Полный текст (1 968 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
فَالْمَنْزُولُ لَهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَتَقَرَّرُ غَيْرُهُ أَيْ: إذَا كَانَ النُّزُولُ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْإِمْضَاءِ لِشَرْطِ وَاقِفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَالنُّزُولُ إذَا لَمْ يَتِمَّ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمُتَحَجِّرِ إذْ الْمُتَحَجِّرُ لَا يَتِمُّ مِلْكُهُ إلَّا بِالْإِحْيَاءِ وَالنُّزُولُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْإِمْضَاءِ، وَحَقُّ الْمَنْزُولِ لَهُ قَائِمٌ بِهِ يَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى الْإِمْضَاءِ. فَإِنْ وُجِدَ انْبَرَمَ وَتَمَّ النُّزُولُ لَهُ وَإِلَّا كَانَ الْمَنْزُولُ عَنْهُ لِلنَّازِلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْغَبْ عَنْهُ رَغْبَةً مُطْلَقَةً بَلْ مُقَيَّدَةً بِحُصُولِهِ لِلْمَنْزُولِ لَهُ وَلَمْ يَحْصُلْ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ التَّقْرِيرُ فِي مِثْلِ هَذَا إنَّمَا يُقَرِّرُ فِيمَا هُوَ خَالٍ عَنْ يَدِ مُسْتَحِقٍّ أَوْ فِي يَدِ مَنْ يَمْلِكُ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ لِمُقْتَضًى شَرْعِيٍّ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ النُّزُولُ مَشْرُوطًا بِالْإِمْضَاءِ وَكَانَ الْمَنْزُولُ لَهُ أَهْلًا فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ عَاجِلًا بِقَبُولِهِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقْرِيرِ نَاظِرٍ وَلَا مُرَاجَعَتِهِ ; إذْ هُوَ حَقٌّ لَهُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ فِي حُقُوقِهِ قَالَهُ ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ (أَوْ آثَرَ شَخْصًا بِمَكَانِهِ فِي الْجُمُعَةِ) ، فَالْمُؤْثَرُ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَحَقُّ بِهِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: لِمَنْ قُلْنَا إنَّهُ أَحَقُّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ السَّابِقِ (بَيْعُهُ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْأَخْذِ، وَكَمَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ لَكِنَّ النُّزُولَ عَنْهُ بِعِوَضٍ لَا عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ جَائِزٌ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ قِيَاسًا عَلَى الْخُلْعِ (فَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ) أَيْ مُدَّةُ التَّحَجُّرِ وَنَحْوَهُ (عُرْفًا وَلَمْ يَتِمَّ إحْيَاؤُهُ وَحَصَلَ مُتَشَوِّقٍ لِإِحْيَائِهِ قِيلَ لَهُ) أَيْ: قَالَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لِلْمُتَحَجِّرِ وَنَحْوِهِ: (إمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ أَوْ تَتْرُكَهُ) لِغَيْرِكَ يُحْيِيهِ لِتَضْيِيقِهِ عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ. أَشْبَهَ مَنْ وَقَفَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّق (فَإِنْ طَلَبَ) الْمُتَحَجِّرُ (الْمُهْلَةَ لِعُذْرٍ أُمْهِلَ مَا يَرَاهُ حَاكِمٌ مِنْ نَحْوِ شَهْرٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ) لِيَحْصُلَ مَا يَحْتَاجُهُ لِإِحْيَائِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تُعَمِّرَ أَوْ تَرْفَعَ يَدَكَ، فَإِنْ لَمْ يُعَمِّرْهَا كَانَ لِغَيْرِهِ عِمَارَتُهَا (وَلَا يَمْلِكُ) الْمُتَحَجِّرُ (بِإِحْيَاءِ غَيْرِهِ فِيهَا) أَيْ: مُدَّةَ الْمُهْلَةِ لِأَنَّهُ إحْيَاءٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. أَشْبَهَ إحْيَاءَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُتَحَجِّرِ أَسْبَقُ فَكَانَ أَوْلَى. فَإِنْ أَحْيَاهُ غَيْرُهُ بَعْدَ مُدَّةِ الْمُهْلَةِ مَلَكَهُ (وَكَذَا لَا يُقَرِّرُ) فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ أَوْ وَظِيفَةٍ مَنْزُولٍ عَنْهَا لِأَهْلٍ (غَيْرُ مَنْزُولٍ لَهُ) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِذَلِكَ، (وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ (لِغَيْرِ الْمُؤْثَرِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (أَنْ يَسْبِقَ) إلَى الْمَكَانِ الْمُؤْثَرِ بِهِ غَيْرُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُؤْثَرِ بِهِ
وَيَنْقَسِمُ الْإِقْطَاعُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: إقْطَاعُ تَمْلِيكٍ، وَإِقْطَاعُ اسْتِغْلَالٍ، وَإِقْطَاعُ إرْفَاقٍ. وَقَسَّمَ الْقَاضِي الْأَوَّلَ إلَى: مَوَاتٍ وَعَامِرٍ وَمَعَادِنِ، وَجَعَلَ الثَّانِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: خَرَاجٍ وَعُشْرٍ. وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْأَخِيرِ بِقَوْلِهِ (: وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُ جُلُوسٍ بِطَرِيقٍ وَاسِعَةٍ وَرَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ مَا لَمْ يَضِقْ عَلَى النَّاسِ) ; لِأَنَّ لَهُ فِي
стр. 1017
ذَلِكَ اجْتِهَادًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ إلَّا فِيمَا لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ فِيهَا، فَلَهُ أَنْ يُجْلِسَ فِيهَا مَنْ لَا يَرَى أَنَّهُ يَضُرُّ بِجُلُوسِهِ (وَلَا يَمْلِكُهُ مُقْطَعٌ) بِهِ (بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ) أَيْ: بِالْجُلُوسِ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يَزُولُ حَقُّهُ بِنَقْلِ مَتَاعِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ، بِخِلَافِ السَّابِقِ إلَيْهَا بِلَا إقْطَاعٍ كَمَا يَأْتِي ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَهَا يَسْبِقُهُ إلَيْهَا. فَإِذَا انْتَقَلَ عَنْهَا زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ، وَهُنَا اسْتِحْقَاقُهُ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ لَهُ فَلَا يَزُولُ (مَا لَمْ يَعُدْ الْإِمَامُ فِي إقْطَاعِهِ) فَيُقْطَعُ بِعَوْدِهِ ; لِأَنَّ لَهُ اجْتِهَادًا فِي قَطْعِهِ كَمَا لَهُ اجْتِهَادٌ فِي ابْتِدَائِهِ. فَإِنْ كَانَتْ رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ مَحُوطَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ إقْطَاعُ الْجُلُوسِ فِيهَا ; لِأَنَّهَا مِنْ الْمَسْجِدِ (وَإِنْ لَمْ يُقْطِعْ) الْإِمَامُ الْجُلُوسَ بِطَرِيقٍ وَاسِعَةٍ أَوْ رَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ، (فَالسَّابِقُ) إلَى الْجُلُوسِ فِيهَا (أَحَقُّ) بِهِ (مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهَا) ; لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» ; وَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ بِمُبَاحٍ بِلَا إضْرَارٍ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَالِاجْتِيَازِ. فَإِنْ قَامَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إزَالَتَهُ، وَإِنْ نَقَلَ مَتَاعَهُ كَانَ لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَأْتِ اللَّيْلُ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إذْنِ إمَامٍ (فَإِنْ أَطَالَهُ) أَيْ: الْجُلُوسَ بِلَا إقْطَاعٍ (أُزِيلَ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالتَّمَلُّكِ. وَيَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيهِ غَيْرُهُ فِيهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْجَالِسِ بِطَرِيقٍ وَاسِعٍ وَرَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ بِإِقْطَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَنْ يَسْتَظِلَّ بِمَا لَا يَضُرُّ كَكِسَاءٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ إلَيْهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ رَحْبَةٍ (أَوْ إلَى خَانٍ مُسْبَلٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ خَانِكَاهْ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ) الِانْتِفَاعُ (بِهَا إلَى تَنْزِيلِ نَاظِرٍ) وَضَاقَ الْمَكَانُ عَنْ انْتِفَاعِ جَمِيعِهِمْ (أُقْرِعَ) لِاسْتِوَائِهِمْ، وَالْقُرْعَةُ مُمَيِّزَةٌ
(وَالسَّابِقُ إلَى مَعْدِنٍ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُهُ) مِنْهُ بَاطِنًا كَانَ أَوْ ظَاهِرًا لِلْخَبَرِ (وَلَا يُمْنَعُ إذَا طَالَ مُقَامُهُ) لِلْخَبَرِ (وَإِنْ سَبَقَ عَدَدٌ) إلَى مَعْدِنٍ (وَضَاقَ الْمَحِلُّ عَنْ الْآخِذِ جُمْلَةً أُقْرِعَ) ; لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا
(وَالسَّابِقُ إلَى) أَخْذِ (مُبَاحٍ كَصَيْدٍ وَعَنْبَرٍ وَحَطَبٍ وَثَمَرٍ) وَنَحْوِهِ (وَمَنْبُوذٍ رَغْبَةً عَنْهُ) كَالنِّثَارِ فِي الْأَعْرَاسِ وَنَحْوِهَا، وَمَا يَتْرُكُهُ حَصَّادٌ وَنَحْوُهُ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ رَغْبَةً عَنْهُ وَكِسْرَةٍ وَلَحْمٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَظْمٍ (أَحَقُّ بِهِ) فَيَمْلِكُهُ بِأَخْذِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا (وَيُقَسَّمُ بَيْنَ عَدَدٍ) أَخَذُوهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً (بِالسَّوِيَّةِ) لِاسْتِوَائِهِمْ فِي السَّبَبِ وَإِمْكَانَ الْقِسْمَةِ
(وَلِلْإِمَامِ لَا غَيْرِهِ إقْطَاعُ غَيْرِ مَوَاتٍ تَمْلِيكًا وَانْتِفَاعًا لِلْمَصْلَحَةِ) لِفِعْلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ. وَمَعْنَى الِانْتِفَاعِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ بِالزَّرْعِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا مَعَ بَقَائِهِ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ إقْطَاعُ الِاسْتِغْلَالِ (وَ) أَيْ: لِإِمَامٍ (حَمْيُ مَوَاتٍ لِرَعْيِ دَوَابِّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَا لَمْ يُضَيِّق) عَلَى النَّاسِ، لِقَوْلِ عُمَرَ
стр. 1018
الْمَالُ مَالُ اللَّهِ وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ وَاَللَّهِ لَوْلَا مَا أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ مِنْ الْأَرْضِ شِبْرًا فِي شِبْرٍ " قَالَ مَالِكٌ " بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ فِي كُلِّ عَامٍ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ الظَّهْرِ ".
وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ عُثْمَانَ حَمَى، وَاشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكَرْ. وَلِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ تَقُومُ فِيهِ الْأَئِمَّةُ مُقَامَهُ ﷺ وَحَدِيثِ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أُجِيبُ عَنْهُ: بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا يَحْمِيهِ الْإِمَامُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ حُرِمَ لِعَدَمِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ. وَالْحِمَى الْمَنْعُ، يُقَالُ: حَمَى الْمَكَانَ إذَا جَعَلَهُ حِمًى لَا يُقْرَبُ. وَلَمْ يَحْمِ النَّبِيُّ ﷺ لِنَفْسِهِ شَيْئًا وَإِنَّمَا حَمَى لِلْمُسْلِمِينَ (وَلَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ إذَا حَمَى مَحِلًّا (نَقْضُ مَا حَمَاهُ) ; لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ (أَوْ) أَيْ: وَلَهُ نَقْضُ مَا حَمَاهُ (غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ) ; لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ فَلَهُ نَقْضُهُ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ. فَلَوْ أَحْيَاهُ إنْسَانٌ مَلَكَهُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ، بَلْ عَمَلٌ بِكُلٍّ مِنْ الِاجْتِهَادَيْنِ فِي مَحِلِّهِ كَالْحَادِثَةِ إذَا حَكَمَ فِيهَا قَاضٍ بِحُكْمٍ ثُمَّ وَقَعَتْ مَرَّةً أُخْرَى وَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ كَقَضَاءِ عُمَرَ فِي الْمُشَرَّكَةِ. وَ (لَا) يَنْقُضُ أَحَدٌ (مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ) ; لِأَنَّ النَّصَّ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ (وَلَا يُمَلَّكُ) مَا حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (بِإِحْيَاءٍ وَلَوْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ) ، وَإِنْ كَانَ الْحِمَى لِكَافَّةِ النَّاسِ تَسَاوَى فِيهِ جَمِيعُهُمْ. فَإِنْ خُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ اشْتَرَكَ فِيهِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ وَمُنِعَ مِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَإِنْ خُصَّ بِهِ الْفُقَرَاءُ مُنِعَ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْأَغْنِيَاءِ أَوْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوَابِّ عِوَضًا عَنْ مَرْعَى مَوَاتٍ أَوْ حِمًى لِأَنَّهُ ﷺ شَرَكَ النَّاسَ فِيهِ.
[فَصْلٌ لِمَنْ فِي أَعْلَى مَاءٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ كَالْأَمْطَارِ أَنْ يَسْقِيَ وَيَحْبِسَهُ]
فَصْلٌ وَلِمَنْ فِي أَعْلَى مَاءٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ كَالْأَمْطَارِ وَالْأَنْهَارِ الصِّغَارِ أَنْ يَسْقِيَ وَيَحْبِسَهُ أَيْ: الْمَاءَ (حَتَّى يَصِلَ إلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ إلَى مَنْ يَلِيهِ) أَيْ: السَّاقِي أَوَّلًا (ثُمَّ هُوَ) أَيْ: الَّذِي يَلِي الْأَعْلَى يَفْعَلُ (كَذَلِكَ) أَيْ: يَسْقِي وَيَحْبِسُ حَتَّى يَصِلَ إلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ إلَى مَنْ يَلِيهِ، وَهَكَذَا (مُرَتَّبًا) الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى إلَى انْتِهَاءِ الْأَرَاضِي (إنْ فَضَلَ شَيْءٌ) عَمَّنْ لَهُ السَّقْيُ وَالْحَبْسُ (وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لِلْبَاقِي) أَيْ لِمَنْ بَعْدَهُ. إذْ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا فَضَلَ كَالْعَصَبَةِ مَعَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ فِي الْمِيرَاثِ. لِحَدِيثِ عُبَادَةَ
стр. 1019
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي شُرْبِ النَّخْلِ مِنْ السَّيْلِ أَنَّ الْأَعْلَى يَشْرَبُ قَبْلَ الْأَسْفَلِ، وَيَتْرُكُ الْمَاءَ إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الْمَاءَ إلَى الْأَسْفَلِ الَّذِي يَلِيهِ وَكَذَلِكَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَوَائِطُ أَوْ يَفْنَى الْمَاءُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ. وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ لِأَرْضِ أَحَدِهِمْ أَعْلَى وَأَسْفَلُ) بِأَنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي ذَلِكَ (سُقِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ) أَيْ: انْفِرَادِهِ فِي مَحِلِّهِ، (وَلَوْ اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي قُرْبٍ) مِنْ أَوَّلِ نَهْرٍ (قُسِّمَ) الْمَاءُ بَيْنَهُمْ (عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ) فَلَوْ كَانَ لِوَاحِدٍ جَرِيبٌ وَلِآخَرَ جَرِيبَانِ وَلِثَالِثٍ ثَلَاثَةٌ، فَلِلْأَوَّلِ سُدُسٌ وَلِلثَّانِي ثُلُثٌ وَلِلثَّالِثِ نِصْفٌ كَمَا لَوْ كَانُوا سِتَّةً لِكُلِّ وَاحِدٍ جَرِيبٌ، (إنْ أَمْكَنَ) قَسْمُهُ بَيْنَهُمْ (وَإِلَّا) يُمْكِنُ قَسْمُهُ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ فَيَسْقِي مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْآخَرِينَ فَيَسْقِي مِنْ قُرِعَ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَيَتْرُكُهُ لِلْآخَرِ، (فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ) الْمَاءُ (عَنْ وَاحِدٍ) مَعَ التَّسَاوِي فِي الْقُرْبِ (سَقَى الْقَارِعُ بِقَدْرِ حَقِّهِ) لِمُسَاوَاتِهِ مَنْ لَمْ تَخْرُجْ لَهُ الْقُرْعَةُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِلتَّقْدِيمِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ لَا فِي أَصْلِ الْحَقِّ بِخِلَافِ الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ
. (وَإِنْ أَرَادَ إنْسَانٌ إحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا مِنْهُ) أَيْ: السَّيْلِ أَوْ النَّهْرِ الصَّغِيرِ (لَمْ يُمْنَعْ) مِنْ الْإِحْيَاءِ ; لِأَنَّ حَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ فِي الْمَاءِ لَا فِي الْمَوَاتِ (مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ) فَإِنْ ضَرَّهُمْ فَلَهُمْ مَنْعُهُ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ عَنْهُمْ (وَلَا يَسْقِي قَبْلَهُمْ) إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِمْ وَأَحْيَى لِسَبْقِهِمْ لَهُ إلَى النَّهْرِ ; وَلِأَنَّهُمْ مَلَكُوا الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا وَمَرَافِقِهَا قَبْلَهُ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حُقُوقِهَا وَسَبْقِهِمْ إيَّاهُ بِالسَّقْيِ مِنْ حُقُوقِهَا
. (وَلَوْ أَحْيَا سَابِقٌ) مَوَاتًا (فِي أَسْفَلِهِ) أَيْ النَّهْرِ (ثُمَّ) أَحْيَا (آخَرُ) مَحِلًّا (فَوْقَهُ) أَيْ: الْأَوَّلِ (ثُمَّ) أَحْيَا (ثَالِثٌ) مَحِلًّا (فَوْقَ ثَانٍ سَقَى الْمُحْيِي أَوَّلًا) وَهُوَ الْأَسْفَلُ. ثُمَّ سَقَى ثَانٍ فِي الْإِحْيَاءِ، وَهُوَ الَّذِي فَوْقَ الْأَسْفَلِ (ثُمَّ) سَقَى (ثَالِثٌ) أَيْ: الَّذِي فَوْقَ الثَّانِي اعْتِبَارًا بِالسَّبْقِ إلَى الْإِحْيَاءِ لَا إلَى أَوَّلِ النَّهْرِ. لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْأَرْضَ مَلَكَهَا بِحُقُوقِهَا وَمَرَافِقِهَا
. (وَإِنْ حُفِرَ نَهْرٌ صَغِيرٌ وَسِيقَ مَاؤُهُ مِنْ نَهْرٍ كَبِيرٍ مَلَكَهُ) أَيْ: مَلَكَ الْحَافِرُ الْمَاءَ الدَّاخِلَ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ: النَّهْرُ (بَيْنَ جَمَاعَةٍ) اشْتَرَكُوا فِي حَفْرِهِ (عَلَى حَسَبِ عَمَلٍ وَنَفَقَةٍ) لِأَنَّهُ مُلِكَ بِالْعِمَارَةِ. وَهِيَ الْعَمَلُ وَالنَّفَقَةُ (فَإِنْ) كَفَاهُمْ لِمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِيهَا فَلَا كَلَامَ. وَإِنْ (لَمْ يَكْفِهِمْ وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ) بِمُهَايَأَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (جَازَ) لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ (وَإِلَّا) يَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ وَتَشَاحُّوا (قَسَمَهُ) أَيْ: الْمَاءَ بَيْنَهُمْ (حَاكِمٌ عَلَى
стр. 1020
قَدْرِ مِلْكِهِمْ) فِي النَّهْرِ، وَتَأْتِي الْقِسْمَةُ (فَمَا حَصَلَ لِأَحَدِهِمْ فِي سَاقِيَتِهِ تَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا أَحَبَّ) لِانْفِرَادِهِ بِمِلْكِهِ، وَلَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ الْأَرْضِ. سَوَاءٌ كَانَ لَهُمْ رَسْمُ شُرْبٍ مِنْهُ أَوْ لَا. كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ وَلَهُ عَمَلُ رَحًى عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ (وَ) الْمَاءُ (الْمُشْتَرَكُ. لَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِذَلِكَ) بِلَا إذْنِ شُرَكَائِهِ لَكِنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ الْمَمْلُوكَ وَغَيْرَهُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ لِشُرْبِهِ وَوُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ وَغَسْلِ ثِيَابِهِ وَانْتِفَاعٍ بِهِ فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ. مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ بِلَا إذْنِ مَالِكِهِ مَا لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ فِي مَكَان مَحُوطٍ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ الْمَنْعُ مِنْهُ. لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ يَفْضُلُ مَائَهُ فِي الطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ» الْحَدِيثُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِخِلَافِ مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ. كَسَقْيِ مَاشِيَةٍ كَثِيرَةٍ وَنَحْوِهِ. فَإِنْ فَضَلَ الْمَاءُ عَنْ حَاجَةِ رَبِّهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا وَتَقَدَّمَ
(وَمَنْ سَبَقَ إلَى قَنَاةٍ لَا مَالِكَ لَهَا فَسَبَقَ آخَرُ إلَى بَعْضِ أَفْوَاهِهَا مِنْ فَوْقُ أَوْ) مِنْ (أَسْفَلُ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا سَبَقَ إلَيْهِ) لِلْخَبَرِ (وَلِمَالِكِ أَرْضٍ مَنْعُهُ مِنْ الدُّخُولِ بِهَا) أَيْ: بِأَرْضِهِ (وَلَوْ كَانَتْ رُسُومُهَا) أَيْ: الْقَنَاةِ (فِي أَرْضِهِ) لِأَنَّهَا مِلْكُهُ. كَمَنْعِهِ مِنْ دُخُولِ دَارِهِ (وَلَا يَمْلِكُ) رَبُّ أَرْضٍ (تَضْيِيقَ مَجْرَى قَنَاةٍ فِي أَرْضِهِ خَوْفَ لِصٍّ) نَصًّا. لِأَنَّهُ لِصَاحِبِهَا وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ بِتَقْلِيلِ الْمَاءِ وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ
(وَمَنْ سُدَّ لَهُ مَاءٌ لِجَاهِهِ) يَسْقِي بِهِ أَرْضَهُ (فَلِغَيْرِهِ السَّقْيُ مِنْهُ لِحَاجَةِ) السَّقْيِ لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ (مَا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ يَرُدُّهُ عَلَى مَنْ سَدَّ عَنْهُ) فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَتَسَبَّبُ فِي ظُلْمِ مَنْ سَدَّ عَنْهُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ.
