← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.

стр. 10011

مَرَّةً: إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي كَفَانَا) من الكفاية الشَّاملة للشبعِ والرِّيِّ وغيرهما، وحينئذٍ فيكون قولهُ: (وَأَرْوَانَا) من عطف الخاصِّ على العامِّ. قال في «الفتح»: ووقعَ في رواية ابنِ السَّكن، عن الفَِرَبْريِّ: «وآوانا» بمدِّ الهمزة بعدها من الإيواء (غَيْرَ مَكْفِي وَلَا مَكْفُورٍ) أي: ولا مجحودٍ فضله ونعمته، وهذا كلُّه ممَّا يتأيَّد به القول بأنَّ (١) الضَّمير في الرِّواية الأولى راجعٌ إلى الله تعالى، واختلاف طرق الحديث يبيِّن بعضه بعضًا (وَقَالَ مَرَّةً: لَكَ الحَمْدُ) ولغير أبي ذرٍّ: «وقال مرَّة: الحمد لله» (رَبَّنَا، غَيْرَ مَكْفِي، وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى) عنه (رَبَّنَا). وعند أبي داود من حديثِ أبي سعيد: «الحمد لله الَّذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين». وفي حديث أبي أيُّوب عند التِّرمذيِّ وأبي داود: «الحمد لله الَّذي أطعم وسقى وسوَّغه وجعل له مخرجًا». (٥٥) (بابُ الأَكْلِ مَعَ الخَادِمِ) للتَّواضع ونفي الكبر سواء كان الخادم حرًّا أو رقيقًا ذكرًا أو أنثى إذا جاز له النَّظر إليه. ٥٤٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بنِ سَخْبرة الحَوْضيُّ النَّمريُّ الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدٍ -هو: ابْنُ زِيَادٍ-) القرشيِّ الجُمَحِيِّ مَولاهم، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ) بنصب أحدكُم ورفع خادمه مفعولًا وفاعلًا (٢) (بِطَعَامِهِ) جار ومجرور في موضع نصبٍ. زاد أحمدُ والتِّرمذيُّ: «فليجلسه معه» (فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ) بضم الهمزة فيهما، أي: لقمةً أو لُقمتين، وأما بالفتح فمعناه: المرَّة الواحدة مع الاستيفاء، وليس مرادًا هنا، وأو للتَّقسيم (أَوْ) قال: (لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي. وعند التِّرمذيِّ بلفظ: «لقمة» فقط. ولمسلم تقييدُ ذلك بما إذا كان الطَّعام قليلًا، ومقتضاهُ: أنَّه إذا كان كثيرًا فإمَّا أن يُقْعده معه، وإمَّا أن يجعلَ

стр. 10012

حظَّه منه كثيرًا (فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ) عند الطَّبخ (وَعِلَاجَهُ) عند تحصيلِ الآنية (١) وتركيبه وإصلاحه. وفي رواية لأحمد: «فإنَّه ولي حرَّه ودخانه» والأمر هنا للنَّدب، وينبغِي أن يلحق بهذا الَّذي طبخ مَن حَمَلَه أو عايَنَه ولو هرًّا أو كلبًا لتعلُّق نفسه به، فربَّما وقع الضَّرر للآكل منه، فينبغِي إطعامه من ذلك لتسكن نفسُه ويتَّقي شرَّ عينه. وقد قيل: إنَّه ينفصلُ من البصر سمومٌ تركبُ الطَّعام لا دواء لها إلَّا بشيءٍ يطعمه من ذلك الطَّعام للنَّاظر إليه. (٥٦) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين: (الطَّاعِمُ) وهو كما في «القاموس» وغيره: الحسن الحال في المطعم (الشَّاكِرُ) لربِّه تعالى على ما أنعم به عليه من الثَّواب (مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ) على الجوع، والطَّاعم مبتدأ، ومثل الصَّائم خبره. فإن قلت: قد تقرَّر في علم البيان أنَّ التَّشبيه يستدعي الجهة الجامعة والشُّكر نتيجة النَّعماء كما أنَّ الصَّبر نتيجةَ البلاء، فكيف شبَّه الشَّاكر بالصَّابر؟ أجيب (٣) بأنَّ هذا تشبيه في أصلِ ما لكلِّ واحدٍ منهما من الأجرِ لا في المقدارِ، وهذا كما يقال: زيدٌ كعمرو إذ (٤) معناه: زيدٌ يشبه عمرًا في بعض الخصالِ ولا يلزم منه المماثلةُ في جميعها، فلا تلزم المماثلةُ في الأجر أيضًا. وقال شارح (٥) «المشكاة»: قد ورد: الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصفٌ شكر، وربَّما يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ ثوابَ شُكر الطَّاعم يقصر عن ثواب صَبر الصَّائم (٦) فأزيلَ توهُّمه به يعني: هما سيان في الثَّواب. قال: وفيه وجهٌ آخر وهو أنَّ الشَّاكر لمَّا رأى النِّعمة من الله وحبسَ نفسه على محبَّة المنعم بالقلبِ وأظهرها باللِّسان نالَ درجة الصَّابر قال:

стр. 10013

وَقَيَّدْتُ نَفْسِي فِي ذَرَاكَ مَحَبَّةً … وَمَنْ وَجَدَ الإِحْسَانَ قَيْدًا تَقَيَّدًا فيكون التَّشبيه واقعًا في حبس النَّفس بالمحبَّة، والجهة الجامعة حبس النَّفس مطلقًا فأينما وُجد الشُّكر وُجد الصَّبر ولا ينعكس. انتهى. فالصَّابر يحبسُ نفسه على طاعة المنعم، والشَّاكر يحبسُ نفسه على محبَّته، وإذا تقرَّر أنَّ الأصل أنَّ المشبَّه به أعلى درجةً من المشبَّه اقتضى السِّياقُ المذكور هنا تفضيلَ الفقير الصَّابر على الغنيِّ الشَّاكر، وللنَّاس في هذه المسألة كلامٌ طويلٌ تأتي نبذةٌ منه إن شاء الله تعالى بعونه وقوَّته وكرمه في «الرِّقاق». وما أحسن قول أحمد بنِ نصر الدَّاوديِّ: الفقرُ والغنى محنتان من اللهِ يختبرُ بهما عبادَه في الشُّكر والصَّبر كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] فالفقيرُ والغنيُّ متقابلان بما يعرضُ لكلٍّ منهما في فقرهِ وغِناه من العوارض فيُمدح أو يُذمُّ، وقد جمع الله تعالى لسيدنا محمَّد ﷺ الحالات الثَّلاث: الفقرَ والغنى والكفافَ، فكان الأوَّل أوَّل حالاتهِ، فقامَ بواجبِ ذلك من (١) مجاهدة النَّفس، ثمَّ فُتحت عليه الفتوح فصار بذلك في حدِّ الأغنياء، فقام بواجبِ ذلك من بذلهِ لمستحقِّه والمواساة به والإيثارِ مع اقتصاره منه على ما يسدُّ ضرورةَ عيالهِ، وهي صورةُ الكفاف الَّتي مات عليها، وهي حالةٌ سليمةٌ من الغنى المُطغي، والفقرِ المؤلم. وفي مسلم من حديثِ ابن عمر رفعه: «قد أفلحَ من هُدي إلى الإسلامِ ورُزق الكفافَ وقنعَ» والكفافُ: الكفاية بلا زيادة، فمن حصل له ما يكفيه واقتنعَ به أَمِنَ من (٢) آفات الغنى والفقر، وقد رجَّح قومٌ الغنى على الفقرِ لما يتضمَّنه من القُربِ المالية. وهذا الَّذي ذكر إنَّما هو في فضلِ الوصفين الغنى والفقر (٣) لا في أحدٍ ممَّن اتَّصف بأحدهما، والاختلافُ إنَّما هو في الأخيرِ. نعم، النَّظر في أيِّ الحالين أفضلُ عند الله للعبدِ حتَّى يتكسَّبه ويتخلَّق به، وهل التَّقلُّل (٤) من المالِ أفضل؛ ليتفرَّغ قلبه من الشَّواغل وينالَ لذَّة المناجاةِ، ولا ينهمِك في الاكتسابِ ليستريح

стр. 10014

من طولِ الحساب، أو التَّشاغل باكتسابِ المال أفضل ليستكثرَ به من التَّقرُّب بالبرِّ والصِّلة والصَّدقة لما فيه من النَّفع المتعدِّي، وإذا كان الأمرُ كذلك فالأفضلُ ما اختاره ﷺ وجمهورُ أصحابه من التَّقلُّل من الدُّنيا، ولكلٍّ من القولين أدلَّةٌ تأتي إن شاء الله تعالى بفضلِ الله وإحسانه. والتَّحقيق أن لا يُجاب في هذه المسألة بجوابٍ كلِّيٍّ، بل يختلفُ باختلافِ الأحوال والأشخاصِ، لكن عند الاستواءِ من كلِّ جهةٍ وفرضِ رفع العوارض بأسرها، فالفقرُ أسلم عاقبةً في الدَّار الأخرى. وقد أشار المؤلِّف لما ترجم له بقولهِ: (فِيهِ) أي: في الباب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا وصله ابن ماجه في «الصَّوم» عن يعقوبَ بنِ حميدِ بنِ كاسبِ، عن محمد بنِ معن بنِ محمد الغفاريِّ، عن أبيه. وعن يعقوبَ بنِ حميدِ، عن عبد الله بنِ عبد الله، عن معن بنِ محمد (١)، عن (٢) حنظلةَ بن عليٍّ الأسلميِّ، عن أبي هريرة، به. والتِّرمذيُّ في «الزهد» عن إسحاقِ بن موسى الأنصاريِّ، عن محمد بنِ معن، عن أبيه (٣)، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي هريرة -بلفظ التَّرجمة- به (٤)، وقال: حسنٌ غريب. وأخرجهُ البخاريُّ في «التاريخ» والحاكم في «المستدرك» من رواية سُليمان بن بلال، عن محمد بنِ عبد الله بنِ أبي حُرَّة، عن عمِّه حكيمِ بن أبي حُرَّة، عن سلمان الأغر (٥)، عن أبي هريرة بلفظ: «إنَّ للطَّاعم الشَّاكر من الأجرِ مثل ما للصَّائم الصَّابر». وأخرجه ابنُ حبَّان وقال: معناه: أنْ يَطْعم ثمَّ لا يعصِي بارئهُ بقوَّته، ويتمَّ شُكرَه بإتيانِ طاعتهِ بجوارحهِ؛ لأنَّ الصَّائم قُرِنَ به الصَّبرُ وهو صبرُهُ عن المحظوراتِ، وقُرِنَ بالطَّاعم الشُّكر، فيجبُ أن يكون هذا الشُّكر الَّذي يقوم بإزاء ذلك الصَّبر (٦) يقاربه (٧) ويشاركه وهو ترك المحظورات. وقوله: «فيه عن أبي هريرة … » إلى آخره، ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ فقط، كما في الفرع وأصله.

