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَدَى الطَّرَفَيْنِ بَيِّنَةٌ فَيُنْظَرُ: فَإِذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ الِانْقِطَاعِ كَأَنْ يَدَّعِيَ الْمُسْتَأْجِرُ انْقِطَاعَ الْمَاءِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَأَنْ يَدَّعِيَ الْمُؤَجِّرُ أَنَّهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْحَالِ يَكُونُ الْمُسْتَأْجِرُ مُنْكِرًا زِيَادَةَ الْأُجْرَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْمُؤَجِّرُ اُنْظُرْ مَادَّةَ (١٧٦٢) . وَأَمَّا إذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي أَصْلِ الِانْقِطَاعِ أَيْ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ يُنْكِرُ كُلِّيًّا انْقِطَاعَ الْمَاءِ فَيُحَكَّمُ الْحَالُ الْحَاضِرُ أَيْ يُجْعَلُ حَكَمًا فَإِذَا كَانَ الْمَاءُ جَارِيًا وَقْتَ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَةِ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُؤَجِّرِ عَلَى عَدَمِ عِلْمِهِ بِانْقِطَاعِ الْمَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ مُنْقَطِعًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُسْتَأْجِرِ عَلَى كَوْنِ مُدَّةِ الِانْقِطَاعِ لَا تَنْقُصُ عَنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ (الْهِنْدِيَّةُ) اُنْظُرْ الْمَادَّةَ الْخَامِسَةَ.

стр. 2768

[ (الْمَادَّةُ ١٧٧٧) اُخْتُلِفَ فِي طَرِيقِ الْمَاءِ الَّذِي يَجْرِي إلَى دَارِ أَحَدٍ بِأَنَّهُ حَادِثٌ أَوْ قَدِيمٌ] الْمَادَّةُ (١٧٧٧) (إذَا اُخْتُلِفَ فِي طَرِيقِ الْمَاءِ الَّذِي يَجْرِي إلَى دَارِ أَحَدٍ بِأَنَّهُ حَادِثٌ أَوْ قَدِيمٌ، وَادَّعَى صَاحِبُ الدَّارِ يَكُونُ الْمَسِيلُ حَادِثًا وَطَلَبَ رَفْعَهُ وَلَمْ تَكُنْ لِكِلَا الطَّرَفَيْنِ بَيِّنَةٌ يُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ الْخُصُومَةِ يَجْرِي الْمَاءُ مِنْ الْمَسِيلِ أَوْ يُعْلَمُ جَرَيَانُهُ قُبَيْلَ ذَلِكَ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ لِصَاحِبِ الْمَسِيلِ مَعَ الْيَمِينِ يَعْنِي يَحْلِفُ عَلَى عَدَمِ كَوْنِ الْمَسِيلِ حَادِثًا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَجْرِ الْمَاءُ مِنْ الْمَسِيلِ فِي وَقْتِ الْخُصُومَةِ، وَلَمْ يُعْلَمْ جَرَيَانُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الدَّارِ مَعَ الْيَمِينِ) . إذَا اُخْتُلِفَ فِي مَسِيلِ الْمَاءِ الْجَارِي إلَى دَارِ أَحَدٍ فِي كَوْنِهِ حَادِثًا أَوْ قَدِيمًا، وَادَّعَى صَاحِبُ الدَّارِ بِأَنَّهُ حَادِثٌ وَطَلَبَ رَفْعَهُ، وَادَّعَى صَاحِبُ الْمَسِيلِ أَنَّهُ قَدِيمٌ وَطَلَبَ إبْقَاءَهُ فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ مِنْ أَيِّهِمَا فَإِذَا أَثْبَتَ كِلَاهُمَا فَتُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْحُدُوثِ تَوْفِيقًا لِلْمَادَّةِ (١٧٦٨) . وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمَا بَيِّنَةٌ فَيُحَكَّمُ الْحَالُ بِمُوجِبِ الْمَادَّةِ الْخَامِسَةِ، وَيُنْظَرُ: فَإِذَا كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي وَقْتَ الْخُصُومَةِ فِي ذَلِكَ الْمَسِيلِ أَوْ كَانَ مَعْلُومًا جَرَيَانُهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ فَيَبْقَى الْمَسِيلُ عَلَى حَالِهِ وَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِصَاحِبِ الْمَسِيلِ أَيْ إنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى عَدَمِ حُدُوثِ الْمَسِيلِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمِيَاهُ لَا يَجْرِي فِي الْمَسِيلِ وَقْتَ الْخُصُومَةِ أَوْ غَيْرَ مَعْلُومٍ جَرَيَانُهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِصَاحِبِ الدَّارِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ الْخَامِسَةَ. أَمَّا إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي بِأَنَّ لَهُ حَقَّ إسَالَةِ الْمِيَاهِ فِي ذَلِكَ الْمَسِيلِ فَلَا حَاجَةَ لِإِثْبَاتِ قِدَمِهِ بَلْ لَهُ أَنْ يُثْبِتَ حَقَّهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حَقُّ الْجَرَيَانِ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ بِأَنَّ مَاءَ الْمُدَّعِي كَانَ يَجْرِي فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ الْجَرَيَانَ يَكُونُ أَحْيَانًا بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ إذَا قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي (إنَّك تُجْرِي الْمَاءَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ غَصْبًا أَوْ ظُلْمًا) سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ مَوْصُولًا أَوْ مَفْصُولًا فَعَلَيْهِ إثْبَاتُ الْغَصْبِ بِالْبَيِّنَةِ. وَإِذَا أَثْبَتَ الْمُدَّعِي حَقَّ الْمَسِيلِ فِيهَا، وَإِنْ عَجَزَ فَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُدَّعِي حَقُّ مَسِيلٍ هُنَاكَ أَوْ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ الْمَاءُ لَيْسَ لِلْمُدَّعِي. اُنْظُرْ شُرِحَ الْمَادَّتَيْنِ (١٢٢٠ وَ ١٧٦٨) (الْوَلْوَالِجِيَّةِ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنْ الدَّعْوَى) . الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى - إذَا اخْتَلَفَ الطَّرَفَانِ بَعْدَ مِلَاكِ الْمَالِ فِي كَوْنِهِ قَرْضًا أَوْ وَدِيعَةً فَالْقَوْلُ لِمَنْ يَدَّعِي الْوَدِيعَةَ. مَثَلًا: لَوْ أَدَّى أَحَدٌ آخَرُ خَمْسِينَ دِينَارًا وَبَعْدَ أَنْ تَلِفَتْ الدَّنَانِيرُ فِي يَدِ الْقَابِضِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ ادَّعَى الدَّافِعُ أَنَّهُ دَفَعَ الْمَبْلَغَ قَرْضًا، وَادَّعَى الْقَابِضُ بِأَنَّهُ قَبَضَهُ وَدِيعَةً فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ (النَّتِيجَةُ) .

стр. 2769

[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي حَقِّ التَّحَالُفِ] [ (الْمَادَّةُ ١٧٧٨) اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الْمِقْدَارِ أَوْ الْوَصْفِ أَوْ الْجِنْسِ لِلثَّمَنِ أَوْ الْمَبِيعِ أَوْ كِلَيْهِمَا] ِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حُكْمَ يَمِينِ الْوَاحِدِ نُبَيِّنُ هُنَا حُكْمَ يَمِينِ الِاثْنَيْنِ وَالِاثْنَانِ بَعْدَ الْوَاحِدِ. الْمَادَّةُ (١٧٧٨) (إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الْمِقْدَارِ أَوْ الْوَصْفِ أَوْ الْجِنْسِ لِلثَّمَنِ أَوْ الْمَبِيعِ أَوْ كِلَيْهِمَا يُحْكَمُ لِمَنْ أَقَامَ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ، وَإِنْ أَقَامَ كِلَاهُمَا يُحْكَمُ لِمَنْ أَثْبَتَ الزِّيَادَةَ مِنْهُمَا، وَإِنْ عَجَزَ كِلَاهُمَا عَنْ الْإِثْبَاتِ يُقَالُ لَهُمَا: إمَّا أَنْ يَرْضَى أَحَدُكُمَا بِدَعْوَى الْآخَرِ أَوْ بِفَسْخِ الْبَيْعِ، وَعَلَى هَذَا إنْ لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِدَعْوَى الْآخَرِ حَلَّفَ الْقَاضِي كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى الْآخَرِ وَبَدَأَ بِالْمُشْتَرِي فَإِذَا نَكَلَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْيَمِينِ ثَبَتَتْ دَعْوَى الْآخَرِ، وَإِذَا حَلَفَ كِلَاهُمَا فَسَخَ الْقَاضِي الْبَيْعَ) إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي. أَوَّلًا: فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ يُشْتَرَطُ فِي التَّحَالُفِ فِي الثَّمَنِ أَنْ يَكُونَ قَاصِرًا، وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ رَأْسَ مَالٍ سُلِّمَ. ثَانِيًا: أَوْ فِي الْمَبِيعِ، وَلَوْ كَانَ مُسَلَّمًا فِيهِ. ثَالِثًا: أَوْ فِي مِقْدَارِ كِلَيْهِمَا. رَابِعًا: أَوْ فِي وَصْفِ الثَّمَنِ. أَمَّا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي وَصْفِ الْمَبِيعِ كَأَنْ يَدَّعِيَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ قَدْ شَرَطَ فِي الْمَبِيعِ وَصْفًا مَرْغُوبًا هُوَ كَذَا، وَادَّعَى الْبَائِعُ بِأَنَّهُ لَمْ يَشْرُطْ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَحَالُفٌ. خَامِسًا: أَوْ فِي جِنْسِهِ فَيُحْكَمُ لِمَنْ يُقِيمُ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ، وَأَوْلَى مِنْ الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) . مَعَ إذَا أَقَامَ كِلَاهُمَا الْبَيِّنَةَ يُحْكَمُ لِمَنْ يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٧٦٢) . إيضَاحُ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ. أَوَّلًا - اخْتِلَافُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ يَحْصُلُ بِادِّعَاءِ الْبَائِعِ الْأَكْثَرَ وَادِّعَاءِ الْمُشْتَرِي الْأَقَلَّ. مَثَلًا: إذَا قَالَ الْبَائِعُ: إنَّنِي بِعْت بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ. وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْت بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا فَتُطْلَبُ الْبَيِّنَةُ أَوَّلًا مِنْ الْبَائِعِ حَسَبَ الْمَادَّةِ (١٧٦٢) فَإِذَا أَثْبَتَ فِيهَا، وَإِلَّا تُطْلَبْ بَيِّنَةٌ مَنْ الْمُشْتَرِي حَسَبَ الْمَادَّةِ (١٧٦٩) فَإِذَا أَثْبَتَ يُحْكَمُ لَهُ. وَإِذَا لَمْ يُثْبِتْ تَجْرِي الْمُعَامَلَةُ حَسَبَ الْفِقْرَةِ الْآتِيَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ. ثَانِيًا - اخْتِلَافُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَارِ الْمَبِيعِ، وَهَذَا يَكُونُ بِاعْتِرَافِ الْبَائِعِ بِمِقْدَارٍ مِنْ الْمَبِيعِ، وَادِّعَاءِ الْمُشْتَرِي بِزِيَادَةٍ عَنْهُ. مَثَلًا: إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي قَدْ اشْتَرَيْت هَاتَيْنِ الْفَرَسَيْنِ وَقَالَ الْبَائِعُ: قَدْ بِعْت لَك فَرَسًا، وَاحِدَةً فَتُطْلَبُ الْبَيِّنَةُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَإِذَا أَثْبَتَ دَعْوَاهُ حُكِمَ بِمُوجِبِهَا، وَإِذَا لَمْ يُثْبِتْ تُطْلَبْ الْبَيِّنَةُ مِنْ الْبَائِعِ فَإِذَا أَثْبَتَ الْبَائِعُ فِيهَا، وَإِلَّا يُعْمَلْ بِحُكْمِ الْفِقْرَةِ الْآتِيَةِ. ثَالِثًا - أَنْ يَخْتَلِفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ وَفِي مِقْدَارِ الْمَبِيعِ مَعًا. كَأَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ: قَدْ بِعْت هَذِهِ الْبَغْلَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ. وَأَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: قَدْ اشْتَرَيْت هَذِهِ الْبَغْلَةَ مَعَ هَذِهِ الْفَرَسِ بِثَمَانِمِائَةِ

стр. 2770

دِرْهَمٍ فَأَيُّهُمَا يُثْبِتُ دَعْوَاهُ يُحْكَمُ لَهُ. وَإِذَا أَثْبَتَ كِلَاهُمَا يُحْكَمُ لِمَنْ يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ وَبِمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدَّعِي الزِّيَادَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِوَجْهٍ فَإِذَا أَثْبَتَ الْبَائِعُ الزِّيَادَةَ فِي الثَّمَنِ، وَأَثْبَتَ الْمُشْتَرِي الزِّيَادَةَ فِي الْمَبِيعِ يُحْكَمُ بِمُوجِبِ بَيِّنَتِهِمَا. وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ يُحْكَمُ بِالْأَفِّ دِرْهَمٍ ثَمَنًا لِلْبَغْلَةِ وَالْفَرَسِ. رَابِعًا - الِاخْتِلَافُ فِي وَصْفِ الثَّمَنِ. مَثَلًا: إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ بِأَنَّهُ بَاعَ بِالسِّكَّةِ الْخَالِصَةِ، وَادَّعَى الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ اشْتَرَى بِالسِّكَّةِ الْمَغْشُوشَةِ يَحِلُّ الِاخْتِلَافُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ. خَامِسًا - الِاخْتِلَافُ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ. مَثَلًا: إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ بِأَنَّهُ بَاعَ بِذَهَبٍ، وَادَّعَى الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ اشْتَرَى بِفِضَّةٍ فَيَحِلُّ الِاخْتِلَافُ عَلَى الْمِنْوَالِ الْمَشْرُوحِ. وَإِذَا عَجَزَ كِلَاهُمَا عَنْ الْإِثْبَاتِ يُقَالُ لَهُمَا مِنْ طَرَفِ الْقَاضِي أَوْ الْمُحَكَّمِ: إمَّا أَنْ يَرْضَى أَحَدُكُمَا بِدَعْوَى الْآخَرِ أَوْ نَفْسَخَ الْبَيْعَ وَعَلَيْهِ فَإِذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ فَيُقَالُ لِلْبَائِعِ: إمَّا أَنْ تَقْبَلَ بِالثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي، وَإِلَّا فَسَنَفْسَخْ الْبَيْعَ أَوْ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي (إمَّا أَنْ تَقْبَلَ بِالثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْبَائِعُ أَوْ نَفْسَخَ الْبَيْعَ) . وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي مِقْدَارِ الْمَبِيعِ فَيُقَالُ لِلْبَائِعِ (إمَّا أَنْ تُسَلِّمَ الْمَبِيعَ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي مَعَ وَإِلَّا نَفْسَخْ الْبَيْعَ) أَوْ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي (إمَّا أَنْ تَرْضَى بِالْمَبِيعِ الَّذِي يُرِيدُ تَسْلِيمَهُ لَك الْبَائِعُ، وَإِلَّا نَفْسَخْ الْبَيْعَ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ قَطْعُ النِّزَاعِ بَيْنَهُمَا فَإِنْذَارُهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ هُوَ طَرِيقٌ مَقْبُولٌ لِقَطْعِ النِّزَاعِ فَلِذَلِكَ لَا يُعَجِّلُ الْقَاضِي بِفَسْخِ الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (الدُّرَرُ وَمَجْمَعُ الْأَنْهُرِ وَعَبْدُ الْحَلِيمِ) . يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ مَقْصُودًا. أَمَّا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْبَدَلِ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وَكَانَ ضِمْنَ شَيْءٍ آخَرَ كَأَنْ يَحْصُلَ الِاخْتِلَافُ فِي حَقِّ ظَرْفِ الْمَبِيعِ أَوْ وِعَائِهِ وَفِي هَذَا الْحَالِ يَكُونُ الْقَوْلُ لِمُدَّعِي الظَّرْفِ، سَوَاءٌ سَمَّى لِكُلِّ رِطْلٍ ثَمَنًا أَوْ لَا (الشُّرُنْبُلَالِيُّ) ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ هُوَ اخْتِلَافٌ فِي الْمَقْبُوضِ، وَالْقَوْلُ فِي الْمَقْبُوضِ لِلْقَابِضِ. فَعَلَى ذَلِكَ إذَا رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِدَعْوَى الْآخَرِ فَيَكُونُ الرِّضَاءُ قَدْ قَطَعَ النِّزَاعَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِدَعْوَى الْآخَرِ فَيُحَلِّفُ الْقَاضِي كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى الْآخَرِ. مَثَلًا: إذَا لَمْ يُوَافِقْ الْمُشْتَرِي عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْبَائِعُ أَوْ إذَا لَمْ يُوَافِقْ الْبَائِعُ عَلَى الثَّمَنِ الْأَقَلِّ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي فَيَحْلِفَانِ كِلَاهُمَا الْيَمِينَ. أَنَّ التَّحَالُفَ مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ فِيمَا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ قَبْلَ قَبْضِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مُنْكِرٌ، إذْ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى يَدَّعِي الْبَائِعُ زِيَادَةَ الثَّمَنِ وَيُنْكِرُهَا الْمُشْتَرِي. وَالصُّوَرُ الْبَاقِيَةُ مَقِيسَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَتَحْلِيفُ الْمُنْكِرِ مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ أَمَّا التَّحَالُفُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَهُوَ اسْتِحْسَانِيٌّ وَمُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ يَبْقَى لِلْمُشْتَرِي سَالِمًا فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي دَعْوَى عَلَى الْبَائِعِ فَتَبْقَى دَعْوَى الْبَائِعِ بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ وَبِمَا

стр. 2771

أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فَكَّرَ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ فَكَانَ مِنْ الْمُقْتَضَى الِاكْتِفَاءُ بِيَمِينِهِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ وَالْبَحْرُ وَالدُّرَرُ) . وَيَبْتَدِئُ الْيَمِينَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ (أَوَّلًا) فِي الثَّمَنِ (ثَانِيًا) أَنْ لَا يَكُونَ الْبَيْعُ بَيْعَ مُقَايَضَةٍ؛ لِأَنَّهُ حَسَبَ حُكْمِ الْمَادَّةِ (٢٦٢) مِنْ الْمَجَلَّةِ يَلْزَمُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوَّلًا إعْطَاءُ الثَّمَنِ كَمَا أَنَّ الْبَادِيَ بِالْإِنْكَارِ هُوَ الْمُشْتَرِي فَإِنْكَارُهُ أَشَدُّ (الْبَحْرُ) . فَإِذَا حَلَفَ الْيَمِينَ لِلْمُشْتَرِي ابْتِدَاءً عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَحَلَفَ يَحْلِفُ الْبَائِعُ ثَانِيًا. صِفَةُ الْيَمِينِ وَشَكْلِهَا: يَجْرِي التَّحْلِيفُ عَلَى النَّفْيِ فَإِذَا حَلَفَ الْمُشْتَرِي يَحْلِفُ بِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ. وَإِذَا حَلَفَ الْبَائِعُ يَحْلِفُ بِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَا يُضَمُّ الْإِثْبَاتُ إلَى النَّفْيِ بِأَنْ يَحْلِفَ الْمُشْتَرِي مَثَلًا بِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَأَنَّهُ اشْتَرَى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَنْ يَحْلِفَ الْبَائِعُ بِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَنَّهُ بَاعَ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَى النَّفْيِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الْقَسَامَةِ «بِاَللَّهِ مَا قَتَلْتُمْ وَلَا عَلِمْتُمْ لَهُ قَاتِلًا» (الْبَحْرُ وَمَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) . أَمَّا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَبِيعِ فَيَبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ أَمَّا فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ وَفِي بَيْعِ الصَّرْفِ فَالْقَاضِي مُخَيَّرٌ فِي الْبَدْءِ بِيَمِينِ أَيِّهِمَا شَاءَ لِلِاسْتِوَاءِ فِي فَائِدَةِ النُّكُولِ (الدُّرَرُ) . فَأَيُّهُمَا يَنْكُلُ عَنْ الْيَمِينِ يُثْبِتُ دَعْوَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ عَنْ الْيَمِينِ إمَّا أَنَّهُ إقْرَارٌ وَفِي هَذَا الْحَالِ فَثُبُوتُ الدَّعْوَى ظَاهِرٌ. وَإِمَّا أَنَّهُ بَذْلٌ، وَالْبَاذِلُ لَا يَبْقَى لَهُ مُعَارَضَةٌ مَعَ الْمَبْذُولِ لَهُ (الْبَحْرُ) فَلِذَلِكَ إذَا ثَبَتَتْ دَعْوَى الْآخَرِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَا يَجِبُ تَحْلِيفُ الْآخَرِ الْيَمِينَ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى قَدْ ثَبَتَتْ وَالْقَضِيَّةُ قَدْ انْتَهَتْ. وَإِذَا حَلَفَ كِلَاهُمَا الْيَمِينَ بِفَسْخِ الْقَاضِي ذَلِكَ الْبَيْعِ بِطَلَبِهِمَا أَوْ بِطَلَبِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ادِّعَاءُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَأَصْبَحَ الْبَيْعُ مَجْهُولًا فَالْقَاضِي يَفْسَخُ الْبَيْعَ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ ثَمَنُ الْمَبِيعِ يَبْقَى الْبَيْعُ بِلَا بَدَلٍ وَهَذَا مُفْسِدٌ لَهُ فَلِذَلِكَ يُفْسَخُ الْبَيْعُ اُنْظُرْ مَادَّةَ (٣٧٢) . وَلَا يَفْسَخُ الْقَاضِي الْبَيْعَ بَعْدَ التَّحَالُفِ بِدُونِ طَلَبٍ كَمَا أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ بِالتَّحَالُفِ مَا لَمْ يَفْسَخْهُ الْقَاضِي فَلِذَلِكَ إذَا الْتَزَمَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ الْبَيْعَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي طَلَبَهُ الطَّرَفُ الْآخَرُ بَعْدَ التَّحَالُفِ وَقَبْلَ الْفَسْخِ يَبْقَى الْبَيْعُ صَحِيحًا وَلَا حَاجَةَ لِتَجْدِيدِ الْعَقْدِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بَعْدَ التَّحَالُفِ بِفَسْخِ أَحَدِهِمَا إلَّا أَنَّ لَهُمَا فَسْخَهُ بِالِاتِّفَاقِ (الْبَحْرُ) . وَيَجْرِي التَّحَالُفُ فِي الْإِقَالَةِ أَيْضًا. مَثَلًا: إذَا اخْتَلَفَ الْعَاقِدَانِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ بِحُكْمِ الْإِقَالَةِ يَجْرِي التَّحَالُفُ وَيَعُودُ الْبَيْعُ أَمَّا إذَا قَبَضَ الْمَبِيعَ بِحُكْمِ الْإِقَالَةِ فَلَا يَجْرِي تَحَالُفٌ (الدُّرَرُ والشرنبلالي) . أَمَّا إذَا اُخْتُلِفَ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ فَلَا يَجْرِي التَّحَالُفُ وَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ رَبَّ السَّلَمِ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَالْمُسْلَمُ إلَيْهِ يُنْكِرُ ذَلِكَ فَلَا يَعُودُ السَّلَمُ؛ لِأَنَّ إقَالَةَ السَّلَمِ هِيَ إسْقَاطٌ لِلدَّيْنِ وَالسَّاقِطُ لَا يَعُودُ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٥١) (الدُّرَرُ) .

