Полный текст (417 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
البغوي في شرح السنة يقول: "اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان، ثم قال: وقالوا: إن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء الحديث بالنقصان في وصف النساء، ويقول النووي في شرح البخاري في القطعة التي شرحها من صحيح البخاري: "وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تشهر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [(١٤٣) سورة البقرة] أجمعوا على أن المراد صلاتكم، ومثله الآيات التي ذكرها البخاري في الباب، وسيأتي ذكرها وتفصيلها عند الكلام على أبواب الصحيح -إن شاء الله تعالى-، وأما الأحاديث فخارجة عن الإحصاء وستمر بها في مواضعها يعني من الصحيح، وهذا المعنى أراد الإمام البخاري في صحيحه بالأبواب الآتية بعد هذا كقوله: باب أمور الإيمان، باب الصلاة من الإيمان، باب الزكاة من الإيمان، باب الجهاد من الإيمان، وسائر أبوابه، وأراد الرد على المرجئة في قولهم الفاسد أن الإيمان قول بلا عمل، وبين غلطهم، وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، قال الإمام أبو الحسن بن بطال: مذهب جميع أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل بلا اعتقاد، أو اعتقد وعمل وجحد بلسانه لا يكون مؤمناً، فكذا إذا أقر واعتقد ولم يعمل الفرائض لا يسمى مؤمناً بالإطلاق؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [(٢ - ٤) سورة الأنفال] فأخبر الله أن المؤمن لا يكون إلا من هذه صفته؛
стр. 212
ولهذا قال النبي ﵊: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- عن ...
المقدم: الكلام السابق كله للإمام النووي يا شيخ؟
هذا للنووي ونقل عن ابن بطال.
المقدم: نعم.
стр. 213
الإمام البخاري الذي أثنى عليه شيخ الإسلام بقوله، لا سيما في كتاب الإيمان الذي افتتح به الصحيح، يقول شيخ الإسلام: كتاب الإيمان الذي افتتح به البخاري صحيحه قرر مذهب أهل السنة والجماعة، وضمنه الرد على المرجئة، يقول: فإنه كان من القائمين بنصر السنة والجماعة، مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان، يقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- الذي وصفه شيخ الإسلام ونعته بهذا يقول عن الإيمان: وهو قول وفعل، يزيد وينقص، ثم ذكر الآيات التي تدل على زيادة الإيمان، قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [(٤) سورة الفتح] ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [(١٣) سورة الكهف] ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [(٧٦) سورة مريم] ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [(١٧) سورة محمد] ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [(٣١) سورة المدثر] وقوله: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [(١٢٤) سورة التوبة] قوله -جل ذكره-: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ [(١٧٣) سورة آل عمران] وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [(٢٢) سورة الأحزاب] ... إلى آخر ما ذكره ﵀ مما يدل على زيادة الإيمان بالأعمال الصالحة، فدل هذا على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان شرعاً، ابن القيم -رحمه الله تعالى- بين أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، يقول: والقول قسمان: قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام، والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكامله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها، وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد التصديق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق النبي ﷺ ، بل يقرون به
стр. 214
سراً وجهراً، ويقولون: ليس بكاذب، يصدقونه! يقولون: ليس بكاذب، لكن هل نفعهم هذا التصديق؟ لم ينفعهم؛ لأنهم يقولون: ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به، وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان ملزوماً لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم، فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح، إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة، وهو حقيقة الإيمان، فإن الإيمان ليس هو مجرد التصديق، وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه، بل هو معرفته المستلزمة لأتباعه والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن اعتقاد التصديق وإن سمي تصديقاً فليس هو التصديق المستلزم للإيمان، فعليك مراجعة هذا الأصل ومراعاته، ذكره ابن القيم في كتاب الصلاة.
стр. 215
إذا عرفنا هذا وأن أهل السنة والجماعة كمالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق وسائر أهل الحديث يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان، وأنه يزيد بزيادة الأعمال الصالحة، وينقص كما قرره الأئمة، وتقدم ذكر الأدلة على زيادته، وما قبل الزيادة فإنه يقبل النقص، وأن المرجئة لا سيما مرجئة الفقهاء لا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان، وأن الإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، كما قرره الطحاوي في عقيدته الشهيرة، وهم مع ذلك -يعني: المرجئة- لا يتساهلون في الأعمال، ولا في جزائها، ولذا قرر ابن أبي العز في شرح الطحاوية أن الخلاف بين أبي حنفية والأئمة الباقين من أهل السنة اختلاف صوري، ولبيان حقيقة الأمر لا بد من التفصيل، فمن جهة الاهتمام بالأعمال وتأثيم المخالف فيها لا يظهر بينهم في الحقيقة فرق، وحينئذٍ يكون الخلاف صورياً، ومن جهة كونه مرتكب الكبيرة لا يخرج عن مسمى الإيمان، وإن كانت كفراً عملياً كما يقرره المرجئة، وإنما يخرج عن مسمى الإيمان بالكفر الاعتقادي فقط، بينما أهل السنة يفصلون في هذا، فإن كانت الكبيرة مكفرة أو شركاً فهي مخرجة عن الإيمان، وإن كانت عملية فعلى هذا يكون الخلاف حقيقياً لما ورد من النصوص الدالة على زيادة الإيمان، وما ورد من نفي الإيمان عن بعض مرتكبي الكبائر كالزاني والسارق.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين؛ ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحد من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيراً من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سبباً لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، الأئمة كأبي حنيفة يعظمون الأمر والنهي مع قولهم: بأن الأعمال خارجة عن مسمى الإيمان، ويعظمون الأمر والنهي، لكن الذي يسمع كلامهم، وأن المسلم يكون كامل الإيمان لأن الإيمان في أصله واحد ...
المقدم: مجرد التصديق.
стр. 216
نعم، لمجرد التصديق ولو عمل ما عمل من الكبائر، وترك ما ترك من الأوامر، الذي يسمع هذا الكلام من عامة الناس، أو من آحاد المتعلمين يظن أن الإمام أبا حنيفة لا يقيم للأعمال وزناً، فيتهاون بها، ولذا يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم؛ لأنهم لما وافقوا الجهمية في عدم دخول العمل في مسمى الإيمان، وإن اختلفوا معهم في أصل الاعتقاد؛ لأن أولئك يقتصرون على المعرفة دون النطق.
المقدم: نعم، يعني كأن شيخ الإسلام يرى أن مرجئة الفقهاء أو أن قولهم صار من آثاره مثل هذه البدع التي ازدادت شيئاً فشيئاً مثل بدعة الإرجاء المحض ...
نعم.
المقدم: كأنها من آثار مرجئة الفقهاء.
كأنهم سهلوا السبيل ويسروه لمن زاد في بدعته، ولمن أخل بالأعمال الصالحة وارتكب بعض المحرمات؛ لأن هذا يفتح باب لعامة الناس الذين يسمعون مثل هذا الكلام فلا يعظمون الأمر والنهي، وبهذا يخرجون عن ربقة الإسلام وهم لا يشعرون، إذا تركوا جميع الأوامر، وارتكبوا جميع الفواحش والمنكرات ماذا يبقى لهم من أصل الإيمان؟!
المقدم: هم يرون أن أصل الإيمان واحد وهو مجرد التصديق كيف يقول مرجئة الفقهاء؟ كيف يبررون تفاضل إيمان أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- وبقية الأمة مثلاً؟
يقولون: هو في أصل الإيمان واحد، لا فرق، ولذا يقول بعض ولاتهم: إن إيمانه كإيمان جبريل، بل يقول: إن إيمان أفسق الناس وأفجر الناس وإيمان جبريل واحد.
المقدم: إذاً الذي وقر في قلب أبي بكر ما هو؟ الذي جعله يفضل على الأمة؟
стр. 217
أقول: بمثل هذا يرد عليهم، وشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- مع قوله: إن بدعة هؤلاء كأبي حنفية من مرجئة الفقهاء يقول: من بدع الأقوال والأفعال لا من بدع العقائد، لكن مع ذلك ترتب عليها آثار ترتبت على هذا القول، يقول: لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سبباً لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء، حتى قال إبراهيم النخعي: لفتنتهم -يعني: المرجئة- أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة، الذين هم الخوارج، من أي جهة؟ فتنة المرجئة تجعل الإنسان ينسلخ من دينه، فلا يفعل مأمور، ولا يترك محظور.
المقدم: مجرد التصديق يكفي.
