← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21692

درر الحكام في شرح مجلة الأحكام

علي حيدر

Полный текст (2 914 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

صُورَةِ الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ هَذَا: فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى حَيْثُ إنَّ الدَّيْنَ الَّذِي تَقَيَّدَتْ بِهِ الْحَوَالَةُ سَقَطَ بِأَمْرٍ عَارِضٍ وَلَمْ تَتَبَيَّنْ بَرَاءَةُ الْأَصِيلِ مِنْ الدَّيْنِ وَقْتَ الْحَوَالَةِ. وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ حَيْثُ إنَّ بَرَاءَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ تَبَيَّنَتْ وَقْتَ الْحَوَالَةِ كَانَتْ الْحَوَالَةُ بَاطِلَةً. وَفِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ بِالِاسْتِحْقَاقِ كَهَذَا كَمَا مَرَّ مُفَصَّلًا فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٩١) بَلْ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَجْبُورٌ لِتَأْدِيَةِ الْمُحَالِ بِهِ. صَوَّرَ الْبَائِعِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ مُحِيلًا وَالْمُشْتَرِيَ مُحَالًا عَلَيْهِ فَقَطْ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُحِيلًا وَمَدِينُ الْمُشْتَرِي مُحَالًا عَلَيْهِ وَالْبَائِعِ مُحَالًا لَهُ يَعْنِي لَوْ أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِدَيْنِهِ الَّذِي لِلْبَائِعِ الْمَذْكُورِ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ عَلَى مَدِينِهِ بِالْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، ثُمَّ رُدَّ الْمَبِيعُ الْمَذْكُورُ بِخِيَارِ الْعَيْبِ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ إلَى الْبَائِعِ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ أَجَّلَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ بِالْمَالِ فَإِنَّ الْأَجَلَ يَنْقَضِي أَيْضًا إذَا كَانَ الرَّدُّ بِحُكْمٍ فَإِنْ كَانَ الرَّدُّ بِغَيْرِ حُكْمٍ لَا يَبْطُلُ الْأَجَلُ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَتْبَعَ الْبَائِعَ بِهِ حَالًّا وَإِنْ شَاءَ أَجَّلَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ إلَى أَجَلِهِ، بَيْدَ أَنَّهُ ثَمَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ إحَالَةِ الْبَائِعِ غَرِيمَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَبَيْنَ إحَالَةِ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى غَرِيمِهِ، حَيْثُ لَا تَبْطُلُ فِي الْأُولَى بِالْفَسْخِ وَتَبْطُلُ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ فِي الْأُولَى تَبَيَّنَ أَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَهِيَ تَصِحُّ بِدُونِ دَيْنٍ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَفِي الثَّانِيَةِ ظَهَرَ أَنَّ الْمُحِيلَ لَيْسَ بِمَدِينٍ فَبَطَلَتْ (الْبَحْرُ) . [ (الْمَادَّةُ ٦٩٤) إذَا ظَهَرَ مُسْتَحِقٌّ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ] (الْمَادَّةُ ٦٩٤) إذَا ظَهَرَ مُسْتَحِقٌّ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ الْمَبْلَغِ الْمَوْجُودِ لِلْمُحِيلِ أَمَانَةً بِيَدِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَضُبِطَ ذَلِكَ الْمَالُ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ وَيَعُودُ هَذَا الدَّيْنُ إلَى الْمُحِيلِ، وَإِذَا أُعْطِيت مِنْ الْمَبْلَغِ الْمَغْصُوبِ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ وَيَبْرَأُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ، لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ وَصَلَ لِصَاحِبِهِ وَحَصَلَتْ بَرَاءَةُ الْغَاصِبِ مِنْ الضَّمَانِ بِهَذَا (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) ، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ تَصِيرُ تَأْدِيَةُ الدَّيْنِ لَازِمَةً عَلَى الْمُحِيلِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . [ (الْمَادَّةُ ٦٩٥) فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ] (الْمَادَّةُ ٦٩٥) فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ الْمَبْلَغِ الَّذِي لِلْمُحِيلِ بِيَدِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ إذَا هَلَكَ ذَلِكَ الْمَبْلَغُ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا، وَيَعُودُ هَذَا الدَّيْنُ إلَى الْمُحِيلِ وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ بِهَلَاكٍ كَهَذَا، مَثَلًا لَوْ أَحَالَ أَحَدُهُمْ دَايَنَهُ عَلَى شَخْصٍ عَلَى أَنْ يُعْطَى مِنْ دَرَاهِمِ الْأَمَانَةِ الَّتِي لَهُ عِنْدَ الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ وَهَلَكَتْ تِلْكَ الدَّرَاهِمُ قَبْلَ الْأَخْذِ بِلَا تَعَدٍّ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ وَيَعُودُ مَطْلُوبُ الدَّيْنِ إلَى الْمُحِيلِ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ تِلْكَ الدَّرَاهِمُ مَغْصُوبَةً أَوْ كَانَتْ أَمَانَةً وَلَزِمَتْ تَأْدِيَتُهَا بِاسْتِهْلَاكِ ذَلِكَ الشَّخْصِ لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ.

стр. 842

وَإِذَا هَلَكَ الْمَبْلَغُ أَوْ الْمَالُ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ الْمَبْلَغِ أَوْ الْمَالِ الْمَذْكُورِ الَّذِي لِلْمُحِيلِ بِيَدِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَبْلَغُ أَوْ الْمَالُ الْمَذْكُورُ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةً أَوْ عَيْنًا مَأْجُورَةً انْقَضَتْ مُدَّةُ إجَارَتِهَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ أَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ الْتَزَمَ ذَلِكَ الدَّيْنَ بِنَاءً عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ فَلَمَّا هَلَكَ الْمَالُ الْمَذْكُورُ أَمَانَةً لَزِمَ أَيْضًا بُطْلَانِ الْحَوَالَةِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) ، وَيَثْبُتُ الْهَلَاكُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ بِادِّعَاءِ الْأَمِينِ أَيْ الْوَدِيعِ مَثَلًا، وَيَمِينِهِ (الذَّخِيرَةُ) رَاجِعْ الْمَادَّةَ (١٧٧٤) ، وَيَعُودُ هَذَا الدَّيْنُ إلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُحَالِ لَهُ هَلَكَ عِنْدَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَإِنْ يَكُنْ التَّوَى يَتَحَقَّقُ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ وَلَا رَابِعَ لَهَا كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٩٠) وَالْمَذْكُورُ هُنَاكَ هُوَ هَلَاكُ الدَّيْنِ فِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ وَلَيْسَ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَبْلَغُ أَوْ ذَلِكَ الْمَالُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ مَغْصُوبًا لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ بِهَلَاكٍ كَهَذَا، لِأَنَّ وَاضِعَ الْيَدِ لَا يَخْلُصُ مِنْ الضَّمَانِ بِهَلَاكِ الْمَضْمُونِ، وَيَكُونُ وَاضِعُ الْيَدِ الْمُحَالُ عَلَيْهِ - ضَامِنًا بَدَلَهُ يَعْنِي مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَقِيمَتَهُ إنْ كَانَ مِنْ الْقِيَمِيَّاتِ وَيَقُومُ بَدَلُ الضَّمَانِ هَذَا مَقَامَ الْمَالِ الْهَالِكِ، وَلَكِنْ إذَا ضُبِطَ الْمَالُ الْمَغْصُوبُ الْمَذْكُورُ الِاسْتِحْقَاقِ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ وَفَرْقٌ بَيْنَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْهَلَاكِ: فَفِي الِاسْتِحْقَاقِ يَكُونُ الْمَالُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَأَمَّا فِي الْهَلَاكِ، فَتَتَحَوَّلُ إلَى الضَّمَانِ وَيَقُومُ بَدَلُ الضَّمَانِ مَقَامَ أَصْلِ الْمَالِ، مَثَلًا لَوْ أَحَالَ أَحَدُهُمْ دَائِنَهُ عَلَى شَخْصٍ بِنَاءً عَلَى أَنْ يُعْطَى مِنْ مَبْلَغِ الْأَمَانَةِ الَّتِي لِلْمُحِيلِ فِي يَدِهِ كَالْوَدِيعَةِ وَهَلَكَ ذَلِكَ الْمَبْلَغُ فِي يَدِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ الْمُحَالُ لَهُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ وَلَا يُلْزَمُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. رَاجَعَ الْمَادَّةَ (٧٦٨) . وَيَعُودُ مَطْلُوبُ الدَّائِنِ عَلَى الْمُحِيلِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَبْلَغُ مَغْصُوبًا أَوْ أَمَانَةً يَلْزَمُ أَدَاؤُهَا بِاسْتِهْلَاكِ ذَلِكَ الشَّخْصِ وَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ وَيَبْقَى الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُؤَاخَذًا بِالْمُحَالِ بِهِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ. الْهِنْدِيَّةُ) لِأَنَّهُ فَاتَ إلَى خَلَفٍ وَهُوَ الضَّمَانُ، وَالْخَلَفُ يَقُومُ مَقَامَ الْأَصْلِ وَكَأَنَّ الْمَغْصُوبَ قَائِمٌ مَعْنًى فَلَا يَبْطُلُ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) وَإِذَا كَانَ الْمَبْلَغُ الْمَذْكُورُ مَالًا مَغْصُوبًا فَلَا يُقْبَلُ ادِّعَاءُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَيَمِينُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ قَدْ هَلَكَ. [ (الْمَادَّةُ ٦٩٦) أَحَالَ رَجُلٌ عَلَى شَخْصٍ بِنَاءً عَلَى شَرْط مَعِين وَقَبِلَ الشَّخْصُ الْمَذْكُورُ الْحَوَالَةَ] (الْمَادَّةُ ٦٩٦) إذَا أَحَالَ رَجُلٌ عَلَى شَخْصٍ بِنَاءً عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَالًا مُعَيَّنًا لَهُ وَيُؤَدِّيَ مِنْ ثَمَنِهِ وَقَبِلَ الشَّخْصُ الْمَذْكُورُ الْحَوَالَةَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ تَصِحُّ وَيُجْبَرُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ الْمَالَ وَيُؤَدِّيَ الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ.

стр. 843

تُوجَدُ ثَلَاثُ صُوَرٍ فِي حَوَالَةِ دَيْنٍ بِشَرْطِ أَنْ يُبَاعَ مَالٌ وَيُوفَى ثَمَنُهُ: الصُّورَةُ الْأُولَى - أَنْ يُحِيلَ أَحَدُهُمْ دَائِنَهُ عَلَى شَخْصٍ بِنَاءً عَلَى أَنْ يَبِيعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَالًا مُعَيَّنًا مِنْ أَمْوَالِ الْمُحِيلِ، يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أُجْرِيَتْ الْحَوَالَةُ مَعَ ذِكْرِ هَذَا الشَّرْطِ وَقْتَ عَقْدِ الْحَوَالَةِ وَقَبِلَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ بِهَذَا الشَّرْطِ أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَ مَالًا مُعَيَّنًا لِلْمُحِيلِ وَيُؤَدِّيَ الْمُحَالَ بِهِ مِنْ ثَمَنِهِ وَيَرْضَى الْمُحَالُ لَهُ أَيْضًا، تَصِحُّ الْحَوَالَةُ وَيَكُونُ الشَّرْطُ مُعْتَبَرًا؛ لِأَنَّ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ قُدْرَةً فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى بَيْعِ الْمَالِ الْمَذْكُورِ وَإِيفَاءِ الْمُحَالِ بِهِ، وَحَيْثُ إنَّ فِي هَذَا الْخُصُوصِ نَظِيرَ الْمَادَّةِ (٧٦٠) يُجْبَرُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى بَيْعِ ذَلِكَ الْمَالِ وَأَدَاءِ، الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ. فَإِذًا الْإِجْبَارُ لِلْبَيْعِ وَأَدَاءِ الدَّيْنِ مَعًا وَإِلَّا لَا يُجْبَرُ عَلَى الْأَدَاءِ قَبْلَ الْبَيْعِ. كَمَا أَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَ الرَّهْنِ صَحَّ وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَإِذَا بَاعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْمَالَ الْمَذْكُورَ وَأَعْطَى ثَمَنَهُ لِلْمُحَالِ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَفِ الدَّيْنَ تَمَامًا لَا يُطْلَبُ بَاقِيهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. وَيَقُولُ (عَبْدُ الْحَلِيمِ) : إنَّهُ فِي حَالَةِ إذْنِ الْمُحِيلِ الْمُحَالَ عَلَيْهِ بِبَيْعِ مَالِهِ لَهُ - أَيْ لِلْمُحِيلِ - أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إذْنِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْبَيْعِ وَأَنْ يَنْهَى الْمُحَالَ عَلَيْهِ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِجْبَارُ عَلَى الْبَيْعِ، وَلَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ قِيَاسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْبَيْعِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَجَلَّةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) أَنَّ الرُّجُوعَ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَنَّ الْإِجْبَارَ عَلَى الْبَيْعِ جَائِزٌ أَيْضًا، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَيَانُ (عَبْدِ الْحَلِيمِ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لِلْمُحِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إذْنِهِ أَيْضًا فِيمَا لَوْ أَذِنَ بِبَيْعِ مَالِهِ بَعْدَ أَنْ تَجْرِيَ وَتَتِمَّ الْحَوَالَةُ بِلَا شَرْطٍ، وَتُسْتَفَادُ الْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ تَصْوِيرِ صُدُورِ هَذَا الشَّرْطِ أَيْ شَرْطِ بَيْعِ مَالِ الْمُحِيلِ مِنْ الْمُحَالِ أَنَّهُ إذَا صَدَرَ مِنْ الْمُحِيلِ عَلَيْهِ فِي الْحَوَالَةِ الَّتِي تَجْرِي عَلَى وَجْهِ الْمَادَّةِ (٦٨١) شَرْطٌ بَيْنَ الْمُحَالِ لَهُ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ فَقَطْ تَكُونُ الْحَوَالَةُ فَاسِدَةً. وَلَوْ كَانَ الْمَالُ الْمَذْكُورُ وَدِيعَةً عِنْدَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى إجْرَاءِ ذَلِكَ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٩٦) . مِثَالٌ: لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: (خُذْ عَلَيْك حَوَالَةَ دَيْنِي الْبَالِغِ كَذَا قِرْشًا عِنْدَ فُلَانٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَ كَذَا مِنْ مَالِهِ وَتُؤَدِّيَ مِنْ ثَمَنِهِ) وَقَبِلَ الْآخَرُ تَكُونُ الْحَوَالَةُ فَاسِدَةً. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ - قَبُولُ الْحَوَالَةِ عَلَى أَنْ يُبَاعَ مَالُ أَجْنَبِيٍّ وَيُؤَدَّى الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِهِ. يَعْنِي لَا يَصِحُّ أَنْ يَأْخُذَ شَخْصٌ دَيْنَ آخَرَ حَوَالَةً عَلَى نَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَالَ أَجْنَبِيٍّ وَيُؤَدِّيَ الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ (عَبْدُ الْحَلِيمِ وَالْهِنْدِيَّةُ) فَعَلَيْهِ تَعْبِيرُ (مَالًا لَهُ) الْوَارِدُ فِي الْمَجَلَّةِ كَانَ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ - قَبُولُ شَخْصٍ دَيْنَ آخَرَ حَوَالَةً عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَبِيعَ مَالًا لَهُ وَيَفِيَ الدَّيْنَ، يَعْنِي إذَا قَبِلَ شَخْصٌ دَيْنَ آخَرَ حَوَالَةً عَلَى نَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَالًا لَهُ وَيَفِيَ الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ تَجُوزُ الْحَوَالَةُ

стр. 844

وَلَكِنْ فِي هَذِهِ الْحَالِ كَمَا أَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْمَالِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَجُوزُ مُطَالَبَتُهُ بِالْمُحَالِ بِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبِ الْأَدَاءِ، لَا يَجِبُ الْأَدَاءُ قَبْلَ الْبَيْعِ (الدُّرَرُ) ، بَلْ إنَّهُ حِينَمَا يَبِيعُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَالَ يُجْبَرُ عَلَى تَأْدِيَةِ الْمُحَالِ بِهِ لِتَحَقُّقِ سَبَبِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِتَحَقُّقِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ (الدُّرَرُ) . وَلَا يَكُونُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَسْئُولًا عَنْ الْبَاقِي فِي حَالَةِ بَيْعِهِ الْمَالَ بِثَمَنِ مِثْلِهِ وَتَأْدِيَتِهِ الدَّيْنَ وَعَدَمِ وَفَائِهِ بِالْمُحَالِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْأَدَاءَ مِنْ الثَّمَنِ وَقَدْ أَدَّى الثَّمَنَ بِكَمَالِهِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) ؛ لِأَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ الْتَزَمَ أَدَاءَ الدَّيْنِ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ وَأَدَّى الثَّمَنَ كَامِلًا حَسَبَ الْتِزَامِهِ، وَتَعْبِيرُ (مَالًا لَهُ) الْوَارِدُ فِي الْمَجَلَّةِ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ هَذَا. خُلَاصَةُ الْكَلَامِ أَنَّ فِي هَذَا أَرْبَعَ مَسَائِلَ: مَسْأَلَةٌ ١: أَنْ يُذْكَرَ فِي الْحَوَالَةِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ شَرْطُ بَيْعِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مَالًا مُعَيَّنًا لِلْمُحِيلِ، وَتَأْدِيَةُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَأَنْ يَقْبَلَ الْمُحِيلُ وَالْمُحَالُ لَهُ الْحَوَالَةَ بِهَذَا الشَّرْطِ. وَالْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ مِنْ الْمَجَلَّةِ هُوَ هَذِهِ الصُّورَةُ. مَسْأَلَةٌ ٢: أَنْ يُشْرَطَ فِي الْحَوَالَةِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُحَالِ لَهُ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ بَيْعُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مَالَ الْمُحِيلِ وَأَدَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ وَأَنْ لَا يَقْبَلَ الْمُحِيلُ الْحَوَالَةَ مَعَ دُخُولِهِ بِهَا. مَسْأَلَةٌ ٣: عَقْدُ الْحَوَالَةِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَالَ أَجْنَبِيٍّ وَيُؤَدِّيَ مِنْ ثَمَنِهِ. مَسْأَلَةٌ ٤: عَقْدُ الْحَوَالَةِ بِنَاءً عَلَى أَنْ يَبِيعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَالَ ذَاتِهِ وَيُؤَدِّيَ مِنْ ثَمَنِهِ. فَالصُّورَتَانِ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ غَيْرُ صَحِيحَتَيْنِ وَالْأُولَى وَالرَّابِعَةُ صَحِيحَتَانِ وَقَدْ فُصِّلَتْ أَحْكَامُهُمَا آنِفًا. [ (الْمَادَّةُ ٦٩٧) فِي الْحَوَالَةِ الْمُبْهَمَةِ] (الْمَادَّةُ ٦٩٧) فِي الْحَوَالَةِ الْمُبْهَمَةِ أَيْ فِي الْحَوَالَةِ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا تَعْجِيلُ الْمُحَالِ بِهِ وَتَأْجِيلُهُ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُعَجَّلًا عَلَى الْمُحِيلِ فَالْحَوَالَةُ مُعَجَّلَةٌ أَيْضًا وَيَلْزَمُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا حَالًا وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَالْحَوَالَةُ تَكُونُ أَيْضًا مُؤَجَّلَةً وَيَلْزَمُ أَدَاؤُهَا عِنْدَ حُلُولِ وَعْدَتِهَا. إنَّ الْمُحَالَ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَوَالَةِ يَتَقَيَّدُ بِالصِّفَةِ الَّتِي لَهُ بِذِمَّةِ الْمُحِيلِ، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُعَجَّلًا عَلَى الْمُحِيلِ كَانَتْ الْحَوَالَةُ مُعَجَّلَةً أَيْضًا وَلَزِمَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ تَأْدِيَتُهَا فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا عَلَى الْمُحِيلِ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَانَتْ الْحَوَالَةُ مُؤَجَّلَةً أَيْضًا بِتِلْكَ الْمُدَّةِ وَلَزِمَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا عِنْدَ حُلُولِ أَجَلِهَا؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَانَتْ لِأَجْلِ نَقْلِ الدَّيْنِ وَتَحْوِيلِهِ، وَالدَّيْنُ يَتَحَوَّلُ بِالصِّفَةِ الَّتِي لَهُ عِنْدَ الْأَصِيلِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَكَمَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْكَفَالَةِ كَانَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ أَيْضًا، رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٦٥٢) ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَبْطُلُ الْأَجَلُ بِوَفَاةِ الْمُحِيلِ قَبْلَ تَمَامِ الْوَعْدَةِ، وَأَمَّا بِوَفَاةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ يَبْطُلُ الْأَجَلُ وَيَصِيرُ الدَّيْنُ عَلَيْهِ حَالًّا. وَسَبَبُ بُطْلَانِ الْأَجَلِ بِوَفَاةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ هُوَ أَنَّ الْأَجَلَ إنَّمَا كَانَ لِمَنْفَعَةِ

стр. 845

الْمَدِينِ كَيْ يُتَاجِرَ وَيَرْبَحَ وَيُعْطِيَ دَايِنَهُ، فَبِوَفَاتِهِ لَا يَبْقَى إمْكَانٌ لِلِاتِّجَارِ وَالرِّبْحِ، وَإِنَّمَا إذَا عَادَ الدَّيْنُ إلَى الْمُحِيلِ بِوَفَاةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مُفْلِسًا كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٩٠) فَيُعَدُّ أَجَلُ الْمُحِيلِ بَاقِيًا كَمَا كَانَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ جِهَةٍ الْمُتَوَفَّى كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَبَدَلِ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ سَقَطَ حُكْمًا لِلْحَوَالَةِ وَقَدْ انْتَقَضَتْ بِالتَّوَى فَيَنْتَقِضُ مَا فِي ضِمْنِهَا، كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَدِينُ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَرَسًا مِنْ الطَّالِبِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْفَرَسَ عَادَ الْأَجَلُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ بِتَغَيُّرٍ مَا) . وَحَيْثُ إنَّ الْحَوَالَةَ الْمُبْهَمَةَ لَمْ تُعَرَّفْ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الْكِتَابِ فِي مَتْنِ الْمَجَلَّةِ حَسَبَ الْمُعْتَادِ وَرَدَ تَعْرِيفُهَا هُنَا بِعِبَارَةِ (أَيْ فِي الْحَوَالَةِ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا تَعْجِيلُ الْمُحَالِ بِهِ.) . وَأَمَّا فِي الْحَوَالَةِ غَيْرِ الْمُبْهَمَةِ فَيُطَالَبُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ بِالنَّظَرِ لِلْوَصْفِ الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ مِنْ التَّعْجِيلِ أَوْ التَّأْجِيلِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الْحَوَالَةِ) . كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْكَفَالَةِ أَيْضًا كَانَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٦٥٣) . وَبِمَا أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سُرِدَتْ شَرْحًا نَظِيرَةٌ لِلْمَادَّةِ (٦٥٣) فَكَانَ مِنْ الْمُنَاسِبِ أَنْ تُورَدَ مَتْنًا عَقِبَ الْمَادَّةِ (٦٩٧) . وَلْيَكُنْ مَعْلُومًا كَمَا أَنَّ حَوَالَةَ الدَّيْنِ مُؤَجَّلَةٌ بِالْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا بِهَا كَانَ صَحِيحَةً فَحَوَالَتُهُ بِمُدَّةٍ أَزْيَدَ أَوْ أَنْقَصَ صَحِيحَةٌ أَيْضًا (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْمَحَلِّ الْمَزْبُورِ) وَالْحُكْمُ فِي الْكَفَالَةِ أَيْضًا هَكَذَا، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٦٥٤) . وَكَمَا أَنَّ حَوَالَةَ الدَّيْنِ الْمُعَجَّلِ جَائِزَةٌ فَحَوَالَتُهُ مُؤَجَّلًا جَائِزَةٌ أَيْضًا، مَثَلًا لَوْ أَحَالَ شَخْصٌ دَيْنَهُ النَّاشِئَ مِنْ جِهَةِ الْقَرْضِ عَلَى آخَرَ مُؤَجَّلًا لِمُدَّةِ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ يَصِحُّ، وَيَكُونُ الْأَجَلُ بِحَقِّ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مُعْتَبَرًا، وَلَكِنْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إذَا عَادَ الدَّيْنُ إلَى الْمُحِيلِ لِسَبَبِ وَفَاةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مُفْلِسًا بِنَاءً عَلَى التَّفْصِيلَاتِ الْوَارِدَةِ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٩) يَعُودُ بِصِفَتِهِ الْأُولَى (مُعَجَّلًا) ، إنَّمَا إحَالَةُ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ دَيْنَ الصَّبِيِّ الْمُعَجَّلِ مُؤَجَّلًا غَيْرُ صَحِيحَةٍ اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٥٨) . وَلَكِنْ إذَا كَانَ ذَلِكَ الدَّيْنُ نَاشِئًا عَنْ عَقْدِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فَإِحَالَتُهُ مُؤَجَّلًا تَجُوزُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٦٨٥) . وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ بِالْأَجَلِ فِي الْحَوَالَةِ لَازِمًا كَمَا هِيَ فِي الْكَفَالَةِ فَجَهَالَتُهُ جَهَالَةً يَسِيرَةً جَائِزَةٌ أَيْضًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ، رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٦٢٥) . تَأْجِيلُ عَقْدِ الْحَوَالَةِ - يُسْتَفَادُ مِنْ التَّفْصِيلَاتِ الْآنِفَةِ أَنَّ تَأْجِيلَ عَقْدِ الْحَوَالَةِ غَيْرُ جَائِزٍ بَلْ الصَّحِيحُ كَمَا ذُكِرَ سَابِقًا هُوَ تَأْجِيلُ الْمُحَالِ بِهِ فِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ. وَلَوْ كَانَ الْمُحَالُ بِهِ قَرْضًا (التَّنْوِيرُ وَالدُّرُّ الْمُخْتَارُ) . [ (الْمَادَّةُ ٦٩٨) لَيْسَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ قَبْلَ أَدَاءِ الدَّيْنِ] (الْمَادَّةُ ٦٩٨) : لَيْسَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ قَبْلَ أَدَاءِ الدَّيْنِ. وَإِذَا رَجَعَ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِالْمُحَالِ بِهِ يَعْنِي أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْمُحِيلِ الْجِنْسَ الَّذِي

