Полный текст (417 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
المقدم: الله المستعان، كأني أيضاً بكم تشيرون إلى قضية سلامة الناس في أديانهم أيضاً، مما يحصل من بعض الكتبة مع الأسف في التسلط على أديان الناس والتعرض لمعتقداتهم، كأنكم تشيرون إلى أن هذا الأمر خطير أيضاً يا شيخ.
المحافظة على الدين أولى من المحافظة على النفس والمال وغيرها من الضرورات، فالضرر في الدين أبلغ؛ لأنه باقٍ، فالشخص الذي يتضرر دينه بسبب شخص ما لا شك أنه يهلكه، ويقضي عليه، أما الضرر الدنيوي فهو لا يلبث إما أن يزول أو يستمر حتى وفاة الشخص وعمره محدود، لكن أين هذا من الضرر في الدين الذي يكون بناء عليه قد يدخل بسببه النار -نسأل الله العافية-، قد يكفر بسبب كلمة يضل بها -نسأل الله العافية-، نعم.
والمراد بالسلامة هنا ما لم يكن ذلك بحق كحد أو تعزير أو تأديب على أن ذلك في التحقيق ليس إذاء، بل هو استصلاح، إذا كان عدم السلامة بحق كإقامة حد على مرتكب معصية، أو تأديب مخالف، أو تعزير هذا في الحقيقة ليس بإذاء حقيقي، وإن كان في الظاهر إذاء يتألم من أقيم عليه الحد، لا شك أنه يتألم من أقيم عليه الحد أو التعزير أو التأديب، لكن مصلحته أعظم، هو استصلاح وطلب للسلامة للشخص نفسه ولغيره، ولو في المآل، وهذا من جوامع كلمه ﵊ التي لم يسبق إليها.
стр. 247
قوله: ((المهاجر)) المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من اثنين، لكنه هنا للواحد كالمسافر فهو بمعنى الهاجر، ويحتمل أن يكون على بابه؛ لأن من لازم كونه هاجراً وطنه مثلاً أنه مهجور من وطنه، قال ابن حجر: وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة، فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان؛ لأن ما تدعو إليه النفس الأمارة والشيطان مما نهى الله عنه، وعلى هذا يستحق الوصف بالمهاجر الكامل من ترك ما تدعو إليه نفسه الأمارة بالسوء والشيطان أيضاً، المهاجرة الظاهرة ترك البلد، ترك العشيرة، وتتمثل بالفرار بالدين من الفتن، وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، قد يقول مثلاً من المهاجرين وإن لم يقولوا ذلك، لكن هذا مجرد يعني توجيه للحديث؛ لئلا يقول أحد من المهاجرين: أنا هاجرت، ولئلا يقولها أيضاً من يهاجر بعدهم من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، أنا هاجرت من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ويكفيني هذه الغربة، نقول: لا، هذه الغربة لا تكفي، بل لا بد أن تهجر ما تدعوك إليه نفسك الأمارة بالسوء ((المهاجر من هاجر ما نهى الله عنه)).
يحتمل أن يكون ذلك قبل انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطييباً لقلوب من لم يدرك ذلك، نعم كثير من الناس ولد في بلاد الإسلام، ولا يحتاج إلى هجرة وانتقال من هذا البلد إلى غيره، قد يقول: فاتني خير عظيم في فوات الهجرة، نقول: بقي هجرة ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) وهذا فيه تطييب لقلب مثل هؤلاء.
стр. 248
بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه، زاد ابن حبان والحاكم: ((والمؤمن من أمنه الناس)) وقال النووي: المهاجر الكامل، قال العلماء: أعلم النبي ﷺ المهاجرين أنه أوجب عليهم أن يهجروا ما نهى الله تعالى عنه، ولا يتكلوا على الهجرة، وقيل: شق فوات الهجرة على بعضهم ففعل المهاجر المطلوب الكامل من هجر ما نهى الله تعالى عنه، ومن ذلك الهجرة إلى رسول الله ﷺ .
قال أهل اللغة: الهجر ضد الوصل، ومنهم قيل للكلام القبيح: الهُجر بضم الهاء؛ لأنه ينبغي أن يهجر، والهاجرة وقت يُهجر فيه العمل، والمهاجر هو الذي فارق عترته ووطنه.
والحديث أخرجه الإمام البخاري هنا في كتاب الإيمان، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل عن الشعبي عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ فذكره، ثم قال: قال أبو عبد الله: وقال أبو معاوية: حدثنا داود عن عامر قال: سمعت عبد الله عن النبي ﷺ ، وقال عبد الأعلى عن عامر عن عبد الله عن النبي ﷺ ، وأراد بهذا التعليق بيان سماع الشعبي من عبد الله، ونبه بالتعليق الآخر على أن عبد الله الذي أهمل في رواية هو عبد الله بن عمرو الذي بين في رواية رفيقه.
стр. 249
أخرجه أيضاً الإمام البخاري في الرقاق: (باب الانتهاء عن المعاصي) قال: حدثنا أبو نعيم حدثنا زكريا عن عامر قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال النبي ﷺ فذكره بلفظه، ومناسبة قوله في الحديث: ((والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) للترجمة (باب الانتهاء عن المعاصي) ظاهرة ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) من انتهى عن المعاصي فقد هجر ما نهى الله عنه، فالترجمة ظاهرة، وكذا صدر الحديث: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) لأن من لم يسلم المسلمون من لسانه ويده لم ينتهِ عن المعاصي، ومن سلموا منه قد انتهى من المعاصي المتعلقة بهم، بالمسلمين، يقول العيني: مطابقته للترجمة من حيث أن ترك أذى المسلم باليد واللسان من جملة الانتهاء عن المعاصي، وأيضاً قوله: ((من هجر ما نهى الله عنه)) من جملة الانتهاء عن المعاصي أيضاً، والحديث مما انفرد البخاري بجملته عن مسلم، وأخرج مسلم بعضه في صحيحه، وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم.
المقدم: أحسن الله إليك هذا مناسبة إيراده في الباب أو الترجمة الكتاب في كتاب الإيمان مع أنه قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) كأن للبخاري إشارة في إيراده في كتاب الإيمان؟
стр. 250
نعم، الإمام البخاري ذكر مراراً أنه يرى الترادف بين الإسلام والإيمان، ذكرنا سابقاً أنه يرى أن الإيمان والإسلام مترادفان، وتأتي الإشارات الكثيرة في الأبواب اللاحقة كلها يذكر فيها الإسلام، وأدخلها في كتاب الإيمان؛ لأنه لا فرق بينهما عنده، ولا شك أن الإسلام الذي يمدح صاحبه مشتمل على الإيمان كما أن الإيمان مشتمل على أيضاً على الإسلام، وهما كما قال أهل العلم إذا اجتمعا افترقا، صار لكل واحد منهما حقيقته، وحمل الإسلام على الأعمال الظاهرة، والإيمان على الأعمال الباطنة كما في حديث جبريل، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا مدح المسلم فالمراد به المؤمن، كما أنه إذا مدح المؤمن دخل فيه المسلم الملتزم بإسلامه.
المقدم: لكن ألا يعتقد أيضاً ربما يقال: إن قصد البخاري الرد على من قال: إن الإيمان مجرد التصديق أو أنه القول والتصديق؛ لأنه أشار إلى أن الإسلام هنا أن يسلم المسلمون من لسانه ويده، فأدخل الأفعال في نقيض الإسلام فبالتالي تكون في الفعل ذاته.
نعم، هذا جارٍ على ما قعده وأصله سابقاً، وأن الإسلام قول وعمل واعتقاد، وأنه يزيد وينقص، ثم بعد ذلكم ذكر حديث الشعب، ثم فرع ما وصل إليه على شرطه من هذه الشعب، نعم.
المقدم: أحسن الله إليك مرت بنا كلمة عترة قبل قليل وضبطتموها بهذه الصورة.
نعم، هو بكسر العين الأقارب.
المقدم: عِترة.
نعم، هم الأقارب.
المقدم: نعم، معنا مجموعة من الأسئلة يا شيخ إذا أذنتم.
تفضل.
стр. 251
الطالب: أحسن الله إليك يا شيخ في سند الحديث الأول قال الإمام البخاري فيما أذكر السند: حدثنا آدم حدثنا الشعبي وساق الحديث، ثم قال: وإسماعيل عن شعبة أو كذا، أو نحو هذا السند، فإسماعيل هذا متابع لمن؟ وهل إسماعيل حدث البخاري يعني تابع آدم؟ وإذا كان فهمي هذا صحيح أي أن إسماعيل حدث البخاري أليس هذا موضع حاء التحويل التي يكثر منها الإمام مسلم في صحيحه حتى يوردها أحياناً عدد من المرات في حديث واحد، لماذا لم يوردها البخاري؟ جزاكم الله خير.
الإمام البخاري كما ذكرنا يروي الحديث من طرق أولها قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر، ثم قال: وإسماعيل، عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل عن الشعبي، فإسماعيل معطوف على عبد الله بن أبي السفر، نعم.
الطالب: نعم.
يقول: حدثنا آدم بن أبي إياس قال حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل كلاهما عن الشعبي عن عبد الله، شعبة عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل، عبد الله وإسماعيل كلاهما يروي الحديث عن الشعبي، نعم، الحاء تتصور هنا لو كان البخاري يروي الحديث عن إسماعيل، نعم، فيقول: حدثنا آدم بن أبي إياس قال: حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيلُ، يعني: وحدثنا إسماعيل، حاء وحدثنا إسماعيل، فالحاء هنا لا ترد، وهي ترد كثيراً في صحيح مسلم، ويقصد بها التحول من إسناد إلى إسناد، ويستفاد منها اختصار الأسانيد، والجمع على نقطة الالتقاء.
