Полный текст (2 914 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
كَانَ اللَّعْنُ مِنْ طَرَفِ اللَّهِ فَيُقْصَدُ بِهِ الْقَطْعُ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْخَيْرِ وَالتَّوْفِيقِ، وَالْإِبْعَادُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ اللُّطْفِ وَالرَّحْمَةِ (شَرْحُ الْآمَالِ) فَإِذَنْ يَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الْمَذْكُورِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ قَطَعَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ مِنْ الْخَيْرِ وَالتَّوْفِيقِ فِي الدُّنْيَا، وَأَبْعَدَهُ مِنْ اللُّطْفِ وَالْإِحْسَانِ فِي الْآخِرَةِ، وَلِذَلِكَ فَأَخْذُ الرِّشْوَةِ، وَإِعْطَاؤُهَا مُحَرَّمٌ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٣٤) . فَالْجُرْأَةُ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْبَاطِلَةِ وَالْبَاعِثَةِ لِلَّعْنَةِ شَرْعًا نَاشِئَةٌ عَنْ ظُلْمَةِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْقَلْبِ الْمُسْتَنِيرِ يَسْتَنِيرُ بِهَدْيِ الْهِدَايَةِ فَيَنْظُرُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَمَنَعَ نَفْسَهُ فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: إنَّ الدُّنْيَا ظِلٌّ زَائِلٌ وَخَيَالٌ بَاطِلٌ (الْعَيْنِيُّ شَرْحُ الْبُخَارِيِّ) .
إذْ إنَّ الدُّنْيَا غَيْرُ بَاقِيَةٍ لِأَحَدٍ وَمَالَ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى لِأَحَدٍ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] . وَقَدْ خَطَبَ الرَّسُولُ ﵇ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلَكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ الْحَدِيثَ. ثُمَّ قَالَ أَلَا هَلْ بَلَّغْت مَرَّتَيْنِ» (الْبُخَارِيُّ) لَوْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَانَقٌ وَلَهُ عَمَلُ سَبْعِينَ نَبِيًّا مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ الدَّانَقَ، وَيُعْطَى لِصَاحِبِ الدَّانَقِ فِي دَانَقِهِ سَبْعُمِائَةِ صَلَاةٍ مَقْبُولَةٍ فَلَا يُرْضِيهِ بِذَلِكَ (تَذْكِرَةُ الْقُرْطُبِيِّ) . وَعِنْدَمَا مَرِضَ النَّبِيُّ ٢٠٤، وَأَصْبَحَ غَيْرَ قَادِرٍ اتَّكَأَ عَلَى أَوْلَادِ عَمِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ ﵁ وَصَعِدَ إلَى الْمِنْبَرِ وَخَطَبَ قَائِلًا: أَيُّهَا النَّاسُ «مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ دَيْنٌ؟ ؟» . فَطَلَبَ مِنْهُ أَحَدُ النَّاسِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَأَدَّاهَا النَّبِيُّ لَهُ.
إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِالرِّشْوَةِ سَوَاءٌ أَكَانَ حُكْمُهُ قَبْلَ أَخْذِهِ الرِّشْوَةَ أَوْ بَعْدَ أَخْذِ الرِّشْوَةِ فَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. ١ - فَعَلَى قَوْلٍ إنَّ حُكْمَ الْقَاضِي صَحِيحٌ إذَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْمَسْأَلَةِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ فِي الدَّعْوَى الَّتِي ارْتَشَى فِيهَا أَوْ الَّتِي لَمْ يَرْتَشِ فِيهَا وَبِأَخْذِ الرِّشْوَةِ لَا يَبْطُلُ الْحُكْمُ لِأَنَّ حَاصِلَ أَخْذِ الرِّشْوَةِ هُوَ فِسْقُ الْقَاضِي وَبِمَا أَنَّ فِسْقَ الْقَاضِي لَا يُوجِبُ انْعِزَالَهُ فَوِلَايَةُ الْقَاضِي بَاقِيَةٌ، وَإِذَا كَانَ قَضَاؤُهُ بِحَقٍّ يَلْزَمُ نَفَاذُ قَضَائِهِ ٢ - وَعَلَى قَوْلٍ آخَرَ لَا يَنْفُذُ حُكْمُ الْقَاضِي فِي الدَّعْوَى الَّتِي ارْتَشَى فِيهَا حَتَّى لَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَانِيَّةِ: بِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ أَخَذَ رِشْوَةً وَحَكَمَ فَحُكْمُهُ غَيْرُ نَافِذٍ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ كَانَ حُكْمُهُ بِحَقٍّ لِأَنَّ الْقَاضِيَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ قَدْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْحُكْمِ وَالِاسْتِئْجَارُ لِلْحُكْمِ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَى الْقَاضِي فِي " الْوَلْوَالِجِيَّةِ آدَابِ الْقَاضِي ".
стр. 2802
وَعَلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ: إنَّهُ لَا يَنْفُذُ حُكْمُ الْقَاضِي الْمُرْتَشِي فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى الَّتِي حَكَمَ بِهَا وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ قَوْلُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ كَالْخَصَّافِ وَالطَّحْطَاوِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الْمَادَّةِ " ١٧٩٤ ". لَا يَمْلِكُ الْمُرْتَشِي الرِّشْوَةَ وَلَوْ قَامَ الْمُرْتَشِي بِالْأَمْرِ الَّذِي نَدَبَهُ إلَيْهِ الرَّاشِي تَمَامًا فَلِذَلِكَ إذَا كَانَ مَالُ الرِّشْوَةِ مَوْجُودًا فَيُرَدُّ عَيْنًا وَإِذَا كَانَ مُسْتَهْلَكًا فَيُرَدُّ بَدَلًا وَإِذَا كَانَ الرَّاشِي تُوُفِّيَ فَيُرَدُّ إلَى وَرَثَتِهِ وَبِالْحُكْمِ بِالرَّدِّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَخْلِيصُ الْمُرْتَشِي مِنْ حُكْمِ الضَّمَانِ الدُّنْيَوِيِّ أَمَّا الْخَلَاصُ مِنْ الْحُكْمِ الْأُخْرَوِيِّ وَهُوَ الْأَهَمُّ وَاسْتِحْقَاقُ النَّارِ فَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ " الدُّرُّ الْمُنْتَقَى فِي الْغَصْبِ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ ". كَذَلِكَ إذَا تُوُفِّيَ الْمُرْتَشِي فَلَا يَمْلِكُ وَارِثُهُ الرِّشْوَةَ وَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا إلَى الرَّاشِي حَتَّى أَنَّهُ إذَا تُوُفِّيَ الرَّجُلُ الَّذِي كَسْبُهُ حَرَامٌ فَيَجِبُ عَلَى وَرَثَتِهِ؛ أَنْ يَتَحَرَّوْا أَصْحَابَ ذَلِكَ الْمَالِ الْحَرَامِ فَيَرُدُّوهُ إلَيْهِمْ وَإِذَا لَمْ يَجِدُوهُمْ أَنْ يَتَصَدَّقُوا بِذَلِكَ الْمَالِ " الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْعِشْرِينَ فِي الْبُيُوعَاتِ الْمَكْرُوهَةِ ".
ارْتِشَاءُ أَقْرِبَاءِ الْقَاضِي وَأَعْوَانِهِ، إذَا أَخَذَ ابْنُ الْقَاضِي أَوْ كَاتِبُهُ أَوْ بَعْضُ أَعْوَانِهِ رِشْوَةً فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرٍ مِنْ الْقَاضِي أَوْ بِرِضَائِهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ ارْتِشَاءِ الْقَاضِي وَنَفَاذُ الْحُكْمِ وَعَدَمُ نَفَاذِهِ الْمَبْنِيُّ عَلَى ذَلِكَ الِارْتِشَاءِ يَجْرِي فِيهِ الِاخْتِلَافُ الْمَارُّ ذِكْرُهُ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَاضِي لَا يَعْلَمُ بِارْتِشَاءِ هَؤُلَاءِ فَيَنْفُذُ حُكْمُ الْقَاضِي وَيَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُرْتَشِينَ أَنْ يَرُدُّوا الرِّشْوَةَ الَّتِي أَخَذُوهَا إلَى أَصْحَابِهَا " الشِّبْلِيُّ وَالْخَانِيَّةُ ".
[ (الْمَادَّةُ ١٧٩٧) لَا يَذْهَبُ الْقَاضِي إلَى ضِيَافَةِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ]
الْمَادَّةُ (١٧٩٧) - (لَا يَذْهَبُ الْقَاضِي إلَى ضِيَافَةِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ) . لَا يَذْهَبُ الْقَاضِي إلَى ضِيَافَةِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ الْعَامَّةِ أَوْ الْخَاصَّةِ لِأَنَّ تِلْكَ الضِّيَافَةَ قَدْ أُدِّيَتْ لِلْقَاضِي وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْتَفِعَ بِأَمْوَالِ النَّاسِ بِلَا بَدَلٍ كَمَا أَنَّ ذَهَابَ الْقَاضِي إلَى ضِيَافَةِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ تُؤْذِي الْخَصْمَ الْآخَرَ وَتَكُونُ سَبَبًا لِلِارْتِيَابِ فِي الْقَاضِي " الْوَلْوَالِجِيَّةِ وَالْعِنَايَةُ وَالْفَتْحُ " وَيُفْهَمُ مِنْ مَنْعِ الضِّيَافَةِ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ أَنَّ الْمَنْعَ عَامٌّ سَوَاءٌ أَكَانَتْ ضِيَافَةُ الْمُتَخَاصِمَيْنِ عَامَّةً أَوْ خَاصَّةً وَسَوَاءٌ أَكَانَ بَيْنَ الْقَاضِي وَأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ قَرَابَةٌ أَوْ كَانَتْ الْكُلْفَةُ مَرْفُوعَةً بَيْنَهُمَا. ذَهَابُ الْقَاضِي إلَى ضِيَافَةِ غَيْرِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، لِلْقَاضِي أَنْ يَذْهَبَ إلَى ضِيَافَةِ غَيْرِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ إذَا كَانَتْ عَامَّةً لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تُهْمَةٌ وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «فُكُّوا الْعَانِيَ وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ» الْبُخَارِيُّ وَشَرْحُ الْمَجْمَعِ " وَبِذَلِكَ يَكُونُ قَيْدُ الْمُتَخَاصِمَيْنِ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا.
أَمَّا إذَا كَانَتْ الضِّيَافَةُ خَاصَّةً فَلَا يَذْهَبُ الْقَاضِي لِأَنَّهَا تَكُونُ ضِيَافَةً لِلْقَاضِي وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَا تَكُونُ كَلِمَةُ (مُتَخَاصِمَيْنِ) قَيْدًا احْتِرَازِيًّا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُضِيفَ لَا يَتْرُكُ الضِّيَافَةَ مَعَ عِلْمِهِ بِعَدَمِ حُضُورِ الْقَاضِي فَتَكُونُ الضِّيَافَةُ عَامَّةً وَإِلَّا فَخَاصَّةً وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ وَقَدْ قَبِلَهُ قَاضِي خَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، أَمَّا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّ ضِيَافَةَ الْوَلِيمَةِ وَالْخِتَانِ هِيَ عَامَّةٌ وَمَا عَدَاهَا فَخَاصَّةٌ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَسَنٌ
стр. 2803
مُسْتَثْنًى، إلَّا أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَ دَعْوَةَ اثْنَيْنِ: أَوَّلًا: لَهُ أَنْ يُجِيبَ دَعْوَةَ مَحْرَمِهِ ذِي الرَّحِمِ فَعَلَيْهِ إذَا كَانَتْ بَيْنَ الْقَاضِي وَالْمُضِيفِ قَرَابَةٌ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَ الدَّعْوَةَ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْإِجَابَةِ صِلَةَ رَحِمٍ (الزَّيْلَعِيّ وَمَجْمَعُ الْأَنْهُرِ وَالْخَانِيَّةُ وَالْعِنَايَةُ) إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُضِيفُ أَحَدَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا آنِفًا. ثَانِيًا: لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَ الضِّيَافَةَ الْخَاصَّةَ لِمَنْ اعْتَادَ تَضْيِيفَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي الْهَدِيَّةِ اُنْظُرْ شَرْحَ مَادَّةِ (١٧٩٦) إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُضِيفِ قَضِيَّةٌ عِنْدَ الْقَاضِي أَمَّا إذَا كَانَ الْمُضِيفُ اعْتَادَ تَضْيِيفَ الْقَاضِي قَبْلَ تَوْلِيَتِهِ الْقَضَاءَ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً فَدَعَاهُ بَعْدَ تَوَلِّي الْقَضَاءِ فِي الْأُسْبُوعِ مَرَّةً فَلَا يُجِيبُ الدَّعْوَةَ كَمَا أَنَّهُ لَا يُجِيبُ الدَّعْوَةَ إذَا أَحْضَرَ طَعَامًا فِي الضِّيَافَةِ أَكْثَرَ مِنْ مُعْتَادِهِ مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَزَايَدَ مَالُ الْمُضِيفِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
ذَهَابُ الْقَاضِي إلَى عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَشُهُودِ الْجِنَازَةِ، وَتَعْبِيرُ الضِّيَافَةِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ شُهُودِ الْجِنَازَةِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ إذْ لِلْقَاضِي شُهُودُ الْجِنَازَةِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْكُثُ فِي مَحَلِّ الزِّيَارَةِ وَقْتًا كَثِيرًا وَلَكِنْ مِنْ اللَّائِقِ إذَا كَانَ الْمَرِيضُ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ أَنْ لَا يَذْهَبَ إلَى عِيَادَتِهِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٧٩٨) يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ لَا يَعْمَلَ أَعْمَالًا تُسَبِّبُ التُّهْمَةَ وَسُوءَ الظَّنِّ]
الْمَادَّةُ (١٧٩٨) - (يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ لَا يَعْمَلَ أَعْمَالًا تُسَبِّبُ التُّهْمَةَ وَسُوءَ الظَّنِّ كَقَبُولِهِ دُخُولَ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ إلَى بَيْتِهِ، وَالِاخْتِلَاءِ مَعَ أَحَدِهِمَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَالْإِشَارَةِ لِأَحَدِهِمَا بِالْيَدِ أَوْ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالرَّأْسِ، أَوْ التَّكَلُّمِ مَعَ أَحَدِهِمَا كَلَامًا خَفِيًّا، أَوْ تَكَلُّمِهِ مَعَ أَحَدِهِمَا بِلِسَانٍ لَا يَفْهَمُهُ الْآخَرُ) . يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ لَا يَعْمَلَ أَعْمَالًا تُسَبِّبُ التُّهْمَةَ وَسُوءَ الظَّنِّ كَقَبُولِ دُخُولِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ إلَى بَيْتِهِ، وَالِاخْتِلَاءِ مَعَ أَحَدِهِمَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَوْ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَالْإِشَارَةِ لِأَحَدِهِمَا بِالْيَدِ أَوْ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالرَّأْسِ أَوْ التَّكَلُّمِ مَعَ أَحَدِهِمَا كَلَامًا خَفِيًّا، أَوْ تَكَلُّمِهِ مَعَ أَحَدِهِمَا بِلِسَانٍ لَا يَفْهَمُهُ الْآخَرُ، أَوْ بِالْقِيَامِ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ بِالضَّحِكِ فِي وَجْهِ أَحَدِهِمَا أَوْ بِإِرْشَادِ أَحَدِهِمَا أَثْنَاءَ الْمُحَاكَمَةِ لِأَنَّهُ يُوجَدُ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ مِيلٌ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَجَوْرٌ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الِاحْتِرَازُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يُسَبِّبُ انْكِسَارَ قَلْبِ الْخَصْمِ الْآخَرِ إذْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا رَأَى مِيلَ الْقَاضِي إلَى خَصْمِهِ يَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ دَعْوَاهُ وَيُوجِبُ ذَلِكَ ضَيَاعَ حَقِّهِ (شَرْحُ الْمَجْمَعِ والولوالجية) . إلَّا أَنَّهُ لِلْقَاضِي أَنْ يَزُورَ الْأَشْخَاصَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ عِنْدَهُ قَضَايَا وَأَنْ يَقْبَلَهُمْ فِي بَيْتِهِ فِي شَأْنِ مَصَالِحِهِمْ الْأُخْرَى. ضِيَافَةُ الْقَاضِي لِلْمُتَخَاصَمَيْنِ: بِمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ. يَقْبَلَ أَحَدًا فِي بَيْتِهِ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ فَلَيْسَ لَهُ قَبُولُ أَحَدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ بِلَا دَعْوَةٍ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْعُوهُمَا وَيُضَيِّفَهُمَا فِي بَيْتِهِ (فَتْحُ الْقَدِيرِ) أَمَّا إذَا أَضَافَ الْقَاضِي الْخَصْمَيْنِ مَعًا وَقَبِلَهُمَا فِي بَيْتِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
стр. 2804
لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَصِيحَ فِي وَجْهِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَمَّا إذَا تَجَرَّأَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عَلَى إسَاءَةِ الْأَدَبِ فَلِلْقَاضِي تَأْدِيبُهُ وَتَعْزِيرُهُ حَتَّى أَنَّهُ إذَا تَشَاتَمَ الْمُتَخَاصِمَانِ فِي حُضُورِ الْقَاضِي وَلَمْ يَنْتَهِيَا بِنَهْيِهِ فَالْقَاضِي مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ حَبَسَهُمَا تَعْزِيرًا وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُمَا. أَمَّا إذَا شَتَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ الْآخَرَ وَتَكَلَّمَ بِحَقِّهِ كَلَامًا مُخِلًّا بِالنَّامُوسِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي تَعْزِيرُ الشَّاتِمِ مَا لَمْ يَطْلُبْ الْمَشْتُومُ وَيَدَّعِي ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا التَّعْزِيرَ هُوَ مِنْ حَقِّ الْمَشْتُومِ وَيُشْتَرَطُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ سَبْقُ الدَّعْوَى اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٨٢٩) (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) .
تَعْلِيمُ الْقَاضِي الدَّعْوَى وَتَلْقِينُ الشَّهَادَةِ. إذَا أَمَرَ الْقَاضِي اثْنَيْنِ بِتَعْلِيمِ الطَّرَفَيْنِ دَعْوَاهُمَا وَخُصُومَتَهُمَا فَلَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالْفَتْحُ) كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَلْقِينُ الشَّاهِدِ فِي الْخُصُوصَاتِ الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّ زِيَادَةَ الْعِلْمِ فِيهَا لَا تُفِيدُ (الْفَتْحُ) . إذَا اسْتَوْلَتْ الْحِيرَةُ وَالْهَيْبَةُ عَلَى الشَّاهِدِ فَتَرَكَ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الشَّهَادَةِ كَعَدَمِ ذِكْرِهِ لَفْظَةَ أَشْهَدُ فَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُ هَلْ تَشْهَدُ بِذَلِكَ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٦٨٩) إلَّا أَنَّ جَوَازَ هَذَا التَّلْقِينِ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي مَوْضِعِ تُهْمَةٍ، وَالتَّلْقِينُ فِي مَوْضِعِ تُهْمَةٍ غَيْرُ جَائِزٍ بِالِاتِّفَاقِ (الْفَتْحُ) مَثَلًا إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ الشَّاهِدُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَبِمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ سَتُرَدُّ بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (١٧٠٨) فَلِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الشَّاهِدَ بِقَوْلٍ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ أَبْرَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَاسْتَفَادَ الشَّاهِدُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: نَعَمْ إنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ أَبْرَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَدْ بَقِيَ لِلْمُدَّعِي أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَالتَّلْقِينُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ جَائِزٍ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَلْقِينُ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
تَكَلُّمُ أَعْوَانِ الْقَاضِي مَعَ الطَّرَفَيْنِ كَلَامًا خَفِيًّا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَعْوَانُ الْقَاضِي أَيْ كَتَبَتُهُ وَخَدَمَتُهُ مَعَ الطَّرَفَيْنِ بِشَأْنٍ مِنْ شُؤُونِ دَعْوَاهُمَا وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَلَّا يَتَكَلَّمَ مَعَ الطَّرَفَيْنِ فِي خُصُوصِ دَعْوَاهُمَا خَارِجَ مَجْلِسِ الْمُحَاكَمَةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ والولوالجية) .
قَبُولُ الْقَاضِي الِاسْتِدْعَاءَ: لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ أَثْنَاءَ التَّدَاعِي وَالْمُرَافَعَةِ اسْتِدْعَاءً مِنْ أَحَدٍ وَلَهُ قَبُولُ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُحَاكَمَةِ، وَلَا يَأْخُذُ بِمَا فِيهِ إلَّا إذَا أَقَرَّ صَرِيحًا (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٧٩٩) الْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ]
الْمَادَّةُ (١٧٩٩) - (الْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ بِنَاءً عَلَيْهِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ الْعَدْلَ وَالْمُسَاوَاةَ فِي الْمُعَامَلَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمُحَاكَمَةِ كَإِجْلَاسِ الطَّرَفَيْنِ وَإِحَالَةِ النَّظَرِ وَتَوْجِيهِ الْخِطَابِ إلَيْهِ مَا وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْأَشْرَافِ وَالْآخَرُ مِنْ آحَادِ النَّاسِ) الْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ: قَدْ بُيِّنَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ لِلْعَدْلِ إلَّا أَنَّهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ يُنَاسِبُ مَعْنَيَانِ مِنْ مَعَانِي الْعَدْلِ.
стр. 2805
الْأَوَّلُ: الْعَدْلُ بِمَعْنَى الْمُسَاوَاةِ إذْ يُقَالُ: قَسَمُوا بَيْنَهُمْ عَلَى الْعَدْلِ أَيْ عَلَى الْمُسَاوَاةِ. وَتَفْرِيعُ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلُ هُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ إنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ إذْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «إذَا اُبْتُلِيَ أَحَدُكُمْ بِالْقَضَاءِ فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ فِي الْجُلُوسِ النَّظَرِ وَالْإِشَارَةِ وَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ» وَقَدْ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَرْسَلَهُ الْخَلِيفَةُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى الْقُضَاةِ فِي زَمَانِهِ أَنْ آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِك وَعَدْلِك وَمَجْلِسِك حَتَّى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِك وَلَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِك (فَتْحُ الْقَدِيرِ) .
كَمَا أَنَّ عَدَمَ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ يُوجِبُ كَسْرَ قَلْبِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ إذْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ تَوَجَّهَ إلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ يُوجِبُ ذَلِكَ أَنْ يَتَجَرَّأَ عَلَى خَصْمِهِ وَيَكُونَ مِنْ نَتِيجَتِهِ انْكِسَارُ هِمَّةِ الْخَصْمِ وَضَيَاعُ حَقِّهِ فِي النَّتِيجَةِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ وَالزَّيْلَعِيُّ) .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْآيَةِ الْجَلِيلَةِ ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] وَفِي ذَلِكَ نَهْيٌ لِلْقُضَاةِ مِنْ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ رَبِّ الْعِبَادِ وَمِنْ مُرَاعَاةِ الْخَاطِرِ وَالْمُدَاهَنَةِ (الْقَاضِي) . بِنَاءٌ عَلَيْهِ يَلْزَمُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُرَاعِيَ الْعَدْلَ وَالْمُسَاوَاةَ فِي الْمُعَامَلَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمُحَاكَمَةِ كَإِجْلَاسِ الطَّرَفَيْنِ وَإِحَالَةِ النَّظَرِ وَتَوْجِيهِ الْخِطَابِ إلَيْهِ مَا وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْأَشْرَافِ وَالْآخَرُ مِنْ آحَادِ النَّاسِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَبًا وَالْآخَرُ وَلَدَهُ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَغِيرَ السِّنِّ وَالْآخَرُ كَبِيرَهُ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ غَيْرَ مُسْلِمٍ فَإِذَا رَاعَى الْقَاضِي الْمُسَاوَاةَ التَّامَّةَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فَلَا يَأْمُلُ الشَّرِيفُ مِيلَ الْقَاضِي إلَى جَانِبِهِ لِشَرَفِهِ وَوَجَاهَتِهِ كَمَا أَنَّ آحَادَ النَّاسِ لَا يَخَافُ عَنْ أَنْ يَجُورَ بِهِ الْقَاضِي لِضَعْفِهِ بِالْتِزَامِ خَصْمِهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يَتَّصِلُ الْجَمِيعُ بِحُقُوقِهِمْ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ فِي آدَابِ الْقَاضِي) . لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ أَيْ أَنْ يُبْدِيَ رَأْيًا لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي يَتَخَاصَمَانِ بِهَا وَلِذَلِكَ قَدْ وَرَدَ فِي الْمَادَّةِ (١٨١٥) مِنْ الْمَجَلَّةِ (أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُفْشِي رَأْيَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ) وَإِنَّ إرَاءَةَ الْقَاضِي الطَّرِيقَ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ بِقَوْلِ ادَّعِ كَذَا أَوْ اُطْلُبْ كَذَا غَيْرُ جَائِزٍ وَمَكْرُوهٌ وَلَكِنْ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَوْ فِي غَيْرِهِ لِغَيْرِ الْخَصْمَيْنِ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَقَائِدِ أَوْ فِي الْمُعَامَلَاتِ أَيْ أَنَّ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ لِلسَّائِلِ الْمَسْأَلَةَ الشَّرْعِيَّةَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُومَ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَمَّا إذَا أَقَامَ لِكِلَيْهِمَا فَجَائِزٌ (الدُّرُّ الْمُنْتَقَى) . لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُجْلِسَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إلَى يَمِينِهِ وَأَنْ يُجْلِسَ الْآخَرَ إلَى يَسَارِهِ لِأَنَّ جِهَةَ الْيَمِينِ تُرَجَّحُ عَلَى جِهَةِ الْيَسَارِ فَيَكُونُ قَدْ أَخَلَّ بِوَاجِبِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا الشَّرَفِ فَقَدْ خَصَّصَ النَّبِيُّ ﵇ جِهَةَ الْيَمِينِ لِلصَّحَابِيِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
الْمَوْقِعُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الطَّرَفَانِ فِي حُضُورِ الْقَاضِي وَصُورَةِ جُلُوسِهِمَا: عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ الطَّرَفَيْنِ أَمَامَهُ فِي مَوْقِعٍ قَرِيبٍ يَسْتَطِيعُ بِهِ سَمَاعَ صَوْتِهِمَا الْعَادِي بِدُونِ
стр. 2806
أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا لَأَنْ يَنْصِتَ بِاهْتِمَامٍ أَوْ يَحْتَاجَ لِرَفْعِ الصَّوْتِ وَهَذَا يُقَدَّرُ بِمَسَافَةِ ذِرَاعَيْنِ وَيَمْنَعُ الْقَاضِي الطَّرَفَيْنِ مِنْ رَفْعِ صَوْتِهِمَا فَلَا يُجْلِسُهُمَا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ لِلْقَاضِي مِنْ الْآخَرِ فَلَا يَكُونُ فِي جُلُوسِهِمَا مُسَاوَاةٌ (الزَّيْلَعِيّ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ وَالْعِنَايَةُ وَالْفَتْحُ) . يَجِبُ عَلَى الْخَصْمَيْنِ أَنْ يَجْلِسَا فِي حُضُورِ الْقَاضِي كَجُلُوسِ الْمُصَلِّي حِينَ التَّشَهُّدِ فَإِذَا أَرَادَا الْجُلُوسَ مُتَرَبِّعَيْنِ أَوْ بِصُورَةٍ أُخْرَى فَلِلْقَاضِي مَنْعُهُمَا تَعْظِيمًا لِلْقَضَاءِ وَلَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا وُقُوفُ الْمُتَخَاصِمِينَ فِي حُضُورِ الْقَاضِي كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي زَمَانِنَا وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ مُؤَخَّرًا لِظُهُورِ الِاحْتِيَاجِ إلَى ذَلِكَ وَإِنَّ النَّاسَ فِي أَحْوَالِهِمْ وَآدَابِهِمْ مُخْتَلَفُونَ وَقَدْ ظَهَرَ فِي هَذَا الزَّمَنِ بَعْضُ أُمُورٍ وَظَهَرَ بَعْضُ السُّفَهَاءِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُجْرِيَ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَى الْحَالِ الَّذِي يَرَاهُ مُنَاسِبًا يُجْلِسُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْجُلُوسَ وَيُوقِفُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْوُقُوفَ وَيُعْطِي كُلَّ إنْسَانٍ مَا يَسْتَحِقُّ وَلَا يَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ هَذَا أَنَّ لِلْقَاضِي إجْلَاسَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَإِيقَافَ الْخَصْمِ الْآخَرِ. فَإِذَا سَاوَى الْقَاضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَأَصْدَرَ حُكْمَهُ بِحَقٍّ فَلَا يُؤَاخَذُ إذَا مَالَ قَلْبُهُ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ (الزَّيْلَعِيّ) أَيْ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. الثَّانِي: الْعَدْلُ بِمَعْنَى عَدَمِ الْجَوْرِ وَهُوَ إجْرَاءُ الْأَمْرِ وَالْحَالِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي تُوجِبُهُ النُّفُوسُ وَالْعُقُولُ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فَهُوَ مَجْبُورٌ أَنْ يَحْكُمَ لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ. وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَخَافَ اللَّهَ أَحْكَمَ الْحَاكِمِينَ وَالْعَزِيزَ ذَا الِانْتِقَامِ وَأَنْ يَحْكُمَ بِالْحَقِّ فَلَا يَتَّبِعَ هَوَاهُ أَوْ يُرَاعِيَ مَثَلًا خَاطِرَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَلْدَتِهِ أَوْ أَنْ يَخَافَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ النُّفُوذِ ذَوِي السَّيْطَرَةِ فَيَحْكُمَ بِتَأْثِيرِ ذَلِكَ.
يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَحْذَرَ لَوْمَ لَائِمٍ أَوْ طَعْنَ طَاعِنٍ وَأَنْ لَا يَرْغَبَ فِي شَيْءٍ وَأَنْ لَا يُرَاعِيَ خَاطِرَ أَحَدٍ فَلَا يَنْحَرِفُ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ عَنْ إجْرَاءِ الْعَدْلِ وَأَنْ لَا يَطْرِقَ طَرِيقَ التَّحَيُّزِ وَيَجِبُ أَنْ يَحْكُمَ مُرَجِّحًا فِي حُكْمِهِ طَاعَةَ الرَّبِّ وَطَمَعًا فِي جَزِيلِ الثَّوَابِ وَهَرَبًا مِنْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَأَنْ يَتَّبِعَ الْحِكْمَةَ. وَبِمَا أَنَّ الْمُسْلِمَ وَغَيْرَ الْمُسْلِمِ مُتَسَاوِيَانِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَفِي أَمْرِ الْعَدْلِ فَيَجِبُ الْحُكْمُ عِنْدَ إجْرَاءِ الْمُحَاكَمَةِ لِلطَّرَفِ الْمُحِقِّ مِنْهُمَا. وَقَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ ﵇ عَلَى مُسْلِمٍ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِالْقِصَاصِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) . احْتِرَامُ الْقَاضِي، يَجِبُ عَلَى الطَّرَفَيْنِ أَنْ يَحْتَرِمَا الْقَاضِي الْحُرْمَةَ اللَّائِقَةَ وَأَنْ يَجْتَنِبَا الْأَفْعَالَ وَالْأَقْوَالَ الْمُخِلَّةَ بِالْآدَابِ فَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لِلْقَاضِي (قَدْ حَكَمْت لِخَصْمِي لِأَنَّك أَخَذْت رِشْوَةً مِنْهُ) فَالْقَاضِي يُعَزِّرُهُ.
стр. 2807
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ وَظَائِفِ الْقَاضِي] [ (الْمَادَّةُ ١٨٠٠) الْقَاضِي وَكِيلٌ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ]
الْمَادَّةُ (١٨٠٠) - (الْقَاضِي وَكِيلٌ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ بِإِجْرَاءِ الْمُحَاكَمَةِ وَالْحُكْمِ) . فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَيَّنَ الْقَاضِي بِأَمْرٍ سُلْطَانِيٍّ وَحَقُّ عَزْلِ وَنَصْبِ الْقَاضِي هُوَ لِلسُّلْطَانِ صَاحِبِ الْوِلَايَةِ الْعُظْمَى أَوْ لِمَنْ يَأْذَنُهُ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (١٥٨٧) وَإِنَّ الْقَاضِيَ الَّذِي يُنَصَّبُ مِنْ طَرَفِ شَخْصٍ مَأْذُونٍ بِنَصْبِ الْقَاضِي يُعْتَبَرُ نَصْبُهُ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَادَّتَيْنِ (١٨٠٥ و ١٨٠٩) أَلَا يَرَى أَنَّ الْوَكَالَةَ بِتَوْكِيلِ آخَرَ صَحِيحَةٌ كَمَا ذَكَر ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٤٥٩) كَمَا أَنَّ الْوَكِيلَ الَّذِي يُوَكَّلُ مِنْ وَكِيلٍ يَكُونُ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٤٦٦) وَلَا يَكُونُ وَكِيلَ الْوَكِيلِ.
وَكَوْنُ الْقَاضِي وَكِيلًا مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ فِي إجْرَاءِ الْمُحَاكَمَةِ وَالْحُكْمِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَحْكُمَ فِي دَعْوَى لِلسُّلْطَانِ أَوْ عَلَى السُّلْطَانِ حَتَّى إنَّ الْقَضِيَّةَ الَّتِي تَكَوَّنَتْ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ وَبَيْنَ نَصْرَانِيٍّ قَدْ فُصِلَتْ مِنْ طَرَفِ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي الْمَنْصُوبِ مِنْ هَارُونَ الرَّشِيدِ وَحَكَمَ فِيهَا عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ كَمَا أَنَّ الْقَاضِيَ شُرَيْحًا قَدْ فَصَلَ فِي الْقَضِيَّةِ الَّتِي تَكَوَّنَتْ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَبَيْنَ يَهُودِيٍّ وَحَكَمَ فِي نَتِيجَةِ الدَّعْوَى عَلَى عَلِيٍّ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَمَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) . وَتَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِ الْقَاضِي وَكِيلًا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: إنَّ الْوَكَالَةَ تَتَقَيَّدُ وَتَتَخَصَّصُ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ ١٤٥٦ وَالْقَضَاءُ يَتَقَيَّدُ وَيَتَخَصَّصُ أَيْضًا كَمَا سَيُوَضَّحُ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ. ٢ - كَمَا أَنَّ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَهُ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْمَادَّةِ ١٥٢١ فَلِلسُّلْطَانِ أَيْضًا أَنْ يَعْزِلَ الْقَاضِيَ سَوَاءٌ وُجِدَتْ أَسْبَابٌ لِلْعَزْلِ كَفِسْقِ الْقَاضِي أَوْ ارْتِشَائِهِ أَوْ ظُلْمِهِ أَوْ لَمْ تُوجَدْ كَمَا أَنَّ لِلسُّلْطَانِ عَزْلَ الْقَاضِي وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَا أَهْلِيَّةٍ أَكْثَرَ مِنْهُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ٣ - لِلْوَكِيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ مِنْ الْوَكَالَةِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّتَيْنِ (١٥٢٢ و ١٥٢٣) كَذَلِكَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَقِيلَ مِنْ الْقَضَاءِ وَيَنْعَزِلَ مِنْ الْقَضَاءِ حِينَ اطِّلَاعِ السُّلْطَانِ عَلَى اسْتِقَالَتِهِ وَلَا يَنْعَزِلُ مَا لَمْ يَطَّلِعْ الْمَلِكُ عَلَى الِاسْتِقَالَةِ. مُسْتَثْنًى، يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِوَفَاةِ الْمُوَكِّلِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْمَادَّةِ ١٥٢٧ أَمَّا الْقَاضِي فَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ السُّلْطَانِ وَالْفَرْقُ هُوَ: تَصَرُّفَاتُ السُّلْطَانِ هَذِهِ هِيَ لِلْعُمُومِ وَلِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فَبِوَفَاتِهِ لَا يَنْعَزِلُ وَكِيلُهُ الْقَاضِي أَمَّا الْمُوَكِّلُ فَهُوَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ
فَبِوَفَاتِهِ يَسْقُطُ حَقُّهُ
فَوَجَبَ انْعِزَالُ وَكِيلِهِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٨٠١) الْقَضَاءُ يَتَقَيَّدُ وَيَتَخَصَّصُ بِالزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ]
الْمَادَّةُ (١٨٠١) - (الْقَضَاءُ يَتَقَيَّدُ وَيَتَخَصَّصُ بِالزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ وَاسْتِثْنَاءُ بَعْضِ الْخُصُومَاتِ، مَثَلًا الْقَاضِي الْمَأْمُورُ بِالْحُكْمِ مُدَّةَ سَنَةٍ يَحْكُمُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَقَطْ
стр. 2808
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ قَبْلَ حُلُولِ تِلْكَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَ مُرُورِهَا، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي الْمَنْصُوبُ فِي قَضَاءٍ يَحْكُمُ فِي جَمِيعِ مَحَلَّاتِ ذَلِكَ الْقَضَاءِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي قَضَاءٍ آخَرَ، وَالْقَاضِي الْمَنْصُوبُ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ فِي مَحْكَمَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَحْكُمُ فِي تِلْكَ الْمَحْكَمَةِ فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ وَكَذَلِكَ لَوْ صَدَرَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ بِأَنْ لَا تُسْمَعَ الدَّعْوَى الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْخُصُوصِ الْفُلَانِيِّ لِمُلَاحَظَةٍ عَادِلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَمِعَ تِلْكَ الدَّعْوَى وَيَحْكُمَ بِهَا، أَوْ كَانَ الْقَاضِي بِمَحْكَمَةٍ مَأْذُونًا بِاسْتِمَاعِ بَعْضِ الْخُصُوصَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَلَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا بِاسْتِمَاعِ مَا عَدَا ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَسْمَعَ الْخُصُوصَاتِ الَّتِي أَذِنَ بِهَا فَقَطْ وَأَنْ يَحْكُمَ فِيهَا وَلَيْسَ لَهُ اسْتِمَاعُ مَا عَدَاهَا وَالْحُكْمُ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ صَدَرَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ بِالْعَمَلِ بِرَأْيِ مُجْتَهِدٍ فِي خُصُوصٍ لِمَا أَنَّ رَأْيَهُ بِالنَّاسِ أَرْفَقُ وَلِمَصْلَحَةِ الْعَصْرِ أَوْفَقُ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ مُنَافٍ لِرَأْيِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ، وَإِذَا عَمِلَ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ) .
يَتَقَيَّدُ وَيَتَخَصَّصُ الْقَضَاءُ بِصُوَرٍ خَمْسٍ: بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَبِبَعْضِ الْخُصُوصَاتِ، وَبِاسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ وَالْعَمَلِ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ وَكِيلٌ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ لِإِجْرَاءِ الْمُحَاكَمَةِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ فَالْوَكَالَةُ تَتَقَيَّدُ بِالْقَيْدِ وَالشَّرْطِ الَّذِي يُقَيِّدُهَا الْمُوَكِّلُ إنَّ الْمَادَّةَ الْآنِفَةَ هِيَ بِحُكْمِ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ لِهَذِهِ الْمَادَّةِ كَمَا أَنَّ الْقَضَاءَ قَابِلٌ لِلتَّعْلِيقِ وَالْإِضَافَةِ كَمَا ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٨٣) . تَقْيِيدُ الْقَضَاءِ بِالزَّمَانِ، مَثَلًا الْقَاضِي الْمَأْمُورُ بِالْحُكْمِ بِمُدَّةِ سَنَةٍ يَحْكُمُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ قَبْلَ حُلُولِ تِلْكَ السَّنَةِ فَإِذَا حَكَمَ فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا قَبْلَ حُلُولِ السَّنَةِ، وَيُنَصَّبُ فِي زَمَانِنَا قُضَاةٌ لِلْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ فِي ابْتِدَاءِ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ لِذَلِكَ الْقَاضِي الْمَنْصُوبِ أَنْ يَحْكُمَ قَبْلَ حُلُولِ مُحَرَّمِ تِلْكَ السَّنَةِ كَمَا أَنَّ نُوَّابَ الشَّرْعِ بِتَارِيخِ هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ نَصْبُهُمْ يَجْرِي عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْ أَنَّهُ فِي سَنَةِ كَذَا فِي شَهْرِ كَذَا أَوْ فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا يُوَجِّهُ نِيَابَةَ قَضَاءِ الْمَدِينَةِ الْفُلَانِيَّةِ إلَى شَخْصٍ وَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الشَّخْصِ أَنْ يَحْكُمَ قَبْلَ حُلُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ أَمَّا الْآنَ فَقَدْ رُفِعَ التَّوْقِيتُ وَأَصْبَحَ يُوَجَّهُ الْقَضَاءُ مُنَجَّزًا.
وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَعْدَ مُرُورِ تِلْكَ السَّنَةِ فَإِذَا حَكَمَ فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِأَنَّهُ بِمُرُورِ السَّنَةِ قَدْ انْعَزَلَ عَنْ الْقَضَاءِ، أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا يُقَيَّدُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْمِثَالِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْقَضَاءُ بَاطِلًا بَعْدَ مُرُورِ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ أَنَّ قَضَاءَ الْحَرَمَيْنِ يُقَيَّدُ فِي زَمَانِنَا بِاعْتِبَارِ مَبْدَأِ التَّعْيِينِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بِاعْتِبَارِ الِانْتِهَاءِ.
стр. 2809
سَبَبُ تَوْقِيتِ الْقَضَاءِ، إنَّ سَبَبَ تَوْقِيتِ الْقَضَاءِ هُوَ كَمَا بَيَّنَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ مِنْ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ وَبَيَّنْت نُبْذَةً مِنْهُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي شَرْحِ الْمَادَّتَيْنِ " ١٧٩٢ و ١٧٩٣ ". لِأَنَّهُ مِنْ الْمُقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْقُضَاةُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَدِ الطُّولَى فِي الْعُلُومِ الْعَدِيدَةِ فَإِذَا اشْتَغَلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ بِأُمُورِ الْقَضَاءِ دَائِمًا فَلَا يَتَّسِعُ وَقْتُهُمْ لِتَتَبُّعِ الْعُلُومِ الْأُخْرَى وَالِاشْتِغَالِ بِهَا فَيَنْتُجُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَطْرَأَ ضَعْفٌ عَلَى عِلْمِهِمْ بِالْعُلُومِ الْأُخْرَى مَا عَدَا عِلْمَ الْفِقْهِ فَلِذَلِكَ رُئِيَ مِنْ الْمُوَافِقِ أَنْ يَشْتَغِلَ هَؤُلَاءِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً فِي الْقَضَاءِ وَأَنْ يَعُودُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى تَدْرِيسِ الْعُلُومِ الْأُخْرَى حَتَّى أَنَّهُ كَانَ فِي السَّابِقِ فِي زَمَنِ الْحُكْمِ الْعُثْمَانِيِّ يُعْتَنَى الِاعْتِنَاءُ الزَّائِدُ فِي تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ إلَى أَصْحَابِ الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ فَيُقَلَّدُ الْقَضَاءُ لِلْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ وَالصُّلَحَاءِ الْمُحْتَرَمِينَ مِمَّنْ كَانَ مُسْتَجِيزًا وَمُجِيزًا لِلْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْفُنُونِ الَّتِي لَا تُحْصَى، وَقَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَفَاضِلُ يَعْتَذِرُونَ عَنْ قَبُولِ الْقَضَاءِ حَتَّى لَا يُحْرَمُونَ مِنْ الْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْفُنُونِ الَّتِي لَا تُحْصَى وَلِذَلِكَ كَانَ يُقَلَّدُ الْقَضَاءُ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ لِمُدَّةٍ مُوَقَّتَةٍ حَتَّى يُقَلَّدَ الْقَضَاءُ لِأَهْلِهِ وَمُسْتَحِقِّهِ وَلِإِجَابَةِ طَلَبِ أَصْحَابِ الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ مِنْهُمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَإِلَّا فَتَوْجِيهُ الْقَضَاءِ بِدُونِ تَوْقِيتٍ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي الْمَادَّةِ ١٨١٨ أَنَّ الْقَاضِيَ شُرَيْحًا ﵁ قَدْ اشْتَغَلَ بِالْقَضَاءِ مُدَّةَ ثَمَانِينَ سَنَةً كَمَا أَنَّهُ فِي هَذَا الزَّمَنِ يُوجَدُ قُضَاةٌ قَدْ اشْتَغَلُوا فِي الْقَضَاءِ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سَنَوَاتٍ بِلَا عَزْلٍ حَتَّى إنَّ حَضْرَةَ وَالِدِي الْمُبَجَّلِ الَّذِي كَانَ مِنْ أَفَاضِلِ الْعُلَمَاءِ وَأَكَابِرِ الصُّلَحَاءِ الْحَاجِّ مُحَمَّدُ أَمِينٍ أَفَنْدِي الْمُدَرِّسِ الْعَامِّ فِي جَامِعِ بايزيد قَدْ عُيِّنَ فِي سَنَةِ ١٣٠٤ لِأُمُورِ الشَّرْعِ بأزمير وَقَدْ خَدَمَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، بِلَا انْفِصَالٍ، تِلْكَ الْوَظِيفَةُ بِكَمَالِ الِاسْتِقَامَةِ كَالْوَظَائِفِ الَّتِي خَدَمَهَا فِي السَّابِقِ.
وَفِي زَمَانِنَا يُوجَدُ مَدْرَسَةٌ خَاصَّةٌ تُدَرَّسُ. فِيهَا الْعُلُومُ الْمُقْتَضِيَةُ لِهَذِهِ الْمَنَاصِبِ الْقَضَائِيَّةِ بِمَا فِيهِ عِلْمُ الْفِقْهِ وَيُعَيَّنُ خِرِّيجُ الْمَدَارِسِ قَاضِيًا فَلَمْ يَبْقَ سَبَبٌ لِتَوْقِيتِ الْقَضَاءِ كَمَا أَنَّهُ قَدْ تَوَلَّدَ مِنْ تَوْقِيتِ الْقَضَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ فَلِذَلِكَ رُفِعَ التَّوْقِيتُ بِتَارِيخِ سَنَةِ ١٣٣١ وَكَانَ الْقَاضِي يَبْقَى فِي وَظِيفَتِهِ مُسْتَمِرًّا مَا دَامَ يُحْسِنُ الْقِيَامَ بِهَا. كَذَلِكَ لَيْسَ لِلْقَاضِي الَّذِي يُعَيِّنُ لِيَحْكُمَ فِي يَوْمَيْنِ فِي الْأُسْبُوعِ أَنْ يَحْكُمَ فِي أَيَّامٍ أُخْرَى.
تَقْيِيدُ الْقَضَاءِ بِالْمَكَانِ: وَكَذَلِكَ الْقَاضِي الْمَنْصُوبُ فِي قَضَاءٍ يَحْكُمُ فِي جَمِيعِ مَحَلَّاتِ ذَلِكَ الْقَضَاءِ إذْ أَنَّ الْمَصِيرَ لَيْسَ بِشَرْطِ نَفَاذِ الْقَضَاءِ فَلِذَلِكَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ فِي الْقُرَى الدَّاخِلَةِ ضَمِنَ قَضَائِهِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي قَضَاءٍ آخَرَ وَهَذَا الْمِثَالُ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ الْأَخِيرَةِ مِثَالٌ عَلَى التَّقْيِيدِ بِالْمَكَانِ فَعَلَى ذَلِكَ لَوْ ذَهَبَ قَاضِي بَلْدَةٍ إلَى قَصَبَةٍ غَيْرِ تَابِعَةٍ لِلْقَضَاءِ الْمَذْكُورِ وَحَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ
стр. 2810
بِأَحَدِ أَفْرَادِ أَهَالِي الْقَضَاءِ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يُعَيِّنْ مَوْلًى أَوْ حَكَمًا فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فَلَا يَصِحُّ حُكْمُهُ وَلَا يَنْفُذُ، وَفِي زَمَانِنَا جَمِيعُ الْقَضَاءِ مُقَيَّدٌ بِالْمَكَانِ وَقَدْ قَصَرَ وَخَصَّصَ وِلَايَةَ كُلِّ قَاضٍ مِنْ الشَّرْعِ بِقَضَاءٍ مَخْصُوصٍ فَلِذَلِكَ لَيْسَ لِقَاضِي قَضَاءٍ أَنْ يَحْكُمَ فِي قَضَاءٍ آخَرَ. مَثَلًا لِقَاضِي دِمِشْقَ أَنْ يَحْكُمَ فِي دِمَشْقَ فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْقَضَاءِ الْمُلْحَقِ بِمَرْكَزِ الْوِلَايَةِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْأَلْوِيَةِ الْمُلْحَقَةِ بِالْوِلَايَةِ كَمَا أَنَّ قَاضِي قَضَاءَ حِمْصَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ ضَمِنَ قَضَاءِ حِمْصَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي قَضَاءِ حَمَاةَ. مُسْتَثْنًى - إذَا صَدَرَ حُكْمٌ مِنْ قَاضٍ وَنَقَضَ الْحُكْمَ تَمْيِيزًا وَعَهِدَ بِفَصْلِ الْقَضِيَّةِ إلَى قَاضٍ آخَرَ بِمُوجَبِ حُكْمِ مَجْلِسِ التَّدْقِيقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ حَيْثُ قَدْ صَدَرَتْ الْإِرَادَةُ السُّنِّيَّةُ بِذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُفَصِّلًا فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٨٤٩) . الْقَاضِي الْمَنْصُوبُ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ فِي مُحْكَمَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَحْكُمُ فِي تِلْكَ الْمَحْكَمَةِ فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ وَلَا يُوجَدُ تَقْيِيدٌ فِي زَمَانِنَا مِثْلَ هَذَا التَّقْيِيدِ الْوَارِدِ فِي هَذَا الْمِثَالِ.
تَقْيِيدُ الْقَضَاءِ بِاسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الْخُصُوصَاتِ: لَوْ صَدَرَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ بِأَنْ لَا تُسْمَعَ الدَّعْوَى الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْخُصُوصِ الْفُلَانِيِّ لِمُلَاحَظَةٍ عَادِلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَمِعَ تِلْكَ الدَّعْوَى وَيَحْكُمَ بِهَا فَإِذَا حَكَمَ فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَاضِيَ لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَلِذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَ الطَّرَفَانِ فِي مَسْأَلَةِ وُجُودِ نَهْيٍ عَنْ رُؤْيَةِ تِلْكَ الدَّعْوَى فَإِذَا أَثْبَتَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ النَّهْيَ فَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الدَّعْوَى وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاضِي اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٩ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَهَذِهِ الْخُصُوصَاتُ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: خُصُوصَاتٌ عَامَّةٌ، وَإِنَّ الْمَادَّةَ ١٦٦٠ وَمَا يَتْلُوهَا مِنْ الْمَوَادِّ هِيَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ حَيْثُ قَدْ مُنِعَ الْقُضَاةُ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى الَّتِي تَرَكَتْ عَشْرَ أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَهَذَا عَامٌّ مَهْمَا كَانَ الطَّرَفَانِ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ هِيَ خُصُوصَاتٌ عَامَّةٌ بِاعْتِبَارِ الطَّرَفَيْنِ. مَسَائِلُ مُتَفَرِّعَةٌ عَنْ تَقْيِيدِ الْقَضَاءِ بِاسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الْخُصُوصَاتِ:
١ - إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي قَائِلًا: إنَّنِي أَطْلُبُ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ الَّتِي أَقْرَضْت لَك قَبْلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّعْوَى فَيَقُولُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي لَا أَسْمَعُ دَعْوَاك وَيَرُدُّ دَعْوَاهُ فَعَلَيْهِ إذَا اسْتَمَعَ الْقَاضِي بَيِّنَةً مِنْ الْمُدَّعِي بِدَاعِي عَدَمِ ادِّعَاءِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وُجُودَ مُرُورِ الزَّمَانِ الْمَانِعِ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى وَحَكَمَ بَعْدَ التَّزْكِيَةِ بِالْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَيَكُونُ حُكْمُهُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي بِاعْتِبَارِهِ قَاضِيًا أَنْ يَسْتَمِعَ هَذِهِ الدَّعْوَى أَمَّا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي مِنْ قِبَلِ الْخَصْمَيْنِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَمِعَ هَذِهِ الدَّعْوَى بِاعْتِبَارِهِ حَكَمًا (الْحَمَوِيُّ) لِأَنَّ عَدَمَ اسْتِمَاعِ الدَّعْوَى الَّتِي فِيهَا مُرُورُ زَمَنٍ هُوَ وَاقِعٌ بِالْمَنْعِ السُّلْطَانِيِّ وَهَذَا الْمَنْعُ هُوَ خَاصٌّ فِي حَقِّ الْقَاضِي وَلَيْسَ فِي حَقِّ الْحَكَمِ.
٢ - قَدْ مُنِعَ الْقُضَاةُ مِنْ تَسْجِيلِ وَقْفِ الْمَدِينِ بِإِرَادَةٍ سُلْطَانِيَّةٍ فَلِذَلِكَ إذَا وَقَفَ مَدِينٌ مَالَهُ وَلَوْ فِي حَالِ صِحَّتِهِ بِقَصْدِ تَهْرِيبِ أَمْلَاكِهِ مِنْ دَائِنِيهِ ثُمَّ تُوُفِّيَ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ يَكْفِي لِأَدَاءِ دَيْنِهِ فَلِلدَّائِنِينَ
стр. 2811
أَنْ يَطْلُبُوا مِنْ الْقَاضِي. نَقْضَ الْوَقْفِ وَأَنْ يَسْتَوْفُوا مَطْلُوبَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْأَمْلَاكِ فَإِذَا لَمْ يَنْقُضْ الْقَاضِي الْوَقْفَ وَحَكَمَ بِلُزُومِهِ وَسَجَّلَهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَلَا يُعْتَبَرُ تَسْجِيلُهُ ٣ - قَدْ مُنِعَ الْقُضَاةُ مِنْ سَمَاعِ دَعْوَى الْمُوَاضَعَةِ وَالِاسْمِ الْمُسْتَعَارِ فِي الْعَقَارَاتِ أَيْ فِي الْأَمْلَاكِ الصِّرْفَةِ وَالْمُسْتَغِلَّات وَالْمُسْقَفَاتِ الْمَوْقُوفَةِ وَلِذَلِكَ لَوْ اسْتَمَعَ الْقَاضِي الدَّعْوَى وَقَبِلَ الشُّهُودُ الَّذِينَ أَقَامَهُمْ الْمُدَّعِي عَلَى كَوْنِ الْفَرَاغِ مُوَاضَعَةً وَحَكَمَ الْقَاضِي بَعْدَ التَّعْدِيلِ وَالتَّزْكِيَةِ بِأَنَّ الْفَرَاغَ مُوَاضَعَةٌ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ كَمَا أَنَّهُ إذَا كَلَّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ وَنَكَلَ عَنْ الْحَلِفِ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِالْمُوَاضَعَةِ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ. ٤ - قَدْ مُنِعَ الْقُضَاةُ مِنْ. سَمَاعِ دَعْوَى الْفَرَاغِ بِالْوَفَاءِ فِي الْأَرْضِ الْأَمِيرِيَّةِ وَفِي الْأَرَاضِيِ الْوَقْفِيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ التَّخْصِيصَاتِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُدْرَجًا شَرْطُ الْوَفَاءِ فِي سَنَدِ الْفَرَاغِ وَهَذَا الْمَنْعُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِرَادَةِ السَّنِيَّةِ الصَّادِرَةِ فِي ٢٦ صَفَرٍ سَنَةَ ١٢٧٨ فَلِذَلِكَ لَوْ اسْتَمَعَ الْقَاضِي تِلْكَ الدَّعْوَى وَقَبِلَ الْبَيِّنَةَ أَوْ حَلِفَ الْيَمِينِ وَحَكَمَ فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ ٥ - لَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْفَرَاغِ مَجَّانًا بِشَرْطِ الْإِعَاشَةِ مَا لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ مُدْرَجًا فِي السَّنَدِ فَإِذَا كَانَ مُدْرَجًا فَالدَّعْوَى مَسْمُوعَةٌ وَهَذَا الْمَنْعُ مُسْتَنِدٌ عَلَى الْإِرَادَةِ السَّنِيَّةِ الصَّادِرَةِ فِي ١٨ صَفَرَ سَنَةَ ١٣٠٦ وَعَلَى ذَلِكَ لَوْ سُمِعَتْ الدَّعْوَى مَعَ عَدَمِ ذِكْرِ ذَلِكَ الشَّرْطِ فِي سَنَدِ الْفَرَاغِ وَحَكَمَ فَلَا يَنْفُذُ الْحُكْمُ.