стр. 218
مجرد التصديق يقول: كمل إيمانه، وفتنة الأزارقة يعظمون الأمر والنهي، بل إنهم خرجوا عن الوسطية لغلوهم في هذا الباب، ويقول الزهري: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء، وقال الأوزاعي: كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: ليس شيء من الأهواء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء، وعرفنا سبب هذا، وقال شريك القاضي: هم أخبث قوم يكذبون على الله، وقال سفيان الثوري: تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابري، ثوب رقيق، بمجرد التصديق يكفي وإقرار به، الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- ترجم في صحيحه، باب من قال: إن الإيمان هو العمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [(٧٢) سورة الزخرف] باب من قال: إن الإيمان هو العمل، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [(٧٢) سورة الزخرف] وقال عدة من أهل العلم في قوله : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [(٩٢ - ٩٣) سورة الحجر] عن قول: لا إله إلا الله، قال ابن رجب في شرح البخاري: مقصود البخاري بهذا الباب أن الإيمان كله عمل مناقضة لقول من قال: إن الإيمان ليس فيه عمل بالكلية، فإن الإيمان أصله تصديق بالقلب، وقد سبق ما قرره البخاري أن تصديق القلب كسب له وعمل، ويتبع هذا التصديق قول اللسان، ومقصود البخاري هنا أن يسمى عملاً أيضاً، وأما أعمال الجوارح فلا ريب في دخولها في اسم العمل -يقول ابن رجب-: وأما أعمال الجوارح فلا ريب في دخولها في اسم العمل، ولا حاجة إلى تقرير ذلك، فإنه لا يخالف فيه أحد، فصار الإيمان كله على ما قرره عملاً.
بقي عندنا مسألة وهي ما معنى كون الأعمال شرط؟ هل نقول: إنه شرط صحة، فيخشى من هذا ما يخشى من موافقة الخوارج؟ أو نقول: هو شرط كمال كما قال ابن حجر؟ يقول ابن حجر: الفرق بين المعتزلة والسلف أن المعتزلة جعلوا الأعمال شرطاً في صحة الإيمان، والسلف جعلوها شرطاً في كماله، المعتزلة جعلوا الأعمال شرط في صحة الإيمان، ولذا يرتفع بارتفاعها أو شيء منها.
المقدم: المعتزلة وافقهم الخوارج.
стр. 219
الخوارج من باب أولى، السلف جعلوها شرطاً في كماله، لكن يرد على هذا كيف نقول: بأنه شرط وهو أيضاً كمال، الكمال قدر زائد على الماهية، والشرط لا تحصل الماهية إلا بحصوله، فهذا تناقض، نعم.
المقدم: نعم.
هذا تناقض، كأنك تقول: هذا شرط لكنه سنة؛ لأن الكمال القدر الزائد على الواجب، الصواب أنه عند السلف شرط صحة، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن هل يشترط كل عمل من الأعمال شرط لصحة الإيمان؟ كل عمل بمفرده شرط لصحة الإيمان، يرتفع بارتفاعه كما يقول الخوارج والمعتزلة؟
المقدم: يعني أفراد الأعمال.
أفراد الأعمال، أو المقصود المشترط جنس العمل لا جميعه؟ المقصود كما قرره شيخ الإسلام المشترط جنس العمل، خلافاً للخوارج والمعتزلة، فإذا ترك جنس العمل بمعنى أن الشخص إذا لم يعمل شيئاً مما أمره الله به فإن اسم الإيمان يرتفع عنه، إذا لم يعمل شيئاً ألبتة، أما إذا عمل شيئاً وترك شيئاً مما لا يكفر بتركه فإن اسم الإيمان لا يرتفع بالكلية، بل هو عند أهل السنة مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، كما قرر ذلك أهل العلم المحققون من أهل السنة والجماعة، وبسط هذا الموضوع وهو الإيمان سيأتي -إن شاء الله تعالى- في ثنايا الكلام على أبواب الصحيح -إن شاء الله تعالى-.
هذا وقد ألف بعض المعاصرين كتباً ينصر فيها مذهب المرجئة، ويزعم أنه قول أهل السنة والجماعة والسلف لكن اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية ردوا عليه، وبينوا المذهب الصحيح في المسألة، وأن مذهب أهل السنة والجماعة يدخلون العمل في مسمى الإيمان، ونصحوا هذا الكاتب بأن يراجع ما كتب، وأن يقرر الصواب بدليله، فعله أن ينصاع لما نصحه به هؤلاء الأئمة من أئمة العصر، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المقدم: جزاكم الله خير، وأحسن إليكم، ونسأل الله تعالى أن يمن علينا وعلى الجميع بالهداية والتوفيق، وأن يردنا وإياهم إلى الحق رداً جميلاً.
مستمعي الكرام انتهت حلقة هذا الأسبوع من برنامج: (شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح) لي بكم لقاء -بإذن الله- في حلقة الأسبوع القادم وأنتم على خير، حتى ذلكم الحين أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 220
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح (٣)
عبد الكريم بن عبد الله الخضير
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم إلى حلقة جديدة ضمن برنامجكم: (شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح) للإمام زين الدين أحمد بن أحمد عبد اللطيف الزبيدي، المتوفى سنة ٨٩٣هـ.
مع مطلع هذه الحلقة يسرني أن أرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم بن عبد الله الخضير، عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، فأهلاً ومرحباً بكم شيخ عبد الكريم.
حياكم الله وبارك فيكم.
المقدم: توقفنا عند قول المؤلف:
باب: أمور الإيمان
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان)).
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فالترجمة موجودة في الأصل في الصحيح، ولكن المختصر لم يذكر تراجم تفصيلية لكتاب الإيمان، إنما اقتصر على الترجمة الكبرى: كتاب الإيمان، والمحقق -وفقه الله- زاد هذه التراجم، وجعلها بين معكوفتين للدلالة على أنها من وضعه، وليست من أصل الكتاب.
يقول -رحمه الله تعالى-:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان)) راوي الحديث أبو هريرة يقول النووي -رحمه الله تعالى-: اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو من ثلاثين قولاً، أصحها عند الأكثرين أن اسمه: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، يقول: وروينا عنه قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس، وسميت في الإسلام عبد الرحمن.
وقال: هو أول من كني بأبي هريرة، قال: لأني وجدت هرة فحملتها في كمي، فقيل: أنت أبو هريرة.
стр. 221
أسلم أبو هريرة ﵁ عام خيبر بالاتفاق، سنة سبع، وشهدها مع رسول الله ﷺ ، ثم لزمه، وواظب عليه، وحمل عنه من العلم شيئاً كثيراً، وهو أكثر الصحابة رواية بإجماع العلماء، روى عن النبي ﵊ خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً، اتفق الشيخان منها على ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمائة وتسعين.
توفي بالمدينة سنة ٥٩هـ، وقيل: ثمان، وقيل: سبع، ودفن بالبقيع ﵁ وأرضاه-، هكذا في شرح النووي.
انفرد البخاري بثلاثة وتسعين إذا أضيفت إلى ما اتفق عليه الشيخان ثلاثمائة وخمسة وعشرين يكون المجموع ثمانية عشر وأربعمائة، لكن الحافظ ابن حجر يقول: مجموع ما أخرجه البخاري من المتون المستقلة على التحرير أربعمائة حديث وستة وأربعون حديثاً، على التحرير، والحافظ ابن حجر يعنى بهذه الأعداد بدقة؛ لأنه شرح الصحيح، ويبين ما في كل باب، أو في كل كتاب من الأحاديث المرفوعة والموقوفة والموصولة والمعلقة، فضبط العدد بالتحرير -رحمه الله تعالى-.
стр. 222
قوله: ((الإيمان بضع)) البضع بكسر الباء، وحُكي فتحها، يقول في القاموس: وهو ما بين الثلاث والتسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى أربعة، أو من أربع إلى تسع أو سبع، على كل حال الخلاف فيه كبير بين أهل اللغة، يقول الفراء: هو خاص بالعشرات إلى التسعين، فلا يقال: بضع ومائة، ولا بضع وألف، ويكون مع المذكر بهاء، ومع المؤنث بغير هاء؛ يعني كالعدد، فتقول: بضعة وسبعون رجلاً، وبضع وعشرون امرأة، ولا تعكس؛ لأن العدد يخالف المعدود، فتقول: أربعة وعشرون رجلاً، وأربع وعشرون امرأة، وعلى هذا تقول: مكان الأربع والأربعة بضعة وبضع، وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: بضعة ((الإيمان بضعة وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان)) ففي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: بضعة، بتأنيث بضعة، على تأويل الشعبة بالنوع، إذا فسرت الشعبة بالطائفة من الشيء فعلى هذا يكون معنى الحديث الإيمان بضعة وستون نوعاً، والحياء نوع من الإيمان، يقول النووي والكرماني: بضعة في أكثر الأصول، وقال ابن حجر: في بعض الروايات، عبارة ابن حجر تدل على أن الأكثر بضع لا بضعة؛ لأنه قال في بعض الروايات، قال القسطلاني: وصوب العيني قول الكرماني تعصباً، والذي رأيته في هامش فرع اليونينية: كهي، قال الأصيلي: صوابه بضع، يعني: بإسقاط الهاء، الآن الكرماني مع النووي يقولون في أكثر الأصول: بضعة بالتأنيث، وابن حجر يقول: في بعض الروايات: بضعة، بضعة في بعض الروايات، فابن حجر ﵀ عكس كلام الكرماني، والقسطلاني يقول: صوب العيني قول الكرماني تعصباً، تعصباً على من؟ على ابن حجر؛ لأنه ينقل كلام ابن حجر غالباً، ويبهمه ثم يتعقبه، وأحياناً يشم منه رائحة التعصب أنه لمجرد، كلامه في التعقب لمجرد نقض القول لابن حجر.