الطالب: لكن إسماعيل حدث من؟ حدث البخاري؟!
شوف حدثنا آدم بن أبي إياس قال: حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل، فإسماعيل حدث شعبة مع عبد الله بن أبي السفر، عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل كلاهما حدث شعبة عن الشعبي.
المقدم: نعم، أحسن الله إليكم، ونفع بعلمكم.
إذاً توقفنا عند قول المؤلف:
باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه
стр. 252
عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).
فقد نبهنا مراراً أن الترجمة لا توجد في المختصر، وهي موجودة في الأصل، فحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).
أنس بن مالك راوي الحديث هو أبو حمزة أنس بن مالك بن النظر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري النجاري البصري، خادم رسول الله ﷺ ، خدم رسول الله ﷺ عشر سنين.
قال النووي: روي له عن رسول الله ﷺ ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثاً، اتفق منها على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وسبعين، وشهرته وشهرة من روى عنه ومناقبه أظهر من أن تحتاج إلى نص عليها.
стр. 253
ثبت للبخاري وغيره أن رسول الله ﷺ دعا له، توفي ﵁ بالبصرة سنة ثلاث وتسعين عن مائة وثلاث سنين الحديث ترجم عليه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بقوله: (باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) يقول الكرماني: قدم لفظ الإيمان قال: (باب من الإيمان) بخلاف أخواته حيث يقول في الباب الذي سيأتي: (باب حب الرسول من الإيمان) هنا قال: (باب من الإيمان أن يحب) وفي الباب الذي يليه: (باب حب الرسول من الإيمان) وقال: (إطعام الطعام من الإيمان) فقدم لفظ الإيمان إما للاهتمام بذكره، وإما للحصر فكأنه قال: المحبة المذكورة ليست إلا من الإيمان تعظيماً لهذه المحبة، وتحريضاً عليها، قال ابن حجر: وهو توجيه حسن إلا أنه يرد عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام، هذا الباب (باب من الإيمان أن يحب لأخيه) والذي بعده (باب حب الرسول ﷺ من الإيمان) يقول: يرد عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام، يعني: فرق بين محبة الرسول وبين محبة أخيه، فالظاهر أنه أراد التنويع في العبارة، ويمكن أنه اهتم بذكر حب الرسول فقدمه والله أعلم.
стр. 254
يقول العيني: قلت: الذي ذكره -يعني: ابن حجر- لا يرد على الكرماني، وإنما يرد على البخاري حيث لم يقل: (باب من الإيمان حب الرسول) ولكن يمكن أن يجاب عنه بأنه إنما قدم لفظة حب الرسول ﷺ إما اهتماماً بذكره أولاً، وإلا استلذاذاً باسمه مقدماً؛ ولأن محبته هي عين الإيمان، ولولاه ما عرف الإيمان، تَعَقُب ابن حجر على الكرماني ظاهر؛ لأنه قال في الترجمة التي معنا: إنما قدم "من الإيمان" للاهتمام (باب من الإيمان أن يحب لأخيه) الاهتمام وإرادة الحصر؛ لأن تقديم المسند على المسند إليه يفيد الحصر، تقديم المسند "من الإيمان أن يحب" كأنه قال: من الإيمان محبة المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، فالتقديم والتأخير هنا يفيد الحصر، وهذا ما أشار إليه الكرماني، وهنا تعقبه الحافظ قال: هو توجيه حسن، لا شك أنه لو لم يرد إلا هذه الترجمة لكان التوجيه حسناً إلا أنه يرد عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام والحصر معاً، وهو محبة الرسول ﵊، وهو قوله: (باب حب الرسول من الإيمان) فالظاهر أنه أراد التنويع، ويمكن أنه اهتم بذكر حب الرسول فقدمه والله أعلم.
стр. 255
العيني أراد أن يتعقب ابن حجر، ولعله في هذا المجال بأي كلام لذات التعقب يقول: الذي ذكره -يعني: ابن حجر- لا يرد على الكرماني وإنما يرد على البخاري، هل البخاري أفصح بمراده؟ ما أفصح البخاري بمراده، ولعل مراده التنويع، الكرماني هو الذي أفصح بمراد البخاري وابن حجر تعقب الكرماني في هذا الإفصاح، يعني: في تحديده مراد البخاري -رحمه الله تعالى-، لكن كلام العيني آخره جيد، ولكن يمكن أن يجاب عنه بأنه: إنما قدم لفظ حب الرسول ﷺ إما اهتماماً بذكره، أو استلذاذاً باسمه مقدماً؛ ولأن محبته هي عين الإيمان، ولولاه ما عرف الإيمان، الرابط بين هذا الباب والذي قبله (باب إطعام الطعام من الإسلام) أن الشعبة في الباب الأول وهي إطعام الطعام غالباً لا تكون إلا عن محبة المطعَم، وهذا الباب فيه هذه المحبة.
قوله: ((لا يؤمن)) الذي عندنا في المتن ((لا يؤمن أحدكم)) في كثير من الروايات: ((لا يؤمن)) وعليها شرح ابن حجر والقسطلاني وغيرهم.
((لا يؤمن)) الفاعل من يدعي الإيمان، وفي رواية: ((أحدكم)) كما هو مثبت هنا، وعزاها ابن حجر للمستملي وللأصيلي ((أحدٌ)) ولابن عساكر ((عبد)) وكذا لمسلم عن أبي خيثمة، والمراد بالإيمان المنفي هنا كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان، إذا قلت: فلان ليس بإنسان، أي: ليس بإنسان كامل، هو في الحقيقة إنسان، إذا قلت: فلان ليس برجل، فمرادك أنه ليس رجل كامل، وإلا فهو في الحقيقة رجل يأخذ مثل حق الأنثيين في الإرث، وله ما للرجال، وعليه ما عليهم من الأحكام.
المقدم: في الرواية الأولى -أحسن الله إليك- ((لا يؤمن حتى يحب)) هكذا تستقيم؟
نعم ((لا يؤمن حتى يحب لأخيه)).
المقدم: تستقيم بدون أحدكم؟
أكثر الروايات على هذا، وعليه شرح ابن حجر والقسطلاني.
стр. 256
قال ابن حجر: فإن قيل: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمناً كاملاً، وإن لم يأتِ ببقية الأركان، أجيب بأن هذا ورد مورد المبالغة أو يستفاد من قوله: ((لأخيه)) ملاحظة بقية صفات المسلم، هذا ورد مورد المبالغة، يعني كما قال ﵊: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) مع أنه لا بد أن يأتي بجميع ما يطلبه الإسلام من الأركان، ويجتنب ما ينهى عنه الإسلام، في رواية ابن حبان: ((لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان)) ومعنى الحقيقة هنا الكمال ضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافراً، وبهذا يتم استدلال المصنف على أنه يتفاوت، وأن هذه الخصلة من شعب الإيمان، وجه استدلال المصنف بالحديث وإدخاله في كتاب الإيمان، أولاً نفي الإيمان عن من لم يتصف بهذه الصفة وبهذه الخصلة وبهذه الشعبة، والمراد نفي الإيمان الكامل كما أشار إليه الشراح.
((حتى يحب)) بالنصب لأن حتى جارة، كيف بالنصب وحتى جارة؟ نعم، حتى جارة، وهي من حروف الجر كما هو معروف.
هاك حروف الجر وهي من إلى ... حتى خلا حاشا عدا في عن على
إلى آخره.
يقول: ((حتى يحب)) بالنصب؛ لأن حتى جارة، وأن بعدها مضمرة، ولا يجوز الرفع فتكون حتى عاطفة، فلا يصح المعنى حينئذٍ، إذ عدم الإيمان ليس سبباً للمحبة.
والمحبة كما قال النووي الميل إلى ما يوافق المحب، وقد تكون بحواسه كحسن الصورة، أو بفعله، إما لذاته كالفضل والجمال، وإما لإحسانه كجلب نفع أو دفع ضر، يقول ابن حجر: المراد بالميل هنا الاختياري دون الطبيعي والقسري، والمراد أيضاً أن يحب أن يحصل لأخيه نظير ما يحصل له لا عينه سواء، أن يحب لأخيه ما يحب، يحب لأخيه الذي يحبه هذا الأصل، لكن هل هذا متصور؟ لو تصورنا أن رجل وفق بزوجة جميلة وصاحبة دين، هل نقول: عليه أن يتمنى ويحب لأخيه هذه الزوجة لأنه يحب هذه الزوجة ويحبها لنفسه؟ هذا مستحيل، لكن يحب له نظير ما حصل له.
стр. 257
يقول: المراد بالميل هنا الاختياري دون الطبيعي والقسري، والمراد أيضاً أن يحصل لأخيه نظير ما يحصل له لا عينه، سواء كان في الأمور المحسوسة أو المعنوية، يحب المرء المسلم لأخيه أن يحصل لأخيه من الأمور المحسوسة من متاع هذه الدنيا ما يحب لنفسه، كما أنه يحب أن يكون له من الأمور المعنوية من لذة العبادة مثلاً والتلذذ بمناجاة الله، والتلذذ بطاعته ما يحبه لنفسه، وهذا خلاف المشاهد من كثير من المسلمين، الذي يحب الواحد منهم أن يستأثر بهذا الشيء ويفوق به أقرانه.
