نبيعها (وَلَنَا الوَلَاءُ، فَذَكَرَتْ) عائشة (ذَلِكَ (١) لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ) لها: (لَوْ شِئْتِ شَرَطْتِيهِ لَهُمْ) بالمثنَّاة التحتية، من إشباعِ الكسرة وهو جواب لو، واستُشكل قولهُ ﷺ لها: «لو شئتِ شرطتيه»؛ إذ هو شرطٌ مفسدٌ للبيع مع ما فيهِ من المخادعةِ.
وأُجيب بأنَّ هذا من خصائصِ عائشة أو المراد: التَّوبيخ لأنَّه كان بيَّن لهم حكم الولاء، وأنَّ هذا الشَّرط لا يحلُّ لهم، فلما ألحوا في اشتراطهِ، قال لها: لا تُبَالي سواء شرطتيه أم لا، فإنَّه شرطٌ باطل، وقد سبقَ بيان ذلك لهم. أو اللَّام في «لهم» بمعنى على كقولهِ تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. أو المراد: فاشترطِي لأجلهم الولاءَ، أي: لأجلِ معاندتهم ومخالفتهم للحقِّ حتَّى يعلمَ غيرهم أنَّ هذا الشَّرط لا ينفع (فَإِنَّمَا (٢) الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وإنَّما هنا لحصرِ بعضِ الصِّفات في الموصوفِ لا للحصرِ التَّامِّ لأنَّ الولاءَ لمن أعتق، ولمن جرَّه إليه من أعتقَ.
(قَالَ: وَ) السُّنَّة الثَّانية (أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ) بضم الهمزة والخاء مبنيَّين للمجهول (فِي أَنْ تَقِرَّ) بفتح الفوقية وكسر القاف وتفتح وتشديد الراء (تَحْتَ زَوْجِهَا) مُغيث (أَوْ تُفَارِقَهُ. وَ) السُّنَّة الثَّالثة (دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا بَيْتَ عَائِشَةَ وَعَلَى النَّارِ بُرْمَةٌ تَفُورُ، فَدَعَا بِالغَدَاءِ) بفتح الغين المعجمة والدال المهملة (فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ البَيْتِ فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ لَحْمًا؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَكِنَّهُ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ) بضم الفوقية والصاد المهملة (فَأَهْدَتْهُ لَنَا، فَقَالَ) ﵊: (هُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا، وَهَدِيَّةٌ لَنَا).
والغرضُ من الحديث ظاهرٌ، وفيه: تقديم اللَّحم على غيرهِ لما فيه من سؤاله ﷺ مع وجودِ أدم غيره، وفي حديث بريرةَ مرفوعًا: «سيِّدُ الإدامِ في الدُّنيا والآخرة اللَّحم» رواه ابنُ ماجه.
وحديثُ الباب ذكره المؤلِّف أكثر من عشرين مرَّة، لكنَّه ساقه هنا مرسلًا، لكنه -كما قال في «الفتح» - اعتمد على إيرادهِ موصولًا من طريق مالكٍ، عن ربيعةَ، عن القاسمِ، عن عائشة في «كتاب النِّكاح والطَّلاق» [خ¦٥٠٩٧] [خ¦٥٢٧٩]، وجرى هنا على عادتهِ من تجنب إيراد الحديث على هيئتهِ كلِّها في باب آخر، فالله تعالى يرحمُه ما أدقَّ نظره وأوسعَ فكره.
стр. 9977
(٣٢) (بابُ) ذكر (الحَلْوَاء) بالمدِّ في الفرع كأصله. وقال في «الفتح» بالقصر لأبي ذرٍّ، ولغيره بالمدِّ، لغتان، وحكى ابنُ قُرْقُول وغيره أنَّ الأصمعيَّ يقصرها، وعن أبي عليٍّ الوجهين فعلى القصر يكتب بالياء، وعلى المدِّ بالألف. وقال اللَّيث: الحلواءُ ممدودٌ، وهو كلُّ حلوٍ يؤكل.
وخصَّه الخطَّابيُّ بما دخلته الصَّنعة. وقال ابنُ سِيْده: ما عولجَ من الطَّعام بحلاوةٍ، وقد تطلق على الفاكهة (وَ) ذكر (العَسَلِ).
٥٤٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ) بالحاء المهملة والظاء المعجمة، نسبة إلى حنظلةَ بن مالك، المشهور بابن رَاهُوْيَه (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الحَلْوَاءَ) بالمدِّ والقصر (وَ) يحبُّ (العَسَلَ).
وفي «فقه اللغة» للثَّعالبيِّ: إنَّ حلوى النَّبيِّ ﷺ الَّتي كان يحبها هي المجيع -بالجيم بوزن عظيم- وهو تمرٌ يعجن بلبن، فإن صحَّ هذا وإلَّا فلفظ الحلوى يعمُّ كلَّ ما فيه حلو، وما يشابه الحلوى والعسل من المآكل اللَّذيذة، وقد (١) دخل العسلُ في قولها: الحلوى، ثمَّ ثنت بذكره على انفرادهِ لشرفه كقولهِ تعالى: ﴿وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فما خلق الله لنا في معناه أفضل منه ولا مثله ولا قريبًا منه؛ إذ هو غذاءٌ من الأغذية، ودواءٌ من الأدوية، وشرابٌ من الأشربة، وحلو من الحلوى، وطلاءٌ من الأطلية، ومفرحٌ من المفرحات، وله خواصُّ ومنافع تأتي -إن شاء الله تعالى- مع غيرها من المباحث في «كتاب الطِّبِّ» بعون الله، وليس المراد -كما قاله الخطَّابيُّ وغيره- أنَّ حبَّه ﵊ لذلك (٢) بمعنى: كثرةِ التَّشهِّي، وشدَّة نزاع
стр. 9978
النَّفس، بل كان يتناولُ منها إذا حضرتْ نيلًا صالحًا أكثرَ ممَّا (١) يتناوله من غيرها.
وهذا الحديثُ أخرجهُ البخاريُّ أيضًا في «الأشربةِ» [خ¦٥٥٩٩] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٨٢] و «تركِ الحيل» [خ¦٦٩٧٢]، ومسلمٌ في «الطَّلاق» (٢)، وأبو داود في «الأشربةِ»، والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ»، وابنُ ماجه في «الأطعمةِ».
٥٤٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ شَيْبَةَ) هو عبدُ الرَّحمن بن عبد الملك بنِ محمد بن شيبة القرشيُّ الحِزَاميُّ -بالحاء المهملة والزاي-. وقول بعضهم: ابن أبي شيبة، غلطٌ فليس فيه لفظ «أبي» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي الفُدَيْكِ (٣)) بإثبات لفظ «أبي» في هذا، والفُدَيك (٤) -بضم الفاء وفتح الدال المهملة وبعد التَّحتية الساكنة كاف- محمد بن إسماعيل ابنِ أبي فديك (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرَّحمن (عَنِ المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، سعيد (٥) ابن أبي سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أَلْزَمُ) بفتح الهمزة والزاي (النَّبِيَّ ﷺ لِشِبَع بَطْنِي) بكسر الشين المعجمة وفتح الموحدة، أي: لأجلِ شبعِ بطني، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بشبع» بالموحدةِ بدل اللَّام، أي: بسببِ شبعِ بطني (حِينَ لَا آكُلُ) الخبز (الخَمِيرَ، وَلَا أَلْبَسُ الحَرِيرَ) قال في «المطالع»: كذا لجميعهم براءين في «كتاب الأطعمةِ» من غير خلافٍ. وللأَصيليِّ والقابسيِّ والحَمُّويي والنَّسفيِّ وعبدوس في «كتاب المناقب» [خ¦٣٧٠٨]: «الحبير» بالباء الموحدة بدلًا من: «الحرير» ولغيرهم فيه: «الحرير» كما في «الأطعمة». والحبير:
стр. 9979
هو الثَّوب المحبر المزيَّن الملوَّن مأخوذٌ من التَّحبير وهو التَّحسين (وَلَا يَخْدُمُنِي فُلَانٌ وَلَا فُلَانَةُ) كنايةٌ عن الخادمِ والخادمة (وَأُلْصِقُ بَطْنِي بِالحَصْبَاءِ) من الجوعِ لتسكن حرارتُه ببردِ الحصباء (وَأَسْتَقْرِئ الرَّجُلَ الآيَةَ وَهْيَ مَعِي) أحفظها (كَيْ يَنْقَلِبَ بِي) إلى منزله (فَيُطْعِمَنِي) بضم التحتية وكسر العين ونصب الميم (وَخَيْرُ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَنْقَلِبُ بِنَا) إلى بيتهِ (فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ) بكسر الهمزة (لَيُخْرِجُ) بضم الياء وكسر الراء (إِلَيْنَا العُكَّةَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فَنَشْتَقَّهَا) بنون مفتوحة فمعجمة ساكنة ففوقية مفتوحة فقاف مشددة مفتوحة. وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فنستفها» بسين «مهملة» بدل: «المعجمة»، و «فاء» بدل: «القاف»، وضبطه القاضي عياض بالشين المعجمة والفاء. قال ابنُ قُرْقُول: في «المطالع»: كذا لهم، أي: بالمعجمة والفاء، أي: نتقصى ما فيها من بقيَّة (١). قال: ورواهُ المروزيُّ والبلخيُّ بالسين (٢) والقاف، وهو أوجهُ مع قولهم (٣): (فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا) ولذا رجَّحها السَّفاقِسيُّ، ولأنَّ المراد أنَّهم لعقوا ما فيها بعد أن قطعوها ليتمكَّنوا من ذلك.
وهذا الحديثُ قد سبق في «مناقب جعفر» [خ¦٣٧٠٨].
(٣٣) (بابُ الدُّبَّاءِ) بضم المهملة وتشديد الموحدة ممدودًا، وهو (٤) اليقطينُ والقرع، وله خواص منها: جودةُ تغذيتهِ، وهو من طعامِ المحرورين، يُطْفئ ويبرِّد، ويسكِّنُ اللَّهيب (٥) والعطشَ، جيد للصَّفراء، ولم يتداوَ المحرورون بمثلهِ، ولا أعجلَ نفعًا منه، يُلين (٦) البطنَ، ويزيدُ في الدِّماغ، وينفعُ البصر كيف استعمل، إلى غير ذلك ممَّا يطولُ استقصاؤهُ.
стр. 9980
٥٤٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، أبو حفص الباهليُّ البصريُّ الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ) السَّمَّان البصريُّ (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) عبد الله (عَنْ ثُمَامَةَ) بضم المثلَّثة وتخفيف الميمين، ابن عبد الله (بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى مَوْلًى) عتيقًا (١) (لَهُ خَيَّاطًا) لم أقفْ على اسمه (فَأُتِيَ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بِدُبَّاءٍ) بالهمز والتَّنوين (فَجَعَلَ يَأْكُلُهُ) وفي رواية إسحاق بنِ عبد الله بنِ أبي طلحةِ، عن أنس، في «الأطعمة» [خ¦٥٤٣٧]: «فرأيتُه يتتبَّعُ الدُّبَّاء من حوالَي القصعةِ» (فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّهُ) أي: القرع (مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُهُ) وروى التِّرمذيُّ من حديث أبي طالوت (٢) الشَّامي قال: «دخلتُ على أنسٍ، وهو يأكلُ قرعًا وهو يقول: يا لكِ شجرة ما أَحبَّكِ إليَّ بحبِّ رسولِ الله ﷺ إيَّاك».
