٥٤٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ التَّبُوذَكِيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمليُّ -بالقاف والسين المهملة الساكنة- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄¬) يحدِّث (١) (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنِ اقْتَنَى) أي: ادَّخر عنده (كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ) يحرسها (أَوْ) كلب جماعةٍ (ضَارِيَةٍ) فهو استعارة صفة للجماعة الضَّارين أصحاب الكلاب الضَّارية على الصَّيد. يقال: ضرى على الصَّيد ضراوةً، أي: تعوَّد ذلك واستمرَّ عليه، وضَرِيَ الكلبُ وأضراه صاحبُه، أي: عوَّده وأغراه بالصَّيد، والجمع: ضوارٍ. أو هو من باب التَّناسب؛ إذ كان الأصل هنا أن يقول: أو ضارٍ، لكنَّه أنَّث للتَّناسب للفظ ماشية نحو: لا دَرَيتَ ولا تليتَ، وكان حقُّه أن يقول: تلوت (نَقَصَ) بلفظ الماضي (كُلَّ يَوْمٍ) في كلِّ يوم (مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ) لامتناعِ دخول الملائكة منزله، أو لما يلحقُ المارَّة من الأذى من ترويعِ الكلب لهم وقصده إيَّاهم. وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «قيراطين» بالياء بعد الطاء بدل الألف لأنَّ «نقص» يستعملُ لازمًا ومتعدِّيًا باعتبار اشتقاقِهِ من النُّقصان والنَّقص، فنصب قيراطين على أنَّه مُتَعَدٍّ وفاعله ضميرٌ يعود على الاقتناء المفهوم من قولهِ: اقتنى كلبًا. والرَّفع على أنَّه لازم، أو على أنَّه متعدٍّ مبنيٍّ للمفعول، والأخير ثابتٌ في غير الفرع، والقيراط في الأصل: نصفُ دانق، والمراد به هنا: مقدارٌ معلومٌ عند الله، أي: نقص جزأين من أجزاء عملهِ.
وسبق في «المُزارَعة» من حديث أبي هريرة: «قيراط» [خ¦٢٣٢٢] بلفظ الإفراد، وجمع بينهما باحتمال أن يكون ذلك في نوعين من الكلابِ أحدهما أشدُّ أذى من الآخر، أو باختلاف المواضع، فيكون القيراطان (٢) في المدائن والقرى، والقيراطُ في البوادي، أو كان في زمانين، فذكر القيراط أولًا ثمَّ زاد التَّغليظ فذكر القيراطين.
стр. 10047
٥٤٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) البلخيُّ قال: (أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) الأسود ابن عبد الرَّحمن (قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «عبد الله» ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ) في محلِّ الحال من النَّبيِّ ﷺ ، وقال الفارسيُّ: مفعول ثانٍ لسمع (مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبٌ) أي: غير كلب (ضَارٍ لِصَيْدٍ) بتنوين كلبٌ مع الرفع، وضارٍ بلا ياء، كذا في الفرع كأصله، يعني: صفة لكلب (١)، وفي غير الفرع وأصله (٢): «إلَّا كلبَ ضارٍ» بفتح «كلب» بلا تنوين، مضاف لضار من إضافة الموصوف إلى صفته للبيان، نحو: شَجَر الأراكِ، أو ضارٍ صفة للرجل الصَّائد، أي: إلَّا كلب الرَّجل المعتاد للصيد. وفي بعض النُّسخ: «ضاري» بإثبات الياء على اللُّغة القليلة في إثباتها مع حذف الألف واللام. ولأبي ذرٍّ في الفرع وأصله (٣): «إلَّا كلبًا ضاريًا» بإثبات الياء مع النَّصب فيهما وهو واضحٌ، و «إلَّا» بمعنى «غير» صفة لكلب لتعذُّر الاستثناء (٤)، ويجوز أن تُنزَّل النَّكرة منزلة المعرفة فيكون استثناء، أي: غير كلبِ صيد.
وقيَّد ابنُ الحاجب مجيئها صفة بأن تكون تابعةً لجمع منكورٍ غير محصورٍ، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وكذلك هي هنا لأنَّ قوله: كلب أراد به جنس الكلاب.
стр. 10048
فإن قلتَ: كيف يصحُّ أن تكون إلَّا (١) صفة وهي حرف، وإن كانت بمعنى غير، والحرفُ لا يوصف ولا يوصف به، والواقع بعد «إلَّا» قوله: «الله» و (٢) هو اسمُ علم، والعلم يوصف ولا يوصف به (٣). أُجيب بأنَّ شرط الصِّفة أن تكون اسمًا لأنَّها من خواصِّ الأسماء وأن يكون في ذلك الاسم عموم ومعنى فعل، وكلُّ واحدة (٤) من هاتين الكلمتين على انفرادِهما عارٍ من هذا الشَّرط، فإذا اجتمعا أدَّى زيد مثلًا (٥)(٦) معنى الاسميَّة وأدَّت إلَّا معنى المغايرة، فقاما مقام الصِّفة بمجموعهما بخلاف انفرادهما، ألا ترى أنَّك تقول: دخلت إلى رجلٍ في الدَّار، فيكون الحرف مع الاسم في موضع الصِّفة لرجل، وكلُّ واحد (٧) منهما على انفراده لا يجوز أن يكون صفة.
(أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ) بالرفع فاعل «ينقص»، ولابنِ عساكرَ بالنَّصب على استعمالِ نقص متعديًّا، وظاهر قوله: «من أجره» أنَّ النَّقص ليس في العمل بل في الأجر، ويحتمل أنَّ النَّقص في الأجر بالتَّبعية لنقص العمل على معنى أنَّه لم يوفَّق لتمامه، بل وقع مختلًّا بمقدارِ القيراطين من العمل.
٥٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) سقط لابنِ عساكرَ لفظ «عبد الله» أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
стр. 10049
مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارٍ) بحذف الياء مع التخفيف كقاضٍ، أي: أو كلب ضار لصيد، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «ضاريًا» بإثبات الياء والنصب، أي: إلَّا كلبًا ضاريًا (نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ) زاد مسلمٌ في حديث الباب من طريق سالم، عن أبيه عبد الله بنِ عمر: «وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرثٍ، وكان صاحب حرث».
وفي حديث أبي هريرة في «باب إذا وقع الذُّباب في شرابِ أحدكم»: «إلَّا كلب حرثٍ أو ماشيةٍ» [خ¦٣٣٢٤] واستُشكل الجمع بين حصري الحديثين؛ إذ مقتضاهما التَّضاد من حيث إنَّ في حديث الباب الحصر في الماشية والصَّيد، ويلزم منه إخراج كلب الزَّرع، وفي حديث أبي هريرة الحصر في الحرثِ والماشية ويلزم منه إخراجُ كلب الصَّيد.