стр. 846

أَجَّلَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْمُؤَدَّى، مَثَلًا لَوْ أُحِيلَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فِضَّةٌ وَأَعْطَى ذَهَبًا يَأْخُذُ فِضَّةً، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِالذَّهَبِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَدَّى أَمْوَالًا وَأَشْيَاءَ أُخَرَ يَأْخُذُ الدَّرَاهِمَ الَّتِي أُحِيلَتْ. لَا يَحِقُّ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ قَبْلَ أَدَاءِ الدَّيْنِ إلَى الْمُحَالِ لَهُ حَتَّى لَوْ أَنَّ شَخْصًا بَعْدَ أَنْ قَبِلَ مِنْ آخَرَ عَلَى نَفْسِهِ حَوَالَةً مُؤَجَّلَةً بِمُدَّةٍ أَحَالَهَا عَلَى شَخْصٍ آخَرَ مُؤَجَّلَةً بِمُدَّةٍ أَزْيَدَ أَوْ أَنْقَصَ فَلَيْسَ لِلشَّخْصِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُحَالَ بِهِ مِنْ الشَّخْصِ الْآخَرِ الْمَذْكُورِ. وَلَكِنْ ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٩١) أَنَّهُ إذَا ضُويِقَ مِنْ قِبَلِ الْمُحَالِ لَهُ يُضَايَقُ هُوَ أَيْضًا الْمُحِيلَ وَإِذَا احْتَالَ رَجُلٌ بِالْمَالِ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ أَحَالَهُ عَلَى آخَرَ إلَى أَجَلٍ مِثْلِ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْأَصِيلِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الطَّالِبُ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) . وَإِذَا كَانَتْ الْحَوَالَةُ بِأَمْرِ الْمُحِيلِ وَرِضَاهُ كَانَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بَعْدَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمُحَالَ بِهِ إلَى الْمُحَالِ لَهُ. وَسَبَبُ الرُّجُوعِ هُوَ: أَنَّهُ أَدَّى دَيْنَ الْمُحِيلِ بِأَمْرِهِ رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٦٥٧) وَشَرْحَهَا، مَثَلًا لَوْ أُحِيلَ مِنْ قِبَلِ الْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فِضِّيَّةٌ. أَعْطَى الْمُحَالُ عَلَيْهِ إلَى الْمُحَالِ لَهُ بِطَرِيقَةِ بَيْعِ الصَّرْفِ ذَهَبًا يَأْخُذُ مِنْ الْمُحِيلِ فِضَّةً، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالذَّهَبِ، وَبِالْعَكْسِ إذَا أُحِيلَ دَرَاهِمُ ذَهَبِيَّةٌ وَأَعْطَى الْمُحَالُ عَلَيْهِ فِضَّةً يَأْخُذُ مِنْ الْمُحِيلِ ذَهَبًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِالْفِضَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أُحِيلَ مَسْكُوكَةٌ خَالِصَةٌ وَأَعْطَى الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَغْشُوشَةً يَأْخُذُ مِنْ الْمُحِيلِ خَالِصَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ أَدَّى الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْمُحَالَ بِهِ صُلْحًا مِنْ الْمُحَالِ بِهِ بِإِعْطَائِهِ أَمْوَالًا وَأَشْيَاءَ أُخَرَ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيلِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَأْخُذُ الدَّرَاهِمَ الَّتِي أُحِيلَتْ وَإِلَّا لَا يَأْخُذُ قِيمَةَ الْأَمْوَالِ وَالْأَشْيَاءِ الَّتِي أُعْطِيت بِصِفَةِ بَدَلِ الصُّلْحِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ تِلْكَ الْقِيمَةُ أَزْيَدَ مِنْ الْمُحَالِ بِهِ أَمْ أَنْقَصَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ مُصَالَحَةِ الْمُحَالِ لَهُ مَعَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى مِقْدَارٍ مِنْ الدَّيْنِ وَأَرَادَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ فَيَرْجِعَ بِبَدَلِ الصُّلْحِ الَّذِي أَعْطَاهُ، وَلَيْسَ بِمَجْمُوعِ الدَّيْنِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٦٥٧) وَشَرْحِهَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْكَفَالَةِ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَسَبَبُ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُؤَدَّى هُوَ: أَنَّهُ حِينَمَا يُعْطِي الْمُحَالُ عَلَيْهِ إلَى الْمُحَالِ لَهُ دَرَاهِمَ أَوْ أَمْوَالًا مِنْ غَيْرِ جِنْسٍ فَقَبُولُ الْمُحَالِ لَهُ ذَلِكَ يَكُونُ إنَّمَا هُوَ عَقْدُ مُعَارَضَةٍ مَخْصُوصَةٍ بَيْنَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَالْمُحَالِ لَهُ وَلَا يَكُونُ لِهَذَا الْعَقْدِ حُكْمٌ أَوْ تَأْثِيرٌ بِحَقِّ الْمُحِيلِ الَّذِي هُوَ شَخْصٌ ثَالِثٌ وَيَكُونُ نَفْعُهُ وَضَرَرُهُ عَائِدَيْنِ عَلَى الْعَاقِدِينَ. جَاءَ فِي الشَّرْحِ (بِأَمْرِ الْمُحِيلِ وَرِضَاهُ) لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ الْحَوَالَةُ بِأَمْرِ الْمُحِيلِ وَرِضَاهُ يَكُونُ الْمُحَالُ

стр. 847

عَلَيْهِ مُتَبَرِّعًا بِتَأْدِيَةِ الدَّيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِلْمُحِيلِ مَطْلُوبٌ عِنْدَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَاصَّ مَا أَعْطَاهُ إلَى الْمُحَالِ لَهُ بِدَيْنِهِ الَّذِي لِلْمُحِيلِ، حَتَّى إنَّهُ بَعْدَ أَنْ تُجْرَى الْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ بِدُونِ أَمْرِ الْمُحِيلِ لَوْ تُوُفِّيَ الْمُحَالُ لَهُ وَصَارَ الْمُحِيلُ وَارِثًا لَهُ يَأْخُذُ الْمُحَالَ بِهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ حَسَبَ الْوِرَاثَةِ، وَلَكِنْ إذَا أُجْرِيَتْ الْحَوَالَةُ بِأَمْرِ الْمُحِيلِ فَلَيْسَ لِلْمُحِيلِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُحَالَ بِهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَدَّى الْمُحَالُ عَلَيْهِ الدَّيْنَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْمُحِيلُ الْمُحَالَ بِهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَحَيْثُ إنَّهُ سَيَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ بِنَاءً عَلَى أَمْرِ الْمُحِيلِ فَلَا يَكُونُ فَائِدَةٌ مِنْ ذَلِكَ (الذَّخِيرَةُ) . كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْكَفَالَةِ هُوَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ أَيْضًا (رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ٦٥٧) . الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ وَالتَّصَدُّقِ وَالْوِرَاثَةِ - يُسْتَفَادُ مِنْ الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ أَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ عِنْدَمَا يُؤَدِّي الدَّيْنَ إلَى الْمُحَالِ لَهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ، لَكِنَّ تَعْبِيرَ (تَأْدِيَةٌ) هُنَا لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ وَالتَّصَدُّقَ حُكْمًا كَالتَّأْدِيَةِ. وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ إذَا وَهَبَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحَالَ بِهِ إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ وَقَبِلَ هَذَا الْأَخِيرُ أَيْضًا يَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ. وَإِنْ كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَدِينًا لِلْمُحِيلِ بِعَيْنِ الْجِنْسِ يَتَقَاصَّانِ بِالدَّيْنِ حَتَّى إنَّهُ لَيْسَ لِلْمُحِيلِ أَنْ يَأْخُذَ مَطْلُوبَهُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالدَّيْنِ (الدُّرَرُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) وَمِثْلُهُ فِي (الذَّخِيرَةِ فِي الْكَفَالَةِ) ، كَمَا لَوْ قَالَ الْمُحَالُ لَهُ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ (تَرَكْتُ لَكَ الْمُحَالَ بِهِ) يَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ وَيَسْتَفِيدُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَقَطْ مِنْ هَذَا التَّرْكِ. الْوِرَاثَةُ لِلْمُحَالِ لَهُ كَالْهِبَةِ إذَا تُوُفِّيَ الْمُحَالُ لَهُ وَبَرِئَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ وَارِثًا بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (٧٠٠) يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ لِلْمُحِيلِ مِنْ عَيْنِ الْجِنْسِ يَتَقَاصَّانِ (الْبَحْرُ وَالْهِنْدِيَّةُ وَالذَّخِيرَةُ) . لَا رُجُوعَ فِي الْإِبْرَاءِ - وَأَمَّا إذَا أَبْرَأَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ وَقَبِلَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ. وَإِذَا كَانَتْ الْحَوَالَةُ مُقَيَّدَةً بِالدَّيْنِ مَثَلًا يَأْخُذُ الْمُحِيلُ الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ الْحَوَالَةُ بِأَمْرِهِ. كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْكَفَالَةِ أَيْضًا كَانَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ، (رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ٦٥٧) (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالْأَنْقِرْوِيُّ) . الْخُلَاصَةُ فِي هَذَا أُمُورٌ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ - التَّأْدِيَةُ. الثَّانِي - الْهِبَةُ. الثَّالِثُ - التَّصَدُّقُ. الرَّابِعُ - الْوِرَاثَةُ. وَالْخَامِسُ - الْإِبْرَاءُ. وَذُكِرَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا وَفُصِّلَتْ آنِفًا. إذَا أَدَّى أَجْنَبِيٌّ الْمُحَالَ بِهِ فَحَقُّ الرُّجُوعِ مَوْجُودٌ أَيْضًا - ذُكِرَ فِي الْمَجَلَّةِ أَنَّهُ إذَا أَدَّى الْمُحَالُ عَلَيْهِ الدَّيْنَ فَلَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيلِ، وَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الدَّيْنَ، بَلْ أَدَّاهُ فُضُولِيٌّ مِنْ قِبَلِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ تَبَرُّعًا فَلِلْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ أَيْضًا عَلَى الْمُحِيلِ، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ: إذَا أَدَّى فُضُولِيٌّ الْمُحَالَ بِهِ مِنْ قِبَلِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ تَبَرُّعًا فَلِلْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ. وَأَمَّا إذَا أَدَّاهُ تَبَرُّعًا مِنْ طَرَفِ الْمُحِيلِ

стр. 848

فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَحَالَ شَخْصٌ دَايَنَهُ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ لَيْسَ مَدِينًا لَهُ بِمُوجَبِ (٦٧٦) ثُمَّ أَدَّى فُضُولِيٌّ مِنْ طَرَفِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ الْمُحَالَ بِهِ إلَى الْمُحَالِ لَهُ يَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ، وَبِالْعَكْسِ إذَا أَحَالَ شَخْصٌ دَايَنَهُ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ مَدِينٍ لَهُ بِأَلْفِ قِرْشٍ حَوَالَةً مُقَيَّدَةً، وَبَعْدَ ذَلِكَ أَدَّى فُضُولِيٌّ مِنْ طَرَفِ الْمُحِيلِ الْمُحَالَ بِهِ يَأْخُذُ الْمُحِيلُ مَطْلُوبَهُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى حِدَةٍ، إذْ الْفُضُولِيُّ الْمَرْقُومُ مُتَبَرِّعٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِالْمَبْلَغِ الَّذِي أَدَّاهُ، وَلَكِنْ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْفُضُولِيُّ عِنْدَ التَّأْدِيَةِ الْجِهَةَ الَّتِي تَبَرَّعَ عَلَى حِسَابِهَا وَحَصَلَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِأَنَّ ادَّعَى الْمُحِيلُ أَنَّ التَّبَرُّعَ كَانَ لِحِسَابِهِ وَادَّعَى الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْعَكْسَ أَيْ أَنَّ التَّبَرُّعَ كَانَ مِنْ طَرَفِهِ فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُرَاجَعُ الْفُضُولِيُّ، وَيُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فَصْلًا عَنْ الْجِهَةِ الَّتِي دَفَعَ عَنْهَا وَإِذَا تُوُفِّيَ الْفُضُولِيُّ أَوْ غَابَ قَبْلَ الْبَيَانِ وَلَمْ تُمْكِنْ مُرَاجَعَتُهُ يُعَدُّ مُتَبَرِّعًا مِنْ جِهَةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ خِلَافُهُ بِإِقْرَارٍ حَصَلَ سَابِقًا مِنْ الْمُتَوَفَّى وَالْغَائِبِ (الْهِنْدِيَّةُ وَالْبَزَّازِيَّةُ وَالْبَحْرُ) . وَإِذَا أَرَادَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمُحَالَ بِهِ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيلِ فَادَّعَى الْمُحِيلُ أَنَّ الْمُحَالَ بِهِ مَالُ رِشْوَةٍ أَوْ مَالُ قِمَارٍ وَأَنَّ الْحَوَالَةَ بَاطِلَةٌ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَا شُهُودُهُ، بَلْ يُقَالُ لَهُ أَدِّ الْمُحَالَ بِهِ إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ ثُمَّ تَرَافَعْ مَعَ الْمُحَالِ لَهُ بِهَذَا الْخُصُوصِ، فَإِذَا تَرَافَعَ الْمُحِيلُ مَعَ الْمُحَالِ لَهُ وَأَثْبَتَ بِمُوَاجَهَتِهِ أَنَّ الْمُحَالَ بِهِ مَالُ قِمَارٍ مَثَلًا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَعْطَى الْمُحَالَ بِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ وَإِنْ شَاءَ عَلَى الْمُحَالِ لَهُ (الْبَزَّازِيَّةُ وَالْأَنْقِرْوِيُّ وَالْهِنْدِيَّةُ) كَمَا أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحَالَ بِهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ قَالَ الْمُحِيلُ لِلْمُحَالِ لَهُ: (لَمْ يَكُنْ لَك دَيْنٌ عِنْدِي إنَّمَا وَكَّلْتُكَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ بِنَاءً عَلَيْهِ رُدَّ لِي الْمُحَالَ بِهِ الَّذِي قَبَضْته) وَقَدَّمَ دَعْوَى بِذَلِكَ وَادَّعَى الْمُحَالُ لَهُ أَنَّ لَهُ بِذِمَّةِ الْمُحِيلِ دَيْنًا فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ قَوْلُ الْمُحِيلِ، إذْ إقْرَارُ الْمُحِيلِ بِالْحَوَالَةِ أَوْ مُبَاشَرَتُهُ الْحَوَالَةَ لَا يُعَدُّ إقْرَارًا مِنْهُ بِالدَّيْنِ لِلْمُحَالِ لَهُ. وَالْمُحَالُ لَهُ مَجْبُورٌ عَلَى رَدِّ مَا قَبَضَهُ إلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ تُسْتَعْمَلُ أَحْيَانَا فِي الْوَكَالَةِ (الْهِنْدِيَّةُ وَالدُّرَرُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) ، رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٦٩٢) . قَالَ فِي الْبَحْرِ: لِأَنَّ الْمُحَالَ لَهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ الدَّيْنَ وَهُوَ يُنْكِرُهُ، وَلَفْظُ الْحَوَالَةِ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْوَكَالَةِ مَجَازًا لِمَا فِي التَّوْكِيلِ مِنْ نَقْلِ التَّصَرُّفِ مِنْ الْمُوَكِّلِ إلَى الْوَكِيلِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ فَإِنْ قِيلَ: قُلْتُمْ إنَّ الْمُحِيلَ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ الْحَوَالَةِ فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ الْمُحَالُ مُسْتَحَقًّا لَمَلَكَ الْمُحِيلُ إبْطَالَهَا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَ التَّوْكِيلِ بِالْقَبْضِ، قُلْنَا الْحَوَالَةُ قَدْ صُمَّتْ، وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ أَنْ تَكُونَ بِمَالٍ هُوَ دَيْنٌ عَلَى الْمُحِيلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ الْحَوَالَةِ بِالِاحْتِمَالِ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، فِي الْمُحِيلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحِيلُ قَالَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ: اضْمَنْ عَنِّي هَذَا الْمَالَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ " اضْمَنْ عَنِّي " لَا يَحْتَمِلُ الْوَكَالَةَ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالضَّمَانِ عَنْهُ وَإِنَّمَا يَصِيرُ ضَامِنًا عَنْهُ إذَا كَانَ عَلَى الْمُحِيلِ دَيْنٌ فَكَانَ إقْرَارًا هُنَا بِالْمَالِ عَلَيْهِ، انْتَهَى. إذَا أَرَادَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ بَعْدَ تَأْدِيَةِ الدَّيْنِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ (٦٩٨) فَقَالَ الْمُحِيلُ: كَانَ لِي عِنْدَك مَطْلُوبٌ كَذَا قِرْشًا وَأَنْكَرَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الدَّيْنَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٨) (الدُّرَرُ وَالْهِنْدِيَّةُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ وَعَزْمِي زَادَهْ) وَبِمَا أَنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى مُوجَبِ الْمَادَّةِ (٦٨٦) جَائِزَةٌ

стр. 849

أَيْضًا وَحَيْثُ إنَّ إقْرَارَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِالْحَوَالَةِ أَوْ قَبُولَهُ إيَّاهَا لَا يُعَدُّ إقْرَارًا مِنْهُ بِأَنَّهُ مَدِينٌ لِلْمُحِيلِ فَيَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ. [ (الْمَادَّةُ ٦٩٩) الْمُحَالَ عَلَيْهِ يَبْرَأُ مِنْ الدَّيْنِ بِأَدَاءِ الْمُحَالِ بِهِ] (الْمَادَّةُ ٦٩٩) كَمَا أَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ يَبْرَأُ مِنْ الدَّيْنِ بِأَدَاءِ الْمُحَالِ بِهِ أَوْ إذَا أَخَذَهُ أَحَدٌ حَوَالَةً عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بِإِبْرَاءِ الْمُحَالِ لَهُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ وَإِذَا وَهَبَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحَالَ بِهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ وَقَبِلَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ يَصِيرُ بَرِيئًا مِنْ الدَّيْنِ أَيْضًا. وَإِذَا أَدَّى الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْمُحَالَ بِهِ إلَى الْمُحَالِ لَهُ أَوْ أَحَالَ شَخْصٌ آخَرُ غَيْرُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ الْمُحَالَ لَهُ بِالدَّيْنِ عَلَى نَفْسِهِ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الْغَيْرُ الْمُحِيلَ - أَوْ أَبْرَأَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُحَالِ بِهِ فَكَمَا أَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ يَصِيرُ بَرِيئًا مِنْ الدَّيْنِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ الدَّيْنِ أَيْضًا فِيمَا إذَا وَهَبَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحَالَ بِهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ وَقَبِلَهُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْبَلْ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْهِبَةَ وَالتَّصْدِيقَ وَرَدَّهُمَا فَيَكُونَانِ مَرْدُودَيْنِ. وَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ الْهِبَةَ وَالتَّصَدُّقَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرُدَّهُمَا بَلْ سَكَتَ، فَهَلْ تَكُونُ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ صَحِيحَتَيْنِ وَيَبْرَأُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَبْرَأُ. كَمَا أَنَّهُ فِي الْمَادَّةِ (٨٤٧) إذَا وَهَبَ الدَّائِنُ مَطْلُوبَهُ إلَى الْمَدِينِ وَلَمْ يَرُدَّهَا صَحَّتْ الْهِبَةُ وَسَقَطَ الدَّيْنُ حَالًّا. وَسَبَبُ فَصْلِ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْهِبَةِ وَالتَّصَدُّقِ بِعِبَارَةِ (كَمَا أَنَّهُ) يُفْهَمُ مِنْ شَرْحِ (وَإِنْ رَدَّ الْمُحَالُ عَلَيْهِ هَذَا الْإِبْرَاءَ) وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ إذَا أَبْرَأَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ يَصِيرُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ بَرِيئًا وَإِنْ سَكَتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ قَبِلَ الْإِبْرَاءَ أَوْ رَدَّهُ، يَعْنِي أَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَكُونُ مَرْدُودًا بِرَدِّ الْمُحَالِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِحَسَبِ الْمَعْنَى كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٧٣) عِبَارَةٌ عَنْ التَّأْجِيلِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْإِسْقَاطُ الْمَذْكُورُ هُوَ إسْقَاطٌ لِلْمُطَالَبَةِ وَهُوَ إسْقَاطٌ مَحْضٌ وَغَيْرُ مُتَضَمِّنٍ التَّمْلِيكَ وَبِنَاءً عَلَيْهِ الرَّدُّ الَّذِي هُوَ إسْقَاطٌ مَحْضٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ. وَعَلَى هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ حَيْثُ إنَّ الْمَسَائِلَ الْعَائِدَةَ لِرُجُوعِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ فُصِّلَتْ فِي شُرُوحِ الْمَوَادِّ السَّابِقَةِ فَلْتُرَاجَعْ، ثُمَّ إذَا أَحَالَ الْمَدِينُ دَايِنَهُ عَلَى شَخْصٍ بِدَيْنِهِ وَبَعْدَ ذَلِكَ أَحَالَهُ بِالدَّيْنِ الْمَذْكُورِ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ فَالْحَوَالَةُ الثَّانِيَةُ صَحِيحَةٌ وَتَنْفَسِخُ الْحَوَالَةُ الْأُولَى وَيَبْرَأُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ مِنْ الدَّيْنِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالْأَنْقِرْوِيُّ) [ (الْمَادَّةُ ٧٠٠) إذَا تُوُفِّيَ الْمُحَالُ لَهُ وَكَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ وَارِثًا لَهُ فَقَطْ] (الْمَادَّةُ ٧٠٠) إذَا تُوُفِّيَ الْمُحَالُ لَهُ وَكَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ وَارِثًا لَهُ فَقَطْ فَلَا يَبْقَى حُكْمٌ لِلْحَوَالَةِ. إذَا تُوُفِّيَ الْمُحَالُ لَهُ وَكَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ وَارِثَهُ فَقَطْ فَلَا يَبْقَى حُكْمٌ لِلْحَوَالَةِ. وَلَا يُطَالَبُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ طَرَفِ أَحَدٍ وَيَصِيرُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ بَرِيئًا مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَنْ يُطَالِبُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ بِالْمُحَالِ بِهِ، وَطَلَبُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ لَا مَعْنَى لَهُ، كَمَا أَنَّ الْكَفِيلَ صَارَ بَرِيئًا لَمَّا تُوُفِّيَ الدَّائِنُ وَكَانَ هُوَ وَارِثًا لَهُ فَقَطْ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٦٦٧) .

стр. 850

وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٩٨) أَنَّ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ السَّابِقَةِ (وَارِثٌ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَمَا يَكُونُ لِلْمُحَالِ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ يَكُونُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ بَرِيئًا مِنْ الدَّيْنِ بِمِقْدَارِ حِصَّتِهِ الْإِرْثِيَّةِ وَيُطَالَبُ بِحِصَصِ الْوَرَثَةِ الْبَاقِيَةِ وَالْحُكْمُ فِي الْكَفَالَةِ أَيْضًا كَانَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ، رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٦٦٧) ، مَثَلًا لَوْ كَانَ وَرَثَةُ الْمُحَالِ لَهُ ابْنَهُ (الْمُحَالَ عَلَيْهِ) وَوَلَدًا آخَرَ. يَبْرَأُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مِنْ نِصْفِ الْمُحَالِ بِهِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ النِّصْفَ الثَّانِيَ إلَى الْوَارِثِ الثَّانِي وَهُوَ أَخُوهُ الْآخَرُ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ الْإِيضَاحَاتِ الْمَسْرُودَةِ عَلَى هَذِهِ الْمَادَّةِ وَالْمَادَّةِ السَّابِقَةِ أَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ يَبْرَأُ فِي سَبْعِ صُوَرٍ. ١ - الْأَدَاءُ - ٢ - الْحَوَالَةُ عَلَى الْغَيْرِ - ٣ - الْإِبْرَاءُ - ٤ - الْهِبَةُ - ٥ - التَّصَدُّقُ - ٦ - إحَالَةُ الْمُحِيلِ الْمُحَالَ لَهُ عَلَى غَيْرِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ - ٧ - وَفَاةُ الْمُحَالِ لَهُ وَانْحِصَارُ إرْثِهِ فِي الْمُحَالِ عَلَيْهِ. تَارِيخُ الْإِرَادَةِ السَّنِيَّةِ: ٢٥ صَفَرَ سَنَةَ ٢٨٨ بِعَوْنِهِ تَمَّ شَرْحُ الْحَوَالَةِ وَيَلِيهِ شَرْحُ الرَّهْنِ.