وعند الإمام أحمد من حديثِ أنس: «أنَّ رسولَ الله ﷺ كانت تعجبُه الفَاغيَةُ، وكان أحبَّ الطعام إليه الدُّبَّاء». وفي «الغيلانيات»: من حديث عائشة: أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: «إذا طبختِ قدرًا فأكثرِي فيها (٣) من الدُّبَّاء فإنَّها تشدُّ قلبَ الحزين» (٤) ورواهُ ابن الجوزيِّ في «لقط المنافع». وفي حديث مرفوع ذكره القرطبيُّ (٥) في «التَّذكرة»: «إنَّ الدُّبَّاء والبطِّيخَ من الجنَّة». وفي حديثِ واثلةَ مرفوعًا عند الطَّبرانيِّ في «الكبير»: «عليكُم بالقرعِ فإنَّه يزيدُ في الدِّماغ، وعليكمْ بالعدسِ فإنَّه قُدِّس على لسانِ سبعين نبيًّا». وعند البيهقيِّ في «الشُّعب»
стр. 9981
عن عطاء مرسلًا: «عليكم بالقرعِ، فإنَّه يزيدُ في (١) العقلِ، ويكبِّر (٢) الدِّماغ». وزاد بعضُهم: فإنَّه يجلو البصرَ، ويُلين القلب.
(٣٤) (بابُ الرَّجُلِ يَتَكَلَّفُ الطَّعَامَ لإِخْوَانِهِ) المؤمنين.
٥٤٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيْكَنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عامر (الأَنْصَارِيِّ) البدريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شُعَيْبٍ) لم أقفْ على اسمه (وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ) لم أعرف اسمه أيضًا (لَحَّامٌ) يبيع اللَّحم (فَقَالَ) أبو شعيب لغلامه: (اصْنَعْ لِي طَعَامًا أَدْعُو رَسُولَ اللهِ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ) وفي رواية حفص بنِ غياث، في
стр. 9982
«البيوع»: «اجعل لي طعامًا يكفِي خمسة، فإنِّي أريدُ أن أدعو رسولَ الله ﷺ وقد عرفتُ في وجههِ الجوع» [خ¦٢٠٨١] (فَدَعَا) فيه حذفٌ تقديره: فصنع له الطَّعام فدعا (رَسُولَ اللهِ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ) يقال: خامس أربعة، وخامس خمسة بمعنى، قال الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠] و ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (١) [المائدة: ٧٣]، ومعنى خامس أربعة، أي: زائدٌ عليهم، وخامسُ خمسةٍ، أي: أحدهم، والأجود نصبُ خامس على الحال، ويجوز رفعه بتقدير: وهو خامس (فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ) لم يسمَّ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لأبي شعيبٍ: (إِنَّكَ دَعَوْتَنَا خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَهَذَا رَجُلٌ قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ) بفتح تاءي الفعلين كقولهِ: (وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ، قَالَ) أبو شعيب: (بَلْ أَذِنْتُ لَهُ) فيه: أن من تطفَّل في الدَّعوة كان لصاحبِ الدَّعوة الاختيار في حرمانهِ، فإن دخلَ بغير إذن (٢) كان له إخراجُه، وأنَّه (٣) يحرمُ التَّطفُّل إلَّا إذا علم رضا المالك به لما بينهمَا من الأُنس والانبساط، وقيَّد ذلك الإمام بالدَّعوة الخاصَّة، أمَّا العامَّة كأن فتح الباب ليدخلَ من شاء فلا تطفُّل. وفي «سنن أبي داود» بسندٍ ضعيفٍ عن ابن عمرَ رفعه: «مَن دخلَ بغير دعوةٍ دخلَ سارقًا، وخرج مغيرًا».
والطُّفيليُّ مأخوذٌ من التَّطفُّل وهو منسوبٌ إلى طفيل رجل من أهل الكوفةِ كان يأتي الولائم بلا دعوةٍ، فكان يقال له: طفيلُ الأعراس، فسمِّي من اتَّصف بصفتهِ طفيليًّا، وكانت العرب تسمِّيه الوَارِشَ -بشين معجمة- وتقول لمن يتبع الدَّعوة بغير (٤) دعوة: ضَيْفَن -بنون زائدة-، وللحافظ أبي بكر الخطيب جزء في الطُّفيليين جمع فيه (٥) مُلَح أخبارهم.
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ (٦): (سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ) البخاريَّ (يَقُولُ: إِذَا كَانَ القَوْمُ عَلَى المَائِدَةِ) الَّتي دعوا إليها (لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوا) غيرهم (مِنْ مَائِدَةٍ إِلَى
стр. 9983
مَائِدَةٍ أُخْرَى، وَلَكِنْ يُنَاوِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي تِلْكَ المَائِدَةِ) لأنَّه صارَ لهم بالدَّعوة عمومُ إذنٍ بالتَّصرُّف في الطَّعام المدعوِّ إليه بخلافِ من لم يُدْعَ (أَوْ يَدَعُوا) أي: يتركوا ذلك، والَّذي في «اليونينيَّة»: «أو يدع» بغير واو.
والحاصل: أنَّه يُنزَّل من وضع بين يديه الشَّيء منزلة (١) من دُعي له، ويُنَزَّل الشَّيء الَّذي وضع بين يدي غيره منزلةَ من لم يُدع إليه، وكأن المؤلِّف استنبطَ هذا من استئذانهِ ﷺ الدَّاعي في الرَّجل الَّذي تبعهُم، قاله في «الفتح».
ومقتضاه: أنَّه لا يطعمُ هرَّة ولا سائلًا إلَّا إن علمَ رضاهُ به للعرفِ في ذلك، وله تلقيمُ صاحبه، وتقريبُ المضيف الطَّعام للضَّيف إذنٌ له في الأكلِ اكتفاء بالقرينةِ العُرفية إلا (٢) إن انتظر المضيف غيره، فلا يأكل إلَّا بالإذن لفظًا، أو بحضورِ الغير لاقتضاءِ القرينة عدم الأكلِ بدون ذلك، ويملكُ ما التقمَهُ بوضعهِ في فمهِ. وهذا ما اقتضَى كلام الرَّافعيِّ في «الشرح الصغير» ترجيحه، وصرَّح بترجيحهِ القاضي والإسنوي، وقضيَّة كلام المتولِّي ترجيحُ أنَّه يتبيَّن بالازدرادِ أنَّه ملكه، وقيل: يملكُه بوضعهِ بين يديه، وقيل: بتناولهِ بيدهِ، وقيل: لا يملكُه أصلًا بل شِبْه الَّذي يأكلُه كشبهِ العاريةِ.
وتظهرُ فائدة الخلاف فيما لو أكل الضَّيف تمرًا وطرح نواه فنبت، فلمن يكون شجره؟ وفيما لو رجع فيه صاحب الطَّعام قبل أن يبلعه، وسقطَ لغير المُستملي قوله: «قال محمد بن يوسف … » إلى آخره.
وأمَّا المطابقة بين الحديث والتَّرجمة فمن حيث إنَّه تكلَّف حصرَ العدد بقولهِ: خامس خمسةٍ، ولولا تكلُّفه لما حصرَ.
(٣٥) (بابُ مَنْ أَضَافَ رَجُلًا إِلَى طَعَامٍ، وَأَقْبَلَ هُوَ) أي: الَّذي أضاف (عَلَى عَمَلِهِ) ولم (٣) يأكل مع من أضافَه، وسقطَ لأبي ذرٍّ «إلى طعام».
стр. 9984
٥٤٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضم الميم وكسر النون وبعد التحتية الساكنة راء، أبو عبد الرَّحمن الحافظ أنَّه (سَمِعَ النَّضْرَ) بالضاد المعجمة، ابن شميلٍ، يقول: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ثُمَامةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى غُلَامٍ لَهُ خَيَّاطٍ) لم أقفْ على اسمه (فَأَتَاهُ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ) في «باب الثَّريد»: «فقدَّم إليه قصعةً فيها ثريد» [خ¦٥٤٢٠] (وَعَلَيْهِ دُبَّاءٌ) أي: قرع (فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ) لحبِّه لأكلِها، وقوله: يتتبَّع: بفوقيتين وتشديد الموحدة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يتْبَع الدُّباء (١)» بفوقية ساكنة وتخفيف الموحدة (قَالَ) أنس: (فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ) الَّذي فعلهُ ﷺ من تتبُّعه الدُّبَّاء (جَعَلْتُ أَجْمَعُهُ) من حوالي القصعة (بَيْنَ يَدَيْهِ) ﷺ ليأكلَه (قَالَ) أنس: (فَأَقْبَلَ الغُلَامُ عَلَى عَمَلِهِ) ولم يأكل مع النَّبيِّ ﷺ . ففيه: أنَّه لا يشترطُ للمضيفِ أن يأكلَ مع مَن أضافه (٢).
نعم ينبغِي أن يأكلَ معه؛ إذ هو أبسطُ لوجههِ وأذهبُ لاحتشامهِ كذا قالوهُ. والَّذي يظهرُ لي أنَّه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص على ما لا يخفَى (قَالَ أَنَسٌ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَنَعَ مَا صَنَعَ) من تتبُّعه لها.
ورواه (٣) النَّسائيُّ.
(٣٦) (بابُ المَرَقِ).
стр. 9985
٥٤٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنب الحارثيُّ القعنبيُّ، أحدُ الأعلام (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ) عمَّه (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ خَيَّاطًا) لم أعرف اسمه (دَعَا النَّبِيَّ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ) له (فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَّبَ) إليه الخياط (خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَ) لحمٌ (قَدِيدٌ رَأَيْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «فرأيتُ رسول الله» (¬ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ) بفتح اللام والقاف. قال أنس: (فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ).
وروى النَّسائيُّ وصحَّحه التِّرمذيُّ وابن حبَّان عن أبي ذرٍّ رفعه: «وإذا طبختَ قدرًا فأكثرْ مرقتَه واغرفْ لجاركِ منه» والغرض من ذلك: التَّوسعة على الجيرانِ والفقراءِ.
(٣٧) (بابُ) ذكر اللَّحم (القَدِيدِ).
٥٤٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحَدَّثنا» بالواو (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام الأعظم (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحة (عَنْ) عمِّه (أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ (١) ﷺ أُتِيَ بِمَرَقَةٍ) بضم الهمزة (فِيهَا دُبَّاءٌ) ولأبي ذرٍّ: «بمرق» (وَقَدِيدٌ) لحم مشرر مقدَّد. ذكر في «القاموس»: وشَرَّهُ شُرًّا -بالضم-: عابَه، واللَّحم والأَقِط وضَعَهُ على خَصَفَةٍ، أو هو بالتَّخفيف (٢)، والإِشْرار -بالكسر- القديدُ، أو ما قطع منه طوالًا (فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ) من حوالي القصعة (يَأْكُلُهَا).