وأجاب في «الكواكب» بأنَّ مدارَ أمر الحصرِ على المقامات واعتقاد السَّامعين لا على ما في الواقع، فالمقام الأوَّل اقتضى استثناء كلبِ الصَّيد، والثَّاني اقتضى استثناء كلب الحرثِ، فصارا مستثنيين ولا منافاة في ذلك. ولمسلم من طريق الزُّهريِّ عن أبي سلمة: «إلَّا كلب صيدٍ، أو زرعٍ، أو ماشيةٍ». ولمسلمٍ أيضًا والنَّسائيِّ من وجهٍ آخر عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة بلفظ: «من اقتنَى كلبًا ليس كلبَ صيدٍ، ولا ماشيةٍ، ولا أرض، فإنَّه ينقص من أجرهِ كلَّ يومٍ قيراطان».
قال في «الفتح»: زيادة الزَّرع أنكرها ابنُ عمر، ففي مسلم من طريقِ عَمرو بن دينار، عنه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بقتلِ الكلاب إلَّا كلب صيدٍ، أو كلب غنمٍ، فقيل لابن عمر: إنَّ أبا هريرة يقول: أو كلب زرعٍ. فقال ابن عمر: إنَّ لأبي هريرة زرعًا»، ويقال: إنَّ ابن عمر أراد بذلك الإشارة إلى تثبيتِ رواية أبي هريرة، وأنَّ سبب حفظه لهذه الزِّيادة دونه أنَّه كان صاحب زرعٍ دونه، ومن كان مشتغلًا بشيءٍ احتاجَ إلى تعرُّف (١) أحواله.
стр. 10050
(٧) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا أَكَلَ الكَلْبُ) أي: من الصَّيد حرُم أكلُه، ولو كان الكلبُ معلَّمًا، واستؤنفَ تعليمه -كما في «المجموع» - لفساد التَّعليم (٢) من حينهِ لا من أصلهِ.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾) في السُّؤال معنى القول، فلذا وقعَ بعده (﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾) كأنَّه قيل: يقولون لك: ماذا أحلَّ لهم، وإنَّما لم يقل: ماذا أحلَّ لنا، حكايةً لما قالوا لأنَّ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ بلفظ الغيبة كقولك: أقسم زيدٌ ليفعلنَّ، ولو قيل: لأفعلنَّ وأحلَّ لنا لكان صوابًا، وماذا مبتدأ و ﴿أُحِلَّ لَهُمْ﴾ خبرُه، كقولك: أيُّ شيءٍ أحلَّ لهم، ومعناه: ماذا أحلَّ لهم من المطاعمِ كأنَّهم (٣) حين تُلي عليهم ما حُرِّم عليهم من خبيثاتِ المآكل (٤) سألوا عمَّا أحلَّ لهم منها، فقال: (﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾) أي: ما ليس بخبيثٍ منها، وهو كلُّ ما لم يأت تحريمه في كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ أو قياس (﴿وَمَا عَلَّمْتُم﴾) عطف على الطَّيِّبات، أي: أحلَّ لكم الطَّيِّبات وصيد ما علمتُم فحذف المضاف (﴿مِّنَ الْجَوَارِحِ﴾) أي: من (٥) الكواسبِ من سباعِ البهائمِ والطَّير كالكلبِ والفهد والنَّمر والعقاب والصَّقر والباز والشَّاهين، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قولهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ﴾: «الآيةَ» (﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]) حال من ﴿عَلَّمْتُم﴾ وفائدة هذه (٦) الحال مع أنَّه استغنى عنها بعلمتُم أن يكون من يعلم الجوارح موصوفًا بالتَّكليب، والمكلِّب مؤدِّب الجوارح ومعلِّمها، مشتقٌّ من الكلب لأنَّ التَّأديب أكثرُ ما يكون في الكلابِ، فاشتقَّ من لفظه لكثرتهِ في جنسهِ، أو لأنَّ السَّبع يسمَّى كلبًا أو من الكلَب الَّذي بمعنى الضَّراوة. يقال: هو كلبٌ بكذا إذا كان ضاريًا به (٧).
(الصَّوَائِدُ) جمع: صائدة (وَالكَوَاسِبُ) جمع كاسبةٍ، صفة. قال العينيُّ: للجوارح، وقال
стр. 10051
ابن حجرٍ: للكلاب (١)، وسقطَتِ الواو الأولى لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، أي: الكلاب الصَّوائد.
(﴿اجْتَرَحُوا﴾ [الجاثية: ٢١]) أي: (اكْتَسَبُوا) كذا فسَّرها أبو عبيدة (٢)، ذكرها المؤلِّف استطرادًا إشارة إلى أنَّ الاجتراحَ يُطلق على الاكتسابِ، وليس من الآية المسوقةِ هنا بل معترضٌ بين ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ و ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾.
(﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ﴾) من علم التَّكليب (٣) (﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾) الإمساك أن لا يأكل منه فإن أكل منه لم (٤) يؤكلْ إذا كان صيدَ كلب ونحوه، فأمَّا صيدُ البازي (٥) ونحوه فأكله لا يحرمه (إِلَى قولهِ: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]) يحاسبكم على أفعالكُم ولا يلحقه فيه لُبْثٌ، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ … » إلى آخره.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله سعيدُ بن منصور: (إِنْ أَكَلَ الكَلْبُ) ممَّا صاده (فَقَدْ أَفْسَدَهُ) على صاحبه بإخراجه عن صلاحيَّته للأكل لأنَّه (إِنَّمَا أَمْسَكَ (٦) عَلَى نَفْسِهِ) بأكله (٧) منه (وَاللهُ) تعالى (يَقُولُ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ﴾ فَتُضْرَبُ) على الأكل ممَّا اصطادته (وَتُعَلَّمُ حَتَّى تتْرُكَ) الأكل (وَكَرِهَهُ) أي: الصَّيد الَّذي أكل منه الكلب (ابْنُ عُمَرَ) ﵄، وهذا وصله ابنُ أبي شيبة.
стр. 10052
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح، فيما وصله ابنُ أبي شيبة: (إِنْ شَرِبَ) الكلب (الدَّمَ) ممَّا صاده (وَلَمْ يَأْكُلْ) من لحمه أو نحوه كجلده وحشوته (١) (فَكُلْ).
