Полный текст (417 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
المقدم: وسمى الكتاب؟
ذكر من أردفهم النبي ﵊.
المقدم: موجود يا شيخ؟
هم ذكروه الشراح، وأنا ما وقفت عليه.
يقول: في هذا تواضع من النبي ﵊ حيث من عادة أهل الكبر ألا يركب معهم أحد، بينما الرسول ﵊ أردف، وفيه أيضاً فضل للفضل بن عباس، حيث حصل على هذه المكرمة من النبي ﵊، وفيه أيضاً جواز الإرداف على الدابة شريطة أن تكون تطيق ذلك، والملحوظ في الدواب عدم تحميلها أكثر مما تطيق؛ لأنها تحس وتتألم، لكن فماذا عن الآلات التي تنقل عليها الأمتعة والبضائع؟
إذا قرر المصنع أن حمولة هذا السيارة خمسة طن، فقال صاحبها: هي ملكي ولا تتأثر وتتحمل، أشل عليها سبعة ثمانية عشرة يلام وإلا ما يلام؟ لماذا؟
المقدم: يلام حتى ما يؤثر على مثلاً على الطرق.
هذه مسألة يعني إما أن يؤثر على الآلة نفسها.
المقدم: أو على الآلة نفسها.
وفي هذا إتلاف وضياع للمال.
الأمر الثاني: أنه يتلف بها الطريق ونحوه، وقد تتعرض لمخاطر.
المقدم: وهذا ملحوظ.
العجلات وغير العجلات تسبب في حوادث وكوارث، ولذا جعلت الموازين على السكك، من أجل إيش؟ أن يحافظ على هذه الأموال، نعم قد يحمل الإنسان الطمع فيغفل عن أمور أخرى، وكما جاء في الخبر: "رب عجلة تهب ريثاً" هذا يريد أن يحمل هذه البضائع في مرة واحدة، وهي تحتاج إلى مرتين.
المقدم: فيتأخر خمس مرات.
فيتأخر نعم، المقصود أن مثل هذا لا بد من ملاحظته.
"فجاءت امرأة من خثعم" في جمهرة أنساب العرب لابن حزم يقول: ولد خثعم: حُلف بن خثعم، بالحاء غير منقوطة مضمومة ولام ساكنة، وفي الناس من يقول: حلِف بلام مكسورة، فولد حُلف عفرس، فولد عفرس ناهس وشهران، يقول: إليهما العدد والشرف من خثعم، وفي نهاية ... كلام طويل لابن حزم لا نحتاج إليه.
стр. 317
في نهاية الأرب لمعرفة أنساب العرب للقلقشندي يقول: بنو خثعم بطن من أنمار، من أراش من القحطانية، وبلادهم مع أخوتهم بجيلة، سروات اليمن والحجاز إلى تبالة، وفيه -في الكتاب المذكور- أنهم تفرقوا في الآفاق أيام الفتح، فلم يبق منهم في مواطنهم إلا القليل، ويقدم الحجاج منهم بمكة في كل سنة، وهم المعروفون بين أهل الموسم بالسروات.
وذكر الحازمي في عجالة المبتدي في النسب، يقول: الخثعمي منسوب إلى خثعم بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وقيل: خثعم هو أفتل بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الخيار بن الغوث ... إلى آخر كلامه.
وقال ابن الكلبي: خثعم جمل كان يحمل لهم، وكان يقال: احتمل آل خثعم.
وقال غيره: لما تحالفوا على بجيلة نحروا بعيراً فتلطخوا بدمه، وهذا البعير كان يسمى خثعم، أو فتخثعموا بدمه أي تلطخوا، أولاً ابن الكلبي يقول: خثعم: جمل كان يحمل لهم، وكان يقال: احتمل آل خثعم، وقال غيره: لما تحالفوا على بجيلة نحروا بعيراً فتخثعموا بدمه أي تلطخوا.
وقال ابن إسحاق: خثعم هو أفتل بن أنمار، وخثعم جبل تحالفوا عنده، يقول: منهم أسماء بنت عميس الخثعمية وغيرها من الصحابة والتابعين وأهل العلم.
في معجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة: خثعم: قبيلة تقع ديارها على طريق الطائف أبها، بين منازل شمران في الشمال والغرب وبلقرن في الجنوب والشرق.
من أقسامها: آل مرة، والسرهدان، والمزارقة، والسلمان وقال: خثعم بن أنمار: قبيلة من القحطانية، ثم ذكر نسبهم على ضوء ما تقدم.
يقول: منازلهم كانت بجبال السراة، وما والاها، جبل يقال له: شي، وجبل يقال له: بارق، وجبار معهما، حتى مرت بهم الأزد في مسيرها من أرض سبأ، وتفرقها في البلاد فقاتلوهم، فأنزلوهم من جبالهم، وأجلوهم عن منازلهم.
ونزلت خثعم ما بين بيشة وتَربة وظهر تبالة على محجة اليمن، يعني على طريق اليمن، من مكة إليها، وما صاقب تلك البلاد، وما والاها، فانتشروا فيها إلى أن أظهر الله الإسلام وأهله فتيامنت، يعني لعلها قرب من اليمن.
стр. 318
يقول ابن حجر في هدي الساري: "امرأة من خثعم لم تسم" في المقدمة يقول: "امرأة من خثعم لم تسم" وفي عمدة القاري نقلاً عن التوضيح: "هذه المرأة يجوز أن تكون غاثية أو غايثة".
"فجعل الفضل ينظر إليها" وجاء في وصفها كما في رواية شعب في الاستئذان أنها كانت وضيئة، فأعجبه حسنها.
"وتنظر إليه" لأنه أيضاً كان رجلاً وضيئاً، أي جميلاً كما في رواية شعيب المذكورة آنفاً.
"وجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر" أي: إلى الجهة الأخرى، وفي رواية: ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله لو لويت عنق ابن عمك، قال: ((رأيت شاباً وشابة فلم آمن عليهم الشيطان)).
"فقالت: يا رسول الله" والقصة لامرأة من خثعم.
يقول ابن حجر: "اتفقت الروايات كلها عن ابن شهاب أن السائلة كانت امرأة، وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي إسحاق، فاتفق الرواة عنه على أن السائل رجل، ذكر الحافظ ابن حجر الطرق والروايات للحديث.
ثم قال: "والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل، وكانت ابنته معه، فسألت أيضاً.
المقدم: سألت عن أبيها؟
تأتي بقية الكلام، أبوها حاج.
المقدم: إي نعم هذا الغريب.
يقول: وكانت ابنته معه، فسألت أيضاً، والمسئول عنه أبو الرجل.
المقدم: الجد.
الجد، وأمه جميعاً، ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال: كنت ردف النبي ﷺ ، وأعرابي معه بنت له حسناء، فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها" ونحتاج هذا الكلام فيما بعد، فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها، وجعلتُ ألتفت إليها، الفضل، ويأخذ النبي ﷺ برأسي فيلويه، يعني لعل الفضل فهم من القصة أن الرجل هذا جاء بابنته يعرضها على النبي ﵊، وجعلت تتكلم معه، تسأله؛ لتدخل إلى قلبه، رجاء أن يتزوجها فتحصل على الشرف العظيم ولأبيها كذلك.
стр. 319
الفضل كأنه فهم أيضاً من القصة هذا، جاء يعرضها للنبي ﵊، وفهم من حال النبي ﵊ أنه ليس له بها حاجة، فجعل ينظر إليها علها أن تقع في نفسه، ويقع في نفسها فيتزوجها، كما جاء في قصة الواهبة لما صعد النبي ﵊ النظر فيها وصوبه.
المقدم: قيل: يا رسول الله إن لم يكن لك بها بك حاجة فزوجني.
قال صحابي من الصحابة: إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها.
لكن ماذا عن باقي القصة؟ هل تزوجها الفضل أو لم يتزوجها؟ ما ذكر، والذي يغلب على الظن أنه ما تزوجها؛ لأنه لو تزوجها نقلت، وقد يكون الرد من قبل أبيها، قد طمع بأمر عظيم وهو مصاهرة النبي ﵊ فلا يقنع بدونه.
"وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبي ﵊ برأسي فيلويه" فعلى هذا فقول الشابة: إن أبي لعلها أرادت به جدها؛ لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي ﵊ ليسمع كلامها، ويراها، رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع أن يسأل أيضاً عن أمه؛ لأنه جاء في بعض الروايات أن الرجل سأل عن أمه، وهذه البنت سألت عن أبيها، فتكون سألت عن جدها، والأب سأل عن أمه فتلتئم الروايات.
يقول ابن حجر: تحصل من هذه الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمي.
والكلام له بقية.
المقدم: إذاً لعلنا -إن شاء الله- نستكمل ما تبقى من هذا الموضوع، خصوصاً أن ثمة أسئلة في هذه القضية، نرجئها مع الإخوة والأخوات بإذن الله في الحلقات القادمة لاستكمال هذا الحديث.
أيها الإخوة والأخوات كان هذا هو صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، نلقاكم -بإذن الله- لاستكمال حديث ابن عباس ﵄ في إرداف الفضل بن العباس مع النبي ﷺ في حلقة قادمة -بإذن الله- وأنتم على خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 320
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: التجريد الصريح - كتاب الحج (٤)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأهلاً ومرحباً بكم إلى حلقة جديدة ضمن برنامجكم شرح كتاب التجريح الصريح لأحاديث الجامع الصحيح شرح كتاب الحج.
مع بداية حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، ونسعد بالترحاب بكم مع مطلع حلقتنا، فأهلاً بكم فضيلة الدكتور.
حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.
لا زلنا في باب وجوب الحج وفضله في حديث ابن عباس ﵄.
توقفنا عند التعريف بالمرأة الخثعمية هذه وبوالدها، ومنهما، وأيضاً عن تحقيق القصة هل السائل الأب أو هي في الحلقة الماضية نستكمل يا شيخ.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
السؤال الذي تضمنه حديث ابن عباس في الحج عن الغير، وقع فيه أكثر من قصة، فهذه قصة الخثعمية قد سألت النبي ﵊ عن الحج عن أبيها نيابة، وجاء ما يدل على أن أباها أيضاً سأل عن أمه.