стр. 851

[الْكِتَابُ الْخَامِسُ فِي الرَّهْنِ] [ الْمُقَدِّمَةُ مَشْرُوعِيَّةُ الرَّهْنِ] شَرْحُ كِتَابِ الرَّهْنِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَاجِبِ الْوُجُودِ بِالْإِيقَانِ ذِي اللُّطْفِ وَالْجُودِ وَالْكَرْمِ وَالْإِحْسَانِ رَاهِنِ النَّفْسِ بِمَا كَسَبَتْ يَوْمَ الْحَشْرِ وَالْمِيزَانِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا الْمُصْطَفَى مِنْ أَشْرَفِ الْأَنْسَابِ مِنْ نَسْلِ عَدْنَانَ الشَّفِيعِ الْمُشَفَّعِ لِأَهْلِ الْعِصْيَانِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْحَابِسِينَ أَنْفُسَهُمْ لِنُصْرَةِ الْحَقِّ وَأَهْلِ الْإِيمَانِ. الْكِتَابُ الْخَامِسُ فِي الرَّهْنِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَأَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ: الْمُقَدِّمَةُ: مَشْرُوعِيَّةُ الرَّهْنِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَالْقِيَاسِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَهُوَ أَمْرٌ وَارِدٌ بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ وَمَعْنَاهُ مَعَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي قَبْلَهُ كَمَا فَسَّرَهَا الْمُفَسِّرُونَ، أَيْ: وَإِنْ كُنْتُمْ مُسَافِرِينَ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَارْتَهِنُوا رَهْنًا مَقْبُوضَةً وَثِيقَةً بِأَمْوَالِكُمْ، وَالسُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ الرَّسُولِ وَتَقْرِيرِهِ، أَمَّا فِعْلُ الرَّسُولِ فَقَدْ اشْتَرَى مِنْ الْيَهُودِيِّ الْمُسَمَّى أَبُو الشَّحْمِ وَسْقَ شَعِيرٍ وَرَهَنَ فِي مُقَابِلِ ثَمَنِهِ عِنْدَ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ دِرْعَهُ الَّذِي كَانَ يَتَقَلَّدُهُ وَقْتَ الْجِهَادِ وَقَدْ تُوُفِّيَ الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَفُكُّهَا بِهِ وَقَدْ اسْتَخْلَصَ ذَلِكَ الدِّرْعَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ بِإِعْطَاءِ مُقَابِلِ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَهَذِهِ السَّنَةُ الشَّرِيفَةُ تَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ تَوَاضُعِ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ وَعَلَى إعْرَاضِهِ عَنْ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً عِنْدَ النَّبِيِّ بَلْ كَانَ جُلُّ مَقْصِدِهِ إرْضَاءَ الْبَارِي . وَقَدْ اخْتَارَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَامَلَةَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْيَهُودِيِّ وَلَمْ يَتَعَامَلْ مَعَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ الَّذِينَ يُضَحُّونَ أَرْوَاحَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِهِ وَقَدْ قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ عَدَمَ إزْعَاجِ

стр. 852

الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَوْفُونَ مَا يَأْخُذُهُ الرَّسُولُ مِنْهُمْ (شَرْحُ الشَّمَائِلِ لِعَلِيٍّ الْقَارِيّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ) (الزَّيْلَعِيُّ الْكِفَايَةُ شَرْحُ الْهِدَايَةِ) . وَقَدْ اسْتَخْرَجَ مَشَايِخُ الْإِسْلَامِ ﵏ مِنْ هَذِهِ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ بِضْعَةَ أَحْكَامٍ: أَوَّلًا - رَهْنُ كُلِّ مَالٍ مُتَقَوِّمٌ جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ مُعَدًّا لِلطَّاعَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الدِّرْعَ الَّذِي رَهَنَهُ النَّبِيُّ كَانَ مُعَدًّا لِلْجِهَادِ فَلِذَلِكَ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ عَلَى جَوَازِ رَهْنِ الْمُصْحَفِ، وَلَا يُقَالُ بِقَوْلِ بَعْضِ الْمُتَعَسِّفِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِعَدَمِ جَوَازِ رَهْنِ الْأَشْيَاءِ الْمُعَدَّةِ لِلطَّاعَةِ. ثَانِيًا - يَجُوزُ الرَّهْنُ فِي حَالٍ السَّفَرِ كَمَا يَجُوزُ أَيْضًا فِي حَالِ الْحَضَرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ الْكَرِيمَ قَدْ رَهَنَ الرَّهْنَ الْمَذْكُورَ حَالَ إقَامَتِهِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَإِنْ يَكُنْ قَدْ وَرَدَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عِبَارَةُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ بَيَانَ جَوَازِ الرَّهْنِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي حَالِ السَّفَرِ فَقَطْ بَلْ الْمَقْصِدُ ذِكْرُ مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ فِي ذَاكَ الْوَقْتِ حَيْثُ كَانَ النَّاسُ يَمِيلُونَ فِي الْغَالِبِ إلَى تَوْفِيقِ الدَّيْنِ بِالرَّهْنِ حِينَمَا يَتَعَذَّرُ تَأْمِينُهُ بِالسَّنَدِ وَالشُّهُودِ، وَقَدْ كَانَ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْأَكْثَرِ فِي حَالِ السَّفَرِ. ثَالِثًا - يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِالْمَرْهُونِ مِنْ الرَّاهِنِ سَوَاءٌ فِي حَيَاةِ الرَّاهِنِ أَمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ؛ لِأَنَّ دِرْعَ النَّبِيِّ ﷺ بَقِيَ مَرْهُونًا بَعْدَ وَفَاتِهِ (الْكِفَايَةُ شَرْحُ الْهِدَايَةِ) وَقَدْ صُرِّحَ بِالْأَحَقِّيَّةِ فِي الْمَادَّةِ (٧٢٩) . رَابِعًا - لَا بَأْسَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ نَسِيئَةً؛ لِأَنَّ شِرَاءَ النَّبِيِّ كَانَ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ. خَامِسًا - لَا بَأْسَ مِنْ الِاسْتِدَانَةِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ نَسِيئَةُ اسْتِدَانَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ اللَّائِقُ بِالْإِنْسَانِ الْإِسْرَاعُ بِإِيفَاءِ دَيْنِهِ حَتَّى لَا يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ فَيَمُوتَ مَدِينًا. وَتَقْرِيرُ الرَّسُولِ هُوَ أَنَّهُ ﷺ بُعِثَ إلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَعَامَلُونَ بِالرَّهْنِ وَقَدْ أَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَيْ بَعْدَ أَنْ بُعِثَ بِالرِّسَالَةِ لَمْ يَمْنَعْ النَّاسَ مِنْ الرَّهْنِ وَالِارْتِهَانِ. وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ: قَدْ حَصَلَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الرَّهْنِ. وَالْقِيَاسُ: مَشْرُوعِيَّةُ الرَّهْنِ ثَابِتَةٌ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَيْ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَهُ طَرَفَانِ: طَرَفُ وُجُوبٍ، وَطَرَفُ اسْتِيفَاءٍ حَيْثُ يَثْبُتُ الدَّيْنُ أَوَّلًا فِي الذِّمَّةِ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ طَرَفُ الْوُجُوبِ، وَثَانِيًا يُسْتَوْفَى ذَلِكَ الْمَالُ وَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ طَرَفُ الِاسْتِيفَاءِ (الْعِنَايَةُ) ، فَكَمَا أَنَّهُ يَتَوَثَّقُ الطَّرَفُ الْمُخْتَصُّ بِالذِّمَّةِ بِالْكَفَالَةِ يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَتَوَثَّقَ طَرَفُ الْمَالِ بِالرَّهْنِ حَتَّى إنَّ جَوَازَ ذَلِكَ هُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الِاسْتِيفَاءُ وَوُجُوبُ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَسِيلَةً (الْهِدَايَةُ وَشُرُوحُهَا) وَفِي الرَّهْنِ فَائِدَةٌ لِلدَّائِنِ وَالْمَدِينِ مَعًا وَهُوَ كَمَا بَيَّنَّا فِي أَوَائِلِ شَرْحِ الْكَفَالَةِ أَنَّ فِي الْكَفَالَةِ نَفْعًا لِلدَّائِنِ وَالْمَدِينِ مَعًا كَذَلِكَ يُوجَدُ فِي الرَّهْنِ نَفْعٌ لِلدَّائِنِ وَالْمَدْيُونِ حَيْثُ إنَّ الْمُسْتَدِينَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ لَا يَجِدُ مَنْ يُدَايِنُهُ بِلَا رَهْنٍ فَيَتَضَرَّرُ مِنْ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِدَانَةِ كَمَا أَنَّ الدَّائِنَ يَكُونُ

стр. 853

أَمِينًا بِالرَّهْنِ مِنْ الْخَوْفِ مِنْ تَلَفِ حَقِّهِ كَامِلًا أَوْ قِسْمًا بِأَنْ يُنْكِرَ الْمَدْيُونُ دَيْنَهُ أَوْ أَنْ لَا يَتْرُكَ مِنْ أَمْوَالِهِ شَيْئًا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْهَا أَوْ أَنْ يُسْرِفَ الْمَدْيُونُ فِي أَمْوَالِهِ أَوْ أَنْ يَأْخُذَ الدَّائِنُونَ الْآخَرُونَ حِصَّتَهُمْ فِي أَمْوَالِ الْمَدْيُونِ وَيَضِيعُ حَقُّ الدَّائِنِ كَامِلًا أَوْ قِسْمًا، وَلِذَلِكَ كَانَ فِي الرَّهْنِ فَائِدَةٌ وَنَفْعٌ لِلدَّائِنِ وَالْمَدْيُونِ مَعًا وَإِذَا جُرِيَ مُقَايَسَةٌ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَنْفَعَتَيْنِ يُرَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي تَعُودُ عَلَى الرَّاهِنِ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ فَلِذَلِكَ تَعُودُ الْمَصَارِفُ الْوَارِدُ ذِكْرُهَا فِي الْمَادَّةِ (٧٢٤) عَلَى الرَّاهِنِ (لِسَانُ الْحُكَّامِ) . كَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ مُسْتَحِقٌّ لِلْمَرْهُونِ بَعْدَ تَلَفِهِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَتَضْمِينِهِ لِلْمُرْتَهِنِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الرَّاهِنِ حَسْبَمَا جَاءَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٥٨) . الْوَثِيقَةُ أَرْبَعَةٌ: الرَّهْنُ وَالْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ وَالْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَلَكِنَّهُ يُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَهَا إذْ أَنَّ الرَّهْنَ عَقْدُ وَثِيقَةٍ بِمَالٍ أَمَّا الْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ فَهُمَا عَقْدَا وَثِيقَةٍ بِذِمَّةٍ، وَأَمَّا الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَإِنْ كَانَ وَثِيقَةً إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدٍ وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي يُوَثَّقُ وَيُؤَكَّدُ بِهِ شَيْءٌ وَثِيقَةٌ (الشِّبْلِيُّ) . الرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ حَبْسُ وَوَقْفُ شَيْءٍ لِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ سَوَاءٌ كَانَ السَّبَبُ دَيْنًا أَوْ أَيَّ سَبَبٍ آخَرَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّيْءُ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أَيْ مَحْبُوسَةٌ بِمَا نَالَتْ وَكَسَبَتْ مِنْ الْمَعَاصِي (شَرْحُ الْهِدَايَةِ) فَعَلَيْهِ يَكُونُ نَقْلُ وَاسْتِعْمَالُ الرَّهْنِ فِي مَعْنَى الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ مِنْ قَبِيلِ نَقْلِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ.

стр. 854

الْكِتَابُ الْخَامِسُ فِي الرَّهْنِ: وَهُوَ يَحْتَوِي عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَأَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ الْمُقَدِّمَةُ (الْمَادَّةُ ٧٠١) الرَّهْنُ جَعْلُ مَالٍ مَحْبُوسٍ وَمَوْقُوفٍ مُقَابِلَ حَقٍّ مُمْكِنِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمُحَالِ (الْمَادَّةُ ٧٠١) الرَّهْنُ جَعْلُ مَالٍ مَحْبُوسٍ وَمَوْقُوفٍ مُقَابِلَ حَقٍّ مُمْكِنِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمُحَالِ وَكَمَا يُقَالُ لَهُ مَرْهُونٌ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا رَهْنٌ. الرَّهْنُ لُغَةً جَعْلُ شَيْءٍ مَحْبُوسًا وَمَوْقُوفًا لِسَبَبٍ مَا، سَوَاءٌ أَكَانَ السَّبَبُ دَيْنًا أَوْ خِلَافَهُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ، فَبِنَاءً عَلَى هَذَا يَكُونُ نَقْلُ وَاسْتِعْمَالُ الرَّهْنِ لِلْمَعْنَى الْوَارِدِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ مِنْ قَبِيلِ نَقْلِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ كَمَا وَرَدَ فِي كِتَابِ الْهِدَايَةِ. وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ الرَّهْنُ جَعْلُ مَالٍ مَحْبُوسٍ وَمَوْقُوفٍ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ بِيَدِ الْعَدْلِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ لِقَاءَ حَقٍّ مَعْلُومٍ وَعَلَى رِوَايَةِ مَجْهُولٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ تَرْكُ الرَّاهِنِ مَالًا مَحْبُوسًا وَمَوْقُوفًا بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ وَيُعَبَّرُ عَنْ الْمَالِ الْمَذْكُورِ بِالْمَرْهُونِ وَبِالرَّهْنِ. مِنْ قَبِيلِ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ وَالْهِدَايَةُ) . وَالسَّبَبُ فِي قَوْلِهِ جَعْلُ مَالٍ مَحْبُوسًا وَمَوْقُوفًا بَدَلًا مِنْ حَبْسِ وَتَوْقِيفِ مَالٍ إلَخْ هُوَ لِأَنَّ الْحَبْسَ وَالتَّوْقِيفَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَلَيْسَ مِنْ الرَّاهِنِ وَأَمَّا جَعْلُ الْمَالِ مَحْبُوسًا وَمَوْقُوفًا فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَحَيْثُ إنَّ جَعْلَ الْمَالِ مَحْبُوسًا وَمَوْقُوفًا هُوَ نَقْلٌ اخْتِيَارِيٌّ عَائِدٌ إلَى الرَّاهِنِ فَيُمْكِنُ الْقَوْلُ إنَّهُ لَمْ يُرَ لُزُومًا لِتَصْرِيحِ قَيْدٍ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ فِي تَعْرِيفِ الرَّهْنِ، وَعَطْفُ مَوْقُوفٍ عَلَى مَحْبُوسٍ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ وَالِاسْتِيفَاءُ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ ذِكْرِهِ فِي التَّعْرِيفِ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ شَامِلٌ لِلْكُلِّ وَالْبَعْضِ فَمَتَى كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ مُسَاوِيَةً لِلدَّيْنِ أَوْ زَائِدَةً عَنْهُ يَكُونُ الِاسْتِيفَاءُ كُلِّيًّا وَإِذَا نَقَصَتْ عَنْهُ يَكُونُ جُزَيْئًا، رَاجِعْ الْمَوَادَّ (٣٩٩ و ٤٠٠ و ٤٠١) ، فَبِنَاءً عَلَى هَذَا عِنْدَمَا يَكُونُ مِقْدَارُ الدَّيْنِ زَائِدًا عَنْ الرَّهْنِ وَاسْتِيفَاؤُهُ غَيْرَ قَابِلٍ مِنْهُ لَا يَصِحُّ الِاعْتِرَاضُ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الرَّهْنِ الْوَارِدَ فِي الْمَادَّةِ غَيْرُ شَامِلٍ لِلْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرُ جَامِعٍ لِأَفْرَادِهِ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) . الِاسْتِيفَاءُ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - الِاسْتِيفَاءُ الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّتَيْنِ (٧٦٠ وَ ٧٦١) ، كَمَا أَنَّهُ يَكُونُ

стр. 855

بِبَيْعِ الرَّهْنِ بِالْوَكَالَةِ وَإِجْرَاءِ حِسَابِهِ بِالدَّيْنِ يَكُونُ أَيْضًا بِبَيْعِهِ بِدُونِ وَكَالَةٍ وَحِسَابِهِ بِالدَّيْنِ كَمَا وَرَدَ فِي الْمَادَّتَيْنِ (٧٥٧ وَ ٧٥٨) . الْوَجْهُ الثَّانِي - الِاسْتِيفَاءُ الْحُكْمِيُّ وَهَذَا يَحْصُلُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ كَمَا سَيُوَضَّحُ فِي لَاحِقَةِ شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٤١) ، وَكَمَا أَنَّ الرَّهْنَ مُقَابِلُ حَقٍّ مَعْلُومٍ كَمَا لَوْ رَهَنَ شَخْصٌ مَالًا مَعْلُومًا عِنْدَ آخَرَ لِقَاءَ أَلْفِ قِرْشٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أَيْضًا عَلَى رِوَايَةِ مُقَابِلِ حَقٍّ مَجْهُولٍ وَسَيَرِدُ بَيَانُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧١٠) . وَكَلِمَةُ الرَّهْنِ الْوَارِدَةُ فِي قَوْلِهِ (وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا رَهْنٌ) هِيَ بِمَعْنَى الْمَرْهُونِ لَا الرَّهْنِ الْوَاقِعَةِ فِي صَدْرِ الْمَادَّةِ فَيُسْتَنْتَجُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ خُلَاصَةَ تَعْرِيفِ الرَّهْنِ هِيَ جَعْلُ مَالٍ مَحْبُوسًا وَمَوْقُوفًا لِقَاءَ حَقٍّ عَلَى أَنْ يَكُونَ اسْتِيفَاءُ ذَلِكَ الْحَقِّ مُمْكِنًا مِنْ الْمَالِ الْمَذْكُورِ (هِدَايَةٌ) ، فَكَلِمَةُ الرَّهْنِ الْمَذْكُورَةُ فِي الْمَوَادِّ الْآتِي بَيَانُهَا كَمَا أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ تَارَةً بِمَعْنَى (مَالٌ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ) تُسْتَعْمَلُ تَارَةً بِمَعْنَى الْمَرْهُونِ فَعَلَيْهِ يَجِبُ تَفْسِيرُ مَعْنَاهَا بِحَسَبِ الْمَقَامِ وَالْقَرِينَةِ فَالْمَوَادُّ ٧٠٢ وَ ٧٠٣ وَ ٧٠٤ وَ ٧٠٥ وَارِدَةٌ بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَالْمَادَّتَانِ ٧٠٦ وَ ٧٠٧ مُسْتَعْمَلَتَانِ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَلْيَكُنْ مَعْلُومًا أَنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ كَافِيَانِ لِانْعِقَادِ الرَّهْنِ فَلَا لُزُومَ لِقَبْضِ الْمَرْهُونِ، وَلَكِنْ حَيْثُ إنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ لِإِتْمَامِ الرَّهْنِ فَبِذِكْرِ قَيْدِ (مَحْبُوسٍ وَمَوْقُوفٍ) يَكُونُ تَعْرِيفُ الرَّهْنِ الْوَارِدُ فِي الْمَادَّةِ قَدْ انْصَرَفَ لِلرَّهْنِ اللَّازِمِ التَّامِّ، إذْ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَحْصُلُ حَبْسُ وَتَوْقِيفُ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ لِلْمَرْهُونِ وَلِذَلِكَ كَانَ لِلرَّاهِنِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَنْ الرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الْمُرْتَهِنُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَقَيْدُ (مَحْبُوسٍ وَمَوْقُوفٍ) جُزْءٌ مِنْ مَاهِيَّةِ الرَّهْنِ الْمُطْلَقِ فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ مَاهِيَّةِ الرَّهْنِ اللَّازِمِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَكَلِمَةُ مَالٍ الْوَارِدَةُ فِي الْمَادَّةِ شَامِلَةٌ لِأَيِّ مَالٍ كَانَ مُفْرَدًا أَوْ جَمْعًا فَالْمَرْهُونُ يَكُونُ مَثَلًا خَاتَمًا وَاحِدًا كَمَا أَنَّهُ تَعْبِيرُ (مَالٍ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَاتَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَادَّةِ (٧٣١) وَتَعْبِيرُ (مَالٍ) هُوَ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَمِثْلِ الْجِيفَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَإِشَارَةٌ إلَى عَدَمِ صِحَّةِ رَهْنِ مَا هُوَ لَيْسَ بِمَالٍ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ، وَأُشِيرَ أَيْضًا بِلَفْظِ مَالٍ إلَى عَدَمِ جَوَازِ رَهْنِ الْوَقْفِ وَالْأَرَاضِي الْأَمِيرِيَّةِ وَإِنْ يَكُنْ فَرَاغُ الْمُسَقَّفَاتِ وَالْمُسْتَغِلَّات الْمَوْقُوفَةِ الْجَارِي التَّصَرُّفُ بِهَا بِالْإِجَارَتَيْنِ وَالْأَرَاضِي الْأَمِيرِيَّةِ وَفَاءً مُقَابِلَ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ بِإِذْنِ الْمُتَوَلِّي وَإِذْنِ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ تَخْتَلِفُ عَنْ الرَّهْنِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - اسْمًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ رَهْنًا بَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهَا فَرَاغًا بِالْوَفَاءِ. الْوَجْهُ الثَّانِي - حُكْمًا فَكَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٤١) عِنْدَ تَلَفِ الرَّهْنِ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ بِمِقْدَارِ قِيمَةِ الْمَرْهُونِ وَبِتَلَفِ هَذِهِ يَعْنِي مَثَلًا لَوْ احْتَرَقَ الْعَقَارُ الْمُتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْإِجَارَتَيْنِ بِيَدِ الْمَفْرُوعِ لَهُ أَوْ لَوْ اسْتَوْلَى السَّيْلُ عَلَى الْأَرَاضِي الْأَمِيرِيَّةِ وَلَمْ يَعُدْ الِانْتِفَاعُ مُمْكِنًا بِهَا لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ - إذَا رُهِنَتْ الْمُسَقَّفَاتُ وَالْمُسْتَغِلَّات الْوَقْفِيَّةُ الْجَارِي التَّصَرُّفُ بِهَا بِالْإِجَارَتَيْنِ