[بَابُ الْجَعَالَةِ]
ِ بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ. ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْجُعْلِ. بِمَعْنَى التَّسْمِيَةِ ; لِأَنَّ الْجَاعِلَ يُسَمِّي الْجُعْلَ لِلْعَامِلِ. أَوْ مِنْ الْجَعْلِ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ. يُقَالُ: جَعَلْتُ لَهُ كَذَا أَيْ: أَوْجَبْتُ، وَيُسَمَّى مَا يُعْطَاهُ الْإِنْسَانُ عَلَى أَمْرٍ يَفْعَلُهُ: جُعْلًا وَجَعَالَةً وَجَعِيلَةً. قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ. وَيَدُلُّ لِمَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وَحَدِيثُ اللَّدِيغِ. وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَهِيَ شَرْعًا (جَعْلُ) أَيْ: تَسْمِيَةُ (مَالٍ مَعْلُومٍ) فَلَا يَصِحُّ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ نِصْفُهُ وَنَحْوُهُ (لَا) إنْ كَانَ (مِنْ مَالِ مُحَارِبٍ) أَيْ: حَرْبِيٍّ
стр. 1021
(فَيَصِحُّ مَجْهُولًا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ (لِمَنْ يَعْمَلُ) مُتَعَلِّقٌ بِجَعْلٍ (لَهُ) أَيْ الْجَاعِلِ (عَمَلًا) مُبَاحًا، بِخِلَافِ نَحْوِ زَمْرٍ وَزِنًا، (وَلَوْ) كَانَ الْعَمَلُ (مَجْهُولًا) كَمَنْ خَاطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ فَلَهُ كَذَا (أَوْ) لِمَنْ يَعْمَلُ لَهُ (مُدَّةً وَلَوْ مَجْهُولَةً) كَمَنْ حَرَسَ زَرْعِي. أَوْ أَذَّنَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَلَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا. وَ (كَمَنْ رَدَّ لُقَطَتِي أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ أَوْ) مَنْ (أَقْرَضَنِي زِيدَ بِجَاهِهِ أَلْفًا. أَوْ أَذَّنَ بِهَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا. فَلَهُ كَذَا. أَوْ مَنْ فَعَلَهُ مِنْ مَدِينِي) أَيْ: مِمَّنْ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ (فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ كَذَا) ; لِأَنَّ الْجِعَالَةَ جَائِزَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا فَلَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَلْزَمَهُ مَجْهُولٌ، وَالْجِعَالَةُ نَوْعُ إجَارَةٍ لِوُقُوعِ الْعِوَضِ فِي نَظِيرِ النَّفْعِ، وَتَتَمَيَّزُ بِكَوْنِ الْعَامِلِ لَمْ يَلْتَزِمْ الْعَمَلَ، وَكَوْنِ الْعَقْدِ قَدْ يَقَعُ مُبْهَمًا لَا مَعَ مُعَيَّنٍ، وَبِجَوَازِ الْجَمْعِ فِيهَا بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ. وَصَحَّ مَا ذَكَرَ مَعَ كَوْنِهِ تَعْلِيقًا. لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ. لَا تَعْلِيقَ مَحْضٍ وَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِي الْجُعْلِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ. لِأَنَّهُ يَسْتَقِرُّ بِتَمَامِ الْعَمَلِ كَالْأُجْرَةِ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ فِي قَوْلِهِ: مَنْ أَقْرَضَنِي زِيدَ بِجَاهِهِ أَلْفًا. لِأَنَّ الْجُعْلَ فِي مُقَابَلَةِ مَا بَذَلَهُ مِنْ جَاهِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقٍ لَهُ بِالْقَرْضِ، وَاشْتِرَاطُ كَوْنِ الْعَمَلِ لِلْجَاعِلِ احْتِرَازٌ عَمَّنْ رَكِبَ دَابَّتَهُ وَنَحْوَهُ فَلَهُ كَذَا. فَلَا يَصِحُّ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ لَهُ الْأَمْرَانِ (فَمَنْ بَلَغَهُ) الْجُعْلُ (قَبْلَ فِعْلِهِ) أَيْ: الْعَمَلِ الْمَجْعُولِ لَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعِوَضُ (اسْتَحَقَّهُ) أَيْ الْجُعْلَ (بِهِ) أَيْ: الْعَمَلِ بَعْدَهُ لِاسْتِقْرَارِهِ بِتَمَامِ الْعَمَلِ كَالرِّبْحِ فِي الْمُضَارَبَةِ. فَإِنْ تَلِفَ فَلَهُ مِثْلُ مِثْلِهِ وَقِيمَةُ غَيْرِهِ، وَلَا يَحْبِسُ الْعَامِلُ الْعَيْنَ حَتَّى يَأْخُذَهُ (وَ) مَنْ بَلَغَهُ الْجَعْلُ (فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ: الْعَمَلِ (فَ) لَهُ مِنْ الْجُعْلِ (حِصَّةُ تَمَامِهِ) أَيْ: بِقِسْطِ مَا عَمِلَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ (إنْ أَتَمَّهُ بِنِيَّةِ الْجُعْلِ) ; لِأَنَّ عَمَلَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ. فَلَا يَسْتَحِقُّ عَنْهُ عِوَضًا لِتَبَرُّعِهِ بِهِ.
(وَ) مَنْ بَلَغَهُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ (لَمْ يَسْتَحِقَّهُ) أَيْ: الْجُعْلَ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ لِمَا سَبَقَ (وَحُرِّمَ) عَلَيْهِ (أَخْذُهُ) إلَّا إنْ تَبَرَّعَ لَهُ بِهِ رَبُّهُ بَعْدَ إعْلَامِهِ بِالْحَالِ، وَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي الْعَمَلِ اشْتَرَكُوا فِي الْجَعْلِ بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ هَذَا النَّقْبَ فَلَهُ دِينَارٌ. فَكُلُّ مَنْ دَخَلَهُ اسْتَحَقَّ دِينَارًا لِدُخُولِهِ كَامِلَا. بِخِلَافِ نَحْوِ رَدِّ لُقَطَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَامِلًا. كَمَا لَوْ قَالَ مَنْ نَقَبَ السُّوَرَ فَلَهُ دِينَارٌ فَنَقَبَهُ ثَلَاثَةٌ اشْتَرَكُوا فِي الدِّينَارِ، وَإِنْ نَقَبَ كُلُّ وَاحِدٍ نَقْبًا اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ دِينَارًا، وَإِنْ جَعَلَ لِزَيْدٍ عَلَى رَدِّ آبِقِهِ دِينَارًا، وَلِعَمْرٍو عَلَى رَدِّهِ دِينَارَيْنِ، وَلِبَكْرٍ ثَلَاثَةً.
стр. 1022
فَرَدُّوهُ فَلِكُلٍّ ثُلُثُ مَا جُعِلَ لَهُ، وَإِنْ جَعَلَ لِزَيْدٍ عَلَى رَدِّهِ مَعْلُومًا وَلِآخَرَيْنِ مَجْهُولًا وَرَدُّوهُ فَلِزَيْدٍ ثُلُثُ مَا جَعَلَ لَهُ، وَلِلْآخَرَيْنِ أُجْرَةُ عَمَلِهِمَا، وَإِنْ جَعَلَ لِزَيْدٍ عَلَى رَدِّهِ مَعْلُومًا فَرَدَّهُ هُوَ وَآخَرَانِ مَعَهُ. فَإِنْ قَصَدَا إعَانَةَ زَيْدٍ اسْتَحَقَّ زَيْدٌ الْجُعْلَ كُلَّهُ، فَإِنْ عَمِلَ غَيْرُهُ بِقَصْدِ الْجُعْلِ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلِزَيْدٍ ثُلُثُ جُعْلِهِ، وَإِنْ قَالَ: مَنْ دَاوَى لِي هَذَا حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ جُرْحِهِ أَوْ رَمَدِهِ فَلَهُ كَذَا. لَمْ يَصِحَّ مُطْلَقًا
(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ آبِقٍ (مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا وَهُوَ) أَيْ: الْمُسَمَّى (أَقَلُّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ) أَقَلُّ (مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا) فِضَّةً (اللَّذَيْنِ قَدَّرَهُمَا الشَّارِعُ) فِي رَدِّ الْآبِقِ (فَقِيلَ: يَصِحُّ) ذَلِكَ (وَلَهُ) أَيْ: الرَّادُّ (بِرَدِّهِ) أَيْ: الْآبِقِ (الْجُعْلُ فَقَطْ) قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ رَدَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ (وَقِيلَ: لَا) تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ (وَلِلرَّادِّ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ) قَطَعَ بِهِ الْحَارِثِيُّ.
وَفِي الْمُبْدِعِ وَالْإِقْنَاعِ: لِاسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ كَامِلًا بِوُجُودِ سَبَبِهِ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الشَّارِعَ قَدَّرَ فِي رَدِّ الْآبِقِ دِينَارًا أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ سَوَاءٌ كَانَ يُسَاوِيهِمَا أَوْ لَا لِئَلَّا يَلْتَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ يَشْتَغِلَ بِالْفَسَادِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ فِي رَدِّ الْآبِقِ إذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ دِينَارًا» وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ جُعْلِ الْآبِقِ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي. قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ. لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ
(وَيَسْتَحِقُّ مَنْ) سُمِّيَ لَهُ جُعْلٌ عَلَى رَدِّ آبِقٍ وَ (رَدَّهُ مِنْ دُونِ) مَسَافَةٍ (مُعَيَّنَةِ الْقِسْطَ) مِنْ الْمُسَمَّى. فَإِنْ كَانَ الْمَرْدُودُ مِنْهُ نِصْفَ الْمَسَافَةِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمُسَمَّى. وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَبِحِسَابِهِ.
(وَ) إنْ رَدَّهُ (مِنْ أَبْعَدَ) مِنْ الْمُسَمَّى. (فَلَهُ الْمُسَمَّى فَقَطْ) لِتَبَرُّعِهِ بِالزَّائِدِ لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهِ (وَ) يَسْتَحِقُّ (مَنْ رَدَّ أَحَدَ آبِقَيْنِ) جُعِلَ عَلَى رَدِّهِمَا (نِصْفَهُ) أَيْ: الْجُعْلِ عَنْ رَدِّهِمَا. لِأَنَّهُ رَدَّ نِصْفَهُمَا وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْجِعَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ.
(وَبَعْدَ شُرُوعِ عَامِلٍ) فِي عَمَلٍ (إنْ فَسَخَ جَاعِلٌ فَعَلَيْهِ) لِعَامِلٍ (أُجْرَةٌ) مِثْلُ (عَمَلِهِ) ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ لِمَا يَعْمَلُهُ بَعْدَ الْفَسْخِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ. (وَإِنْ فَسَخَ عَامِلٌ) قَبْلَ تَمَامِ عَمَلِهِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِإِسْقَاطِهِ حَقَّ نَفْسِهِ، حَيْثُ لَمْ يُوفِ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ زَادَ جَاعِلٌ فِي جُعْلٍ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ قَبْلَ شُرُوعٍ فِي عَمَلٍ جَازَ وَعَمِلَ بِهِ. لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ كَالْمُضَارَبَةِ
(وَيَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ وَعَمَلٍ) فِي جِعَالَةٍ كَمَنْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ فِي يَوْمٍ فَلَهُ كَذَا،
стр. 1023
لِجَوَازِهَا مَعَ جَهَالَةِ الْمُدَّةِ، وَالْعَمَلِ لِلْحَاجَةِ، وَإِنْ نَادَى غَيْرُ رَبِّ الضَّالَّةِ: مَنْ رَدَّ ضَالَّةَ فُلَانٍ فَلَهُ كَذَا فَرُدَّتْ فَالْعِوَضُ عَلَى الْمُنَادِي. لِأَنَّهُ ضَمِنَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ قَالَ رَبُّهَا: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ كَذَا
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْجَاعِلُ وَالْعَامِلُ (فِي أَصْلِ جُعْلٍ فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ) مِنْهُمَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، (وَ) إنْ اخْتَلَفَا (فِي قَدْرِهِ) أَيْ: الْجُعْلِ (أَوْ) فِي قَدْرِ (مَسَافَتِهِ) بِأَنْ قَالَ: جَاعِلٌ جَعَلْتُهُ لِمَنْ رَدَّهُ مِنْ بَرِيدَيْنِ. وَقَالَ عَامِلٌ: بَلْ مِنْ بَرِيدٍ (فَقَوْلُ جَاعِلٍ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِمَّا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ. وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الْمُجَاعَلِ عَلَيْهِ
. (وَإِنْ عَمِلَ) شَخْصٌ (وَلَوْ الْمُعَدُّ لِأَخْذِ أُجْرَةٍ) عَلَى عَمَلِهِ (لِغَيْرِهِ عَمَلًا بِلَا إذْنٍ. أَوْ) بِلَا (جُعْلٍ) مِمَّنْ عَمِلَ لَهُ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِتَبَرُّعِهِ بِعَمَلِهِ حَيْثُ بَذَلَهُ بِلَا عِوَضٍ وَلِئَلَّا يَلْزَمَ الْإِنْسَانُ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَلَمْ تَطِبْ بِهِ نَفْسُهُ
. (إلَّا فِي تَخْلِيصِ مَتَاعِ غَيْرِهِ. وَلَوْ) كَانَ الْمَتَاعُ (قِنًّا مِنْ بَحْرٍ) أَوْ فَمِ سَبُعٍ (أَوْ فَلَاةٍ) يُظَنُّ هَلَاكُهُ فِي تَرْكِهِ (فَ) لَهُ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ) ; لِأَنَّهُ يَخْشَى هَلَاكَهُ وَتَلَفَهُ عَلَى مَالِكِهِ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ. وَفِيهِ حَثٌّ وَتَرْغِيبٌ فِي إنْقَاذِ الْأَمْوَالِ مِنْ الْهَلَكَةِ
. (وَ) إلَّا فِي (رَدِّ آبِقٍ مِنْ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ إنْ لَمْ يَكُنْ) الرَّادُّ (الْإِمَامُ فَ) لِرَادِّهِ (مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ) ، سَوَاءٌ رَدَّهُ مِنْ الْمِصْرِ أَوْ خَارِجِهِ، قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ بَعُدَتْ، وَلَوْ كَانَ الرَّادُّ زَوْجًا لِلرَّقِيقِ أَوْ ذَا رَحِمٍ فِي عِيَالِ الْمَالِكِ وَتَقَدَّمَ لِلْحَثِّ عَلَى حِفْظِهِ عَلَى سَيِّدِهِ وَصِيَانَتِهِ عَمَّا يَخَافُ مِنْهُ مِنْ لِحَاقِهِ بِدَارِ حَرْبٍ وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَالْمَتَاعِ (مَا لَمْ يَمُتْ سَيِّدُ مُدَبَّرٍ) خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ (أَوْ أُمُّ وَلَدٍ قَبْلَ وُصُولٍ. فَيُعْتَقَا وَلَا شَيْءَ لَهُ) ; لِأَنَّ الْعَمَلَ لَمْ يَتِمَّ إذْ الْعَتِيقُ لَا يُسَمَّى آبِقًا (أَوْ يَهْرُبُ) الْآبِقُ مِنْ آخِذِهِ قَبْلَ وُصُولِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا. وَكَذَا لَوْ جُعِلَ لَهُ عَلَى رَدِّ الْآبِقِ جُعْلٌ فَهَرَبَ مِنْهُ وَنَحْوُهُ أَوْ مَاتَ بِيَدِهِ. فَلَا شَيْءَ لَهُ كَسَائِرِ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَمَلَهُ (وَيَأْخُذُ) وَاجِدُهُ (مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى دَابَّةٍ) يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا (فِي قُوتٍ وَلَوْ هَرَبَ) أَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ جُعْلًا لِرَدِّهِ (مِنْ غَيْرِ بَلَدٍ سَمَّاهُ أَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ مَالِكًا مَعَ قُدْرَتِهِ) عَلَى اسْتِئْذَانِهِ ; لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا. وَلَا يَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُ بِنَفَقَتِهِ كَالْمَرْهُونِ (وَيُؤْخَذَانِ) أَيْ: الْجُعْلُ وَالنَّفَقَةُ (مِنْ تَرِكَةِ) سَيِّدٍ (مَيِّتٍ) كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يَنْوِ) الرَّادُّ (التَّبَرُّعَ) بِالْفِعْلِ وَالنَّفَقَةِ فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ
. (وَلَهُ ذَبْحُ مَأْكُولٍ خِيفَ مَوْتُهُ وَلَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَهُ) ; لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي مَالِ الْغَيْرِ مَتَى كَانَ إنْقَاذًا لَهُ مِنْ التَّلَفِ الْمُشْرِفِ عَلَيْهِ كَانَ جَائِزًا بِغَيْرِ
стр. 1024
إذْنِ مَالِكِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُتَصَرِّفِ إنْ حَصَلَ بِهِ النَّقْصُ. وَمَنْ وَجَدَ فَرَسًا لِغَيْرِهِ مَعَ الْبَدْوِ فَأَخَذَهُ مِنْهُمْ فَلَهُ بَيْعُهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا مَرِضَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ وَيَحْفَظُ ثَمَنَهُ لِرَبِّهِ ذَكَرَهُ فِي الْإِقْنَاعِ عَنْ الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ
. (وَمَنْ وَجَدَ آبِقًا أَخَذَهُ) ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ لِحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَارْتِدَادُهُ وَاشْتِغَالُهُ بِالْفَسَادِ بِخِلَافِ الضَّوَالِّ الَّتِي تَحْفَظُ نَفْسَهَا (وَهُوَ أَمَانَةٌ) عِنْدَ آخِذِهِ إنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَا ضَمَانَ فِيهِ. وَلَيْسَ لِوَاجِدِهِ بَيْعُهُ وَلَا يَمْلِكُهُ بِتَعْرِيفِهِ لِأَنَّهُ يَتَحَفَّظُ بِنَفْسِهِ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ.
(وَمَنْ ادَّعَاهُ) أَيْ: الْآبِقَ أَيْ: أَنَّهُ مِلْكُهُ بِلَا بَيِّنَةٍ (فَصَدَّقَهُ الْآبِقُ) الْمُكَلَّفُ (أَخَذَهُ) مِنْ وَاجِدِهِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِوَصْفِهِ فَبِتَصْدِيقِهِ أَوْلَى
(وَلِنَائِبِ إمَامٍ) عِنْدَهُ آبِقٌ (بَيْعُهُ لِمَصْلَحَةٍ) لِانْتِصَابِهِ لِذَلِكَ (فَلَوْ قَالَ) سَيِّدُهُ (كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ) قَبْلَ بَيْعِهِ (عَمِلَ بِهِ) أَيْ: بِقَوْلِهِ هَذَا وَيَلْغُو الْبَيْعَ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهِ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يُنَافِيهِ.
[بَابُ اللُّقَطَةِ]
ِ مُحَرَّكَةً وَكَحُزْمَةٍ وَهُمَزَةٍ وَثُمَامَةٍ مَا اُلْتُقِطَ. قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ وَقَوْلُهُ مُحَرَّكَةً أَيْ: مَفْتُوحَةَ اللَّامِ وَالْقَافِ، وَعُرْفًا (مَالٌ) كَنَقْدٍ وَمَتَاعٍ (أَوْ مُخْتَصٌّ) كَخَمْرِ خِلَالٍ (ضَاعَ) كَسَاقِطٍ بِلَا عِلْمٍ (أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ) أَيْ الضَّائِعِ كَمَتْرُوكٍ قَصْدًا لِمَعْنًى يَقْتَضِيهِ، وَمَدْفُونٍ مَنْسِيٍّ (لِغَيْرِ حَرْبِيٍّ) فَإِنْ كَانَ لِحَرْبِيٍّ فَلِآخِذِهِ، كَمَا لَوْ ضَلَّ الْحَرْبِيُّ الطَّرِيقَ فَلِآخِذِهِ هُوَ وَمَا مَعَهُ. وَالْأَصْلُ فِي الِالْتِقَاطِ: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إلَيْهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ مَا لَكَ وَمَا لَهَا؟ فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا وَسَأَلَهُ عَنْ الشَّاةِ فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ " مَعَهَا حِذَاءَهَا " أَيْ: خُفَّهَا لِأَنَّهُ لِقُوَّتِهِ وَصَلَابَتِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْحِذَاءِ " وَسِقَاءَهَا " بَطْنَهَا تَأْخُذُ فِيهِ كَثِيرًا فَيَبْقَى مَعَهَا يَمْنَعُهَا الْعَطَشَ. وَيَشْتَمِلُ الِالْتِقَاطُ عَلَى اكْتِسَابٍ وَائْتِمَانٍ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُغَلَّبِ مِنْهُمَا وَصَحَّحَ الْحَارِثِيُّ أَنَّهُ الِائْتِمَانُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُ الشَّيْءِ إلَى أَهْلِهِ، وَلِأَجْلِهِ شُرِعَ الْحِفْظُ وَالتَّعْرِيفُ أَوَّلًا وَالتَّمَلُّكُ آخِرًا عِنْدَ ضَعْفِ رَجَاءِ الْمَالِكِ
стр. 1025
(وَمَنْ أُخِذَ مَتَاعُهُ) فِي نَحْوِ حَمَّامٍ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ مَدَاسٍ وَنَحْوَهُ (وَتُرِكَ) بِبِنَاءِ الْفِعْلَيْنِ لِلْمَجْهُولِ (بَدَلُهُ فِي) الْمَتْرُوكِ (كَلُقَطَةٍ) نَصًّا ; لِأَنَّ سَارِقَ الثِّيَابِ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهَا مُعَاوَضَةٌ وَقِيلَ: لَا تَعْرِيفَ مَعَ دَلَالَةِ قَرِينَةٍ عَلَى الرِّقَّةِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ، وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ (وَيَأْخُذُ) الْمَأْخُوذُ مَتَاعَهُ (حَقَّهُ مِنْهُ) أَيْ الْمَتْرُوكِ بَدَلَ مَتَاعِهِ (بَعْدَ تَعْرِيفِهِ) بِلَا رَفْعٍ لِحَاكِمٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الرِّفْقِ بِالنَّاسِ وَفِيهِ نَفْعٌ لِلْمَسْرُوقِ ثِيَابُهُ بِحُصُولِ عِوَضِهَا، وَنَفْعٌ لِلْآخِذِ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُ وَحِفْظِ هَذِهِ الثِّيَابِ عَنْ الضَّيَاعِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ تَصَدَّقَ بِهِ.