стр. 10015

(٥٧) (بابُ الرَّجُلِ يُدْعَى إِلَى طَعَامٍ) فيتبعُه آخر (فَيَقُولُ) المدعوُّ: (وَهَذَا) رجلٌ (مَعِي) تبعني (وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة من طريق عُمير الأنصاريِّ: (إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مُسْلِمٍ لَا يُتَّهَمُ) في دينهِ ولا ماله، ولفظ ابن أبي شيبة: «على رجلٍ لا تتَّهمه» (فَكُلْ مِنْ طَعَامِهِ، وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ) وزادَ أحمدُ والحاكمُ والطَّبرانيُّ: «ولا تسأله عنه». ومطابقةُ هذا الأثرِ لحديثِ الباب الآتي إن شاء الله تعالى من جهةِ كون اللَّحَّام لم يكن متَّهمًا، وأكل النَّبيُّ ﷺ من طعامه ولم يسأله. ٥٤٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) حميد بنُ الأسود البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) أبو وائل بنُ سلمة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ) عقبةُ بنُ عَمرو (١) (الأنصاريُّ) ﵁ (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُكْنَى) بسكون الكاف: (أَبَا شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ) لم أقفْ على اسمه (فَأَتَى) أبو شعيب (النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ فِي أَصْحَابِهِ فَعَرَفَ الجُوعَ) وللكُشميهنيِّ: «يعرف الجوع» (فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَهَبَ إِلَى غُلَامِهِ اللَّحَّامِ فَقَالَ) له: (اصْنَعْ لِي طَعَامًا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «طُعَيِّمًا» بضم الطاء وفتح العين وتشديد التحتية مصغَّرًا (يَكْفِي خَمْسَةً لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ فَصَنَعَ لَي طُعَيِّمًا) بالتَّصغير (ثُمَّ أَتَاهُ) ﵊، أبو شعيب (فَدَعَاهُ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ) لم أقف على اسمه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا شُعَيْبٍ، إِنَّ رَجُلًا تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ

стр. 10016

أَذِنْتَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ) بتاء الخطاب فيهما (قَالَ) أبو شعيب: (لَا) أتركه (بَلْ أَذِنْتُ لَهُ) يا رسول الله، وأكل ﷺ من ذلك الطَّعام ولم يسأله لأنَّه لم يكن عنده ﷺ متَّهمًا. وهذا الحديثُ سبق في «باب الرَّجل يتكلَّف الطَّعام لإخوانه» من «كتاب الأطعمة» [خ¦٥٤٣٤]. (٥٨) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا حَضَرَ العَشَاءُ) بفتح العين، مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله. وقال الحافظُ ابن حَجر: إنَّها الرِّواية عنده، وهو ضدُّ الغداء، أي: إذا حضرَ الأكل وصلاة المغرب (فَلَا يَعْجَلْ) أحدُكم (عَنْ) أكلِ (عَشَائِهِ) بالفتح أيضًا، فإذا فرغ فليصلِّ ليكون قلبه فارغًا لمناجاةِ ربه تعالى. ٥٤٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّد بن مسلم (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأَيْليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ) بفتح العين وسكون الميم (أَنَّ أَبَاهُ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحْتَزُّ) يقطعُ (مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ) ويأكل (فَدُعِيَ) بضم الدال وكسر العين (إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا) أي: قطعة اللَّحم (وَالسِّكِّينَ الَّتِي كَانَ يَحْتَزُّ بِهَا) من الكتفِ (ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ).

стр. 10017

٥٤٦٣ - ٥٤٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بفتح العين المهملة واللام المشددة، العميُّ أبو الهيثم الحافظ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابن خالد البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف والباء (١) الموحدة، عبد الله بن زيد الجَرْميِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ) بفتح العين والمد، الطَّعام المأكول عشية (وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤوا بِالعَشَاءِ) ثم صلُّوا، واللام في الصَّلاة للعهد الذِّهنيِّ المدلول عليه بالسِّياق فالمراد: صلاة المغرب. وفي حِسَانِ «المصابيح» من حديث جابر مرفوعًا: «لا تؤخِّروا الصَّلاة (٢) لطعامٍ ولا لغيره» ولا معارضة بينهما إذ هو محمولٌ على من لم يشتغلْ قلبه بالطَّعام جمعًا بين الأحاديث. (وَعَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ بالسَّند السَّابق (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وَعَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ، بالسَّند السَّابق أيضًا (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ تَعَشَّى) أكل الطَّعام الَّذي يؤكل عشيَّةً (مَرَّةً وَهْوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ). ٥٤٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ (٣)، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي: المغرب (وَحَضَرَ العَشَاءُ) بالفتح والمد (فَابْدَؤوا بِالعَشَاءِ) بالفتح والمدِّ أيضًا، لما في البداءةِ بالصَّلاة (٤) من اشتغالِ القلبِ، وذهابِ كمال الخشوعِ أو كلِّه. (قَالَ وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابن خالد، ممَّا وصله الإسماعيليُّ (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ)

стр. 10018

القطَّان ممَّا وصلَه أحمد (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ عروة: (إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ) بضم الواو، بدل: «إذا حضرَ العشاء (١)». (٥٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣]) أي: فتفرَّقوا عن موضعِ الطَّعام تخفيفًا عن صاحبِ المنزل. ٥٤٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المُسْنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) إبراهيم بنُ سعد بنِ إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو (٢) ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (أَنَّ أَنَسًا قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالحِجَابِ) بسبب نزولِ آية الحجاب ((٣) كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ، أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ) والعروسُ وصفٌ يستوي فيه الرَّجل والمرأة، والعرس: مدَّة بناء الرَّجل بالمرأةِ (وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ القَوْمُ) وأكلوا من الطَّعام (حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ) ﵊ (أَنَّهُمْ) أي: الرِّجال الَّذين تخلَّفوا في منزلهِ

стр. 10019

المقدَّس (خَرَجُوا) منه (فَرَجَعْتُ (١)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فرجع فرجعت» (٢) (مَعَهُ) إلى منزله (فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ (٣)، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ قد قَامُوا، فَضَرَبَ) ﵊ (٤) (بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِتْرًا، وَأُنْزِلَ الحِجَابُ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، والحجاب: رفع نائب الفاعل. وللكُشميهنيِّ: «ونزل عليه الحجاب» أي: آيةُ الحجاب، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الاية [الأحزاب: ٥٣]. وهذه آدابٌ تتعلَّق بالأكلِ لا بأسَ بإيرادها: فاعلم أنَّه يستحبُّ غسلُ اليد قبل الطَّعام، ففي الحديث (٥): أنه ينفي الفقرَ، وبعد الطَّعام ينفي اللَّمم، وهو الجنونُ. ولا ينشِّفُها قبل الأكلِ، فإنَّه (٦) ربَّما يكون بالمنديلِ وسخٌ فيعلقَ باليد. ويقدِّمُ الصِّبيان في الغسل الأوَّل لأنَّهم أقرب إلى الأوساخِ، وربَّما نفدَ الماء لو قدَّمنا الشُّيوخ، وفي الثَّاني يقدِّم الشُّيوخ كرامةً لهم، ويقدِّم المالك في الأوَّل ويتأخَّر في الثَّاني، وينبغِي للآكل أن يضمَّ شفتيهِ عند الأكل ليأمن ممَّا يتطايرُ من البُصاق حالَ المضغ. ولا يتنخَّم ولا يبصُقُ بحضرةِ آكلٍ غيره، فإن عرضَ له سعال حوَّل وجههُ عن الطَّعام، ولا ينفضُ يديه من الطَّعام لئلَّا يقعَ منه شيءٌ على ثوب جليسهِ أو في الطَّعام. وفي «تاريخ أصبهان» لأبي نُعيم عن ابن مسعود مرفوعًا: «تخلَّلوا فإنَّه نظافة، والنَّظافة تدعو إلى الإيمان، والإيمانُ مع صاحبهِ في الجنَّة» ولا يتخلَّل بعودِ الرَّيحان والرُّمان لأنَّهما (٧) يُثيران عرقَ الجُذَام، ولا بعودِ القصبِ لأنَّه يُفسد لحمَ الأسنان. وهذا آخر «كتاب الأطعمة»، ولله الحمد (٨).

стр. 10020

((٧١)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ العَقِيقَةِ) بفتح العين المهملة، وهي لغة: الشَّعر الَّذي على رأس الولد حين ولادتهِ، وشرعًا: ما يُذبح عند حلقِ شعرهِ لأنَّ مذبحه يُعَقُّ، أي: يُشَقُّ ويُقْطَعُ، ولأنَّ الشَّعر يُحْلَقُ إذا ذاك. وقال ابنُ أبي الدَّم: قال أصحابُنَا: يستحبُّ تسميتُها نَسِيكة أو ذَبِيحة، وتُكره تسميتُها عقيقةً، كما تُكره تسميةُ العشاء عتمةً، والمعنى فيها إظهارُ البشر والنِّعمة ونشر النَّسب. وهي سنَّة مؤكدة، وإنَّما لم تجب كالأضحية بجامع أنَّ كلًّا منهما إراقة دمٍ بغير جناية. وقال اللَّيث بن سعدٍ: إنَّها واجبة، وكذا قال داود وأبو الزِّناد. وقال أبو حنيفة -فيما نقله العينيُّ-: ليست بسنَّة. وقال محمَّد بن الحسن: هي تطوُّع كان النَّاس يفعلونها، ثمَّ نسختْ بالأضحى. وقال بعضُهم: هي بدعة. وفي «الموطأ» عن زيد بن أسلم، عن رجلٍ من بني ضَمْرة، عن أبيه: سئل النَّبيُّ ﷺ عن العقيقةِ فقال: «لا أحبُّ العقوق» كأنَّه كرهَ الاسم وقال: «مَن ولدَ له ولدٌ فأحبَّ أن ينسُكَ عنه فليفعلْ»، وهذا لا حجَّة فيه لنفي مشروعيَّتها بل آخر الحديث يثبتُها، وإنَّما غايته أنَّ الأولى أن تسمَّى نسيكة أو ذبيحةً، وأن (١) لا تسمَّى عقيقةً كما مرَّ عن ابنِ أبي الدَّم.

