Полный текст (1 968 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
(نَجَاةٌ) مِنْ الْغَرَقِ فَإِنْ تَقَاعَدُوا أَثِمُوا وَلَا ضَمَانَ. وَلَوْ أَلْقَى مَتَاعَهُ وَمَتَاعَ غَيْرِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ. وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ إلْقَاءِ مَتَاعِهِ أَلْقَى وَضَمِنَهُ مُلْقٍ (غَيْرَ الدَّوَابِّ) فَلَا تُلْقَى لِحُرْمَتِهَا (إلَّا أَنْ تُلْجِئَ الضَّرُورَةُ إلَى إلْقَائِهَا) أَيْ: الدَّوَابِّ فَتُلْقَى لِنَجَاةِ الْآدَمِيِّينَ لِأَنَّهُمْ آكَدُ حُرْمَةً.
(وَمَنْ قَتَلَ) حَيَوَانًا (صَائِلًا) أَوْ وَاثِبًا (عَلَيْهِ وَلَوْ) كَانَ الصَّائِلُ (آدَمِيًّا) صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا (دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ الْقَاتِلِ لَمْ يَضْمَنْهُ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْقَتْلِ لِأَنَّهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ، فَكَأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ. فَإِنْ قَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ غَيْرِهِ فَذَكَرَ الْقَاضِي يَضْمَنُهُ.
وَفِي الْفَتَاوَى الرَّحْبِيَّاتِ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَيْضًا (أَوْ) قَتَلَ (خِنْزِيرًا) وَلَوْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّهُ مُبَاحُ الْقَتْلِ. أَشْبَهَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَكَذَا كُلُّ حَيَوَانٍ أُبِيحَ قَتْلُهُ (أَوْ أَتْلَفَ) بِكَسْرٍ أَوْ خَرْقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (وَلَوْ) كَانَ مَا يَأْتِي (مَعَ صَغِيرٍ) حَالَ إتْلَافِهِ (مِزْمَارًا. أَوْ طُنْبُورًا أَوْ عُودًا أَوْ طَبْلًا أَوْ دُفًّا بِصُنُوجٍ أَوْ حِلَقٍ أَوْ نَرْدًا أَوْ شِطْرَنْجًا) وَنَحْوَهَا (أَوْ) أَتْلَفَ (صَلِيبًا) لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ لَا حُرْمَةَ لَهُ. فَأَشْبَهَ الْكَلْبَ وَالْمَيْتَةَ (أَوْ كَسَرَ إنَاءَ فِضَّةٍ أَوْ) إنَاءَ (ذَهَبٍ أَوْ) كَسَرَ أَوْ شَقَّ إنَاءً (فِيهِ خَمْرٌ مَأْمُورٌ بِإِرَاقَتِهَا) ، وَهِيَ مَا عَدَا خَمْرَ الْخِلَالِ وَالذِّمِّيِّ الْمُسْتَتِرَةَ (قَدَرَ عَلَى إرَاقَتِهَا بِدُونِهِ) أَيْ: الْكَسْرِ أَوْ الشِّقِّ (أَوْ لَا) لَمْ يَضْمَنْهُ. لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ، وَفِيهِ " «وَأَمَرَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي وَيُعَاوِنُونِي أَنْ آتِيَ الْأَسْوَاقَ كُلَّهَا فَلَا أَجِدُ فِيهَا زِقَّ خَمْرٍ إلَّا شَقَقْتُهُ، فَفَعَلْتُ، فَلَمْ أَتْرُكْ زِقًّا إلَّا شَقَقْتُهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ (أَوْ) كَسَرَ (حُلِيًّا مُحَرَّمًا عَلَى ذَكَرٍ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ) أَيْ: لَمْ يَتَّخِذْهُ مَالِكُهُ (يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ) لَمْ يَضْمَنْهُ لِإِزَالَتِهِ مُحَرَّمًا (أَوْ) أَتْلَفَ (آلَةَ سِحْرٍ أَوْ) آلَةَ (تَعْزِيمٍ أَوْ) آلَةَ (تَنْجِيمٍ أَوْ) أَتْلَفَ (صُوَرَ خَيَّالٍ أَوْ أَوْثَانًا) جَمْعُ وَثَنٍ وَهُوَ الصَّنَمُ يَعْبُدُهُ الْمُشْرِكُونَ، (أَوْ) أَتْلَفَ (كُتُبَ مُبْتَدِعَةٍ مُضِلَّةً أَوْ) كُتُبَ (كُفْرٍ أَوْ حَرَقَ مَخْزَنَ خَمْرٍ أَوْ كِتَابًا فِيهِ أَحَادِيثُ رَدِيئَةٌ لَمْ يَضْمَنْهُ) ; لِأَنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُهُ لَا لِحُرْمَتِهِ. أَشْبَهَ الْكَلْبَ وَالْمَيْتَةَ وَلِأَنَّ مَخْزَنَ الْخَمْرِ مِنْ أَمَاكِنِ الْمَعَاصِي وَإِتْلَافُهَا جَائِزٌ ; لِأَنَّهُ ﵇ " «حَرَقَ مَسْجِدَ الضِّرَارِ وَأَمَرَ بِهَدْمِهِ» " قَالَ فِي الْهَدْيِ.
وَفِي الْفُنُونِ: يَجُوزُ إعْدَامُ الْآيَةِ مِنْ كُتُبِ الْمُبْتَدِعَةِ لِأَجْلِ مَا هِيَ فِيهِ وَإِهَانَةٌ لِمَا وُضِعَتْ لَهُ وَلَوْ أَمْكَنَ تَمْيِيزُهَا. وَأَمَّا دُفُّ الْعُرْسِ الَّذِي لَا حِلَقَ فِيهِ وَلَا صُنُوجَ فَمَضْمُونٌ لِإِبَاحَتِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُتْلِفِ لِمَا تَقَدَّمَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا
стр. 982
[بَابُ الشُّفْعَةِ]
(بَابُ الشُّفْعَةِ) بِإِسْكَانِ الْفَاءِ مِنْ الشَّفْعِ وَهُوَ الزَّوْجُ ; لِأَنَّ نَصِيبَ الشَّفِيعِ كَانَ مُنْفَرِدًا فِي مِلْكِهِ وَبِالشُّفْعَةِ يُضَمُّ الْمَبِيعُ إلَى مِلْكِهِ فَيَشْفَعُهُ بِهِ، أَوْ مِنْ الشَّفَاعَةِ أَيْ الزِّيَادَةِ ; لِأَنَّ الْمَبِيعَ يَزِيدُ فِي مِلْكِ الشَّفِيعِ أَوْ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إذَا أَرَادَ بَيْعَ دَارِهِ أَتَاهُ جَارُهُ وَشَرِيكُهُ فَيَشْفَعُ لَهُ فِيمَا بَاعَ فَشَفَّعَهُ وَجَعَلَهُ أَوْلَى بِهِ، أَوْ لِأَنَّ طَالِبَهَا يُسَمَّى شَفِيعًا لِمَجِيئِهِ تَالِيًا لِلْمُشْتَرِي، فَهُوَ ثَانٍ بَعْدَ أَوَّلٍ فَسُمِّيَ طَلَبُهُ شُفْعَةً، وَهِيَ شَرْعًا (اسْتِحْقَاقُ الشَّرِيكِ) فِي مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَلَوْ مُكَاتَبًا (انْتِزَاعُ شِقْصِ شَرِيكِهِ) الْمُنْتَقَلِ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ. وَالشِّقْصُ بِكَسْرِ الشِّينِ النَّصِيبُ (مِمَّنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ) ، إمَّا بِالْبَيْعِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ وَيَأْتِي (إذَا كَانَ) الْمُنْتَقَلُ إلَيْهِ (مِثْلَهُ) أَيْ: الشَّرِيكِ بِأَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، (أَوْ) كَانَ الْمُنْتَقَلُ إلَيْهِ (دُونَهُ) أَيْ: الشَّرِيكِ بِأَنْ كَانَ الشَّرِيكُ مُسْلِمًا وَالْمُنْتَقَلُ إلَيْهِ كَافِرًا. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَيَأْتِي، وَلَا لِلْجَارِ وَلَا لِلْمُوصَى لَهُ بِنَفْعِ دَارٍ إذَا بَاعَهَا أَوْ بَعْضَهَا وَارِثٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِشَيْءٍ مِنْ الدَّارِ، وَأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي الْمَوْرُوثِ وَالْمُوصَى بِهِ وَالْمَوْهُوبِ بِلَا عِوَضٍ وَلَا الْمَجْعُولِ مَهْرًا أَوْ عِوَضًا فِي خُلْعٍ وَنَحْوِهِ أَوْ صُلْحًا عَنْ دَمِ عَمْدٍ وَنَحْوِهِ. وَالشُّفْعَةُ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ " «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي الْبَابِ غَيْرُهُ، وَالْمَعْنَى إزَالَةُ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ (وَلَا تَسْقُطُ) الشُّفْعَةُ (بِاحْتِيَالٍ) عَلَى إسْقَاطِهَا ; لِأَنَّهَا إنَّمَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فَلَوْ سَقَطَتْ بِالِاحْتِيَالِ لَحِقَ الضَّرَرُ، وَالْحِيلَةُ أَنْ يُظْهِرَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الْبَيْعِ شَيْئًا لَا يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ مَعَهُ وَيَتَوَاطَآنِ فِي الْبَاطِنِ عَلَى خِلَافِهِ، كَإِظْهَارِ التَّوَاهُبِ أَوْ زِيَادَةِ الثَّمَنِ وَنَحْوِهِ، (وَيَحْرُمُ) الِاحْتِيَالُ عَلَى إسْقَاطِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَحْرِيمِ الْحِيَلِ كُلِّهَا.
(وَشُرُوطُهَا) أَيْ: الشُّفْعَةِ (خَمْسَةٌ) أَحَدُهَا (كَوْنُهُ) أَيْ: الشِّقْصِ الْمُنْتَقَلِ عَنْ الشَّرِيكِ (مَبِيعًا) صَرِيحًا أَوْ فِي مَعْنَاهُ كَصُلْحٍ عَنْ إقْرَارٍ بِمَالٍ أَوْ عَنْ جِنَايَةٍ تُوجِبُهُ وَهِبَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ. لِحَدِيثِ جَابِرٍ «هُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ» " رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ ; وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ بِمِثْلِ عِوَضِهِ الَّذِي انْتَقَلَ بِهِ وَلَا يُمْكِنُ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَبِيعِ، (فَلَا تَجِبُ) الشُّفْعَةُ (فِي قِسْمِهِ) لِأَنَّهَا إفْرَازٌ أَوْ تَرَاضٍ لِأَنَّهَا لَوْ ثَبَتَتْ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَثَبَتَتْ لَهُ عَلَيْهِ فَلَا فَائِدَةَ (وَلَا) فِي
стр. 983
(هِبَةٍ) أَيْ: مَوْهُوبٍ بِلَا عِوَضٍ وَلَا مُوصًى بِهِ، لَا غَرَضُ الْوَاهِبِ وَالْمُوصِي نَفْعُ الْمُتَّهَبِ وَالْمُوصَى لَهُ، وَلَا يَحْصُلُ مَعَ انْتِقَالٍ عَنْهُ وَكَمَوْرُوثٍ لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ قَهْرًا بِلَا عِوَضٍ، وَكَذَا لَوْ عَادَ إلَيْهِ الصَّدَاقُ أَوْ بَعْضُهُ لِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ رُدَّ الْمَبِيعُ لِنَحْوِ عَيْبٍ، (وَلَا) شُفْعَةَ (فِيمَا) أَيْ: شِقْصٍ (عِوَضُهُ غَيْرُ مَالِيٍّ كَصَدَاقٍ) أَيْ: الْمَجْعُولِ صَدَاقًا (وَعِوَضُ خُلْعٍ) أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ.
(وَ) عِوَضُ (صُلْحٍ عَنْ قَوَدٍ) ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِوَضٌ يُمْكِنُ الْأَخْذُ بِهِ أَشْبَهَ الْمَوْهُوبَ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ لِإِمْكَانِ الْأَخْذِ بِعِوَضِهِ، وَكَذَا عِوَضُ صُلْحٍ عَنْ إنْكَارٍ وَمَا اشْتَرَاهُ ذِمِّيٌّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ (وَلَا) شُفْعَةَ فِي (مَا) أَيْ: شِقْصٍ (أَخَذَ) مِنْ شَرِيكِهِ (أُجْرَةً) أَوْ جَعَالَةً (أَوْ ثَمَنًا فِي سَلَمٍ) إنْ صَحَّ جَعْلُهُ ثَمَنًا فِيهِ (أَوْ عِوَضًا فِي كِتَابَةٍ) ; لِمَفْهُومِ حَدِيثِ جَابِرٍ: فَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ " «فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ» " رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ وَهَذِهِ لَيْسَتْ بَيْعًا عُرْفًا بَلْ لَهَا اسْمٌ خَاصٌّ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي كَوْنُهُ) أَيْ: الشِّقْصِ الْمَبِيعِ (مُشَاعًا) أَيْ: غَيْرَ مُفْرَزٍ (مِنْ عَقَارٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (يَنْقَسِمُ) أَيْ: تَجِبُ قِسْمَتُهُ بِطَلَبِ مَنْ لَهُ فِيهِ جُزْءٌ (إجْبَارًا) ; لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا " «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ» " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. وَلِحَدِيثِهِ، أَيْضًا " «إنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ.» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ فِيمَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ لِمَعْنًى وَهُوَ أَنَّ الشَّرِيكَ رُبَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ شَرِيكٌ فَيَتَأَذَّى بِهِ فَتَدْعُوهُ الْحَاجَةُ إلَى مُقَاسَمَتِهِ. أَوْ يَطْلُبُ الدَّاخِلُ الْمُقَاسَمَةَ فَيَتَضَرَّرُ الشَّرِيكُ بِمَنْعِ مَا يَحْتَاجُ إلَى إحْدَاثِهِ مِنْ الْمَرَافِقِ. وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْمَقْسُومِ (فَلَا شُفْعَةَ لِجَارٍ فِي مَقْسُومٍ مَحْدُودٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. وَحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا " «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: أَحَقُّ بِصَقَبِهِ أَيْ: بِمَا يَلِيهِ وَيَقْرَبُ مِنْهُ. وَحَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا " «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ أَبْهَمَ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ. فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي مُضْمَرٍ. لِأَنَّ الْعُمُومَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمَنْطُوقِ بِهِ دُونَ الْمُضْمَرِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْفِنَاءِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَارِ مِمَّنْ لَيْسَ بِجَارٍ، أَوْ يَكُونُ مُرْتَفِقًا بِهِ، وَأُجِيبَ عَنْ الثَّانِي بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي لِقَاءِ الْحَسَنِ لِسَمُرَةَ، وَمَنْ أَثْبَتَ لِقَاءَهُ لَهُ قَالَ: إنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ، وَلَوْ سَلِمَ لَكَانَ عَنْهُ الْجَوَابَانِ الْمَذْكُورَانِ، وَحَدِيثِ "
стр. 984
«الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ» " قَالَ أَحْمَدُ: مُنْكَرٌ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ: وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْجَارِ فِي الْأَحَادِيثِ الشَّرِيكُ فَإِنَّهُ جَارٌ أَيْضًا. ; لِأَنَّ اسْمَ الْجِوَارِ يَخْتَصُّ بِالْقَرِيبِ، وَالشَّرِيكُ أَقْرَبُ مِنْ اللَّصِيقِ كَمَا أُطْلِقَ عَلَى الزَّوْجَةِ لِقُرْبِهَا (وَلَا) شُفْعَةَ (فِي طَرِيقٍ مُشْتَرَكٍ لَا يَنْفُذُ بِبَيْعِ دَارٍ فِيهِ) أَيْ: فِي الطَّرِيقِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ إنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّوَصُّلُ إلَى الدَّارِ إلَّا مِنْهُ لِضَرَرِ الْمُشْتَرِي. لِأَنَّهَا تَبْقَى لَا طَرِيقَ لَهَا (وَلَوْ كَانَ نَصِيبُ مُشْتَرٍ مِنْهَا) أَيْ: الطَّرِيقِ (أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ) لِتَبَعُّضِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي لَوْ وَجَبَتْ فِي الزَّائِدِ وَفِيهِ ضَرَرٌ، (فَإِنْ كَانَ لَهَا) أَيْ الدَّارِ (بَابٌ آخَرُ) إلَى شَارِعٍ (وَأَمْكَنَ فَتْحُ بَابٍ لَهَا إلَى شَارِعٍ وَجَبَتْ) الشُّفْعَةُ فِي الطَّرِيقِ الْمُشْتَرَكِ غَيْرِ النَّافِذِ. حَيْثُ أَمْكَنَتْ قِسْمَتُهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَرَاضِي (وَكَذَا) أَيْ: كَالطَّرِيقِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ (دِهْلِيزٌ) بِالْكَسْرِ: مَا بَيْنَ الْبَابِ وَالدَّارِ (وَصَحْنٌ) أَيْ: وَسَطُ الدَّارِ (مُشْتَرَكَانِ) ، فَإِذَا بِيعَ بَيْتٌ مِنْ دَارٍ لَهَا دِهْلِيزٌ وَصَحْنٌ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الِاسْتِطْرَاقُ إلَى الْمَبِيعِ إلَّا مِنْهُمَا فَلَا شُفْعَةَ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَابٌ آخَرُ وَأَمْكَنَ فَتْحُ بَابٍ لَهُ إلَى شَارِعٍ وَجَبَتْ فِيهِمَا لِمَا تَقَدَّمَ وَمَنْ أَرْضُهُ بِجِوَارِ أَرْضٍ لِآخَرَ وَيَشْرَبَانِ مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ وَاحِدٍ فَلَا شُفْعَةَ بِذَلِكَ.
(وَلَا) شُفْعَةَ (فِيمَا) أَيْ: عَقَارٍ (لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ كَحَمَّامٍ صَغِيرٍ. وَبِئْرٍ وَطُرُقٍ) ضَيِّقَةٍ (وَعِرَاضٍ ضَيِّقَةٍ) وَرَحًى صَغِيرَةٍ وَعِضَادَةٍ نَصًّا. لِحَدِيثِ " «لَا شُفْعَةَ فِي فِنَاءٍ وَلَا طَرِيقٍ وَلَا مُثَقَّبَةٍ» " وَالْمُثَقَّبَةُ الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ بَيْنَ دَارَيْنِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْلُكَهُ أَحَدٌ. رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ. وَعَنْ عُثْمَانَ " لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا نَخْلٍ " وَلِأَنَّ إثْبَاتَ الشُّفْعَةِ فِيهِ يَضُرُّ بِالْبَائِعِ. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْ إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ فِي نَصِيبِهِ بِالْقِسْمَةِ، وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْمُشْتَرِي لِأَجْلِ الشَّفِيعِ فَيَتَضَرَّرُ الْبَائِعُ، وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ فَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ. فَإِنْ كَانَ الْبِئْرُ تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ بِئْرَيْنِ يَرْتَقِي الْمَاءُ مِنْهُمَا وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ، وَكَذَا إنْ كَانَ مَعَ الْبِئْرِ بَيَاضُ أَرْضٍ بِحَيْثُ تُحَصِّلُ الْبِئْرُ فِي أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ، وَكَذَا الرَّحَى إنْ أَمْكَنَتْ قِسْمَتُهُ بِأَنْ كَانَ لَهُ حِصْنٌ بِحَيْثُ يَحْصُلُ الْحَجَرُ فِي أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ، أَوْ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَحْجَارٍ دَائِرَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَجَرَيْنِ.
(وَلَا) شُفْعَةَ (فِيمَا لَيْسَ بِعَقَارٍ) أَيْ أَرْضٍ (كَ) شَجَرٍ وَبِنَاءٍ مُفْرَدٍ وَحَيَوَانٍ (وَجَوْهَرٍ وَسَيْفٍ وَنَحْوِهِمَا) كَسَفِينَةٍ وَزَرْعٍ وَثَمَرٍ وَكُلِّ مَنْقُولٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، وَلَا يَدُومُ ضَرَرُهُ بِخِلَافِ الْأَرْضِ (وَيُؤْخَذُ غِرَاسٌ وَبِنَاءٌ) بِالشُّفْعَةِ (تَبَعًا لِأَرْضٍ) لِحَدِيثِ " قَضَائِهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مُشْتَرَكٍ لَمْ
стр. 985
يُقْسَمْ رُبْعُهُ أَوْ حَائِطًا " وَ (لَا) يُؤْخَذُ (ثَمَرٌ) ظَاهِرٌ (وَزَرْعٌ) بِشُفْعَةٍ لَا تَبَعًا وَلَا مُفْرَدًا. لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا. فَلَا يُؤْخَذَ بِالشُّفْعَةِ كَقُمَاشِ الدَّارِ، وَعَكْسُهُ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ. إذْ الشُّفْعَةُ بَيْعٌ حَقِيقَةً، إلَّا أَنَّ لِلشَّفِيعِ سُلْطَانَ الْأَخْذِ بِغَيْرِ رِضَا الْمُشْتَرِي. وَمَا بِيعَ مِنْ عُلْوِ مُشْتَرَكٍ دُونَ سُفْلِهِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ مُطْلَقًا وَبِالْعَكْسِ إذَا بَاعَ الشَّرِيكُ الْعُلُوَّ وَحِصَّتَهُ مِنْ السُّفْلِ فَلِلشَّرِيكِ الشُّفْعَةُ فِي السُّفْلِ فَقَطْ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: طَلَبُهَا) أَيْ: الشُّفْعَةِ (سَاعَةَ يَعْلَمُ) بِالْبَيْعِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، وَإِلَّا بَطَلَتْ نَصًّا لِحَدِيثِ " «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَفِي لَفْظٍ " «الشُّفْعَةُ كَنَشِطَةِ الْعِقَالِ. إنْ قُيِّدَتْ ثَبَتَتْ وَإِنْ تُرِكَتْ فَاللَّوْمُ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا» " وَحَدِيثِ " «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا» " قَالَ فِي الْمُغْنِي: رَوَاهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ، وَلِأَنَّ الْأَخْذَ بِالتَّرَاخِي يَضُرُّ بِالْمُشْتَرِي لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَى الْمَبِيعِ (فَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: أَخَّرَ الشَّفِيعُ طَلَبَ الشُّفْعَةِ (لِشِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ) بِهِ (حَتَّى يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ) أَخَّرَهُ الْمُحْدِثُ (لِطَهَارَةٍ أَوْ) مَنْ بَابُهُ مَفْتُوحٌ لِ (إغْلَاقِ بَابٍ أَوْ لِيَخْرُجَ مِنْ حَمَّامٍ) إذَا عَلِمَ وَهُوَ دَاخِلُهَا (أَوْ) أَخَّرَ طَلَبَهَا حَاقِنٌ أَوْ حَاقِبٌ (لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ أَوْ) أَخَّرَهُ مُؤَذِّنٌ (لِيُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ) الصَّلَاةَ (أَوْ) أَخَّرَهُ (لِيَشْهَدَ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ يَخَافُ فَوْتَهَا) بِاشْتِغَالِهِ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ (وَنَحْوِهِ) ، كَمَنْ انْخَرَقَ ثَوْبُهُ أَوْ سَقَطَ مِنْهُ مَالٌ فَأَخَّرَهُ إلَى أَنْ يُرَقِّعَ ثَوْبَهُ أَوْ يَلْتَمِسَ مَا سَقَطَ مِنْهُ (أَوْ) أَخَّرَهُ (مَنْ عَلِمَ لَيْلًا حَتَّى يُصْبِحَ مَعَ غَيْبَةِ مُشْتَرٍ) فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ، لِأَنَّهُ مَعَ حُضُورِهِ يُمْكِنُهُ مُطَالَبَتُهُ بِلَا اشْتِغَالٍ عَنْ أَشْغَالِهِ (أَوْ) أَخَّرَ الطَّلَبَ (لِ) فِعْلِ (صَلَاةٍ وَسُنَنِهَا وَلَوْ مَعَ حُضُورِهِ) أَيْ: الْمُشْتَرِي لَمْ يَسْقُطْ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الْحَوَائِجِ وَنَحْوِهَا عَلَى غَيْرِهَا فَلَيْسَ الِاشْتِغَالُ بِهَا رِضًا بِتَرْكِ الشُّفْعَةِ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ الْإِسْرَاعُ فِي مَشْيِهِ أَوْ تَحْرِيكُ دَابَّتِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَمَضَى عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ إلَى الْمُشْتَرِي إذْ الْفَوْرُ الْمَشْرُوطُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ، (أَوْ) أَخَّرَ الطَّلَبَ (جَهْلًا بِأَنَّ التَّأْخِيرَ مُسْقِطٌ) لِلشُّفْعَةِ (وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ) لَمْ تَسْقُطْ ; لِأَنَّ الْجَهْلَ مِمَّا يُعْذَرُ بِهِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَهَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَهُمَا جَهْلًا بِاسْتِحْقَاقِهِ لَهَا أَوْ نِسْيَانًا لِلطَّلَبِ أَوْ الْبَيْعِ كَتَمْكِينِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ زَوْجَهَا مِنْ وَطْئِهَا جَاهِلَةً بِمِلْكِ الْفَسْخِ أَوْ نَاسِيَةً لِلْعِتْقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ يَجْهَلُهُ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ (أَوْ أُشْهِدَ بِطَلَبِهِ) لِلشُّفْعَةِ (غَائِبٌ) عَنْ بَلَدِ مُشْتَرٍ (أَوْ مَحْبُوسٌ) أَوْ مَرِيضٌ (لَمْ تَسْقُطْ) شُفْعَتُهُ ; لِأَنَّ إشْهَادَهُ دَلِيلُ رَغْبَتِهِ وَأَنَّهُ لَا مَانِعَ لَهُ مِنْهُ إلَّا
стр. 986
قِيَامُ الْعُذْرِ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ سَقَطَتْ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الطَّلَبَ لِلْعُذْرِ وَقَدْ يَتْرُكُهُ لِغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى التَّوْكِيلِ فِيهِ أَوْ لَا. إذْ الْوَكِيلُ إنْ كَانَ يُجْعَلُ فَفِيهِ غُرْمٌ وَإِنْ تَبَرَّعَ فَفِيهِ مِنَّةٌ وَقَدْ لَا يَثِقُ بِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ، كَالْمُوَفَّقِ أَنَّ الشَّفِيعَ إذَا كَانَ بِبَلَدِ الْمُشْتَرِي غَيْرَ مَحْبُوسٍ لَا بُدَّ مِنْ مُوَاجِهَتِهِ لَهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ فَلَا يَكْفِي إشْهَادُهُ بِالطَّلَبِ وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: الْمَذْهَبُ الْإِجْزَاءُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ.