стр. 2772

[ (الْمَادَّةُ ١٧٧٩) اخْتَلَفَ الْمُسْتَأْجِرُ مَعَ الْمُؤَجِّرِ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ] الْمَادَّةُ (١٧٧٩) (إذَا اخْتَلَفَ الْمُسْتَأْجِرُ قَبْلَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْمَأْجُورِ مَعَ الْمُؤَجِّرِ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ. مَثَلًا: بِأَنْ ادَّعَى الْمُسْتَأْجِرُ بِأَنَّ الْأُجْرَةَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَادَّعَى الْمُؤَجِّرُ أَنَّهَا خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا تُقْبَلُ دَعْوَى مِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةِ مِنْهُمَا. وَإِنْ أَقَامَ كِلَاهُمَا مَعًا الْبَيِّنَةَ يُحْكَمُ بِبَيِّنَةِ الْمُؤَجِّرِ، وَإِنْ عَجَزَا عَنْ الْإِثْبَاتِ يَحْلِفَا مَعًا وَيُبْدَأُ بِتَحْلِيفِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوَّلًا وَيَلْزَمُ مَنْ نَكَلَ بِنُكُولِهِ فَإِنْ حَلَفَ كِلَاهُمَا فَسَخَ الْحَاكِمُ الْإِجَارَةَ. وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْمُدَّةِ أَوْ الْمَسَافَةِ فَالْحُكْمُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَقَامَ كِلَاهُمَا الْبَيِّنَةَ يُحْكَمُ بِبَيِّنَةِ الْمُسْتَأْجِرِ وَيُبْدَأُ بِتَحْلِيفِ الْمُؤَجِّرِ فِي صُورَةِ التَّحَالُفِ) إذَا اخْتَلَفَ الْمُسْتَأْجِرُ مَعَ الْمُؤَجِّرِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَأْجُورِ وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمُسْتَأْجِرِ الْمَنْفَعَةَ أَوْ قَبْلَ اقْتِدَارِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِيفَائِهَا. (أَوَّلًا) فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ. (ثَانِيًا) فِي جِنْسِهَا. (ثَالِثًا) فِي نَوْعِهَا. (رَابِعًا) فِي وَصْفِهَا. كَأَنْ يَدَّعِيَ الْمُسْتَأْجِرُ مَثَلًا أَنَّ الْأُجْرَةَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَأَنْ يَدَّعِيَ الْمُؤَجِّرُ أَنَّهَا خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا أَوْ أَنْ يَدَّعِيَ الْمُؤَجِّرُ أَنَّ بَدَلَ الْإِيجَارِ نُقُودٌ ذَهَبِيَّةٌ، وَأَنْ يَدَّعِيَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهَا فِضِّيَّةٌ. أَوْ أَنْ يَدَّعِيَ الْمُؤَجِّرُ بِأَنَّ بَدَلَ الْإِيجَارِ سِكَّةٌ خَالِصَةٌ، وَأَنْ يَدَّعِيَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهَا سِكَّةٌ مَغْشُوشَةٌ فَأَيُّهُمَا يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبُرْهَانِ كَالثَّابِتِ بِالْعِيَانِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧٥) . وَأَمَّا إذَا أَقَامَ كِلَاهُمَا الْبَيِّنَةَ مَعًا يُحْكَمُ بِبَيِّنَةِ الْمُؤَجِّرِ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهَا أَثْبَتَتْ زِيَادَةُ الْأُجْرَةِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٧٦٢) . وَإِذَا عَجَزَ كِلَاهُمَا عَنْ الْإِثْبَاتِ فَيَحْلِفُ كِلَاهُمَا؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ هِيَ بَيْعٌ قَبْلَ قَبْضِ الْمَنْفَعَةِ فَهِيَ مِثْلُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَبِمَا أَنَّ كُلًّا مِنْ الْعَاقِدَيْنِ مُنْكِرٌ دَعْوَى الْآخَرِ وَبِمَا أَنَّ الْإِجَارَةَ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ الْقَابِلَةِ لِلْفَسْخِ كَالْبَيْعِ فَقَدْ أُلْحِقَتْ بِالْبَيْعِ فِي هَذَا الْخُصُوصِ. سُؤَالٌ - يُشْتَرَطُ فِي التَّحَالُفِ قِيَامُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَبِمَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُنَا وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ مَعْدُومٌ فَكَانَ مِنْ الْمُقْتَضَى عَدَمُ جَرَيَانِ التَّحَالُفِ؟ الْجَوَابُ - بِمَا أَنَّهُ قَدْ أُقِيمَ الْمَأْجُورُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْمَنْفَعَةِ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فَالْمَنْفَعَةُ قَدْ اُعْتُبِرَتْ قَائِمَةً تَقْدِيرًا (الدُّرَرُ) . وَإِذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ يُبْدَأُ بِتَحْلِيفِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ فَكَّرَ فِي زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ عَنْ الْأُجْرَةِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا. أَمَّا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَنْفَعَةِ فَيُبْدَأُ بِتَحْلِيفِ الْمُؤَجِّرِ فَإِذَا نَكَلَ أَحَدُهُمَا تَثْبُتُ بِنُكُولِهِ دَعْوَى الْآخَرِ وَيَلْزَمُ، وَإِذَا حَلَفَ كِلَاهُمَا يَفْسَخُ الْقَاضِي عَقْدَ الْإِجَارَةِ. وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْمُدَّةِ أَوْ الْمَسَافَةِ، وَبِتَعْبِيرٍ مُخْتَصَرٍ فِي الْمَنْفَعَةِ فَالْحُكْمُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْ إذَا أَقَامَ أَيٌّ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ، وَإِذَا عَجَزَ كِلَاهُمَا عَنْ الْإِثْبَاتِ يَحْلِفَانِ (الدُّرَرُ) . الِاخْتِلَافُ فِي الْمُدَّةِ، يَكُونُ بِادِّعَاءِ الْمُؤَجِّرِ. مَثَلًا: بِقَوْلِهِ أَنْتَ آجَرْت لِشَهْرٍ، وَادِّعَاءُ الْمُسْتَأْجِرِ بِقَوْلِهِ: إنَّنِي اسْتَأْجَرْت لِشَهْرَيْنِ.

стр. 2773

الِاخْتِلَافُ فِي الْمَسَافَةِ، يَكُونُ بِادِّعَاءِ الْمُؤَجِّرِ بِإِيجَارِهِ دَابَّتَهُ لِدِمَشْقَ، وَادِّعَاءُ الْمُسْتَأْجِرِ بِاسْتِئْجَارِهِ الدَّابَّةَ لِحِمْصَ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَقَامَ كِلَاهُمَا الْبَيِّنَةَ يُحْكَمُ بِبَيِّنَةِ الْمُسْتَأْجِرِ بِهَا مُثْبِتَةٍ لِلزِّيَادَةِ وَفِي صُورَةِ التَّحَالُفِ يُبْدَأُ بِتَحْلِيفِ الْمُؤَجِّرِ. أَمَّا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْأُجْرَةِ وَفِي الْمُدَّةِ مَعًا كَأَنْ يَدَّعِيَ الْمُؤَجِّرُ مَثَلًا قَائِلًا: قَدْ آجَرْت هَذِهِ الدَّارَ لِشَهْرٍ وَاحِدٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَأَنْ يَدَّعِيَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ تِلْكَ الدَّارَ مُدَّةَ شَهْرَيْنِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَقَامَ كِلَاهُمَا الْبَيِّنَةَ يُحْكَمُ أَنَّ الدَّارَ أُجِّرَتْ لِشَهْرَيْنِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٧٦٢) ، وَإِذَا عَجَزَ كِلَاهُمَا عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا وَيُبْدَأُ بِالتَّحْلِيفِ بِمَنْ ادَّعَى قَبْلًا، وَإِذَا ادَّعَى كِلَاهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَبْدَأَ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا أَوْ أَنَّهُ يُعَيِّنُ مَنْ يَبْدَأُ بِهِ بِالْقُرْعَةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَمَجْمَعُ الْأَنْهُرِ وَعَبْدُ الْحَلِيمِ) . [ (الْمَادَّةُ ١٧٨٠) إذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ] الْمَادَّةُ (١٧٨٠) (إذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَعَ الْيَمِينِ وَلَيْسَ هُنَاكَ تَحَالُفٌ) . إذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَيْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ كُلِّ الْمَنْفَعَةِ أَوْ اقْتِدَارِ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى كُلِّ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَيَّنِ فِي الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ فَلَا تَحَالُفَ فِي الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ التَّحَالُفَ شُرِعَ لِفَسْخِ الْعَقْدِ فَبَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ لَا يُتَصَوَّرُ إمْكَانُ فَسْخِ الْعَقْدِ (الدُّرَرُ) ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْعَقْدِ بِقِيَامِ الْمَبِيعِ، وَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يُنْكِرُ هُنَا زِيَادَةَ الْأُجْرَةِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ الثَّامِنَةَ أَمَّا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمُدَّةِ فَلَا تَحَالُفَ. أَيْضًا إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُؤَجِّرِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧٦) (الطَّحْطَاوِيُّ) . [ (الْمَادَّةُ ١٧٨١) اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ] الْمَادَّةُ (١٧٨١) (إذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ فِي أَثْنَاءِ الْأُجْرَةِ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ يَجْرِي التَّحَالُفُ وَيُفْسَخُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ فِي حَقِّ الْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي حِصَّةِ الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ) إذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ أَثْنَاءَ مُدَّةِ الْإِيجَارِ أَيْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمُسْتَأْجِرِ بَعْضَ الْمَنْفَعَةِ بِالْفِعْلِ أَوْ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِيفَاءِ بَعْضِهَا وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ كُلِّ الْمَنْفَعَةِ أَوْ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِيفَاءِ كُلِّ الْمَنْفَعَةِ، فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ يَجْرِي التَّحَالُفُ وَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ فِي حَقِّ بَاقِي الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبَ حُدُوثِ الْمَنْفَعَةِ وَبِمَا أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ كَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً فَالْمُدَّةُ الْبَاقِيَةُ تَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا مُنْفَرِدًا وَيَجْرِي التَّحَالُفُ. أَمَّا فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ فَقَدْ نَصَّ عَلَى عَدَمِ جَرَيَانِ التَّحَالُفِ بَعْدَ هَلَاكِ بَعْضِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ لَمْ يَكُنْ مَعْقُودًا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً بَلْ إنَّ جَمِيعَ الْمَبِيعِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ عَقْدًا وَاحِدًا فَبِهَلَاكِ بَعْضِ الْمَبِيعِ يَتَعَذَّرُ الْفَسْخُ فِي الْبَعْضِ وَقَدْ جَعَلَ الْفَسْخَ مُتَعَذِّرًا فِي الْكُلِّ احْتِرَازًا مِنْ تَفَرُّقِ. الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ (الدُّرَرُ وَعَبْدُ الْحَلِيمِ وَالْبَهْجَةُ) .

стр. 2774

وَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ فِي حِصَّةِ الْمُدَّةِ الَّتِي انْقَضَتْ لِلْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ (٧٦ وَ ٨) . [ (الْمَادَّةُ ١٧٨٢) إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ بَعْدَ أَنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي] الْمَادَّةُ (١٧٨٢) (إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ بَعْدَ أَنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ حَدَثَ فِيهِ عَيْبٌ مَانِعٌ لِلرَّدِّ لَا يَجْرِي التَّحَالُفُ وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي فَقَطْ) إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي كُلًّا أَوْ بَعْضًا بَعْدَ حُدُوثِ عَيْبٍ مَانِعٍ لِلرَّدِّ كَخِيَارِ الْعَيْبِ أَوْ بَعْدَ خُرُوجِ الْمَبِيعِ مِنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ بِيعَ مُقَايَضَةً بَلْ كَانَ مُقَابِلَ ثَمَنٍ فَلَا تَحَالُفَ وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي فَقَطْ؛ لِأَنَّ التَّحَالُفَ بَعْدَ الْقَبْضِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ كَمَا بُيِّنَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٧٧٨) وَلِذَلِكَ فَهُوَ مَقْصُورٌ عَلَى مَوْرِدِهِ وَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٥) وَشَرْحَهَا كَمَا أَنَّ التَّحَالُفَ قَدْ شُرِعَ لِأَجْلِ فَسْخِ الْعَقْدِ أَمَّا بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ فَالْعَقْدُ مُنْفَسِخٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يُمْكِنُ فَسْخُهُ (الْبَحْرُ) . فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أَمَّا إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَيُفْسَخُ الْبَيْعُ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٢٩٣) وَشَرْحَهَا أَمَّا إذَا اسْتَهْلَكَ أَحَدٌ غَيْرُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَهُوَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَيَقُومُ بَدَلُهُ مَقَامَ الْمَبِيعِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ، وَيَجْرِي التَّحَالُفُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يُقْبَضْ (عَبْدُ الْحَلِيمِ) . مُسْتَثْنًى - إذَا أَسْقَطَ الْبَائِعُ ثَمَنَ بَعْضِ الْمَبِيعِ الَّذِي تَلِفَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَاعْتَبَرَ أَنَّ الْقِسْمَ التَّالِفَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْبَيْعِ، وَأَنَّ الْبَيْعَ وَاقِعٌ عَلَى الْقِسْمِ الْبَاقِي فَحِينَئِذٍ يَجْرِي التَّحَالُفُ، وَأَيُّهُمَا يَنْكُلُ عَنْ الْحَلِفِ يُلْزَمُ بِنُكُولِهِ (الطَّحْطَاوِيُّ وَالدُّرَرُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) مَانِعٌ لِلرَّدِّ بِخِيَارِ الْعَيْبِ؛ مَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِخِيَارِ الْعَيْبِ يَمْنَعُ التَّحَالُفَ أَيْضًا فَلِذَلِكَ. أَوَّلًا: تَمْنَعُ الزِّيَادَةُ الْمُتَوَلِّدَةُ مِنْ الْمَبِيعِ التَّحَالُفَ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً. ثَانِيًا: تَمْنَعُ الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ الْغَيْرُ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ الْمَبِيعِ التَّحَالُفَ كَالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ. ثَالِثًا: تَغَيُّرُ الِاسْمِ مَانِعٌ لِلتَّحَالُفِ كَطَحْنِ الْحِنْطَةِ وَشْيِ اللَّحْمِ وَخَبْزِ الدَّقِيقِ (تَعْلِيقَاتُ ابْنِ عَابِدِينَ عَلَى الْبَحْرِ) . أَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ غَيْرُ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ الْمَبِيعِ فَهِيَ غَيْرُ مَانِعَةٍ لِلتَّحَالُفِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْمُشْتَرِي يَحْتَفِظُ بِالزِّيَادَةِ بَعْدَ التَّحَالُفِ وَيَرُدُّ الْمَبِيعَ لِلْبَائِعِ (الشُّرُنْبُلَالِيُّ) . إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ مُقَايَضَةً أَمَّا إذَا كَانَ الْبَيْعُ مُقَايَضَةً فَيَجْرِي التَّحَالُفُ مَا دَامَ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ بَاقِيًا وَيَحْلِفُ كِلَاهُمَا وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ، وَإِذَا كَانَ الْبَدَلُ الَّذِي تَلِفَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ فَيَدْفَعُ الطَّرَفُ الَّذِي تَلِفَ فِي يَدِهِ مِثْلَهُ لِصَاحِبِهِ، وَإِذَا كَانَ مِنْ الْقِيَمِيَّاتِ فَيَدْفَعُ قِيمَتَهُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ والشرنبلالي) . [ (الْمَادَّةُ ١٧٨٣) لَيْسَ فِي دَعْوَى الْأَجَلِ يَعْنِي فِي كَوْنِهِ مُؤَجَّلًا أَوَّلًا وَفِي شَرْطِ الْخِيَارِ] الْمَادَّةُ (١٧٨٣) (لَيْسَ فِي دَعْوَى الْأَجَلِ يَعْنِي فِي كَوْنِهِ مُؤَجَّلًا أَوَّلًا وَفِي

стр. 2775

شَرْطِ الْخِيَارِ وَفِي قَبْضِ كُلِّ الثَّمَنِ أَوْ بَعْضِهِ تَحَالُفٌ وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ يَحْلِفُ الْمُنْكِرُ) . أَوَّلًا: لَا تَحَالُفَ فِي دَعْوَى الْأَجَلِ أَيْ فِي كَوْنِهِ مُؤَجَّلًا أَوْ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ. ثَانِيًا: فِي مِقْدَارِ الْأَجَلِ، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ فِي أَصْلِ الْأَجَلِ أَيْ فِي كَوْنِهِ شَهْرًا مَثَلًا أَوْ أَكْثَرَ. ثَالِثًا: فِي وُقُوعِ أَوْ عَدَمِ وُقُوعِ الْبَيْعِ. رَابِعًا: فِي شَرْطِ الْخِيَارِ. خَامِسًا: فِي مِقْدَارِ الْخِيَارِ. سَادِسًا: فِي قَبْضِ كُلِّ الثَّمَنِ أَوْ بَعْضِهِ. سَابِعًا: فِي شَرْطِ الرَّهْنِ، يَعْنِي هَلْ شَرْطٌ فِي الرَّهْنِ رَهْنُ مَالٍ مُعَيَّنٍ مُقَابِلَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ أَوْ لَمْ يُشْرَطْ. ثَامِنًا: شَرْطُ الْكَفَالَةِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٨٧١) . تَاسِعًا: الِاخْتِلَافُ فِي مَكَان وَالْمَكَانَةِ فِيهِ وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ التِّسْعِ يَحْلِفُ الْمُنْكِرُ كَمُنْكِرِ الْبَيْعِ أَوْ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ هُوَ فِي غَيْرِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ، وَهُوَ مُشَابِهٌ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْحَطِّ وَالْإِبْرَاءِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُخْتُلِفَ فِي الْحَطِّ وَالْإِبْرَاءِ فَلَا يَجْرِي تَحَالُفٌ بَلْ يَحْلِفُ الْمُنْكِرُ (الدُّرَرُ) . دَعْوَى الْأَجَلِ - قَدْ فَسَّرَتْ الْمَجَلَّةُ دَعْوَى الْأَجَلِ بِكَوْنِهِ مُؤَجَّلًا أَوْ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْأَجَلَ قَدْ مَرَّ، وَادَّعَى الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ بَاقٍ، وَاخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالطَّحْطَاوِيُّ) . ١ - دَعْوَى الْأَجَلِ: إذَا اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ مُؤَجَّلًا أَوْ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الطَّرَفَيْنِ قَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمَعْقُودِ بِهِ، وَاخْتَلَفَا فِي الْأَمْرِ الزَّائِدِ الْعَارِضِ وَالْقَوْلُ لِمَنْ يُنْكِرُ الْعَوَارِضَ (عَبْدُ الْحَلِيمِ) . ٢ - مِقْدَارُ الْأَجَلِ: إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَارِ الْأَجَلِ فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ ثَمَنَ الْمَبِيعِ مُؤَجَّلٌ لِشَهْرَيْنِ، وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مُؤَجَّلٌ لِسَنَةٍ فَأَيُّهُمَا يُثْبِتُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَإِذَا أَثْبَتَ كِلَاهُمَا تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي اُنْظُرْ مَادَّةَ (١٧٦٢) ، وَإِذَا لَمْ يُثْبِتْ أَحَدُهُمَا فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْبَائِعِ. ٣ - أَصْلُ الْبَيْعِ: إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَدْ بِعْتنِي هَذِهِ الْفَرَسَ. وَقَالَ الْبَائِعُ: لَمْ أَبِعْهَا لَك. فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمُنْكِرَ هُنَا هُوَ الْبَائِعُ اُنْظُرْ مَادَّةَ (٧٦) كَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي قَائِلًا: قَدْ اشْتَرَيْت مِنِّي هَذِهِ الْفَرَسَ بِكَذَا دِينَارًا فَادْفَعْهَا لِي وَقَالَ الْمُشْتَرِي لَمْ أَشْتَرِهَا مِنْك فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُشْتَرِي.

стр. 2776

خِيَارُ الشَّرْطِ: إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فَقَالَ الْبَائِعُ قَدْ اشْتَرَيْت عَلَى أَنْ أَكُونَ مُخَيَّرًا كَذَا يَوْمًا. وَقَالَ الْمُشْتَرِي قَدْ بِعْت فَلَا خِيَارَ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُشْتَرِي. وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ اشْتَرَى بِخِيَارِ الشَّرْطِ، وَادَّعَى الْبَائِعُ بِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ بِلَا خِيَارِ شَرْطٍ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْبَائِعِ. ٥ - مِقْدَارُ الْخِيَارِ: إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ مِقْدَارَ الْخِيَارِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُشْتَرِي وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ مِقْدَارَ الْخِيَارِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْبَائِعِ. ٦ - قَبْضُ الثَّمَنِ: إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فَقَالَ الْمُشْتَرِي: إنَّنِي أَدَّيْت ثَمَنَ الْمَبِيعِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، وَادَّعَى الْبَائِعُ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْبَائِعِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْقَبْضِ هُنَا الِاسْتِيفَاءُ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْأَخْذِ وَالْحَطِّ وَالْإِبْرَاءِ وَلَوْ كُلًّا عَبْدُ الْحَلِيمِ. ٧ - شَرْطُ الرَّهْنِ، شَرْطُ الْكَفَالَةِ: إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ قَدْ شَرَطَ إعْطَاءَ رَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ مُقَابِلَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَادَّةِ (١٨٧) ، وَادَّعَى الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا ذَلِكَ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُشْتَرِي تَارِيخُ الْإِرَادَةِ السُّنِّيَّةِ ٢٦ سَنَةَ ١٢٩٣ خُلَاصَةُ الْبَابِ الرَّابِعِ (فِي التَّنَازُعِ وَتَرْجِيحِ الْبَيِّنَاتِ) . قَاعِدَةٌ: الْخَارِجُ مُدَّعٍ وَذُو الْيَدِ مُدَّعَى عَلَيْهِ وَذُو الْيَدِ فِي الْمَنْقُولِ يَثْبُتُ: (١) بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْمُعَايَنَةِ. (٢) بِتَصَادُقِ الطَّرَفَيْنِ. (٣) بِالْبَيِّنَةِ وَقَبْلَ إثْبَاتِ التَّصَرُّفِ فِي الْعَقَارِ بِالشُّهُودِ يَجِبُ إثْبَاتُ وَضَاعَةِ الْيَدِ مُقَدَّمًا وَلَا يَكْفِي تَصَادُقُ الطَّرَفَيْنِ. مُسْتَثْنًى: تَثْبُتُ وَضَاعَةُ الْيَدِ بِتَصَادُقٍ فِي دَعَاوَى الشِّرَاءِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَلَا يَحْتَاجُ إثْبَاتُهَا بِالْبَيِّنَةِ. إذَا لَمْ تَثْبُتْ وَضَاعَةُ الْيَدِ يُوقَفُ الْمُدَّعَى بِهِ لِحِينِ مَعْلُومِيَّةِ وَضَاعَةِ الْيَدِ حَسَبَ الْفِقْرَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْمَادَّةِ (١٧٥٥) . وَيُوجَدُ فِي الْبَيِّنَاتِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: الْحَالُ الْأَوَّلُ: أَنْ تَتَهَاتَرَ الْبَيِّنَتَانِ فَتَكُونَ بِلَا حُكْمٍ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُعْمَلَ بِالْبَيِّنَتَيْنِ، إذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ فِي الْمَالِ الَّذِي تَحْتَ يَدِهِمَا أَوْ فِي يَدِ الْخَارِجِ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مِلْكِهِ فَيُحْكَمُ لَهَا مُنَاصَفَةً فِي الصُّورَتَيْنِ.