стр. 10021

وقد تقرَّر في علم الفصاحةِ الاحترازُ عن لفظِ يشتركُ فيه مَعنيان: أحدُهما مكروهٌ فيجاءُ به مطلقًا، والأصل فيها أحاديث كحديث: «الغلامُ مُرْتَهن بعقيقتهِ تُذْبحُ عنه يوم السَّابع ويُحلق رأسُه» رواه التِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيح. وعند البزَّار عن ابن عبَّاس مرفوعًا: «للغلامِ عقيقتان، وللجاريةِ عقيقة» وقال: لا نعلمُه بهذا اللَّفظ إلَّا بهذا الإسناد. انتهى. والعقيقةُ كالضَّحيَّة في جميعِ أحكامهَا من جنسها، وسنِّها، وسلامتها، والأفضل منها، ونيَّتها، والأكل والتَّصدُّق، وسن طبخها كسائر الولائم، إلَّا رجلها فتُعْطى نيِّئة للقابلةِ لحديث الحاكم، وبحلوٍ تفاؤلًا بحلاوةِ أخلاق الولد، وأن لا يكسرَ عظمها تفاؤلًا بسلامةِ أعضاء الولد، فإن كسرَ فخلاف الأولى، وأن تُذْبَحَ سابع ولادته. (١) (بابُ تَسْمِيَةِ المَوْلُودِ غَدَاةَ يُولَدُ) أي: وقت يولد (لِمَنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ) بفتح التَّحتية وضم العين. ومفهومه أن من لم يُرِد أن يعقَّ عنه لا تؤخَّر تسميتُه إلى السَّابع، ومن أراد أن يعقَّ عنه تؤخَّر تسميتُه إلى السَّابع. وقال النَّوويُّ في «الأذكار»: تسنُّ تسميتُه يوم السَّابع أو يوم الولادةِ، ولكلٍّ من القولين أحاديث صحيحة، فحمل البخاريُّ (١) أحاديثَ يوم الولادة على من لم يُرِد العقَّ، وأحاديثَ يوم السَّابع على من أرادهُ، كما ترى. قال ابن حجرٍ: وهو جمعٌ لطيفٌ لم أره لغيره، وثبت لفظة: «عنه» لأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (وَتَحْنِيكِهِ) يومَ ولادتهِ بتمرٍ فحلو بأن يمضغَ التَّمر ويدلك به حنكه داخلَ فمه حتَّى ينزلَ إلى جوفهِ منه شيءٌ، وقيس بالتَّمر الحلو، وفي معنى التَّمر الرُّطب. والحكمةُ فيه: التَّفاؤل بالإيمان لأنَّ التَّمر من الشَّجرة الَّتي شبَّهها ﷺ بالإيمانِ، لاسيَّما إذا كان المحنِّك من العلماء والصَّالحين لأنَّه يصل إلى جوفِ المولود من ريقهِ.

стр. 10022

٥٤٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عَساكرَ (١) بالجمع (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) هو إسحاقُ بن إبراهيم بنِ نصر قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكرَ بالجمع (بُرَيْدٌ) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها دال مهملة، ابنُ عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، عامر (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بنِ قيس الأشعريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: وُلِدَ) بضم الواو (لِي غُلَامٌ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ) فهو من الصَّحابة لما ثبت له من الرُّؤية، لكن لم يسمع من النَّبيِّ ﷺ شيئًا، فهو لذلك (٢) من كبار التَّابعين، ولذا ذكرهُ ابن حبَّان فيهما (فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ، وَدَفَعَهُ إِلَيَّ). وفي قوله: فأتيتُ به فسمَّاه فحنَّكه، إشعارٌ بأنَّه أسرعَ بإحضارهِ إليه ﷺ وأنَّ تحنيكَهُ كان بعد تسميتهِ، ففيه أنَّه لا ينتظر بتسميتهِ يوم السَّابع (وَكَانَ) إبراهيم هذا (أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِي مُوسَى). وهذا الحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٩٨]، ومسلمٌ في «الاستئذان». ٥٤٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالمهملات، ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِيٍّ) روى الدَّارقطنيُّ (٣) أنَّها أتت بعبد الله بن الزُّبير (يُحَنِّكُهُ فَبَالَ) الصَّبيُّ (عَلَيْهِ) ﷺ (فَأَتْبَعَهُ المَاءَ (٤)) أي: أتبعَ البول الماء يصبُّه على موضعه حتَّى غمرَه من غيرِ سيلان لأنَّ النَّجاسة مخفَّفة. وهذا الحديثُ سبق في «بول الصِّبيان» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٢٢].

стр. 10023

٥٤٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) البخاريُّ، واسم أبيه: إبراهيم، ونسبه لجدِّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄ (١) أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ) من مكَّة (وَأَنَا مُتِمٌّ) بضم الميم الأولى وكسر الفوقية وتشديد الميم الثانية اسم فاعل، أي: شارفتُ تمام حملِي (فَأَتَيْتُ المَدِينَةَ فَنَزَلْتُ قُبَاءً) بالمدِّ والصَّرف، ويقصر ويمنع (فَوَلَدْتُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) في المدينةِ (فَوَضَعْتُهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فوضعتُ» بغير ضمير النَّصب (فِي حَجْرِهِ) ﵊ (ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ، فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ) أي: بزقَ ﵊ (فِي فِيهِ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ حَنَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَّكَ) بالفاء وفتح الموحدة وتشديد الراء، أي: دعا له بالبركةِ، ولابنِ عساكرَ: «وبرَّك» (٢) (عَلَيْهِ وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلَامِ) بالمدينة بعد الهجرةِ من أولادِ المهاجرين (فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا لأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ اليَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلَا يُولَدُ لَكُمْ) وفي «طبقات ابن سعد»: أنَّه (٣) لمَّا قدمَ المهاجرون المدينةَ أقامُوا لا يُولد لهم، فقالوا: سحرتنَا يهودُ حتَّى كثرتْ في ذلك المقالة، فكان أوَّل مولودٍ بعد الهجرةِ عبد الله بن الزُّبير، فكبَّر المسلمون تكبيرةً واحدة حتَّى ارتجَّت المدينة تكبيرًا. وهذا الحديثُ قد سبق في «الهجرة» [خ¦٣٩٠٩].

стр. 10024

٥٤٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) من الزِّيادة، السُّلميُّ الواسطيُّ، أحدُ الأعلام قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ) أخي محمَّد بن سيرين (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ، زوج أمِّ أنس (١) (يَشْتَكِي) أي: مريض (٢)، وكان اسمه: عميرًا صاحب النُّغير (فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ) لحاجتهِ (فَقُبِضَ الصَّبِيُّ) بضم القاف، أي: توفِّي (فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ، قَالَ) لأمِّه: (مَا فَعَلَ ابْنِي؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) أمُّ الصَّبيِّ: (هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ) أفعل تفضيل من السُّكون، قصدت به سكون الموت، وظنَّ أبو طلحة أنَّها تريد سكون العافية (فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ العَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا (٣)) أي: جامعها (فَلَمَّا فَرَغَ) من ذلك (قَالَتْ) له: (وَارِ الصَّبِيَّ) أمرٌ من المواراة، أي: ادفنْه، ولأَبَوَي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «واروا الصَّبي» بصيغة الجمع (فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ) بما كان من خبرهِ مع (٤) زوجته (فَقَالَ) ﵊ له: (أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟) بسكون العين، استفهامٌ محذوفُ الأداةِ، وهو من قولهم: أعرسَ الرَّجل إذا دخلَ بامرأتهِ، والمراد هنا: الوطء فسمَّاه إعراسًا لأنَّه من توابعِ الإعراس.

стр. 10025

وقال في «المصابيح»: في بعض النُّسخ: «فأخبره فقال: أعرسْتُم اللَّيلة» يعني: أنَّ أبا طلحةَ أخبرَهُ النَّبيُّ ﷺ بخبره، فيكون أعرسْتُم خبرًا لا استفهامًا. قال: وفي بعضها سقوط: «فأخبره» فحملَه بعضُ الشَّارحين على أنَّه استفهامٌ محذوفُ الأداةِ. وفي رواية الأَصيليِّ: «أَعَرَّسْتُم» بفتح العين وتشديد الراء. قال في «المطالع» -كـ «المشارق» و «النهاية» -: وهو غلطٌ إنَّما ذلك في النُّزول. لكن قال ابنُ التَّيميِّ في «كتاب التَّحرير في شرح مسلم»: إنَّها لغةٌ يقال: أَعْرَسَ الرَّجل (١) وعَرَّسَ، والأفصحُ أعرس. (قَالَ) أبو طلحة ﵁: (نَعَمْ) أعرسنا اللَّيلة يا رسول الله (قَالَ) ﷺ : (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا) في ليلتهما (فَوَلَدَتْ غُلَامًا) قال أنسٌ: (قَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْفَظْهُ) وللكُشميهنيِّ: «احفظيه». قال الحافظُ أبو الفضل ابن حجرٍ: والأُولى أَولى (حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَرْسَلَتْ) أمُّ سليم (مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ) بفتح الميم (فَأَخَذَهُ) أي: الصَّبيَّ (النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَمَعَهُ شَيْءٌ؟) بهمزة الاستفهام (قَالُوا: نَعَمْ، تَمَرَاتٌ) بفتح الميم أيضًا (فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ) أي: فمه (وَحَنَّكَهُ بِهِ (٢)، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ). وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الاستئذان». وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (٣) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) عبد الله (عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَسَاقَ الحَدِيثَ) الَّذي رواهُ ابن المثنَّى الآتي -إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته- في «باب الخميصة السَّوداء» من «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٨٢٤] بلفظ: إنَّ أمَّ سليم قالت لي: يا أنسُ هذا الغلامُ فلا يصيبنَّ شيئًا حتَّى تغدوَ به إلى رسولِ الله ﷺ يحنِّكه، فغدوتُ به فإذا هو في حائطٍ وعليه خميصةٌ حُرَيْثِيَّة، وهو يَسِمُ الظَّهْرَ الَّذي قدم عليه في الفتحِ.

стр. 10026

وسياق المؤلِّف له هنا يُوهم أنَّ المرادَ الحديثُ الأوَّل وليس كذلك لأنَّ لفظهما مختلفٌ، كما ترى فهما حديثان عند ابنِ عون: أحدُهما عنده: عن أنس بنِ سيرين، وهو المذكور هنا، والثَّاني عنده: عن محمَّد بنِ سيرين عن أنسٍ، وسقط لابنِ عساكرَ قوله: «حَدَّثنا محمَّد بن المثنى … » إلى آخره. (٢) (بابُ إِمَاطَةِ الأَذَى) أي: إزالته (عَنِ الصَّبِيِّ فِي العَقِيقَةِ). ٥٤٧١ - ٥٤٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنُ درهم الإمام، أبو إسماعيلٍ الأزديُّ الأزرقُ، أحدُ الأئمَّة الأعلام (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين (عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ) الضَّبِّيِّ -بالضاد المعجمة والموحدة المشددة- الصَّحابيِّ ﵁ ليس له في البخاريِّ غير هذا الحديث، أنَّه (قَالَ: مَعَ الغُلَامِ عَقِيقَةٌ) أي: عقيقةٌ مصاحبة له بعد ولادتهِ فَيُعَقُّ عنه. (وَقَالَ حَجَّاجٌ) هو ابنُ منهال، فيما وصله الطَّحاويُّ وابن عبد البرِّ والبيهقيُّ من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضِي، عن حجَّاج بن منهال (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ سلمة قال: (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (وَقَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيُّ الحافظُ المفسِّر (وَهِشَامٌ) هو ابنُ حسَّان

стр. 10027

الأزديُّ (وَحَبِيبٌ) هو ابنُ الشَّهيد أربعتهم (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّد (عَنْ سَلْمَانَ) بن عامرٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا وقفه (١) حمَّاد بن زيد ورفعه الآخران (٢) كما ترى، وحمَّاد بن سلمة وإن كان ليس على شرطِ المؤلِّف لكنَّه يصلح للاستشهادِ وقد وثَّقه غيرُ واحدٍ. (وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ) منهم سفيان بنُ عيينة كما نبَّه عليه في «الفتح»: (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابنُ سليمان الأحول (وَهِشَامٍ) هو ابنُ حسَّان (عَنْ حَفْصَةَ (٣) بِنْتِ سِيرِينَ) أخت محمَّد بن سيرين (عَنِ الرَّبَابِ) بفتح الراء وبموحدتين مخفَّفتين بينهما ألف، بنت صُلَيع (٤) -بالصاد والعين المهملتين- ابن عامرٍ الضَّبيِّ (عَنْ) عمِّها (سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ) وسقط «ابن عامر الضَّبي» لغير أبي ذرٍّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا وصلَهُ النَّسائيُّ وأحمد من رواية ابن عُيينة عن عاصمٍ، وأبو داود والتِّرمذيُّ من رواية عبد الرَّزَّاق عن هشام، وابن ماجه من رواية عبدِ الله بن نُمير، عن هشام. وجماعة عن هشامٍ عن حفصةَ بإسقاط: الرَّباب، كذا أخرجه الدَّارميُّ والحارث بن أبي (٥) أسامة وغيرهما. (وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التُّستَريُّ (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّد (عَنْ سَلْمَانَ) بن عامرٍ الضَّبيِّ (قَوْلَهُ) موقوفًا غير مرفوعٍ، ووصله الطَّحاويُّ في «المشكل» فقال: حدَّثنا محمَّد بنُ خزيمة: حدَّثنا حجاج بن منهالٍ: حدَّثنا يزيد (٦) بن إبراهيم.