سواء كان ذلك في الأمور المحسوسة أو المعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له، لا مع سلبه عنه، ولا مع بقائه بعينه، ما يتمنى أن تكون هذه المرأة الصالحة الجميلة لأخيه دونه هذا ما يلزمه، ولا يلزم أن تحصل لهما بالاشتراك؛ لماذا؟ ولا بقائه بعينه له، إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال، العيني يقول: المراد أيضاً بأن يحب ... إلى آخره ليس تفسيراً للمحبة، وإنما المحبة مطالعة المنة من رؤية إحسان أخيه وبره وأياديه ونعمه المتقدمة التي ابتدأ بها من غير عمل استحقها به، وستره على معايبه، وهذه محبة العوام، قد تتغير بتغير الإحسان، فإن زاد الإحسان زاد الحب، وإن نقصه نقص، وأما محبة الخواص فهي تنشأ من مطالعة شواهد الكمال لأجل الإعظام والإجلال، ومراعاة حق أخيه المسلم فهذه لا تتغير لأنها لله تعالى لا لأجل غرض دنيوي كذا قال.
стр. 258
قلت: وفي تعبير ابن حجر بالجوهر والعرض مجاراة لأهل الكلام في اصطلاحاتهم، وفي تعبير العيني بالعوام والخواص مجاراة لأهل التصوف، على أن في كلام العيني ما فيه؛ لأنه يجعل المحبة من باب المجازاة؛ لأنه قال: إنما المحبة مطالعة المنة من رؤية إحسانه أخيه وبره وأياديه ونعمه المتقدمة، لو فرضنا أن له أخاً يراه لأول مرة لم تتقدم له عليه نعمة ألا يلزمه أن يحب له ما يحب لنفسه؟ على كلام العيني لا. ((لأخيه)) المراد به المسلم كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [(١٠) سورة الحجرات] وقال رسول الله ﷺ : ((المسلم أخو المسلم)) وقال ﵊: ((وكونوا عباد الله إخواناً)) ويشمل المسلمة أيضاً، فيحب لها ما يحب لنفسه، هل يشمل الكافر أو لا يشمله؟ ((لأخيه)) النص ((لأخيه)) والمراد بالأخ المسلم، لكن هل يحب للكافر ما يحبه لنفسه؟ إن كان المراد أن يحب له الإسلام كما أحبه لنفسه فنعم، وإن كان المراد أن يحصل له مثل ما حصل له .. ، ما حصل للمسلمين حال كفره فلا.
стр. 259
((ما يحب لنفسه)) أي مثل ما يحب لنفسه كما تقدم، وعند النسائي والإسماعيلي وابن منده: ((من الخير)) والخير: كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية، وتخرج المنهيات؛ لأن الخير لا يتناولها، قال فتح المبدي: فإذا كان سارقاً مثلاً لم يكن من الإيمان أن يحب السرقة لأخيه، وإنما قدر لفظ (مثل) لأن المحبوب الواحد يستحيل أن يحصل في محلين، والمراد بالمثلية مطلق المشاركة، ولذا قال بعضهم: لعل المراد ترك الحسد والعداوة، وحصول كمال المودة حتى يقرب أن ينزل أخاه منزلة نفسه في الخيرات، أو المراد أن يحب ذلك في الأعم الأغلب، ولا يلزم في كل شيء، سيما إن لم يكن للشيء إلا فرد واحد، إذا لم يكن في الوجود إلا شيء واحد كيف يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ أولاً: الحديث جاء بصيغة العموم: ((يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) (ما) من صيغ العموم، يعني جميع ما يحبه لنفسه يحبه لأخيه، لكن إذا لم يكن في الوجود إلا شيء واحد كالوسيلة مثلاً، والمقام المحمود فإنه لا يمكن الاشتراك فيها حتى يحبه لغيره، فلا يرد الإشكال بسؤال سليمان ﵇ تخصيص الملك به بقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [(٣٥) سورة ص] وبما حكاه الله عن عباده الصالحين من قولهم: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [(٧٤) سورة الفرقان] وجه الاستشهاد من الوسيلة والمقام المحمود ظاهر، الوسيلة والمقام المحمود لا تنبغي إلا لشخص واحد، وهو الرسول ﵊ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [(٣٥) سورة ص] هل نقول: إن سليمان وهو يقول هذا الكلام أنه يحب لغيره من الناس أن يوهب لهم الملك بحيث .... يكونوا مثله؟ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [(٣٥) سورة ص] هذا في شريعتهم، ولذا النبي ﵊ لما أراد أن يوثق الجني الذي تفلت عليه في صلاته، قال: ((تذكرت دعوة أخي
стр. 260
سليمان)).
ما حكاه الله عن عباده الصالحين من قولهم: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [(٧٤) سورة الفرقان] هل هذا يخالف ما في الحديث؟ في الظاهر يخالف، وإلا وش معنى (اجعلنا إماماً)؟
المقدم: يختصون بهذا.
نعم يختصون بالإمامة وغيرهم مأمومين، والإمام أفضل من المأموم، وبسؤال النبي ﷺ الوسيلة لنفسه، وأمره الأمة بذلك السؤال، ويلزم من محبة ذلك لأخيه أن ينصفه من نفسه إذا كان عليه مظلمة كما أنه يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته.
المقدم: فتح المبدي أشرتم إليه قبل قليل يا شيخ لعلنا نشير إلى المستمع شيئاً منه؛ لأن مثل هذه المصطلحات تمر ويسأل عنها الإخوان المستمعين كثيراً، فتح المبدي لمن؟ ولماذا استشهدتم به هنا؟
فتح المبدي هو شرح للمختصر -مختصر البخاري- مختصر الزبيدي لعبد الله الحجازي الشرقاوي، هذا من شيوخ الأزهر، بل تولى مشيخة الأزهر في آخر القرن قبل الماضي، والكتاب في الجملة جيد، شرح تحليلي طيب، وفيه نقوول طيبة، ولا يسلم من ملاحظات كغيره من الشروح، يقول الكرماني: ومن الإيمان أيضاً أن يبغض لأخيه ما يبغضه لنفسه من الشر؛ لأن مفهوم يحب ما يحب لأخيه من الخير مفهومه -مفهوم المخالفة- أن يبغض ما يبغضه لنفسه من الشر.
المقدم: هذا استمراراً للحديث للتوجيه لما ورد قبل قليل من الآيات والأحاديث؟
لا، هذا شرح لمفهوم الحديث.
المقدم: نعم، لكن توجيههم لما سبق وذكرتم -أحسن الله إليكم- من الأمور الثلاثة الوسيلة و ...
الوسيلة قلنا: إنها لا تنبغي إلا لشخص واحد.
المقدم: وملك سليمان ...
وملك سليمان لعله في شرع من قبلنا.
المقدم: يبقى ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [(٧٤) سورة الفرقان].
стр. 261
يبقى ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [(٧٤) سورة الفرقان] أنه لا بد من إمام ومأموم، ولا يمكن بل يستحيل أن يكون كل الناس أئمة، فإذا كان الخيار بين إمام أو مأموم نعم يختار الإنسان لنفسه الأعلى.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ الآن إذا كان مثل هذه الآية ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [(٧٤) سورة الفرقان] لا يمكن اجتماع الإمام والمأموم هل هذا يتعارض مع كون المؤمن يحب لأخيه كما يحب لنفسه أن يكونوا جميعاً أئمة؟ وكذا حتى ما ذكرتم من الوسيلة والمقام المحمود مع كون هذا لن يحصل لهم جميعاً، لكن المحبة هل يلزم منها الوقوع حتى يتعارضا؟
نقول: المحبة هنا يحب الإنسان أن يكون إماماً، وقد دعا العباد الصالحون بأن يجعلهم الله للمتقين إماماً، نعم، لكن هل يتصور أن يكون الناس كلهم أئمة؟ فإما أن يكون الحديث جرى مجرى الغالب، كما تقدمت الإشارة إليه، وإن كان من صيغ العموم، لكن لا بد من تخصيصه بمثل هذه الآية؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع في آن واحد الناس كلهم أئمة، بل لا بد أن يكون هناك إمام ومأموم، لكن الإمامة لا تعني الفضل مطلقاً، بل قد يكون من المأمومين من هو أفضل من الإمام، على أن المراد بالإمام هنا الإمامة في الدين، ليس معناها في الصلاة خاصة، الإمامة في الدين عموماً، والإمامة في الدين فضل مطلق، في قول الكرماني: ومن الإيمان أيضاً أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاءً، والله أعلم، هو يستفاد من مفهوم الحديث لا من منطوقه.
стр. 262
الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- يقول في شرحه: لما نفى النبي ﵊ الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحبه لنفسه دل على أن ذلك من خصال الإيمان، بل من واجباته، فإن الإيمان لا ينفى إلا بانتفاء بعض واجباته، كما قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) الحديث متفق عليه، وإنما يحب الرجل لأخيه ما يحبه لنفسه متى؟ إذا سلم من الحسد والغل والغش والحقد؛ لأن كثير من الناس إذا رأى واقع المسلمين اليوم قال: تطبيق الحديث مستحيل، كثير من الناس إذا رأى واقع المسلمين قال: تطبيق الحديث مستحيل، والأمر بهذا أمر بما لا يُطاق، وتكليف بالمحال، نقول: لا، هو سهل لمن؟ لمن كان قلبه سليماً، أما من انطوى على غل أو حقد أو غش أو حسد فإنه لن يصل إلى هذه المرتبة، والله المستعان.
يقول -رحمه الله تعالى-: وإنما يحب الرجل لأخيه ما يحبه لنفسه إذا سلم من الحسد والغل والغش والحقد وذلك واجب كما قال النبي ﵊: ((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا)) رواه مسلم، فالمؤمن أخو المؤمن يحب له ما يحب لنفسه، ويحزنه ما يحزنه، كما قال ﷺ : ((مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر)) متفق عليه من حديث النعمان بن بشير.