(وَهِيَ) أَيْ: اللُّقَطَةُ (ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ) بِالِاسْتِقْرَاءِ: الْأَوَّلُ (مَا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ) أَيْ: لَا يَهْتَمُّونَ فِي طَلَبِهِ (كَسَوْطٍ وَشِسْعٍ) بِتَقْدِيمِ الْمُعْجَمَةِ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ (وَرَغِيفٍ) وَثَمَرَةٍ وَكُلِّ مَا لَا خَطَرَ لَهُ (فَيُمْلَكُ بِأَخْذِهِ) وَيُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ نَصًّا لِحَدِيثِ جَابِرٍ «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْعِصِيِّ وَالسَّوْطِ وَالْحَبْلِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهُ) لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحَاتِ (وَلَا) يَلْزَمُهُ (بَدَلُهُ إنْ وَجَدَ رَبَّهُ) الَّذِي سَقَطَ مِنْهُ لِمِلْكِ مُلْتَقِطِهِ لَهُ بِأَخْذِهِ. وَظَاهِرُهُ إنْ بَقِيَ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ لِرَبِّهِ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ (وَكَذَا لَوْ لَقِيَ كَنَّاسٌ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ) كَمُقْلِشٍ (قِطَعًا صِغَارًا مُتَفَرِّقَةً) مِنْ فِضَّةٍ فَيَمْلِكُهَا بِأَخْذِهَا وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا وَلَا بَدَلُهَا إنْ وَجَدَ رَبَّهَا (وَلَوْ كَثُرَتْ) بِضَمِّهَا لِأَنَّ وُجُودَهَا مُتَفَرِّقَةً يَدُلُّ عَلَى تَعْدَادِ أَرْبَابِهَا (وَمَنْ تَرَكَ دَابَّةً) لَا عَبْدًا أَوْ مَتَاعًا (بِمَهْلَكَةٍ أَوْ فَلَاةٍ لِانْقِطَاعِهَا) بِعَجْزِهَا عَنْ مَشْيٍ (أَوْ عَجْزِهِ) أَيْ: مَالِكِهَا (عَنْ عَلَفِهَا) بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَعْلِفُهَا فَتَرَكَهَا (مَلَكَهَا آخِذُهَا) لِحَدِيثِ الشَّعْبِيِّ مَرْفُوعًا «مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَزَ عَنْهَا أَهْلُهَا فَسَيَّبُوهَا فَأَخَذَهَا فَأَحْيَاهَا فَهِيَ لَهُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ يَعْنِي لِلشَّعْبِيِّ " مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَفِي الْقَوْلِ يَمْلِكُهَا إحْيَاؤُهَا وَإِنْقَاذُهَا وَلِأَنَّهَا تُرِكَتْ رَغْبَةً عَنْهَا. أَشْبَهَ سَائِرَ مَا يُتْرَكُ رَغْبَةً عَنْهُ (وَكَذَا مَا يُلْقَى) مِنْ سَفِينَةٍ (خَوْفَ غَرَقٍ) فَيَمْلِكُهُ آخِذُهُ لِإِلْقَاءِ صَاحِبِهِ لَهُ اخْتِيَارًا فِيمَا يَتْلَفُ بِتَرْكِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَاهُ رَغْبَةً عَنْهُ. الْقِسْمُ (الثَّانِي: الضَّوَالُّ) جَمْعُ ضَالَّةٍ اسْمٌ لِلْحَيَوَانِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ اللُّقَطَةِ وَيُقَالُ لَهَا: الَهَوَامِي وَالْهَوَافِي وَالْهَوَامِلُ (الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ) كَذِئْبٍ وَابْنِ آوَى وَأَسَدٍ صَغِيرٍ وَامْتِنَاعِهَا إمَّا لِكِبَرِ جُثَّتِهَا (كَإِبِلٍ وَبَقَرٍ وَخَيْلٍ وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ) أَهْلِيَّةٍ
стр. 1026
خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ فِيهَا (وَ) إمَّا لِسُرْعَةِ عَدْوِهَا كَ (ظِبَاءٍ وَ) إمَّا بِطَيَرَانِهَا كَ (طَيْرٍ وَ) إمَّا بِنَابِهَا كَ (فَهْدٍ وَنَحْوِهَا) كَنَعَامَةٍ وَفِيلٍ وَزَرَافَةٍ وَقِرْدٍ وَهِرٍّ وَقِنٍّ كَبِيرٍ، (فَغَيْرُ) الْقِنِّ (الْآبِقِ يَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا لَكَ وَلَهَا دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» " وَلِحَدِيثِ «لَا يُؤْوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (وَلَا يُمْلَكُ) مَا حَرُمَ الْتِقَاطُهُ (بِتَعْرِيفٍ) لِعُدْوَانِهِ لِعَدَمِ إذْنِ الْمَالِكِ وَالشَّارِعِ فِيهِ. أَشْبَهَ الْغَاصِبَ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِزَمَنِ الْأَمْنِ أَوْ الْفَسَادِ وَالْإِمَامُ غَيْرُهُ (وَلِإِمَامٍ وَنَائِبِهِ أَخْذُهُ لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ) لَا عَلَى أَنَّهُ لُقَطَةٌ ; لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي حِفْظِ مَالِ الْغَائِبِ. وَفِي أَخْذِهِ لَهَا لِذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِرَبِّهَا لِصِيَانَتِهَا (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ (تَعْرِيفُهُ) أَيْ: مَا أَخَذَهُ مِنْهَا لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ ; لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُعَرِّفْ الضَّوَالَّ، وَلِأَنَّ رَبَّهَا يَجِيءُ إلَى مَوْضِعِ الضَّوَالِّ فَإِذَا عَرَفَهَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا وَأَخَذَهَا (وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ) أَيْ: الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ مَا أَخَذَهُ مِنْ الضَّوَالِّ لِحِفْظِهِ (بِوَصْفٍ) فَلَا يَكْفِي فِي الضَّالَّةِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ ظَاهِرَةً لِلنَّاسِ حِينَ كَانَتْ بِيَدِ رَبِّهَا، فَلَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتِهَا، وَتَمَكُّنِهِ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا لِظُهُورِهَا لِلنَّاسِ. وَيَشْهَدُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ عَلَى مَا يَحْصُلُ عِنْدَهُ مِنْ الضَّوَالِّ وَيُسَمِّهَا. ثُمَّ إنْ كَانَ لَهُ حِمًى تَرَكَهَا تَرْعَى فِيهِ، وَإِنْ رَأَى مَصْلَحَةً فِي بَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِمًى بَاعَهَا بَعْدَ أَنْ يُحَلِّيَهَا وَيَحْفَظَ صِفَاتِهَا، وَحِفْظُ ثَمَنِهَا لِرَبِّهَا وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهَا لِيَحْفَظَهَا لِرَبِّهَا لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ (وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ صَيُودٍ مُتَوَحِّشَةٍ لَوْ تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلَى الصَّحْرَاءِ بِشَرْطِ عَجْزِ رَبِّهَا) عَنْهَا ; لِأَنَّ تَرْكَهَا إذَنْ أَضْيَعُ لَهَا مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ وَالْمَقْصُودُ حِفْظُهَا لِمَالِكِهَا لَا حِفْظُهَا فِي نَفْسِهَا (وَلَا يَمْلِكُهَا) آخِذُهَا (بِالتَّعْرِيفِ) لِأَنَّهُ يَحْفَظُهَا لِرَبِّهَا فَهُوَ كَالْوَدِيعِ. وَ (لَا) يَجُوزُ الْتِقَاطُ (أَحْجَارِ طَوَاحِينَ وَقُدُورٍ ضَخْمَةٍ وَأَخْشَابٍ كَبِيرَةٍ) وَنَحْوِهَا مِمَّا يَتَحَفَّظُ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَضِيعُ عَنْ صَاحِبِهَا وَلَا تَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهَا فَهِيَ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهَا مِنْ الضَّوَالِّ لِتَعَرُّضِهَا فِي الْجُمْلَةِ لِلتَّلَفِ إمَّا بِسُبُعٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ هَذَا (وَمَا حُرِّمَ الْتِقَاطُهُ) إنْ أَخَذَهُ (ضَمِنَهُ آخِذُهُ إنْ تَلِفَ أَوْ نَقَصَ كَغَاصِبٍ) لِعَدَمِ إذْنِ الشَّارِعِ فِيهِ وَ (لَا) يَضْمَنُ (كَلْبًا) مَعَ تَحْرِيمِ الْتِقَاطِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ (وَمَنْ) الْتَقَطَ مَا لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ وَ (كَتَمَهُ) عَنْ رَبِّهِ ثُمَّ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ (فَتَلِفَ ف) عَلَيْهِ (قِيمَتُهُ مَرَّتَيْنِ) لِرَبِّهِ نَصًّا. لِحَدِيثِ «فِي الضَّالَّةِ الْمَكْتُومَةِ غَرَامَتُهَا وَمِثْلُهَا مَعَهَا»
стр. 1027
قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: وَهَذَا حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يُرَدُّ (وَيَزُولُ ضَمَانُهُ) أَيْ الْمُحَرَّمِ الْتِقَاطُهُ (بِدَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ) ; لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي مَالِ الْغَائِبِ (أَوْ رَدَّهُ) أَيْ: الْمَأْخُوذِ مِنْ ذَلِكَ (إلَى مَكَانِهِ) الْمَأْخُوذِ مِنْهُ (بِأَمْرِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لِقَوْلِ عُمَرَ لِرَجُلٍ وَجَدَ بَعِيرًا " أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَلِأَنَّ أَمْرَهُ بِرَدِّهِ كَأَخْذِهِ مِنْهُ. فَإِنْ رَدَّهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَتَلِفَ ضَمِنَهُ كَالْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ. الْقِسْمُ (الثَّالِث: مَا عَدَاهُمَا) أَيْ: الْقِسْمَيْنِ السَّابِقَيْنِ (مِنْ ثَمَنٍ) أَيْ: نَقْدٍ (وَمَتَاعٍ) كَثِيَابٍ وَكُتُبٍ وَفُرُشٍ وَأَوَانٍ وَآلَاتِ حَرْثٍ وَنَحْوِهَا (وَغَنَمٍ وَفُصْلَانِ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا جَمْعُ فَصِيلٍ وَلَدُ النَّاقَةِ إذَا فُصِلَ عَنْ أُمِّهِ (وَعَجَاجِيلَ) جَمْعُ عِجْلٍ وَلَدُ الْبَقَرَةِ (وَأَفْلَاءٍ) بِالْمَدِّ جَمْعُ فِلْوٍ، بِوَزْنِ سِحْرٍ وَجَرْوٍ وَعَدُوٍّ وَسُمُوٍّ. وَهُوَ الْجَحْشُ وَالْمُهْرُ إذَا فُطِمَا أَوْ بَلَغَا السَّنَةَ. قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ (وَقِنٍّ صَغِيرٍ) وَمَرِيضٍ مِنْ كِبَارِ إبِلٍ وَنَحْوِهَا كَالصَّغِيرِ (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَخَشَبَةٍ صَغِيرَةٍ وَقِطْعَةِ حَدِيدٍ وَنَحْوِهِ وَزِقِّ دُهْنٍ أَوْ عَسَلٍ وَغِرَارَةِ نَحْوِ بُرٍّ (فَيُحَرَّمُ عَلَى مَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ مِمَّا ذَكَرَ (أَخْذُهَا) لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِهَا عَلَى رَبِّهَا كَإِتْلَافِهَا وَكَمَا لَوْ نَوَى تَمَلُّكَهَا فِي الْحَالِ أَوْ كِتْمَانَهَا (وَيَضْمَنُهَا بِهِ) أَيْ: بِأَخْذِهَا مَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا إنْ تَلِفَتْ، فَرَّطَ أَوْ لَا، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ. أَشْبَهَ الْغَاصِبَ (وَلَمْ يَمْلِكْهَا) مَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا (وَلَوْ عَرَّفَهَا) لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُحَرِّمَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ كَالسَّرِقَةِ، وَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ (وَإِنْ أَمِنَ) الْمُلْتَقِطُ (نَفْسَهُ) عَلَيْهَا (وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا فَلَهُ أَخْذُهَا) لِلْخَبَرِ فِي النَّقْدَيْنِ وَالشَّاةِ، وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّا ذُكِرَ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَسَوَاءٌ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَعْرِيفِهَا فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا،، وَإِنْ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ ثُمَّ طَرَأَ قَصْدُ الْخِيَانَةِ فَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ لَا يَضْمَنُهُ وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ (وَالْأَفْضَلُ) لِمَنْ أَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا (تَرْكُهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ. فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا. رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ (وَلَوْ) وَجَدَهَا (بِمَضْيَعَةٍ) ; لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِنَفْسِهِ لِأَكْلِ الْحَرَامِ وَتَضْيِيعِ الْأَمَانَةِ فِيهَا (وَمَنْ أَخَذَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا أَوْ فَرَّطَ) فِيهَا فَتَلِفَتْ (ضَمِنَهَا) لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ حَصَلَتْ فِي يَدِهِ فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ. وَتَرْكُهَا وَالتَّفْرِيطُ فِيهَا تَضْيِيعٌ لَهَا (إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِرَدِّهَا) إلَى مَوْضِعِهَا فَيَبْرَأُ بِهِ. وَكَذَا لَوْ دَفَعَهَا لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ ; لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي الْمَالِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ مَالِكُهُ. فَإِنْ تَلِفَتْ مِنْهُ فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ بِلَا تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْهَا
[فَصْلٌ وَمَا أُبِيحَ الْتِقَاطُهُ وَلَمْ يُمْلَكْ بِهِ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِث ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ] .
стр. 1028
(فَصْلٌ وَمَا أُبِيحَ الْتِقَاطُهُ وَلَمْ يُمْلَكْ بِهِ) وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِث (ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ) أَحَدُهَا (حَيَوَانٌ) مَأْكُولٌ كَفَصِيلٍ وَشَاةٍ وَدَجَاجَةٍ (فَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطَ (فِعْلُ الْأَصْلَحِ) لِمَالِكِهِ (مِنْ) ثَلَاثَةِ أُمُورٍ (أَكْلِهِ بِقِيمَتِهِ) فِي الْحَالِ لِحَدِيثِ «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» فَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذِّئْبِ وَهُوَ لَا يَسْتَأْنِي بِأَكْلِهَا. وَلِأَنَّ فِيهِ إغْنَاءً عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَحِرَاسَةً لِمَالِيَّتِهِ عَلَى رَبِّهِ إذَا جَاءَ. وَإِذَا أَرَادَ أَكْلَهُ حَفِظَ صِفَتَهُ فَمَتَى جَاءَ رَبُّهُ فَوَصَفَهُ غَرِمَ لَهُ قِيمَتَهُ (أَوْ بَيْعَهُ) أَيْ: الْحَيَوَانِ (وَحِفْظِ ثَمَنِهِ) وَلَوْ بِلَا إذْنِ إمَامٍ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَكْلُهُ بِلَا إذْنٍ فَبَيْعُهُ أَوْلَى (تَتِمَّةٌ) فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ: كُلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْحَيَوَانِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَاكِمِ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي بَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا أَوْ بَيْعِ الْبَعْضِ فِي مُؤْنَةِ مَا يَبْقَى أَوْ أَنْ يَسْتَقْرِضَ عَلَى الْمَالِكِ أَوْ يُؤَجِّرَهُ فِي الْمُؤْنَةِ فَعَلَ (أَوْ حِفْظِهِ وَيُنْفِقُ) مُلْتَقِطٌ (عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ) لِيَحْفَظَهُ لِمَالِكِهِ فَإِنْ تَرَكَهُ بِلَا إنْفَاقٍ عَلَيْهِ فَتَلِفَ ضَمِنَهُ لِتَفْرِيطِهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (الرُّجُوعُ) عَلَى رَبِّهِ إنْ وَجَدَهُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ (بِنِيَّتِهِ) أَيْ: الرُّجُوعِ نَصًّا. لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ لِحِفْظِهِ فَكَانَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ كَمُؤْنَةِ تَجْفِيفِ عِنَبٍ وَرُطَبٍ (فَإِنْ اسْتَوَتْ) الْأُمُورُ (الثَّلَاثَةُ) فِي نَظَرِ مُلْتَقِطٍ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَنَّ أَحَدَهَا أَحَظُّ (خُيِّرَ) بَيْنَ الثَّلَاثَةِ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ، الضَّرْبُ (الثَّانِي: مَا يُخْشَى فَسَادُهُ) بِإِبْقَائِهِ كَخَضْرَاوَاتٍ وَنَحْوِهَا (فَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطَ (فِعْلُ الْأَحَظِّ مِنْ بَيْعِهِ) بِقِيمَتِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ أَكْلُهُ بِقِيمَتِهِ) قِيَاسًا لَهُ عَلَى الشَّاةِ وَلِحِفْظِ مَالِيَّتِهِ عَلَى رَبِّهِ (أَوْ تَجْفِيفِ مَا يُجَفَّفُ) كَعِنَبٍ وَرُطَبٍ. لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَحَظِّ فِيهِ. فَإِنْ احْتَاجَ فِي تَجْفِيفِهِ إلَى مُؤْنَةٍ بَاعَ بَعْضَهُ فِيهِ (فَإِنْ اسْتَوَتْ) الثَّلَاثَةُ (خُيِّرَ) مُلْتَقِطٌ بَيْنَهَا فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى تَلِفَ ضَمِنَهُ. الضَّرْبُ (الثَّالِث: بَاقِي الْمَالِ) الْمُبَاحِ الْتِقَاطُهُ مِنْ أَثْمَانٍ وَمَتَاعٍ وَنَحْوِهِمَا (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطَ (حِفْظُ الْجَمِيعِ) ; لِأَنَّهُ صَارَ أَمَانَةً بِيَدِهِ بِالْتِقَاطِهِ.
(وَ) يَلْزَمُهُ (تَعْرِيفُهُ) أَيْ: الْجَمِيعِ مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ أَرَادَ تَمَلُّكًا أَوْ حِفْظًا لِرَبِّهِ. لِأَنَّهُ ﷺ «أَمَرَ بِهِ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ وَلَمْ يُفَرِّقْ» ، وَلِأَنَّ حِفْظَهَا لِرَبِّهَا إنَّمَا يُفِيدُ بِإِيصَالِهَا إلَيْهِ وَطَرِيقَةِ التَّعْرِيفِ (فَوْرًا) لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْأَمْرِ. وَلِأَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا عَقِبَ ضَيَاعِهَا (نَهَارًا) ; لِأَنَّهُ مَجْمَعُ النَّاسِ وَمُلْتَقَاهُمْ
стр. 1029
(أَوَّلَ كُلِّ يَوْمٍ) قَبْلَ اشْتِغَالِ النَّاسِ بِمَعَاشِهِمْ (أُسْبُوعًا) أَيْ: سَبْعَةَ أَيَّامٍ. لِأَنَّ الطَّلَبَ فِيهَا أَكْثَرُ (ثُمَّ) يُعَرِّفُهَا (عَادَةً) أَيْ: كَعَادَةِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ. وَقِيلَ يُعَرِّفُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ أُسْبُوعًا فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً شَهْرًا ثُمَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ (حَوْلًا مِنْ الْتِقَاطِهِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ. لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ. فَإِنَّهُ ﷺ أَمَرَهُ بِعَامٍ وَاحِدٍ وَلِأَنَّ السَّنَةَ لَا تَتَأَخَّرُ عَنْهَا الْقَوَافِلُ وَيَمْضِي فِيهَا الزَّمَانُ الَّذِي تُقْصَدُ فِيهِ الْبِلَادُ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالِاعْتِدَالِ كَمُدَّةِ الْعِنِّينِ (بِأَنْ يُنَادِي: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ نَفَقَةٌ) وَلَا يَصِفُهَا لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدَّعِيَهَا بَعْضُ مَنْ سَمِعَ صِفَاتِهَا فَتَضِيعُ عَلَى مَالِكِهَا فَإِنْ وَصَفَهَا فَأَخَذَهَا غَيْرُ رَبِّهَا ضَمِنِهَا مُلْتَقِطٌ كَوَدِيعٍ دَلَّ لِصًّا عَلَى وَدِيعَةٍ (فِي الْأَسْوَاقِ) عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ، (وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ) أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ. ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إشَاعَةُ ذِكْرِهَا، وَيُكْثِرُ مِنْهُ فِي مَوْضِعِ وِجْدَانِهَا، وَالْوَقْتِ الَّذِي يَلِي الْتِقَاطَهَا. وَإِنْ كَانَ فِي صَحْرَاءَ عَرَّفَهَا فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهَا (وَكُرِهَ) تَعْرِيفُهَا (دَاخِلَهَا) أَيْ الْمَسَاجِدِ. لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ إلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» وَلِمُلْتَقِطٍ تَعْرِيفُهَا بِنَفْسِهِ وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ مُتَبَرِّعًا أَوْ بِأُجْرَةٍ (، وَأُجْرَةُ مُنَادٍ عَلَى مُلْتَقَطٍ) نَصًّا. لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي الْعَمَلِ، وَالتَّعْرِيفُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُلْتَقِطِ فَأُجْرَتُهُ عَلَيْهِ (وَيُنْتَفَعُ بِمُبَاحٍ مِنْ كِلَابٍ وَلَا تُعَرَّفُ) وَظَاهِرُهُ: جَوَازُ الْتِقَاطِهَا. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمَنْعِ. وَلَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَمْنُوعِ، وَفِي أَخْذِهِ حِفْظٌ عَلَى مُسْتَحَقِّهِ. أَشْبَهَ الْأَثْمَانَ وَأَوْلَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ مَالًا فَهُوَ أَخَفُّ. وَأَدْخَلَهُ الْمُوَفَّقُ فِيمَا يُمْتَنَعُ الْتِقَاطُهُ اعْتِبَارًا بِمَنَعَتِهِ بِنَابِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَبَقَ (وَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: التَّعْرِيفَ فِيهِ (الْحَوْلَ) كُلَّهُ (أَوْ) أَخَّرَهُ (بَعْضَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَثِمَ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ (وَلَمْ يَمْلِكْهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (بِهِ) أَيْ: التَّعْرِيفِ (بَعْدَ) الْحَوْلِ ; لِأَنَّ شَرْطَ الْمِلْكِ التَّعْرِيفُ فِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ وَرَبُّهَا بَعْدَهُ يَسْلُوهَا وَيَتْرُكُ طَلَبَهَا فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ غَالِبًا. وَلِذَلِكَ يَسْقُطُ التَّعْرِيفُ فِيهِ لِتَأْخِيرِهِ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ نَصًّا، وَإِنْ تَرَكَهُ بَعْضَ الْحَوْلِ عَرَّفَ فِي بَقِيَّتِهِ فَقَطْ. فَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَحَبْسٍ مَلَكَهَا بِتَعْرِيفِهَا حَوْلًا بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ. هَذَا مَفْهُومُ كَلَامِهِ تَبَعًا لِلتَّنْقِيحِ وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ. وَالثَّانِي لَا يَمْلِكُهَا لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ وَهُوَ التَّعْرِيفُ فِي الْحَوْلِ سَوَاءٌ أَهْمَلَهُ لِعُذْرِهِ أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَالصَّغِيرِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ (كَالْتِقَاطِهِ بِنِيَّةِ تَمَلُّكٍ)
стр. 1030
بِلَا تَعْرِيفٍ (وَلَمْ يُرِدْ) بِهِ (تَعْرِيفًا) وَلَا تَمَلُّكًا لِلُقَطَةٍ فَلَا يَمْلِكُهَا وَلَوْ عَرَّفَهَا. لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ. أَشْبَهَ الْغَاصِبَ (وَلَيْسَ خَوْفُهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ (بِأَنْ يَأْخُذَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (سُلْطَانٌ جَائِرٌ أَوْ) خَوْفُ مُلْتَقِطٍ أَنْ (يُطَالِبَهُ) سُلْطَانٌ جَائِرٌ (بِأَكْثَرَ) مِمَّا وَجَدَ (عُذْرًا) لَهُ (فِي تَرْكِ تَعْرِيفِهَا حَتَّى يَمْلِكَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (بِدُونِهِ) أَيْ: بِلَا تَعْرِيفٍ. هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ: وَلِهَذَا جَزَمَ بِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِتَعْرِيفِهِ بَعْدُ. وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ خَوْفَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ. وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: تَبْقَى بِيَدِهِ. فَإِذَا وَجَدَ أَمْنًا عَرَّفَهَا حَوْلًا انْتَهَى. قَالَ فِي شَرْحِهِ: فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا مَا يُرَجِّحُ أَنَّ تَأْخِيرَ التَّعْرِيفِ لِلْعُذْرِ لَا يُؤَثِّرُ (وَمَنْ عَرَّفَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ حَوْلًا (فَلَمْ تُعَرَّفْ) فِيهِ وَهِيَ مَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ (دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ «فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا» وَفِي لَفْظٍ " وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكٍ " وَفِي لَفْظٍ " ثُمَّ كُلْهَا ".