стр. 10028

(وَقَالَ أَصْبَغُ) بن الفرجِ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (عَنْ أَيُّوبَ) بن أبي (١) تميمةَ (السَّخْتِيانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) أنَّه قال: (حَدَّثَنَا سَلْمَانُ بْنُ عَامِرٍ الضَّبِّيُّ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَعَ الغُلَامِ عَقِيقَةٌ) مصاحبةٌ له (فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ) بهمزة قطعٍ، فصبُّوا عنه (دَمًا) شاتين بصفة الأُضْحية عن الغلامِ، وشاة عن الجاريةِ. رواه التِّرمذيُّ وأبو داود والنَّسائيُّ؛ لأنَّ الغرضَ استبقاءُ النَّفس فأشبهتِ الدِّية لأنَّ كلًّا منهما فداء للنَّفس، وتعيَّن بذكر الشَّاة الغنم للعقيقةِ، وبه جزمَ أبو الشَّيخ الأصبهانيُّ. وقال البَنْدَنِيجيُّ من الشَّافعية: لا نصَّ للشَّافعيِّ في ذلك، وعندِي لا يجزئ غيرها، والجمهورُ على إجزاءِ الإبل والبقر أيضًا لحديث عند الطَّبرانيِّ عن أنسٍ مرفوعًا: «يعقُّ عنه من الإبلِ والبقرِ والغنمِ» (وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى) أزيلوهُ عنه بحلقِ رأسهِ، كما جزمَ به الأصمعيُّ. وأخرجه أبو داود بسندٍ صحيحٍ عن الحسن، لكن وقعَ عند الطَّبرانيِّ من حديثِ ابن عبَّاس: «ويماطُ عنه الأذَى ويحلقُ رأسَه» فعطفه عليه، فالأولى حملُ الأذى على ما هو أعمُّ من حلق الرَّأس. ويؤيِّد ذلك أنَّ في بعضِ الطُّرق ممَّا رواهُ أبو الشَّيخ من حديث عَمرو بن شُعيب: «وتُماط عنه أقذارهُ كالدَّم والختانِ». وقال الطِّيبيُّ: قوله: «فأهريقوا» حكمٌ مرتَّب عليه الوصفُ المناسب المشعرُ بالعلِّيَّة، أي: مقرونٌ (٢) مع الغلامِ ما هو سببٌ لإهراقِ الدَّم، فالعقيقةُ هي ما يصحبُ المولود من الشَّعر، والمرادُ بإهراق الدَّمِّ: العقيقةُ من الشَّاة، فيكون ذبح الشَّاة وإزالة الشَّعر مرتَّبين على ما يصحبُ المولود، والتَّعريف في الأذى للعهدِ، والمعهود الشَّعر. وإليه أشارَ محيي السُّنَّة بقوله: العقيقة: اسمٌ للشَّعر الَّذي يحلقُ من رأس الصَّبيِّ عند ولادتهِ، فسمِّيت الشَّاة عقيقةً على المجاز؛ إذ كانت تُذبح عند حلاقِ الشَّعر. وتعليقُ أصبغ هذا وصلَه الطَّحاويُّ عن يونس بنِ عبد الأعلى، عن ابن وهبٍ، به. وهذه الطُّرق يقوِّي بعضها بعضًا. والحديثُ مرفوعٌ لا تضرُّه رواية الوقف، والله الموفِّق.

стр. 10029

وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبد الله بنُ محمد بنِ أبي الأسود، واسم أبي الأسود (١): حميد قال: (حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ) بضم القاف وفتح الراء، بعدها تحتية ساكنة فشين معجمة، البصريُّ، ليس له في البخاريُّ غير هذا (عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ) بفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة، والشَّهيد: بالشين المعجمة وكسر الهاء، أنَّه (قَالَ: أَمَرَنِي ابْنُ سِيرِينَ) محمَّد (أَنْ أَسْأَلَ الحَسَنَ) البصريَّ (مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَ العَقِيقَةِ) أي: المرويَّ في السُّنن عنه مرفوعًا بلفظ: «الغلامُ مرتهنٌ بعقيقتهِ تذبحُ عنه يوم السَّابع، ويُحْلق رأسه ويسمَّى» ومعنى مرتهنٌ، قيل: لا ينمو نموَّ مثله حتَّى يُعَقَّ عنه. وقال الخطابيُّ: وأجودُ ما قيل فيه ما ذهبَ إليه أحمدُ ابن حنبل: أنَّه إذا لم يُعق عنه (٢) لم يشفعْ في والديهِ يوم القيامة. وتعقِّب بأنَّ لفظ الحديث لا يساعدُ المعنى الَّذي أتى به، بل بينهما من المباينةِ ما لا يخفى على عمومِ النَّاس فضلًا عن خصوصهم، والمعنى إنَّما يؤخذُ عن اللَّفظ، وعند اشتراك اللَّفظ عن القرينةِ الَّتي يستدلُّ بها عليه، والحديثُ إذا استُبهم معناه فأقرب السَّبب إلى إيضاحهِ استيفاءُ طرقه، فإنَّها قلَّما تخلو عن زيادةٍ أو نقصانٍ أو إشارةٍ بالألفاظ المختلفِ فيها، فيستكشفُ بها ما أُبهم منه. وفي بعضِ طرقِ هذا الحديث: «كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعقيقته» أي: مرهونٌ، والمعنى: أنَّه كالشَّيء المرهون لا يتمُّ الانتفاع والاستمتاعُ به دون فكِّه، والنِّعمة إنَّما تتمُّ على المنعَمِ عليه بقيامهِ بالشُّكر، ووظيفة الشُّكر في هذه النِّعمة ما سنَّه نبيه ﷺ ، وهو أن يعقَّ عن (٣) المولود شكرًا لله تعالى وطلبًا لسلامة المولود، ويحتمل أنَّه أراد بذلك أنَّ سلامة المولود ونشأتُه على

стр. 10030

النَّعت المحبوب رهينةٌ بالعقيقة (١)، هذا هو المعنى، اللَّهمَّ إلَّا أن يكون التَّفسير الَّذي سبقَ ذكرهُ متلقَّى من قبلِ الصَّحابيِّ، ويكون الصَّحابيُّ قد اطَّلع على ذلك من مفهومِ الخطاب أو قضيَّة الحال، ويكون التَّقدير شفاعة الغلام لأبويهِ مرتهنةٌ بعقيقتهِ. وتعقَّبه الطِّيبيُّ فقال: لا ريبَ أنَّ الإمام أحمد ما ذهب إلى هذا القول إلَّا بعد ما تلقَّى عن قول الصَّحابة والتَّابعين، وهو إمامٌ جليلٌ يجب أن يتلقَّى كلامه بالقبولِ ويحسن الظَّنَّ به، فقوله: لا يتمُّ الانتفاع والاستمتاعُ به دون فكِّه، يقتضِي عمومه في الأمور الأخرويَّة والدُّنيوية، ونظر الألباء مقصورٌ على الأوَّل، وأولى الانتفاع بالأولادِ في الآخرة الشَّفاعة في الوالدين. انتهى. وقيل: المعنى أنَّ العقيقةَ لازمةٌ لا بدَّ منها، فشبَّه المولود في لزومِها له وعدم انفكاكه منها بالرَّهن في يدِ المرتهن، وهذا يقوِّي القولَ بالوجوب. وقوله: تذبح عنه (٢) يوم السَّابع، تمسَّك به من قال: إنَّها مؤقتةٌ بالسَّابع، فإن ذبحَ قبله لم تقع الموقعَ، وأنَّها تفوتُ بعده، وبه قال مالك، وقال أيضًا: إن مات قبل السَّابع سقطَتْ. ونقل التِّرمذيُّ أنَّها يوم السَّابع، فإن لم يتهيَّأ فالرَّابع عشر، فإن لم يتهيَّأ فأحد وعشرون، وورد فيه حديثٌ ضعيف. وذكر الرَّافعيُّ أنَّه يدخل وقتها بالولادة، ثمَّ قال: والاختيار أنَّها لا تؤخَّر عن البلوغ، فإن (٣) أخِّرت إلى البلوغ سقطَتْ عمَّن كان يريد أن يعقَّ عنه، لكن إن أراد هو أن يعقَّ عن نفسه فعل (٤)، واختارهُ القفَّال، ونقل (٥) عن نصِّ الشَّافعيِّ في البويطيِّ: أنَّه لا يعقُّ عن كبير. قال ابن سيرين (٦): (فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ) أي: الحسن: سمعتُه (مِنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ) الصَّحابيِّ الكوفيِّ الفزاريِّ.