يقول ابن حجر: ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر، وهو أبو رزين -بفتح الراء وكسر الزاي- العقيلي بالتصغير، واسمه لقيط بن عامر، ففي السنن وصحيح ابن خزيمة وغيرهما من حديثه أنه قال: "يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، قال: ((حج عن أبيك واعتمر)) وهذه قصة أخرى، يقول ابن حجر: ومن وحد بينها وبين حديث الباب فقد أبعد وتكلف.
"إن فريضة الله" فريضة بمعنى مفروضة، فريضة فعيلة بمعنى مفعولة.
"فريضة الله على عباده" من المكلفين في الحج "أدركت أبي شيخاً" حال "كبيراً لا يثبت" صفة له، ويحتمل أن تكون أيضاً حالاً، ويكون من الأحوال المتداخلة، يعني أوصاف متداخلة، يعني كونه لا يثبت.
المقدم: شيخ كبير لا يثبت على الراحلة.
أوصاف متقاربة ومتداخلة، كونه شيخ يعني كبير، كونه لا يثبت على الراحلة؛ لأنه شيخ كبير، نعم.
стр. 321
يقول: ويكون من الأحوال المتداخلة، والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة، أو حصل له المال في هذه الحالة، يعني لما كان مستطيعاً للحج ببدنه كان عاجزاً عن الوصول إلى تلك الأماكن لعدم القدرة على المال وعدم الاستطاعة، فحصل له المال بعد أن صار شيخاً كبيراً.
المقدم: كيف يا شيخ؟
نعم؟
المقدم: كيف الحج ... ؟
يقول: المعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة.
المقدم: لكن قصدك العام الماضي كان عنده لأنه ما في حج أصلاً.
والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة، أو حصل له المال في هذه الحالة، تقول: هذه حجة الوداع.
المقدم: إي نعم، إي نعم، كيف يكون أدرك الحج ولا عنده مال، ثم لما أدرك المال صار كبيراً في السن؟ ما يستقيم هذا.
يعني أسلم، نعم أسلم وعنده مال.
المقدم: طيب، لكن ليس هناك حج.
لكن لما أدركه الحج لا ينطبق عليه الوصف.
المقدم: هذا هو نعم.
هو كونه أسلم بهذا الصفة.
المقدم: لم يجب عليه الحج بعد لأنه لم يوجب الحج.
أسلم وهو بهذه الصفة، أنت تظن أنه من لازم هذه العبارة أن يكون إسلامه قرب حجة الوداع؟
المقدم: لا ليس بالضرورة.
ما يلزم، أسلم قديماً مثلاً وهو بهذه الصفة عاجز، أو أسلم قديماً وهو قادر بالنفس والمال ولم يفرض الحج إلا بعد.
"لا يثبت على الراحلة" وفي رواية: "لا يستطيع أن يستوي" وفي رواية ابن عيينة: "لا يستمسك على الرحل" وفي رواية: "وإن شددته خشيت أن يموت" وعند ابن خزيمة: "وإن شددته بالحبل على الراحلة خشيت أن أقتله" كيف يشد؟ يمكن أن يشد على الراحلة؟
المقدم: إي نعم كانوا يربطونهم يا شيخ؟
يربطونه وإلا يربطون ما يستمسك بحيث يجلس عليه؟ لأن الركوب على الراحلة، تصور أن الركوب على الراحلة لا بد أن يشد مثلما يشد.
المقدم: حزام الأمان مثلاً يا شيخ.
ما يكفي، حزام الأمان أنت عن يمينك باب وعن يسارك راكب.
المقدم: لكن كانوا يربطون أرجلهم في مؤخرة الرحل، ويربط أحياناً يمكن يربط أكتافه، ولو شده لقتله.
هو يلزم من هذا أن يشد مثلما يشد المتاع وإلا يسقط.
المقدم: إي نعم هذا هو.
стр. 322
لأن الركوب على الراحلة ما هو مثل الركوب على السيارة، فيها غلق، وفيها أبواب، لا، يعني تصور لو وضعنا حزام الأمان على بعير وربطناه.
المقدم: ما يستقيم.
ما يمكن يسقط، ولذا لا بد أن يشد مثلما يشد العفش، وهذا يقتله بلا شك.
"وإن شددته خشيت أن يموت" وعند ابن خزيمة: "وإن شددته بالحبل على الراحلة خشيت أن أقتله" لكن بالإمكان أن يشد هودج وإلا محفة وإلا شيء، ويجلس فيه يكون وضعه مثل وضعه في السيارة.
قال ابن حجر: وهذا يفهم منه أن من قدر على غير هذين الأمرين من الثبوت على الراحلة، أو الأمن عليه من الأذى لو ربط لم يرخص له في الحج عنه، كمن يقدر على محمل موطأ كالمحفة.
"أفأحج عنه؟ " أي: أيجوز لي أن أنوب عنه فأحج عنه؟ لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدر، يقول الكرماني: فإن قلت: الهمزة تقتضي الصدارة، والفاء تقتضي عدم الصدارة، لماذا؟ نعم الهمزة تستحق الصدارة، لها الصدارة، لكن الفاء لماذا لا تقتضي عدم الصدارة؟ لأنها عاطفة، لا بد أن تكون بعد معطوف عليه.
يقول: فأين المعطوف عليه؟ قلت: هي عاطفة على مقدر بعد الهمزة أي: أنوب عنه، فأحج عنه، وفي رواية "فهل يقضي عنه أن أحج عنه" وفي حديث علي: "هل يجزئ عنه أن أحج عنه؟ ".
قال: ((نعم)) وفي حديث أبي هريرة: ((احجج عن أبيك)) وتقدم في حديث أبي رزين عند ابن خزيمة وغيره: ((حج عن أبيك واعتمر)) وذلك في حجة الوداع.
المقدم: كل الروايات بالرفع "أفأحج" يا شيخ؟
إي نعم إيه.
وذلك في حجة الوداع، قال الكرماني: بكسر الحاء وفتحها حَجة وحِجة، وسميت بذلك لأنه ﵊ ودع الناس فيها، وليست هذه الإضافة للتقييد التمييزي؛ لأنه لم يحج بعد الهجرة إلا هذه الحجة، يعني لو قال: وذلك في حجة الوداع هل يفهم منه أن النبي ﵊ حج قبلها؟
المقدم: أبداً.
стр. 323
نعم، يقول: وليست هذه الإضافة للتقييد التمييزي؛ لأنه لم يحج بعد الهجرة إلا هذه الحجة، نعم حج ﵊ قبل الهجرة مرة أو مرتين على طريقة إبراهيم ﵊؛ لأنه لم يكن الحج فرض، ولذلك استنكر جبير بن مطعم وقوف النبي ﵊ بعرفة مع أفناء الناس، ما وقف، الحمس ما يخرجون عن الحرم، والنبي ﵊ من قريش الذين هم من الحمس، فلما أضل بعيره جبير بن مطعم، وذلك قبل أن يسلم؛ لأنه جاء في فداء أسرى بدر، ثم أسلم بعد ذلك، قبل أن يسلم رأى النبي ﵊ واقف بعرفة مع الناس فاستنكر.
المقدم: هذا قبل الهجرة.
قبل الهجرة، وهذه في الصحيح القصة.
الحديث فيه فوائد كثيرة جداً، الإحاطة بها، وتفصيلها يحتاج إلى وقت طويل، يعني يستوعب كل الوقت، لكن أشرنا سابقاً إلى جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وتقدم النقل عن ابن منده أنه جمع كتاباً فيه أسماء من أردفه النبي ﵊ معه الدابة، فبلغ بهم نيفاً وثلاثين رجلاً، ولا شك أن هذا يختلف باختلاف أوزان الأشخاص، بعض الأشخاص لا يجوز أن يردِف، بعض الأشخاص لا يجوز أن يردَف لثقله، نعم يؤثر على الدابة سواءً أردف أو أُردف؛ لأنه ثقيل، وبعض الدواب تطيق ثلاثة أو أربعة من الذين أوزانهم خفيفة، فهذه مسألة تقدر بقدرها، والمنظور إليه هو طاقة الدابة وعدم ظلمها؛ لأنها تتألم.
وأما الحمل على الآلات من غير ذوات الأرواح تقدم الكلام فيه.
يقول النووي والكرماني: فيه جواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة، في الاستفتاء والمعاملة وغير ذلك، شريطة أمن الفتنة، وعدم الخضوع في القول.
стр. 324
وكون صوت الأجنبية عورة أو ليس بعورة محل خلاف بين أهل العلم، لكن دلت النصوص على أن المرأة تستفتي، وتجاب تسمع كلام الرجل ويجيبها، لكن مشروط بأمن الفتنة، وعدم الخضوع المنهي عنه ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [(٣٢) سورة الأحزاب] ومع وجود هذه الآلات من الهاتف والإنترنت وغيره زادت الفتنة بحيث يخلو الإنسان يستطيع الخلوة من خلال الجهاز بامرأة بعيدة عنه كل البعد وبواسطته تقرب، ويكثر السؤال مع الاسترسال في الحديث الذي هو مجرد تبادل مشاعر وشجون كما يقول الشباب والشابات، لكن هذا هو الذي جر الكوارث والمصائب، يعني إذا كان مبدأ الفتنة من النظر، فأيضاً الكلام جر كوارث.
. . . . . . . . . ... والأذن تعشق قبل العين أحياناً
وبعض الناس يضيع من الأوقات، ويهدر من الأوقات يتحدث مع فلان وفلانة من خلال الإنترنت، بما جر المصائب، وبما أيضاً حملهم على ترك الواجبات، والتساهل في كثير من المحرمات، لا شك أن مثل هذه الأمور تحتاج إلى حزم، وعلى الشاب أن يبتعد كل البعد عن مواطن الشبه.
المقدم: أحسن الله إليكم، الذين قالوا بأن صوت المرأة عورة، هل استثنوا يعني كثرة الاستثناءات في حكمهم هذا؟ استثنوا الاستفتاء، استثنوا الرد.
يستدلون بأدلة منها أنه ليس على المرأة أذان ولا إقامة، وأنها لا ترفع صوتها بالتلبية، وأمور كثيرة.
المقدم: إيه، لكن استثناءاتهم؟
وين؟
المقدم: عن هذا الحكم هل استثنوا أن المرأة تخرج صوتها في مناسبات في أوقات وإلا لا؟ يعني إن كثرت ...
يجعلون الأصل المنع.