стр. 9986
٥٤٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف والصاد المهملة، ابن عقبة، أبو عامر السُّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ) بالموحدة المخففة والمهملة (عَنْ أَبِيهِ) عابس بنِ ربيعة النَّخعيِّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا فَعَلَهُ) أي: النَّهي المذكور في حديث «باب ما كان السَّلف يدَّخرون» من طريق خلَّاد بن يحيى، عن سفيان حيث قال عابس: قلتُ لعائشة: أَنَهى النَّبيُّ ﷺ أن تؤكلَ لحوم الأضاحي فوق ثلاث؟ قالت: ما فعله [خ¦٥٤٢٣] (إِلَّا فِي عَامٍ جَاعَ النَّاسُ) فيه (أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ الغَنِيُّ الفَقِيرَ) برفع الغنيِّ فاعلًا، وتاليه (١) مفعوله (وَإِنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ الكُرَاعَ) هو من الأنعامِ فوق الظَّلف وتحت السَّاق، زاد في الباب المذكور: فنأكله (بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ) ليلة (وَمَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ خُبْزِ بُرٍّ (٢) مَأْدُومٍ) أي: مأكول بالأدم (ثَلَاثًا) حتَّى لحق بالله تعالى لأنَّه ﷺ كان يؤثر على نفسهِ.
(٣٨) (بابُ) حكم (مَنْ نَاوَلَ أَوْ قَدَّمَ إِلَى صَاحِبِهِ) حال كونه جالسًا معه (عَلَى المَائِدَةِ شَيْئًا) من الطَّعام.
(قَالَ) المؤلِّف: (وَقَالَ ابْنُ المُبَارَكِ) عبد الله المروزيُّ فيما وصله عنه (٣) في «كتاب البرِّ والصِّلة» له: (لَا بَأْسَ أَنْ يُنَاوِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) من الطَّعام المحضَّر بين أيديهم؛ إذ هم فيه كالشُّركاء (وَلَا يُنَاوِلُ) أحد (مِنْ هَذِهِ المَائِدَةِ إِلَى) من على (مَائِدَةٍ أُخْرَى) لأنَّه وإن كان للمناولِ حقٌّ فيما بين يديهِ لكنَّه لا حقَّ للآخر في تناولهِ منه؛ إذْ لا شركةَ له فيه. نعم، إن علمَ رضا المضيفِ جازَ.
стр. 9987
٥٤٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ) عمَّه (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ) الخيَّاط (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ) بالمدِّ ويقصر، وهل همزته أصلية، أو زائدة، أو منقلبة؟ خلاف قاله في «المصابيح» (وَ) لحمٌ (قَدِيدٌ. قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ القَصْعَةِ) بسكون الواو (فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. وَقَالَ ثُمَامَةُ) بنُ عبد الله بنِ أنسٍ قاضِي البصرة (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) ﵁ أنَّه قال: (فَجَعَلْتُ أَجْمَعُ الدُّبَّاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ) ﷺ .
وهذا وصلَه في «باب من أضافَ رجلًا» [خ¦٥٤٣٥] والمطابقةُ ظاهرةٌ لكن قال الإسماعيليُّ: إنَّ الطَّعام اتُّخذ للنَّبيِّ ﷺ وقصد به، والَّذي جمع له الدُّبَّاء بين يديهِ خادمه، فلا دَلالة فيه لجوازِ مُنَاولة الضِّيفان بعضِهم بعضًا (١) مطلقًا.
(٣٩) (بابُ) أكل (الرُّطَبِ) بوزن صُرَد، وهو نضيجُ البُسر، وواحدته رطبة؛ بهاء (بالقِثَّاءِ) قال في «القاموس» بالكسر والضم، معروفٌ، أو هو الخيارُ، والمراد أكلهما معًا، وزاد في «المصابيح»: والهمزة أصليَّة.
стр. 9988
٥٤٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) العامريُّ الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعد بنِ إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوف (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) أوَّل من ولد من المهاجرين بالحبشةِ، وله صحبة (¬﵄ (١)) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالقِثَّاءِ) ولمسلم: «يأكل القثَّاء بالرُّطب» كلفظ التَّرجمة، وإنَّما جمع ﷺ بينهما ليعتدلا فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما مصلحٌ للآخر مزيلٌ لأكثرِ ضرره، فالقثَّاء مسكِّنٌ للعطشِ منعشٌ للقوى بشمِّه لما فيه من العطريَّة، مطفئٌ لحرارة المعدة الملتهبةِ، غير سريع الفساد، والرُّطب حارٌّ في الأولى رطبٌ في الثَّانية يقوِّي المعدة الباردة لكنَّه معطِّشٌ، سريع التَّعفُّن، معكِّرٌ للدَّم، مصدِّع، فقابل الشَّيء البارد بالمضادِّ له، فإنَّ القثاء إذا أكل معه ما يصلحُه كالرُّطب أو الزَّبيب أو العسل عدَّله، ولذا (٢) كان مُسَمِّنًا مُخْصِبًا للبدن.
وفي حديث أبي داود وابن ماجه: عن عائشة ﵂ قالت: «أرادت أمِّي أن تسمِّنني لدخولي على رسولِ الله ﷺ فلم أُقْبِل عليها بشيءٍ حتَّى أطعمتنِي القثَّاء بالرُّطب فسمنتُ عليه كأحسن السِّمن».
وروى الطَّبرانيُّ في «الأوسط» من حديث عبدِ الله بنِ جعفر قال: «رأيتُ في يمينِ رسولِ الله ﷺ قثَّاء، وفي شمالهِ رطبات وهو يأكل من ذا مرَّة ومن ذا مرَّة». لكن في إسناده أصرمُ بن حوشب ضعيفٌ جدًّا، ولعلَّه إن ثبتَ كان يأخذُ بيده اليمنى من الشِّمال رطبة رطبة فيأكلها مع القثَّاء الَّتي في يمينه.
وحديثُ ال باب أخرجهُ مسلمٌ في «الأطعمةِ»، وكذا (٣) أبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه.
(٤٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ.
стр. 9989
٥٤٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبَّاسٍ) بالموحدة والمهملة، ابن فرُّوخ (الجُرَيْرِيِّ) بضم الجيم وفتح الراء الأولى (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مَُِلٍّ النَّهديِّ أنَّه (قَالَ: تَضَيَّفْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ بضاد معجمة وفاء، أي: نزلتُ به ضيفًا (سَبْعًا) من اللَّيالي (فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ) بُسْرة -بضم الموحدة وسكون السين المهملة- بنت غَزْوان؛ بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي (وَخَادِمُهُ) قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: لم أعرفْ اسمه (١) (يَعْتَقِبُونَ) يتناوبون (اللَّيْلَ أَثْلَاثًا يُصَلِّي هَذَا) ثلثًا (ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا) إذا فرغَ من ثلثه الآخر ليصلِّي.
قال أبو عثمان النَّهديُّ: (وَسَمِعْتُهُ) أي: أبا هريرة (يَقُولُ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنِ أَصْحَابِهِ تَمْرًا فَأَصَابَنِي سَبْعُ تَمَرَاتٍ) منه (إِحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ) من أردأ التَّمر أو ضعيفهِ لا نوى لها، أو يابسة فاسدةٌ.
٥٤٤١ م# وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) بالصاد المهملة وتشديد الموحدة آخره حاء مهملة، البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا) بن مرَّة الخُلْقانيُّ -بضم الخاء المعجمة وسكون اللام بعدها قاف- الكوفيُّ، لقبه شَقُوْصا؛ بفتح الشين المعجمة وضم القاف المخففة بعدها صاد مهملة (عَنْ عَاصِمٍ) الأحول (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه قال: (قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَنَا تَمْرًا فَأَصَابَنِي مِنْهُ خَمْسٌ: أَرْبَعُ تَمَرَاتٍ وَ) واحدة (حَشَفَةٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ الحَشَفَةَ هِيَ أَشَدُّهُنَّ لِضِرْسِي) في المضغ. وفي الرِّواية الأولى من هذا الباب:
стр. 9990
فأصابني (١) سبع تمراتٍ. فقيل: إحدى الرِّوايتين وهمٌ، وقيل: وقع مرَّتين، واستبعدَهُ الحافظ ابنُ حجر باتِّحاد المخرج.
وأخرج التِّرمذيُّ من طريقِ شعبة عن عبَّاسٍ الجريريِّ: «قسَّم سبع تمراتٍ بين سبعةٍ أنا فيهم». وعند ابن ماجه والإمام أحمد من هذا الوجه بلفظ: «أصابهُم الجوعُ فأعطاهم النَّبيُّ ﷺ تمرةً تمرةً» (٢) وهو يدلُّ للتعدُّد، فالله أعلم.
(٤١) (بابُ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) خطابًا لمريم ﵍ حين جاءهَا المخاضُ بعيسى: (﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾) وحرِّكي إلى نفسك (﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾) وهو ساقها، والباء زائدة كما قاله أبو عليٍّ؛ أي (٣): هزِّي إليك (٤) جذع النَّخلة (﴿تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]) بلغ الغاية، وجاءَ وقتُ اجتنائهِ، ولهذا استحبَّ بعضُهم للنِّساء أكلَ الرُّطب، وروى أبو بكر ابنُ السُّنيِّ من حديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: «أطعمُوا نساءكُم الوُلَّدَ الرُّطب».
٥٤٤٢ - (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ: (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ) بنت شيبة ابنِ عثمان الشَّيبيِّ الحَجَبِيِّ أنَّه قال: (حَدَّثَتْنِي أُمِّي) صفيَّة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ (٥) ﷺ وَقَدْ شَبِعْنَا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالمَاءِ) وذلك حين فُتِحت خيبر قبل الوفاة النَّبويَّة بثلاثِ سنين.
وإطلاق الأسود على الماءِ من باب التَّغليب، كإطلاق الشِّبع موضع الرِّيِّ، واستُشْكل
стр. 9991
التَّسوية بين الماء والتَّمر لأنَّ الماءَ كان عندهُم متيسِّرًا. وأُجيب بأنَّ الرِّيَّ منه لا يحصلُ بدون الشِّبع من الطَّعام لمضرَّة شربِ الماء صرفًا من غير أكلٍ.
وهذا الحديثُ قد (١) سبق في «باب من أكل حتَّى شبع» [خ¦٥٣٨٣].
٥٤٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بنُ الحكم بنِ محمد بنِ أبي مريم الجُمَحِيُّ مَولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بالغين المعجمة والسين المهملة المشددة، محمَّد ابن مطرف أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ) المخزوميِّ، واسم أبي ربيعة: عَمرو أو حذيفة، لقبه: ذو الرُّمحين
стр. 9992
من مسلمةِ الفتح (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ بِالمَدِينَةِ يَهُودِيٌّ) قال في «المقدمة»: لم أعرفْ اسمه، ويحتملُ أن يكون هو أبو الشَّحم (وَكَانَ يُسْلِفُنِي) بضم الياء مِنَ الإسلافِ (فِي تَمْرِي إِلَى الجِذَاذِ) بكسر الجيم وفتحها وبالذال المعجمة، ويجوز إهمالها، والَّذي في «اليونينيَّة» بالدال المهملة لا غير، أي: زمن قطع تمر (١) النَّخل، وهو الصِّرام (وَكَانَتْ لِجَابِرٍ) فيه التفاتٌ من الحضور إلى الغيبةِ (الأَرْضُ الَّتِي بِطَرِيقِ رُومَةَ) بضم الراء وسكون الواو بعدها ميم، وهي البئرُ الَّتي اشتراهَا عثمان ﵁ وسبَّلها وهي في نفسِ المدينة، ورواية: «دومة» بالدال بدل الراء الَّتي ذكرها الكِرمانيُّ، قال ابن حَجر: باطلةٌ لأنَّ دومة الجندل لم تكن إذ ذاك فتحتْ حتَّى يكون لجابرٍ فيها أرضٌ.