- قَدْ مُنِعَ الْقُضَاةُ مِنْ سَمَاعِ دَعْوَى فَرَاغِ الْأَرَاضِيِ الْأَمِيرِيَّةِ مَجَّانًا بِشَرْطِ الْإِعَاشَةِ. ٧ - لَا تُسْمَعُ دَعْوَى الرَّهْنِ وَالشَّرْطِ وَالْوَفَاءِ وَالِاسْتِغْلَالِ غَيْرِ الْمَذْكُورَةِ فِي السَّنَدِ. مَثَلًا لَوْ بَاعَ الْبَائِعُ مِلْكَهُ قَطْعِيًّا وَسَلَّمَ الْمُشْتَرِيَ سَنَدَ مُبَايَعَةٍ عَلَى الْأُصُولِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ الْمَبِيعَ كَانَ رَهْنًا أَوْ كَانَ وَفَاءً أَوْ اسْتِغْلَالًا أَوْ كَانَ بِشَرْطِ كَذَا فَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى حَسَبَ الْمَادَّةِ ١٩ مِنْ نِظَامِ الْأَمْلَاكِ كَمَا أَنَّهُ يُوجَدُ دَعَاوَى أُخْرَى مُنَوَّعَةٌ قَدْ بَيَّنَتْ فِي شَرْحِ الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الدَّعْوَى أَوْ كَانَ الْقَاضِي بِمَحْكَمَةٍ مَأْذُونًا بِاسْتِمَاعِ بَعْضِ الْخُصُوصَاتِ الْمُعَيَّنَةِ فَلَهُ أَنْ يَسْمَعَ الْخُصُوصَاتِ الَّتِي أَذِنَ بِهَا وَأَنْ يَحْكُمَ فِيهَا فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ اسْتِمَاعُ مَا عَدَاهَا أَيْ غَيْرَ الْمَأْذُونِ بِاسْتِمَاعِهَا وَالْحُكْمِ بِهَا. وَمَحْكَمَةُ الْأَوْقَافِ وَمَحْكَمَةُ الْقَسَّامِ الْمُشَكَّلَتَانِ فِي الْآسِتَانَة فِي الْعَهْدِ الْعُثْمَانِيِّ هُمَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَمْ يُمْنَعْ قُضَاةُ الشَّرْعِ فِي الْوِلَايَاتِ الْعُثْمَانِيَّةِ مِنْ فَصْلِ أَيِّ قَضِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَإِنْ يَكُنْ قَدْ صَدَرَ فِي ٢٥ رَمَضَانَ سَنَةَ ١٢٩٢ أَمْرٌ مَبْنِيٌّ عَلَى قَرَارٍ مِنْ شُورَى الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ بِلُزُومِ رُؤْيَةِ دَعَاوَى الْأَرَاضِيِ الْأَمِيرِيَّةِ فِي مَجَالِسَ أُخْرَى إلَّا أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ قَيْدٌ يَمْنَعُ قُضَاةَ الشَّرْعِ مِنْ سَمَاعِ تِلْكَ الدَّعَاوَى بِالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ يَمْنَعُ الْقُضَاةَ الشِّرْعَيْنِ مِنْ اسْتِمَاعِ تِلْكَ الْقَضَايَا، وَلِذَلِكَ إذَا فَصَلَتْ الْمَحَاكِمُ الشَّرْعِيَّةُ دَعَاوَى الْأَرَاضِيِ بِحَقٍّ وَأَصْدَرَتْ حُكْمَهَا فِيهَا فَالْإِعْلَامَاتُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي صَدَرَتْ تُصَدَّقُ مِنْ دَائِرَةِ الْفَتْوَى الْعَالِيَةِ.
стр. 2812
أَمَّا دَعَاوَى الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ وَالْأَرْشِ وَالْقِصَاصِ وَالْغُرَّةِ وَحُكُومَةِ الْعَدْلِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالنَّفَقَةِ وَالْوَقْفِ فَاسْتِمَاعُهَا عَائِدٌ لِلْمَحَاكِمِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَطْ وَلَا تُسْمَعُ تِلْكَ الدَّعَاوَى فِي الْمَجَالِسِ الْأُخْرَى الْقِسْمُ الثَّانِي: الْخُصُوصَاتُ الْخَاصَّةُ فَالْمَسَائِلُ الْمُتَفَرِّعَةُ عَنْهَا هِيَ: أَوَّلًا - لَوْ صَدَرَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ (بِأَنْ لَا تُسْمَعَ دَعْوَى فُلَانٍ) . ثَانِيًا - لَوْ صَدَرَ أَمْرُ سُلْطَانٍ ب (أَنْ لَا تُسْمَعَ دَعْوَى فُلَانٍ إلَى الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ) فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ تِلْكَ الدَّعْوَى إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِذَا اسْتَمَعَ الْقَاضِي تَيْنِكَ الدَّعْوَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ. ثَالِثًا - لَوْ صَدَرَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ ب (أَنْ لَا يُنَصَّبَ بَعْدَ فُلَانٍ نَائِبًا لِلْقَاضِي) فَعَيَّنَهُ قَاضِي بَلْدَةٍ نَائِبًا عَنْهُ فَاسْتَمَعَ بَعْضَ الدَّعَاوَى وَحَكَمَ بِهَا لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ. رَابِعًا - الْمَوْلَى، لَوْ تَعَيَّنَ مَوْلًى مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ لَأَنْ يَفْصِلَ مَثَلًا دَعْوَى الْأَرَاضِي الْمُتَكَوِّنَةِ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فَلِلْمَوْلَى الْمَذْكُورِ فَقَطْ أَنْ يَفْصِلَ فِي تِلْكَ الدَّعْوَى وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْصِلَ دَعَاوَى الْأَشْخَاصِ الْآخَرِينَ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْصِلَ الدَّعَاوَى الْأُخْرَى الْمُتَكَوِّنَةَ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو.
تَقْيِيدُ الْقَضَاءِ بِالْعَمَلِ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ الْخِلَافِيَّةِ: كَذَلِكَ لَوْ صَدَرَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ بِالْعَمَلِ بِرَأْيِ مُجْتَهِدٍ أَيْ بِاجْتِهَادِ مُجْتَهِدٍ فِي خُصُوصٍ لِمَا أَنَّ رَأْيَهُ بِالنَّاسِ أَرْفَقُ وَلِمَصْلَحَةِ الْقُطْرِ أَوْفَقُ فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِرَأْيِ وَاجْتِهَادِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي تَقْرِيرِ الْمَجَلَّةِ (أَنَّهُ مِنْ الْوَاجِبِ الْعَمَلُ بِأَمْرِ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ بِالْعَمَلِ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُجْتَهِدِ فِيهَا) فَعَلَى ذَلِكَ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ مُنَافٍ لِرَأْيِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ فَإِذَا عَمَلَ وَحَكَمَ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَاضِي غَيْرَ مَأْذُونٍ بِالْحُكْمِ بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ الرَّأْيَ فَلَمْ يَكُنْ الْقَاضِي قَاضِيًا لِلْحُكْمِ بِالرَّأْيِ الْمَذْكُورِ. وَالْمَذَاهِبُ الْمَشْهُورَةُ هِيَ الْحَنَفِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَالْمَالِكِيُّ وَالْحَنْبَلِيُّ وَلَمَّا كَانَ أَكْثَرُ رَعَايَا الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ مُتَمَذْهِبِينَ بِالْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ فَقَدْ أَمَرَ قُضَاةُ الشَّرْعِ بِالْحُكْمِ بِمُوجَبِ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ وَيُوجَدُ فِي الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ مُسْلِمُونَ مُتَمَذْهِبُونَ بِالْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى أَمَّا الْمَسَائِلُ الَّتِي تَتَكَوَّنُ بَيْنَ الْأَهَالِيِ الْمُقَلِّدَةِ لِلْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى وَيُرَى مُنَاسِبًا فَصْلُهَا تَوْفِيقًا لِأَحْكَامِ مَذْهَبِهِمْ فَلَهُمْ أَنْ يُعَيِّنُوا الْحُكْمَ لِيَفْصِلَ فِي دَعَاوِيهِمْ وَلِهَذَا الْحَكَمِ أَنْ يَحْكُمَ بِمُوجَبِ أَحْكَامِ الْمَذْهَبِ الْمَنْسُوبِ لَهُ وَهَذَا الْحُكْمُ يَصْدُقُ مِنْ طَرَفِ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ الْمَنْصُوبِ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ.
وَقَدْ قُسِّمَ الْمُجْتَهِدُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ - مُجْتَهِدٌ فِي الشَّرْعِ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَالْحَنْبَلِيُّ. الثَّانِي - مُجْتَهِدٌ فِي الْمَذْهَبِ كَالْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَسَائِرِ الْأَصْحَابِ الْحَنَفِيَّةِ. الثَّالِثُ - مُجْتَهِدٌ فِي الْمَسَائِلِ كَالْخَصَّافِ وَالطَّحْطَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ وَالْحَلْوَانِيِّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَالْبَزْدَوِيُّ وَقَاضِي خَانْ.
стр. 2813
وَعِبَارَةُ مُجْتَهِدٍ الْوَارِدَةُ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ بِمَعْنًى يَشْمَلُ الْمُجْتَهِدِينَ الثَّلَاثَةَ. إذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ قُضَاةَ الشَّرْعِ بِالْعَمَلِ بِالْمَذَاهِبِ الْأُخْرَى فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ فَيَصِحُّ الْأَمْرُ وَتَجِبُ الطَّاعَةُ لَهُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَلَا مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ بِيَقِينٍ. وَطَاعَةُ أُولِي الْأَمْرِ فِي مِثْلِهِ وَاجِبَةٌ (الْأَنْقِرْوِيُّ فِي الْقَضَاءِ) . وَقَدْ أَمَرَ السَّلَاطِينُ الْعُثْمَانِيُّونَ الْقُضَاةَ بِالْعَمَلِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ بِغَيْرِ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ فَمَثَلًا لَا يَجُوزُ فِي الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ بَيْعُ عَقَارِ الْمَفْقُودِ الَّذِي لَا يُخْشَى خَرَابُهُ لَكِنَّ السُّلْطَانَ سُلَيْمَانَ قَدْ أَمَرَ بِبَيْعِ عَقَارِ الْمَفْقُودِ، وَالْقُضَاةُ الْحَنَفِيَّةُ يَحْكُمُونَ حَتَّى الْآنَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ لَوْ ظَهَرَتْ حَيَاةُ الْمَفْقُودِ بَعْدَ بَيْعِ الْعَقَارِ فَلَهُ أَخْذُ ثَمَنِ الْمَبِيعِ أَمَّا إذَا بِيعَ الْعَقَارُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فَلِمَفْقُودٍ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٥٨) (مَعْرُوضَاتُ أَبِي السُّعُودِ بِزِيَادَةٍ) . إنَّ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ مُطْلَقًا عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ الْمُجْتَهِدِ فِي الشَّرْعِ وَالْإِمَامَيْنِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الْمُجْتَهِدَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ إلَّا أَنَّ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ أَهْلُ التَّخْرِيجِ وَالتَّرْجِيحِ الْحَنَفِيَّةِ شَاهَدُوا تَعَدِّيَ النَّاسِ عَلَى أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْأَوْقَافِ فَافْتُوَا بِلُزُومِ الضَّمَانِ فِيهِمَا قَطْعًا لِلْأَطْمَاعِ الْفَاسِدَةِ. اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّتَيْنِ (٣٩ و ٥٩٦) إلَّا أَنَّ الْإِفْتَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى فَتْوَى الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ الْمُجْتَهِدِ فِي الشَّرْعِ وَإِنَّ الْقَوْلَ الَّذِي قِيلَ فِي الْمَجَلَّةِ بِعَدَمِ ضَمَانِ مَنَافِعِ الْمَغْصُوبِ فِيمَا عَدَا الْمُعَدِّ لِلِاسْتِغْلَالِ وَأَمْوَالِ الْأَوْقَافِ وَالْأَيْتَامِ فَيُؤْمَلُ قَرِيبًا أَنْ يُعْمَلَ بِقَوْلِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ بِسَبَبِ زِيَادَةِ التَّعَدِّي عَلَى الْحُقُوقِ فَتُصْبِحُ مَنَافِعُ الْمَغْصُوبِ مَضْمُونَةً.
وَقَدْ مَرَّ فِي الْمَجَلَّةِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى التَّقْيِيدِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ، وَقَدْ صَارَ بَيَانُهَا وَتَوْضِيحُهَا أَثْنَاءَ الشَّرْحِ إلَّا أَنَّهُ مِنْ الْفَائِدَةِ ذِكْرُ بَعْضِ أَمْثِلَةٍ هُنَا. أَوَّلًا - قَدْ بَيَّنَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٧٩) مِنْ الْمَجَلَّةِ إذَا كَانَ الْإِيجَابُ وَاحِدًا لَا يَتَعَدَّدُ الْبَيْعُ بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ فَقَطْ حَسَبَ قَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامَانِ بِتَعَدُّدِهِ إلَّا أَنَّ الْمَجَلَّةَ قَدْ قَبِلَتْ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ. ثَانِيًا - قَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ بِعَدَمِ جَوَازِ خِيَارِ الشَّرْطِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَأَمَّا الْإِمَامَانِ فَقَدْ قَالَا بِجَوَازِ خِيَارِ الشَّرْطِ مَهْمَا بَلَغَ مِنْ الْأَيَّامِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً وَقَدْ اخْتَارَتْ الْمَجَلَّةُ فِي الْمَادَّةِ (٣٠٠) قَوْلَ الْإِمَامَيْنِ. ثَالِثًا: تَنْعَقِدُ الْإِقَالَةُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بِصِيغَةِ الْمَاضِي وَالْآخَرُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي عَلَى رَأْيِ الشَّيْخَيْنِ كَمَا ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٩١) أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ فَلَا تَنْعَقِدُ وَقَدْ قَبِلَتْ الْمَجَلَّةُ قَوْلَ الشَّيْخَيْنِ. رَابِعًا - قَدْ قَبِلَتْ الْمَجَلَّةُ فِي لُزُومِ الِاسْتِصْنَاعِ قَوْلَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٣٩٢) خَامِسًا - إذَا أَجَازَ صَاحِبُ الْمَالِ إجَارَةَ الْفُضُولِيِّ بَعْدَ مُرُورِ مُدَّةٍ مِنْ الْإِجَارَةِ فَعِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ ﵀ يَعُودُ بَدَلُ الْإِجَارَةِ الَّذِي يَخُصُّ مُدَّةً قِيلَ الْإِجَارَةُ لِلْفُضُولِيِّ وَبَدَلُ الْإِجَارَةِ بَعْدَ الْإِجَازَةِ إلَى
стр. 2814
صَاحِبِ الْمَالِ وَقَدْ قَبِلَتْ الْمَجَلَّةُ هَذَا الرَّأْيَ فِي الْمَادَّةِ (٤٤٧) سَادِسًا - إذَا تُوُفِّيَ الْمُحِيلُ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَكَانَتْ دُيُونُهُ أَزْيَدَ مِنْ تَرِكَتِهِ فَعِنْدَ الْإِمَامِ زُفَرَ لَا يَحِقُّ لَدَائِنِي الْمُحِيلِ أَنْ يَتَدَاخَلُوا بِالْمُحَالِ بِهِ أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَعُودُ الْمُحَالُ بِهِ إلَى تَرِكَةِ الْمُتَوَفَّى وَيُقْسَمُ غَرَامَةً بَيْنَ الدَّائِنِينَ وَقَدْ قَبِلَتْ الْمَجَلَّةُ فِي الْمَادَّةِ (٦٩٢) قَوْلَ الْإِمَامِ زُفَرَ. التَّرْتِيبُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَعْمَلَ بِهِ فِي أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ: إذَا صَدَرَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ بِالْعَمَلِ بِرَأْيِ مُجْتَهِدٍ فَحُكْمُ الْقَاضِي بِرَأْيِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ بَاطِلٌ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ بِتَرْجِيحِ رَأْيِ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ فَعَلَى الْقَاضِي وَالْمُفْتِي أَنْ يَعْمَلَ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي: أَوَّلًا - يَعْمَلَانِ بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ﵀ سَوَاءٌ كَانَ أَحَدُ الْإِمَامَيْنِ مُشْتَرِكًا فِي ذَلِكَ الرَّأْيِ أَوْ غَيْرَ مُشْتَرِكٍ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ التَّابِعِينَ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) وَلِأَنَّهُ رَأْيُ الصَّحَابَةِ وَزَاحَمَ التَّابِعِينَ فِي الْفَتْوَى فَقَوْلُهُ أَشَدُّ وَأَقْوَى مَا لَمْ يَكُنْ اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ. مُسْتَثْنًى - أَمَّا فِي الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ الذِّكْرِ فَيُعْمَلُ بِقَوْلِ الْإِمَامَيْنِ:
١ - يُفْتَى وَيُعْمَلُ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ بِرَأْيِ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لِأَنَّهُ قَدْ اشْتَغَلَ بِالْقَضَاءِ فِعْلًا وَحَصَلَ عَلَى زِيَادَةِ تَجْرِبَةٍ فِيهِ إذْ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ (الْحَمَوِيُّ وَشَرْحُ رَسْمِ الْمُفْتِي) .
٢ - إذَا كَانَ سَبَبُ الِاخْتِلَافِ نَاشِئًا عَنْ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ فَيُعْمَلُ بِقَوْلِ الْإِمَامَيْنِ كَالْحُكْمِ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ. اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (١٧١٦) . ٣ - يُعْمَلُ بِقَوْلِ الْإِمَامَيْنِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي أَجْمَعَ فِيهَا الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى قَوْلِهِمَا كَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ كَمَا أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ أَيْضًا بِأَنَّهُ قَدْ صَدَرَ الْأَمْرُ السُّلْطَانِيُّ بِالْعَمَلِ بِقَوْلِ الْإِمَامَيْنِ. ٤ - إذَا رَجَّحَ الْمُتَأَخِّرُونَ قَوْلًا بِأَنْ قَالُوا: إنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ أَوْ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ يُعْمَلُ بِذَلِكَ الْقَوْلِ. وَأَلْفَاظُ التَّرْجِيحِ هِيَ كَقَوْلِهِمْ ٠ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ٠ أَوْ بِهِ يُفْتَى أَوْ بِهِ نَأْخُذُ، أَوْ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، أَوْ وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْيَوْمِ. أَيْ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَنِ الْحَاضِرِ أَوْ وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْأُمَّةِ، أَوْ وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَوْ وَهُوَ الْأَصَحُّ، أَوْ هُوَ الْأَظْهَرُ أَوْ وَهُوَ الْأَشْبَهُ، أَيْ الْأَشْبَهُ بِالْمَنْصُوصِ رِوَايَةً وَالرَّاجِحُ دِرَايَةً فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْفَتْوَى أَوْ وَهُوَ الْأَوْجَهُ أَوْ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَبِهِ جَرَى الْعُرْفُ وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ آكَدُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْأُخْرَى فَإِنَّ لَفْظَ الْفَتْوَى آكَدُ مِنْ لَفْظِ الْأَصَحِّ وَالْأَشْبَهِ وَلَفْظُ وَبِهِ يُفْتَى آكَدُ مِنْ لَفْظِ الْفَتْوَى عَلَيْهِ كَمَا أَنَّ لَفْظَ الْأَصَحِّ آكَدُ مِنْ لَفْظِ الصَّحِيحِ وَلَفْظُ أَحْوَطُ آكَدُ مِنْ لَفْظِ احْتِيَاطِيٍّ فَعَلَيْهِ إذَا صَرَّحَ أَحَدُ الْمَشَايِخِ بِأَنَّ قَوْلَ غَيْرِ الْإِمَامِ هُوَ الْقَوْلُ الْمُفْتَى بِهِ فَعَلَى الْقَاضِي أَوْ الْمُفْتِي أَنْ يَأْخُذَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ
أَمَّا إذَا كَانَ الْقَوْلَانِ مُصَحَّحَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ تَصْحِيحُ أَحَدِهِمَا آكَدُ مِنْ الْآخَرِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِأَيِّهِمَا كَمَا أَنَّ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِأَيِّهِمَا (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) وَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ مِنْ كِتَابِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ بِأَنَّهُ إذَا وُقِفَ الْمُشَاعُ الْقَابِلُ لِلْقِسْمَةِ فَالْوَقْفُ
стр. 2815
جَائِزٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْإِمَامَ الْمَذْكُورَ لَا يَشْتَرِطُ التَّسْلِيمَ فِي الْوَقْفِ أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ فَالْوَقْفُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ التَّسْلِيمَ فِي الْوَقْفِ وَبِمَا أَنَّ كِلَا الْقَوْلَيْنِ قَدْ صُحِّحَ بِلَفْظِ الْفَتْوَى فَالْمُقَلِّدُ (الْقَاضِي الْحَنَفِيُّ) مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ وَإِنْ شَاءَ حَكَمَ بِبُطْلَانِهِ وَإِذَا حَكَمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مُرَجِّحًا ذَلِكَ الْقَوْلَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ إلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ فِي حَادِثَةٍ أُخْرَى.
ثَانِيًا: إذَا لَمْ يُوجَدْ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فِي مَسْأَلَةٍ يُعْمَلُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ. ثَالِثًا: إذَا لَمْ يُوجَدْ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ فِي مَسْأَلَةٍ يُعْمَلُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ. رَابِعًا: يُعْمَلُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ زُفَرَ وَالْإِمَامِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَوْ الْمُفْتِي أَنْ يُخَالِفَ هَذَا التَّرْتِيبَ مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَ مَلَكَةٍ يُمْكِنُ بِهَا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى قُوَّةِ الدَّلِيلِ كَالْمَشَايِخِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَصْحَابِ التَّرْجِيحِ إذْ لَيْسَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَأْخُذُوا بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ لَهُمْ أَنْ يَنْظُرُوا إلَى الدَّلِيلِ وَأَنْ يُرَجِّحُوا الْقَوْلَ الَّذِي يَرَوْنَهُ أَنَّهُ رَاجِحٌ حَسَبَ اجْتِهَادِهِمَا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَلِذَلِكَ فَإِنَّ أَصْحَابَ التَّرْجِيحِ قَدْ رَجَّحُوا حِينًا أَقْوَالَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ كَمَا أَنَّهُمْ قَدْ رَجَّحُوا قَوْلَ الْإِمَامِ زُفَرَ عَلَى الْأَقْوَالِ الْأُخْرَى فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً فَوَجَبَ عَلَيْنَا مُتَابَعَةُ تَرْجِيحِ هَؤُلَاءِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ مِنْ الْأَقْوَالِ. فَالْقَاضِي يَحْكُمُ بِالْقَوْلِ الصَّحِيحِ وَالْمُفْتَى بِهِ فِي مَذْهَبِهِ وَلَا يَحْكُمُ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَغَيْرِ الْمُفْتَى بِهِ لِأَنَّ جِهَةَ الصَّحِيحِ هِيَ الْحَقُّ وَطَرَفُ الضَّعِيفِ هُوَ خِلَافُ الْحَقِّ فَالْحُكْمُ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ هُوَ حُكْمٌ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعٌ لِلَهْوِي وَهَذَا حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ (شَرْحُ رَسْمِ الْمُفْتِي وَالدُّرُّ الْمُخْتَارُ) . فَلِذَلِكَ إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ لَا يَنْفُذُ وَيُنْقَضُ حُكْمُهُ. سُؤَالٌ: إنَّ الْقَوْلَ الضَّعِيفَ يَتَقَوَّى بِالْقَضَاءِ فَإِذًا كَيْفَ نَقَضَهُ؟ الْجَوَابُ: الْمَقْصُودُ بِالْقَضَاءِ هُوَ قَضَاءُ الْمُجْتَهِدِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) لَا سِيَّمَا أَنَّ سَلَاطِينَ الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ يُنَصِّبُونَ الْقُضَاةَ وَالْمُفْتِينَ بِشَرْطِ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْقَوْلِ الصَّحِيحِ وَلِذَلِكَ إذَا حَكَمُوا بِخِلَافِ الْقَوْلِ الصَّحِيحِ فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُمْ. إنَّ هَذِهِ التَّفْصِيلَاتِ هِيَ فِي صُورَةِ حُكْمِ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ عَلَى مَذْهَبِهِ. أَمَّا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِأَحَدِ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ مُخَالِفًا مَذْهَبَهُ.
مَثَلًا بِأَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي الْحَنَفِيُّ بِالْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ بِالْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ فَهَذَا الْحُكْمُ نَافِذٌ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ سَهْوًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ عَمْدًا، وَوَجْهُ النَّفَاذِ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَطَأٍ بِيَقِينٍ لِأَنَّ رَأْيَهُ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ أَخْطَأَ فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا خَطَأً بِيَقِينٍ فَكَانَ حَاصِلُهُ قَضَاءً فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ حَتَّى لَوْ حَكَمَ
стр. 2816
الْقَاضِي بِفَتْوَى ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ تِلْكَ الْفَتْوَى مُخَالِفَةٌ لِمَذْهَبِهِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَوْ لِقَاضٍ خِلَافَهُ أَنْ يَنْقُضَ ذَلِكَ الْحُكْمَ اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (١٨٣٨) (الْبَزَّازِيَّةُ عَنْ شَرْحِ الطَّحْطَاوِيِّ وَالْحَمَوِيُّ وَالْفَتْحُ) أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ فَالْحُكْمُ غَيْرُ نَافِذٍ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ كَمَا أَنَّهُ قَدْ رَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ قَوْلَهُمَا (شَرْحُ الْمَجْمَعِ لِابْنِ مَلَكٍ) . وَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ بِأَنَّهُ إذَا نُصِّبَ الْقَاضِي مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ بِأَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ آخَرَ كَمَا مَرَّ ذِكْرُهُ فَإِذَا حَكَمَ فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَعْزُولٌ عَنْ الْقَضَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الْحُكْمِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَرَسْمُ الْمُفْتِي) . إنَّ الْقَاضِيَ مُكَلَّفٌ أَنْ يَتَحَرَّى الْمَسَائِلَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ وَأَنْ يَحْكُمَ بِمُوجَبِهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ قِيَاسًا حَتَّى لَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ قَاسَ مَسْأَلَةً عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَحَكَمَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ الْقِيَاسِ ثُمَّ ظَهَرَتْ رِوَايَةٌ خِلَافَ الْحُكْمِ وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فِي الْحُكْمِ فَلِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَنْ يُخَاصِمَ الْقَاضِيَ وَالْمُدَّعِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. يُخَاصِمُ الْقَاضِيَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الزَّمَنِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ أَثِمَ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ وَيُخَاصِمُ الْمُدَّعِيَ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْمَالَ الَّذِي أَخَذَهُ إلَى الْمُقْتَضَى عَلَيْهِ إذْ أَنَّ اعْتِمَادَ الْمُدَّعِي عَلَى أَمْرِ الْقَاضِي غَيْرِ الْمَشْرُوعِ لَا يُخَلِّصُهُ مِنْ الضَّمَانِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالْحَمَوِيُّ) .