وعلى كل حال كل من ابن حجر والعيني من العلماء المعتبرين الذين لهم قدم راسخة في هذا الشأن، وإن كان الحافظ أرجح في الحديث وعلومه.
المقدم: لكن يستقيم بضعة مع شعبة يا شيخ في اللغة؟ يستقيم؟
قلنا: على التأويل.
المقدم: التأويل.
стр. 223
ما تمشي إلا على التأويل، الشعبة بالنوع، لا بد أن تأول الشعبة بالنوع، ويلجأ إلى مثل هذا التأويل إذا حصل ما يخالف القواعد، فلا بد من اللجوء إلى التأويل.
يقول القسطلاني: صوب العيني قول الكرماني تعصباً، والذي رأيته في هامش فرع اليونينية: كهي، قال الأصيلي: صوابه بضع، يعني: بإسقاط الهاء، صوابه من حيث الرواية أو من حيث العربية؟ الرواية ثابتة في اللفظين عن البخاري، لكن لعل القصد -قصد الأصيلي- الصواب من حيث العربية، يقول: والذي رأيته في هامش اليونينية فرع اليونينية: كهي، هذا كلام القسطلاني، والذي رأيته في هامش فرع اليونينية: كهي، اليونيني شرف الدين الحنبلي له عناية في الصحيح كما هو معروف، نسخته تعرف باليونينية، وهي أضبط النسخ على الإطلاق؛ لأنه قرأ الكتاب مراراً على الروايات كلها، وذكر فروق هذه الروايات، كما أنه قرأ الكتاب مراراً على ابن مالك، الإمام النحوي المعروف، قرأه مراراً، ويصوب له الروايات المناسبة المطابقة أو الموافقة لعلم العربية.
المقدم: وفي شيء مطبوع موافق لهذه النسخة يا شيخ الآن؟
الرموز والفروق -فروق الروايات- التي أثبتها اليونيني على نسختها، ورمز لكل رواية برمز هي التي طبعت عنها النسخة البولاقية، سواء السلطانية سنة (١٣١١هـ) أو التي تليها بعد أن صححت سنة (١٣١٣هـ و١٣١٤هـ) تعتبر من أنفس الطبعات هذه.
стр. 224
يقول: في هامش فرع اليونينية: كهي، هذا كلام القسطلاني، لماذا اضطر إلى الفرع وقدمها على الأصل؟ لماذا ما قال: في هامش اليونينية وانتهى الإشكال؟ قال: في هامش فرع اليونينية: كهي، وهذا يستعمله كثيراً القسطلاني؛ لماذا يقدم الفرع على الأصل؟ أولاً: لم يتيسر له الحصول على الأصل في أول الأمر، وجد الفرع -فرع اليونينية-، وقابل نسخته عليها ستة عشر مرة، حتى أتقن نسخته؛ ولذا شرحه من أضبط الشروح بالنسبة للفظ الصحيح، سواء كان في المتون والأسانيد وصيغ الأداء وغيرها، قابل نسخته التي شرحها على الفرع اليونيني ستة عشر مرة، ثم تيسير له أن وجد المجلد الثاني من اليونينية الأصلية، فقابل عليها مراراً، ثم وجد المجلد الأول بعد حين فقابل عليه وجد الفرع مطابق تماماً للأصل، فاعتنى به، وقدمه على الأصل؛ لأنه هو السابق في الوجود بالنسبة له، هذا هو السبب، قوله: وستون، يقول ابن حجر: لم تختلف الطرق عن أبي عامر، يعني: العقدي، شيخ شيخ المؤلف في ذلك، وتابعه يحيى الحماني عن سليمان بن بلال، وأخرجه أبو عوانة من طريق بشر بن عمرو عن سليمان بن بلال، فقال: بضع وستون أو بضع وسبعون، على الشك، وكذا وقع التردد في رواية مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار، ورواه أصحاب السنن الثلاثة من طريقه، فقالوا: بضع وسبعون من غير شك، ورجح البيهقي رواية البخاري لأن سليمان لم يشك، قال الحافظ: وفيه نظر لما في رواية بشر من التردد، قال ابن حجر: لكن يرجح بضع وستون على بضع وسبعين بأنه المتقين؛ لأن العدد الأقل دائماً هو المتقين، وما عداه مشكوك فيه، رجح الحليمي وعياض والنووي رواية بضع وسبعون لكونها زيادة ثقة، قال: ابن حجر لا يستقيم ذلك؛ لأن الذي زادها لم يستمر على الجزم بها، لا سيما مع اتحاد المخرج، وبهذا يتبين شفوف ونظر البخاري، يعني: دقة نظر الإمام البخاري.
المقدم: لأنه لم يروِ إلا الستون فقط، السبعين ...
ما رواها.
المقدم: نعم.
стр. 225
يقول: قال ابن حجر: لا يستقيم ذلك أن نقول: إن السبعين .. ، زيادة العشرة زيادة الثقة، أولاً: مجيء زيادة الثقة في اللفظ الواحد في الكلمة الواحدة منهم من يرويها ستين، ومنهم من يرويها سبعين، نقول: هذه زيادة ثقة، نعم؟
المقدم: لا يمكن.
اختلاف.
المقدم: نعم.
هذا اختلاف وليس من الزيادات، لكن يمكن أن يقال: إن النبي ﵊ أُخبر أولاً، أو تحدث أولاً عن الشعب في أول الأمر بأنها بضع وستون، ثم تحدث بعد ذلك أنها بضع وسبعون، وحينئذٍ لا إشكال ولا اختلاف، كما قال ﵊: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة)) وفي حديث ابن عمر: ((تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) أُخبر النبي ﵊ بالعدد الأول، ثم تفضل الله بزيادة الدرجتين لمن اعتنى بصلاة الجماعة، وعلى هذا لا يكون هناك اختلاف، ومنهم من يقول: إن العدد لا مفهوم له، لو حصل مثل هذا التعارض قال: العدد لا مفهوم له، ومنهم من يطلق دائماً يقول: العدد لا مفهوم له، لكن هذا الكلام ليس بصحيح، نعم إذا عُرض مفهوم العدد بمنطوق أقوى منه نعم يلغى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [(٨٠) سورة التوبة] يعني مقتضاه لو استغفر لهم واحد وسبعين مرة أنهم يغفر لهم، لكن هذا المفهوم معارض بـ ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [(٤٨) سورة النساء] وحينئذٍ يلغى المفهوم، أما إذا كان المفهوم سواء كان لعدد أو لغيره دون معارض فإنه لا بد من اعتباره.
المقدم: إذاً -أحسن الله إليكم- عدم رواية البخاري لهذه الزيادة ليس لذات السند وإنما للمتن؟
نعم للشك الموجود.
المقدم: أي نعم، أما سند الحديث في الزيادة ليس فيه شيء، ولذلك رواه مسلم.
نعم، هو مخرج في مسلم.
المقدم: نعم.
стр. 226
يقول القسطلاني: هل المراد حقيقة العدد أو المبالغة؟ قال الطيبي: الأظهر أن المراد أو إرادة المعنى تكثير، ويكون ذكر البعض للترقي، يعني أن شعب الإيمان أعداد مبهمة، ولا نهاية لكثرتها، ولو أراد التحديد لم يبهم، وقال آخرون: المراد حقيقة العدد، ويكون النص وقع أولاً على البضع والستين لكونها الواقع، ثم تجددت العشر الزائدة فنص عليها، يقول النووي: وقد بين النبي ﵊ أعلى هذه الشعب وأدناها، كما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ : ((أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) فبين ﷺ أن أعلاها التوحيد المتعين على كل مكلف، والذي لا يصح غيره من الشعب إلا بعد صحته، وأن أدناها ما يندفع به ضرر المسلمين، وبقي بينهما تمام العدد، فيجب علينا الإيمان به، وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده، كما نؤمن بالأنبياء والملائكة -صلوات الله وسلامه عليهم-، وإن لم تعرف أعيانهم وأسماؤهم.