وَفِي لَفْظٍ " فَانْتَفِعْ بِهَا " وَفِي لَفْظٍ " " فَشَأْنُكَ بِهَا " وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ " فَاسْتَنْفِقْهَا " وَفِي لَفْظٍ " فَاسْتَمْتِعْ بِهَا " هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ (حُكْمًا) كَالْمِيرَاثِ نَصًّا. فَلَا يَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ لِحَدِيثِ «وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ» وَقَوْلُهُ " فَاسْتَنْفِقْهَا " وَلَوْ وَقَفَ مِلْكُهَا عَلَى تَمَلُّكِهَا لِبَيِّنَةٍ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ قَبْلَهُ وَلِأَنَّ الِالْتِقَاطَ وَالتَّعْرِيفَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ. فَإِذَا تَمَّا وَجَبَ بِثُبُوتِهِ حُكْمًا كَالْإِحْيَاءِ وَالِاصْطِيَادِ (وَلَوْ) كَانَتْ اللُّقَطَةُ (عَرْضًا) فَتُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ قَهْرًا كَالْأَثْمَانِ، لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ. وَإِنْ رُوِيَ فِي الْأَثْمَانِ نَصٌّ خَاصٌّ فَقَدْ رُوِيَ خَبَرٌ عَامٌّ فَيُعْمَلُ بِهِمَا، بَلْ فِي الْعُرُوضِ نَصٌّ خَاصٌّ أَيْضًا، ثُمَّ لَا مَانِعَ مِنْ قِيَاسِ الْعُرُوضِ عَلَى الْأَثْمَانِ (أَوْ) كَانَتْ اللُّقَطَةُ (لُقَطَةَ الْحَرَمِ) فَتُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ كَلُقَطَةِ الْحِلِّ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ وَكَحَرَمِ الْمَدِينَةِ وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهَا بِالْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَالْوَدِيعَةِ، وَحَدِيثِ «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ إلَّا لِمَنْ عَرَّفَهَا عَامًا وَتَخْصِيصُهَا بِذَلِكَ لِتَأَكُّدِهَا كَحَدِيثِ «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرْقُ النَّارِ» (أَوْ لَمْ يَخْتَرْ) الْمُلْتَقِطُ تَمَلُّكَهَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ حُكْمًا وَتَقَدَّمَ (أَوْ أَخَّرَهُ) أَيْ التَّعْرِيفَ (لِعُذْرٍ) ثُمَّ عَرَّفَهَا فَيَمْلِكُهَا وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ
(أَوْ ضَاعَتْ) اللُّقَطَةُ مِنْ وَاجِدِهَا بِلَا تَفْرِيطٍ فَالْتَقَطَهَا آخَرُ (فَعَرَّفَهَا الثَّانِي مَعَ عِلْمِهِ بِالْأَوَّلِ) أَيْ: بِأَنَّهَا ضَاعَتْ مِنْ الْمُلْتَقِطِ الْأَوَّلِ (أَوْ لَمْ يُعْلِمْهُ) أَيْ يُعْلِمْ الثَّانِي الْأَوَّلَ بِاللُّقَطَةِ (أَوْ أَعْلَمَهُ) وَعَرَّفَهَا الثَّانِي (وَقَصَدَ بِتَعْرِيفِهَا) تَمَلُّكَهَا (لِنَفْسِهِ)
стр. 1031
فَتَدْخُلُ فِي مِلْكِ الثَّانِي حُكْمًا بِانْقِضَاءِ الْحَوْلِ الَّذِي عَرَّفَهَا فِيهِ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ الْأَوَّلُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا لِنَفْسِهِ. وَفِي شَرْحِهِ أَنَّهَا لِلْأَوَّلِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسِيَاقِ الْمَتْنِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ عَرَّفَهَا، وَالْأَصْحَابُ حَكَوْا وَجْهَيْنِ. هَلْ يَمْلِكُهَا الثَّانِي أَوْ لَا؟ وَلَمْ يَذْكُرُوا مِلْكَ الْأَوَّلِ لَهَا. (تَتِمَّةٌ) يَجِبُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ الثَّانِي إذَا عَلِمَ بِالْحَالِ رَدُّهَا لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ التَّمَوُّلِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي حَتَّى عَرَّفَهَا حَوْلًا مَلَكَهَا، وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ التَّمَلُّكِ. وَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا مِنْ الثَّانِي، وَلَا طَلَبَ لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ، وَإِنْ عَلِمَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ، وَقَالَ لَهُ الْأَوَّلُ عَرِّفْهَا وَيَكُونُ مِلْكُهَا لِي فَقَدْ اسْتَنَابَهُ فِي التَّعْرِيفِ وَيَمْلِكُهَا الْأَوَّلُ بِهِ، وَإِنْ قَالَ: عَرِّفْهَا وَتَكُونُ بَيْنَنَا. فَفَعَلَ صَحَّ أَيْضًا. وَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ غَصَبَهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ وَعَرَّفَهَا لَمْ يَمْلِكْهَا الْغَاصِبُ.
[فَصْلٌ تَصَرُّفُ الْمُلْتَقِطِ فِي اللُّقَطَةِ]
(فَصْلٌ وَيَحْرُمُ تَصَرُّفُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (فِيهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ (حَتَّى يُعَرِّفَ وِعَاءَهَا وَهُوَ كِيسُهَا وَنَحْوُهُ) كَخِرْقَةٍ شُدَّتْ فِيهَا أَوْ قِدْرٍ أَوْ زِقٍّ فِيهِ مَائِعٌ وَلِفَافَةٍ عَلَى ثَوْبٍ (وَ) حَتَّى يُعَرِّفَ (وِكَاءَهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ) الْكِيسُ أَوْ الزِّقُّ، هَلْ هُوَ سَيْرٌ أَوْ خَيْطٌ مِنْ كَتَّانٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَ) حَتَّى يُعَرِّفَ (عِفَاصَهَا) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (وَهُوَ صِفَةُ الشَّدِّ) فَيُتَعَرَّفُ الرَّبْطُ هَلْ هُوَ عُقْدَةٌ أَوْ عُقْدَتَانِ، وَأُنْشُوطَةٌ أَوْ غَيْرُهَا؟ وَيُطْلَقُ عَلَى وِعَاءِ النَّفَقَةِ جِلْدًا أَوْ خِرْقَةً وَغُلَافِ الْقَارُورَةِ الْجِلْدُ يُغَطَّى بِهِ رَأْسُهَا (وَ) حَتَّى يَعْرِفَ (قَدْرَهَا) بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدٍّ أَوْ ذَرْعٍ (وَجِنْسَهَا وَصِفَتَهَا) أَيْ: نَوْعَهَا وَلَوْنَهَا. لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ «وَجَدْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا فَلَمْ تُعْرَفْ، فَرَجَعْتُ إلَيْهِ، فَقَالَ اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا وَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ» وَلِأَنَّهُ حَيْثُ وَجَبَ دَفْعُهَا إلَى رَبِّهَا بِوَصْفِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ ; لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. (وَسُنَّ ذَلِكَ) أَيْ: مَعْرِفَةُ مَا ذَكَرَ (عِنْدَ وُجْدَانِهَا) ; لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً»
(وَ) سُنَّ عِنْدَ وُجْدَانِهَا (إشْهَادُ عَدْلَيْنِ عَلَيْهَا) لِحَدِيثِ «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ» وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي خَبَرِ
стр. 1032
زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى النَّدْبِ وَكَالْوَدِيعَةِ، وَفَائِدَةُ الْإِشْهَادِ حِفْظُهَا عَنْ نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يَطْمَعَ فِيهَا عَنْ وَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ وَعَنْ غُرَمَائِهِ إنْ أَفْلَسَ.
وَ (لَا) يُسَنُّ الْإِشْهَادُ (عَلَى صِفَتِهَا) لِئَلَّا يَنْتَشِرَ ذَلِكَ فَيَدَّعِيهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا بَلْ يَذْكُرُ لِلشُّهُودِ مَا يَذْكُرُهُ فِي التَّعْرِيفِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ صِفَاتِهَا مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَاهَا (وَكَذَا لَقِيطٌ) يُسَنُّ لِمَنْ وَجَدَهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى وُجْدَانِهِ لِئَلَّا يَسْتَرِقَّهُ
(وَمَتَى وَصَفَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (طَالِبُهَا لَزِمَ دَفْعُهَا) لَهُ (بِنَمَائِهَا) الْمُتَّصِلِ مُطْلَقًا وَالْمُنْفَصِلِ فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِالْمِلْكِ لَهُ وَلَا أَنَّهَا ضَاعَتْ مِنْهُ وَلَا يَمِينُهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا أَنْ يَغْلِبَ ظَنَّ الْمُلْتَقِطِ صِدْقُهُ لِلْأَخْبَارِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهَا فَإِنْ دَفَعَهَا بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا وَصْفٍ ضَمِنَ إنْ جَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا. وَلَهُ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ. وَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْآخِذِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ فَلِلْمُلْتَقِطِ مُطَالَبَةُ آخِذِهَا بِهَا لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ بِيَدِهِ وَلَا يَأْمَنُ مَجِيءَ صَاحِبِهَا فَيُلْزِمُهُ بِهَا
. (وَمَعَ رِقٍّ مُلْتَقَطٍ وَإِنْكَارِ سَيِّدِهِ) أَنَّهَا لُقَطَةٌ (فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِأَنَّهُ الْتَقَطَهَا وَنَحْوَهُ ; لِأَنَّ إقْرَارَ الْقِنِّ بِالْمَالِ لَا يَصِحُّ
. (وَ) نَمَاءُ اللُّقَطَةِ (الْمُنْفَصِلِ بَعْدَ حَوْلِ تَعْرِيفِهَا لِوَاجِدِهَا) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَلِأَنَّهُ يَضْمَنُ النَّقْصَ بَعْدَ الْحَوْلِ فَالزِّيَادَةُ لَهُ لِيَكُونَ الْخَرَاجُ أَيْ: الْغُرْمُ بِالضَّمَانِ
. (وَ) أَمَّا (إنْ تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ (أَوْ نَقَصَتْ قَبْلَهُ) أَيْ: الْحَوْلِ بِيَدِ مُلْتَقِطٍ (وَلَمْ يُفَرِّطْ لَمْ يَضْمَنْهَا) ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ بِيَدِهِ كَالْوَدِيعَةِ، (وَ) إنْ تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ (بَعْدَهُ) أَيْ: الْحَوْلِ (يَضْمَنُهَا) مُلْتَقِطٌ (مُطْلَقًا) أَيْ فَرَّطَ أَوْ لَا، لِدُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ فَتَلَفُهَا مِنْ مَالِهِ، وَمِلْكُ الْمُلْتَقِطِ لَهَا مُرَاعًى يَزُولُ بِمَجِيءِ صَاحِبِهَا وَيَضْمَنُ لَهُ بَدَلَهَا إنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِلَا عِوَضٍ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَتَجَدَّدُ وُجُوبُ الْعِوَضِ بِمَجِيءِ صَاحِبِهَا كَمَا يَتَجَدَّدُ زَوَالُ الْمِلْكِ عَنْهَا بِمَجِيئِهِ، كَمَا يَتَجَدَّدُ وُجُوبُ نِصْفِ الصَّدَاقِ لِلزَّوْجِ أَوْ بَدَلِهِ إنْ تَعَذَّرَ بِالْإِطْلَاقِ. وَقَالَ الْقَاضِي لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِعِوَضٍ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ لِصَاحِبِهَا، وَرَدَّهُ فِي الْمُغْنِي وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ
(وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ) أَيْ: قِيمَةُ اللُّقَطَةِ إذَا زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ ثُمَّ تَلِفَتْ (يَوْمَ عَرَّفَهَا رَبُّهَا) ; لِأَنَّهُ وَقْتُ وُجُوبِ رَدِّ الْعَيْنِ إلَيْهِ لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً لَزِمَهُ رَدُّ مِثْلِهَا.
(وَإِنْ وَصَفَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (ثَانٍ قَبْلَ دَفْعِهَا لِلْأَوَّلِ أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا (وَدُفِعَتْ إلَى قَارِعٍ بِيَمِينِهِ) نَصًّا. وَكَذَا إنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ كَمَا لَوْ تَدَاعَيَا بِيَدِ غَيْرِهِمَا وَلِتَسَاوِيهِمَا فِي الْبَيِّنَةِ أَوْ عَدِمهَا. أَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَيَا وَدِيعَةً وَقَالَ هِيَ لِأَحَدِكُمَا
стр. 1033
وَلَا أَعْرِفُ عَيْنَهُ.
(وَ) إنْ وَصَفَهَا ثَانٍ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ دَفْعِهَا لِمَنْ وَصَفَهَا قَبْلَهُ فَ (لَا شَيْءَ لِلثَّانِي) ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَحَقَّهَا بِوَصْفِهَا وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ لَهُ فِيهَا حِينَ أَخَذَهَا وَثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَقْتَضِي انْتِزَاعُهَا مِنْهُ (وَإِنْ أَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ) بَعْدَ أَنْ (أَخَذَهَا) الْأَوَّلُ بِالْوَصْفِ أَخَذَهَا الثَّانِي (مِنْ وَاصِفٍ) لِقُوَّةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَصْفِ، وَلِاحْتِمَالِ رُؤْيَةِ الْوَاصِفِ لَهَا عِنْدَ مَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ (فَإِنْ تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ بِيَدِ مَنْ أَخَذَهَا بِالْوَصْفِ ثُمَّ أَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً (لَمْ يَضْمَنْ مُلْتَقِطٌ) لَهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ دَفَعَهَا لِلْوَاصِفِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ وَلِوُجُوبِ الدَّفْعِ إلَيْهِ وَيَغْرَمُهَا الْوَاصِفُ لِمَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ لِعُدْوَانِ يَدِهِ. وَإِنْ أَعْطَى مُلْتَقِطٌ وَاصِفًا بَدَلَهَا لِتَلَفِهَا عِنْدَهُ لَمْ يُطَالَبْ ذُو الْبَيِّنَةِ إلَّا الْمُلْتَقِطَ لِتَلَفِ مَالٍ تَحْتَ يَدِهِ وَيَرْجِعُ مُلْتَقِطٌ عَلَى وَاصِفٍ بِمَا أَخَذَهُ لِتَبَيُّنِ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ إنْ لَمْ يُقِرَّ لِلْوَاصِفِ بِمِلْكِهَا
. (وَلَوْ أَدْرَكَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (رَبُّهَا بَعْدَ الْحَوْلِ) وَالتَّعْرِيفِ (مَبِيعَةً أَوْ مَوْهُوبَةً) بِيَدِ مِنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: رَبِّهَا (إلَّا الْبَدَلُ) لِصِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُلْتَقِطِ فِيهَا لِدُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ (وَيُفْسَخُ) الْعَقْدُ إنْ أَدْرَكَهَا رَبُّهَا (زَمَنَ خِيَارٍ) لِبَائِعٍ أَوْ لَهُمَا (وَتُرَدُّ) لَهُ (كَ) مَا لَوْ أَدْرَكَهَا (بَعْدَ عَوْدِهَا) إلَى مُلْتَقِطٍ (بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ) ; لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالَهُ فِي يَدِ مُلْتَقِطِهَا. أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ (أَوْ) كَمَا لَوْ أَدْرَكَهَا بَعْدَ (رَهْنِهَا) فَيَنْتَزِعُهَا رَبُّهَا مِنْ يَدِ مُرْتَهِنٍ لِقِيَامِ مِلْكِهِ وَانْتِفَاءِ إذْنِهِ (وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ) أَيْ رَدِّ اللُّقَطَةِ لِمَالِكِهَا إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا (عَلَى رَبِّهَا) ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ بِيَدِ الْمُلْتَقِطِ كَالْوَدِيعَةِ
. (وَلَوْ قَالَ مَالِكُهَا بَعْدَ تَلَفِهَا) بِيَدِ مُلْتَقِطٍ بِحَوْلِ التَّعْرِيفِ (أَخَذْتُهَا لِتَذْهَبَ بِهَا) لَا لِتُعَرِّفَهَا فَعَلَيْكَ ضَمَانُهَا لِتَعَدِّيَكَ (وَقَالَ الْمُلْتَقِطُ) : إنَّمَا أَخَذْتُهَا (لِأُعَرِّفَهَا فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (بِيَمِينِهِ) ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ (وَوَارِثُ مُلْتَقِطٍ، وَرَبُّ لُقَطَةٍ فِيمَا تَقَدَّمَ) تَفْصِيلُهُ (كَمُوَرِّثِهِ لِقِيَامِهِ) مَقَامَهُ فَإِنْ مَاتَ مُلْتَقِطٌ عَرَّفَهَا وَارِثُهُ بَقِيَّةَ الْحَوْلِ وَمَلَكَهَا وَبَعْدَ الْحَوْلِ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ إرْثًا وَمَتَى جَاءَ صَاحِبُهَا أَوْ وَارِثُهُ أَخَذَهَا أَوْ بَدَلَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ عَدِمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ فَرَبُّهَا غَرِيمٌ بِبَدَلِهَا فِي التَّرِكَةِ.
(وَمَنْ اسْتَيْقَظَ) مِنْ نَوْمٍ أَوْ إغْمَاءٍ (فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ) أَوْ كِيسِهِ (مَالًا) دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرَهَا (لَا يَدْرِي مَنْ صَرَّهُ) أَوْ وَضَعَهُ فِي كِيسِهِ أَوْ جَيْبِهِ (فَهُوَ لَهُ) بِلَا تَعْرِيفٍ. ; لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَقْتَضِي تَمْلِيكَهُ
. (وَلَا يَبْرَأُ مَنْ أَخَذَ مِنْ نَائِمٍ شَيْئًا إلَّا بِتَسْلِيمِهِ لَهُ) بَعْدَ انْتِبَاهِهِ لِتَعَدِّيهِ، لِأَنَّهُ إمَّا سَارِقٌ أَوْ غَاصِبٌ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِرَدِّهِ لِمَالِكِهِ فِي حَالٍ يَصِحُّ قَبْضُهُ فِيهَا
. (وَمَنْ وَجَدَ فِي حَيَوَانٍ نَقْدًا) كَدَرَاهِمَ أَوَدَنَانِيرَ وَجَدَهَا فِي بَطْنِ شَاةٍ ذَبَحَهَا فَلُقَطَةٌ (أَوْ) وَجَدَ فِيهِ
стр. 1034
(دُرَّةً) أَوْ عَنْبَرَةً (فَلُقَطَةٌ) يُعَرِّفُهَا وَيَبْدَأُ بِالْبَائِعِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْ فَ (لِوَاجِدِهِ) نَصًّا (وَإِنْ وَجَدَ دُرَّةً غَيْرَ مَثْقُوبَةً فِي سَمَكَةٍ فَ) هِيَ (لِصَيَّادٍ) وَلَوْ بَاعَهَا نَصًّا ; لِأَنَّ الدُّرَّ يَكُونُ فِي الْبَحْرِ. وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا فِي بَطْنِهَا لَمْ يَبِعْهُ وَلَمْ يَرْضَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ. فَإِنْ كَانَتْ مَثْقُوبَةً أَوْ مُتَّصِلَةً بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَنَحْوِهَا فَلُقَطَةٌ.
(مَنْ ادَّعَى مَا بِيَدِ لِصٍّ أَوْ نَاهِبٍ أَوْ قَاطِعِ طَرِيقٍ وَوَصَفَهُ) أَيْ: مَا ادَّعَاهُ بِصِفَةٍ تُمَيِّزُهُ (فَهُوَ لَهُ) وَلَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِمِلْكِهِ لَهُ، لِأَنَّهُ بِيَدِ مَنْ لَمْ يَدَّعِ مِلْكَهُ وَرَبُّهُ مَجْهُولٌ، بِخِلَافِ مَنْ ادَّعَى وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةً أَوْ رَهْنًا فَلَا يَكْفِي الْوَصْفُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ أَوْ يَقْتَرِعَانِ فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَأَخَذَهَا.
[فَصْلٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُلْتَقِطٍ وَمُلْتَقِطٍ]
(فَصْلٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُلْتَقِطٍ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ وَلَا بَيْنَ مُلْتَقِطٍ) (مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَ) لَا بَيْنَ مُلْتَقِطٍ (عَدْلٍ وَفَاسِقٍ يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا) ; لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ نَوْعُ اكْتِسَابٍ وَالْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ مِنْ أَهْلِهِ كَالِاحْتِشَاشِ وَالِاحْتِطَابِ. وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَيْسَ بِأَمِينٍ أَنْ لَا يَأْخُذَ اللُّقَطَةَ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلْأَمَانَةِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا (وَإِنْ وَجَدَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (صَغِيرٌ أَوْ سَفِيهٌ أَوْ مَجْنُونٌ) صَحَّ الْتِقَاطُهُ. لِأَنَّهُ نَوْعُ تَكَسُّبٍ فَصَحَّ مِنْهُ كَاصْطِيَادٍ. وَ (قَامَ) (وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا) تَأْدِيَةً لِلْوَاجِبِ عَلَيْهِ (فَإِنْ تَلِفَتْ) أَيْ: اللُّقَطَةُ (بِيَدِ أَحَدِهِمْ) الْوَاجِدِ لَهَا (وَ) كَانَ (فَرَّطَ) فِي حِفْظِهَا (ضَمِنَ) لِتَفْرِيطِهِ (كَإِتْلَافِهِ) إيَّاهَا فَيَغْرَمُهَا مِنْ مَالِهِ. وَكَعَبْدٍ (وَإِنْ كَانَ) تَلَفُهَا (بِتَفْرِيطِ الْوَلِيِّ) بِأَنْ عَلِمَ بِهَا وَلَمْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ (فَ) ضَمَانُهَا (عَلَيْهِ) أَيْ: الْوَلِيِّ ; لِأَنَّهُ الْمُضَيِّعُ لَهَا بِتَرْكِهَا مَعَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَحِفْظِهَا (فَإِنْ) لَمْ تَتْلَفْ وَعَرَّفَهَا الْوَلِيُّ، وَ (لَمْ تُعَرَّفْ فَ) هِيَ (لِوَاجِدِهَا) لِتَمَامِ سَبَبِ الْمِلْكِ بِشَرْطِهِ. وَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ مُمَيِّزًا فَعَرَّفَهَا بِنَفْسِهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَالْأَظْهَرُ الْإِجْزَاءُ ; لِأَنَّهُ يَعْقِلُ التَّعْرِيفَ فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ. .