стр. 2777

الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يُعْمَلَ بِإِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ تَرْجِيحًا، وَأَنْ تُرَدَّ الْأُخْرَى. فَتُرَجَّحُ: ١ - بَيِّنَةُ ظَاهِرِ الْحَالِ عَلَى خِلَافِهِ. ٢ - بَيِّنَةُ الْخَارِجِ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ. ٣ - فِي الدَّعْوَى الْمُقَدَّمِ تَارِيخُهَا. ٤ - الدَّعْوَى الْمُؤَرَّخَةُ عَلَى الدَّعْوَى بِلَا تَارِيخٍ. ٥ - بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فِي دَعْوَى الْمَالِ الْمُقَيَّدِ كَالنِّتَاجِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ التَّارِيخُ. ٦ - مَنْ يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ. ٧ - مَنْ يُثْبِتُ الْأَصْلَ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الزِّيَادَةِ. تَفْرِيعَاتٌ ١ - تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْبَيْعِ عَلَى بَيِّنَةِ الْهِبَةِ. ٢ - بَيِّنَةُ الْبَيْعِ عَلَى بَيِّنَةِ الصَّدَقَةِ. ٣ - بَيِّنَةُ الْبَيْعِ عَلَى بَيِّنَةِ الْإِجَارَةِ. ٤ - بَيِّنَةُ الْبَيْعِ عَلَى بَيِّنَةِ الرَّهْنِ. ٥ - بَيِّنَةُ الْمُوَاضَعَةِ فِي الْمَبِيعِ عَلَى بَيِّنَةِ الْبَيْعِ الْقَطْعِيِّ. ٦ - بَيِّنَةُ بَيْعِ الْوَفَاءِ عَلَى بَيِّنَةِ الْبَيْعِ الْقَطْعِيِّ. ٧ - بَيِّنَةُ الْإِقَالَةِ عَلَى بَيِّنَةِ الْبَيْعِ. ٨ - بَيِّنَةُ الْإِجَارَةِ عَلَى بَيِّنَةِ الرَّدِّ. ٩ - بَيِّنَةُ الْإِجَارَةِ عَلَى بَيِّنَةِ الرَّهْنِ. ١٠ - بَيِّنَةُ الْهِبَةِ عَلَى بَيِّنَةِ الْغَصْبِ. ١١ - بَيِّنَةُ الْيَسَارِ عَلَى بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ. ١٢ - بَيِّنَةُ الْمُؤَجِّرِ عَلَى مِقْدَارِ الْإِجَارَةِ عَلَى بَيِّنَةِ الْمُسْتَأْجِرِ. ١٣ - بَيِّنَةُ التَّمْلِيكِ عَلَى بَيِّنَةِ الْعَارِيَّةِ. ١٤ - بَيِّنَةُ الْبُلُوغِ عَلَى بَيِّنَةِ الصِّغَرِ. ١٥ - بَيِّنَةُ الْحُدُوثِ عَلَى بَيِّنَةِ الْقِدَمِ. ١٦ - بَيِّنَةُ التَّفْوِيضِ بِالْوَفَاءِ عَلَى بَيِّنَةِ التَّفْوِيضِ الْقَطْعِيِّ. ١٧ - بَيِّنَةُ الرَّهْنِ عَلَى بَيِّنَةِ الصَّدَقَةِ. ١٨ - بَيِّنَةُ الرَّهْنِ عَلَى بَيِّنَةِ الْعَارِيَّةِ. ١٩ - بَيِّنَةُ الرَّهْنِ عَلَى بَيِّنَةِ الْإِيدَاعِ. ٢٠ - بَيِّنَةُ الرَّهْنِ عَلَى بَيِّنَةِ الْغَاصِبِ. ٢١ - بَيِّنَةُ الصِّحَّةِ عَلَى بَيِّنَةِ مَرَضِ الْمَوْتِ. ٢٢ - بَيِّنَةُ الْغَبْنِ مَعَ التَّغْرِيرِ عَلَى بَيِّنَةِ ثَمَنِ الْمِثْلِ. ٢٣ - بَيِّنَةُ الْفَسَادِ عَلَى بَيِّنَةِ الصِّحَّةِ. (٢) ٢٤ - بَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى مِقْدَارِ الْمُدَّةِ عَلَى بَيِّنَةِ الْمُؤَجِّرِ. وَالْبَيِّنَةُ هِيَ الشَّاهِدُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الْحَالِ، وَالْقَوْلُ لِمَنْ كَانَ لَهُ ظَاهِرُ الْحَالِ، وَيَلْزَمُ حَلِفُ الْيَمِينِ لِمَنْ كَانَ لَهُ الْقَوْلُ وَلَهُ مُسْتَثْنًى اُنْظُرْ صَحِيفَةَ ٤٨٨. تَفْرِيعَاتٌ الْفَصْلُ الثَّالِثُ إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي: ١ - فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ. ٢ - فِي مِقْدَارِ الْمَبِيعِ. ٣ - أَوْ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ، وَالْمَبِيعِ. ٤ - أَوْ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ أَوْ اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ. ١ - فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ. ٢ - فِي جِنْسِهَا. ٣ - فِي نَوْعِهَا. ٤ - فِي وَصْفِهَا وَلَمْ يُثْبِتَا مُدَّعَاهُمَا فَيَجْرِي التَّحَالُفُ بَيْنَهُمَا فَإِذَا حَلَفَ كِلَاهُمَا فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى يَفْسَخُ الْقَاضِي الْبَيْعَ وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ يَفْسَخُ الْإِجَارَةَ.

стр. 2778

[الْكِتَابُ السَّادِسَ عَشَر الْقَضَاء]

стр. 2779

الْكِتَابُ السَّادِسَ عَشَر الْقَضَاء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَادِلِ فِي حُكْمِهِ. الْمُجِيبِ لِدَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ مِنْ عِبَادِهِ. وَهُوَ الَّذِي يَقْضِي بِالْحَقِّ بَيْنَ خَلَائِقِهِ، وَأَمَرَ بِالْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى أَشْرَفِ رُسُلِهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَفْضَلِ أَنْبِيَائِهِ. وَعَلَى آلِهِ، وَأَصْحَابِهِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ. مَشْرُوعِيَّةُ الْقَضَاءِ: ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ إذْ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْكَرِيمِ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ - وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٤ - ٤٩] (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) . إنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ أُمِرَ بِذَلِكَ وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَقَدْ عَمِلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ بِذَلِكَ وَقَدْ اسْتَقَامَتْ الْأَرْضُ، وَالسَّمَاءُ بِالْقِيَامِ بِالْقَضَاءِ، وَأَنَّ الْقَضَاءَ هُوَ نِيَابَةٌ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَإِقَامَةٌ لِحُدُودِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُقَدِّمَةٌ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ، وَأَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ مَعْرِفَةَ سِتَّةِ أَشْيَاءَ: فَضَائِلِ الْقَضَاءِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ وَمَحَاسِنِهِ وَحِكْمَتِهِ وَصِفَةِ قَبُولِ الْقَضَاءِ، وَأَرْكَانِ الْقَضَاءِ. مَعْنَاهُ: الْقَضَاءُ مِنْ الْقَضِيَّةِ، وَأَصْلُهُ قَضَايَ وَحَيْثُ جَاءَتْ الْيَاءُ بَعْدَ الْأَلْفِ قُلِبَتْ الْيَاءُ هَمْزَةً وَجَمْعُهُ أَقْضِيَةٌ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . لِلْقَضَاءِ لُغَةً مَعَانٍ كَثِيرَةٌ، وَهُوَ الْإِتْقَانُ وَالْمَكَانَةُ، وَالْإِبْلَاغُ وَالْأَدَاءُ وَالْإِنْهَاءُ وَالصُّنْعُ وَالتَّقْدِيرُ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ. أَمَّا مَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ ١٧٨٤.

стр. 2780

وَقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقَضَاءِ كَمَا أُمِرَ النَّبِيُّ دَاوُد ﵇ بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٢٦] (الْفَتْحُ) . السُّنَّةُ: قَدْ نَصَّبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا وَمُعَاذًا قَاضِيَيْنِ لِلْيَمَنِ (الْفَتْحُ) . مَحَاسِنُ الْقَضَاءِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ قَضَاءٌ لَمَا أَمْكَنَ الِاسْتِحْصَالُ عَلَى الْحُقُوقِ وَلَبَقِيَ حَقُّ صَاحِبِ الْحَقِّ فِي يَدِ وَذِمَّةِ الْمُبْطِلِ فَالْقَاضِي نَائِبٌ عَنْ الشَّارِعِ فِي أَخْذِ حَقِّ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ وَفِي إيصَالِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَفِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. إنَّ الْقَضَاءَ بِالْحَقِّ هُوَ أَقْوَى الْفَرَائِضِ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] أَيْ بِالْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] أَيْ يَحْفَظُهُمْ وَيُعَظِّمُ شَأْنَهُمْ، وَهَلْ أَشْرَفُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ مَحَبَّتِهِ - تَعَالَى - (مُعِينُ الْحُكَّامِ) . وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ حَدِيثُ «إنَّ عَدْلَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً» الْوَلْوَالِجِيَّةِ. كَمَا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «أَنَّ الْقُضَاةَ يُحْشَرُونَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ» (فَتْحُ الْقَدِيرِ) . وَلِذَلِكَ قَدْ كَانَ الْقَضَاءُ وَالْوِلَايَةُ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﵇ وَفِي زَمَنِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ يُتَحَمَّلُ أَعْبَاؤُهُمَا عَلَى طَرِيقِ الْعِبَادَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ فِي الْقَضَاءِ خَطَرًا عَظِيمًا فَلَمْ يَقْبَلْهُ بَعْضُ الْمُتَّقِينَ الْأَخْيَارِ وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ. إجْمَاعُ الْأُمَّةِ: وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقَضَاءِ (الْفَتْحُ) . حِكْمَةُ الْقَضَاءِ: هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ التَّهَارُجِ وَرَدِّ النَّوَائِبِ وَقَطْعِ الْخُصُومَاتِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ (مُعِينُ الْحُكَّامِ) . صِفَةُ قَبُولِ الْقَضَاءِ وَقَبُولُ الْقَضَاءِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: ١ - وَاجِبٌ، إذَا عُيِّنَ أَحَدٌ لِلْقَضَاءِ وَلَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ أَهْلًا لَهُ فَقَبُولُ الْقَضَاءِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْبَلْ الْقَضَاءَ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَضْيِيعِ الْحُقُوقِ كَمَا أَنَّهُ بِعَدَمِ قَبُولِهِ الْقَضَاءَ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ غَيْرُهُ مِمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ ضَرَرٌ كَبِيرٌ وَفَسَادٌ عَظِيمٌ وَدَفْعُ ذَلِكَ فَرْضٌ صِيَانَةً لِحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَقَبُولُ الْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ، وَإِنْصَافًا لِلْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ (شَرْحُ الْمَجْمَعِ لِابْنِ مَالِك) وَفِي هَذَا الْحَالِ يَكُونُ قَبُولُ الْقَضَاءِ، وَاجِبًا عَلَيْهِ كَمَا أَنَّهُ يَحِقُّ لِلْحُكُومَةِ إجْبَارُهُ عَلَى الْقَبُولِ. ٢ - مُسْتَحَبٌّ: إذَا كَانَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ مُتَعَدِّدِينَ وَكَانَ أَحَدُهُمْ أَصْلَحَ مِنْ غَيْرِهِ فِي أُمُورِ الْقَضَاءِ، وَفِي الْقِيَامِ بِالْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الْقَضَائِيَّةِ فَيَجِبُ قَبُولُهُ.

стр. 2781

أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا فِي قَبُولِ الْقَضَاءِ، إذَا كَانَ أَشْخَاصٌ عَدِيدُونَ مُتَسَاوُونَ فِي الصَّلَاحِ لِلْقَضَاءِ، وَفِي الْقِيَامِ بِأُمُورِهِ فَإِذَا كُلِّفَ أَحَدُهُمْ بِذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ وَلَهُ أَنْ يَعْتَذِرَ وَيَمْتَنِعَ وَقَبُولُ أَحَدِهِمْ يُسْقِطُ الْوُجُوبَ عَنْ الْآخَرِ. ٤ - إذَا كَانَ أَحَدٌ صَالِحًا لِلْقَضَاءِ وَكَانَ آخَرُ أَصْلَحَ، وَأَقْوَى مِنْهُ فَقَبُولُهُ لِلْقَضَاءِ مَكْرُوهٌ. ٥ - أَنْ يَكُونَ قَبُولُ الْقَضَاءِ حَرَامًا، إذَا كَانَ أَحَدٌ يَعْلَمُ عَجْزَهُ عَنْ الْقَضَاءِ وَعَدَمَ اسْتِطَاعَتِهِ لِمُرَاعَاةِ الْعَدْلِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُ الْقَضَاءِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) فَلِذَلِكَ فَتَقْلِيدُ الْجَاهِلِ الْمُلَوَّثِ أَوْ الْمُتَلَبِّسِ بِالْأَشْيَاءِ الْمُوجِبَةِ لِلْفِسْقِ أَوْ الْقَاصِدِ الِانْتِقَامَ أَوْ الرَّاغِبِ فِي أَخْذِ الرِّشْوَةِ حَرَامٌ (شَرْحُ الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ) وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «بِأَنَّ الْمُبْتَلَى بِالْقَضَاءِ كَالْمَذْبُوحِ بِلَا سِكِّينٍ» وَوَجْهُ الشَّبَهِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ السِّكِّينَ تَفْرُقُ الْبَدَنَ ظَاهِرًا وَتُزِيلُ الرُّوحَ بَاطِنًا أَمَّا الذَّبْحُ بِلَا سِكِّينٍ كَالْخَنْقِ فَتَأْثِيرُهُ بَاطِنٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالْقَضَاءُ كَذَلِكَ، وَالْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ مَنْصِبًا وَجَاهًا لِمَنْ يَتَوَلَّاهُ إلَّا أَنَّهُ فِي الْبَاطِنِ هَلَاكٌ (الدُّرُّ الْمُنْتَقَى وَشَرْحُ الطَّرِيقَةِ لِلْخَادِمِيِّ) . أَرْكَانُ الْقَضَاءِ: أَرْكَانُ الْقَضَاءِ سِتَّةٌ: الْحُكْمُ، الْمَحْكُومُ بِهِ الْمَحْكُومُ لَهُ، الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، الْقَاضِي، الطَّرِيقَةُ، وَقَدْ عُرِفَ الْأَوَّلُ فِي الْمَادَّةِ ١٧٨٦ وَالثَّانِي فِي الْمَادَّةِ ١٧٨٧ وَالثَّالِثُ فِي الْمَادَّة ١٧٨٩ وَالرَّابِعُ فِي الْمَادَّةِ ١٧٨٨ وَالْخَامِسُ فِي الْمَادَّةِ ١٩٨٥، وَأَمَّا السَّادِسُ وَهُوَ الطَّرِيقُ، وَأَسْبَابُ الْقَضَاءِ فَنَأْتِي بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي: طَرِيقُ الْقَضَاءِ، وَأَسْبَابُ الْحُكْمِ إنَّ طَرِيقَ الْقَضَاءِ أَيْ طَرِيقَ الْقَاضِي لِلْحُكْمِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَحْكُومِ بِهِ، وَهُوَ أَنَّ طَرِيقَ الْقَضَاءِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ عِبَارَةٌ عَنْ الدَّعْوَى وَالْحُجَّةِ، وَالْحُجَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ وَالْيَمِينِ وَالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ وَعِلْمِ الْقَاضِي عَلَى قَوْلٍ، وَالْقَسَامَةُ، وَالْقَرِينَةُ الْقَاطِعَةُ اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ. ١٧٤٠

стр. 2782

[ (الْمَادَّةُ ١٧٨٤) الْقَضَاءُ يَأْتِي بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالْحَاكِمِيَّةِ] الْمَادَّةُ (١٧٨٤) - (الْقَضَاءُ يَأْتِي بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالْحَاكِمِيَّةِ) الْقَضَاءُ بِوَزْنِ السَّخَاءِ وَهُوَ لُغَةً بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالْحَاكِمِيَّةِ وَجَمْعُهُ أَقْضِيَةٌ وَمَعْنَى أَصْلِ الْقَضَاءِ الْقَطْعُ وَالْفَصْلُ. (١) وَقَدْ تَفَرَّعَتْ الْمَعَانِي السَّائِرَةُ مِنْ ذَلِكَ وَالْحَكَمُ وَالْقَاضِي يُعَرَّفُ فِي الْمَوَادِّ الْآتِيَةِ: الْمَادَّةُ (١٧٨٥) - (الْقَاضِي هُوَ الذَّاتُ الَّذِي نُصِّبَ وَعُيِّنَ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ لِأَجْلِ فَصْلِ وَحَسْمِ الدَّعْوَى وَالْمُخَاصَمَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ النَّاسِ تَوْفِيقًا لِأَحْكَامِهَا الْمَشْرُوعَةِ) . إيضَاحُ الْقُيُودِ: تَوْفِيقًا لِلْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ، أَمَّا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِالْجَوْرِ أَيْ بِخِلَافِ الْحَقِّ فَفِي حُكْمِهِ هَذَا أَرْبَعُ صُوَرٍ: الصُّورَةُ الْأُولَى: أَنْ يَحْكُمَ خَطَأً فِي حَقِّ الْعَبْدِ فَإِذَا حَكَمَ الْقَاضِي خَطَأً فِي حَقِّ الْعَبْدِ فَإِذَا كَانَ تَدَارُكُ وَرَدُّ الْخَطَأِ مُمْكِنًا، وَيَرُدُّ الْمَالَ الْمَحْكُومَ بِهِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ. مَثَلًا: إذَا حَكَمَ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا الْمَالَ لِزَيْدٍ بَعْدَ اسْتِمَاعِ الشُّهُودِ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّزْكِيَةِ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشُّهُودَ عَبِيدٌ أَوْ مَحْدُودُونَ بِحَدِّ الْقَذْفِ، وَأَنَّ شَهَادَتَهُمْ لِذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فَيُعِيدُ الْقَاضِي الْمَالَ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، أَمَّا إذَا كَانَ الْحُكْمُ غَيْرَ مُمْكِنٍ تَدَارُكِهِ وَرَدِّهِ كَأَنْ يَنْفُذَ حُكْمُ الْقِصَاصِ فَلَا يُقَاصُّ الْمَقْضِيُّ لَهُ وَلَكِنْ يُلْزِمُهُ الدِّيَةَ مِنْ مَالِهِ إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُثْبِتَ هَذَا الْخَطَأَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَحْكُومِ لَهُ. أَمَّا إقْرَارُ الْقَاضِي فَلَا حُكْمَ لَهُ وَلَا يَبْطُلُ الْحُكْمُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَحْكُمَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ جَوْرًا عَنْ عَمْدٍ فَإِذَا حَكَمَ الْقَاضِي جَوْرًا عَنْ عَمْدٍ أَوْ أَجْرَى الْحُكْمَ ثُمَّ أَقَرَّ الْقَاضِي بِأَنَّهُ حَكَمَ جَوْرًا فَيَلْزَمُ الضَّمَانُ مِنْ مَالِ الْقَاضِي وَيُعْزَلُ وَيُعَزَّرُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَكُونُ قَدْ جَنَى، وَأَتْلَفَ مَالَ الْغَيْرِ.

стр. 2783

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي خَطَأً فِي حُقُوقِ اللَّهِ كَأَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي بِحَدِّ الزِّنَا أَوْ بِحَدِّ السَّرِقَةِ وَيُجْرِيَ الْحُكْمَ ثُمَّ يَثْبُتُ بُطْلَانُ الْقَضَاءِ كَظُهُورِ الشُّهُودِ بِأَنَّهُمْ أَرِقَّاءُ فَالضَّمَانُ يَجِبُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ - أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي جَوْرًا عَنْ عَمْدٍ فِي حُقُوقِ اللَّهِ فَإِذَا حَكَمَ الْقَاضِي جَوْرًا عَنْ عَمْدٍ فِي حُقُوقِ اللَّهِ وَأَجْرَى الْحُكْمَ ثُمَّ أَقَرَّ بِذَلِكَ فَيَلْزَمُ الضَّمَانُ مِنْ مَالِ الْقَاضِي وَيُعْزَلُ الْقَاضِي وَيُعَزَّرُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَنَى، وَأَتْلَفَ الْمَالَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) لِأَجْلِ فَصْلٍ وَحَسْمٍ، وَيَكُونُ هَذَا بِبَيَانِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَبِمَنْعِ غَيْرِ الْمُحِقِّ، وَإِلْزَامِهِ. مَثَلًا: إذَا ثَبَتَتْ دَعْوَى الْمُدَّعِي يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْمُدَّعِي وَيَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُبْطِلًا. الْمَنْصُوبُ مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ، وَبِهَذَا التَّعْبِيرِ يَخْرُجُ الْمُحَكَّمُ؛ لِأَنَّهُ لِلْمُحَكَّمِ أَنْ يَفْصِلَ الدَّعْوَى أَوْ الْمُخَاصِمَةَ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوبًا مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ بَلْ هُوَ مَنْصُوبٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَبِهَذَا التَّعْبِيرِ يُشَارُ إلَى حُكْمِ الْمَادَّةِ ١٨٠٠. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى لُزُومِ نَصْبِ الْقَاضِي مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ الْمَسْأَلَتَانِ الْآتِيَتَانِ. الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى - إذَا حَكَمَ السُّلْطَانِ الْعَادِلُ فِي دَعْوَى حَسَبَ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ فَيَصِحُّ حُكْمُهُ وَيَنْفُذُ؛ لِأَنَّ نَفَاذَ حُكْمِ الْقَاضِي هُوَ نَاشِئٌ؛ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِالْحُكْمِ مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ وَلِكَوْنِهِ وَكِيلًا عَنْهُ فَنَفَاذُ حُكْمِ السُّلْطَانِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ - إنَّ نَصْبَ قَاضٍ مِنْ مُوَظِّفٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ مِنْ السُّلْطَانِ بِنَصْبِ الْقُضَاةِ كَالْوَالِي وَالْعَامِلِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُ ذَلِكَ الْقَاضِي الْمَنْصُوبُ مِنْ قِبَلِهِ كَمَا أَنَّ حُكْمَ الْمَادَّةِ ١٨٠٥ الَّتِي لَا تُجَوِّزُ نَائِبَ الْقَاضِي غَيْرَ الْمَأْذُونِ بِالِاسْتِنَابَةِ هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ فَلِذَلِكَ، وَبِمَا أَنَّ فِي زَمَانِنَا وُلَاةِ الْوِلَايَاتِ غَيْرُ مَأْذُونِينَ بِالْحُكْمِ كَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْذَنُوا بِنَصْبِ الْقُضَاةِ فَالْقُضَاةُ الْمَنْصُوبُونَ مِنْ قِبَلِهِمْ تَبْطُلُ أَحْكَامُهُمْ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَإِنَّ الْأُصُولَ الْمَرْعِيَّةَ الْآنَ أَنَّ الْقُضَاةَ الشَّرْعِيِّينَ يُعَيَّنُونَ مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ بَعْدَ تَرْشِيحِهِمْ مِنْ طَرَفِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ. [ (الْمَادَّةُ ١٧٨٦) الْحُكْمُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الْقَاضِي الْمُخَاصِمَةَ وَحَسْمِهِ إيَّاهَا] الْمَادَّةُ (١٧٨٦) (الْحُكْمُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الْقَاضِي الْمُخَاصِمَةَ وَحَسْمِهِ إيَّاهَا وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: هُوَ إلْزَامُ الْقَاضِي الْمَحْكُومَ بِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِكَلَامٍ كَقَوْلِهِ حَكَمْت أَوْ أَعْطِ الشَّيْءَ الَّذِي ادَّعَى بِهِ عَلَيْك وَيُقَالُ لَهُ قَضَاءُ الْإِلْزَامِ وَقَضَاءُ الِاسْتِحْقَاقِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: هُوَ مَنْعُ الْقَاضِي الْمُدَّعِي عَنْ الْمُنَازَعَةِ بِكَلَامٍ كَقَوْلِهِ لَيْسَ لَك حَقٌّ أَوْ أَنْتَ مَمْنُوعٌ عَنْ الْمُنَازَعَةِ وَيُقَالُ لِهَذَا قَضَاءُ التَّرْكِ) وَالْحُكْمُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ لُغَةً بِمَعْنَى الْمَنْعِ وَتَسْمِيَةُ الْقَاضِي بِالْحَاكِمِ لِمَنْعِهِ الْمُبْطِلَ مِنْ