(وَتَسْقُطُ) شُفْعَةُ غَائِبٍ (بِسَيْرِهِ فِي طَلَبِهَا بِلَا إشْهَادٍ) عَلَى الطَّلَبِ ; لِأَنَّ السَّيْرَ يَكُونُ لِطَلَبِ الشُّفْعَةِ وَلِغَيْرِهِ، وَقَدْ قَدَرَ أَنَّهُ يُبَيِّنُ كَوْنَ سَيْرِهِ لِطَلَبِ الشُّفْعَةِ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ سَقَطَتْ كَتَارِكِ الطَّلَبِ مَعَ حُضُورِهِ. وَ (لَا) تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ (إنْ أُخِّرَ طَلَبُهُ) أَيْ: الْغَائِبِ بِتَأْخِيرِ قُدُومِهِ أَوْ تَوْكِيلِهِ مَعَ إمْكَانِهِمَا (بَعْدَهُ) أَيْ: الْإِشْهَادِ بِطَلَبِهَا ; لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ ضَرَرًا بِالْتِزَامِهِ كُلْفَتَهُ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ تِجَارَةٌ وَحَوَائِجُ يَنْقَطِعُ عَنْهَا وَتَضِيعُ بِغَيْبَتِهِ وَغَلَّتُهُ فِي التَّوْكِيلِ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
(وَلَفْظُهُ) أَيْ: لَفْظُ الطَّلَبِ مِنْ الْمَعْذُورِ (أَنَا طَالِبٌ) لِلشُّفْعَةِ (أَوْ) أَنَا (مُطَالِبٌ) بِالشُّفْعَةِ (أَوْ) أَنَا (آخُذُ بِالشُّفْعَةِ أَوْ) أَنَا (قَائِمٌ عَلَيْهَا) أَيْ: الشُّفْعَةِ (وَنَحْوُهُ مِمَّا يُفِيدُ مُحَاوَلَةَ الْأَخْذِ) بِالشُّفْعَةِ كَ تَمَلَّكْتُ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ أَوْ انْتَزَعْتُهُ مِنْ مُشْتَرِيهِ أَوْ ضَمَمْتُهُ إلَى مِلْكِي (وَيَمْلِكُ) الشِّقْصَ الْمَبِيعَ (بِهِ) أَيْ: الطَّلَبِ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ السَّابِقَ سَبَبٌ فَإِذَا انْضَمَّتْ إلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ كَانَ كَالْإِيجَابِ فِي الْبَيْعِ انْضَمَّ إلَيْهِ الْقَبُولُ (فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أَيْ: الشَّفِيعِ فِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ لِانْتِقَالِ مِلْكِهِ إلَيْهِ بِالطَّلَبِ (وَيُوَرَّثُ) عَنْهُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ حَيْثُ كَانَ قَادِرًا عَلَى الثَّمَنِ الْحَالِّ وَلَوْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَيَأْتِي (وَلَا يُشْتَرَطُ) لِمِلْكِ الشَّفِيعِ لِلشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ لَهُ بِالطَّلَبِ (رُؤْيَتُهُ) أَيْ مُشَاهَدَةُ مَا مِنْهُ الشِّقْصُ الْمَشْفُوعُ (لِأَخْذِهِ) بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ التَّمَلُّكِ، قَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ وَغَيْرِهِ وَلَعَلَّهُمْ نَظَرُوا إلَى كَوْنِهِ انْتِزَاعًا قَهْرِيًّا كَرُجُوعِ الصَّدَاقِ أَوْ نِصْفِهِ إلَى الزَّوْجِ فِي فُرْقَةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَلِذَلِكَ لَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ، وَقَدَّمَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالثَّمَنِ وَالشِّقْصِ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ، وَلَهُ الطَّلَبُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالثَّمَنِ ثُمَّ يَتَعَرَّفُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ غَيْرِهِ وَكَذَا الْمَبِيعُ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ وَالْإِقْنَاعِ.
(وَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شَفِيعٌ عِنْدَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ (مَنْ يُشْهِدُهُ) عَلَى الطَّلَبِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا أَوْ وَجَدَ مَنْ لَا أَهْلِيَّةَ فِيهِ أَوْ مَنْ لَا يَقْدَمُ مَعَهُ إلَى مَحِلِّ الْخُصُومَةِ، (أَوْ أَخَّرَهُمَا) أَيْ: الطَّلَبَ وَالْإِشْهَادَ عَلَيْهِ (عَجْزًا كَمَرِيضٍ وَمَحْبُوسٍ ظُلْمًا) فَعَلَى شُفْعَتِهِ. فَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ
стр. 987
يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ سَقَطَتْ (أَوْ) أَخَّرَهُمَا (لِإِظْهَارِ) بَائِعٍ وَمُشْتَرٍ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ مُخْبِرِ الشَّفِيعِ (زِيَادَةَ ثَمَنٍ) عَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ (أَوْ) لِإِظْهَارِ أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ (نَقْصَ مَبِيعٍ أَوْ) لِإِظْهَارِ (هِبَتِهِ) أَيْ: الْمَبِيعِ أَيْ: أَنَّهُ مَوْهُوبٌ (أَوْ) لِإِظْهَارِ (أَنَّ الْمُشْتَرِيَ غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ الْمُشْتَرِي حَقِيقَةً، (أَوْ) أَخَّرَ شَفِيعٌ الطَّلَبَ أَوْ الْإِشْهَادَ عَلَيْهِ (لِتَكْذِيبِ مُخْبِرٍ) لَهُ (لَا يُقْبَلُ) خَبَرُهُ (فَ) هُوَ (عَلَى شُفْعَتِهِ) ، فَلَا تَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ لِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إمَّا مَعْذُورٌ أَوْ غَيْرُ عَالِمٍ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ مُطْلَقًا ; وَلِأَنَّ خَبَرَ مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ مَعَ عَدَمِ تَصْدِيقِ شَفِيعٍ لَهُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. فَإِنْ صَدَّقَهُ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ لِاعْتِرَافِهِ بِوُقُوعِ الْبَيْعِ وَتَأْخِيرِهِ لَهُ كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ فَإِنْ أُخْبِرَ بِثَمَنٍ فَلَمْ يُطَالِبْ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الثَّمَنَ أَكْثَرُ مِمَّا أُخْبِرَ بِهِ سَقَطَتْ ; لِأَنَّ مَنْ لَا يَرْضَى بِالْقَلِيلِ لَا يَرْضَى بِالْكَثِيرِ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَرِيضَ مَرَضًا يَسِيرًا لَا يَمْنَعُهُ طَلَبُ الشُّفْعَةِ، وَالْمَحْبُوسَ بِحَقٍّ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ إذَا أَبَاهُ تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِدَرَاهِمَ وَكَانَ اشْتَرَاهُ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِالْعَكْسِ فَكَإِظْهَارِ زِيَادَةِ ثَمَنٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَمْلِكُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ دُونَ الْآخَرِ، " كَمَا لَوْ وَقَعَ بِنَقْدٍ فَأُظْهِرَ أَنَّهُ بِعَرْضٍ، وَمِثْلُ مَا إذَا أُظْهِرَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ غَيْرُهُ مَا لَوْ أُظْهِرَ أَنَّ فُلَانًا اشْتَرَاهُ وَحْدَهُ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ هُوَ وَآخَرُ وَعَكْسُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَرْضَى بِشَرِكَةِ إنْسَانٍ دُونَ غَيْرِهِ وَقَدْ يُحَابِي إنْسَانًا أَوْ يَخَافُهُ فَيَتْرُكُ الشُّفْعَةَ لِذَلِكَ.
(وَتَسْقُطُ) شُفْعَتُهُ (إنْ كَذَّبَ) مُخْبِرًا لَهُ (مَقْبُولًا) خَبَرُهُ وَلَوْ وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ خَبَرُ عَدْلٍ يَجِبُ قَبُولُهُ فِي الرِّوَايَةِ وَالْفُتْيَا وَالْأَخْبَارِ الدِّينِيَّةِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْبَرَهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدْلٍ (أَوْ قَالَ) شَفِيعٌ (لِمُشْتَرٍ) لِشِقْصٍ (: بِعْنِيهِ أَوْ أَكْرَنِيهِ) أَوْ قَاسِمْنِي (أَوْ صَالِحْنِي) عَلَيْهِ أَوْ هَبْهُ لِي أَوْ ائْتَمِنِّي عَلَيْهِ (أَوْ اشْتَرَيْتُهُ رَخِيصًا وَنَحْوَهُ) كَ اشْتَرَيْتُ غَالِيًا أَوْ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْتُ ; لِأَنَّ هَذَا وَشِبْهَهُ دَلِيلُ رِضَاهُ بِشِرَائِهِ وَتَرْكِهِ لِلشُّفْعَةِ، وَكَذَا لَوْ قِيلَ لَهُ: شَرِيكُكَ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ زَيْدٍ. فَقَالَ: إنْ بَاعَنِي زَيْدٌ وَإِلَّا فَلِيَ الشُّفْعَةُ قَدَّمَهُ الْحَارِثِيُّ، وَكَذَا قَوْلُهُ لِمُشْتَرٍ: بِعْهُ مِمَّنْ شِئْتَ وَنَحْوُهُ.
وَ (لَا) تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ (إنْ عَمِلَ دَلَّالًا بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ شَرِيكِهِ وَالْمُشْتَرِي (وَهُوَ السَّفِيرُ أَوْ تَوَكَّلَ) الشَّفِيعُ (لِأَحَدِهِمَا) فِي الْبَيْعِ (أَوْ جُعِلَ لَهُ) أَيْ: الشَّفِيعِ (الْخِيَارُ) فِي الْبَيْعِ (فَاخْتَارَ إمْضَاءَهُ أَوْ رَضِيَ بِهِ) أَيْ: الْمَبِيعِ، (أَوْ ضَمِنَ) شَفِيعٌ لِبَائِعٍ (ثَمَنَهُ) أَيْ: الشِّقْصِ الْمَبِيعِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فَلَا تَسْقُطُ بِهِ كَالْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الْمُسْقِطَ لَهَا الرِّضَا بِتَرْكِهَا بَعْدَ وُجُوبِهَا وَلَمْ يُوجَدْ، (أَوْ سَلَّمَ) الشَّفِيعُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمُشْتَرِي قَبْلَ
стр. 988
طَلَبِ الشُّفْعَةِ لِأَنَّهُ السُّنَّةُ لِحَدِيثِ " «مَنْ بَدَأَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا تُجِيبُوهُ» " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ، (أَوْ دَعَا) الشَّفِيعُ (لَهُ) أَيْ: لِلْمُشْتَرِي بِالْبَرَكَةِ أَوْ غَيْرِهَا (بَعْدَهُ) أَيْ: الْبَيْعِ ; لِأَنَّ دُعَاءَهُ إنْ كَانَ بِالْبَرَكَةِ فِي الْبَيْعِ فَهُوَ دُعَاءٌ لِنَفْسِهِ لِرُجُوعِ الشِّقْصِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ وَاتَّصَلَ بِالسَّلَامِ فَهُوَ مِنْ تَوَابِعِهِ فَلَحِقَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِتَرْكِهَا بَعْدَ وُجُوبِهَا (وَنَحْوُهُ) كَمَا لَوْ سَلَّمَ الْمُشْتَرِي عَلَى الشَّفِيعِ فَرَدَّ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَّلَبِ لِأَنَّهُ السُّنَّةُ، (أَوْ أَسْقَطَهَا) أَيْ: الشُّفْعَةَ (قَبْلَ بَيْعِ) شِقْصٍ أَوْ أَذِنَ فِيهِ فَلَا تَسْقُطُ ; لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ قَبْلَ وُجُوبِهِ كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِمَّا يَسْتَقْرِضُهُ لَهُ.
(وَمَنْ تَرَكَ شُفْعَةَ مُوَلِّيهِ) أَيْ مَحْجُورِهِ (وَلَوْ) كَانَ تَرْكُهُ لَهَا (لِعَدَمِ حَظِّ) لِلْمَحْجُورِ (فَلَهُ) أَيْ: الْمَوْلَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْبَيْعِ (إذَا صَارَ أَهْلًا) بِأَنْ بَلَغَ أَوْ عَقَلَ أَوْ رَشَدَ (الْأَخْذُ بِهَا) أَيْ: الشُّفْعَةِ وَلَوْ كَانَ وَلِيُّهُ صَرَّحَ بِالْعَفْوِ ; لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِتَرْكِ غَيْرِ الشَّفِيعِ كَالْغَائِبِ يَتْرُكُ وَكِيلُهُ الْأَخْذَ بِهَا. وَعُلِمَ مِنْهُ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ وَأَنَّ الْوَلِيَّ يَمْلِكُ الْأَخْذَ بِهَا دُونَ الْعَفْوِ عَنْهَا ; لِأَنَّ فِي الْأَخْذِ تَحْصِيلًا وَاسْتِيفَاءً لِلْحَقِّ بِخِلَافِ إسْقَاطِهِ، وَمَتَى رَأَى الْوَلِيُّ الْحَظَّ فِي الْأَخْذِ لَزِمَهُ ; لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطَ وَالْأَخْذَ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، فَإِذَا أَخَذَ بِهَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَلَا رَدَّ لَهُ، إذَا صَارَ أَهْلًا، وَلَا غُرْمَ عَلَى الْوَلِيِّ بِتَرْكِهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ. وَإِنْ رَأَى الْوَلِيُّ الْحَظَّ فِي تَرْكِهَا فَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ (أَخْذُ جَمِيعِ) الشِّقْصِ (الْمَبِيعِ) دَفْعًا لِضَرَرِ الْمُشْتَرِي بِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ فِي حَقِّهِ بِأَخْذِ بَعْضِ الْمَبِيعِ مَعَ أَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ. فَإِذَا أَخَذَ الْبَعْضَ لَمْ يَنْدَفِعْ الضَّرَرُ (فَإِنْ طَلَبَ) الشَّفِيعُ (بَعْضَهُ) أَيْ: الْمَبِيعِ (مَعَ بَقَاءِ الْكُلِّ) أَيْ: كُلِّ الْمَبِيعِ (سَقَطَتْ) شُفْعَتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ إذَا سَقَطَ بِالتَّرْكِ فِي الْبَعْضِ سَقَطَ فِي الْكُلِّ كَعَفْوِهِ عَنْ بَعْضِ قَوَدٍ يَسْتَحِقُّهُ، (وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ) أَيْ الْمَبِيعِ، كَانْهِدَامِ بَيْتٍ مِنْ دَارٍ بِيعَ بَعْضُهَا بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ كَمَطَرٍ أَوْ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ مُشْتَرٍ أَوْ غَيْرَهُ (أَخَذَ) الشَّفِيعُ (بَاقِيَهُ) أَيْ: الْمَبِيعِ إنْ شَاءَ (بِحِصَّتِهِ) أَيْ: الْمَبِيعِ بَعْدَ مَا تَلِفَ (مِنْ ثَمَنِهِ) أَيْ: ثَمَنِ جَمِيعِ الشِّقْصِ. فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ نِصْفَ الدَّارِ، وَقِيمَةُ الْبَيْتِ الْمُنْهَدِمِ مِنْهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الدَّارِ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ. ثُمَّ إنْ بَقِيَتْ الْأَنْقَاضُ أَخَذَهَا مَعَ الْعَرْصَةِ وَمَا بَقِيَ مِنْ الْبِنَاءِ وَإِنْ عُدِمَتْ أَخَذَ مَا بَقِيَ مِنْ الْبِنَاءِ مَعَ الْعَرْصَةِ بِالْحِصَّةِ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَخْذُ كُلِّ الْمَبِيعِ بِتَلَفِ بَعْضِهِ، فَجَازَ لَهُ أَخْذُ الْبَاقِي
стр. 989
بِحِصَّتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ شَفِيعٌ آخَرُ، وَإِنْ نَقَصَتْ الْقِيمَةُ مَعَ بَقَاءِ صُورَةِ الْمَبِيعِ كَانْشِقَاقِ الْحَائِطِ وَبَوَرَانِ الْأَرْضِ. فَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ إلَّا بِكُلِّ الثَّمَنِ وَإِلَّا تَرَكَ (فَلَوْ اشْتَرَى دَارًا) أَيْ شِقْصًا مِنْهَا (بِأَلْفٍ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ فَبَاعَ بَابَهَا أَوْ هَدَمَهَا، فَبَقِيَتْ بِأَلْفٍ أَخَذَهَا) الشَّفِيعُ (بِخَمْسِمِائَةٍ) بِالْحِصَّةِ مِنْ الثَّمَنِ نَصًّا (وَهِيَ) أَيْ: الشُّفْعَةُ (بَيْنَ شُفَعَاءَ عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ) فِيمَا مِنْهُ الشِّقْصُ الْمَبِيعُ ; لِأَنَّهَا حَقٌّ يُسْتَفَادُ بِسَبَبِ الْمِلْكِ فَكَانَتْ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ كَالْغَلَّةِ. فَدَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ نِصْفٌ وَثُلُثٌ وَسُدُسٌ. بَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ نَصِيبَهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدٌ، (وَمَعَ تَرْكِ الْبَعْضِ) مِنْ الشُّرَكَاءِ حَقَّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ (لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِي) الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ (أَنْ يَأْخُذَ) بِالشُّفْعَةِ (إلَّا الْكُلَّ) أَيْ: كُلَّ الْمَبِيعِ (أَوْ يَتْرُكَ) الْكُلَّ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِي أَخْذِ الْبَعْضِ إضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي، (وَكَذَا إنْ غَابَ) بَعْضُ الشُّرَكَاءِ فَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ إلَّا أَخْذَ الْكُلِّ أَوْ تَرْكُهُ نَصًّا. لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لَهُ مُطَالِبٌ سِوَاهُ وَلَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُ حَقِّهِ إلَى قُدُومِ الْغَائِبِ لِمَا فِيهِ إضْرَارُ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ كَانَ الشُّفَعَاءُ ثَلَاثَةً فَحَضَرَ أَحَدُهُمْ وَأَخَذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ مَلَكَهُ.
(وَلَا يُؤَخَّرُ بَعْضُ ثَمَنِهِ لِيَحْضُرَ غَائِبٌ) فَيُطَالِبَ لِوُجُوبِ الثَّمَنِ عَلَيْهِ بِالْأَخْذِ، (فَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ إيفَائِهِ (فَلَا شُفْعَةَ) لَهُ كَمَا لَوْ أَبَى أَخْذَ جَمِيعِ الْمَبِيعِ (، وَالْغَائِبُ) مِنْ الشُّفَعَاءِ (عَلَى حَقِّهِ) مِنْ الشُّفْعَةِ لِلْعُذْرِ لِلْأَوَّلِ، فَإِنْ حَضَرَ ثَانٍ بَعْدَ أَخْذِ أَوَّلَ قَاسَمَهُ إنْ شَاءَ أَوْ عَفَا وَيَبْقَى، فَإِنْ قَاسَمَهُ ثُمَّ حَضَرَ الثَّالِثُ قَاسَمَهُمَا إنْ أَحَبَّ أَوْ عَفَا. فَيَبْقَى لِلْأَوَّلَيْنِ، وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِي بَعْدَ أَخْذِ الْأَوَّلِ جَمِيعَ الشِّقْصِ الِاقْتِصَارَ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِ وَهُوَ الثُّلُثُ. فَلَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ حَقِّهِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى مُشْتَرٍ، وَالشَّفِيعُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تَتَبَعَّضُ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَدِمَ الثَّالِثُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الثَّانِي ثُلُثَ مَا بِيَدِهِ فَيَضُمَّهُ إلَى مَا بِيَدِ الْأَوَّلِ وَيَقْتَسِمَانِهِ نِصْفَيْنِ. فَتَصِحُّ قِسْمَةُ الشِّقْصِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ (وَلَا يُطَالِبُهُ) أَيْ: لَا يُطَالِبُ الْغَائِبُ حَاضِرًا (بِمَا أَخَذَهُ) أَيْ: الْحَاضِرُ (مِنْ غَلَّتِهِ) أَيْ: الشِّقْصِ مِنْ ثَمَرٍ وَأُجْرَةٍ وَنَحْوِهِمَا، لِأَنَّهُ انْفَصَلَ مِلْكُهُ كَمَا لَوْ انْفَصَلَ فِي يَدِ مُشْتَرٍ قَبْلَ أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ، وَإِنْ تَرَكَ الْأَوَّلُ الْأَخْذَ تَوَفَّرَتْ لِصَاحِبَيْهِ. فَإِذَا قَدِمَ الْأَوَّلُ أَخَذَ الْجَمِيعَ أَوْ تَرَكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ أَخَذَ الْأَوَّلُ جَمِيعَ الشِّقْصِ ثُمَّ رَدَّهُ لِعَيْبٍ فِيهِ، تَوَفَّرَتْ عَلَى صَاحِبَيْهِ لِرُجُوعِهِ لِمُشْتَرٍ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ عَوْدِهِ إلَيْهِ بِنَحْوِ هِبَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَقْدَمُ الثَّالِثُ حَتَّى قَاسَمَ الثَّانِي الْأَوَّلَ
стр. 990
فَأَخَذَ بِحَقِّهِ مِنْ الشُّفْعَةِ بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ. وَإِنْ لَمْ يَقْدَمْ الثَّالِثُ حَتَّى غَابَ أَحَدُ شَرِيكَيْهِ أَخَذَ مِنْ الْحَاضِرِ ثُلُثَ مَا بِيَدِهِ. ثُمَّ إنْ قُضِيَ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ أَخَذَ ثُلُثَ مَا بِيَدِهِ وَإِلَّا انْتَظَرَهُ.
(وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي) لِلشِّقْصِ (شَرِيكًا) فِي الْعَقَارِ، وَثَمَّ شَرِيكٌ آخَرُ (أَخَذَ) أَيْ: اسْتَقَرَّ لِمُشْتَرٍ مِنْ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ (بِحِصَّتِهِ) نَصًّا. فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الشَّرِكَةِ. كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَهُمَا (فَإِنْ عَفَا) مُشْتَرٍ عَنْ شُفْعَتِهِ (لِيُلْزِمَ بِهِ) أَيْ: الشِّقْصِ جَمِيعَهُ (غَيْرَهُ) مِنْ الشُّرَكَاءِ (لَمْ يَلْزَمْهُ) أَخْذُ جَمِيعِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ الْإِسْقَاطُ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ كَالْحَاضِرِ مِنْ شَفِيعَيْنِ إذَا أَخَذَ الْجَمِيعَ وَحَضَرَ الْآخَرُ وَطَلَبَ حَقَّهُ مِنْهَا. فَقَالَ: خُذْ الْكُلَّ أَوْ دَعْهُ.
(وَلِشَفِيعٍ فِيمَا بِيعَ عَلَى عَقْدَيْنِ الْأَخْذُ) بِالشُّفْعَةِ (بِهِمَا) أَيْ: الْعَقْدَيْنِ ; لِأَنَّهُ شَفِيعٌ فِيهِمَا.
(وَ) لَهُ الْأَخْذُ (بِأَحَدِهِمَا) أَيُّهُمَا أَرَادَ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَيْعٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ وَهُوَ يَسْتَحِقُّهُمَا (وَيُشَارِكُهُ) أَيْ: الشَّفِيعَ (مُشْتَرٍ إذَا أَخَذَ بِ) الْعَقْدِ (الثَّانِي فَقَطْ) أَيْ: دُونَ الْأَوَّلِ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي فِيهِ، فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الْبَيْعِ الثَّانِي. فَإِنْ أَخَذَا بِالْبَيْعَيْنِ أَوْ بِالْأَوَّلِ لَمْ يُشَارِكْهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَسْبِقْ لَهُ شَرِكَةٌ. وَإِنْ بِيعَ شِقْصٌ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ عَقْدَيْنِ فَلِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ بِالْجَمِيعِ وَبِبَعْضِهَا وَيُشَارِكُهُ مُشْتَرٍ إنْ أَخَذَ بِغَيْرِ الْأَوَّلِ بِنَصِيبِهِ مِمَّا قَبْلَهُ.
(وَإِنْ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ) صَفْقَةً وَاحِدَةً، (أَوْ) اشْتَرَى (وَاحِدٌ حَقَّ اثْنَيْنِ) صَفْقَةً وَاحِدَةً (أَوْ) اشْتَرَى وَاحِدٌ مِنْ آخَرَ (شِقْصَيْنِ مِنْ عَقَارَيْنِ صَفْقَةً) وَاحِدَةً (فَلِلشَّفِيعِ) فِي الْأُولَتَيْنِ (أَخْذُ حَقِّ أَحَدِهِمَا) أَيْ: أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ أَوْ الْبَائِعَيْنِ ; لِأَنَّ الصَّفْقَةَ مَعَ اثْنَيْنِ بَائِعَيْنِ أَوْ مُشْتَرِيَيْنِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ. فَإِنْ بَاعَ اثْنَانِ مِنْ اثْنَيْنِ فَهِيَ أَرْبَعَةُ عُقُودٍ، لِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ بِالْكُلِّ وَبِمَا شَاءَ مِنْهُمَا. وَإِنْ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ، وَغَيْرِهِ بِالْوَكَالَةِ أَوْ بَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ شَرِيكِهِ بِالْوَكَالَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ لِتَعَدُّدِ مَنْ وَقَعَ لَهُ الْعَقْدُ أَوْ مِنْهُ، (وَ) لِشَفِيعٍ فِيمَا إذَا بَاعَ شَرِيكُهُ شِقْصَيْنِ مِنْ عَقَارَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً (أَخْذُ الشِّقْصَيْنِ) مِنْ أَحَدِ الْعَقَارَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ; لِأَنَّ الضَّرَرَ قَدْ يَلْحَقُهُ بِأَرْضٍ دُونَ أُخْرَى (وَ) لِشَفِيعٍ (أَخْذُ شِقْصٍ) مَشْفُوعٍ (بِيعَ مَعَ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ) كَثَوْبٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ خَاتَمٍ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَيَأْخُذُهُ (بِحِصَّتِهِ) أَيْ: قِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَ (يُقَسَّمُ الثَّمَنُ) الْمُسَمَّى (عَلَى قِيمَتِهِمَا) أَيْ: قِيمَةِ الشِّقْصَيْنِ، أَوْ قِيمَةِ الشِّقْصِ وَقِيمَةِ مَا مَعَهُ نَصًّا. فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الشِّقْصِ مِائَةٌ وَقِيمَةُ مَا مَعَهُ عِشْرِينَ أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ (بِخَمْسَةِ أَسْدَاسٍ) مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ.