стр. 263
فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلة من دين أو غيره أحب أن يكون لأخيه نظير هذا من غير أن تزول عنه، كما قال ابن عباس ﵄: "إني لأمر بالآية من القرآن فأفهمها فأود أن الناس كلهم فهموا منها ما أفهم" لو طبقنا هذا، ونظرنا في واقع عموم المسلمين، بل مع الأسف الشديد بعض من ينتسب إلى العلم، هل يحب لغيره من أهل العلم أن يظفر بهذه الفائدة كما ظفر بها؟ لا شك أن هذا عزيز جداً، يقول ابن عباس ﵄: "إني لأمر بالآية من القرآن فأفهمها فأود أن الناس كلهم فهموا منها ما أفهم" بعض الناس يحزن إذا رأى آخاه المسلم حفظ ما لم يحفظ من القرآن، أو تقدم عليه في التلاوة مثلاً، أين هذا من قوله ﵊: ((أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) الله المستعان.
يقول الشافعي: "وددت أن الناس كلهم تعلموا هذا العلم ولم ينسب إليّ منه شيء".
في قوله : ﴿وَسَارِعُواْ﴾ [(١٣٣) سورة آل عمران] ﴿سَابِقُوا﴾ [(٢١) سورة الحديد] هل في ذلك ما ينافي هذا الحديث؟ لأن المسارعة والمسابقة والمنافسة في الخيرات تقتضي أن الإنسان يسارع غيره، ويسابق غيره، فكيف نوفق ما قد يُفهم من هذه النصوص وما معنا من هذا الحديث؟ هل في ذلك معارضة؟ هل معنى هذا أنك إذا نافست زيداً من الناس أو سابقته أو سارعته إلى الخيرات؟
المقدم: كأنك تريد أكثر منه.
أنك تسبقه.
المقدم: نعم.
стр. 264
﴿سَابِقُوا﴾ [(٢١) سورة الحديد] المسابقة لتسبقه، والمسارعة أن تسرع أمامه، وإلا وش معنى المسارعة؟ هل معنى هذا أنك تود أنك تصل إلى الهدف أنت وإياه في وقت واحد؟ هذه النصوص فيها الحث على المسابقة والمسارعة للأطراف كلها، وللمسلمين كلهم، وكون الإنسان يسابق ويسارع لا يعني ٍأنه يستأثر بهذا الأمر دون غيره، بل هو مجرد حث له على هذا العمل المطلوب شرعاً، فحث له وحفز على أن يسبق غيره في هذا وغيره أيضاً محثوث على أن يسبقه وهكذا، ففيه أمر للمسلمين كلهم بأن يسارعوا، هذا أمر من الله تعالى للمسلمين أن يسارعوا وأن يسابقوا، وحينئذٍ لا يكون فيه تعارض مع الخبر ...
стр. 265
التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
حديث أبي موسى في باب تعليم الرجل أمته وأهله
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم إلى حلقة جديدة ضمن برنامجكم شرح كتاب "التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح".
مع بداية هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم بن عبد الله الخضير، ونشكر له تفضله بشرح أحاديث هذا الكتاب فأهلاً ومرحباً بكم فضيلة الدكتور.
الكلام على حديث أبي موسى في باب تعليم الرجل أمته وأهله:
لا زلنا في حديث أبي موسى ﵁ في باب تعليم الرجل أمته وأهله، كنا عرضنا لموضوع أن. . . . . . . . . مما يجعل الضعف من أجر. . . . . . . . . وهذه الإشكالية أجبتم على شيء منها فيما مضى، وله تعلق بما تبقى من ألفاظ هذا الحديث، نبدأ بها أحسن الله إليكم لنستكمل موضوعنا.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا السؤال الذي أورده الكرماني في الحلقة السابقة، يقول:
فإن قلت: فأجر المماليك ضعف أجر السادات، المسألة مفترضة في سيد له مملوك، السيد أدى حق الله -جل وعلا-، والمملوك أدى حق الله -جل وعلا-، وحق سيده،. . . . . . . . . هذا أن للملوك له ضعف أجر سيده بناءً على هذا الوعد المذكور في حديث الباب ((له أجران))، يقول: قلت لا محظور في التزام ذلك، أن يكون أجره ضعفه من هذه الجهة، وقد يكون للسيد جهات أخر يستحق فيها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأحدهما، يعني عبد في مقابل عبد، هل هذا أجره من أدى حق الله -جل وعلا-، ولم يؤدي حق الموالي، له نفس ما للعبد الذي أدى الحقين.
стр. 266
يقول: أو المراد ترجيح العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأحدهما، فإن قلت: فعلى هذا يلزم أن يكون الصحابي الذي كان مملوكاً كتابياً، على هذا يلزم أن يكون الصحابي الذي كان مملوكاً كتابياً أجره زائد على أجر أكابر الصحابة؛ لأن له من الحقوق كم؟ أربعة، أربعة حقوق، وذلك باطل بالإجماع.
يعني من باب التقريب، بلال له, كم له حق؟ أجران، له أجران، وسيده أبو بكر له أجر واحد! هذا باطل بالإجماع، هذا اللازم باطل، نعم وإن كان الحديث يدل على شيء من هذا، لكن يبقى أن جهات التفضيل متعددة، فهذا فاضل من جهة، وذاك فاضلٌ من جهات.
يقول: قلت: الإجماع خصصهم -خصص أكابر الصحابة- الإجماع خصصهم، وأخرجهم من ذلك الحكم، ويُلتزم ذلك في كل صحابي لا يدل دليلٌ على زيادة أجره على من كان كتابياً. . . . . . . . . . عبد الله بن سلام كان كتابي فأسلم له أجران، لكن عموم الصحابة، نعم الذين ليس لهم هذا الوصف، يعني إذا قارنا عبد الله بن سلام –مثلاً- بآحاد الصحابة الذين كانوا على الشرك ثم أسلموا،. . . . . . . . . الإسلام ما في ما يمنع، وأيضاً بلال له أجران يفضل آحاد الصحابة الذي ليس له من الخصوصيات ما جرت النصوص به.
ويلتزم ذلك في كل صحابي لا يدل دليلٌ على زيادة أجره على من كان كتابياً.
أقول أنا: التفضيل من جهة لا يقتضي التفضيل المطلق، مثال ذلك: إبراهيم ﵊ وعلى نبينا أول من يكسى يوم القيامة، ومع ذلك لا يقتضي تفضيله على محمد – ﷺ ومن ذلك حديث أبي سعيد عند البخاري وحديث أبي هريرة -أيضاً- عنده عند البخاري, عن النبي ﷺ قال: ((الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أولَ من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ )) يعني هل هذا يقتضي أن موسى أفضل من محمد ﵊؟ أبداً، يعني التفضيل من وجه لا يقتضي التفضيل المطلق.
стр. 267
ومن ذلك حديث أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني، فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [(١٠٥) سورة المائدة]، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: ((بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً، ودنياً مؤثرة وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل القبض على الجمر)) يعني الصبر على الدين, القبض على الدين والصبر عليه مثل القبض على الجمر ((للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاًٌ يعملون مثل عمله)) وزاد غيري، قال: "يا رسول الله: أجرٌ خمسين منهم؟ " قال: ((أجر خمسين منكم)) يعني من الصحابة، هل يعني هذا أن هذا المتأخر الذي صبر وقبض على دينه أفضل من الصحابة؟! وإسناده لا بأس به.
في هذا يقول العلامة ابن القيم في نونيته، يقول:
هذا وللمتمسكين بسنة الـ ... مختار عند فساد ذي الأزمانِ
أجرٌ عظيمٌ ليس يقدر قدره ... إلا الذي أعطاه للإنسانِ
فروى أبو داود في سنن له ... ورواه أيضاً أحمد الشيباني
أثراً تضمن أجر خمسين امرئٍ ... من صحب أحمد خيرة الرحمن
إسناده حسنٌ ومصداقٌ له ... في مسلم فافهمه فهم بيانِ
إن العبادة وقت هرج هجرة ... حقاً إليّ وذاك ذو برهانِ
يعني كون الإنسان يستمسك بدينه في مثل الظروف التي تكثر فيها الفتن، ويقل فيها الموافق والمعين له أجر خمسين، وخمسين من الصحابة، ولكن هل معنى هذا أنه يفضل أحداً من الصحابة من كل وجه؟ أبداً، شرف الصحبة والثواب المرتب عليها لا يدركه أحدٌ ممن جاء بعد الصحابة، يعني شرف الصحبة بمفرده لا يدركه أحد، كما جاء في الحديث الصحيح من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) متفق عليه. هذا ظاهر، يعني التفضيل من وجه لا يقتضي التفضيل المطلق.
стр. 268
يعني كون العبد من الصحابة أفضل ممن لم يتصف بهذا الوصف من هذه الحيثية بأن له أجرين، أو الصحابي الذي كان كتابياً له أجران أيضاً كما في هذا الحديث، لا يعني أنه أفضل من كل وجه من بعض الصحابة.
وأسلفنا في الحلقة الماضية -أحسن الله إليكم- ما ذكرتم من النصوص التي تدل على أن هناك عمل له أجران، وعمل أفضل منه ولم ينص عليه أجران، الماهر في القرآن والذي يقرأه ويتعتع فيه.
نعم، ((الذي يقرأه ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران)) .. وذلك مع السفرة.
ومثله الذي تيمم، ثم لما جاء أعاد الصلاة، والذي لم يعد الصلاة، هناك له أجران، وهذا أصاب السنة، يعني هل هذا مثل هذا؟. . . . . . . . .