٥٤٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة، ابن غزوان الضَّبيُّ مولاهم، الحافظ أبو عبد الرحمن (عَنْ بَيَانٍ) بفتح الموحدة والتَّحتية مخففًا، ابن بِشْر -بكسر الموحدة وسكون المعجمة- الأحمسيِّ؛ بمهملتين بينهما ميم (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بنِ شراحيل (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُلْتُ): يا رسول الله (إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ) بنون بعدها صاد، وفي «باب ما جاء في التَّصيُّد» (٢) بزيادة فوقية بعد النون [خ¦٥٤٨٧] (بِهَذِهِ الكِلَابِ) أفيحلُّ لنا أكل ما نصيد بها؟ (فَقَالَ) ﵊، ولأبي ذرٍّ: «قال»: (إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ المُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ مِمَّا (٣) أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَإِنْ قَتَلْنَ) فيه: إشعارٌ بأنَّها إذا استرسلت بنفسها أو كانت غير معلَّمة لا يحلُّ، ولأَبَوَي الوقتِ وذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «ممَّا أمسكن عليك» بإسقاط ميم الجمع (إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ) منه (فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ) لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] فإنَّما أباحه بشرط أن يعلم أنَّه أمسكه عليه، وإذا أكل منه كان دليلًا على أنَّه أمسكه على نفسه.
وقيل: يحلُّ وإن أكل منه لظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ والباقي بعد أكله قد أمسكهُ علينا، فحل لظاهر الآية، ولحديث أبي داود السَّابق ذكره في «باب صيدِ المعراض».
стр. 10053
قال الشَّافعيُّ في «المبسوط» (١): والقياس يدلُّ عليه لأنَّ الكلبَ إذا عقر الصَّيد وقتلَه فقد حصلت الذَّكاة، فأكله منه بعد حصولِ ذكاته لا يمنعُ من أكله، كما إذا ذكَّى المسلم صيدًا ثمَّ أكلَ منه الكلب، وهذا ما نصَّ عليه في القديمِ، وأومأ إليه في الجديدِ بالقياس.
وأُجيب عن الآية بأنَّ الحديث دلَّ على أنَّه إذا أكلَ فقد أمسكَ لنفسه، وعن حديث أبي داود المذكور بأنَّه تكلِّم فيه، كما سبق مع غيره في الباب المذكور.
(وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ) أي: لأنَّه إنَّما سمَّى على كلابه ولم يسمِّ على غيرها، كما صرَّح به فيما سبق.
(٨) (بابُ) حكم (الصَّيْدِ إِذَا غَابَ عَنْهُ) أي: عن الصَّائد (يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً).
٥٤٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، وثابت -بالمثلَّثة- الأحول البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هو ابنُ سليمان (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بنِ شراحيل (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الطَّائيِّ الجواد ابن الجواد (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ) أي: المعلَّم الَّذي إذا أُشْلِيَ استشلى، وإذا زُجِرَ انزجر، وإذا أخذَ لم يأكلْ مرارًا (وَسَمَّيْتَ) الله تعالى حالة إرسالك كلبك (فَأَمْسَكَ) الصَّيد (وَقَتَلَـ) هـ (فَكُلْـ) هـ (٢) فإنَّ أخْذَه ذكاةٌ له (وَإِنْ أَكَلَ) الكلب منه (فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِذَا خَالَطَ) كلبُك (كِلَابًا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهَا) بأن أرسلها من ليس من أهلِ الذَّكاة (فَأَمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ) الكلاب الصَّيد، ولأبي ذرٍّ: «فقتلنَ»
стр. 10054
«بالفاء» بدل: «الواو»، (فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ) فلو تحقَّق أنَّه أرسله من هو أهلٌ للذَّكاة حلَّ، أو وجده حيًّا فذكَّاه حلَّ أيضًا لأنَّ الاعتمادَ في الإباحة على التَّذكية لا على الإمساكِ من الكلب (وَإِنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ) بسهمكَ وغابَ عنك (فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ) فإن وجد به أثر سهم رامٍ آخر أو مقتولًا بغير ذلك فلا يحلُّ أكله مع التَّردُّد. وعند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من حديث سعيد بنِ جبير، عن عديِّ بن حاتم: «إذا وجدتَ سهمكَ فيه ولم تجدْ به أثر سبعٍ وعلمتَ أنَّ سهمَكَ قتله فكلْ منه». قال الرَّافعيُّ: يؤخذُ منه أنَّه لو جرحَهُ ثمَّ غابَ ثمَّ جاء (١) فوجده ميتًا أنَّه (٢) لا يحلُّ، وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ في «المختصر». قال النَّوويُّ في «الروضة»: الحلُّ أصحُّ دليلًا، وصحَّحه أيضًا الغزاليُّ في «الإحياء» وثبتتْ فيه الأحاديث الصَّحيحة ولم يثبتْ في التَّحريم شيءٌ. وعلَّق الشَّافعيُّ الحلَّ على صحَّة الحديث، والله أعلم. انتهى.
وحكى البيهقيُّ في «المعرفة» عن الشَّافعيِّ أنَّه قال في قول ابن عبَّاس: كلْ ما أصميْتَ، ودعْ ما أنميْتَ. يعني: ما أصميْتَ: ما قتلَه الكلبُ وأنت تراهُ، وما أنميْتَ: ما غابَ عنك مقتلهُ.
قال: وهذا عندي لا يجوز غيره إلَّا أن يكون جاء عن النَّبيِّ ﷺ فيه شيءٌ، فيسقطُ كلُّ شيءٍ خالف أمره ﷺ ولا يقوم معه رأيٌ ولا قياس. قال البيهقيُّ: وقد ثبتَ الخبرُ بمعنى حديث الباب فينبغِي أن يكون هو قول الشَّافعيِّ.
(وَإِنْ وَقَعَ) الصَّيد (فِي المَاءِ فَلَا تَأْكُلْ) لاحتمالِ هلاكه بغرقهِ في الماء، فلو تحقَّق أنَّ السَّهم أصابه فمات فلم يقعْ في الماء إلَّا بعد أن قتلَه السَّهم حلَّ أكلُه.
وفي مسلم: «فإنَّك لا تدرِي الماءُ قتلَه أو سهمُك» فدلَّ على أنَّه إذا علم أنَّ سهمَه هو الَّذي قتلهُ يحلُّ.