الشَّرْطُ
стр. 991
(الْخَامِسُ: سَبْقُ مِلْكِ شَفِيعٍ لِلرَّقَبَةِ) أَيْ: الْجُزْءِ مِنْ رَقَبَةٍ مَا مِنْهُ الشِّقْصُ الْمَبِيعُ بِأَنْ يَمْلِكَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ ; لِأَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الشَّرِيكِ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكٌ سَابِقٌ فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ، وَيُعْتَبَرُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فَلَا تَكْفِي الْيَدُ (فَتَثْبُتُ) الشُّفْعَةُ (لِمُكَاتَبٍ) كَغَيْرِهِ وَ (لَا) تَثْبُتُ (لِأَحَدِ اثْنَيْنِ اشْتَرَيَا دَارًا صَفْقَةً عَلَى الْآخَرِ) إذْ لَا سَبْقَ، (وَ) كَذَا (لَوْ) جُهِلَ السَّبْقُ (مَعَ ادِّعَاءِ كُلٍّ) مِنْهُمَا (السَّبْقَ وَتَحَالَفَا أَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتُهُمَا) بِأَنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِسَبْقِ مِلْكِهِ وَتَجَدُّدِ مِلْكِ صَاحِبِهِ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ، (وَلَا) تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِمَالِكٍ (بِمِلْكٍ غَيْرِ تَامٍّ كَشَرِكَةِ وَقْفٍ) وَلَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ. فَلَا يَأْخُذُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ بِالشُّفْعَةِ لِقُصُورِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ (أَوْ) بِمِلْكِ (الْمَنْفَعَةِ. كَبَيْعِ شِقْصٍ مِنْ دَارٍ مُوصًى بِنَفْعِهَا لَهُ) فَلَا شُفْعَةَ لِمُوصًى لَهُ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ فَلَا تَجِبُ بِهَا.
[فَصْلٌ وَتَصَرُّفُ مُشْتَرٍ فِي شِقْصٍ مَشْفُوعٍ بَعْدَ طَلَبِ شَفِيعٍ بِشُفْعَةٍ بَاطِلٌ]
(فَصْلٌ وَتَصَرُّفُ مُشْتَرٍ) فِي شِقْصٍ (مَشْفُوعٍ) (بَعْدَ طَلَبِ) شَفِيعٍ بِشُفْعَةٍ (بَاطِلٌ) لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ لِلشَّفِيعِ بِالطَّلَبِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِهِ هُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهِ لِحَقِّهِ. وَإِنْ نَهَى شَفِيعٌ مُشْتَرِيًا عَنْ التَّصَرُّفِ بِلَا طَلَبٍ بِالشُّفْعَةِ لَمْ يَمْتَنِعْ تَصَرُّفُهُ وَسَقَطَتْ الشُّفْعَةُ لِتَرَاخِيهِ، (وَ) تَصَرُّفُ مُشْتَرٍ (قَبْلَهُ) أَيْ: الطَّلَبِ (بِوَقْفٍ) عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بِمَا لَا تَجِبُ بِهِ شُفْعَةٌ ابْتِدَاءً كَجَعْلِهِ مَهْرًا أَوْ عِوَضًا فِي خُلْعٍ) أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ (أَوْ) جَعْلِهِ (صُلْحًا عَنْ دَمِ عَمْدٍ يُسْقِطُهَا) أَيْ: الشُّفْعَةَ ; لِأَنَّ فِي الشُّفْعَةِ إضْرَارًا بِالْمَأْخُوذِ مِنْهُ إذَنْ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ عَنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ; لِأَنَّ الثَّمَنَ إنَّمَا يَأْخُذُهُ الْمُشْتَرِي وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ. وَ (لَا) تَسْقُطُ بِتَصَرُّفِ مُشْتَرٍ فِي شِقْصٍ قَبْلَ طَلَبٍ (بِرَهْنٍ أَوْ إجَارَةٍ) لِبَقَائِهِ فِي مِلْكِ مُشْتَرٍ، وَسَبْقَ تَعَلُّقُ حَقِّ شَفِيعٍ عَلَى حَقِّ مُرْتَهِنٍ وَمُسْتَأْجِرٍ (وَيَنْفَسِخَانِ) أَيْ: الرَّهْنُ وَالْإِجَارَةُ (بِأَخْذِهِ) أَيْ: الشَّفِيعِ الشِّقْصَ الْمَرْهُونَ أَوْ الْمُؤَجَّرَ بِالشُّفْعَةِ مِنْ حِينِ الْأَخْذِ لِسَبْقِ حَقِّهِمَا وَلِخُرُوجِ الشِّقْصِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي قَهْرًا بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَلِاسْتِنَادِ الْآخِذِ إلَى حَالِ الشِّرَاءِ. وَإِنْ وَصَّى بِالشِّقْصِ فَإِنْ أَخَذَ شَفِيعٌ قَبْلَ قَبُولٍ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَاسْتَقَرَّ الْأَخْذُ. وَكَذَا لَوْ طَلَبَ وَلَمْ يَأْخُذْ وَيَدْفَعُ الثَّمَنَ إلَى الْوَرَثَةِ. وَإِنْ قَبِلَ مُوصًى لَهُ قَبْلَ أَخْذِ شَفِيعٍ وَطَلَبِهِ بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ. وَإِنْ ارْتَدَّ مُشْتَرٍ وَقُتِلَ أَوْ مَاتَ فَلِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
(وَإِنْ بَاعَ) مُشْتَرٍ الشِّقْصَ (أَخَذَهُ شَفِيعٌ
стр. 992
بِثَمَنِ أَيْ: الْبَيْعَيْنِ شَاءَ) ; لِأَنَّ سَبَبَ الشُّفْعَةِ الشِّرَاءُ وَقَدْ وُجِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَلِأَنَّهُ شَفِيعٌ فِي الْعَقْدَيْنِ. وَكَذَا لَوْ تَعَدَّدَتْ الْبُيُوعُ. فَإِنْ أَخَذَ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ انْفَسَخَ مَا بَعْدَهُ. وَإِنْ أَخَذَ بِالْأَخِيرِ لَمْ يَنْفَسِخْ شَيْءٌ مِنْهَا. وَإِنْ أَخَذَ بِالْمُتَوَسِّطِ انْفَسَخَ مَا بَعْدَهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ، (وَيَرْجِعُ مَنْ أُخِذَ الشِّقْصُ مِنْهُ بِبَيْعٍ قَبْلَ بَيْعِهِ عَلَى بَائِعِهِ بِمَا أَعْطَاهُ) مِنْ ثَمَنِهِ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ الْأَوَّلُ بِعَشَرَةِ أَرَادِبَ شَعِيرٍ، وَالثَّانِي بِعَشَرَةِ أَرَادِبَ فُولٍ، وَالثَّالِثُ بِعَشَرَةِ أَرَادِبَ قَمْحٍ وَأَخَذَ الشَّفِيعُ مِنْ الْأَوَّلِ دَفَعَ لَهُ الْعَشَرَةَ أَرَادِبَ شَعِيرٍ، وَيَرْجِعُ كُلٌّ مِنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَى بَائِعِهِ بِمَا دَفَعَ لَهُ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ أَخَذَ بِالْبَيْعِ الثَّانِي دَفَعَ لِلْمُشْتَرِي الثَّانِي عَشَرَةَ أَرَادِبَ فُولٍ، وَيَرْجِعُ الثَّالِثُ عَلَى الثَّانِي بِمَا دَفَعَهُ لَهُ. وَإِنْ أَخَذَ بِالْبَيْعِ الثَّالِثُ دَفَعَ لِلْمُشْتَرِي الثَّالِثِ عَشَرَةَ أَرَادِبَ قَمْحٍ. وَلَا رُجُوعَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِهِ.
(وَلَا تَسْقُطُ) الشُّفْعَةُ (بِفَسْخِ) الْبَيْعِ (لِتَحَالُفٍ) لِاخْتِلَافِ بَائِعٍ وَمُشْتَرٍ فِي قَدْرِ ثَمَنٍ لِسَبْقِ اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ الْفَسْخَ، (وَيُؤْخَذُ) الشِّقْصُ (بِمَا) أَيْ: بِثَمَنٍ (حَلَفَ عَلَيْهِ بَائِعٌ) ; لِأَنَّ الْبَائِعَ مُقِرٌّ بِالْبَيْعِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلِلشَّفِيعِ بِاسْتِحْقَاقٍ الشُّفْعَةُ بِهِ، فَإِذَا بَطَلَ حَقُّ الْمُشْتَرِي بِإِنْكَارِهِ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّ شَفِيعٍ، فَلَهُ إبْطَالُ فَسْخِهِمَا لِسَبْقِ حَقِّهِ، (وَلَا) تَسْقُطُ شُفْعَةٌ (بِإِقَالَةٍ، أَوْ) فَسْخٍ لِ (عَيْبٍ فِي شِقْصٍ) فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ وَتَبْطُلُ الْإِقَالَةُ وَالْفَسْخُ لِسَبْقِ حَقِّهِ (وَ) فَسْخُ بَيْعٍ لِعَيْبٍ (فِي ثَمَنِهِ) أَيْ: الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ (الْمُعَيَّنِ) كَهَذَا الْعَبْدِ، فَوَجَدَهُ أَصَمَّ مَثَلًا، وَفُسِخَ (قَبْلَ أَخْذِهِ) أَيْ: الشَّفِيعِ الشِّقْصَ (بِهَا) أَيْ: الشُّفْعَةِ (يُسْقِطُهَا) لِئَلَّا يَنْضَرَّ الْبَائِعُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ الْفَسْخِ وَالشُّفْعَةِ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ فَلَا تَثْبُتُ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلَ بِهِ الضَّرَرُ، وَلِسَبْقِ حَقِّ الْبَائِعِ فِي الْفَسْخِ لِاسْتِنَادِهِ إلَى وُجُودِ الْعَيْبِ وَهُوَ مَوْجُودٌ حَالَ الْبَيْعِ، وَالشُّفْعَةُ ثَبَتَتْ بِالْبَيْعِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعَيْبُ فِي الشِّقْصِ. فَإِنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي إنَّمَا هُوَ فِي اسْتِرْجَاعِ الثَّمَنِ وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنْ الشَّفِيعِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الرَّدِّ. وَهُنَا حَقُّ الْبَائِعِ فِي اسْتِرْجَاعِ الشِّقْصِ وَلَا يَحْصُلَ مَعَ الْأَخْذِ. وَ (لَا) تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ بِالْفَسْخِ لِعَيْبٍ فِي الثَّمَنِ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْأَخْذِ بِهَا لِمِلْكِ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ بِالْأَخْذِ. فَلَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ إبْطَالَ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي لِأَجْنَبِيٍّ.
(وَلِبَائِعٍ) فَسْخٌ بَعْدَ أَخْذِ شَفِيعٍ (إلْزَامُ مُشْتَرٍ بِقِيمَةِ شِقْصِهِ) ; لِفَوَاتِهِ عَلَيْهِ بِيَدِهِ (وَبِتَرَاجُعِ مُشْتَرٍ وَشَفِيعٍ بِمَا بَيْنَ قِيمَةِ) شِقْصٍ (وَثَمَنِهِ) وَهُوَ قِيمَةُ الْعَبْدِ فِي الْمِثَالِ. ; لِأَنَّ الشَّفِيعَ أَخَذَهُ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَيْبِ الْعَبْدِ بِقِيمَتِهِ، وَبَعْدَ
стр. 993
الْفَسْخِ اسْتَقَرَّ الْعَقْدُ عَلَى قِيمَةِ الشِّقْصِ وَالشَّفِيعُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ (فَيَرْجِعُ دَافِعُ الْأَكْثَرِ) مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ (بِالْفَضْلِ) أَيْ: الزَّائِدِ. فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الشِّقْصِ ثَمَانِينَ وَالْعَبْدِ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ مِائَةً وَكَانَ الْمُشْتَرِي أَخَذَ الْمِائَةَ مِنْ الشَّفِيعِ رَجَعَ الشَّفِيعُ عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ. لِأَنَّ الشِّقْصَ إنَّمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِثَمَانِينَ.
(وَلَا يَرْجِعُ شَفِيعٌ عَلَى مُشْتَرٍ بِأَرْشِ عَيْبٍ فِي ثَمَنٍ عَفَا عَنْهُ بَائِعٌ) أَيْ: أَبْرَأَهُ مِنْهُ كَمَا لَوْ حَطَّ عَنْهُ بَعْضَ الثَّمَنِ بَعْدَ لُزُومِ بَيْعٍ، وَإِنْ اخْتَارَ بَائِعٌ أَخْذَ أَرْشِ عَيْبِ الثَّمَنِ لَمْ يَرْجِعْ مُشْتَرٍ عَلَى شَفِيعٍ بِشَيْءٍ إنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ الْعَبْدِ غَيْرَ مَعِيبٍ وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ بِبَدَلِ أَرْشِهِ. فَإِنْ عَادَ الشِّقْصُ إلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الشَّفِيعِ أَوْ غَيْرِهِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَمْلِكْ بَائِعٌ اسْتِرْجَاعَهُ بِمُقْتَضَى فَسْخِهِ لِعَيْبِ الثَّمَنِ السَّابِقِ لِزَوَالِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي عَنْهُ وَانْقِطَاعِ حَقِّهِ مِنْهُ إلَى الْقِيمَةِ، فَإِذَا أَخَذَهَا الْبَائِعُ لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ بِخِلَافِ مَغْصُوبٍ أُخِذَتْ قِيمَتُهُ لِنَحْوِ إبَاقِهِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ. لِأَنَّ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ، وَإِنْ بَانَ الثَّمَنُ مُسْتَحَقًّا فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ أَخَذَ بِهَا رَدَّ مَا أَخَذَ عَلَى بَائِعِهِ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِ الشَّفِيعِ وَالْمُتَبَايِعِينَ، (وَإِنْ أَدْرَكَهُ) أَيْ: الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ (شَفِيعٌ وَقَدْ اشْتَغَلَ بِزَرْعِ مُشْتَرٍ، أَوْ) أَدْرَكَهُ وَقَدْ (ظَهَرَ ثَمَرٌ) فِي شَجَرَةٍ بَعْدَ شِرَائِهِ (أَوْ) أَدْرَكَهُ شَفِيعٌ وَقَدْ (أُبِّرَ طَلْعٌ) لِنَخْلٍ بِهِ بَعْدَ الشِّرَاءِ، وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَهُ بِلَا تَأْبِيرٍ (وَنَحْوِهِ) كَظُهُورِ لُقَطَةٍ مِنْ قِثَّاءٍ أَوْ بَاذِنْجَانَ وَنَحْوِهِ بِالشِّقْصِ بِأُصُولِهِ ثُمَّ أَدْرَكَهُ شَفِيعٌ، (فَ) الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ وَالطَّلْعُ الْمُؤَبَّرُ وَنَحْوُهُ (لَهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ ; لِأَنَّ الزَّرْعَ نَمَاءُ بَذْرِهِ وَالثَّمَرَ وَنَحْوِهِ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ (وَيَبْقَى) زَرْعٌ (لِحَصَادٍ وَ) يَبْقَى ثَمَرٌ وَنَحْوُهُ لِ (جُذَاذٍ وَنَحْوِهِ) كَلِقَاطٍ فِي نَحْوِ بَامِيَا وَخِيَارٍ (بِلَا أُجْرَةٍ) عَلَى مُشْتَرٍ لِشَفِيعٍ ; لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ كَالشِّرَاءِ الثَّانِي مِنْ الْمُشْتَرِي فَحُكْمُهُ كَالْبَيْعِ. فَإِنْ كَانَ الطَّلْعُ مَوْجُودًا حِينَ الشِّرَاءِ غَيْرَ مُؤَبَّرٍ وَأُبِّرَ عِنْدَ مُشْتَرٍ فَكَذَلِكَ، لَكِنْ يَأْخُذُ شَفِيعٌ أَرْضًا وَنَخْلًا بِحِصَّتِهِمَا مِنْ ثَمَنٍ لِفَوَاتِ بَعْضِ مَا شَمِلَهُ عَقْدُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ. بِخِلَافِ مَا لَوْ نَمَا مَبِيعٌ بِيَدِ مُشْتَرٍ نَمَاءً مُتَّصِلًا كَالشَّجَرِ يَكْبَرُ وَالنَّخْلِ يَطْلُعُ وَلَمْ يُؤَبَّرْ، فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِزِيَادَتِهِ لِتَبَعِهَا لَهُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِ. وَإِنَّمَا لَمْ يَرْجِعْ الزَّوْجُ فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ زَائِدًا إذَا طَلَّقَ قَبْلَ دُخُولٍ ; لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى رُجُوعِهِ بِالْقِيمَةِ إذَا فَاتَهُ الرُّجُوعُ بِالْعَيْنِ. وَفِي مَسْأَلَةِ الشَّفِيعِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ فِي الشِّقْصِ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ.
(وَإِنْ قَاسَمَ مُشْتَرٍ شَفِيعًا أَوْ) قَاسَمَ ((وَكِيلَهُ) أَيْ: الشَّفِيعِ لِإِظْهَارِهِ) أَيْ: الْمُشْتَرِي لِشَفِيعٍ (زِيَادَةَ ثَمَنٍ وَنَحْوَهُ) كَإِظْهَارِهِ أَنَّ الشَّرِيكَ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ
стр. 994
وَقَفَهُ عَلَيْهِ وَنَحْوَهُ (ثُمَّ غَرَسَ) مُشْتَرٍ (أَوْ بَنَى) فِيمَا خَرَجَ بِالْقِسْمَةِ ثُمَّ ظَهَرَ الْحَالُ (لَمْ تَسْقُطْ) الشُّفْعَةُ ; لِأَنَّ تَرْكَ الشَّفِيعِ الطَّلَبَ بِهَا لَيْسَ لِإِعْرَاضِهِ عَنْهَا بَلْ لِمَا أَظْهَرَهُ الْمُشْتَرِي وَكَذَا لَوْ كَانَ الشَّفِيعُ غَائِبًا أَوْ صَغِيرًا وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي الْقِسْمَةَ مِنْ الْحَاكِمِ أَوْ وَلِيِّ الصَّغِيرِ فَقَاسَمَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ وَبَلَغَ الصَّغِيرُ فَلَهُمَا الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ (وَلِرَبِّهِمَا) أَيْ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ إذَا أُخِذَ الشِّقْصُ بِالشُّفْعَةِ (أَخَذَهُمَا) أَيْ: قَلْعُ غِرَاسِهِ وَبِنَائِهِ لِأَنَّهُمَا نَمَاءُ مِلْكِهِ عَلَى انْفِرَادِهِ (وَلَوْ مَعَ ضَرَرِ) أَرْضٍ لِأَنَّهُ تَخْلِيصٌ لِعَيْنِ مَالِهِ مِمَّا كَانَ حِينَ الْوَضْعِ فِي مِلْكِهِ.
(وَلَا يَضْمَنُ) مُشْتَرٍ قَلْعَ غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهٍ (نَقْصًا) حَصَلَ فِي أَرْضٍ (بِقَلْعٍ) لِانْتِفَاءِ عُدْوَانِهِ، ثُمَّ اخْتَارَ شَفِيعٌ أَخْذَهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ أَوْ تَرْكَهُ، (فَإِنْ أَبَى) مُشْتَرٍ قَلْعَ غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهِ (فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ) أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ مِلْكًا (بِقِيمَتِهِ حِينَ تَقْوِيمِهِ) لَا بِمَا أَنْفَقَ الْمُشْتَرِي زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ أَوْ نَقَصَ، فَتُقَوَّمُ الْأَرْضُ مَغْرُوسَةً أَوْ مَبْنِيَّةً ثُمَّ تُقَوَّمُ خَالِيَةً مِنْهُمَا فَمَا بَيْنَهُمَا فَقِيمَةُ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ فَيَدْفَعُهُ شَفِيعٌ لِمُشْتَرٍ إنْ أَحَبَّ أَوْ مَا نَقَصَ مِنْهُ إنْ اخْتَارَ الْقَلْعَ. لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي زَادَ بِالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ. جَزَمَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ (أَوْ بِقَلْعِهِ وَيَضْمَنُ نَقْصَهُ) بِقَلْعِهِ (مِنْ قِيمَتِهِ) عَلَى مَا سَبَقَ، (فَإِنْ أَبَى) شَفِيعٌ ذَلِكَ (فَلَا شُفْعَةَ) أَيْ: سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ; لِأَنَّهُ مُضَارٌّ، (وَإِنْ حَفَرَ) مُشْتَرٍ فِي أَرْضٍ مِنْهَا الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ (بِئْرًا) لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ شَفِيعٍ لِإِظْهَارِ زِيَادَةِ ثَمَنٍ وَنَحْوَهُ ثُمَّ عَلِمَ وَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ، وَكَذَا لَوْ قَاسَمَ كَمَا تَقَدَّمَ وَحَفَرَ فِي نَصِيبِهِ بِئْرًا ثُمَّ أَخَذَهُ شَفِيعٌ (أَخَذَهَا) أَيْ: الْبِئْرَ تَبَعًا لِلشِّقْصِ (وَلَزِمَهُ) أَيْ: الشَّفِيعَ لِمُشْتَرٍ (أُجْرَةُ مِثْلِهَا) أَيْ: الْبِئْرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ بِحَفْرِهَا، فَإِنْ طَوَاهَا فَكَالْبِنَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ بَاعَ شَفِيعٌ شِقْصَهُ) مِنْ أَرْضٍ بِهَا الشِّقْصُ الْمَشْفُوعُ (قَبْلَ عِلْمِهِ) بِبَيْعِ شَرِيكِهِ (فَ) هُوَ (عَلَى شُفْعَتِهِ) لِثُبُوتِهَا لَهُ حِينَ بَيْعِ شَرِيكِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى عَفْوِهِ عَنْهَا، (وَتَثْبُتُ) الشُّفْعَةُ (لِمُشْتَرٍ) لَمْ يَعْلَمْ شَفِيعٌ بِشِرَائِهِ حِينَ بِيعَ شِقْصُهُ (فِي ذَلِكَ) الَّذِي بَاعَهُ الشَّفِيعُ قَبْلَ عِلْمِهِ، سَوَاءٌ أَخَذَ مِنْهُ مَا اشْتَرَاهُ بِالشُّفْعَةِ أَوْ لَا ; لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي الرَّقَبَةِ. أَشْبَهَ الْمَالِكَ الَّذِي لَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ شَفْعُهُ، وَإِنْ بَاعَ شَفِيعٌ جَمِيعَ حِصَّتِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِبَيْعِ شَرِيكِهِ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ، وَإِنْ بَاعَ بَعْضَ حِصَّتِهِ عَالِمًا فَفِي سُقُوطِ الشُّفْعَةِ وَجْهَانِ: قَالَ الْحَارِثِيُّ عَنْ عَدَمِ السُّقُوطِ: إنَّهُ أَصَحُّ لِقِيَامِ الْمُقْتَضَى وَهُوَ الشَّرِكَةُ، وَهَلْ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ شُفْعَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي إذَنْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: أَحَدُهُمَا: لَهُ الشُّفْعَةُ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
стр. 995
(وَتَبْطُلُ) أَيْ: تَسْقُطُ شُفْعَةٌ (بِمَوْتِ شَفِيعٍ) قَبْلَ طَلَبٍ مَعَ قُدْرَةٍ أَوْ إشْهَادٍ مَعَ عُذْرٍ ; لِأَنَّهَا نَوْعُ خِيَارٍ شُرِعَ لِلتَّمْلِيكِ أَشْبَهَ الْإِيجَابَ قَبْلَ قَبُولٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ عَلَى الشُّفْعَةِ لِاحْتِمَالِ رَغْبَتِهِ عَنْهَا فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ مَا شَكَّ فِي ثُبُوتِهِ. وَ (لَا) تَسْقُطُ الشُّفْعَةُ بِمَوْتِ شَفِيعٍ (بَعْدَ طَلَبِهِ) أَيْ: الْمُشْتَرِي بِهَا (أَوْ) بَعْدَ (إشْهَادٍ بِهِ) أَيْ: الطَّلَبِ (حَيْثُ اُعْتُبِرَ) الْإِشْهَادُ لِمَرَضِ شَفِيعٍ وَنَحْوِهِ، (وَتَكُونُ) الشُّفْعَةُ إذَا مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ (لِوَرَثَتِهِ كُلِّهِمْ بِقَدْرِ إرْثِهِمْ) ; لِأَنَّ الطَّلَبَ يَنْتَقِلُ بِهِ الْمِلْكُ لِلشَّفِيعِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَى مُقَابَلَةِ مُقَرَّرٍ لِلْحَقِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَوْرُوثًا. فَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لَهُمْ وَلَا لِبَعْضِهِمْ رَدٌّ لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَى مُوَرِّثِهِمْ بِطَلَبِهِ، وَعَلَى الثَّانِي إذَا عَفَا بَعْضُهُمْ تَوَفَّرَ عَلَى الْبَاقِينَ، وَلَيْسَ لَهُمْ إلَّا أَخْذُ الْكُلِّ أَوْ تَرْكُهُ كَالشُّفَعَاءِ إذَا عَفَا بَعْضُهُمْ (فَإِنْ عَدِمُوا) أَيْ: وَرَثَتُهُ مَنْ مَاتَ بَعْدَ طَلَبِهِ أَوْ إشْهَادٍ عَلَيْهِ (فَلِإِمَامٍ الْأَخْذُ بِهَا) ; لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَقِرٌّ لِمَيِّتٍ لَا وَارِثَ لَهُ، فَمَلَكَ الْإِمَامُ أَخْذَهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ قُلْتُ: الْقِيَاسُ أَنَّهُ مِلْكُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. عَلَى وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ إعْطَاؤُهُ الثَّمَنَ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ.