стр. 10031

قال (١): وقُرَيشٌ صدوقٌ مشهورٌ، وثَّقه ابن معين والنَّسائيُّ، لكنه (٢) تغيَّر قبل موته. قال النَّسائيُّ: بستِّ سنين، وكذا قال البخاريُّ في «الضعفاء». زاد ابن حبَّان فقال: حتَّى كان لا يدري ما يحدِّث به، فظهرَ في روايته أشياء مَناكير لا تشبهُ حديثه القديم، فلمَّا ظهر ذلك من غير أن يتميَّز مستقيمُ حديثهِ من غيره لم يجزِ الاحتجاج به فيما انفردَ به، وأمَّا ما وافقَ فيه الثِّقات فهو المعتبرُ، وليس له في البخاريِّ سوى هذا. وأخرجه التِّرمذيُّ، عن البخاريِّ، عن ابن المدينيِّ، وقد توقَّف البرديجيُّ (٣) في صحَّة هذا الحديث، كما نقله في «الفتح» لما ذكر من اختلاطِ قريش، وزعم أنَّه تفرَّد به، وأنَّه وهمٌ. قال ابن حَجر: وقد وجدنا له متابعًا أخرجه أبو الشَّيخ والبزَّار عن أبي هريرة، وأيضًا فسماع ابن المدينيِّ (٤) وأقرانهِ من قريش كان قبل اختلاطهِ، والله أعلم. (٣) (بابُ الفَرَعِ) بفتح الفاء (٥) والراء وبالعين المهملة. قال في «القاموس»: هو أوَّل ولدٍ تنتجه النَّاقة أو الغنم، كانوا يذبحونه لآلهتهم، أو كانوا إذا تمَّت إبل واحدٍ مئة قدَّم بِكْرَهُ (٦) فنحرَه لصنمهِ، وكان المسلمون يفعلونه في صدرِ الإسلام ثمَّ نسخ. انتهى. ويأتي إن شاء الله تعالى في حديث الباب تفسيره. ٥٤٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبدِ الله بن عثمان المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) بن

стр. 10032

المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد قال: (أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم (١) (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ) بفتح العين المهملة وكسر الفوقية وبعد التحتية الساكنة راء فهاء تأنيث، فعيلة بمعنى مفعولة، والتَّعبير بلفظ النَّفي والمراد النَّهي، كما في رواية النَّسائيِّ والإسماعيليِّ: «نهى رسول الله ﷺ ». ولأحمد: «لا فرعَ ولا عتيرةَ في الإسلام» (وَالفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ، كَانُوا) في الجاهليَّة (يَذْبَحُونَهُ لَطِوَاغِيتِهِمْ) لأصنامهم الَّتي كانوا يعبدونها من دون الله (وَالعَتِيرَةُ) النَّسيكة الَّتي تعتر، أي: تذبح، وكانوا يذبحونها (فِي) العشر الأوَّل من (رَجَبٍ) ويسمُّونها: الرَّجبيَّة. وقد صرَّح عبد المجيد ابن أبي رواد، عن مَعمر -فيما أخرجه أبو قرَّة موسى بن طارق في «السنن» له- بأنَّ تفسير الفَرَع والعتيرة من قول الزُّهريِّ، وزاد أبو داود -بعد قولهِ: يذبحونه لطواغيتهم- عن بعضهم: ثمَّ يأكلونهُ، ويُلقى جلده على الشَّجر. وفيه: إشارةٌ إلى علَّة النَّهي، واستُنبط منه الجواز إذا كان الذَّبح لله جمعًا بينه وبين حديث أبي داود والنَّسائيِّ والحاكم من رواية داود بن قيس، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن عمرو -كذا في رواية الحاكم- قال: سئل رسولُ الله ﷺ عن الفَرَع؟ قال: «الفَرَع حقٌّ، وإن (٢) تتركه حتَّى يكون بنت مخاضٍ أو ابن لبون، فتحملَ عليه في سبيل الله، أو تعطيَه أرملةً خيرٌ من أن تذبحَه يلصقُ لحمُه بوبرهِ». وقوله: حق، أي: ليس بباطلٍ، وهو كلامٌ خرج على جواب السَّائل، فلا مخالفةَ بينه وبين حديث: «لا فَرَع ولا عتيرة» فإن معناه: لا فَرَع واجبٌ، ولا عتيرة واجبةٌ. وقال النَّوويُّ: نصَّ الشَّافعيُّ في «حرملة»: على أنَّ الفرع والعتيرة مستحبَّان. (٤) (بابُ العَتِيرَةِ).

стр. 10033

٥٤٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ الزُّهْرِيُّ) حال كونه: (حَدَّثَنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) وسقط لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ لفظ «حَدَّثنا» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ. قَالَ: وَالفَرَعَ أَوَّلُ نِتَاجٍ) وللكُشميهنيِّ: «نتاجِ» كذا (١) في «اليونينيَّة» (كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ) بضم أوَّله وفتح ثالثه. يقال: نُتِجت النَّاقة -بضم النون وكسر التاء الفوقية- إذا ولدتْ، ولا يستعملُ هذا الفعل إلَّا هكذا وإن كان مبنيًّا للفاعل (كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ) جمع: طاغية، ما كانوا يعبدونهُ من الأصنام وغيرها (وَالعَتِيرَةُ) ما كانوا يذبحونهُ (فِي رَجَبٍ). وفي حديث: نُبَيشة -بنون ومعجمة- عن (٢) أبي داود والنَّسائيِّ، قال: نادى رجل رسول الله ﷺ : إنَّا كنا نَعْترُ عتيرةً في الجاهليَّة في رجب فما تأمرنا؟ قال: «اذبحوا لله أيَّ شهرٍ كان» قال: كنَّا نُفْرِع في الجاهليَّة فما تأمرنَا (٣)؟ قال: «في كلِّ سائمةٍ فَرَعٌ تغذوه ماشيتك إذا استحْمَلَ (٤) ذبحتَهَ فتصدَّقتَ بلحمِهِ فإنَّ ذلك خيرٌ». ففيه: أنَّه ﷺ لم يبطلِ الفَرَع والعَتِيرةَ من أصلهما، وإنَّما أبطلَ صفةَ كلٍّ منهما، فمن الفرع كونه يذبح أوَّل ما يولدُ، ومن العتيرة خصوص الذَّبح في رجب.

стр. 10034

(بسم الله الرحمن الرحيم) رقمَ في الفرع وأصله على البسملةِ علامة سقوطها لأبي ذرٍّ، وفي «الفتح (١)» ثبوتها لأبي الوقتِ سابقة على اللَّاحق وبعده للنَّسفيِّ. ((٧٢)) (كِتَابُ الذَّبَائِحِ) جمع ذبيحةٍ؛ بمعنى: مذبوحة (وَالصَّيْدِ، والتَّسْمِيَةِ عَلَى الصَّيْدِ) وأصل الصَّيد مصدر، ثم أطلق على المَصِيد كقولهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] و ﴿لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] أو المراد في هذه التَّرجمة: أحكام المصيد أو أحكام الصَّيد الَّذي هو المصدر. ولأبي ذرٍّ: «باب الذبائح والصيد، والتَّسميةُ على الصيد» برفع التَّسمية على الابتداء، ولابنِ عساكرَ: «باب التَّسمية على الصَّيد» كذا في الفرع كأصله. وقال في «الفتح»: سقط «باب» لكريمةَ والأَصيليِّ، وثبت للباقين. (وَقَوْلِ اللهِ) : (﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾) أي: البهيمة الَّتي تموت حتفَ أنفها (إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾) أي: بعد إظهار الدِّين وزوال الخوفِ من الكفَّار وانقلابهم مَغْلوبين بعدما كانوا غَالبين (﴿وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣]) بغير ياء وصلًا ووقفًا، أي: أخلصوا إليَّ الخشية. وثبت لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «وقول الله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ … » إلى آخره، (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 10035

آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ الاية [المائدة: ٩٤]) ومعنى يبلو: يختبرُ، وهو من الله تعالى لإظهارِ ما علمَ من العبدِ على ما علمَ منه (١) لا ليعلم ما لا (٢) يعلم (٣)، ومن للتَّبعيض؛ إذ لا يحرم كلُّ صيدٍ، أو لبيان الجنسِ، وقلَّل (٤) في قولهِ: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾ ليعلم أنَّه ليس من الفتنِ العظام، وتنالُه صفة لشيء. وقوله: «﴿تَنَالُهُ﴾ … » إلى آخرهِ ثابتٌ لابنِ عساكرَ، ولغير أبي ذرٍّ بعد قولهِ: ﴿مِّنَ الصَّيْدِ﴾: «إلى قوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾». (وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾) والبهيمةُ كلُّ ذاتِ أربع قوائم في البرِّ والبحرِ، وإضافتها إلى الأنعامِ للبيان، وهي (٥) بمعنى من كخاتمِ فضة، ومعناه: البهيمةُ من الأنعامِ، وهي الأزواجُ الثَّمانية. وقيل: بهيمةُ الأنعام: الظِّباء وبقر الوحش ونحوها (﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]) آية (٦) تحريمه، وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾) وسقط هذا لابنِ عساكرَ (٧). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا (٨) وصله ابنُ أبي حاتم: (العُقُودُ) أي: (العُهُودُ مَا أُحِلَّ وَحُرِّمَ) بضم أوَّلهما للمفعول (﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾) أي: (الخِنْزِيرُ) ولفظ ابن أبي حاتم: يعني: الميتةَ والدَّم ولحمَ الخنزير، وقوله تعالى: ﴿لَا (يَجْرِمَنَّكُمْ﴾) أي: لا (يَحْمِلَنَّكُمْ. ﴿شَنَآنُ﴾ [المائدة: ٢]) أي: (عَدَاوَةُ) قومٍ. (﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾) هي: الَّتي (تُخْنَقُ) بضم أوَّله وفتح ثالثه (فَتَمُوتُ. ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾) الَّتي (تُضْرَبُ بِالخَشَبِ يُوقِذُهَا) وللأَصيليِّ: «توقَذ» بالفوقية وفتح القاف؛ أي (٩): تضرب بعصا أو حجر (فَتَمُوتُ. ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾) الَّتي (تَتَرَدَّى مِنَ الجَبَلِ. ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: ٣]: تُنْطَحُ الشَّاةُ) بضم الفوقية

стр. 10036

وفتح الطاء، والشاةُ بالرفع، أي: هي الَّتي تموت بسبب نطحِ غيرها لها (فَمَا أَدْرَكْتَهُ) بفتح التاء على الخطاب وسكون الكاف، حال كونه (يَتَحَرَّكُ بِذَنَبِهِ) بفتح النون (أَوْ بِعَيْنِهِ فَاذْبَحْ وَكُلْ) وما لا فلا. وسقطت الواو من «﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾» لأبي ذرٍّ. ٥٤٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) بن أبي زائدة (عَنْ عَامِرٍ) هو: الشَّعبيُّ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) بالحاء المهملة، ابن عبد الله بنِ سعد بنِ الحَشْرَج -بفتح الحاء المهملة وسكون الشين المعجمة وفتح الراء بعدها (١) جيم- أبي طَريف -بالطاء المهملة المفتوحة آخره فاء- الطَّائيِّ الصَّحابيِّ، وكان ممَّن ثبتَ في الرِّدَّة وحضرَ فتوح العراق وحروب عليٍّ، وأسلمَ سنة الفتح، وأبوه حاتمٌ هو المشهورُ بالجود، وكان هو أيضًا جوادًا، وعاش إلى سنة ثمان وستين فتوفِّي بها عن مئة وعشرين سنة، وقيل: وثمانين (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ) حكم (صَيْدِ المِعْرَاضِ) بكسر الميم وسكون المهملة وبعد الراء ألف فضاد معجمة. قال النَّوويُّ: خشبة ثقيلةٌ أو عصا في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدةٍ، هذا هو الصَّحيح في تفسيره. وقال في «القاموس»: سهمٌ بلا ريشٍ دقيق الطَّرفين، غليظ الوسط، يصيب بعرضه دون حدِّه. وقال ابنُ دقيق العيد: عصا رأسُها محدَّد فإن أصاب بحدِّه أكلَ، وإن أصابَ بعرضه فلا. وقال ابنُ سيده -كابن دريد-: سهمٌ طويلٌ له أربعُ قُذذ رقاق، فإذا رمى به اعترض (قَالَ) ﵊، ولأبي ذرٍّ: «فقال» (مَا أَصَابَ) الصَّيد (بِحَدِّهِ) أي: بحدِّ المعراض (فَكُلْهُ) لأنَّه ذُكِّي (وَمَا أَصَابَ) الصَّيد (بِعَرْضِهِ) بعرض المعراضِ (فَهْوَ وَقِيذٌ) بفتح الواو وكسر القاف وبعد الياء الساكنة التحتية ذال معجمة، فعيل بمعنى مفعول، ميِّتٌ بسبب ضربهِ بالمثقَّل، كالمقتول بعصا أو حجرٍ فلا تأكله فإنَّه حرامٌ.