ورجلٌ كانت عنده أمة -هذا هو الثالث- وزاد في رواية أبي ذر نعم ((يطأها)) بالهمز، قال العيني: القياس "يوطؤها" مثل يوجل؛ لأن الواو إنما تحذف إذا وقعت بين الياء والكسرة، وهنا وقعت بين الياء والفتحة، مثل "يسمع"، قال الجوهري وغيره: إنما سقطت الواو منها؛ لأن فعل يفعل مما اعتل فاؤه لا يكون إلا لازماً، فلما جاء بين أخواتهما متعديين خولف بهما نظائرهما، يعني فحذفت الواو. وقال الكرماني: فإن قلت: فلو لم يطأها، لكن أدبها، يعني هل قوله في الحديث في هذه الرواية لأبي ذر ((يطؤها)) وصف مؤثر لحصول الأجرين، أو أنه غير مؤثر؟. . . . . . . . . لا يطؤها مستغنياً عنها، لكنه أدبها، أو ليس لديه القدرة على ذلك وأدبها وعلمها، ثم أعتقها فتزوجها ... يمكن الوطء على أساس في آخر الحديث أنه تزوجها.
لا، ((له جارية يطؤها)) قبل العتق، إذن تصورنا هذا عنده جارية ليس بحاجة إلى وطئها مستغنياً عنها، ثم بعد ذلك سمع بهذا الخبر فنفذ ما فيه، يقول: فإن قلت: فلو لم يطأها ولكن أدبها إلى آخره هل له أجران؟ قلت: نعم، يقول الكرماني: نعم، إلا المراد بيطؤها يحل له وطئها، سواء صارت موطوءة أم لا.
стр. 269
((فأدبها)) الأدب، يقول صاحب المصباح المنير: أدّبته أدباً، أدَبته أدَباً، أو أدْباً؛ لأنه يقول: من باب ضرب. ضرباً، يعني أدْباً، أدَبته أدْباً، من باب ضرب، علمته رياضة النفس ومحاسن الأخلاق، قال أبو زيد الأنصاري: الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، وقال الأزهري نحوه, فالأدب اسمٌ لذلك، والجمع آداب، مثل سبب وأسباب، "وأدّبته تأديباً" مبالغة وتكثير، ومنه قيل: أدبته تأديباً إذا عاقبته على إساءته؛ لأنه سبب يدعو إلى حقيقة الأدب، هذه المعاقبة تدعو، سببٌ يدعو إلى حقيقة الأدب، وأدَب من باب ضرب، صنع صنيعاً ودعا الناس إليه، فهو آدِب على فاعل، قال الشاعر أبو طرفة:
نحن في المشتات ندعو الجفلا ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
يدعو جفلا، دعوت جفلا دعوت العامة، أما الجفلا فهي دعوة خاصة، النقاء، هذه دعوة الخاصة.
أي لا ترى الداعي يدعو بعض الأدباء بل يعمم بدعواه في زمان القلة، وذلك غاية الكرم، واسم الصنيع المأدُبة، بضم الدال وفتحها.
دعوة الجفلا دعوة العامة، يقول الحافظ العراقي في وصف المسانيد وفي رتبتها: ودونها، يعني دون السند
ودونها في رتبة ما جعلا ... فيه على المسانيد يدعو الجفلا
يعني الأحاديث تدعى الجفلا العامة، يعني فيها الصحيح وفيها الضعيف وفيها من الأحاديث أنواع، لا ينتقي, لا يكون ينتقر بمعنى أنه ينتقي، فيذكر بعضهم دون بعض كالصحاح مثلاً.
معنى التأديب وانقسام الأدب إلى أدب النفس وأدب الدرس:
فالتأديب: الحمل على محاسن الأخلاق ومكارمهما، وهذا ما يعرف عند بعضهم بأدب النفس، مقابلةً له بأدب الدرس الذي اشتهرت كتبه في أوساط المتعلمين مما يشتمل في كثيرٍ من أحيانه على ما يخالف الأدب المحمود، يعني تسمى كتب أدب، يعني لو سألتك كتاب الأغاني أيش، كتاب أيش؟ أدب، وكتاب مثلاً، الكتب الأخرى التي لا نطيل بذكرها، هذه يسمونها كتب أدب، هذا أيضاً يسمى أدب الدرس في مقابلة أدب النفس، والمطلوب أدب النفس.
стр. 270
كتب أدب الدرس اشتهرت في أوساط المتعلمين، وما يشتمل كثيرٌ منها في بعض الأحيان على ما يخالف الأدب المحمود في مصنفات ملأت دور الكتب مما يشتمل على الهزل والقصص والأخبار الماجنة كالأغاني ونحوه يسمى أهله بالأدباء، هذا أدب الدرس.
روى السمعاني في أول أدب الإملاء والاستملاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله أدبني وأحسن تأديبي - أو أحسن أدبي - ثم أمرني بمكارم الأخلاق فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [(١٩٩) سورة الأعراف]، الآية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "معناه صحيح، ولكن لا يعرف له إسنادٌ يثبت" وضعفه أيضاً السخاوي في المقاصد، والألباني في الضعيفة، وقال الزركشي: معناه صحيح لكنه لم يأتِ من طريقٍ صحيح، وذكره ابن الجوزي في الواهيات، ورمز له السيوطي في الجامع الصغير رمز الصحة, لكن كما قال أهل العلم: ليس له إسناد يثبت به، وإن كان معناه صحيحاً.
هناك الكتب التي يستفاد منها في هذا الباب، ككتب الأدب من كتب السنة، كتاب الأدب من صحيح البخاري، أو كتاب الأدب من صحيح أبي داود، أو غيرهما من كتب السنة، هذه يستفاد منها. وكتب الأدب المفردة مثل: الأدب المفرد للبخاري والبيهقي وغيرهما، وهناك أيضاً، ليست باب من أبواب كتب، وأخلاق العلماء للآجري أيضاً يستفاد منه، وهناك أيضاً جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب، وتذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لبدر الدين بن جماعة، وهناك –أيضاً- مؤلفات خاصة مثل الآداب الشرعية لابن مفلح، وغذاء الألباب للسفاريني وهو شرح لمنظومة الآداب لابن عبد القوي، وفي كتب ابن القيم من ذلك شيء كثير، يمكن أن يستخلص منه مجلد كبير في هذا الباب، وهناك نضمٌ أيضاً يفاد منه, يستفيد منه طالب العلم كمنظومة عبد القوي في منظومة الآداب لابن عبد القوي، وشرحه المذكور آنفاً، والقصيدة الميمية في الوصايا والآداب العلمية للشيخ حافظ الحكمي، وغيرها كثير، هذه يستفيد منها طالب العلم، تهذب النفوس، وأيضاً الحافظ ابن رجب له كتابات يعض عليها بالنواجذ في هذا الباب.
متفرقة.
стр. 271
متفرقة نعم .. ولا مانع من الاطلاع على الكتب كتب الأدب من النوع الثاني، مع الحذر مما فيها من المخالفات، ويحرص طالب العلم على العفيف منها، مثل زهر الآداب للحصري، وأيضاً مهذب الأغاني للخضري، مع أن الخضري لما هذب الأغاني ووجه بالنقد الشديد من قبل الأدباء، لأنه من وجهة نظرهم أهمل جانب حيوي من جوانب الآداب، وهو المجون.
لكن يُحرص على الأدب العفيف، ويستفاد من هذه الكتب فوائد لو لم يكن منها إلا استجمام الذهن، وأيضاً الأخبار يستفاد منها، أخبار الأمم الماضية كما في كتب التاريخ، وأخبار الدول يتعرضون لهذا، كتب الأدب يتعرضون للتواريخ، ففيها اعتبار من جهة، وفيها أيضاً استجمام للذهن، لكن لا يوغل في هذا، بل يكون معوله على الكتاب والسنة.
((فأحسن تأديبها)) من غير عنف وضرب، بل باللطف والرفق؛ لأنه أدعى للقبول، وهكذا ينبغي أن يكون المربي على قدرٍ كبير من الحكمة ورعاية المصلحة، وقل مثل هذا في الداعية والمعلم والقاضي، فهم مربون في الحقيقة، لا بد أن يحسنوا التأديب، ولا ينفروا الناس.
وعلمها من أحكام الشريعة ما يجب عليها، فأحسن تعليمها لتوخي الأسلوب المناسب، والتبريد في التعليم.
يقول الكرماني: فإن قلت: أليس التأديب داخلاً تحت التعليم؟
نعم، إذا قلنا أن الأدب فرع من فروع العلم والمعرفة، فيكون التأديب داخل في التعليم، فيقول الكرماني: فإن قلت: أليس التأديب داخلاً تحت التعليم؟ قلت: لا، التأديب يتعلق بالمروءات، والتعليم بالشرعيات، أي الأول عرفي، والثاني شرعي، أو الأول دنيوي والثاني أخروي ديني.
من أهل العلم حينما يشترطون في العدالة ملازمة التقوى والمروءة، ملازمة التقوى بالشرعية، بأن لا يرتكب محظور، أو يترك مأمور من الشرعيات، أما المروءة فهي مراعاة أحوال الناس، من حيث لا يخرج على عادة الناس وأعرافهم، فهي مسألة عرفية.