[فَصْلٌ وَيَمْلِكُ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ شَفِيعٌ]
(فَصْلٌ وَيَمْلِكُ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ) (شَفِيعٌ) بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ (مُلِئَ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ) الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ شِرَاؤُهُ بِهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا " هُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ فِي الْمُتَرْجَمِ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الشِّقْصَ بِالْبَيْعِ فَكَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِالثَّمَنِ كَالْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأَخْذُ لِحَاجَتِهِ خَاصَّةً (الْمَعْلُومِ) لِشَفِيعٍ. لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ أَخْذٌ بِعِوَضٍ، فَاشْتُرِطَ عِلْمُ بَاذِلِهِ بِهِ قَبْلَ إقْدَامِهِ عَلَى الْتِزَامِهِ كَمُشْتَرِي الْمَبِيعِ (، وَيَدْفَعُ) لِمُشْتَرٍ (مِثْلَ) ثَمَنِ (مِثْلِيٍّ) كَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَحُبُوبٍ وَأَدْهَانٍ مِنْ جِنْسِهِ ; لِأَنَّهُ مِثْلُهُ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ وَالْقِيمَةِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِمَّا سِوَاهُ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ بَدَلُ الثَّمَنِ فَكَانَ مِثْلُهُ كَبَدَلِ قَرْضٍ وَمُتْلَفٍ (وَ) يَدْفَعُ لِمُشْتَرٍ (قِيمَةَ) ثَمَنٍ (مُتَقَوِّمٍ) مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ نَحْوِهِمَا ; لِأَنَّهُ بَدَلُهُ فِي الْإِتْلَافِ وَتُعْتَبَرُ وَقْتَ الشِّرَاءِ لِأَنَّهُ وَقْتُ اسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ سَوَاءٌ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ ثَمَّ خِيَارٌ اُعْتُبِرَتْ عِنْدَ لُزُومِهِ. لِأَنَّهُ وَقْتُ اسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى شَفِيعٍ (مِثْلُ مِثْلِيٍّ) لِعَدَمِهِ (فَ) عَلَيْهِ (قِيمَتُهُ) لِأَنَّهَا بَدَلُهُ فِي الْإِتْلَافِ (أَوْ) تَعَذَّرَتْ (مَعْرِفَةُ قِيمَةِ) الثَّمَنِ (الْمُتَقَوِّمِ)
стр. 996
بِتَلَفٍ أَوْ نَحْوِهِ (فَ) عَلَى شَفِيعٍ (قِيمَةُ شِقْصٍ) مَشْفُوعٍ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ أَنْ تَكُونَ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ ; لِأَنَّ وُقُوعَهَا بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مُحَابَاةً وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا (وَإِنْ جَهِلَ الثَّمَنَ) أَيْ: قَدْرَهُ كَصُبْرَةٍ تَلِفَتْ أَوْ اخْتَلَطَتْ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ (وَلَا حِيلَةَ) فِي ذَلِكَ عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ (سَقَطَتْ) ; لِأَنَّهَا لَا تُسْتَحَقُّ بِغَيْرِ بَدَلٍ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا لَا يَدَّعِيهِ وَكَمَا لَوْ عَلِمَ قَدْرَ الثَّمَنِ عِنْدَ الشِّرَاءِ ثُمَّ نَسِيَ، (فَإِنْ اتَّهَمَهُ) شَفِيعٌ أَنَّهُ فَعَلَهُ حِيلَةً لِإِسْقَاطِهَا (حَلَّفَهُ) عَلَى نَفْيِهِ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الشَّفِيعِ.
(وَ) إنْ جَهِلَ الثَّمَنَ (مَعَهَا) أَيْ: الْحِيلَةِ (فَ) عَلَى شَفِيعٍ (قِيمَةُ شِقْصٍ) وَيَأْخُذُهُ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ بَيْعٌ بِقِيمَتِهِ (وَإِنْ عَجَزَ) شَفِيعٌ عَنْ ثَمَنِ شِقْصٍ مَشْفُوعٍ (وَلَوْ) كَانَ عَجْزُهُ (عَنْ بَعْضِ ثَمَنِهِ) أَيْ الشِّقْصِ (بَعْدَ إنْظَارِهِ) أَيْ: الشَّفِيعِ (ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا مِنْ حِينِ أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ عَجْزُهُ نَصًّا وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَعَهُ نَقْدٌ فَيُمْهَلُ بِقَدْرِ مَا يُعِدُّهُ فِيهِ وَالثَّلَاثُ يُمْكِنُ الْإِعْدَادُ فِيهَا غَالِبًا. (فَلِمُشْتَرٍ الْفَسْخُ) بِلَا حَاكِمٍ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ إلَى الثَّمَنِ كَبَائِعٍ بِثَمَنٍ حَالَ تَعَذُّرِ وُصُولِهِ إلَيْهِ ; وَلِأَنَّ الْأَخْذَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حَاكِمٍ فَلَا يَتَوَقَّفُ فَسْخُ الْأَخْذِ بِهَا عَلَيْهِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبُيُوعِ وَكَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
(وَلَوْ أَتَى) شَفِيعٌ (بِرَهْنٍ) عَلَى ثَمَنٍ وَلَوْ مُحْرَزًا (أَوْ) أَتَى (بِضَامِنٍ) لَهُ فِيهِ وَلَوْ مَلِيًّا لِبَقَاءِ ضَرَرِهِ بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ تَسْلِيمُ الشِّقْصِ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ (وَمَنْ) أَيْ: مَتَى (بَقِيَ) الثَّمَنُ (بِذِمَّتِهِ حَتَّى فَلِسَ) أَيْ: حَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ لِفَلَسٍ (خُيِّرَ مُشْتَرٍ بَيْنَ فَسْخٍ) لِأَخْذٍ بِشُفْعَةٍ (أَوْ) إمْضَائِهِ (ضَرْبٍ مَعَ الْغُرَمَاءِ) بِالثَّمَنِ كَبَائِعٍ إذَا فَلِسَ مُشْتَرٍ، (وَ) ثَمَنٍ (مُؤَجَّلٍ) اشْتَرَى بِهِ الشِّقْصَ وَلَمْ يُدْرِكْ شَفِيعٌ الْأَخْذَ حَتَّى حَلَّ عَلَى مُشْتَرٍ (كَ) ثَمَنٍ (حَالٍّ) ابْتِدَاءً (وَإِلَّا) يَحِلَّ مُؤَجَّلٌ قَبْلَ أَخْذِ شَفِيعٍ (فَ) إنَّهُ يَأْخُذُهُ بِهِ (إلَى أَجَلِهِ إنْ كَانَ) الشَّفِيعُ (مَلِيًّا) أَيْ: قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ (أَوْ كَفَلَهُ) فِيهِ كَفِيلٌ (مَلِيءٌ) نَصًّا ; لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ وَصِفَتِهِ، وَالتَّأْجِيلُ مِنْ صِفَاتِهِ وَيَنْتَفِي عَنْهُ الضَّرَرُ بِكَوْنِهِ مَلِيًّا أَوْ كَفَلَهُ مَلِيءٌ وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي مَعَ الْمَلَاءَةِ وَصْفَ الثِّقَةِ، وَإِذَا أَخَذَ بِالثَّمَنِ مُؤَجَّلًا ثُمَّ مَاتَ هُوَ أَوْ مُشْتَرٍ فَحَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْآخَرِ (وَيُعْتَدُّ) فِي قَدْرِ ثَمَنٍ (بِمَا زِيدَ) فِيهِ زَمَنٌ مِنْ خِيَارٍ، (أَوْ حُطَّ) مِنْهُ (زَمَنُهُ) ; لِأَنَّهُ كَحَالَةِ الْعَقْدِ ; وَلِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ إنَّمَا يَثْبُتُ إذْ لَزِمَ الْعَقْدُ، وَالزِّيَادَةُ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ هِبَةٌ، وَالنَّقْضُ بَعْدَهُ إبْرَاءٌ فَلَا يَثْبُتَانِ فِي حَقِّ شَفِيعٍ.
(وَيُصَدَّقُ مُشْتَرٍ بِيَمِينِهِ) فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ هُوَ وَشَفِيعٌ (فِي
стр. 997
قَدْرِ ثَمَنٍ) اشْتَرَى بِهِ الشِّقْصَ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ ; لِأَنَّ الْعَاقِدَ أَعْرَفُ بِالثَّمَنِ، وَالشِّقْصُ مِلْكُهُ فَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ بِدُونِ مَا يَدَّعِي بِهِ مِنْ قَدْرِ الثَّمَنِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَيْسَ الشَّفِيعُ بِغَارِمٍ ; لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُرِيدُ تَمَلُّكَ الشِّقْصِ بِثَمَنِهِ بِخِلَافِ غَاصِبٍ وَنَحْوِهِ، (وَلَوْ) كَانَ الثَّمَنُ (قِيمَةَ عَرْضٍ) اشْتَرَى بِهِ الشِّقْصَ وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ فَقَوْلُ مُشْتَرٍ فِيهَا حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ الْعَرْضُ مَوْجُودًا عُرِضَ عَلَى الْمُقَوِّمِينَ لِيَشْهَدُوا بِقَدْرِ قِيمَتِهِ.
(وَ) يُصَدَّقُ مُشْتَرٍ بِيَمِينِهِ (فِي جَهْلٍ بِهِ) أَيْ: بِقَدْرِ الثَّمَنِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ جُزَافًا أَوْ بِثَمَنٍ نَسِيَ مَبْلَغَهُ، (وَ) يُصَدَّقُ مُشْتَرٍ بِيَمِينِهِ فِي (أَنَّهُ غَرَسَ أَوْ بَنَى) فِي أَرْضٍ مِنْهَا الشِّقْصُ الْمَشْفُوعُ إذَا أَنْكَرَهُ الشَّفِيعُ وَإِنَّهُ كَانَ بِهَا حَالَ الشِّرَاءِ ; لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَالشَّفِيعُ يُرِيدُ تَمَلُّكَهُ فَيَضِيعُ عَلَيْهِ (إلَّا مَعَ بَيِّنَةِ) شَفِيعٍ فَيُعْمَلُ بِهَا، (وَتُقَدَّمُ) بَيِّنَةُ شَفِيعٍ (عَلَى بَيِّنَةِ مُشْتَرٍ) إنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ خَارِجٌ وَالْمُشْتَرِي دَاخِلٌ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَائِعٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ; لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ (إنْ قَالَ) مُشْتَرٍ لِشِقْصٍ: (اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ وَأَثْبَتَهُ) أَيْ: الشِّرَاءَ (بَائِعٌ بِأَكْثَرَ) مِنْ أَلْفٍ (فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ أَيْ: الشِّقْصِ) (بِأَلْفٍ) لِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي بِاسْتِحْقَاقِ أَخْذِهِ بِهَا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ; وَلِأَنَّ دَعْوَى الْمُشْتَرِي تَتَضَمَّنُ دَعْوَى كَذِبِ الْبَيِّنَةِ، وَإِنَّ الْبَائِعَ ظَلَمَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَلْفِ فَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا حَكَمَ بِهِ الْبَائِعُ لِأَنَّهُ لَا يُكَذِّبُهَا (فَإِنْ قَالَ) مُشْتَرٍ صَدَقَتْ الْبَيِّنَةُ وَ (خَلَطْتُ) أَنَا (أَوْ نَسِيتُ أَوْ كَذَبْتُ لَمْ يُقْبَلْ) رُجُوعُهُ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إقْرَارٍ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ.
(وَإِنْ ادَّعَى شَفِيعٌ) عَلَى مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ شِقْصٌ كَانَ لِشَرِيكِهِ (شِرَاءَهُ) أَيْ: الشِّقْصِ (بِأَلْفٍ) وَطَلَبَ الشُّفْعَةَ حَرَّرَ الدَّعْوَى فَيُحَدِّدُ الْمَكَانَ الَّذِي مِنْهُ الشِّقْصُ، وَيَذْكُرُ قَدْرَ الشِّقْصِ، فَإِنْ اعْتَرَفَ غَرِيمُهُ وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ فَإِنْ أَنْكَرَ الشِّرَاءَ (فَقَالَ بَلْ اتَّهَبْتُهُ أَوْ وَرِثْتُهُ حَلَفَ) عَلَيْهِ وَلَا شُفْعَةَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْبَيْعُ الْمُثْبِتُ لِلشُّفْعَةِ، (فَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ وَجَبَتْ (أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ) بِالْبَيْعِ وَجَبَتْ (أَوْ أَنْكَرَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ الشِّرَاءَ (وَأَقَرَّ بَائِعٌ بِهِ وَجَبَتْ) الشُّفْعَةُ لِثُبُوتِ مُوجِبِهَا.
(وَ) يُنْتَزَعُ مِنْهُ الشِّقْصَ وَلَيْسَ لِبَائِعٍ وَلَا شَفِيعٍ مُحَاكَمَةُ مُشْتَرٍ لِإِثْبَاتِ الْبَيْعِ فِي حَقِّهِ، وَ (يَبْقَى الثَّمَنُ) إنْ أَبَى قَبْضَهُ حَتَّى فِي الْمَسْأَلَةِ (الْأَخِيرَةِ إنْ أَقَرَّ بَائِعٌ بِقَبْضِهِ) أَيْ: الثَّمَنِ مِمَّنْ اُنْتُزِعَ مِنْهُ (فِي ذِمَّةِ شَفِيعٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيَبْقَى (حَتَّى يَدَّعِيَهُ مُشْتَرٍ) فَيُدْفَعُ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ غَيْرُهُ (وَإِلَّا) يَكُنْ بَائِعٌ فِي الْأَخِيرَةِ أَقَرَّ بِقَبْضِ ثَمَنٍ (أَخَذَ) الشَّفِيعُ (الشِّقْصَ مِنْ بَائِعٍ وَدَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ) لِاعْتِرَافِهِ بِالْبَيْعِ الْمُوجِبِ
стр. 998
لِلشُّفْعَةِ ; لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِحَقَّيْنِ: حَقٍّ لِلشَّفِيعِ، وَحَقٍّ لِلْمُشْتَرِي. فَإِذَا سَقَطَ حَقُّ الْمُشْتَرِي بِإِنْكَارِهِ وَثَبَتَ حَقُّ الْآخَرِ (وَلَوْ ادَّعَى شَرِيكٌ) فِي عَقَارٍ فِيهِ الشُّفْعَةُ (عَلَى حَاضِرٍ بِيَدِهِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ الْغَائِبِ أَنَّهُ) أَيْ الْحَاضِرَ (اشْتَرَاهُ) أَيْ: الشِّقْصَ (مِنْهُ) أَيْ: الْغَائِبِ (وَأَنَّهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (يَسْتَحِقُّهُ) أَيْ: الشِّقْصَ (بِالشُّفْعَةِ فَصَدَّقَهُ) مُدَّعًى عَلَيْهِ (أَخَذَهُ) أَيْ: الشِّقْصَ مُدَّعٍ مِمَّنْ هُوَ بِيَدِهِ لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ، (وَكَذَا لَوْ ادَّعَى) شَرِيكٌ عَلَى حَاضِرٍ (أَنَّكَ بِعْتَ نَصِيبَ الْغَائِبِ بِإِذْنِهِ فَقَالَ: نَعَمْ) فَلِمُدَّعٍ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، (فَإِذَا قَدِمَ) الْغَائِبُ (فَأَنْكَرَ) الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ (حَلَفَ) ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَانْتَزَعَ الشِّقْصَ وَطَالَبَ بِالْأُجْرَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا (وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الشَّفِيعِ) لِتَلَفِ الْمَنَافِعِ تَحْتَ يَدِهِ، وَإِنْ ادَّعَى عَلَى مَنْ بِيَدِهِ نَصِيبُ الْغَائِبِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ فَأَنْكَرَ وَقَالَ: إنَّمَا أَنَا وَكِيلٌ فِيهِ أَوْ مُسْتَوْدَعٌ لَهُ فَقَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فَإِنْ نَكَلَ فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ.
[فَصْلٌ وَتَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي شِقْصٍ ادَّعَى مُشْتَرٍ شِرَاءَهُ لِمُوَلِّيهِ]
(فَصْلٌ وَتَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيمَا) أَيْ: شِقْصٍ (ادَّعَى) مُشْتَرٍ (شِرَاءَهُ لِمُوَلِّيهِ) أَيْ مَحْجُورِهِ ; لِأَنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ ثَبَتَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ فَاسْتَوَى فِيهِ جَائِزُ التَّصَرُّفِ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَقُبِلَ إقْرَارُ وَلِيِّهِ فِيهِ كَإِقْرَارِهِ بِعَيْبٍ فِي مَبِيعِهِ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى شِرَاءَهُ لِغَائِبٍ فَثَبَتَ فِيهِ وَيَأْخُذُهُ حَاكِمٌ وَيَدْفَعُهُ لِشَفِيعٍ وَالْغَائِبُ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ، وَإِنْ أَقَرَّ مُدَّعًى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ لِمُوَكِّلِهِ الْغَائِبِ أَوْ لِمَحْجُورِهِ ثُمَّ أَقَرَّ بِالشِّرَاءِ بَعْدُ لَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ بِالشِّرَاءِ أَوْ اعْتِرَافِ غَائِبٍ أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بَعْدَ فَكِّهِ بِالشِّرَاءِ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمَا بِالْإِقْرَارِ فَإِقْرَارُهُ بَعْدَهُ بِالشِّرَاءِ إقْرَارٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَا يُقْبَلُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ الْمِلْكِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ وَلَمْ يُطَالَبْ بِبَيَانِهِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَ (لَا) تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ (مَعَ خِيَارِ) مَجْلِسٍ أَوْ شَرْطِ الْبَائِعِ أَوْ مُشْتَرٍ (قَبْلَ انْقِضَائِهِ) نَصًّا ; لِأَنَّ الْمِلْكَ يَسْتَقِرُّ وَلِأَنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّ الْبَائِعِ مِنْ الْخِيَارِ وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ بِالْعَقْدِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مَا لَوْ بَاعَ شَفِيعٌ حِصَّتَهُ بَعْدَ بَيْعِ شَرِيكِهِ (وَعُهْدَةُ شَفِيعٍ) إنْ ظَهَرَ الشِّقْصُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا وَأَرَادَ الشَّفِيعُ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ أَوْ الْأَرْشِ فَيَكُونُ (عَلَى مُشْتَرٍ) ; لِأَنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَهُ مِنْ جِهَتِهِ فَهُوَ كَبَائِعِهِ (إلَّا إذَا أَنْكَرَ) مُشْتَرٍ الشِّرَاءَ وَلَا بَيِّنَةَ بِهِ (وَأَخَذَ) الشِّقْصَ (مِنْ بَائِعٍ) مُقِرٍّ الْبَيْعَ، (فَ) الْعُهْدَةُ (إذَنْ عَلَيْهِ) أَيْ: الْبَائِعِ لِحُصُولِ الْمِلْكِ لِلشَّفِيعِ مِنْ جِهَتِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: (كَ) مَا أَنَّ (عُهْدَةِ مُشْتَرٍ) عَلَى
стр. 999
بَائِعٍ (فَإِنْ أَبَى مُشْتَرٍ) لِشِقْصٍ مَشْفُوعٍ (قَبْضَ مَبِيعٍ) لِيُسَلِّمَهُ لِشَفِيعٍ (أَجْبَرَهُ حَاكِمٌ) لِوُجُوبِ الْقَبْضِ عَلَيْهِ لِيُسَلِّمَهُ لِلشَّفِيعِ.
(وَإِنْ وَرِثَ اثْنَانِ شِقْصًا) عَنْ أَبِيهِمَا أَوْ غَيْرِهِ مَعَ تَسَاوٍ أَوْ تَفَاضُلٍ (فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ) الَّذِي وَرِثَهُ أَوْ بَعْضَهُ (فَالشُّفْعَةُ) فِي الْمَبِيعِ (بَيْنَ) الْوَارِثِ (الثَّانِي) الَّذِي لَمْ يَبِعْ.
(وَ) بَيْنَ (شَرِيكِ مُوَرِّثِهِ) عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا ; لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ حَالَ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ مَلَكَاهَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى نِصْفَ دَارٍ اشْتَرَى اثْنَانِ نِصْفَهَا الْآخَرَ أَوْ اتَّهَبَاهُ أَوْ وَرِثَاهُ وَنَحْوَهُ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَأَرْضًا وَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنَيْنِ وَبَاعَ أَحَدُ الْعَمَّيْنِ نَصِيبَهُ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ أَخِيهِ وَابْنَيْ أَخِيهِ.
(وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ) حَالَ بَيْعٍ وَلَوْ كَانَ كُفْرُهُ بِبِدْعَةٍ كَالدُّعَاةِ (عَلَى مُسْلِمٍ) نَصًّا، وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدُ لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " «لَا شُفْعَةَ لِنَصْرَانِيٍّ» " وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَخْبَارِ ; وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ الْعَقَارُ أَشْبَهَ الِاسْتِيلَاءَ فِي الْبُنْيَانِ يُحَقِّقُهُ أَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ مِلْكِهِ فَقُدِّمَ دَفْعُ ضَرَرِهِ عَلَى دَفْعِ ضَرَرِ الْمُشْتَرِي. وَحَقُّ الْمُسْلِمِ أَرْجَحُ وَرِعَايَتُهُ أَوْلَى وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَشَمِلَ الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ وَالْمُرْتَدَّ وَمَنْ كَفَرَ بِبِدْعَةٍ وَتَثْبُتُ لِقَرَوِيٍّ عَلَى بَدْوِيٍّ كَعَكْسِهِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ.
(وَلَا) شُفْعَةَ (لِمُضَارِبٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ) بِأَنْ اشْتَرَى مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ شِقْصًا مَشْفُوعًا لِلْمُضَارِبِ فِيهِ شَرِكَةٌ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ (إنْ ظَهَرَ رِبْحٌ) فِي مَالِ مُضَارَبَةٍ ; لِأَنَّهُ صَارَ لَهُ فِيهَا جُزْءٌ فَلَا تَجِبُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ (وَإِلَّا) يَظْهَرَ فِيهِ رِبْحٌ (وَجَبَتْ) أَيْ: ثَبَتَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ لَهُ نَصًّا ; لِأَنَّ مَالِكَ الشِّقْصِ لِرَبِّ الْمَالِ أَشْبَهَ الْوَكِيلَ فِي شِرَائِهِ (وَلَا) شُفْعَةَ (لَهُ) أَيْ: رَبِّ الْمَالِ (عَلَى مُضَارِبٍ) بِأَنْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ مِنْ مَالِهَا شِقْصًا شَرِكَةً لِرَبِّ الْمَالِ فَلَا شُفْعَةَ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ. لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ (وَلَا) شُفْعَةَ (لِمُضَارِبٍ فِيمَا) أَيْ فِي شِقْصٍ (بَاعَهُ مِنْ مَالِهَا) أَيْ: الْمُضَارَبَةِ (وَلَهُ) أَيْ: الْمُضَارِبِ (فِيهِ) أَيْ: الَّذِي مِنْهُ الشِّقْصُ الْمَبِيعُ (مِلْكٌ) ; لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ كَشِرَائِهِ مِنْ نَفْسِهِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُضَارِبِ (الشُّفْعَةُ فِيمَا) أَيْ: فِي شِقْصٍ (بِيعَ) أَيْ: بَاعَهُ مَالِكُهُ الْأَجْنَبِيُّ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ مَكَانٍ فِيهِ الشُّفْعَةُ (شَرِكَةٌ لِمَالِ الْمُضَارَبَةِ إنْ كَانَ) فِي أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ (حَظٌّ) نَحْوَ كَوْنِهِ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ ; لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الرِّبْحِ (فَإِنْ أَبَى) مُضَارِبٌ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ (أَخَذَ بِهَا) أَيْ: الشُّفْعَةِ (رَبُّ الْمَالِ) ; لِأَنَّ مَالَ الْمُضَارَبَةِ مِلْكُهُ، وَالشَّرِكَةُ حَقِيقَةٌ لَهُ وَلَا يَنْفُذُ
стр. 1000
عَفْوُ مُضَارِبٍ عَنْهَا. لِأَنَّ الْمِلْكَ لِغَيْرِهِ كَعَبْدٍ مَأْذُونٍ وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِسَيِّدٍ عَلَى مُكَاتَبِهِ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ وَلَا يُزَكِّيهِ، وَلِهَذَا جَازَ لَهُ الشِّرَاءُ مِنْهُ بِخِلَافِ عَبْدٍ مَأْذُونٍ لَهُ وَلَمْ يَرَ أَحْمَدُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ شُفْعَةً. وَكَذَا مَا وُقِفَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَغَيْرِهِمَا. إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِبَيْعِهِمَا حَاكِمٌ أَوْ يَفْعَلَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لِمَصْلَحَةٍ.