стр. 2784

الْأَبْطَالِ. مَثَلًا: إذَا حَكَمَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ الْمُرَافَعَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالثُّبُوتِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ يَكُونُ قَدْ مَنَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ إعْطَاءِ حَقِّ الْمُدَّعِي فَلِذَلِكَ يُقَالُ قَدْ حَكَمَ الْقَاضِي أَيْ أَنَّهُ وَضَعَ الْحَقَّ فِي أَهْلِهِ أَيْ فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَمَنَعَ الْغَيْرَ الْمُحِقِّ مِنْ الْإِبْطَالِ (مُعِينُ الْحُكَّامِ) . وَالْحُكْمُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الْقَاضِي الْمُخَاصِمَةَ وَحَسْمِهِ إيَّاهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ. وَقَيْدُ الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ هُوَ لِإِخْرَاجِ الصُّلْحِ الَّذِي يَجْرِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ هُوَ أَلْفَاظُ الْقَاضِي كَأَلْزَمْت أَوْ حَكَمْت أَوْ أَنْفَذْت الْقَضَاءَ عَلَيْك (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ، وَإِنَّ عَدَمَ ذِكْرِ هَذَا الْقَيْدِ فِي الْمَجَلَّةِ الْوَارِدِ فِي رَدُّ الْمُحْتَارِ هُوَ لِلسَّبَبِ الْآتِي وَهُوَ أَنَّ قَطْعَ الطَّرَفَيْنِ الْمُنَازَعَةَ بَيْنَهُمَا صُلْحًا يَخْرُجُ بِعِبَارَةِ الْقَاضِي كَمَا أَنَّهَا تَخْرُجُ بِعِبَارَةِ الْمُحَاكَمَةِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ هُوَ عَقْدٌ يَرْفَعُ النِّزَاعَ بِالتَّرَاضِي بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ فِي الْمَادَّةِ (١٥٣١) . وَهَذَا الْحُكْمُ عَلَى قِسْمَيْنِ وَوَجْهُ الِانْحِصَارِ هُوَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إمَّا أَنْ يَظْهَرَ مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ أَوْ مُبْطِلًا فَإِذَا ظَهَرَ مُحِقًّا يُقْضَى لَهُ بِقَضَاءِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِذَا ظَهَرَ مُبْطِلًا يُقْضَى لَهُ بِقَضَاءِ التَّرْكِ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: هُوَ إلْزَامُ الْقَاضِي الْمَحْكُومَ بِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ بِكَلَامٍ كَقَوْلِهِ حَكَمْت أَوْ قَضَيْت أَوْ أَلْزَمْت فَأَعْطِ الَّذِي ادَّعَى بِهِ عَلَيْك لِهَذَا الْمُدَّعِي أَوْ سَلِّمْهُ أَوْ ادْفَعْ الدَّيْنَ الَّذِي ادَّعَى بِهِ عَلَيْك (الْحَمَوِيُّ) . قِيلَ فِي الْمَجَلَّةِ (كَقَوْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَاضِي: إنَّ لِهَذَا الْمُدَّعِي حَقًّا عِنْدَك وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدِي بِإِقْرَارِك أَوْ بِالْبَيِّنَةِ وَظَهَرَ ذَلِكَ أَوْ صَحَّ أَوْ قَالَ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ لِهَذَا الْمُدَّعِي عِنْدَك كَذَا حَقًّا فَهُوَ حُكْمٌ أَمَّا لَوْ قَالَ الْقَاضِي: إنَّنِي أَظُنُّ أَنَّ لِهَذَا الْمُدَّعِي حَقًّا عِنْدَك كَذَا أَوْ إنَّنِي أَرَى أَنَّ لَهُ حَقًّا عِنْدَك فَلَا يَكُونُ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتِمُّ بِأَلْفَاظِ الشَّكِّ (الْخَانِيَّةُ) . وَيُقَالُ لِهَذَا الْقَضَاءِ قَضَاءُ إلْزَامٍ وَقَضَاءُ اسْتِحْقَاقٍ وَقَضَاءُ مِلْكٍ، وَإِنْ قُسِّمَ قَضَاءُ الْإِلْزَامِ وَالِاسْتِحْقَاقِ هُوَ كَمَا يُسْتَدَلُّ مِنْ أَلْفَاظِهِ يَكُونُ فِي حَالَةِ ظُهُورِ حَقِّ الْمُدَّعِي عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ: إذَا حَكَمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ كَالدَّيْنِ وَالْعَيْنِ. مَثَلًا: إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ دَيْنًا، وَأَثْبَتَ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ فَأَمَرَ الْقَاضِي بَعْدَ الْإِثْبَاتِ وَالتَّزْكِيَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ لِلْمُدَّعِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَيَكُونُ هَذَا الْقَضَاءُ قَضَاءَ اسْتِحْقَاقٍ، وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَشَرَةِ الدَّنَانِيرِ. نَفَاذُ الْحُكْمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَعَدَمُ نَفَاذِهِ. إذَا كَانَتْ دَعْوَى الِاسْتِحْقَاقِ حَقَّةٌ فَلَا شُبْهَةَ بِأَنَّهَا نَافِذَةٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَمَّا إذَا كَانَتْ بَاطِلَةً فَهِيَ اسْتِحْقَاقٌ ظَاهِرٌ لَا بَاطِنٌ. مَثَلًا: إذَا ادَّعَى أَحَدٌ عَلَى آخَرَ بَاطِلًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَأَثْبَتَ دَعْوَاهُ بِشُهُودِ زُورٍ وَحَكَمَ الْقَاضِي فِي الدَّعْوَى؛ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى كَذِبِ الشُّهُودِ، وَأَخَذَ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ

стр. 2785

الْمَبْلَغَ فَيَحْرُمُ ذَلِكَ الْمَبْلَغُ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ كَالْمَالِ الْمَغْصُوبِ، وَلَا يَجْعَلُ حُكْمُ الْقَاضِي ذَلِكَ الْمَالَ حَلَالًا لَهُ. كَذَلِكَ إذَا ادَّعَى أَحَدٌ كَذِبًا أَنَّ ثِيَابَ غَيْرِهِ لَهُ، وَأَثْبَتَ ذَلِكَ وَحَكَمَ الْقَاضِي لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى كَذِبِ الشُّهُودِ، وَأَخَذَ الْمَحْكُومُ لَهُ الثِّيَابَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ لُبْسُ تِلْكَ الثِّيَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ آخَرَ بِلَا سَبَبٍ مَشْرُوعٍ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٩٠٧) . كَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ أَنَّ مَنْكُوحَةَ غَيْرِهِ هِيَ مَنْكُوحَتُهُ، وَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا قَبْلًا، وَأَثْبَتَ ذَلِكَ بِشُهُودِ زُورٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْخَلْوَةُ مَعَ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا وَسَتُفَصَّلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٨٢٧) . الْقِسْمُ الثَّانِي - هُوَ مَنْعُ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ عَنْ الْمُنَازَعَةِ بِكَلَامٍ كَقَوْلِ: لَيْسَ لَك حَقٌّ أَوْ أَنْتَ مَمْنُوعٌ عَنْ الْمُنَازَعَةِ مَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيُقَالُ لِهَذَا قَضَاءُ التَّرْكِ أَنْوَاعُ قَضَاءِ التَّرْكِ إنَّ قَضَاءَ التَّرْكِ فِي حَالَةِ عَدَمِ ثُبُوتِ دَعْوَى الْمُدَّعِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: يَكُونُ فِي الدَّيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ الْمُدَّعِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مَثَلًا فَيُنْكِرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَعْجِزَ الْمُدَّعِي عَنْ الْإِثْبَاتِ وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالطَّلَبِ الْيَمِينَ أَوْ لَا يَطْلُبُ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَحْكُمُ الْقَاضِي عَلَى الْمُدَّعِي قَائِلًا (إنَّك مَمْنُوعٌ مِنْ مُعَارَضَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) فَيَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ قَضَاءَ تَرْكٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ فِي الْعَيْنِ الَّتِي فِي يَدِ شَخْصٍ ثَالِثٍ. مَثَلًا: إذَا ادَّعَى اثْنَانِ مِلْكِيَّةَ الْفَرَسِ الَّتِي فِي يَدِ شَخْصٍ آخَرَ مُسْتَقِلًّا، وَعَجَزَ كِلَاهُمَا عَنْ الْإِثْبَاتِ وَحَلَفَ ذُو الْيَدِ الْيَمِينَ لِكِلَيْهِمَا فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِقَضَاءِ التَّرْكِ. وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ: تَبْقَى الْفَرَسُ كَالْأَوَّلِ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يَحْكُمُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِقَضَاءِ الِاسْتِحْقَاقِ أَيْ لَا يَحْكُمُ لِلشَّخْصِ الثَّالِثِ بِالْقَوْلِ (إنَّ هَذِهِ الْفَرَسَ لَك) حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ الْبَيِّنَةَ فَيَحْكُمُ بِالْفَرَسِ لِلْمُدَّعِيَيْنِ (ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى الْبَحْرِ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) ؛ لِأَنَّهُ لِلْمُدَّعِي إثْبَاتُ دَعْوَاهُ وَلَوْ بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٨١٩) . الْوَجْهُ الثَّالِثُ: يَكُونُ فِي الْعَيْنِ الَّتِي فِي يَدِ عَمْرٍو قَائِلًا: إنَّهَا مِلْكِي وَعَجَزَ عَنْ الْإِثْبَاتِ وَحَلَّفَ الْقَاضِي بِالطَّلَبِ عَمْرًا بِالْيَمِينِ فَيَحْكُمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَضَاءِ التَّرْكِ يَعْنِي يُخَاطِبُ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ زَيْدًا قَائِلًا لَهُ (إنَّك مَمْنُوعٌ مِنْ مُعَارَضَةِ عَمْرٍو) وَفِي هَذَا الْحَالِ تَبْقَى الدُّكَّانُ فِي يَدِ عَمْرٍو كَالسَّابِقِ. وَالدَّلِيلُ وَالسَّبَبُ لِهَذَا الْقَضَاءِ هُوَ وَضْعُ الْيَدِ (أَبُو السُّعُودِ الْمِصْرِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَضَاءِ الِاسْتِحْقَاقِ وَقَضَاءِ التَّرْكِ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - أَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي حَادِثَةٍ لَا يَكُونُ مَقْضِيًّا لَهُ أَبَدًا فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ، أَمَّا الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ التَّرْكِ فِي حَادِثَةٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُقْضَى لَهُ إذَا أَثْبَتَ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ.

стр. 2786

مَثَلًا: إذَا ادَّعَى أَحَدٌ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِ آخَرَ قَائِلًا: إنَّهُ مَالِي، وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحَلَفَ الْيَمِينَ بِالطَّلَبِ، وَحَكَمَ عَلَى الْمُدَّعِي بِقَضَاءِ التَّرْكِ فَإِذَا أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ يَحْكُمُ لَهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي - إذَا ادَّعَى الشَّخْصُ الثَّالِثُ بِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ هُوَ مَالُهُ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ فِي قَضَاءِ التَّرْكِ وَلَا تُسْمَعُ فِي قَضَاءِ الِاسْتِحْقَاقِ مَا لَمْ يَدَّعِ تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ جِهَةِ الْمَقْضِيِّ لَهُ فَحِينَئِذٍ تُسْمَعُ. مَثَلًا: إذَا ادَّعَى زَيْدٌ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِ عَمْرٍو قَائِلًا: إنَّهُ مَالِي، وَأَثْبَتَ مُدَّعَاهُ وَحَكَمَ لِزَيْدٍ ثُمَّ ادَّعَى بَكْرٌ عَلَى زَيْدٍ أَنَّ الْمَالَ الْمَذْكُورَ مَالُهُ فَلَا تُسْمَعْ مَا لَمْ يَدَّعِ قَائِلًا: قَدْ اشْتَرَيْت ذَلِكَ الْمَالَ مِنْ زَيْدٍ بَعْدَ الْحُكْمِ (الدُّرُّ الْمُنْتَقَى قُبَيْلَ الْفَصْلِ فِي التَّنَازُعِ بِالْأَيْدِي وَالْحَمَوِيُّ) . [ (الْمَادَّةُ ١٧٨٧) الْمَحْكُومُ بِهِ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي أَلْزَمْهُ الْقَاضِي الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ] الْمَادَّةُ (١٧٨٧) (الْمَحْكُومُ بِهِ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي أَلْزَمْهُ الْقَاضِي الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ وَهُوَ إيفَاءُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ حَقَّ الْمُدَّعِي فِي قَضَاءِ الْإِلْزَامِ وَتَرْكُ الْمُدَّعِي الْمُنَازَعَةَ فِي قَضَاءِ التَّرْكِ) . الْمَحْكُومُ بِهِ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُلْزِمُ بِهِ الْقَاضِي أَوْ الْمُحَكَّمُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ، وَهُوَ إيفَاءُ حَقِّ الْمُدَّعِي فِي قَضَاءِ الْإِلْزَامِ، وَالِامْتِنَاعُ عَنْ مُنَازَعَةِ الْمُدَّعِي فِي قَضَاءِ التَّرْكِ. إلْزَامٌ - هُوَ لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ حَسَبَ أُصُولِ الصَّكِّ الشَّرْعِيِّ فِي الْحُكْمِ الَّذِي يَصْدُرُ بِنَاءً عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ التَّعْبِيرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي هَذَا الْمَعْنَى. أَنْوَاعُ الْمَحْكُومِ بِهِ يُقَسَّمُ الْمَحْكُومُ بِهِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: يَكُونُ حَقَّ اللَّهِ مَحْضًا كَحَدِّ الزِّنَا وَحَدِّ الشُّرْبِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: يَكُونُ حَقَّ الْعَبْدِ مَحْضًا كَالْعَشَرَةِ الدَّنَانِيرِ الَّتِي يُحْكَمُ بِهَا بِنَاءً عَلَى دَعْوَى زَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: هُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ الْحَقَّانِ مَعًا وَيَكُونُ حَقُّ الْعَبْدِ غَالِبًا كَالْقِصَاصِ وَالتَّعْزِيرِ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَجْتَمِعَ الْحَقَّانِ مَعًا وَيَكُونُ حَقُّ اللَّهِ غَالِبًا كَحَدِّ الْقَذْفِ وَحَدِّ السَّرِقَةِ. شَرْطُ الْمَحْكُومِ بِهِ وَشَرْطُ الْمَحْكُومِ بِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ؛ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُدَّعَى بِهِ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْمَادَّةِ (١٦١٩) أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى بِهِ مَعْلُومًا. [ (الْمَادَّةُ ١٧٨٨) الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ] الْمَادَّةُ (١٧٨٨) (الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي حُكِمَ عَلَيْهِ) . الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي حُكِمَ عَلَيْهِ مِنْ طَرَفِ الْقَاضِي أَوْ مِنْ طَرَفِ الْمُحَكَّمِ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ يَكُونُ دَائِمًا إنْسَانًا. أَنْوَاعُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنًا، وَهَذَا يَكُونُ إمَّا وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ

стр. 2787

وَاحِدٍ. مَثَلًا: لَوْ اشْتَرَكَ عَشَرَةُ أَشْخَاصٍ فِي قَتْلِ إنْسَانٍ عَمْدًا. وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ: لَوْ أَطْلَقَ هَؤُلَاءِ الْعَشَرَةِ بَنَادِقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ، وَأَصَابُوهُ جَمِيعًا وَقُتِلَ، وَادُّعِيَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا فَلَدَى الثُّبُوتِ يُحْكَمُ بِالْقِصَاصِ عَلَى جَمِيعِهِمْ. كَذَلِكَ لَوْ أَنَّ عِشْرِينَ شَخْصًا اغْتَصَبُوا كَيْلَةَ حِنْطَةٍ مِنْ أَحَدٍ، وَادَّعَى صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى الْعِشْرِينَ شَخْصًا، وَأَثْبَتَ دَعْوَاهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَحْصِلَ الْحُكْمَ عَلَى جَمِيعِهِمْ. كَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ حَقَّ الْمُرُورِ فِي طَرِيقٍ خَاصٍّ عَائِدَةٍ لِعَشَرَةِ أَشْخَاصٍ، وَأَثْبَتَ دَعْوَاهُ أَوْ عَجَزَ عَنْ الْإِثْبَاتِ وَنَكَلَ هَؤُلَاءِ عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَحْصِلَ حُكْمًا عَلَيْهِمْ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ كَالْحُكْمِ بِالْحُرِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْحُرِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ حُكْمٌ عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ. مَثَلًا: لَوْ ادَّعَى أَحَدٌ عَلَى آخَرَ قَائِلًا: إنَّك عَبْدِي، وَادَّعَى الْمَذْكُورُ أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ، وَأَثْبَتَ حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِحُرِّيَّتِهِ فَبِهَذَا الْحُكْمِ يَكُونُ الْمُدَّعِي مَحْكُومًا عَلَيْهِ كَمَا أَنَّ كَافَّةَ النَّاسِ يَكُونُ مَحْكُومًا عَلَيْهِمْ فَلِذَلِكَ لَا تُسْمَعْ بَعْدَ الْحُكْمِ دَعْوَى أَحَدٍ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عَبْدٌ. أَمَّا الْحُكْمُ بِالْحُرِّيَّةِ الْعَارِضَةِ أَيْ الْإِعْتَاقِ فَلَيْسَ حُكْمًا عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ بَلْ هُوَ حُكْمٌ جُزْئِيٌّ. وَالْحُكْمُ بِالْوَقْفِ حُكْمٌ عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ إلَّا أَنَّهُ حَسَبَ الْقَوْلِ الصَّحِيحِ وَالْمُفْتَى بِهِ لَيْسَ بِحُكْمٍ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ فَعَلَيْهِ لَوْ حُكِمَ بِوَقْفِيَّةِ عَقَارٍ فِي قَضِيَّةٍ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مُدَّعٍ، وَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ الْعَقَارَ مِلْكُهُ فَتُقْبَلُ دَعْوَاهُ وَتُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ كَمَا أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ مُتَوَلٍّ آخَرُ، وَادَّعَى وَقْفِيَّةُ ذَلِكَ الْعَقَارِ لِوَقْفٍ آخَرَ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (١٦٧٦) . [ (الْمَادَّةُ ١٧٨٩) الْمَحْكُومُ لَهُ] الْمَادَّةُ (١٧٨٩) - (الْمَحْكُومُ لَهُ هُوَ الَّذِي حُكِمَ لَهُ) . أَيْ الَّذِي حُكِمَ لَهُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ. يَجِبُ أَنْ يَحُوزَ الْمَحْكُومُ لَهُ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَدَّعِيَ الْمَحْكُومُ لَهُ إذْ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِدُونِ سَبْقِ دَعْوَى مِنْهُ. الشَّرْطُ الثَّانِي: حُضُورُهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ بِالذَّاتِ أَوْ حُضُورُ وَكِيلِهِ أَوْ حُضُورُ نَائِبِهِ كَوَلِيِّهِ أَوْ وَصِيِّهِ إذَا كَانَ مَحْجُورًا فَعَلَيْهِ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ لِلْغَائِبِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ دَعْوَاهُ صَحِيحَةً (الطَّحْطَاوِيُّ بِزِيَادَةٍ) . مَثَلًا: إذَا ادَّعَى أَحَدٌ عَلَى آخَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ جِهَةِ الْقَرْضِ، وَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَأَلْزَمَهُ الْقَاضِي بِدَفْعِ ذَلِكَ فَتَكُونُ الْأَلْفُ دِرْهَمٍ هِيَ الدَّرَاهِمُ الْمَحْكُومُ بِهَا وَيَكُونُ الْمُلْزَمُ بِدَفْعِهَا هُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ الْمُدَّعِي هُوَ الْمَحْكُومُ لَهُ. أَمَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْمَحْضَةِ فَالْمَحْكُومُ لَهُ هُوَ الشَّرْعُ كَمَا أَنَّ الْمَحْكُومَ لَهُ فِي الْحُقُوقِ الْغَالِبِ فِيهَا حَقُّ اللَّهِ - الشَّرْعُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الدَّعْوَى وَتُسْمَعُ الشَّهَادَةُ بِلَا دَعْوَى فِيهِمَا اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (١٦٩٧) .