المقدم: وكثرة الاستثناءات ألا تضعف؟
هم يجعلون الأصل المنع، وإبداء هذا الصوت للضرورة والضرورة تقدر بقدرها، بحيث لو وجد مثلاً امرأة بحاجة إلى فتوى بالهاتف مثلاً، تتصل على الشيخ فلان وتستفتيه، هذا على قول من يقول بالجواز ما فيه إشكال.
المقدم: وعلى قول من يقول بالحرمة أيضاً ما فيه إشكال؟
لا فيه إشكال إن كان أبوها موجود، إن كان أخوها موجود، إذا كانت الحاجة تقوم بغيرها، فيه إشكال.
المقدم: إذاً تضييق هذه الاستثناءات.
стр. 325
إيه بلا شك، والاحتياط مطلوب، والتوسع الموجود الآن من النساء غير مرضي بلا شك؛ لأنه جر مشاكل؛ لأن الأصوات فاتنة الآن، سواءً كانت من قبل بعض النساء، أو من قبل بعض الرجال، وكم من امرأة عفيفة صالحة صينة دينة وقعت في حبائل بعض الناس من خلال الهاتف.
المقدم: صحيح.
فلا شك أن القول بأن صوتها عورة من باب الاحتياط للمحارم والأعراض، وإن دلت الأدلة الكثيرة على أنه مع أمن الفتنة، وعدم الخضوع هو صوت يعني.
يقول النووي: فيه تحريم النظر إلى الأجنبية.
يقول الشنقيطي ﵀: ومحل الشاهد من الحديث أنه ﵊ صرف وجه الفضل عن النظر إليها، فدل على أن نظره إليها لا يجوز.
ولا شك أن الإنكار باليد أبلغ من الإنكار باللسان، فكونه صرف وجهه ولوى عنقه.
المقدم: عنقه، نعم كدت تقتل ابن عمك.
أو لويت عنق ابن عمك.
يقول: فيه تحريم النظر إلى الأجنبية، ووجوب غض البصر من الطرفين للأمر الصريح به في القرآن، هو انتهى كلامه عند الأجنبية.
أنا أقول: ووجوب غض البصر من الطرفين للأمر الصريح به في القرآن الكريم، فكما أن الرجل مطالب بغض البصر فالمرأة كذلك، فكما أن الرجل ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [(٣٠) سورة النور] ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] الأسلوب واحد، ولذا التفريق بين الرجل والمرأة من حيث النظر وتكراره وتحديده لا وجه له؛ لأن السياق واحد.
قد يقول قائل: إن هناك وقائع وقصص تدل على أن بعض النساء رأت الرجال، والنبي ﵊ ستر عائشة، وجعلها تنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون.
نقول: النظر إلى العموم لا إشكال فيه، لكن تحديد بشخص بعينه هذا هو المأمور بغض البصر عنه، فكما أن الرجل مطالب بغض البصر فالمرأة كذلك، فلا يجوز للرجل أن يرسل بصره في النظر إلى الأجنبيات، وجاء العفو عن نظر الفجأة غير المقصودة، وأما النظرة الثانية فليست له بالنص، وكذلك المرأة لا يجوز لها أن تردد النظر في رجل بعينه، ويستوي ذلك النظر المباشر، ومن خلال الآلات، لو كان النظر بواسطة آلات من وسائل إعلام من صحف ومجلات وقنوات كل هذا لا يجوز.
стр. 326
يقول الحافظ ابن كثير في تفسير آية النور: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [(٣٠) سورة النور] يقول: "هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغمضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على مُحرَّم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعاً، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث يونس بن عُبَيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زُرْعَة بن عمرو بن جرير عن جده جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله تعالى عنه- قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرفَ بَصَري.
وكذلك رواه الإمام أحمد عن هُشَيْم عن يونس بن عبيد به.
ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه أيضاً، وقال الترمذي: حسن صحيح، وفي رواية لبعضهم: ((أطرقْ بصرك)) يعني: انظر إلى الأرض، والصرف أعم ((اصرف بصرك)) أعم من الإطراق؛ لأنه يتجه إلى أي جهة من الجهات غير الجهة التي فيها هذه المنظورة، فالصرف أعم؛ فإنه يكون إلى الأرض وإلى جهة أخرى، والله أعلم.
وقال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن موسى الفَزَاري حدثنا شَريك عن أبي ربيعة عن عبد الله بن بُرَيْدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: ((يا علي لا تتبع النظرة النظرةَ، فإن لك الأولى، وليس لك الآخرة)).
ثم قال ابن كثير: ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف: "النظر سهم سم إلى القلب" يعني سهم مسموم، ولابن القيم كلام طويل حول النظر، وتأثيره على القلب، كلام طويل جداً في النظر والبصر وإرساله، وفضول النظر إلى ما لا يحتاج إليه، فكأن فضول النظر إلى غير المحرمات له أثر على القلب لأنه يشتت الذهن، فكيف بالنظر إلى ما حرم الله -جل وعلا-؟!
استدل بالحديث من يرى جواز كشف الوجه بالنسبة للمرأة، قالوا: الإخبار عنها بأنها كانت وضيئة يفهم منها أنها كانت كاشفة عن وجهها.
стр. 327
وأجاب الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عن ذلك من وجهين، ونستحضر ما ذكرناه في الحلقة السابقة أنه في طرق الحديث ما يدل على أن أباها هو الذي جاء يعرضها للنبي ﵊، يعرض بها، عله أن يتزوجها، والنبي ﵊ له أن ينظر إلى النساء، وليس عليهن حجاب عنه ﵊ في قول جمع من أهل العلم، وهذا القول له مرجحاته، والنصوص الكثيرة تدل على ذلك.
المقدم: والشنقيطي رد وين يا شيخ؟ في الأضواء؟
الشنقيطي في أضواء البيان في الجزء السادس صفحة ستمائة وما بعدها أجاب عن هذا الاستدلال من وجهين الأول: الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، وأن النبي ﷺ رآها كاشفة عن وجهها، ليس فيه تصريح، وأنه أقرها على ذلك؛ لأن عندنا من حيث الدلالة عندنا نص ما يحتمل، وعندنا ظاهر، يعني ظاهر الحديث أنها كاشفة، لكن ليس بنص على أنها كاشفة، ما في تنصيص على أنها كاشفة.
وأن النبي ﵊ رآها كاشفة عنه وأقرها على ذلك، بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: أنها حسناء.
المقدم: وين هذا تعرف منه؟
ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كاشفة عن وجهها، وأنه ﷺ أقرها على ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها، تعرف الآن مسألة ركوب على دواب، ما هي المسألة مسألة استقرار بحيث تتحكم المرأة بسترها.
بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها، يقول: كما أوضحناه في رواية جابر في حديث سفعاء الخدين، يمكن الخمار من غير قصد، وهذا يحصل كثير ترى، يحصل كثير يعني نساء متحجبات من ذوات التحري، ومع ذلك قد يبدو منها ما يبدو.
المقدم: خصوصاً في موس الحج.
وأما الوضاءة واللون قد من أنملة، من أناملها يبين هذا.
نعم يقول: ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها.
стр. 328
"مع أن جمال المرأة -هذا من كلام الشيخ ﵀ قد يعرف وينظر إليها لجمالها وهي مختمرة، وذلك لحسن قدها وقوامها" وهذا يفتن كثير من الرجال "وذلك لحسن قدها وقوامها، وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط كما هو معلوم، ولذلك فسر ابن مسعود: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [(٣١) سورة النور] بالملاءة فوق الثياب.
ومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب قول الشاعر:
طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنها من قوام. . . . . . . . .
إيش؟
طافت؟
المقدم: أمامة، هذا بيسوقه الآن لبيان أنها تعرف جمالها وقوامها حتى لو لم تكشف، ولو كانت غير كاشفة.
ولو كانت غير كاشفة، يقول:
طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنها من قوام ما ومنتقبا
فقد بالغ في حسن قوامها مع أن العادة كونه مستوراً بالثياب لا منكشفاً.
الوجه الثاني: أن المرأة محرمة، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليها، وعليها ستره من الرجال في الإحرام، كما هو معروف عن أزواج النبي ﷺ وغيرهن، ولم يقل أحد أن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل بن عباس، والفضل منعه النبي ﷺ إليها، وبذلك يعلم أنها محرمة لم ينظر إليها أحد فكشفها عن وجهها إذاً لإحرامها لا لجواز السفور.
بقي لا ينظر إليها إلا النبي ﵊ والفضل، الفضل صرفه النبي ﵊ ما بقي إلا النبي ﵊، وذلك كما قرر أهل العلم أنه في حقه جائز.
فإن قيل: كونها مع الحجيج مظنة أن ينظر الرجال إلى وجهها إن كانت سافرة؛ لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج، لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال.
стр. 329
فالجواب: أن الغالب على أصحاب النبي ﵊ الورع، وعدم النظر إلى النساء، فلا مانع عقلاً ولا شرعاً ولا عادة من كونها لم ينظر إليها أحد منهم، ولو نظر إليها لحكي كما حكي نظر الفضل إليها، ويفهم من صرف النبي ﷺ بصر الفضل عنها أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة وهي سافرة كما ترى، وقد دلت الأدلة على أنه يلزمها حجاب جميع بدنها عنهم.
وبالجملة -يقول الشيخ-: فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغريزة البشرية، وداع إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي، ألم تسمع بعضهم يقول:
قلت: اسمحوا لي أن أفوز بنظرة ... ودعوا القيامة بعد ذاك تقومُ
المقدم: أعوذ بالله.
أيرضى الإنسان أو يسمح له -لمثل هذا- بهذه النظرة إلى نسائه وأخواته وبناته، مثل هؤلاء الذين يتحينون الغرات من المؤمنات الغافلات، يسمح لهم أن ينظروا إلى الوجوه مع تقرير الشرع لجواز الكشف؟ الوجه هو مجتمع المحاسن، أيضاً أنا أقول: يحتمل أن المحل الذي فيه النبي ﵊ في الرواية، أو هذه الرواية التي تدل على أن النبي ﵊ رأى هذه المرأة يحتمل أنه كان في زاوية خالية من الناس، وهي العادة يعني إذا أرادت المرأة أن تستفتي ...
المقدم: تأخذ زاوية.
تأخذ زاوية، وتأخذ بيده، أو تشير إليه أن ينعزل عن الناس، يحتمل أنها في زاوية خالية من الناس سواه ﵊ ورديفه.