стр. 10037

قال عديٌّ: (وَسَأَلْتُهُ) ﷺ (عَنْ صَيْدِ الكَلْبِ، فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ) بأن لا يأكل منه (فَكُلْ) منه (فَإِنَّ أَخْذَ الكَلْبِ) الصَّيد، بسكون الخاء المعجمة، مصدرٌ مضافٌ إلى فاعله (١) ومفعوله محذوفٌ، وهو الصَّيد كما ذكر، وخبر إنَّ قولهُ: (ذَكَاةٌ) له فيحلُّ أكله كما يحلُّ أكلُ المذكَّاة (وَإِنْ) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «فإن» (وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ) الَّذي أرسلتَه ليصطادَ (أَوْ) مع (كِلَابِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ) استرسلَ أو أرسله مجوسيٌّ، أو وثنيٌّ، أو مرتدٌّ (فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ) الكلب الَّذي لم ترسلْه (أَخَذَهُ) أي: أخذ الصَّيد (مَعَهُ) مع الَّذي أرسلته (وَقَدْ قَتَلَهُ، فَلَا تَأْكُلْ) منه (فَإِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ) ولأبي ذرٍّ: «ولم تذكر» بحذف الضَّمير. وفي بعضِ طرق الحديثِ -كما في الباب اللَّاحق وغيره-: «إذا أرسلْتَ كلبكَ وسمَّيت فكُلْ» [خ¦٥٤٧٦] وفي أخرى: «إذا أرسلْتَ كلابَكَ المعلَّمة وذكرتَ اسمَ الله فكُلْ» [خ¦٧٤٨٣] ففيه: مشروعيَّة التَّسمية وهي محلُّ وفاقٍ، لكنَّهم اختلفوا هل هي شرطٌ في حلِّ الأكلِ؟ فذهب الشَّافعيُّ في جماعة (٢) وهي روايةٌ عن مالكٍ وأحمدَ إلى السُّنِّية (٣) فلا يقدحُ تركُ التَّسمية. وذهب أحمدُ في الرَّاجح عنده إلى الوجوبِ لجعلها شرطًا في حديثِ عدي. وذهبَ أبو حنيفةَ ومالك والجمهورُ إلى الجوازِ عند السَّهو، وفيه: أنَّه لا يحلُّ أكلُ ما شاركه فيه كلبٌ آخر في اصطيادهِ، ومحلُّه ما إذا استرسلَ بنفسه، أو أرسله من ليس من أهلِ الذَّكاة، فإن تحقَّق أنَّه أرسلَه من هو أهلٌ للذَّكاة حلَّ ثمَّ ينظر، فإن أرسلا معًا فهو لهما وإلَّا فللأوَّل، ويؤخذُ ذلك من التَّعليل في قوله: «فإنَّما سمَّيْتَ على كلبك ولم تسمِّ على غيره»، فإن مفهومه: أنَّ المرسِل إذا سمَّى على الكلب حلَّ (٤). وهذا الحديثُ سبق في «باب الماء الَّذي يغسل به شعر الإنسان» من غير ذكر المعراض، من «الطَّهارة» [خ¦١٧٥] وفي «باب تفسير المشبَّهات» (٥) من «البيوع» [خ¦٢٠٥٤]، ورواه (٦) مسلم في «الصَّيد»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

стр. 10038

(٢) (بابُ) حكم (صَيْدِ المِعْرَاضِ) بفتح الصاد، وفي «اليونينيَّة» بكسرها (١). (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ فيما (٢) وصله البيهقيُّ من طريقِ أبي عامر العقديِّ، عن زهير -هو ابنُ محمَّد- عن زيدِ بن أسلم، عن ابنِ عمر أنَّه كان يقول (فِي المَقْتُولَةِ بِالبُنْدُقَةِ: تِلْكَ المَوْقُوذَةُ) لأنَّها مقتولةٌ (٣) بمثقَّل لا بمحدَّدٍ (وَكَرِهَهُ) أي: المقتول بالبندقة (سَالِمٌ) أي: ابنُ عبد الله بن عمر (وَالقَاسِمُ) بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق ﵃ ممَّا وصله عنهما ابن أبي شيبة من طريق الثَّقفيِّ (٤) عن ابن عمر عنهما (وَمُجَاهِدٌ) أي: ابنُ جبر المفسِّر، ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة أيضًا عن ابن المبارك، عن مَعمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا أخرجه ابنُ أبي شيبة أيضًا، عن حفصٍ، عن الأعمش، عنه (وَعَطَاءٌ) أي: ابنُ أبي رباحٍ، ممَّا أخرجه عبد الرَّزَّاق، عن ابن جُريج، عنه (وَالحَسَنُ) البصريُّ ممَّا أخرجه ابنُ أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن هشام، عنه. وألفاظُهم مُتَقاربة (وَكَرِهَ الحَسَنُ) البصريُّ أيضًا (رَمْيَ البُنْدُقَةِ فِي القُرَى وَالأَمْصَارِ) خوفَ إصابة النَّاس (وَلَا يَرَى بِهِ) بالرَّمي بالبندقة (بَأْسًا فِيمَا سِوَاهُ) من الصَّحراء والأمكنةِ الخاليةِ من النَّاس لانتفاءِ المحذورِ فيها (٥).

стр. 10039

٥٤٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) أبو أيوب الواشحيُّ الأزديُّ البصريُّ، قاضي مكَّة قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ) بفتح المهملة والفاء، سعيد الهمدانيِّ الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ المِعْرَاضِ) أي: عن حكمِ الصَّيد به، وهو خشبةٌ في رأسها كالزُّج يلقيها الفارس على الصَّيد فربَّما أصابتْه الحديدة فقتلتْهُ (٢) وأراقتْ دمه، فيجوزُ أكله كالسَّيف والرُّمح، وربَّما أصابتْه الخشبةُ فترضه (فَقَالَ) ﷺ : (إِذَا أَصَبْتَ) الصَّيد (بِحَدِّهِ) بحدِّ المعراض (فَكُلْ) فإنَّه ذكاته (فَإِذَا أَصَابَ) المعراضُ الصَّيد (بِعَرْضِهِ) أي: بغيرِ طرفهِ المحدَّد، ولأبي ذرٍّ: «وإذا أصبْتَ بعرضهِ» (فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ) لأنَّه في معنى الخشبةِ الثَّقيلة أو الحجر (٣). قال في «القاموس»: الوقذُ: شدَّة الضَّرب، وشاةٌ وقيذٌ وموقوذةٌ: قتلتْ بالخشبة (فَلَا تَأْكُلْ) لأنَّه ميتة. قال عديٌّ: (فَقُلْتُ): يا رسول الله (أُرْسِلُ كَلْبِي؟ قَالَ) ﵊: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ) أي: المعلَّم، كما في رواية أخرى (وَسَمَّيْتَ) الله (فَكُلْ) فيه: تعليق حلِّ الأكلِ على الإرسال والتَّسمية. ومبحث ذلك قد مرَّ قريبًا في الباب السَّابق، واحتجُّوا له بأنَّ المعلَّق بالوصف منفيٌّ عند انتفائهِ عند من يقول بالمفهوم، والشَّرط أقوى من الوصفِ، ويتأكَّد القول بالوجوب بأنَّ الأصلَ تحريم الميتة وما أذن فيه منها يُراعى صفته، فالمسمَّى عليه (٤) وافق الوصف، وغير المسمَّى عليه باقٍ على أصل التَّحريم. وفي قوله: إذا أرسلت اشتراطُ الإرسال للحلِّ. قال عديٌّ: (قُلْتُ): يا رسول الله (فَإِنْ أَكَلَ) الكلب من الصَّيد (قَالَ) ﵊: (فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ) أي: الكلب (لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْكَ) أي: لم يحبسْه لك. قال في «الأساس»: أمسكْ عليك زوجك، وأمسكت عليه ماله: حبستَه (إِنَّمَا أَمْسَكَ) الصَّيد (عَلَى نَفْسِهِ) بأكله منه (قُلْتُ: أُرْسِلُ) بضم الهمزة، وفي «اليونينيَّة» بفتحها (كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ) استرسل بنفسه، أو أرسله من ليس من أهل الذَّكاة (قَالَ) ﵊: (لَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى) كلبٍ (آخَرَ) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «على الآخر». وهذا مذهبُ

стр. 10040

الجمهور وهو الرَّاجح من قولي الشَّافعيِّ. وفي القديم وهو قول مالك: يحلُّ؛ لحديث عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه -عند أبي داود-: أنَّ أعرابيًّا يقال له: أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، إنَّ لي كلابًا مكلَّبة، فأفتني في صيدها. قال: «كلْ ممَّا أمسكنَ عليك» قال: وإن أكلَ منه؟ قال: «وإن أكلَ منه» لكن في رجاله من تكلِّم فيه، فالمصيرُ إلى حديث عديٍّ المرويِّ في «الصحيحين» أولى، لا سيَّما مع اقترانهِ بالتَّعليل المناسبِ للتَّحريم، وهو خوف (١) الإمساك على نفسه المتأيِّد بأنَّ الأصل في الميتة التَّحريم، فإذا شككنَا في السَّبب المبيحِ رجعنا إلى الأصل وظاهر القرآن أيضًا، ولئن سلمنا صحَّته فهو محمولٌ على ما إذا أطعمَه صاحبهُ منه أو أكل منه بعدما قتله وانصرفَ، وسيكون لنا عودةٌ لذكر شيءٍ من هذهِ المسألة في «بابٌ: إذا أكلَ الكلبُ»، إن شاء الله تعالى. (٣) (بابُ) حكم (مَا أَصَابَ المِعْرَاضُ) من الصَّيد (بِعَرْضِهِ). ٥٤٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عُقبة، ولأبي ذرٍّ: «قتيبة» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ الحَارِثِ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، النَّخعيِّ الكوفيِّ، والألف واللام في الحارث للمح الصِّفة (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نُرْسِلُ الكِلَابَ المُعَلَّمَةَ) للصَّيد، والمعلَّمة: بفتح اللام المشددة، هي الَّتي إذا أغراها صاحبُها على الصَّيد طلبته، وإذا زجرها انزجرتْ، وإذا أخذتِ الصَّيد حبستْهُ على صاحبها، فلا تأكلْ من لحمه أو نحوه كجلدِه وحَشْوته قبل قتلهِ أو عَقِبَه، مع تكرُّرٍ لذلك، يظنُّ به تأديبُها، ومرجعه أهل الخبرةِ بالجوارحِ (قَالَ) ﷺ : (كُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ. قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ. قَالَ: وَإِنْ قَتَلْنَ) جواب الشَّرط محذوفٌ يدلُّ عليه ما قبله، أي: وإن قتلنَ تأمرني بأكلهِ؟ قال ﷺ : «وإنْ قتلنَ فكلْ؛ إذ هو ذكاتُه ما لم يشرَكْها كلبٌ ليس منها».