стр. 2788

[ (الْمَادَّةُ ١٧٩٠) التَّحْكِيمُ] الْمَادَّةُ (١٧٩٠) (التَّحْكِيمُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّخَاذِ الْخَصْمَيْنِ آخَرَ حَاكِمًا بِرِضَاهُمَا؛ لِفَصْلِ خُصُومَتِهِمَا وَدَعْوَاهُمَا وَيُقَالُ لِذَلِكَ حَكَمٌ بِفَتْحَتَيْنِ وَمُحَكَّمٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِّ الْمَفْتُوحَةِ) التَّحْكِيمُ لُغَةً: تَفْوِيضُ الْحُكْمِ لِشَخْصٍ. وَشَرْعًا: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّخَاذِ الْخَصْمَيْنِ أَيْ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاحِدًا أَهْلًا لِلْحُكْمِ حَاكِمًا بِرِضَاهُمَا لِفَصْلِ خُصُومَتِهِمَا وَدَعْوَاهُمَا. إيضَاحُ الْقُيُودِ. الْخَصْمَيْنِ: وَعِبَارَةُ الْخَصْمَيْنِ هُنَا هِيَ بِمَعْنَى الْفَرِيقَيْنِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ وَهِيَ عَامَّةٌ وَتَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا كَأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي اثْنَيْنِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ اثْنَيْنِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) (آخَرُ) كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ مُحْكَمًا وَاحِدًا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّدًا كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ الْمَادَّةِ (١٨٤٨) . أَهْلًا لِلْحُكْمِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُحَكَّمُ وَقْتَ التَّحْكِيمِ وَوَقْتَ الْحُكْمِ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ، فَعَلَى ذَلِكَ لَوْ انْتَخَبَ الْخَصْمَانِ صَبِيًّا وَحَكَمَ فِي حَالٍ صِبَاهُ أَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِنَاءً عَلَى التَّحْكِيمِ السَّابِقِ فَلَا يَصِحُّ حُكْمُهُ وَلَا يَنْفُذُ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٧٩٤) (التَّنْوِيرُ) . وَيُقَالُ لِذَلِكَ حَكَمٌ بِفَتْحَتَيْنِ وَمُحَكَّمٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ وَمُحَكَّمٌ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ أَمَّا الْمُحَكِّمُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَكْسُورَةِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ عَنْهَا فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ تَعْبِيرُ الْخَصْمَيْنِ. وَرُكْنُ التَّحْكِيمِ إيجَابٌ مِنْ طَرَفٍ وَقَبُولٌ مِنْ الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَيَكُونُ الْإِيجَابُ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى التَّحْكِيمِ كَقَوْلِ: قَدْ حَكَّمْنَاك أَوْ نَصَّبْنَاك حَاكِمًا (التَّنْوِيرُ) . [ (الْمَادَّةُ ١٧٩١) الْوَكِيلُ الْمُسَخَّرُ] الْمَادَّةُ (١٧٩١) (الْوَكِيلُ الْمُسَخَّرُ هُوَ الْوَكِيلُ الْمَنْصُوبُ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي لَمْ يُمْكِنْ إحْضَارُهُ لِلْمَحْكَمَةِ) الْوَكِيلُ الْمُسَخَّرُ هُوَ: الْوَكِيلُ الْمَنْصُوبُ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ لِلْمَحْكَمَةِ مُخْتَارًا، وَلَمْ يُمْكِنْ إحْضَارُهُ لِلْمَحْكَمَةِ جَبْرًا وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ الْخَصْمُ الْمُتَوَارِي وَصُورَةُ نَصْبِ الْوَكِيلِ الْمُسَخَّرِ مُحَرَّرٌ فِي الْمَادَّةِ (١٨٤٤) .

стр. 2789

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حَقِّ الْقُضَاةِ وَيَحْتَوِي عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ] [ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ أَوْصَافِ الْقُضَاةِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ أَوْصَافِ الْقُضَاةِ وَسَيُبَيَّنُ فِي هَذَا الْفَصْلِ شَيْئَانِ. الْأَوَّلُ: أَوْصَافُ الْقَاضِي: أَوَّلًا - يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي فِيهِمَا مُسْتَقِيمًا أَمِينًا مَكِينًا مَتِينًا اُنْظُرْ الْمَادَّةَ الْآتِيَةَ. ثَانِيًا - يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَاقِفًا عَلَى الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ، وَعَلَى أُصُولِ الْمُحَاكَمَةِ وَمُقْتَدِرًا عَلَى فَصْلِ وَحَسْمِ الدَّعَاوَى الْوَاقِعَةِ تَوْفِيقًا لَهُمَا، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ مَفْقُودَةً فِي الْقَاضِي وَنُصِّبَ قَاضِيًا مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ لَائِقٍ لِلْقَضَاءِ، وَحَكَمَ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ يَصِحُّ حُكْمُهُ. الثَّانِي: شُرُوطُ الْقَاضِي وَالشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْمَادَّةِ (١٧٩٤) فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي غَيْرَ حَائِزٍ لِتِلْكَ الشُّرُوطِ فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ كَمَا سَيُبَيَّنُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَوَادِّ الْآتِيَةِ: وَحَيْثُ إنَّ أُمُورَ الْقَضَاءِ مِنْ أَهَمِّ أُمُورِ الْعَامَّةِ، وَاحْتِيَاجَ النَّاسِ لَهُ عَظِيمٌ فَيَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِأَمْرِ الْقُضَاةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَعْيِينُ كُلِّ أَحَدٍ قَاضِيًا وَيَجِبُ وُجُودُ بَعْضِ شُرُوطٍ، وَأَوْصَافٍ فِي الْقَاضِي الْجَوْهَرَةُ بِزِيَادَةٍ. الْمَادَّةِ (١٧٩٢) (يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي حَكِيمًا فَهِيمًا مُسْتَقِيمًا، وَأَمِينًا مَكِينًا مَتِينًا) حَكِيمٌ - بِمَعْنَى الشَّخْصِ الْمُتَّصِفِ بِالْحِكْمَةِ، وَالْحِكْمَةُ تَأْتِي بِمَعَانٍ عَدِيدَةٍ كَالْعَدْلِ وَالتَّقْوَى وَالْعَدْلِ، وَيَجُوزُ هُنَا إرَادَةُ الْمَعَانِي الثَّلَاثِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي حَكِيمًا أَيْ عَادِلًا؛ لِأَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ قَدْ أَمَرَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] فَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ لَا يُوَجَّهَ الْقَضَاءُ لِغَيْرِ الْعَادِلِ كَمَا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مُرَاعَاةُ الْعَدْلِ فِي أَحْكَامِهِ قَبُولُ الْقَضَاءِ كَمَا بُيِّنَ آنِفًا. وَالْعَدْلُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الدَّالِ هُوَ عَدَمُ الْجَوْرِ، وَالْإِنْصَافُ فِي الْحُكْمِ. وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ

стр. 2790

إنَّ الْعَدْلَ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَاضِي هُوَ الْحُكْمُ بِالْحَقِّ وَبِالنِّسْبَةِ لِلْوَالِي هُوَ الْإِنْصَافُ بِدُونِ غَدْرٍ. وَالْعَادِلُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الْبَابِ الثَّانِي وَيُطْلَقُ تَعْبِيرُ عَدْلٍ عَلَى الرَّجُلِ الْوَدُودِ. قَاضٍ - يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي حَكِيمًا أَيْ مُتَّقِيًا وَصَالِحًا غَيْرَ فَاسِقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ الْفَاسِقُ عَلَى الْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ لِفِسْقِهِ وَعَدَمِ مُبَالَاتِهِ فِي دِينِهِ كَمَا بُيِّنَ نُبْذَةٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَكَمَا سَيُفَصَّلُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٧٩٤) . يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي حَكِيمًا أَيْ عَاقِلًا؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ قُوَّةٌ لِلنَّفْسِ وَالنَّفْسُ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ تَكُونُ مُسْتَعِدَّةً لِلْعُلُومِ وَالْإِدْرَاكَاتِ (الْكُلِّيَّاتُ) . وَالْعَقْلُ بِتَعْرِيفٍ آخَرَ هُوَ نُورٌ رُوحَانِيٌّ تُدْرِكُ النَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ بِهِ الْعُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ وَالنَّظَرِيَّةَ يَبْتَدِئُ وُجُودُهُ حِينَمَا يَسْتَكْمِلُ الْجَنِينُ خِلْقَتَهُ فِي رَحِمِ أُمِّهِ ثُمَّ يَتَزَايَدُ وَيَنْمُو تَدْرِيجًا حَتَّى الْبُلُوغِ. فَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ لَا يُوَجَّهَ الْقَضَاءُ إلَى نَاقِصِ الْعَقْلِ أَوْ لِلْأَحْمَقِ؛ لِأَنَّ الْأَحْمَقَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إيفَاءِ لَوَازِمِ الْعَدْلِ لِقِلَّةِ عَقْلِهِ وَالْحُمُقُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالْمِيمِ بِمَعْنَى قِلَّةِ الْعَقْلِ. الْأَحْمَقُ بِوَزْنِ أَحْمَرَ صِفَةٌ مِنْ الْبَابِ الْخَامِسِ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْغَافِلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الْخَيْرَ مِنْ الشَّرِّ، وَالْحَسَنَ مِنْ السَّيِّئِ. وَالْعَلَامَاتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْحُمْقِ هِيَ طُولُ اللِّحْيَةِ، وَالتَّلَفُّتُ إلَى الْجَوَانِبِ كَثِيرًا، وَالْعَجَلَةُ فِي الْأُمُورِ بِدُونِ النَّظَرِ إلَى عَوَاقِبِهَا وَنَتَائِجِهَا وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عِيسَى ﵇ أَنَّهُ قَالَ: (إنَّنِي أَبْرَأْتُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللَّهِ أَمَّا الْأَحْمَقُ فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُبْرِئَهُ) أَبُو السُّعُودِ وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ دَوَاءَ الْحُمْقِ هُوَ الْمَوْتُ وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَحْثِ الْكِنَايَاتِ مِنْ الْمُطَوَّلِ بِأَنَّ عَرْضَ الْقَفَا وَعِظَمَ الرَّأْسِ بِصُورَةٍ مُفْرِطَةٍ تَدُلُّ عَلَى بَلَاهَةِ الرَّجُلِ. (فِيهِمَا) مِنْ الْفَهْمِ بِوَزْنِ وَهْمٍ أَمَّا الْفَهِمُ بِوَزْنِ الْكَتِفِ فَتُطْلَقُ عَلَى الرَّجُلِ الْفَطِينِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي فَهِيمًا أَيْ عَالِمًا بِوُجُوهِ الْفِقْهِ بَلْ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ وَآثَارِهَا (الزَّيْلَعِيّ) . وَلَا يَلِيقُ تَقْلِيدُ أَحَدٍ الْقَضَاءَ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ حِينَمَا قَلَّدَ قَضَاءَ الْيَمَنِ مُعَاذًا امْتَحَنَهُ سَائِلًا إيَّاهُ: بِمَاذَا سَتَحْكُمُ يَا مُعَاذُ؟ فَأَجَابَهُ مُعَاذٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: فَإِذَا لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِمَاذَا تَحْكُمُ؟ . فَأَجَابَهُ بِسُنَّةِ رَسُولِهِ. فَقَالَ: وَإِذَا لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ؟ . فَأَجَابَهُ أَجْتَهِدُ. فَقَالَ لَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يَرْضَى بِهِ رَسُولُهُ» (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) وَلَمْ يَذْكُرْ مُعَاذٌ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْأَدِلَّةِ ٢ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﵇ حُجَّةً (فَتْحُ الْقَدِيرِ) . وَلَمَّا كَانَ الْقَاضِي مَأْمُورًا بِالْحُكْمِ وَفْقًا لِلْحَقِّ وَالْعَدْلِ فَيَقْتَضِي لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْحُكْمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ مَحْدُودَةٌ وَالنُّصُوصَ مَعْدُودَةٌ فَلَا يَجِدُ الْقَاضِي نَصًّا لِتَطْبِيقِهَا فِي كُلِّ حَادِثَةٍ فَيَحْتَاجُ لِاسْتِنْبَاطِ الْمَعْنَى مِنْ النُّصُوصِ، وَلَا يَتَيَسَّرُ ذَلِكَ إلَّا لِلْعَالِمِ الِاجْتِهَادِيِّ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ آدَابِ الْقَاضِي) .

стр. 2791

فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْجَاهِلِ أَلَا يَقْبَلَ الْقَضَاءَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ «قَاضٍ فِي الْجَنَّةِ وَقَاضِيَانِ فِي النَّارِ» وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْقَاضِيَيْنِ هُوَ الْقَاضِي الْجَاهِلُ الَّذِي يَحْكُمُ عَنْ جَهْلٍ - وَالْقَاضِي الْعَالِمُ الَّذِي يَحْكُمُ عَنْ جَوْرٍ. وَقَوْلُ الْمَجَلَّةِ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي وَاقِفًا عَلَى الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَعَلَى أُصُولِ الْمُحَاكَمَةِ، وَمُقْتَدِرًا عَلَى فَصْلِ وَحَسْمِ الدَّعَاوَى تَطْبِيقًا لَهُمَا هُوَ لِإِيضَاحِ الْفَهْمِ وَتَفْصِيلٍ بَعْدَ الْإِجْمَالِ. وَكَمَا أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي عَالِمًا بِالْفِقْهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَارِّ ذِكْرُهُ يَجِبُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ قَرِيحَةٍ يُدْرِكُ بِهَا عَادَاتِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْكَامِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ (الزَّيْلَعِيّ) . وَلِذَلِكَ قَدْ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَرْسَلَهُ الْخَلِيفَةُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ اعْرَفْ الْأَشْبَاهَ وَالْأَمْثَالَ وَقِسْ الْأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) . يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي فَهِيمًا أَيْ فَطِينًا، وَأَنْ يَسْتَجْمِعَ أَثْنَاءَ الْمُحَاكَمَةِ فَهْمَهُ وَذِهْنَهُ؛ لِأَنَّ فَصْلَ الْخُصُومَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَفَهُّمِ كَلَامِ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُحْتَمَلِ حِينَمَا يُقَرِّرُ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ أَنْ يَلْفِظَ كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى إبْطَالٍ فِي دَعْوَاهُ وَفِي هَذَا الْحَالِ لَوْ أُثْبِتَتْ الدَّعْوَى بِشُهُودٍ فَلَا يَحْكُمُ بِهَا. كَذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَفُوهَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِكَلَامٍ يُعَدُّ إقْرَارًا، وَفِي هَذَا الْحَالِ لَا يَحْتَاجُ لِطَلَبِ الْبَيِّنَةِ مِنْ الْمُدَّعِي فَعَلَيْهِ إذَا لَمْ يَسْتَجْمِعْ الْقَاضِي فَهْمَهُ وَيُبَالِغْ فِي اسْتِمَاعِ كَلَامِ الطَّرَفَيْنِ وَيَقِفْ عَلَى مَعْنَى أَقْوَالِهِمَا تَضِيعُ إفَادَاتُهُمَا وَلَا يَحْصُلُ فَائِدَةٌ مِنْهَا وَلِهَذَا السَّبَبِ قَدْ كَتَبَ الْخَلِيفَةُ عُمَرُ ﵁ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَائِلًا الْفَهْمَ الْفَهْمَ وَقَدْ كَرَّرَ الْكَلَامَ لِلتَّأَكُّدِ قَائِلًا فَرِّغْ خَاطِرَك وَفَهْمَك حَتَّى تَفْهَمَ الشَّيْءَ الْمَطْلُوبَ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) . وَإِنَّ قَوْلَ الْمَجَلَّةِ فِي الْمَادَّةِ ٤ (١٨١٢) يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَلَا يَتَصَدَّى لِلْحُكْمِ إذَا تَشَوَّشَ ذِهْنُهُ بِعَارِضَةٍ مَانِعَةٍ لِصِحَّةِ التَّفَكُّرِ هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ. وَيُشَارُ بِقَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ فَهِيمًا بِأَنَّ الْقَاضِيَ إذَا لَمْ يَكُنْ فَهِيمًا أَيْ عَالِمًا بَلْ كَانَ جَاهِلًا جَازَ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَهَذَا يَكُونُ بِالْعَمَلِ بِفَتْوَى الْغَيْرِ أَيْضًا (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) حَتَّى إنَّ الْجَاهِلَ الْمُتَّقِيَ أَوْلَى مِنْ الْقَاضِي الْعَالِمِ الْفَاسِقِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي الْجَاهِلِ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مِنْ الْغَيْرِ وَيْحُكُمْ كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٨١١) وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ عَنْ جَهْلٍ. وَقَدْ وَرَدَ فِي إحْدَى مَعْرُوضَاتِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي السُّعُودِ فِي أَوَائِلِ الْعَهْدِ الْعُثْمَانِيِّ (بِمَا أَنَّهُ يُوجَدُ تَسَاوٍ فِي الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا بَيْنَ قُضَاةِ زَمَانِنَا فَقَدْ صَدَرَ الْأَمْرُ بِتَرْجِيحِ الْأَفْضَلِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّيَانَةِ، وَالْعَدَالَةِ عَلَى غَيْرِهِ) أَمَّا الطَّحْطَاوِيُّ فَيَقُولُ فِي مَعْرِضِ جَوَابِهِ عَلَى أَبِي السُّعُودِ (إنَّ هَذَا التَّسَاوِيَ كَانَ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ) أَمَّا فِي هَذَا الزَّمَنِ (عَصْرِ الطَّحْطَاوِيُّ) فِي حَالِ عَدَمِ التَّسَاوِي فِي الْعَدَالَةِ فَمَنْ الَّذِي يُرَجَّحُ؟ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) . إنَّ مَذْهَبَ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فَالْعِلْمُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْقَضَاءِ فَإِذَا فُوِّضَ الْقَضَاءُ لِجَاهِلٍ فَلَا يَكُونُ قَاضِيًا، وَحُكْمُ الْقَاضِي بَاطِلٌ (الْخَانِيَّةُ) .

стр. 2792

مُسْتَقِيمًا - مَأْخُوذٌ مِنْ الِاسْتِقَامَةِ وَهِيَ بِمَعْنَى الِاعْتِدَالِ. يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُسْتَقِيمًا. وَبِمَعْنًى آخَرَ أَنْ لَا يَكُونَ مُحْتَالًا مُعَانِدًا يَأْخُذُ الْهَدَايَا وَالرِّشْوَةَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ النَّاسِ الْمُخْتَلِّي الشَّرَفِ فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي مِنْ النَّاسِ الْمُخْتَلِّي الشَّرَفِ أَيْ بِأَنْ كَانَ مَحْدُودًا بِحَدِّ الْقَذْفِ فَلَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ أَصْلًا، وَإِذَا كَانَتْ فِيهِ صِفَاتٌ مُخِلَّةٌ بِالِاسْتِقَامَةِ كَأَنْ يَكُونَ مُحْتَالًا أَوْ مُعَانِدًا أَوْ مُرْتَشِيًا فَلَا يَنْبَغِي تَوْجِيهُ الْقَضَاءِ إلَيْهِ، وَإِذَا وُجِّهَ إلَيْهِ فَيَنْبَغِي عَزْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ إسْنَادُ الْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ إلَى أَشْخَاصٍ مُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ. يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُعْتَدِلًا، وَالْمُعْتَدِلُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الِاعْتِدَالِ وَهُوَ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِتَوَسُّطِ الْحَالَةِ، كَتَوَسُّطِ جِسْمِ الْإِنْسَانِ بَيْنَ الطُّولِ وَالْقِصَرِ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي شَدِيدًا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ وَلَيِّنًا فِي غَيْرِ ضَعْفٍ عَبُوسًا بِلَا غَضَبٍ وَمُتَوَاضِعًا مِنْ غَيْرِ وَهْمٍ كَمَا سَيُبَيَّنُ آتِيًا (الْفَتْحُ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي سَيِّئَ الْخُلُقِ، جَافَّ الطَّبْعِ، قَاسِيَ الْقَلْبِ، فَظًّا شَدِيدًا فِي كَلَامِهِ فِي صُورَةٍ فَاحِشَةٍ جَبَّارًا مُتَكَبِّرًا مُقْبِلًا بِالْغَضَبِ مُعَانِدًا. أَمِينًا: يُطْلَقُ عَلَى الرَّجُلِ الْمَوْثُوقِ بِهِ وَالْمُعْتَمَدِ عَلَيْهِ الْمَأْمُونِ مِنْ نَقِيصَةِ الضَّرَرِ، وَالْخِيَانَةِ وَعِبَارَةُ الْأَمِينِ الْوَارِدَةِ فِي سُورَةِ يُوسُفَ قَدْ فُسِّرَتْ بِمَعْنَى مُؤْتَمَنٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي بَرِيئًا مِنْ نَقِيصَةِ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَدَمُ تَوْجِيهِ الْقَضَاءِ إلَى الرَّجُلِ الْمَعْرُوفِ بِالْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ فَإِذَا وُجِّهَ إلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ أَمِينٌ ثُمَّ اتَّصَفَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ فَيَجِبُ عَزْلُهُ؛ لِأَنَّ فِسْقَ الْقَاضِي مُوجِبٌ لِعَزْلِهِ وَلَيْسَ بَاعِثًا عَلَى الِانْعِزَالِ (الزَّيْلَعِيّ) . مَكِينًا: بِوَزْنِ فَعِيلٍ يُطْلَقُ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلَةِ وَالْمَكَانَةِ وَعِبَارَةُ مَكِينٍ الْوَارِدَةُ فِي سُورَةِ يُوسُفَ قَدْ فُسِّرَتْ بِالْمَعْنَى ذِي الْمَكَانَةِ وَالْمَنْزِلَةِ وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مَكِينًا أَيْ ذَا مَكَانَةٍ وَشَرَفٍ وَلَا يَكُونُ أَرْعَنَ أَوْ مِنْ أَسَافِلِ النَّاسِ، وَأَدَانِيهَا. مَتِينًا: مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَتَانَةِ، وَالْمَتَانَةُ بِوَزْنِ سَلَامَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ صَلْبًا وَمُحْكَمًا. وَالْمَتِينُ هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى. وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَهِيَ بِمَعْنَى قَوِيٍّ شَدِيدٍ، يَعْنِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي قَوِيًّا شَدِيدًا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ وَعَبُوسًا بِلَا غَضَبٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقَضَاءِ هُوَ دَفْعُ الْفَسَادِ، وَإِيصَالُ الْحُقُوقِ لِأَرْبَابِهَا، وَإِقَامَةُ حُقُوقِ اللَّهِ وَلِذَلِكَ فَهُوَ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ، وَأَقْوَى الْوَاجِبَاتِ فَالْأَوْلَى بِالْقَضَاءِ هُوَ الْأَقْدَرُ وَالْأَوْجُهُ وَالْأَهْيَبُ وَالْأَصْبَرُ الَّذِي يَتَحَمَّلُ الْمَصَائِبَ الَّتِي تَأْتِي لَهُ مِنْ جِهَةِ النَّاسِ (الزَّيْلَعِيّ) . أَمَّا إذَا كَانَ الْقَاضِي شَدِيدًا بِعُنْفٍ فَهُوَ فَظٌّ وَغَلِيظٌ مَعَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فَظًّا وَغَلِيظًا. وَالْفَظُّ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ يُطْلَقُ عَلَى سَيِّئِ الْخُلُقِ، وَالْغَلِيظُ يُطْلَقُ عَلَى الرَّجُلِ الْجَافِّ الطَّبْعِ وَالْقَاسِي الْقَلْبِ (شَرْحُ الشَّمَائِلِ لِعَلِيٍّ الْقَارِيّ) . وَمُقَابِلُ الْفَظِّ وَالْغَلِيظِ أَنْ يَكُونَ ضَحُوكَ الْوَجْهِ حُلْوَ الْكَلَامِ وَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُعَامِلَ مَنْ يَحْضُرُ أَمَامَهُ بِالْحُسْنَى.