стр. 856

كَالْأَمْلَاكِ الصِّرْفَةِ وَلَمْ تَفْرُغْ وَفَاءً يَسْتَرِدُّ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ بِلَا شَيْءٍ وَإِذَا تَلِفَتْ قَبْلَ الطَّلَبِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ الْبَاطِلَ لَا حُكْمَ لَهُ، وَلَكِنْ إذَا رُهِنَ مَالٌ وَسَلِمَ صَحَّ يَعْنِي لَا يَحْتَاجُ لِبَيْعٍ بِالْوَفَاءِ وَلَا يَجُوزُ بَعْدَهَا لِلرَّاهِنِ اسْتِرْدَادُ الرَّهْنِ قَبْلَ أَدَاءِ الدَّيْنِ. الْكَلِمَاتُ الَّتِي تُعْتَبَرُ أَسْمَاءَ جِنْسٍ فِي مِثْلِ هَذِهِ التَّعَارِيفِ هِيَ مِنْ وَجْهٍ مَدْخَلٌ وَمَنْ وَجْهٍ آخَرَ مَخْرَجٌ، مَثَلًا نَظَرًا لِتَعْرِيفِ (مَالٍ) الْوَارِدِ فِي الْمَادَّةِ (١٢٦) بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مَخْرَجٌ، يَعْنِي أَنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ التَّعْرِيفِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي لَيْسَتْ مَعْدُودَةً مِنْ الْمَالِ كَالْأَرَاضِيِ الْأَمِيرِيَّةِ وَالْمُسْتَغِلَّات الْوَقْفِيَّةِ وَأَسَاسًا إخْرَاجُهَا لَازِمٌ وَإِنْ تَكُنْ كَلِمَةُ حَقٍّ قَدْ جَاءَتْ فِي الْمَادَّةِ بَعْدَ تَعْبِيرِ جَعْلِ مَالٍ إلَخْ. فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْحَقِّ الْحَقُّ الْمَالِيُّ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ فِي الْمَادَّةِ (٧١٠) وَسَيُوَضَّحُ قَرِيبًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ وَصْفُهُ بِاسْتِيفَاءٍ إلَخْ. يَعْنِي حَقٌّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ. فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَصِحُّ مُقَابِلَ حَقِّ الْقِصَاصِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَغَيْرُ صَحِيحٍ وَأَيْضًا مُقَابِلَ حَقِّ الْيَمِينِ وَالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ وَالْيَمِينَ مَثَلًا لَيْسَا مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ أَيْ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الرَّهْنِ، وَمَنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَيْضًا إذَا عَقَدَ شَخْصٌ مُقَاوَلَةً مَعَ خَيَّاطٍ عَلَى أَنْ يَخِيطَ بِنَفْسِهِ فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِذَلِكَ الشَّخْصِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْخَيَّاطِ رَهْنًا مُقَابِلَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً مُعَيَّنَةً كَيْ يُحَمِّلَهَا شَيْئًا أَنْ يَأْخُذَ رَهْنًا مِنْ الْمُؤَجِّرِ مُقَابِلَ الْحُمُولَةِ، إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ نَقْلِ الْحُمُولَةِ مِنْ هَذَا الرَّهْنِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَيْضًا إذَا نَزَلَ شَخْصٌ فِي خَانٍ، وَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إنْ لَمْ تَتْرُكْ شَيْئًا لَا أَقْبَلُك عِنْدِي، وَتَرَكَ ذَلِكَ الشَّخْصُ مَالًا يُنْظَرُ فَإِذَا كَانَ مَا تَرَكَهُ الشَّخْصُ هُوَ مُقَابِلُ إجَارِ الْخَانِ فَالرَّهْنُ صَحِيحٌ وَالشَّيْءُ الْمَتْرُوكُ يَكُونُ مَضْمُونًا لِقَاءَ الْإِجَارِ كَمَا وَرَدَ فِي لَاحِقَةِ شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٤١) . وَإِذَا كَانَ مَا تَرَكَهُ هُوَ بِمَقَامِ تَأْمِينَاتٍ مُقَابِلَ سَرِقَةٍ فَالرَّهْنُ لَا يَكُونُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُقَابِلٌ مِنْ الْمَالِ، وَلَكِنْ إذَا تَلِفَ ذَلِكَ الْمَالُ بِيَدِ صَاحِبِ الْخَانِ يَضْمَنُهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ قَالَ: لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَالَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الرَّجُلِ بِالْإِكْرَاهِ (بَزَّازِيَّةٌ وَخَانِيَّةٌ) فَيَتَوَجَّهُ هُنَا سُؤَالٌ مُؤَدَّاهُ أَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا سَبَبُ الضَّمَانِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالٌ مُقَابِلَ الرَّهْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ لَا حُكْمَ لَهُ وَهُوَ بِمَثَابَةِ الْأَمَانَةِ وَلِذَلِكَ لَا يَتَرَتَّبُ ضَمَانٌ عَلَيْهَا؟ وَالْجَوَابُ هُوَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ أَعْطَى الرَّجُلُ الْمَالَ إلَى صَاحِبِ الْخَانِ طَلَبَهُ مِنْهُ فَلَمْ يُعْطِهِ إيَّاهُ وَهَلَكَ بِيَدِهِ فَيَضْمَنْهُ كَمَا أَنَّهُ إذَا طَلَبَ الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ وَلَمْ يُعْطِهِ هَذَا إيَّاهَا وَهَلَكَتْ بِيَدِهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧٩٤) . وَالْمُرَادُ مِنْ الْحَقِّ الْوَارِدِ ذِكْرُهُ فِي التَّعْرِيفِ هُوَ الدَّيْنُ، وَقَدْ مَرَّ تَعْرِيفُ الدَّيْنِ فِي الْمَادَّةِ ١٥٨ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ مُقَابِلَ الشَّيْءِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ بِدَيْنٍ كَالْعَيْنِ مَثَلًا فَإِذَا اشْتَرَى شَخْصٌ مِنْ آخَرَ مَالًا لِقَاءَ ذَهَبَاتٍ مَعْدُودَةٍ وَرَهَنَ مَالًا لِأَجْلِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ الرَّهْنُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الذَّهَبَاتِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٢٤٣) لَا تَتَعَيَّنُ بِتَعَيُّنِهَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَلِأَنَّ مَا يَثْبُتُ بِذِمَّةِ الْمُشْتَرِي هُوَ بِالْفَرْضِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ خَمْسُ لِيرَاتٍ، وَحَيْثُ إنَّ الرَّهْنَ الْمَذْكُورَ لَمْ يُضَفْ إلَى الْمَبْلَغِ الثَّابِتِ بِالذِّمَّةِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَنْعَقِدُ. وَيَنْقَسِمُ

стр. 857

الدَّيْنُ الْمَذْكُورُ كَمَا يَأْتِي: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ - الدَّيْنُ الْحَقِيقِيُّ، كَالْقَرْضِ، ثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَبَدَلِ الْإِجَارَةِ، وَبَدَلِ الْمُتْلَفِ، وَبَدَلِ الْمَغْصُوبِ، وَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَالْمُسْلَمِ فِيهِ، بَدَلِ الصَّرْفِ، الدَّيْنُ الْحَقِيقِيُّ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ - الدَّيْنُ اللَّازِمُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَيَعْنِي الدَّيْنُ الْوَاجِبُ تَأْدِيَتُهُ عَلَى الْمَدِينِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَالْقَرْضِ وَبَدَلِ الْإِجَارَةِ، وَمَنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْخَرَاجُ وَالْأَرْشُ فَهُمَا دَاخِلَانِ فِي الدَّيْنِ وَيَصِحُّ الرَّهْنُ مُقَابِلَهُمَا، وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ أَوْ الْمُضَارِبُ هَلَاكَ مَالِ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْمُضَارَبَةِ وَادَّعَى صَاحِبُ الْمَالِ الِاسْتِهْلَاكَ وَتَصَالَحَا وَأَعْطَى رَهْنًا مُقَابِلَ بَدَلِ الصُّلْحِ يَصِحُّ. النَّوْعُ الثَّانِي - الدَّيْنُ اللَّازِمُ ظَاهِرًا وَغَيْرُ اللَّازِمِ بَاطِنًا كَمَا لَوْ بَعْدَ أَنْ أَعْطَى شَخْصٌ رَهْنًا لِآخَرَ مُقَابِلَ مَبْلَغٍ مُعَيَّنٍ تَصَادَقَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ الدَّيْنِ رَأْسًا، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَلْفَ قِرْشٍ وَأَنْكَرَ هَذَا، وَبَعْدَ أَنْ تَصَالَحَا عَلَى أَرْبَعِ مِائَةِ قِرْشٍ رَهَنَ عِنْدَهُ مَالًا بِقِيمَةِ أَرْبَعِمِائَةِ قِرْشٍ وَتَلِفَ ذَلِكَ الْمَالُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَتَصَادَقَ الطَّرَفَانِ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ الدَّيْنِ فَالرَّهْنُ صَحِيحٌ وَيَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ضَمَانُ قِيمَةِ الرَّهْنِ (خَانِيَّةٌ) . وَكَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَأْخُذَ شَخْصٌ رَهْنًا مُقَابِلَ الْمَالِ الَّذِي بَاعَهُ لِشَخْصٍ آخَرَ إذَا ضُبِطَ الْمَالُ الْمَذْكُورُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالِاسْتِحْقَاقِ فَبِالنَّظَرِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ الْمَذْكُورَ صَحِيحٌ فَبِتَقْدِيرِ هَلَاكِهِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ يَعْنِي أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَكُونُ ضَامِنًا لِمَا هُوَ أَدْنَى قِيمَةٍ مِنْ الرَّهْنِ وَالْمَبِيعِ بِحَيْثُ إنَّ الدَّيْنَ ثَابِتٌ ظَاهِرًا فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الرَّهْنِ، وَلِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ تُبْنَى عَلَى الظَّاهِرِ، وَالْأَحْوَالُ سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَقِّ ؛ لِأَنَّهَا مَكْشُوفَةٌ لَهُ، وَلَيْسَتْ مَكْشُوفَةً لِعِبَادِهِ (زَيْلَعِيٌّ هِنْدِيَّةٌ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ شَخْصٌ لِآخَرَ لَحْمًا ظَنًّا بِأَنَّهُ لَحْمُ حَيَوَانٍ مَذْبُوحٍ وَبَعْدَ أَنْ أَخَذَ رَهْنًا مُقَابِلَ ثَمَنِهِ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ اللَّحْمَ جِيفَةٌ فَالرَّهْنُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ وَلَدَى التَّلَفِ يَلْزَمُ ضَمَانُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ مَثَلًا إذَا بَاعَ شَخْصٌ لِآخَرَ جِيفَةً بِمِائَةِ قِرْشٍ وَأَخَذَ مُقَابِلَهَا رَهْنًا مَالًا بِتِلْكَ الْقِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ وَتَلِفَ الرَّهْنُ الْمَذْكُورُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ يَضْمَنُ هَذَا لِلرَّاهِنِ مِائَةَ قِرْشٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَقَلَّ مِنْ مِائَةِ قِرْشٍ فَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ قِيمَةِ الرَّهْنِ فَقَطْ، وَلَيْسَ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَإِذَا اشْتَرَى مُسْلِمٌ خَلًّا وَبَعْدَ أَنْ رَهَنَ مُقَابِلَهُ مَالًا ضَاعَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْخَلَّ نَبِيذٌ يَضْمَنُ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ (خَانِيَّةٌ) وَالْخُلَاصَةُ وُجُوبُ الدَّيْنِ ظَاهِرًا كَافٍ لِصِحَّةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْوَاجِبَ ظَاهِرًا آكَدُ وَأَقْوَى مِنْ الدَّيْنِ الْمَوْعُودِ فَالرَّهْنُ مُقَابِلُ الدَّيْنِ الْمَوْعُودِ كَجَوَازِ الرَّهْنِ مُقَابِلُ الدَّيْنِ الْوَاجِبِ ظَاهِرًا. فَهَا أَنَّ الرَّهْنَ مُقَابِلَ النَّوْعِ الثَّانِي هَذَا مِنْ الدَّيْنِ أَيْضًا صَحِيحٌ وَهُوَ مِثْلُ النَّوْعِ الْأَوَّلِ عِنْدَ هَلَاكِهِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ يَتَرَتَّبُ ضَمَانُهُ عَلَى مَا سَيَرِدُ فِي التَّفْصِيلَاتِ الَّتِي سَتُذْكَرُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ ٧٤١ إنَّمَا تَجْرِي فِي هَذَا الضَّمَانِ التَّفْصِيلَاتُ الْآتِيَةُ: مَثَلًا إذَا رَهَنَ شَخْصٌ لِآخَرَ خَاتَمًا بِقِيمَةِ أَلْفِ قِرْشٍ مُقَابِلَ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ الدَّيْنِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَصَادَقَ الطَّرَفَانِ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ غَيْرُ مَوْجُودٍ رَأْسًا يُنْظَرُ فَإِذَا كَانَ التَّصَادُقُ حَصَلَ بَعْدَ

стр. 858

هَلَاكِ الرَّهْنِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ يُرَدُّ هَذَا الدَّيْنُ لِلرَّاهِنِ الَّذِي أَعْطَى الرَّهْنَ مُقَابَلَةً وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ قِرْشٍ فَلَا يُسْأَلُ الْمُرْتَهِنُ عَنْ الزِّيَادَةِ (خَانِيَّةٌ) ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ كَانَ وَاجِبَ الْأَدَاءِ ظَاهِرًا، وَوُجُوبُ الدَّيْنِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ كَافٍ لِضَمَانِ الرَّهْنِ، وَإِذَا كَانَ التَّصَادُقُ الْمَذْكُورُ حَصَلَ قَبْلَ هَلَاكِ الرَّهْنِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَهَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ التَّصَادُقِ وَقَبْلَ طَلَبِ الرَّاهِنِ وَمَنْعِهِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ فَفِي هَذَا اخْتَلَفَ مَشَايِخُ الْمُسْلِمِينَ، فَصَاحِبُ الْهِدَايَةُ قَالَ بِتَلَفِهِ مَضْمُونًا، وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ ذَهَبَ لِتَلَفِهِ أَمَانَةً، وَتَعْلِيلُهُ أَنَّ الرَّاهِنَ وَالْمُرْتَهِنَ بِتَصَادُقِهِمَا عَلَى عَدَمِ وُجُودِ الدَّيْنِ يَنْتَفِي هَذَا مِنْ الْأَصْلِ وَعِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الدَّيْنِ لَا يَبْقَى ضَمَانٌ لِلرَّهْنِ، وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ: إنَّ هَذَا الرَّأْيَ هُوَ الصَّائِبُ (أَبُو السُّعُودِ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ قُبَيْلَ بَابِ الْجِنَايَاتِ بَزَّازِيَّةٌ وَمَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) حَتَّى إنَّهُ ذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ أَنْكَرَ الِاخْتِلَافَ بِخُصُوصِ عَدَمِ ضَمَانِ الرَّهْنِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ هَذِهِ، وَأَمَّا إذَا طَلَبَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ بَعْدَ التَّصَادُقِ وَامْتَنَعَ الْمُرْتَهِنُ عَنْ رَدِّهِ مَعَ اقْتِدَارِهِ عَلَيْهِ وَتَلِفَ بَعْدَئِذٍ فَيَضْمَنُ الْمُرْتَهِنُ قِيمَةَ زَمَنِ امْتِنَاعِهِ عَنْ الرَّدِّ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٧٩٤) . النَّوْعُ الثَّالِثُ - الدَّيْنُ الَّذِي لَا يَلْزَمُ حَالًّا وَإِنَّمَا سَبَبُ لُزُومِهِ مَوْجُودٌ وَقْتَ عَقْدِ الرَّهْنِ كَالرَّهْنِ - مُقَابِلَ الْأُجْرَةِ مَثَلًا إذَا أَجَّرَ شَخْصٌ بَيْتَهُ لِآخَرَ بِأَلْفِ قِرْشٍ سَنَوِيًّا وَهَلَكَ الرَّهْنُ الَّذِي أَعْطَاهُ الْمُسْتَأْجِرُ لِلْمُؤَجِّرِ مُقَابِلَ بَدَلِ الْإِيجَارِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ قَبْلَ أَنْ يَلْزَمَ الْبَدَلُ الْمَذْكُورُ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ بِوَجْهِ شَرْطِ التَّعْجِيلِ أَوْ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ يُنْظَرُ فَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ هَلَكَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ الَّذِي هُوَ الْآجِرُ كَأَنَّهُ اسْتَوْفَى بَدَلَ الْإِيجَارِ بِمِقْدَارِ قِيمَةِ الْمَرْهُونِ يَعْنِي بِهَذِهِ الصُّورَةِ يُعْمَلُ بِحَسَبِ إفَادَةِ لَاحِقَةِ شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٤١) . وَأَمَّا إذَا كَانَ هَلَاكُ الرَّهْنِ حَصَلَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فَيَبْطُلُ الرَّهْنُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ رَدُّ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَلَكِنْ هَلْ يَجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالِ رَدُّ قِيمَةِ الرَّهْنِ كَامِلَةً أَوْ بِمِقْدَارِ مَا كَانَ يَلْزَمُ عَلَى الرَّاهِنِ مِنْ الْأُجْرَةِ فِيمَا لَوْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ فَأَجَابَتْ دَارُ الْفَتْوَى الْعَالِيَةُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ بِأَنَّهُ مِنْ الْوَاجِبِ رَدُّ كَامِلِ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ مُقَابِلَ دَيْنٍ لَمْ يَلْزَمْ بَعْدُ، وَسَبَبُ لُزُومِهِ غَيْرُ مَوْجُودٍ أَيْضًا كَالرَّهْنِ مُقَابِلَ الدَّرَكِ كَمَا لَوْ أَعْطَى رَجُلٌ لِآخَرَ مَالًا قَائِلًا لَهُ: بِعْ هَذَا الْمَالَ فَأُعْطِيَكَ أُجْرَةً وَسَمَّاهَا وَفُقِدَ الرَّهْنُ الَّذِي أَعْطَاهُ إيَّاهُ مُقَابِلَ تِلْكَ الْأُجْرَةِ فَعِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - لَا يَجِبُ ضَمَانُ الرَّهْنِ. الْقِسْمُ الثَّانِي - الدَّيْنُ حُكْمًا كَالْمَالِ الْمَغْصُوبِ وَالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا الْمَقْبُوضَةِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَسَوْمِ الشِّرَاءِ بَعْدَ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ، يَعْنِي أَنَّ الْعَيْنَ الَّتِي لَدَى هَلَاكِهَا عِنْدَ مَنْ وَضَعَ الْيَدَ عَلَيْهَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ مِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَقِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ الْقِيَمِيَّاتِ هِيَ بِحُكْمِ الدَّيْنِ فَيَجُوزُ أَخْذُ رَهْنٍ مُقَابِلَهَا وَيَسُوغُ لِلْمُرْتَهِنِ حَبْسُ وَتَوْقِيفُ الرَّهْنِ لِبَيْنَمَا يَسْتَرِدُّ الْعَيْنَ (لِسَانُ الْحُكَّامِ وَمَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) . وَسَبَبُ كَوْنِ الْأَعْيَانِ الْمَذْكُورَةِ دَيْنًا هُوَ لِأَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ فِيهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ الْقِيمَةُ أَوْ الْبَدَلُ وَرَدُّ الْعَيْنِ (مُخَلِّصٌ) . أَمَّا الْبَدَلُ فَهُوَ دَيْنٌ وَبِنَاءً عَلَيْهِ تَجُوزُ الْكَفَالَةُ مُقَابِلَهُ وَإِنْ يَكُنْ وُجُوبُ الْبَدَلِ فِيهَا بَعْدَ الْهَلَاكِ إنَّمَا الْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ فَبِنَاءً عَلَى هَذَا وَبِالنَّظَرِ لِوُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِ الدَّيْنِ يَكُونُ رَهْنًا وَالرَّهْنُ صَحِيحٌ كَمَا فِي الْكَفَالَةِ وَلِهَذَا لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِهِ بِهَلَاكِهِ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ (هِدَايَةٌ) .

стр. 859

وَإِنَّ الْمَهْرَ وَبَدَلَ الصُّلْحِ عَنْ الْعَمْدِ إذَا كَانَا مِنْ الْأَعْيَانِ فَهُمَا أَيْضًا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَحُكْمُ إيضَاحِ الرَّهْنِ مُقَابِلَ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٤١) . سُؤَالٌ - إذَا فُرِضَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنْ لَفْظِ (الْحَقِّ) الْوَارِدِ فِي التَّعْرِيفِ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الدَّيْنِ، وَالْعَيْنُ تَدْخُلُ الْأَعْيَانَ الْمَضْمُونَةَ بِنَفْسِهَا فِي التَّعْرِيفِ، وَتَعْبِيرُ كَلِمَةِ الْحَقِّ بِلَا تَأْوِيلٍ فَإِذًا لَا يَجِبُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحَقِّ هُوَ الدَّيْنُ. الْجَوَابُ - بِمَا أَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ بِدَيْنٍ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الرَّهْنِ أَلَمْ يُرَ أَنَّ مَتَى رُهِنَتْ سَاعَةٌ مُقَابِلَ خَاتَمٍ مَغْصُوبٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْخَاتَمِ عَيْنًا مِنْ السَّاعَةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ رَهْنٍ مُقَابِلَ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا كَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَمَالِ الشَّرِكَةِ وَمَالِ الْمُضَارَبَةِ وَالْأَعْيَانِ غَيْرِ الْمَضْمُونَةِ كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ وَهُوَ بَاطِلٌ وَإِذَا تَلِفَ رَهْنٌ كَهَذَا بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ (هِنْدِيَّةٌ) وَسَيَصِيرُ تَصْرِيحُ ذَلِكَ وَتَفْصِيلُ سَبَبِهِ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧١٠) ، مَثَلًا إذَا طَلَبَ رَجُلٌ مِنْ خَيَّاطٍ ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهُ بَعْدَ إرَاءَتِهِ لِشَخْصٍ آخَرَ بِطَرِيقِ رُسُومِ النَّظَرِ وَرَهَنَ عِنْدَهُ مَالًا بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِهِ عَنْ إعْطَاءِ الثَّوْبِ بِدُونِ رَهْنٍ فَأَخَذَ الثَّوْبَ وَهَلَكَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَالثَّوْبُ مَوْجُودٌ عِنْدَ الرَّاهِنِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ وَحُكْمُ الْكَفَالَةِ أَيْضًا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ٦٣١) وَالْإِيضَاحَاتِ الْمَذْكُورَةَ فِي شَرْحِهَا. تَعْبِيرُ الْحَقِّ الْوَارِدُ فِي التَّعْرِيفِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الْحَقِّ وَقْتَ الرَّهْنِ وَلِهَذَا كَانَ الرَّهْنُ مُقَابِلَ الدَّيْنِ الْمَعْدُومِ غَيْرَ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ بِثُبُوتِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَالِاسْتِيفَاءُ يَكُونُ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَالثُّبُوتِ (كِفَايَةٌ فِي أَوَّلِ الرَّهْنِ) . مِثَالُ ذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَقَدَّمَ لِدَائِنِهِ بَعْدَ أَنْ أَوْفَاهُ مَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ قَائِلًا لَهُ: إنِّي لَا أَعْلَمُ إذَا كَانَ بَقِيَ لَك بِذِمَّتِي شَيْءٌ أَمْ لَا، وَعَلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ بَقِيَ شَيْءٌ خُذْ هَذَا الْمَالَ رَهْنًا مُقَابِلَهُ فَأَخَذَهُ الدَّائِنُ يَصِحُّ الرَّهْنُ مُقَابِلَ بَقِيَّةِ الدَّيْنِ، وَحَيْثُ إنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ صَحِيحٍ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ بِذِمَّةِ الرَّاهِنِ فَلَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ عِنْدَ تَلَفِ الرَّهْنِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ الرَّهْنَ عَلَى شَيْءٍ مُسَمًّى (خَانِيَّةٌ) ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الرَّهْنَ مُقَابِلَ دَيْنٍ سَيُلْزَمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَاطِلٌ، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ إذَا كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي سَيَلْزَمُ مُسْتَقْبَلًا غَيْرَ مَوْجُودٍ وَقْتَ عَقْدِ الرَّهْنِ أَيْ مَعْدُومًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ رَهْنٍ مِنْ الْآنَ مُقَابِلَ ذَلِكَ الدَّيْنِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ الْمَذْكُورُ لَازِمًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَمْ غَيْرَ لَازِمٍ كَقَوْلِ الرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ: إنِّي رَهَنْت عِنْدَك هَذَا الْمَالَ مُقَابِلَ الدَّيْنِ الَّذِي سَيُسْتَحَقُّ لَك بِذِمَّتِي، وَإِذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: بِعْ فُلَانًا مَالًا وَلْيَكُنْ ثَمَنُهُ لِي، ثُمَّ رَهَنَ عِنْدَهُ مَالًا مِنْ قَبِيلِ إعْطَاءِ الْكَفِيلِ لِلْمَكْفُولِ لَهُ رَهْنًا لَا يَصِحُّ (خِزَانَةٌ وَخَانِيَّةٌ) . وَكَذَلِكَ إذَا كَفَلَ شَخْصٌ آخَرَ كَيْ يُسَلِّمَهُ لِشَخْصٍ غَيْرِهِ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ كَفَلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ لِذَلِكَ الشَّخْصِ إنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ وَأَعْطَى الْمَكْفُولُ عَنْهُ لِلْكَفِيلِ رَهْنًا لِأَجْلِ الْمَكْفُولِ بِهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ

стр. 860

الْمَكْفُولَ بِهِ لَمْ يَلْزَمْ عَلَى الْكَفِيلِ بَعْدُ، وَلُزُومُهُ عِنْدَ عَدَمِ تَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ نَفْسَهُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْمَادَّةِ (٦٣٦) أَنَّ الْكَفَالَةَ بِدَيْنٍ كَهَذَا هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْكَفَالَةِ الْمُضَافَةِ وَصَحِيحَةٌ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِأَنَّ كُلَّ دَيْنٍ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ لَهُ يَصِحُّ الرَّهْنُ مُقَابِلَهُ. وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَيْضًا أَنَّ الرَّهْنَ مُقَابِلَ الدَّرَكِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الدَّرَكَ لَيْسَ بِحَقٍّ مُمْكِنٍ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ، إذْ حَيْثُ إنَّ إعَادَةَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ لَمْ تَلْزَمْ بَعْدُ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ قَبْلَ الْوُجُوبِ (كِفَايَةٌ) ، وَسَوَاءٌ أَضُبِطَ الْمَبِيعُ مُؤَخَّرًا بِالِاسْتِحْقَاقِ أَمْ لَمْ يُضْبَطْ (دُرَرٌ) ، مَثَلًا لَوْ بَاعَ شَخْصٌ لِآخَرَ مَالًا وَبَعْدَ أَنْ سَلَّمَهُ إيَّاهُ وَخَوْفًا مِنْ أَنْ يُضْبَطَ الْمَبِيعُ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَخَذَ مُقَابِلَ ثَمَنِهِ رَهْنًا عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَحْدُثَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ وَالْمَالُ الْمَرْهُونُ يَكُونُ أَمَانَةً مَحْضَةً بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَإِذَا قَبَضَ الرَّهْنَ قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَ الْحُكْمُ يُفْسَخُ الْبَيْعُ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَإِعَادَةِ الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يَحِقُّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ وَلَوْ ضُبِطَ الْمَبِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْبَاطِلَ لَا وُجُودَ لَهُ (زَيْلَعِيٌّ) وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ وَإِنْ تَحَقَّقَ الدَّرَكُ بِضَبْطِ الْمَبِيعِ بِالِاسْتِحْقَاقِ بَعْدَ الرَّهْنِ وَالتَّسْلِيمِ لَا يَنْقَلِبُ الرَّهْنُ الْمَذْكُورُ إلَى الصِّحَّةِ وَلَا يُمْكِنُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ بَعْدَ لُحُوقِ الدَّرَكِ أَيْضًا بَلْ يَجِبَ إعَادَتُهُ إلَى الرَّهْنِ (شِبْلِيٌّ) ، وَإِذَا هَلَكَ الرَّهْنُ الْمَذْكُورُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ ضَمَانَةٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَبِيعُ مَالَهُ فَإِعْطَاءُ الرَّهْنِ مُقَابِلَ الدَّرَكِ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الرَّهْنِ مُقَابِلَ الدَّيْنِ الْمَعْدُومِ، وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ يُؤْخَذَ الْمَبِيعُ بِالِاسْتِحْقَاقِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي يَصِحُّ لِلْبَائِعِ أَنْ يُعْطِيَ لِلْمُشْتَرِي مَالًا آخَرَ بِصِفَةِ رَهْنٍ؛ لِأَنَّهُ بِتِلْكَ الْحَالَةِ يَكُونُ قَدْ ثَبَتَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ عَلَى الْبَائِعِ (كِفَايَةٌ) . وَالرَّهْنُ مُقَابِلَ دَيْنٍ غَيْرُ لَازِمٍ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مَعًا وَغَيْرُ لَازِمٍ ظَاهِرًا فَقَطْ غَيْرُ صَحِيحٍ وَبَاطِلٌ كَإِعْطَاءِ رَهْنٍ مُقَابِلَ ثَمَنِ جِيفَةٍ بِيعَتْ بِاعْتِبَارِهَا جِيفَةً فَإِذَا هَلَكَ هَذَا الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانَةٌ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧١٠) وَشَرْحَهَا. وَلَكِنَّ الرَّهْنَ مُقَابِلَ الدَّائِنِ الْمَوْعُودِ جَائِزٌ مَعَ أَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِكَوْنِ الدَّيْنِ مَعْدُومًا وَقْتَ عَقْدِ الرَّهْنِ كَانَ مِنْ اللَّازِمِ أَنْ لَا يَكُونَ جَائِزًا قِيَاسًا عَلَى الرَّهْنِ مُقَابِلَ الدَّرَكِ إنَّمَا الْفَرْقُ هُوَ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ وَأَنَّ الْوَعْدَ الْمَذْكُورَ يُؤَدَّى وَيُحْمَلُ عَلَى الْوُجُودِ غَالِبًا، وَالِاعْتِبَارُ لِلْغَالِبِ التَّابِعِ وَلَيْسَ لِلْمَغْلُوبِ النَّادِرِ، اُنْظُرْ الْمَبْحَثَ الثَّانِيَ الْعَائِدَ لِشَرْحِ الْمَادَّةِ (٧١٠) . وَأَمَّا الدَّرَكُ فَهُوَ بِعَكْسِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لِمَا تَقَدَّمَ آنِفًا (الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَبِيعُ مَالَ نَفْسِهِ) ، فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ هِيَ الصِّفَةُ الْمُخَصِّصَةُ لَفْظَ الْحَقِّ، يَعْنِي هُوَ حَقٌّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْمَالِ الْمَذْكُورِ وَهَذِهِ الصِّفَةُ تَسْتَلْزِمُ تَقْيِيدَ الْحَقِّ بِالْمَالِيِّ فَتَخْرُجُ، كَمَا ذُكِرَ أَيْضًا الْحُقُوقُ الَّتِي هِيَ مِثْلُ حَقِّ الْقِصَاصِ وَيَتَقَيَّدُ الْمَالُ أَيْضًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، إذْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَالًا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ ذَلِكَ الْحَقِّ مِنْهُ، يَعْنِي أَنْ يَكُونَ إيفَاءُ الْحَقِّ الْمَذْكُورِ بِذَلِكَ الْمَالِ مُمْكِنًا وَاحْتُرِزَ بِالتَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْمَالِ الْفَاسِدِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَاحْتُرِزَ أَيْضًا بِتَوْصِيفِهِ بِصِفَةِ (اسْتِيفَائِهِ) مِنْ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْأَمَانَةِ فَأَخْذُ الرَّهْنِ مُقَابِلَ مَالِ أَمَانَةٍ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ كَمَا صُرِّحَ فِي الْمَادَّةِ (٧٦٨) حَيْثُ إنَّ الْأَمَانَةَ لَيْسَتْ مَضْمُونَةً إذَا هَلَكَتْ

стр. 861

بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧١٠) وَإِنْ تَكُنْ الْأَمَانَةُ الْمَذْكُورَةُ مَضْمُونَةً بِأَنْ اُسْتُهْلِكَتْ فَالْأَمَانَةُ حِينَئِذٍ تَخْرُجُ مِنْ كَوْنِهَا أَمَانَةً وَتُعَدُّ مَغْصُوبَةً، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ: وَلَوْ أَنَّ الْأَمَانَةَ الْمَذْكُورَةَ اُسْتُهْلِكَتْ فَلَا يُؤْخَذُ بَدَلُ الْأَمَانَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ لَمْ يُرْهَنْ الْمَالُ الْمَذْكُورُ مُقَابِلَ الْأَمَانَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ، بَلْ إنَّهُ رُهِنَ مُقَابِلَ الْأَمَانَةِ الْمَوْجُودَةِ وَغَيْرِ الْمَضْمُونَةِ، وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ آنِفًا بِالتَّفْصِيلِ. قِيلَ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَجْبَرَ الدَّائِنُ الْمَدِينَ عَلَى إعْطَاءِ الرَّهْنِ وَأَخَذَهُ جَبْرًا فَهَذَا الرَّهْنُ لَا يَكُونُ صَحِيحًا، اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ (١٠٠٦ وَ ١٠٠٧) رَدُّ الْمُحْتَارِ. وَلِهَذَا إذَا بَاعَ رَجُلٌ لِآخَرَ مَالًا عَلَى أَنْ يَرْهَنَ شَيْئًا مُعَيَّنًا مُقَابِلَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ. فَقَطْ لَا يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى الرَّهْنِ إذَا امْتَنَعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدُ الْمُتَبَرِّعِ وَلَا إجْبَارَ عَلَيْهِ إنَّمَا يَكُونُ الْبَائِعُ مُخَيَّرًا إنْ شَاءَ رَضِيَ بِالْبَيْعِ بِدُونِ رَهْنٍ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ إنَّ الثَّمَنَ الْمَوْجُودَ مُقَابِلَهُ رَهْنٌ أَوْثَقُ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي لَا يُوجَدُ مُقَابِلَهُ رَهْنٌ، وَإِنَّ الرَّهْنَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَصْفٌ مَرْغُوبٌ لِلثَّمَنِ فَالْبَائِعُ مُخَيَّرٌ بِخُصُوصِ فَوَاتِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذَا بِوَصْفِ الثَّمَنِ أَيْضًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي الرَّهْنِ) مَا لَمْ يَدْفَعْ الْمُشْتَرِي ثَمَنَ الْمَبِيعِ سَلَفًا أَوْ يُعْطِ لِلْبَائِعِ قِيمَتَهُ رَهْنًا فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَكُونُ الْبَائِعُ مُخَيَّرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مَقْصُودُ الْبَائِعِ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ وَتَوَثَّقَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ (شَرْحُ الْمَجْمَعِ) وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي الْمَادَّةِ (١٨٧) ، وَلِهَذَا السَّبَبِ أَيْضًا بَعْدَ أَنْ يُرْهَنَ الْمَالُ وَيُسَلَّمَ إذَا ضُبِطَ بِالِاسْتِحْقَاقِ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُرْتَهِنُ إجْبَارَ الرَّاهِنِ عَلَى إعْطَاءِ قِيمَةِ الرَّهْنِ الْمَضْبُوطِ أَوْ بَدَلِهِ؛ لِأَنَّ قَيْدَ التَّبَرُّعِ فِي الرَّهْنِ مُعْتَبَرٌ (بَزَّازِيَّةٌ فِي الثَّالِثِ هِنْدِيَّةٌ فِي الْبَابِ الْحَادِيَ عَشَرَ وأنقروي) وَلِذَلِكَ أَيْضًا لَا يُمْكِنُ الدَّائِنُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَدِينِهِ مَالًا غَيْرَ جِنْسِ مَطْلُوبِهِ وَيُمْسِكَهُ عِنْدَهُ عَلَى سَبِيلِ الرَّهْنِ بِلَا إذْنِهِ فَإِذَا رَضِيَ الْمَدِينُ مُؤَخَّرًا وَأَجَازَ ذَلِكَ فَالرَّهْنُ صَحِيحٌ، وَإِذَا لَمْ يَرْضَ يَكُونُ غَيْرَ صَحِيحٍ وَغَصْبًا (رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي الرَّهْنِ) وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَيْضًا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَرْهَنَ مَالَ غَيْرِهِ بِدُونِ إذْنِهِ مُقَابِلَ دَيْنِهِ فَإِذَا فَعَلَ وَلَمْ يُخْبِرْ صَاحِبَ الْمَالِ يُدْعَى وَيَسْتَرِدُّ هَذَا مَالَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ بِحُضُورِ الرَّاهِنِ (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٩٦) ، وَلَا يَقْدِرُ الْأَبُ أَيْضًا أَنْ يَرْهَنَ مُقَابِلَ دَيْنِهِ مَالَ ابْنِهِ الْكَبِيرِ بِدُونِ إذْنِهِ فَإِذَا فَعَلَ يَسْتَرِدُّهُ بِحُضُورِ الرَّاهِنِ أَوْ وَارِثِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا ذُكِرَ آنِفًا، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٦٣٧) ، وَلِهَذَا السَّبَبِ أَيْضًا إذَا ارْتَهَنَ شَخْصٌ مِنْ امْرَأَةٍ دَارًا وَبَعْدَ قَبْضِهَا وَفِي غَيْبَةِ الْمَرْأَةِ حَضَرَ شَخْصٌ آخَرُ وَأَعْطَى دَيْنَهَا فُضُولِيًّا وَارْتَهَنَ الدَّارَ الْمَذْكُورَةَ مُقَابِلَ الْمَبْلَغِ الَّذِي أَدَّاهُ وَكَفَلَ أَيْضًا بَعْضُ الْجِيرَانِ الْمَبْلَغَ فَيُمْكِنُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْتَرِدَّ الدَّارَ عِنْدَ حُضُورِهَا وَلَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَنْ يُطَالِبَهَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِأَدَاءِ دَيْنِهَا بِدُونِ إذْنِهَا، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٥٠٦) ، وَلَا يَسُوغُ أَيْضًا لِذَلِكَ الشَّخْصِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى الْحَقَّ الْمُسْتَحَقَّ لَهُ مُتَبَرِّعًا وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ عَلَى الْجِيرَانِ الَّذِينَ كَفَلُوا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ بِكَفَالَتِهِمْ وَضَمَانِهِمْ لِشَيْءٍ غَيْرِ مَضْمُونٍ لَا تَكُونُ الْكَفَالَةُ صَحِيحَةً (تَنْقِيحٌ) ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٦١٢) . وَتَفْصِيلُ كَيْفِيَّةِ الْمُرَاجَعَةِ وَالتَّضْمِينِ عِنْدَ ظُهُورِ مُسْتَحِقٍّ لِلرَّهْنِ بَعْدَ هَلَاكِهِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ هُوَ عَلَى

стр. 862

الْوَجْهِ الْآتِي: إذَا ظَهَرَ مُسْتَحِقٌّ لِلْمَرْهُونِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ تَلِفَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ فَالْمُسْتَحِقُّ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ بَدَلَ الْمَرْهُونِ لِلرَّاهِنِ بِصِفَةِ أَنَّ الرَّاهِنَ غَاصِبٌ لِلْمَرْهُونِ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَحِقُّ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِمَا ضَمِنَهُ وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْ الرَّاهِنِ كَمَا سَتُذْكَرُ لَاحِقَةٌ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٤١) ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِكَوْنِ الرَّاهِنِ بِضَمَانَةِ الْمَرْهُونِ يَكُونُ مَالِكًا اسْتِنَادًا لِمَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَهَنَ مِلْكَهُ فَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ قَدْ اسْتَوْفَى مَطْلُوبَهُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ (بَزَّازِيَّةٌ فِي الثُّلُثِ وَهِنْدِيَّةٌ فِي الْبَابِ الْحَادِيَ عَشَرَ) وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُرْتَهِنَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إذْ ذَاكَ غَاصِبَ الْغَاصِبِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٩١٠) وَيُمْكِنُ بَعْدَ التَّضْمِينِ الرُّجُوعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِالشَّيْءِ الَّذِي ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ بِرَهْنِهِ وَتَسْلِيمِهِ مَالَ الْغَيْرِ يَكُونُ غَرَّرَ الْمُرْتَهِنَ وَهَذَا يَكُونُ بِالْقَبْضِ عَامِلًا لِلرَّاهِنِ (بَزَّازِيَّةٌ) ، اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٦٥٨) وَعَدَا عَنْ ذَلِكَ عِنْدَمَا يُضَمِّنُ الْمُرْتَهِنَ حَيْثُ إنَّ الرَّهْنَ يَبْطُلُ بِأَخْذِ الْمُرْتَهِنِ مَالَهُ أَيْضًا مِنْ الرَّاهِنِ (خَانِيَّةٌ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ انْتَقَضَ وَعَادَ حَقُّهُ كَمَا كَانَ. الْقَاعِدَةُ هِيَ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَضْمُونِ يَثْبُتُ لِمَنْ يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ كَمَا هِيَ الْحَالُ فِي تَضْمِينِ الْمُسْتَحِقِّ لِلرَّاهِنِ وَبِنَاءً عَلَى هَذَا حَيْثُ إنَّ الْمُسْتَحِقَّ بَعْدَ أَنْ ضَمَّنَ الْمُرْتَهِنَ وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِالشَّيْءِ الَّذِي ضَمِنَهُ تَقَرَّرَ الضَّمَانُ عَلَى الرَّاهِنِ، وَبِهَذِهِ الصُّورَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الرَّاهِنَ رَهَنَ مِلْكَهُ. سُؤَالٌ - إنَّهُ لَمَّا رَهَنَ الرَّاهِنُ مِلْكَهُ وَتَلِفَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ لَزِمَ سُقُوطُ الدَّيْنِ بِمِقْدَارِ الْقِيمَةِ كَانَ يَجِبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَيْضًا أَنْ يَسْقُطَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. الْجَوَابُ - عَلَى وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - السَّبَبُ فِي رُجُوعِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ هُوَ الْغَرُورُ وَيَحْصُلُ بِتَسْلِيمِ الْمَرْهُونِ لِلْمُرْتَهِنِ فَبِنَاءً عَلَيْهِ لَمَّا ضَمِنَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ بِنَاءً عَلَى مُرَاجَعَةِ الْمُرْتَهِنِ يَكُونُ قَدْ مَلَكَ الْمَرْهُونَ اعْتِبَارًا مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي سَلَّمَهُ لِلْمُرْتَهِنِ، وَحَيْثُ إنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ سَابِقٌ لِوَقْتِ التَّسْلِيمِ زَمَانًا أَيْ أَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْهُ فَيَكُونُ الرَّاهِنُ كَأَنَّهُ رَهَنَ مَالَ غَيْرِهِ لَا مَالَهُ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَا يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ اسْتَوْفَى مَالَهُ بِذِمَّةِ الرَّاهِنِ بِمَالِ الْغَيْرِ. الْوَجْهُ الثَّانِي - وَالْمُرْتَهِنُ بِضَمَانَةِ الْمَرْهُونِ لِلْمُسْتَحِقِّ يَكُونُ مَلَكَهُ كَأَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَدْ اشْتَرَى الْمَرْهُونَ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ وَبَاعَهُ لِلرَّاهِنِ وَفِي هَذِهِ الْحَالِ تَكُونُ مِلْكِيَّةُ الرَّاهِنِ لِلْمَرْهُونِ مُتَأَخِّرَةً عَنْ عَقْدِ الرَّهْنِ وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ رَهَنَ مِلْكَهُ وَقْتَ الرَّهْنِ، وَلَكِنَّ مَسْأَلَةَ تَضْمِينِ الْمُسْتَحِقِّ لِلرَّاهِنِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ حَيْثُ إنَّ الرَّاهِنَ كَانَ سَابِقًا لِعَقْدِ الرَّهْنِ وَضَامِنًا بِالْقَبْضِ الَّذِي تَقَدَّمَهُ اسْتَنَدَ الْمِلْكُ لِلْقَبْضِ الْمَذْكُورِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِلْكُهُ (أَبُو السُّعُودِ الْمِصْرِيُّ) . [فِي تَقْسِيمَاتِ وَتَعْرِيفَاتِ الرَّهْنِ] يَنْقَسِمُ الرَّهْنُ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ - الرَّهْنُ الصَّحِيحُ وَهُوَ الرَّهْنُ الْمَشْرُوعُ ذَاتًا وَوَصْفًا كَالْبَيْعِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٠٨) .

стр. 863

الْقِسْمُ الثَّانِي - الرَّهْنُ الْفَاسِدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَصْلًا وَغَيْرُ الصَّحِيحِ وَصْفًا، يَعْنِي الرَّهْنُ الَّذِي وَإِنْ انْعَقَدَ فَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ أَوْصَافِهِ الْخَارِجِيَّةِ (رَاجِعْ الْمَادَّةَ ١٠٩) وَاللَّاحِقَةَ الَّتِي سَتُذْكَرُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧١٠) وَلَمْ يُبْحَثْ فِي الْمَجَلَّةِ عَنْ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ - الرَّهْنُ الْبَاطِلُ وَهُوَ الرَّهْنُ غَيْرُ الصَّحِيحِ أَصْلًا، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١١٠) وَاللَّاحِقَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧١٠) (شُرُنْبُلَالِيٌّ) يَكُونُ الرَّهْنُ بَاطِلًا فِي الصُّورَتَيْنِ الْآتِي ذِكْرُهُمَا: الصُّورَةُ الْأُولَى - كُلُّ مَوْضِعٍ لَيْسَ الرَّهْنُ فِيهِ مَالًا فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ - كُلُّ مَوْضِعٍ لَيْسَ مُقَابِلُ الْمَرْهُونِ فِيهِ مَضْمُونًا فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ (الشِّبْلِيُّ) (اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ ٧٠٩ وَ ٧١٠) . [ (الْمَادَّةُ ٧٠٢) الِارْتِهَانُ هُوَ أَخْذُ الرَّهْنِ] (الْمَادَّةُ ٧٠٢) الِارْتِهَانُ هُوَ أَخْذُ الرَّهْنِ، يَعْنِي أَخْذَ الْمَالِ الْمَرْهُونِ وَهُوَ أَمْرٌ قَائِمٌ بِالْمُرْتَهِنِ، وَحَيْثُ إنَّ لَفْظَ الِارْتِهَانِ هَذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَادَّةِ (٧٠٨) مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَقَدْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ لِتَعْرِيفِهِ هُنَا. [ (الْمَادَّةُ ٧٠٣) الرَّاهِنُ هُوَ الشَّخْص الَّذِي يُعْطِي الرَّهْنَ] (الْمَادَّةُ ٧٠٣) الرَّاهِنُ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يُعْطِي الرَّهْنَ، أَيْ الْمَدِينُ الَّذِي يُعْطِي الْمَرْهُونَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ، وَيُفْهَمُ مِنْ شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧١٠) أَنَّ الْمَدِينَ هُنَا أَعَمُّ مِنْ الْمَدِينِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَتَأْتِي كَلِمَةُ الرَّهْنِ أَحْيَانًا بِمَعْنَى الْمَرْهُونِ أَيْضًا كَمَا تَبَيَّنَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالرَّهْنُ فِي هَذِهِ أَيْضًا مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنَى الْمَرْهُونِ، وَالْقَرِينَةُ هِيَ عِبَارَةُ (الَّذِي يُعْطِي) ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ الْمَرْهُونَةِ، وَفِعْلُ الْإِعْطَاءِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَغَانِي الَّتِي هِيَ حَبْسٌ وَتَوْقِيفٌ. [ (الْمَادَّةُ ٧٠٤) الْمُرْتَهِنُ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يَأْخُذُ الرَّهْنَ] (الْمَادَّةُ ٧٠٤) الْمُرْتَهِنُ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يَأْخُذُ الرَّهْنَ، أَيْ الدَّائِنُ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ، وَلَفْظُ الرَّهْنِ هُنَا أَيْضًا بِمَعْنَى الْمَرْهُونِ، وَالْقَرِينَةُ عِبَارَةُ (الَّذِي يَأْخُذُ) ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَرْهُونِ الَّذِي هُوَ مِنْ الْأَعْيَانِ، وَلَيْسَ فِي الْحَبْسِ وَالتَّوْقِيفِ الَّذِي هُوَ مِنْ الْمَغَانِي. [ (الْمَادَّةُ ٧٠٥) الْعَدْلُ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي ائْتَمَنَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ] (الْمَادَّةُ ٧٠٥) الْعَدْلُ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي ائْتَمَنَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ وَأَوْدَعَاهُ وَسَلَّمَاهُ الرَّهْنَ، وَالْعَدْلُ اثْنَانِ: الْأَوَّلُ - مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ، وَالثَّانِي - هُوَ الشَّخْصُ الْعَاقِلُ الَّذِي سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ الرَّهْنَ

стр. 864

وَلَا يُشْتَرَطُ تَوْكِيلُ هَذَا الْعَدْلِ لِبَيْعِ الرَّهْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا إنْ تَوَكَّلَ أَوْ لَمْ يَتَوَكَّلْ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّ الْعَدْلَ هُنَا لَيْسَ بِمَعْنَى الْعَدْلِ الْوَارِدِ فِي الْمَادَّةِ (١٧٠٥) ، يَعْنِي: الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ بِلَفْظِ عَدْلٍ نَاشِئٌ عَنْ كَوْنِهِ عَدْلًا بِزَعْمِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ، وَلَيْسَ بِحَيْثُ إنَّهُ شَخْصٌ حَسَنَاتُهُ غَالِبَةٌ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ الشَّخْصَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا فِي الرَّهْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَدْلًا بِمَعْنَى الْمَادَّةِ (١٧٠٥) أَمْ لَمْ يَكُنْ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالدُّرَرُ) . يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ أَنَّهُ يُطْلَقُ الْعَدْلُ أَيْضًا عَلَى الشَّخْصِ الَّذِي أَوْدَعَهُ الْحَاكِمُ الرَّهْنَ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَعْرِيفُ الْمَجَلَّةِ لَيْسَ بِجَامِعٍ أَفْرَادَهُ. شَرْطُ الْعَدْلِ - قَدْ صُرِّحَ بِقَيْدِ (عَاقِلٍ) فِي التَّعْرِيفِ شَرْحًا؛ لِأَنَّهُ إذَا وَضَعَ الطَّرَفَانِ الرَّهْنَ فِي يَدِ الصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِ الْحَائِزِ التَّعَرُّفَ أَوْ فِي يَدِ الْبَالِغِ غَيْرِ الْعَاقِلِ وَاكْتَفَيَا بِقَبْضِهِ فَلَا ٠ يَكُونُ بِالْإِجْمَاعِ هَذَا الْقَبْضُ وَالرَّهْنُ أَيْضًا مُعْتَبَرًا (عَبْدُ الْحَلِيمِ) فَإِذَنْ قَيْدُ (عَاقِلٍ) لَازِمٌ فِي التَّعْرِيفِ، إنَّمَا لَمْ تَرَ الْمَجَلَّةُ لُزُومًا لِتَصْرِيحِهِ هُنَا نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ سَيُسْتَفَادُ مِنْ الْمَادَّةِ (٧٠٨) . الصَّغِيرُ مَنْ كَانَ مُخَيَّرًا وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، وَلَكِنْ إذَا كَانَ الصَّغِيرُ الْمَذْكُورُ مَعَ وَكَالَتِهِ لِبَيْعِ الرَّهْنِ مَأْذُونًا فَتَرْجِعُ حُقُوقُ الْعَقْدِ إلَيْهِ وَإِلَّا فَعُهْدَةُ الْبَيْعِ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٤٥٨) ، وَإِذَا بَاعَ الصَّبِيُّ الْمَرْقُومُ الرَّهْنَ وَسَلَّمَهُ لِلْمُشْتَرِي بِحَسَبِ الْوَكَالَةِ حَالٍ كَوْنِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ وَضُبِطَ الْمَبِيعُ بِالِاسْتِحْقَاقِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فَلَا يُمْكِنُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَطْلُبَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ مِنْ الصَّغِيرِ بَلْ إنْ شَاءَ طَلَبَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ هُوَ الَّذِي انْتَفَعَ مِنْ الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ بِأَخْذِهِ الثَّمَنَ. وَإِنْ شَاءَ طَلَبَهُ مِنْ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ الْبَائِعَ هُوَ مَأْمُورٌ بِالْبَيْعِ مِنْ قِبَلِ الرَّاهِنِ فَبَيْعُهُ وَقَبْضُهُ الثَّمَنَ هُوَ لِأَجْلِ الرَّاهِنِ (الْهِنْدِيَّةُ قَبْلَ الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ الرَّهْنِ) ، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ لِشَخْصٍ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا لِنَفْسِهِ وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ لِلْأَشْخَاصِ الْآتِيَةِ أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا فِي الرَّهْنِ: أَوَّلًا - الْمَكْفُولُ عَنْهُ لِرَهْنِ الْكَفِيلِ. ثَانِيًا - الْكَفِيلُ لِرَهْنِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ. ثَالِثًا - رَبُّ الْمَالِ لِرَهْنِ الْمُضَارِبِ. رَابِعًا - الْمُضَارِبُ لِرَهْنِ رَبِّ الْمَالِ. خَامِسًا - إذَا أَعْطَى أَحَدُ شَرِيكَيْ الْمُفَاوَضَةِ أَوْ الْعِنَانِ رَهْنًا لِأَجْلِ دَيْنِ التِّجَارَةِ شَرِيكَهُ الْآخَرَ لِهَذَا الرَّهْنِ. سَادِسًا - الرَّاهِنُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ مِنْ الرَّاهِنِ. وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الْخَامِسَةِ فَيَجُوزُ لِأَحَدِ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا لِدَيْنٍ غَيْرِ دَيْنِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ التِّجَارَةِ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ أَجْنَبِيًّا عَنْ الْآخَرِ وَلَا تَكُونُ يَدُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ كَيَدِ الْآخَرِ. وَفِي الصُّورَةِ السَّادِسَةِ إنْ اُشْتُرِطَ وُجُودُ الْمَرْهُونِ فِي يَدِ الرَّاهِنِ أَثْنَاءَ عَقْدِ الرَّهْنِ فَعَقْدُ الرَّهْنِ

стр. 865

يَكُونُ فَاسِدًا. (هِنْدِيَّةٌ قُبَيْلَ الْبَابِ الثَّالِثِ وَفِي الْبَابِ الْحَادِيَ عَشَرَ) . وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ السَّادِسَةِ فَإِذَا أَوْدَعَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ بَعْدَ أَنْ يَقْبِضَهُ إلَى الرَّاهِنِ وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ يَجُوزُ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧٤٩) ، وَإِذَا اشْتَرَى الْأَبُ مَالًا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَرَهَنَهُ مُقَابِلَ ثَمَنِهِ بِشَرْطِ أَنْ يُوضَعَ فِي يَدِهِ فَالشِّرَاءُ صَحِيحٌ وَالرَّهْنُ بَاطِلٌ، رَاجِعْ الْفِقْرَةَ الْأَخِيرَةَ مِنْ الْمَادَّةِ (٧٠٦) .