خَامِسًا: إنَّ الْكُتُبَ الْفِقْهِيَّةَ مُقَسَّمَةٌ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ وَهِيَ الْمُتُونُ وَالشُّرُوحُ وَالْفَتَاوَى. مَسَائِلُ الْمُتُونِ تُرَجَّحُ عَلَى مَسَائِلِ الشُّرُوحِ لِأَنَّ مَسَائِلَ الْمُتُونِ قَدْ أَصْبَحَتْ مُتَوَاتِرَةً كَمَا أَنَّ مَسَائِلَ الشُّرُوحِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَسَائِلِ الْفَتَاوَى. وَالْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ سَوَاءٌ صُحِّحَ الْقَوْلَانِ أَوْ لَمْ يُصَحَّحَا. أَمَّا لَوْ ذَكَرَ فِي الْمَتْنِ مَثَلًا مَسْأَلَةً وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْهَا بِأَنَّهَا صَحِيحَةٌ وَذَكَرَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْوَارِدَةِ فِي الشَّرْحِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فَتُقَدَّمُ الْمَسْأَلَةُ الْوَارِدَةُ فِي الشَّرْحِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَتْنِ هُوَ تَصْحِيحٌ الْتِزَامِيٌّ، أَمَّا التَّصْحِيحُ الْوَارِدُ عَنْ الشَّرْحِ فَهُوَ تَصْحِيحٌ صَرِيحٌ وَالتَّصْحِيحُ الصَّرِيحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّصْرِيحِ الِالْتِزَامِيِّ (رَسْمُ الْمُفْتِي) . سَادِسًا: إذَا ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ قَوْلَانِ وَأُثْبِتَ أَحَدُهُمَا بِذِكْرِ دَلِيلِهِ فَهُوَ مُرَجَّحٌ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ يُفِيدُ تَرْجِيحَ الْمُعَلَّلِ. سَابِعًا: إذَا كَانَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ قِيَاسِيًّا وَالْآخَرُ اسْتِحْسَانًا فَيُرَجَّحُ الْقَوْلُ الِاسْتِحْسَانِيُّ إلَّا أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ عَدِيدَةٌ وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ هِيَ مَذْكُورَةٌ فِي أَجْنَاسِ النَّاطِقِ وَهِيَ إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً وَقَدْ أَوْصَلَهَا نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيّ إلَى اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ نُجَيْمٍ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ الْمَنَارِ (رَسْمُ الْمُفْتِي) . ثَامِنًا: إذَا كَانَ يُوجَدُ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسَائِلِ الْوَقْفِيَّةِ فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِالْقَوْلِ الْأَنْفَعِ لِلْوَقْفِ إذْ أَنَّ الْوَقْفَ غَيْرُ لَازِمٍ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَلَازِمٌ عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ فَالْقَاضِي نَفْعًا لِلْوَقْفِ يَحْكُمُ بِمُوجَبِ قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ وَيَحْكُمُ بِالْوَقْفِ وَبِتَسْجِيلِهِ.
стр. 2817
تَاسِعًا: إذَا اُخْتُلِفَ فِي الرِّوَايَاتِ وَالتَّصْحِيحِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْفِقْهِيَّةَ الْحَنَفِيَّةَ هِيَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ: الْأُولَى - مَسَائِلُ الْأُصُولِ، وَيُقَالُ لَهَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهِيَ الْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ فِي كُتُبِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ السِّتَّةِ وَهِيَ الْمَبْسُوطُ وَالزِّيَادَاتُ وَالْجَامِعُ الصَّغِيرُ وَالسِّيَرُ الصَّغِيرُ وَالْجَامِعُ الْكَبِيرُ وَالسِّيَرُ الْكَبِيرُ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهَا رُوِيَتْ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَاتِ الثِّقَاتِ فَهِيَ ثَابِتَةٌ عَنْهُ وَمُتَوَاتِرَةٌ أَوْ مَشْهُورَةٌ عَنْهُ.
الثَّانِيَةُ - مَسَائِلُ النَّوَادِرِ، وَهَذِهِ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْكُتُبِ الْأُخْرَى إمَّا فِي الْكُتُبِ الْمَنْسُوبَةِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ كالْهَارُونِيَّاتِ والكيسانيات والجرجانيات والرُّقَيَّاتِ وَإِمَّا مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ حَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَيُقَالُ لَهَا غَيْرُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهَا لَمْ تُرْوَ عَنْ مُحَمَّدٍ بِرِوَايَاتٍ ظَاهِرَةٍ ثَابِتَةٍ صَحِيحَةٍ. الثَّالِثَةُ - مَسَائِلُ الْوَاقِعَاتِ، وَهِيَ لَمْ تُرْوَ عَنْ الْمُجْتَهِدِ فِي الشَّرْعِ وَالْمَذْهَبِ بَلْ هِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي اسْتَنْبَطَهَا الْمُجْتَهِدُونَ الْمُتَأَخِّرُونَ وَهِيَ أَجْوِبَةٌ عَلَى أَسْئِلَةٍ وَقَعَتْ لَهُمْ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . فَعَلَى ذَلِكَ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ وَبِالرِّوَايَةِ الشَّاذَّة مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّ الْفَتْوَى هِيَ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ. أَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ شَيْءٌ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَحْكُمَ بِخِلَافِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (رَسْمُ الْمُفْتِي) .
[ (الْمَادَّةُ ١٨٠٢) لَيْسَ لِأَحَدِ الْقَاضِيَيْنِ الْمَنْصُوبَيْنِ أَنْ يَسْتَمِعَ الدَّعْوَى وَحْدَهُ]
الْمَادَّةُ (١٨٠٢) - (لَيْسَ لِأَحَدِ الْقَاضِيَيْنِ الْمَنْصُوبَيْنِ لِاسْتِمَاعِ دَعْوَى أَنْ يَسْتَمِعَ تِلْكَ الدَّعْوَى وَحْدَهُ وَيَحْكُمَ بِهَا وَإِذَا فَعَلَ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٤٦٥) . لَيْسَ لِأَحَدِ الْقَاضِيَيْنِ الْمَنْصُوبَيْنِ لِاسْتِمَاعِ دَعْوَى أَنْ يَسْتَمِعَ تِلْكَ الدَّعْوَى وَيَحْكُمَ بِهَا فَإِذَا اسْتَمَعَ تِلْكَ الدَّعْوَى وَحَكَمَ بِهَا لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِأَنَّ السُّلْطَانَ قَدْ شَرَطَ اجْتِمَاعَ رَأْيَيْنِ لِتَأْمِينِ الْإِصَابَةِ فِي الْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ الْمُخَالِفُ لِلْأَمْرِ السُّلْطَانِيِّ مَرْدُودٌ اُنْظُرْ مَادَّتَيْ (١٤٦٥ و ١٨٠١) . وَالنَّصْبُ لِلْحُكْمِ مَعًا إمَّا أَنْ يَكُونَ صَرَاحَةً كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ أَنْ يُعَيِّنَ وَيُنَصِّبَ السُّلْطَانُ شَخْصَيْنِ مَعًا قَاضِيَيْنِ لِبَلْدَةٍ لِيَحْكُمَا مَعًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ دَلَالَةً كَأَنْ يُنَصِّبَ السُّلْطَانُ قَاضِيَيْنِ لِمَحْكَمَةٍ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَحِقُّ لِأَحَدِهِمَا الْحُكْمُ وَحْدَهُ مَا لَمْ يُنَصَّبْ لِلْقَضَاءِ وَيُصَرَّحْ فِي أَمْرِ تَعْيِينِهِمَا أَنَّ لِكُلٍّ الْحَقَّ أَنْ يَحْكُمَ مُسْتَقِلًّا وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَاللَّائِقُ أَنْ يَنْفُذَ حُكْمُ أَحَدِهِمَا فَقَطْ (جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ) .
يَعْنِي إذَا نُصِّبَ قَاضِيَانِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْحَقُّ فِي اسْتِمَاعِ الدَّعْوَى مُسْتَقِلًّا فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَحْكُمَ مُسْتَقِلًّا وَمِنْ جُمْلَةِ هَؤُلَاءِ الْقُضَاةِ الْمَنْصُوبِينَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَاضِي عَسْكَرِ الْآسِتَانَة وَقَاضِي الْقَسَّامِ الْعُمُومِيِّ وَقَاضِي الْآسِتَانَة وَمُعَاوِنُ قَاضِي الْآسِتَانَة وَقُضَاةُ الْحَرَمَيْنِ الْمُحْتَرَمِينَ وَمُعَاوِنُوهُمْ إذْ أَنَّ قَاضِي الْعَسْكَرِ مَأْذُونٌ بِالْحُكْمِ كَمَا أَنَّ قَاضِيَ الْقَسَّامِ مَأْذُونٌ بِالْحُكْمِ أَيْضًا وَكَذَلِكَ قُضَاةُ الْحَرَمَيْنِ
стр. 2818
مَأْذُونُونَ بِالْحُكْمِ وَكَذَا مُعَاوِنُوهُمْ مَأْذُونُونَ بِالْحُكْمِ أَيْضًا. وَفِي الْمَحَاكِمِ الشَّرْعِيَّةِ التَّابِعَةِ لِلدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ جَارٍ مِنْ الْقَدِيمِ أُصُولُ الْقَاضِي الْمُنْفَرِدِ وَلَا يُوجَدُ فِي تِلْكَ الْمَحَاكِمِ قَاضِيَانِ مَنْصُوبَانِ لِيَحْكُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ وَإِنْ يَكُنْ أَنَّ لِبَعْضِ الْمَحَاكِمِ الشَّرْعِيَّةِ مُشَاوِرِينَ وَمُعَاوِنِينَ كَالصَّدْرَيْنِ وَقَاضِي الْأَوْقَافِ إلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشَاوِرِينَ وَالْمُعَاوِنِينَ عِنْدَمَا يَفْصِلُونَ الْقَضَايَا يَفْصِلُونَ مُسْتَقِلِّينَ بِدُونِ اشْتِرَاك الْقَاضِي مَعَهُمْ.
[ (الْمَادَّةُ ١٨٠٣) طَلَبَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ الْمُرَافَعَةَ فِي حُضُورِ قَاضٍ وَطَلَبَ آخَرُ الْمُرَافَعَةَ فِي حُضُورِ قَاضٍ آخَرَ]
الْمَادَّةُ (١٨٠٣) - (إذَا طَلَبَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ الْمُرَافَعَةَ فِي حُضُورِ قَاضٍ وَطَلَبَ آخَرُ الْمُرَافَعَةَ فِي حُضُورِ قَاضٍ آخَرَ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي تَعَدَّدَ قُضَاتُهَا وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُرَجَّحُ الْقَاضِي الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) إذَا طَلَبَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ الْمُرَافَعَةَ فِي حُضُورِ قَاضٍ وَطَلَب آخَرُ الْمُرَافَعَةَ فِي حُضُورِ قَاضٍ آخَرَ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي تَعَدَّدَ قُضَاتُهَا وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَأْذُونًا أَنْ يَحْكُمَ فِي قِسْمٍ مِنْ الْبَلْدَةِ وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا يُرَجَّحُ الْقَاضِي الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ الْمُفْتَى بِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ طَالِبٌ بِسَلَامَةِ نَفْسِهِ بِدَفْعِ دَعْوَى الْمُدَّعِي أَمَّا الْمُدَّعِي فَهُوَ رَاغِبٌ فِي أَخْذِ حَقٍّ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبِمَا أَنَّهُ يُوجَدُ شُبْهَةٌ عِنْدَ طَلَبِ سَلَامَةِ نَفْسِهِ فِي الْقَاضِي الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُدَّعِي وَفِي إنَّ ذَلِكَ الْقَاضِيَ رُبَّمَا يَنْحَازُ إلَى إثْبَاتِ دَعْوَى خَصْمِهِ غَيْرِ الْمُحِقَّةِ فَمِنْ الْأَوْلَى مُرَاعَاةُ رَغْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ مُمَاشَاةِ الْمُدَّعِي (تَعْلِيقَاتُ ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى الْبَحْرِ) أَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ فَيُرَجَّحُ الْقَاضِي الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُدَّعِي (وَاقِعَاتُ الْمُفْتِينَ) .
وَالْقَصْدُ مِنْ عِبَارَةِ، فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي تَعَدَّدَ قُضَاتُهَا، هُمْ الْقُضَاةُ الْمَأْذُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْحُكْمِ فِي أَحَدِ أَقْسَامِ الْبَلْدَةِ كَقُضَاةِ الْآسِتَانَة إذْ أَنَّ فِي الْآسِتَانَة قَاضِيًا لِإِسْتَانْبُولَ وَقَاضِيًا لِلْغَلْطَةِ وَقَاضِيًا لِأَيُّوبَ وَقَاضِيًا لأسكي دَار. مَثَلًا لَوْ أَقَامَ مُدَّعٍ مُقِيمٌ فِي مَحَلَّةِ الشهزاده فِي الْآسِتَانَة دَعْوَى عَلَى مُدَّعًى عَلَيْهِ مُقِيمٍ فِي أسكي دَار وَطَلَبَ الْمُدَّعِي اسْتِمَاعَ دَعْوَاهُ لَدَى قَاضِي إسْتَانْبُولَ وَطَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اسْتِمَاعَ الدَّعْوَى فِي مَحْضَرِ قَاضِي أسكي دَار وَحَصَلَ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى عِنْدَ قَاضِي الأسكي دَار كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي بَلْدَةٍ قُضَاةٌ لِلْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، كَمَا كَانَ الْحَالُ فِي الْقَاهِرَةِ سَابِقًا، وَطَلَبَ الْمُدَّعِي اسْتِمَاعَ الدَّعْوَى لَدَى الْقَاضِي الْمَالِكِيِّ فَيُرَجَّحُ الْقَاضِي الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (الْبَحْرُ) . كَذَلِكَ إذَا حَدَثَتْ دَعْوَى بَيْنَ جُنْدِيٍّ وَبَيْنَ أَحَدِ الْأَفْرَادِ فَيُعْتَبَرُ قَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَعْنِي إذَا كَانَ الْمُدَّعِي جُنْدِيًّا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْجُنُودِ فَيَجِبُ اسْتِمَاعُ الدَّعْوَى بَيْنَهُمَا لَدَى الْقَاضِي الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَمَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي غَيْرَ جُنْدِيٍّ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ جُنْدِيٌّ فَالدَّعْوَى تُرَى فِي حُضُورِ قَاضِي الْعَسْكَرِ إلَّا أَنَّهُ فِي زَمَانِنَا لَا يُوجَدُ لِلْجُنُودِ قُضَاةٌ مَخْصُوصُونَ لِدَعَاوَى الْحُقُوقِ فَلِذَلِكَ دَعَاوَى الْجُنُودِ تُرَى أَمَامَ الْقَاضِي الْعُمُومِيِّ (الْوَاقِعَاتُ وَالْخَانِيَّةُ بِزِيَادَةٍ) . أَمَّا إذَا كَانَ الْقُضَاةُ الْمُتَعَدِّدُونَ فِي بَلْدَةٍ مَأْذُونًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَمِعَ قَضَايَا جَمِيعِ أَنْحَاءِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَحَصَلَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَيُرَجَّحُ الْقَاضِي الَّذِي اخْتَارَهُ
стр. 2819
الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ مُنْشِئُ الْخُصُومَةِ فَلَهُ - إنْ شَاءَ - إنْشَاءُ الْخُصُومَةِ عِنْدَ هَذَا الْقَاضِي أَوْ ذَلِكَ الْقَاضِي الْآخَرِ وَلَا يُقَالُ لَهُ: لَا تُنْشِئْ الْخُصُومَةَ فِي حُضُورِ هَذَا الْقَاضِي وَأَنْشِئْهَا عِنْدَ ذَلِكَ الْقَاضِي (تَعْلِيقَاتُ ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى الْبَحْرِ) كَقَاضِي عَسْكَرَ الرومللي وَقَاضِي الْقَسَّامِ الْعُمُومِيِّ فَعَلَى ذَلِكَ لَوْ أَرَادَ الْمُدَّعِي الْمُرَافَعَةَ أَمَامَ قَاضِي عَسْكَرَ الرومللي وَأَرَادَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُرَافَعَةَ أَمَامَ قَاضِي الْقَسَّامِ الْعُمُومِيِّ فَتَجْرِي الْمُحَاكَمَةُ أَمَامَ قَاضِي عَسْكَرَ الرومللي الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُدَّعِي.
[ (الْمَادَّةُ ١٨٠٤) عُزِلَ قَاضٍ وَلَمْ يَصِلْ خَبَرُ الْعَزْلِ إلَيْهِ وَكَانَ قَدْ فَصَلَ بَعْضَ الدَّعَاوَى فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ]
الْمَادَّةُ (١٨٠٤) - (إذَا عُزِلَ قَاضٍ إلَّا أَنَّهُ لِعَدَمِ وُصُولِ خَبَرِ الْعَزْلِ إلَيْهِ مُدَّةً كَانَ قَدْ اسْتَمَعَ وَفَصَلَ بَعْضَ الدَّعَاوَى فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ صَحَّ حُكْمُهُ وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ حُكْمُهُ الْوَاقِعُ بَعْدَ وُصُولِ خَبَرِ الْعَزْلِ إلَيْهِ) . إنَّ انْعِزَالَ الْقَاضِي مَشْرُوطٌ بِوُصُولِ خَبَرِ الْعَزْلِ إلَيْهِ فَلِذَلِكَ إذَا عُزِلَ قَاضٍ وَلَمْ يَصِلْهُ خَبَرُ الْعَزْلِ مُدَّةً وَاسْتَمَعَ وَفَصَلَ بَعْضَ الدَّعَاوَى فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ يَكُونُ حُكْمُهُ صَحِيحًا حَيْثُ لَمْ يَنْعَزِلْ الْقَاضِي بَعْدُ لِأَنَّ ثُبُوتَ حُكْمِ خِطَابِ الشَّارِعِ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِ مَشْرُوطٌ بِبُلُوغِ الْخِطَابِ الْمَذْكُورِ لِذَلِكَ الْمُخَاطَبِ وَخِطَابُ هَذَا الْقَاضِي مَشْرُوطٌ فِيهِ ذَلِكَ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) . وَالْحُكْمُ فِي الْوَكَالَةِ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَمَا بَيَّنَ فِي الْمَادَّةِ (١٥٢٣) . وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ حُكْمُهُ بَعْدَ وُصُولِ خَبَرِ الْعَزْلِ إلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ خَلَفُهُ لِتَسَلُّمِ الْقَضَاءِ مِنْهُ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَدْ انْعَزَلَ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ وَالْتَحَقَ بِالرَّعَايَا وَلَمْ يَبْقَ لَهُ ثَمَّةَ مِنْ صِفَةٍ فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَنْعَزِلُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِ خَبَرِ الْعَزْلِ إلَيْهِ وَاشْتَرَطُوا وُصُولَ خَلَفِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْقَاضِيَ إذَا وَقَفَ عَلَى عَزْلِهِ بِكِتَابٍ أَوْ بِخَبَرٍ يَنْعَزِلُ عَنْ الْقَضَاءِ وَلَا يُشْتَرَطُ وُصُولُ خَلَفٍ وَقَدْ قَبِلَتْ الْمَجَلَّةُ الْقَوْلَ الثَّانِي (الْحَمَوِيُّ) الْخُلَاصَةُ - إنَّ الْقَاضِيَ يَنْعَزِلُ بِتَبْلِيغِهِ أَمْرَ السُّلْطَانِ بِعَزْلٍ تَحْرِيرًا أَوْ شِفَاهًا أَوْ بِوُصُولِ خَلَفِهِ كَذَلِكَ إذَا شُرِطَ فِي أَمْرٍ تَعَيُّنِ الْقَاضِي أَنْ لَا يَمْتَثِلَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ وَالْقَضَايَا أَمْرَ أَحَدٍ وَخَالَفَ الْقَاضِي هَذَا الشَّرْطَ يَنْعَزِلُ. وَتَدُلُّ هَذِهِ الْمَادَّةُ عَلَى جَوَازِ عَزْلِ الْقَاضِي وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُرْتَكِبًا أَعْمَالًا سَيِّئَةً تُوجِبُ عَزْلَهُ كَالِارْتِشَاءِ وَالظُّلْمِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ نُصِّبَ قَاضٍ عَلَى أَنْ لَا يَنْعَزِلَ فَيَجُوزُ عَزْلُهُ وَكَمَا يَجُوزُ الْعَزْلُ مُنَجَّزًا يَجُوزُ الْعَزْلُ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ فَلَوْ قَالَ السُّلْطَانُ لِلْقَاضِي: إنَّك مَعْزُولٌ (حِينَمَا يَرِدُ أَمْرِي إلَيْك بِعَزْلِك)
стр. 2820
فَعَلَّقَ عَزْلَ الْقَاضِي عَلَى وُرُودِ أَمْرِهِ فَلَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الْأَمْرُ السُّلْطَانِيُّ سَوَاءٌ وَصَلَهُ خَبَرُ الْعَزْلِ قَبْلَ وُصُولِ الْأَمْرِ أَوْ لَمْ يَصِلْهُ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٨٢) وَشَرْحَهَا لِأَنَّ الْعَزْلَ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ لَا يَثْبُتُ الْعَزْلُ (الْحَمَوِيُّ والولوالجية وَالْفَتْحُ) .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْعَزِلُ بِالْعَزْلِ فَإِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِعَزْلٍ وَجَاءَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَاضٍ آخَرُ مُعَيَّنٌ قَاضِيًا لِذَلِكَ الْقَضَاءِ فَالْأَظْهَرُ وَالْأَشْبَهُ هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ مَعْزُولًا (وَاقِعَاتُ الْمُفْتِينَ وَفَتْحُ الْقَدِيرِ وَالْحَمَوِيُّ) . وَيَكُونَ الْقَاضِي الثَّانِي قَاضِيًا مُسْتَقِلًّا أَيْضًا.
[ (الْمَادَّةُ ١٨٠٥) الْقَاضِي إذَا كَانَ مَأْذُونًا بِنَصْبِ وَعَزْلِ النَّائِبِ أَنْ يُنَصِّبَ آخَرَ نَائِبًا عَنْهُ وَأَنْ يَعْزِلَهُ]
الْمَادَّةُ (١٨٠٥) - (لِلْقَاضِي إذَا كَانَ مَأْذُونًا بِنَصْبِ وَعَزْلِ النَّائِبِ أَنْ يُنَصِّبَ آخَرَ نَائِبًا عَنْهُ وَأَنْ يَعْزِلَهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فَلَيْسَ لَهُ عَمَلُ ذَلِكَ وَلَا يَنْعَزِلُ نَائِبُهُ بِعَزْلِ أَوْ مَوْتِ الْقَاضِي بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا تُوُفِّيَ قَاضِي قَضَاءٍ فَلِنَائِبِهِ أَنْ يَسْتَمِعَ الدَّعَاوَى الَّتِي تَقَعُ فِي ذَلِكَ الْقَضَاءِ وَيَحْكُمَ بِهَا إلَى أَنْ يَأْتِيَ قَاضٍ غَيْرُهُ) رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٤٦٦) . إذَا كَانَ الْقَاضِي مَأْذُونًا مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ بِنَصْبِ وَعَزْلِ النَّائِبِ فَلَهُ حَقٌّ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مَحَلِّ مَأْمُورِيَّتِهِ، أَنْ يُنَصِّبَ آخَرَ نَائِبًا وَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَعْزِلَ فِي أَيْ وَقْتٍ شَاءَ كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا النَّائِبُ مَأْذُونًا مِنْ طَرَفِ الْقَاضِي بِأَنْ يُنَصِّبَ نَائِبًا عَنْهُ وَأَنْ يَعْزِلَ فَلِلنَّائِبِ أَيْضًا أَنْ يُنَصِّبَ نَائِبًا وَأَنْ يَعْزِلَهُ وَبِمَا أَنَّ الْقَضَاءَ يَتَخَصَّصُ وَيَتَقَيَّدُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَبِبَعْضِ خُصُوصَاتٍ فَكَذَلِكَ يَتَقَيَّدُ وَيَتَخَصَّصُ قَضَاءُ هَذَا النَّائِبِ مَثَلًا لَوْ خَصَّصَ الْقَاضِي الْمَأْذُونُ بِنَصْبِ النَّائِبِ بِقَوْلِهِ لَهُ لَا تَسْمَعْ دَعْوَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَنَصَّبَهُ نَائِبًا عَنْهُ فَلَيْسَ لِذَلِكَ النَّائِبِ اسْتِمَاعُ دَعْوَى هَؤُلَاءِ فَإِذَا اسْتَمَعَ وَحَكَمَ فَلَا يَنْفُذُ. وَالْإِذْنُ بِنَصْبِ النَّائِبِ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - يَكُونُ صَرَاحَةً كَالْقَوْلِ لِلْقَاضِي وَكِّلْ مَنْ شِئْت وَاعْزِلْ مَنْ شِئْت.
الْوَجْهُ الثَّانِي - يَكُونُ دَلَالَةً كَقَوْلِ السُّلْطَانِ لِلْقَاضِي قَدْ نَصَّبْتُك قَاضِيًا لِلْقُضَاةِ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ) لِأَنَّ الذَّاتَ الَّذِي يُنَصَّبُ قَاضِي قُضَاةٍ مِنْ طَرَفِ الْخَلِيفَةِ هُوَ مَأْذُونٌ دَلَالَةً بِالِاسْتِخْلَافِ وَالْعَزْلِ لِأَنَّ قَاضِي الْقُضَاةِ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِي الْقَضَاءِ تَقْلِيدًا وَعَزْلًا (الْعِنَايَةُ) وَيُسْتَعْمَلُ فِي زَمَانِنَا بَدَلًا مِنْ تَعْبِيرِ قَاضِي الْقُضَاةِ قَاضِي عَسْكَرِ الْأَنَاضُولِ وَقَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ قُضَاةَ الْعَسْكَرِ إلَى زَمَنٍ قَرِيبٍ يُنَصِّبُونَ وَيَعْزِلُونَ نُوَّابَ الشَّرْعِ اسْتِنَادًا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَمَّا الْآنَ فَقَدْ نُزِعَتْ هَذِهِ الصَّلَاحِيَّةُ مِنْ قُضَاةِ الْعَسْكَرِ وَأَصْبَحَ الْقُضَاةُ يُنَصَّبُونَ بِإِرَادَةٍ سُلْطَانِيَّةٍ بَعْدَ
стр. 2821
انْتِخَابِهِمْ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ كَمَا أَنَّ قَاضِيَ مِصْرَ هُوَ قَاضِي الْقُضَاةِ لِجَمِيعِ الْقُطْرِ الْمِصْرِيِّ وَهُوَ يُنَصِّبُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ مِنْ مَحَلَّاتِ الْقُطْرِ نُوَّابًا عَنْهُ.