стр. 272
((ثم أعتقها فتزوجها)) وفي كتاب النكاح: وقال أبو بكر عن أبي حصير عن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ : ((أعتقها ثم أصدقها))، قال الحافظ: كأنه أشار بهذه الرواية إلى أن المراد بالتزويج في الرواية الأخرى: أن يقع بمهرٍ جديد سوى العتق، يعني لا يكون العتق هو المهر، رواية الباب: ((ثم أعتقها فتزوجها)) ليس فيها ذكر للصداق، والرواية التي أوردها البخاري في كتاب النكاح: ((أعتقها ثم أصدقها)) يقول الحافظ: كأنه أشار بهذه الرواية إلى أن المراد بالتزويج في الرواية الأخرى أن يقع بمهرٍ جديد سوى العتق، لا كما وقع في قصة صفية، كما سيأتي في الباب الذي بعده، فأفادت هذه ثبوت الصداق، فإنه لم يقع التصريح به في الطريق الأولى فظاهره أن يكون العتق نفس المهر.
الظاهر من قصة صفية أن الرسول ﵊ أعتقها وجعلها عتقها صداقها، حديث الباب: ((ثم أعتقها فتزوجها)) ظاهره عدم ذكر الصداق، لكن رواية البخاري لهذا الحديث: ((أعتقها ثم أصدقها))، ويستفاد من الرواية في كتاب النكاح أن الصداق لا بد منه، فالباب الذي في كتاب النكاح من صحيح البخاري، يقول -رحمه الله تعالى-: باب من جعل عتق الأمة صداقها، وساق بإسناده عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ : ((أعتق صفية وجعل عتقها صداقها))، قال ابن حجر: أخذ بظاهره من القدماء -يعني بعدم ذكر الصداق، وأنه يصح جعل العتق هو المهر- يقول: أخذ بظاهره من القدماء سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وطاووس والزهري، ومن فقهاء الأنصار الثوري وأبو يوسف وأحمد بن حنبل وإسحاق قالوا: إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صح العقد، والعتق والمهر على ظاهر الحديث، يصح العقد -عقد النكاح- ويصح العتق، ويصح المهر، والمهر هو العتق.
стр. 273
وأجاب الباقون عن ظاهر الحديث أي: ((جعل عتقها صداقها)) وحديث الباب: ((ثم أعتقها فتزوجها)) أجاب الباقون عن ظاهر الحديث أجوبة أقربها إلى لفظ الحديث: أنه أعتقها بشرط أن يتزوجها، فوجبت له عليها قيمتها، وكانت معلومة فتزوجها بها، حديث ((أعتق صفية وجعل عتقها صداقها)) كأنه قال: أعتقك على أن أتزوجك، بمعنى كأنه قال: يعتقك بمبلغ كذا، ويكون هو الصداق؛ لأنهم قالوا: أنه أعتقها بشرط أن يتزوجها، فوجبت له عليها قيمتها وكانت معلومة فتزوجها بها، وقال آخرون: هذا من خصائصه ﷺ له أن يجعل العتق صداقاً.
وممن. . . . . . . . . من ذلك الماوردي، وقيل: أن هذا ظنٌ من أنس ﵁، أنس الذي قال: جعل عتقها صداقها، فهذا بناءً على فهمه هو.
وقيل: إن هذا ظنٌ من أنس ﵁، وإلا فقد أصدقها أمة، يقال لها رزينة، كما عند البيهقي لكنه ضعيف لا تقوم به الحجة؛ لأنه لا يقال منه: ((وجعل عتقها صداقها))، وقال الترمذي بعد أن خرج الحديث، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق: وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها، حتى يجعل لها مهراً سوى العتق، والقول الأول أصح.
قال ابن حجر: وكذا نقل ابن حزم عن الشافعي، والمعروف عند الشافعية أن ذلك لا يصح، أي: لا يجعل العتق صداق، وإنما لا بد من تسمية مهر غير العتق.
وقال ابن دقيق العيد: الظاهر مع أحمد ومن وافقه، والقياس مع الآخرين، فيتردد الحال بين ظن نشأ عن قياس، وبين ظنٍ نشأ عن ظاهر الخبر، مع ما تحتمله الواقعة من الخصوصية، وهي وإن كانت على خلاف الأصل، يعني خصوصية لكن يتقوى ذلك بكثرة خصائص النبي ﷺ في النكاح.
أقول: تخصيصه ﷺ بذلك ليس ببعيد، مثل اختصاصه بالواهبة، الواهبة المذكورة في سورة الأحزاب ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [(٥٠) سورة الأحزاب] فمن خصائصه في النكاح من وهبت نفسها له دون صداق، وهذا لا يصح لغيره؛ لأن خالصة له ﵊ من دون المؤمنين. فليقل مثل هذا من خصائصه.
стр. 274
يقول الحافظ ابن كثير: ويحل لك أيها النبي المرأة المؤمنة إن وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهرٍ إن شئت ذلك، وقصة الواهبة في البخاري وغيره، طلب النبي ﷺ . . . . . . . . . من طلبها من الصحابة المهر، الآية منصوص على أنها خالصة له من دون المؤمنين, وهي محمولة على أنها بدون صداق، الواهبة التي جاءت في صحيح البخاري وغيره وهبت نفسها للنبي ﷺ . يعني لو قبلها النبي ﵊ لصح نكاحها من غير مهر، لكن لما أعرض عنها وطلبها الصحابي قال له النبي ﷺ : ((التمس ولو خاتماً من حديد)) فدل على أنه لا بد من المهر من غيره ﷺ .
إذاً لعلنا إن شاء الله يا شيخ نبدأ بمثل هذه القضية وإشكالياتها في حلقة قادمة لانتهاء وقت هذه الحلقة، مع شكري الجزيل لكم بعد شكر الله على ما تفضلتم به.
стр. 275
التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
حديث أبي موسى في باب تعليم الرجل أمته وأهله
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
أهلاً بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، مع مطلع هذه الحلقة نرحب بفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً ومرحباً بكم شيخ عبد الكريم.
حياكم الله وبارك فيكم وفي الأخوة المستمعين.
ما زلنا أيها الأخوة والأخوات في حديث أبي موسى في باب تعليم الرجل أمته وأهله.
توقفنا عند لفظة، "وآمن بمحمد ﷺ ".
شيخ نبدأ بهذه اللفظة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.
قوله في الحديث: ((وآمن بمحمد ﷺ )) لفظ الحديث هنا: ((رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد ﷺ )) واللفظ من لفظ النبي ﵊ وجاء في بعض الآثار: ((وآمن بي)) كونه رتب له الأجران على إيمانه بنبيه، وإيمانه بمحمد ﷺ فهذا الأجر. . . . . . . . . نبينا محمد ﷺ ومقتضى إيمانه بنبيه إيمانه بأن محمداً ﷺ هو الموصوف بكتابه المنزل على نبيه، يعني هل مجرد الإيمان والتصديق كاف في ذلك قبل بعثة النبي ﵊، ترون يهودي آمن بموسى ومقتضى الإيمان بموسى الإيمان بمحمد ﷺ وأنه سيبعث، وأن هذه أوصافه، قل مثل هذا في النصارى، يكفي هذا.
أو قوله: ((ثم آمن بي)) ((أو وآمن بي)) يعني: دخل في اتباعي بعد بعثتي، لأن مجرد الإيمان به ﷺ قبل بعثته من مقتضيات إيمانه بنبيه، إذ لو لم يؤمن بالنبي محمد ﷺ الإيمان الإجمالي على حسب ما جاء عندهم، لم يكن مؤمناً لا بعيسى ولا بموسى -عليهما الصلاة والسلام.
стр. 276
يقول. . . . . . . . .: مؤمن أهل الكتاب لا بد أن يكون مع إيمانه بنبيه مؤمناً بمحمد ﷺ للعهد المتقدم والميثاق في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [(٨١) سورة آل عمران].
المفسر بأخذ الميثاق من النبيين وأممهم مع وصفه تعالى له في التوراة والإنجيل، فإذا بعث ﷺ -فالإيمان به مستمر.
يقول: فإن قلت فإذا كان الأمر كما ذكرت فكيف تعدد إيمانه حتى تعدد أجره، إذا كان الإيمان بمحمد ﵊ من مقتضيات الإيمان بموسى وعيسى، فكيف تعدد إيمانه حتى تعدد أجره، أجيب بأن إيمانه أولاً تعلق بأن الموصوف بكذا رسول، وإيمانه ثانياً تعلق بأن محمداً ﷺ هو الموصوف بتلك الصفات فهما معلومان متباينان فجاء التعدد، كذا قال. يعني كأنه يقول: إيمانه بوقت نبيه من غير تسمية, هذا الذي يأتي هذا الموصوف رسول، ثم بعد ذلك إيمانه بمحمد الإيمان بالتسمية، وأن هذه الأوصاف لرسول يسمى محمد، لكن هذا متجه، يقول: فهما معلومات متباينان فجاء التعدد، التسمية جاءت حتى بالشرائع السابقة، ولهذا يقول عيسى ﵇: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [(٦) سورة الصف]، أقول: كذا قال والذي يظهر لي أن إيمانه بمحمد ﷺ في زمن نبيه إجمالي، وإيمانه به بعد بعثته تفصيلي، كإيماننا ببعض الأنبياء الذين لا نعرف عنهم إلا الأسماء، ونعرف شيئاً من أمورهم حسب ما ورد من شرعنا عنهم، إيمان إجمالي، فهل من مقتضى إيماننا بموسى وعيسى أن ندرس شرائعهم؟
شرائعهم منسوخة بالدين، لكن من مقتضى ذلك، ومن شرط صحة الإيمان، بل ركن من أركانه أن نؤمن بهما وبغيرهما ممن عرفناهم من الأنبياء.