وقد صنف العلماء في تعيين هذه الشعب كتباً كثيرة، من أغزرها فوائد، وأعظمها جلالة كتاب: المنهاج في شعب الإيمان لأبي عبد الله الحليمي، وهو كما قال النووي: من أعلام الإسلام، ثم حذا الإمام الحافظ ...
المقدم: مطبوع يا شيخ أحسن الله إليك؟
أيه، مطبوع في ثلاثة مجلدات، مطبوع، لكنه بحاجة إلى خدمة، مطبوع في ثلاثة مجلدات، وهو ما يزال بحاجة إلى خدمة، وهو كتاب نفيس، لا يستغني عنه طالب علم، ثم حذا الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي حذوه حذو الحليمي، وزاد عليه وأتى من التحقيق والفرائد بما لا مزيد عليه، في كتابه الحافل: (شعب الإيمان) فرحمهم الله تعالى.
стр. 227
وكذلك كتاب شعب الإيمان للبيهقي مطبوع في عشرين مجلداً، وطبع في أقل من ذلك بدون تعليقات، وهو أيضاً مختصر شعب الإيمان للبيهقي مختصر اختصره القزويني في جزء لطيف، قال القاضي عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة، ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان، أقول: لا شك أن تعيين المبهم الذي أبهمه الشرع من غير نص عليه من الشارع، والجزم بأن هذا هو مراد الله ، أو مراد رسوله فيما حدث به ﵊ عن ربه، لا شك أن في هذا صعوبة؛ لأن مثل هذا يحتاج إلى توقيف، ولا يمكن حصرها بطريق الاجتهاد، يقول ابن حجر: ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان، لكن لم نقف على بيانها من كلامه، وفي صحيحه المرتب المسمى: (بالإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) للأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، يقول ابن حبان: قد تتبعت معنى الخبر مدة، وذلك أن مذهبنا أن النبي ﷺ لم يتكلم قط إلا بفائدة، ولا من سننه شيء لا يُعلم معناه، فجعلت أعد الطاعات من الإيمان، فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئاً كثيراً، فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها رسول الله ﷺ من الإيمان، فإذا هي تنقص من البضع والسبعين، فرجعت إلى ما بين الدفتين من كلام ربنا، وتلوته آية آية بالتدبر، وعددت كل طاعة عدها الله -جل وعلا- من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البعض والسبعين، فضممت الكتب إلى السنن، وأسقطت المعاد منها، فإذا كل شيء عده الله -جل وعلا- من الإيمان في كتابه، وكل طاعة جعلها رسول الله ﷺ من الإيمان في سننه تسع وسبعون شعبة، لا يزيد عليها ولا ينقص منها شيء، فعلمت أن مراد النبي ﷺ كان في الخبر أن الإيمان بضع وسبعون شعبة في الكتاب والسنن، فذكرت هذه المسألة بكمالها بذكر الشعب في كتاب وصف الإيمان وشعبه، هذا الكتاب لابن حبان، كتاب اسمه: (وصف الإيمان وشعبه) هذا لا وجود له، ولم يقف عليه الحافظ، ولذا قال: لكن لم نقف على بيانها من كلامه، لو وقف على الكتاب لوقف عليها من كلامه، بما أرجو أن فيه
стр. 228
الغنية للمتأمل إذا تأملها، فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب.
يقول ابن حجر: وقد لخصت مما أوردوه ما أذكره، وهو أن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن، فأعمال القلب فيه المعتقدات والنيات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة، الإيمان بالله ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنه ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله، والقدر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المسألة في القبر، والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط، والجنة والنار، ومحبة الله، والحب والبغض فيه، ومحبة النبي ﷺ ، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه، وإتباع سنته، والإخلاص ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق والتوبة والخوف والرجاء والشكر والوفاء والصبر والرضا بالقضاء والتوكل والرحمة والتواضع، ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير، وترك الكبر والعجب، وترك الحسد، وترك الحقد، وترك الغضب، هذه أعمال القلب، وأعمال اللسان وتشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه، والدعاء والذكر، ويدخل فيه الاستغفار، واجتناب اللغو.
وأعمال البدن وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة: منها ما يختص بالأعيان، وهي خمسة عشرة خصلة: التطهير حساً وحكماً، ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضاً ونفلاً، والزكاة كذلك، وفك الرقاب والجود، ويدخل فيه إطعام الطعام، وإكرام الضيف، والصيام فرضاً ونفلاً، والحج والعمرة كذلك، والطواف والاعتكاف، والالتماس ليلة القدر، والفرار بالدين، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك، والوفاء بالنذر، والتحري في الأيمان، وأداء الكفارات، ومنها ما يتعلق بالإتباع وهي ست خصال: التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين، واجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة، أو الرفق بالعبيد.
стр. 229
ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبعة عشرة خصلة: القيام بالأمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي الأمر، والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة، والمعاونة على البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود والجهاد، ومنه المرابطة وأداء الأمانة، ومنها أداء الخمس، والقرض مع وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة، وفيه جمع المال من حله، وإنفاق المال في حقه، ومنه ترك التبذير والإسراف، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكف الأذى من الناس واجتناب اللهو، وإماطة الأذى عن الطريق، فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عده تسع وسبعين خصلة باعتبار أفراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذُكر، والله أعلم، هكذا ذكر الحافظ -رحمه الله تعالى-.
وعندي أن الإبهام وعدم التوقيف في مثل هذه الأمور مقصد شرعي؛ لكي يتنافس المسلمون، ويجتهد المؤمنون في تتبع جميع ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ، ويحرص على العمل بجميع ذلك وحصرها، والجزم بأن هذا مراد الله سبحانه على لسان رسوله ﷺ فيه جزم بغير علم، إذاً المسألة تحتاج إلى توقيف نظير ما جاء في الحث على إحصاء الأسماء الحسنى، جاء في الحديث الصحيح: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة)) وما جاء بيانها في المرفوع، تركت هذه ليعتنى بالأسماء الحسنى كلها، فكل اسم من الأسماء الحسنى يعتنى به، ويدعى به الرب -جل وعلا-، من باب حث الناس على العناية بهذه الأسماء، ومثله إبهام ليلة القدر كي يجتهد الناس في طلب ليلة القدر، ولو بينت في ليلة معينة لاعتنى بها الناس، وترك الناس ما عداها، ومثلها ساعة الجمعة جاءت أحاديث تدل على أنها في منتصف النهار، وجاء أنها في آخر ساعة وغير ذلك.
المقدم: أحسن الله إليكم: ألا يمكن أن يقال: إن هذا الحديث في رد على من زعم أن الإيمان هو الاعتقاد فحسب؛ لأنه جمع الأصول الثلاثة، القول والعمل والاعتقاد، فقول: لا إله إلا الله هذه شعبة مهمة، وهي بالقول، والحياء قلبي، وإماطة الأذى عن الطريق بالفعل، ألا يمكن أن يرد عليهم بهذا الحديث وأمثاله؟
стр. 230
هو سيأتي وجه إدخال الحديث في كتاب الإيمان -إن شاء الله تعالى-، وفيه بيان هذا -إن شاء الله-.
المقدم: جيد، الموضوع الآخر كأن البخاري لم يروِ هذا الحديث إلا في هذا الباب فحسب؟
نعم، ليس في ...
المقدم: ليس في الصحيح؟
ليس في الصحيح إلا هذا الموضع فقط.
المقدم: جميل.
ذكرنا في الحديث أن من أهل العلم من اجتهد في حصر هذه الشعب، وتتطلبها من الكتاب والسنة، وحصل على العدة المذكورة، وابن حجر -رحمه الله تعالى- اجتهد، وذكر بعد أن قسمها إلى ما يتعلق بالقلب واللسان والجوارح، ثم ذكر الخصال المتعلقة بالقلب، ثم اللسان، ثم الجوارح، ولكن حقيقة بالنسبة لي أنا لا أرى مثل هذه الأعداد التي ليس فيها نص على أن هذا هو مراد النبي ﵊ من حديثه، وذكرت أن الإبهام وعدم التوقيف في مثل هذه الأمور من مقاصد الشرع، وله نظائر كساعة الجمعة وليلة القدر، وإحصاء الأسماء الحسنى، وما أشبه ذلك، من أجل أن يجتهد الناس، ويحرصوا على تتبع هذه الشعب كل شخص بنفسه، ويحرص على تدبر الكتاب من أجل أن يستخرج هذه الشعب، ومثل ذلك تتبع ما جاء عن النبي ﵊ ليجتهد ويعمل، كل هذا مما يبعث العمل عند المسلم، ولا يجعله يتكل على غيره، كما أن ليلة القدر باستطاعته ﵊ أن يقول: هي الليلة الفلانية، ولا يجعل الناس يجتهدون حتى بلغت الأقوال في ليلة القدر ما يقرب من خمسين قولاً لأهل العلم، ما يقرب من خمسين قولاً.