стр. 866

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانُ الْمَسَائِلِ الدَّائِرَةِ لِعَقْدِ الرَّهْنِ] الْبَابُ الْأَوَّلُ وَفِيهِ بَيَانُ الْمَسَائِلِ الدَّائِرَةِ لِعَقْدِ الرَّهْنِ: وَيَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ وَتُدْرَجُ خُلَاصَةُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي: خُلَاصَةُ الْبَابِ الْأَوَّلِ الرَّهْنُ تَعْرِيفُهُ: هُوَ جَعْلُ مَالٍ مَحْبُوسًا وَمَوْقُوفًا عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ مُقَابِلَ حَقٍّ مُمْكِنِ الِاسْتِيفَاءِ - مِنْ الْمَالِ الْمَذْكُورِ، وَالْمَقْصِدُ مِنْ الْحَقِّ الْوَارِدِ فِي التَّعْرِيفِ: (١) الْحَقُّ الْمَالِيُّ فَبِنَاءً عَلَيْهِ الْحُقُوقُ الَّتِي هِيَ مِثْلُ الْقِصَاصِ، وَالْيَمِينِ خَارِجَةٌ. (٢) حَقُّ الدَّيْنِ؛ الدَّيْنُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ - الدَّيْنُ الْحَقِيقِيُّ (١) مَا وَجَبَتْ تَأْدِيَتُهُ عَلَى الْمَدِينِ. (٢) الدَّيْنُ اللَّازِمُ ظَاهِرًا وَغَيْرُ اللَّازِمِ بَاطِنًا. (٣) الدَّيْنُ الَّذِي لَمْ يَلْزَمْ بَعْدُ، وَاَلَّذِي سَبَبُ لُزُومِهِ مَوْجُودٌ وَقْتَ عَقْدِ الرَّهْنِ. الْقِسْمُ الثَّانِي - الدَّيْنُ الْحُكْمِيُّ، وَهُوَ الْعَيْنُ الَّتِي عِنْدَ هَلَاكِهَا بِيَدِ وَاضِعِ الْيَدِ عَلَيْهَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَضَمَانُ قِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ الْقِيَمِيَّاتِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ - الدَّيْنُ الْمَعْدُومُ وَلِهَذَا السَّبَبِ الرَّهْنُ فِيهِ بَاطِلٌ. الدَّيْنُ الْمَوْعُودُ مُسْتَثْنًى تَقْسِيمُهُ: (١) الرَّهْنُ الصَّحِيحُ، وَهُوَ الرَّهْنُ الْمَشْرُوعُ ذَاتًا وَوَصْفًا. (٢) الرَّهْنُ الْفَاسِدُ، وَهُوَ الرَّهْنُ الصَّحِيحُ أَصْلًا وَغَيْرُ الصَّحِيحِ وَصْفًا. (٣) الرَّهْنُ الْبَاطِلُ، وَهُوَ الرَّهْنُ غَيْرُ الصَّحِيحِ أَصْلًا وَيَكُونُ عَلَى شَكْلَيْنِ: أ - إذَا لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مَالًا. ب - إذَا لَمْ يَكُنْ مُقَابِلُ الْمَرْهُونِ مَضْمُونًا

стр. 867

عَقْدُ الرَّهْنِ ١ (رُكْنُ الرَّهْنِ) الرَّهْنُ يَنْعَقِدُ بِإِيجَابِ وَقَبُولِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ وَيَتِمُّ بِالْقَبْضِ، وَالْإِيجَابُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ، وَالْقَبُولُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَسْقُطُ مُقَابِلَ الرَّهْنِ عِنْدَ هَلَاكِهِ فَالْقَوْلُ إذًا بِجَوَازِ انْعِقَادِ الرَّهْنِ بِلَا قَبُولِ الْمُرْتَهِنِ يُوجِبُ حَزْرَهُ، وَالْقَبْضُ لَازِمٌ لِإِتْمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلًا - الرَّهْنُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ. ثَانِيًا - الرَّهْنُ حُكْمًا اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ فَكَمَا أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الْقَبْضِ فَالِاسْتِيفَاءُ الْحُكْمِيُّ أَيْضًا لَا يَكُونُ صَحِيحًا بِدُونِ الْقَبْضِ. ثَالِثًا - الْقَصْدُ مِنْ الرَّهْنِ إجْبَارُ الرَّاهِنِ عَلَى تَعْجِيلِ إيفَاءِ الدَّيْنِ، وَهَذَا مُمْكِنٌ بِالْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ يَكُونُ حَقِيقَةً كَوَضْعِ الْمُرْتَهِنِ يَدَهُ عَلَى الْمَرْهُونِ بِالْفِعْلِ أَوْ يَكُونُ حُكْمًا بِالتَّخْلِيَةِ. وَلِصِحَّةِ الْقَبْضِ يَلْزَمُ أَوَّلًا: وُجُودُ أَهْلِيَّةِ الْقَابِضِ لِلْقَبْضِ ثَانِيًا: وُجُودُ إذْنِ الرَّاهِنِ، وَهَذَا الْإِذْنُ يَكُونُ صَرَاحَةً، وَفِيهِ يَجُوزُ الْقَبْضُ اسْتِحْسَانًا بَعْدَ تَفَرُّقِ مَجْلِسِ الرَّهْنِ أَوْ دَلَالَةً، (وَفِي هَذَا يَتَقَيَّدُ الْقَبْضُ بِمَجْلِسِ عَقْدِ الرَّهْنِ وَلَا يَصِحُّ بَعْدَ التَّفَرُّقِ) . ٢ - شَرَائِطُ الرَّهْنِ: ١ - يُشْتَرَطُ كَوْنُ الرَّاهِنِ عَاقِلًا؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَازِمٌ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ. ٢ - لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُرْتَهِنِ بَالِغًا فَبِنَاءً عَلَى هَذَا يَجُوزُ رَهْنُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَارْتِهَانُهُ، وَيَنْفُذُ إنْ كَانَ مَأْذُونًا وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ إنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ. ٣ - يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَرْهُونِ مَالًا مَعْلُومًا وَمُتَقَوِّمًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ مِنْ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ، وَهَذَا يُمْكِنُ بِوُجُودِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْهُونُ مِلْكَ الرَّاهِنِ وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُسْتَعَارِ. ٤ - يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ الرَّهْنُ شَرْطًا مُعَلَّقًا وَلَا مُضَافًا لِوَقْتٍ، يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُقَابِلُ الرَّهْنِ مَالًا مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَالًا مَضْمُونًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا أَيْ لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ عِنْدَ هَلَاكِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ أَوْ

стр. 868

فَاسِدًا أَيْ إذَا كَانَ الرَّهْنُ سَابِقًا لِلدَّيْنِ يَكْتَسِبُ حُكْمَ الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ لَاحِقًا لَا يَكُونُ الرَّهْنُ بِحُكْمِ الصَّحِيحِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَلَا يُمْكِنُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَ هَذَا الْمَرْهُونَ لِأَجْلِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ. ٣ - مَبَاحِثُ مُتَفَرِّعَةٌ: ١ - زَوَائِدُ الْمَرْهُونِ الْمُتَّصِلَةُ مَا دَخَلَ فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ، يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ بَعْضُ مَا لَمْ يَدْخُلْ دَاخِلٌ (كَالْمَزْرُوعَاتِ، وَالْأَشْجَارِ الْمَغْرُوسَةِ عَلَى الْعَرْصَةِ الْمَرْهُونَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ دَاخِلَةً لَوُجِدَتْ مَشْغُولِيَّةُ الْأَرْضِ بِمِلْكِ الرَّاهِنِ، وَأَفْضَى ذَلِكَ لِفَسَادِ الرَّهْنِ) ؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا غَيْرُ دَاخِلٍ، وَمَا كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمَرْهُونِ هُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. ٢ - تَبْدِيلُ الرَّهْنِ لَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: (١) رِضَا الطَّرَفَيْنِ. (٢) رَدُّ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ لِلرَّاهِنِ. (٣) قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ الثَّانِيَ. ٣ - زِيَادَةُ الْمَرْهُونِ وَهِيَ قِسْمَانِ: (١) الزِّيَادَةُ الضِّمْنِيَّةُ مُتَوَلِّدَةٌ مُتَّصِلَةٌ وَهِيَ بِحُكْمِ أَصْلِ الرَّهْنِ مُنْفَصِلَةٌ تَكُونُ مَرْهُونَةً مَعَ أَصْلِ الْمَرْهُونِ (الْمَادَّةُ ٧١٥) غَيْرُ مُتَوَلِّدَةٍ مُتَّصِلَةٌ مُنْفَصِلَةٌ لَا تَكُونُ مَرْهُونَةً مَعَ أَصْلِ الرَّهْنِ. (٢) الزِّيَادَةُ الْقَصْدِيَّةُ زِيَادَةُ الرَّاهِنِ أَوْ الْكَفِيلِ أَوْ الْأَجْنَبِيِّ لِلرَّهْنِ بَعْدَ الْعَقْدِ جَائِزَةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَصْلِ الرَّهْنِ وَزِيَادَةِ الرَّهْنِ هُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ تَكُونُ مَرْهُونَةً مُقَابِلَ مَا تَبَقَّى مِنْ الدَّيْنِ، وَلَيْسَ مُقَابِلَ الدَّيْنِ السَّاقِطِ، وَأَصْلُ الرَّهْنِ يَكُونُ مَرْهُونًا مُقَابِلَ الدَّيْنِ السَّاقِطِ أَيْضًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الزِّيَادَتَيْنِ هُوَ أَنَّهُ عِنْدَ تَلَفِ الرَّهْنِ فِي الزِّيَادَةِ الْقَصْدِيَّةِ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ مَا يُصِيبُهُ، وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الزِّيَادَةِ الضِّمْنِيَّةِ. (٤) زِيَادَةُ الدَّيْنِ وَهُوَ جَائِزٌ مُقَابِلَ عَيْنِ الْمَرْهُونِ، وَيَكُونُ الْمَالُ مَرْهُونًا مُقَابِلَ كِلَا الدَّيْنَيْنِ.

стр. 869

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِرُكْنِ الرَّهْنِ. رُكْنُ الرَّهْنِ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ (عَبْدُ الْحَلِيمِ) كَرُكْنِ الْبَيْعِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٤٩) ، الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ عَلَى ثَلَاثَةِ صُوَرٍ. أَوَّلًا - لَفْظًا ثَانِيًا - بِالْمُكَاتَبَةِ ثَالِثًا - بِالتَّعَاطِي وَيَأْتِي الْكَلَامُ بِالتَّفْصِيلِ عَلَيْهَا فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٦٩) رَدُّ الْمُحْتَارِ. أَرْكَانُ الرَّهْنِ خَمْسَةٌ: (١) الرَّهْنُ. (٢) الْمُرْتَهِنُ. (٣) الْمَرْهُونُ. (٤) الْمَرْهُونُ بِهِ. (٥) الصِّيغَةُ. (الْبَاجُورِيُّ) فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ ذُكِرَتْ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَسَتُذْكَرُ الرَّابِعَةُ فِي الْمَادَّةِ (٧١٠) وَالْخَامِسَةُ تُفَصَّلُ فِي الْمَادَّتَيْنِ الْآتِي ذِكْرُهُمَا. (الْمَادَّةُ ٧٠٦) يَنْعَقِدُ الرَّهْنُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ مِنْ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ فَقَطْ لَكِنْ مَا لَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ لَا يَتِمُّ وَلَا يَكُونُ لَازِمًا وَبِنَاءً عَلَيْهِ يَجُوزُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ الرَّهْنِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَفْظًا وَبِالتَّعَاطِي وَالْمُكَاتَبَةِ، يَعْنِي بِوُجُودِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَعًا، وَسَيُوَضَّحُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ انْعِقَادُ الرَّهْنِ بِلَفْظِ الْكِتَابَةِ وَالتَّعَاطِي. الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ - عَقْدُ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ بِالذَّاتِ لِنَفْسِهِمَا. الثَّانِي - مِنْ النَّائِبِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَكِيلِ وَالْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ، وَحَيْثُ إنَّ مَسْأَلَةَ عَقْدِ الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالرَّهْنِ بِالْوِلَايَةِ وَالْوِصَايَةِ سَتُذْكَرُ مُفَصَّلًا فِي لَاحِقَةِ شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٠٨) فَلْنُوَضِّحْ هُنَا عَقْدَ رَهْنِ الْوَكِيلِ، وَكَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (١٤٦٠) أَنَّ إضَافَةَ الْوَكِيلِ عَقْدَ الرَّهْنِ كُلِّهِ لَازِمَةٌ بِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَعْطَى شَخْصٌ لِآخَرَ مَالًا وَوَكَّلَهُ بِرَهْنِهِ مُقَابِلَ مِائَةِ قِرْشٍ يُنْظَرُ: فَإِذَا عَقَدَ الْآخَرُ الرَّهْنَ بِقَوْلِهِ: إنَّ فُلَانًا أَرْسَلَ لَكَ هَذَا الْمَالَ لِتَأْخُذَهُ رَهْنًا وَتُقْرِضَهُ مُقَابِلَ مِائَةِ قِرْشٍ فَالْقَرْضَةُ لِلشَّخْصِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ يَكُونُ كَمَا ذُكِرَ

стр. 870

فِي الْمَادَّةِ (١٤٦١) رَسُولًا بَيْنَ الِاثْنَيْنِ حَتَّى إنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ بَعْدَئِذٍ اسْتِرْدَادُ الْمَرْهُونِ وَلَا يُطَالِبُ أَيْضًا بِالْمَبْلَغِ، وَأَمَّا إذَا عَقَدَ الرَّهْنَ قَائِلًا: خُذْ هَذَا الْمَالَ رَهْنًا وَأَقْرِضْنِي مِائَةَ قِرْشٍ فَالْمَبْلَغُ يَكُونُ مَالَهُ وَيُمْكِنُهُ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ لِآمِرِهِ الَّذِي هُوَ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وَإِذَا تَلِفَ الْمَبْلَغُ الْمَذْكُورُ فِي يَدِ الْآخَرِ يَكُونُ تَلِفَ مِنْ مَالِهِ (أَنْقِرْوِيٌّ قُبَيْلَ الْوَصَايَا) وَيُمْكِنُ لِلشَّخْصِ الْمَذْكُورِ اسْتِرْدَادُ مَالِهِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَإِذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ لِلرَّاهِنِ، وَإِنْ شَاءَ لِلْمُرْتَهِنِ. وَسَبَبُ لُزُومِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كِلَيْهِمَا فِي انْعِقَادِ الرَّهْنِ هُوَ كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ وَالْعُقُودَ السَّائِرَةَ تَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَفِي انْعِقَادِ الرَّهْنِ أَيْضًا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ كِلَاهُمَا لَازِمٌ، اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ (١٦٧ و ٤٣٣) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ وَعَلَيْهِ وُجُودُ الشَّطْرَيْنِ لَازِمٌ وَالرَّهْنُ لَا يَنْعَقِدُ بِإِيجَابِ الرَّاهِنِ فَقَطْ (عَبْدُ الْحَلِيمِ) . سُؤَالٌ - لِمَاذَا لَا يَنْعَقِدُ الرَّهْنُ بِإِيجَابِ الرَّاهِنِ فَقَطْ مِثْلُ الْكَفَالَةِ؟ الْجَوَابُ - مَتَى هَلَكَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي لَاحِقَةِ شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٤١) يَسْقُطُ الدَّيْنُ مُقَابَلَةً فَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ انْعِقَادِ الرَّهْنِ بِلَا رِضَا الْمُرْتَهِنِ يُوجِبُ ضَرَرًا بِسُقُوطِ الدَّيْنِ فِي حَالِ هَلَاكِ الرَّهْنِ، وَالضَّرَرُ مَمْنُوعٌ بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (١٩) (عَيْنِيٌّ) وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ فَالرَّهْنُ لَا يُعَدُّ تَبَرُّعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالْكَفَالَةِ بَلْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجَدُ فِي الرَّهْنِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَنْعَقِدُ بِإِيجَابِ الرَّاهِنِ وَحْدَهُ، وَقَبُولُ الْمُرْتَهِنِ أَيْضًا لَازِمٌ (عَبْدُ الْحَلِيمِ عَيْنِيٌّ وَفَتْحُ الْقَدِيرِ) . الْخُلَاصَةُ لَيْسَ الرَّهْنُ كَالْكَفَالَةِ مَنْفَعَةً مَحْضَةً بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ قَبُولُ الْمُرْتَهِنِ لَازِمٌ وَلَا يُقَاسُ لِلْمَادَّةِ (٦٢١) ، وَقَدْ فُهِمَ مِنْ التَّفْصِيلَاتِ السَّابِقَةِ أَنَّ الْقَبُولَ أَيْضًا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الرَّهْنِ كَالْإِيجَابِ وَعَلَيْهِ إذَا حَلَفَ شَخْصٌ بِأَنَّهُ لَا يُعْطِي رَهْنًا ثُمَّ أُوجِبَ الرَّهْنُ وَلَمْ يَقْبَلْهُ الْمُرْتَهِنُ لَا يَكُونُ حَانِثًا فِي يَمِينِهِ (شَلَبِيٌّ) ، وَلَكِنَّ الرَّهْنَ لَا يَكُونُ لَازِمًا بِمُجَرَّدِ انْعِقَادِهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ بَلْ يَقْتَضِي لِذَلِكَ قَبْضَ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ كَمَا هُوَ فِي الْهِبَةِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ صَحَّتْ فِقْرَةُ: (فَقَطْ مَا لَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ لَا يَتِمُّ وَلَا يَكُونُ لَازِمًا) إلَى آخِرِ هَذِهِ الْمَادَّةِ، يَعْنِي إذَا لَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ الْمُتَّصِفُ بِالشَّرَائِطِ الثَّلَاثَةِ الْآتِيَةِ مِنْ قِبَلِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ نَائِبِهِ لَا يَكُونُ الرَّهْنُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَقَطْ تَامًّا لَازِمًا بِحَقِّ الرَّاهِنِ وَدَاخِلًا فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ. يُشْتَرَطُ فِي الْقَبْضِ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا لِلشَّرَائِطِ الْآتِيَةِ: أَوَّلًا - أَنْ يَكُونَ الْمَرْهُونُ مُحْرَزًا، يَعْنِي مَقْسُومًا وَغَيْرَ مُشَاعٍ. ثَانِيًا - أَنْ لَا يَكُونَ مَشْغُولًا بِحَقِّ الرَّاهِنِ. ثَالِثًا - أَنْ يَكُونَ مُمَيَّزًا، يَعْنِي غَيْرَ مُتَّصِلٍ. رَابِعًا - أَنْ لَا يَكُونَ الْمُسَلِّمُ وَالْمُسْتَلِمُ مُتَّحِدَيْنِ. فَالشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ سَيَأْتِي إيضَاحُهَا قَرِيبًا وَإِيضَاحُ الشَّرْطِ الرَّابِعِ كَمَا يَلِي: إنَّ كُلًّا مِنْ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ يُمْكِنُهُ إنَابَةُ شَخْصٍ آخَرَ بِخُصُوصِ قَبْضِ الرَّهْنِ وَتَسْلِيمِهِ، وَلَكِنْ لَا

стр. 871

يَصِحُّ اتِّحَادُ الْقَابِضِ وَالْمُسَلِّمِ، كَمَا لَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ أَوْ لِنَائِبِهِ: كُنْ وَكِيلًا مِنْ طَرَفِي لِقَبْضِ الرَّهْنِ، فَقَبَضَهُ فَلَا يَكُونُ الرَّهْنُ بِذَلِكَ مَقْبُوضًا (الْبَاجُورِيُّ) ، وَقَدْ ثَبَتَ لُزُومُ الْقَبْضِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - الرَّاهِنُ، وَهُوَ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ شَيْئًا مِنْ الْمُرْتَهِنِ مُقَابِلَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ يَكُنْ أَخَذَ قَرْضًا فَهُوَ مَجْبُورٌ عَلَى أَدَائِهِ فَالرَّهْنُ يَكُونُ عَقْدَ تَبَرُّعٍ، وَالتَّبَرُّعُ بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (٥٧) يَتِمُّ بِالْقَبْضِ. الْوَجْهُ الثَّانِي - الرَّهْنُ حُكْمًا هُوَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ، وَالِاسْتِيفَاءُ حُكْمًا كَالِاسْتِيفَاءِ حَقِيقَةً لَا يَصِحُّ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَحَيْثُ إنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِيفَاءُ حَقِيقَةً بِدُونِ الْقَبْضِ كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٩٧) فَإِذَا قَالَ الدَّائِنُ لِلْمَدِينِ: (أَلْقِ فِي الْمَاءِ الْعَشْرَ ذَهَبَاتٍ الَّتِي لِي بِذِمَّتِك) ، وَفَعَلَ الْمَدِينُ ذَلِكَ لَا يَبْرَأُ مِنْ دَيْنِهِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ - إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ إجْبَارُ الدَّائِنِ عَلَى تَعْجِيلِ إيفَاءِ الدَّيْنِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِبَقَاءِ يَدِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّهْنِ، وَالْبَقَاءُ أَيْضًا يَظْهَرُ لِلْوُجُودِ بِقَبْضِ الرَّهْنِ (كِفَايَةٌ) حَتَّى إنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ بَقَاءُ الْمَرْهُونِ فِي يَدِ الرَّاهِنِ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ وَلَوْ قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَ، وَأَمَّا إذَا وَرَدَ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ تَمَامِ الرَّهْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ قَبَضَهُ فَهُوَ صَحِيحٌ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْمُفْتَرَقَاتِ) ، اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٧٠٥) . الْخُلَاصَةُ - الْأَحْكَامُ الَّتِي سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ الْبَابِ الرَّابِعِ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَرْهُونِ مَا لَمْ يَقْبِضْ. وَلِذَلِكَ إذَا هَلَكَ الرَّهْنُ بِيَدِ الرَّاهِنِ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ أَيْضًا يُمْكِنُ الرَّاهِنَ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ تَسْلِيمِ الرَّهْنِ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ. وَلَا يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا جَبْرَ عَلَى التَّبَرُّعِ. وَفِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ يَلْزَمُ الرَّاهِنَ تَسْلِيمُ الرَّهْنِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الرَّهْنِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مُشَابِهٌ لِلْكَفَالَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَبْضُ الْوَثِيقَةِ. (شَرْحُ الْمَجْمَعِ لِابْنِ مَالِكٍ) جَاءَ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْفِقْرَةِ قَيْدُ (بِحَقِّ الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧١٦) ، لَا يَكُونُ الرَّهْنُ لَازِمًا بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَلَوْ قَبَضَ الْمَرْهُونَ كَمَا سَيُعْلَمُ مِنْ تَقْسِيمِ الْعُقُودِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١١٤) . بَيَانُ الِاخْتِلَافِ - يُوجَدُ فِي الرَّهْنِ شَيْئَانِ: الْأَوَّلُ - انْعِقَادُ الرَّهْنِ. الثَّانِي - لُزُومُ الرَّهْنِ، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ: إتْمَامُ الرَّهْنِ. فَالْأَوَّلُ يَحْصُلُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَالثَّانِي يَحْصُلُ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِالْقَبْضِ. وَفِي رَأْيِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الرَّهْنُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ، يَعْنِي بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ فَالرَّهْنُ لَا يَنْعَقِدُ مَا لَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ يَنْعَقِدُ الرَّهْنُ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَلَا دَخْلَ لِلْقَبْضِ فِي انْعِقَادِ الرَّهْنِ، وَإِنْ يَكُنْ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ رَجَحَ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ فَقَدْ قُبِلَ