قَالَ الْحَارِثِيُّ. وَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْهَا الصَّغِيرُ وَلَا وَلِيُّهُ حَتَّى مَضَى الْحَوْلُ. فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى: إنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا دَفَعَهَا إلَيْهِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا. قَدْ مَضَى أَجَلُ التَّعْرِيفِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ السِّنِينَ. وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ تَرْكَ التَّعْرِيفِ لِعُذْرٍ كَتَرْكِهِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِمَا
. (وَالرَّقِيقُ) يَصِحُّ الْتِقَاطُهُ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الصَّغِيرُ وَيَصِحُّ مِنْهُ. فَصَحَّ مِنْ الرَّقِيقِ كَالِاصْطِيَادِ. وَلَهُ أَنْ يَلْتَقِطَ وَيُعَرِّفَ بِلَا
стр. 1035
إذْنِ سَيِّدِهِ (وَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهَا) مِنْهُ لِيَتَوَلَّى تَعْرِيفَهَا لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ، وَلِسَيِّدِهِ انْتِزَاعُ كَسْبِهِ مِنْهُ، فَإِنْ عَرَّفَهَا بَعْضَ الْحَوْلِ عَرَّفَهَا السَّيِّدُ بَقِيَّتَهُ (وَ) لِسَيِّدِهِ (تَرْكُهَا مَعَهُ) أَيْ الرَّقِيقِ الْمُلْتَقِطِ (إنْ كَانَ عَدْلًا يَتَوَلَّى تَعْرِيفَهَا) وَيَكُونُ السَّيِّدُ مُسْتَعِينًا بِهِ فِي حِفْظِهَا كَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي حِفْظِ سَائِرِ مَالِهِ. وَإِنْ كَانَ الرَّقِيقُ غَيْرَ أَمِينٍ وَأَقَرَّهَا السَّيِّدُ مَعَهُ فَهُوَ مُفَرِّطٌ. فَيَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ كَمَا لَوْ أَخَذَهَا مِنْهُ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ ; لِأَنَّ يَدَ رَقِيقِهِ كَيَدِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ بَعْدَ الْتِقَاطِهِ فَلَهُ انْتِزَاعُهَا مِنْ يَدِهِ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ (، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ) رَقِيقٌ مُلْتَقِطٌ (سَيِّدَهُ) عَلَى اللُّقَطَةِ (لَزِمَهُ سَتْرُهَا عَنْهُ) لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِحِفْظِهَا اللَّازِمِ لَهُ وَيَدْفَعُهَا لِلْحَاكِمِ لِيُعَرِّفَهَا ثُمَّ يَدْفَعُهَا إلَى سَيِّدِهِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ. فَإِنْ أَعْلَمَ سَيِّدَهُ بِهَا فَلَمْ يَأْخُذَهَا أَوْ أَخَذَهَا وَعَرَّفَهَا وَأَدَّى الْأَمَانَةَ فِيهَا. فَتَلِفَتْ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِلَا تَفْرِيطٍ لَمْ تُضْمَنْ، لِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ بِتَفْرِيطِ أَحَدِهِمَا (وَمَتَى تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ (بِإِتْلَافِهِ) أَيْ الرَّقِيقِ الْمُلْتَقِطِ (أَوْ تَفْرِيطِهِ) فِي الْحَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ بِدَفْعِهَا لِسَيِّدِهِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُهُ عَلَيْهَا (فَ) ضَمَانُهَا (فِي رَقَبَتِهِ) نَصًّا كَغَيْرِ اللُّقَطَةِ. وَمِثْلُهُ مُدَبَّرٌ وَأُمُّ وَلَدٍ وَمُعَلَّقٌ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ قَبْلَ وُجُودِهَا (وَمُكَاتَبٌ) فِي الْتِقَاطٍ (كَحُرٍّ) ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ اكْتِسَابَهُ وَهُوَ مِنْهَا. فَإِنْ عَادَ قِنًّا بِعَجْزِهِ كَانَتْ كَلُقَطَةِ الْقِنِّ.
(وَ) مَا يَلْتَقِطُهُ (مُبَعَّضٌ ف) هُوَ (بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ) عَلَى حَسَبِ حُرِّيَّتِهِ وَرِقِهِ كَسَائِرِ أَكْسَابِهِ (وَكَذَا كُلُّ نَادِرٍ مِنْ كَسْبٍ كَهِبَةٍ وَهَدِيَّةٍ وَوَصِيَّةٍ وَنَحْوِهَا) كَنِثَارٍ وَقَعَ فِي حِجْرِهِ (وَلَوْ أَنَّ بَيْنَهُمَا) أَيْ: الْمُبَعَّضِ وَسَيِّدِهِ (مُهَايَأَةً) أَيْ: مُنَاوَبَةً بِأَنْ كَانَ يَسْتَقِلُّ بِنَفْعِهِ وَكَسْبِهِ مُدَّةً، وَسَيِّدُهُ كَذَلِكَ. لِأَنَّ الْكَسْبَ النَّادِرَ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ وَلَا يُظَنُّ فَلَا يَدْخُلُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الرَّقِيقُ الْمُلْتَقِطُ مُشْتَرَكًا فَلُقَطَتُهُ بَيْنَ سَادَاتِهِ بِحَسَبِ حِصَصِهِمْ فِيهِ.
[بَابُ اللَّقِيطِ]
(بَابُ اللَّقِيطِ) فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَجَرِيحٍ وَطَرِيحٍ شَرْعًا (طِفْلٌ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ وَلَا رِقُّهُ، نُبِذَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ: طُرِحَ فِي شَارِعٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ) مَا بَيْنَ وِلَادَتِهِ (إلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ) فَقَطْ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ (وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ: إلَى الْبُلُوغِ) قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ فَإِنْ نُبِذَ أَوْ ضَلَّ مَعْرُوفُ النَّسَبِ أَوْ الرِّقِّ فَأَخَذَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ أَوْ غَيْرُهُ فَلَيْسَ بِلَقِيطٍ (وَالْتِقَاطُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] ; وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ نَفْسِهِ. فَكَانَ وَاجِبًا كَإِطْعَامِهِ إذَا اضْطَرَّ
стр. 1036
وَإِنْجَائِهِ مِنْ نَحْوِ غَرَقٍ. فَإِنْ تَرَكَهُ جَمِيعُ مَنْ رَآهُ أَثِمُوا
. (وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِمَّا مَعَهُ) إنْ كَانَ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ فِي مَالِهِ وَمَا مَعَهُ فَهُوَ مَالُهُ كَمَا يَأْتِي، وَإِلَّا يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ (فَ) يُنْفَقُ عَلَيْهِ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ. قَالَ: " وَجَدْتُ مَلْقُوطًا فَأَتَيْتُ بِهِ عُمَرَ، فَقَالَ عَرِيفِي: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ فَقَالَ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَاذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ ".
وَفِي لَفْظٍ " عَلَيْنَا رَضَاعُهُ " (فَإِنْ تَعَذَّرَ) أَخْذُ نَفَقَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِكَوْنِ الْبَلَدِ لَيْسَ لَهُ بَيْتُ مَالٍ أَوْ بِهِ وَلَا مَالَ بِهِ وَنَحْوُهُ (اقْتَرَضَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى بَيْتِ الْمَالِ (حَاكِمٌ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ مَعَ وُجُودِ مُتَبَرِّعٌ بِهَا ; لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بِلَا مِنَّةٍ تَلْحَقُهُ. أَشْبَهَ أَخْذَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَإِنْ اقْتَرَضَ الْحَاكِمُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ ثُمَّ بَانَ رَقِيقًا أَوْ لَهُ أَبٌ مُوسِرٌ. رَجَعَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَحَدٌ وَفَّى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الِاقْتِرَاضُ عَلَيْهِ أَوْ الْأَخْذِ مِنْهُ لِنَحْوِ مَنْعٍ مَعَ وُجُودِ الْمَالِ فِيهِ (فَعَلَى مَنْ عَلِمَ) الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَلِمَا فِي تَرْكِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ هَلَاكِهِ، وَحِفْظُهُ عَنْهُ وَاجِبٌ، كَإِنْقَاذٍ مِنْ الْغَرَقِ (وَلَا يَرْجِعُ) مَنْ أَنْفَقَ بِمَا أَنْفَقَهُ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ (فَهِيَ) أَيْ: النَّفَقَةُ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِهِ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) وَنَصَّ أَحْمَدُ: أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. ذَكَرَهُ فِي الْقَوَاعِدِ. وَقَالَ النَّاظِمُ: إنْ نَوَى الرُّجُوعَ وَاسْتَأْذَنَ الْحَاكِمَ رَجَعَ عَلَى الطِّفْلِ بَعْدَ الرُّشْدِ. وَإِلَّا رَجَعَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ
(وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ) أَيْ: اللَّقِيطِ إنْ وُجِدَ بِدَارِ إسْلَامٍ فِيهِ مُسْلِمٌ أَوْ مُسْلِمَةٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ، لِظَاهِرِ الدَّارِ وَتَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ. فَإِنَّهُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ (وَ) يُحْكَمُ (بِحُرِّيَّتِهِ) لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا، وَالرِّقُّ لِعَارِضٍ، الْأَصْلُ عَدَمُهُ (إلَّا أَنْ يُوجَدَ) اللَّقِيطُ (فِي بَلَدِ أَهْلِ حَرْبٍ وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ. أَوْ فِيهِ مُسْلِمٌ كَتَاجِرٍ وَأَسِيرٍ فَ) هُوَ (كَافِرٌ رَقِيقٌ) ; لِأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ كَانَ أَهْلُهَا مِنْهُمْ،، وَإِنْ كَانَ فِيهَا نَحْوُ تَاجِرٍ وَأَسِيرٍ غَلَبَ حُكْمُ الْأَكْثَرِ لِكَوْنِ الدَّارِ لَهُمْ (وَإِنْ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ) بِدَارِ حَرْبِ (فَ) لَقِيطُهَا (مُسْلِمٌ) تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ (أَوْ) إلَّا أَنْ يُوجَدَ اللَّقِيطُ (فِي بَلَدِ إسْلَامٍ كُلُّ أَهْلِهِ) أَهْلُ (ذِمَّةٍ) فَهُوَ (كَافِرٌ) لِأَنَّهُ لَا مُسْلِمَ بِهَا يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مِنْهُ وَتَغْلِيبُ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الِاحْتِمَالِ (وَإِنْ كَانَ بِهَا) أَيْ: بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ كُلٌّ أَهْلِ ذِمَّةٍ (مُسْلِمٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِنْهُ) أَيْ: الْمُسْلِمِ (فَ) اللَّقِيطُ (مُسْلِمٌ) تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ وَلِظَاهِرِ الدَّارِ (وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَنْ) أَيْ: لَقِيطٌ
стр. 1037
(قُلْنَا بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ) أَيْ دَارِ الْكُفْرِ وَهُوَ مَنْ وُجِدَ فِي بَلَدِ أَهْلِ حَرْبٍ لَا مُسْلِمَ بِهِ أَوْ بِهِ نَحْوُ تَاجِرٍ وَأَسِيرٍ (حَتَّى صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ فَ) هُوَ (مُسْلِمٌ) تَبَعًا لِلدَّارِ
(وَمَا وُجِدَ مَعَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِنْ فِرَاشٍ تَحْتَهُ وَ) مِنْ (ثِيَابٍ) عَلَيْهِ أَوْ فَوْقَهُ (أَوْ مَالٍ فِي جَيْبِهِ أَوْ تَحْتَ فِرَاشِهِ أَوْ) وُجِدَ (مَدْفُونًا تَحْتَهُ) دَفْنًا (طَرِيًّا) بِأَنْ تَجَدَّدَ حَفْرُهُ (أَوْ) وُجِدَ (مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ) وُجِدَ مَعَهُ (حَيَوَانٌ مَشْدُودٌ بِثِيَابِهِ) أَوْ وُجِدَ اللَّقِيطُ مَشْدُودًا عَلَى دَابَّةٍ أَوْ فِي سَرِيرٍ أَوْ صُنْدُوقٍ (فَ) هُوَ (لَهُ) ; لِأَنَّ الطِّفْلَ يَمْلِكُ مِلْكًا صَحِيحًا فَلَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ كَالْبَالِغِ. فَيُحْكَمُ بِثَبَاتِ مِلْكِهِ عَلَى مَا مَعَهُ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ. وَكَذَا لَوْ كَانَ مَجْعُولًا فِي دَارٍ أَوْ خَيْمَةٍ تَكُونُ لَهُ عَلَى مَا فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ، خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمَجْدِ وَجَمَاعَةٍ. فَإِنْ وُجِدَ مَدْفُونًا تَحْتَهُ غَيْرَ طَرِيٍّ أَوْ مَدْفُونًا بَعِيدًا عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ. وَمَا لَيْسَ مَحْكُومًا بِهِ لَهُ فَلُقْطَةٌ.
(وَالْأَوْلَى بِحَضَانَتِهِ) أَيْ: اللَّقِيطِ (وَاجِدُهُ إنْ كَانَ أَمِينًا عَدْلًا) لِمَا سَبَقَ عَنْ عُمَرَ، وَلِسَبْقِهِ إلَيْهِ، فَكَانَ أَوْلَى بِهِ (وَلَوْ) إنَّهُ عَدْلٌ (ظَاهِرًا) كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالشَّهَادَةِ فِيهِ وَأَكْثَرِ الْأَحْكَامِ (حُرًّا) تَامَّ الْحُرِّيَّةِ ; لِأَنَّ مَنَافِعَ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ وَأُمِّ الْوَلَدِ مُسْتَحَقَّةٌ لِسَيِّدِهِ فَلَا يُذْهِبُهَا فِي غَيْرِ نَفْعِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَكَذَا الْمُكَاتَبُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَنَافِعِهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَكَذَا الْمُبَعَّضُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِكْمَالِ الْحَضَانَةِ. فَإِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِرَقِيقَةِ أَقَرَّ بِيَدِهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّ السَّيِّدَ الْتَقَطَهُ وَاسْتَعَانَ بِرَقِيقِهِ فِي حَضَانَتِهِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ وَصَارَ كَمَا لَوْ الْتَقَطَهُ (مُكَلَّفًا) ; لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَلِي أَمْرَ نَفْسِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى (رَشِيدًا) فَلَا يُقَرُّ مَعَ سَفِيهٍ ; لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَيَجُوزُ لِمَنْ لَا يُقِرُّ بِيَدِهِ الْتِقَاطُهُ ; لِأَنَّ أَخْذَهُ قُرْبَةٌ فَلَا تَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ دُونَ آخَرَ، وَعَدَمُ إقْرَارِهِ بِيَدِهِ دَوَامًا لَا يَمْنَعُ أَخْذَهُ ابْتِدَاءً، إلَّا الرَّقِيقُ فَلَيْسَ لَهُ الْتِقَاطُهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ إلَّا أَنْ لَا يَعْلَمَ بِهِ سِوَاهُ فَعَلَيْهِ الْتِقَاطُهُ لِتَخْلِيصِهِ مِنْ الْهَلَاكِ كَالْغَرَقِ (وَلَهُ) أَيْ: لِوَاجِدِهِ الْمُتَّصِفِ بِمَا تَقَدَّمَ (حِفْظُ مَالِهِ) أَيْ: اللَّقِيطِ بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ لِقَوْلِ عُمَرَ: " لَكَ وَلَاؤُهُ " ; وَلِأَنَّهُ أَوْلَى بِحَضَانَتِهِ لَا مِنْ أَجْلِ قَرَابَتِهِ مِنْهُ. أَشْبَهَ الْحَاكِمَ (وَ) لَهُ (الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ مَالِهِ بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ كَالْوَصِيِّ وَلِأَنَّهُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْأَوْلَى بِإِذْنِهِ احْتِيَاطًا، بِخِلَافِ مَنْ غَابَ وَلَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ نَحْوُهَا وَأَوْلَادٌ فَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا إلَّا بِإِذْنِ حَاكِمٍ. وَيُنْفِقُ عَلَى اللَّقِيطِ وَاجِدُهُ
стр. 1038
بِالْمَعْرُوفِ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، فَإِنْ بَلَغَ وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَا أُنْفِقَ أَوْ فِي التَّفْرِيطِ فِي الْإِنْفَاقِ فَقَوْلُ مُنْفِقٍ ; لِأَنَّهُ أَمِينٌ
(وَ) لَهُ (قَبُولُ هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ لَهُ) أَيْ اللَّقِيطِ (بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ) لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ (وَيَصِحُّ) أَيْ: يَجُوزُ (الْتِقَاطُ قِنٍّ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ) بَلْ يَجِبُ وَتَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ
(وَ) يَصِحُّ الْتِقَاطُ (ذِمِّيٍّ لِذِمِّيٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]
. (وَيُقَرُّ) لَقِيطٌ (بِيَدِ مَنْ) الْتَقَطَهُ (بِالْبَادِيَةِ مُقِيمًا فِي حِلَّةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: بُيُوتٍ مُجْتَمِعَةٍ لِلِاسْتِيطَانِ بِهَا لِأَنَّهَا كَالْقَرْيَةِ. فَإِنَّ أَهْلَهَا لَا يَرْحَلُونَ عَنْهَا لِطَلَبِ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ (أَوْ) لَمْ يَكُنْ فِي حِلَّةٍ لَكِنَّهُ (يُرِيدُ نَقْلَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (إلَى الْحَضَرِ) لِأَنَّهُ يَنْقُلُهُ مِنْ أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالشَّقَاءِ إلَى أَرْضِ الرَّفَاهِيَةِ وَالدِّينِ وَ (لَا) يُقَرُّ بِيَدِ مُلْتَقِطِهِ إنْ كَانَ (بَدَوِيًّا يَنْتَقِلُ فِي الْمَوَاضِعِ) ; لِأَنَّ فِيهِ إتْعَابًا لِلَّقِيطِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُدْفَعُ لِمَنْ يُقِرُّ بِهِ ; لِأَنَّهُ أَخَفُّ عَلَيْهِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُقَرُّ بِيَدِ (مَنْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ فَأَرَادَ نَقْلَهُ إلَى الْبَادِيَةِ) ; لِأَنَّ مُقَامَهُ فِي الْحَضَرِ أَصْلَحُ لَهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَبَقَاؤُهُ فِيهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ وَظُهُورِ أَهْلِهِ. فَإِنَّ الظَّاهِرَ حَيْثُ وَجَدَهُ بِهِ إنَّهُ وُلِدَ فِيهِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُقَرُّ بِيَدِ وَاجِدِهِ (مَعَ فِسْقِهِ أَوْ رِقِّهِ أَوْ كُفْرِهِ وَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِحَضَانَتِهِ. فَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ كَافِرًا أُقِرَّ بِيَدِ وَاجِدِهِ الْكَافِرِ وَتَقَدَّمَ (وَإِنْ) كَانَ (الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ النَّقْلَةَ إلَى بَلَدٍ أُخْرَى أَوْ) إلَى (قَرْيَةٍ أَوْ) الْتَقَطَهُ مَنْ يُرِيدُ النَّقْلَةَ (مِنْ حِلَّةٍ إلَى حِلَّةٍ لَمْ يُقَرَّ بِيَدِهِ) ; لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي بَلَدِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ أَوْ حِلَّتِهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ أَرَادَ النَّقْلَةَ بِهِ إلَى الْبَادِيَةِ (مَا لَمْ يَكُنْ الْمَحِلُّ الَّذِي كَانَ) أَيْ: وُجِدَ (بِهِ وَبِيئًا) أَيْ: وَخِيمًا (كَغَوْرِ بَيْسَانَ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدِهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ ثُمَّ سِينٌ مُهْمَلَةٌ مَوْضِعٌ بِالشَّامِ (وَنَحْوِهِ) كَالْجُحْفَةِ بِأَرْضِ الْحِجَازِ فَيُقَرُّ اللَّقِيطُ بِيَدِ مَنْ أَرَادَ النَّقْلَةَ عَنْهَا إلَى بِلَادٍ لَا وَبَاءَ بِهَا أَوْ دُونَهَا فِي الْوَبَاءِ لِتَعَيُّنِ الْمَصْلَحَةِ فِي النَّقْلِ.
وَفِي التَّرْغِيبِ وَالتَّلْخِيصِ مَتَى وَجَدَهُ فِي فَضَاءٍ خَالٍ فَلَهُ نَقْلُهُ إلَى حَيْثُ شَاءَ.
(وَيُقَدَّمُ مُوسِرٌ وَمُقِيمٌ مِنْ مُلْتَقِطَيْنِ) لِلَقِيطٍ مَعًا (عَلَى ضِدِّهِمَا) فَيُقَدَّمُ مُوسِرٌ عَلَى مُعْسِرٍ ; لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لِلَّقِيطِ، وَمُقِيمٌ عَلَى مُسَافِرٍ ; لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ (فَإِنْ اسْتَوَيَا) بِأَنْ لَمْ يَتَّصِفْ أَحَدُهُمَا بِمَا يَكُونُ بِهِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا إنْ تَشَاحَّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ عِنْدَهُمَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ. فَإِنْ تَهَايَأَهُ بِأَنْ جُعِلَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ يَوْمًا فَأَكْثَرَ أَضَرَّ بِالطِّفْلِ لِاخْتِلَافِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأُنْسِ وَالْأُلْفَةِ، وَدَفْعُهُ إلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ تَحَكُّمٌ لِتَسَاوِي حَقِّهِمَا
стр. 1039
فَتَعَيَّنَ الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا وَلَا تُرَجَّحُ الْمَرْأَةُ فِي الِالْتِقَاطِ بِخِلَافِ حَضَانَةِ وَلَدِهَا. وَإِنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ وَتَسْلِيمِ اللَّقِيطِ لِلْآخَرِ جَازَ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْمُتَنَازِعَانِ (فِي الْمُلْتَقِطِ مِنْهُمَا قُدِّمَ) بِهِ مِنْهُمَا (مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ) لِثُبُوتِ حَقِّهِ بِهَا، (فَإِنْ عَدِمَاهَا) أَيْ: الْبَيِّنَةَ وَهُوَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا (قُدِّمَ ذُو الْيَدِ) ; لِأَنَّهَا دَلِيلُ اسْتِحْقَاقِ الْإِمْسَاكِ (بِيَمِينِهِ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْآخَرِ (فَإِنْ كَانَ) اللَّقِيطُ (بِيَدَيْهِمَا) وَلَا بَيِّنَةَ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ (فَمَنْ قُرِعَ سُلِّمَ إلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَأُرِّخَتْ قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا. فَإِنْ اتَّحَدَتَا تَارِيخًا أَوْ أَطْلَقَتَا أَوْ أَرَّخَتْ إحْدَاهُمَا وَأَطْلَقَتْ الْأُخْرَى، فَكَمَا لَوْ عَدِمَاهَا (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا) أَيْ: لِمَنْ عُدِمَتْ بَيِّنَتَاهُمَا أَوْ تَعَارَضَتَا (يَدٌ) عَلَى اللَّقِيطِ (فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا بِعَلَامَةٍ مَسْطُورَةٍ فِي جَسَدِهِ) كَقَوْلِهِ: فِي ظَهْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ أَوْ كَتِفِهِ أَوْ فَخِذِهِ شَامَةٌ أَوْ أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ نَارٍ أَوْ نَحْوِهِ فَيُكْشَفُ فَيُوجَدُ كَمَا ذَكَرَ (قُدِّمَ) وَاصِفُهُ بِهِ ; لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ اللُّقَطَةِ. أَشْبَهَ لُقَطَةَ الْمَالِ، وَلِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ يَدِهِ (وَإِنْ وَصَفَاهُ) أَيْ: اللَّقِيطَ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا (وَإِلَّا) يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَلَا يَدَ وَلَا وَصْفَ (سَلَّمَهُ حَاكِمٌ إلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا) ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمَا فِيهِ وَلَا مُهَايَأَةَ وَلَا تَخْيِيرَ لِلصَّبِيِّ، وَإِنْ رَأَى اثْنَانِ مَعًا لَقِيطًا أَوْ لُقَطَةً فَسَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَخَذَهُ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. وَإِنْ رَآهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ فَالسَّابِقُ إلَى الْأَخْذِ أَحَقُّ، ; لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ هُوَ الْأَخْذُ لَا الرُّؤْيَةُ. فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: نَاوِلْنِي فَأَخَذَهُ الْآخَرُ. فَإِنْ نَوَى أَخْذَهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ الْآخَرُ، وَإِنْ نَوَى الْمُنَاوَلَةَ فَهُوَ لِلْآمِرِ لِفِعْلِهِ ذَلِكَ بِنِيَّةِ النِّيَابَةِ عَنْهُ إنْ صَحَّتْ الْوَكَالَةُ فِي الِالْتِقَاطِ، (وَمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ) مِنْ مُخْتَلِفَيْنِ فِي اللَّقِيطِ (سَقَطَ) كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّ الْآخَرَ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا وَسَأَلَهُ يَمِينَهُ، فَفِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ يَمِينُهُ. وَفِي الْمُنْتَخَبِ: لَا، كَطَلَاقٍ.