стр. 2793

وَلَمَّا كَانَ الْقَضَاءُ ذَا أَهَمِّيَّةٍ عُظْمَى فَيَجِبُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأَمْرِ الَّذِينَ لَهُمْ سَلِطَةُ نَصْبِ الْقَاضِي أَنْ يَتَفَحَّصُوا الْأَهْلَ لِلْقَضَاءِ وَيُنَصِّبُوهُ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ حَدِيثٌ شَرِيفٌ وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي الزَّيْلَعِيّ وَالدُّرَرُ وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي الزَّيْلَعِيّ هُوَ «مَنْ قَلَّدَ إنْسَانًا عَمَلًا وَفِي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ» وَتُوجَدُ أَحَادِيثُ شَرِيفَةٌ أُخْرَى بِهَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي كِتَابِ آدَابِ الْقَاضِي فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي عَالِمًا دِينِيًّا، وَاَلَّذِي يُنْتَخَبُ قَاضِيًا غَيْرُ حَائِزٍ لِهَذِهِ الشُّرُوطِ وَالْأَوْصَافِ يَكُونُ قَدْ ارْتَكَبَ بَاطِلَيْنِ. أَوَّلُهُمَا: تَوْجِيهُ الْقَضَاءِ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ. الثَّانِي مَنْعُهُ مُسْتَحِقَّهُ. [ (الْمَادَّةُ ١٧٩٣) كون الْقَاضِي وَاقِفًا عَلَى الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَأُصُولِ الْمُحَاكَمَاتِ] الْمَادَّةُ (١٧٩٣) (يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي، وَاقِفًا عَلَى الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَعَلَى أُصُولِ الْمُحَاكَمَاتِ وَمُقْتَدِرًا عَلَى فَصْلِ وَحَسْمِ الدَّعَاوَى الْوَاقِعَةِ تَطْبِيقًا لَهُمَا) . وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي وَاقِفًا عَلَى الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ وَعَلَى أُصُولِ الْمُحَاكَمَةِ وَمُقْتَدِرًا عَلَى فَصْلِ وَحَسْمِ الدَّعَاوَى الْوَاقِعَةِ تَطْبِيقًا لَهُمَا، وَأَنْ يَكُونَ مُتَوَرِّعًا وَمُتَدَيِّنًا. فِقْهِيَّةٌ - أَيْ الْمَنْسُوبَةِ لِلْفِقْهِ، وَالْفِقْهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ هُوَ اسْمٌ لِلْعِلْمِ الْخَاصِّ بِالدِّينِ، وَلَيْسَ اسْمًا لِكُلِّ عِلْمٍ، وَالْفِقْهُ هُنَا بِالْمَعْنَى الْوَارِدِ فِي الْمَادَّةِ الْأُولَى مِنْ الْمَجَلَّةِ؛ وَلِلْفِقْهِ مَعْنًى آخَرُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَبِمُقْتَضَيَاتِهِ مَا، وَإِشَارَاتِهِمَا وَبِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَالْفِقْهُ بِهَذَا الْمَعْنَى مَخْصُوصٌ بِالْمُجْتَهِدِينَ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْعَصْرُ خَالِيًا مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَالْفَقِيهُ بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْ إيجَادُ قَاضٍ مُجْتَهِدٍ مُتَعَذِّرٌ فَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا هَذَا بِالْمَعْنَى، حَتَّى أَنَّهُ مِنْ النَّادِرِ وُجُودُ فَقِيهٍ بِالْمَعْنَى الْوَارِدِ فِي الْمَادَّةِ الْأُولَى مِنْ الْمَجَلَّةِ، حَتَّى قَدْ وَرَدَ فِي تَقْرِيرِ الْمَجَلَّةِ الْجُمْلَةُ الْآتِيَةُ: (قَدْ أَصْبَحَ الْآنَ نَادِرًا وُجُودُ ذَوَاتٍ مَاهِرِينَ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ) وَبِذَلِكَ قَدْ أَظْهَرَتْ الْهَيْئَةُ الَّتِي وَضَعَتْ الْمَجَلَّةَ أَسَفَهَا عَلَى ذَلِكَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَنَّ بَابَ الِاجْتِهَادِ لَمْ يُسَدَّ وَلَكِنَّهُ مُنْسَدٌّ؛ لِأَنَّهُ مُنْذُ عُصُورٍ لَمْ يَظْهَرْ شَخْصٌ يَجْمَعُ فِي نَفْسِهِ الْعُلُومَ اللَّازِمَةَ لِلْمُجْتَهِدِ فَانْسَدَّ بَابُ الِاجْتِهَادِ بِالضَّرُورَةِ. وَقَدْ كَانَ فِي الْأَوَائِلِ يُنْتَخَبُ لِلْقَضَاءِ الذَّوَاتُ الْمُبْرِزُونَ فِي الِاقْتِدَارِ، وَقَدْ كَانَ الْقَضَاءُ فِي الْعَصْرِ الثَّالِثِ عَشَرَ الْهِجْرِيِّ الَّذِي أَدْرَكْنَاهُ يُوَجَّهُ لِعَوَامِّ النَّاسِ وَقَدْ دَامَ هَذَا الْحَالُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ سَنَةً إلَّا أَنَّهُ فِي سَنَةِ ٣٣١ قَدْ مُنِعَ تَوْجِيهُ الْقَضَاءِ لِغَيْرِ الْمَأْذُونِينَ مِنْ مَدْرَسَةِ الْقَضَاءِ، وَلِذَلِكَ لَيْسَ مِنْ اللَّائِقِ تَقْلِيدُ الْقَضَاءِ لِلْجَاهِلِ الْعَدْلِ، وَالْعَالِمِ الْغَيْرِ عَدْلٍ وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَتَقَلَّدَاهُ (الْخَانِيَّةُ) . إنَّ الْعَامِّيَّ الْمَحْضَ غَيْرُ أَهْلٍ لِلْقَضَاءِ إذْ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّصِفَ بِالْعِلْمِ وَالْفَهْمِ وَالْأَهْلِيَّةِ لِلْقَضَاءِ، وَأَقَلُّ عِلْمٍ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ هُوَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى اسْتِمَاعِ الْحَوَادِثِ وَالْمَسَائِلِ الدَّقِيقَةِ بِصُورَةٍ جَيِّدَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ حَائِزًا النِّصَابَ عَلَى طُرُقِ تَحْصِيلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَمَنْ صُدُورِ الْمَشَايِخِ، وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَطْبِيقِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الدَّعَاوَى وَالْوَقَائِعِ، فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْوَظَائِفِ إلَى الْأَشْخَاصِ الْغَيْرِ، وَاقِفِينَ عَلَى صِغَارِ أُمُورِ

стр. 2794

الْمَعِيشَةِ (الْخَادِمِيُّ عَلَى الطَّرِيقَةِ) . يَنْبَغِي، وَيُسْتَفَادُ مِنْ تَعْبِيرِ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي عَالِمًا إذْ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي غَيْرَ عَالِمٍ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُحْكَمُ بِفَتْوَى غَيْرِهِ إذْ أَنَّ الْجَاهِلَ التَّقِيَّ أَوْلَى بِالْقَضَاءِ مِنْ الْعَالِمِ الْفَاسِقِ (الْخَانِيَّةُ وَالْفَتْحُ) . أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ إذَا وُجِّهَ الْقَضَاءُ إلَى غَيْرِ عَالِمٍ فَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَحُكْمُهُ (الْخَانِيَّةُ) . [ (الْمَادَّةُ ١٧٩٤) يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُقْتَدِرًا عَلَى التَّمْيِيزِ التَّامِّ] الْمَادَّةُ (١٧٩٤) (يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُقْتَدِرًا عَلَى التَّمْيِيزِ التَّامِّ بِنَاءً عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ قَضَاءُ الصَّغِيرِ وَالْمَعْتُوهِ، وَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ الَّذِي لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الطَّرَفَيْنِ الْقَوِيَّ) . يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُقْتَدِرًا عَلَى التَّمْيِيزِ التَّامِّ، وَأَهْلًا لِلشَّهَادَةِ؛ لِيَكُونَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَاَلَّذِي لَا يَكُونُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ لَا يَكُونُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ كَمَا أَنَّ الْأَهْلَ لِلشَّهَادَةِ أَهْلٌ لِلْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى الْغَيْرِ إذْ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ يُلْزَمُ الْقَاضِي عَلَى الْحُكْمِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٨١٣) . وَبِمَا أَنَّهُ بِسَبَبِ حُكْمِ الْقَاضِي يَلْزَمُ خَصْمَ الْمُدَّعِي فَأَصْبَحَ كِلَاهُمَا مِنْ بَابٍ، وَأَحَدُهُمَا مُسْتَفَادٌ مِنْ الْآخَرِ (الزَّيْلَعِيّ) . فَعَلَيْهِ وَبِمَا أَنَّهُ حَسَبَ الْمَادَّةِ (١٧٠٢) لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ حُكْمُ الْقَاضِي عَلَى عَدُوِّهِ وَلَا يَنْفُذُ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَثْبَتَ الْمَحْكُومَ بَعْدَ حُكْمِ الْقَاضِي عَدَاوَةَ الْقَاضِي لَهُ يَبْطُلُ حُكْمُ الْقَاضِي. وَتَثْبُتُ الْعَدَاوَةُ بِالْقَذْفِ وَالْجَرْحِ وَقَتْلِ الْوَلِيِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَيْسَتْ بِالْمُخَاصَمَةِ وَحَيْثُ لَا يَجُوزُ قَضَاءُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي مَأْذُونًا بِالِاسْتِنَابَةِ فَيَسْتَنِيبُ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٧٠٩) . أَمَّا عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي عَادِلًا فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلَى عَدُوِّهِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . بِنَاءً عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ قَضَاءُ وَحُكْمُ الصَّغِيرِ وَالْعَبْدِ وَالْمَعْتُوهِ، وَالْأَعْمَى وَالْأَخْرَسِ وَالْأَصَمِّ الَّذِي لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الطَّرَفَيْنِ الْقَوِيَّ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (١٧٨٤) بِأَنَّ الْقَضَاءَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالْحَاكِمِيَّةِ فَعِبَارَةُ الْقَضَاءِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الْمَادَّة تُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ أَيْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ قُضَاةً كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُمْ، وَبِمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَضَاءُ الصَّغِيرِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْأَعْمَى فَإِذَا قُلِّدَ أَحَدُهُمْ الْقَضَاءَ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ كَمَا أَنَّ حُكْمَهُمْ غَيْرُ جَائِزٍ أَيْضًا فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي حِينَ تَقْلِيدِهِ الْقَضَاءَ بَصِيرًا وَطَرَأَ عَلَيْهِ الْعَمَى وَحَكَمَ وَهُوَ أَعْمَى يَبْطُلُ حُكْمُهُ. فَلِذَلِكَ إذَا حَكَمَ قَاضٍ مُدَّةً ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ أَعْمَى أَوْ عَبْدٌ تَبْطُلُ الْأَحْكَامُ الَّتِي حَكَمَهَا؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ هَؤُلَاءِ لَا يُقْبَلُ قَضَاؤُهُمْ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٦٨٦) . أَمَّا إذَا نُصِّبَ أَحَدُ الْقُضَاةِ وَهُوَ بَصِيرٌ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْعَمَى فَلَا يَنْعَزِلُ عَنْ الْقَضَاءِ فَلِذَلِكَ إذَا

стр. 2795

أَبْصَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَكَمَ يَكُونُ حُكْمُهُ نَافِذًا أَيْ أَنَّهُ بِطُرُوءِ الْعَمَى أَوْ الصَّمَمِ عَلَى الْقَاضِي لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي بَلْ يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ وَلِذَلِكَ فَحُكْمُهُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَمَى صَحِيحٌ. أَمَّا الْعَدَالَةُ وَعَدَمُ الْفِسْقِ فَلَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ الْقَضَاءِ، وَقَدْ قَالَ أَكْثَرُ عُظَمَاءِ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِجَوَازِ قَضَاءِ الْفَاسِقِ وَلِذَلِكَ فَحُكْمُ الْقَاضِي الْفَاسِقِ إذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ الْحَدَّ الشَّرْعِيَّ يَكُونُ نَافِذًا، أَمَّا بَعْضُ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ كَالْخَصَّافِ وَالْكَرْخِيِّ وَالطَّحْطَاوِيِّ فَقَدْ قَالُوا بِعَدَمِ جَوَازِ أَهْلِيَّةِ الْقَاضِي الْفَاسِقِ الْمُرْتَشِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ الْقَاضِي الْفَاسِقُ بِفِسْقِهِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إذَا نُصِّبَ قَاضٍ فَاسِقٌ أَوْ مُرْتَشٍ وَحَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ فَحُكْمُهُ غَيْرُ جَائِزٍ (الْخَانِيَّةُ) . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامَانِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: أَنَّهُ إذَا وَلِيَ الْقَضَاءَ فَاسِقٌ لَا تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ، كَمَا أَنَّهُ إذَا صَارَ فَاسِقًا أَوْ مُرْتَشِيًا بَعْدَ تَوْلِيَتِهِ فَيَنْعَزِلُ عَنْ الْقَضَاءِ (الْخَانِيَّةُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ والولوالجية) . إنَّ بَعْضَ أَفَاضِلِ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ كَمَالٍ وَابْنِ مَلَكٍ وَالْعَيْنِيِّ قَالُوا: إنَّ الْفَتْوَى لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، عَلَى قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ رَدِّ الْمُحْتَارِ قَالَ بِأَنَّهُ إذَا أَفْتَى بِذَلِكَ، وَاعْتَمَدَ هَذَا الْقَوْلَ، لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَنِ وَجَبَ انْسِدَادُ بَابِ الْقَضَاءِ فَهُوَ يَقْصِدُ أَنَّ إيجَادَ قَاضٍ غَيْرُ فَاسِقٍ مُشْكِلٌ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ الْكَامِلَ الْمُسْتَقِيمَ نَادِرٌ. إلَّا أَنَّ أَكْثَرَ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا ذُكِرَ آنِفًا قَالُوا: إنَّ عَدَمَ الْفِسْقِ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ الْقَضَاءِ فَعَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَ الْقَاضِي حِينَ تَوْلِيَتِهِ عَادِلًا ثُمَّ فَسَقَ يَسْتَوْجِبُ الْعَزْلَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِمُجَرَّدِ الْفِسْقِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ حَكَمَ بَعْدَ الْفِسْقِ، وَأَصَابَ فِي حُكْمِهِ جَازَ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي مُرْتَزِقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ لَا. وَوَالِي الْوِلَايَةِ هُوَ كَالْقَاضِي فَإِذَا فَسَقَ اسْتَوْجَبَ الْعَزْلَ وَلَا يَنْعَزِلُ مَا لَمْ يُعْزَلْ مِنْ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَغَيْرُ مُنَزَّهٍ عَنْهَا (الْوَلْوَالِجِيَّةِ وَالْخَانِيَّةُ) . أَمَّا إذَا شُرِطَ حِينَ تَوْلِيَةِ الْقَاضِي أَنَّهُ يُصْبِحُ مُنْعَزِلًا عَنْ الْقَضَاءِ إذَا جَارَ فَيُعْزَلُ فِي حَالَةِ الْجَوْرِ الشِّبْلِيُّ اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٨٣) وَيُفْهَمُ مِنْ التَّفْصِيلَاتِ الْآنِفَةِ أَنَّ عَدَالَةَ الْقَاضِي حَسَبَ الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ شَرْطُ أَوْلَوِيَّةٍ، وَلَيْسَتْ شَرْطَ صِحَّةٍ، وَمَعَ هَذَا فَاللَّائِقُ عَدَمُ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ لِفَاسِقٍ (الزَّيْلَعِيّ) . [الْفَصْلُ الثَّانِي فِي بَيَانِ آدَابِ الْقَاضِي] [ (الْمَادَّةُ ١٧٩٥) يَجْتَنِبُ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ الْأَفْعَالَ وَالْأَوْضَاعَ الَّتِي تُزِيلُ مَهَابَةَ الْمَجْلِسِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْمُلَاطَفَة] الْفَصْلُ الثَّانِي فِي بَيَانِ آدَابِ الْقَاضِي الْآدَابُ جَمْعُ أَدَبٍ وَالْأَدْبُ فِي الْأَصْلِ بِسُكُونِ الدَّالِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْأَدْبِ وَهُوَ بِمَعْنَى دَعْوَةِ النَّاسِ لِلطَّعَامِ (الْفَتْحُ) . وَبِمَا أَنَّ الْخِصَالَ الْجَمِيلَةَ تَدْعُو الْإِنْسَانَ لِعَمَلِ الْخَيْرِ فَقَدْ قِيلَ عَنْهَا آدَابُ وَالْآدَابُ عِبَارَةٌ عَنْ

стр. 2796

التَّخَلُّقِ بِالْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ وَالْخِصَالِ الْمُسْتَحْسَنَةِ فِي مُعَاشَرَةِ وَمُعَامَلَةِ النَّاسِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالْجَوْهَرَةُ) ، وَآدَابُ الْقَاضِي هُوَ الْتِزَامُ الْأُمُورِ الَّتِي نَدَبَهَا الشَّرْعُ كَبَسْطِ الْعَدْلِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ وَتَرْكِ الْمَيْلِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْجَرْيِ عَلَى سُنَنِ السُّنَّةِ (الْهِنْدِيَّةُ) . الْمَادَّةُ (١٧٩٥) (يَجْتَنِبُ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ الْأَفْعَالَ وَالْأَوْضَاعَ الَّتِي تُزِيلُ مَهَابَةَ الْمَجْلِسِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْمُلَاطَفَةِ) يَجْتَنِبُ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ الْأَفْعَالَ وَالْأَوْضَاعَ الَّتِي تُزِيلُ مَهَابَةَ الْمَجْلِسِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ وَمُلَاطَفَةِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يُزِيلُ مَهَابَةَ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ حِينَمَا نَصَّبَ شُرَيْحًا شَرَطَ عَلَيْهِ أَلَا يَشْتَغِلَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَأَلَّا يَأْخُذَ الرِّشْوَةَ. فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ: لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا؛ لِأَنَّ اللَّائِقَ بِالْقَاضِي الَّذِي يَأْخُذُ مُرَتَّبًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ حَتَّى فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَأَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا لِتَسْوِيَةِ مَصَالِحِهِ، وَأَنْ لَا يُعْلِمَ أَنَّ هَذَا الْوَكِيلَ وَكِيلُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّاسَ يَتَسَاهَلُونَ مَعَهُ فِي الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ لِكَوْنِهِ قَاضِيًا فَيَبِيعُونَهُ بِأَنْقَصَ مِنْ الْقِيمَةِ وَيَشْتَرُونَ مَا يَبِيعُهُ بِأَزْيَدَ مِنْ الْقِيمَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمُبَاشَرَةُ الْقَاضِي فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لِعُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ (الْفَتْحُ وَمَجْمَعُ الْأَنْهُرِ والولوالجية) . الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْيَتِيمِ، وَأَنْ يَبِيعَ مَالَ الْمَيِّتِ الْمَدِينِ فَلِذَلِكَ قَيَّدَ بِهَذَا الْقَيْدِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) . وَلَيْسَ تَقْيِيدُ الْمُلَاطَفَةِ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا؛ لِأَنَّ الْمُلَاطَفَةَ تُزِيلُ مَهَابَةَ الْقَاضِي فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَلَا يُلَاطِفَ الْقَاضِي أَحَدًا فِي أَيِّ مَحَلٍّ (الدُّرُّ الْمُنْتَقَى) . وَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَجْتَنِبَ الْمِزَاحَ وَالْهَزَارَ، وَأَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْوَقَارِ، وَأَنْ لَا يُكَالِمَ أَحَدًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَثْنَاءَ التَّقَاضِي بِغَيْرِ أُمُورِ الْقَضِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُلَاطَفَةَ وَالْمُكَالَمَةَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ تُزِيلُ مَهَابَةَ الْقَضَاءِ (الزَّيْلَعِيّ) . وَمَعَ أَنَّ الْمُلَاطَفَةَ مَشْرُوعَةٌ فَقَدْ مُنِعَ الْقَاضِي مِنْهَا. وَمَشْرُوعِيَّةُ الْمُلَاطَفَةِ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ عَدِيدَةٌ. وَالْمُلَاطَفَةُ هِيَ الِانْبِسَاطُ مَعَ الْغَيْرِ بِدُونِ إيذَاءِ أَحَدٍ وَهِيَ غَيْرُ الِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ الْإِفْرَاطِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْمُلَاطَفَةِ؛ لِأَنَّهَا تُورِثُ الضَّحِكَ وَقَسْوَةَ الْقَلْبِ وَتُسْقِطُ الْمَهَابَةَ وَالْوَقَارَ وَتُؤَدِّي إلَى الْإِيذَاءِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ. أَمَّا الْمِزَاحُ السَّالِمُ مِنْ الْأُمُورِ الْغَيْرِ الْمَشْرُوعَةِ فَهُوَ مُبَاحٌ فَقَدْ أَجْرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى النُّدْرَةِ فِي تَطْيِيبِ النُّفُوسِ وَالْمُؤَانَسَةِ، وَهُوَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ فَاعْلَمْ هَذَا فَإِنَّهُ مِمَّا يَعْظُمُ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ (شَرْحُ الشَّمَائِلِ لِعَلِيٍّ الْقَارِيّ) . صُورَةُ جُلُوسِ الْقَاضِي أَثْنَاءَ الْحُكْمِ وَوُجُودُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَجْلِسِهِ: يَنْبَغِي عَلَى الْقَاضِي تَعْظِيمًا