стр. 277
((والعبد المملوك)) هذا هو الثاني من الثلاثة والمراد جنس العبد المملوك، قال الكرماني: وصف بالمملوك, وقيل: العبد، يدخل فيه العبيد والأحرار، يعني كلهم عبيد، ووصف بالمملوك لأن جميع الأناسي عباد الله فأراد تمييزه بكونه مملوكاً للناس، يقول أيضاً الكرماني: فإن قلت وهل. . . . . . . . . يراد، هذه إشكالات ويجاب عنها.
والعين ينقلها بحروفها، وقد لا يعزوها في كثير من الحالات، فإن قلت هذا مخالف لسابقه ولاحقه لوجهين: من جهة التنكير والتعريف, ومن جهة زيادة كلمة إذا، والظاهر أن يقال عبد أن رجل مملوك أدى حق الله؛ لكي تكون الثلاثة على وتيرة واحدة، يقال: رجل من أهل الكتاب، ورجل كانت عنده أمه، وقال بينهما، والعبد المملوك، هذا مخالف لسابقه ولاحقه لوجهين من جهة التنكير والتعريف ومن جهة زيادة كلمة إذا، والظاهر أن يقال: عبد يعني بالنسبة للسياق، أن يقال: عبد أو رجل مملوك أدى حق الله إلى آخره، قلت: أي الكرماني: أورد هذا الإشكال ثم أجاب عنه، قلت: لا مخالفة عند التحقيق، نعم، إذا المعرف باللام الجنسية مؤداه مؤدى النكرة، العبد، العبد من صيغ العموم؛ لأن أل هذه جنسية، والنكرة اسم شائع في جنسهم فالمؤدى واحد، قلت: لا مخالفة عند التحقيق؛ لأن المعرف باللام الجنسية مؤداه مؤدى النكرة، وكذا لا مخالفة في دخول إذا؛ لأن إذا للظرف، وآمَن حال، والحال في حكم الظرف، والمعنى جاء زيد راكباً جاء في وقت الركوب وفي حاله. أورد إشكال يدل على التفريق ثم جمعها، وحمل بعضها على بعض، أو تقول خالف بينهما -هذا جواب ثان- خالف بينهما إشعاراً لفائدة عظيمة, وهي أن الإيمان بنبيه لا يفيد في الاستقلال للأجرين، بل لا بد من الإيمان في عهده حتى يستحق أجرين بخلاف العبد، فإنه في زمان الاستقبال أيضاً، يستحق الأجرين، بلفظ إذا الدالة على معنى الاستقبال.
يعني على رأيه الذي أشرنا إليه.
стр. 278
يقول ابن حجر: "هو غير مستقيم" كلامه غير مستقيم، إشكاله أصلاًً غير وارد، نعم يرد بالنسبة لمعرفته هو وما اطلع عليه، يقول هو غير مستقيم؛ لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ الذي عنده، والذي يشرحه الذي بين يديه، وليس متفقاً عليه بين الرواة, بل هو عند المصنف وغيره مختلف، وقد عبر في ترجمة عيسى بإذا في الثلاثة، في ترجمة إذا مؤثرة عنده في الإشكال وأجاب عنها يقول: بل هو عند المصنف وغيره مختلف، فقد عبر في ترجمة عيسى بإذا في الثلاثة، في الثلاثة المواضع، كلها بإذا، وعبر في النكاح بقوله: (أيما رجل ... ) في المواضع الثلاثة، فإشكال الكرماني في التفريق بين العبد المملوك وما قبله وما بعده في الروايات التي بينها وغفل عن الروايات اللاحقة في أحاديث الأنبياء في ترجمة عيسى وفي كتاب النكاح، وعبر في النكاح بقوله: (أيما رجل .... ) في المواضع الثلاثة وهي صريحة في التعميم، وأما الاختلاف في التعريف والتنكير فلا أثر له هنا؛ لأن المعرف بلام الجنس مؤداه مؤدى النكرة، والله أعلم.
стр. 279
تعقبه العيني، تعقب ابن حجر، وانتصر للكرماني, تعقبه العيني بقوله: ليس قصد الكرماني ما ذكره، وإنما قصده بيان المكتفي في ذكر أفراد الثلاثة المذكورة في الحديث، وإنما قصده بيان النكتة، في ذكر الأفراد الثلاثة المذكورة في الحديث لمخالفة الثاني الأول والثالث، حيث ذكر الأول بقوله: رجل من أهل الكتاب، والثالث بقوله: ورجل كانت عنده أمه، وذكر الثاني بقوله: والعبد المملوك بالتعريف، فخالف الأول والثالث بالتعريف والتنكير، وأيضاً ذكر الثاني بكلمة إذا، حيث قال إذا أدى حق الله وحق مواليه، وكان مقتضى الظاهر أن ُيذكر الكل على نسق واحد، بأن يقال وعبد مملوك أو رجل مملوك، ثم أجاب عن ذلك, أورد الإشكال وأجاب عنه، ثم أجاب عن ذلك بأنه لا مخالفة عند التحقيق، فيعني أن المخالفة بحسب الظاهر، ولكن في نفس الأمر لا مخالفة, ثم بين ذلك بقوله: "إذ المعرف بلام الجنس مؤداه مؤدى النكرة، وكذا لا مخالفة في دخول إذا؛ لأن إذا للظرف وآمن حال والحال في حكم الظرف" يعني كلام الكرماني السابق، أجاب عن كلامه بكلامه، إذ المعنى جاء زيد راكباً في وقت الركوب وفي حاله، يقول العيني: وتعليم هذا القائل، يعني ابن حجر، وتعليم هذا القائل قوله: وهو غير مستقيم بقوله: أنه مشى مع ظاهر اللفظ غير مستقيم، تعليل هذا القائل لكلام العيني يريد ابن حجر، قوله: وهو غير مستقيم لقوله بأنه مشى مع ظاهر اللفظ غير مستقيم؛ لأن بيان النكات بحسب ما وقع في ظواهر الألفاظ والاختلاف من الرواة في لفظ الحديث، لا يضر دعوى الكرماني من قوله: إن الأجرين لمؤمني أهل الكتاب، مثلاً في القرآن، في القرآن في سورة الأنعام مثلاً في سورة الأنعام، في قوله -جل وعلا-: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [(٩٩) سورة الأنعام]، يعني لو جاء أحد من المفسرين وأراد أن يبين من مكتف كون الرمان منه المشتبه وغير متشابهة، لماذا ما قال مشتبهاً وغير مشتبه؟.
لأنه غير متشابه.
стр. 280
إي نعم، جعلهما بلفظ واحد، فأراد أن يعلل وأوجد أيضاً لهذا هل يستدرك عليه في قوله فيما بعد، والرمان متشابهاً وغير متشابه ... رمان آخر ما هو نفسه، التنظير مطابق لما عندنا أو ... هل يلام الذي يوجد سبب لاختلاف اللفظين في الموضع الأول لأنه جاء في الموضع الثاني بلفظ واحد؟
ما يلام، وكل هذا من باب دراسة النصوص دراسة دقيقة، وإيجاد المخارج لما يوجد من بعض الإشكالات، وعلى كل حال يقول: لأن بيان النكات لحسب ما وقع في ظواهر الألفاظ والاختلاف من الرواة في لفظ الحديث لا يضر دعوى الكرماني من قوله: إن الأجرين للمؤمن من أهل الكتاب لا يقع في الاستقبال، أما وقوع إذا في الثلاثة، وإن كانت إذا للاستقبال فهو أن حصول الأجرين مشروط بالإيمان بنبيه، ثم بنبينا ﷺ وقد قلنا إن بالبيان تنقطع دعوة غير نبينا ﷺ ، فلم يبق إلا الإيمان بنبينا ﵊ فلم يحصل الأجران فلم يحصل إلا أجر واحد، لانتفاء شرط الأجرين، وأما وقوع "أيما" وإن كانت تدل على التعميم صريحاً فهو في تعميم جنس أهل الكتاب، في تعميم جنس أهل الكتاب، ولا يلزم من تعميم ذلك، تعميم الأجرين، فهو في حق أهل الكتاب.
стр. 281
أقول توضيحاً لذلك، عندما ذكرنا من كلام الكرماني واستدراك ابن حجر عليه، الكرماني أورد إشكالات ترد على هذه الرواية، بغض النظر عن الروايات الأخرى، ابن حجر استدرك عليه لأن. . . . . . . . . تكلف الإجابة عن إشكالات ووردت في رواية هي محلولة بالروايات الأخرى، لماذا لا نرد الإشكال، إشكال النص بنص؟ فأقول: انتصار العيني للكرماني لا شك أنه له وجهه، وأيضاً كلام ابن حجر له وجه، فأقول: ابن حجر يرى أن ما كان مرده إلى اختلاف الرواة، الحديث واحد، ومخرجه واحد، فلا يقال عن الرسول ﷺ مرة قاله كذا ومرة قاله كذا، إنما سبب الاختلاف اختلاف الرواة، فابن حجر يرى أن ما كان مرده إلى اختلاف الرواة لا يتكلف اعتباره ولا تقريره ولا الجواب عنه، هذا مفاد كلام ابن حجر، لكن مثل هذا قد لا يتسنى لكل أحد؛ لأن مقتضى هذا أننا لا نقدم على شرح حديث حتى نجمع جميع طرق الحديث وألفاظ الحديث، ليحل بعضها بعضاً، نعم أولى ما يفسر به الحديث الحديث، وأيضاً جمع الطرق تبين لنا العلل، فالباب إذا لم تجمع طرقه لا يتبين خطؤه، كما يقول أهل العلم، وإذا جمعنا الطرق والألفاظ تبين لنا حل كثير من الإشكالات، هذه وجهة نظر ابن حجر، لكن هل يتسنى هذا لكل أحد، نعم يتسنى للحافظ ولا يتسنى للكرماني، ولا يتسنى للعيني لأن الحافظ على اسمه, ما سمي حافظ إلا لأنه يحفظ من السنة شيء قد لا يدركه أكثر من. . . . . . . . . الصنعة، لكن مثل هذا قد لا يتسنى لكل أحد، فالحافظ على اطلاع واسع يمكنه من معرفة اختلاف الرواة في البخاري وغيره، مما لم يوجد مثله عند الكرماني ولا عند العيني.