[فَصْلٌ مِيرَاثُ اللَّقِيطِ وَدِيَتُهُ]
(فَصْلٌ وَمِيرَاثُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (وَدِيَتُهُ إنْ قُتِلَ لِبَيْتِ الْمَالِ) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ كَغَيْرِ اللَّقِيطِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ فَلَهَا الرُّبُعُ وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ، أَوْ ذُو رَحِمٍ كَبِنْتِ بِنْتٍ أَخَذَ الْجَمِيعَ وَلَا يَرِثُهُ مُلْتَقِطُهُ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَحَدِيثِ
стр. 1040
وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ مَرْفُوعًا: «الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ. عَتِيقِهَا وَلَقِيطِهَا وَوَلَدِهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ (وَيُخَيِّرُ الْإِمَامُ فِي) قَتْلٍ (عَمْدٍ بَيْنَ أَخْذِهَا) أَيْ دِيَةِ اللَّقِيطِ (وَ) بَيْنَ (الْقِصَاصِ) نَصًّا فَيَفْعَلُ مَا يَرَاهُ أَصْلَحَ، لِحَدِيثِ «: السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» " وَالدِّيَةُ لِبَيْتِ الْمَالِ كَالْخَطَأِ
. (وَإِنْ قُطِعَ طَرَفُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ، وَهُوَ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ حَالَ قَطْعٍ (عَمْدًا اُنْتُظِرَ بُلُوغُهُ وَرُشْدُهُ) لِيَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ ; لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلِاسْتِيفَاءِ، وَلَا يَصْلُحُ لَهُ، فَانْتُظِرَتْ أَهْلِيَّتُهُ. وَيُحْبَسُ الْجَانِي إلَى أَنْ يَصِيرَ اللَّقِيطُ أَهْلًا (إلَّا أَنْ يَكُونَ) اللَّقِيطُ (فَقِيرًا فَيَلْزَمُ الْإِمَامَ الْعَفْوُ عَلَى مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ) مِنْهُ مِنْ الْمَالِ بِحَيْثُ يَكُونُ فِيهِ حَظٌّ لِلَّقِيطِ. وَسَوَاءٌ كَانَ عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَهُ فِي شَرْحِهِ وَصَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ. وَيَأْتِي فِي بَابِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ: لَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّغِيرِ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ بِخِلَافِ وَلِيِّ الْمَجْنُونِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ هُنَا. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمْ
. (وَإِنْ ادَّعَى جَانٍ عَلَيْهِ) أَيْ: اللَّقِيطِ جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الْمَالَ رِقَّهُ (أَوْ) ادَّعَى (قَاذِفُهُ رِقَّهُ وَكَذَّبَهُ لَقِيطٌ بَالِغٌ فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ) ; لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ. فَقَوْلٌ مُوَافِقٌ لِلظَّاهِرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَذَفَ مُحْصَنًا وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ الْحُرِّ. وَلِلَّقِيطِ إذَا بَلَغَ طَلَبُ حَدِّ الْقَذْفِ وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ الْجَانِي. وَإِنْ كَانَ حُرًّا وَإنْ صَدَّقَهُ لَقِيطٌ بَالِغٌ عَلَى رِقِّهِ، لَمْ يَجِبْ سِوَى مَا يَجِبُ بِقَذْفِ رَقِيقٍ، أَوْ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ قَاذِفًا فَادَّعَى أَنَّهُ عَبْدٌ لِيَجِبَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ
. (وَإِنْ ادَّعَى أَجْنَبِيٌّ) أَيْ: غَيْرُ وَاجِدِهِ (رِقَّهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (وَهُوَ بِيَدِهِ) أَيْ: الْمُدَّعِي رِقَّهُ (صُدِّقَ) الْمُدَّعِي لِدَلَالَةِ الْيَدِ عَلَى الْمِلْكِ (بِيَمِينِهِ) لِإِمْكَانِ عَدَمِ الْمِلْكِ حَيْثُ كَانَ اللَّقِيطُ دُونَ التَّمْيِيزِ، أَوْ مَجْنُونًا ثُمَّ بَلَغَ. قَالَ: أَنَا حُرٌّ لَمْ يُقْبَلْ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. وَأَمَّا إنْ كَانَ بَالِغًا حِينَ الدَّعْوَى أَوْ مُمَيِّزًا. وَقَالَ: أَنَا حُرٌّ فَإِنَّهُ يُخْلَى سَبِيلُهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِرِقِّهِ (وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ) أَيْ اللَّقِيطِ إذَا ادَّعَاهُ (مَعَ) بَقَاءِ (رِقِّهِ) لِسَيِّدِهِ وَلَوْ مَعَ بَيِّنَةٍ بِنَسَبِهِ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدَّعِيهِ امْرَأَةً حُرَّةً فَتَثْبُتُ حُرِّيَّتُهُ فَإِنْ ادَّعَى مُلْتَقِطُهُ رِقَّهُ أَوْ ادَّعَاهُ أَجْنَبِيٌّ، وَلَيْسَ بِيَدِهِ لَمْ يُصَدَّقْ لِأَنَّهَا تُخَالِفُ الظَّاهِرَ بِخِلَافِ دَعْوَى النَّسَبِ ; لِأَنَّ دَعْوَاهُ يَثْبُتُ بِهَا حَقُّ اللَّقِيطِ، وَدَعْوَى الرِّقِّ يَثْبُتُ بِهَا حَقٌّ عَلَيْهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ بِمُجَرَّدِهَا كَرِقِّ غَيْرِ اللَّقِيطِ (وَإِلَّا) يَكُنْ اللَّقِيطُ بِيَدِ الْأَجْنَبِيِّ الْمُدَّعِي لِرِقِّهِ (فَشَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِيَدٍ) بِأَنْ قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِهِ حُكِمَ لَهُ بِالْيَدِ (وَحَلَفَ أَنَّهُ)
стр. 1041
أَيْ: اللَّقِيطَ (مِلْكُهُ) حُكِمَ لَهُ بِهِ، ; لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ (أَوْ) شَهِدَتْ لَهُ (بَيِّنَةٌ بِمِلْكٍ) بِأَنْ شَهِدَا أَنَّهُ مِلْكُهُ أَوْ جَارٍ فِي مِلْكِهِ. أَوْ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ رَقِيقُهُ أَوْ قِنٍّ حُكِمَ لَهُ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا سَبَبَ الْمِلْكِ كَمَا لَوْ شَهِدَا بِمِلْكِ دَارٍ أَوْ ثَوْبٍ (أَوْ) شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ (أَنَّ أَمَتَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (وَلَدَتْهُ) أَيْ: اللَّقِيطَ (فِي مِلْكِهِ) أَيْ: الْمُدَّعِي (حُكِمَ لَهُ بِهِ) ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَا تَلِدُ فِي مِلْكِهِ إلَّا مَا مَلَكَهُ. فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ ابْنُ أَمَتِهِ أَوْ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ وَلَمْ تَقُلْ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ بِذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ تَلِدَهُ قَبْلَ مِلْكِهِ لَهَا، فَلَا يَكُونُ لَهُ مَعَ كَوْنِهِ ابْنَ أَمَتِهِ وَكَوْنِهَا وَلَدَتْهُ. وَهَلْ يَكْفِي فِي الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ: امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا. وَبِهِ جَزَمَ فِي الْمُغْنِي، أَوْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ عَنْ قَوْلِ الْقَاضِي: إنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ (وَإِنْ ادَّعَاهُ) أَيْ: رِقَّ اللَّقِيطِ (مُلْتَقِطُهُ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِمِلْكِهِ لَهُ، أَوْ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ فَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُلْتَقِطَهُ (وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ) أَيْ: الرِّقَّ (لَقِيطٌ بَالِغٌ) بِأَنْ قَالَ: أَنَا مِلْكُ زَيْدٍ (لَمْ يُقْبَلْ) إقْرَارُهُ وَلَوْ صَدَّقَهُ زَيْدٌ، أَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالْحُرِّيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يُبْطِلُ بِهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحُرِّيَّةِ الْمَحْكُومِ بِهَا، وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْحُرِّيَّةِ ; وَلِأَنَّ الطِّفْلَ الْمَنْبُوذَ لَا يَعْرِفُ رِقَّ نَفْسِهِ وَلَا حُرِّيَّتَهَا، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ حَالٌ يَعْرِفُ بِهِ رِقَّ نَفْسِهِ، وَإِنْ قَالَ بِرِقِّ لَقِيطٍ مُكَلَّفٍ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ سُمِعَتْ وَحُكِمَ بِهَا، فَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ تَصَرَّفَ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، نُقِضَتْ تَصَرُّفَاتُهُ لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.
(وَ) إنْ أَقَرَّ لَقِيطٌ بَالِغٌ (بِكُفْرٍ وَقَدْ نَطَقَ بِإِسْلَامٍ وَهُوَ يَعْقِلُهُ) أَيْ: الْإِسْلَامَ (أَوْ) أَقَرَّ بِهِ لَقِيطٌ بَالِغٌ (مُسْلِمٌ حُكْمًا) تَبَعًا لِلدَّارِ (فَ) هُوَ (مُرْتَدٌّ) يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ ابْنٌ مُسْلِمٌ (وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ) أَيْ: بِأَنَّ اللَّقِيطَ وَلَدُهُ (مَنْ يُمْكِنُ كَوْنُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِنْهُ) أَيْ: الْمُقِرِّ بِهِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمُقِرُّ الْمُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ كَافِرًا أَوْ رَقِيقًا أَوْ (أُنْثَى ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ) ذَاتَ (نَسَبٍ مَعْرُوفٍ) أَوْ إخْوَةٍ (أُلْحِقَ) اللَّقِيطُ (وَلَوْ) كَانَ اللَّقِيطُ (مَيِّتًا بِهِ) أَيْ: بِالْمُقِرِّ. لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ لِلَّقِيطِ. لِاتِّصَالِ نَسَبِهِ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ. فَقُبِلَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ، وَلِأَنَّ الْأُنْثَى أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فَثَبَتَ النَّسَبُ بِدَعْوَاهَا كَالْأَبِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا كَمَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْ الرَّجُلِ بَلْ أَكْثَرُ ; لِأَنَّهَا تَأْتِي بِهِ مِنْ زَوْجٍ وَمِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ. وَيَلْحَقُهَا وَلَدُهَا مِنْ الزِّنَا دُونَ الرَّجُلِ. وَ (لَا) يَلْحَقُ (بِزَوْجِ) امْرَأَةٍ (مُقِرَّةٍ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يُولَدْ عَلَى
стр. 1042
فِرَاشِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ. وَكَمَا لَوْ ادَّعَى الرَّجُلُ نَسَبَهُ لَمْ يَلْحَقْ بِزَوْجَتِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَلِدَهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَلَا يَتْبَعُ) رَقِيقًا ادَّعَى نَسَبَهُ (فِي رِقٍّ) ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَبَعِيَّةِ النَّسَبِ الرِّقُّ (وَلَا) يَتْبَعُ (كَافِرًا) ادَّعَى نَسَبَهُ (فِي دِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ) مُدَّعِيهِ الْكَافِرُ (بَيِّنَةً أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) فَيَلْحَقُهُ فِي دِينِهِ لِثُبُوتِ أَنَّهُ وَلَدُ ذِمِّيَّيْنِ. وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَقِيطًا مَا دَامَ حَيًّا كَافِرًا إذْ لَوْ مَاتَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ بُلُوغِهِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ
. (وَإِنْ ادَّعَاهُ) أَيْ: اللَّقِيطَ (اثْنَانِ) رَجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقُولُ: إنَّهُ وَلَدُهُ (فَأَكْثَرُ مَعًا) فَإِنْ ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ لَحِقَ بِالْأَوَّلِ إلَّا أَنْ تُلْحِقَهُ الْقَافَةُ بِالثَّانِي فَيَلْحَقُ بِهِ وَيَنْقَطِعُ نَسَبُهُ مِنْ الْأَوَّلِ (قُدِّمَ) بِهِ (مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ) لِأَنَّهَا عَلَامَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى إظْهَارِ الْحَقِّ، (فَإِنْ تَسَاوَوْا) أَيْ: الْمُدَّعُونَ (فِيهَا) أَيْ: الْبَيِّنَةِ بِأَنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمْ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا خَارِجًا وَإِلَّا قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ (أَوْ) تَسَاوَوْا (فِي عَدَمِهَا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ، (عُرِضَ) اللَّقِيطُ (مَعَ) كُلِّ (مُدَّعٍ) مَوْجُودٍ (أَوْ) مَعَ (أَقَارِبِهِ) أَيْ: الْمُدَّعِي كَأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَأَخِيهِ وَابْنِهِ وَابْنِ ابْنِهِ (إنْ) كَانَ (مَاتَ: عَلَى الْقَافَةِ) وَهُمْ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ الْأَنْسَابَ بِالشَّبَهِ وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِقَبِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ مَنْ عُرِفَتْ مِنْهُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ، وَتَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْإِصَابَةُ فَهُوَ قَائِفٌ، (فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ) الْقَافَةُ (بِوَاحِدٍ) لَحِقَ بِهِ لِقَضَاءِ عُمَرَ ﵁ وَلَمْ يُنْكَرْ. فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ " لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْرُورًا " وَحَدِيثُ الْمُلَاعَنَةِ (أَوْ) أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ (بِاثْنَيْنِ) مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ لَهُ (حَقُّ) نَسَبِهِ بِهِمَا. لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ " فِي امْرَأَةٍ وَطِئَهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ، فَقَالَ الْقَائِفُ: قَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعًا فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا " وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ " وَعَلِيٌّ يَقُولُ: هُوَ ابْنُهُمَا وَهُمَا أَبَوَاهُ يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ " رَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ عَنْ عُمَرَ (فَيَرِثُ) اللَّقِيطُ (كُلًّا مِنْهُمَا) أَيْ الِاثْنَيْنِ الْمُلْحَقِ بِهِمَا (إرْثَ وَلَدٍ) فَإِنْ لَمْ يَخْلُفَا غَيْرَهُ وَرِثَ جَمِيعَ مَالِهِمَا (وَيَرِثَانِهِ) جَمِيعًا (إرْثَ أَبٍ) وَاحِدٍ (وَإِنْ وَصَّى لَهُ قَبِلَا) الْوَصِيَّةَ لَهُ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ أَبٍ وَاحِدٍ، وَكَذَا لَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ اشْتَرَيَا لَهُ وَنَحْوَهُ أَوْ زَوَّجَاهُ (وَإِنْ خَلَّفَ) مُلْحَقٌ بِاثْنَيْنِ (أَحَدَهُمَا فَلَهُ) أَيْ: الْمُخَلَّفُ مِنْهُمَا (إرْثُ أَبٍ كَامِلٍ وَنَسَبُهُ) مَعَ ذَلِكَ (ثَابِتٌ مِنْ الْمَيِّتِ) لَا يُزِيلُهُ شَيْءٌ، كَمَا أَنَّ الْجَدَّةَ إذَا انْفَرَدَتْ أَخَذَتْ مَا تَأْخُذُهُ الْجَدَّاتُ. وَالزَّوْجَةُ وَحْدَهَا تَأْخُذُ مَا تَأْخُذُهُ الزَّوْجَاتُ (وَلِأُمَّيْ أَبَوَيْهِ) إذَا مَاتَ وَخَلَفَهُمَا (مَعَ أُمِّ أُمٍّ) وَعَاصِبٍ (نِصْفُ سُدُسٍ) لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ جَدَّةٍ لِأَبٍ (وَلَهَا) أَيْ: أُمِّ أُمِّهِ
стр. 1043
(نِصْفُهُ) أَيْ: السُّدُسِ كَمَا لَوْ كَانَتْ مَعَ أُمِّ أَبٍ وَاحِدٍ (وَكَذَا لَوْ أَلْحَقَتْهُ) الْقَافَةُ (بِأَكْثَرَ) مِنْ اثْنَيْنِ فَيَلْحَقُ بِهِمْ، وَإِنْ كَثَرُوا، ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ أُلْحِقَ بِالِاثْنَيْنِ مَوْجُودٌ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ. وَإِذَا جَازَ أَنْ يُخْلَقَ مِنْ اثْنَيْنِ جَازَ أَنْ يُخْلَقَ مِنْ أَكْثَرَ (، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَافَةٌ) وَقَدْ ادَّعَاهُ الِاثْنَانِ فَأَكْثَرُ ضَاعَ نَسَبُهُ. فَإِنْ وُجِدَتْ وَلَوْ بَعِيدَةً ذَهَبُوا إلَيْهَا (أَوْ نَفَتْهُ) الْقَافَةُ عَمَّنْ ادَّعَيَاهُ أَوْ ادَّعَوْهُ (أَوْ أُشْكِلَ أَمْرُهُ) عَلَى الْقَافَةِ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ فِيهِ شَيْءٌ (اخْتَلَفَ) فِيهِ (قَائِفَانِ) فَأَلْحَقَهُ أَحَدُهُمَا بِوَاحِدٍ وَالْآخَرُ بِآخَرَ (أَوْ) اخْتَلَفَ قَائِفَانِ (اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ) مِنْ الْقَافَةِ، بِأَنْ قَالَ اثْنَانِ مِنْهُمْ: هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، وَثَلَاثَةٌ: هُوَ ابْنُ عَمْرٍو (ضَاعَ نَسَبُهُ) ; لِتَعَارُضِ الدَّلِيلِ وَلِأَمْرٍ مُرَجِّحٍ لِبَعْضِ مَنْ يَدَّعِيهِ. أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يُدَّعَ نَسَبُهُ. وَلَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمْ بِذِكْرِ عَلَامَةٍ فِي جَسَدِهِ. وَإِنْ ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيطِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ أُلْحِقَ بِهِمَا جَمِيعًا لِعَدَمِ التَّنَافِي. ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُمَا بِنِكَاحٍ بَيْنَهُمَا أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ (وَيُؤْخَذُ بِ) قَوْلِ قَائِفَيْنِ (اثْنَيْنِ خَالَفَهُمَا) قَائِفٌ (ثَالِثٌ) نَصًّا (كَبَيْطَارَيْنِ) خَالَفَهُمَا بَيْطَارٌ فِي عَيْبٍ، (وَ) كَ (طَبِيبَيْنِ) خَالَفَهُمَا طَبِيبٌ (فِي عَيْبٍ) قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ: وَيَثْبُتُ النَّسَبُ (وَلَوْ رَجَعَ عَنْ دَعْوَاهُ) النَّسَبَ (مَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ الْقَافَةُ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ الرُّجُوعُ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ (وَمَعَ عَدَمِ إلْحَاقِهَا) أَيْ: الْقَافَةِ (بِوَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ) مُدَّعِيَيْنِ لِنَسَبِهِ (فَرَجَعَ أَحَدُهُمَا) عَنْ دَعْوَاهُ (يُلْحَقُ بِالْآخَرِ) لِزَوَالِ الْمُعَارَضَةِ وَلَا يَضِيعُ نَسَبُهُ (وَيَكْفِي قَائِفٌ وَاحِدٌ) فِي إلْحَاقِ النَّسَبِ (وَهُوَ كَحَاكِمٍ فَيَكْفِي مُجَرَّدُ خَبَرِهِ) ; لِأَنَّهُ يَنْفُذُ مَا يَقُولُ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ. فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِوَاحِدٍ ثُمَّ أَلْحَقَهُ بِآخَرَ كَانَ لَاحِقًا بِالْأَوَّلِ فَقَطْ ; لِأَنَّ إلْحَاقَهُ جَرَى مَجْرَى حُكْمِ الْحَاكِمِ فَلَا يَنْقَضِي بِمُخَالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ، وَكَذَا لَوْ أَلْحَقَهُ بِوَاحِدٍ ثُمَّ عَادَ فَأَلْحَقَهُ بِآخَرَ. وَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ حُكِمَ لَهُ بِهِ وَسَقَطَ قَوْلُ الْقَائِفِ ; لِأَنَّهُ بَدَلٌ فَيَسْقُطُ بِوُجُودِ الْأَصْلِ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْمَاءِ (وَشَرْطُ كَوْنِهِ) أَيْ: الْقَائِفِ (ذَكَرًا) ; لِأَنَّ الْقَافَةَ حُكْمٌ مُسْتَنِدُهَا النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ. فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الذُّكُورَةُ كَالْقَضَاءِ (عَدْلًا) ; لِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَعُلِمَ مِنْهُ اشْتِرَاطُ إسْلَامِهِ بِالْأَوْلَى (حُرًّا) ; لِأَنَّهُ كَحَاكِمٍ (مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ) ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ عِلْمِيٌّ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِعِلْمِهِ لَهُ وَطَرِيقَةِ التَّجْرِبَةِ فِيهِ. وَيَكْفِي أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْإِصَابَةِ وَصِحَّةِ الْمَعْرِفَةِ فِي مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ
(وَكَذَا) أَيْ: كَاللَّقِيطِ (إنْ وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً) بِلَا زَوْجٍ (بِشُبْهَةٍ) فِي طُهْرٍ (أَوْ) وَطِئَا (أَمَتَهُمَا) الْمُشْتَرَكَةَ (فِي طُهْرٍ أَوْ) وَطِئَ (أَجْنَبِيٌّ بِشُبْهَةٍ زَوْجَةً) لِآخَرَ (أَوْ سُرِّيَّةً لِآخَرَ)
стр. 1044
هِيَ فِرَاشٌ لَهُ (وَ) قَدْ (أَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُمَا) أَيْ: الْوَاطِئَيْنِ فَيَرَى الْقَافَةُ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: سَوَاءٌ ادَّعَيَاهُ أَوْ جَحَدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا. وَقَدْ ثَبَتَ الِافْتِرَاشُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَشَرَطَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي وَطْءِ الزَّوْجَةِ أَنْ يَدَّعِيَ الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ، فَعَلَى قَوْلِهِ إنْ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ اخْتَصَّ بِهِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ. وَبِقَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ جَزَمَ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُقْنِعِ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ كَمَا فِي شَرْحِهِ (وَلَيْسَ لِزَوْجٍ) وُطِئَتْ زَوْجَتُهُ بِشُبْهَةٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ وَ (أُلْحِقَ بِهِ) الْوَلَدُ بِإِلْحَاقِ الْقَافَةِ لَهُ وَجَحْدِهِ (اللِّعَانَ لِنَفْيِهِ) لِعَدَمِ شَرْطِهِ. وَهُوَ سَبْقُ الْقَذْفِ.