أَمَّا إذَا كَانَ الْقَاضِي غَيْرَ مَأْذُونٍ بِنَصْبِ وَعَزْلِ النَّائِبِ فَلَيْسَ لَهُ إجْرَاءُ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ حَصَلَ لَهُ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ يَقْضِي بِتَعْيِينِ نَائِبٍ عَنْهُ كَالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ لِأَنَّهُ قَدْ نُصِّبَ قَاضِيًا فَقَطْ وَلَمْ يُفَوَّضْ بِتَعْيِينِ قُضَاةٍ (الْهِدَايَةُ) . أَمَّا إذَا كَانَ الْقَاضِي مَأْذُونًا بِنَصْبِ النَّائِبِ فَقَطْ وَغَيْرَ مَأْذُونٍ بِعَزْلِهِ فَلَهُ أَنْ يُنَصِّبَ نَائِبًا وَلَيْسَ لَهُ عَزْلٌ بَلْ يَكُونُ عَزْلُهُ عَائِدًا لِلسُّلْطَانِ (الْعِنَايَةُ وَالْخَانِيَّةُ) . وَهُوَ كَوَكِيلٍ وُكِّلَ بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَزْلَهُ وَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَيَنْعَزِلَانِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ حَيْثُ يَمْلِكُ الْإِيصَاءَ إلَى غَيْرِهِ وَيَمْلِكُ التَّوْكِيلَ وَالْعَزْلَ فِي حَيَاتِهِ لِرِضَا الْمُوَكِّلِ بِذَلِكَ دَلَالَةً لِعَجْزِهِ (الْبَحْرُ) وَالنَّائِبُ الَّذِي يُنَصَّبُ مِنْ قَاضٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ بِنَصْبِ النَّائِبِ يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى - إذَا نَصَّبَ قَاضٍ غَيْرُ مَأْذُونٍ بِنَصْبِ نَائِبٍ نَائِبًا عَنْهُ وَحَكَمَ ذَلِكَ النَّائِبُ فِي حُضُورِ الْقَاضِي كَانَ الْحُكْمُ جَائِزًا وَنَافِذًا لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ رَضِيَ بِقَضَاءٍ حَضَرَهُ رَأْيُ الْقَاضِي وَقْتَ نُفُوذِهِ لِاعْتِمَادِهِ عَلَى عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَالْحُكْمُ الَّذِي حَضَرَهُ الْقَاضِي أَوْ أَجَازَهُ قَضَاءً حَضَرَهُ رَأْيُ الْقَاضِي فَيَكُونُ رَاضِيًا عَنْهُ (الْعِنَايَةُ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ - إذَا نَصَّبَ الْقَاضِي غَيْرُ الْمَأْذُونِ بِنَصْبِ نَائِبٍ نَائِبًا عَنْهُ وَحَكَمَ النَّائِبُ فِي غِيَابِ الْقَاضِي ثُمَّ أَجَازَ الْقَاضِي ذَلِكَ الْحُكْمَ صَحَّ الْحُكْمُ اُنْظُرْ مَادَّةَ (٥٤) كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا بِالتَّوْكِيلِ فَوَكَّلَ غَيْرَهُ وَبَاعَ الثَّانِي عِنْدَ غَيْبَتِهِ فَأَجَازَ الْأَوَّلُ بَيْعَهُ جَازَ عِنْدَنَا وَكَذَلِكَ الْقَاضِي إذَا أَجَازَ الْحُكْمَ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ (الْخَانِيَّةُ) . الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ - إذَا فَصَلَ أَحَدٌ دَعْوَى تَوْفِيقًا لِلْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ أَجَازَ الْقَاضِي الْحُكْمَ صَحَّ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وُجُودُ رَأْيِ الْقَاضِي وَهُوَ حَاصِلٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (الْبَحْرُ) إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ النَّائِبُ الْمَذْكُورُ حَائِزًا لِلصِّفَاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ وُجُودُهَا فِي الْقَاضِي فَلِذَلِكَ لَوْ كَانَ هَذَا النَّائِبُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ رَقِيقًا وَحَكَمَ وَأَجَازَ الْقَاضِي حُكْمَهُ فَلَا يَصِحُّ (الْخَانِيَّةُ) .
لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَلْحَقُ الْحُكْمَ الْمَوْقُوفَ وَلَا تَلْحَقُ الْحُكْمَ الْبَاطِلَ وَالْمَعْدُومَ قِيلَ الْإِذْنُ فِي الِابْتِدَاءِ كَالْإِجَازَةِ فِي الِانْتِهَاءِ فَلِمَ اخْتَلَفَا فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ (أَيْ جَازَ الْإِذْنُ وَالْإِنَابَةُ فِي الِانْتِهَاءِ دُونَ الِابْتِدَاءِ) وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَإِنَّ الْحُكْمَ الَّذِي أَذِنَ بِهِ الْقَاضِي فِي الِابْتِدَاءِ قَضَاءٌ لَمْ يَحْضُرْهُ رَأْيُ الْقَاضِي وَكَانَ رِضَا الْخَلِيفَةِ بِتَوْلِيَةِ الْقَاضِي مُقَيَّدًا بِهِ (الْعِنَايَةُ) . وَإِذَا كَانَ الْقَاضِي مَأْذُونًا بِنَصْبِ النَّائِبِ فَنَصَّبَ نَائِبًا عَنْهُ فَلَا يَنْعَزِلُ النَّائِبُ بِانْعِزَالِ الْقَاضِي أَوْ
стр. 2822
مَوْتِهِ لِأَنَّ النَّائِبَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ مَنْصُوبٌ مِنْ طَرَفِ الْخَلِيفَةِ وَلَيْسَ مَنْصُوبًا مِنْ الْقَاضِي الْمُتَوَفَّى اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٤٦٦) لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ إلَّا بِإِذْنٍ وَبَعْدَ الْإِذْنِ تَكُونُ الْوِلَايَةُ مَنْسُوبَةً لِلْمُوَكِّلِ حَتَّى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ عَزْلُهُ (الْحَمَوِيُّ) أَمَّا إذَا أَصْدَرَ السُّلْطَانُ أَمْرًا صَرِيحًا بِأَنَّهُ إذَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي أَوْ عُزِلَ يَنْعَزِلُ النَّائِبُ فَفِي تِلْكَ الْحَالِ يَنْعَزِلُ النَّائِبُ بِمَوْتِ الْقَاضِي أَوْ عَزْلِهِ (الْحَمَوِيُّ) . كَذَلِكَ لَا يَنْعَزِلُ النَّائِبُ لِعَزْلِ الْقَاضِي لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مَأْذُونًا بِعَزْلِ النَّائِبِ أَيْضًا كَمَا هُوَ مَأْذُونٌ بِنَصْبِهِ كَمَا وَضَحَ فِي الْفِقْرَةِ الْآنِفَةِ. بِنَاءً عَلَيْهِ لَوْ كَانَ قَاضِي قَضَاءٍ مَأْذُونًا بِنَصْبِ النَّائِبِ وَنَصَّبَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ نَائِبًا عَنْهُ ثُمَّ تُوُفِّيَ الْقَاضِي فَلِنَائِبِهِ أَنْ يَسْتَمِعَ الدَّعَاوَى الَّتِي تَقَعُ فِي ذَلِكَ الْقَضَاءِ وَيَحْكُمَ بِهَا إلَى أَنْ يَأْتِيَ غَيْرُهُ وَأَنْ يَحْكُمَ أَيْضًا بَعْدَ وُصُولِ الْقَاضِي الْجَدِيدِ وَلَا يَحْتَاجُ حُكْمُ النَّائِبِ لَأَنْ يُجِيزَهُ الْقَاضِي حَسَبَ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ آنِفًا. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إنَّهُ إذَا عَزَلَ السُّلْطَانُ الْقَاضِي يَنْعَزِلُ نَائِبُهُ أَيْضًا أَمَّا الْمَجَلَّةُ فَقَدْ اخْتَارَتْ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الِانْعِزَالِ (وَاقِعَاتُ الْمُفْتِينَ ورَدُّ الْمُحْتَارِ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٨٠٦) لِلنَّائِبِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي اسْتَمَعَهَا الْقَاضِي]
الْمَادَّةُ (١٨٠٦) - (لِلنَّائِبِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي اسْتَمَعَهَا الْقَاضِي وَلِلْقَاضِي أَيْضًا أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي اسْتَمَعَهَا نَائِبُهُ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اسْتَمَعَ الْقَاضِي بَيِّنَةً فِي حَقِّ دَعْوَى وَأَخْبَرَ بِهَا النَّائِبَ فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِإِخْبَارِ الْقَاضِي مِنْ دُونِ أَنْ يُعِيدَ الْبَيِّنَةَ وَإِذَا اسْتَمَعَ النَّائِبُ الْمَأْذُونُ بِالْحُكْمِ بَيِّنَةً فِي خُصُوصٍ مَا وَأَنْهَى إلَى الْقَاضِي فَلِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ مِنْ دُونِ أَنْ يُعِيدَ الْبَيِّنَةَ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا بِالْحُكْمِ بَلْ كَانَ مَأْمُورًا بِاسْتِمَاعِ الْبَيِّنَةِ لِلتَّدْقِيقِ وَالِاسْتِكْشَافِ فَقَطْ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِإِنْهَائِهَا وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَمِعَ الْبَيِّنَةَ بِالذَّاتِ) . لِلنَّائِبِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي اسْتَمَعَهَا الْقَاضِي وَلِلْقَاضِي أَيْضًا أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي اسْتَمَعَهَا نَائِبُهُ عَلَى رَأْيِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اسْتَمَعَ قَاضٍ بَيِّنَةً فِي حَقِّ دَعْوَى وَأَخْبَرَ بِهَا النَّائِبَ فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِإِخْبَارِ الْقَاضِي بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ مِنْ دُونِ أَنْ يُعِيدَهَا وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَمَعَ النَّائِبُ الْمَأْذُونُ بِالْحُكْمِ بَيِّنَةً فِي خُصُوصٍ مَا وَأَنْهَى إلَى الْقَاضِي سَمَاعَهُ الْبَيِّنَةَ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ مِنْ دُونِ أَنْ يُعِيدَهَا أَمَّا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فَيَجِبُ فِي الصُّورَتَيْنِ أَنْ لَا يَحْكُمَ الْقَاضِي أَوْ النَّائِبُ بَلْ يَجِبُ إعَادَةُ الْبَيِّنَةِ (وَاقِعَاتُ الْمُفْتِينَ) . أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ النَّائِبُ مَأْذُونًا بِالْحُكْمِ بَلْ كَانَ مَأْمُورًا بِاسْتِمَاعِ الْبَيِّنَةِ لِلتَّدْقِيقِ وَالِاسْتِكْشَافِ كَأَنْ يُدَقِّقَ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَوُجُودَ شُهُودٍ لَدَيْهِ مُوَافِقِينَ لَدَعْوَاهُ فَقَطْ فَلَيْسَ لِلنَّائِبِ أَنْ يَحْكُمَ بِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِإِنْهَائِهَا الْمُتَعَلِّقِ بِالدَّعْوَى وَسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَمِعَ الْبَيِّنَةَ بِالذَّاتِ (الْخَانِيَّةُ) .
стр. 2823
مَثَلًا إذَا أَمَرَ الْقَاضِي آخَرَ أَنْ يَسْتَمِعَ الدَّعْوَى الَّتِي أَقَامَهَا شَخْصٌ عَلَى آخَرَ وَيَسْتَمِعَ شُهُودَهُ وَإِقْرَارَهُ وَتَزْكِيَةَ شُهُودِهِ وَاسْتَمَعَ الْمَأْمُورُ ذَلِكَ وَأَنْهَى لِلْقَاضِي بِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ أَقَرَّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَاضِي مَأْذُونًا بِنَصْبِ النَّائِبِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَسْتَمِعْ ذَلِكَ وَإِنَّ فَائِدَةَ التَّدْقِيقِ وَالِاسْتِكْشَافِ الْوَارِدِ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ هُوَ تَحْقِيقٌ وَتَدْقِيقٌ هَلْ لَدَى الْمُدَّعِي شُهُودٌ عَلَى دَعْوَاهُ.
وَهَلْ هُوَ كَاذِبٌ، وَإِذَا كَانَ لَدَيْهِ شُهُودٌ، فَهَلْ شَهَادَتُهُمْ مُوَافِقَةٌ لِلدَّعْوَى، أَوْ غَيْرُ مُوَافِقَةٍ وَهَلْ هُمْ عُدُولٌ، أَوْ غَيْرُ عُدُولٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَمَّا إذَا شَهِدَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْمُودَعَةُ إلَيْهِ هَذِهِ الْأُمُورُ عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ شَخْصٍ آخَرَ فِي حُضُورِ الْقَاضِي فَيَحْكُمُ بِمُوجَبِ تِلْكَ الشَّهَادَةِ بَعْدَ التَّعْدِيلِ وَالتَّزْكِيَةِ.
إنَّ الْمَجَلَّةَ قَدْ خَصَّصَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِالْقَاضِي وَنَائِبِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ وَالْمَنْصُوبِ وَهُوَ أَنَّهُ: إذَا اسْتَمَعَ الْقَاضِي دَعْوَى وَبَيِّنَةً وَجَرَى تَعْدِيلُ وَتَزْكِيَةُ الشُّهُودِ وَعُزِلَ الْقَاضِي قَبْلَ حُكْمِهِ فِي الْقَضِيَّةِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي الَّذِي يُنَصَّبُ بَدَلًا عَنْهُ أَنْ يَحْكُمَ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَمِعَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ بِالذَّاتِ، حَتَّى أَنَّهُ إذَا اسْتَمَعَ قَاضٍ دَعْوًى وَبَيِّنَةً وَعُزِلَ عَنْ الْقَضَاءِ قَبْلَ الْحُكْمِ ثُمَّ نُصِّبَ ثَانِيًا قَاضِيًا بِتِلْكَ الْبَلْدَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي اسْتَمَعَهَا سَابِقًا بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَمِعَ مُجَدَّدًا لِأَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ قَدْ انْتَهَى بِالْعَزْلِ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ فِي الْفَصْلِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ الشَّهَادَاتِ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٨٠٧) لِلْقَاضِي فِي قَضَاءٍ أَنْ يَسْتَمِعَ دَعْوَى الْأَرَاضِيِ الَّتِي هِيَ فِي قَضَاءٍ آخَرَ]
الْمَادَّةُ (١٨٠٧) - (لِلْقَاضِي فِي قَضَاءٍ أَنْ يَسْتَمِعَ دَعْوَى الْأَرَاضِيِ الَّتِي هِيَ فِي قَضَاءٍ آخَرَ وَلَكِنْ يَلْزَمُ بَيَانُ حُدُودِهَا الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى) . لِلْقَاضِي عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي قَضَاءٍ أَنْ يَسْتَمِعَ دَعْوِي الْأَرَاضِيِ أَوْ الْعَقَارِ الَّتِي هِيَ فِي قَضَاءٍ آخَرَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَوْجُودًا فِي دَائِرَةِ قَضَاءِ ذَلِكَ الْقَاضِي حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَخَلَ فِي دَائِرَةِ قَضَاءِ ذَلِكَ الْقَاضِي مُسَافِرًا لِأَنَّهُ لَوْ نُصِّبَ قَاضٍ لِدِمَشْقَ فَلَا يَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْقَاضِيَ نُصِّبَ قَاضِيًا عَلَى أَهْلِ دِمَشْقَ الْأَصْلِيِّينَ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ أَنْتَ قَاضٍ عَلَى أَهَالِيِ دِمَشْقَ الْأَصْلِيِّينَ بَلْ يَكُونُ مَنْصُوبًا قَاضِيًا عَلَى جَمِيعِ سُكَّانِ دِمَشْقَ الْأَصْلِيِّينَ وَالطَّارِئِينَ وَالْمَوْجُودِ فِي دِمَشْقَ مُسَافِرًا وَلَوْ كَانَ أُولَئِكَ الْمُسَافِرُونَ مِنْ أَهَالِيِ بَغْدَادَ أَوْ حَلَبَ فَهِيَ عَامَّةٌ وَشَامِلَةٌ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خَاصَّةً بِالْأَرَاضِيِ فَقَطْ إذْ أَنَّ الْحُكْمَ فِي جَمِيعِ الْعَقَارِ هُوَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلِذَلِكَ لَوْ وَضَعَتْ الْمَجَلَّةُ عِبَارَةَ عَقَارٍ بَدَلًا مِنْ عِبَارَةِ أَرَاضِي لَكَانَ أَشْمَلَ.
أَمَّا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فَيُشْتَرَطُ فِي دَعْوَى الْعَقَارِ أَنْ يَكُونَ الْعَقَارُ مَوْجُودًا ضِمْنَ قَضَاءِ الْقَاضِي أَمَّا الْمَجَلَّةُ فَقَدْ اخْتَارَتْ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي صَدَدِ هَذَا الْقَوْلِ: احْذَرْ مِنْ فَهْمِ خِلَافِهِ إذْ يَكُونُ غَلَطًا (الْحَمَوِيُّ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ وَابْنُ عَابِدِينَ عَلَى الْبَحْرِ وَوَاقِعَاتِ الْمُفْتِينَ)
стр. 2824
وَلَكِنْ يَلْزَمُ بَيَانُ حُدُودِ تِلْكَ الْأَرَاضِي وَذَلِكَ الْعَقَارُ حِينَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (١٦٢٣) مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى فَعَلَيْهِ إذَا اسْتَمَعَ الْقَاضِي تِلْكَ الدَّعْوَى وَحَكَمَ بِهَا يَكْتُبُ الْقَاضِي بِتَنْفِيذِ حُكْمِ الْإِعْلَامِ لِلْقَاضِي الْمَوْجُودُ فِي قَضَائِهِ الْعَقَارُ إذْ أَنَّ الْقَاضِيَ الَّذِي يُوجَدُ فِي دَائِرَتِهِ ذَلِكَ الْعَقَارُ يَأْخُذُ الْعَقَارَ مِنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِمُوجَبِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَيُسَلِّمُهُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ وَكَذَلِكَ لِقَاضِي الْقَضَاءِ أَنْ يَفْصِلَ دَعَاوَى الدَّيْنِ وَدَعَاوَى الْأَمْوَالِ الْمَنْقُولَةِ فِي حَقِّ الْأَشْخَاصِ الْمُقِيمِينَ فِي دَائِرَةِ قَضَائِهِ وَلَوْ كَانُوا مَوْجُودِينَ مُؤَقَّتًا، مَثَلًا لَوْ أُقِيمَتْ قَضِيَّةُ دَيْنٍ أَوْ مَنْقُولٍ أَمَامَ قَاضِي دِمَشْقَ مِنْ شَخْصٍ مِنْ أَهَالِيِ بَغْدَادَ عَلَى شَخْصٍ مِنْ أَهَالِيِ بَغْدَادَ مُقِيمِينَ فِي دِمَشْقَ مُؤَقَّتًا وَحَكَمَ قَاضِي دِمِشْقَ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ صَحَّ حُكْمُهُ. كَذَلِكَ لَوْ ذَهَبَ شَخْصٌ مِنْ أَهَالِيِ دِمَشْقَ إلَى بَغْدَادَ فَأَقَامَ أَحَدُ أَهَالِي بَغْدَادَ عَلَيْهِ دَعْوَى دَيْنٍ أَمَامَ قَاضِي بَغْدَادَ وَحَكَمَ قَاضِي بَغْدَادَ بِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ فَلَيْسَ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ قَبُولِ الْحُكْمِ بِدَاعِي أَنَّ قَاضِي بَغْدَادَ لَيْسَ بِقَاضٍ عَلَى دِمَشْقَ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُقِيمًا فِي دَائِرَةِ قَضَاءِ قَاضٍ وَلَوْ عَلَى وَجْهِ الْمُسَافَرَةِ فَلَا يَصِحُّ حُكْمُ الْقَاضِي عَلَيْهِ فَعَلَى ذَلِكَ لَوْ أَقَامَ مُدَّعٍ قَضِيَّةَ دَيْنٍ فِي مَحْكَمَةِ حَلَبَ عَلَى شَخْصٍ مُقِيمٍ فِي حِمْصَ فَلَيْسَ لِقَاضِي حَلَبَ أَنْ يَدْعُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُحَاكَمَةِ وَأَنْ يُحْضِرَهُ جَبْرًا أَوْ يَفْصِلَ الدَّعْوَى فِي غِيَابِهِ فِي حُضُورِ الْوَكِيلِ الْمُسَخَّرِ لِعَدَمِ إمْكَانِ جَلْبِهِ جَبْرًا اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٨٠١) .
[ (الْمَادَّةُ ١٨٠٨) يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَحْكُومُ لَهُ أَحَدًا مِنْ أُصُولِ الْقَاضِي وَفُرُوعِهِ]
الْمَادَّةُ (١٨٠٨) - (يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَحْكُومُ لَهُ أَحَدًا مِنْ أُصُولِ الْقَاضِي وَفُرُوعِهِ وَأَنْ لَا يَكُونَ زَوْجَتَهُ وَشَرِيكَهُ فِي الْمَالِ الَّذِي سَيَحْكُمُ بِهِ وَأَجِيرَهُ الْخَاصَّ وَمَنْ يَتَعَيَّشُ بِنَفَقَتِهِ بِنَاءً عَلَيْهِ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ دَعْوَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَيَحْكُمَ لَهُ) . لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لَهُ فَإِذَا حَكَمَ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تُهْمَةً (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . فَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَحْكُومُ لَهُ أَحَدًا مِنْ أُصُولِ الْقَاضِي وَفُرُوعِهِ وَأَنْ لَا يَكُونَ زَوْجَتَهُ أَوْ وَكِيلَهُ أَوْ وَكِيلَ وَكِيلِهِ وَشَرِيكِهِ فِي الْمَالِ الَّذِي سَيَحْكُمُ بِهِ شَرِكَةَ عَنَانٍ أَوْ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ أَوْ وَكِيلَهُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ أَوْ وَكِيلَ أُصُولِهِ أَوْ فُرُوعِهِ أَوْ وَكِيلَ وَكِيلِهِمْ أَوْ أَجِيرَهُ الْخَاصَّ أَوْ مَنْ يَتَعَيَّشُ بِنَفَقَتِهِ، بِنَاءً عَلَيْهِ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ دَعْوَى أَحَدِ هَؤُلَاءِ وَيَحْكُمَ لَهُ وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (١٧٠٠) بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ هَؤُلَاءِ لِلْقَاضِي.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى أَحَدٌ بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْقَاضِي وَلِآخَرَ ثُمَّ تُوُفِّيَ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِأَيِّ شَيْءٍ لِذَلِكَ الْمُتَوَفَّى كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَاضِي أَحَدَ وَرَثَةِ ذَلِكَ الْمُتَوَفَّى فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ.
стр. 2825
كَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَ أَحَدٌ ابْنَ الْقَاضِي لِيُخَاصِمَ أَحَدًا فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ فِي الْقَضِيَّةِ الَّتِي تَوَكَّلَ فِيهَا وَلَدُهُ كَمَا أَنَّهُ لَوْ نُصِّبَ ابْنُ الْقَاضِي وَصِيًّا عَلَى يَتِيمٍ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لِذَلِكَ الْيَتِيمِ. كَذَلِكَ لَوْ كَانَ ابْنُ الْقَاضِي مُوصًى لَهُ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ حُكْمًا فِي صَالِحِ الْمُوصَى فَقَطْ، كَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقَاضِي وَكِيلَ وَصِيِّ الْمَيِّتِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ هُوَ حُكْمُ الْقَاضِي (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
كَذَلِكَ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ فِي أَصْلِ وَقْفٍ أَوْ فِي غَلَّتِهِ مَشْرُوطَةٍ مَنْفَعَةُ ذَلِكَ الْوَقْفِ لِلْقَاضِي مَثَلًا لَوْ أَقَامَ مُتَوَلِّي وَقْفٍ مَشْرُوطَةٍ غَلَّتُهُ لِقَاضِي الْبَلْدَةِ دَعْوًى عَلَى آخَرَ فِي حَقِّ عَقَارٍ مُدَّعِيًا أَنَّ ذَلِكَ الْعَقَارَ هُوَ مِنْ مُسْتَغَلَّاتِ الْوَقْفِ فَإِذَا اسْتَمَعَ الْقَاضِي تِلْكَ الدَّعْوَى وَسَمِعَ الْبَيِّنَةَ وَحَكَمَ بِهَا فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُ الْقَاضِي، فَإِذَا كَانَ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ قَاضٍ آخَرُ مَأْذُونًا بِاسْتِمَاعِ دَعَاوَى الْأَوْقَافِ فَتَجْرِي الْمُحَاكَمَةُ فِي حُضُورِ ذَلِكَ الْقَاضِي وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ قَاضٍ آخَرُ تَجْرِي الْمُعَامَلَةُ تَوْفِيقًا لِلْمَادَّةِ الْآتِيَةِ.
وَعِبَارَةُ، لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَمِعَ دَعْوَى هَؤُلَاءِ هِيَ نَفْيٌ مُرْتَبِطٌ بِالْحُكْمِ وَلِنَفْيِهِ وَلَيْسَ مُرْتَبِطَةً بِالِاسْتِمَاعِ وَلِنَفْيِهِ. فَلِذَلِكَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَمِعَ دَعْوَى هَؤُلَاءِ وَأَنْ يُجْرِيَ مُرَافَعَاتِهِمْ فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ فِي يَدِ الِاخْتِصَامِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لِلْأَخْصَامِ ضِدَّ هَؤُلَاءِ إذْ لَيْسَ فِي هَذَا الْحُكْمِ تُهْمَةٌ كَمَا أَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٧٠٠) بِأَنَّ شَهَادَةَ الْقَاضِي عَلَى هَؤُلَاءِ جَائِزَةٌ وَإِذَا ظَهَرَ لِلْقَاضِي أَنَّ الْحَقَّ لِهَؤُلَاءِ لَا يَحْكُمُ لَهُمْ وَيُوصَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَعْمَلُوا بِمُوجَبِ الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ مُسْتَثْنًى لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِالْوِصَايَةِ وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي مَدِينًا لِلْمُتَوَفَّى ٠ مَثَلًا لَوْ كَانَ الْقَاضِي مَدِينًا لِزَيْدٍ الْمُتَوَفَّى بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَجَاءَ أَحَدُ أَعْمَامِ ذَلِكَ الْقَاضِي وَادَّعَى فِي مُوَاجِهَةِ الْخَصْمِ بِأَنَّهُ الْوَصِيُّ الْمُخْتَارُ عَلَى الْمُتَوَفَّى زَيْدٍ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِوِصَايَتِهِ وَإِذَا أَدَّى الْقَاضِي بَعْدَ حُكْمِهِ هَذَا دَيْنَهُ الْخَمْسِينَ دِينَارًا لِذَلِكَ الْوَصِيِّ يَبْرَأُ مِنْ دَيْنِهِ. أَمَّا إذَا دَفَعَ الْقَاضِي دَيْنَهُ لِذَلِكَ الْوَصِيِّ بِمُجَرَّدِ ادِّعَائِهِ الْوِصَايَةَ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ بِوِصَايَتِهِ ثُمَّ أَقَامَ الْوَصِيُّ دَعْوَى لِإِثْبَاتِ وِصَايَتِهِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي اسْتِمَاعُ تِلْكَ الدَّعْوَى وَالْحُكْمُ بِهَا (وَبِخِلَافِ الْوَكَالَةِ عَنْ غَائِبٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهَا إذَا كَانَ الْقَاضِي مَدِينًا لِلْغَائِبِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْلَ الدَّفْعِ أَوْ بَعْدَهُ) (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَلَكِنْ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لِأَقْرِبَائِهِ وَمَحَارِمِهِ الَّذِينَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ كَحَمَاتِهِ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ وَلَوْ كَانَ حُكْمُهُ لِحَمَاتِهِ فِي حَيَاةِ زَوْجَتِهِ أَوْ حُكْمُهُ لَزَوْجَةِ أَبِيهِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ.
حُكْمُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ؛ قَدْ ذُكِرَ فِي التَّنْوِيرِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَكُونَ عَدَاوَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ بَيْنَ الْقَاضِي وَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَقَدْ خَالَفَهُ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْوَهْبَانِيَّةِ وَقَالَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ. أَمَّا صَاحِبُ رَدُّ الْمُحْتَارِ فَقَدْ قَالَ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ يَقُولُ بِجَوَازِ حُكْمِ الْقَاضِي الْعَدْلِ عَلَى عَدُوِّهِ وَمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ جَوَازِ شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ يَقُولُ بِعَدَمِ جَوَازِ حُكْمِ الْقَاضِي عَلَى عَدُوِّهِ وَلَوْ كَانَ قَاضِيًا عَادِلًا، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ وَلِأَنَّ الْمَجَلَّةَ فِي الْمَادَّةِ (١٧٠٢) قَدْ اخْتَارَتْ الْقَوْلَ الْقَائِلَ بِعَدَمِ جَوَازِ
стр. 2826
شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حُكْمُ الْقَاضِي عَلَى عَدُوِّهِ وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي عَدْلًا، أَمَّا اللَّائِقُ فَهُوَ أَنَّهُ إذَا حَكَمَ الْقَاضِي عَلَى عَدُوِّهِ بِعِلْمِهِ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ.