стр. 2797

لِأَمْرِ الْقَضَاءِ أَنْ يَحْكُمَ وَهُوَ مُسْتَوٍ فِي الْجُلُوسِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْكُمَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ إذْ بِالْإِتْكَاءِ يَسْتَرِيحُ الْقَاضِي فَيَحْسُنُ رَأْيُهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ وَهُوَ مَاشٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَشْغُولًا بِالْمَشْيِ لَا يَجْتَمِعُ لَهُ رَأْيٌ. يَنْبَغِي عَلَى الْقَاضِي أَلَّا يَجْلِسَ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ لَا يَحْكُمُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي مَجْلِسِهِ أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَانَ يُحْضِرُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ فَلِذَلِكَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُوجِدَ أَشْخَاصًا عَدِيدِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي مَجْلِسِهِ، وَأَنْ يَتَشَاوَرَ مَعَهُمْ كَمَا أَنَّ جُلُوسَ الْقَاضِي وَحْدَهُ يَجْعَلُهُ عُرْضَةً لِتُهْمَةِ الرِّشْوَةِ وَالْغَدْرِ (فَتْحُ الْقَدِيرِ) . وَمَعَ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا فَلَا بَأْسَ مِنْ جُلُوسِهِ وَحْدَهُ أَمَّا إذَا كَانَ جَاهِلًا بِأُمُورِ الْقَضَاءِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إحْضَارُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَجْلِسَهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الَّذِي لَا يَكُونُ عَالِمًا لَا يُؤْمَنُ خَوْفًا مِنْ ضَيَاعِ الْحَقِّ فَوُجُودُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَجْلِسِهِ يَكُونُ مِنْهُ فَائِدَةٌ إذْ يُنَبِّهُونَهُ إلَى الْحَقِّ وَيُرْشِدُونَهُ إلَى الطَّرِيقِ، وَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يُجْلِسَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِقُرْبِهِ (الزَّيْلَعِيّ) . كُتَّابُ الْقَاضِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَاتِبُ الْقَاضِي أَمِينًا صَالِحًا وَوَاقِفًا عَلَى أُصُولِ ضَبْطِ الْقَضَايَا وَتَنْظِيمِ الْإِعْلَامَاتِ حَتَّى لَا يَفْسُدَ الْإِعْلَامُ الَّذِي يُحَرِّرُهُ؛ لِإِخْلَالِهِ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ وَالْقَاضِي يُجْلِسُ كَاتِبَهُ فِي مَوْضِعٍ مُنَاسِبٍ لِمَنْعِهِ مِنْ أَخْذِ الْهَدَايَا أَوْ إجْرَاءِ عَمَلٍ آخَرَ. وَيَضْبِطُ هَذَا الْكَاتِبُ ادِّعَاءَ الطَّرَفَيْنِ وَمُدَافَعَتَهُمَا وَشَهَادَةَ الشُّهُودِ. خَدَمَةُ الْقَاضِي وَالْمُحْضِرُونَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُوجَدَ لَدَيْهِ أَثْنَاءَ الْمُرَافَعَةِ خَدَمَةٌ؛ لِيَمْنَعُوا النَّاسَ مِنْ الْكَلَامِ الْغَيْرِ اللَّازِمِ، وَمَنْ إجْرَاءِ أَعْمَالٍ مُخِلَّةٍ بِآدَابِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ التَّكَلُّمَ بِأُمُورٍ غَيْرِ لَازِمَةٍ فِي حُضُورِ الْقَاضِي يَكْسِرُ حُرْمَةَ الْقَاضِي، وَصِيَانَةَ مَاءِ وَجْهِهِ وَاجِبَةٌ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) . وَيَجِبُ أَنْ يَقِفَ هَؤُلَاءِ الْخَدَمَةِ فِي مَحَلٍّ بَعِيدٍ عَنْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ وُجُودَ هَؤُلَاءِ هُوَ لِلْمَهَابَةِ وَوُقُوفُهُمْ بَعِيدًا مِمَّا يُزِيلُ الْمَهَابَةَ (الزَّيْلَعِيّ) . ثِيَابُ الْقَاضِي: كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُبَادِرَ إلَى الْمُحَاكَمَةِ، وَهُوَ فِي أَعْدَلِ الْأَحْوَالِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَلْبَسَ أَحْسَنَ الثِّيَابِ فَلُبْسُ الْقَاضِي ثِيَابًا غَيْرَ نَظِيفَةٍ أَوْ مُمَزَّقَةً مِمَّا يُخِلُّ بِمَهَابَتِهِ (الْخَانِيَّةُ) . الشُّهُودُ السَّامِعُونَ: بِمَا أَنَّهُ يَجِبُ عِنْدَ الْإِيجَابِ إثْبَاتُ حُكْمِ الْقَاضِي فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُوجِدَ فِي مَجْلِسِهِ شُهُودًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَمَنْ السَّامِعِينَ (الزَّيْلَعِيّ) ، وَإِنَّ سَبَبَ ذِكْرِ الْمَجَلَّةِ فِي الْمَادَّةِ (١٨١٥) لُزُومُ إجْرَاءِ الْمُحَاكَمَةِ عَلَنًا هُوَ لِهَذَا السَّبَبِ. بَوَّابُ الْمَحْكَمَةِ يُوقِفُ الْقَاضِي عَلَى بَابِ الْمَحْكَمَةِ بَوَّابًا وَهَذَا الْبَوَّابُ يَمْنَعُ مُهَاجَمَةَ أَصْحَابِ الْمَصَالِحِ إلَى غُرْفَةِ الْقَاضِي وَيُدْخِلُهُمْ بِتَرْتِيبِهِمْ وَلَيْسَ لِلْبَوَّابِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَصْحَابِ الْمَصَالِحِ؛ لِإِدْخَالِهِمْ إلَى غُرْفَةِ الْقَاضِي. [ (الْمَادَّةُ ١٧٩٦) الْقَاضِي لَا يَقْبَلُ هَدِيَّةَ أَحَدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ] الْمَادَّةُ (١٧٩٦) (الْقَاضِي لَا يَقْبَلُ هَدِيَّةَ أَحَدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ) الْقَاضِي لَا يَقْبَلُ هَدِيَّةَ أَحَدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ، وَكَذَا رِشْوَتُهُمَا؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ وَالرِّشْوَةِ يُؤَدِّي إلَى

стр. 2798

مُرَاعَاةِ الْمُهْدِي، وَيُؤَدِّي إلَى الْإِخْلَالِ بِالْعَدَالَةِ. وَالْحَالُ أَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (١٧٥٩) (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ بِزِيَادَةٍ) . قَاعِدَةٌ: قَبُولُ الْهَدِيَّةِ الَّتِي سَبَبُهَا الْوِلَايَةُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ «الرَّسُولَ ﵊ لَمَّا عَلِمَ بِأَخْذِ أَحَدِ مُوَظَّفِي بَيْتِ الْمَالِ هَدِيَّةً خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ قَائِلًا: لَوْ قَعَدَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ، وَأَبِيهِ هَلْ كَانَ يُهْدَى لَهُ» الْبُخَارِيُّ) كَمَا أَنَّ الْخَلِيفَةَ عُمَرَ ﵁ لَمَّا رَأَى أَحَدَ مَأْمُورِي بَيْتِ الْمَالِ عَائِدًا بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ سَأَلَهُ قَائِلًا: مِنْ أَيْنَ أَخَذْت هَذِهِ فَأَجَابَهُ إنَّهَا هَدَايَا فَحِينَئِذٍ تَلَا عَلَيْهِ قَوْلَ الرَّسُولِ، وَضَبَطَ الْهَدَايَا الْمَذْكُورَةَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَقَدْ قَالَ الْخَلِيفَةُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ هَدَايَا فِي عَهْدِ الرَّسُولِ أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَقَدْ أَصْبَحَتْ رِشْوَةً (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَفَتْحُ الْقَدِيرِ) . وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِنْ غَيْرِ الْأَصْدِقَاءِ وَالْمَعَارِفِ؛ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَكُنْ إلَّا رِشْوَةً مَسْتُورَةً (جَلَاءُ الْقُلُوبِ للبركوي) إنَّ كُلَّ هَدِيَّةٍ يَأْخُذُهَا مُوَظَّفٌ فِي وَظَائِفِ الْحُكُومَةِ هِيَ بِمَثَابَةِ الْهَدِيَّةِ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْقَاضِي (الْفَتْحُ) . أَقْسَامُ الْهَدِيَّةِ: الْهَدِيَّةُ تَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْهَدِيَّةُ تَكُونُ حَلَالًا لِلْجَانِبَيْنِ وَهِيَ الْهَدَايَا الَّتِي تُهْدَى إلَى غَيْرِ الْقَاضِي وَالْمُوَظَّفُ كَهَدَايَا الْأَحِبَّاءِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي، وَالْمُوَظَّفُ فِي أَحَدِ وَظَائِفِ الْحُكُومَةِ أَنْ يَأْخُذَ هَدِيَّةً مِنْ أَحَدِ النَّاسِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَيْ إنْ أَخَذَ الْهَدِيَّةَ الَّتِي تَعَاطِيهَا حَلَالٌ وَمَشْرُوعٌ بَيْنَ النَّاسِ هُوَ حَرَامٌ وَرِشْوَةٌ لِلْقَاضِي وَالْمُوَظَّفُ وَالْهَدِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَوْضُوعُ الْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ هِيَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْهَدَايَا. الْقِسْمُ الثَّانِي: الْهَدَايَا الْمُحَرَّمَةُ عَلَى الْجَانِبَيْنِ كَالْهَدِيَّةِ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَأْثَمُ الْمُعْطِي وَالْآخِذُ وَيَكُونَانِ مُرْتَكِبَيْنِ الْحَرَامَ، وَيَجِبُ رَدُّ الْهَدِيَّةِ إلَى مُعْطِيهَا وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْهَدَايَا مُحَرَّمٌ عَلَى الْقَاضِي وَعَلَى النَّاسِ الْآخَرِينَ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْهَدِيَّةُ الَّتِي تُعْطَى مِنْ الدَّافِعِ لِخَوْفِهِ مِنْ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالٍ وَيَحِلُّ لِلدَّافِعِ إعْطَاءُ هَذِهِ الْهَدِيَّةِ وَيَحْرُمُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْغَيْرِ وَاجِبٌ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْمَالِ لِإِجْرَاءِ الْوَاجِبِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ) . إيضَاحُ الْقُيُودِ. مِنْ الْخَصْمَيْنِ: إنَّ تَعْبِيرَ مِنْ الْخَصْمَيْنِ لَمْ يَكُنْ احْتِرَازِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّةً مِنْ غَيْرِ الْخَصْمَيْنِ وَيَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي قَبُولُ الْهَدِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ كَثِيرَةً أَمْ قَلِيلَةً وَحَتَّى لَوْ كَانَتْ حَقِيرَةً وَسَوَاءٌ كَانَتْ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَ الْحُكْمِ. هَدِيَّةٌ: وَتَعْبِيرُ هَدِيَّةٍ لَيْسَتْ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ وَالِاسْتِقْرَاضِ، وَاشْتِرَاءِ الْمَالِ بِطَرِيقِ الْمُحَابَاةِ

стр. 2799

وَالرِّشْوَةِ إذْ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَعِيرَ أَوْ يَسْتَقْرِضَ أَوْ يَشْتَرِيَ مَالًا مِنْ أَحَدٍ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَأَنْ يَقْبَلَ رِشْوَةً مِنْ الْمُحِقِّ أَوْ الْمُبْطِلِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ. الْمُعَامَلَةُ الَّتِي تَجْرِي فِي حَقِّ الْهَدِيَّةِ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْقَاضِي، يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي رَدُّ الْهَدِيَّةِ الَّتِي أَخَذَهَا لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّهُ حَسَبَ حُكْمِ الْمَادَّتَيْنِ (٨٩٠ وَ ٨٩١) مِنْ الْمَجَلَّةِ إذَا كَانَ الْمَالُ الْمَغْصُوبُ مَوْجُودًا يَجِبُ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ عَيْنًا، وَإِذَا كَانَ مُسْتَهْلَكًا يَجِبُ رَدُّهُ بَدَلًا، أَمَّا إذَا كَانَ صَاحِبُ الْهَدِيَّةِ غَيْرَ مَعْلُومٍ أَوْ كَانَ مَعْلُومًا وَكَانَ رَدُّ الْهَدِيَّةِ إلَيْهِ مُتَعَذِّرًا لِوُجُودِهِ فِي مَحَلٍّ بَعِيدٍ فَيَعْتَبِرُ الْقَاضِي تِلْكَ الْهَدِيَّةَ لُقَطَةً، وَيَضَعُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَ الْهَدِيَّةِ لِلْقَاضِي هُوَ لِكَوْنِهِ قَاضِيًا وَنَائِبًا فَالْهَدِيَّةُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى هِيَ لِلْعَامَّةِ فَيَجِبُ وَضْعُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ الْمُعَدِّ لِمَنَافِعِ الْعَامَّةِ وَيَكُونُ هَذَا الْمَالُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لُقَطَةً يُرَدُّ إلَى صَاحِبِهِ عِنْدَ ظُهُورِهِ (الْفَتْحُ وَالْعِنَايَةُ) . أَمَّا إذَا وَجَدَ الْقَاضِي أَنَّ رَدَّ الْهَدِيَّةِ الَّتِي أُعْطِيت لَهُ مِنْ بَعْضِ أَحِبَّائِهِ تُوجِبُ تَأَذِّيهمْ فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا بَعْدَ دَفْعِ تَمَامِ قِيمَتِهَا. مُسْتَثْنًى: لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ الْهَدَايَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ ١ - لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّةً مِنْ الشَّخْصِ الَّذِي قَلَّدَهُ الْقَضَاءَ، وَاَلَّذِي مَرْتَبَتُهُ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْقَاضِي. مَثَلًا: لَوْ عَيَّنَ قَاضِي وِلَايَةٍ نُوَّابًا عَنْهُ فِي دَائِرَةِ قَضَائِهِ، وَأَهْدَى الْقَاضِي لِنُوَّابِهِ هَدَايَا فَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوهَا وَلَكِنْ لَيْسَ لِلنُّوَّابِ أَنْ يُهْدُوا ذَلِكَ الْقَاضِيَ. كَذَلِكَ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الَّذِي يُعَيِّنُ قُضَاةً لِلْمُدُنِ أَنْ يُهْدِيَ الْقُضَاةَ الَّذِينَ عَيَّنَهُمْ (الْأَشْبَاهُ) . ٢ - لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ هَدِيَّةً مِنْ أَقْرِبَائِهِ ذَوِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَكُونَ لَهُ قَضِيَّةٌ (الْعِنَايَةُ) ؛ لِأَنَّ رَدَّ هَدِيَّةِ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ يُوجِبُ قَطْعَ الرَّحِمِ وَهُوَ حَرَامٌ، وَلَفْظُ الْكِتَابِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُهَادَاةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ وَعِبَارَةُ النِّهَايَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُهَادَاةَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْقَضَاءِ شَرْطٌ لِقَبُولِهَا كَالْأَجْنَبِيِّ (الْعِنَايَةُ) . ٣ - لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحِبِّهِ وَصَدِيقِهِ الَّذِي أَعْتَادَ إهْدَاءَهُ قَبْلَ نَصْبِهِ قَاضِيًا هَدِيَّتَهُ الَّتِي لَا تَكُونُ زِيَادَةً عَنْ الْمُعْتَادِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ تِلْكَ الْهَدِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لِلْقَضَاءِ بَلْ قِيَامًا بِالْعَادَةِ وَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهَا الرِّشْوَةُ، وَالْعَادَةُ تَثْبُتُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ (الْحَمَوِيُّ) . وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُهْدِي دَعْوَى فَإِذَا كَانَ لَهُ دَعْوَى فَالْقَاضِي يَرُدُّ كُلَّ تِلْكَ الْهَدِيَّةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ تِلْكَ الْهَدِيَّةِ الْقَضَاءُ (الزَّيْلَعِيّ وَمَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) . وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَبَعْدَ فَصْلِ دَعْوَاهُ، وَانْتِهَاءِ دَعَاوِيهِ وَخُصُومَاتِهِ لَا يَجُوزُ قَبُولُ هَدِيَّةِ مَنْ أَعْتَادَ الْإِهْدَاءَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) كَمَا أَنَّهُ إذَا أَهْدَى الشَّخْصُ الَّذِي أَعْتَادَ الْإِهْدَاءَ لِلْقَاضِي قَبْلَ تَقَلُّدِهِ الْقَضَاءَ هَدِيَّتَهُ الَّتِي أَعْتَادَهَا فَيَرُدُّ الْقَاضِي الزِّيَادَةَ بِسَبَبِ الْقَضَاءِ أَمَّا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ وَاقِعَةً فِي الْمَعْنَى وَلَيْسَ فِي الْمِقْدَارِ وَكَانَ غَيْرَ مُمْكِنٍ رَدُّ الزِّيَادَةِ فَيَرُدُّهَا الْقَاضِي جَمِيعَهَا. مَثَلًا: إذَا أَعْتَادَ وَاحِدٌ أَنْ يُهْدِيَ الْقَاضِيَ قَبْلَ تَقَلُّدِهِ الْقَضَاءَ حُلَّةً مِنْ الْكَتَّانِ فَأَهْدَاهُ بَعْدَ

стр. 2800

الْقَضَاءِ حُلَّةً مِنْ الْحَرِيرِ فَيَرُدُّ الْقَاضِي جَمِيعَ تِلْكَ الْحُلَّةِ. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَزَايَدَ مَالُ الْمُهْدِي فَفِي تِلْكَ الْحَالِ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَالرِّشْوَةُ هِيَ الْمَالُ الَّذِي يُدْفَعُ بِشَرْطِ الْإِعَانَةِ أَمَّا الْهَدِيَّةُ فَهِيَ الْمَالُ الَّذِي يُدْفَعُ بِلَا شَرْطِ الْإِعَانَةِ. وَالرِّشْوَةُ تُقْسَمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: ١ - الرِّشْوَةُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَى الْآخِذِ وَالْمُعْطِي كَالرِّشْوَةِ الَّتِي تُعْطَى لِلْقَاضِي لِيَحْكُمَ لَهُ وَيَأْثَمُ الْمُعْطِي فِي إعْطَاءِ الرِّشْوَةِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَلَوْ كَانَ مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ وَيَأْثَمُ الْقَاضِي إذَا حَكَمَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ بِنَاءً عَلَى الرِّشْوَةِ الَّتِي أَخَذَهَا، وَلَوْ كَانَ الرَّاشِي مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ وَيَكُونُ مَلْعُونًا. ٢ - الرِّشْوَةُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَى الْآخِذِ وَغَيْرُ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى الدَّافِعِ كَمَا لَوْ دَفَعَ أَحَدٌ رِشْوَةً لِأَحَدٍ لِخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ دَفَعَ أَحَدٌ لِآخَرَ رِشْوَةً لِتَحَقُّقِهِ طَمَعَهُ فِي مَالِهِ وَبِقَصْدِ تَخْلِيصِ بَعْضِ مَالِهِ مِنْهُ فَأَخْذُ الرِّشْوَةِ مِنْ طَرَفِ الْآخِذِ حَرَامٌ وَمَمْنُوعٌ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) وَلَكِنْ لَيْسَ مُحَرَّمًا إعْطَاؤُهَا اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٢١) . ٣ - لَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَمْرٌ مُحِقٌّ فِيهِ عِنْدَ وَالٍ فَأَدَّى أَحَدُ الْأَشْخَاصِ غَيْرَ الْمُوَظَّفِينَ مَالًا لِيَقُومَ لَهُ بِإِتْمَامِ ذَلِكَ الْأَمْرِ فَيَحِلُّ دَفْعُ ذَلِكَ وَأَخْذُهُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ مُعَاوَنَةُ الْإِنْسَانِ لِلْآخَرِ بِدُونِ مَالٍ، وَاجِبَةً فَأَخْذُ الْمَالِ مُقَابِلُ الْمُعَاوَنَةِ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِمَثَابَةِ أُجْرَةٍ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ بِتَغْيِيرٍ يَسِيرٍ) . ٤ - أَنْ يَكُونَ أَخْذُهُ، وَإِعْطَاؤُهُ حَلَالًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ رِشْوَةً بَلْ بَدَلَ إيجَارٍ وَهُوَ كَمَا ذُكِرَ فِي مِثَالِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ إذَا اسْتَأْجَرَ أَحَدٌ آخَرَ لِيَقُومَ لَهُ بِشُغْلٍ مَا لِوَقْتٍ الْمَسَاءِ بِكَذَا دِرْهَمًا فَاسْتِخْدَامُ ذَلِكَ الرَّجُلِ فِي شُغْلٍ آخَرَ مُبَاحٌ (الْخَانِيَّةُ) . حُرْمَةُ الرِّشْوَةِ - وَالرِّشْوَةُ حَرَامٌ شَرْعًا وَحُرْمَتُهَا ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَوْله تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] وَتَصْدِيرُ الْخِطَابِ بِالنِّدَاءِ وَالتَّنْبِيهِ لِلِاعْتِنَاءِ بِمَضْمُونِ مَا وَرَدَ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْبَاطِلِ الْأَسْبَابُ الْمُخَالِفَةُ لِلشَّرْعِ الشَّرِيفِ كَالْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يُبِحْهَا كَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ، وَالْقِمَارِ وَعُقُودِ الرِّبَا ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا﴾ [النساء: ٣٠] أَيْ إفْرَاطًا فِي التَّجَاوُزِ عَنْ الْحَدِّ، وَإِتْيَانًا بِمَا لَا يَسْتَحِقُّهُ ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٣٠] (تَفْسِيرُ أَبِي السُّعُودِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ) . وَقَدْ وَرَدَ فِي آيَةٍ جَلِيلَةٍ أُخْرَى ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] أَيْ الْحَرَامِ كَالرِّشْوَةِ مِنْ (سَحَتَهُ) إذَا اسْتَأْصَلَهُ؛ لِأَنَّهُ مَسْحُوتُ الْبَرَكَةِ (الْقَاضِي) . السُّنَّةُ: قَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ حَدِيثُ «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ» وَالرَّاشِي: هُوَ الدَّافِعُ لِلرِّشْوَةِ. وَالْمُرْتَشِي: هُوَ الْأَخْذُ لَهَا. وَالرَّائِشُ: هُوَ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) . وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ شَرِيفٍ آخَرَ «وَقَبُولُ الْقَاضِي الرِّشْوَةَ كُفْرٌ» (الْجَامِعُ الصَّغِيرُ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي.» وَاللَّعْنَةُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الطَّرْدِ وَفِي الْعُرْفِ تُسْتَعْمَلُ فِي طَرْدِ اللَّهِ شَخْصًا مِنْ رَحْمَتِهِ فَإِذَا

стр. 2801

كَانَ اللَّعْنُ مِنْ طَرَفِ اللَّهِ فَيُقْصَدُ بِهِ الْقَطْعُ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْخَيْرِ وَالتَّوْفِيقِ، وَالْإِبْعَادُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ اللُّطْفِ وَالرَّحْمَةِ (شَرْحُ الْآمَالِ) فَإِذَنْ يَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الْمَذْكُورِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ قَطَعَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ مِنْ الْخَيْرِ وَالتَّوْفِيقِ فِي الدُّنْيَا، وَأَبْعَدَهُ مِنْ اللُّطْفِ وَالْإِحْسَانِ فِي الْآخِرَةِ، وَلِذَلِكَ فَأَخْذُ الرِّشْوَةِ، وَإِعْطَاؤُهَا مُحَرَّمٌ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٣٤) . فَالْجُرْأَةُ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْبَاطِلَةِ وَالْبَاعِثَةِ لِلَّعْنَةِ شَرْعًا نَاشِئَةٌ عَنْ ظُلْمَةِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْقَلْبِ الْمُسْتَنِيرِ يَسْتَنِيرُ بِهَدْيِ الْهِدَايَةِ فَيَنْظُرُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَمَنَعَ نَفْسَهُ فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: إنَّ الدُّنْيَا ظِلٌّ زَائِلٌ وَخَيَالٌ بَاطِلٌ (الْعَيْنِيُّ شَرْحُ الْبُخَارِيِّ) . إذْ إنَّ الدُّنْيَا غَيْرُ بَاقِيَةٍ لِأَحَدٍ وَمَالَ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى لِأَحَدٍ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] . وَقَدْ خَطَبَ الرَّسُولُ ﵇ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلَكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ الْحَدِيثَ. ثُمَّ قَالَ أَلَا هَلْ بَلَّغْت مَرَّتَيْنِ» (الْبُخَارِيُّ) لَوْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَانَقٌ وَلَهُ عَمَلُ سَبْعِينَ نَبِيًّا مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ الدَّانَقَ، وَيُعْطَى لِصَاحِبِ الدَّانَقِ فِي دَانَقِهِ سَبْعُمِائَةِ صَلَاةٍ مَقْبُولَةٍ فَلَا يُرْضِيهِ بِذَلِكَ (تَذْكِرَةُ الْقُرْطُبِيِّ) . وَعِنْدَمَا مَرِضَ النَّبِيُّ ٢٠٤، وَأَصْبَحَ غَيْرَ قَادِرٍ اتَّكَأَ عَلَى أَوْلَادِ عَمِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ ﵁ وَصَعِدَ إلَى الْمِنْبَرِ وَخَطَبَ قَائِلًا: أَيُّهَا النَّاسُ «مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ دَيْنٌ؟ ؟» . فَطَلَبَ مِنْهُ أَحَدُ النَّاسِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَأَدَّاهَا النَّبِيُّ لَهُ. إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِالرِّشْوَةِ سَوَاءٌ أَكَانَ حُكْمُهُ قَبْلَ أَخْذِهِ الرِّشْوَةَ أَوْ بَعْدَ أَخْذِ الرِّشْوَةِ فَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. ١ - فَعَلَى قَوْلٍ إنَّ حُكْمَ الْقَاضِي صَحِيحٌ إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْمَسْأَلَةِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ فِي الدَّعْوَى الَّتِي ارْتَشَى فِيهَا أَوْ الَّتِي لَمْ يَرْتَشِ فِيهَا وَبِأَخْذِ الرِّشْوَةِ لَا يَبْطُلُ الْحُكْمُ لِأَنَّ حَاصِلَ أَخْذِ الرِّشْوَةِ هُوَ فِسْقُ الْقَاضِي وَبِمَا أَنَّ فِسْقَ الْقَاضِي لَا يُوجِبُ انْعِزَالَهُ فَوِلَايَةُ الْقَاضِي بَاقِيَةٌ، وَإِذَا كَانَ قَضَاؤُهُ بِحَقٍّ يَلْزَمُ نَفَاذُ قَضَائِهِ ٢ - وَعَلَى قَوْلٍ آخَرَ لَا يَنْفُذُ حُكْمُ الْقَاضِي فِي الدَّعْوَى الَّتِي ارْتَشَى فِيهَا حَتَّى لَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَانِيَّةِ: بِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ أَخَذَ رِشْوَةً وَحَكَمَ فَحُكْمُهُ غَيْرُ نَافِذٍ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ كَانَ حُكْمُهُ بِحَقٍّ لِأَنَّ الْقَاضِيَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ قَدْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْحُكْمِ وَالِاسْتِئْجَارُ لِلْحُكْمِ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَى الْقَاضِي فِي " الْوَلْوَالِجِيَّةِ آدَابِ الْقَاضِي ".