أحياناً الكرماني يستدرك أو يستنبط من حديث في البخاري يرده حديث في البخاري، حتى قال ابن حجر في بعض المواضع، إن هذا جهل بالكتاب الذي يشرحه،. . . . . . . . . الكرماني لا. . . . . . . . . صنعته في الحديث، بل ولا العيني، وإن شارك في الحديث، ما هم مثل ابن حجر، ليس مثل ابن حجر أبداً.
стр. 282
وأقول لك مثل هذا قد لا يتسنى لكل أحد فالحافظ على اطلاع واسع يمكنه من معرفة اختلاف الرواة في البخاري وغيره مما لا يوجد مثله عند الكرماني، ولا عند العيني أيضاً وجرت عادة الشراح، جاء بإشكالات والإجابة عنها، تلقيحاً لفهوم الطلاب يورد إشكال ما دام عندك جواب ليش. . . . . . . . . ما فيه إشكال، إذا كان إشكال محلول جوابه معروف، هل يسمى إشكال إذا كان إشكال محلول ما نلقيه، لكن بعضهم يورد مثل هذا الإشكال ويجيب عنه، يعني مثلما يطرح الكرماني وغيره.
جرت عادة الشراح إيجاد الإشكالات والإجابة عنها تلقيحاً لفهوم الطلاب وتفتيحاً لقرائحهم ويوجد هذا عند المفسرين كثيراً، ليكون الطالب على علم بالإشكالات قبل إيراداها فيتمكن من الجواب عنها، ترون طالب ما تربى على هذه الطريقة، فأورد عليه إشكال يستطيع أن يحله؟ لا، ما يمكن، لكن إذا تربى على هذه الطريقة فأورد عليه إشكال لم يسمعه قبل، عنده ملكة، تكون لديه ملكة يستطيع أن يحل بها الإشكال، وإن لم يرد عليه قبل ذلك؛ لأن له نظائر تقدمت ومرت به، فيتمكن من الجواب عنها، وليكون على دربة تامة وخبرة في إجابة الشبه والإشكالات التي قد تورد على بعض الآيات وفي بعض الأحاديث، مع أن هذه الطريقة قد تشغل كثيراً من المتعلمين عن الأمور المهمة، وقد يتعب وراءها ولا يدرك شيئاً، لضعفه في فهمه، فمثل هذا ينبغي أن يوجه إلى حفظ النصوص واستنباط ما ظهر من أحكامها، وترك ما خفي من أحكام وإشكالات، للأذكياء من الطلاب، ولا شك أن العلم يدل بعضه على بعض، يعني ينبغي أن يوجد طلبة من النبهاء يمرنون على مثل هذا؛ لأن الإشكالات إن لم ترد من الموافق وردت من المخالف لكون نعرف أن هناك إشكالات يتمسك بها بعض المبتدعة، في بعض الآيات المشتبهات وبعض الأحاديث التي ظاهرها مع بعض التعارض، هل يعني هذا أننا نتركها حتى يرد علينا من يولد الإشكال ثم لا نستطيع الجواب عنه؟ نتأهب للخصم قبل الخصومة.
стр. 283
إذا أدى حق الله تعالى مثل الصلاة والقيام وحق مواليه مثل خدمته, والمولى مشترك بين المعتِق والمعتَق وابن العم والناصر والجار والحليف وكل من ولي أمر أحد، والمراد هنا السيد، الذي هو المتولي لأمر العبد والقرينة المعينة له لفظ العبد.
المعتِق والمعتَق، مولى آل فلان، يعني عبده.
نعم، مولاهم, والبخاري موالاهم؛ لأنه أسلم على يديه.
هنا المولى المراد به السيد.
الموالي: جمع مولى والمراد به السيد، لأنه في مقابل العبد، هل يمكن إذا أدى العبد حق الله وحق مواليه يعني جيرانه؟ لا ما يمكن، إلى آخره.
قاله العيني، وقبله الكرماني بحروفه، ثم قال: فإن قلت: لم لا يحمل على جميع المعاني؟ العبد،. . . . . . . . . و. . . . . . . . . المعاني الواردة، كما هو مذهب الشافعي ﵀ إذ عنده يجب الحمل على جميع معانيه الغير المتضادة، قلت: ذلك عند عدم القرينة، أما عند القرينة فيجب حمله على ما عينته القرينة اتفاقاً، وقال: فإن قلت: لم عدل عن لفظ المولى إلى لفظ الموالي؟ من المفرد إلى الجمع؟ قلت: لما كان المراد العبد الجنس جنس العبيد جمع حتى يكون عند التولية لكل عبد مولى، لأن مقابلة الجمع بالجمع أو ما يقوم مقامه من الجنس مفيدة للتوزيع، العبد إذا أدى حق مواليه، العبد جنس، يشمل جميع العبيد، والموالي جمع فإذا قلنا أنه في حكم الجمع هذا يقابل هذا، فيقتضي أن لكل مولى عبد، كما في ركب القوم دوابهم، يعني كل واحد منهم ركب دابتة، مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة الأفراد كما يقرره أهل العلم، أو أراد أن استحقاق الأجرين إنما هو عند أداء جميع حقوق مواليه لو كان مشتركاً بين طائفة مملوكاً لهم.
فإن قلت: فأجر المماليك على هذا ضعف أجر السادات، له أجرين، أجر المماليك غير أجر السادات، مفهوم، من خلال الحديث. ممكن؟
ممكن الحديث الإشارة إلى العبد يمكن أنه له أجرين، لكن لا يعني هذا أن له ..
الآن هل له أجران؟
هنا لا.
стр. 284
هو ليس له أجرين من هذه الحيثية، فإن قلت: فأجر المماليك على هذا ضعف أجر السادات، قلت: لا محظور في التزام ذلك أو يكون أجره يفهم من هذه الجهة، وقد يكون للسيد جهات أخر يستحق بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأحدهما، يعني المفاضلة بين عبد مؤدي وعبد ما أدى، نعم لا بين عبد وحر.
لكن هل قول النبي ﵊: له الأجر مرتين، يقتضي التفضيل مطلقاً؟
أما الذي أعاد الوضوء الصلاة له أجران، والذي لم يعد أصاب السنة أيهما أفضل؟ الذي أصاب السنة أجر أفضل، وأيضاً يقرأ القرآن ويتتعتع فيه له أجران، والماهر فيه مع السفرة، يعني ما يلزم أن يكون كون له أجرين يكون أفضل من غيره.
فإن قلت على هذا يلزم أن يكون الصحابي الذي كان مملوكاً كتابياً، مملوكاً وكتابياً يكون له أربعة أجور أجره زائد على أجر أكابر الصحابة، وذلك باطل بالإجماع.
يقول الكرماني: قلت: الإجماع خصصهم وأخرجهم من ذلك الحكم ويلتزم ذلك في كل صحابي لا يدل دليل على زيادة أجره على من كان كتابياً، فيه كلام حول التفضيل المطلق، هل هناك وقت له.
لعلنا نرجؤه يا شيخ -إن شاء الله- إلى الحلقة القادمة.
أيها الأخوة والأخوات لعلنا نكتفي بهذا ونعد الأخوة والأخوات استكمال الموضوع وبالذات أننا توقفنا عند التفضيل المطلق بالنسبة للمولى، أو العبد والحر.
شكر الله لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، على ما بينه في هذه الحلقة شكراً لكم أنتم لقاؤنا بكم في حلقة قادمة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 285
التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
حديث ابن عباس في باب عظة الإمام النساء وتعليمهن
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.
أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقة جديدة في برنامجكم شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.
مع بداية هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً ومرحباً بكم فضيلة الدكتور.
حياكم الله وبارك فيكم، وفي الأخوة المستمعين.
قال المصنف ﵀ عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خرج ومعه بلال فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن, وأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم، وبلال يأخذ في طرف ثوبه".
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فراوي الحديث عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن عم النبي ﷺ حبر الأمة، وترجمان القرآن، مر ذكره مراراً، والحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: (باب عظة الإمام النساء وتعليمهن).
قال الحافظ ابن حجر: "نبه بهذه الترجمة على أن ما سبق من الندب إلى تعليم الأهل ليس مختصاً بأهلهم، الترجمة السابقة باب تعليم الرجل أمته وأهله، فنبه بهذه الترجمة على أن ما سبق ليس مختصاً بالأهل, بل ذلك مندوب للإمام الأعظم، أو من ينوب عنه، ولذا قال: باب عظة الإمام.
واستفيد الوعظ للتصريح من قوله في الحديث فوعظهن، وكانت الموعظة بقوله: ((إني رأيتكن أكثر أهل النار)) أي: كما جاء في بعض الروايات المبسوطة التامة ((إني رأيتكن أكثر أهل النار)) ثم ذكر العلة، ((لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير)).
واستفيد التعليم من قوله: "وأمرهن بالصدقة" استفيد التعليم؛ لأن الأصل باب عظة الإمام النساء، ثم طابقت العظة من قوله: "فوعظهن" لكن أين المطابقة للتعليم؟ التعليم من قوله: "وأمرهن بالصدقة" كأنه أعلمهن أن في الصدقة تكفيراً لخطايهن، الأمر بالصدقة.
هو تعليم.
следующие страницы →