والمرجح أن النبي ﵊ لا حجاب عنه، وقد صرف وجه الفضل لا سيما إذا صحت الرواية التي تدل على أن أباها قصد ذلك ليتزوجها النبي ﵊، وتركها أيضاً تتحدث من أجل أن تدخل إلى قلبه ﵊.
والحديث له بقية، فيه أحكام، وفيه أيضاً هذه المسألة تحتاج إلى مزيد بسط، وذكر لبعض الأدلة.
المقدم: إذاً نرجئها -بإذن الله- إلى الحلقة القادمة لاستكمال ما تبقى من أحكام، وأطراف أيضاً هذا الحديث.
стр. 330
أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة في شرح كتاب الحج من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.
لقاءنا بكم في الحلقة القادمة -بإذن الله- وأنتم على خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ترى مناسب جداً أننا نتطرق للحجاب.
المقدم: اللي تشوفه.
يعني ولو باختصار.
стр. 331
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: التجريد الصريح - كتاب الحج (٥)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأهلاً بحكم إلى حلقة جديدة في شرح كتاب الحج من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.
مع مطلع حلقتنا يسرنا أن نرحب بفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، ونشكر له تفضله بقبول دعوتنا، فأهلاً ومرحباً بكم فضيلة الدكتور.
حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.
شيخنا -أحسن الله إليك- في الحلقتين الماضيتين أو الثلاث كان الحديث في حديث ابن عباس، وفي إرداف النبي ﷺ للفضل بن العباس، كنا توقفنا في مسألة الحجاب في هذا الحديث، ورؤية الفضل بن العباس للمرأة الخثعمية.
لعلنا نبدأ الحديث في هذه الحلقة عن الأحكام المتعلقة بهذا الموضوع في هذا الحديث، ثم نستكمل -بإذن الله-.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد تقدم الكلام على استدلال بعضهم بالحديث على جواز الكشف، كشف المرأة عن شيء من بدنها؛ لأن هذه المرأة الخثعمية وصفت بأنها كانت حسناء جميلة وضيئة، وقالوا: إنه لا يمكن إدراك ذلك إلا بالكشف.
стр. 332
تقدم الجواب عن هذا من كلام الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى- من وجهين، وزدنا أن المرأة كانت مع أبيها، وقد جاء ليعرضها على النبي ﵊ عله أن يتزوجها، وفي مثل هذا المجال قد يبدى شيء من الزينة التي تُرغب في نكاحها، ولما كان النبي ﵊ هو صاحب الشأن المعروضة عليه، والفضل بن العباس ليس له دخل في هذا الموضوع صرفه النبي ﵊، كما ذكرنا سابقاً في حديث الواهبة أنها وهبت نفسها للنبي ﵊، فصعد النظر وصوبه، فيجوز النظر إلى المخطوبة، والفضل بن عباس كأنه ترخص في النظر إليها؛ لما رأى النبي ﵊ ليست له بها حاجة، فتعرض لها ونظر إليها، ونظرت إليه علها أن تقبله.
المقدم: لكن ما يرد إشكال -أحسن الله إليك- في مسألة الخطبة في الحج، ومقدمات الخطبة، أو لم يرد النهي فيها، وإنما كان في النكاح، ومقدمات النكاح فحسب؟
المقصود أن مثل هذا قد يخفى على .. ، أولاً: ليس فيه تصريح بأنها خطبة، لا من قبل أبيها، لم يصرح بأنه يعرضها، ولا النبي ﵊ صرح بخطبتها، أقول: مثل هذه الأمور التي ليس فيها تصريح الممنوع الخطبة، والخطبة بالكلام.
أقول: لما استدلوا بمثل هذا الحديث على جواز الكشف -كشف الوجه-، ولهم أدلة أخرى نذكر منها: قول الله -جل وعلا-: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [(٣١) سورة النور] ويستدلون بتفسير ابن عباس ﵄ قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [(٣١) سورة النور] قال: وجهها وكفيها والخاتم، هكذا قال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- يقول: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [(٣١) سورة النور] أي: لا يُظهرْنَ شيئاً من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه.
стр. 333
قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني: على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المِقْنعة التي تُجَلِّل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكن إخفاؤه، الثياب كيف تخفى؟ لا يمكن أن تخفى، الثياب الظاهرة، وقال بقول ابن مسعود الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النَّخَعي وغيرهم.
ثم ذكر قول ابن عباس حيث فسر الاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [(٣١) سورة النور] قال: وجهها وكفيها والخاتم.
ثم قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "يحتمل أن يكون -يعني قول ابن عباس- تفسيراً للزينة التي نهين عن إبدائها ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] قال: الوجه والكفين، فيكون الوجه والكفان في حيز المنهي عن إبدائه، فيتفق قول ابن عباس مع قول ابن مسعود.
قلت: ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عنه عن ابن عباس، قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] قال ابن عباس: الكف ورقعة الوجه، الآن التفسير للاستثناء أو للمستثنى منه؟ للمستثنى منه، بدليل ما ذكره ابن أبي شيبة عنه.
قال ابن عباس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] قال: الكف ورقعة الوجه.
المقدم: مما يعني أن الزينة هنا المراد بها الوجه والكف.
الزينة المنهي عن إبدائها الوجه والكفين.
المقدم: طيب، والمستثنى منه جاء نص عن ابن عباس؟
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] فيكون الذي لا بد منه كفها.
المقدم: جاء عن ابن عباس؟
ما جاء عن ابن عباس، لكن الآن صار فيه احتمال.
المقدم: لكن لو جاء عن ابن عباس تفسير الزينة بما ظهر من الملابس لانتهى الإشكال؟
انتهى تصير مطابقة، يكون عندنا كلام ابن مسعود صريح، وكلام ابن عباس محتمل، لكن الذي يرجح الاحتمال الثاني فيكون كلامه موافقاً لقول ابن مسعود رواية ابن أبي شيبة.
وروى ابن جرير عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] قال: الكف والوجه، صار هذا هو الزينة المنهي عن إبدائه الكف والوجه.
стр. 334
وحمل البيضاوي في تفسيره ما روي عن ابن عباس على العورة في الصلاة لا في النظر، قال: فإن كل بدن الحرة عورة، يعني في النظر، أما بالنسبة للصلاة فالوجه والكفان ليس بعورة.
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في تفسيره: تفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة الوجه، والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول -يعني المنسوب إلى ابن عباس- فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.
كلام الشيخ ﵀ يقول: تفسير الزينة ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، متصور؟ الآن ما قيل عن ابن عباس أن المستثنى الوجه والكفان، وهذا الذي يتداوله الناس عنه، وقلنا: إن الوجه والكفين بالنسبة لتفسير ابن عباس راجع إلى الزينة نفسها، الزينة هي الوجه والكفان.
المقدم: ويؤيده رواية ابن أبي شيبة.
رواية ابن أبي شيبة.
الشنقيطي -رحمة الله تعالى عليه- يذهب إلى أبعد من ذلك، أن الزينة لا يجوز إبداؤها قدر زائد على بدن المرأة، التي استثني منها، يعني الزينة لو افترضنا أن عليها ...
المقدم: خلخال مثلاً.
نعم أمور .. ، قدر زائد على ما في الخلقة، عليها ثوب مطرز، يجوز إبداؤه؟
المقدم: أبداً بناءً على ...
لا يجوز إنما لا بد أن تجلله بشيء يغطي هذه الزينة، فيكون المستثنى ما ظهر من الثوب المجلل.
المقدم: تمام.
أقول: ومما يدل على ذلك -يعني على كلام الشنقيطي- أنه لا تفسر الزينة بشيء من بدن المرأة، ما يدل على ذلك أن الزينة والتزين والتزيين جاء في القرآن الكريم، ورد لما كان خارجاً وقدراً زائداً على الأصل، يعني القدر الزائد على الأصل، هل المرأة تتزين بوجهها، أو تزين وجهها بشيء قدر زائد عليه؟
المقدم: قدر زائد.
قدر زائد عليه، ولذا يقول الله -جل وعلا-: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [(٣١) سورة الأعراف].
المقدم: وهو القدر الزائد.
يقول: خذوا وجوهكم وإلا خذوا ثياب جميلة للمسجد؟ إنما قدر زائد على الخلقة.
المقدم: والأرض ازخرفت ...
تأتي هذه.
стр. 335
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [(٧٩) سورة القصص] ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [(٦٠) سورة النور] ﴿أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [(٢٤) سورة يونس] أي: تلونت بالأنوار.
المقدم: وهذا قدر زائد على الأرض.
وهذا قدر زائد على الخلقة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "وأما ما يروى عن ابن عباس فهو يعني الحالة الأولى، وتفسير ابن مسعود يعني آخر الأمرين" يعني كان في أول الأمر كشف الوجه والكفين جائز، وبهذا قال ابن عباس، وعليه يحمل قول ابن عباس، وآخر الأمرين قول ابن مسعود، هذا ما يراه شيخ الإسلام، ويميل إليه الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين، وجمع من أهل العلم، لكن لسنا بحاجة إلى مثل هذا مع ما تقدم.
المقدم: ورواية ابن أبي شيبة تصح.
نعم جيدة، إسنادها جيد.
المقدم: إذاً تكون فصل في الغالب.
والضحاك أيضاً نفس التفسير، وهو من كبار المفسرين.
لو سلمنا قول ابن عباس، وأنه لا يحتمل التأويل، وأن هذا رأيه أنه يجوز كشف الوجه والكفين، فهو قول صحابي مخالَف من قبل صحابي آخر، فلا يكون قوله حجة ملزمة، وعلى كل حال كلامه محتمل، وعرفنا ما فيه، فلماذا نذهب إلى قول محتمل، ونترك الأقوال الصريحة؟
من الأدلة قوله -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [(٥٣) سورة الأحزاب] هذه الآية وإن كان سياقها في نساء النبي ﷺ ، نعم السياق ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ نساء النبي ﵊، وبعضهم يخصها، يخص الآية بهن، إلا أن العلة المذكورة طهارة القلوب ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [(٥٣) سورة الأحزاب] يعني هل نساء المؤمنين في غنية عن طهارة القلوب؟
المقدم: أبداً.
العلة المنصوصة أمامنا إذا وجدت دار معها الحكم، فالعلة المذكورة هي طهارة القلوب عامة شاملة للجميع، وقرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين أن غير أزواج النبي ﵊ لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن، قاله الشنقيطي ﵀.