стр. 2802

وَعَلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ: إنَّهُ لَا يَنْفُذُ حُكْمُ الْقَاضِي الْمُرْتَشِي فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى الَّتِي حَكَمَ بِهَا وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ قَوْلُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ كَالْخَصَّافِ وَالطَّحْطَاوِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الْمَادَّةِ " ١٧٩٤ ". لَا يَمْلِكُ الْمُرْتَشِي الرِّشْوَةَ وَلَوْ قَامَ الْمُرْتَشِي بِالْأَمْرِ الَّذِي نَدَبَهُ إلَيْهِ الرَّاشِي تَمَامًا فَلِذَلِكَ إذَا كَانَ مَالُ الرِّشْوَةِ مَوْجُودًا فَيُرَدُّ عَيْنًا وَإِذَا كَانَ مُسْتَهْلَكًا فَيُرَدُّ بَدَلًا وَإِذَا كَانَ الرَّاشِي تُوُفِّيَ فَيُرَدُّ إلَى وَرَثَتِهِ وَبِالْحُكْمِ بِالرَّدِّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَخْلِيصُ الْمُرْتَشِي مِنْ حُكْمِ الضَّمَانِ الدُّنْيَوِيِّ أَمَّا الْخَلَاصُ مِنْ الْحُكْمِ الْأُخْرَوِيِّ وَهُوَ الْأَهَمُّ وَاسْتِحْقَاقُ النَّارِ فَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ " الدُّرُّ الْمُنْتَقَى فِي الْغَصْبِ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ ". كَذَلِكَ إذَا تُوُفِّيَ الْمُرْتَشِي فَلَا يَمْلِكُ وَارِثُهُ الرِّشْوَةَ وَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا إلَى الرَّاشِي حَتَّى أَنَّهُ إذَا تُوُفِّيَ الرَّجُلُ الَّذِي كَسْبُهُ حَرَامٌ فَيَجِبُ عَلَى وَرَثَتِهِ؛ أَنْ يَتَحَرَّوْا أَصْحَابَ ذَلِكَ الْمَالِ الْحَرَامِ فَيَرُدُّوهُ إلَيْهِمْ وَإِذَا لَمْ يَجِدُوهُمْ أَنْ يَتَصَدَّقُوا بِذَلِكَ الْمَالِ " الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْعِشْرِينَ فِي الْبُيُوعَاتِ الْمَكْرُوهَةِ ". ارْتِشَاءُ أَقْرِبَاءِ الْقَاضِي وَأَعْوَانِهِ، إذَا أَخَذَ ابْنُ الْقَاضِي أَوْ كَاتِبُهُ أَوْ بَعْضُ أَعْوَانِهِ رِشْوَةً فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرٍ مِنْ الْقَاضِي أَوْ بِرِضَائِهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ ارْتِشَاءِ الْقَاضِي وَنَفَاذُ الْحُكْمِ وَعَدَمُ نَفَاذِهِ الْمَبْنِيُّ عَلَى ذَلِكَ الِارْتِشَاءِ يَجْرِي فِيهِ الِاخْتِلَافُ الْمَارُّ ذِكْرُهُ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَاضِي لَا يَعْلَمُ بِارْتِشَاءِ هَؤُلَاءِ فَيَنْفُذُ حُكْمُ الْقَاضِي وَيَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُرْتَشِينَ أَنْ يَرُدُّوا الرِّشْوَةَ الَّتِي أَخَذُوهَا إلَى أَصْحَابِهَا " الشِّبْلِيُّ وَالْخَانِيَّةُ ". [ (الْمَادَّةُ ١٧٩٧) لَا يَذْهَبُ الْقَاضِي إلَى ضِيَافَةِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ] الْمَادَّةُ (١٧٩٧) - (لَا يَذْهَبُ الْقَاضِي إلَى ضِيَافَةِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ) . لَا يَذْهَبُ الْقَاضِي إلَى ضِيَافَةِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ الْعَامَّةِ أَوْ الْخَاصَّةِ لِأَنَّ تِلْكَ الضِّيَافَةَ قَدْ أُدِّيَتْ لِلْقَاضِي وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْتَفِعَ بِأَمْوَالِ النَّاسِ بِلَا بَدَلٍ كَمَا أَنَّ ذَهَابَ الْقَاضِي إلَى ضِيَافَةِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ تُؤْذِي الْخَصْمَ الْآخَرَ وَتَكُونُ سَبَبًا لِلِارْتِيَابِ فِي الْقَاضِي " الْوَلْوَالِجِيَّةِ وَالْعِنَايَةُ وَالْفَتْحُ " وَيُفْهَمُ مِنْ مَنْعِ الضِّيَافَةِ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ أَنَّ الْمَنْعَ عَامٌّ سَوَاءٌ أَكَانَتْ ضِيَافَةُ الْمُتَخَاصِمَيْنِ عَامَّةً أَوْ خَاصَّةً وَسَوَاءٌ أَكَانَ بَيْنَ الْقَاضِي وَأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ قَرَابَةٌ أَوْ كَانَتْ الْكُلْفَةُ مَرْفُوعَةً بَيْنَهُمَا. ذَهَابُ الْقَاضِي إلَى ضِيَافَةِ غَيْرِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، لِلْقَاضِي أَنْ يَذْهَبَ إلَى ضِيَافَةِ غَيْرِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ إذَا كَانَتْ عَامَّةً لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تُهْمَةٌ وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «فُكُّوا الْعَانِيَ وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ» الْبُخَارِيُّ وَشَرْحُ الْمَجْمَعِ " وَبِذَلِكَ يَكُونُ قَيْدُ الْمُتَخَاصِمَيْنِ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا. أَمَّا إذَا كَانَتْ الضِّيَافَةُ خَاصَّةً فَلَا يَذْهَبُ الْقَاضِي لِأَنَّهَا تَكُونُ ضِيَافَةً لِلْقَاضِي وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَا تَكُونُ كَلِمَةُ (مُتَخَاصِمَيْنِ) قَيْدًا احْتِرَازِيًّا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُضِيفَ لَا يَتْرُكُ الضِّيَافَةَ مَعَ عِلْمِهِ بِعَدَمِ حُضُورِ الْقَاضِي فَتَكُونُ الضِّيَافَةُ عَامَّةً وَإِلَّا فَخَاصَّةً وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ وَقَدْ قَبِلَهُ قَاضِي خَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، أَمَّا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّ ضِيَافَةَ الْوَلِيمَةِ وَالْخِتَانِ هِيَ عَامَّةٌ وَمَا عَدَاهَا فَخَاصَّةٌ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَسَنٌ

стр. 2803

مُسْتَثْنًى، إلَّا أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَ دَعْوَةَ اثْنَيْنِ: أَوَّلًا: لَهُ أَنْ يُجِيبَ دَعْوَةَ مَحْرَمِهِ ذِي الرَّحِمِ فَعَلَيْهِ إذَا كَانَتْ بَيْنَ الْقَاضِي وَالْمُضِيفِ قَرَابَةٌ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَ الدَّعْوَةَ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْإِجَابَةِ صِلَةَ رَحِمٍ (الزَّيْلَعِيّ وَمَجْمَعُ الْأَنْهُرِ وَالْخَانِيَّةُ وَالْعِنَايَةُ) إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُضِيفُ أَحَدَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا آنِفًا. ثَانِيًا: لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَ الضِّيَافَةَ الْخَاصَّةَ لِمَنْ اعْتَادَ تَضْيِيفَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي الْهَدِيَّةِ اُنْظُرْ شَرْحَ مَادَّةِ (١٧٩٦) إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُضِيفِ قَضِيَّةٌ عِنْدَ الْقَاضِي أَمَّا إذَا كَانَ الْمُضِيفُ اعْتَادَ تَضْيِيفَ الْقَاضِي قَبْلَ تَوْلِيَتِهِ الْقَضَاءَ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً فَدَعَاهُ بَعْدَ تَوَلِّي الْقَضَاءِ فِي الْأُسْبُوعِ مَرَّةً فَلَا يُجِيبُ الدَّعْوَةَ كَمَا أَنَّهُ لَا يُجِيبُ الدَّعْوَةَ إذَا أَحْضَرَ طَعَامًا فِي الضِّيَافَةِ أَكْثَرَ مِنْ مُعْتَادِهِ مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَزَايَدَ مَالُ الْمُضِيفِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . ذَهَابُ الْقَاضِي إلَى عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَشُهُودِ الْجِنَازَةِ، وَتَعْبِيرُ الضِّيَافَةِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ شُهُودِ الْجِنَازَةِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ إذْ لِلْقَاضِي شُهُودُ الْجِنَازَةِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْكُثُ فِي مَحَلِّ الزِّيَارَةِ وَقْتًا كَثِيرًا وَلَكِنْ مِنْ اللَّائِقِ إذَا كَانَ الْمَرِيضُ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ أَنْ لَا يَذْهَبَ إلَى عِيَادَتِهِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) . [ (الْمَادَّةُ ١٧٩٨) يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ لَا يَعْمَلَ أَعْمَالًا تُسَبِّبُ التُّهْمَةَ وَسُوءَ الظَّنِّ] الْمَادَّةُ (١٧٩٨) - (يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ لَا يَعْمَلَ أَعْمَالًا تُسَبِّبُ التُّهْمَةَ وَسُوءَ الظَّنِّ كَقَبُولِهِ دُخُولَ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ إلَى بَيْتِهِ، وَالِاخْتِلَاءِ مَعَ أَحَدِهِمَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَالْإِشَارَةِ لِأَحَدِهِمَا بِالْيَدِ أَوْ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالرَّأْسِ، أَوْ التَّكَلُّمِ مَعَ أَحَدِهِمَا كَلَامًا خَفِيًّا، أَوْ تَكَلُّمِهِ مَعَ أَحَدِهِمَا بِلِسَانٍ لَا يَفْهَمُهُ الْآخَرُ) . يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ لَا يَعْمَلَ أَعْمَالًا تُسَبِّبُ التُّهْمَةَ وَسُوءَ الظَّنِّ كَقَبُولِ دُخُولِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ إلَى بَيْتِهِ، وَالِاخْتِلَاءِ مَعَ أَحَدِهِمَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَوْ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَالْإِشَارَةِ لِأَحَدِهِمَا بِالْيَدِ أَوْ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالرَّأْسِ أَوْ التَّكَلُّمِ مَعَ أَحَدِهِمَا كَلَامًا خَفِيًّا، أَوْ تَكَلُّمِهِ مَعَ أَحَدِهِمَا بِلِسَانٍ لَا يَفْهَمُهُ الْآخَرُ، أَوْ بِالْقِيَامِ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ بِالضَّحِكِ فِي وَجْهِ أَحَدِهِمَا أَوْ بِإِرْشَادِ أَحَدِهِمَا أَثْنَاءَ الْمُحَاكَمَةِ لِأَنَّهُ يُوجَدُ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ مِيلٌ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَجَوْرٌ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الِاحْتِرَازُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يُسَبِّبُ انْكِسَارَ قَلْبِ الْخَصْمِ الْآخَرِ إذْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا رَأَى مِيلَ الْقَاضِي إلَى خَصْمِهِ يَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ دَعْوَاهُ وَيُوجِبُ ذَلِكَ ضَيَاعَ حَقِّهِ (شَرْحُ الْمَجْمَعِ والولوالجية) . إلَّا أَنَّهُ لِلْقَاضِي أَنْ يَزُورَ الْأَشْخَاصَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ عِنْدَهُ قَضَايَا وَأَنْ يَقْبَلَهُمْ فِي بَيْتِهِ فِي شَأْنِ مَصَالِحِهِمْ الْأُخْرَى. ضِيَافَةُ الْقَاضِي لِلْمُتَخَاصَمَيْنِ: بِمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ. يَقْبَلَ أَحَدًا فِي بَيْتِهِ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ فَلَيْسَ لَهُ قَبُولُ أَحَدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ بِلَا دَعْوَةٍ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْعُوهُمَا وَيُضَيِّفَهُمَا فِي بَيْتِهِ (فَتْحُ الْقَدِيرِ) أَمَّا إذَا أَضَافَ الْقَاضِي الْخَصْمَيْنِ مَعًا وَقَبِلَهُمَا فِي بَيْتِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .

стр. 2804

لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَصِيحَ فِي وَجْهِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَمَّا إذَا تَجَرَّأَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عَلَى إسَاءَةِ الْأَدَبِ فَلِلْقَاضِي تَأْدِيبُهُ وَتَعْزِيرُهُ حَتَّى أَنَّهُ إذَا تَشَاتَمَ الْمُتَخَاصِمَانِ فِي حُضُورِ الْقَاضِي وَلَمْ يَنْتَهِيَا بِنَهْيِهِ فَالْقَاضِي مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ حَبَسَهُمَا تَعْزِيرًا وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُمَا. أَمَّا إذَا شَتَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ الْآخَرَ وَتَكَلَّمَ بِحَقِّهِ كَلَامًا مُخِلًّا بِالنَّامُوسِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي تَعْزِيرُ الشَّاتِمِ مَا لَمْ يَطْلُبْ الْمَشْتُومُ وَيَدَّعِي ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا التَّعْزِيرَ هُوَ مِنْ حَقِّ الْمَشْتُومِ وَيُشْتَرَطُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ سَبْقُ الدَّعْوَى اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٨٢٩) (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) . تَعْلِيمُ الْقَاضِي الدَّعْوَى وَتَلْقِينُ الشَّهَادَةِ. إذَا أَمَرَ الْقَاضِي اثْنَيْنِ بِتَعْلِيمِ الطَّرَفَيْنِ دَعْوَاهُمَا وَخُصُومَتَهُمَا فَلَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالْفَتْحُ) كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَلْقِينُ الشَّاهِدِ فِي الْخُصُوصَاتِ الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّ زِيَادَةَ الْعِلْمِ فِيهَا لَا تُفِيدُ (الْفَتْحُ) . إذَا اسْتَوْلَتْ الْحِيرَةُ وَالْهَيْبَةُ عَلَى الشَّاهِدِ فَتَرَكَ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الشَّهَادَةِ كَعَدَمِ ذِكْرِهِ لَفْظَةَ أَشْهَدُ فَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُ هَلْ تَشْهَدُ بِذَلِكَ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٦٨٩) إلَّا أَنَّ جَوَازَ هَذَا التَّلْقِينِ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي مَوْضِعِ تُهْمَةٍ، وَالتَّلْقِينُ فِي مَوْضِعِ تُهْمَةٍ غَيْرُ جَائِزٍ بِالِاتِّفَاقِ (الْفَتْحُ) مَثَلًا إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ الشَّاهِدُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَبِمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ سَتُرَدُّ بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (١٧٠٨) فَلِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الشَّاهِدَ بِقَوْلٍ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ أَبْرَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَاسْتَفَادَ الشَّاهِدُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: نَعَمْ إنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ أَبْرَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَدْ بَقِيَ لِلْمُدَّعِي أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَالتَّلْقِينُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ جَائِزٍ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَلْقِينُ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . تَكَلُّمُ أَعْوَانِ الْقَاضِي مَعَ الطَّرَفَيْنِ كَلَامًا خَفِيًّا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَعْوَانُ الْقَاضِي أَيْ كَتَبَتُهُ وَخَدَمَتُهُ مَعَ الطَّرَفَيْنِ بِشَأْنٍ مِنْ شُؤُونِ دَعْوَاهُمَا وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَلَّا يَتَكَلَّمَ مَعَ الطَّرَفَيْنِ فِي خُصُوصِ دَعْوَاهُمَا خَارِجَ مَجْلِسِ الْمُحَاكَمَةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ والولوالجية) . قَبُولُ الْقَاضِي الِاسْتِدْعَاءَ: لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ أَثْنَاءَ التَّدَاعِي وَالْمُرَافَعَةِ اسْتِدْعَاءً مِنْ أَحَدٍ وَلَهُ قَبُولُ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُحَاكَمَةِ، وَلَا يَأْخُذُ بِمَا فِيهِ إلَّا إذَا أَقَرَّ صَرِيحًا (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ) . [ (الْمَادَّةُ ١٧٩٩) الْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ] الْمَادَّةُ (١٧٩٩) - (الْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ بِنَاءً عَلَيْهِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ الْعَدْلَ وَالْمُسَاوَاةَ فِي الْمُعَامَلَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمُحَاكَمَةِ كَإِجْلَاسِ الطَّرَفَيْنِ وَإِحَالَةِ النَّظَرِ وَتَوْجِيهِ الْخِطَابِ إلَيْهِ مَا وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْأَشْرَافِ وَالْآخَرُ مِنْ آحَادِ النَّاسِ) الْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ: قَدْ بُيِّنَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ لِلْعَدْلِ إلَّا أَنَّهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ يُنَاسِبُ مَعْنَيَانِ مِنْ مَعَانِي الْعَدْلِ.

стр. 2805

الْأَوَّلُ: الْعَدْلُ بِمَعْنَى الْمُسَاوَاةِ إذْ يُقَالُ: قَسَمُوا بَيْنَهُمْ عَلَى الْعَدْلِ أَيْ عَلَى الْمُسَاوَاةِ. وَتَفْرِيعُ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلُ هُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ إنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ إذْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «إذَا اُبْتُلِيَ أَحَدُكُمْ بِالْقَضَاءِ فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ فِي الْجُلُوسِ النَّظَرِ وَالْإِشَارَةِ وَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ» وَقَدْ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَرْسَلَهُ الْخَلِيفَةُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى الْقُضَاةِ فِي زَمَانِهِ أَنْ آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِك وَعَدْلِك وَمَجْلِسِك حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِك وَلَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِك (فَتْحُ الْقَدِيرِ) . كَمَا أَنَّ عَدَمَ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ يُوجِبُ كَسْرَ قَلْبِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ إذْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ تَوَجَّهَ إلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ يُوجِبُ ذَلِكَ أَنْ يَتَجَرَّأَ عَلَى خَصْمِهِ وَيَكُونَ مِنْ نَتِيجَتِهِ انْكِسَارُ هِمَّةِ الْخَصْمِ وَضَيَاعُ حَقِّهِ فِي النَّتِيجَةِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ وَالزَّيْلَعِيُّ) . وَقَدْ وَرَدَ فِي الْآيَةِ الْجَلِيلَةِ ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] وَفِي ذَلِكَ نَهْيٌ لِلْقُضَاةِ مِنْ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ رَبِّ الْعِبَادِ وَمِنْ مُرَاعَاةِ الْخَاطِرِ وَالْمُدَاهَنَةِ (الْقَاضِي) . بِنَاءٌ عَلَيْهِ يَلْزَمُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُرَاعِيَ الْعَدْلَ وَالْمُسَاوَاةَ فِي الْمُعَامَلَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمُحَاكَمَةِ كَإِجْلَاسِ الطَّرَفَيْنِ وَإِحَالَةِ النَّظَرِ وَتَوْجِيهِ الْخِطَابِ إلَيْهِ مَا وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْأَشْرَافِ وَالْآخَرُ مِنْ آحَادِ النَّاسِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَبًا وَالْآخَرُ وَلَدَهُ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَغِيرَ السِّنِّ وَالْآخَرُ كَبِيرَهُ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ غَيْرَ مُسْلِمٍ فَإِذَا رَاعَى الْقَاضِي الْمُسَاوَاةَ التَّامَّةَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فَلَا يَأْمُلُ الشَّرِيفُ مِيلَ الْقَاضِي إلَى جَانِبِهِ لِشَرَفِهِ وَوَجَاهَتِهِ كَمَا أَنَّ آحَادَ النَّاسِ لَا يَخَافُ عَنْ أَنْ يَجُورَ بِهِ الْقَاضِي لِضَعْفِهِ بِالْتِزَامِ خَصْمِهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يَتَّصِلُ الْجَمِيعُ بِحُقُوقِهِمْ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ فِي آدَابِ الْقَاضِي) . لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ أَيْ أَنْ يُبْدِيَ رَأْيًا لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي يَتَخَاصَمَانِ بِهَا وَلِذَلِكَ قَدْ وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ (١٨١٥) مِنْ الْمَجَلَّةِ (أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُفْشِي رَأْيَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ) وَإِنَّ إرَاءَةَ الْقَاضِي الطَّرِيقَ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ بِقَوْلِ ادَّعِ كَذَا أَوْ اُطْلُبْ كَذَا غَيْرُ جَائِزٍ وَمَكْرُوهٌ وَلَكِنْ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَوْ فِي غَيْرِهِ لِغَيْرِ الْخَصْمَيْنِ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَقَائِدِ أَوْ فِي الْمُعَامَلَاتِ أَيْ أَنَّ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ لِلسَّائِلِ الْمَسْأَلَةَ الشَّرْعِيَّةَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُومَ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَمَّا إذَا أَقَامَ لِكِلَيْهِمَا فَجَائِزٌ (الدُّرُّ الْمُنْتَقَى) . لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُجْلِسَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إلَى يَمِينِهِ وَأَنْ يُجْلِسَ الْآخَرَ إلَى يَسَارِهِ لِأَنَّ جِهَةَ الْيَمِينِ تُرَجَّحُ عَلَى جِهَةِ الْيَسَارِ فَيَكُونُ قَدْ أَخَلَّ بِوَاجِبِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا الشَّرَفِ فَقَدْ خَصَّصَ النَّبِيُّ ﵇ جِهَةَ الْيَمِينِ لِلصَّحَابِيِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. الْمَوْقِعُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الطَّرَفَانِ فِي حُضُورِ الْقَاضِي وَصُورَةِ جُلُوسِهِمَا: عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ الطَّرَفَيْنِ أَمَامَهُ فِي مَوْقِعٍ قَرِيبٍ يَسْتَطِيعُ بِهِ سَمَاعَ صَوْتِهِمَا الْعَادِي بِدُونِ
следующие страницы →