стр. 1045
[كِتَابُ الْوَقْفِ]
ِ مَصْدَرُ وَقَفَ الشَّيْءَ إذَا حَبَسَهُ وَأَحْبَسَهُ، وَأَوْقَفَهُ لُغَةٌ شَاذَّةٌ كَأَحْبَسَهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يُحَبِّسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِنَّمَا حَبَّسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ. وَهُوَ مِنْ الْقُرَبِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَصَبْتُ مَالًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ قَطُّ مَالًا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهِ؟ قَالَ: إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ. قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ» وَفِي لَفْظٍ " غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِحَدِيثِ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ جَابِرٌ " لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ذُو مَقْدِرَةٍ إلَّا وَقَفَ " وَهُوَ شَرْعًا (تَحْبِيسُ مَالِكٍ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ مَالَهُ الْمُنْتَفَعَ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ بِقَطْعِ تَصَرُّفِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَحْبِيسٍ عَلَى أَنَّهُ مُبَيِّنٌ لَهُ، أَيْ: إمْسَاكِ الْمَالِ عَنْ أَسْبَابِ التَّمَلُّكَاتِ بِقَطْعِ تَصَرُّفِ مَالِكِهِ (وَغَيْرُهُ فِي رَقَبَتِهِ) بِشَيْءٍ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ (يَصْرِفُ رِيعَهُ) أَيْ: غَلَّةَ الْمَالِ وَثَمَرَتَهُ وَنَحْوهَا بِسَبَبِ تَحْبِيسِهِ (إلَى جِهَةِ بِرٍّ) يُعَيِّنُهَا وَاقِفُهُ (تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى) بِأَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْقُرْبَةَ. وَهَذَا الْحَدُّ لِصَاحِبِ الْمُطْلِعِ، وَتَبِعَهُ الْمُنَقِّحُ عَلَيْهِ وَتَابَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ. وَاسْتَظْهَرَ فِي شَرْحِهِ أَنَّ قَوْلَهُ " تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى " إنَّمَا هُوَ فِي وَقْفٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقِفُ عَلَى غَيْرِهِ تَوَدُّدًا أَوْ عَلَى أَوْلَادِهِ خَشْيَةَ بَيْعِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِتْلَافِ ثَمَنِهِ،
стр. 1046
أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ فَيُبَاعُ فِي دَيْنِهِ، أَوْ رِيَاءٍ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ وَقْفٌ لَازِمٌ لَا ثَوَابَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْتَغِ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ مِنْ نَحْوِ مُكَاتَبٍ وَسَفِيهٍ، وَلَا وَقْفُ نَحْوِ الْكَلْبِ وَالْخَمْرِ، وَلَا نَحْوِ الْمَطْعُومِ وَالْمَشْرُوبِ إلَّا الْمَاءُ وَيَأْتِي
. وَأَرْكَانُهُ: وَاقِفٌ، وَمَوْقُوفٌ، وَمَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وَالصِّيغَةُ. وَهِيَ فِعْلِيَّةٌ وَقَوْلِيَّةٌ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأُولَى بِقَوْلِهِ: (وَيَحْصُلُ) الْوَقْفُ حُكْمًا (بِفِعْلٍ مَعَ) شَيْءٍ (دَالٍّ عَلَيْهِ) أَيْ: الْوَقْفِ (عُرْفًا) لِمُشَارَكَتِهِ الْقَوْلَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ (كَأَنْ يَبْنِي بُنْيَانًا عَلَى هَيْئَةِ مَسْجِدٍ وَيَأْذَنَ إذْنًا عَامًّا فِي الصَّلَاةِ فِيهِ) وَلَوْ بِفَتْحِ الْأَبْوَابِ أَوْ التَّأْذِينِ أَوْ كِتَابَةِ لَوْحٍ بِالْإِذْنِ أَوْ الْوَقْفِ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ بَيْتَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَأَذَّنَ فِيهِ وَلَوْ نَوَى خِلَافَهُ. نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ. أَيْ: لَا أَثَرَ لِنِيَّةٍ خِلَافَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ (حَتَّى لَوْ كَانَ) مَا بَنَاهُ عَلَى هَيْئَةِ الْمَسْجِدِ وَأَذِنَ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ (سُفْلَ بَيْتِهِ أَوْ عُلْوَهُ أَوْ وَسَطَهُ) فَيَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْتِطْرَاقًا كَمَا لَوْ بَاعَهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ (وَيَسْتَطْرِقُ) إلَيْهِ عَلَى الْعَادَةِ كَمَا لَوْ أَجَّرَهُ وَأَطْلَقَ (أَوْ) يَبْنِي (بَيْتًا) يَصْلُحُ (لِقَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ تَطَهُّرٍ وَيَشْرَعُهُ) أَيْ: يَفْتَحُ بَابَهُ إلَى الطَّرِيقِ (أَوْ يَجْعَلُ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأْذَنُ) لِلنَّاسِ (إذْنًا عَامًّا بِالدَّفْنِ فِيهَا) بِخِلَافِ الْإِذْنِ الْخَاصِّ. فَقَدْ يَقَعُ عَلَى غَيْرِ الْمَوْقُوفِ فَلَا يُفِيدُ دَلَالَةَ الْوَقْفِ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ. وَأَشَارَ إلَى الصِّيغَةِ الْقَوْلِيَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَحْصُلُ بِ (قَوْلٍ) وَكَذَا إشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ مِنْ أَخْرَسَ، (وَصَرِيحُهُ: وَقَفْتُ وَحَبَسْتُ وَسَبَّلْتُ) ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ وَالشَّرْعِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَسَبَّلْتَ ثَمَرَهَا» فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فِي الْوَقْفِ كَلَفْظِ التَّطْلِيقِ فِي الطَّلَاقِ، وَإِضَافَةُ التَّحْبِيسِ إلَى الْأَصْلِ وَالتَّسْبِيلِ إلَى الثَّمَرَةِ لَا يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مُحَبَّسَةٌ أَيْضًا عَلَى مَا شُرِطَ صَرْفُهَا إلَيْهِ. وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَقَدْ سَبَقَ لَهَا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي غَيْرِ الْوَقْفِ هِيَ أَعَمُّ مِنْ الْوَقْفِ، فَلَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ بِهَا إلَّا بِقَيْدٍ يُخْرِجُهَا عَنْ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ. وَلِهَذَا كَانَتْ كِنَايَةً فِيهِ. وَفِي جَمْعِ الشَّارِعِ بَيْنَ لَفْظَتَيْ التَّحْبِيسِ وَالتَّسْبِيلِ تَبْيِينٌ لَحَالَتَيْ الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ، فَإِنْ حَقِيقَةَ الْوَقْفِ ابْتِدَاءُ تَحْبِيسِهِ، وَدَوَامًا تَسْبِيلُ مَنْفَعَتِهِ. وَلِهَذَا حَدَّ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ الْوَقْفَ بِأَنَّهُ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الثَّمَرَةِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ، (وَكِنَايَتُهُ) أَيْ الْوَقْفِ (تَصَدَّقْتُ وَحَرَّمْتُ وَأَبَّدْتُ) لِعَدَمِ خُلُوصِ كُلٍّ مِنْهَا عَنْ الِاشْتِرَاكِ. فَالصَّدَقَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي الزَّكَاةِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَالتَّحْرِيمُ
стр. 1047
صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ، وَالتَّأْبِيدُ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا يُرَادُ تَأْبِيدُهُ مِنْ وَقْفٍ وَغَيْرِهِ (وَلَا يَصِحُّ) الْوَقْفُ (بِهَا) مُجَرَّدَةً عَمَّا يَصْرِفُهَا إلَيْهِ كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ فِيهِ، لِأَنَّهَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا عُرْفٌ لُغَوِيٌّ وَلَا شَرْعِيٌّ (إلَّا بِنِيَّةِ) الْوَقْفِ فَمَنْ أَتَى بِكِنَايَةٍ وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ نَوَى بِهَا الْوَقْفَ لَزِمَهُ حُكْمًا ; لِأَنَّهَا بِالنِّيَّةِ صَارَتْ ظَاهِرَةً فِيهِ وَإِنْ قَالَ: مَا أَرَدْتُ بِهَا الْوَقْفَ قُبِلَ قَوْلِهِ ; لِأَنَّ نِيَّتَهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ، (أَوْ قَرَنَهَا) أَيْ: الْكِنَايَةَ فِي اللَّفْظِ (بِأَحَدِ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ) وَهِيَ: الصَّرَائِحُ الثَّلَاثُ وَالْكِنَايَتَانِ (كَ) قَوْلِهِ (تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً أَوْ) تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً (مُحَبَّسَةً أَوْ) تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً (مُسَبَّلَةً أَوْ) تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً (مُحَرَّمَةً أَوْ) تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً (مُؤَبَّدَةً أَوْ) قَرَنَ الْكِنَايَةَ (بِحُكْمِ الْوَقْفِ كَ) قَوْلِهِ: تَصَدَّقْتُ بِهِ صَدَقَةً (لَا تُبَاعُ أَوْ) صَدَقَةً (لَا تُوهَبُ أَوْ) صَدَقَةً (لَا تُورَثُ أَوْ) تَصَدَّقْتُ بِدَارِي (عَلَى قَبِيلَةِ) كَذَا (أَوْ) عَلَى (طَائِفَةِ كَذَا) ; لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْوَقْفِ فَانْتَفَتْ الشَّرِكَةُ. وَكَذَا تَصَدَّقْتُ بِأَرْضِي أَوْ دَارِي عَلَى زَيْدٍ وَالنَّظَرُ لِي أَيَّامَ حَيَاتِي، أَوْ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ زَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو، أَوْ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ عَلَى مَسْجِدِ كَذَا وَنَحْوِهِ (فَلَوْ قَالَ: تَصَدَّقْتُ بِدَارِي عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ الْوَقْفَ وَأَنْكَرَ زَيْدٌ) إرَادَةَ الْوَقْفِ وَأَنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ فِي رَقَبَتِهَا بِمَا أَرَادَ قُبِلَ قَوْلُ زَيْدٍ، وَ (لَمْ تَكُنْ وَقْفًا) لِمُخَالَفَةِ قَوْلِ الْمُتَصَدِّقِ لِلظَّاهِرِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فَيُعَايَا بِهَا.
[فَصْلٌ شُرُوطُ الْوَقْفِ]
(فَصْلٌ وَشُرُوطُهُ) أَيْ: الْوَقْفِ (أَرْبَعَةٌ) أَحَدُهَا (مُصَادَفَتُهُ عَيْنًا يَصِحُّ بَيْعُهَا وَيُنْتَفَعُ بِهَا) انْتِفَاعًا (عُرْفًا كَإِجَارَةٍ) بِأَنْ يَكُونَ النَّفْعُ مُبَاحًا بِلَا ضَرُورَةٍ، مَقْصُودًا مُتَقَوِّمًا يُسْتَوْفَى (مَعَ بَقَائِهَا) أَيْ: الْعَيْنِ ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلدَّوَامِ لِيَكُونَ صَدَقَةً جَارِيَةً. وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِيمَا لَا تَبْقَى عَيْنُهُ (أَوْ) مُصَادَفَةُ الْوَقْفِ (جُزْءًا مُشَاعًا مِنْهَا) أَيْ: الْعَيْنِ الْمُتَّصِفَةِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ. لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ قَالَ: الْمِائَةُ سَهْمِ الَّتِي بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَعْجَبَ إلَيَّ مِنْهَا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ احْبِسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى بَعْضِ
стр. 1048
الْجُمْلَةِ مُفْرَدًا، فَجَازَ عَلَيْهِ مُشَاعًا كَالْبَيْعِ. وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَقُولَ كَذَا سَهْمًا مِنْ كَذَا سَهْمًا. قَالَهُ أَحْمَدُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ثُمَّ يَتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُشَاعَ لَوْ وَقَفَهُ مَسْجِدًا ثَبَتَ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي الْحَالِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ الْجُنُبُ. ثُمَّ الْقِسْمَةُ مُتَعَيَّنَةٌ هُنَا لِتَعَيُّنِهَا طَرِيقًا لِلِانْتِفَاعِ بِالْمَوْقُوفِ. وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ (مَنْقُولَةً) كَانَتْ (كَحَيَوَانٍ) كَوَقْفِ فَرَسٍ عَلَى الْغُزَاةِ أَوْ عَبْدٍ لِخِدْمَةِ الْمَرْضَى.
وَفِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَوْ وَقَفَ نِصْفَ عَبْدِهِ صَحَّ وَلَمْ يَسْرِ إلَى بَقِيَّتِهِ (وَأَثَاثٍ) كَبِسَاطٍ يَقِفُهُ لِيَفْرِشَهُ بِمَسْجِدٍ (وَسِلَاحٍ) كَسَيْفٍ أَوْ رُمْحٍ أَوْ قَوْسٍ يَقِفُهُ عَلَى الْغُزَاةِ (وَحُلِيٍّ) يَقِفُهُ (عَلَى لُبْسٍ وَعَارِيَّةٍ) لِمَنْ يَحِلُّ لَهُ. فَإِنْ أَطْلَقَ لَمْ يَصِحَّ قَطَعَ بِهِ فِي الْفَائِقِ وَالْإِقْنَاعِ (أَوْ لَا) أَيْ: أَوْ لَمْ تَكُنْ الْعَيْنُ مَنْقُولَةً (كَعَقَارٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ حَسَنَاتٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِقَوْلِهِ ﷺ «أَمَّا خَالِدٌ فَقَدْ حَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: الْأَعْتَادُ مَا يَعُدُّهُ الرَّجُلُ مِنْ مَرْكُوبِ وَسِلَاحٍ وَآلَةِ الْجِهَادِ، وَلِحَدِيثِ عُمَرَ وَتَقَدَّمَ وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ نَافِعٍ " «أَنَّ حَفْصَةَ ابْتَاعَتْ حُلِيًّا بِعِشْرِينَ أَلْفًا حَبَسَتْهُ عَلَى نِسَاءِ آلِ الْخَطَّابِ فَكَانَتْ لَا تُخْرِجُ زَكَاتَهُ» وَمَا عَدَا الْمَذْكُورِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ. وَإِذَا وَقَفَ عَقَارًا مَشْهُورًا لَمْ يُشْتَرَطْ ذِكْرُ حُدُودِهِ نَصًّا وَ (لَا) يَصِحُّ الْوَقْفُ إنْ صَادَفَ (ذِمَّةً كَدَارٍ وَعَبْدٍ) وَلَوْ مَوْصُوفًا (وَ) صَادَفَ (مُبْهَمًا كَأَحَدِ هَذَيْنِ) الْعَبْدَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا، لِأَنَّهُ نَقْلُ الْمِلْكِ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ، فَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْهِبَةِ. وَكَذَا لَا يَصِحُّ وَقْفُ مَنْفَعَةٍ. وَهَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ " مُصَادَفَتُهُ عَيْنًا "
(أَوْ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ (مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَأُمِّ وَلَدٍ وَكَلْبٍ) وَلَوْ لِنَحْوِ صَيْدٍ (وَمَرْهُونٍ) ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا وَالْوَقْفُ تَصَرُّفٌ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ (أَوْ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ كَمَطْعُومٍ) وَمَشْرُوبِ غَيْرِ مَاءٍ (وَمَشْمُومٍ) لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، بِخِلَافِ نَدٍّ وَصَنْدَلٍ وَقِطَعِ كَافُورٍ. فَيَصِحُّ وَقْفُهُ لِشَمِّ مَرِيضٍ وَغَيْرِهِ.
(وَ) كَ (أَثْمَانٍ) وَلَوْ لِتَحَلٍّ وَوَزْنٍ (كَقِنْدِيلٍ مِنْ نَقْدٍ عَلَى مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَحَلَقَةِ فِضَّةٍ تُجْعَلُ فِي بَابِهِ وَوَقْفُ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ لِيُنْتَفَعَ بِاقْتِرَاضِهَا، لِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِإِتْلَافِهِ. لَا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ، فَيُزَكِّي النَّقْدَ رَبُّهُ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ (إلَّا تَبَعًا كَفَرَسٍ) وُقِفَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (بِلِجَامٍ وَسَرْجٍ مُفَضَّضَيْنِ) فَيَصِحُّ الْوَقْفُ فِي الْكُلِّ. فَإِنْ بِيعَتْ الْفِضَّةُ مِنْ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ وَجُعِلَ ثَمَنُهُ
стр. 1049
فِي وَقْفٍ مِثْلِهِ فَحَسَنٌ. لِأَنَّ الْفِضَّةَ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا. أَشْبَهَ الْفَرَسَ الْحَبِيسَ إذَا عَطِبَ. وَلَا تُصْرَفُ فِي نَفَقَةِ الْفَرَسِ نَصًّا، لِأَنَّهُ صَرْفٌ لَهَا إلَى غَيْرِ جِهَتِهَا.
وَفِي الْإِقْنَاعِ تَبَعًا لِلِاخْتِيَارَاتِ: تُصْرَفُ فِي نَفَقَتِهِ. وَكَذَا لَوْ وَقَفَ حُلِيًّا وَأَطْلَقَ لَمْ يَصِحَّ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: كَوْنُهُ) أَيْ الْوَقْفِ (عَلَى بِرٍّ) مُسْلِمًا كَانَ الْوَاقِفُ أَوْ ذِمِّيًّا نَصًّا (كَ) الْوَقْفِ عَلَى (الْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْأَقَارِبِ) لِأَنَّهُ شُرِعَ لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى بِرٍّ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ الَّذِي شُرِعَ لِأَجْلِهِ. فَلَا يَصِحُّ عَلَى طَائِفَةِ الْأَغْنِيَاءِ. وَلَا عَلَى طَائِفَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا عَلَى صِنْفٍ مِنْهُمْ (وَيَصِحُّ مِنْ ذِمِّيٍّ عَلَى مُسْلِمٍ مُعَيَّنٍ) أَوْ طَائِفَةٍ. كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ (وَعَكْسِهِ) أَيْ وَيَصِحُّ مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى ذِمِّيٍّ مُعَيَّنٍ، لِمَا رُوِيَ " أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ زَوْجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَفَتْ عَلَى أَخٍ لَهَا يَهُودِيٍّ " وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لِلْقُرْبَةِ لِجَوَازِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ الذِّمِّيُّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ (أَجْنَبِيًّا) مِنْ الْوَاقِفِ (وَيَسْتَمِرُّ) الْوَقْفُ (لَهُ) أَيْ الذِّمِّيِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (إذَا أَسْلَمَ وَيَلْغُو شَرْطُهُ) أَيْ الْوَاقِفِ (مَا دَامَ كَذَلِكَ) أَيْ ذِمِّيًّا لِئَلَّا يَخْرُجَ الْوَقْفُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْبَةً.
وَ (لَا) يَصِحُّ الْوَقْفُ (عَلَى كَنَائِسَ) جَمْعُ كَنِيسَةٍ مُتَعَبَّدِ الْيَهُودِ أَوْ النَّصَارَى أَوْ الْكُفَّارِ. قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ (أَوْ) عَلَى (بُيُوتِ نَارٍ) تَعْبُدُهَا الْمَجُوسُ (أَوْ) عَلَى (بِيَعٍ) جَمْعُ بِيعَةٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مُتَعَبَّدِ النَّصَارَى (وَنَحْوِهَا) كَصَوَامِعِ الرُّهْبَانِ (وَلَوْ) كَانَ الْوَقْفُ عَلَيْهَا (مِنْ ذِمِّيٍّ) لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَإِعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى إظْهَارِ الْكُفْرِ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى ذِمِّيٍّ مُعَيَّنٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ الْوَاقِفِ عَلَيْهِ لِأَجْلِ دِينِهِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ لِفَقْرِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ وَنَحْوِهِمَا. وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ فِيهِ سَوَاءٌ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي نَصَارَى وَقَفُوا عَلَى الْبِيعَةِ ضِيَاعًا كَثِيرَةً وَمَاتُوا وَلَهُمْ أَبْنَاءٌ نَصَارَى فَأَسْلَمُوا وَالضِّيَاعُ بِيَدِ النَّصَارَى: فَلَهُمْ أَخْذُهَا وَلِلْمُسْلِمِينَ عَوْنُهُمْ حَتَّى يَسْتَخْرِجُوهَا مِنْ أَيْدِيهمْ. وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ أَيْضًا عَلَى مَنْ يَعْمُرُهَا لِأَنَّهُ يُرَادُ لِتَعْظِيمِهَا (بَلْ) يَصِحُّ الْوَقْفُ (عَلَى الْمَارِّ بِهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ) لِجَوَازِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُجْتَازِينَ وَصَلَاحِيَّتِهِمْ لِلْقُرْبَةِ، فَإِنْ خُصَّ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِوَقْفٍ عَلَى الْمَارَّةِ مِنْهُمْ لَمْ يَصِحَّ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ
(وَلَا) يَصِحُّ الْوَقْفُ (عَلَى كُتُبِ) أَيْ كِتَابَةِ (التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) أَوْ كِتَابَةِ شَيْءٍ مِنْهَا لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، لِكَوْنِهَا مَنْسُوخَةً مُبَدَّلَةً. وَلِذَلِكَ «غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ صَحِيفَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ التَّوْرَاةِ وَقَالَ: أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أَلَمْ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً؟ لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي»
стр. 1050
قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَيَلْحَقُ فِي ذَلِكَ كُتُبُ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَنَحْوِهِمَا (أَوْ) عَلَى (حَرْبِيٍّ أَوْ) عَلَى (مُرْتَدٍّ) فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى أَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ إتْلَافُهُمَا. وَالتَّضْيِيقُ عَلَيْهِمَا. وَالْوَقْفُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا.
وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَهُمْ الْمُشْتَغِلُونَ بِالْعِبَادَاتِ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ الْمُعْرِضُونَ عَنْ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ جِهَةُ بِرٍّ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ جَمَّاعًا لِلْمَالِ أَوْ لَمْ يَتَخَلَّقْ بِالْأَخْلَاقِ الْمَحْمُودَةِ وَلَا تَأَدَّبَ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ غَالِبًا أَوْ فَاسِقًا لَمْ يَسْتَحِقَّ لِأَنَّهَا آدَابٌ وَضْعِيَّةٌ، يَعْنِي قَدْ اُصْطُلِحَ عَلَى وَضْعِهَا. وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْحَارِثِيُّ الْفَقْرَ.
وَيَصِحُّ وَقْفُ عَبْدِهِ عَلَى حُجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِإِخْرَاجِ تُرَابِهَا. وَإِشْعَالِ قَنَادِيلِهَا وَإِصْلَاحِهَا لَا لِإِشْعَالِهَا وَحْدَهُ وَتَعْلِيقِ سُتُورِهَا الْحَرِيرِ وَالتَّعْلِيقُ وَكَنْسُ الْحَائِطِ وَنَحْوُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَأَبْطَلَ ابْنُ عَقِيلٍ وَقْفَ سُتُورٍ لِغَيْرِ الْكَعْبَةِ. لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ فَيُصْرَفُ لِمَصْلَحَتِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ. وَأَفْتَى أَبُو الْخَطَّابِ بِصِحَّتِهِ وَيُنْفَقُ ثَمَنُهَا عَلَى عِمَارَتِهِ وَلَا يَسْتُرُ. لِأَنَّ الْكَعْبَةَ خُصَّتْ بِذَلِكَ كَالطَّوَافِ.
وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى قُطَّاعِ طَرِيقٍ وَلَا الْمَغَانِي وَلَا الْمُتَمَسْخِرِينَ وَنَحْوِهِمْ مِنْ حَيْثُ الْجِهَةُ. وَيَصِحُّ عَلَى مُعَيَّنٍ مُتَّصِفٍ بِذَلِكَ وَيَسْتَحِقُّهُ لَوْ زَالَ ذَلِكَ الْوَصْفُ، وَيَلْغُو شَرْطُهُ مَا دَامَ كَذَلِكَ
(وَلَا) يَصِحُّ الْوَقْفُ (عِنْدَ الْأَكْثَرِ عَلَى نَفْسِهِ) نَقَلَ حَنْبَلٌ وَأَبُو طَالِبٍ: مَا سَمِعْتُ بِهَذَا. وَلَا أَعْرِفُ الْوَقْفَ إلَّا مَا أَخْرَجَهُ لِلَّهِ. وَلِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ إمَّا لِلرَّقَبَةِ أَوْ لِمَنْفَعَةٍ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَ نَفْسَهُ مِنْ نَفْسِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ مِنْ نَفْسِهِ (وَيَنْصَرِفُ) الْوَقْفُ (إلَى مَنْ بَعْدَهُ فِي الْحَالِ) فَمَنْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِ أَوْ الْفُقَرَاءِ صُرِفَ فِي الْحَالِ إلَى أَوْلَادِهِ أَوْ الْفُقَرَاءِ، لِأَنَّ وُجُودَ مَنْ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ كَعَدَمِهِ. فَكَأَنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ ابْتِدَاءً. فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ نَفْسِهِ فَمِلْكُهُ بِحَالٍ وَيُوَرَّثُ عَنْهُ (وَعَنْهُ يَصِحُّ) الْوَقْفُ عَلَى النَّفْسِ.