المقدم: عن هذه الليلة ....
مع أن رمضان ثلاثين ليلة، والجماهير كلهم على أنها في العشر، التمسوها في العشر، في السبع الأواخر، ومع ذلك بلغت الأقوال قرابة خمسين قولاً، كل هذا من أجل أن يجتهد الناس في تحصيل هذه الليلة العظيمة الأجر، على أن القاضي عياض -رحمه الله تعالى- يقول: ولا يقدح عدم معرفة ذلك على التفصيل في الإيمان، إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة، والإيمان بأن هذا العدد واجب على الجملة، وتفصيل الأصول، وتعيينها على هذا العدد يحتاج إلى توقيف.
стр. 231
يقول الخطابي: هذه منحصرة في علم الله وعلم رسوله ﷺ ، موجودة في الشريعة على أن الشرع لم يوقفنا عليها، وذلك لا يضرنا في علمنا بتفاصيل ما كلفنا به، فما أمرنا بالعمل به عملنا، وما نهانا عنه انتهينا، وإن لم نحط بحصر أعداده، نعم اعملوا وكل عمل أجره مثبت موفور لصاحبه، ما لم يخدشه برياء أو غيره، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، لسنا بحاجة إلى مثل تتبع هذه الأشياء.
زاد مسلم في روايته: ((أعلاها لا إله إلا الله، وأدنها إماطة الأذى عن الطريق)) قال ابن حجر: وفي هذا إشارة إلى أن مراتبها متفاوتة، لا شك أنها متفاوتة، أين قول: لا إله إلا الله أول واجب على المكلف، الكلمة التي يدخل به المرء الإسلام ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) وبين إماطة الأذى عن الطريق؟! يجد المسلم ما يؤذي المارة فينحينه عن الطريق، لا شك أن هذه من شعب الإيمان، لكن أين هذا من قول: لا إله إلا الله؟ يقول ابن حبان: والدليل على أن الإيمان أجزاء وشعب أن النبي ﷺ قال في خبر عبد الله بن دينار: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله)) فذكر جزءً من أجزاء شعبه، هي كلها فرض على المخاطبين في جميع الأحوال؛ لأنه ﷺ لم يقل: وإن رسول الله، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار، وما يشبه هذا من أجزاء هذه الشعبة، واقتصر على ذكر جزء واحد منها، حيث قال: ((أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله)) فدل على أن سائر الأجزاء من هذه الشعبة كلها من الإيمان، ثم عطف فقال: ((وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) فذكر جزء من أجزاء شعبه هي نفل كلها للمخاطبين في كل الأوقات، فدل ذلك على أن سائر الأجزاء التي هي من هذه الشعبة، وكل جزء من أجزاء الشعب التي بين الجزأين المذكورين في هذا الخبر اللذين هم من أعلى الإيمان وأدناها كله من الإيمان، فذكر الأعلى والأدنى وسكت عن ما بين الأعلى والأدنى.
стр. 232
قوله في الحديث: ((والحياء شعبة من الإيمان)) الشعبة القطعة والخصلة والجزء، والحياء بالمد، قالوا في اللغة: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه، الترك هو من لوازم الحياء، وليس هو الحياء، يقول الواحدي: قال أهل اللغة: الاستحياء من الحياة، واستحيا الرجل من قوة الحياء فيه لشدة علمه بمواقع العيب، قال: والحياء من قوة الحس ولطفه، لا شك أن الذي يستحي هو الشخص الحساس، أما الشخص الذي لا يكترث، وليست لديه الحساسية المطلوبة شرعاً مثل هذا لا يستحي، والاستحياء كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي﴾ [(٢٦) سورة البقرة] هو بياءين كما هو معروف في لغة قريش، وإن كانت لغة تميم بياء واحدة، ولذا جاء في الحديث: ((إذا لم تستحي -بياء- فاصنع ما شئت)) لا بد من ذكر الياء؛ لأنه حذف واحدة وبقي واحدة للجازم، هذه لغة قريش، وأما مقتضى لغة تميم تقول: ((إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت)) في الصحيح متن الحديث على لغة قريش: ((إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)) والترجمة من صنيع الإمام البخاري على لغة تميم، باب: (إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت)) هذا من اللطائف.
стр. 233
الحياء في الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، نقل النووي في شرحه عن الرسالة لأبي قاسم القشيري، وهي رسالة مشهورة معروفة عند أهل العلم، وإن كانت لا تسلم من شيء من المخالفات التي يعتني بها بعض العباد والمتصوفة، لأبي قاسم القشيري عن الجنيد قال: رؤية الآلاء -أي: النعم- ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء، لا شك أن الذي يؤدي العمل على الوجه المطلوب لا يستحي، لكن إذا طلب منك عمل فقصرت فيه، ووفيت الأجر كامل لا بد أن يتولد بينهما حياء، تستحي من هذا الشخص الذي أكرمك، وهذا في حق المخلوق، تستحي من هذا الشخص الذي أكرمك وأعطاك الأجر كاملاً، وعملت له عملاً ناقصاً، وقد جاء مدح الحياء في نصوص كثيرة، قوله ﵊: ((الحياء من الإيمان)) وقوله: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) وقوله: ((إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)) وغير ذلك من النصوص، قال القاضي عياض وغيره من الشراح: إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة، قد يقول قائل: كثير من الناس يستحي غريزة جبلة، فكيف يرتب عليه الثواب وهو غريزة؟ نعم؟
المقدم: نعم.
стр. 234
جبلة في الشخص، يقول: إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة لأنه يكون تخلقاً واكتساباً كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة، لكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، فهو من الإيمان لهذا؛ ولكونه باعثاً على أفعال الخير، ومانعاً من المعاصي، نعم الغرائز موجودة في الإنسان، لكن تكييف هذه الغرائز وتسيرها على مراد الله اكتساب، فهو يثاب على هذا المكتسب، وعلى تطويعه النفس على مراد الله ، وأما كونه خيراً كله ولا يأتي إلا بخير فقد يُستشكل من حيث أن صاحب الحياء قد يستحيي أن يواجه بالحق رجلاً يجله فيترك أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال بالحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة هذا مشاهد، إذا رأى الإنسان من يجله حينئذٍ يستحيي من أن ينكر عليه ما يرتكبه من منكر، أو ما يفرط به من واجب، وهذا موجود بين المسلمين، ويزداد سوء حقيقة إذا وجد مِن مَن ينتسب إلى العلم، والجواب كما في شرح النووي عن هذا الإشكال أن هذا المانع المذكور ليس بحياء حقيقة، يعني: ليس بحياء شرعي، وإن سماه الناس حياء عرفاً، ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز ومهانة وضعف، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازاً لمشابهته الحياء الحقيقي، وإنما حقيقة الحياء خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع عن التقصير في حق ذي الحق.
قال ابن حجر: فإن قيل: لم أفرده بالذكر؟ نعود إلى المسألة السابقة، وهي أن الإنسان قد يستحيي ممن يجله فلا ينكر عليه، وهذه لا شك أنها مع الأسف الشديد في هذه الأزمان وهذه العصور موجودة عند كثير من المسلمين، ولا شك أن عدم القيام بما يجب على الإنسان لا سيما ممن ينتسب إلى العلم من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ولرسوله، ولأئمة والمسلمين وعامتهم، لا شك أن هذا ضعف، هنا يقول ابن حجر: فإن قيل: لم أفرده، يعني: الحياء بالذكر؟ أجيب: بأنه كالداعي إلى باقي الشعب إذ الحيي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، والله الموفق.
стр. 235
لا شك أن الحياء الشرعي يبعث على باقي الشعب، فكيف تستحيي ممن أغرقك بالنعم وأنت تزعم أنك تستحيي منه، وأنت لا تأتمر بأوامره، ولا تنزجر عن نواهيه، لا يمكن أن تتصف بهذه الصفة من الحياء الذي تزعمه إلا إذا امتثلت الأوامر، واجتنبت النواهي، ولذا يقول الحافظ: أجيب بأنه كالداعي إلى باقي الشعب إذ الحيي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، والله الموفق.
وجاء تفسير الحياء مرفوعاً عند الترمذي من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((استحيوا من الله حق الحياء)) قالوا: إنا لنستحيي من الله يا رسول الله والحمد لله، قال: ((ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، وآثر الآخرة على الأولى، فمن يعمل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء)) أولاً: هذا الحديث ضعيف، يقول الترمذي: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد وهو ضعيف، لا شك أنه ضعيف، الحديث ضعيف، ولو صح هذا الخبر لكان هذا التفسير من الرسول ﵊ كما جاء في تفاسير بعض الحقائق التي تختلف فيها الحقائق العرفية عن الحقائق الشرعية، كتفسيره ﵊ للمفلس، لما سألهم عن المفلس؟ قالوا: المفلس.