وأيضًا ففي الحديث أنَّه ﷺ مشى إلى أرضِ جابرٍ، وأطعمه من رطبها، ونام فيها، فلو كانت بطريق دومةِ الجندل لاحتاج إلى السَّفر لأنَّ بين دومة الجندل والمدينة عشر مراحل.
وأجابَ العيني بأنَّ المراد: كانت لجابر أرضٌ كائنة بالطَّريق الَّتي يسار منها إلى دومة الجندل، وليس المعنى الَّتي بدومة الجندل (فَجَلَسَتْ) بالجيم واللام والسين المفتوحات والفوقية الساكنة، أي: فجلست الأرض، أي: تأخَّرت عن الإثمارِ (فَخَلَا) بالفاء والخاء المعجمة واللام المخففة، من الخلوِّ، أي: تأخَّر السَّلف (عَامًا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فخاستْ» بخاء معجمة بعد الفاء وبعد الألف سين مهملة ففوقية ساكنة، بدل قوله: «فجلست» أي: خالفت مَعهودها وحملها. يقال: خاسَ عهدَه، إذا خانه، أو تغيَّر عن عادتهِ، وخاس الشَّيء، إذا تغيَّر، وهذا الَّذي في الفرع من جلستْ وفخاستْ وفخلا.
وقال ابن قُرْقُول في «المطالع» تبعًا للقاضِي عياض في «المشارق»: «فجلست نخلًا» بالنون كذا للقابسيِّ وأبي ذرٍّ وأكثر الرُّواة، وعند أبي الهيثم: «فخاست (٢) نخلها عامًا» وللأَصيليِّ: «فحبست فخلا» بالفاء «عامًا» وصوابُ ذلك ما رواه أبو الهيثم: «فخاستْ نخلها عامًا» بالنون. قال: وكان أبو مروان ابن سراج يصوِّب رواية القابسيِّ إلَّا أنَّه يصلح ضبطها: «فجلسْتُ (٣)»
стр. 9993
بسكون السين وضم التاء على أنَّها مخاطبة جابر، أي: تأخَّرت عن القضاء، «فخلَّى» بفاء وخاء معجمة ولام مشدَّدة، من باب التَّخلية، لكن قال: ذكر الأرض أوَّل الحديث يدلُّ على أن (١) الخبر عن الأرض لا عن نفسهِ (فَجَاءَنِي اليَهُودِيُّ عِنْدَ الجِذَاذِ) وفي «اليونينيَّة» بالدال المهملة فقط (وَلَمْ أَجُدَّ مِنْهَا شَيْئًا، فَجَعَلْتُ (٢) أَسْتَنْظِرُهُ إِلَى قَابِلٍ) أي: أطلبُ منه أن يمهلنِي إلى عامٍ ثانٍ (فَيَأْبَى) يمتنعُ عن (٣) الإمهال (فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضم همزة فأُخبِر وكسر الموحدة. وجوَّز في «الفتح» احتمال أن يكون بضم الراء على صيغة المضارعة (٤) والفاعل جابر، وذكره كذلك مبالغةً في استحضارِ صورة الحال. قال: ووقع في رواية أبي نُعيم في «المستخرج»: فأخبرتُ (فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: امْشُوا نَسْتَنْظِرْ) بالجزم، أي: نطلب الإنظار (لِجَابِرٍ مِنَ اليَهُودِيِّ، فَجَاؤُونِي فِي نَخْلِي، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَلِّمُ اليَهُودِيَّ) في أنْ يُنظرني في دينه (فَيَقُولُ) اليهوديُّ للنَّبيِّ ﷺ : يا (أَبَا القَاسِمِ) بحذف أداة النِّداء (لَا أُنْظِرُهُ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) ذلك من أمر اليهوديِّ (قَامَ فَطَافَ فِي النَّخْلِ، ثُمَّ جَاءَهُ) أي: جاء النَّبيُّ ﷺ إلى اليهوديِّ (فَكَلَّمَهُ) أن يُنظرني (فَأَبَى) قال جابرٌ: (فَقُمْتُ فَجِئْتُ بِقَلِيلِ رُطَبٍ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَكَلَ) منه (ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ عَرِيشُكَ يَا جَابِرُ؟) أي: المكان الَّذي اتَّخذته في بستانك لتستظلَّ (٥) به وتقيلَ فيه، ولأبي ذرٍّ: «أين عرْشك» بسكون الراء وإسقاط (٦) التَّحتية (فَأَخْبَرْتُهُ) به (فَقَالَ: افْرُشْ لِي فِيهِ) بضم الراء (فَفَرَشْتُهُ فَدَخَلَ) فيه (فَرَقَدَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَجِئْتُهُ بِقَبْضَةٍ أُخْرَى) من الرُّطب (فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَ فَكَلَّمَ اليَهُودِيَّ، فَأَبَى عَلَيْهِ فَقَامَ (٧)) ﵊ (فِي الرِّطَابِ) بكسر الراء (فِي النَّخْلِ) المرَّة (الثَّانِيَةَ، ثُمَّ قَالَ: يَا جَابِرُ، جُذ) بضم الجيم وكسرها، والإعجام والإهمال، أي: اقطع (وَاقْضِ) دين اليهوديِّ (فَوَقَفَ فِي الجَدَادِ) بالدال المهملة في «اليونينيَّة» (فَجَدَدْتُ مِنْهَا مَا قَضَيْتُهُ) دينه كله (وَفَضَلَ مِنْهُ) ولأبي ذرٍّ: «مثله» (فَخَرَجْتُ حَتَّى
стр. 9994
جِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَبَشَّرْتُهُ) بذلك (فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ) إنَّما قال ذلك ﷺ لما فيه من خرقِ العادة الظَّاهرة (١) من إيفاءِ الكثيرِ من القليل الَّذي لم يكن يظنُّ به أن (٢) يُوفي منه البعض فضلًا عن الكلِّ فضلًا عن أن يفضلَ فضلة، فضلًا عن أن يفضلَ قدر الَّذي كان عليه من الدَّين.
وثبتَ في رواية المُستملي وحده قوله في «تفسير أين عريشك» [خ¦٦٥ - ٦٦٨٧]: (عُرُوْشٌ) بضم العين والراء (وَعَرِيْشٌ) بفتح العين وكسر الراء، أي: (بِنَاءٌ) كذا فسَّره أبو عُبيدة.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا سبقَ أول «تفسير سورةِ الأنعام» [خ¦٦٥ - ٦٦٨٧]: (مَعْرُوشَاتٍ: مَا يُعَرَّشُ) بضم الياء وتشديد الراء مفتوحة (مِنَ الكُرُومِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُقَالُ: عُرُوشُهَا) أي: (أَبْنِيَتُهَا) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩].
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفَِرَبْريُّ: (قَالَ أَبُو جَعْفَرَ) محمَّد بن أبي (٣) حاتم، ورَّاق المؤلِّف: (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) البخاريُّ: (فَخَلَا) بالخاء المعجمة، المذكورة (٤) في الحديث السَّابق (لَيْسَ عِنْدِي مُقَيَّدًا) أي: مضبوطًا (ثُمَّ قَالَ: فَجَلَّى) أي: بتشديدِ اللام والجيم (لَيْسَ فِيْهِ شَكٌ) والله أعلم.
(٤٢) (بابُ أَكْلِ الجُمَّارِ) بضم الجيم وفتح الميم مشددة، ويسمى: الجَذَب -بالتَّحريك- وشحم النَّخل، وهو قلبها بالضم ورطبه الحلو باردٌ يابس في الأولى، وقيل في الثَّانية، يعقلُ البطن، وينفعُ من المرَّة الصَّفراء، والحرارة، والدَّم الحادِّ (٥)، وينفع من الشَّرى أكلًا وضمادًا، وكذا من الطَّاعون، ويختم القروح، وينفع من خشونةِ الحلقِ، نافعٌ للسعِ الزُّنبور ضمادًا، قاله صاحب «نزهة الأفكار في خواص الحيوان والنبات والأحجار».
стр. 9995
٥٤٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبرٍ، الإمام في التفسير (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ جُلُوسٌ إِذْ أُتِيَ) بضم الهمزة (بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ) بالإضافة (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا) بفتح اللام (بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ المُسْلِمِ) بلام التَّأكيد في «لما» (١) والميم زائدة، قال ابن عمر: (فَظَنَنْتُ أَنَّهُ) ﷺ (يَعْنِي: النَّخْلَةَ) لقرينة الجمَّار (فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ التَفَتُّ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ) أصغرهم سنًّا (فَسَكَتُّ) رعايةً لحقِّ الأكابر (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هِيَ النَّخْلَةُ).
وهذا الحديثُ قد سبق في مواضع من «كتاب العلم» [خ¦٦١] [خ¦٦٢] [خ¦٧٢] [خ¦١٣١]، ورواه البزَّار وزاد: «ما أتاك منها نفعَك»، والحكمة في تمثيل المؤمن بها لكثرة خيرها ونفعها على الدَّوام، وثمرها يؤكلُ رطبًا ويابسًا، وهو غذاءٌ ودواءٌ وقوتٌ وحلوى وشراب وفاكهة، ووجه شبههَا بالإنسانِ من وجوهِ استواء القدِّ وطولهِ، وامتيازِ الذَّكر عن الأنثى، وأنَّها لا تحملُ حتَّى تلقَّح، وإذا قوبلَ بين ذكورها وإناثها كثرَ حملها لاستئناسهَا بالمجاورةِ ورائحة طلعهَا كرائحةِ منيِّ الإنسان، وإذا قطعت رأسَها هلكتْ بخلافِ الأشجار، ويكفِي في شرفِها وكثرةِ خيرها أنَّ الله تعالى شبَّه بها شهادةَ أن لا إله إلَّا الله بقولهِ تعالى: ﴿مَثَلاً كَلِمَةً (٢) طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] الآية. فكما (٣) أنَّها
стр. 9996
شديدة الثُّبوت في الأرضِ فكذلك الإيمان في قلبِ المؤمن وارتفاعهَا كارتفاع عملِ المؤمن، وكما أنَّها تؤتي أُكلها كلَّ حينٍ كذلك ما يكسبُه المؤمن من بركة الإيمانِ وثوابه في كلِّ حينٍ على اختلافِ صنوفهِ.
ومن خواصِّها أنَّها لا توجد إلَّا في بلادِ الإسلام، فإنَّ بلاد الحبشةِ والنَّوبة والهند بلادٌ حارَّة خليقةٌ بوجود النَّخل، فلا (١) ينبتُ فيها شيءٌ منه البتَّة.
(٤٣) (بابُ) فضل (العَجْوَةِ) على غيرها، ويقال لها: أمُّ التَّمر.