стр. 10055
٥٤٨٥ - (وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبدِ الأعلى السَّاميُّ -بالمهملة- فيما وصله أبو داود (عَنْ دَاوُدَ) ابن أبي هند (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ (عَنْ عَدِيٍّ) هو ابنُ (١) حاتم الطَّائيُّ ﵁ (أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (يَرْمِي الصَّيْدَ) بسهمه (فَيَقْتَفِرُ أَثَرَهُ اليَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ) بقاف ساكنة ففوقية مفتوحة ففاء مكسورة فراء. ولابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فيقتفي» بتحتية بدل الراء، وعزاها في «المطالع» للقابسيِّ وهما بمعنى، أي: يتبعُ أثره.
وفي «الفتح» بتقديم الفاء على القاف، أي: يتبع فقاره حتَّى يتمكَّن منه (ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ. قَالَ) ﷺ : (يَأْكُلُ) منه (إِنْ شَاءَ) ولأبي داود (٢) من حديث أبي ثعلبةَ بسندٍ فيه معاوية بنُ صالح: «إذا رميتَ بسهمِك فغابَ عنك فأدركتَه فكلْ ما لم يُنْتِنْ» فجعل الغاية أن ينتن الصَّيد، فلو وجدَه مثلًا بعد ثلاثة (٣) ولم يُنْتن حلَّ، وإن وجدَهُ بدونها وقد أنتنَ فلا. هذا ظاهرُ الحديث، وأجاب النَّوويُّ بأنَّ النَّهي عن أكلهِ إذا أنتن للتَّنزيه. نعم، إن تحقَّق ضرره حرُم، كما لا يخفى.
(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا وَجَدَ) الصَّائد (مَعَ الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ) غير الكلب الَّذي أرسله لا يحلُّ أكله، وذلك كأن أرسلَ مجوسيٌّ كلبًا لأنَّ المرسل كالذَّابح والجارح كالسِّكِّين، وذكاة المجوسيِّ الَّتي انفردَ بها أو شارك فيها لا تحلُّ نظرًا لتغليب التَّحريم على التَّحليل، وكذا الحكم فيما لو شاركَه من تحلُّ ذَكاته بجارحةٍ غير معلَّمة أو بجارحةٍ لا يعلم حالها؛ إذ لا فرقَ بين أن تكون الجارحةُ المشاركةُ لجارحة المرسل من نوعِهَا أو من غيرهِ، كما إذا أرسلَ أحدهما كلبًا والآخر فهدًا أو بازًا، وكذا لو أرسلَ أحدهما جارحةً والآخر سهمًا (٤)، ولو رميا سهمين أو أرسلا كلبين، وسبق ما للمُسْلِمِ وقتل الصَّيد، أو أنهاهُ إلى حركةِ المذبوحِ كان حلالًا.
стр. 10056
٥٤٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ) الهَمْدانيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الطَّائيِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي) أي: المُعَلَّم (وَأُسَمِّي) الله تعالى مع إرساله، أفيحلُّ لي أكل ما صاده؟ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ) المعلَّم (وَسَمَّيْتَ) عند الإرسال (فَأَخَذَ) الصَّيد (فَقَتَلَـ) هـ (فَأَكَلَ) منه (فَلَا تَأْكُلْ) لا ناهية والفاء جواب الشَّرط (فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ قُلْتُ): يا رسول الله (إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي) ثمَّ (أَجِدُ) ولأبي الوقتِ: «فأجدُ» (مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ، فَقَالَ) ﵊: (لَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ) الفاء في «فإنَّما» فيها معنى السَّببية، أي: لا تأكلْ بسببِ عدم تسميتكَ على غيرِ كلبك، وأكَّد ذلك بقوله: (وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ) وهذا لا مفهوم له لأنَّه لو سمَّى على كلبِ غيره لم ينتفع بذلك.
قال عديٌّ: (وَسَأَلْتُهُ) ﷺ (عَنْ صَيْدِ المِعْرَاضِ) بكسر الميم وسكون المهملة آخره ضاد معجمة وهو -كما مرَّ- خشبةٌ في رأسها كالزُّجِّ يلقيها على الصَّيد (فَقَالَ) ﷺ : (إِذَا أَصَبْتَ) الصَّيد (بِحَدِّهِ فَكُلْ) فإنَّه له ذكاة (وَإِذَا أَصَبْتَ) الصَّيد (بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ (١) فَإِنَّهُ وَقِيذٌ) بالذال المعجمة، ميتة (فَلَا تَأْكُلْ).
(١٠) (بابُ مَا جَاءَ فِي التَّصَيُّدِ (٢)) أي: التَّكلُّف بالصَّيد والاشتغال به للتَّكسُّب أكلًا وبيعًا ممَّا يدلُّ لمشروعيَّته أو إباحتهِ.
стр. 10057
٥٤٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) غير منسوب، وهو ابنُ سلام قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة، وهو محمَّد بن فضيل بن غزوان الكوفيُّ (عَنْ بَيَانٍ) بالموحدة وتخفيف التحتية، ابن بشرٍ الكوفيِّ (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الطَّائيِّ (١) (¬﵁¬) أنَّه (٢) (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَتَصَيَّدُ) بفوقية بعد النون، وهي موافقةٌ للفظِ التَّرجمة، أي: نتكلَّف الصَّيد (بِهَذِهِ الكِلَابِ) أحلالٌ ذلك أم لا؟ (فَقَالَ) ﷺ : (إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ المُعَلَّمَةَ) أي: إذا أردتَ أن تُرسلَ أو إذا شرعتَ في الإرسال (وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ) بأن قلتَ: بسم الله (فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ) زاد في «بابُ: إذا أكل الكلب»: «وإن قتلنَ» [خ¦٥٤٨٣] (إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ) منه (فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ) الكلبُ (إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا) أي: الكلاب الَّتي أرسلتها (كَلْبٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ). وفيه: إباحةُ الاصطيادِ للبيعِ والأكل وكذا للهو، ولكن بشرطِ قصد التَّذكية والانتفاع. وكرههُ مالكٌ رحمة الله تعالى عليه، وخالفَه (٣) الجمهورُ، فلو لم يقصد الانتفاعَ به حرُم لما فيه منْ إتلافِ نفسٍ عبثًا. نعم، إن لازمَه وأكثر منه كرهَ لأنَّه قد يَشْغَل عن بعض الواجبات وكثيرٍ من المندوباتِ. وفي حديثِ ابن عبَّاس عند التِّرمذيِّ مرفوعًا: «مَن سكنَ الباديةَ جفَا، ومن اتَّبع الصَّيد غَفَلَ» قيل: وفي قولهِ: «كلابكَ أو كلبَكَ»: جوازُ بيع كلب الصَّيد للإضافة. وأُجيب بأنَّها إضافة اختصاصٍ.