أَمَّا إذَا حَكَمَ عَلَى عَدُوِّهِ فِي مُحَاكَمَةٍ عَلَنِيَّةٍ وَفِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِحُضُورِ النَّاسِ بِطَلَبِ الْخَصْمِ الشَّرْعِيِّ وَبِشَهَادَةِ الشُّهُودِ الْعُدُولِ وَبَعْدَ تَحَقُّقِ أَسْبَابِ الْحُكْمِ الْمُوجِبَةِ فَحُكْمُ الْقَاضِي جَائِزٌ (لِسَانُ الْحُكَّامِ) .
[ (الْمَادَّة ١٨٠٩) إذَا كَانَ لِأَحَدٍ دَعْوَى مَعَ قَاضِي بَلْدَتِهِ أَوْ أَحَدِ مَنْسُوبِيهِ]
الْمَادَّةُ (١٨٠٩) - (إذَا كَانَ لِأَحَدٍ دَعْوَى مَعَ قَاضِي بَلْدَتِهِ أَوْ أَحَدِ مَنْسُوبِيهِ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْمَادَّةِ السَّابِقَةِ فَإِنْ كَانَ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ قَاضٍ غَيْرُهُ تَحَاكَمَا إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ قَاضٍ غَيْرُهُ تَرَافَعَا فِي حُضُورِ حَكَمٍ نَصَّبَاهُ بِرِضَاهُمَا، أَوْ فِي حُضُورِ نَائِبِ ذَلِكَ الْقَاضِي إنْ كَانَ مَأْذُونًا بِنَصْبِ النَّائِبِ، أَوْ فِي حُضُورِ قَاضِي الْبَلْدَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِبَلْدَتِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَرْضَ الطَّرَفَانِ بِإِحْدَى هَذِهِ الصُّوَرِ اسْتَدْعَيَا مُوَلًّى مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ) إذَا كَانَ لِأَحَدٍ دَعْوَى مَعَ قَاضِي بَلْدَتِهِ أَوْ أَحَدِ مَنْسُوبِيهِ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْمَادَّةِ السَّابِقَةِ فَفِي ذَلِكَ خَمْسَةُ وُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - إنْ كَانَ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ قَاضٍ غَيْرُهُ تَحَاكَمَا إلَيْهِ كَقَاضِي الْعَسْكَرِ وَقَاضِي الْقَسَّامِ فِي الْآسِتَانَة فَدَعْوَى قَاضِي الْعَسْكَرِ عَلَى أَحَدٍ تُرَى فِي حُضُورِ قَاضِي الْقَسَّامِ وَدَعْوَى قَاضِي الْقَسَّامِ تُرَى فِي حُضُورِ قَاضِي الْعَسْكَرِ وَلِلْقَاضِي الْآخَرِ أَنْ يَجْلِبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى الْمَحْكَمَةِ جَبْرًا بِنَاءً عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَاءُ الطَّرَفَيْنِ فِي هَذَا حَسَبَ الْفِقْرَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ قَاضٍ غَيْرُهُ تَرَافَعَا فِي حُضُورِ حَكَمٍ نَصَّبَاهُ بِرِضَاهُمَا إذَا رَغِبَا فِي ذَلِكَ وَنَصْبُ الْحَكَمِ فِي هَذَا الْوَجْهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى رِضَاءِ الطَّرَفَيْنِ وَلَا يُجْبَرُ الْآخَرُ عَلَى الْمُرَافَعَةِ فِي حُضُورِ الْحَكَمِ الَّذِي نَصَّبَهُ أَحَدُهُمَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ - أَوْ فِي حُضُورِ نَائِبِ ذَلِكَ الْقَاضِي إنْ كَانَ مَأْذُونًا بِنَصْبِ النَّائِبِ وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَاءُ الطَّرَفَيْنِ لِلْمُرَافَعَةِ فِي حُضُورِ هَذَا النَّائِبِ فَلِذَلِكَ لِلنَّائِبِ إحْضَارُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَبْرًا إلَى الْمَحْكَمَةِ بِنَاءً عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي وَإِذَا كَانَ إحْضَارُهُ غَيْرَ مُمْكِنٍ يَحْكُمُ عَلَيْهِ غِيَابِيًّا حَسْبَ الْأُصُولِ. فَعَلَى ذَلِكَ لَوْ حَكَمَ نَائِبُ الْقَاضِي لِلْقَاضِي الَّذِي أَنَابَهُ أَوْ لِأَحَدِ مَنْسُوبِيهِ الَّذِينَ وَرَدَ ذِكْرُهُمْ فِي الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ فَحُكْمُهُ صَحِيحٌ وَنَافِذٌ، لِأَنَّ النَّائِبَ الَّذِي يُنَصَّبُ مِنْ طَرَفِ قَاضٍ مَأْذُونٍ بِالْإِنَابَةِ يَكُونُ مَنْصُوبًا مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٨٠٥) وَشَرْحَهَا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَوْ فِي حُضُورِ قَاضِي الْبَلْدَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِبَلْدَتِهِمْ وَهَذَا يَكُونُ بِرِضَا الطَّرَفَيْنِ وَاتِّفَاقِهِمَا فَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَذْهَبَ الطَّرَفَانِ إلَى دَائِرَةِ الْقَاضِي بِرِضَائِهِمَا وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُرَاجِعَ قَاضِي قَضَاءٍ آخَرَ وَأَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ إجْبَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى الْحُضُورِ إلَى دَائِرَةِ قَضَائِهِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ غِيَابِيًّا اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٨٠١) .
стр. 2827
وَلِلْقَاضِي الْآخَرِ الَّذِي يُرَاجِعُهُ الطَّرَفَانِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَسْتَمِعَ دَعْوَى ذَيْنِك الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمَا إنَّنِي لَسْت قَاضِيَ بَلْدَتِكُمْ فَلَا أَسْتَمِعُ دَعْوَاكُمَا كَمَا بُيِّنَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ ١٨٠٧. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: فَإِنْ لَمْ يَرْضَ الطَّرَفَانِ بِإِحْدَى هَذِهِ الصُّوَرِ اسْتَدْعَيَا مَوْلًى مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ. لَا يُشْتَرَطُ رِضَاءُ الطَّرَفَيْنِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ الْوَارِدِ ذِكْرُهُمَا آنِفًا، إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ رِضَاءُ الطَّرَفَيْنِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَالرَّابِعِ كَمَا أُشِيرَ إلَى ذَلِكَ فِي الشَّرْحِ أَمَّا حَقُّ اسْتِدْعَاءِ الْمَوْلَى فَهُوَ عَائِدٌ لِلْمُدَّعِي وَلَيْسَ لِاسْتِدْعَاءِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ آبَائِهِ حُكْمٌ. الْمَوْلَى: هُوَ الْقَاضِي يُنَصَّبُ لِفَصْلِ دَعَاوٍ مُعَيَّنَةٍ بِسَبَبِ وُجُودِ مَحْذُورٍ مِنْ فَصْلِ قَاضِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ لَهَا أَوْ لِوُجُودِ مَانِعٍ كَالْمَوَانِعِ الَّتِي وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ فَلِذَلِكَ لَوْ نُصِّبَ مُوَلًّى مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ لِفَصْلِ دَعْوَى فَلَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُمْنَعَ عَنْ الْمُرَافَعَةِ فِي حُضُورِ ذَلِكَ الْمَوْلَى وَلِلْمُوَلَّى أَنْ يَدْعُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى الْحُضُورِ إلَى الْمَحْكَمَةِ وَأَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الِاقْتِضَاءِ وَأَنْ يُعَيِّنَ وَكِيلًا مُسَخَّرًا حَالَ غِيَابِهِ وَيُجْرِيَ الْمُحَاكَمَةَ وَيَحْكُمَ فِي الْقَضِيَّةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٨١٠) يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُرَاعِيَ الْأَقْدَمَ فَالْأَقْدَمَ]
الْمَادَّةُ (١٨١٠) - (يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُرَاعِيَ الْأَقْدَمَ فَالْأَقْدَمَ وَلَكِنْ إذَا كَانَتْ الْحَالُ
وَالْمَصْلَحَةُ
تَقْضِي بِتَعْجِيلِ دَعْوَى وَرَدَتْ مُؤَخَّرًا يُقَدِّمُ رُؤْيَتَهَا) يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُرَاعِيَ الْأَقْدَمَ فَالْأَقْدَمَ فِي رُؤْيَةِ الدَّعْوَى يَعْنِي يَرَى دَعْوَى مَنْ جَاءَ أَوَّلًا وَدَعْوَى مَنْ جَاءَ ثَانِيًا بَعْدَ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ هَذَا التَّرْتِيبِ فَلِذَلِكَ يَأْمُرُ الْقَاضِي أَحَدَ أُمَنَائِهِ لِيَعْلَمَ بِوَاسِطَتِهِ تَرْتِيبَ حُضُورِ أَصْحَابِ الْمَصَالِحِ إلَى الْمَحْكَمَةِ وَهَذَا الْأَمِينُ يُحَرِّرُ مَنْ جَاءَ أَوَّلًا وَثَانِيًا وَثَالِثًا وَيُدْخِلُ حِينَ الْمُحَاكَمَةِ مَنْ جَاءَ أَوَّلًا كَمَا أَنَّهُ يُدْخِلُ مَنْ جَاءَ ثَانِيًا وَهَلُمَّ جَرًّا (الزَّيْلَعِيّ وَالْهِنْدِيَّةُ) .
كَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي الْمَحْكَمَةِ دَعَاوَى كَثِيرَةٌ وَغَيْرُ مُمْكِنٍ فَصْلُهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَيَفْصِلُ دَعْوَى - وَاحِدَةً - لِكُلِّ مُدَّعٍ حَسَبَ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْصِلَ دَعَاوَى عَدِيدَةً لِمُدَّعٍ وَاحِدٍ وَأَنْ يُؤَجِّلَ دَعَاوَى الْمُدَّعِينَ الْآخَرِينَ أَمَّا إذَا كَانَ أَرْبَابُ الْقَضَايَا قَلِيلِينَ وَكَانَ مُمْكِنًا فَصْلُ جَمِيعِ الْقَضَايَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَرَى دَعَاوَى عَدِيدَةً لِمُدَّعٍ وَاحِدٍ. مَحَلُّ الِانْتِظَارِ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَيِّنَ لِأَرْبَابِ الْمَصَالِحِ الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ دَعَاوِيهِمْ مَحَلَّ انْتِظَارٍ لِلرِّجَالِ وَمَحَلَّ انْتِظَارٍ آخَرَ لِلنِّسَاءِ وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ حَتَّى إنَّ الْقَاضِيَ لَوْ عَيَّنَ يَوْمًا مَخْصُوصًا لِرُؤْيَةِ قَضَايَا النِّسَاءِ يَكُونُ أَوْفَقَ - لِلْحَالِ (الْهِنْدِيَّةُ) . أَمَّا إذَا كَانَتْ دَعْوَى امْرَأَةٍ عَلَى رَجُلٍ وَدَعْوَى رَجُلٍ عَلَى امْرَأَةٍ فَيَحْضُرُ كِلَاهُمَا أَثْنَاءَ الْمُرَافَعَةِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٧٩٩) وَشَرْحَهَا.
стр. 2828
وَلَكِنْ إذَا كَانَ تَعْجِيلَ دَعْوَى وَرَدَتْ مُؤَخَّرًا - مِنْ إيجَابِ الْحَالِ
وَالْمَصْلَحَةِ
كَأَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا غَرِيبَ الدِّيَارِ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ فَيُقَدَّمُ رُؤْيَتُهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الدَّعَاوَى. وَيُعَدُّ غَرِيبًا مَنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ أَيْ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ بَعْدَ الْمُرَافَعَةِ أَنْ يَذْهَبَ وَيَنَامَ عِنْدَ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٨١١) يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ]
الْمَادَّةُ (١٨١١) - (يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ) . فَلِذَلِكَ إذَا اشْتَبَهَ الْقَاضِي فِي مَسْأَلَةٍ وَلَمْ يَفْهَمْهَا يَسْتَشِيرُ عُلَمَاءَ بَلْدَتِهِ شِفَاهًا أَوْ يَسْتَشِيرُ لَدَى الْإِيجَابِ عُلَمَاءَ بَلْدَةٍ أُخْرَى مُكَاتَبَةً فَإِذَا وَافَقَ رَأْيُ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ رَأْيَ الْقَاضِي فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِمُوجَبِ ذَلِكَ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي أَيُّ رَأْيٍ وَعِلْمٍ فِي الْمَسْأَلَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلِ وَفَتْوَى أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ وَإِذَا اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءُ فَيَعْمَلُ الْقَاضِي بِقَوْلِ الْأَفْقَهِ وَالْأَكْثَرِ دِيَانَةً.
وَالْمُفْتِي عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُجْتَهِدِ وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فَلَيْسَ بِمُفْتٍ فَذَلِكَ إذَا سُئِلَ وَاسْتُفْتِيَ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَنْ مَسْأَلَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَكَانَ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ فَيَجِبُ عَلَى ذَلِكَ الْمُفْتِي أَنْ يُجِيبَ عَلَى الْفَتْوَى بِطَرِيقِ النَّقْلِ مِنْ الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُتَدَاوَلَةِ وَالْمَنْسُوبَةِ إلَى الْمُجْتَهِدِينَ فَلِذَلِكَ فَالْمَفَاتِي الْمُعَيَّنُونَ رَسْمِيًّا مِنْ طَرَفِ الْحُكُومَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ قَدْ اتَّخَذُوا أُصُولًا حِينَ تَحْرِيرِهِمْ الْفَتْوَى أَنْ يُحَرِّرُوا فِي طَرَفِ الْفَتْوَى مَأْخَذَهَا وَالْكِتَابَ الْمَنْقُولَةَ عَنْهُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةُ الشَّرْعِيَّةُ نَحْوَ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهَا مِنْ التَّآلِيفِ الْمَشْهُورَةِ لِلْمُجْتَهِدِينَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُمْ أَوْ الْمَشْهُورِ (فَتْحُ الْقَدِيرِ) أَوْصَافُ الْمُفْتِي: أَوَّلًا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي صَالِحًا وَحَسَبَ الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ لَا يُعْمَلُ بِفَتْوَى الْمُفْتِي الْفَاسِقِ وَلَا تَجُوزُ فَتْوَاهُ لِأَنَّ الْفَتْوَى مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَقَوْلُ الْفَاسِقِ فِي الدِّينِ غَيْرُ مَقْبُولٍ حَيْثُ قَدْ ظَهَرَتْ خِيَانَةُ الْفَاسِقِ لِلدِّينِ (الْفَتْحُ) وَإِنَّ عِنَايَةَ الْبَارِي فِي تَحْقِيقِ الْوَاقِعَاتِ الشَّرْعِيَّةِ تَحْصُلُ بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَبِالتَّمَسُّكِ بِحَبْلِ التَّقْوَى وَقَدْ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْكَرِيمِ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إنَّ مَنْ يَعْتَمِدُ عَلَى رَأْيِ مَنْ اتَّخَذَ الْمَعَاصِيَ دَيْدَنًا لَهُ فِي إخْرَاجِ دَقَائِقِ كُنُوزِ الْفِقْهِ يَكُونُ قَدْ اعْتَمَدَ عَلَى مَنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ إذْ أَنَّ مَنْ لَا يَسْتَنِيرُ بِنُورِ اللَّهِ لَا نُورَ لَهُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . ثَانِيًا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي مُتَيَقِّظًا وَوَاقِفًا وَعَالِمًا بِحِيَلِ وَدَسَائِسِ النَّاسِ، وَالْأَحْسَنُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَجْمَعَ الْمُسْتَفْتِيَ مَعَ خَصْمِهِ وَبَعْدَ الْبَحْثِ مَعَهُمَا يُعْطِي الْفَتْوَى لِمَنْ يَظْهَرُ الْحَقُّ فِي جَانِبِهِ وَأَنْ يَقُولَ فِي فَتْوَاهُ: إذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ كَذَا فَالْحَقُّ لَك وَإِذَا كَانَتْ كَذَا فَالْحَقُّ لِلْخَصْمِ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ يَخْتَارُ الْمُسْتَفْتِي الصُّورَةَ النَّافِعَةَ لَهُ وَلَا يَعْجِزُ عَنْ إثْبَاتِهَا بِالزُّورِ. ثَالِثًا: يَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ وُكَلَاءِ الدَّعَاوَى الْمُعَانِدِينَ لِلْحَقِّ لِأَنَّهُ لَا يُرْضِي هَؤُلَاءِ إلَّا ثَبَاتُ دَعْوَى مُوَكِّلِيهِمْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَلَهُمْ مَهَارَةٌ فِي الْحِيَلِ وَالتَّزْوِيرِ وَقَلْبِ الْكَلَامِ وَتَصْوِيرِ الْبَاطِلِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ فَإِذَا اسْتَحْصَلَ عَلَى فَتْوَى يَصِلُ إلَى غَرَضِهِ الْفَاسِدِ بِالتَّغَلُّبِ عَلَى خَصْمِهِ قَهْرًا وَعَلَيْهِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُفْتِي إعَانَةُ ذَلِكَ عَلَى الضَّلَالِ فَلِذَلِكَ قِيلَ إنَّ مَنْ يَجْهَلُ أَهْلَ زَمَانِهِ فَهُوَ جَاهِلٌ فَأَحَدُ هَؤُلَاءِ
стр. 2829
الْوُكَلَاءِ يَسْأَلُ الْمُفْتِي عَنْ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ إلَّا أَنَّ الْمُفْتِيَ الْمُتَيَقِّظَ يَفْهَمُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ أَنَّ قَصْدَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوُصُولُ إلَى غَرَضِهِ الْفَاسِدِ كَمَا شَاهَدْنَا كَثِيرًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ غَفْلَةَ الْمُفْتِي يَحْصُلُ مِنْهَا ضَرَرٌ عَظِيمٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي أَوَائِل الْقَضَاءِ) .
رَابِعًا: يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُفْتِي أَصَمَّ فَإِذَا كَانَ مَنْصُوبًا مِنْ قِبَلِ الْحُكُومَةِ لِلْإِفْتَاءِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ السَّمْعِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِكُلِّ سَائِلٍ أَنْ يُحَرِّرَ سُؤَالَهُ عَلَى وَرَقَةٍ وَأَنْ يُقَدِّمَهَا لِلْمُفْتِي كَمَا أَنَّهُ يَحْضُرُ الطَّرَفَانِ الْمُتَخَاصِمَانِ فِي حُضُورِ الْمُفْتِي وَيَصْدُرُ كَلَامٌ مِنْ أَحَدِهِمَا يُؤَيِّدُ إبْطَالَهُ فَإِذَا كَانَ لَا يَسْمَعُ ذَلِكَ فَيُؤَدِّي فَتْوَاهُ عَلَى الْكَلَامِ الَّذِي سَمِعَهُ فَيَضِيعُ حَقُّ خَصْمِهِ أَمَّا إذَا كَانَ الْمُفْتِي غَيْرَ مَنْصُوبٍ لِلْفَتْوَى فَلَا ضَرُورَةَ لَأَنْ يَكُونَ صَحِيحَ السَّمْعِ لِأَنَّ فَتْوَاهُ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ بَيَانِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَتَكْفِي فِي ذَلِكَ الْإِشَارَةُ فَقَطْ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا كُتِبَ لَهُ وَأَجَابَ عَنْهُ جَازَ الْعَمَلُ بِفَتْوَاهُ. وَمَسْأَلَةُ وُجُوبِ إفْتَاءِ الْمُفْتِي بِأَيِّ قَوْلٍ مِنْ الْأَقْوَالِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ قَدْ وَضَحَتْ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٨٠١) فَلْيُرْجَعْ إلَيْهَا. وَفِي زَمَانِنَا يُوجَدُ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ الْعَلِيَّةِ: دَائِرَةٌ لِلْفُتْيَا وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى دَائِرَتَيْنِ فَإِحْدَاهُمَا غُرْفَةُ الْفَتْوَى وَيَرْأَسُهَا الْمُوَظَّفُ الْمُسَمَّى بِرَئِيسِ الْمُسْوَدِّينَ وَأُخْرَاهُمَا تُسَمَّى غُرْفَةُ الْإِعْلَامَاتِ وَيَرْأَسُهَا مُمَيِّزُ الْإِعْلَامَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَفِي هَاتَيْنِ الْغُرْفَتَيْنِ يَشْتَغِلُ عَدَدٌ مِنْ الذَّوَاتِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ أَصْحَابِ الْيَدِ الطُّولَى فِي الْعُلُومِ الْآلِيَةِ وَالْعَالِيَةِ وَأَكْثَرُهُمْ مِنْ الْمُدَرِّسِينَ لِلْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَجَمِيعُ هَؤُلَاءِ هُمْ تَحْتَ نِظَارَةِ وَإِدَارَةِ الذَّاتِ الْمُسَمَّاةِ بِأَمِينِ الْفَتْوَى. وَيُعْتَنَى فِي الْأَكْثَرِ فِي انْتِخَابِ هَذَا الْحَبْرِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا فَوْقَ الْعَادَةِ وَفَقِيهًا وَمُتَوَرِّعًا وَفَاضِلًا. وَلَمْ تُشَكَّلْ دَارٌ لِلْفَتْوَى كَهَذِهِ لِلْإِفْتَاءِ قَبْلَ ظُهُورِ الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ فَالشَّرَفُ الْعَظِيمُ بِتَأْسِيسِ هَذِهِ الدَّارِ يَعُودُ إلَى هَذِهِ الدَّوْلَةِ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ تَأْسِيسِ دَارِ الْفَتْوَى أَنْ يَسْتَفْتِيَ الْمُسْتَفْتُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَيَعْمَلُوا بِالْفَتَاوِي الَّتِي يَسْتَحْصِلُونَ عَلَيْهَا وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي يُسْتَفْتَى فِيهَا مِنْ دَارِ الْفَتْوَى يُجَابُ عَلَيْهَا إمَّا شِفَاهًا أَوْ تَحْرِيرًا، وَالْجَوَابُ التَّحْرِيرِيُّ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، تُعْطَى الْفَتْوَى عَلَى ظَهْرِ وَرَقَةِ السُّؤَالِ عَلَى طَرِيقِ الشَّرْحِ.
وَهَذَا الشَّرْحُ بِخَتْمٍ مُمَيِّزِ الْإِعْلَامَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ شُعَبِ دَارِ الْفَتْوَى التَّابِعَةُ لَهَا. الْقِسْمُ الثَّانِي؛ تُعْطَى صُرَّةُ فَتْوَى شَرِيفَةٍ وَتَحْتَوِي عَلَى تَوْقِيعِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَيُطْلَقُ عَلَيْهَا فَتْوَى. وَالِاسْتِفْتَاءَات الَّتِي تَحْصُلُ مِنْ مَحَاكِمِ الْآسِتَانَة الشَّرْعِيَّةِ وَمُلْحَقَاتِهَا تَحْصُلُ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي وَهُوَ
стр. 2830
أَنْ يُرْسِلَ مَحْضَرُ الدَّعْوَى صُحْبَةَ كَاتِبِ الْمَحْكَمَةِ مَعَ الطَّرَفَيْنِ إلَى دَارِ الِاسْتِفْتَاءِ وَيُؤْخَذُ الْجَوَابُ شِفَاهًا ثُمَّ يُصْدِرُ الْقَاضِي حُكْمَهُ اسْتِنَادًا عَلَى تِلْكَ الْفَتْوَى. وَقَدْ اُسْتُفْتِيَتْ دَارُ الِاسْتِفْتَاءِ هَذِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مِنْ قِبَل دُوَلِ أُورُوبَّا فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْغَامِضَةِ الْحُقُوقِيَّةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٨١٢) يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَتَصَدَّى لِلْحُكْمِ إذَا تَشَوَّشَ ذِهْنُهُ]
الْمَادَّةُ (١٨١٢) - (يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَتَصَدَّى لِلْحُكْمِ إذَا تَشَوَّشَ ذِهْنُهُ بِعَارِضَةٍ مَانِعَةٍ لِصِحَّةِ التَّفَكُّرِ كَالْغَمِّ وَالْغُصَّةِ وَالرُّجُوعِ وَغَلَبَةِ النَّوْمِ) . يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَتَصَدَّى لِلْحُكْمِ الْغَيْرِ ظَاهِرِ الْأَسْبَابِ إذَا تَشَوَّشَ ذِهْنُهُ بِعَارِضَةٍ مَانِعَةٍ لِصِحَّةِ التَّفْكِيرِ فِي الْمُحَاكَمَةِ وَالْحُكْمِ كَالْغَمِّ وَالْغُصَّةِ وَالْغَضَبِ وَالسُّرُورِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَامْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ وَغَلَبَةِ النَّوْمِ أَوْ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا بِأَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ وَأَنْ لَا يَكُونَ مُتَأَذِّيًا بِشِدَّةِ الْحَرَارَةِ أَوْ بِشِدَّةِ الْبُرُودَةِ (فَتْحُ الْقَدِيرِ وَالْخَانِيَّةُ) لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﵇: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (الْبُخَارِيُّ) . فَإِذَا تَصَدَّى الْقَاضِي لِلْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ يُمْكِنُ أَنْ يُخْطِئَ فِي تَطْبِيقِ الدَّعْوَى عَلَى الْمَسْأَلَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْحَالُ أَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ حَسَبَ الْمَادَّةِ (١٧٩٩) . كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ لَا يَمْكُثَ فِي الْمُحَاكَمَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً وَأَنْ لَا يُجْهِدَ وَيُتْعِبَ نَفْسَهُ، أَمَّا إذَا كَانَتْ أَسْبَابُ الْحُكْمِ ظَاهِرَةً وَبَيِّنَةً فَلِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ حَتَّى فِي تِلْكَ الْحَالَاتِ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي. وَالْغَمُّ؛ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ بِمَعْنَى الْغُصَّةِ وَجَمْعُهُ غُمُومٌ وَمَادَّةُ الْغَمِّ بِمَعْنَى السَّتْرِ وَالتَّغْطِيَةِ وَإِطْلَاقُهَا عَنْ الْحُزْنِ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ سُرُورَ الْقَلْبِ.