٥٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا جُمْعَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضم الجيم وسكون الميم، ابن زياد بنِ شداد السُّلميُّ، أبو بكر البلخيُّ. يقال: إنَّ اسمه يحيى، وجمعة لقبُه، ويقال له أيضًا: أبو خاقان، وليس له في البخاريِّ إلَّا (٢) هذا الحديث بل ولا في الكتب السِّتَّة، قال: (حَدَّثَنَا مَرْوَانُ) بن معاوية الفزاريُّ قال: (أَخْبَرَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ) بن عتبة بنِ أبي وقاص الزُّهريُّ المدنيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقَّاص ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ تَصَبَّحَ) بتشديد الموحدة، أي: أكل صباحًا قبل أن يأكلَ شيئًا (كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ) بتنوينهما مجرورين، فالثَّاني عطف بيانٍ، وينصبُ على التَّمييز، ولأبي ذرٍّ: «تمراتِ عجوةٍ» بإضافة تمراتٍ لتاليهِ من إضافةِ العامِّ للخاصِّ (لَمْ يَضُرُّهُ) بضم الضاد المعجمة وتشديد الراء مِنَ الضَّرر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لم (٣) يضِرْه» بكسر الضاد وسكون الراء، من ضارَه يضيرُه ضيرًا إذا أَضَرَّه (فِي
стр. 9997
ذَلِكَ اليَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ) وليس هذا من طبعِها إنَّما هو من بركةِ دعوةٍ سبقت كما قاله الخطَّابيُّ.
وقال النَّوويُّ: تخصيصُ عجوةِ المدينة وعدد السَّبع من الأمور الَّتي علمها الشَّارع ولا نعلمُ نحن حكمها فيجبُ الإيمان بها. وقال المظهريُّ: يحتملُ أن يكون في ذلك النَّوع هذه الخاصيَّة. وفي «سنن أبي داود» من حديث جابر وأبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا: «العجوةُ من الجنَّة وهي شفاءٌ (١) من السُّمِّ» وفي حديث عائشة عند مسلم: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «في عجوةِ العاليةِ شفاءٌ، وأنَّها ترياقٌ أوَّل البُكْرةِ». ورواهُ أحمد ولفظُه: «في عجوةِ العاليةِ أوَّل البُكرةِ على ريقِ النَّفْس شفاءٌ من كلِّ سحرٍ أو سُقْمٍ».
وحديثُ الباب أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٩]، ومسلمٌ في «الأطعمةِ»، وأبو داود في «الطِّبِّ» والنَّسائيُّ في «الوليمةِ».
(٤٤) (بابُ) حكم (القِرَانِ فِي التَّمْرِ) بكسر القاف وتخفيف الراء، أي: ضم تمرةٍ إلى أخرى إذا أكلَ مع غيره، ولأبي ذرٍّ: «الإقران» من أقرنَ، والمشهورُ استعماله ثلاثيًا، وسقطَ له «في التَّمر».
٥٤٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ) بفتح الجيم والموحدة واللام، وسُحَيْم: بضم السين المهملة وفتح الحاء المهملة وسكون التحتية، التَّابعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: أَصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ) بإضافةِ عام المرفوعِ للاحقهِ، أي: عام قحطٍ وجدبٍ (مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ) عبد الله لما كان خليفةً بالحجاز (رَزَقَنَا) بفتحات، كذا في «اليونينيَّة» أي: أعطانا في أرزاقنَا، ولأبي ذرٍّ: «فرُزقنا» بالفاء، أي: مع ضمِّ الراء (٢) (تَمْرًا) وهو القدر الَّذي كان يصرف لهم في كلِّ سنةٍ من مال الخَراج وغيره بدل النَّقد؛ لقلَّة النَّقد إذ ذاك
стр. 9998
بسببِ المجاعة الَّتي حصلتْ (فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا وَنَحْنُ نَأْكُلُ) من التَّمر، والواو للحال (وَيَقُولُ: لَا تُقَارِنُوا) في أكل التَّمر بل كلوا تمرةً تمرةً (فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ القِرَانِ) في أكل التَّمر (١)، ولأبي ذرٍّ: «عن الإقران» (٢) (ثُمَّ يَقُولُ: إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ) في الإيمان الَّذي اشتركَ معه في الأكلِ ويأذن له فإنَّه يجوزُ له القران، فإن لم يأذنْ له وكان ملكًا لهما أو لغيرهما حرم، وفي معنى التَّمر الرُّطب والعنب والزَّبيب للعلَّة الجامعة.
(قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج بالسَّند السَّابق: (الإِذْنُ) المشار إليه بقولهِ: إلَّا أن يستأذنَ الرَّجل أخاهُ (مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ) مدرجًا في الحديث، وكذا أخرجه أبو داود الطَّيالسيُّ في «مسنده» مدرجًا، وفيه روايات أُخرى حاصلُها اختلافُ أصحاب شعبة وأكثرهم رواهُ عنه مُدْرجًا وآخرون تردَّدوا في الرفعِ والوقفِ. وشَبَابة عنه فصَّل حيث قال: «إلَّا أن يستأذن الرَّجل أخاهُ»، وآدمُ جزم بأنَّ الزِّيادة من قولِ ابن عمرَ، كما نبَّه عليه مع غيرهِ الحافظُ أبو الفضل ابن حجرٍ رحمه الله تعالى (٣)، واستدلَّ بقولِ أبي هريرة المرويِّ عند ابن حبَّان وغيره: «كنتُ في أصحاب الصُّفة، فبعثَ إلينا رسولُ الله ﷺ تمرَ عجوة، فَكُبَّ بيننَا فكنَّا نأكلُ الثِّنتين من الجوعِ، وجعلَ أصحابنا إذا قرنَ أحدهم قال لصاحبهِ: إنِّي قد قرنْتُ فاقرنوا» على الرَّفع وعدمِ الإدراجِ لأنَّ هذا الفعلَ منهم في زمنِ النَّبيِّ ﷺ دالٌّ على أنَّه كان مشروعًا بينهم، وقولُ الصَّحابي: كنَّا نفعلُ في زمنهِ ﷺ (٤) كذا له حكمُ الرَّفع عند الجمهورِ.
وقد اعتمدَ البخاريُّ هذه الزِّيادة وترجمَ لها (٥) في «كتاب المظالمِ»، وفي «الشَّركة»، ولا يلزم من كون ابنِ عمر ذكرَ الإذن مرَّة غير مرفوعٍ أن لا (٦) يكون مستندهُ فيه الرَّفع.
وهذا الحديثُ سبقَ في «المظالم» [خ¦٢٤٥٥] و «الشَّركة» [خ¦٢٤٩٠]، ورواه أصحاب «السنن» (٧).
стр. 9999
(٤٥) (بابُ القِثَّاءِ) ويقال لها: شعارير -بالشين المعجمة- الواحدة: شُعْرُورة، وقيل: صِغاره. والضَّغابيس -بمعجمتين أوله، آخره مهملة- صغارهُ، والجِرْوُ والجِرْوَةُ الصَّغير (١) من القثَّاء (٢)، وفي الحديث: «أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بأَجْرٍ زُغْبٍ». انتهى.
وهيئتُه حسنةٌ وشكلُه جميلٌ أنابيبُ طِوال مضلَّعة، كما قيل:
انْظُرْ إِلَيْهَا أَنَابِيْبًا مُضَلَّعَةً … مِنَ الزَّبَرْجَد جَاءتْ (٣) مَا لَهَا وَرَقُ
إِذَا قَلَبْتَ اسْمَهُ بَانَتْ مَلَاحَتُهُ … وَصَارَ مَقْلُوبُه إِنِّي بِكُمْ أَثِقُ
٥٤٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بنِ إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوف (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي طالبٍ (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالقِثَّاءِ).
وهذا الحديثُ قد سبقَ في «باب أكلِ الرُّطب بالقثَّاء» [خ¦٥٤٤٠] لكنَّه صرَّح بسماعِ سعد بن عبد الله بن جعفر هنا، ورواهُ بالعنعنةِ هناك.
وقد روى أبو منصور الدَّيلميُّ من حديثِ وابصةَ مرفوعًا: «إذا أكلتُمْ القثَّاء كلُوا من أسفلِهِ» ومن خواصِّه فيما زعمُوا أنَّه إذا سُعِطَ الرَّاعف بماءِ القثَّاء المرِّ قطعَ الدم، وإذا جُفِّفَ بزرُهُ ودُقَّ واستُحْلِبَ بالماء وشُرِبَ سكَّنَ العطشَ وأدرَّ البول، ونفعَ من وجع المثانةِ، لكنَّه رديءُ
стр. 10000
الكيمُوس، وإدامةُ أكلهِ يهيِّج الحُمَّيَات، ويحدثُ وجع الخاصرة، والخلطُ المتولِّد منه رديءٌ، وذلك لغلظِ جُرْمه، فهو بطيءُ الانحدارِ عن المعدةِ، مؤذٍ لها ببردهِ، يضرُّ بعصبِهَا (١)، فلذا (٢) ينبغِي أن يستعملَ معه ما يصلحُه ويكسر بردَهُ بعسلٍ أو برطبٍ، كما فعل ﷺ .
(٤٦) (بابُ بَرَكَةِ النَّخْلِ) بفتح أوله وإسكان المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «النَّخلة» بتاء التَّأنيث واحدةُ النَّخل، ويسمَّى: الجَمَد -بفتح الجيم والميم-، والإشَاء -بالشين المعجمة- صِغَارها، والشَّطءُ: فراخُه، والجمعُ: شطُوء، والعَذَق -بفتح المهملة-: النَّخلة بحملِها (٣)، والجمعُ: أَعْذُق وعِذَاق، وبالكسر: القِنْو منها. وقد ذكرها الله في القرآن في غيرِ ما موضعٍ وشبَّه بها كلمةَ التَّوحيد، وشبهتْ في الحديثِ بالمؤمن لكثرةِ بركتها وعمومِ نفعها كما لا يخفَى، وقد سبق قريبًا ذكرُ شيءٍ من ذلك.
٥٤٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ) بن مصرفٍ الياميُّ (عَنْ زُبَيْدٍ) بضم الزاي وفتح الموحدة، ابن الحارث اليامِيِّ، حُجَّةٌ، قانتٌ لله (عَنْ مُجَاهِدٍ) الإمام المفسِّر أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ) ولأبي ذرٍّ: «إنَّ من الشَّجرة شجرةً» (تَكُونُ) في بركتِهَا وكثرةِ نفعها (مِثْلَ المُسْلِمِ) بكسر الميم وسكون المثلثة والنصب (وَهْيَ النَّخْلَةُ).
وهذا الحديث قد سبق قريبًا [خ¦٥٤٤٤].
(٤٧) (بابُ) حكم (جَمْعِ اللَّوْنَيْنِ) من الفاكهة وغيرها (أَوِ الطَّعَامَيْنِ) في الأكل (بِمَرَّةٍ) أي: في حالةٍ واحدة.
стр. 10001
٥٤٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمد المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بنِ إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوف (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ) هو ابنُ أبي طالب (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ (١) ﷺ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالقِثَّاءِ) القثَّاء في يمينه والرُّطب في شمالهِ يأكلُ من ذا مرَّة، ومن ذا مرَّة.
أخرجهُ الطَّبرانيُّ في «الأوسط» من حديثِ عبد الله بنِ جعفر، وفيه: جوازُ أكل لونين وطعامين معًا، والتَّوسُّع في المطاعمِ، ولا خلاف في ذلك، وما روي عن السَّلف من خلافِ ذلك (٢) محمولٌ على كراهةِ اعتياد التَّوسُّع والتَّرفُّه لغير مصلحةٍ دينيَّة.