стр. 872

الثَّانِي فِي الْمَجَلَّةِ بِدَلَالَةِ عِبَارَةِ (يَنْعَقِدُ) فَنَظَرًا لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ الرَّهْنُ لَا يَصِحُّ وَلَا يَنْعَقِدُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَمُنْعَقِدًا فَهُوَ غَيْرُ تَامٍّ، وَلَكِنْ نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَرَتَّبُ أَحْكَامُ الرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ، هَلْ مِنْ ثَمَرَةٍ لِهَذَا الِاخْتِلَافِ فِي الْمُعَامَلَاتِ؟ فَيُمْكِنُ التَّوْجِيهُ بِأَنَّهُ حَسَبُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ بِإِذْنِ الرَّهْنِ الصَّرِيحِ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ لَا يَنْعَقِدُ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ يَبْطُلُ بِتَفَرُّقِ الْمَجْلِسِ كَمَا هِيَ الْحَالُ فِي الْبَيْعِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٨٣) ، وَأَمَّا بِحَسَبِ الْقَوْلِ الثَّانِي فَيَجُوزُ الْقَبْضُ بِالْإِذْنِ الصَّرِيحِ حَتَّى بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَسَيُفَصَّلُ هَذَا فِي أَوَاخِرِ شَرْحِ الْمَادَّةِ. الدَّعْوَى الصَّحِيحَةُ وَغَيْرُ الصَّحِيحَةِ فِي الرَّهْنِ - حَيْثُ إنَّ الرَّهْنَ يَتِمُّ بِالْقَبْضِ كَمَا سَبَقَ بِوَجْهِ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ مَتَى ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ مَعَ الْقَبْضِ، يَعْنِي إذَا ادَّعَى قَائِلًا: إنِّي ارْتَهَنْتُ وَقَبَضْتُ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَأَمَّا إذَا أَقَامَ الدَّعْوَى عَلَى الرَّاهِنِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَبْضَ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ كَمَا سَيُذْكَرُ قَرِيبًا، وَنَظَرًا لِمَا تَقَدَّمَ يَجُوزُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ الرَّهْنِ وَيَمْتَنِعَ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَالِ الْمَرْهُونِ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا ذُكِرَ آنِفًا الرَّهْنُ تَبَرُّعٌ وَلَا لُزُومَ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ (زَيْلَعِيٌّ) وَفِي هَذَا التَّقْدِيرِ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ يَكُونُ الرَّاهِنُ مُخَيَّرًا إنْ شَاءَ رَجَعَ عَنْ الرَّهْنِ، (وَلَيْسَ رِضَا الْمُرْتَهِنِ شَرْطًا لِصِحَّةِ هَذَا الرُّجُوعِ) ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ الرَّهْنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَأَكْمَلَ عَقْدَ الرَّهْنِ كَمَا هِيَ الْحَالُ فِي الْهِبَةِ، اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ (٧٣٧ وَ ٨٤٩) . وَفِقْرَةُ (بِنَاءً عَلَيْهِ) الْوَارِدَةُ فِي الْفِقْرَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْمَادَّةِ هِيَ تَفْرِيعٌ عَلَى فِقْرَةِ (فَقَطْ مَا لَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ) . وَلِهَذِهِ الْجِهَةِ أَيْضًا كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١٨٧) إذَا بِيعَ مَالٌ بِشَرْطِ رَهْنِ الشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ مُقَابِلَ ثَمَنِهِ فَلَا يُمْكِنُ إجْبَارُ الْمُشْتَرِي عَلَى رَهْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ لِلْبَائِعِ، وَقَدْ أُوضِحَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٠١) الدُّرَرُ. وَلِذَلِكَ أَيْضًا إذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ قَبَضَ الْمَرْهُونَ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ حُكْمٌ عَلَى الرَّاهِنِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِعَقْدِ الرَّهْنِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٦٣٤) وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ وَأَقَامَ الشُّهُودَ بِنَاءً عَلَى إنْكَارِ الرَّاهِنِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَوْ شَهِدَتْ الشُّهُودُ عَلَى الْقَبْضِ أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الرَّهْنِ بِلَا قَبْضٍ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ (تَنْقِيحٌ) ، وَفِي تِلْكَ الْحَالِ تَكُونُ الشَّهَادَةُ الْمَذْكُورَةُ وَرَدَتْ عَلَى الدَّعْوَى غَيْرِ الصَّحِيحَةِ وَعَلَيْهِ مَنْ شَهِدَ عَلَى رَهِينَةِ دَارٍ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذِهِ الدَّارَ رُهِنَ لِعُمَرَ لَا يَكْفِي، إذْ يَلْزَمُ ذِكْرُ التَّسْلِيمِ وَالْقَبْضِ (أَبُو السُّعُودِ) ، وَلِهَذَا السَّبَبِ أَيْضًا إذَا رَهَنَ شَخْصٌ دَارِهِ لِآخَرَ وَسَلَّمَ الْمُرْتَهِنَ سَنَدَ الدَّارِ وَحُجَّتَهَا فَقَطْ لَا يَكُونُ الرَّهْنُ تَامًّا؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ سَنَدِ الدَّارِ وَحُجَّتِهَا لِلْمُرْتَهِنِ لَا يَقُومُ مَقَامَ تَسْلِيمِ ذَلِكَ الْمِلْكِ (عَلِيٌّ أَفَنْدِي) . لَاحِقَةٌ - فِي أَنَّ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ وَفَاءً شَرْطٍ.

стр. 873

حَيْثُ إنَّ الْبَيْعَ بِالْوَفَاءِ هُوَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ فَفِيهِ أَيْضًا قَبْضُ الْمَبِيعِ لَازِمٌ كَيْ يَكُونَ تَامًّا فَالْبَيْعُ بِالْوَفَاءِ لَا يَتِمُّ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (١١٨) ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُسَلَّمْ الْمَالُ الَّذِي بِيعَ وَفَاءً لِلْمُشْتَرِي وَبَعْدَهُ طَلَبَ الْمُشْتَرِي تَسْلِيمَهُ لَهُ وَادَّعَى بِذَلِكَ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَلِذَلِكَ أَيْضًا إذَا مَاتَ الْبَائِعُ وَفَاءً قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَلَا يُقَالُ إنَّ الْبَيْعَ وَفَاءً هُوَ بِحُكْمِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ لَا يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ وَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ فِي الْمَبِيعِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَيُفْهَمُ مِنْ الْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ لِفِقْرَةِ (فَقَطْ مَا لَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ. إلَخْ) أَنَّهُ حِينَمَا يَقْبِضُ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ يَصِيرُ الرَّهْنُ لَازِمًا وَتَامًّا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الرَّاهِنَ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ الرَّهْنِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ وَعِنَايَةٌ) (، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٧١٧) ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي الْقَبْضِ فِيمَا لَوْ قَالَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: إنَّك غَصَبْت مِنْ الرَّهْنِ أَوْ إنِّي أَعْطَيْتُكَ إيَّاهُ بِطَرِيقِ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْعَارِيَّةِ لَا بِوَجْهِ الرَّهْنِ وَادَّعَى بِذَلِكَ فَالْقَوْلُ مَعَ الْيَمِينِ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَرْهُونُ بِيَدِ الرَّاهِنِ أَمْ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ أَثْنَاءَ الِاخْتِلَافِ (الْبَاجُورِيُّ) . أَنْوَاعُ الْقَبْضِ وَشَرَائِطُهُ - يَصِحُّ الْقَبْضُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ كَمَا يَصِحُّ بَعْدَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَبِإِذْنِ الرَّاهِنِ الصَّرِيحِ وَكَذَلِكَ قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ بِالذَّاتِ أَوْ نَائِبِهِ كَالْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْعَدْلِ أَيْضًا صَحِيحٌ. إنَّمَا يُقْتَضَى وُجُودُ الشَّرَائِطِ الْآتِي ذِكْرُهَا لِصِحَّةِ الْقَبْضِ: أَوَّلًا - أَهْلِيَّةُ الْقَابِضِ لِلْقَبْضِ وَلِهَذَا كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٠٥) قَبْضُ الْعَدْلِ غَيْرِ الْعَاقِلِ لَيْسَ صَحِيحًا وَلَا يَتِمُّ الرَّهْنُ بِهِ. ثَانِيًا - إذْنُ الرَّاهِنِ لِلْقَبْضِ وَعَلَيْهِ لَا حُكْمَ لِقَبْضِ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ بِدُونِ إذْنِ الرَّاهِنِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمَوَادِّ (٨٤٢ وَ ٨٤٣ وَ ٨٤٤) أَنَّ حُكْمَ الْهِبَةِ أَيْضًا هَكَذَا (الْهِنْدِيَّةُ) . أَنْوَاعُ الْإِذْنِ - الْإِذْنُ نَوْعَانِ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ - إعْطَاءُ الرَّاهِنِ الْمُرْتَهِنَ إذْنًا صَرِيحًا بِقَبْضِ الرَّهْنِ كَقَوْلِ الرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ: إنِّي آذَنْتُكَ بِقَبْضِ الرَّهْنِ، أَوْ اقْبِضْ الرَّهْنَ، أَوْ رَضِيتُ بِقَبْضِكَ الرَّهْنَ. النَّوْعُ الثَّانِي - الْإِذْنُ دَلَالَةً كَسُكُوتِ الرَّاهِنِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ قَبْضَ الْمُرْتَهِنِ لِلرَّهْنِ أَيْ عَدَمِ نَهْيِهِ عَنْهُ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٦٧) . الْفَرْقُ بَيْنَ نَوْعَيْ الْإِذْنِ حُكْمًا. يَفْتَرِقُ حُكْمًا الْإِذْنُ الصَّرِيحُ عَنْ الْإِذْنِ دَلَالَةً فَكَمَا أَنَّ قَبْضَ الْمُرْتَهِنِ الْمَرْهُونَ فِي مَجْلِسِ عَقْدِ الرَّهْنِ بِنَاءً عَلَى الْإِذْنِ الصَّرِيحِ صَحِيحٌ فَقَبْضُهُ إيَّاهُ بَعْدَ تَفَرُّقِ الْمَجْلِسِ أَيْضًا يَصِحُّ اسْتِحْسَانًا، وَأَمَّا الْإِذْنُ دَلَالَةً فَيَتَقَيَّدُ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ (الْهِنْدِيَّةُ) وَالْحُكْمُ فِي الْهِبَةِ أَيْضًا هَكَذَا كَمَا صُرِّحَ فِي الْمَادَّةِ (٨٤٤) . ثَالِثًا - يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْهُونُ مُفَرَّغًا، يَعْنِي غَيْرَ مَشْغُولٍ بِالرَّاهِنِ أَوْ بِمَتَاعِهِ فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ إذَا سُلِّمَتْ الدَّارُ الْمَرْهُونَةُ مَشْغُولَةً بِالرَّاهِنِ أَوْ بِأَشْيَاءَ، أَوْ بِتَعْبِيرٍ آخَرَ إذَا سُلِّمَتْ الدَّارُ الْمَذْكُورَةُ حَالَ كَوْنِ الرَّاهِنِ أَوْ مَتَاعِهِ مَوْجُودًا فِيهَا لَا يَصِحُّ، مَثَلًا لَوْ رَهَنَ شَخْصٌ الدَّارَ الَّتِي يَسْكُنُهَا وَسَلَّمَهَا لِلْمُرْتَهِنِ

стр. 874

وَهُوَ سَاكِنٌ فِيهَا وَقَبَضَهَا الْمُرْتَهِنُ مَشْغُولَةً عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَكُونُ الرَّهْنُ تَامًّا، وَحَيْثُ إنَّ هَذَا التَّسْلِيمَ بَاطِلٌ يَجِبُ حِينَئِذٍ عَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا وَيُخْرِجَ أَشْيَاءَهُ وَيُسَلِّمَهَا بَعْدَ تَخْلِيَتِهَا مُجَدَّدًا (الزَّيْلَعِيُّ وَالْأَنْقِرْوِيُّ) . وَأَمَّا إذَا رَهَنَ الدَّارَ مَعَ الْأَشْيَاءِ الْمَوْجُودَةِ فِيهَا وَسَلَّمَهَا مَعَ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْهَا فَيَكُونُ الرَّهْنُ تَامًّا. رَابِعًا - يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْهُونُ مُحْرَزًا أَيْ مَقْسُومًا فَبِنَاءً عَلَيْهِ رَهْنُ الْمُشَاعِ غَيْرُ جَائِزٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُشَاعُ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ أَمْ غَيْرَ قَابِلٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ عِبَارَةٌ عَنْ دَوَامِ الْحَبْسِ، وَحَيْثُ إنَّ فِي الْمُشَاعِ تَجِبُ الْمُهَايَئَةُ فَلَا يُتَصَوَّرُ دَوَامُ الْحَبْسِ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ، وَإِنَّمَا الشُّيُوعُ الطَّارِئُ لَا يُفْسِدُ عَقْدَ الرَّهْنِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَبُو يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَيُفْسِدُهُ عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُفَصَّلًا فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧١٠) . (شَرْحُ الْمَجْمَعِ) . خَامِسًا - يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْهُونُ مُتَمَيِّزًا، يَعْنِي أَنْ لَا يَكُونَ مُتَّصِلًا خِلْقَةً بِغَيْرِ الْمَرْهُونِ بِنَاءً عَلَيْهِ رَهْنُ الثَّمَرِ بِدُونِ الشَّجَرِ، وَتَسْلِيمُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ (شَرْحُ الْمَجْمَعِ) وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧١٠) . وَإِذَا وُجِدَ الْمَرْهُونُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ قَبْلَ عَقْدِ الرَّهْنِ هَلْ يَلْزَمُ قَبْضُهُ بَعْدُ؟ إذَا وُجِدَ الْمَرْهُونُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ قَبْلَ عَقْدِ الرَّهْنِ يُنْظَرُ: فَإِذَا كَانَ الْقَبْضُ الْوَاقِعُ قَبْلَ عَقْدِ الرَّهْنِ وَالْقَبْضُ اللَّازِمُ وُقُوعُهُ عِنْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ كِلَاهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ كَانَ الْقَبْضُ السَّابِقُ أَقْوَى مِنْ الْقَبْضِ اللَّاحِقِ يَقُومُ الْقَبْضُ السَّابِقُ مَقَامَ الْقَبْضِ اللَّاحِقِ، وَإِلَّا فَلَا وَيَلْزَمُ قَبْضٌ جَدِيدٌ. (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَالْفَصْلِ الْأَوَّلِ) ، مَثَلًا لَوْ غَصَبَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ مَالًا ثُمَّ رَهَنَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَالَ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَالرَّهْنُ صَحِيحٌ وَتَامٌّ بِدُونِ أَنْ تَمَسَّ الْحَاجَةُ إلَى قَبْضٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمَغْصُوبِ قَبْضٌ مَضْمُونٌ بِنَفْسِهِ وَبِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ قَبْضِ الرَّهْنِ الَّذِي هُوَ مَضْمُونٌ بِغَيْرِهِ وَأَدْنَى مِنْهُ. وَأَمَّا لَوْ رَهَنَ الْآجِرُ الْمَأْجُورَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ مُقَابِلَ دَيْنِهِ وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ مُجَدَّدًا فَيَصِحُّ الرَّهْنُ وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ كَمَا سَيُوَضَّحُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٤٤) ، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ أَيْ لَا يَتِمُّ بِلَا تَسْلِيمٍ وَقَبْضٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمَأْجُورِ قَبْضُ أَمَانَةٍ بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (٦٠٠) وَقَبْضَ الْمَرْهُونِ كَمَا سَيَأْتِي فِي لَاحِقَةِ شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٤١) . وَأَمَّا لَوْ رَهَنَ الْآجِرُ الْمَأْجُورَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ مُقَابِلَ دَيْنِهِ وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ مُجَدِّدًا فَيَصِحُّ الرَّهْنُ وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ كَمَا سَيُوَضَّحُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٤٤) ، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ أَيْ لَا يَتِمُّ بِلَا تَسْلِيمٍ وَقَبْضٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمَأْجُورِ قَبْضُ أَمَانَةٍ بِحُكْمِ الْمَادَّةِ (٦٠٠) وَقَبْضَ الْمَرْهُونِ كَمَا سَيَأْتِي فِي لَاحِقَةِ شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٤١) قَبْضٌ مَضْمُونٌ بِغَيْرِهِ. بِنَاءً عَلَيْهِ لَا يَقُومُ قَبْضُ الْأَمَانَةِ مَقَامَ الْقَبْضِ الْمَضْمُونِ (الْهِنْدِيَّةُ) وَلِذَلِكَ إذَا رَهَنَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ الَّتِي بِيَدِهِ إلَى الْمُودِعِ صَاحِبِ الْمَالِ وَلَمْ يَقْبِضْهُ يَبْقَى ذَلِكَ الْمَالُ وَدِيعَةً

стр. 875

بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ وَلَا يَكْتَسِبُ حُكْمَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَوْدَعِ كَيَدِ الْمُودِعِ وَطَالَمَا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَمْ يَقْبِضْهُ فَلَا يَتَثَبَّتُ حُكْمُ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى الْمَرْهُونِ. (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِيَ عَشَرَ) . بِنَاءً عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ قَبْضٌ بِحُكْمِ الرَّهْنِ إذَا هَلَكَ الْمَالُ بِيَدِ الْمُسْتَوْدَعِ لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ، وَالْقَوْلُ فِي هَذَا قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ بِلَا بَيِّنَةٍ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٧٧٤) ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ مُنْكِرٌ الْقَبْضَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ (الْهِنْدِيَّةُ) ، مَعَ أَنَّهُ إذَا أَقَامَ الرَّاهِنُ دَعْوَى بِأَنَّ الرَّهْنَ هَلَكَ بَعْدَ أَنْ قَبَضَ الْمَرْهُونَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ وَادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ تَلِفَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الرَّاهِنِ تُثْبِتُ إيفَاءَ الدَّيْنِ. تَقْسِيمُ الْقَبْضِ - الْقَبْضُ قِسْمَانِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ - الْقَبْضُ حَقِيقَةً. كَوَضْعِ الْمُرْتَهِنِ يَدَهُ عَلَى الْمَنْقُولِ وَدُخُولِهِ الْعَقَارَ الَّذِي رُهِنَ بَعْدَ تَخْلِيَتِهِ. الْقِسْمُ الثَّانِي - الْقَبْضُ حُكْمًا، وَهَذَا هُوَ أَيْضًا التَّخْلِيَةُ. (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . التَّخْلِيَةُ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّمْكِينِ مِنْ الْقَبْضِ بِإِزَالَةِ مَوَانِعِهِ (الْعِنَايَةُ وَالزَّيْلَعِيُّ) وَسَبَبُ كِفَايَةِ التَّخْلِيَةِ هُوَ أَنَّ نِهَايَةَ مَا يُمْكِنُ الرَّاهِنَ عَمَلُهُ عِبَارَةٌ عَنْ التَّخْلِيَةِ، وَحَيْثُ إنَّ الْقَبْضَ حَقِيقَةً هُوَ فِعْلُ الْغَيْرِ فَلَا يُكَلَّفُ الرَّاهِنُ بِهِ فَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ إنَّ وَضْعَ الرَّاهِنِ الْمَرْهُونَ بِحَالَةٍ يَتَمَكَّنُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ أَنْ يَقْبِضَهُ بِلَا مَانِعٍ وَإِذْنَهُ بِقَبْضِهِ يُعَدُّ تَسْلِيمًا وَبِهَذَا يُعْتَبَرُ الرَّهْنُ قَبْضًا حُكْمًا كَمَا هِيَ الْحَالُ فِي الْبَيْعِ، اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ (٢٦٣ وَ ٢٦٤) (الْعِنَايَةُ) ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَرْهُونُ مَنْقُولًا أَمْ عَقَارًا حَتَّى إنَّهُ إذَا أَخْلَى الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ بِحُضُورِ الْمُرْتَهِنِ وَلَمْ يَأْخُذْ هَذَا الْأَخِيرُ الرَّهْنَ الْمَنْقُولَ لِيَدِهِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ لِغَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ وَفُقِدَ يَضْمَنُ الرَّهْنَ بِضَمَانِ الْغَصْبِ (الطَّحَاوِيَّ، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ، الْهِدَايَةُ، الْهِنْدِيَّةُ، وَالدُّرَرُ) ، وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يُنْقَلُ لَا يَصِيرُ قَابِضًا مَا لَمْ يَنْقُلْ (الْخَانِيَّةُ) . وَإِذَا تَصَادَقَ الطَّرَفَانِ عَلَى وُقُوعِ الْقَبْضِ وَلَمْ يُقْبَضْ الرَّهْنُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَكُنْ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْقَبْضِ أَيْضًا، يَعْنِي أَنَّ الرَّاهِنَ يُؤَاخَذُ بِالْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ (الْأَنْقِرْوِيُّ) ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (١٥٨٧) ، حَتَّى إنَّهُ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى إقْرَارِ الْمُرْتَهِنِ بِقَبْضِ الرَّهْنِ، لَمْ يَقُولُوا (رَأَيْنَاهُ وَهُوَ يَقْبِضُ) تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَوُجُودُ الرَّهْنِ بِيَدِ الرَّاهِنِ وَقْتَ الدَّعْوَى لَا يَمْنَعُ إثْبَاتَ قَبْضِهِ مُقَدَّمًا، أَوْ الْإِقْرَارُ بِقَبْضِهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ حَالِيًّا تَكُونُ أَيْضًا عَارِيَّةً.، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧٤٩) . (الْأَنْقِرْوِيُّ فِي الرَّهْنِ) . وَبِالْإِقْرَارِ بِالرَّهْنِ لَا يَحْصُلُ الْإِقْرَارُ بِالْقَبْضِ، وَقَدْ فُهِمَ مِنْ التَّفْصِيلَاتِ الْآنِفَةِ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَكُونُ لَازِمًا بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الرَّهْنِ، فَالرَّاهِنُ أَيْضًا بِإِقْرَارِهِ بِعَقْدِ الرَّهْنِ لَا يَكُونُ أَقَرَّ بِالتَّسْلِيمِ، يَعْنِي بِقَبْضِ الرَّهْنِ، بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يُدْرَجْ قَبْضُ الرَّهْنِ فِي سَنَدِ عَقْدِ الرَّهْنِ لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِلُزُومِ الرَّهْنِ بِذَلِكَ السَّنَدِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ قَوْلٌ وَالْقَبْضَ فِعْلٌ فَلَا يَثْبُتُ الْقَبْضُ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْفِعْلِ بِسَنَدٍ لِمُجَرَّدِ ذِكْرِ الْقَوْلِ فِيهِ (الْأَنْقِرْوِيُّ) . [ (الْمَادَّةُ ٧٠٧) الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي الرَّهْنِ] (الْمَادَّةُ ٧٠٧) الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي الرَّهْنِ هُوَ قَوْلُ الرَّاهِنِ: إنِّي رَهَنْتُ