وَالْغُصَّةُ، بِضَمِّ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ بِمَعْنَى الضِّيقِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْقَلْبِ فَتَكُونُ الْغُصَّةُ فِي هَذِهِ الْحَالِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ لِلْغَمِّ. الْغَضَبُ، بِفَتْحَتَيْنِ وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ كَمَالٍ الْوَزِيرُ الْغَضَبَ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي: هُوَ تَعْسِيرٌ يَحْصُلُ عِنْدَ غَلَيَانِ دَمِ الْقَلْبِ لِإِرَادَةِ الِانْتِقَامِ وَأَوَّلُ الْغَضَبِ غَلَيَانُ الدَّمِ وَغَايَتُهُ إيصَالُ الضَّرَرِ إلَى الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ (اهـ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٨١٣) يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُجْرِيَ التَّدْقِيقَ فِي الْمُرَافَعَاتِ]
الْمَادَّةُ (١٨١٣) - (يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُجْرِيَ التَّدْقِيقَ فِي الْمُرَافَعَاتِ مَعَ عَدَمِ طَرْحِ الدَّعَاوَى فِي زَوَايَا الْإِهْمَالِ) . يَعْنِي يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُجْرِيَ التَّدْقِيقَاتِ فِي الدَّعْوَى الْمَنْظُورَةِ أَمَامَهُ مَعَ عَدَمِ طَرْحِ الدَّعْوَى فِي زَوَايَا الْإِهْمَالِ. اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٨٢٨) . يَعْنِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَمِعَ الدَّعْوَى بِكُلِّ دِقَّةٍ وَانْتِبَاهٍ وَأَنْ
стр. 2831
يُجْرِيَ التَّدْقِيقَاتِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا نَوْعُ الدَّعْوَى إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا الْإِسْرَاعُ فِي فَصْلِ الدَّعْوَى وَإِجْرَاءِ التَّدْقِيقِ فِي الدَّعْوَى كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْمَادَّةِ (١٨١٦) بِاسْتِجْوَابِ الْمُدَّعِي وَسُؤَالِ الْقَاضِي عَنْ الْقُيُودِ وَالشُّرُوطِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا تِلْكَ الدَّعْوَى وَتُفْهِمُهَا وَتَحْقِيقُ صِحَّتِهَا ثُمَّ اسْتِجْوَابُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ التَّحْقِيقِ مِنْ صِحَّتِهَا فَإِذَا كَانَ جَوَابُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إقْرَارًا فَبِهَا وَإِذَا كَانَ إنْكَارًا يَسْتَمِعُ الْبَيِّنَةَ وَأَسْبَابَ الثُّبُوتِ. يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي وَهُوَ يُجْرِي الْمُحَاكَمَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ لَا يُهَدِّدَ أَوْ يُخِيفَ الطَّرَفَيْنِ لِأَنَّ الْخَوْفَ يُوقِعُ الطَّرَفَيْنِ فِي حَيْرَةٍ وَيَقْطَعُ حُجَّتَهُمَا (الْهِنْدِيَّةُ) .
[ (الْمَادَّةُ ١٨١٤) يَضَعُ الْقَاضِي فِي الْمَحْكَمَةِ دَفْتَرًا لِلسِّجِلَّاتِ]
الْمَادَّةُ (١٨١٤) - (يَضَعُ الْقَاضِي فِي الْمَحْكَمَةِ دَفْتَرًا لِلسِّجِلَّاتِ وَيُقَيِّدُ وَيُحَرِّرُ فِي ذَلِكَ الدَّفْتَرِ الْإِعْلَامَاتِ وَالسَّنَدَاتِ الَّتِي يُعْطِيهَا بِصُورَةٍ مُنْتَظِمَةٍ سَالِمَةٍ عَنْ الْحِيلَةِ وَالْفَسَادِ وَيَعْتَنِي بِالدِّقَّةِ بِحِفْظِ ذَلِكَ الدَّفْتَرِ وَإِذَا عُزِلَ سَلَّمَ السِّجِلَّاتِ الْمَذْكُورَةَ إلَى خَلَفِهِ إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ) .
يَضَعُ الْقَاضِي فِي الْمَحْكَمَةِ دَفْتَرًا لِلسِّجِلَّاتِ وَيُقَيِّدُ وَيُحَرِّرُ فِي ذَلِكَ الدَّفْتَرِ الْإِعْلَامَاتِ وَالسَّنَدَاتِ الَّتِي يُعْطِيهَا بِصُورَةٍ مُنْتَظِمَةٍ سَالِمَةٍ عَنْ الْحِيلَةِ وَالْفَسَادِ وَيَعْتَنِي بِالدِّقَّةِ بِحِفْظِ ذَلِكَ الدَّفْتَرِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يُسَلِّمُ نُسْخَةً عَنْ الْإِعْلَامَاتِ وَالسَّنَدَاتِ لِمَنْ حَكَمَ لَهُ وَبِمَا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُزِيدَ أَوْ يُنْقِصَ ذَلِكَ الشَّخْصُ فِي ذَلِكَ الْإِعْلَامِ أَوْ تِلْكَ السَّنَدَاتِ فَلَا يُؤْمَنُ لَهُ لِذَلِكَ وَوَجَبَ أَنْ تُقَيَّدَ تِلْكَ الْإِعْلَامَاتُ وَالسَّنَدَاتُ فِي الدَّفْتَرِ الْمَحْفُوظِ لَدَى الْقَاضِي حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ (الزَّيْلَعِيّ) . تَعْرِيفُ السِّجِلِّ وَتَقْسِيمُهُ: وَالْمَقْصُودُ مِنْ السِّجِلِّ هُنَا هُوَ الدَّفْتَرُ الْكَبِيرُ الَّذِي يُضْبَطُ وَيُقَيَّدُ فِيهِ وَقَائِعُ النَّاسِ وَالْحُكْمُ الَّذِي يَحْكُمُهُ الْقَاضِي وَالْحُجَّةُ الَّتِي يُصْدِرُهَا عَلَى أَحَدٍ. وَمِنْ الْمُوَافِقِ تَقْسِيمُ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَوَّلُهَا: سِجِلُّ نَصْبِ الْوَصِيِّ. ثَانِيهَا: سِجِلُّ نَصْبِ الْقَيِّمِ لِلْأَوْقَافِ. ثَالِثُهَا: سِجِلُّ تَقْدِيرِ النَّفَقَاتِ رَابِعُهَا: سِجِلُّ الْإِعْلَامَاتِ الْحَاوِيَةِ لِلْحُكْمِ، إذْ أَنَّهُ إذَا قُسِّمَتْ الْجِهَاتُ إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ يَسْهُلُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا لَدَى الْحَاجَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا خُلِطَ الْكُلُّ فَإِنَّ فِي الْكَشْفِ عَنْهُ حِينَئِذٍ عُسْرًا شَدِيدًا (الْفَتْحُ) . وَالْإِعْلَامَاتُ جَمْعُ إعْلَامٍ وَالْإِعْلَامُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَرَقَةِ الْمُحْتَوِيَةِ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي الشَّرْعِيِّ وَإِمْضَائِهِ وَخَتْمِهِ وَهَذَا الْإِعْلَامُ يَحْتَوِي عَلَى صُورَةِ دَعْوَى الْمُدَّعِي مَعَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي اسْتَنَدَ عَلَيْهَا وَصُورَةِ جَوَابِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ حَاوِيًا دَفْعًا، أَسْبَابَ ثُبُوتِ الدَّفْعِ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ فِي خِتَامِهِ عَلَى ذِكْرِ
стр. 2832
الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْمَادَّةِ (١٨٢٧) مَعَ بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْحُكْمِ وَسَيُذْكَرُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٨٢٧) بَعْضُ أُصُولٍ فِي حَقِّ تَنْظِيمِ الْإِعْلَامَاتِ. السَّنَدَاتُ، جَمْعِ سَنَدٍ وَمَعْنَى السَّنَدِ الْمُعْتَمَدُ وَالْمَلْجَأُ وَإِطْلَاقُ السَّنَدِ عَلَى الرِّهَانِ هُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى إذْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَسْتَنِدُ عَلَيْهِ وَالْمُعْتَمَدُ أَعَمُّ مِنْ الْحِسِّ وَالْمَعْنَى وَالْمَقْصُودُ مِنْ السَّنَدِ هُنَا الْحُجَّةُ.
الْحُجَّةُ، وَتُطْلَقُ الْحُجَّةُ فِي زَمَانِنَا عَلَى الْوَرَقَةِ الَّتِي لَا تَحْتَوِي حُكْمًا بَلْ تَحْتَوِي عَلَى إقْرَارِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَتَصْدِيقِ الْآخَرِ وَخَتْمِ وَإِمْضَاءِ الْقَاضِي الَّذِي نَظَّمَهَا فِي رَأْسِ الْحُجَّةِ خِلَافًا لِلْإِعْلَامِ الَّذِي يُوَقِّعُ الْقَاضِي خَتْمَهُ وَإِمْضَاءَهُ فِي أَسْفَلِهِ وَإِطْلَاقُ سَنَدٍ عَلَى تِلْكَ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ صَاحِبَهَا يَسْتَنِدُ عَلَيْهَا لَدَى الْحَاجَةِ وَيَتَّخِذُهَا دَلِيلًا لِإِثْبَاتِ مُدَّعَاهُ. لِلْحُجَجِ أَنْوَاعٌ عَدِيدَةٌ وَبَعْضُهَا هُوَ مَا يَأْتِي: حُجَجُ الِاسْتِدَانَةِ وَالْبَيْعِ الْقَطْعِيِّ وَبَيْعِ الِاسْتِغْلَالِ وَالْفَرَاغِ الْقَطْعِيِّ وَالْفَرَاغِ بِالْوَفَاءِ وَفَكِّ الْوَفَاءِ وَالْإِقَالَةِ وَالْإِجَارَةِ وَالْكَفَالَةِ وَحَوَالَةِ الدَّيْنِ، وَالْهِبَةِ وَالتَّسْلِيمِ وَتَحْمِيلِ الشَّهَادَةِ وَالْوَكَالَةِ وَنَفْيِ الْمِلْكِ وَالْمُصَالَحَةِ وَإِثْبَاتِ الرُّشْدِ وَالْإِبْرَاءِ وَعَقْدِ الْمُزَارَعَةِ وَعَقْدِ الْمُسَاقَاةِ وَعَقْدِ الْمُضَارَبَةِ وَنَصْبِ الْوَصِيِّ وَغَيْرِهَا. قَدْ أُلِّفَتْ كُتُبٌ لِلصُّكُوكِ تَحْتَوِي عَلَى صُورَةِ تَنْظِيمِ وَتَحْرِيرِ الْإِعْلَامَاتِ وَالسَّنَدَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَبِذَلِكَ قَدْ رُبِطَتْ كَيْفِيَّةُ تَنْظِيمِ الْإِعْلَامَاتِ وَالسَّنَدَاتِ الشَّرْعِيَّةِ إلَى قَاعِدَةٍ سَالِمَةٍ إلَّا أَنَّ كِتَابَةَ النَّمُوذَجِ عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا هَذَا خَارِجٌ عَنْ الْمَوْضُوعِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سِجِلَّاتِ الْمَحَاكِمِ الْمَحْفُوظَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَالْبَرِيئَةِ مِنْ التَّزْوِيرِ وَالتَّصْنِيعِ مَعْمُولٌ بِهَا عِنْدَ الْمَحَاكِمِ لَدَى الِاقْتِضَاءِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (١٧٣٨) . وَقَدْ نُشِرَ فِي ٤ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةِ ١٢٩٦ تَعْلِيمَاتٌ سُنِّيَّةٌ تَتَضَمَّنُ صُورَةَ تَنْظِيمِ الْإِعْلَامَاتِ وَالسَّنَدَاتِ الَّتِي يُعْمَلُ بِمَضْمُونِهَا بِلَا بَيِّنَةٍ فَالْإِعْلَامَاتُ وَالسَّنَدَاتُ الَّتِي تُنَظَّمُ تَوْفِيقًا لِتِلْكَ التَّعْلِيمَاتِ يُعْمَلُ بِمَضْمُونِهَا بِلَا بَيِّنَةٍ. أَمَّا الْإِعْلَامَاتُ وَالسَّنَدَاتُ الَّتِي نُظِّمَتْ قَبْلَ صُدُورِ تِلْكَ التَّعْلِيمَاتِ فَقَدْ قَرَّرَتْ هَيْئَةُ الْمَجَلَّةِ الْمُلْغَاةِ طَلَبَ شُهُودٍ لِإِثْبَاتِهَا وَسَنَنْقُلُ آتِيًا عَيْنَ الْقَرَارِ الْمَذْكُورِ. وَالْبَيِّنَةُ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الشَّهَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهَذِهِ إمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى أَصْلِ الْحَقِّ أَوْ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي بَعْدَ الْمُحَاكَمَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِأَنْ حَكَمَ الْقَاضِي بِكَذَا فَالشَّهَادَةُ عَلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ تَكُونُ شَهَادَةً عَلَى مَضْمُونِ الْإِعْلَامِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
بِمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِعْلَامِ وَالسَّنَدِ هُوَ أَنْ يَسْتَنِدَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْحَقِّ وَأَنْ يُؤَمِّنَ حَقَّهُ فَلَا يَحْتَاجُ لِمُحَاكَمَةٍ ثَانِيَةٍ أَوْ إثْبَاتِ أَصْلِ حَقِّهِ ثَانِيَةً وَأَنْ لَا يَتَكَلَّفَ لِإِثْبَاتِ مَضْمُونِ الْإِعْلَامِ الَّذِي اُسْتُحْصِلَ عَلَيْهِ وَأَخْذِ إعْلَامٍ ثَانٍ فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِمَضْمُونِ الْإِعْلَامَاتِ وَالسَّنَدَاتِ بِلَا بَيِّنَةٍ فَيَكُونُ الِاسْتِحْصَالُ عَلَى
стр. 2833
الْإِعْلَامِ وَالسَّنَدَاتِ غَيْرَ وَافٍ بِالْمَقْصُودِ كَمَا أَنَّ وَفَاةَ الشُّهُودِ أَوْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى مَضْمُونِهِ أَوْ غَيْبَتِهِمْ أَوْ عُرُوضِ أَحْوَالٍ أُخْرَى تُوجِبُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَنْ يُصْبِحَ الْإِعْلَامُ وَالسَّنَدُ بِلَا حُكْمٍ بِالْمَرَّةِ وَفِي هَذَا الْحَالِ إذَا كَانَ لَدَى الْمُقْرِضِ شَاهِدَانِ عَلَى إقْرَاضِهِ وَتَسْلِيمِهِ الْقَرْضَ فَلَا يَحْتَاجُ لِأَخْذِ حُجَّةٍ كَمَا أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ حُجَّةً وَلَيْسَ لَدَيْهِ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى مَضْمُونِهَا فَلَا يَسْتَفِيدُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْحُجَّةِ فَلِذَلِكَ قَدْ أَصْبَحَ مِنْ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَعْمَلَ بِمَضْمُونِ الْإِعْلَامَاتِ وَالسَّنَدَاتِ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فَالْحُكْمُ جَائِزٌ بِالسِّجِلَّاتِ الَّتِي وُجِدَتْ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ سَالِمَةً مِنْ الْحِيلَةِ وَالْفَسَادِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْمَلَ بِقَوْلِ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ الْمُجَرَّدِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يُصْبِحُ بِانْعِزَالِهِ مُلْحَقًا بِأَفْرَادِ الْأَهَالِيِ وَشَهَادَةُ الْفَرْدِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَلَا سِيَّمَا أَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِهِ اُنْظُرْ مَادَّتَيْ (١٥٨٥ و ١٧٠٤) (الزَّيْلَعِيّ بِزِيَادَةٍ) . وَيُفْهَمُ مِنْ بَيَانِ الزَّيْلَعِيّ أَنَّ هَذَا الْقَاضِيَ حَتَّى لَوْ شَهِدَ بَعْدَ عَزْلِهِ مَعَ آخَرَ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ أَيْضًا وَمَعَ أَنَّ قَارِئَ الْهِدَايَةِ قَدْ أَفْتَى بِقَبُولِ شَهَادَةِ الْقَاضِي عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ مَعَ شَهَادَةِ آخَرَ وَقَدْ تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ ابْنُ نُجَيْمٍ إلَّا أَنَّ الْمَجَلَّةَ فِي الْمَادَّةِ (١٧٠٣) قَدْ قَبِلَتْ قَوْلَ الزَّيْلَعِيّ (رَدُّ الْمُحْتَارِ بِزِيَادَةٍ) . وَإِذَا عُزِلَ الْقَاضِي سَلَّمَ السِّجِلَّاتِ الْمَذْكُورَةَ إلَى خَلَفِهِ الْقَاضِي إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ وَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْهَا يَطْلُبُ الْقَاضِي اللَّاحِقُ تِلْكَ السِّجِلَّاتِ مِنْ سَلَفِهِ وَيَكْفِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْأَمِينُ وَاحِدًا وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ يَأْخُذُ تِلْكَ السِّجِلَّاتِ مِنْ سَلَفِهِ بِأَمِينٍ عَادِلٍ، إلَّا أَنَّ الْأَحْوَطَ أَنْ يَأْخُذَهَا بِأَمِينَيْنِ.
وَيَجِبُ تَسْلِيمُ تِلْكَ السِّجِلَّاتِ مِنْ السَّلَفِ إلَى الْخَلَفِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ السِّجِلَّاتُ الْمَذْكُورَةُ مُشْتَرَاةً مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ مَالِ الْقَاضِي أَوْ مَالِ أَصْحَابِ الْمَصَالِحِ فَفِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا لِلْخَلَفِ فَإِذَا كَانَتْ مُشْتَرَاةً بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَسَبَبُ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ أَنَّ وُجُودَ السِّجِلَّاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي يَدِ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ كَانَ لِكَوْنِهِ قَاضِيًا وَلَيْسَ بِصِفَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَلِكَوْنِ صِفَةِ الْقَضَاءِ قَدْ انْتَقَلَتْ لِغَيْرِهِ وَإِذَا كَانَتْ السِّجِلَّاتُ الْمَذْكُورَةُ مُشْتَرَاةً مِنْ مَالِ الْقَاضِي أَوْ مِنْ أَمْوَالِ الْخُصُومِ فَسَبَبُ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ هُوَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَشْتَرِهَا تَمَوُّلًا بَلْ اشْتَرَاهَا تَدَيُّنًا كَمَا أَنَّ وَضْعَ الْخُصُومِ تِلْكَ السِّجِلَّاتِ تَحْتَ يَدِهِ هُوَ بِسَبَبِ صِفَتِهِ الْقَضَائِيَّةِ (الزَّيْلَعِيّ) .
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَيَتَعَلَّقُ بِصُورَةِ الْمُحَاكَمَةِ]
[ (الْمَادَّةُ ١٨١٥) يُجْرِي الْقَاضِي الْمُحَاكَمَةَ عَلَنًا]
الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَيَتَعَلَّقُ بِصُورَةِ الْمُحَاكَمَةِ
الْمَادَّةُ (١٨١٥) - (يُجْرِي الْقَاضِي الْمُحَاكَمَةَ عَلَنًا وَلَكِنْ لَا يُفْشِي الْوَجْهَ الَّذِي سَيَحْكُمُ بِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ) . يُجْرِي الْقَاضِي الْمُحَاكَمَةَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ عَلَنًا أَيْ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْأَشْخَاصَ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ الْمُحَاكَمَةَ لِسَمَاعِهَا مِنْ الْحُضُورِ وَيَثْبُتُ لُزُومُ إجْرَاءِ الْمُحَاكَمَةِ عَلَنًا بِدَلِيلَيْنِ:
стр. 2834
أَوَّلًا - قَدْ ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٧٩٥) بِأَنَّهُ يَقْتَضِي إثْبَاتَ حُكْمِ الْقَاضِي لَدَى الْإِيجَابِ فَلِذَلِكَ يَقْتَضِي حُضُورَ أَشْخَاصٍ أَثْنَاءَ الْمُحَاكَمَةِ لِيَكُونَ شُهُودٌ مِنْهُمْ عِنْدَ اللُّزُومِ. ثَانِيًا - قَدْ بَيَّنَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنَّ وُجُودَ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ مُنْفَرِدًا مُوجِبٌ لِلتُّهْمَةِ. وَلَكِنْ لَا يُفْشِي الْوَجْهَ الَّذِي سَيَحْكُمُ بِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ إذَا تَمَّتْ الْمُحَاكَمَةُ وَوُجِدَ سَبَبُ وَشُرُوطُ الْحُكْمِ فَالْقَاضِي مَجْبُورٌ بِإِصْدَارِ الْحُكْمِ فَوْرًا حَسَبَ مَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (١٨٢٨) أَمَّا إذَا لَمْ يُكْمِلْ الْقَاضِي الْمُحَاكَمَةَ فَيَكُونُ الشَّكْلُ الَّذِي يَخْتِمُ بِهِ الْمُحَاكَمَةَ غَيْرَ مَعْلُومٍ كَمَا أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْحَقَّ فِي جَانِبِ أَيٍّ مِنْهُمَا فَإِفْشَاءُ الْقَاضِي الْحُكْمَ قَبْلَ إتْمَامِ الْمُحَاكَمَةِ هُوَ تُهْمَةٌ فِي حَقِّ الْقَاضِي.
وَمَعَ أَنَّ الْمُحَاكَمَةَ تُجْرَى عَلَنًا إلَّا أَنَّ الْمُشَاوَرَةَ وَالْمُذَاكَرَةَ فِي الْقَضِيَّةِ تُجْرَى خِفْيَةً فَعَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى الَّتِي تَجْرِي فِيهَا الْمُحَاكَمَةُ مُحْتَاجَةً لِلْمُشَاوَرَةِ وَيَحْتَاجُ الْقَاضِي إلَى أَنْ يَتَذَاكَرَ فِيهَا مَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَيُذَاكِرُهُمْ خِفْيَةً وَلَا يُذَاكِرُهُمْ عَلَنًا لِأَنَّ الْمُذَاكَرَةَ الْعَلَنِيَّةَ تُزِيلُ مَهَابَةَ الْمَجْلِسِ وَتُوجِبُ اتِّهَامَ النَّاسِ الْقَاضِيَ بِالْجَهْلِ وَتَجْرِي الْمُذَاكَرَةُ فِي ذَلِكَ إمَّا فِي غُرْفَةٍ أُخْرَى أَوْ بِإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنْ غُرْفَةِ الْمُحَاكَمَةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٨١٦) إذَا أَتَى الطَّرَفَانِ إلَى حُضُورِ الْقَاضِي لِأَجْلِ الْمُحَاكَمَةِ]
الْمَادَّةُ (١٨١٦) - (إذَا أَتَى الطَّرَفَانِ إلَى حُضُورِ الْقَاضِي لِأَجْلِ الْمُحَاكَمَةِ، يُكَلَّفُ الْمُدَّعِي أَوَّلًا بِتَقْرِيرِ دَعْوَاهُ وَإِنْ كَانَتْ دَعْوَاهُ قَدْ ضُبِطَتْ تَحْرِيرًا قَبْلَ الْحُضُورِ تُقْرَأُ فَيُصَدَّقُ مَضْمُونُهَا مِنْ الْمُدَّعِي. ثَانِيًا يَسْتَجْوِبُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ الْمُدَّعِيَ يَدَّعِي عَلَيْك بِهَذَا الْوَجْهِ فَمَاذَا تَقُولُ) . إذَا أَتَى الطَّرَفَانِ إلَى حُضُورِ الْقَاضِي لِأَجْلِ الْمُحَاكَمَةِ يَسْأَلُهُمَا الْقَاضِي بِقَوْلِهِ أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي ٠ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، فَيُكَلِّفُ الْمُدَّعِي أَوَّلًا بِتَقْرِيرِ دَعْوَاهُ تَوْفِيقًا لِلْأُصُولِ الْمُبَيَّنَةِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَيُحَرِّرُهُ عَلَى الْوَرَقِ (الْخَانِيَّةُ) . إذَا دَخَلَ الطَّرَفَانِ لِلْمُحَاكَمَةِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي فَلَيْسَ لَهُمَا طَرْحُ التَّحِيَّةِ عَلَيْهِ فَإِذَا حَيَّيَاهُ فَلَا يَلْزَمُ الْقَاضِي رَدُّ التَّحِيَّةِ عَلَيْهِمَا وَمَعَ ذَلِكَ إذَا أَرَادَ الْقَاضِي رَدَّ السَّلَامِ يُقَابِلُ قَوْلَهُمَا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِقَوْلِهِ: وَعَلَيْكُمْ وَيَكْتَفِي بِذَلِكَ أَمَّا الشُّهُودُ فَلَهُمْ أَنْ يُحَيُّوا الْقَاضِيَ وَأَنْ يَرُدَّ الْقَاضِي تَحِيَّتَهُمْ (الْخَانِيَّةُ) . وَالْمُدَّعِي إمَّا أَنْ يَحْضُرَ إلَى الْمَحْكَمَةِ بِالذَّاتِ وَيُقِيمَ دَعْوَاهُ؛ وَإِمَّا أَنْ يُحْضِرَ أَحَدًا فَيُوَكِّلَهُ وَيُسَجِّلَ وَكَالَتَهُ؛ وَإِمَّا أَنْ يَحْضُرَ الْوَكِيلُ حَامِلًا حُجَّةَ تَوْكِيلٍ صَادِرَةً مِنْ الْقَاضِي وَمُصَدَّقَةً مِنْ دَائِرَةِ الْفَتْوَى وَيَدَّعِيَ بِالْوَكَالَةِ. أَمَّا إذَا أَحْضَرَ أَحَدٌ لِلْمَحْكَمَةِ آخَرَ وَادَّعَى قَائِلًا: إنَّ هَذَا وَكِيلٌ عَنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ وَإِنَّ لِي فِي ذِمَّةِ الْغَائِبِ كَذَا دِرْهَمًا وَأَقَرَّ الْمَذْكُورُ بِالْوَكَالَةِ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْمُدَّعِي بَعْدَ هَذَا الْإِقْرَارِ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ وَيُثْبِتَ مَطْلُوبَهُ مِنْ الْغَائِبِ فِي مُوَاجِهَةِ هَذَا الْوَكِيلِ فَلَا تُقْبَلُ " الْخَانِيَّةُ بِزِيَادَةٍ ".
стр. 2835
وَيَلْزَمُ الْمُدَّعِي حَسَبَ هَذِهِ الْفِقْرَةِ أَنْ يُقَرِّرَ دَعْوَاهُ وَأَنْ يُوَضِّحَهَا وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَاوِنَ الْمُدَّعِي فِي تَصْحِيحِ دَعْوَاهُ كَمَا أَنَّهُ إذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى الْمُحَاسَبَةَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ بَيَانِ الْمُدَّعَى بِهِ وَإِظْهَارِهِ وَامْتَنَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَا يُجْبَرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُحَاسَبَةِ لِأَنَّ مُعَاوَنَةَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي فِي تَصْحِيحِ دَعْوَاهُ فِيهِ تُهْمَةٌ لِلْقَاضِي وَانْكِسَارٍ لِقَلْبِ الطَّرَفِ الْآخَرِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَمَرَ الْقَاضِي أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمَ الْمُدَّعِيَ - الَّذِي لَا يَعْلَمُ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَةَ - الْخُصُومَةَ وَعَلَّمَهُ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَنْصُوبٌ لِلنَّظَرِ فِي أُمُورِ الْعِبَادِ وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْأَمْرِ هُوَ إحْيَاءٌ لِلْحُقُوقِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الَّذِي عَلِمَ الْمُدَّعِي الْخُصُومَةَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ " وَاقِعَاتُ الْمُفْتِينَ ".
كَذَلِكَ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُعِينَ الشُّهُودَ الَّذِينَ أَقَامَهُمْ الطَّرَفَانِ فِي أَدَاءِ شَهَادَتِهِمْ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إعَانَةً لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَيُوهِمُ مَيْلَ الْقَاضِي لِأَحَدِهِمَا فَيُوجِبُ كَسْرَ قَلْبِ الْخَصْمِ الْآخَرِ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَسْتَحْسِنُ إعَانَةُ الشُّهُودِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ وَقَدْ مَرَّتْ تَفْصِيلَاتُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ " ١٦٨٩ ".