(٤٨) (بابُ) ذكر (مَنْ أَدْخَلَ الضِّيفَانَ) بكسر الضاد المعجمة (عَشَرَةً عَشَرَةً وَ) ذكر (الجُلُوسِ عَلَى الطَّعَامِ عَشَرَةً عَشَرَةً) لضيق (٣) الطَّعام، أو مكان الجلوسِ عليه.
والضِّيفان جمع: ضيفٍ يستوي فيه الواحدُ والجمع، ويجمعُ على أضيافٍ وضيوفٍ وضيفان، وأصله: الميل يقال: ضفتُ إلى كذا، وأضفتُ كذا إلى كذا، والضَّيف مَن مالَ إليك نازلًا بكَ.
стр. 10002
٥٤٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الصاد المهملة وبعد اللام الساكنة مثناة فوقية، الخَارَكيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنُ درهمٍ، أحدُ الأعلام (عَنِ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة (أَبِي عُثْمَانَ) بن دينار اليشكريِّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابنُ مالكٍ ﵁ (وَ) رواه حمَّاد بسنده أيضًا (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ حسان الأزديُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين (عَنْ أَنَسٍ) أيضًا (١) (وَ) الطَّريق الثَّالثة لحمَّاد (٢) (عَنْ سِنَانٍ) بكسر السين المهملة وتخفيف النون وبعد الألف نون أخرى (أَبِي رَبِيعَةَ) واسم أبيه (٣): ربيعة، ككنيتهِ (عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ أُمَّهُ) زوج أبي طلحة (عَمَدَتْ) بفتحات، قصدتْ (إِلَى مُدٍّ) مكيالٍ مملوءٍ (مِنْ شَعِيرٍ) قدره رطلان، أو رطلٌ وثلث (جَشَّتْهُ) بالجيم والشين المعجمة، أي: طحنته طحنًا جريشًا غير ناعمٍ (وَجَعَلَتْ مِنْهُ خَطِيفَةً) بخاء معجمة مفتوحة فطاء مهملة مكسورة فتحتية ساكنة ففاء، لبنًا يطبخُ بدقيقٍ، ويُخْتَطَفُ بالأصابع والملاعق بسرعةٍ، فهي فعيلة بمعنى مفعولة (وَعَصَرَتْ عُكَّةً) وهي آنية (٤) من جلدٍ للسَّمن (عِنْدَهَا) على الَّذي طبختْه (٥) (ثُمَّ بَعَثَتْنِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَيْتُهُ وَهْوَ فِي أَصْحَابِهِ فَدَعَوْتُهُ قَالَ) ﷺ : أأحضر (٦) (وَمَنْ مَعِي؟) قال أنس: (فَجِئْتُ) إلى أمِّي (فَقُلْتُ: إِنَّهُ يَقُولُ) أأحضر (وَمَنْ مَعِي فَخَرَجَ إِلَيْهِ) ﷺ (أَبُو طَلْحَةَ، قَالَ (٧): يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ) قليلٌ (صَنَعَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ) بمفردها، أي: والَّذي يتولَّى صنعه امرأة واحدة يكون قليلًا عادةً (فَدَخَلَ) ﷺ (فَجِيءَ بِهِ) بالَّذي صنعته أمُّ سليمٍ (وَقَالَ) ﷺ : (أَدْخِلْ) بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة (عَلَيَّ عَشَرَةً) أي: من أصحابه الَّذين حضروا معه ﵃ (فَدَخَلُوا) ولأبي ذرٍّ: «فأُدخِلوا» بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. ثُمَّ قَالَ) ﵊: (أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً. فَدَخَلُوا فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ قَالَ: أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً) وسقطَ من قوله: «فدخلوا» الثَّانية إلى
стр. 10003
هنا لأبي ذرٍّ (حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ) رجلًا، وإنَّما أدخلهم عشرة عشرة لأنَّها كانت قصعةً واحدة ولا يمكن الجمع الكثير التَّناول منها مع قلَّة الطَّعام، فجعلهم عشرة عشرة ليتمكَّنوا من الأكلِ ولا يزدحموا (ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَامَ) قال أنس: (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ) إلى القصعة (هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ) من الطَّعام.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ لا خفاءَ فيها.
(٤٩) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الثُّومِ) بضم المثلَّثة، أي: من أكل الثُّوم (وَ) أكل (البُقُولِ) الَّتي لها رائحةٌ كريهةٌ (فِيْهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ) وسقطَ لأبي ذرٍّ لفظ (١) «عن» الجارَّة (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ممَّا سبق موصولًا في أواخرِ «صفةِ الصَّلاة» قُبَيل «كتاب الجُمعة» بلفظ: إنَّ النَّبيِّ ﷺ قال في غزوةِ خيبر: «مَنْ أكلَ مِن هذهِ الشَّجرةِ -يعني: الثُّوم- فلا يقربنَّ مسجدَنَا» [خ¦٨٥٣].
٥٤٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن صهيبٍ أنَّه (قَالَ: قِيلَ لأَنَسٍ) ﵁: (مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُوْلُ فِي) حكمِ أكل (الثُّومِ؟) ثبتَ: «يقول» لأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (٢) (فَقَالَ) أنس: قال النَّبيُّ ﷺ : (مَنْ أَكَلَ) أي: «من هذهِ الشَّجرة» كما في «كتاب الصَّلاة» [خ¦٨٥٦] كما في روايةِ أبي مَعمر، عن عبد الوارثِ، والمراد بها: الثُّوم (فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) بنون التَّوكيد الثَّقيلة، والمساجدُ كلُّها مساجده ﷺ فلا يختص النَّهي بمسجدهِ، والتَّعليل بتأذِّي الملائكة أو النَّاس يقتضِي العموم خلافًا لمن خصَّه به محتجًّا بأنَّه مهبطُ الوحي، بل لو قيلَ بالتَّعميم في كلِّ مجمعٍ لكان متجهًا (٣).
وقوله: «من أكلَ» في موضعِ نصبٍ، ومن شرطيَّة مبتدأ، وجوابها: «فلا يقربَنَّ».
стр. 10004
٥٤٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن عبد الملك بنِ مروان الأمويُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأَيْليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ زَعَمَ عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» أي: قال: إنَّ النَّبيَّ (¬ ﷺ قَالَ: مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا) أي: أو غيرهما ممَّا له ريحٌ كريهةٌ كالكرَّاث (فَلْيَعْتَزِلْنَا) فلا يحضر عندنا، ولا يصلِّ معنا (-أَوْ: لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا-) بالشَّكِّ من الزُّهريِّ، وفي مسلم (١) من حديث جابرٍ: «نهى رسولُ الله ﷺ عن أكلِ البصلِ والكرَّاث، فغلبتنَا الحاجةُ، فأكلنا منه … » الحديث.
وفي «الصغير» للطبرانيِّ النَّهي عن الفجل أيضًا، وظاهرُ هذه الأحاديث شاملٌ للنيءِ والمطبوخ، لكن عند أبي داود من حديثِ عليٍّ: «نَهى عن أكلِ الثُّوم إلَّا مطبوخًا» لأنَّه حينئذٍ تزولُ رائحتُه الكريهة لاسيَّما البصل.
قال في «القاموس»: والثَّوم مُسخِّنٌ مُخْرجٌ للنَّفخِ والدُّود، مُدِرٌّ جدًّا وهذا أفضلُ ما فيه، جيِّدٌ للنِّسيان، والرَّبو، والسُّعال المُزْمن، والطِّحال، والقولَنْج، وعِرْق النَّسا، ولَسْع الهوامِّ والحيَّاتِ، والعقاربِ، والكلبِ الكَلِبِ (٢)، والعطشِ البلغميِّ، وتقطيرِ البولِ، وتصفيَةِ الحلْقِ، باهيٌّ جذَّابٌ ومشويُّه لوجَعِ الأسنانِ المُتأكِّلة، حافظٌ لصحَّة المبرودين والمشايخ، رديءٌ للبواسير والزَّحير، والخَنازير، وأصحابِ الدِّقِّ والحَبالَى، والمُرْضِعات، والصُّداع، إصلاحُه بسَلْقهِ بماءٍ وملحٍ، وتَطْجينُه (٣) بدُهْنٍ، وإتباعُه بمصِّ رُمَّانةٍ مُزَّة (٤).
стр. 10005
(٥٠) (بابُ الكَبَاثِ) بفتح الكاف والموحدة الخفيفة وبعد الألف مثلَّثة (وَهْوَ تَمْرُ الأَرَاكِ) بالمثناة الفوقية المفتوحة والميم الساكنة في الفرع (١)، والأَرَاك: بفتح الهمزة وتخفيف الراء.
قال في «المطالع»: الكبَاث ثمرُ الأراك قبلَ نضجهِ، وقيل: بل هو حُصْرمه، وقيل: غضُّه، وقيل: مُتَزببه، وهو البريرُ أيضًا يعني بالموحدة بوزنِ حرير.
وفي «القاموس»: النَّضيجُ من ثمرِ (٢) الأراكِ، ووقع في رواية أبي ذرٍّ عن مشايخهِ: «وهو ورقُ الأراكِ».
٥٤٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء مصغَّرًا، هو سعيدُ بنُ كثير (٣) بنِ عُفَير بنِ مسلم. وقيل: (٤) ابن عُفير بن سلمة بنِ يزيد بنِ الأسود الأنصاريُّ مَولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأَيْليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بنِ عوف (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَابِرُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) بفتح الميم وتشديد الراء، والظَّهْران: بفتح الظاء المعجمة وتسكين الهاء بعدها راء، تثنية الظَّهر، مكانٌ على مرحلةٍ من مكَّة (نَجْنِي الكَبَاثَ) أي: نقطعهُ لنأكله (فَقَالَ) ﷺ : (عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَيْطَبُ) بهمزة مفتوحة فتحتية ساكنة فطاء مهملة مفتوحة فموحدة، مقلوبُ أطيب (فَقَالَ)
стр. 10006
جابر، ولأبي ذرٍّ: «فقيل»: (أَكُنْتَ تَرْعَى الغَنَمَ؟) حتَّى عرفت أطيب الكبَاثِ لأنَّ راعي الغنم يكثرُ تردُّده تحت الأشجارِ لطلبِ المرعى منها (١) (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) كنتُ أرعاها (وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَاهَا) لأن يأخذوا أنفسهم بالتَّواضعِ، وتصفوا قلوبهم بالخلوةِ، ويترقَّوا من سياستِها إلى سياسةِ أممِهِم بالشَّفقةِ عليهم وهدايتِهِم إلى الصَّلاح.
وهذا الحديثُ سبق في «أحاديثِ الأنبياء» صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين [خ¦٣٤٠٦].
(٥١) (بابُ المَضْمَضَةِ بَعْدَ) أكل (الطَّعَامِ) سقطَ الباب لغير أبي ذرٍّ (٢).