[بَابُ الْوَدِيعَةِ]
ِ مِنْ وَدَعَ الشَّيْءَ إذَا تَرَكَهُ لِتَرْكِهَا عِنْدَ الْمُودَعِ أَوْ مِنْ الدَّعَةِ فَكَأَنَّهَا عِنْدَهُ غَيْرُ مُبْتَذَلَةٍ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا، أَوْ مِنْ وَدُعَ إذَا سَكَنَ وَاسْتَقَرَّ فَكَأَنَّهَا سَاكِنَةٌ عِنْدَ الْمُودَعِ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سُمِّيَتْ وَدِيعَةً بِالْهَاءِ ; لِأَنَّهُمْ ذَهَبُوا بِهَا إلَى الْأَمَانَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْإِيدَاعِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي ائْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَلِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا. الْوَدِيعَةُ شَرْعًا (الْمَالُ الْمَدْفُوعُ إلَى مَنْ يَحْفَظُهُ بِلَا عِوَضٍ) لِحِفْظِهِ فَخَرَجَ الْكَلْبُ وَالْخَمْرُ وَنَحْوُهُمَا. وَمَا أَلْقَتْهُ نَحْوُ رِيحٍ مِنْ نَحْوِ ثَوْبٍ إلَى دَارِ غَيْرِهِ. وَمَا تَعَدَّى بِأَخْذِهِ، وَالْعَارِيَّةُ وَنَحْوُهَا وَالْأَجِيرُ عَلَى حِفْظِ مَالٍ (وَالْإِيدَاعُ تَوْكِيلُ) رَبِّ مَالٍ (فِي حِفْظِهِ) تَبَرُّعًا مِنْ الْحَافِظِ (وَالِاسْتِيدَاعُ تَوَكُّلٌ فِي حِفْظِهِ) أَيْ: مَالِ غَيْرِهِ (كَذَلِكَ) أَيْ: تَبَرُّعًا (بِغَيْرِ تَصَرُّفٍ) فِيهِ، (وَيُعْتَبَرُ لَهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ أَيْ: لِعَقْدِهَا (أَرْكَانُ وَكَالَةٍ) أَيْ: مَا يُعْتَبَرُ فِيهَا مِنْ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا جَائِزُ التَّصَرُّفِ وَتَعْيِينُ وَدِيعٍ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْهَا فَتَبْطُلُ بِمَا يُبْطِلُهَا إلَّا إذَا عَزَلَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِعَزْلِهِ. وَإِنْ عَزَلَ نَفْسَهُ فَهِيَ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ كَثَوْبٍ أَطَارَتْهُ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ يَجِبُ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ. وَيُسْتَحَبُّ قَبُولُهَا لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ ثِقَةٌ قَادِرٌ عَلَى حِفْظِهَا. وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ، (وَهِيَ) أَيْ الْوَدِيعَةُ (أَمَانَةٌ) بِيَدِ وَدِيعٍ (لَا تُضْمَنُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ) ; لِأَنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهَا أَمَانَةً، وَالضَّمَانُ يُنَافِي الْأَمَانَةَ (وَلَوْ تَلِفَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ) وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْهُ. لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلِئَلَّا يَمْتَنِعَ النَّاسُ مِنْ الدُّخُولِ فِيهَا مَعَ مَسِّ الْحَاجَة إلَيْهَا. وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ ضَمَّنَ إنْسَانًا وَدِيعَةً ذَهَبَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ " مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْرِيطِ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْوَدِيعَ (حِفْظُهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ (فِي حِرْزِ مِثْلِهَا عُرْفًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ، وَلَا يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا بِدُونِ حِفْظِهَا. وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِيدَاعِ الْحِفْظُ وَالِاسْتِيدَاعُ الْتِزَامُ
стр. 1001
ذَلِكَ. فَإِذَا لَمْ يَحْفَظْهَا لَمْ يَفْعَلْ مَا الْتَزَمَهُ (كَحِرْزِ سَرِقَةٍ) أَيْ: فِي كُلِّ مَالٍ بِحَسْبِهِ. وَيَأْتِي فِي بَابِهَا (فَإِنْ عَيَّنَهُ) أَيْ: الْحِرْزَ (رَبُّهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ. بِأَنْ قَالَ: احْفَظْهَا بِهَذَا الْبَيْتِ أَوْ الْحَانُوتِ (فَأَحْرَزَهَا بِدُونِهِ) أَيْ: دُونِ الْمُعَيَّنِ رُتْبَةً فِي الْحِفْظِ فَضَاعَتْ (ضَمِنَ) لِمُخَالَفَتِهِ. وَلِأَنَّ بُيُوتَ الدَّارِ تَخْتَلِفُ: فَمِنْهَا مَا هُوَ أَسْهَلُ نَقْبًا وَنَحْوُهُ، (وَلَوْ رَدَّهَا إلَى) الْحِرْزِ (الْمُعَيَّنِ) بَعْدَ ذَلِكَ وَتَلِفَتْ فِيهِ فَيَضْمَنُهَا لِتَعَدِّيهِ بِوَضْعِهَا فِي الدُّونِ فَلَا تَعُودُ أَمَانَةً إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
(وَ) إنْ أَحْرَزَهَا (بِمِثْلِهِ) أَيْ: الْحِرْزِ الْمُعَيَّنِ فِي الْحِفْظِ (أَوْ) أَحْرَزَهَا فِي حِرْزٍ (فَوْقَهُ) أَيْ: الْحِفْظِ مِنْهُ. كَمَا لَوْ أَوْدَعَهُ خَاتَمًا وَقَالَ لَهُ: الْبَسْهُ فِي خِنْصَرِكَ فَلَبِسَهُ فِي بِنْصِرِهِ (وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ لَا يَضْمَنُ) الْوَدِيعَةَ إنْ تَلِفَتْ. لِأَنَّ تَعْيِينَ الْحِرْزِ يَقْتَضِي الْإِذْنَ فِي مِثْلِهِ كَمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا لِزَرْعِ بُرٍّ لَهُ زَرْعُهَا إيَّاهُ وَمِثْلُهُ ضَرَرًا وَاقْتَضَى الْإِذْنَ فِيمَا هُوَ أَحْفَظُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى. كَزَرْعِ مَا هُوَ دُونَ الْبُرِّ ضَرَرًا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَعْلِ أَوَّلًا فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَبَيْنَ النَّقْلِ إلَيْهِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ.
وَفِي التَّلْخِيصِ: وَأَصْحَابُنَا لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ تَلَفِهَا بِسَبَبِ النَّقْلِ وَبَيْنَ تَلَفِهَا بِغَيْرِهِ. وَعِنْدِي إذَا حَصَلَ التَّلَفُ بِسَبَبِ النَّقْلِ كَانْهِدَامِ الْبَيْتِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ ضَمِنَ انْتَهَى. وَإِنْ كَانَتْ عَيْنٌ فِي بَيْتِ رَبِّهَا وَقَالَ لِآخَرَ: احْفَظْهَا فِي مَوْضِعِهَا فَنَقَلَهَا مِنْهُ بِلَا خَوْفٍ ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَدِيعٍ بَلْ وَكِيلٌ فِي حِفْظِهَا فَلَا يُخْرِجُهَا مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهَا وَلَا مِنْ مَوْضِعٍ اسْتَأْجَرَهُ لَهَا إلَّا إنْ خَافَ عَلَيْهَا فَعَلَيْهِ إخْرَاجُهَا ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا وَقَدْ تَعَيَّنَ حِفْظُهَا فِي إخْرَاجِهَا وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ رَبُّهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ لَأَخْرَجَهَا وَكَالْمُسْتَوْدَعِ إذَا خَافَ عَلَيْهَا (، وَإِنْ نَهَاهُ) رَبُّهَا (عَنْ إخْرَاجِهَا) مِنْ مَكَان عَيَّنَهُ لِحِفْظِهَا (فَأَخْرَجَهَا) وَدِيعٌ مِنْهُ (لِغَشَيَانٍ) أَيْ: وُجُودِ (شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ) كَحَرِيقٍ وَنَهْبٍ فَتَلِفَتْ (لَمْ يَضْمَنْ) مَا تَلِفَ بِنَقْلِهَا (إنْ وَضَعَهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا أَوْ فَوْقَهُ) لِتَعَيُّنِ نَقْلِهَا ; لِأَنَّ فِي تَرْكِهَا تَضْيِيعًا لَهَا، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ مِثْلُ حِرْزِهَا الْأَوَّلِ وَفَوْقَهُ (فَأَحْرَزَهَا فِي دُونِهِ) فِي الْحِفْظِ فَتَلِفَتْ بِهِ (لَمْ يَضْمَنْ) ; لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهَا مِنْ تَرْكِهَا بِمَكَانِهَا وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إذَنْ سِوَاهُ (وَإِنْ تَرَكَهَا إذَنْ) بِمَكَانِهَا مَعَ غَشَيَانِ مَا الْغَالِبُ مَعَهُ الْهَلَاكُ فَتَلِفَتْ ضَمِنَ لِتَفْرِيطِهِ وَيَحْرُمُ (أَوْ أَخْرَجَهَا) مِنْ حِرْزٍ نَهَاهُ مَالِكُهَا عَنْ إخْرَاجِهَا مِنْهُ (لِغَيْرِ خَوْفٍ فَتَلِفَتْ) بِالْأَمْرِ الْمَخُوفِ أَوْ غَيْرِهِ (ضَمِنَ) ، سَوَاءٌ أَخْرَجَهَا إلَى مِثْلِهِ أَوْ أَحْرَزَ مِنْهُ لِمُخَالَفَةِ رَبِّهَا بِلَا حَاجَةٍ وَيَحْرُمُ، (فَإِنْ قَالَ) لَهُ مَالِكُهَا: (لَا تُخْرِجْهَا وَإِنْ خِفْتَ عَلَيْهَا فَحَصَلَ خَوْفٌ وَأَخْرَجَهَا) خَوْفًا عَلَيْهَا (أَوْ لَا) أَيْ: لَوْ لَمْ
стр. 1002
يُخْرِجْهَا مَعَ الْخَوْفِ (فَتَلِفَتْ) مَعَ إخْرَاجِهَا أَوْ تَرْكِهِ (لَمْ يَضْمَنْهَا) ; لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَهَا فَهُوَ مُمْتَثِلٌ أَمْرَ صَاحِبِهَا لِنَهْيِهِ عَنْ إخْرَاجِهَا مَعَ الْخَوْفِ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِإِتْلَافِهَا، وَإِنْ أَخْرَجَهَا فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا وَحِفْظًا كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: أَتْلِفْهَا فَلَمْ يُتْلِفْهَا حَتَّى تَلِفَتْ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا بِلَا خَوْفٍ فَتَلِفَتْ ضَمِنَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ لَمْ يَعْلِفْ) وَدِيعٌ (بَهِيمَةً) أَوْ يُسْقِهَا (حَتَّى مَاتَتْ) جُوعًا أَوْ عَطَشًا (ضَمِنَهَا) ; لِأَنَّ عَلَفَهَا وَسَقْيَهَا مِنْ كَمَالِ الْحِفْظِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِالِاسْتِيدَاعِ بَلْ هُوَ الْحِفْظُ بِعَيْنِهِ، إذْ الْحَيَوَانُ لَا يَبْقَى عَادَةً بِدُونِهِمَا وَيَلْزَمَانِهِ، وَ (لَا) يَضْمَنُ (إنْ نَهَاهُ مَالِكٌ) عَنْ عَلْفِهَا وَسَقْيِهَا فَتَرَكَهَا حَتَّى مَاتَتْ لِامْتِثَالِهِ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِهَا فَقَتَلَهَا، (وَيَحْرُمُ) تَرْكُ عَلْفِهَا وَسَقْيِهَا مُطْلَقًا لِحُرْمَتِهَا فِي نَفْسِهَا فَيَجِبُ إحْيَاؤُهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، (وَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ) أَيْ: أَمَرَ رَبُّهَا الْوَدِيعَ بِعَلْفِهَا (لَزِمَهُ) لِمَا سَبَقَ ; وَلِأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ مَالِكِهَا عَلَيْهِ.
(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ وَدِيعَةٍ لِوَدِيعٍ (اُتْرُكْهَا فِي جَيْبِكَ فَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ أَوْ فِي كُمِّهِ) ضَمِنَ ; لِأَنَّ الْجَيْبَ أَحْرَزُ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْسَى فَيَسْقُطُ الشَّيْءُ مِنْ يَدِهِ أَوْ كُمِّهِ (أَوْ) قَالَ لَهُ: اُتْرُكْهَا (فِي كُمِّكَ فَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ أَوْ عَكْسِهِ) بِأَنْ قَالَ لَهُ: اُتْرُكْهَا فِي يَدِكَ فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ ضَمِنَ ; لِأَنَّ سُقُوطَ الشَّيْءِ مِنْ الْيَدِ مَعَ النِّسْيَانِ أَكْثَرُ مِنْ سُقُوطِهِ مِنْ الْكُمِّ وَتَسَلُّطَ الطِّرَارَ بِالْبَطِّ عَلَى الْكُمِّ بِخِلَافِ الْيَدِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا أَدْنَى مِنْ الْآخَرِ حِفْظًا مِنْ وَجْهٍ، (أَوْ أَخَذَهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةَ (بِسُوقِهِ وَأُمِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ: أَمَرَهُ مَالِكُهَا (بِحِفْظِهَا فِي بَيْتِهِ فَتَرَكَهَا إلَى حِينِ مُضِيِّهِ) أَيْ: فَوْقَ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْضِيَ فِيهِ (فَتَلِفَتْ) قَبْلَ مُضِيِّهِ بِهَا إلَى بَيْتِهِ ضَمِنَ ; لِأَنَّ الْبَيْتَ أَحْفَظُ وَفِي تَرْكِهَا إلَى مُضِيِّهِ تَفْرِيطٌ (أَوْ قَالَ) لَهُ رَبُّهَا (: احْفَظْهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ وَلَا تُدْخِلْهُ أَحَدًا فَخَالَفَ) وَأَدْخَلَهُ غَيْرَهُ (فَتَلِفَتْ بِحَرْقٍ أَوْ نَحْوِهِ) كَنَهْبٍ (أَوْ سَرِقَةٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ دَاخِلٍ) إلَى الْبَيْتِ (ضَمِنَ) ; لِأَنَّ الدَّاخِلَ رُبَمَا شَاهَدَهَا فِي دُخُولِهِ وَعَلِمَ مَوْضِعَهَا وَطَرِيقَ الْوُصُولِ إلَيْهَا فَسَرَقَهَا أَوْ دَلَّ عَلَيْهَا وَقَدْ خَالَفَ مَالِكُهَا بِإِدْخَالِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ إخْرَاجِهَا فَأَخْرَجَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَ (لَا) يَضْمَنُ (إنْ قَالَ) لَهُ رَبُّهَا (: اُتْرُكْهَا فِي كُمِّك أَوْ) فِي (يَدِكَ فَتَرَكَهَا فِي جَيْبِهِ) لِأَنَّهُ أَحْرَزُ. فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا غَيْرَ مَزْرُورٍ ضَمِنَ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. وَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ حِرْزًا فَتَرَكَهَا فِي جَيْبِهِ الضَّيِّقِ الْفَمِ أَوْ الْمَزْرُورِ أَوْ شَدَّهَا فِي كُمِّهِ أَوْ عَلَى عَضُدِهِ مِنْ جَانِبِ الْجَيْبِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ تَرَكَهَا فِي كُمِّهِ بِلَا شَدٍّ وَهِيَ ثَقِيلَةٌ يَشْعُرُ بِهَا، أَوْ تَرَكَهَا فِي وَسَطِهِ وَشَدَّ عَلَيْهَا سَرَاوِيلَهُ، (أَوْ أَلْقَاهَا) وَدِيعٌ (عِنْدَ هُجُومِ نَاهِبٍ وَنَحْوِهِ) كَقَاطِعِ طَرِيقٍ (إخْفَاءً لَهَا) فَلَا يَضْمَنُ ; لِأَنَّهُ
стр. 1003
عَادَةُ النَّاسُ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا وَأَطْلَقَ فَشَدَّهَا عَلَى وَسَطِهِ فَهُوَ أَحَرَزُ لَهَا. وَكَذَا إنْ تَرَكَهَا بِبَيْتِهِ فِي حِرْزِهَا. وَإِنْ أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا فِي صُنْدُوقٍ وَقَالَ: لَا تَقْفِلْ عَلَيْهَا وَلَا تَنَمْ فَوْقَهَا فَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ. أَوْ قَالَ: لَا تَقْفِلْ عَلَيْهَا إلَّا قُفْلًا وَاحِدًا فَجَعَلَ عَلَيْهَا قُفْلَيْنِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي
. (وَإِنْ قَالَ مُودِعُ خَاتَمٍ) لِوَدِيعٍ: (اجْعَلْهُ فِي الْبِنْصِرِ فَجَعَلَهُ فِي الْخِنْصِرِ) بِكَسْرِ الصَّادِ فِيهِمَا فَضَاعَ (ضَمِنَهُ لَا عَكْسُهُ) بِأَنْ قَالَ: اجْعَلْهُ فِي الْخِنْصَرِ فَجَعَلَهُ فِي الْبِنْصِرِ فَلَا يَضْمَنُهُ لِأَنَّهَا أَغْلَظُ، فَهِيَ أَحَرَزُ (إلَّا إنْ انْكَسَرَ) الْخَاتَمُ (لِغِلَظِهَا) أَيْ: الْبِنْصِرِ فَيَضْمَنُهُ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِمَا لَمْ يُؤْذِنْ فِيهِ مَالِكُهُ. فَإِنْ جَعَلَهُ فِي الْوُسْطَى وَأَمْكَنَ إدْخَالُهُ فِي جَمِيعِهَا فَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْهُ. وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي جَمِيعِهَا فَجَعَلَهُ فِي بَعْضِهَا ضَمِنَ، لِأَنَّهُ أَدْنَى مِنْ الْمَأْمُورِ بِهِ
(وَإِنْ دَفَعَهَا) أَيْ: دَفَعَ مُسْتَوْدِعُ الْوَدِيعَةِ (إلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ) أَيْ: الْمُسْتَوْدَعِ (عَادَةً كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ وَنَحْوِهِمَا) كَخَازِنِهِ فَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْ ; لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عَادَةً أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ الْمَاشِيَةَ إلَى الرَّاعِي (أَوْ) دَفَعَهَا (لِعُذْرٍ) كَمَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْ أَرَادَ السَّفَرَ. وَلَيْسَ أَحْفَظَ لَهَا (إلَى أَجْنَبِيٍّ) ثِقَةٍ (أَوْ) حَاكِمٍ فَتَلِفَتْ (لَمْ يَضْمَنْ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ وَلَمْ يُفَرِّطْ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ حِينَ دَفَعَهَا إلَى الْأَجْنَبِيِّ (ضَمِنَ) لِتَعَدِّيهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُودِعَ بِلَا عُذْرٍ (وَلِمَالِكِ) الْوَدِيعَةِ إذَنْ (مُطَالَبَةُ الْأَجْنَبِيِّ أَيْضًا) بِبَدَلِ الْوَدِيعَةِ ; لِأَنَّهُ قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ أَشْبَهَ الْمُودِعَ مِنْ الْغَاصِبِ، (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْأَجْنَبِيِّ (الْقَرَارُ) أَيْ: قَرَارُ الضَّمَانِ (إنْ عَلِمَ) الْحَالَ لِتَعَدِّيهِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَلَى وَدِيعٍ أَوَّلَ، لِأَنَّهُ غَيْرُهُ
. (وَإِنْ دَلَّ) مُودَعٌ بِفَتْحِ الدَّالِ (لِصًّا) عَلَى وَدِيعَةٍ فَسَرَقَهَا (ضَمِنَا) أَيْ: الْمُودَعُ وَاللِّصُّ. أَمَّا الْمُودَعُ فَلِمُنَافَاةِ دَلَالَتِهِ لِلْحِفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا اللِّصُّ فَلِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ لَهَا (وَعَلَى اللِّصِّ الْقَرَارُ) لِمُبَاشَرَتِهِ.
(وَمَنْ أَرَادَ سَفَرًا) وَبِيَدِهِ وَدِيعَةٌ (أَوْ) لَمْ يُرِدْ سَفَرًا، بَلْ (خَافَ عَلَيْهَا عِنْدَهُ) مِنْ نَهْبٍ أَوْ غَرَقٍ وَنَحْوَهُمَا (رَدَّهَا إلَى مَالِكهَا أَوْ) إلَى (مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ) أَيْ: مَالَ مَالِكِهَا (عَادَةً) كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ (أَوْ) إلَى (وَكِيلِهِ) أَيْ: وَكِيلِ مَالِكِهَا (فِي قَبْضِهَا إنْ كَانَ) ; لِأَنَّ فِيهِ تَخَلُّصًا لَهُ مِنْ دَرْكِهَا وَإِيصَالًا لِلْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَإِنْ دَفَعَهَا إلَى حَاكِمٍ إذَنْ ضَمِنَ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى رَشِيدٍ حَاضِرٍ. وَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ رَدِّهَا لِتَعَدِّيهِ، (وَلَا يُسَافِرُ) الْوَدِيعُ (بِهَا) مَعَ حُضُورِ مَالِكِهَا أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ أَوْ وَكِيلِهِ. بِدُونِ إذْنِ رَبِّهَا (وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا) فِي السَّفَرِ، (أَوْ كَانَ) السَّفَرُ (أَحْفَظَ لَهَا) فَيَضْمَنُ لِتَفْرِيطِهِ ; لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ
стр. 1004
عَلَى مَالِكِهَا إمْكَانَ اسْتِرْجَاعِهَا وَيُخَاطِرُ بِهَا. لِحَدِيثِ " «إنَّ الْمُسَافِرَ وَمَالَهُ لَعَلَى فَلْتٍ إلَّا مَا وَقَى اللَّهُ» أَيْ: عَلَى هَلَاكٍ هَذَا مَا قَوَّاهُ فِي الْمُغْنِي قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْوَجِيزِ الْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ (الْمُنَقِّحُ) فِي التَّنْقِيحِ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ مَعْنَى مَا سَبَقَ: (وَالْمَذْهَبُ بَلَى) أَيْ: لَهُ السَّفَرُ بِهَا (وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ: إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا فِي السَّفَرِ أَوْ كَانَ أَحْفَظَ لَهَا (وَنَصَّ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنَّ لَهُ السَّفَرَ بِهَا (مَعَ حُضُورِهِ) أَيْ: مَالِكِهَا (انْتَهَى) ، فَلَا يَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ مَعَهُ، سَوَاءٌ كَانَ بِهِ ضَرُورَةٌ إلَى السَّفَرِ أَوْ لَا ; لِأَنَّهُ نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ كَمَا لَوْ نَقَلَهَا فِي الْبَلَدِ. وَمَحِلُّهُ إنْ لَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ كَمَا فِي الْفُرُوعِ.
وَفِي الْمُبْهِجِ وَالْمُوجَزِ وَالْغَالِبُ السَّلَامَةُ. وَلَهُ مَا أَنْفَقَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ قَالَهُ الْقَاضِي.
وَفِي الْفُرُوعِ. وَيَتَوَجَّهُ كَنَظَائِرِهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ) أَيْ: يَجِدْ الْوَدِيعُ مَالِكَهَا، وَقَدْ أَرَادَ السَّفَرَ (وَلَا) وَجَدَ (وَكِيلَهُ) قُلْتُ: وَلَا مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً (حَمَلَهَا مَعَهُ) عَلَى الْقَوْلَيْنِ (إنْ كَانَ) السَّفَرُ (أَحْفَظَ) لَهَا (وَلَمْ يَنْهَهُ) مَالِكُهَا عَنْهُ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ. فَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا، فَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ مَالِكُهَا لَمْ يُسَافِرْ بِهَا وَيَضْمَنُ إنْ فَعَلَ إلَّا لِعُذْرٍ كَجَلَاءِ أَهْلِ الْبَلَدِ أَوْ هُجُومِ عَدُوٍّ أَوْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ فَلَا ضَمَانَ. وَيَجِبُ الضَّمَانُ بِالتَّرْكِ (وَإِلَّا) يَكُنْ السَّفَرُ أَحْفَظَ، وَلَوْ اسْتَوَيَا أَوْ نَهَاهُ الْمَالِكُ عَنْهُ (دَفَعَهَا لِحَاكِمٍ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ صَاحِبِهَا عِنْدَ غَيْبَتِهِ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) دَفْعُهَا لِحَاكِمٍ (فَلِثِقَةٍ كَمَنْ) أَيْ: كَمُودِعٍ (حَضَرَهُ الْمَوْتُ) ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْ السَّفَرِ وَالْمَوْتِ سَبَبٌ لِخُرُوجِ الْوَدِيعَةِ عَنْ يَدِهِ.
وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ عِنْدَهُ وَدَائِعُ فَلَمَّا أَرَادَ الْهِجْرَةَ أَوْدَعَهَا عِنْدَ أُمِّ أَيْمَنَ وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَرُدَّهَا إلَى أَهْلِهَا» (أَوْ دَفَنَهَا وَأَعْلَمَ) بِهَا (سَاكِنًا ثِقَةً) لِحُصُولِ الْحِفْظِ بِذَلِكَ، (فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ) فَضَاعَتْ (ضَمِنَهَا) أَيْ الْمُودَعُ لِتَفْرِيطِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ فِي سَفَرِهِ فَلَا تَصِلُ إلَى صَاحِبِهَا وَرُبَمَا نَسِيَ مَوْضِعَهَا أَوْ أَصَابَتْهَا آفَةٌ وَكَذَا إنْ أَعْلَمَ الْمُودَعَ بِهَا غَيْرَ ثِقَةٍ لِأَنَّهُ رُبَمَا أَخَذَهَا أَوْ دَلَّ عَلَيْهَا أَوْ أَعْلَمَ بِهَا غَيْرَ سَاكِنٍ فِي الدَّارِ لِأَنَّهُ لَمْ يُودِعْهُ إيَّاهَا وَلَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا (وَلَا يَضْمَنُ مُسَافِرٌ أُودِعَ) وَدِيعَةً فِي سَفَرِهِ (فَسَافَرَ بِهَا فَتَلِفَتْ بِالسَّفَرِ) ; لِأَنَّ إيدَاعَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَقْتَضِي الْإِذْنَ فِي السَّفَرِ بِهَا
(وَإِنْ تَعَدَّى) وَدِيعٌ فِي وَدِيعَةٍ كَأَنْ كَانَتْ دَابَّةً (فَرَكِبَهَا لَا لِسَقْيِهَا) أَوْ عَلَفِهَا، وَلَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْأَجَانِبِ فِي ذَلِكَ وَفِي الْحَمْلِ وَالنَّقْلِ (أَوْ) كَانَتْ ثِيَابًا فَ (لَبِسَهَا لَا لِخَوْفٍ) عَلَيْهَا (مِنْ عُثٍّ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ عُثَّةٍ: سُوسَةٌ تَلْحَسُ الصُّوفَ
стр. 1005
(وَنَحْوِهِ) كَافْتِرَاشِ فُرُشٍ لَا لِخَوْفٍ مِنْ عُثٍّ وَكَاسْتِعْمَالِ آلَةِ صِنَاعَةٍ مِنْ خَشَبٍ لَا لِخَوْفٍ مِنْ الْأَرَضَةِ (وَيَضْمَنُ) مُودَعُ ثِيَابٍ نَقْصَهَا بِعُثٍّ (إنْ لَمْ يَنْشُرْهَا) لِتَفْرِيطِهِ (أَوْ أَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ) أَوْ الدَّنَانِيرَ الْمُودَعَةَ (لِيُنْفِقَهَا أَوْ لِيَنْظُرَ إلَيْهَا ثُمَّ رَدَّهَا) إلَى وِعَائِهَا وَلَوْ بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ (أَوْ كَسَرَ خَتْمَهَا أَوْ حَلَّ كِيسَهَا) بِلَا إخْرَاجٍ ضَمِنَهَا لِهَتْكِهِ الْحِرْزَ بِتَعَدِّيهِ (أَوْ جَحَدَهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةَ مُودَعٌ (ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا) ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهُ بِجَحْدِهِ خَرَجَ عَنْ الِاسْتِئْمَانِ فِيهَا فَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ الضَّمَانُ بِإِقْرَارِهِ بِهَا لِعُدْوَانِ يَدِهِ (أَوْ خَلَطَهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةَ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ عَنْهُ ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهُ صَيَّرَهَا فِي حُكْمِ التَّالِفِ وَفَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ رَدَّهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَاهَا فِي لُجَّةِ بَحْرٍ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَلْطُ بِمَالِ غَيْرِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ بِنَظِيرِهَا أَوْ أَجْوَدَ أَوْ أَدْنَى مِنْهَا وَ (لَا) يَضْمَنُهَا إنْ خَلَطَ (بِمُتَمَيِّزٍ) كَدَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْجَزُ بِهِ عَنْ رَدِّهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَهَا بِصُنْدُوقٍ فِيهِ أَكْيَاسٌ لَهُ، (وَلَوْ) كَانَ التَّعَدِّي أَوْ الْجَحْدُ أَوْ الْخَلْطُ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ عَنْهُ (فِي إحْدَى عَيْنَيْنِ) بِأَنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ كِيسَيْنِ فَفَعَلَ ذَلِكَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ (بَطَلَتْ) الْأَمَانَةُ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْكِيسِ مَثَلًا الَّذِي تَعَدَّى فِيهِ دُونَ الْآخَرِ، (وَوَجَبَ رَدُّهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ حَيْثُ بَطَلَتْ (فَوْرًا) ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ مَحْضَةٌ وَقَدْ زَالَتْ بِالتَّعَدِّي (وَلَا تَعُودُ وَدِيعَةً) بِغَيْرِ عَقْدٍ مُتَجَدِّدٍ، (وَصَحَّ) قَوْلُ مَالِكٍ لِمُودَعٍ (كُلَّمَا خُنْتَ ثُمَّ عُدْتَ إلَى الْأَمَانَةِ فَأَنْتَ أَمِينٌ) لِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْإِيدَاعِ عَلَى الشَّرْطِ كَالْوَكَالَةِ وَإِنْ خَلَطَ إحْدَى وَدِيعَتَيْ زَيْدٍ بِالْأُخْرَى بِلَا إذْنٍ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فَوَجْهَانِ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَإِنْ اخْتَلَطَتْ الْوَدِيعَةُ بِلَا فِعْلِهِ ثُمَّ ضَاعَ الْبَعْضُ جُعِلَ مِنْ مَالِ الْمُودَعِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ
(وَإِنْ أَخَذَ) مُودَعٌ مِنْ دَرَاهِمَ مُودَعَةٍ (دِرْهَمًا ثُمَّ رَدَّهُ) بِعَيْنِهِ (أَوْ) رَدَّ (بَدَلَهُ مُتَمَيِّزًا أَوْ أَذِنَ) مَالِكُهَا (فِي أَخْذِهِ) أَيْ: الدِّرْهَمِ (فَرَدَّ) الْآخِذُ (بَدَلَهُ بِلَا إذْنِهِ) أَيْ: الْمَالِكِ (فَضَاعَ الْكُلُّ) أَيْ: كُلُّ الدَّرَاهِمِ الْمُودَعَةِ (ضَمِنَهُ) أَيْ: الدِّرْهَمَ الْمَأْخُوذُ الْمُودَعُ (وَحْدَهُ) لِتَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِالْأَخْذِ فَلَا يَضْمَنُ غَيْرَ مَا أَخَذَهُ كَمَا لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ رَدِّهِ (مَا لَمْ تَكُنْ) الدَّرَاهِمُ (مَخْتُومَةً أَوْ مَشْدُودَةً أَوْ) يَكُنْ (الْبَدَلُ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ فَيَضْمَنُ الْجَمِيعَ) لِهَتْكِهِ الْحِرْزَ فِي الْأَوَّلِيَّيْنِ وَلِخَلْطِهِ الْوَدِيعَةَ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ فِي الثَّالِثَةِ، (وَيَضْمَنُ) وَدِيعٌ (بِخَرْقِ كِيسٍ) فِيهِ وَدِيعَةٌ (مِنْ فَوْقِ شَدٍّ) أَيْ: رِبَاطِ (أَرْشِهِ) أَيْ: (الْكِيسِ فَقَطْ) أَيْ: دُونَ مَا فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ حِرْزَهُ.
(وَ) يَضْمَنُ بِخَرْقِهِ (مِنْ تَحْتِهِ) أَيْ: الشَّدِّ (أَرْشَهُ وَمَا فِيهِ) إنْ ضَاعَ لِهَتْكِ الْحِرْزِ، وَلَا يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ التَّعَدِّي بَلْ
стр. 1006
لَا بُدَّ مِنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ
. (وَمَنْ أَوْدَعَهُ صَغِيرٌ وَدِيعَةً لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِرَدِّهَا لِوَلِيِّهِ) فِي مَالٍ كَدَيْنِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ (وَيَضْمَنُهَا) قَابِضُهَا مِنْ الصَّغِيرِ (إنْ تَلِفَتْ) لِتَعَدِّيهِ بِأَخْذِهَا (مَا لَمْ يَكُنْ) الصَّغِيرُ (مَأْذُونًا لَهُ) فِي الْإِيدَاعِ (أَوْ يَخَفْ) قَابِضُهَا مِنْ الصَّغِيرِ (هَلَاكَهَا مَعَهُ) إنْ تَرَكَهَا (كَضَائِعٍ وَمَوْجُودٍ فِي مَهْلَكَةٍ فَلَا) ضَمَانَ عَلَيْهِ بِأَخْذِهِ لِقَصْدِهِ بِهِ التَّخْلِيصَ مِنْ الْهَلَاكِ فَالْحَظُّ فِيهِ لِمَالِكِهِ
. (وَمَا أُودِعَ أَوْ أُعِيرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: أَوْدَعَهُ مَالِكُهُ أَوْ أَعَارَهُ وَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ (لِصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ أَوْ قِنٍّ لَمْ يَضْمَنْ بِتَلَفٍ) فِي يَدِ قَابِضِهِ (وَلَوْ بِتَفْرِيطٍ) لِتَفْرِيطِ مَالِكِهِ بِدَفْعِهِ إلَى أَحَدِ هَؤُلَاءِ (وَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ مُكَلَّفٌ غَيْرُ حُرٍّ) ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِحْفَاظُهُ وَدَخَلَ فِيهِ الْقِنُّ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ (فِي رَقَبَتِهِ) ; لِأَنَّ إتْلَافَهُ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَأَمَّا إتْلَافُ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ لِمَا أُودِعُوهُ أَوْ أُعِيرُوهُ فَهَدَرٌ ; لِأَنَّ مَالِكَهُ سَلَّطَهُمْ عَلَى مَالٍ كَمَا لَوْ دَفَعَ لِصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ سِكِّينًا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَمَاتَ فَإِنَّ دِيَتَهُ عَلَى عَاقِلَةِ الدَّافِعِ.
[فَصْلٌ وَالْمُودَعُ أَمِينٌ]
; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا أَمَانَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] (وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي رَدِّ) الْوَدِيعَةِ إلَى مَالِكِهَا أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي قَبْضِهَا. أَشْبَهَ الْوَكِيلَ بِلَا جَعْلٍ، (وَلَوْ) ادَّعَى الْوَدِيعُ الرَّدَّ (عَلَى يَدِ قِنِّهِ) أَيْ: قِنِّ مُدَّعِي الرَّدِّ (أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ خَازِنِهِ) ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ حِفْظُهَا بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ كَانَ لَهُ دَفْعُهَا كَذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى الرَّدَّ لِزَوْجَةِ رَبِّ الْمَالِ أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً (أَوْ) كَانَتْ دَعْوَى الرَّدِّ مِنْ الْوَدِيعِ (بَعْدَ مَوْتِ رَبِّهَا إلَيْهِ) فَتُقْبَلُ بِيَمِينِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي حَيَاتِهِ (وَ) يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ (فِي قَوْلِهِ) لِمَالِكِهَا: (أَذِنْتَ لِي فِي دَفْعِهَا إلَى فُلَانٍ وَفَعَلْتُ) أَيْ: دَفَعْتُهَا لَهُ مَعَ إنْكَارِ مَالِكِهَا الْإِذْنَ نَصًّا لِأَنَّهُ ادَّعَى دَفْعًا يَبْرَأُ بِهِ مِنْ رَدِّ الْوَدِيعَةِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَى الرَّدَّ إلَى مَالِكِهَا. وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمَالِكِ غَيْرُ الْيَمِينِ مَا لَمْ يُقِرَّ بِالْقَبْضِ، وَكَذَا إنْ اعْتَرَفَ الْمَالِكُ بِالْإِذْنِ فِي الدَّفْعِ لَهُ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ دَفَعَ لَهُ إنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ وَدِيعًا، وَإِنْ كَانَ دَائِنًا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الضَّمَانِ مَا فِيهِ. وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ: إنْ رَدَّ إلَى رَسُولِ مُوَكِّلٍ وَمُودِعٍ فَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ ضَمِنَ لِتَعَلُّقِ الدَّفْعِ بِثَالِثٍ. وَيُحْتَمَلُ لَا.
(وَ) يُصَدَّقُ مُودَعٌ بِيَمِينِهِ فِي دَعْوَى (تَلَفِ) وَدِيعَةٍ
стр. 1007
بِسَبَبٍ خَفِيٍّ كَسَرِقَةٍ لِتَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَلِئَلَّا يَمْتَنِعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِ الْأَمَانَاتِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبًا. وَ (لَا) تُقْبَلُ دَعْوَاهُ التَّلَفَ (بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ، كَحَرِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَنَهْبِ جَيْشٍ (إلَّا مَعَ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِوُجُودِهِ) أَيْ: السَّبَبِ ثُمَّ يَحْلِفُ أَنَّهَا ضَاعَتْ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ. لَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
(وَ) يُصَدَّقُ مُودَعٌ بِيَمِينِهِ فِي (عَدَمِ خِيَانَةٍ وَ) عَدَمِ (تَفْرِيطٍ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ
. (وَإِنْ ادَّعَى) مُودَعٌ (رَدَّهَا) أَيْ الْوَدِيعَةَ (لِحَاكِمٍ أَوْ وَرَثَةِ مَالِكٍ) لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتَمِنُوهُ (أَوْ) ادَّعَى (رَدًّا بَعْدَ مَطْلِهِ) أَيْ تَأْخِيرِ دَفْعِهَا إلَى مُسْتَحِقِّهِ (بِلَا عُذْرٍ أَوْ) ادَّعَى رَدًّا بَعْدَ (مَنْعِهِ) مِنْهَا لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ; لِأَنَّهُ صَارَ كَالْغَاصِبِ.
(أَوْ) ادَّعَى (وَرَثَةُ) مُودَعٍ (رَدًّا) مِنْهُمْ أَوْ مِنْ مُوَرِّثِهِمْ (وَلَوْ لِمَالِكٍ لَمْ يُقْبَلْ) ذَلِكَ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ; لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤْتَمَنِينَ عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ مَالِكِهَا، وَكَذَا لَوْ ادَّعَاهُ مُلْتَقِطٌ، أَوْ مَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا وَنَحْوَهُ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
(وَإِنْ) أَنْكَرَ مُودَعٌ الْوَدِيعَةَ فَ (قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي ثُمَّ أَقَرَّ) بِالْإِيدَاعِ (أَوْ ثَبَتَ) عَلَيْهِ (بِبَيِّنَةٍ فَادَّعَى رَدًّا أَوْ تَلَفًا سَابِقَيْنِ لِجُحُودِهِ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ صَارَ ضَامِنًا بِجُحُودِهِ مُعْتَرِفًا عَلَى نَفْسِهِ بِالْكَذِبِ الْمُنَافِي لِلْأَمَانَةِ (وَلَوْ) أَتَى عَلَيْهِ (بِبَيِّنَةٍ) فَلَا تُسْمَعُ لِتَكْذِيبِهِ لَهَا بِجُحُودِهِ (وَيَقْبَلَانِ) أَيْ: الرَّدَّ وَالتَّلَفَ إذَا ادَّعَاهُمَا (بِهَا) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ (بَعْدَهُ) أَيْ: الْجُحُودِ لِعَدَمِ تَكْذِيبِهِ لَهَا إذَنْ. فَإِذَا شَهِدَا بِرَدٍّ أَوْ تَلَفٍ وَلَمْ يُعَيِّنَا هَلْ هُوَ قَبْلَ جُحُودِهِ أَوْ بَعْدَهُ؟ لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ ; لِأَنَّ وُجُوبَهُ مُتَحَقِّقٌ فَلَا يَنْتَفِي بِأَمْرٍ مُتَرَدِّدٍ فِيهِ. وَمَتَى ثَبَتَ التَّلَفُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الضَّمَانُ حَيْثُ كَانَ بَعْدَ الْجُحُودِ كَالْغَاصِبِ.
(وَإِنْ قَالَ) مُدَّعًى عَلَيْهِ بِوَدِيعَةٍ لِمُدَّعِيهَا: (مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ) . أَوْ لَا حَقَّ لَكَ قِبَلِي وَنَحْوَهُ. ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا وَادَّعَى تَلَفًا، أَوْ رَدًّا (قُبِلَا) مِنْهُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُنَافٍ لِجَوَابِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَوْدَعَهُ ثُمَّ تَلِفَ عِنْدَهُ بِلَا تَفْرِيطٍ، أَوْ رَدَّهَا فَلَا يَكُونُ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ. وَ (لَا) تُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى (وُقُوعُهُمَا) أَيْ: الرَّدِّ أَوْ التَّلَفِ (بَعْدَ إنْكَارِهِ) لِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ بِالْجُحُودِ فَيُشْبِهُ الْغَاصِبَ وَيَأْتِي فِي الْإِقْرَارِ وَلَوْ أَقَرَّ بِوَدِيعَةٍ، ثُمَّ ادَّعَى ظَنَّ بَقَائِهَا
. (وَإِنْ تَلِفَتْ) الْوَدِيعَةُ (عِنْدَ وَارِثِ) وَدِيعٍ (قَبْلَ إمْكَانَ رَدِّ) هَا إلَى رَبِّهَا لِنَحْوِ جَهْلٍ بِهَا أَوْ بِهِ (لَمْ يَضْمَنْهَا) إذَا لَمْ يُفَرِّطْ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَلِفَتْ بَعْدَ إمْكَانَ رَدِّهَا (ضَمِنَ) لِتَأَخُّرِ رَدِّهَا مَعَ إمْكَانِهِ مَعَ حُصُولِهَا بِيَدِهِ بِلَا إيدَاعٍ، كَمَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا وَنَحْوَهُ، وَبِخِلَافِ عَبْدٍ وَحَيَوَانٍ دَخَلَ دَارِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ
стр. 1008
يُخْرِجَهُ لِيَذْهَبَ كَمَا جَاءَ ; لِأَنَّ يَدَهُ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِمَا. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْقَوَاعِدِ
(وَمَنْ أَخَّرَ رَدَّهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ (أَوْ) أَخَّرَ (مَالًا أُمِرَ بِدَفْعِهِ بَعْدَ طَلَبٍ) مِنْ مُسْتَحِقِّهَا (بِلَا عُذْرٍ) فِي تَأْخِيرٍ (ضَمِنَ) مَا تَلِفَ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا بِإِمْسَاكِهِ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ، أَشْبَهَ الْغَاصِبَ (وَيُمْهَلُ) مَنْ طُولِبَ بِوَدِيعَةٍ أَوْ بِمَالٍ أُمِرَ بِدَفْعِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ (لِأَكْلٍ وَنَوْمٍ وَهَضْمِ طَعَامٍ وَنَحْوِهِ) كَصَلَاةٍ وَطَهَارَةٍ (بِقَدْرِهِ) أَيْ: الْمَذْكُورِ. فَلَا يَضْمَنُ إنْ تَلِفَتْ زَمَنَ عُذْرِهِ، لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ. وَإِنْ أَمَرَهُ بِالرَّدِّ إلَى وَكِيلِهِ فَتَمَكَّنَ وَأَبَى ضَمِنَهَا. وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهَا وَكِيلُهُ. وَإِنْ طَلَبَهَا فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا لِبُعْدِهَا أَوْ مَخَافَةً فِي طَرِيقِهَا، أَوْ عَجْزٍ عَنْ حَمْلِهَا وَنَحْوَهُ. . لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِتَرْكِ تَسْلِيمِهَا. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. وَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ. وَلَيْسَ عَلَى وَدِيعٍ مُؤْنَةُ حَمْلِهَا وَرَدِّهَا لِمَالِكِهَا، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ. وَمَنْ اسْتَأْمَنَهُ أَمِيرٌ عَلَى مَالِ فَخَشَى مِنْ حَاشِيَتِهِ إنْ مَنَعَهُمْ مِنْ عَادَتِهِمْ الْمُتَقَدِّمَةِ لَزِمَهُ فِعْلُ مَا يُمْكِنُهُ وَهُوَ أَصْلُحُ لِلْأَمِيرِ مِنْ تَوَلِّيهِ غَيْرُهُ فَيَرْتَعُ مَعَهُمْ. لَا سِيَّمَا وَلِلْآخِذِ شُبْهَةٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَتَثْبُتُ وَدِيعَةٌ بِإِقْرَارِ وَدِيعٍ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِإِقْرَارِ وَرَثَتِهِ بَعْدَهُ
(وَيَعْمَلُ) وَارِثٌ وُجُوبًا (بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ عَلَى كِيسٍ وَنَحْوَهُ) كَصُنْدُوقٍ أَوْ كِتَابٍ (هَذَا وَدِيعَةٌ، أَوْ) هَذَا (لِفُلَانٍ) نَصًّا وَ (وَيَعْمَلُ بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ) بِدَيْنٍ عَلَيْهِ (وُجُوبًا) فَيَجِبُ دَفْعُهُ إلَى مَنْ هُوَ مَكْتُوبٌ بِاسْمِهِ (أَوْ) بِدَيْنٍ (لَهُ عَلَى فُلَانٍ) فَيَعْمَلُ بِخَطِّ أَبِيهِ فِيهِ (وَ) يَجُوزُ لَهُ أَنْ (يَحْلِفَ) إذَا أَقَامَ بِهِ شَاهِدًا، إذَا عَلِمَ مِنْ مُوَرِّثِهِ الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ، وَأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا. فَيَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ
. (وَإِنْ ادَّعَاهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةَ (اثْنَانِ فَأَقَرَّ) الْوَدِيعُ (لِأَحَدِهِمَا) بِهَا (فَ) هِيَ (لَهُ) أَيْ: لِلْمُقَرِّ لَهُ (بِيَمِينِهِ) ; لِأَنَّ الْيَدَ كَانَتْ لِلْمُودَعِ. وَقَدْ نَقَلَهَا إلَى الْمُدَّعِي، فَصَارَتْ الْيَدُ لَهُ. فَقُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ. فَلَوْ قَالَ الْوَدِيعُ: أَوْدَعَنِيهَا الْمَيِّتُ، وَقَالَ هِيَ لِفُلَانٍ فَقَالَ وَرَثَتُهُ: بَلْ هِيَ لَهُ، فَقَوْلُ وَدِيعٍ مَعَ يَمِينِهِ. أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَيَحْلِفُ) الْمُودَعُ (لِلْآخَرِ) الَّذِي أَنْكَرَهُ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِدَعْوَاهُ وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. فَإِنْ حَلَفَ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُ مَعَهُ، وَإِلَّا غَرِمَ لَهُ بَدَلَهَا لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ. وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْأَوَّلِ فَيُسَلِّمُهَا لِلْأَوَّلِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِلثَّانِي نَصًّا، (وَ) إنْ أَقَرَّ بِهَا (لَهُمَا فَ) هِيَ (لَهُمَا) كَمَا لَوْ كَانَتْ بِأَيْدِيهِمَا وَتَدَاعَيَاهَا (وَيَحْلِفُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا) يَمِينًا عَلَى نِصْفِهَا. فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ عِوَضُهَا،
стр. 1009
يَقْتَسِمَانِهِ. وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَزِمَهُ لِمَنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَهُ عِوَضُ نِصْفِهَا (وَإِنْ قَالَ) جَوَابًا لِدَعْوَاهُمَا (لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا) مِنْكُمَا (وَصَدَّقَاهُ) عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا (أَوْ سَكَتَا فَلَا يَمِينَ) عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ، وَتُسَلَّمُ لِأَحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ مَعَ يَمِينِهِ (وَإِنْ كَذَّبَاهُ) فَقَالَا: بَلْ تَعْرِفُ أَيَّنَا صَاحِبَهَا، (حَلَفَ) لَهُمَا (يَمِينًا وَاحِدَةً أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ) ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَكَذَا إنْ كَذَّبَهُ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِيمَةُ وَالْعَيْنُ، فَيَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِمَا أَوْ يَتَّفِقَانِ. هَذِهِ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَجَمَاعَةٍ وَقَدَّمَهَا الْحَارِثِيُّ، (وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالَتَيْنِ) أَيْ: حَالَةِ مَا إذَا صَدَّقَاهُ وَحَالَةِ مَا إذَا كَذَّبَاهُ وَحَلَفَ، (فَمَنْ قَرَعَ) أَيْ: خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (حَلَفَ) أَنَّهَا لَهُ لِاحْتِمَالِ عَدَمِهِ (وَأَخَذَهَا) بِمُقْتَضَى الْقُرْعَةِ، وَكَذَا حُكْمُ عَارِيَّةٍ وَرَهْنٍ وَمَبِيعٍ مَرْدُودٍ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَيَأْتِي بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا فِي بَابِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ
(وَإِنْ أَوْدَعَاهُ) أَيْ: أَوْدَعَ اثْنَانِ وَاحِدًا (مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا يَنْقَسِمُ) إجْبَارًا (فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِغَيْبَةِ شَرِيكَهُ أَوْ) مَعَ حُضُورِهِ (وَامْتِنَاعِهِ) مِنْ أَخْذِ نَصِيبِهِ وَمِنْ الْإِذْنِ لِشَرِيكِهِ فِي أَخْذِ نَصِيبِهِ (سَلَّمَ إلَيْهِ) أَيْ: الطَّالِبِ نَصِيبَهُ وُجُوبًا. لِأَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ يُمْكِنُ فِيهِ تَمْيِيزُ نَصِيبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ بِغَيْرِ غَبْنٍ وَلَا ضَرَرٍ. أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مُتَمَيِّزًا. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ حَاكِمٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ. لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى قِسْمَةٍ وَيَفْتَقِرُ إلَى حُكْمٍ أَوْ اتِّفَاقٍ. فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ غَيْرَ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ، أَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَكِنْ لَا يَنْقَسِمُ لِصِنَاعَةٍ فِيهِ كَآنِيَةِ نُحَاسٍ وَنَحْوِهَا وَحُلِيٍّ مُبَاحٍ أَوْ مُخْتَلِفِ الْأَجْزَاءِ وَنَحْوِهِ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ أَوْ حَاكِمٍ. ; لِأَنَّ قِسْمَتَهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا الْحَيْفُ لِافْتِقَارِهَا إلَى التَّقْوِيمِ وَهُوَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ
(وَلِمُودِعٍ وَمُضَارِبٍ وَمُرْتَهِنٍ وَمُسْتَأْجِرٍ) قُلْتُ: وَمِثْلُهُمْ الْعَدْلُ بِيَدِهِ الرَّهْنُ وَالْأَجِيرُ عَلَى حِفْظِ عَيْنٍ وَالْوَكِيلُ فِيهِ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُجَاعِلُ عَلَى عَمَلِهَا (إنْ غُصِبَتْ الْعَيْنُ) أَيْ الْوَدِيعَةُ أَوْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ أَوْ الرَّهْنُ أَوْ الْمُسْتَأْجَرَةُ (الْمُطَالَبَةُ بِهَا) مِنْ غَاصِبِهَا. لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ حِفْظِهَا الْمَأْمُورِ بِهِ (وَلَا يَضْمَنُ مُودَعٌ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ (لِغَيْرِ رَبِّهَا) كَمَا لَوْ أَخَذَهَا مِنْهُ قَهْرًا. لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ دَفْعَهَا. وَإِنْ صَادَرَهُ سُلْطَانٌ لَمْ يَضْمَنْ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَضَمَّنَّهُ أَبُو الْوَفَاءِ إنْ فَرَّطَ.
وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الزَّاغُونِيِّ: مَنْ صَادَرَهُ سُلْطَانٌ وَنَادَى بِتَهْدِيدِ مَنْ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَنَحْوُهَا وَلَمْ يَحْمِلْهَا إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ أَوْ عَيَّنَهُ وَهَدَّدَهُ وَلَمْ يَنَلْهُ
стр. 1010
بِعَذَابٍ أَثِمَ وَضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا. ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، (فَإِنْ طَلَبَ يَمِينِهِ) أَيْ الْمُسْتَوْدَعَ أَنْ لَا وَدِيعَةَ لِفُلَانٍ عِنْدَهُ (وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا) مِنْ الْحَلِفِ لِتَغَلُّبِ الطَّالِبِ عَلَيْهِ بِسَلْطَنَةٍ أَوْ تَلَصُّصٍ وَلَا يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ مِنْهُ إلَّا بِالْحَلِفِ، (حَلَفَ مُتَأَوِّلًا) وَلَمْ يَحْنَثْ لِتَأَوُّلِهِ، (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَتَّى أُخِذَتْ) مِنْهُ (ضَمِنَهَا) لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ الْحَلِفِ، كَمَا لَوْ سَلَّمَهَا إلَى غَيْرِ رَبِّهَا ظَانًّا أَنَّهُ هُوَ فَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ، (وَيَأْثَمُ إنْ) حَلَفَ وَ (لَمْ يَتَأَوَّلْ) لِكَذِبِهِ (وَهُوَ) أَيْ: إثْمُ حَلِفِهِ بِدُونِ تَأْوِيلٍ (دُونَ إثْمِ إقْرَارِهِ بِهَا) لِأَنَّ حِفْظَ مَالِ الْغَيْرِ عَنْ الضَّيَاعِ آكَدُ مِنْ بِرِّ الْيَمِينِ، (وَيُكَفِّرُ) كَفَّارَةَ يَمِينٍ وُجُوبًا إنْ حَنِثَ وَلَمْ يَتَأَوَّلْ، وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ. فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَنْعَقِدُ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ وَتَقَدَّمَ فِي الْمُضَارَبَةِ: لَوْ مَاتَ وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَجُهِلَتْ فِي مَالِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ بَقَاؤُهَا، فَإِنَّ رَبَّهَا يَكُونُ غَرِيمًا بِهَا.
[بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْمَوَاتُ: كَغُرَابِ الْمَوْتِ. وَكَسَحَابٍ: مَا لَا رُوحَ فِيهِ، وَأَرْضٌ لَا مَالِكَ لَهَا، وَالْمَوَتَانُ بِالتَّحْرِيكِ خِلَافُ الْحَيَوَانِ، أَوْ أَرْضٌ لَمْ تُحْي بَعْدُ، وَبِالضَّمِّ مَوْتٌ يَقَعُ بِالْمَاشِيَةِ، وَيُفْتَحُ.
وَفِي الْمُغْنِي: الْمَوَاتُ هُوَ الْأَرْضُ الْخَرَابُ الدَّارِسَةُ وَتُسَمَّى مَيِّتَةً وَمَوَاتًا وَمَوْتَى بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ. وَالْمَوْتَانُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ: الْمَوْتُ الذَّرِيعُ، وَرَجَلٌ مَوْتَانِ الْقَلْبِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ يَعْنِي عَمِيُّ الْقَلْبِ لَا يَفْهَمُ. (وَ) الْمَوَاتُ اصْطِلَاحًا: (هِيَ الْأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ الِاخْتِصَاصَاتِ وَمِلْكِ مَعْصُومٍ) وَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ. وَالْأَصْلُ فِي إحْيَائِهِ: حَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا " «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» " حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ عَنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمَوَاتَ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهِ (فَيُمْلَكُ بِإِحْيَاءِ كُلِّ مَا) أَيْ مَوَاتٍ (لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَثَرُ عِمَارَةٍ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْإِحْيَاءِ انْتَهَى لِلْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ.
(وَإِنْ مَلَكَهُ) أَيْ: الْخِرَابَ (مَنْ لَهُ حُرْمَةٌ) مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ (أَوْ
стр. 1011
شُكَّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (فِيهِ) بِأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالِكٌ وَشَكَّ فِي حَالِهِ هَلْ هُوَ مُحْتَرَمٌ أَوْ لَا؟ (فَإِنْ وُجِدَ) مَالِكُهُ (أَوْ) وُجِدَ (أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ لَمْ يُمْلَكْ بِإِحْيَاءٍ) حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا. وَالْمُرَادُ فِي غَيْرِ مَا مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ (وَكَذَا إنْ جُهِلَ) مَالِكُهُ بِأَنْ لَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِجَرَيَانِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ لِذِي حُرْمَةٍ. فَلَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ نَصًّا. لِمَفْهُومِ حَدِيثِ عَائِشَةَ " «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ» وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَلَا يُمْلَكُ بِإِحْيَاءٍ، كَمَا لَوْ كَانَ مَالِكُهُ مُعَيَّنًا (وَإِنْ عُلِمَ) مَالِكُهُ وَمَوْتُهُ (وَلَمْ يُعَقِّبْ) أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ لَمْ يُمْلَكْ بِإِحْيَاءٍ، وَ (أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ) لِمَنْ شَاءَ. لِأَنَّهُ فَيْءٌ
(وَإِنْ مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى دَثَرَ وَعَادَ مَوَاتًا لَمْ يُمْلَكْ بِإِحْيَاءٍ إنْ كَانَ لِمَعْصُومٍ) لِمَفْهُومِ حَدِيث «: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً لَيْسَتْ لِأَحَدٍ» " وَهُوَ مُقَيِّدٌ لِحَدِيثِ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» وَلِأَنَّ مِلْكَ الْمُحْيِي أَوَّلًا لَمْ يَزُلْ عَنْهَا بِالتَّرْكِ كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ
. (وَإِنْ عُلِمَ مِلْكُهُ لِمُعَيَّنٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ) ، وَهُوَ الْكَافِرُ الَّذِي لَا أَمَانَ لَهُ (فَإِنْ) كَانَ (أَحْيَاهُ بِدَارِ حَرْبٍ وَانْدَرَسَ كَانَ) ذَلِكَ (كَمَوَاتٍ أَصْلِيٍّ) مَلَكَهُ مَنْ أَحْيَاهُ، ; لِأَنَّ مِلْكَ مَنْ لَا عِصْمَةَ لَهُ كَعَدَمِهِ (وَإِنْ) لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرُ مِلْكٍ، وَلَكِنْ (تَرَدَّدَ فِي جَرَيَانِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ) مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ. لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جَرَيَانِ الْمِلْكِ فِيهِ (أَوْ كَانَ بِهِ أَثَرُ مِلْكٍ غَيْرِ جَاهِلِيٍّ كَالْخَرِبِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَالْعَكْسِ، وَكِلَاهُمَا جَمْعُ خِرْبَةٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَهِيَ مَا تَهَدَّمَ مِنْ الْبُنْيَانِ (الَّتِي ذَهَبَتْ أَنْهَارُهَا وَانْدَرَسَتْ آثَارُهَا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهَا مَالِكٌ) الْآنَ، مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ لِلْخَبَرِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْحَرْبِ. وَصَحَّحَ الْحَارِثِيُّ وَتَبِعَهُ فِي الْإِنْصَافِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا وَتَبِعَهُمَا فِي الْإِقْنَاعِ، (أَوْ) كَانَ بِهِ أَثَرُ مِلْكٍ (جَاهِلِيٍّ قَدِيمٍ أَوْ) أَثَرُ مِلْكٍ جَاهِلِيٍّ (قَرِيبٍ) (مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ) ; لِأَنَّ أَثَرَ الْمِلْكِ الَّذِي بِهِ لَا حُرْمَةَ لَهُ. وَالْجَاهِلِيُّ الْقَدِيمُ كَدِيَارِ عَادٍ وَثَمُودَ وَآثَارِ الرُّومِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «عَادِيُّ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ هُوَ بَعْدُ لَكُمْ» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ
(وَمَنْ أَحْيَا) مِمَّا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ (وَلَوْ) كَانَ الْإِحْيَاءُ (بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ) كَانَ الْمُحْيِي (ذِمِّيًّا مَوَاتًا سِوَى مَوَاتِ الْحَرَمِ وَعَرَفَاتٍ، وَ) سِوَى (مَا أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَرْضِ كُفَّارٍ صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا) أَيْ: الْأَرْضَ (لَهُمْ وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا، وَ) سِوَى (مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ) عُرْفًا (وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ كَطُرُقِهِ وَفِنَائِهِ وَمَسِيلِ مَائِهِ وَمَرْعَاهُ وَمُحْتَطَبِهِ وَحَرِيمِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَمَدْفِنِ مَوْتَاهُ وَمَطْرَحِ تُرَابِهِ (مَلَكَهُ) جَوَابُ " مَنْ "، أَمَّا كَوْنُ الْإِحْيَاءِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فَلِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ
стр. 1012
الْمَوَاتَ عَيْنٌ مُبَاحَةٌ فَلَمْ يَفْتَقِرْ تَمَلُّكُهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ، كَأَخْذِ الْمُبَاحِ. وَأَمَّا كَوْنُ الذِّمِّيِّ فِيهِ كَالْمُسْلِمِ فَلِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَمَلَكَ بِالْإِحْيَاءِ كَالشِّرَاءِ وَكَتَمَلُّكِهِ مُبَاحَاتِهَا مِنْ حَشِيشٍ وَحَطَبٍ وَغَيْرِهِمَا. وَأَمَّا مَنْعُ الْإِحْيَاءِ فِي مَوَاتِ الْحَرَمِ وَعَرَفَاتٍ، فَلِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَى الْحُجَّاجِ وَاخْتِصَاصِهِ بِمَا يَسْتَوِي فِيهِ النَّاسُ. وَأَمَّا مَنْعُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْإِحْيَاءِ بِأَرْضِ كُفَّارٍ صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ فَلِأَنَّهُمْ صُولِحُوا فِي بِلَادِهِمْ فَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْهَا عَامِرًا كَانَ أَوْ مَوَاتًا لِتَبَعِيَّةِ الْمَوَاتِ لِلْبَلَدِ، بِخِلَافِ دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ. وَأَمَّا مَنْعُ الْإِحْيَاءِ فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ فَلِمَفْهُومِ حَدِيثِ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ» وَلِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُلُوكِ فَأُعْطِيَ حُكْمَهُ وَيَمْلِكُهُ مُحْيِهِ (بِمَا فِيهِ مِنْ مَعْدِنٍ جَامِدٍ) بَاطِنٍ (كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ) وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ (وَ) مِنْ مَعْدِنٍ جَامِدٍ (ظَاهِرٍ كَجَصٍّ وَكُحْلٍ) وَكِبْرِيتٍ وَزِرْنِيخٍ، لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَتَبِعَهَا فِي الْمِلْكِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا، بِخِلَافِ الرِّكَازِ ; لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا لِلنَّقْلِ وَلَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا. وَهَذَا فِي الْمَعْدِنِ الظَّاهِرِ إذَا ظَهَرَ بِإِظْهَارِهِ أَوْ حَفْرِهِ. وَأَمَّا مَا كَانَ ظَاهِرًا فِيهَا قَبْلَ إحْيَائِهَا فَلَا يَمْلِكُ ; لِأَنَّهُ قَطْعٌ لِنَفْعٍ كَانَ وَاصِلًا لِلْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا ظَهَرَ بِإِظْهَارِهِ فَلَمْ يَقْطَعْ عَنْهُمْ شَيْئًا (وَعَلَى ذِمِّيٍّ خَرَاجُ مَا أَحْيَا مِنْ مَوَاتٍ عَنْوَةً) ; لِأَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا تَقَرُّ فِي يَدِ غَيْرِهِمْ بِدُونِ خَرَاجٍ. وَأَمَّا غَيْرُ الْعَنْوَةِ كَأَرْضِ الصُّلْحِ وَمَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ فَالذِّمِّيُّ فِيهِ كَالْمُسْلِمِ
. (وَيُمْلَكُ بِإِحْيَاءٍ وَيُقْطَعُ) بِبِنَاءِ الْفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ (مَا قَرُبَ مِنْ السَّاحِلِ مِمَّا إذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا) ; لِأَنَّهُ لَا تَضْيِيقَ فِي تَمْهِيدِهِ وَفَتْحِ قَنَاةٍ إلَيْهِ تُصَبُّ الْمَاءَ فِيهِ لِيَتَهَيَّأَ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ
. (أَوْ) أَيْ: وَيَمْلِكُ بِإِحْيَاءِ مَا قَرُبَ (مِنْ الْعَامِرِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ) لِعُمُومِ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» " «وَلِأَنَّهُ ﷺ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ الْعَقِيقَ» وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَيْنَ عِمَارَةِ الْمَدِينَةِ.
وَ (لَا) تُمْلَكُ وَلَا تُقْطَعُ (مَعَادِنُ مُنْفَرِدَةٌ) ، أَمَّا الظَّاهِرَةُ وَهِيَ الَّتِي يُتَوَصَّلُ إلَى مَا فِيهَا بِلَا مُؤْنَةٍ كَمَقَاطِعِ الطِّينِ وَالْمِلْحِ وَالْكُحْلِ فَلِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِينَ وَتَضْيِيقًا عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ الَّتِي يُحْتَاجُ فِي إخْرَاجِهَا إلَى حَفْرٍ وَمُؤْنَةٍ كَمَعْدِنِ الْجَوَاهِرِ فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا
(وَلَا يُمْلَكُ مَا) أَيْ: مَكَانَ (نَضَبَ) أَيْ غَارَ (مَاؤُهُ) مِنْ الْجَزَائِرِ ; لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ يَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ. فَإِذَا وَجَدَهُ مَبْنِيًّا رَجَعَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَأَضَرَّ بِأَهْلِهِ، وَلِأَنَّ الْجَزَائِرَ مَنْبَتُ الْكَلَإِ وَالْحَطَبِ، فَجَرَتْ مَجْرَى الْمَعَادِنِ
стр. 1013
الظَّاهِرَةِ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ أَبَاحَ الْجَزَائِرَ " أَيْ: مَا نَبَتَ فِيهَا. وَإِنْ غَلَبَ الْمَاءُ عَلَى مِلْكِ إنْسَانٍ ثُمَّ نَضَبَ عَنْهُ فَلَهُ أَخْذُهُ. وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِغَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ. وَإِنْ جَعَلَ مَا نَضَبَ مَاؤُهُ مَزْرَعَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِتَحَجُّرِهِ.
(وَإِنْ ظَهَرَ فِيمَا أَحْيَا) مِنْ مَوَاتٍ (عَيْنُ مَاءٍ أَوْ مَعْدِنٍ جَارٍ) أَيْ: كُلَّمَا أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ خَلَفَهُ غَيْرُهُ (كَنَفْطٍ وَقَارٍ أَوْ) ظَهَرَ فِيهِ (كَلَأٌ أَوْ شَجَرٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ أَحَدٌ فَهُوَ لَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. .
وَفِي لَفْظٍ " فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ " (وَلَا يَمْلِكُهُ) لِحَدِيثِ «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ، فِي: الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ " فِيهِ «وَثَمَنُهُ حَرَامٌ» وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَلَمْ تُمْلَكْ بِمِلْكِهَا كَالْكَنْزِ
. (وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ) الَّذِي لَمْ يُحَرِّزْهُ (عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ عِيَالِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ يَجِبُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ وَزَرْعِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «: مِنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ أَوْ فَضْلَ كَلَئِهِ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَا يَتَوَعَّدُ عَلَى مَا يَحِلُّ (مَا لَمْ يَجِدْ) رَبُّ الْبَهَائِمِ أَوْ الزَّرْعِ مَاءً (مُبَاحًا) فَيَسْتَغْنِي بِهِ فَلَا يَجِبُ الْبَذْلُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (أَوْ يَتَضَرَّرُ بِهِ) الْبَاذِلُ، فَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ (أَوْ يُؤْذِيهِ) طَالِبُ الْمَاءِ (بِدُخُولِهِ) فِي أَرْضِهِ (أَوْ) يَكُونُ (لَهُ فِيهِ) أَيْ: الْبِئْرِ (مَاءُ السَّمَاءِ فَيَخَافُ عَطَشًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَعَهُ) دَفْعًا لِلْأَذَى وَحَيْثُ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ مَدُّ حَبْلٍ وَدَلْوٍ، لِأَنَّهُمَا يَتْلَفَانِ بِالِاسْتِعْمَالِ.
(وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا بِمَوَاتٍ لِلسَّابِلَةِ) أَيْ: نَفْعِ الْمُجْتَازِينَ بِهَا كَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا فَالنَّاسُ مُشْتَرِكُونَ فِي مَائِهَا وَالْحَافِرُ لَهَا كَأَحَدِهِمْ (فِي سَقْيِ زَرْعٍ وَشُرْبٍ) لِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ (وَمَعَ ضِيقٍ) أَيْ: تَزَاحُمٍ (بِسَقْيِ آدَمِيٍّ) أَوْ لَا لِحُرْمَتِهِ (فَحَيَوَانٍ) ; لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً (فَزَرْعٍ، وَ) إنْ حَفَرَهَا فِي مَوَاتٍ (ارْتِفَاقًا) بِهَا (كَالسِّفَارَةِ) وَالْمُنْتَجِعِينَ يَحْفِرُونَ بِئْرًا (لِشُرْبِهِمْ وَ) شُرْبِ (دَوَابِّهِمْ فَهُمْ) أَيْ: الْحَافِرُونَ لَهَا (أَحَقُّ بِمَائِهَا) أَيْ الْبِئْرِ الَّتِي حَفَرُوهَا (وَقَامُوا) عَلَيْهَا. وَلَا يَمْلِكُونَهَا لِجَزْمِهِمْ بِانْتِقَالِهِمْ عَنْهَا وَتَرْكِهَا لِمَنْ يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُمْ، بِخِلَافِ الْمُتَمَلِّكِ (وَعَلَيْهِمْ) أَيْ: الْحَافِرِينَ لَهَا (بَذْلُ فَاضِلٍ) عَنْهُمْ مِنْ مَائِهَا (لِشَارِبٍ فَقَطْ) أَيْ: دُونَ نَحْوِ زَرْعٍ، (وَبَعْدَ رَحِيلِهِمْ) أَيْ: الْحَافِرِينَ لَهَا (تَكُونُ سَابِلَةً لِلْمُسْلِمِينَ) لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ الْحَافِرِينَ عَلَى غَيْرِهِ (فَإِنْ عَادُوا) أَيْ: الْحَافِرُونَ لَهَا (كَانُوا أَحَقَّ بِهَا) مِنْ غَيْرِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ إنَّمَا حَفَرُوهَا لِأَنْفُسِهِمْ. وَمِنْ عَادَتِهِمْ الرَّحِيلُ وَالرُّجُوعُ. فَلَا تَزُولُ أَحَقِّيَّتُهُمْ بِهِ وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا بِمَوَاتٍ (تَمَلُّكًا فَ) هِيَ (مِلْكٌ لِحَافِرٍ) كَمَا لَوْ حَفَرَهَا بِمِلْكِ الْحَيِّ
стр. 1014
[فَصْلٌ وَإِحْيَاءُ أَرْضٍ مَوَاتٍ يَجُوزُ بِحَائِطٍ مَنِيعٍ]
سَوَاءٌ أَرَادَهَا لِبِنَاءٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ حَظِيرَةٍ لِغَنَمٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا نَصًّا. لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَلَهُمَا عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ ; وَلِأَنَّ الْحَائِطَ حَاجِزٌ مَنِيعٌ وَلَا اعْتِبَارَ لِلْقَصْدِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَرَادَهَا حَظِيرَةً فَبَنَاهَا بِجِصٍّ وَآجُرٍّ وَقَسَّمَهَا بُيُوتًا، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا وَقَوْلُهُ: " مَنِيعًا " أَيْ: يَمْنَعُ مَنْ وَرَاءَهُ وَلَا يُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ تَسْقِيفٌ وَلَا تَرْكِيبُ بَابٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْخَبَرِ (أَوْ) أَيْ: وَيَحْصُلُ إحْيَاؤُهَا (بِإِجْرَاءِ مَاءٍ) بِأَنْ يَسُوقَهُ إلَيْهَا مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ (لَا تُزْرَعُ إلَّا بِهِ) أَيْ: بِالْمَاءِ الْمَسُوقِ إلَيْهَا (أَوْ مَنْعِ مَاءٍ لَا تُزْرَعُ مَعَهُ) كَأَرْضِ الْبَطَائِحِ الَّتِي يُفْسِدُهَا غَرَقُهَا بِالْمَاءِ لِكَثْرَتِهِ، فَإِحْيَاؤُهَا بِسَدِّهِ عَنْهَا وَجَعْلِهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُ زَرْعُهَا ; لِأَنَّ بِذَلِكَ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِيمَا أَرَادَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَكْرَارِ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ (أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ) أَوْ نَهْرٍ نَصًّا. وَيَصِلُ إلَى مَاءِ الْبِئْرِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ: وَإِنْ خَرَجَ الْمَاءُ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى طَيٍّ، فَتَمَامُ الْإِحْيَاءِ طَيُّهَا (أَوْ غَرْسُ شَجَرٍ فِيهَا) أَيْ: الْمَوَاتِ بِأَنْ كَانَتْ لَا تَصْلُحُ لِغَرْسٍ لِكَثْرَةِ أَحْجَارِهَا وَنَحْوِهَا فَيُنَقِّيهَا وَيَغْرِسُهَا ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْبَقَاءِ كَبِنَاءِ الْحَائِطِ. وَلَا يَحْصُلُ إحْيَاءٌ بِحَرْثٍ وَزَرْعٍ.
(وَبِحَفْرِ بِئْرٍ) بِمَوَاتٍ وَاسْتِخْرَاجِ مَائِهَا (يَمْلِكُ) حَافِرٌ (حَرِيمَهَا وَهُوَ) أَيْ: حَرِيمِ الْبِئْرِ (مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فِي قَدِيمَةٍ) وَتُسَمَّى الْعَادِيَّةَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ نِسْبَةً لِعَادٍ، وَلَمْ يُرِدْ عَادًا بِعَيْنِهَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ عَادٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ وَكَانَتْ لَهَا آثَارٌ فِي الْأَرْضِ نُسِبَ إلَيْهَا كُلُّ قَدِيمٍ (خَمْسُونَ ذِرَاعًا وَ) الْحَرِيمُ (فِي) بِئْرٍ (غَيْرِهَا) أَيْ الْقَدِيمَةِ (خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا) نَصًّا. لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ " السُّنَّةُ فِي حَرِيمِ الْقَلِيبِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا وَالْبَدِيءُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ "، وَرَوَى الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وَالْبِئْرُ الَّتِي لَهَا مَاءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ لَيْسَ لِأَحَدٍ احْتِجَازُهُ كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ
. (وَحَرِيمُ عَيْنٍ وَقَنَاةٍ) حُفِرَتَا بِمَوَاتٍ (خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ و) حَرِيمُ (نَهْرٍ) بِمَوَاتٍ (مِنْ جَانِبَيْهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِطَرْحِ كِرَايَتِهِ) أَيْ: مَا يُلْقَى مِنْهُ لِيُسْرِعَ جَرْيُهُ (وَطَرِيقِ شَاوِيهِ) أَيْ قَيِّمُهُ. قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَالْكِرَايَةُ وَالشَّاوِي لَمْ أَجِدْ لَهُمَا أَصْلًا فِي اللُّغَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَعَلَّهُمَا مُوَلَّدَتَانِ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الشَّامِ (وَنَحْوِهِمَا) أَيْ: نَحْوِ مَطْرَحِ كِرَايَتِهِ وَطَرِيقِ شَاوِيهِ مِنْ مَرَافِقِهِ وَمَا يَسْتَضِرُّ صَاحِبُهُ بِتَمَلُّكِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَثُرَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ كَانَ بِجَنْبِهِ مُثَنَّاةٌ لِغَيْرِهِ
стр. 1015
ارْتَفَقَ بِهَا فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً. وَلَهُ عَمَلُ أَحْجَارِ طَحْنٍ عَلَى النَّهْرِ وَنَحْوِهِ وَمَوْضِعِ غَرْسٍ وَزَرْعٍ وَنَحْوِهِمَا
. (وَ) حَرِيمُ (شَجَرَةٍ) غُرِسَتْ بِمَوَاتٍ (قَدْرُ مَدِّ أَغْصَانِهَا) حَوَالَيْهَا. لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ «اُخْتُصِمَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ، فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرَائِدِهَا فَذُرِعَتْ فَكَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ أَوْ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ فَقَضَى بِذَلِكَ»
(وَ) حَرِيمُ (أَرْضٍ تُزْرَعُ) مِنْ مَوَاتٍ (مَا) أَيْ: مَحَلٍّ (تَحْتَاجُ) إلَيْهِ (لِسَقْيِهَا وَرَبْطِ دَوَابِّهَا وَطَرْحِ سَبَخِهَا وَنَحْوِهِ) مِنْ مَرَافِقِ زُرَّاعِهَا كَمَصْرِفِ مَائِهَا عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ.