أَمَّا فِي مَوْضِعِ التُّهْمَةِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي إعَانَةُ الشُّهُودِ مَثَلًا لَوْ ادَّعَى الْمُدَّعِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ الشُّهُودُ بِأَلْفٍ وَخَمْسمِائَةِ دِرْهَمٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ بِحُكْمِ الْمَادَّةِ " ١٧٠٨ " فَإِذَا لَقَّنَ الْقَاضِي الشُّهُودَ قَائِلًا: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ أَبْرَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خَمْسمِائَةِ دِرْهَمٍ فَفَهِمَ الشُّهُودُ مَغْزَاهُ وَشَهِدُوا بِأَنَّ الْمُدَّعِي أَبْرَأَهُ مِنْ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ حَالًّا فَلَا يَجُوزُ هَذَا التَّلْقِينُ وَالتَّوْفِيقُ " الشِّبْلِيُّ " وَإِنْ كَانَتْ دَعْوَاهُ قَدْ ضُبِطَتْ تَحْرِيرًا قَبْلَ الْحُضُورِ تَقْرَأُ فَيُصَدَّقُ مَضْمُونُهَا مِنْ الْمُدَّعِي وَمِنْ الْأُصُولِ وَضْعُ إمْضَاءٍ أَوْ خَتْمِ الْمُدَّعِي عَلَى مَحْضَرِ الدَّعْوَى لِلتَّصْدِيقِ وَإِذَا أَكْمَلَ الْمُدَّعِي بَعْضَ النُّقْصَانِ الْوَارِدِ فِي ضَبْطِ دَعْوَاهُ فَيَجِبُ إضَافَةُ ذَلِكَ إلَى الضَّبْطِ ثُمَّ يَنْظُرُ الْقَاضِي بَعْدَ ذَلِكَ فِي دَعْوَى الْمُدَّعِي وَفِي ذَلِكَ احْتِمَالَاتٌ ثَلَاثَةٌ:
الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ دَعْوَى الْمُدَّعِي فَاسِدَةً وَغَيْرَ قَابِلَةٍ لِلتَّصْحِيحِ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُحْتَاجُ لِأَخْذِ جَوَابِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الدَّعْوَى لِأَنَّ سَبَبَ الْجَوَابِ مَفْقُودٌ (الطَّحْطَاوِيُّ) وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَقُولُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي إنَّ دَعْوَاك فَاسِدَةٌ فَلَا تُسْمَعُ وَيُخْرِجُهُ مِنْ الْمَجْلِسِ.
مَثَلًا إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي قَائِلًا: قَدْ سَلَّمْت هَذَا الرَّجُلَ الْمَالَ الْفُلَانِيَّ فِي الْمَحَلِّ الْفُلَانِيِّ وَدِيعَةً وَقَدْ تَلِفَ فِي يَدِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ فَاطْلُبْ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِالْبَدَلِ. فَبِمَا أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى غَيْرُ صَحِيحَةٍ حَسَبَ الْمَادَّةِ (٧٧٧) كَمَا أَنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّصْحِيحِ فَلَا حَاجَةَ لِاسْتِجْوَابِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَرُدُّ الْقَاضِي دَعْوَى الْمُدَّعِي. كَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْمُدَّعِي قَائِلًا: إنَّ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ وَهَبَنِي كَذَا مَالًا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْنِي إيَّاهُ فَأَطْلُبْ إجْبَارَهُ عَلَى التَّسْلِيمِ. فَبِمَا أَنَّ دَعْوَاهُ هَذِهِ حَسَبَ حُكْمِ (الْمَادَّةِ ٨٣٧) غَيْرُ صَحِيحَةٍ كَمَا أَنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّصْحِيحِ فَيَرُدُّ الْقَاضِي الدَّعْوَى بِدُونِ اسْتِجْوَابِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
стр. 2836
كَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْمُدَّعِي قَائِلًا: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَعَارَ مَالَهُ إلَى فُلَانٍ وَبِمَا أَنَّنِي قَرِيبٌ لَهُ فَلْيُعِرْنِي إيَّاهُ. فَبِمَا أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى حَسَبَ الْمَادَّةِ (١٦٣٠) فَاسِدَةٌ وَغَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّصْحِيحِ فَيَرُدُّهَا الْقَاضِي بِدُونِ اسْتِجْوَابِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. الِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ دَعْوَى الْمُدَّعِي مُوَافَقَةً لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَصَحِيحَةً وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَسْتَجْوِبُ الْقَاضِي ثَانِيًا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ الْمُدَّعِي يَدَّعِي عَلَيْك بِهَذَا الْوَجْهِ فَمَا تَقُولُ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) . وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ لَيْسَ لِلْقَاضِي سُؤَالُ الْمُدَّعِي عَنْ أَسْبَابِ ثُبُوتِ دَعْوَاهُ قَبْلَ اسْتِجْوَابِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي يَكُونُ الْإِقْرَارُ سَبَبًا لِلْحُكْمِ وَإِذَا أَنْكَرَ تَكُونُ الشَّهَادَةُ سَبَبًا لِلْحُكْمِ وَيُوجَدُ فَرْقٌ فِي الْحُكْمِ بِهَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ (الدُّرَرُ) الِاحْتِمَالُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ دَعْوَى الْمُدَّعِي غَيْرَ صَحِيحَةٍ يَعْنِي فَاسِدَةً إلَّا أَنَّهَا قَابِلَةً لِلتَّصْحِيحِ كَأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى بِهِ مَجْهُولًا وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَقُولُ الْقَاضِي: صَحِّحْ دَعْوَاك. إذَنْ يَسْتَجْوِبُ الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْحَالِ ثَانِيًا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يُصَحِّحَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ أَوَّلًا وَلَا يَسْتَجْوِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ تَصْحِيحِ الْمُدَّعِي لَدَعْوَاهُ لِأَنَّ الْمُدَّعِي لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ تَصْحِيحِ الدَّعْوَى (الزَّيْلَعِيّ) .
مَثَلًا: لَوْ ادَّعَى الْمُدَّعِي قَائِلًا: قَدْ أَقْرَضْت هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِضْعَةَ دَنَانِيرَ لَا أَعْرِفُ مِقْدَارَهَا فَلْيُؤَدِّهَا لِي فَبِمَا أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (١٧١٩) غَيْرُ صَحِيحَةٍ إلَّا أَنَّهَا قَابِلَةٌ لِلتَّصْحِيحِ فَيَقُولُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي: (كَمْ دِينَارًا أَقْرَضْت ثُمَّ عِدَّ وَبَيِّنِ ذَلِكَ وَصَحِّحْ دَعْوَاك) صُورَةُ ضَبْطِ الدَّعْوَى: يَضْبِطُ وَيُحَرِّرُ الْقَاضِي أَوْ يَسْتَكْتِبُ كَاتِبَهُ خُلَاصَةَ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَإِفَادَتَهُ وَإِجَابَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِصُورَةٍ لَا تُغَيِّرُ مَاهِيَّةَ إفَادَتِهِمَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ خُلَاصَةَ تُغَيِّرُ أَوْ تُحَرِّفُ إفَادَاتِ الطَّرَفَيْنِ بِصُورَةٍ تُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْحَالِ إذَا بُدِّلَتْ أَقْوَالُ الطَّرَفَيْنِ فِي خُصُوصِ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ وَالْمُدَافَعَةِ وَأُفْرِغَتْ بِشَكْلٍ آخَرَ تَتَبَدَّلُ النَّتَائِجُ وَالْأَحْكَامُ وَيَنْتِجُ عَنْ ذَلِكَ ضَرَرُ الطَّرَفَيْنِ. مَثَلًا لَوْ ادَّعَى الْمُودِعُ عَلَى الْمُسْتَوْدِعِ قَائِلًا: (قَدْ أَوْدَعْتُك كَذَا وَدِيعَةً فِي الْمَحَلِّ الْفُلَانِيِّ وَسَلَّمْتهَا لَك فَأَطْلُبُ مِنْك أَنْ تُعِيدَهَا لِي) فَأَجَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا دَعْوَاهُ قَائِلًا: إنَّك لَمْ تُودِعْنِي أَيَّ شَيْءٍ مُطْلَقًا فَإِذَا حَرَّرَ هَذَا الْإِنْكَارَ بِالضَّبْطِ بِأَنَّ الْمُسْتَوْدِعَ قَدْ أَنْكَرَ الْوَدِيعَةَ يَكُونُ ذَلِكَ بَاعِثًا لِضَرَرِ الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ إذَا أَثْبَتَ الْمُدَّعِي الْإِيدَاعَ وَالتَّسْلِيمَ بَعْدَ إنْكَارِ الْمُسْتَوْدِعِ الْوَدِيعَةَ بِقَوْلِهِ لَمْ تُسَلِّمْنِي شَيْئًا مُطْلَقًا ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ الْمُسْتَوْدِعُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ لِلتَّنَاقُضِ فَلِذَلِكَ إذَا لَمْ يُضْبَطْ إنْكَارُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذِكْرِ اللَّفْظِ الَّذِي قَالَ وَاكْتَفَى بِأَنْ حَرَّرَ فِي الضَّبْطِ بِأَنَّ الْمُسْتَوْدِعَ قَدْ أَنْكَرَ الْوَدِيعَةَ وَنُسِيَتْ صُورَةُ إنْكَارِهِ فَلِلْمُسْتَوْدِعِ أَنْ يُثْبِتَ الرَّدَّ إذْ أَنَّ إثْبَاتَ الرَّدِّ مَقْبُولٌ حَسَبَ مَحْضَرِ الدَّعْوَى وَيَنْتُجُ عَنْ ذَلِكَ ضَرَرُ الْمُودِعِ.
стр. 2837
كَذَلِكَ لَوْ أَجَابَ الْمُسْتَوْدِعُ عَلَى دَعْوَى الْمُودِعِ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ لَك عِنْدِي وَدِيعَةٌ وَحَرَّرَ فِي الضَّبْطِ بِأَنَّك لَمْ تُودِعْنِي شَيْئًا مُطْلَقًا يَتَضَرَّرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْضًا حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ الدَّعْوَى بِإِثْبَاتِ إعَادَةِ الْوَدِيعَةِ.
[ (الْمَادَّةُ ١٨١٧) إذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ]
الْمَادَّةُ (١٨١٧) - (إذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ وَإِذَا أَنْكَرَ طَلَبَ الْبَيِّنَةِ مِنْ الْمُدَّعِي) إذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي أَلْزَمَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ أَيْ أَلْزَمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٥٨٧) لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْحَالِ تَكُونُ قَدْ حَصَلَتْ حُجَّةٌ مُلْزِمَةٌ لِلْحُكْمِ. قَدْ ذَكَرَتْ الْمَجَلَّةُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ عِبَارَةَ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ أَمَّا فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ فَقَدْ ذَكَرَتْ عِبَارَةَ حُكْمِ الْقَاضِي لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ الْحُكْمِ فِي الدَّعَاوَى الثَّابِتَةِ بِالْإِقْرَارِ هُوَ اسْتِعْمَالٌ مَجَازِيٌّ لِأَنَّ الْمُقِرَّ بِهِ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ وَهَذَا اللُّزُومُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي. وَالْقَضَاءُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إلْزَامٍ لِلْخُرُوجِ مِنْ مُقْتَضَى الْإِقْرَارِ. أَمَّا الْبَيِّنَةُ فَلَيْسَتْ حُجَّةً بِنَفْسِهَا كَالْإِقْرَارِ وَحُجِّيَّتُهَا تَحْصُلُ بِحُكْمِ الْقَاضِي لِأَنَّ الشَّهَادَةَ خَبَرٌ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَبِحُكْمِ الْقَاضِي يَسْقُطُ احْتِمَالُ الْكَذِبِ وَيَكُونُ دَلِيلًا لِلدَّعْوَى. وَبِمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ فِي نَفْسِهِ وَالْبَيِّنَةَ لَمْ تَكُنْ حُجَّةً فِي نَفْسِهَا فَإِذَا أَثْبَتَ وُقُوعُ الْإِقْرَارِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي يَكُونُ الْإِقْرَارُ الْمَذْكُورُ مُوجِبًا لِلْإِلْزَامِ بِعَكْسِ الشَّهَادَةِ إذْ لَوْ ثَبَتَ وُقُوعُ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ حُضُورِ الْقَاضِي فَلَا يَكُونُ وُقُوعُهَا مُوجِبًا لِلْإِلْزَامِ " الْبَحْرُ " وَلَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا أَقَرَّ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي وَحَكَمَ الْقَاضِي بِمُوجِبِ إقْرَارِهِ وَادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا فِي إقْرَارِهِ أَنْ يَطْلُبَ تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَيَّنِ فِي الْمَادَّةِ (١٥٨٩) أَمَّا إذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي فِي حُضُورِ الْقَاضِي وَرَجَعَ قَبْلَ حُكْمِ الْقَاضِي بِإِلْزَامِهِ بِإِقْرَارِهِ وَادَّعَى بِأَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا فِي إقْرَارِهِ وَطَلَبَ تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي عَلَى عَدَمِ كَذِبِهِ فِي إقْرَارِهِ فَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي عَلَى عَدَمِ كَذِبِهِ فِي إقْرَارِهِ فَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي حَيْثُ إنَّ وُقُوعَ الْإِقْرَارِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي لَا يَرْفَعُ احْتِمَالَ الْكَذِبِ فِيهِ وَيُحْتَمَلُ الْكَذِبُ فِي الْإِقْرَارِ الْوَاقِعِ فِي حُضُورِ الْقَاضِي كَمَا يُحْتَمَلُ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ الْوَاقِعِ فِي غِيَابِ الْقَاضِي " الْخَيْرِيَّةُ " إلَّا أَنَّهُ كَمَا ذَكَرَ فِي الْخَيْرِيَّةِ إذَا حُكِمَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُوجِبِ إقْرَارِهِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَجْرِي التَّحْلِيفُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَعْوَى الْمُدَّعِي أَوْ سَكَتَ أَوْ قَالَ لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ فَبِمَا أَنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ إنْكَارًا يَطْلُبُ الْقَاضِي مِنْ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ إذْ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ خَاطَبَ مُدَّعِيًا بِقَوْلِهِ «أَلَدَيْكَ بَيِّنَةٌ. فَأَجَابَ الْمُدَّعِي بِلَا: فَقَالَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ لَك تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ بِتَرْتِيبِهِ الْيَمِينَ عَلَى عَدَمِ الْبَيِّنَةِ دَلَّ عَلَى لُزُومِ طَلَبِ الْبَيِّنَةِ أَوَّلًا لِتَمْكِينِ الْمُدَّعِي مِنْ الِاسْتِحْلَافِ " الدُّرَرُ فِي الدَّعْوَى ". فَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي إنَّ بَيِّنَتِي فِي دَاخِلِ الْمَدِينَةِ أَوْ فِي مَجْلِسِ الْمَحْكَمَةِ إلَّا أَنَّنِي أَطْلُبُ تَحْلِيفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ أُقِيمُ الشُّهُودَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَتْ بَيِّنَتُهُ حَاضِرَةً فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ
стр. 2838
بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَتْ بَيِّنَتُهُ حَاضِرَةً فِي الْمَدِينَةِ فَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْيَمِينِ مُتَرَتِّبَةٌ أَوَّلًا عَلَى عَدَمِ الْبَيِّنَةِ " ثَانِيًا " إنَّ الْيَمِينَ خَلَفٌ عَنْ الْبَيِّنَةِ فَلَا يُصَارُ إلَى الْحَلِفِ الَّذِي هُوَ الْيَمِينُ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْبَيِّنَةُ مَا لَمْ يَحْصُلْ الْعَجْزُ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) أَمَّا إذَا كَانَ الشُّهُودُ فِي مَحَلِّ سَفَرٍ بَعِيدٍ أَوْ كَانُوا مَرْضَى فَلِلْمُدَّعِي أَنْ يُكَلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ بِالْإِجْمَاعِ " الشُّرُنْبُلَالِيُّ وَمَجْمَعُ الْأَنْهُرِ وَوَاقِعَاتُ الْمُفْتِينَ. وَالْبَيِّنَةُ إمَّا أَنْ تُقَامَ عَلَى أَصْلِ الْحَقِّ وَقَدْ بَيَّنَ هَذَا فِي كِتَابِ الْبَيِّنَاتِ أَوْ تُقَامَ لِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْقَاضِي وَتَتَوَضَّحُ هَذِهِ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٨٢١) " الْبَهْجَةُ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ. وَإِذَا أَنْكَرَ. حُكْمَانِ: الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: يَجُوزُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْكَارُ الدَّعْوَى فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقٌّ وَكَانَ مُبْطِلًا فِي دَعْوَاهُ فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْكَارُ الدَّعْوَى أَمَّا إذَا كَانَ لِلْمُدَّعِي حَقٌّ عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاقِفًا وَعَالِمًا بِحَقِّ الْمُدَّعِي فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِنْكَارُ إلَّا أَنَّهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْآتِيَتِي الذِّكْرِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُنْكِرَ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَلَوْ كَانَ وَاقِفًا عَلَى حَقِّ الْمُدَّعِي الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى - دَعْوَى الْعَيْنِ - إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي قَائِلًا إنَّ الْمَالَ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْك فِيهِ كَذَا فَلِلْبَائِعِ وَلَوْ كَانَ وَاقِفًا عَلَى الْعَيْبِ الْقَدِيمِ أَنْ يُنْكِرَ وُجُودَهُ حَتَّى يُثْبِتَ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ الْقَدِيمَ وَيَرُدَّهُ إلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ بِدُورِهِ أَنْ يَرُدَّهُ لِلْبَائِعِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ - لِوَصِيِّ الْمُتَوَفَّى أَنْ يُنْكِرَ دَيْنَ الْمُتَوَفَّى وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ (الشُّرُنْبُلَالِيُّ) . الْحُكْمُ الثَّانِي: لَا تُقَامُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُقِرِّ بَلْ يَجِبُ إقَامَتُهَا عَلَى الْمُنْكِرِ وَقَدْ بَيَّنَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٧٧٦) أَنَّهُ إذَا ثَبَتَتْ الدَّعْوَى بِالْبَيِّنَةِ وَبِالْإِقْرَارِ مَعًا يَحْكُمُ فِيهَا بِالْإِقْرَارِ. مَثَلًا؛ إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي قَائِلًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ. إنَّ لِي فِي ذِمَّتِك عَشْرَةَ دَنَانِيرَ وَأَجَابَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ نَعَمْ إنَّ لَك فِي ذِمَّتِي هَذَا الْمَبْلَغَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْ. الْمُدَّعِي بَعْدَ هَذَا الْإِقْرَارِ إثْبَاتُ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَوَقَّعُ فِيهَا ضَرَرُ غَيْرِ الْمُقِرِّ إذَا لَمْ تُقَمْ الْبَيِّنَةُ. إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ كَالِاسْتِحْقَاقِ وَفِي الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ (عَبْدُ الْحَلِيمِ فِي الدَّعْوَى وَالْأَشْبَاهُ) . الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى - إذَا ادَّعَى أَحَدٌ دَيْنًا مِنْ التَّرِكَةِ فِي مُوَاجَهَةِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ وَأَقَرَّ ذَلِكَ الْوَارِثُ فَلِلْمُدَّعِي لِتَعَدِّيَةِ الْحُكْمِ أَيْ لِجَعْلِهِ سَارِيًا عَلَى بَاقِي الْوَرَثَةِ أَنْ يُثْبِتَ دَعْوَاهُ بِالشُّهُودِ اُنْظُرْ مَادَّةَ (١٦٤٢) (الْحَمَوِيُّ) . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ - لِلْمُدَّعِي إثْبَاتُ الْوِصَايَةِ بِالشُّهُودِ وَلَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَا. مَثَلًا؛ إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي قَائِلًا: إنَّنِي وَصِيٌّ عَنْ فُلَانٍ الْمُتَوَفَّى وَإِنَّ لِلْمُتَوَفَّى الْمَذْكُورِ فِي ذِمَّةِ
стр. 2839
الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَذَا دِرْهَمًا فَلْيَرُدَّهَا إلَيَّ فَلِلْمُدَّعِي أَنْ يُثْبِتَ وِصَايَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ وَلَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْوِصَايَةِ لِأَنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ اعْتِمَادًا عَلَى الْإِقْرَارِ فَقَطْ لَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ إذَا أَنْكَرَ الْوَارِثُ الْوِصَايَةَ أَمَّا لَوْ دَفَعَ بَعْدَ الْبُرْهَانِ فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ - لِلْوَكِيلِ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ أَنْ يُثْبِتَ وَكَالَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ وَلَوْ أَقَرَّ الْمُسْتَوْدَعُ بِهَا، مَثَلًا لَوْ أَقَرَّ الْمُسْتَوْدَعُ بِوَكَالَةِ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ فَلِلْوَكِيلِ إثْبَاتُ وَكَالَتِهِ (الْوَاقِعَاتُ) . كَذَلِكَ لِلْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ أَنْ يُثْبِتَ وَكَالَتَهُ وَلَوْ أَقَرَّ الْمَدِينُ بِوَكَالَتِهِ؛ إذْ لَوْ دَفَعَ الدَّيْنَ لِلْوَكِيلِ بِلَا بَيِّنَةٍ يَتَضَرَّرُ لِأَنَّهُ لَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ إذَا أَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ - إذَا أَقَرَّ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَأَقَامَ الرَّاجِعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ تُقْبَلُ، وَلِلْمَرْجُوعِ إلَيْهِ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ إذْ أَنَّ الْحُكْمَ وَقَعَ بِبَيِّنَةٍ لَا بِالْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى إثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ لِيُمْكِنَهُ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ (الْبَحْرُ) . الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ - إذَا أَقَرَّ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ بِالدَّعْوَى الْمُقَامَةِ عَلَى الصَّغِيرِ فَالْمُدَّعِي مَجْبُورٌ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ " الْحَمَوِيُّ ". الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ - إذَا ادَّعَى الْعَقَارَ الَّذِي فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَائِلًا أَنَّهُ مِلْكِي فَيَجِبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ وَضَاعَةَ يَدِهِ عَلَى الْعَقَارِ الْمَذْكُورِ وَلَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي بِوَضَاعَةِ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٧٥٤) " الْحَمَوِيُّ ". الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ - إذَا آجَرَ أَحَدٌ مَالَهُ لِآخَرَ ثُمَّ بَعْدَ تَأْجِيرِهِ آجَرَهُ لِشَخْصٍ آخَرَ فَادَّعَى الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الثَّانِي فِي حُضُورِ الْمُؤَجِّرِ وَأَقَرَّ الْمُؤَجِّرُ بِأَنَّهُ آجَرَ الْعَقَارَ أَوَّلًا لِلْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ وَأَنْكَرَ الْمُسْتَأْجِرُ الثَّانِي فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مُدَّعَاهُ (الْأَشْبَاهُ) . الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ - إذَا أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ لِلْمُوصَى لَهُ فَلِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يُثْبِتَ مُدَّعَاهُ فِي مُوَاجَهَةِ هَذَا الْمُقِرِّ (الْأَشْبَاهُ) . الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ - إذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ لِإِثْبَاتِ تَأْدِيَةِ الثَّمَنِ الْمَذْكُورِ لِلْوَكِيلِ تُقْبَلُ (الْوَاقِعَاتُ) . الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ - لِلْمُدَّعِي أَنْ يُثْبِتَ دَيْنَهُ عَلَى الْمَحْجُورِ الْمَدِينِ أَوْ السَّفِيهِ وَلَوْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٥٧٦) .
أَوْصَافُ الشُّهُودِ وَأَشْكَالُهُمْ. لِلْقَاضِي أَنْ يَذْكُرَ فِي مَحْضَرِ الدَّعْوَى أَسْمَاءَ الشُّهُودِ الَّذِينَ أَقَامَهُمْ الْمُدَّعِي وَأَسْمَاءَ الْخُصُومِ وَنَسَبَهُمْ وَأَشْكَالَهُمْ وَأَوْصَافَهُمْ وَمَحَلَّ إقَامَتِهِمْ وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَجْتَنِبَ ذِكْرَ الْأَوْصَافِ الْمُوجِبَةِ لِلْخَجَلِ أَوْ الْعَارِ كَأَنْ يَصِفَهُمْ بِالْأَعْوَرِ أَوْ الْأَحْوَلِ أَوْ الْأَحْدَبِ
стр. 2840
يَضْبِطُ الْقَاضِي أَقْوَالَ الشُّهُودِ وَيُقَابِلُهَا بِالدَّعْوَى فَإِذَا وَجَدَهَا مُوَافِقَةً يَقْبَلُهَا وَإِلَّا فَيَرُدُّهَا اُنْظُرْ الْمَادَّةَ " ١٧٠٦ ". فَهَؤُلَاءِ الشُّهُودُ إمَّا أَنْ يَسْمَعَهُمْ بِالذَّاتِ الْقَاضِي الَّذِي اسْتَمَعَ الدَّعْوَى وَسَيَحْكُمُ بِهَا وَقَدْ بَيَّنَ تَفْصِيلَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْبَيِّنَاتِ وَالتَّحْلِيفِ وَإِمَّا أَنْ يَحْكُمَ بِالدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ الَّتِي اسْتَمَعَهَا قَاضٍ غَيْرُهُ وَيُطْلَقُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ الْكِتَابُ الْحُكْمِيُّ، وَسَيُفَصِّلُ الْكِتَابُ الْحُكْمَ فِي اللَّائِحَةِ الْآتِيَةِ الذِّكْرِ.
مُلْحَقٌ فِي حَقِّ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَتَحْتَوِي عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَسِتَّةِ مَبَاحِثَ وَخَاتِمَةٍ الْمُقَدِّمَةُ فِي إيضَاحِ كِتَابِ الْقَاضِي، إلَى الْقَاضِي. وَبَيَانُ بَعْضِ الِاصْطِلَاحَاتِ الْفِقْهِيَّةِ.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ الْكِتَابُ الْحُكْمِيُّ هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي يُرْسِلُهُ قَاضِي بَلْدَةٍ إلَى قَاضِي بَلْدَةٍ أُخْرَى يَتَضَمَّنُ ادِّعَاءَ أَحَدٍ عَلَى آخَرَ غَائِبًا وَلَيْسَ لَهُ وَكِيلٌ حَاضِرٌ فِي بَلْدَةِ ذَلِكَ الْقَاضِي وَاسْتِمَاعِ الْقَاضِي لِلدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ وَإِجْرَاءِ التَّزْكِيَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْقَاضِي الْمُرْسِلِ الْكِتَابَ. الْقَاضِي الْكَاتِبُ؛ وَعَلَى الْقَاضِي الْمُرْسَلُ إلَيْهِ. الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ. قِيلَ وَلَيْسَ لَهُ وَكِيلٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْغَائِبِ وَكِيلٌ بِالْخُصُومَةِ فَالدَّعْوَى تُقَامُ فِي مُوَاجَهَتِهِ وَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ وَالْقَاضِي يُصْدِرُ الْحُكْمَ " الْهِنْدِيَّةُ ". إنَّ هَذَا الْكِتَابَ لَا يَتَضَمَّنُ فِي الْحَقِيقَةِ حُكْمًا أَوْ قَضَاءً بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ نَقْلِ الشَّهَادَةِ فَتَسْمِيَتُهُ بِالْكِتَابِ الْحُكْمِيِّ هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولَ إلَيْهِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالزَّيْلَعِيُّ) .
قِيلَ لِأَنَّ هَذَا الْكِتَابَ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عِبَارَةٌ عَنْ نَقْلِ الشَّهَادَةِ: لِأَنَّ الْكِتَابَ الْحُكْمِيَّ يَنْقُلُ شَهَادَةَ الْأُصُولِ كَنَقْلِ شُهُودِ الْفُرُوعِ بِشَهَادَتِهِمْ شَهَادَةَ شُهُودِ الْأُصُولِ (الشِّبْلِيُّ) فَلِذَلِكَ لَا حَاجَةَ لِإِحْضَارِ الْخَصْمِ فِي ذَلِكَ (الْوَلْوَالِجِيَّةِ) .
سُؤَالٌ - مَا دَامَ أَنَّ الْقَاضِيَ الْكَاتِبَ يَسْتَمِعُ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَبَيِّنَتَهُ فَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ فِي الدَّعْوَى وَفِي هَذَا الْحَالِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْكِتَابِ الْحُكْمِيِّ؟ الْجَوَابُ - لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ إذْ قَدْ بُيِّنَ فِي الْمَادَّةِ (١٨٣٠) بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ حِينَ الْحُكْمِ حُضُورُ الطَّرَفَيْنِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) .
следующие страницы →