٥٤٥٤ - ٥٤٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، شطبَ في «اليونينيَّة» على: «بن عبد الله» (٣) قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) الأنصاريَّ (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) بضم الموحدة وفتح المعجمة مصغَّرًا، ويسار: بالتحتية والمهملة المخففة (عَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ) الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى) غزوة (خَيْبَرَ، فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ دَعَا بِطَعَامٍ فَمَا أُتِيَ) بضم الهمزة وكسر الفوقية (٤) (إِلَّا بِسَوِيقٍ، فَأَكَلْنَا) منه (٥) (فَقَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَمَضْمَضَ) بفوقية بعد الفاء (٦) (وَمَضْمَضْنَا).
стр. 10007
(قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ بالسَّند السَّابق: (سَمِعْتُ بُشَيْرًا) بضم الموحدة، ابن يسارٍ (يَقُولُ: حَدَّثَنَا (١) سُوَيْدٌ) أي: ابن النُّعمان (٢): قال: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ -قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ: (وَهْيَ) أي: الصَّهباء (مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ- دَعَا) رسولُ الله ﷺ (بِطَعَامٍ فَمَا أُتِيَ إِلَّا بِسَوِيقٍ فَلُكْنَاهُ) علكناهُ في أفواهنا (فَأَكَلْنَا مَعَهُ) ﷺ ، ولأبي ذرٍّ: «منه» بدل قوله: «معه»، أي: من السَّويق (ثُمَّ دَعَا) ﷺ (بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ) فاه الشَّريف من أثرِ السَّويق (وَمَضْمَضْنَا مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا المَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَقَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة لعليِّ بن المدينيِّ: نقلتُ الحديثَ من يحيى بن سعيدٍ بلفظهِ مرارًا (٣) فتكون (كَأَنَّكَ تَسْمَعُهُ (٤) مِنْ يَحْيَى (٥)) بغير واسطةٍ.
(٥٢) (بابُ) استح بابِ (لَعْقِ الأَصَابِعِ وَمَصِّهَا قَبْلَ أَنْ تُمْسَحَ (٦) بِالمِنْدِيلِ) بضم الفوقية، والمِنديل: بكسر الميم.
٥٤٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ) طعامًا (فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ) لا ناهية والفعل معها مجزومٌ (حَتَّى يَلْعَقَهَا) بفتح الياء والعين بينهما لام ساكنة، حتَّى يلحسها هو (أَوْ يُلْعِقَهَا) بضم أوله وكسر ثالثه، أي: يلحسها غيره ممَّن لا يتقذَّر ذلك
стр. 10008
كزوجةٍ وولدٍ وخادمٍ، وكتلميذٍ يعتقدُ بركته، فإنَّه لا يدري في أيِّ طعامهِ البركة، كما رواه مسلمٌ من حديثِ جابر وأبي هريرة، ولما فيه من تلويثِ ما يمسحُ به مع الاستغناء عنه بالرِّيق.
وقيل: إنَّما أمرَ بذلك لئلَّا يتهاون بقليلِ الطَّعام، وقوله: فإنَّه لا يدرِي في أيِّ طعامهِ البركة، لا ينافِي إعطاءَ يدهِ لغيرهِ يُلْعقها، فهو من باب التَّشريك فيما فيه البركة.
وفي حديث كعب بن مالك عند مسلمٍ: «كان رسولُ الله ﷺ يأكلُ بثلاثِ أصابع، فإذا فرغَ لعقهَا».
قال في «فتح الباري»: فيحتملُ أن يكون أطلق على الأصابعِ اليد، ويحتمل وهو الأولى أن يكون أرادَ باليد الكفَّ كلَّها، فيشملُ الحكم من أكل بكفِّه كلِّها، أو بأصابعه فقط، أو ببعضِها.
ويؤخذُ منه أنَّ السُّنَّة الأكلُ بثلاثِ أصابع، وإن كان الأكلُ بأكثرَ منها جائزًا. وفي حديث كعب بن عجرةَ عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط» قال: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ يأكلُ بأصابعهِ الثَّلاث بالإبهام والَّتي تليها والوسطى، ثمَّ رأيتُه يلعقُ أصابعه الثَّلاث قبل أن يمسحَها الوسطى ثمَّ الَّتي تليها ثمَّ الإبهام».
والسِّرُّ في ذلك -كما قاله الحافظ الزَّين عبد الرَّحيم (١) العراقيُّ- أن (٢) الوسطى يكثرُ تلويثها لأنَّها أطولُ فيبقى فيها من الطَّعام أكثر من غيرها، ولأنَّها لطولهَا أوَّل ما تنزلُ في الطَّعام، ويحتمل أنَّ الَّذي يلعقُ يكون بطن كفِّه إلى جهة وجههِ، فإذا ابتدأ بالوسطى انتقلَ إلى السَّبَّابة على جهةِ يمينهِ، وكذا الإبهام، والحديثُ ردٌّ على من كرهِ لعقَ الأصابعِ استقذارًا.
فإن قلتَ: من أينَ تؤخذُ المطابقةُ لما ترجم له؟
أُجيب بأنَّ في حديث جابرٍ عند مسلمٍ: «فلا يمسح يدَه بالمنديلِ حتَّى يلعقَ بأصابعه».
وفي حديث جابر أيضًا عند ابنِ أبي شيبة: «إذا طَعِم أحدُكم فلا يمسحْ يده حتَّى يمصَّها»، فلعلَّ المصنِّف أشار بالتَّرجمة لذلك، والله أعلم.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الأطعمةِ»، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ»، وابن ماجه في «الأطعمةِ».
стр. 10009
(٥٣) (بابُ المِنْدِيلِ) بكسر الميم.
٥٤٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذرِّ) الحزاميُّ المدنيُّ، أحدُ الأعلام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) بضم الفاء وفتح اللام آخره مهملة مصغَّرًا (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبِي) فليح بن سليمان المدنيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ) بن أبي المعلى الأنصاريِّ، قاضي المدينة (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄ أَنَّهُ سَأَلَهُ) أي: إنَّ سعيدَ بن الحارث سأل جابرَ بن عبد الله (عَنِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ) بالطَّبخ ونحوه أيجبُ على الآكلِ منه الوضوء؟ (فَقَالَ: لَا) يجبُ (قَدْ كُنَّا زَمَانَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ) أي: ممَّا مسَّت النَّار (مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا قَلِيلًا، فَإِذَا نَحْنُ وَجَدْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إِلَّا أَكُفَّنَا وَسَوَاعِدَنَا وَأَقْدَامَنَا، ثُمَّ نُصَلِّي وَلَا نَتَوَضَّأُ) ممَّا مسَّت النَّار.
وهذا الحديث أخرجهُ ابن ماجه في «الأطعمة».
(٥٤) (بابُ مَا يَقُولُ) الآكلُ (إِذَا فَرَغَ مِنْ) أكل (طَعَامِهِ).
٥٤٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ ثَوْرٍ) بفتح المثلثة، باسم الحيوان، ابن يزيد (١) من الزِّيادة، الشَّاميِّ (عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ) بفتح الميم
стр. 10010
وسكون العين المهملة (عَنْ أَبِي أُمَامَة) صديِّ بن عجلان ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ) وعند الإسماعيليِّ من طريقِ وكيعٍ، عن ثور: «إذا فرغَ من طعامِهِ ورفعتْ مائدتُهُ». ومن وجهٍ آخر عن ثور: «إذا رفعَ طعامَه من بين يديهِ»، والمائدةُ تطلقُ ويرادُ بها نفس الطَّعام، أو بقيَّته، أو إناؤه. وعن البخاريِّ المؤلِّف: إذا أكلَ الطَّعام على شيءٍ ثمَّ رفع، قيل: رفعتِ المائدة (قَالَ: الحَمْدُ للهِ) حمدًا (كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ) بفتح الراء (غَيْرَ مَكْفِيٍّ) بنصب غير ورفعه، ومكفيٍّ: بفتح الميم وسكون الكاف وتشديد التحتية، من كفأتُ، أي: غير مردودٍ ولا مقلوبٍ، والضَّمير راجعٌ إلى الطَّعام الدَّالِّ عليه السِّياق أو هو من الكفايةِ، فيكون من المعتلِّ، يعني: أنَّه تعالى هو المطعمُ لعبادهِ والكافي لهم، فالضَّمير راجعٌ إلى الله تعالى.
وقال العينيُّ: هو من الكفايةِ، وهو اسمُ مفعول أصله: مَكْفُوي على وزن مفعول، فلمَّا اجتمعتْ الواو والياء قلبتْ الواو ياء وأدغمتْ في الياء ثمَّ أبدلتْ ضمة الفاء كسرة لأجل الياء، والمعنى: هذا الَّذي أكلنَاهُ ليس فيه كفاية عمَّا بعده بحيثُ ينقطعُ، بل نعمك مستمرَّةٌ لنا طول أعمارنَا غير منقطعةٍ. وقيل: الضَّمير راجعٌ إلى الحمد، أي: أنَّ الحمد غير مكفيٍّ إلى آخره (وَلَا مُوَدَّعٍ) بضم الميم وفتح الواو والدال المهملة المشددة، غير متروكٍ، ويجوز كسر الدال، أي: غير تاركٍ فيكون حالًا من القائل (وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ) بفتح النون والتَّنوين (رَبَّنَا) بالنَّصبِ على المدحِ، أو الاختصاص، أو النِّداء.
ويجوزُ الرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو، والجر على البدلِ من اسم الله في قولهِ: الحمد لله. قال الكِرْمانيُّ: وباعتبار مرجع الضَّمير ورفع غير ونصبه تكثر التَّوجيهات بعددها.
وهذا الحديثُ أخرجهُ في «الأطعمة» [خ¦٥٤٥٩]، والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات»، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ»، وابن ماجه في «الأطعمةِ».
٥٤٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلد النَّبيل (عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة الشَّاميِّ (عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ) أكلِ (طَعَامِهِ، وقَالَ
стр. 10011
مَرَّةً: إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي كَفَانَا) من الكفاية الشَّاملة للشبعِ والرِّيِّ وغيرهما، وحينئذٍ فيكون قولهُ: (وَأَرْوَانَا) من عطف الخاصِّ على العامِّ. قال في «الفتح»: ووقعَ في رواية ابنِ السَّكن، عن الفَِرَبْريِّ: «وآوانا» بمدِّ الهمزة بعدها من الإيواء (غَيْرَ مَكْفِي وَلَا مَكْفُورٍ) أي: ولا مجحودٍ فضله ونعمته، وهذا كلُّه ممَّا يتأيَّد به القول بأنَّ (١) الضَّمير في الرِّواية الأولى راجعٌ إلى الله تعالى، واختلاف طرق الحديث يبيِّن بعضه بعضًا (وَقَالَ مَرَّةً: لَكَ الحَمْدُ) ولغير أبي ذرٍّ: «وقال مرَّة: الحمد لله» (رَبَّنَا، غَيْرَ مَكْفِي، وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى) عنه (رَبَّنَا).
وعند أبي داود من حديثِ أبي سعيد: «الحمد لله الَّذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين». وفي حديث أبي أيُّوب عند التِّرمذيِّ وأبي داود: «الحمد لله الَّذي أطعم وسقى وسوَّغه وجعل له مخرجًا».
(٥٥) (بابُ الأَكْلِ مَعَ الخَادِمِ) للتَّواضع ونفي الكبر سواء كان الخادم حرًّا أو رقيقًا ذكرًا أو أنثى إذا جاز له النَّظر إليه.