وهذا الحديثُ سبق في الباب المذكور.
стр. 10058
٥٤٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل (عَنْ حَيْوَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وفتح الواو (ابْنِ شُرَيْحٍ) بضم المعجمة وفتح الراء آخره حاء مهملة، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن شُريح» قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) ضدُّ الخوف، قال: (حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) المروزيُّ (عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ) عبد الله المروزيِّ (عَنْ حَيْوَةَ بن شُرَيْح) سقط «ابن شريح» لأبي ذرٍّ في هذه (قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ) من الزِّيادة (الدِّمَشْقِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ) بالذال المعجمة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ) بالمثلَّثة (الخُشَنِيَّ) بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين، الصَّحابيَّ المشهور بكنيته، اختلف في اسمه كأبيه (¬﵁ يَقُولُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ) له: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا) يعني: نفسه وقومه (بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الكِتَابِ) يعني: بالشَّأم، وكان جماعة من قبائل العرب قد سكنوا الشَّأم وتنصَّروا منهم آل غسَّان وتنوخ وبهراء وبطون من قضاعة منهم: بنو خشين آل بني ثعلبة (نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ وَأَرْضِ صَيْدٍ) أي: أرضٍ ذات صيدٍ (أَصِيدُ) فيها (بِقَوْسِي) بسهمِ قوسي (وَأَصِيدُ بِكَلْبِي المُعَلَّمِ وَ) بكلبي (الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا، فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ) ﷺ : (أَمَّا) بالتَّشديد (مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «من أنَّك» (بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الكِتَابِ تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ) بميم الجمع، أي: أنتَ وقومك (غَيْرَ آنِيَتِهِمْ، فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فإن وجدت» (١) (وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا) أي: غيرها (فَاغْسِلُوهَا،
стр. 10059
ثُمَّ كُلُوا فِيهَا) أخذَ بظاهرهِ ابنُ حزم، فقال: لا يجوزُ استعمال آنية أهل الكتابِ إلَّا بشرطين: أن لا يجد غيرها، وأن يغسلها. وأُجيب بأنَّ الأمر بغسلها عند فقدِ غيرها دالٌّ على طهارتها بالغسلِ، والأمرُ باجتنابها عند وجود غيرها للمبالغة في التَّنفير عنها (وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من أنك» (بِأَرْضِ صَيْدٍ، فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ) بسهم قوسك (فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ) الفاء عاطفة (١) (ثُمَّ كُلْ) (٢) ما صدت، وما من «فما» في موضع نصبِ مفعول مقدَّم (وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا) ولابنِ عساكرَ: «ليس بمعلَّم» بزيادة الباء (فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ) أي: أدركتهُ حيًّا فذبحته (فَكُلْ).
٥٤٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) ابن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنُ أنس بن مالك (عَنْ) جدِّه (أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَنْفَجْنَا) بهمزة مفتوحة فنون ساكنة ففاء مفتوحة فجيم ساكنة بعدها نون فألف، أَثرنا (أَرْنَبًا) هو حيوان قصير اليدين طويل الرِّجلين عكس الزَّرافة (بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) موضعٌ بقرب مكَّة (فَسَعَوْا عَلَيْهَا حَتَّى لَغِبُوا) بكسر الغين المعجمة بعد اللام، والصَّواب فتحها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «تَعِبُوا» بفوقية وعين مهملة مكسورة بدل اللام والمعجمة، ومعناهما واحدٌ (فَسَعَيْتُ عَلَيْهَا حَتَّى أَخَذْتُهَا، فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل زوج أمِّ أنس (فَبَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِوَرِكِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بوركيها» بالتَّثنية (وَفَخِذَيْهَا) بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ: «أو فخذيها» (فَقَبِلَهُ) ﷺ .
ومطابقةُ الحديث لِمَا ترجمَ له في قوله: «فسعوا عليها حتَّى لغبوا» يعني: تعبوا؛ إذ فيه معنى التَّصيُّد وهو التَّكلُّف للاصطيادِ.
وفي حديث ابن عمر عند البيهقيِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ جيء له بأرنبٍ فلم يأكلْها ولم ينه
стр. 10060
عنها، وزعمَ أنَّها تحيضُ، وهي تأكلُ اللَّحم وغيره وتبعَرُ وتجترُّ، وفي باطن أشداقِها شعرٌ، وكذلك (١) تحتَ رجليها (٢).
٥٤٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ، إمام دار الهجرةِ خال إسماعيل (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بالضاد المعجمة الساكنة بعد النون المفتوحة، سالم بن أبي أمية (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ (٣) اللهِ) التَّيميِّ المدنيِّ (عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن رِبعِيٍّ الأنصاريِّ السَّلميِّ ﵁ (أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) عام الحديبية في القاحة على ثلاثِ (٤) مراحلَ من المدينة (حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ) بالعمرة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «محرمون» (وَهْوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ) لأنَّه ﷺ كان أرسلَه إلى جهةٍ أخرى ليكشفَ أمر عدوٍّ في طائفةٍ من الصَّحابة (فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، ثُمَّ سَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطًا فَأَبَوْا) امتنعوا (فَسَأَلَهُمْ) أن يناولوه (رُمْحَهُ فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبَى) أي: امتنع (بَعْضُهُمْ) من الأكلِ منه (فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ) بضم الطاء وسكون العين (أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ) ، أي: مأكلة.
стр. 10061
وهذا الحديثُ سبق في «الحج» [خ¦١٨٢١] و «الجهاد» [خ¦٢٩١٤].
وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ مولى عمر (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) ﵁ (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق (إِلَّا أَنَّهُ) ﷺ (قَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟).
(١١) (بابُ التَّصَيُّدِ (١) عَلَى الجِبَالِ) بالجيم والموحدة، جمع: جبل.