стр. 10041

وعند أبي داود: «ما علَّمتَ من كلبٍ أو بازٍ ثمَّ أرسلتَهُ وذكرتَ اسم الله عليه فكلْ ممَّا أمسكَ عليك» قلت: وإن قتلَ؟ قال: «إذا (١) قتلَ ولم يأكلْ منه». قال التِّرمذيُّ: والعمل على هذا عند أهلِ العلم لا يرونَ بصيدِ البُزَاة والصُّقور بأسًا. انتهى. وفيه: التَّسوية في الشُّروط المذكورة بين جارحة السِّباع وجارحةِ الطَّير، وهو ما نصَّ عليه الشَّافعيُّ كما نقله البلقينيُّ كغيره، ولم يخالفْه أحدٌ من الأصحاب. وكلام «الرَّوضة» وأصلها يخالف ذلك حيث خصَّها بجارحة السِّباع، وشرط في جارحة الطَّير ترك الأكل فقط. قال عديٌّ: (قُلْتُ): يا رسول الله (وَ (٢) إِنَّا نَرْمِي) الصَّيد (بِالمِعْرَاضِ) بكسر الميم، والباء باء الآلة، وهو (٣) قول الخليل وأتباعه، سهمٌ لا ريشَ له ولا نصل. وقاله (٤) النَّوويُّ -كالقاضي عياض، وقال القرطبيُّ: إنَّه المشهور (٥) -: خشبةٌ ثقيلةٌ آخرها عصًا محدَّد رأسها، وقد لا يحدَّد. وسبق ذلك مع غيره قريبًا (قَالَ) ﵊: (كُلْ) بسكون اللام مخففة (مَا خَزَقَ) بالخاء والزاي المعجمتين المفتوحتين المخففتين آخره قاف، جرح ونفذ وطعنَ فيه، قاله في «الكواكب». وقال في «القاموس»: خزقَه يخزقه طعنَهُ، فانخزقَ، والخازق: السِّنان. وقال في «المطالع»: خزقَ المِعراضُ: شقَّ اللَّحم وقطعهُ (وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ) بغير طرفهِ المحدَّد (فَلَا تَأْكُلْ) فإنَّه ميتة. (٤) (بابُ) حكم (صَيْدِ القَوْسِ) قال في «القاموس»: القوسُ معروفٌ (٦)، وقد يذكَّر، تصغيرها: قُوَيسةٌ وقويس، والجمع: قِسِيٌّ وقُسِيٌّ وأقْواسٌ وقِياسٌ.

стр. 10042

(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة أيضًا بلفظ: حدَّثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: (إِذَا ضَرَبَ) الرَّجل (صَيْدًا فَبَانَ) فقطع (مِنْهُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ لَا يأْكُلُ الَّذِي بَانَ) أي: الَّذي (١) قطع لأنَّه أُبينَ من حيٍّ سواء ذبحه بعد الإبانةِ أم جرحَه ثانيًا، أم تركَ ذبحه بلا تقصيرٍ وماتَ بالجرح (وَيأْكُلُ (٢) سَائِرَهُ) إذا مات. ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والحَمُّويي: «وَكُلْ» بالجزم على الأمر. (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ أيضًا: (إِذَا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ) أي: عنق الصَّيد (أَوْ وَسَطَهُ) بفتح السين (فَكُلْهُ. وَقَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة (عَنْ زَيْدٍ) أي: ابن وهبٍ، أنَّه قال: (اسْتَعْصَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود، ولأبي ذرٍّ: «على آل عبد الله» أي (٣): ابن مسعود (حِمَارٌ) وحشيٌّ (فَأَمَرَهُمْ) عبد الله (أَنْ يَضْرِبُوهُ حَيْثُ تَيَسَّرَ) وقال: (دَعُوا مَا سقطَ مِنْهُ وَكُلُوهُ). ٥٤٧٨ - به قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، المقرئ أبو عبد الرَّحمن مولى عمر بن الخطَّاب القرشيُّ العدويُّ قال: (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وفتح الواو بعدها تاء تأنيث، ابن شُرَيح -بالشين المعجمة المضمومة والراء المفتوحة آخره حاء مهملة- المصريُّ (٤) (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة (الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) عائذ الله -بالذال المعجمة- الخولانيِّ (عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ) بالمثلَّثة أوَّله، واسمه: جرثومٌ عند

стр. 10043

الأكثر (الخُشَنِيِّ) بالخاء المضمومة والشين المعجمتين ﵁ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا) يريد نفسه وقبيلته، وهي خشين بطن من قضاعة، كما قاله البيهقيُّ والحازميُّ وغيرهما (بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ) ولأبي ذرٍّ: «من أهل الكتاب بالشام» والجملة معمولة للقول (أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ) الَّتي يطبخون فيها (١) الخنزير، ويشربون فيها الخمر. وعند أبي داود: إنَّا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم (٢)، ويشربون في آنيتهِم الخمر، والهمزة في أفنأكلُ للاستفهام والفاء عاطفة، أي: أتأذنُ لنا فنأكلُ في آنيتهم، أو زائدة لأنَّ الكلام سيق للاستخبار، وآنية جمع إناء، كسقاءٍ وأسقيةٍ، وجمع الآنية: أوان (وَبِأَرْضِ صَيْدٍ) من باب إضافة الموصوف إلى صفتهِ لأنَّ التَّقدير بأرضٍ ذات صيدٍ، فحذف الصِّفة وأقامَ المضاف إليه مقامها، وأحلَّ المعطوف محلَّ المعطوف عليه (٣) (أَصِيدُ بِقَوْسِي) جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، أي: أصيد فيها بسهمِ قوسي (وَ) أصيدُ فيها (بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي) أكلهُ من ذلك؟ (قَالَ) ﵊: (أَمَّا) بالتَّشديد حرف تفصيل (مَا) موصول في موضعِ رفع مبتدأ، صلته (٤) (ذَكَرْتَ) أي: ذكرتهُ فالعائد محذوفٌ (مِنْ) آنية (أَهْلِ الكِتَابِ) وخبر المبتدأ (فَإِنْ وَجَدْتُمْ) أصبتُم (غَيْرَهَا) غير آنية أهلِ الكتاب (فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا) إذ هي مستقذرةٌ ولو غسلت، كما يكره الشُّرب في المحجمةِ ولو غسلت استقذارًا (وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا) غيرها (فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا) رخصة بعد الحظر من غير كراهة للنَّهي عن الأكل فيها مطلقًا، وتعليقُ الإذن على عدمِ غيرها مع غسلها. وفيه: دليلٌ لمن قال: إنَّ الظَّنَّ المستفاد من الغالب راجحٌ على الظنِّ المستفاد من الأصل، وأجاب من قال بأنَّ الحكم للأصل حتَّى تتحقَّق النَّجاسة بأنَّ الأمر بالغسل محمولٌ على الاستحباب احتياطًا جمعًا بينه وبين ما دلَّ على التَّمسُّك بالأصل. وأمَّا الفقهاء فإنَّهم يقولون: إنَّه لا كراهة في استعمال أواني الكفَّار الَّتي ليست مستعملةً في النَّجاسة ولو لم تغسل عندهم، وإن كان الأولى الغسل للاحتياطِ لا لثبوت الكراهة في ذلك

стр. 10044

(وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ بالواو (اسْمَ اللهِ) عليه ندبًا، وما شرطيَّة وفاء «فذكرت» عاطفة على صدت، وفي (فَكُلْ) جواب الشَّرط، وتمسَّك بظاهره من أوجب التَّسمية على الصَّيد والذَّبيحة، وسبق ما فيه. (وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرَ مُعَلَّمٍ) بنصب غير وخفضها (فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ). (٥) (بابُ) حكمِ (الخَذْفِ) بالخاء والذال المعجمتين والفاء، وهو -كما في «المطالع» وغيرها- الرَّمي بحصًى أو نَوَى بين سبابتيه وبين الإبهام والسَّبابة (وَ) حكم (البُنْدُقَةِ) المتَّخذة من الطِّين وتُيَبَّسُ فيُرمَى بها. ٥٤٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (يُوسُفُ ابْنُ رَاشِدٍ) القطَّان الرَّازيُّ، نزيل بغداد نسبه إلى جدِّه لشهرته به، واسم أبيه: موسى قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابن الجرَّاح الكوفيُّ (وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) من الزِّيادة، الواسطيُّ (وَاللَّفْظُ لِيَزِيدَ) لا لوكيع (عَنْ كَهْمَسِ) بفتح الكاف والميم بينهما هاء ساكنة وآخره مهملة (بْنِ الحَسَنِ) التَّميميِّ، نزيل البصرة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة مصغَّرًا، ابن الحصيب الأسلميِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة، المزنيِّ، نزيل البصرةِ ﵁ (أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا) لم أعرفِ اسمه، وزاد مسلمٌ من أصحابه، وله أيضًا أنَّه قريبٌ لعبد الله بن مغفَّل

стр. 10045

(يَخْذِفُ) يرمي بحصاة أو نواة بين سبابتيه، والمخذفة: خشبةٌ يُحْذَفُ بها، والمقلاعُ قاله في «القاموس» (فَقَالَ لَهُ) ابن مغفَّل، وسقط لفظ «له» لابنِ عساكرَ (لَا تَخْذِفْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الخَذْفِ أَوْ) قال: (كَانَ يَكْرَهُ الخَذْفَ) بالشَّكِّ. وفي رواية أحمد عن وكيع: «نهى عن الخذف» بغير شكٍّ، وأخرجهُ عن محمَّد بن جعفر، عن كهمس بالشَّكِّ، وبيَّن أنَّ الشَّكَّ من كهمس (وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ) لأنَّه يقتل بقوَّة الرَّامي لا بحدِّ البندقة، فكلُّ ما قتل بها حرامٌ باتِّفاق إلَّا من شذَّ (وَلَا يُنْكَأ بِهِ عَدُوٌّ) بضم أوله وسكون النون وفتح الكاف مهموزًا، ولغير أبي ذرٍّ: «ولا يُنْكَى» بضم الياء وفتح الكاف بلا همز، كذا في الفرع كأصله، لكن قال القاضِي عياض: الرِّواية بفتح الكاف وهمزة في آخره وهي لغة، والأشهرُ بكسر الكاف بغير همزة، ومعناه: المبالغةُ في الأذى (وَلَكِنَّهَا) أي: البندقة أو الرَّمية (قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ العَيْنَ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الخَذْفِ -أَوْ: كَرِهَ الخَذْفَ- وَأَنْتَ تَخْذِفُ، لَا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا) وعند مسلم من رواية سعيد بن جُبير: «لا أكلمك أبدًا». وإنَّما فعل ذلك لأنَّه خالف السُّنَّة، ولا يدخل في النَّهي عن الهجران فوق ثلاث لمن هجر لحظِّ نفسه، والمعنى في النَّهي عن الخذفِ لما فيه من التَّعريض للحيوانِ بالتَّلف لغير مأكلةٍ وهو منهيٌّ عنه، فلو أدرك ذكاةَ ما رمى بالبندق ونحوه فيحلُّ أكله، ومن ثمَّ اختلف في جوازهِ؛ فصرَّح مُجَلِّي (١) في «الذَّخائر» بمنعه، وبه أفتى ابن عبد السَّلام، وجزم النَّوويُّ بحلِّه لأنَّه طريقٌ إلى الاصطياد، والتَّحقيق التَّفصيل، فإن كان الأغلب من حال الرَّامي (٢) ما ذكر في الحديث امتنع وإلَّا جاز. وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الذَّبائح»، والنَّسائيُّ في «الدِّيات». (٦) (بابُ مَنِ اقْتَنَى) أي: اتَّخذ (كَلْبًا) والقُنْية للشَّيء اتِّخاذه وادِّخاره عنده (لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ).