стр. 336
قال: وقد تقرر في الأصول أن العلة قد تعم معلولها، وبهذا تعلم أن في هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه ﷺ ، وإن كان أصل اللفظ خاص بهن؛ لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه، ومسلك العلة الذي دل على أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [(٥٣) سورة الأحزاب] هو علة قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ [(٥٣) سورة الأحزاب] وهو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه، عموم العلة، الآن إذا اشتركا فرع وأصل في علة يقاس عليه، لكن لا نقول: إن هذا من باب .. ؟ هل نقول: إن هذا من باب القياس تقاس نساء المؤمنين على أمهات المؤمنين ... ؟
المقدم: في كل شيء.
لا، لاشتراكهن في العلة، أو نقول: عموم العلة يتناول نساء المؤمنين كتناوله لأمهات المؤمنين؟ فتكون الآية نص على نساء المؤمنين أيضاً.
المقدم: لكن ما نقول: إنه يشمل نساء المؤمنين من باب أولى العلة عندهن أظهر وأولى؟
يعني بعد الريبة والتهمة عن أمهات المؤمنين؟
المقدم: إي نعم، فبالتالي يكون أولى لهن.
وغيرهن أقرب منهن؟
المقدم: إي نعم.
يعني تريد قياس الأولى.
المقدم: الأولى.
أما مسألة عموم العلة وشمولها فهو ظاهر للجميع.
وضابط هذا المسلك مسلك الإيماء والتنبيه يقول الشيخ ﵀: "وضابط هذا المسلك المنطبق على جزئياته هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علة لذلك الحكم لكان الكلام معيباً عند العارفين".
يعني لو كان هذا الوصف وهو طهارة القلوب لا ارتباط له بالحكم الشرعي يكون عيب في الكلام، يعني لو سئل شخص مثلاً هذه مسألة واقعية، قيل له: ما رأيك في الزواج المبكر؟ قال: أرى أنه لا يصلح؛ لأننا في عصر الإنترنت، هذه علته، هل هذه علة مؤثرة في الحكم؟
المقدم: لا، ما لها أي دعوة.
هذا كلام معيب يعني بالفعل.
المقدم: صحيح ما في أي علاقة.
ما في أدنى ارتباط، الله المستعان.
стр. 337
الدليل الثالث قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [(٥٩) سورة الأحزاب] قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "يقول تعالى آمراً رسوله ﷺ أن يأمر النساء المؤمنات المسلمات -خاصة أزواجه وبناته لشرفهن".
الآن الأمر للنبي ﵊ أن يقول لأزواجه وبناته على سبيل الخصوص ونساء المؤمنين على سبيل العموم، وهذا من عطف العام على الخاص، للعناية بشأن الخاص، لكن لا يعني أن العام وجوده مثل عدمه، لا، بل هو داخل في الأمر، بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية، اللاتي عرفن بالتبرج، وسمات الإماء، والجلباب هو: الرداء فوق الخمار، قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد هو بمنزلة الإزار اليوم.
وقال الجوهري: الجلباب: هو الملحفة.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة.
هذا يرويه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة" وهذه رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فيها مقال عند أهل العلم.
وقال محمد بن سيرين: سألت عَبيدةَ السّلماني عن قوله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [(٥٩) سورة الأحزاب] فغطى وجهه ورأسه، وأبدى عينه اليسرى.
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "قال غير واحد من أهل العلم: إن معنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [(٥٩) سورة الأحزاب] أنهن يسترن جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلا عين واحدة تبصر بها" يعني للحاجة وإلا فالأصل ستر الكل "وممن قال به ابن مسعود وابن عباس وعبيدة السلماني وغيرهم".
стр. 338
أقول: مما يدل على هذا التفسير -يعني تغطية الوجه من جهة الرأس من الجلباب- ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة والبيهقي وغيره من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنه- قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه، يعني عامة أهل العلم على أن إحرام المرأة في وجهها، بل بعضهم يحرم على المرأة أن تغطي وجهها وهي محرمة، فلا يترك مثل هذا الواجب، ويرتكب هذا المحظور إلا لأمر أوجب منه، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه.
المقدم: في قولها: "إحدانا".
إحدانا نعم.
المقدم: تعم النساء؟
نعم إيه.
المقدم: لأنه في إشكال أن يقال: إن هذا خاص بنساء المؤمنين.
"كان الركبان يمرون بنا، ونحن مع رسول الله ﷺ ".
المقدم: الراوي عائشة؟
عائشة، إيه.
المقدم: لكن قولها: "كنا" و"إحدنا" يشمل الجميع.
يشمل الجميع، نعم.
المقدم: لأنه قد يأتي من يقول: بأنه لنساء المؤمنين مثل ما قيل في الدليل الأول.
لكن أجيب عن الدليل الأول، فيدخل هذا تبعه، نعم.
المقدم: من باب أولى.
ومن أوضح الأدلة من السنة على وجوب الحجاب للوجه وجميع البدن حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- في قصة الإفك الطويلة المخرجة في البخاري وغيره من دواوين الإسلام، وفيها: لما تخلفت عائشة في البحث عن العقد ونامت.
المقدم: قال: "كنت أعرفها قبل الحجاب".
وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من رواء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، يعني لو كان كشف الوجه جائز أو مألوف عندهم أو معروف تقول مثل هذا الكلام؟
المقدم: أبداً.
ما يحتاج إليه، ما يحتاج أن تقول قبل الحجاب الآن، تقول: فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، يعني لما قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما يحتمل تأويل؟
المقدم: أبداً.
ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ... الحديث بطوله.
стр. 339
والشاهد منه قولها: "فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب" وفي قولها: "فخمرت وجهي بجلبابي" ومن الأدلة على ...
المقدم: لكن يرد عليه ما يرد على الأول، ونرد عليه بنفس الرد يا شيخ.
نفس الرد، نعم.
ومن الأدلة على ذلك الأمر برؤية المخطوبة، يعني لو كان كشف الوجه جائز وسائغ، ومألوف عندهم يأمر النبي ﵊ برؤية المخطوبة؟
المقدم: أبداً.
فأمر النبي ﵊ جابراً بذلك.
روى أبو داود بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)) قال: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها".
لو كان كشف الوجه جائزاً لما عُلق ذلك بالاستطاعة، كل إنسان يستطيع، لو كان جائز، لو كان كشف الوجه جائزاً لما علق ذلك بالاستطاعة، ولما احتاج جابر ﵁ إلى أن يتخبأ لها، وينظر إليها من غير علمها.
وأما حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: "شهدت العيد" يعني من أقوى أدلتهم حديث الخثعمية، وأجبنا عنه، حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- وهو في الصحيحين، قال: "شهدت العيد مع رسول الله ﷺ فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وأمر بالصدقة، وفيه: فقامت امرأة من سطة النساء، سفعاء الخدين، الحديث متفق عليه.
هذا الحديث محمول على أنها كانت من القواعد، أقول: يعتريه ما يعتريه من الاحتمالات.
المقدم: لكن حدد أي عيد هو؟
كيف؟
المقدم: في الرواية.
بيأتي شيء منه.
يقول: هو محمول على أنها كانت من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحاً، فيباح لها كشف وجهها بالنص، أو أن ذلك قبل نزول الحجاب، فآية الحجاب في سورة الأحزاب سنة خمس أو ست من الهجرة.
المقدم: وصلى قبلها.
وصلاة العيد شرعت قبل ذلك في السنة الثانية من الهجرة، أو أنها كانت جارية أي أمة، والأمة لا يلزمها الحجاب، كما قال السندي وغيره.
نلاحظ أن الأدلة التي يستدلون بها كلها محتملة، وعنها أجوبة، نعم.
المقدم: صحيح.
стр. 340
يقول بعضهم: أو أنه انكشف وجهها من غير قصد، ومع هذه الاحتمالات لا تترك الأدلة الصحيحة الصريحة من أجل ذلك، من أجل هذه الأدلة المحتملة.
في حديث ترويه عائشة، حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ ، وعليها ثياب رقاق -يستدلون به- فأعرض عنها، وقال: ((يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا)) وأشار إلى وجهه وكفيه، رواه أبو داود، وقال أبو داود: هذا مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة.
وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود: "وفي إسناده سعيد بن بشير، تكلم فيه غير واحد".
أقول: ومتنه منكر، أسماء بنت أبي بكر ذات النطقين.
المقدم: التقية.
المعروفة الصالحة تدخل على النبي ﵊ ...
المقدم: بثياب رقاق.
بثياب رقاق لا يمكن أن يتصور مثل هذا.
وهو مخالف لما رواه مالك عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر، وهذا الحديث صححه الألباني وغيره، وإسناده صحيح بلا شك عند مالك.
تقول فاطمة بنت المنذر: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر؛ لأنه لو كان هذا من مذهبها، وما نسب إليها ثابت، والمحرمة ممنوعة من تخمير الوجه ما ساغ لهم ذلك.
المقدم: شيخنا لعلنا نستكمل ما تبقى -بإذن الله- في حلقة قادمة.
بهذا نصل وإياكم أيها الإخوة إلى ختام هذه الحلقة في شرح كتاب الحج من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.
بقي بعض المسائل فيما يتعلق بهذا الحديث -بإذن الله- نستكملها في حلقة قادمة، وأنتم على خير.
شكراً لطيب متابعتكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 341
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: التجريد الصريح - كتاب الحج (٦)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أهلاً بكم إلى حلقة جديدة في شرح كتاب الحج من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، والذي نسعد فيه باستضافة صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً ومرحباً بكم شيخنا الكريم.
حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمتعين.
المقدم: بقي بعض المسائل في حديث ابن عباس ﵄ في إرداف النبي ﷺ للفضل بن العباس، لعلنا نستكملها في هذه الحلقة يا شيخ.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تقدم الكلام في مسألة الحجاب وأريد أن .. ، أحب أن أضيف ما قاله ابن العربي في عارضة الأحوذي يقول: "في حديث ابن عمر: "ولا تنتقب المرأة" يقول: وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض.
المقدم: المرأة وإلا المحرمة يا شيخ؟
نعم تنتقب المرأة المحرمة معروف؛ لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئاً من خمارها على وجهها غير لاصق به؛ لأن سترها وجهها بالبرقع فرض، يعني تغطية الوجه، والبرقع هو النقاب، والنهي عن الانتقاب في حال الإحرام صحيح ثابت في الصحيح وغيره، وإن حاول بعضهم أن يعل هذه اللفظة.