٥٤٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الجُعْفِيُّ) الكوفيُّ، نزل (٢) مصر، وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «الجعفي» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٣) عَمْرٌو) بفتح العين وسكون الميم، ابن الحارث المصريُّ (أَنَّ أَبَا النَّضْرِ) سالمًا (٤) (حَدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ وَ) عن (أَبِي صَالِحٍ) نَبْهَان؛ بفتح النون وسكون
стр. 10062
الموحدة بعدها هاء فألف فنون (مَوْلَى التَّوْأَمَةِ) بفتح الفوقية، وفي بعض النُّسخ بضمها، وحكاها عياض عن المحدِّثين وقال: إنَّ الصَّواب الفتح، قال: ومنهم من ينقل حركة الهمزة فيفتح بها الواو. وحكى السَّفاقِسيُّ: التُّؤَمة، بوزن الحُطَمة، وهي بنتُ أميَّة بن خلف، ولدت مع أخيها في بطنٍ واحدٍ فسمِّيت بذلك (سَمِعْتُ) أي: قال كلٌّ منهما، ولأبي ذرٍّ: «سمعنا» (أَبَا قَتَادَةَ) الأنصاريَّ (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بالقاحة وهي موضعٌ (فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ) بالعمرة زمنَ الحُديبية (وَأَنَا رَجُلٌ حِلٌّ) غير محرمٍ، وسقط لفظ «رجل» لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ (١) (عَلَى فَرَسٍ) ولأبي ذرٍّ: «على فرسِي» والواو فيهما للحال (وَكُنْتُ رَقَّاءً) بتشديد القاف والمد (عَلَى الجِبَالِ) أي: كثير الرُّقيِّ، أي: الصُّعود (٢) على الجبال؛ يعني: أنَّه كان حينئذٍ على الجبال (فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا عَلَى ذَلِكَ) وجواب بينا قوله: (إِذْ رَأَيْتُ النَّاسَ مُتَشَوِّفِينَ) بالشين المعجمة والفاء، أي: ناظرين (لِشَيْءٍ فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ) لذلك الشَّيء (فَإِذَا هُوَ حِمَارُ وَحْشٍ، فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا هَذَا؟) وللكُشميهنيِّ: «ماذا» بإسقاط الهاء (قَالُوا: لَا نَدْرِي. قُلْتُ: هُوَ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ) بالتَّحتية والتَّنوين فيهما، ولأبي ذرٍّ: «حمارُ وحش» بإسقاط التَّحتية مع الإضافة (فَقَالُوا: هُوَ مَا رَأَيْتَ، وَكُنْتُ نَسِيتُ سَوْطِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي سَوْطِي) بسكون الواو (فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ، فَنَزَلْتُ) من الجبلِ أو من الفرسِ (فَأَخَذْتُهُ، ثُمَّ ضَرَبْتُ فِي أَثَرِهِ) بفتح الهمزة والمثلثة، وراءه (فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا ذَاكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلَّا ذلك» باللام (حَتَّى عَقَرْتُهُ) جرحتُه (فَأَتَيْتُ إِلَيْهِمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: قُومُوا فَاحْتَمِلُوا) بكسر الميم، أي: الحمار (قَالُوا: لَا نَمَسُّهُ فَحَمَلْتُهُ حَتَّى جِئْتُهُمْ بِهِ فَأَبَى) امتنعَ (بَعْضُهُمْ) أن يأكلَ منه (وَأَكَلَ بَعْضُهُمْ) منه (فَقُلْتُ: أَنَا) ولابنِ عساكرَ: «فقلت لهم: أنا» (أَسْتَوْقِفُ لَكُمُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أسأله أن يقفَ لكم (فَأَدْرَكْتُهُ) ﵊ (فَحَدَّثْتُهُ الحَدِيثَ) الَّذي وقع (فَقَالَ لِي: أَبَقِيَ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْهُ؟) بهمزة الاستفهام (قُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول الله (فَقَالَ) ﷺ : (كُلُوا، فَهْوَ طُعْمٌ) بضم الطاء وسكون العين المهملتين (أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أطعمكموه الله» بتذكيرِ الضَّمير.
стр. 10063
(١٢) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]) المراد بالبحر: جميع المياه. (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ ممَّا وصله المؤلِّف في «تاريخه» وعبد بن حُميد: (صَيْدُهُ مَا اصْطِيدَ) بكسر الطاء وتضم كما في «اليونينيَّة» (وَطَعَامُهُ مَا رَمَى بِهِ) ولفظ الموصول فصيدهُ ما صيد، وطعامه ما قذفَ به (١). انتهى.
(وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة والطَّحاويُّ والدَّارقطنيُّ عن ابن عبَّاس ﵄: (الطَّافِي) بغير همز في «اليونينيَّة» (٢) من طَفَا يَطْفو، إذا علا الماء ميتًا (حَلَالٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله الطَّبريُّ في قولهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قال: (طَعَامُهُ مَيْتَتُهُ إِلَّا مَا قَذِرْتَ مِنْهَا) بكسر الذال المعجمة. ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «منه» بالتَّذكير، وليس في الموصول إلَّا ما قذرت منها.
وجميعُ ما يُصاد من البحر ثلاثة أجناسٍ: الحيتان وجميع أنواعها حلالٌ، والضَّفادعُ وجميع أنواعها حرامٌ، واختُلف فيما سوى هذين فقال أبو حنيفةَ: حرام. وقال الأكثرون: حلالٌ لعموم هذه الآية ﴿وَطَعَامُهُ﴾ في الآية بمعنى: الإطعام، أي: اسمُ مصدرٍ، وتقدير المفعول حينئذٍ محذوفًا، أي: طعامُكم إيَّاه أنفسكم. ويجوزُ أن يكون الصَّيد بمعنى المصيد، والهاء في طعامهِ تعودُ على البحرِ على هذا، أي: أحلُّ لكم مصيد البحرِ وطعام البحر، فالطَّعام على هذا غير الصَّيد. وعلى هذا ففيه وجوه أحسنها ما سبقَ عن عمر وأبي بكر أنَّ الصَّيد ما صيدَ بالحيلة
стр. 10064
حالَ حياته، والطَّعام ما رمَى به البحرُ أو نضبَ عنه الماء من غيرِ معالجةٍ، ويجوزُ أن تعودَ الهاء على الصَّيد بمعنى المصيد، وهو أن يكون طعام بمعنى مَطْعوم، ويدلُّ له قراءة ابن عبَّاس: (وطُعْمه) بضم الطاء وسكون العين.
وقال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابنُ أبي شيبة: (وَالجِرِّيُّ) بكسر الجيم والراء والتحتية المشدَّدتين وبفتح الجيم. والجِرِّيت: بمثناة فوقية بعد التحتية، ضربٌ من السَّمك يشبهُ الحيَّات، وقيل: سمكٌ لا قشرَ له، وقيل: نوعٌ عريض الوسطِ دقيقُ الطَّرفين (لَا تَأْكُلُهُ اليَهُودُ وَنَحْنُ نَأْكُلُهُ) لأنَّه حلالٌ اتِّفاقًا، وهو قول أبي بكر وعمر وابن عبَّاس.