قَالَ (الْمُنَقِّحُ) فِي التَّنْقِيحِ (اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْحَارِثِيُّ وَأَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالتَّصْحِيحِ وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. وَمَالَ إلَيْهِ فِي التَّلْخِيصِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الْآدَمِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْهَادِي وَالْفَائِقِ وَالْمَجْدِ فِي مُسَوَّدَتِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ (وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ) فِي زَمَنِنَا وَقَبْلَهُ عِنْدَ حُكَّامِنَا مِنْ أَزْمِنَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ (وَهُوَ أَظْهَرُ) .
وَفِي
стр. 1051
الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَفِيهِ مَصْلَحَةٌ عَظِيمَةٌ وَتَرْغِيبٌ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ. وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الْمَذْهَبِ.
وَفِي الْفُرُوعِ: وَمَتَى حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَنْفُذُ حُكْمُهُ ظَاهِرًا. وَإِنْ كَانَ فِيهِ فِي الْبَاطِنِ الْخِلَافُ
(وَإِنْ وَقَفَ) شَيْئًا (عَلَى غَيْرِهِ وَاسْتَثْنَى غَلَّتَهُ) كُلَّهَا (أَوْ) اسْتَثْنَى (بَعْضَهَا لَهُ) أَيْ الْوَاقِفِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً صَحَّ (أَوْ) اسْتَثْنَى غَلَّتَهُ أَوْ بَعْضَهَا (لِوَلَدِهِ) أَيْ الْوَاقِفِ كَذَلِكَ صَحَّ (أَوْ) اسْتَثْنَى (الْأَكْلَ) مِنْهُ (أَوْ) اسْتَثْنَى (الِانْتِفَاعَ) لِنَفْسِهِ (أَوْ لِأَهْلِهِ أَوْ) اشْتَرَطَ أَنَّهُ (يُطْعِمُ صَدِيقَهُ) مِنْهُ (مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً صَحَّ) الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ. احْتَجَّ أَحْمَدُ بِمَا رُوِيَ عَنْ حُجْرٌ الْمَدَرِيِّ «إنَّ فِي صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْكُلَ أَهْلُهُ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ» وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا قَوْلُ عُمَرَ لَمَّا وَقَفَ " لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ " وَكَانَ الْوَقْفُ فِي يَدِهِ إلَى أَنْ مَاتَ، ثُمَّ بِنْتِهِ حَفْصَةَ ثُمَّ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ وَقْفًا عَامًّا كَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَقَابِرِ كَانَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ. فَكَذَا هُنَا (فَلَوْ مَاتَ) مَنْ اسْتَثْنَى نَفْعَ مَا وَقَفَهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً (فِي أَثْنَائِهَا فَ) الْبَاقِي مِنْهَا (لِوَرَثَتِهِ) كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا وَاسْتَثْنَى سُكْنَاهَا سَنَةً ثُمَّ مَاتَ فِيهَا (وَتَصِحُّ إجَارَتُهَا) أَيْ الْمُدَّةِ الْمُسْتَثْنَى النَّفْعُ فِيهَا مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. وَغَيْرِهِ كَالْمُسْتَثْنَى فِي الْبَيْعِ قُلْتُ: وَمِنْهُ يُؤْخَذُ صِحَّةُ إجَارَةِ مَا شَرَطَ سُكْنَاهَا لِنَحْوِ بَيْتِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ خَطِيبٍ أَوْ إمَامٍ
(وَمَنْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَافْتَقَرَ تَنَاوَلَ) أَيْ جَازَ لَهُ التَّنَاوُلُ (مِنْهُ) لِوُجُودِ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الْفَقْرُ فِيهِ
(وَلَوْ وَقَفَ مَسْجِدًا أَوْ مَقْبَرَةً أَوْ بِئْرًا أَوْ مَدْرَسَةً لِلْفُقَهَاءِ أَوْ لِبَعْضِهِمْ) أَيْ نَوْعٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ كَالْحَنَابِلَةِ أَوْ الشَّافِعِيَّةِ (أَوْ) وَقَفَ (رِبَاطًا لِلصُّوفِيَّةِ) وَنَحْوَهُ (مِمَّا يَعُمُّ فَهُوَ) أَيْ الْوَاقِفُ (كَغَيْرِهِ) فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ لِمَا رُوِيَ " أَنَّ عُثْمَانَ سَبَّلَ بِئْرَ رُومَةَ وَكَانَ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ " وَالصُّوفِيُّ الْمُتَبَتِّلُ لِلْعِبَادَةِ وَتَصْفِيَةِ النَّفْسِ مِنْ الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ. وَتُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ وَمُلَازَمَةُ غَالِبِ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ قَوْلًا وَفِعْلًا. وَأَنْ يَكُونَ قَانِعًا بِالْكِفَايَةِ مِنْ الرِّزْقِ بِحَيْثُ لَا يُمْسِكُ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ، لَا لُبْسُ خِرْقَةٍ أَوْ لُزُومُ شَكْلٍ مَخْصُوصٍ فِي اللِّبْسَةِ وَنَحْوِهَا. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: كَوْنُهُ) أَيْ الْوَقْفِ (عَلَى مُعَيَّنٍ) مِنْ جِهَةٍ أَوْ شَخْصٍ (يَمْلِكُ) مِلْكًا (ثَابِتًا) كَزَيْدٍ أَوْ مَسْجِدِ كَذَا. لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ. فَلَا يَصِحُّ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْهِبَةِ. وَلِأَنَّ الْوَقْفَ يَقْتَضِي
стр. 1052
الدَّوَامَ وَمَنْ مِلْكُهُ غَيْرُ ثَابِتٍ تَجُوزُ إزَالَتُهُ (فَلَا يَصِحُّ) الْوَقْفُ (عَلَى مَجْهُولٍ، كَرَجُلٍ) لِصِدْقِهِ بِكُلِّ رَجُلٍ (وَ) كَ (مَسْجِدٍ) فَلَا يَصِحُّ، لِصِدْقِهِ بِكُلِّ مَسْجِدٍ (أَوْ) عَلَى (مُبْهَمٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ) الرَّجُلَيْنِ أَوْ الْمَسْجِدَيْنِ وَنَحْوِهِمَا لِتَرَدُّدِهِ. كَبِعْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ
(أَوْ) أَيْ وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ (لَا يَمْلِكُ كَقِنٍّ) وَمُدَبَّرٍ (وَأُمِّ وَلَدٍ وَمَلَكٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَحَدُ الْمَلَائِكَةِ (وَبَهِيمَةٍ) لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ. فَلَا يَصِحُّ عَلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ. وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنَّهُ عُيِّنَ فِي نَفْعٍ خَاصٍّ لَهُمْ
(وَ) لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ. لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ إذْنٍ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ. وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى الْمَعْدُومِ (كَعَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي أَوْ) عَلَى مَنْ سَيُولَدُ (لِفُلَانٍ) فَلَا يَصِحُّ أَصَالَةً (بَلْ) يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْحَمْلِ وَعَلَى مَنْ سَيُولَدُ (تَبَعًا، كَ) قَوْلِ وَاقِفٍ: وَقَفْتُ كَذَا (عَلَى أَوْلَادِي) ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ أَبَدًا (وَفِيهِمْ) أَيْ أَوْلَادِهِ أَوْ أَوْلَادِ فُلَانٍ (حَمْلٌ) فَيَشْمَلُهُ، كَمَنْ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ تَبَعًا (فَيَسْتَحِقُّ) الْحَمْلُ (بِوَضْعٍ. وَكُلُّ حَمْلٍ مِنْ أَهْلِ وَقْفٍ: مِنْ ثَمَرِ وَزَرْعِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مُشْتَرٍ) لِشَجَرٍ وَأَرْضٍ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ نَصًّا، قِيَاسًا لِلِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْعَقْدِ (وَكَذَا مَنْ قَدِمَ إلَى) مَكَان (مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فِيهِ) أَيْ ذَلِكَ الْمَكَانِ (أَوْ خَرَجَ مِنْهُ إلَى مِثْلِهِ) فَيَسْتَحِقُّ مِنْ ثَمَرِ وَزَرْعِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مُشْتَرٍ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لِكُلِّ زَمَنٍ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ فَيَكُونُ لَهُ بِقِسْطِهِ) وَقِيَاسُهُ عَلَى مَنْ نَزَلَ فِي مَدْرَسَةٍ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ وَاقِفَ الْمَدْرَسَةِ وَنَحْوِهَا جَعَلَ رِيعَ الْوَقْفِ فِي السَّنَةِ كَالْجُعْلِ عَلَى اشْتِغَالِ مَنْ هُوَ فِي الْمَدْرَسَةِ عَامًا. فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّ بِقَدْرِ عَمَلِهِ مِنْ السَّنَةِ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ فِي السَّنَةِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْإِنْسَانُ شَهْرًا فَيَأْخُذَ جَمِيعَ الْوَقْفِ وَيَحْضُرَ غَيْرُهُ بَاقِي السَّنَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ. فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا. وَهَذَا يَأْبَاهُ مُقْتَضَى الْوُقُوفِ وَمَقَاصِدِهَا انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَسْتَحِقُّهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ مَغَلِّهِ. وَمَنْ جَعَلَهُ كَالْوَلَدِ فَقَدْ أَخْطَأَ (أَوْ يَمْلِكُ لَا ثَابِتًا كَمُكَاتَبٍ) فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ. وَيَصِحُّ وَقْفُهُ. فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ وَبَطَلَ الْوَقْفُ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ.
الشَّرْطُ (الرَّابِعُ: أَنْ يَقِفَ نَاجِزًا) أَيْ غَيْرَ مُعَلَّقٍ وَلَا مُوَقَّتٍ وَلَا مَشْرُوطٍ فِيهِ خِيَارٌ، أَوْ نَحْوِهِ (فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ) أَيْ الْوَقْفِ، سَوَاءٌ كَانَ التَّعْلِيقُ لِابْتِدَائِهِ كَإِذَا قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ وُلِدَ لِي وَلَدٌ فَهَذَا وَقْفٌ عَلَيْهِ، أَوْ إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَهَذَا وَقْفٌ عَلَى كَذَا وَنَحْوِهِ، أَوْ
стр. 1053
لِانْتِهَائِهِ كَدَارِي وَقْفٌ عَلَى زَيْدٍ إلَى أَنْ يَحْضُرَ عَمْرٌو أَوْ يُولَدَ لِي وَلَدٌ وَنَحْوُهُ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِيمَا لَمْ يَبِنْ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ. فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ كَالْهِبَةِ
(إلَّا) إنْ عَلَّقَ وَاقِفُ الْوَقْفِ (بِمَوْتِهِ) كَقَوْلِهِ: هُوَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي. فَيَصِحُّ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: قِفُوا دَارِي عَلَى جِهَةِ كَذَا بَعْدَ مَوْتِي. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُمَرَ ﵁ وَصَّى، فَكَانَ فِي وَصِيَّتِهِ " هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثُ الْمَوْتِ. أَنَّ ثَمَغًا صَدَقَةٌ وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْخَبَرِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا. وَوَقْفُهُ هَذَا كَانَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَاشْتُهِرَ فِي الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ. فَكَانَ إجْمَاعًا. وَيُفَارِقُ التَّعْلِيقَ بِشَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ. لِأَنَّ هَذَا وَصِيَّةٌ وَهِيَ أَوْسَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْحَيَاةِ، بِدَلِيلِ جَوَازِهَا بِالْمَجْهُولِ وَالْمَعْدُومِ وَ " ثَمَغٌ " بِالْفَتْحِ: مَالٌ بِالْمَدِينَةِ لِعُمَرَ وَقَفَهُ. قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ، أَيْ فَتْحِ الْمِيمِ (وَيَلْزَمُ) الْوَقْفُ الْمُعَلَّقُ بِالْمَوْتِ (مِنْ حِينِهِ) أَيْ حِينِ صُدُورِهِ مِنْهُ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَبَّرِ: إنَّ الْمُدَبَّرَ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ مِلْكُ السَّاعَةِ. وَهَذَا شَيْءٌ وَقَفَهُ عَلَى قَوْمٍ مَسَاكِينَ فَكَيْفَ يُحْدِثُ بِهِ شَيْئًا؟ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْفَرْقُ عُسْرٌ جِدًّا (وَيَكُونُ) الْوَقْفُ الْمُعَلَّقُ بِالْمَوْتِ (مِنْ ثُلُثِهِ) أَيْ مَال الْوَاقِفِ. لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَإِنْ كَانَ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ لَزِمَ. وَإِنْ زَادَ لَزِمَ فِي الثُّلُثِ وَوَقَفَ الْبَاقِي عَلَى الْإِجَازَةِ
(وَشَرْطُ بَيْعِهِ) أَيْ الْوَقْفِ مَتَى شَاءَ الْوَاقِفُ (أَوْ) شَرْطُ (هِبَتِهِ مَتَى شَاءَ أَوْ) شَرْطُ (خِيَارٍ فِيهِ أَوْ) شَرْطُ (تَوْفِيَتِهِ) كَقَوْلِهِ: هُوَ وَقْفٌ يَوْمًا أَوْ سَنَةً وَنَحْوَهُ (أَوْ) شَرْطُ (تَحْوِيلِهِ) أَيْ الْوَقْفِ، كَ وَقَفْتُ دَارِي عَلَى جِهَةِ كَذَا عَلَى أَنْ أُحَوِّلَهَا عَنْهَا أَوْ عَنْ الْوَقْفِيَّةِ بِأَنْ أَرْجِعَ فِيهَا مَتَى شِئْتُ (مُبْطِلٌ) لِلْوَقْفِ لِمُنَافَاتِهِ لِمُقْتَضَاهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1054
[فَصْلٌ وَلَا يُشْتَرَطُ لِلُزُومِ الْوَقْفِ إخْرَاجُ الْمَوْقُوفِ عَنْ يَدِهِ]
(فَصْلٌ وَلَا يُشْتَرَطُ لِلُزُومِهِ) أَيْ الْوَقْفِ (إخْرَاجُهُ) أَيْ الْمَوْقُوفِ (عَنْ يَدِهِ) نَصًّا. لِحَدِيثِ عُمَرَ. فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ وَقْفَهُ كَانَ بِيَدِهِ إلَى أَنْ مَاتَ وَلِأَنَّ الْوَقْفَ تَبَرُّعٌ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ. فَلَزِمَ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ كَالْعِتْقِ، وَالْهِبَةُ تَمْلِيكٌ مُطْلَقٌ. وَالْوَقْفُ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الثَّمَرَةِ. فَهُوَ بِالْعِتْقِ أَشْبَهُ. فَإِلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ إخْرَاجَهُ عَنْ يَدِهِ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّتِهِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسَاجِدُ وَالْقَنَاطِرُ وَالْآبَارُ وَنَحْوُهَا تَكْفِي التَّخْلِيَةُ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ إلَى الْمُعَيَّنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، إذَا قِيلَ بِالِانْتِقَالِ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَإِلَى النَّاظِرِ أَوْ الْحَاكِمِ
(وَلَا) يُشْتَرَطُ (فِيمَا) وُقِفَ (عَلَى) شَخْصٍ (مُعَيَّنٍ قَبُولُهُ) لِلْوَقْفِ. لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ وَالْمِيرَاثَ. أَشْبَهَ الْعِتْقَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَقْفِ وَبَيْنَ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُعَيَّنِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ مَنْ يَأْتِي مِنْ الْبُطُونِ. فَالْوَقْفُ عَلَى جَمِيعِهِمْ إلَّا أَنَّهُ مُرَتَّبٌ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ قَبُولٌ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَلَا يَبْطُلُ بِرَدِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَا يَقِفُ عَلَى قَبُولِهِ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ لِمُعَيَّنٍ وَالْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ قَبُولٌ مِنْ بَابِ أَوْلَى
(وَلَا يَبْطُلُ) وَقْفٌ عَلَى مُعَيَّنٍ (بِرَدِّهِ) لِلْوَقْفِ، فَقَبُولُهُ وَرَدُّهُ وَعَدَمُهُمَا سَوَاءٌ
(وَيَتَعَيَّنُ مَصْرِفُ الْوَقْفِ إلَى الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ) مِنْ قِبَلِ الْوَاقِفِ لَهُ، لِأَنَّ تَعْيِينَهُ لَهَا صَرْفٌ لَهَا عَمَّا سِوَاهَا (فَلَوْ سَبَّلَ مَاءً لِلشُّرْبِ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ) وَلَا الْغُسْلُ وَنَحْوُهُ وَكَذَا عَكْسُهُ. لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ اتِّبَاعُ تَعْيِينِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ. وَقَالَ الْآجُرِّيُّ فِي الْفَرَسِ الْحَبِيسِ: لَا يُعِيرُهُ وَلَا يُؤَجِّرُهُ إلَّا لِنَفْعِ الْفَرَسِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْكَبَهُ فِي حَاجَتِهِ إلَّا لِتَأْدِيبِهِ وَجَمَالٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَرِفْعَةً لَهُمْ. أَوْ غَيْظِهِ لِلْعَدُوِّ. وَيَجُوزُ رُكُوبُهُ لِعَلَفِهِ وَسَقْيِهِ. وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ حُصْرِ الْمَسْجِدِ وَلَا بُسُطِهِ لِمُنْتَظِرِ جِنَازَةٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَ) وَقْفُ (مُنْقَطِعِ الِابْتِدَاءِ) فَقَطْ كَوَقْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عَبْدِهِ ثُمَّ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ (يُصْرَفُ فِي
стр. 1055
الْحَالِ إلَى مَنْ بَعْدَهُ) فَيُصْرَفُ لِوَالِدِهِ فِي الْحَالِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ وُجُودَ مَنْ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ كَعَدَمِهِ (وَمُنْقَطِعُ الْوَسَطِ) كَوَقْفِهِ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَبْدِهِ ثُمَّ الْمَسَاكِينِ يُصْرَفُ بَعْدَ انْقِطَاعِ مَنْ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ (إلَى مَنْ بَعْدَهُ) فِي الْمِثَالِ بَعْدَ زَيْدٍ لِلْمَسَاكِينِ، لِأَنَّا لَمَّا صَحَّحْنَا الْوَقْفَ مَعَ ذِكْرِ مَنْ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ فَقَدْ أَلْغَيْنَاهُ لِتَعَذُّرِ التَّصْحِيحِ مَعَ اعْتِبَارِهِ (وَ) يَنْصَرِفُ مُنْقَطِعٌ (لِآخَرَ) كَعَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى عَمْرٍو، ثُمَّ عُبَيْدٍ، أَوْ الْكَنِيسَةِ (بَعْدَ مَنْ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ) إلَى وَرَثَتِهِ حِينَ الِانْقِطَاعِ نَسَبًا عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ وَقْفًا وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ.
(وَ) يَصْرِفُ (مَا وَقَفَهُ وَسَكَتَ) بِأَنْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ وَقْفٌ وَلَمْ يُسَمِّ مَصْرِفًا (إلَى وَرَثَتِهِ) لِأَنَّ مُقْتَضَى الْوَقْفِ التَّأْبِيدُ، فَيُحْمَلُ عَلَى مُقْتَضَاهُ. وَلَا يَضُرُّ تَرْكُهُ ذِكْرَ مَصْرِفِهِ. لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ إذَا كَانَ لَهُ عُرْفٌ صَحَّ وَحُمِلَ عَلَيْهِ. وَعُرْفُ الْمَصْرِفِ هُنَا أَوْلَى الْجِهَاتِ بِهِ، وَوَرَثَتُهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِبِرِّهِ. فَكَأَنَّهُ عَيَّنَهُمْ لِصَرْفِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ جِهَةً بَاطِلَةً كَالْكَنِيسَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا جِهَةً صَحِيحَةً فَإِنَّ الْإِطْلَاقَ يُفِيدُ مَصْرِفَ الْبِرِّ لِخُلُوِّ اللَّفْظِ عَنْ الْمَانِعِ مِنْهُ بِخِلَافِ تَعْيِينِهَا (نَسَبًا) لَا وَلَاءً وَلَا نِكَاحًا (عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ) مِنْ الْوَاقِفِ (وَقْفًا) عَلَيْهِمْ. فَلَا يَمْلِكُونَ نَقْلَ الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهِ. وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ الْوَقْفِ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ مَصْرِفًا، خِلَافًا لِمَا فِي الْإِقْنَاعِ (وَيَقَعُ الْحَجْبُ بَيْنَهُمْ) أَيْ وَرَثَةِ الْوَاقِفِ فِيهِ (كَ) وُقُوعِهِ فِي (إرْثٍ) قَالَهُ الْقَاضِي، فَلِلْبِنْتِ مَعَ الِابْنِ الثُّلُثُ وَلَهُ الْبَاقِي، وَلِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ مَعَ الْأَخِ لِلْأَبِ السُّدُسُ وَلَهُ مَا بَقِيَ. وَإِنْ كَانَ جَدٌّ وَأَخٌ قَاسَمَهُ. وَإِنْ كَانَ أَخٌ وَعَمٌّ انْفَرَدَ بِهِ الْأَخُ وَإِنْ كَانَ عَمٌّ وَابْنُ عَمٍّ انْفَرَدَ بِهِ الْعَمُّ (فَإِنْ عَدِمُوا) أَيْ وَرَثَةُ الْوَاقِفِ نَسَبًا (فَ) هُوَ (لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) وَقْفًا عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْوَقْفِ الثَّوَابُ الْجَارِي عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ. وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْأَقَارِبُ عَلَى الْمَسَاكِينِ لِكَوْنِهِمْ أَوْلَى. فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا فَالْمَسَاكِينُ أَهْلٌ لِذَلِكَ (وَنَصُّهُ) أَيْ الْإِمَامِ أَحْمَدُ يُصْرَفُ (فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ) فَيَرْجِعُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ
(وَمَتَى انْقَطَعَتْ الْجِهَةُ) الْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا (وَالْوَاقِفُ حَيٌّ رَجَعَ إلَيْهِ وَقْفًا) أَيْ مَتَى قُلْنَا يَرْجِعُ إلَى أَقَارِبِ الْوَاقِفِ وَقْفًا وَكَانَ الْوَاقِفُ حَيًّا رَجَعَ إلَيْهِ وَقْفًا. وَكَذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَنْسَالِهِمْ أَبَدًا عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ رَجَعَ نَصِيبُهُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ، فَتُوُفِّيَ أَحَدُ أَوْلَادِهِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ، وَالْأَبُ الْوَاقِفُ حَيٌّ، رَجَعَ إلَيْهِ نَصِيبُهُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ (وَيَعْمَلُ فِي) وَقْفٍ (صَحِيحٍ وَسَطٍ فَقَطْ)
следующие страницы →