المقدم: ((من لا دينار له ولا متاع)).
стр. 236
((من لا دينار له ولا متاع)) فقال ﵊: "المفلس من كذا وكذا" ... إلى آخره، لكن لو صح هذا الخبر، وعرفنا أنه غير صحيح، وهذه الأشياء المذكورة ((تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى)) كل هذه أمور مطلوبة ((من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا)) يعني تقلل من الدنيا، وإن كان مأمور بأن لا ينسى نصيبه من الدنيا ((وآثر الآخرة على الأولى)) وهذا أيضاً أمر مطلوب، يقول القسطلاني في الحديث -حديث الباب-: وفي هذا الحديث دلالة على قبول الإيمان الزيادة؛ لأن معناه كما قال الخطابي أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى له أجزاء، أدنى وأعلى، والاسم يتعلق ببعض تلك الأجزاء كما يتعلق بكلها، الاسم الذي هو الإيمان الشرعي يتعلق بالشعب كلها كما أنه يتعلق ببعضها، فلا إله إلا الله أعلى شعب الإيمان، وإماطة الأذى عن الطريق أدنى الشعب، الصلاة من الإيمان، الزكاة من الإيمان، الجهاد من الإيمان وهكذا، فالإيمان له أجزاء، وله أيضاً أعلى وأدنى، وما بين ذلك، يعني ....
المقدم: يعني كأن التعليق هذا على اللفظ الآخر؛ لأنه قال: أعلى وأدنى، وبالتالي هذا ليس موجود بنص هذا الحديث: ((الإيمان بضع وستون شعبة)) يبدو أن ...
موجودة في بعض طرق الحديث عند غير ...
المقدم: أي نعم. . . . . . . . .
عند مسلم.
المقدم: إذاً هذا التعليق ليس على هذا الموضع يعني.
هم يشرحون الحديث بكامله.
المقدم: نعم.
стр. 237
إذا شرحوا الحديث استحضروا الروايات الأخرى؛ لأن أولى ما يفسر به الحديث الحديث، كما أن أولى ما يفسر به القرآن القرآن، الحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: (باب: أمور الإيمان) قال العيني: أي هذا بابٌ في بيان أمور الإيمان، فيكون ارتفاع باب على أنه خبر مبتدأ محذوف، والمراد بالأمور هي الإيمان؛ لأن الأعمال عنده هي الإيمان، يعني عند البخاري هي الإيمان، فعلى هذا تكون الإضافة بيانية، ويجوز أن يكون التقدير باب الأمور التي للإيمان في تحقيق حقيقته وتكميل ذاته، فعلى هذا تكون الإضافة بمعنى اللام، وفي رواية الكُشمهني: باب أمر الإيمان بالإفراد على إرادة الجنس، يقول ابن بطال: التصديق أول منازل الإيمان، والاستكمال إنما هو بهذه الأمور، وأراد البخاري الاستكمال، ولهذا بوب أبوابه عليه، فقال: باب أمور الإيمان، باب الجهاد من الإيمان، باب الصلاة من الإيمان، باب الزكاة من الإيمان، وأراد بهذه الأبواب كلها الرد على المرجئة القائلين بأن الإيمان قول بلا عمل، وتبيين غلطهم ومخالفتهم للكتاب والسنة، والحديث مخرج في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وهو موجود في مسند أحمد، وصحيح ابن حبان، وعند غيرهم أيضاً، فهو حديث مشهور مستفيض في دواوين الإسلام.
المقدم: أحسن الله إليكم يا شيخنا، جاء في حديث: أن الأحنف بن قيس عندما جاء في وفد قومه للنبي ﷺ تعجل قومه إلى النبي ﷺ ، وانتظر هو، وجهز نفسه ولباسه وراحلته، يعني: في مكانها المناسب، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال له ﵊: ((إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله)) قال: يا رسول الله أخصلتين جبلت عليهما أم تخلقت بهما؟ قال: ((بل جبلت عليهما)) قال: الحمد لله الذي جبلني على شيء يحبه الله ورسوله، أليس في هذا دليل على أن الخصلة التي جُبل عليها الإنسان سواء كانت الحياء أو غيره -وموضوعنا في الحياء- يؤجر عليها الإنسان، وإن كانت محض فضل من الله لا اكتساب له فيها؟ والله هو الممتن بالفضل والجزاء.
стр. 238
الخصال والغرائز والأوصاف التي يمنحها الله من يشاء من عباده فضلاً منه وتكرماً كما أن بعض العباد عدلاً من الله لا ظلماً قد يحرمه من بعض هذه الخصال على أن وجود مثل هذه الخصال وفقدان بعض هذه الخصال امتحان وابتلاء من الله ، هذه نعمة من النعم التي يختبر فيها الإنسان، هل يشكر الله ويؤدي حق الله على الوجه المطلوب شكراً لهذه النعم التي منها ما جُبل عليه ما يحبه الله ورسوله؟ وبالمقابل من جبل على خصال لا يحبها الله ورسوله كالغضب مثلاً، إذا صبر واحتسب وتتطبع وامتثل أمر النبي ﵊ بقوله: ((لا تغضب)) لا شك أنه ينال من الله الثواب العظيم والمجاهدة والمصابرة أمر لا بد منه في حال السراء وفي حال الضراء، بعض الناس يبتلى بالغنى، ومع ذلكم قد لا ينجح في هذا الابتلاء، والأصل المال نعمة من الله ، لكن هل يشكر الإنسان؟ وهل يحاول أن يسخر هذا المال لخدمة دينه وأمته أو يعبث به، ويتخبط في مال الله على غير مراد الله، ومثله أو بالمقابل من حرم نعمة المال، هل يصبر ويحتسب ويصبر على ما صبر عليه النبي ﵊ وصاحبته الكرام على ما ناله من شضف العيش وشدته، قد كان ﵊ يُرى الهلال الأول والثاني والثالث ما أوقدت النار.
المقدم: اللهم صلى وسلم عليه ...
ما أوقدت النار في بيته، فالمال ليس بنعمة محضة، إنما هو ابتلاء، كما أن الفقر والمسكنة والحاجة والفاقة ليست بشر محض، المقصود في الأمرين معاً الأثر المترتب عليهما، هل يصبر من ابتلي بالضراء؟ وهل يشكر من ابتلي بالسراء؟ فكون الإنسان يمتن الله عليه بنعمة ليختبره فيها هل يشكر هذه النعمة ويسخرها في خدمة دينه وأمته أو يكفر هذه النعمة فيضر بها نفسه ويضر بها غيره؟
стр. 239
على سبيل المثال لو أن شيخاً من الشيوخ مدح لطلابه كتاباً من الكتب فهرع بعض الطلبة للبحث عن هذا الكتاب في المكتبات ولم يتيسر لبعضهم، وبعضهم تعب ونالته الكلفة والمشقة في البحث عنه، والبعض الآخر قال لهم الشيخ: إن الكتاب في المكتبة الفلانية، وقسم ثالث قال لهم الشيخ: عندي لكم نسخ من هذا الكتاب، هل يكون الشيخ ظالم للقسم الأول الذي ذهب يبحث عن الكتاب هنا وهناك؟ لا، ليس بظالم، بل يؤجر على هذا البحث، وبحثه عن هذا الكتاب الذي يبين له شرع الله، ويفسر له كلام الله وكلام رسوله، ويجعله يعبد الله على بصيرة، ويدعو إلى الله على بصيرة هذه عبادة، فالشيخ حينما مدح هذا الكتاب، وانقسم الطلاب إلى ثلاثة أقسام: منهم من تعب في تحصيل هذا الكتاب هذا يؤجر على هذا التعب، والشيخ ليس بظالم له ألبتة، والقسم الثاني: الذي وصف لهم وعين لهم الشيخ مكان هذا الكتاب أيضاً ليس بظالم له في مقابل من أهدى إليه الكتاب، نعم هو تفضل على بعض الطلاب بالهدية، ولا يلزمه التعديل بينهم، نعم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
المقدم: أحسن الله إليكم: هل نستطيع أن نقول: إن الحياء عبادة قلبية لها آثار في الجوارح والقول كما يقسم بعض العلماء العبادات إلى قلبية وغيرها؟
لا شك أن الحياء مبعثه القلب، مصدره القلب، وآثاره على الجوارح ظاهرة، لا شك أنه تغير وانكسار، تبدو على الملامح وتظهر على الوجه آثاره، ثم يتعدى إلى الأفعال، لا شك أن الحيي حق الحياء الحياء الشرعي ينكف عن فعل المحرمات استحياء من الله ، ويفعل المأمورات حياء من الله فهي عبادة قلبية، آثارها عملية.
المقدم: النبوة الأولى التي قال عنها ﵊: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)).