المقدم: لا تنتقب المحرمة.
نعم، هروباً من إيش؟ من إقرار النقاب في غير الإحرام، يريد أن يسد الباب على ...
المقدم: من المعاصرين.
من المعاصرين، وفيه إشارات من المتقدمين كأبي داود وغيره، لكن يبقى أن الحديث في الصحيح، والبخاري مقدم على غيره.
стр. 342
أقول: من أراد أن يغمز هذه الكلمة، وهي في الصحيح، ولعله من حسن نية وقصد؛ لئلا يفهم منه أن غير المحرمة تنتقب، ويريد بذلك أن يمنع النقاب الموجود الآن، النقاب العرفي الذي تعارف الناس عليه الآن ويسمونه نقاب أو برقع؟ أقول: النقاب الموجود الآن ليس بنقاب، وإنما هو سفور؛ لأن النقاب الأصل فيه مأخوذ من النقب، وهو الفتحة الصغيرة التي تبدي سواد العين فقط، أما إذا تعدى ذلك فأظهر شيئاً من البشرة ولو كان يسيراً صار سفور، وليس بنقاب.
فأولاً: نحدد معنى النقاب الذي دل الحديث على جوازه، دل مفهوم الحديث على جوازه في غير الإحرام، نقول: في غير الإحرام دل مفهومه على جوازه، لكن نحدد المقصود بالنقاب، يعني النقاب العرفي هل يمكن أن يوصف بأنه شرعي؟ لا، لأنه سفور في الحقيقة.
فإذا جاز للمرأة أن تستر وجهها وهي محرمة عن نظر الرجال مع إجماعهم، بعضهم نقل الإجماع على وجوب كشف المرأة وجهها للإحرام، والواجب لا يترك إلا لواجب، إذا علم هذا فليحذر أولئك الذين يطالبون بنزع الحجاب.
أولاً: مسألة الوجه والكفين والخلاف في كونهما عورة أو ليس بعورة المسألة خلافية، لكن الحكم النصوص هي الحكم ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [(٥٩) سورة النساء].
المقدم: لكن هم اتفقوا -أحسن الله إليك- حتى الذين قالوا: بكشف الوجه والكفين اتفق الجميع على أنه في حال الفتنة يجب الحجاب.
بلا شك لأن الفتنة، كل ذريعة تصل إلى الفتنة يجب سدها، وكل شيء يوصل إلى محرم فالوسائل لها أحكام الغايات.
стр. 343
أقول: من أداه اجتهاده إلى أحد القولين، والمسألة مسألة اجتهاد ليست مسألة تطاول على النصوص؛ لأنه فرق بين من يبحث عن المسألة من خلال أدلتها ليريد أن يتوصل إلى الحق، وينصر ما يراه الحق، وبين من يبحث في النصوص ليجد فيها ما يؤيد هواه، فأقول: إذا علم هذا فليحذر أولئك الذين يطالبون بنزع الحجاب لهوى في أنفسهم، وليسوا أهلاً للنظر والاجتهاد، فهؤلاء ممن يتتبع خطوات الشيطان الذي كان من وظائفه الأولى من وظائف الشيطان الأولى كما قال الله -جل وعلا- عنه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا﴾ [(٢٧) سورة الأعراف] هذه من وظائف الشيطان الأولى؛ لأنه تعهد أن يغوي الناس أجمعين.
وهي أيضاً من وظائف أتباعه من المنافقين، والذين في قلوبهم مرض، كما قال -جل وعلا- بعد ذكر آية الحجاب مباشرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [(٥٩) سورة الأحزاب] قال بعد ذلك مباشرة: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [(٦٠ - ٦١) سورة الأحزاب] فالارتباط وثيق بين الآيتين.
يقول البرهان البقاعي في تفسيره المبني على التناسب (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) البرهان للبقاعي، يقول: "ولما كان المؤذون بما مضى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [(٥٨) سورة الأحزاب] ولما كان المؤذون بما مضى وغيره أهل النفاق ومن داناهم ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [(٥٩) سورة الأحزاب] من الذي يؤذيهن؟ أهل النفاق، ومن أذاهم لهن مطالبتهن بنزع الحجاب.
стр. 344
يقول: ولما كان المؤذون بما مضى وغيره أهل النفاق ومن داناهم، حذرهم بقوله مؤكداً دفعاً لظنهم دوام الحلم عنهم: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ [(٦٠) سورة الأحزاب] أي عن الأذى ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾ [(٦٠) سورة الأحزاب] الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [(٦٠) سورة الأحزاب] أي مقرب من النفاق حامل على المعاصي ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [(٦٠) سورة الأحزاب] وهم الذين يشيعون الأخبار المخيفة لأهل الإسلام التي تضطرب لها القلوب سواء كانوا من القسمين الأولين أم لا ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [(٦٠) سورة الأحزاب] أي: بأن نحملك على أن تولع بهم بأن نأمرك بإهانتهم، ونزيل الموانع من ذلك، ونثبت الأسباب الموصلة إليه ... إلى آخره.
المقصود أن الارتباط وثيق بين الآيتين، وهناك كتابات يشم منها.
المقدم: صحيح.
يشم منها شيء من هذا أنه مجرد إشباع رغبة، وإلا لو بحثت المسألة من قبل أهل العلم، ولا تبحث المقدمات وتلقى على عوام الناس بشبه تزحزحهم عن ثوابتهم، هذه مسألة علمية يبحثها أهل العلم، أهل النظر والاجتهاد، على أن الاحتياط لأعراض المسلمين ونسائهم أمر مطلوب، حتى لو ترجح عند إنسان أن الكشف جائز بالأدلة، وما أشبه ذلك عليه أن يتقي الله -جل وعلا- لا سيما في البلدان التي التزمت هذا الحجاب.
الحديث حديث الباب يستفاد منه كما قال النووي: "إزالة المنكر باليد لمن أنكره" لأن النبي ﵊ صرف وجه الفضل بيده، والإنكار باليد هو المرتبة الأولى من مراتب التغيير، ففي الحديث الصحيح: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) خرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد.
ومن فوائده: جواز النيابة في الحج عن العاجز "أفأحج عنه؟ قال: ((نعم)) جواز النيابة في الحج عن العاجز الميؤوس منه بهرم أو زمانة أو موت، الهرم ميؤوس منه أنه يُشفى، وكذلك الزمانة المقعد مثلاً ميئوس منه، وكذلك الميت.
واستدل الكوفيون بعمومه على جواز حج من لم يحج نيابة عن غيره.
المقدم: يعني لا يشترط أن يحج النائب عن نفسه.
стр. 345
عن نفسه قبل ذلك؛ لأنه ما في استفصال هنا "أفأحج عنه؟ قال: "نعم إن كنت حججت عن نفسك".
المقدم: بل جزماً أنها لم تحج وإلا لا؟
الحجة هذه.
المقدم: إلا كان هذه صحيح، هي الآن حاجة.
الحجة هذه عن نفسها، وتريد أن تسأل عن المستقبل، هي محرمة لنفسها الآن، فهل نحتاج أن نقول بمثل هذا؟
استدل الكوفيون بعمومه على جواز صحة حج من لم يحج نيابة عن غيره، وخالفهم الجمهور، فخصوه بمن حج عن نفسه، واستدلوا بما في السنن وصحيح ابن خزيمة وغيره من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ رأى رجلاً يلبي عن شبرمة، فقال: ((أحججت عن نفسك؟ )) فقال: لا، قال: ((هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة)).
قال الحافظ في بلوغ المرام، الحافظ ابن حجر في البلوغ: "رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والراجح عند أحمد وقفه.
لكن الحديث صحح البيهقي إسناده، ورجح أحمد في رواية ...
المقدم: وقفه يا شيخ وقفه على الصحابي.
إيه يعني أنه موقوف على ابن عباس.
المقدم: إيه، لكن مثل هذه الحوادث لما تذكر كيف يصحح وقفه هي ليست قولاً هي فعلاً في الغالب؟
يعني هل السؤال المسئول النبي ﵊؟
المقدم: هو ليس سؤال، الآن هي حادثة وأوقفه قال: من شبرمة؟ حججت عنه، يعني يشكل علي أحياناً أن الفعل يقول: يصح وقفه، ليس مثل القول، القول يمكن يصح وقفه، لكن الفعل يا شيخ؟
هذا لما سمعه ابن عباس يلبي لبيك عن شبرمة قال: من شبرمة؟ قال: قريب لي، أو أخ لي، قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة في إشكال؟
المقدم: إيه في إشكال بالنسبة للراوي عن ابن عباس.
ويش فيه؟
المقدم: كيف ينسبه إلى النبي ﷺ وهو رأى أصلاً، يعني القول ممكن ينسب، لكن الفعل.
هذا ما فيه أدنى إشكال، تعارض الوقف والرفع يرد هنا.
المقدم: في القول؟
حتى في القول.
المقدم: في القول ممكن، لكن في الفعل يا شيخ! يعني الذي روى عن ابن عباس ﵄ كيف ينسبه إلى النبي ﷺ وهو رأى ابن عباس.
ما يلزم الذي بعده، ما يلزم أن يكون التابعي هو الذي رفعه، مشياً على الجادة، لا، تعارض الوقف والرفع يرد هنا.
стр. 346
الإمام أحمد في رواية ابنه صالح صحح أنه مرفوع.
العيني وهو حنفي، يعني مذهب الحنفية جواز النيابة ممن لم يحج عن نفسه، لا سيما إذا كان غير مستطيع للحج، فحج نيابة عن غيره بالأجرة، ماذا يقول؟ يقول: نعم الراجح الوقف خلاف ما تذكر أنت، الراجح الوقف لماذا؟ يعني كيف النبي ﷺ في حجة الوداع ما حج أحد قبله، يقول: حججت عن نفسك؟ متى حج عن نفسه؟
المقدم: نعم هذا هو الإشكال.
عكس ما تقول، يعني عكس ما ذكرت أنت.
المقدم: لا هنا العيني يرجح الوقف لا ...
إيه يرجح الوقف، يقول: هذه حجة الوداع، ولم يحج النبي ﵊ قبلها بعد فرض الحج.