стр. 876

عِنْدَكَ هَذَا الشَّيْءَ مُقَابِلَ دَيْنِي أَوْ كَلَامًا آخَرَ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَأَنْ يَقُولَ الْمُرْتَهِنُ أَيْضًا قَوْلًا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِثْلَ قَبِلْتُ أَوْ رَضِيتُ، وَلَيْسَ ذِكْرُ لَفْظِ الرَّهْنِ شَرْطًا، مَثَلًا لَوْ اشْتَرَى أَحَدٌ شَيْئًا وَأَعْطَى الْبَائِعَ مَالًا قَائِلًا لَهُ: احْفَظْهُ عِنْدَك لِبَيْنَمَا أَنْقُدُكَ الثَّمَنَ يَكُونُ قَدْ رَهَنَ الْمَالَ، وَقَوْلُ الرَّاهِنِ أَيْضًا فَلْيَكُنْ هَذَا الشَّيْءُ رَهْنًا عِنْدَكَ مُقَابِلَ دَيْنِي الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَذَا ذَهَبَاتٍ، يَعْنِي عِنْدَ وُقُوعِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِأَلْفَاظٍ كَهَذِهِ يَنْعَقِدُ الرَّهْنُ بِمُوجَبِ الْمَادَّةِ الْآنِفَةِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِأَلْفَاظٍ لَا تَدُلُّ عَلَى الرَّهْنِ، مَثَلًا لَوْ كَانَ شَخْصٌ مَدِينًا لِآخَرَ بِمِائَةِ مَجِيدِي وَأَعْطَاهُ إيَّاهَا قَائِلًا: أَشْهَدُ أَنَّكَ قَبَضْتَهَا وَأَمْسَكْتَهَا مُقَابِلَ حَقِّكَ فَهَذِهِ الْمُعَامَلَةُ لَا تَكُونُ رَهْنًا بَلْ إيفَاءَ دَيْنٍ (الْخَانِيَّةُ) ، وَكَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمَجَلَّةِ أَنَّ الرَّهْنَ يَنْعَقِدُ بِإِيجَابِ الرَّاهِنِ وَقَبُولِ الْمُرْتَهِنِ يَنْعَقِدُ أَيْضًا بِإِيجَابِ الْمُرْتَهِنِ وَقَبُولِ الرَّاهِنِ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ أَيْضًا فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْحَوَالَةِ وَلِذَلِكَ إيرَادُ الْإِيجَابِ مِنْ قِبَلِ الرَّاهِنِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ لَيْسَ أَمْرًا احْتِرَازِيًّا، وَذِكْرُ لَفْظِ الرَّهْنِ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ لَيْسَ شَرْطًا بَلْ يَكْفِي لِذَلِكَ قَوْلٌ يُفِيدُ الرَّهْنَ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٣) وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ يُمْكِنُ عَقْدُ الرَّهْنِ بِدُونِ أَنْ تُلْفَظَ كَلِمَةُ الرَّهْنِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ) ، وَإِذَا اشْتَرَى أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ آخَرَ وَأَعْطَاهُ مَالًا قَائِلًا لَهُ: أَبْقِ هَذَا عِنْدَكَ لِبَيْنَمَا أُعْطِيكَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ، وَأَبْقَى الْبَائِعُ ذَلِكَ الْمَالَ عِنْدَهُ يَكُونُ الْمُشْتَرِي رَهَنَ الْمَالَ الْمَذْكُورَ عِنْدَ الْبَائِعِ مُقَابِلَ الْمَبْلَغِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ مَقْصِدَ الرَّاهِنِ الرَّهْنُ بِتَجْدِيدِهِ إمْسَاكَ الرَّهْنِ لِحِينِ تَأْدِيَةِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ حَيْثُ إنَّ الْإِمْسَاكَ لِحِينِ إعْطَاءِ الْمَبْلَغِ هُوَ مَعْنَى الرَّهْنِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٧٢٩) وَنَظَرًا لِلْمَادَّةِ (٣) فَالِاعْتِبَارُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: أَبْقِ مُقَابِلَ الدَّرَاهِمِ، وَلَا يَكُونُ تَرْكُ الْمَالِ بِصِفَةِ وَدِيعَةٍ، مَثَلًا لَوْ قَالَ الْمَدِينُ لِدَائِنِهِ: خُذْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ وَخَمْسِينَ مَجِيدِيًّا وَأَبْقِهَا عِنْدَكَ لِبَيْنَمَا أُعْطِيكَ الْعَشْرَ ذَهَبَاتٍ الْبَاقِيَةَ تَكُونُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ رَهْنًا، وَلَيْسَتْ إيفَاءَ دَيْنٍ (الْخَانِيَّةُ) . هَذَا مِثَالٌ لِكَوْنِ ذِكْرِ لَفْظِ الرَّهْنِ لَيْسَ شَرْطًا وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَالْإِمَامِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَأَمَّا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فَبِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ لَا يَنْعَقِدُ الرَّهْنُ بَلْ تَنْعَقِدُ وَدِيعَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الرَّهْنَ وَالْإِيدَاعَ، وَحَيْثُ إنَّ الْإِيدَاعَ أَقَلُّ مِنْ الرَّهْنِ اقْتَضَى ثُبُوتَ الْإِيدَاعِ بِسَبَبِ أَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ صِرْفَةٌ وَأَمَّا الرَّهْنُ فَمَضْمُونٌ بِغَيْرِهِ، وَلَكِنْ إذَا قَالَ الرَّاهِنُ: أَمْسِكْهُ مُقَابِلَ دَيْنِكَ أَوْ مَالِكَ يَكُونُ عَنْ جِهَةِ الرَّهْنِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ وَالْهِنْدِيَّةُ) وَبِهَذِهِ الصُّورَةِ بِالِاتِّفَاقِ رَهْنًا (الْخَانِيَّةُ) . وَإِذَا كَانَ رَهْنُ الْمَبِيعِ مُقَابِلَ ثَمَنِهِ جَائِزًا بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ وَلِهَذَا قَوْلُ الْمَجَلَّةِ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا وَأَعْطَى الْبَائِعَ مَالًا، يَعْنِي أَنَّ إيرَادَ الْمَرْهُونِ مُسْتَقِلًّا عَنْ الْمَبِيعِ لَيْسَ بِقَصْدِ الْإِشْعَارِ بِوُجُوبِ كَوْنِ ذَلِكَ الْمَالِ غَيْرَ الشَّيْءِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ صَالِحٌ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا مُقَابِلَ ثَمَنِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ (الشُّرُنْبُلَالِيُّ وَالدُّرَرُ)

стр. 877

وَإِذَا أَعْطَى الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ لِلْبَائِعِ بَعْدَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ قَائِلًا لَهُ: أَبْقِ هَذَا عِنْدَك إلَى أَنْ أَنْقُدُكَ ثَمَنَهُ فَالْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ الرَّاهِنَ رَهْنُ الْمَبِيعِ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ مَضْمُونٌ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ بِمُوجَبِ الْمَادَّةِ (٢٩٣) ، وَحَيْثُ إنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِلشَّيْءِ الْوَاحِدِ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِضَمَانَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ مَضْمُونًا بِالرَّهْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الضَّمَانَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مُحَالٌ. وَبَيَانُ اخْتِلَافِ الضَّمَانَيْنِ أَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ ثَابِتٌ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَمَضْمُونٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ الْقِيمَةِ وَالدَّيْنِ، وَأَمَّا قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْمَبِيعُ مَضْمُونٌ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ الْمَذْكُورُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَبِيعِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ وَأَبُو السُّعُودِ) وَعَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ جَائِزًا قَبْلَ الْقَبْضِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَبِالْأَقَلِّ مِنْ الْقِيمَةِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ إذَا أَعْطَى الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ مَالًا مَعَ الْمَبِيعِ كَيْ يَكُونَ رَهْنًا مُقَابِلَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ حَالَ كَوْنِهِ لَمْ يَقْبِضْ الْمَبِيعَ بَعْدُ، فَيَكُونُ الْمَالُ فَقَطْ مَرْهُونًا بِحِصَّتِهِ وَالْمَبِيعُ لَا يَكُونُ مَرْهُونًا (الْهِنْدِيَّةُ قَبْلَ الْفَصْلِ الْخَامِسِ) . وَلِهَذَا السَّبَبِ أَيْضًا إذَا رَهَنَ شَخْصٌ الْمَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَهَلَكَ الْمَالُ بِيَدِ الْبَائِعِ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ شَيْءٌ، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ لَا يُمْكِنُ الْبَائِعَ أَنْ يُطَالِبَ الْمُشْتَرِيَ بِزِيَادَةِ قِيمَةِ الْمَبِيعِ فِيمَا لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَالِ أَدْنَى مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٢٩٣) وَشَرْحَهَا، وَلِذَلِكَ أَيْضًا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا مِمَّا يَفْسُدُ بِالْمُكْثِ كَاللَّحْمِ وَالْحَلِيبِ وَرَهَنَهَا مُقَابِلَ ثَمَنِهَا عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا وَذَهَبَ فِي حَالٍ سَبِيلِهِ، يَعْنِي إذَا أَهْمَلَ أَخْذَ الْمَبِيعِ وَإِعْطَاءَ ثَمَنِهِ فَيُمْكِنُ الْبَائِعُ أَنْ يَبِيعَهُ لِخِلَافِهِ، وَبِإِمْكَانِ الْآخَرِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ أَيْضًا مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ فَلَا يُطَالِبُ كُلٌّ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي الْآخَرَ بِشَيْءٍ (الدُّرُّ الْمُخْتَارُ فِيمَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ) . إنَّ انْعِقَادَ الرَّهْنِ لَيْسَ مُنْحَصِرًا فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ اللَّفْظِيِّ فَقَطْ فَيَنْعَقِدُ أَيْضًا بِالتَّعَاطِي وَالْكِتَابَةِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٦٩) كَمَا هِيَ الْحَالُ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، اُنْظُرْ الْمَادَّتَيْنِ (١٧٥ وَ ٤٣٧) . وَعَدَمُ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَجَلَّةِ نَاشِئٌ عَنْ أَنَّهَا تَكُونُ مَعْلُومَةً قِيَاسًا لِلْمَوَادِّ الْمَذْكُورَةِ (رَدُّ الْمُحْتَارِ فِي أَوَّلِ الرَّهْنِ) .

стр. 878

[فَصَلِّ فِي بَيَانِ شُرُوطِ انْعِقَادِ الرَّهْنِ] يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الرَّهْنِ أَنْ يَصْدُرَ مِنْ أَهْلِهِ، يَعْنِي مِنْ الْعَاقِلِ وَالْمُمَيِّزِ وَيُضَافُ إلَى مَحَلِّهِ فَالرَّهْنُ الَّذِي يُوجَدُ خَلَلٌ فِي رُكْنِهِ كَرَهْنِ الْمَجْنُونِ بَاطِلٌ. تَلْخِيصُ الشُّرُوطِ: الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ تَتَعَلَّقُ بِالرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْمَرْهُونِ وَالْمَالِ الْمُقَابِلِ الرَّهْنَ، فَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي مِنْ الشُّرُوطِ مَذْكُورَانِ فِي الْمَادَّةِ (٧٠٨) ، وَالثَّالِثُ فِي الْمَادَّةِ (٧٠٩) ، وَالرَّابِعُ فِي الْمَادَّةِ (٧١٠) فَكُلُّ عَقْدِ رَهْنٍ لَا يَشْتَمِلُ عَلَى الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَبَاطِلٌ، وَالْحُكْمُ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ أَيْضًا هُوَ عَلَى الْمِنْوَالِ الْمُحَرَّرِ (اُنْظُرْ الْمَوَادَّ ٣٦١ وَ ٣٦٢ وَ ٤٤٤ وَ ٤٥٨) . وُجُوهٌ أَرْبَعَةٌ فِي بُطْلَانِ عَقْدِ الرَّهْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - لِفِقْدَانِ الشُّرُوطِ الْمُحَرَّرَةِ فِي الْمَادَّةِ (٧٠٨) الْوَجْهُ الثَّانِي - لِعَدَمِ وُجُودِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَادَّةِ (٧٠٩) . الْوَجْهُ الثَّالِثُ - لِجَهْلِ الْمَرْهُونِ كَمَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ الْمَذْكُورَةِ الْوَجْهُ الرَّابِعُ - لِعَدَمِ وُجُودِ الشُّرُوطِ الْمُحَرَّرَةِ فِي الْمَادَّةِ (٧١) وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَفِي الْمَادَّةِ (٧٠٩) عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَفِي الْمَادَّةِ (٧١٠) عَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ (عَيْنِيٌّ) . وَيُوجَدُ شَرْطٌ خَامِسٌ وَهُوَ كَمَا ذُكِرَ شَرْحًا فِي الْمَادَّةِ (٧٠٥) أَنْ يَكُونَ الْعَدْلُ عَاقِلًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَاقِلًا لَا يَتِمُّ الرَّهْنُ بِقَبْضِهِ وَيُوجَدُ لِلرَّهْنِ شَرَائِطُ أُخَرُ، وَعَدَا عَنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ يُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي الرَّهْنِ أَنْ لَا يَكُونَ مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ وَلَا مُضَافًا إلَى وَقْتٍ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ) كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ شَرْحِ الْمَادَّةِ (٧٠١) . وَإِذَا وُجِدَ شَرْطُ الرَّهْنِ وَلَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا بِاعْتِبَارِ بَعْضِ أَوْصَافِهِ الْخَارِجِيَّةِ يَكُونُ الرَّهْنُ فَاسِدًا، وَالْمَجَلَّةُ تَبْحَثُ فِي هَذَا الْفَصْلِ عَنْ أَحْكَامِ الرَّهْنِ الْبَاطِلِ، وَحَيْثُ إنَّ أَحْكَامَ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ مُهِمَّةٌ أَيْضًا فَسَنَبْحَثُ عَنْهَا فِي الشَّرْحِ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ، وَعَدَمُ ذِكْرِ الرَّهْنِ الْبَاطِلِ فِي الْمَجَلَّةِ (مَعَ أَنَّهُ صُرِّحَ فِي فُصُولِهَا الْعَائِدَةِ لِلْعُقُودِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ أَنَّ الْعُقُودَ الْمَذْكُورَةَ تَكُونُ بَاطِلَةً عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ شَرَائِطِ الِانْعِقَادِ) مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ مَعْلُومًا بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ

стр. 879

(الْمَادَّةُ ٧٠٨) : ١ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَاقِلَيْنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُمَا حَتَّى إنَّ رَهْنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَارْتِهَانَهُ جَائِزَانِ، يَعْنِي أَنَّ كَوْنَ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ عَاقِلَيْنِ شَرْطٌ فِي انْعِقَادِ الرَّهْنِ (اُنْظُرْ مَادَّتَيْ ٩٥٧ وَ ٩٦٦) فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ رَهْنُ الصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَالْكَبِيرِ الْمَجْنُونِ وَارْتِهَانُهُمَا بَاطِلَانِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِأَنْفُسِهِمَا أَمْ بِوَكِيلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونَ لَا عَقْلَ لَهُمَا، وَالْعَقْلُ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ وَفِي هَذِهِ الْحَالِ إذَا رَهَنَ شَخْصٌ مَالًا عِنْدَ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَسَلَّمَهُ إيَّاهُ وَضَاعَ ذَلِكَ الْمَالُ لِعَدَمِ اقْتِدَارِ الصَّبِيِّ عَلَى حِفْظِهِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانُ. أَمَّا الْبُلُوغُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ رَهْنُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَارْتِهَانُهُ صَحِيحَانِ وَنَافِذَانِ إذَا كَانَ مَأْذُونًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَالِارْتِهَانَ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ فَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ الْمَأْذُونُ بِالتِّجَارَةِ يَكُونُ مَأْذُونًا أَيْضًا بِتَوَابِعِهَا (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٩٦٧) ، مَثَلًا كَمَا أَنَّ بَيْعَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ مَالًا نَافِذٌ فَاسْتِيفَاؤُهُ ثَمَنَ الْمَبِيعِ مِنْ الْمُشْتَرِي أَيْضًا صَحِيحٌ وَمُعْتَبَرٌ، وَالِارْتِهَانُ هُوَ حُكْمُ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَاسْتِيفَاءُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ حُكْمًا جَائِزٌ كَاسْتِيفَائِهِ الْحَقِيقِيِّ فَإِذَا اشْتَرَى الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ الْمَأْذُونُ مَالًا وَأَوْفَى ثَمَنَ الْمَبِيعِ لِلْبَائِعِ يَصِحُّ ذَلِكَ، وَالرَّهْنُ حُكْمًا هُوَ إيفَاءُ الدَّيْنِ، وَالْإِيفَاءُ حُكْمًا جَائِزٌ كَالْإِيفَاءِ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ إذَا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ يَبْقَى مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ كَمَا سَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ، وَرَهْنُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَارْتِهَانُهُ جَائِزَانِ سَوَاءٌ أَكَانَ مَأْذُونًا أَمْ غَيْرَ مَأْذُونٍ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُنْظَرُ: إذَا كَانَ مَأْذُونًا فَكَمَا أَنَّ رَهْنَهُ وَارْتِهَانَهُ جَائِزَانِ فَهُمَا نَافِذَانِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فَرَهْنُهُ وَارْتِهَانُهُ جَائِزَانِ، وَلَكِنَّهُمَا غَيْرُ نَافِذَيْنِ بَلْ مَوْقُوفَانِ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ أَوْ الْوَصِيِّ فَإِنْ أَجَازَهُمَا نَفَذَا وَإِلَّا انْفَسَخَا كَمَا هِيَ الْحَالُ فِي بَيْعِ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ وَشِرَائِهِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٩٦٧) . وَسَبَبُ تَوَقُّفِ تَصَرُّفَاتِ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ عَلَى الْإِذْنِ هُوَ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مَتَى صَارَ مُمَيِّزًا يُحْتَمَلُ حُصُولُ الضَّرَرِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ نَظَرًا لِنَقْصِ عَقْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ التَّصَرُّفُ نَافِذًا بِلَا إذْنٍ فَعِنْدَمَا يَقْتَرِنُ بِالْإِذْنِ تَرْجَحُ جِهَةُ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَنْفَعَةِ، إذْ أَنَّ الْوَلِيَّ أَوْ الْوَصِيَّ يَكُونُ دَقَّقَ مُعَامَلَةَ الرَّهْنِ وَتَيَقَّنَ الْمَنْفَعَةَ مِنْهَا، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ (٥٨) (أَبُو السُّعُودِ فِي الْحَجَرِ) . وَلَمَّا كَانَ رَهْنُ الصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونِ بَاطِلَيْنِ فَيُمْكِنُ وَلِيَّهُمَا أَوْ وَصِيَّهُمَا الِارْتِهَانُ لِأَجْلِهِمَا. وَيَنْقَسِمُ رَهْنُ الْوَلِيِّ أَوْ الْوَصِيِّ وَارْتِهَانُهُمَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ - الرَّهْنُ وَالِارْتِهَانُ لِلصَّغِيرِ وَإِيضَاحُهُ فِي ضَابِطَيْنِ: الضَّابِطُ الْأَوَّلُ - إنَّ حَقَّ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ رَاجِعٌ لِلْأَشْخَاصِ الْمُحَرَّرَةِ فِي الْمَادَّةِ (٩٧٤) فَالْأَبُ يُمْكِنُهُ رَهْنُ مَالِ الصَّبِيِّ لِأَجْلِ دَيْنِ الصَّبِيِّ، وَعِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الْأَبِ تَعُودُ هَذِهِ الصَّلَاحِيَةُ عَلَى وَجْهِ التَّرْتِيبِ الْمُحَرَّرِ فِي الْمَادَّةِ الْمَذْكُورَةِ إلَى الْوَصِيِّ الْمُخْتَارِ وَالْجَدِّ الصَّحِيحِ لِلْأَبِ بِتَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ، وَلِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يَرْهَنَ عِنْدَ نَفْسِهِ مَالَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ مُقَابِلَ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ بِذِمَّةِ الصَّغِيرِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْهَنَ مَالَ أَحَدِ صَغِيرَيْهِ عِنْدَ الْآخَرِ أَيْضًا، يَعْنِي أَنَّ الْأَبَ يَقْدِرُ أَنْ يَتَوَلَّى كِلَا طَرَفَيْ عَقْدِ

стр. 880

الرَّهْنِ، وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ. مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ وَالْبَزَّازِيَّةُ (اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ١٦٧) وَكَذَلِكَ يُمْكِنُ الْأَبَ أَنْ يَرْهَنَ مَالَهُ وَيَحْبِسَهُ لِأَجْلِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ مُقَابِلَ الدَّيْنِ الَّذِي بِذِمَّتِهِ لِلصَّغِيرِ، وَالْوَصِيُّ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إنَّمَا رَهْنُ الْوَصِيِّ وَارْتِهَانُهُ لِأَجْلِ الصَّبِيِّ أَوْ التَّرِكَةِ جَائِزَانِ، مَثَلًا إذَا اسْتَقْرَضَ الْوَصِيُّ دَرَاهِمَ لِأَجْلِ نَفَقَةِ الصَّغِيرِ وَرَهَنَ مَالَ الصَّغِيرِ مُقَابِلَ ذَلِكَ فَكَمَا أَنَّهُ يَكُونُ صَحِيحًا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَتَعَاطَى التِّجَارَةَ لِأَجْلِ الصَّغِيرِ. أَنْ يَرْهَنَ وَيَرْتَهِنَ لِحِسَابِ الصَّغِيرِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَالْفَصْلِ الْخَامِسِ) فَلِهَذَا السَّبَبِ إذَا اسْتَقْرَضَ وَصِيُّ الْمُتَوَفَّى دَرَاهِمَ لِأَجْلِ نَفَقَةِ الْوَرَثَةِ وَرَهَنَ مَالًا مِنْ أَمْوَالِ الْوَرَثَةِ مُقَابِلَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا صِغَارًا صَحَّ ذَلِكَ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُمْكِنُ الصَّغِيرَ أَنْ يَنْقُضَ الرَّهْنَ وَيَسْتَرِدَّ الْمَرْهُونَ عِنْدَ بُلُوغِهِ، إلَّا إذَا أَوْفَوْا الدَّيْنَ بِتَمَامِهِ (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٧٢٩) ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ كِبَارًا وَبَعْضُهُمْ صِغَارًا تَنْفُذُ الِاسْتِدَانَةُ وَتَجُوزُ عَلَى الصِّغَارِ فَقَطْ، وَإِذَا كَانَ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ كِبَارًا لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ وَالِاسْتِقْرَاضُ كِلَاهُمَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَرَثَةُ حَاضِرِينَ أَمْ غَائِبِينَ (اُنْظُرْ شَرْحَ الْمَادَّةِ ٧٠١) (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَالْفَصْلِ الْخَامِسِ) . وَمَنْ هَذِهِ الْجِهَةِ إذَا اسْتَدَانَ الْوَصِيُّ وَرَهَنَ لِأَجْلِ نَفَقَةِ حَيَوَانَاتِ الْوَرَثَةِ فَإِنْ كَانُوا صِغَارًا يَصِحُّ الرَّهْنُ وَالِاسْتِدَانَةُ كِلَاهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ مِنْهُمْ كِبَارًا وَالْبَعْضُ مِنْهُمْ صِغَارًا فَالِاسْتِدَانَةُ وَالرَّهْنُ يَكُونَانِ صَحِيحَيْنِ بِحَقِّ الصِّغَارِ فَقَطْ عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ وَلَا يَصِحَّانِ بِحَقِّ الْكِبَارِ وَلِهَذَا السَّبَبِ أَيْضًا. إذَا اسْتَقْرَضَ الْوَصِيُّ لِأَجْلَ نَفَقَةِ دَوَابِّ الْوَرَثَةِ وَرَهَنَ مُقَابِلَهُ فَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ كِبَارًا وَغَائِبِينَ فَالِاسْتِدَانَةُ وَالرَّهْنُ جَائِزَانِ، وَإِنْ كَانُوا كِبَارًا وَكَانَ الْبَعْضُ مِنْهُمْ غَائِبًا وَالْبَعْضُ حَاضِرًا فَالْمُعَامَلَةُ تَصِحُّ بِحَقِّ الْغَائِبِينَ فَقَطْ عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ وَلَا تَصِحُّ بِحَقِّ الْحَاضِرِينَ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ كِبَارًا وَحَاضِرِينَ فَلَا تَجُوزُ الِاسْتِدَانَةُ وَلَا الرَّهْنُ (مِنْ الْمَحَلِّ الْمَزْبُورِ) ، وَلَيْسَ بِإِمْكَانِ الْوَصِيِّ أَنْ يَتَوَلَّى جِهَتَيْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مِنْ الرَّهْنِ كَالْأَبِ بِنَاءً عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَرْهَنَ مَالَ الصَّغِيرِ عِنْدَ نَفْسِهِ مُقَابِلَ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عِنْدَ الصَّغِيرِ وَلَا أَنْ يَرْهَنَ مَالَ أَحَدِ الصَّغِيرَيْنِ عِنْدَ الْآخَرِ (زَيْلَعِيٌّ) فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ أَنَّ الْأَبَ نَظَرًا لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ شَخْصٍ وَتَقُومُ عِبَارَتُهُ مَقَامَ عِبَارَتَيْنِ عِنْدَ بَيْعِ مَالِ الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ يَكُنْ الْأَصْلُ عَدَمَ تَوَلِّي الْوَاحِدِ طَرَفَيْ الْعَقْدِ فَقَدْ اُسْتُثْنِيَ الْأَبُ، وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَلَا يُعْدَلُ لِأَجْلِهِ عَنْ الْحَقِيقَةِ نَظَرًا لِقُصُورِ شَفَقَتِهِ، بِنَاءً عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ الْوَصِيَّ أَيْضًا أَنْ يَرْهَنَ مَالَ الصَّغِيرِ مُقَابِلَ مَا عَلَى الصَّغِيرِ مِنْ الدَّيْنِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ وَكِيلٌ مَحْضٌ وَلَا يَجُوزُ لِلْوَاحِدِ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ كَمَا هِيَ الْحَالُ فِي الْبَيْعِ (مَجْمَعُ الْأَنْهُرِ) ، وَلَكِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْهَنَ مَالَ الصَّغِيرِ لِابْنِهِ الْكَبِيرِ أَوْ لِأَبِيهِ مُقَابِلَ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْوَصِيِّ عَلَى ابْنِهِ الْكَبِيرِ وَلَا عَلَى أَبِيهِ كَمَا هُوَ فِي الْبَيْعِ، اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ١٤٩ وَفِي الرَّهْنِ لَيْسَ مِنْ تُهْمَةٍ أَيْضًا.
следующие страницы →