٥٤٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بنِ سَخْبرة الحَوْضيُّ النَّمريُّ الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدٍ -هو: ابْنُ زِيَادٍ-) القرشيِّ الجُمَحِيِّ مَولاهم، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ) بنصب أحدكُم ورفع خادمه مفعولًا وفاعلًا (٢) (بِطَعَامِهِ) جار ومجرور في موضع نصبٍ. زاد أحمدُ والتِّرمذيُّ: «فليجلسه معه» (فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ) بضم الهمزة فيهما، أي: لقمةً أو لُقمتين، وأما بالفتح فمعناه: المرَّة الواحدة مع الاستيفاء، وليس مرادًا هنا، وأو للتَّقسيم (أَوْ) قال: (لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي. وعند التِّرمذيِّ بلفظ: «لقمة» فقط. ولمسلم تقييدُ ذلك بما إذا كان الطَّعام قليلًا، ومقتضاهُ: أنَّه إذا كان كثيرًا فإمَّا أن يُقْعده معه، وإمَّا أن يجعلَ
стр. 10012
حظَّه منه كثيرًا (فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ) عند الطَّبخ (وَعِلَاجَهُ) عند تحصيلِ الآنية (١) وتركيبه وإصلاحه. وفي رواية لأحمد: «فإنَّه ولي حرَّه ودخانه» والأمر هنا للنَّدب، وينبغِي أن يلحق بهذا الَّذي طبخ مَن حَمَلَه أو عايَنَه ولو هرًّا أو كلبًا لتعلُّق نفسه به، فربَّما وقع الضَّرر للآكل منه، فينبغِي إطعامه من ذلك لتسكن نفسُه ويتَّقي شرَّ عينه.
وقد قيل: إنَّه ينفصلُ من البصر سمومٌ تركبُ الطَّعام لا دواء لها إلَّا بشيءٍ يطعمه من ذلك الطَّعام للنَّاظر إليه.
(٥٦) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين: (الطَّاعِمُ) وهو كما في «القاموس» وغيره: الحسن الحال في المطعم (الشَّاكِرُ) لربِّه تعالى على ما أنعم به عليه من الثَّواب (مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ) على الجوع، والطَّاعم مبتدأ، ومثل الصَّائم خبره. فإن قلت: قد تقرَّر في علم البيان أنَّ التَّشبيه يستدعي الجهة الجامعة والشُّكر نتيجة النَّعماء كما أنَّ الصَّبر نتيجةَ البلاء، فكيف شبَّه الشَّاكر بالصَّابر؟ أجيب (٣) بأنَّ هذا تشبيه في أصلِ ما لكلِّ واحدٍ منهما من الأجرِ لا في المقدارِ، وهذا كما يقال: زيدٌ كعمرو إذ (٤) معناه: زيدٌ يشبه عمرًا في بعض الخصالِ ولا يلزم منه المماثلةُ في جميعها، فلا تلزم المماثلةُ في الأجر أيضًا.
وقال شارح (٥) «المشكاة»: قد ورد: الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصفٌ شكر، وربَّما يتوهَّم متوهِّمٌ أنَّ ثوابَ شُكر الطَّاعم يقصر عن ثواب صَبر الصَّائم (٦) فأزيلَ توهُّمه به يعني: هما سيان في الثَّواب.
قال: وفيه وجهٌ آخر وهو أنَّ الشَّاكر لمَّا رأى النِّعمة من الله وحبسَ نفسه على محبَّة المنعم بالقلبِ وأظهرها باللِّسان نالَ درجة الصَّابر قال:
стр. 10013
وَقَيَّدْتُ نَفْسِي فِي ذَرَاكَ مَحَبَّةً … وَمَنْ وَجَدَ الإِحْسَانَ قَيْدًا تَقَيَّدًا
فيكون التَّشبيه واقعًا في حبس النَّفس بالمحبَّة، والجهة الجامعة حبس النَّفس مطلقًا فأينما وُجد الشُّكر وُجد الصَّبر ولا ينعكس. انتهى.
فالصَّابر يحبسُ نفسه على طاعة المنعم، والشَّاكر يحبسُ نفسه على محبَّته، وإذا تقرَّر أنَّ الأصل أنَّ المشبَّه به أعلى درجةً من المشبَّه اقتضى السِّياقُ المذكور هنا تفضيلَ الفقير الصَّابر على الغنيِّ الشَّاكر، وللنَّاس في هذه المسألة كلامٌ طويلٌ تأتي نبذةٌ منه إن شاء الله تعالى بعونه وقوَّته وكرمه في «الرِّقاق».
وما أحسن قول أحمد بنِ نصر الدَّاوديِّ: الفقرُ والغنى محنتان من اللهِ يختبرُ بهما عبادَه في الشُّكر والصَّبر كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] فالفقيرُ والغنيُّ متقابلان بما يعرضُ لكلٍّ منهما في فقرهِ وغِناه من العوارض فيُمدح أو يُذمُّ، وقد جمع الله تعالى لسيدنا محمَّد ﷺ الحالات الثَّلاث: الفقرَ والغنى والكفافَ، فكان الأوَّل أوَّل حالاتهِ، فقامَ بواجبِ ذلك من (١) مجاهدة النَّفس، ثمَّ فُتحت عليه الفتوح فصار بذلك في حدِّ الأغنياء، فقام بواجبِ ذلك من بذلهِ لمستحقِّه والمواساة به والإيثارِ مع اقتصاره منه على ما يسدُّ ضرورةَ عيالهِ، وهي صورةُ الكفاف الَّتي مات عليها، وهي حالةٌ سليمةٌ من الغنى المُطغي، والفقرِ المؤلم.
وفي مسلم من حديثِ ابن عمر رفعه: «قد أفلحَ من هُدي إلى الإسلامِ ورُزق الكفافَ وقنعَ» والكفافُ: الكفاية بلا زيادة، فمن حصل له ما يكفيه واقتنعَ به أَمِنَ من (٢) آفات الغنى والفقر، وقد رجَّح قومٌ الغنى على الفقرِ لما يتضمَّنه من القُربِ المالية.
وهذا الَّذي ذكر إنَّما هو في فضلِ الوصفين الغنى والفقر (٣) لا في أحدٍ ممَّن اتَّصف بأحدهما، والاختلافُ إنَّما هو في الأخيرِ.
نعم، النَّظر في أيِّ الحالين أفضلُ عند الله للعبدِ حتَّى يتكسَّبه ويتخلَّق به، وهل التَّقلُّل (٤) من المالِ أفضل؛ ليتفرَّغ قلبه من الشَّواغل وينالَ لذَّة المناجاةِ، ولا ينهمِك في الاكتسابِ ليستريح
стр. 10014
من طولِ الحساب، أو التَّشاغل باكتسابِ المال أفضل ليستكثرَ به من التَّقرُّب بالبرِّ والصِّلة والصَّدقة لما فيه من النَّفع المتعدِّي، وإذا كان الأمرُ كذلك فالأفضلُ ما اختاره ﷺ وجمهورُ أصحابه من التَّقلُّل من الدُّنيا، ولكلٍّ من القولين أدلَّةٌ تأتي إن شاء الله تعالى بفضلِ الله وإحسانه.
والتَّحقيق أن لا يُجاب في هذه المسألة بجوابٍ كلِّيٍّ، بل يختلفُ باختلافِ الأحوال والأشخاصِ، لكن عند الاستواءِ من كلِّ جهةٍ وفرضِ رفع العوارض بأسرها، فالفقرُ أسلم عاقبةً في الدَّار الأخرى.
وقد أشار المؤلِّف لما ترجم له بقولهِ: (فِيهِ) أي: في الباب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا وصله ابن ماجه في «الصَّوم» عن يعقوبَ بنِ حميدِ بنِ كاسبِ، عن محمد بنِ معن بنِ محمد الغفاريِّ، عن أبيه. وعن يعقوبَ بنِ حميدِ، عن عبد الله بنِ عبد الله، عن معن بنِ محمد (١)، عن (٢) حنظلةَ بن عليٍّ الأسلميِّ، عن أبي هريرة، به.
والتِّرمذيُّ في «الزهد» عن إسحاقِ بن موسى الأنصاريِّ، عن محمد بنِ معن، عن أبيه (٣)، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي هريرة -بلفظ التَّرجمة- به (٤)، وقال: حسنٌ غريب.
وأخرجهُ البخاريُّ في «التاريخ» والحاكم في «المستدرك» من رواية سُليمان بن بلال، عن محمد بنِ عبد الله بنِ أبي حُرَّة، عن عمِّه حكيمِ بن أبي حُرَّة، عن سلمان الأغر (٥)، عن أبي هريرة بلفظ: «إنَّ للطَّاعم الشَّاكر من الأجرِ مثل ما للصَّائم الصَّابر».
وأخرجه ابنُ حبَّان وقال: معناه: أنْ يَطْعم ثمَّ لا يعصِي بارئهُ بقوَّته، ويتمَّ شُكرَه بإتيانِ طاعتهِ بجوارحهِ؛ لأنَّ الصَّائم قُرِنَ به الصَّبرُ وهو صبرُهُ عن المحظوراتِ، وقُرِنَ بالطَّاعم الشُّكر، فيجبُ أن يكون هذا الشُّكر الَّذي يقوم بإزاء ذلك الصَّبر (٦) يقاربه (٧) ويشاركه وهو ترك المحظورات.
وقوله: «فيه عن أبي هريرة … » إلى آخره، ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ فقط، كما في الفرع وأصله.
стр. 10015
(٥٧) (بابُ الرَّجُلِ يُدْعَى إِلَى طَعَامٍ) فيتبعُه آخر (فَيَقُولُ) المدعوُّ: (وَهَذَا) رجلٌ (مَعِي) تبعني (وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة من طريق عُمير الأنصاريِّ: (إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مُسْلِمٍ لَا يُتَّهَمُ) في دينهِ ولا ماله، ولفظ ابن أبي شيبة: «على رجلٍ لا تتَّهمه» (فَكُلْ مِنْ طَعَامِهِ، وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ) وزادَ أحمدُ والحاكمُ والطَّبرانيُّ: «ولا تسأله عنه».
ومطابقةُ هذا الأثرِ لحديثِ الباب الآتي إن شاء الله تعالى من جهةِ كون اللَّحَّام لم يكن متَّهمًا، وأكل النَّبيُّ ﷺ من طعامه ولم يسأله.
٥٤٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) حميد بنُ الأسود البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) أبو وائل بنُ سلمة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ) عقبةُ بنُ عَمرو (١) (الأنصاريُّ) ﵁ (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُكْنَى) بسكون الكاف: (أَبَا شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ) لم أقفْ على اسمه (فَأَتَى) أبو شعيب (النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ فِي أَصْحَابِهِ فَعَرَفَ الجُوعَ) وللكُشميهنيِّ: «يعرف الجوع» (فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَهَبَ إِلَى غُلَامِهِ اللَّحَّامِ فَقَالَ) له: (اصْنَعْ لِي طَعَامًا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «طُعَيِّمًا» بضم الطاء وفتح العين وتشديد التحتية مصغَّرًا (يَكْفِي خَمْسَةً لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ فَصَنَعَ لَي طُعَيِّمًا) بالتَّصغير (ثُمَّ أَتَاهُ) ﵊، أبو شعيب (فَدَعَاهُ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ) لم أقف على اسمه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا شُعَيْبٍ، إِنَّ رَجُلًا تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