стр. 10046

٥٤٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ التَّبُوذَكِيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمليُّ -بالقاف والسين المهملة الساكنة- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄¬) يحدِّث (١) (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنِ اقْتَنَى) أي: ادَّخر عنده (كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ) يحرسها (أَوْ) كلب جماعةٍ (ضَارِيَةٍ) فهو استعارة صفة للجماعة الضَّارين أصحاب الكلاب الضَّارية على الصَّيد. يقال: ضرى على الصَّيد ضراوةً، أي: تعوَّد ذلك واستمرَّ عليه، وضَرِيَ الكلبُ وأضراه صاحبُه، أي: عوَّده وأغراه بالصَّيد، والجمع: ضوارٍ. أو هو من باب التَّناسب؛ إذ كان الأصل هنا أن يقول: أو ضارٍ، لكنَّه أنَّث للتَّناسب للفظ ماشية نحو: لا دَرَيتَ ولا تليتَ، وكان حقُّه أن يقول: تلوت (نَقَصَ) بلفظ الماضي (كُلَّ يَوْمٍ) في كلِّ يوم (مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ) لامتناعِ دخول الملائكة منزله، أو لما يلحقُ المارَّة من الأذى من ترويعِ الكلب لهم وقصده إيَّاهم. وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «قيراطين» بالياء بعد الطاء بدل الألف لأنَّ «نقص» يستعملُ لازمًا ومتعدِّيًا باعتبار اشتقاقِهِ من النُّقصان والنَّقص، فنصب قيراطين على أنَّه مُتَعَدٍّ وفاعله ضميرٌ يعود على الاقتناء المفهوم من قولهِ: اقتنى كلبًا. والرَّفع على أنَّه لازم، أو على أنَّه متعدٍّ مبنيٍّ للمفعول، والأخير ثابتٌ في غير الفرع، والقيراط في الأصل: نصفُ دانق، والمراد به هنا: مقدارٌ معلومٌ عند الله، أي: نقص جزأين من أجزاء عملهِ. وسبق في «المُزارَعة» من حديث أبي هريرة: «قيراط» [خ¦٢٣٢٢] بلفظ الإفراد، وجمع بينهما باحتمال أن يكون ذلك في نوعين من الكلابِ أحدهما أشدُّ أذى من الآخر، أو باختلاف المواضع، فيكون القيراطان (٢) في المدائن والقرى، والقيراطُ في البوادي، أو كان في زمانين، فذكر القيراط أولًا ثمَّ زاد التَّغليظ فذكر القيراطين.

стр. 10047

٥٤٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) البلخيُّ قال: (أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) الأسود ابن عبد الرَّحمن (قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «عبد الله» ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ) في محلِّ الحال من النَّبيِّ ﷺ ، وقال الفارسيُّ: مفعول ثانٍ لسمع (مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبٌ) أي: غير كلب (ضَارٍ لِصَيْدٍ) بتنوين كلبٌ مع الرفع، وضارٍ بلا ياء، كذا في الفرع كأصله، يعني: صفة لكلب (١)، وفي غير الفرع وأصله (٢): «إلَّا كلبَ ضارٍ» بفتح «كلب» بلا تنوين، مضاف لضار من إضافة الموصوف إلى صفته للبيان، نحو: شَجَر الأراكِ، أو ضارٍ صفة للرجل الصَّائد، أي: إلَّا كلب الرَّجل المعتاد للصيد. وفي بعض النُّسخ: «ضاري» بإثبات الياء على اللُّغة القليلة في إثباتها مع حذف الألف واللام. ولأبي ذرٍّ في الفرع وأصله (٣): «إلَّا كلبًا ضاريًا» بإثبات الياء مع النَّصب فيهما وهو واضحٌ، و «إلَّا» بمعنى «غير» صفة لكلب لتعذُّر الاستثناء (٤)، ويجوز أن تُنزَّل النَّكرة منزلة المعرفة فيكون استثناء، أي: غير كلبِ صيد. وقيَّد ابنُ الحاجب مجيئها صفة بأن تكون تابعةً لجمع منكورٍ غير محصورٍ، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وكذلك هي هنا لأنَّ قوله: كلب أراد به جنس الكلاب.

стр. 10048

فإن قلتَ: كيف يصحُّ أن تكون إلَّا (١) صفة وهي حرف، وإن كانت بمعنى غير، والحرفُ لا يوصف ولا يوصف به، والواقع بعد «إلَّا» قوله: «الله» و (٢) هو اسمُ علم، والعلم يوصف ولا يوصف به (٣). أُجيب بأنَّ شرط الصِّفة أن تكون اسمًا لأنَّها من خواصِّ الأسماء وأن يكون في ذلك الاسم عموم ومعنى فعل، وكلُّ واحدة (٤) من هاتين الكلمتين على انفرادِهما عارٍ من هذا الشَّرط، فإذا اجتمعا أدَّى زيد مثلًا (٥) (٦) معنى الاسميَّة وأدَّت إلَّا معنى المغايرة، فقاما مقام الصِّفة بمجموعهما بخلاف انفرادهما، ألا ترى أنَّك تقول: دخلت إلى رجلٍ في الدَّار، فيكون الحرف مع الاسم في موضع الصِّفة لرجل، وكلُّ واحد (٧) منهما على انفراده لا يجوز أن يكون صفة. (أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ) بالرفع فاعل «ينقص»، ولابنِ عساكرَ بالنَّصب على استعمالِ نقص متعديًّا، وظاهر قوله: «من أجره» أنَّ النَّقص ليس في العمل بل في الأجر، ويحتمل أنَّ النَّقص في الأجر بالتَّبعية لنقص العمل على معنى أنَّه لم يوفَّق لتمامه، بل وقع مختلًّا بمقدارِ القيراطين من العمل. ٥٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) سقط لابنِ عساكرَ لفظ «عبد الله» أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :

стр. 10049

مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارٍ) بحذف الياء مع التخفيف كقاضٍ، أي: أو كلب ضار لصيد، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «ضاريًا» بإثبات الياء والنصب، أي: إلَّا كلبًا ضاريًا (نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ) زاد مسلمٌ في حديث الباب من طريق سالم، عن أبيه عبد الله بنِ عمر: «وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرثٍ، وكان صاحب حرث». وفي حديث أبي هريرة في «باب إذا وقع الذُّباب في شرابِ أحدكم»: «إلَّا كلب حرثٍ أو ماشيةٍ» [خ¦٣٣٢٤] واستُشكل الجمع بين حصري الحديثين؛ إذ مقتضاهما التَّضاد من حيث إنَّ في حديث الباب الحصر في الماشية والصَّيد، ويلزم منه إخراج كلب الزَّرع، وفي حديث أبي هريرة الحصر في الحرثِ والماشية ويلزم منه إخراجُ كلب الصَّيد. وأجاب في «الكواكب» بأنَّ مدارَ أمر الحصرِ على المقامات واعتقاد السَّامعين لا على ما في الواقع، فالمقام الأوَّل اقتضى استثناء كلبِ الصَّيد، والثَّاني اقتضى استثناء كلب الحرثِ، فصارا مستثنيين ولا منافاة في ذلك. ولمسلم من طريق الزُّهريِّ عن أبي سلمة: «إلَّا كلب صيدٍ، أو زرعٍ، أو ماشيةٍ». ولمسلمٍ أيضًا والنَّسائيِّ من وجهٍ آخر عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة بلفظ: «من اقتنَى كلبًا ليس كلبَ صيدٍ، ولا ماشيةٍ، ولا أرض، فإنَّه ينقص من أجرهِ كلَّ يومٍ قيراطان». قال في «الفتح»: زيادة الزَّرع أنكرها ابنُ عمر، ففي مسلم من طريقِ عَمرو بن دينار، عنه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بقتلِ الكلاب إلَّا كلب صيدٍ، أو كلب غنمٍ، فقيل لابن عمر: إنَّ أبا هريرة يقول: أو كلب زرعٍ. فقال ابن عمر: إنَّ لأبي هريرة زرعًا»، ويقال: إنَّ ابن عمر أراد بذلك الإشارة إلى تثبيتِ رواية أبي هريرة، وأنَّ سبب حفظه لهذه الزِّيادة دونه أنَّه كان صاحب زرعٍ دونه، ومن كان مشتغلًا بشيءٍ احتاجَ إلى تعرُّف (١) أحواله.

стр. 10050

(٧) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا أَكَلَ الكَلْبُ) أي: من الصَّيد حرُم أكلُه، ولو كان الكلبُ معلَّمًا، واستؤنفَ تعليمه -كما في «المجموع» - لفساد التَّعليم (٢) من حينهِ لا من أصلهِ. (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾) في السُّؤال معنى القول، فلذا وقعَ بعده (﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾) كأنَّه قيل: يقولون لك: ماذا أحلَّ لهم، وإنَّما لم يقل: ماذا أحلَّ لنا، حكايةً لما قالوا لأنَّ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ بلفظ الغيبة كقولك: أقسم زيدٌ ليفعلنَّ، ولو قيل: لأفعلنَّ وأحلَّ لنا لكان صوابًا، وماذا مبتدأ و ﴿أُحِلَّ لَهُمْ﴾ خبرُه، كقولك: أيُّ شيءٍ أحلَّ لهم، ومعناه: ماذا أحلَّ لهم من المطاعمِ كأنَّهم (٣) حين تُلي عليهم ما حُرِّم عليهم من خبيثاتِ المآكل (٤) سألوا عمَّا أحلَّ لهم منها، فقال: (﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾) أي: ما ليس بخبيثٍ منها، وهو كلُّ ما لم يأت تحريمه في كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ أو قياس (﴿وَمَا عَلَّمْتُم﴾) عطف على الطَّيِّبات، أي: أحلَّ لكم الطَّيِّبات وصيد ما علمتُم فحذف المضاف (﴿مِّنَ الْجَوَارِحِ﴾) أي: من (٥) الكواسبِ من سباعِ البهائمِ والطَّير كالكلبِ والفهد والنَّمر والعقاب والصَّقر والباز والشَّاهين، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قولهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ﴾: «الآيةَ» (﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]) حال من ﴿عَلَّمْتُم﴾ وفائدة هذه (٦) الحال مع أنَّه استغنى عنها بعلمتُم أن يكون من يعلم الجوارح موصوفًا بالتَّكليب، والمكلِّب مؤدِّب الجوارح ومعلِّمها، مشتقٌّ من الكلب لأنَّ التَّأديب أكثرُ ما يكون في الكلابِ، فاشتقَّ من لفظه لكثرتهِ في جنسهِ، أو لأنَّ السَّبع يسمَّى كلبًا أو من الكلَب الَّذي بمعنى الضَّراوة. يقال: هو كلبٌ بكذا إذا كان ضاريًا به (٧). (الصَّوَائِدُ) جمع: صائدة (وَالكَوَاسِبُ) جمع كاسبةٍ، صفة. قال العينيُّ: للجوارح، وقال
следующие страницы →