(وَ) حَرِيمُ (دَارٍ مِنْ مَوَاتٍ حَوْلَهَا مَطْرَحُ تُرَابٍ وَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ وَمَاءِ مِيزَابٍ وَمَمَرٍّ لِبَابٍ) ; لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ مَرَافِقِ سَاكِنِهَا (وَلَا حَرِيمَ لِدَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِمِلْكٍ) لِغَيْرِهِ مِنْ جَوَانِبِهَا ; لِأَنَّ الْحَرِيمَ مِنْ الْمَرَافِقِ وَلَا يَرْتَفِقُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ (وَيَتَصَرَّفُ كُلٌّ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْلَاكِ الْمُتَلَاصِقَةِ (بِحَسَبِ عَادَةٍ) فَإِنْ تَعَدَّاهَا مُنِعَ (وَإِنْ وَقَعَ فِي) قَدْرِ (الطَّرِيقِ نِزَاعٌ وَقْتَ الْإِحْيَاءِ فَلَهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ) لِلْخَبَرِ (وَلَا تُغَيَّرُ بَعْدَ وَضْعِهَا) أَيْ: الطَّرِيقِ ; لِأَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ
. (وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا بِأَنْ أَدَارَ حَوْلَهُ أَحْجَارًا) أَوْ تُرَابًا أَوْ شَوْكًا أَوْ حَائِطًا غَيْرَ مَنِيعٍ لَمْ يَمْلِكْهُ، (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا لَمْ يَصِلْ مَاءَهَا) لَمْ يَمْلِكْهَا نَصًّا (أَوْ سَقَى شَجَرًا مُبَاحًا) كَالزَّيْتُونِ وَالْخَرْنُوبِ. قَالَ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ: الصَّوَابُ شَفَّا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: قَطْعِ الْأَغْصَانِ الرَّدِيئَةَ لِتَخْلُفَهَا أَغْصَانٌ جَيِّدَةٌ (وَأَصْلَحَهُ وَلَمْ يُرْكِبْهُ) أَيْ: يُطْعِمْهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، فَإِنْ طَعَّمَهُ مَلَكَهُ بِذَلِكَ (وَنَحْوِهِ) بِأَنْ حَرَثَ الْأَرْضَ أَوْ خَنْدَقَ حَوْلَهَا لَمْ يَمْلِكْهَا ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ قَدْ يَنْزِلُ مَنْزِلًا وَيُحَوِّطُ عَلَى رَحْلِهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ (أَوْ أَقْطَعَهُ) أَيْ: أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ مَوَاتًا لِيُحْيِيَهُ (لَمْ يَمْلِكْهُ) قَبْلَ إحْيَائِهِ ; لِأَنَّ الْمَوَاتَ إنَّمَا يُمْلَكَ بِالْإِحْيَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لِلْإِمَامِ إقْطَاعَ الْمَوَاتِ لِمَنْ يُحْيِيهِ وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْإِقْطَاعِ بَلْ بِإِحْيَائِهِ (وَهُوَ) أَيْ: مَنْ تَحَجَّرَ الْمَوَاتَ أَوْ حَفَرَ الْبِئْرَ وَلَمْ يَصِلْ مَاءَهَا أَوْ سَقَى الشَّجَرَ الْمُبَاحَ وَلَمْ يَرْكَبْهُ وَنَحْوُهُ أَوْ أُقْطِعَهُ (أَحَقُّ بِهِ) مِنْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» ".
(وَ) كَذَا (وَارِثُهُ) مِنْ بَعْدِهِ بِهِ أَحَقُّ لِحَدِيثِ «مَنْ تَرَكَ حَقًّا أَوْ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» ; وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَوْرُوثِ فَقَامَ فِيهِ وَارِثُهُ مُقَامَهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، (و) كَذَا (مَنْ يَنْقُلُهُ) الْمُتَحَجِّرُ وَنَحْوُهُ وَالْمُقَطَّعُ (إلَيْهِ) أَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ سِوَاهُ ; لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَهُ فِيهِ
(وَكَذَا مَنْ نَزَلَ عَنْ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ بِيَدِهِ لِغَيْرِهِ أَوْ عَنْ وَظِيفَةٍ لِأَهْلٍ)
стр. 1016
فَالْمَنْزُولُ لَهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَتَقَرَّرُ غَيْرُهُ أَيْ: إذَا كَانَ النُّزُولُ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْإِمْضَاءِ لِشَرْطِ وَاقِفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَالنُّزُولُ إذَا لَمْ يَتِمَّ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمُتَحَجِّرِ إذْ الْمُتَحَجِّرُ لَا يَتِمُّ مِلْكُهُ إلَّا بِالْإِحْيَاءِ وَالنُّزُولُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْإِمْضَاءِ، وَحَقُّ الْمَنْزُولِ لَهُ قَائِمٌ بِهِ يَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى الْإِمْضَاءِ. فَإِنْ وُجِدَ انْبَرَمَ وَتَمَّ النُّزُولُ لَهُ وَإِلَّا كَانَ الْمَنْزُولُ عَنْهُ لِلنَّازِلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْغَبْ عَنْهُ رَغْبَةً مُطْلَقَةً بَلْ مُقَيَّدَةً بِحُصُولِهِ لِلْمَنْزُولِ لَهُ وَلَمْ يَحْصُلْ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ التَّقْرِيرُ فِي مِثْلِ هَذَا إنَّمَا يُقَرِّرُ فِيمَا هُوَ خَالٍ عَنْ يَدِ مُسْتَحِقٍّ أَوْ فِي يَدِ مَنْ يَمْلِكُ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ لِمُقْتَضًى شَرْعِيٍّ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ النُّزُولُ مَشْرُوطًا بِالْإِمْضَاءِ وَكَانَ الْمَنْزُولُ لَهُ أَهْلًا فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ عَاجِلًا بِقَبُولِهِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقْرِيرِ نَاظِرٍ وَلَا مُرَاجَعَتِهِ ; إذْ هُوَ حَقٌّ لَهُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ فِي حُقُوقِهِ قَالَهُ ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ (أَوْ آثَرَ شَخْصًا بِمَكَانِهِ فِي الْجُمُعَةِ) ، فَالْمُؤْثَرُ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَحَقُّ بِهِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: لِمَنْ قُلْنَا إنَّهُ أَحَقُّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ السَّابِقِ (بَيْعُهُ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْأَخْذِ، وَكَمَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ لَكِنَّ النُّزُولَ عَنْهُ بِعِوَضٍ لَا عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ جَائِزٌ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ قِيَاسًا عَلَى الْخُلْعِ (فَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ) أَيْ مُدَّةُ التَّحَجُّرِ وَنَحْوَهُ (عُرْفًا وَلَمْ يَتِمَّ إحْيَاؤُهُ وَحَصَلَ مُتَشَوِّقٍ لِإِحْيَائِهِ قِيلَ لَهُ) أَيْ: قَالَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لِلْمُتَحَجِّرِ وَنَحْوِهِ: (إمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ أَوْ تَتْرُكَهُ) لِغَيْرِكَ يُحْيِيهِ لِتَضْيِيقِهِ عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ. أَشْبَهَ مَنْ وَقَفَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّق (فَإِنْ طَلَبَ) الْمُتَحَجِّرُ (الْمُهْلَةَ لِعُذْرٍ أُمْهِلَ مَا يَرَاهُ حَاكِمٌ مِنْ نَحْوِ شَهْرٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ) لِيَحْصُلَ مَا يَحْتَاجُهُ لِإِحْيَائِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تُعَمِّرَ أَوْ تَرْفَعَ يَدَكَ، فَإِنْ لَمْ يُعَمِّرْهَا كَانَ لِغَيْرِهِ عِمَارَتُهَا (وَلَا يَمْلِكُ) الْمُتَحَجِّرُ (بِإِحْيَاءِ غَيْرِهِ فِيهَا) أَيْ: مُدَّةَ الْمُهْلَةِ لِأَنَّهُ إحْيَاءٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. أَشْبَهَ إحْيَاءَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُتَحَجِّرِ أَسْبَقُ فَكَانَ أَوْلَى. فَإِنْ أَحْيَاهُ غَيْرُهُ بَعْدَ مُدَّةِ الْمُهْلَةِ مَلَكَهُ (وَكَذَا لَا يُقَرِّرُ) فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ أَوْ وَظِيفَةٍ مَنْزُولٍ عَنْهَا لِأَهْلٍ (غَيْرُ مَنْزُولٍ لَهُ) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِذَلِكَ، (وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ (لِغَيْرِ الْمُؤْثَرِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (أَنْ يَسْبِقَ) إلَى الْمَكَانِ الْمُؤْثَرِ بِهِ غَيْرُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُؤْثَرِ بِهِ
وَيَنْقَسِمُ الْإِقْطَاعُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: إقْطَاعُ تَمْلِيكٍ، وَإِقْطَاعُ اسْتِغْلَالٍ، وَإِقْطَاعُ إرْفَاقٍ. وَقَسَّمَ الْقَاضِي الْأَوَّلَ إلَى: مَوَاتٍ وَعَامِرٍ وَمَعَادِنِ، وَجَعَلَ الثَّانِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: خَرَاجٍ وَعُشْرٍ. وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْأَخِيرِ بِقَوْلِهِ (: وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُ جُلُوسٍ بِطَرِيقٍ وَاسِعَةٍ وَرَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ مَا لَمْ يَضِقْ عَلَى النَّاسِ) ; لِأَنَّ لَهُ فِي
стр. 1017
ذَلِكَ اجْتِهَادًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ إلَّا فِيمَا لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ فِيهَا، فَلَهُ أَنْ يُجْلِسَ فِيهَا مَنْ لَا يَرَى أَنَّهُ يَضُرُّ بِجُلُوسِهِ (وَلَا يَمْلِكُهُ مُقْطَعٌ) بِهِ (بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ) أَيْ: بِالْجُلُوسِ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يَزُولُ حَقُّهُ بِنَقْلِ مَتَاعِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ، بِخِلَافِ السَّابِقِ إلَيْهَا بِلَا إقْطَاعٍ كَمَا يَأْتِي ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَهَا يَسْبِقُهُ إلَيْهَا. فَإِذَا انْتَقَلَ عَنْهَا زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ، وَهُنَا اسْتِحْقَاقُهُ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ لَهُ فَلَا يَزُولُ (مَا لَمْ يَعُدْ الْإِمَامُ فِي إقْطَاعِهِ) فَيُقْطَعُ بِعَوْدِهِ ; لِأَنَّ لَهُ اجْتِهَادًا فِي قَطْعِهِ كَمَا لَهُ اجْتِهَادٌ فِي ابْتِدَائِهِ. فَإِنْ كَانَتْ رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ مَحُوطَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ إقْطَاعُ الْجُلُوسِ فِيهَا ; لِأَنَّهَا مِنْ الْمَسْجِدِ (وَإِنْ لَمْ يُقْطِعْ) الْإِمَامُ الْجُلُوسَ بِطَرِيقٍ وَاسِعَةٍ أَوْ رَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ، (فَالسَّابِقُ) إلَى الْجُلُوسِ فِيهَا (أَحَقُّ) بِهِ (مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهَا) ; لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» ; وَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ بِمُبَاحٍ بِلَا إضْرَارٍ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَالِاجْتِيَازِ. فَإِنْ قَامَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إزَالَتَهُ، وَإِنْ نَقَلَ مَتَاعَهُ كَانَ لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَأْتِ اللَّيْلُ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إذْنِ إمَامٍ (فَإِنْ أَطَالَهُ) أَيْ: الْجُلُوسَ بِلَا إقْطَاعٍ (أُزِيلَ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالتَّمَلُّكِ. وَيَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيهِ غَيْرُهُ فِيهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْجَالِسِ بِطَرِيقٍ وَاسِعٍ وَرَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ بِإِقْطَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَنْ يَسْتَظِلَّ بِمَا لَا يَضُرُّ كَكِسَاءٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ إلَيْهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ رَحْبَةٍ (أَوْ إلَى خَانٍ مُسْبَلٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ خَانِكَاهْ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ) الِانْتِفَاعُ (بِهَا إلَى تَنْزِيلِ نَاظِرٍ) وَضَاقَ الْمَكَانُ عَنْ انْتِفَاعِ جَمِيعِهِمْ (أُقْرِعَ) لِاسْتِوَائِهِمْ، وَالْقُرْعَةُ مُمَيِّزَةٌ
(وَالسَّابِقُ إلَى مَعْدِنٍ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُهُ) مِنْهُ بَاطِنًا كَانَ أَوْ ظَاهِرًا لِلْخَبَرِ (وَلَا يُمْنَعُ إذَا طَالَ مُقَامُهُ) لِلْخَبَرِ (وَإِنْ سَبَقَ عَدَدٌ) إلَى مَعْدِنٍ (وَضَاقَ الْمَحِلُّ عَنْ الْآخِذِ جُمْلَةً أُقْرِعَ) ; لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا
(وَالسَّابِقُ إلَى) أَخْذِ (مُبَاحٍ كَصَيْدٍ وَعَنْبَرٍ وَحَطَبٍ وَثَمَرٍ) وَنَحْوِهِ (وَمَنْبُوذٍ رَغْبَةً عَنْهُ) كَالنِّثَارِ فِي الْأَعْرَاسِ وَنَحْوِهَا، وَمَا يَتْرُكُهُ حَصَّادٌ وَنَحْوُهُ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ رَغْبَةً عَنْهُ وَكِسْرَةٍ وَلَحْمٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَظْمٍ (أَحَقُّ بِهِ) فَيَمْلِكُهُ بِأَخْذِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا (وَيُقَسَّمُ بَيْنَ عَدَدٍ) أَخَذُوهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً (بِالسَّوِيَّةِ) لِاسْتِوَائِهِمْ فِي السَّبَبِ وَإِمْكَانَ الْقِسْمَةِ
(وَلِلْإِمَامِ لَا غَيْرِهِ إقْطَاعُ غَيْرِ مَوَاتٍ تَمْلِيكًا وَانْتِفَاعًا لِلْمَصْلَحَةِ) لِفِعْلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ. وَمَعْنَى الِانْتِفَاعِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ بِالزَّرْعِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا مَعَ بَقَائِهِ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ إقْطَاعُ الِاسْتِغْلَالِ (وَ) أَيْ: لِإِمَامٍ (حَمْيُ مَوَاتٍ لِرَعْيِ دَوَابِّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَا لَمْ يُضَيِّق) عَلَى النَّاسِ، لِقَوْلِ عُمَرَ
стр. 1018
الْمَالُ مَالُ اللَّهِ وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ وَاَللَّهِ لَوْلَا مَا أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ مِنْ الْأَرْضِ شِبْرًا فِي شِبْرٍ " قَالَ مَالِكٌ " بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ فِي كُلِّ عَامٍ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ الظَّهْرِ ".
وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ عُثْمَانَ حَمَى، وَاشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكَرْ. وَلِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ تَقُومُ فِيهِ الْأَئِمَّةُ مُقَامَهُ ﷺ وَحَدِيثِ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أُجِيبُ عَنْهُ: بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا يَحْمِيهِ الْإِمَامُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ حُرِمَ لِعَدَمِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ. وَالْحِمَى الْمَنْعُ، يُقَالُ: حَمَى الْمَكَانَ إذَا جَعَلَهُ حِمًى لَا يُقْرَبُ. وَلَمْ يَحْمِ النَّبِيُّ ﷺ لِنَفْسِهِ شَيْئًا وَإِنَّمَا حَمَى لِلْمُسْلِمِينَ (وَلَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ إذَا حَمَى مَحِلًّا (نَقْضُ مَا حَمَاهُ) ; لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ (أَوْ) أَيْ: وَلَهُ نَقْضُ مَا حَمَاهُ (غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ) ; لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ فَلَهُ نَقْضُهُ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ. فَلَوْ أَحْيَاهُ إنْسَانٌ مَلَكَهُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ، بَلْ عَمَلٌ بِكُلٍّ مِنْ الِاجْتِهَادَيْنِ فِي مَحِلِّهِ كَالْحَادِثَةِ إذَا حَكَمَ فِيهَا قَاضٍ بِحُكْمٍ ثُمَّ وَقَعَتْ مَرَّةً أُخْرَى وَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ كَقَضَاءِ عُمَرَ فِي الْمُشَرَّكَةِ. وَ (لَا) يَنْقُضُ أَحَدٌ (مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ) ; لِأَنَّ النَّصَّ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ (وَلَا يُمَلَّكُ) مَا حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (بِإِحْيَاءٍ وَلَوْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ) ، وَإِنْ كَانَ الْحِمَى لِكَافَّةِ النَّاسِ تَسَاوَى فِيهِ جَمِيعُهُمْ. فَإِنْ خُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ اشْتَرَكَ فِيهِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ وَمُنِعَ مِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَإِنْ خُصَّ بِهِ الْفُقَرَاءُ مُنِعَ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْأَغْنِيَاءِ أَوْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوَابِّ عِوَضًا عَنْ مَرْعَى مَوَاتٍ أَوْ حِمًى لِأَنَّهُ ﷺ شَرَكَ النَّاسَ فِيهِ.
[فَصْلٌ لِمَنْ فِي أَعْلَى مَاءٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ كَالْأَمْطَارِ أَنْ يَسْقِيَ وَيَحْبِسَهُ]
فَصْلٌ وَلِمَنْ فِي أَعْلَى مَاءٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ كَالْأَمْطَارِ وَالْأَنْهَارِ الصِّغَارِ أَنْ يَسْقِيَ وَيَحْبِسَهُ أَيْ: الْمَاءَ (حَتَّى يَصِلَ إلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ إلَى مَنْ يَلِيهِ) أَيْ: السَّاقِي أَوَّلًا (ثُمَّ هُوَ) أَيْ: الَّذِي يَلِي الْأَعْلَى يَفْعَلُ (كَذَلِكَ) أَيْ: يَسْقِي وَيَحْبِسُ حَتَّى يَصِلَ إلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ إلَى مَنْ يَلِيهِ، وَهَكَذَا (مُرَتَّبًا) الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى إلَى انْتِهَاءِ الْأَرَاضِي (إنْ فَضَلَ شَيْءٌ) عَمَّنْ لَهُ السَّقْيُ وَالْحَبْسُ (وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لِلْبَاقِي) أَيْ لِمَنْ بَعْدَهُ. إذْ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا فَضَلَ كَالْعَصَبَةِ مَعَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ فِي الْمِيرَاثِ. لِحَدِيثِ عُبَادَةَ
стр. 1019
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي شُرْبِ النَّخْلِ مِنْ السَّيْلِ أَنَّ الْأَعْلَى يَشْرَبُ قَبْلَ الْأَسْفَلِ، وَيَتْرُكُ الْمَاءَ إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الْمَاءَ إلَى الْأَسْفَلِ الَّذِي يَلِيهِ وَكَذَلِكَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَوَائِطُ أَوْ يَفْنَى الْمَاءُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ. وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ لِأَرْضِ أَحَدِهِمْ أَعْلَى وَأَسْفَلُ) بِأَنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي ذَلِكَ (سُقِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ) أَيْ: انْفِرَادِهِ فِي مَحِلِّهِ، (وَلَوْ اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي قُرْبٍ) مِنْ أَوَّلِ نَهْرٍ (قُسِّمَ) الْمَاءُ بَيْنَهُمْ (عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ) فَلَوْ كَانَ لِوَاحِدٍ جَرِيبٌ وَلِآخَرَ جَرِيبَانِ وَلِثَالِثٍ ثَلَاثَةٌ، فَلِلْأَوَّلِ سُدُسٌ وَلِلثَّانِي ثُلُثٌ وَلِلثَّالِثِ نِصْفٌ كَمَا لَوْ كَانُوا سِتَّةً لِكُلِّ وَاحِدٍ جَرِيبٌ، (إنْ أَمْكَنَ) قَسْمُهُ بَيْنَهُمْ (وَإِلَّا) يُمْكِنُ قَسْمُهُ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ فَيَسْقِي مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْآخَرِينَ فَيَسْقِي مِنْ قُرِعَ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَيَتْرُكُهُ لِلْآخَرِ، (فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ) الْمَاءُ (عَنْ وَاحِدٍ) مَعَ التَّسَاوِي فِي الْقُرْبِ (سَقَى الْقَارِعُ بِقَدْرِ حَقِّهِ) لِمُسَاوَاتِهِ مَنْ لَمْ تَخْرُجْ لَهُ الْقُرْعَةُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِلتَّقْدِيمِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ لَا فِي أَصْلِ الْحَقِّ بِخِلَافِ الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ
. (وَإِنْ أَرَادَ إنْسَانٌ إحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا مِنْهُ) أَيْ: السَّيْلِ أَوْ النَّهْرِ الصَّغِيرِ (لَمْ يُمْنَعْ) مِنْ الْإِحْيَاءِ ; لِأَنَّ حَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ فِي الْمَاءِ لَا فِي الْمَوَاتِ (مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ) فَإِنْ ضَرَّهُمْ فَلَهُمْ مَنْعُهُ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ عَنْهُمْ (وَلَا يَسْقِي قَبْلَهُمْ) إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِمْ وَأَحْيَى لِسَبْقِهِمْ لَهُ إلَى النَّهْرِ ; وَلِأَنَّهُمْ مَلَكُوا الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا وَمَرَافِقِهَا قَبْلَهُ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حُقُوقِهَا وَسَبْقِهِمْ إيَّاهُ بِالسَّقْيِ مِنْ حُقُوقِهَا
. (وَلَوْ أَحْيَا سَابِقٌ) مَوَاتًا (فِي أَسْفَلِهِ) أَيْ النَّهْرِ (ثُمَّ) أَحْيَا (آخَرُ) مَحِلًّا (فَوْقَهُ) أَيْ: الْأَوَّلِ (ثُمَّ) أَحْيَا (ثَالِثٌ) مَحِلًّا (فَوْقَ ثَانٍ سَقَى الْمُحْيِي أَوَّلًا) وَهُوَ الْأَسْفَلُ. ثُمَّ سَقَى ثَانٍ فِي الْإِحْيَاءِ، وَهُوَ الَّذِي فَوْقَ الْأَسْفَلِ (ثُمَّ) سَقَى (ثَالِثٌ) أَيْ: الَّذِي فَوْقَ الثَّانِي اعْتِبَارًا بِالسَّبْقِ إلَى الْإِحْيَاءِ لَا إلَى أَوَّلِ النَّهْرِ. لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْأَرْضَ مَلَكَهَا بِحُقُوقِهَا وَمَرَافِقِهَا
. (وَإِنْ حُفِرَ نَهْرٌ صَغِيرٌ وَسِيقَ مَاؤُهُ مِنْ نَهْرٍ كَبِيرٍ مَلَكَهُ) أَيْ: مَلَكَ الْحَافِرُ الْمَاءَ الدَّاخِلَ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ: النَّهْرُ (بَيْنَ جَمَاعَةٍ) اشْتَرَكُوا فِي حَفْرِهِ (عَلَى حَسَبِ عَمَلٍ وَنَفَقَةٍ) لِأَنَّهُ مُلِكَ بِالْعِمَارَةِ. وَهِيَ الْعَمَلُ وَالنَّفَقَةُ (فَإِنْ) كَفَاهُمْ لِمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِيهَا فَلَا كَلَامَ. وَإِنْ (لَمْ يَكْفِهِمْ وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ) بِمُهَايَأَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (جَازَ) لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ (وَإِلَّا) يَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ وَتَشَاحُّوا (قَسَمَهُ) أَيْ: الْمَاءَ بَيْنَهُمْ (حَاكِمٌ عَلَى
стр. 1020
قَدْرِ مِلْكِهِمْ) فِي النَّهْرِ، وَتَأْتِي الْقِسْمَةُ (فَمَا حَصَلَ لِأَحَدِهِمْ فِي سَاقِيَتِهِ تَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا أَحَبَّ) لِانْفِرَادِهِ بِمِلْكِهِ، وَلَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ الْأَرْضِ. سَوَاءٌ كَانَ لَهُمْ رَسْمُ شُرْبٍ مِنْهُ أَوْ لَا. كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ وَلَهُ عَمَلُ رَحًى عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ (وَ) الْمَاءُ (الْمُشْتَرَكُ. لَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِذَلِكَ) بِلَا إذْنِ شُرَكَائِهِ لَكِنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ الْمَمْلُوكَ وَغَيْرَهُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ لِشُرْبِهِ وَوُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ وَغَسْلِ ثِيَابِهِ وَانْتِفَاعٍ بِهِ فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ. مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ بِلَا إذْنِ مَالِكِهِ مَا لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ فِي مَكَان مَحُوطٍ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ الْمَنْعُ مِنْهُ. لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ يَفْضُلُ مَائَهُ فِي الطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ» الْحَدِيثُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِخِلَافِ مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ. كَسَقْيِ مَاشِيَةٍ كَثِيرَةٍ وَنَحْوِهِ. فَإِنْ فَضَلَ الْمَاءُ عَنْ حَاجَةِ رَبِّهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا وَتَقَدَّمَ
(وَمَنْ سَبَقَ إلَى قَنَاةٍ لَا مَالِكَ لَهَا فَسَبَقَ آخَرُ إلَى بَعْضِ أَفْوَاهِهَا مِنْ فَوْقُ أَوْ) مِنْ (أَسْفَلُ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا سَبَقَ إلَيْهِ) لِلْخَبَرِ (وَلِمَالِكِ أَرْضٍ مَنْعُهُ مِنْ الدُّخُولِ بِهَا) أَيْ: بِأَرْضِهِ (وَلَوْ كَانَتْ رُسُومُهَا) أَيْ: الْقَنَاةِ (فِي أَرْضِهِ) لِأَنَّهَا مِلْكُهُ. كَمَنْعِهِ مِنْ دُخُولِ دَارِهِ (وَلَا يَمْلِكُ) رَبُّ أَرْضٍ (تَضْيِيقَ مَجْرَى قَنَاةٍ فِي أَرْضِهِ خَوْفَ لِصٍّ) نَصًّا. لِأَنَّهُ لِصَاحِبِهَا وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ بِتَقْلِيلِ الْمَاءِ وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ
(وَمَنْ سُدَّ لَهُ مَاءٌ لِجَاهِهِ) يَسْقِي بِهِ أَرْضَهُ (فَلِغَيْرِهِ السَّقْيُ مِنْهُ لِحَاجَةِ) السَّقْيِ لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ (مَا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ يَرُدُّهُ عَلَى مَنْ سَدَّ عَنْهُ) فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَتَسَبَّبُ فِي ظُلْمِ مَنْ سَدَّ عَنْهُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ.
[بَابُ الْجَعَالَةِ]
ِ بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ. ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْجُعْلِ. بِمَعْنَى التَّسْمِيَةِ ; لِأَنَّ الْجَاعِلَ يُسَمِّي الْجُعْلَ لِلْعَامِلِ. أَوْ مِنْ الْجَعْلِ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ. يُقَالُ: جَعَلْتُ لَهُ كَذَا أَيْ: أَوْجَبْتُ، وَيُسَمَّى مَا يُعْطَاهُ الْإِنْسَانُ عَلَى أَمْرٍ يَفْعَلُهُ: جُعْلًا وَجَعَالَةً وَجَعِيلَةً. قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ. وَيَدُلُّ لِمَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وَحَدِيثُ اللَّدِيغِ. وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَهِيَ شَرْعًا (جَعْلُ) أَيْ: تَسْمِيَةُ (مَالٍ مَعْلُومٍ) فَلَا يَصِحُّ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ نِصْفُهُ وَنَحْوُهُ (لَا) إنْ كَانَ (مِنْ مَالِ مُحَارِبٍ) أَيْ: حَرْبِيٍّ
следующие страницы →