المقدم: كيف يسأل هذا السؤال؟
فكيف يسأل هذا السؤال حججت عن نفسك؟ متى؟ يعني يحتمل أنه حج مع أبي بكر، وعلي في السنة التاسعة احتمال؟
المقدم: يرد.
النبي ﵊ بعث أبا بكر وبعث علياً ...
المقدم: لتطهير، للحج الأول، وتطهير البيت من الأوثان ومن العراة.
البيت من العراة، من الأوثان لا، في الفتح.
المقدم: في الفتح ألا يطوف في البيت بعد العام عريان.
لا يحج.
المقدم: ألا يطوف بالبيت بعد هذا العام مشرك ولا عريان.
لا يحج بعد العام مشرك وألا يطوف بالبيت عريان.
المقدم: هذا نداء كان في السنة التاسعة.
في السنة التاسعة.
المقدم: وحج أبو بكر وعلي ﵄.
في السنة التاسعة.
المقدم: حجاً كاملاً يعني وفقاً.
هو بعثهم النبي ﵊ وحجوا، وهذه قد تكون الصورة ظاهرة عندهم من قوله ﵊، وقد تكون ...
المقدم: أو يكونوا حجوا على ...
على طريقة إبراهيم ﵇، كما حج النبي ﵊ قبل الهجرة.
المقدم: ومعهم وفود حجت؟
стр. 347
ما أعرف أن معهم أحد، المقصود أن هذا وجهة نظر العيني، لكن لا يمتنع أن يقال: هل حججت عن نفسك؟ مع العلم بأنه لم يحج عن نفسه، من باب تأكيد الأمر في النفس وتثبيته، كما في قوله ﵊: ((هل صليت ركعتين؟ )) وهو يراه قد جلس، هو يراه دخل وجلس، وهذه طريقة نبوية في تقرير المسائل العلمية والعملية، أحياناً قد يخفى عليك الأمر لو قلت لشخص: قم فصل ركعتين احتمال يكون صلى وأنت ما رأيته، فمن باب الأدب أن تقول: هل صليت ركعتين؟ وهذا مأخوذ من الأدب النبوي، وأنت تعرف هذا الشخص ما سبق أن حج، تقول: هل حججت عن نفسك؟ لتبين له الحكم مقروناً بعلته، تبين له الحكم مقرون بعلته، فتبين له أنه لا بد أن تحج عن نفسك أولاً، ثم تحج عن غيرك.
من فوائد الحديث: جواز حج المرأة عن الرجل؛ لأنها قالت: أفأحج عنه؟ ومنع ذلك بعض العلماء، لماذا؟ زعم أن المرأة تلبس في الإحرام ما لا يلبسه الرجل، فلا يحج عنه إلا رجل مثله، وهذا القول نسبه النووي إلى الحسن بن صالح.
وقال النووي: وفيه وجوب الحج على من هو عاجز بنفسه مستطيع بغيره كولده، هذا في الحديث، الأب أو الجد على ما تقدم في الروايات الشيخ الكبير هذا الذي لا يثبت على الراحلة عاجز بنفسه، لكنه مستطيع بولده، وقد بعضهم يستطيع بماله، فلا يسقط عنه الحج.
وقال ابن حجر: واستدل به على أن الاستطاعة تكون بالغير كما تكون بالنفس، وعكس بعض المالكية فقال: من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب، وأجابوا عن حديث الباب بأن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع، وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب، لكن تقدم لنا في حديث أبي رزين: ((حج عن أبيك واعتمر)) أمر.
المقدم: لكن ألا يكون إجابة ((حج عن أبيك واعتمر)) إجابة عن سؤال فهم منه التبرع؟
فهم منه التبرع ولا يلزم، هل يلزم الولد أن يحج عن أبيه؟
المقدم: لا ما يلزم.
ما يلزم حتى على القول بجوازه.
يبقى أنه يمكن أن يستدل بـ ((دين الله أحق أن يقضى)).
وأجابوا عن حديث الباب بأن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع، وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب، وبأنها عبادة بدنية، فلا تصح النيابة فيها كالصلاة، وقد نقل الطبري وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة.
стр. 348
قالوا: ولأن العبادات فرضت على جهة الابتلاء، وهو لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن، فبه يظهر الانقياد أو النفور، قالوا: بخلاف الزكاة فإن الابتلاء فيها بنقص المال، وهو حاصل بالنفس وبالغير، يعني الحج لا بد من أن تؤديه بنفسك؛ لأنه عبادة بدنية على كلامهم، والصلاة لا بد أن تؤدى بالنفس؛ لأنها عبادة بدنية، الزكاة إذا أخرجتها، وتركت شخصاً يدفعها إلى الفقير نقص المال حاصل، لكن يبقى أنه يقبل النيابة من هذه الحيثية.
وأجيب بأن قياس الحج على الصلاة لا يصح؛ لأن عبادة الحج مالية بدنية معاً، فلا يترجح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة.
يعني لو قيل: إنه ينتابها قياس الشبه، لو خلت من الأدلة، عندنا عبادة بدنية كالصلاة لا تجوز فيها النيابة، عبادة مالية كالزكاة تجوز فيها النيابة، الحج عبادة مالية بدنية ينتابها الأمران، فهل تلحق بالصلاة باعتبارها بدنية، أو تلحق بالزكاة باعتبارها مالية؟ وهذا يسمونه قياس الشبه، يتردد فرع بين أصلين، فيلحق بأكثرهما شبهاً، هذا لو خلت المسألة من النصوص، والمسألة فيها نص.
ولهذا قال المازري: من غلّب حكم البدن في الحج ألحقه بالصلاة، ومن غلب حكم المال ألحقه بالصدقة.
وقد أجاز المالكية الحج عن الغير إذا أوصى به، ولم يجيزوا ذلك في الصلاة، فتبين أن هناك فرق حتى عند المالكية.
المقدم: لكن هل المسألة الآن مسألة الإنابة هي نفسها مسألة وصول الثواب في العبادات أو تختلف؟ من قال بالإنابة يقول بوصول الثواب في العبادات؟
يعني إهداء الثواب؟
المقدم: إهداء الثواب.
شخص يريد أن يحج عن أبيه مثلاً.
المقدم: يصله الثواب.
يريد أن يحج عن أبيه تطوع مثلاً، هذا في الفريضة ما في إشكال، هذا شخص يريد أن يحج عن أبيه تطوع، هذه مسألة إهداء الثواب، يصل أو لا يصل؟ مسألة يأتي تقريرها -إن شاء الله تعالى-.
المقدم: لكن الذين قالوا بالخلاف هنا وهنا هي نفس المسألة وإلا يختلف؟
لا، لا، يختلف.
المقدم: تصور المسألة يختلف.
حتى من صحح النيابة في الفرض اختلفوا في النفل.
المقدم: نعم جيد.
стр. 349
ادعى بعضهم أن هذه القصة مختصة بالخثعمية، كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير، حكاه ابن عبد البر، وتعقب هذا بأن الأصل عدم الخصوصية، وما ورد مما يدل على الخصوصية ضعيف، فيه خبر مرسل.
وادعى آخرون أن ذلك خاص بالابن يحج عن أبيه، قال ابن حجر: ولا يخفى أنه جمود.
نعم الأسئلة التي وجهت من هذا النوع كلها تقول: إن أبي، إن أمي، فالنيابة خاصة بالابن، ولا شك أن هذا جمود، إذا صح من الابن صح من الأخ ونحوه.
المقدم: لكن الأبناء دائماً أقرب للسؤال عن ....
بلا شك، نعم.
واختلفوا فيما أذا عوفي المعضوب الذي لا يستطيع الحج، إذا عوفي، شخص أناب ابنه أو ناب ابنه عنه، ثم عوفي بعد ذلك.
المقدم: هل تسقط عنه فريضة الحج أو لا؟
نعم.
فقال الجمهور: لا يجزئه، الحج الذي حج عنه؛ لأنه تبين أنه لم يكن ميئوساً منه، وقال أحمد وإسحاق: لا تلزمه الإعادة؛ لئلا يفضي إلى إيجاب حجتين.
نظير ذلك؟
المقدم: يعني يتصور فيمن حكم عليه يا شيخ بالسجن المؤبد مثلاً في بعض الدول.
أو مريض، مريض قرر الأطباء أنه ميئوس منه، ثم عوفي.
المقدم: وهذا أيضاً خرج هل إذا حج عنه ثم عوفي أو خرج من سجنه يلزمه الحج؟
الأمل في المسجون أكبر منه في المريض، لكن المسألة نظيرها مثلاً خصال الكفارة الواجب الأول في الكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم، هذا شخص ما استطاع الرقبة ولا استطاع الصيام أطعم ثم وجد رقبة.
المقدم: تسقط وإلا ما تسقط؟
يجزئ الصيام أو لا يجزئ؟ إن قلنا: إنه لا يجزئ فعليه أن يعتق، قلنا: أوجبنا عليه كفارتين، وإذا قلنا: لا يجزئ .. ، إذا قلنا يجزئ .. ، إذا قلنا: لا يجزئ أوجبنا عليه كفارتين، وإذا قلنا: لا يجزئ عرفنا أنه ليس بميئوس من الخصلة الأولى من خصال الكفارة.
الحديث فيه تواضع النبي ﵊ كما سبق، وفيه منزلة الفضل بن العباس منه، وفيه بيان ما ركب في الآدمي من الشهوة، وجبلت طباعه عليه من النظر إلى الصور الحسنة.
قال ابن حجر: وفيه أن إحرام المرأة في وجهها، فيجوز لها كشفه في الإحرام، قال: ويحتمل أن ذلك قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب.
стр. 350
وفي الحديث بر الوالدين، والاعتناء بأمرهما، والقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة وغير ذلك من أمور الدين والدنيا.
قال ابن العربي: حديث الخثعمية أصل متفق على صحته في الحج خارج عن القاعدة المستقرة في الشريعة من أنه ليس للإنسان إلا ما سعى، رفقاً من الله في استدراك ما فرط فيه المرء بولده وماله.
وتعقب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي، الولد من سعيه ومن كسبه، وبأن عموم السعي في الآية مخصوص اتفاقاً، وبقي مواضع، وبقيت أطراف الحديث.
المقدم: ولعلنا -إن شاء الله- نعد الإخوة والأخوات بأن تكون أو يكون الحديث عن أطراف هذا الحديث في الحلقة القادمة -بإذن الله تعالى-.
أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الحج من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، كان معنا صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم بن عبد الله الخضير شكر الله له.
شكراً لكم على طيب متابعتكم، نستكمل -بإذن الله تعالى- أطراف حديث ابن عباس ﵄ في حلقة قادمة، وأنتم على خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 351
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: التجريد الصريح - كتاب الحج (٧)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
طابت أوقاتكم جميعأً بكل خير، وأهلاً ومرحباً بكم إلى حلقة جديدة في شرح كتاب الحج من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.
مع مطلع حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، ونشكر له تفضله بقبول دعوتنا، فأهلاً ومرحباًَ بكم فضيلة الدكتور.
حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.
بقي معنا -أحسن الله إليكم- في حديث ابن عباس ﵄ في باب وجوب الحج وفضله، بقية أطراف الحديث، وعدنا الإخوة أن نستكملها في هذه الحلقة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا الحديث خرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في خمسة مواضع من صحيحه:
الموضع الأول: في كتاب الحج، في باب وجوب الحج وفضله، وقول الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران].
قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان الفضل رديف رسول الله ﷺ ، فجاءت امرأة من خثعم ... الحديث بتمامه على ما تقدم، وتقدم ذكر مناسبته، والربط بين الحديث والترجمة.
الموضع الثاني: في كتاب جزاء الصيد، في باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، في كتاب جزاء الصيد، وهو جزء من كتاب الحج.
المقدم: يعني ما أفرد كتاباً خاصاً بجزاء الصيد؟
كيف؟
المقدم: كتاب خاص بجزاء الصيد وإلا هو جزء من كتاب الحج؟
стр. 352
هو سماه كتاب، وعرفنا مراراً أن محمد فؤاد عبد الباقي عمد إلى تقسيم البخاري إلى سبعة وتسعين كتاباً لتتوافق مع المعجم المفهرس؛ ليخدم بذلك طلاب العلم، وإلا ما علاقة الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة بكتاب جزاء الصيد؟
المقدم: صحيح.
نعم.
المقدم: هو الأصل أن يكون كتاب الحج.
وجزاء الصيد في كتاب الحج أيضاً، يعني باب من أبواب الحج، كما تقدم لنا أنه أدخل كثير من أبواب الصلاة في كتاب الأذان؛ ليتوافق ترقيمه مع المعجم المفهرس؛ لكي يخدم طلاب العلم.
يقول: كتاب جزاء الصيد في باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة:
قال: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن ابن عباس عن الفضل بن عباس.
في السياق الأول عن عبد الله بن عباس قال: كان الفضل.
المقدم: الراوي ابن عباس.
يعني الحديث من مسند ابن عباس، عبد الله بن عباس، وهنا الحديث من مسند الفضل، والرواية الأخرى في هذا الباب قال؛ لأنه في حاء التحويل هنا، ح وحدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، هنا من الأول قال: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن ابن عباس عن الفضل بن عباس ﵄ أن امرأة ح حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة حدثنا ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة من خثعم ... الحديث.
أولاً: هذه الحاء يسمونها حاء التحويل، لكن هل هنا من فائدة من ذكرها هنا؟ لماذا؟ لأنه بعد نهاية الإسناد، ما تختصر لنا شيء، فهذا يرجح أن ...
المقدم: أن الحاء هنا ليست للتحويل.
إنما هي الحديث على ما يقول المغاربة، الحديث.
في الإسناد الأول الطريق الأول عن ابن عباس عن الفضل بن عباس، فهو من مسند الفضل، ورواية الباب التي شرحناها هي من مسند عبد الله بن عباس.
الرواية الأخرى في الباب الثاني الحج عمن لا يستطيع أيضاً هي من مسند عبد الله بن عباس، ابن عباس تقدم لنا أنه ممن قدمه النبي ﵊ مع الضعفة، فيحتمل أن يكون لم يشهد هذه القصة، وإنما سمعها من أخيه.
стр. 353
وعلى افتراض كونه لم يشهد هذه القصة وتعبيره بقوله: كان الفضل، تكون إيش؟ يعني ابن عباس يحكي قصة لم يشهدها.
المقدم: مرسل صحابي.
مرسل صحابي، وهو مقبول بالاتفاق، ما خالف في هذا إلا أبي إسحاق الإسفرائيني، ونقل الاتفاق على أنه مقبول.
أما الذي أرسله الصحابي ... فحكمه الوصل على الصوابِ
قال: جاءت امرأة من خثعم ... الحديث، والمناسبة الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة.
المقدم: للباب ظاهر.
نعم ظاهرة.
المقدم: لكن للكتاب؟
ما قلنا: إن جزاء الصيد جزء من كتاب الحج، والمراد الحج عمن لا يستطيع دخوله في الكتاب الأعم.
الموضع الثالث في كتاب جزاء الصيد أيضاً، باب حج المرأة عن الرجل.
قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان الفضل رديف النبي ﷺ فجاءت امرأة من خثعم ... الحديث.
والمناسبة ظاهرة حج المرأة عن الرجل، هذه المرأة الخثعمية تسأل عن الحج عن أبيها، وفيه رد على من زعم كالحسن بن صالح أن حج المرأة لا يصح عن الرجل؛ لأنها تلبس ما لا يلبسه الرجل، فالحديث رد عليه.
الموضع الرابع في كتاب المغازي في باب حجة الوداع.
قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثني شعيب عن الزهري، وقال محمد بن يوسف: حدثنا الأوزاعي قال: أخبرني ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن ابن عباس، الحاء هذه تنفع، تكون حاء تحويل هنا؛ لأنها اختصرت.
وقال محمد بن يوسف، مر بنا مراراً أن البخاري إذا قال: وقال، جزم بذلك هل هو من قبيل المتصل أو من قبيل المعلق؟
المقدم: المتصل إذا جزم.
ومحمد بن يوسف من شيوخه، وروى عنه بصيغة التحديث، وجزم به، جزم بالنسبة إليه، وقال، فهل هو بمثابة قوله: حدثنا محمد بن يوسف أو أنه معلق؟ ولو أراد الاتصال لقال كما هي العادة: حدثنا محمد بن يوسف، مرت بنا مراراً هذه المسألة، وعرفنا أن رأي ابن الصلاح والحافظ العراقي، وجمع من أهل العلم أنها تحمل على الاتصال، وأن حكمها حكم العنعنة، تحمل على الاتصال بالشرطين المعروفين: أن يبرأ الراوي من وصمة التدليس، وأن يكون الراوي قد لقي من روى عنه، أو عاصره على مذهب مسلم.
المقدم: وكلاهما متحقق.
стр. 354
وهنا البخاري روى عن محمد بن يوسف ولقيه، وهو أبعد أو من أبعد خلق الله عن التدليس، ابن القيم ﵀ يقول: "هو أبعد خلق الله عن التدليس" لكن لو قال: من كان أحوط.
. . . . . . . . . أما الذي ... لشيخه عزا بـ (قال) فكذي
عنعنة كخبر المعازفِ ... لا تصغ لابن حزم المخالفِ
الحافظ ابن حجر كأنه يميل إلى أنها من نوع المعلق المجزوم به، وهكذا يدل صنيع المزي في تحفة الأشراف على أنه من باب التعليق المجزوم به، ولذلك يعلم على مثل هذا بعلامة التعليق: خت، خاء تاء، وعلى كل حال سواءً كان موصولاً أو معلقاً فهو مجزوم به، وثبت وصله من طرق كثيرة سمعناها.
وقال محمد بن يوسف: حدثنا الأوزاعي، قال: أخبرني ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من خثعم استفت رسول الله ﷺ في حجة الوداع، والباب باب حجة الوادع، والكتاب المغازي، إيش دخل حجة الوداع؟
مناسبة الحديث للباب ظاهرة، استفت رسول الله ﷺ في حجة الوداع، والباب باب حجة الوداع، المناسبة ظاهرة، لكن ما مناسبة حجة الوداع لكتاب المغازي؟
المقدم: خروج النبي ﷺ في جمع.
نعم.
المقدم: يعني هم يعتبرون خروج النبي ﷺ مثل المغازي.
يدخلون أحواله وشمائله، وبعض أخباره في مغازيه ﵊، ولو ذهبنا إلى أبعد من هذا قليلاً فقلنا: إن الحج جهاد، عليهن جهاد لا قتال فيه الحج، فهو باب من أبواب الجهاد، حجة الوداع جهاد من هذه الحيثية.
الموضع الخامس: في كتاب الاستئذان في باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [(٢٧) سورة النور] الآيات.
стр. 355
وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن -الحسن البصري- وسعيد أخوه: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن قال: اصرف بصرك عنهن، يقول الله : ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [(٣٠) سورة النور] قال قتادة: عما لا يحل لهم ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] خائنة الأعين من النظر إلى ما نهي عنه.
كتاب الاستئذان، ثم ذكر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا﴾ [(٢٧) سورة النور] الآيات.
وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن -الحسن البصري- وسعيد أخوه: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن قال: اصرف بصرك عنهن.
المقدم: يعني فيه ملمح.
يعني بصرك عنهن فيه صرف بصر الإيش؟ الفضل.
المقدم: والاستئذان غالباً يمنع الإنسان من أن يقع بصره.
بصره نعم.
المقدم: أن يقع بصره على ما لا يحل له.
يقول الله : ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [(٣٠) سورة النور] قال قتادة: عما لا يحل لهم.
﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [(٣١) سورة النور] خائنة الأعين من النظر إلى ما نهي عنه.
إحنا ذكرنا مراراً أن البخاري إذا مرت أدنى مناسبة لكلمة في رواية أخرى، أو في آية من القرآن، فإنه يفسر فيها غريب الحديث، وغريب القرآن.
وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء: لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه، وإن كانت صغيرة.
يعني ليس العبرة بالسن، وإنما العبرة بلفت أنظار الرجال، وتحريك شهوتهم، كثير من الناس يحضر بنته التي تناهز الاحتلام كاشفة في المجالس، أو في الأسواق والطرقات، وإذا سئل قال: لا ما كلفت، يعني هل الذي يريد أن ينظر إليها يطلب من هذا الرجل دفتر العائلة لينظر متى كان ميلادها؟! لا، أبداً، هي مجرد ما تفتن الرجال تحجب، ولذا يقول: وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء: لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه، وإن كانت صغيرة.
следующие страницы →