نعم، هذا مما تواطأت عليه الرسالات.
المقدم: المقصود تواطأ الرسالات.
تواطأت عليه الرسالات، وتوارثته الرسل، وجاء مقرراً في الشرائع كلها.
المقدم: وكان المعروف أن الحياء عندهم بهذه الكيفية.
نعم بهذه الكيفية ....
المقدم: نعم ....
стр. 240
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح (٤)
باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وباب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه
الشيخ: عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سم.
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، توقفنا عند قول المؤلف ﵀:
باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)).
стр. 241
قد نبهت في أكثر من مناسبة أن الترجمة من عمل المحقق، وليست في أصل المختصر، الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- لما ذكر حديث الشعب، أتبع الحديث بأحاديث نص النبي ﵊ فيها على بعض الشعب، ومنها حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) وراوي الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن، يقال: كان بينه وبين أبيه اثنتا عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة، كان ﵁ غزير العلم، مجتهداً في العبادة، قال أبو هريرة ﵁: ما كان أحد أكثر حديثاً مني عن رسول الله ﷺ إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب، هذا قاله أبو هريرة ﵁: ما كان أحد أكثر حديثاً مني عن رسول الله ﷺ إلا عبد الله بن عمرو، وهذا بناء على غلبة ظنه، نظراً لكثرة ما يرويه ابن عمرو من الأحاديث، أو تكون مقالة أبي هريرة هذه قبل الدعوة النبوية لأبي هريرة، وقبل أن يبسط رداءه بأمر النبي ﵊.
стр. 242
وعلى كل حال عبد الله بن عمرو أحد المكثرين من الرواية، روي له عن رسول الله ﷺ سبعمائة حديث، اتفق على سبعة عشرة حديثاً، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين، توفي بمكة، وقيل: بالطائف، وقيل: بمصر، سنة ثلاث أو خمس أو سبع وستين، الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- ترجم على الحديث بقوله: (باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) يقول العيني: فإن قلت: لمَ لم يبوب البخاري على الجملة الأخيرة من الحديث: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه))؟ قلت: لأن في صدر الحديث لفظة المسلم، والكتاب الذي يحوي هذه الأبواب كلها من أمور الإيمان والإسلام، قال: فإن قلت: هجر المنهيات أيضاً من أمور الإسلام، قلتُ: بلى، ولكنه في تبويبه بصدر الحديث اعتناء بذكر لفظٍ فيه مادة من الإسلام وهو المسلم، قوله: ((المسلم)) قيل: الألف واللام فيه للكمال، نحو: زيدٌ الرجل، أي: الكامل في الرجولية، قال ابن حجر: وتعقب بأنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كان كاملاً، ويجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان، يقول الخطابي: المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله تعالى أداء حقوق المسلمين، يقول ابن حجر: وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يبين علامة المسلم التي يستدل بها على إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذُكر مثله في علامة المنافق، ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحث على حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
стр. 243
يقول العيني: فيه نظر وخدش من وجهين: أحدهما: أن قوله يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى حسن معاملة العبد مع ربه ممنوع؛ لأن الإشارة ما ثبت بنظم الكلام وتركيبه مثل العبارة غير أن الثابت من الإشارة غير مقصود من الكلام، ولا سيق الكلام له، يقول: فانظر هل تجد فيه هذا المعنى؟ يعني: هل أشير بالحديث الذي فيه الإشارة إلى حسن معاملة العبد مع أخيه المسلم، هل فيه إشارة ولو من بعد إلى حسن المعاملة مع الرب؟ يقول: يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحث على حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، الوجه الأول من وجهي الخدش عند العيني يقول: هذا ممنوع؛ لماذا؟ لأن الإشارة ما ثبت بنظم الكلام وتركيبه مثل العبارة، كأنه يقول: إن التنصيص على المراد يكون باللفظ، يكون بالمنطوق، والإشارة إليه تكون بالمفهوم، ومعاملة الرب لم ترد لا في منطوق الحديث ولا في مفهومه، لكن لا يمنع أن ينبه بالأدنى على الأعلى، كما نبه الله بالنهي عن إيذاء الأبوين بمنع التأفيف ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [(٢٣) سورة الإسراء] قد يقول قائل: ليس فيه إشارة إلى منع الضرب لا بالمفهوم ولا بالمنطوق، نقول: هذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا مُنع التأفيف مُنع الضرب من باب أولى، وهنا إذا اعتني بحسن معاملة العبد فالعناية بحسن المعاملة مع الرب من باب أولى، وبهذا يتبين ضعف الوجه الذي خدش به العيني كلام ابن حجر.
يقول: والثاني أن قوله: فأولى أن يحسن معاملة ربه ممنوع أيضاً، ومن أين الأولوية في ذلك؟! والأولوية موقوفة على تحقق المدعى، والدعوى غير صحيحة؛ لأننا نجد كثيراً من الناس يسلم الناس من لسانهم وأيديهم ومع هذا لا يحسنون المعاملة مع الله تعالى.
стр. 244
الوجه الثاني من وجهي الخدش في كلام الحافظ ابن حجر من قبل العيني يقول: إن قوله: فأولى أن يحسن معاملة ربه ممنوع أيضاً، ومن أين الأولوية في ذلك؟ والأولوية موقوفة على تحقق المدعى، والدعوى غير صحيحة، عرفنا أن الدعوى صحيحة، والتنبيه بالأدنى على الأعلى معروف في النصوص وفي لغة العرب، يقول: لأننا نجد كثيراً من الناس يسلم الناس من لسانهم وأيديهم ومع هذا لا يحسنون المعاملة مع الله تعالى، نقول: هذا خبر، لكنه أريد به الأمر، نعم، قد يأتي الخبر ويراد به الأمر، هنا المفهوم من توجيه المسلم إلى تحسين معاملته مع أخيه، وهذا هو الأدنى أولى بالمسلم وأحرى به أن يحسن معاملة ربه، يعني: هذا هو المفترض في المسلم، كونه يوجد من يخالف المخالفون كُثر للأوامر الصريحة، كما أن المخالفين والواقعين في النواهي الصريحة كُثر.
يقول: ((من سلم المسلمون)) وكذا المسلمات، وأيضاً أهل الذمة، فذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيداً، والإتيان بجمع التذكير للتغليب فإن المسلمات يدخلن في ذلك.
المقدم: العيني -أحسن الله إليكم- ما له توجيه لما خدش قول ابن حجر، ما له توجيه آخر؟
العيني بس وقف عند النص وقال: لا بد أن نأخذ ما يدل عليه النص منطوقاً أو مفهوماً.
((من سلم المسلمون)) هنا جاء بجمع التذكير، والمقصود به الغالب، ويدخل فيه الإناث؛ لأن خطاب الرجال تدخل فيه الإناث، وجاء ذلك صريحاً في قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [(١٢) سورة التحريم] نعم، يدخل فيه أيضاً أهل الذمة لما ورد من الوعيد في حق من آذاهم، من آذى ذمياً جاء الوعيد في حقه فيدخل فيه هذا، والذمي معروف أنه من يبذل الجزية وهو صاغر، ويلتزم بأحكام المسلمين تجاه أهل الذمة.
стр. 245
((من لسانه ويده)) خص اللسان بالذكر لأنه المعبر عما في النفس، وهكذا اليد؛ لأن أكثر الأفعال بها، لا شك أن اللسان هو المعبر عما في الضمير، الناس لا يدرون ولا يعرفون ما في نفس الشخص إلا إذا نطق؛ ولهذا لا يؤاخذ في أحكام الدنيا إلا إذا نطق بلسانه، وكذلك اليد أكثر الأفعال بها، بها الأخذ، وبها الإعطاء، وبها الضرب، وبها .. إلى غير ذلك من .. ، بها الأكل والشرب، المقصود أن اليد هي التي تستعمل في غالب التصرفات، وعبر باللسان دون القول ما قال: من قوله ويده، أو قوله وعمله، عبر باللسان دون القول ليدخل من أخرج لسانه استهزاء بصاحبه يؤاخذ؛ لأن المسلم لم يسلم من لسانه، فلو قال: من سلم المسلمون من قوله لما دخل مثل هذا؛ لأنه لم يقل شيئاً، وإن كان القول بالمعنى الأعم يشمل الفعل أيضاً (قال بيديه هكذا) يعني في التيمم (قال بيديه هكذا) والقول هنا المراد به الفعل، المقصود أن هكذا قال الشراح.
يقول ابن حجر: والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين حديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعد، يعني: من يأتي بعد قد لا يسلم من لسان بعض الناس، كما أن الماضين لم يسلموا من ألسنة كثير من الناس فضلاً عن الموجودين، نعم يمكن أن تشارك اليد اللسان في ذلك بالكتابة، وإن أثرها في ذلك لعظيم، أقول: ما أعظم أثر كتابة اليد، وكم من شخص ضل بسببها؛ لأن الإنسان يكتب بيده ما لا يحسب له حساب، فيضل بسببه من يقرأه ممن يأتي بعده، وهذا ظاهر في كتب المبتدعة التي ضل بسببها قرون متطاولة، وأجيال من الناس، ومثل الكتابة حفظ الكلام بآلات التسجيل، فعلى المسلم أن يحسب لكل عمل يقدم عليه حسابه، وينظر هل يستفيد أحد من كلامه أو يتضرر؟ فيقدم بناء على ذلك أو يُحجم، والله المستعان.
стр. 246
المقدم: الله المستعان، كأني أيضاً بكم تشيرون إلى قضية سلامة الناس في أديانهم أيضاً، مما يحصل من بعض الكتبة مع الأسف في التسلط على أديان الناس والتعرض لمعتقداتهم، كأنكم تشيرون إلى أن هذا الأمر خطير أيضاً يا شيخ.
المحافظة على الدين أولى من المحافظة على النفس والمال وغيرها من الضرورات، فالضرر في الدين أبلغ؛ لأنه باقٍ، فالشخص الذي يتضرر دينه بسبب شخص ما لا شك أنه يهلكه، ويقضي عليه، أما الضرر الدنيوي فهو لا يلبث إما أن يزول أو يستمر حتى وفاة الشخص وعمره محدود، لكن أين هذا من الضرر في الدين الذي يكون بناء عليه قد يدخل بسببه النار -نسأل الله العافية-، قد يكفر بسبب كلمة يضل بها -نسأل الله العافية-، نعم.
والمراد بالسلامة هنا ما لم يكن ذلك بحق كحد أو تعزير أو تأديب على أن ذلك في التحقيق ليس إذاء، بل هو استصلاح، إذا كان عدم السلامة بحق كإقامة حد على مرتكب معصية، أو تأديب مخالف، أو تعزير هذا في الحقيقة ليس بإذاء حقيقي، وإن كان في الظاهر إذاء يتألم من أقيم عليه الحد، لا شك أنه يتألم من أقيم عليه الحد أو التعزير أو التأديب، لكن مصلحته أعظم، هو استصلاح وطلب للسلامة للشخص نفسه ولغيره، ولو في المآل، وهذا من جوامع كلمه ﵊ التي لم يسبق إليها.
стр. 247
قوله: ((المهاجر)) المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من اثنين، لكنه هنا للواحد كالمسافر فهو بمعنى الهاجر، ويحتمل أن يكون على بابه؛ لأن من لازم كونه هاجراً وطنه مثلاً أنه مهجور من وطنه، قال ابن حجر: وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة، فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان؛ لأن ما تدعو إليه النفس الأمارة والشيطان مما نهى الله عنه، وعلى هذا يستحق الوصف بالمهاجر الكامل من ترك ما تدعو إليه نفسه الأمارة بالسوء والشيطان أيضاً، المهاجرة الظاهرة ترك البلد، ترك العشيرة، وتتمثل بالفرار بالدين من الفتن، وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، قد يقول مثلاً من المهاجرين وإن لم يقولوا ذلك، لكن هذا مجرد يعني توجيه للحديث؛ لئلا يقول أحد من المهاجرين: أنا هاجرت، ولئلا يقولها أيضاً من يهاجر بعدهم من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، أنا هاجرت من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ويكفيني هذه الغربة، نقول: لا، هذه الغربة لا تكفي، بل لا بد أن تهجر ما تدعوك إليه نفسك الأمارة بالسوء ((المهاجر من هاجر ما نهى الله عنه)).
يحتمل أن يكون ذلك قبل انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطييباً لقلوب من لم يدرك ذلك، نعم كثير من الناس ولد في بلاد الإسلام، ولا يحتاج إلى هجرة وانتقال من هذا البلد إلى غيره، قد يقول: فاتني خير عظيم في فوات الهجرة، نقول: بقي هجرة ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) وهذا فيه تطييب لقلب مثل هؤلاء.
стр. 248
بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه، زاد ابن حبان والحاكم: ((والمؤمن من أمنه الناس)) وقال النووي: المهاجر الكامل، قال العلماء: أعلم النبي ﷺ المهاجرين أنه أوجب عليهم أن يهجروا ما نهى الله تعالى عنه، ولا يتكلوا على الهجرة، وقيل: شق فوات الهجرة على بعضهم ففعل المهاجر المطلوب الكامل من هجر ما نهى الله تعالى عنه، ومن ذلك الهجرة إلى رسول الله ﷺ .
قال أهل اللغة: الهجر ضد الوصل، ومنهم قيل للكلام القبيح: الهُجر بضم الهاء؛ لأنه ينبغي أن يهجر، والهاجرة وقت يُهجر فيه العمل، والمهاجر هو الذي فارق عترته ووطنه.
والحديث أخرجه الإمام البخاري هنا في كتاب الإيمان، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل عن الشعبي عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ فذكره، ثم قال: قال أبو عبد الله: وقال أبو معاوية: حدثنا داود عن عامر قال: سمعت عبد الله عن النبي ﷺ ، وقال عبد الأعلى عن عامر عن عبد الله عن النبي ﷺ ، وأراد بهذا التعليق بيان سماع الشعبي من عبد الله، ونبه بالتعليق الآخر على أن عبد الله الذي أهمل في رواية هو عبد الله بن عمرو الذي بين في رواية رفيقه.
стр. 249
أخرجه أيضاً الإمام البخاري في الرقاق: (باب الانتهاء عن المعاصي) قال: حدثنا أبو نعيم حدثنا زكريا عن عامر قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال النبي ﷺ فذكره بلفظه، ومناسبة قوله في الحديث: ((والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) للترجمة (باب الانتهاء عن المعاصي) ظاهرة ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) من انتهى عن المعاصي فقد هجر ما نهى الله عنه، فالترجمة ظاهرة، وكذا صدر الحديث: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) لأن من لم يسلم المسلمون من لسانه ويده لم ينتهِ عن المعاصي، ومن سلموا منه قد انتهى من المعاصي المتعلقة بهم، بالمسلمين، يقول العيني: مطابقته للترجمة من حيث أن ترك أذى المسلم باليد واللسان من جملة الانتهاء عن المعاصي، وأيضاً قوله: ((من هجر ما نهى الله عنه)) من جملة الانتهاء عن المعاصي أيضاً، والحديث مما انفرد البخاري بجملته عن مسلم، وأخرج مسلم بعضه في صحيحه، وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم.
المقدم: أحسن الله إليك هذا مناسبة إيراده في الباب أو الترجمة الكتاب في كتاب الإيمان مع أنه قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) كأن للبخاري إشارة في إيراده في كتاب الإيمان؟
стр. 250
نعم، الإمام البخاري ذكر مراراً أنه يرى الترادف بين الإسلام والإيمان، ذكرنا سابقاً أنه يرى أن الإيمان والإسلام مترادفان، وتأتي الإشارات الكثيرة في الأبواب اللاحقة كلها يذكر فيها الإسلام، وأدخلها في كتاب الإيمان؛ لأنه لا فرق بينهما عنده، ولا شك أن الإسلام الذي يمدح صاحبه مشتمل على الإيمان كما أن الإيمان مشتمل على أيضاً على الإسلام، وهما كما قال أهل العلم إذا اجتمعا افترقا، صار لكل واحد منهما حقيقته، وحمل الإسلام على الأعمال الظاهرة، والإيمان على الأعمال الباطنة كما في حديث جبريل، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا مدح المسلم فالمراد به المؤمن، كما أنه إذا مدح المؤمن دخل فيه المسلم الملتزم بإسلامه.
المقدم: لكن ألا يعتقد أيضاً ربما يقال: إن قصد البخاري الرد على من قال: إن الإيمان مجرد التصديق أو أنه القول والتصديق؛ لأنه أشار إلى أن الإسلام هنا أن يسلم المسلمون من لسانه ويده، فأدخل الأفعال في نقيض الإسلام فبالتالي تكون في الفعل ذاته.
نعم، هذا جارٍ على ما قعده وأصله سابقاً، وأن الإسلام قول وعمل واعتقاد، وأنه يزيد وينقص، ثم بعد ذلكم ذكر حديث الشعب، ثم فرع ما وصل إليه على شرطه من هذه الشعب، نعم.
المقدم: أحسن الله إليك مرت بنا كلمة عترة قبل قليل وضبطتموها بهذه الصورة.
نعم، هو بكسر العين الأقارب.
المقدم: عِترة.
نعم، هم الأقارب.
المقدم: نعم، معنا مجموعة من الأسئلة يا شيخ إذا أذنتم.
تفضل.
следующие страницы →