(وَقَالَ شُرَيْحٌ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بضم الشين المعجمة آخره حاء مهملة مصغَّرًا، وللأَصيليِّ: «أبو شريح» والصَّواب إسقاط «أبو» كما للكافة (١) والمؤلِّف في «تاريخه» وأبي عمر ابن عبد البرِّ والقاضِي عياض في «مشارقه». وقال الفَِرَبْريُّ: وكذا في أصلِ البخاريِّ، وكذا هو عند أبي عليٍّ الغسَّاني: «شريح» قال: وهو الصَّواب، والحديثُ محفوظٌ لشريح لا لأبي شريح. وفي الصَّحابة أيضًا أبو شريح الخزاعيُّ أخرج له مسلم. وقال العلامة اليونينيُّ ممَّا رأيته في حاشية الفرع في أصل السَّماع: «أبو شريح» على الوهمِ، كما عند الحافظ أبي محمدٍ الأَصيليِّ، ونبَّهنا شيخُنَا الحافظُ أبو محمد المنذريُّ في «حواشيه» على كتاب ابنِ طاهر أنَّه «شريح» اسمٌ لا كنية. انتهى.
وقال في «الإصابة»: شريح بن أبي شريح الحجازيُّ. قال البخاريُّ وأبو حاتم: له صحبة. وروى البخاريُّ في «تاريخه الكبير» من طريق عَمرو بن دينار وأبي الزُّبير سمعا شريحًا رجلًا أدرك النَّبيَّ ﷺ يقول: كلُّ شيءٍ في البحر مذبوحٌ. وعلَّقه في «الصَّحيح». ورواه الدَّارقطنيُّ وأبو نُعيم من طريق ابنِ جريج، عن أبي الزَّبير، عن شريح وكان من أصحاب النَّبيِّ ﷺ فذكر نحوه مرفوعًا. والمحفوظُ عن ابن جُريج موقوفٌ (٢) أيضًا أشار إلى ذلك أبو نُعيم. انتهى.
وقول القاضي عياض في «مشارقه»: وهو شريحُ بن هانئ أبو هانئ، تعقَّبه الحافظ ابن حَجر
стр. 10065
كما رأيتُه بخطِّ شيخنا الحافظ أبي الخير السَّخاويِّ بأنَّ الصَّواب أنَّه غيره وليس له في البخاريِّ ذكرٌ إلَّا في هذا الموضع، وشريحُ بن هانئ لأبيهِ صحبة، وأمَّا هو فله إدراكٌ ولم يثبتْ له سماعٌ ولا لقيٌّ، وأمَّا شريح المعلَّق عنه فقد صرَّح البخاريُّ بصحبتهِ. انتهى.
ورأيت في «الإصابة»: شريحُ بن هانئ أبو المقدام أدرك النَّبيَّ ﷺ ولم يهاجر إلَّا بعده، وفدَ أبوه على النَّبيِّ ﷺ فسأله عن أكبرِ ولده (١) فقال: شريح، فقال: «أنتَ أبو شُريح» وكان قبل ذلك يكنى: أبا الحكم.
وهذا التَّعليق وصله المؤلِّف في «تاريخه» وابنُ منده في «المعرفة» من رواية ابن جُريج، عن عمرو بن دينار وأبي الزبير سمعا شريحًا صاحب النَّبيِّ ﷺ يقول: (كُلُّ شَيْءٍ فِي البَحْرِ) من دوابِّه (٢) (مَذْبُوحٌ) أي: حلال كالمذكَّى. وأخرجه ابنُ أبي عاصم (٣) في الأطعمةِ من طريق عَمرو بن دينارٍ: سمعت شيخًا كبيرًا يحلفُ بالله: ما في البحر دابَّة إلَّا قد (٤) ذبحها الله لبنِي آدم.
وأخرج الدَّارقطنيُّ من حديث عبدِ الله بن سَرْجس بسندٍ فيه ضعف رفعه: «إنَّ الله قد ذبحَ كلَّ ما في البحرِ لبني آدمَ».
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح، ممَّا وصله ابنُ مندهَ في «كتاب الصحابة»: (أَمَّا الطَّيْرُ فَأَرَى أَنْ يَذْبَحَهُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق في «تفسيره»: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ) أي: ابن أبي رَباح المذكور: (صَيْدُ الأَنْهَارِ وَ) صيد (قِلَاتِ السَّيْلِ) بكسر القاف وتخفيف اللام آخره مثناة فوقية، جمع: قَلَتَ، نُقْرة في صخرةٍ يستنقعُ فيها الماء. ومراده: ما ساقَ السَّيل من الماءِ، وبقيَ في الغدير، وفيه حيتانٌ (أَصَيْدُ بَحْرٍ (٥) هُوَ) فيجوز أكله؟ (قَالَ: نَعَمْ)
стр. 10066
يجوز أكلُه، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «هو» (ثُمَّ تَلَا) عطاء قوله تعالى: (﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾) شديدُ العذوبةِ (﴿سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾) مريءٌ سهلُ الانحدارِ لعذوبتِهِ وبه يرتفعُ شرابه. وثبت: «﴿سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾» لأبي ذرٍّ (﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾) شديدُ الملوحة، وقيل: هو الَّذي يحرقُ بملوحته (﴿وَمِن كُلٍّ﴾) ومن كلِّ واحد منهما (﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢]) وهو السَّمك.
(وَرَكِبَ الحَسَنُ) بفتح الحاء، ابنُ عليِّ بن أبي طالب ﵇ ورضي اللهُ عنه وعن أبيه (عَلَى سَرْجٍ) متَّخَذٍ (مِنْ جُلُودِ كِلَابِ المَاءِ) لأنَّها طاهرةٌ يجوزُ أكلُها لدخولها في عمومِ السَّمك، وكذا ما لم يشبه السَّمك المشهور كالخنزيرِ والفرس. وفي «عجائب المخلوقات» أنَّ كلب الماء حيوانٌ يداهُ أطولُ من رجليهِ يلطخُ بدنه بالطِّين ليحسبه التِّمساح طينًا، ثمَّ يدخلُ جوفَه فيقطِّع أمعاءهُ ويأكلُها ويمزِّق بَطْنَه.
(وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بنُ شراحيل: (لَوْ أَنَّ أَهْلِي أَكَلُوا الضَّفَادِعَ) جمع ضِفْدِع؛ بكسر أوَّله وفتحه وضمه مع كسر ثالثه وفتحه في الأول وكسره في الثاني وفتحه في الثالث (لأَطْعَمْتُهُمْ) منها.
(وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ) البصريُّ رحمه الله تعالى (بِالسُّلَحْفَاةِ) بضم السين وسكون الحاء المهملتين بينهما لام مفتوحة وبعد الفاء ألف فهاء تأنيث، أي: لم يرَ بأكلها (بَأْسًا) وهذا وصله ابنُ أبي شيبة. وقال سفيان الثَّوريُّ: أرجو أن لا يكون بالسَّرطان بأس، وظاهر الآية حجَّة لمن قال بإباحةِ جميع حيوانات البحرِ، وكذلك حديث: «هو الطَّهور ماؤهُ الحلُّ ميتتُهُ».
وجملةُ حيوان الماءِ على قسمين سمك وغيره، فأمَّا السَّمك فميتتُهُ حلالٌ مع اختلافِ أنواعها، ولا فرق بين (١) أن يموتَ بسببٍ أو بغير سببٍ. وعند أبي حنيفة: لا يحلُّ إلَّا أن يموت بسببٍ من وقوع على حجرٍ أو انحسار ماءٍ عنه فيحلُّ لحديث أبي الزُّبير عن جابر عند أبي داود: «ما ألقاهُ البحرُ أو جزرَ عنه فكلُوه، وما ماتَ فيه فطفَا فلا تأكلوهُ» لكنَّه (٢) مطعونٌ فيه من جهة يحيى بن سليم لسوءِ حفظهِ وصحَّح كونه موقوفًا، وحينئذٍ فقد عارضه قولُ أبي بكر وغيره، والقياس
стр. 10067
يقتضي حلَّه لأنَّ السَّمك لو مات (١) في البرِّ لأكل بغير تأويل.
وأمَّا غير السَّمك فقسمان: قسمٌ يعيش في البرِّ كالضِّفدع والسَّرطان والسُّلحفاة فلا يحلُّ أكله، وقسمٌ يعيشُ في الماءِ ولا يعيشُ في البرِّ إلَّا عيشَ المذبوحِ، فاختُلف فيه فقيل: لا يحلُّ منه شيءٌ إلَّا السَّمك، وهو قول أبي حنيفة، وقيل: إنَّ ميِّت الكلِّ حلال لأنَّ كلَّها سمكٌ وإن اختلفتْ صورتها كالجِرِّي وهو قول مالكٍ وظاهر مذهب الشَّافعيِّ. وذهب قومٌ إلى أنَّ ما له نظير في البرِّ يؤكلُ فميتتُهُ من حيواناتِ البحرِ حلالٌ (٢) كبقر الماء ونحوه، وما لا يؤكلُ نظيره في البرِّ لا تحلُّ ميتته من حيوانات البحرِ ككلب الماء والخنزير، وكذا حمار الوحش (٣) وإن كان له شبهٌ في البرِّ حلال وهو حمار الوحش لأنَّ له شبهًا حرامًا وهو الحمار الأهليُّ تغليبًا للتَّحريم، كذا قال في «الروضة» و «شرح المهذب». والمفتى به (٤): حلُّ الجميع إلَّا السَّرطان والضِّفدع والتِّمساح والسُّلحفاة لخبث لحمها، وللنَّهي عن قتل الضِّفدع، رواه أبو داود وصحَّحه الحاكم.
وقد ذكر الأطبَّاء أنَّ الضِّفدع نوعان: برِّي وبحري، فالبريُّ يقتُلُ آكلَهُ والبحريُّ يضرُّهُ، وكذا يحرم القرش في البحر المِلْحِ خلافًا لما أفتى به المحبُّ الطَّبريُّ، وأمَّا الدَّنِيلَس فقيل: إنَّ أصله السَّرطان، فإن ثبتَ حرُم وإلَّا فيحلُّ لأنَّه من طعام البحرِ ولا يعيش إلَّا فيه، ولم يأتِ على تحريمهِ دليلٌ، وقد قال (٥) جبريلُ بن بختيشوع: إنَّه ينفع من رطوبة المعدةِ والاستسقاء.
(وَقَالَ (٦) ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا (٧) وصله البيهقيُّ: (كُلْ) أمرٌ من الأكل (مِنْ صَيْدِ البَحْرِ نَصْرَانِيٍّ، أَوْ يَهُودِيٍّ، أَوْ مَجُوسِيٍّ) بالجرِّ في الثَّلاثة، وللأَصيليِّ: «وإن صادهُ نصرانيٌّ، أو يهوديٌّ، أو
стр. 10068
مجوسيٌّ» برفعها (١) على الفاعليَّة. وقال الحسن البصريُّ -فيما نقله عنه الدَّميريُّ-: رأيتُ سبعين صحابيًّا يأكلون صيدَ المجوس، ولا يتلجلجُ في صدورهمْ شيءٌ من ذلك.
(وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) عويمرُ بن مالك الأنصاريُّ (فِي المُرْي) بضم الميم وسكون الراء بعدها تحتية، وفي «النهاية» بتشديد الراء، ولكن جزم النَّوويُّ بالأوَّل، ونقل الجواليقيُّ في لحن العامة أنَّهم يحرِّكون الراء والأصل السكون، والَّذي في «القاموس»: التَّشديد، وعبارته: والمرِّي كدرِّي: إدامٌ كالكامخ.
وفي «الصحاح»: والمري الَّذي يؤتدمُ به كأنَّه منسوبٌ إلى المرارةِ، والعامَّة تخفِّفه قال: وأنشدني أبو الغوث:
وأُمُّ مَثْوَايَ لُباخِيَّةٌ (٢) … وعِنْدَها (٣) المُرِّيُّ والكامَخُ
والمُرِّيُّ هو أن يُجْعلَ في الخمرِ الملحُ والسَّمكُ ويوضع في الشَّمس فيتغيَّر عن طعمِ الخمر، فيغلب السَّمك بما أضيفَ إليه على ضراوةِ الخمر، ويزيلُ ما فيه من الشِّدَّة مع تأثيرِ الشَّمس في تخليلهِ، والقصدُ منه هضمُ الطَّعام وربَّما يُزادُ فيه ما فيه حَرَافَةٌ، ليزيدَ في جلاءِ المعدةِ، واستدعاءِ الطَّعام بحَرَافتهِ.
وكان أبو الدَّرداء وجماعة من الصَّحابة يأكلونَهُ وهو رأيُ من يجوِّزُ تخليلَ الخمرِ، وهو قولُ جماعة واحتجَّ له أبو الدَّرداء بقوله: (ذَبَحَ الخَمْرَ النِّينَانُ وَالشَّمْسُ) بفتح الذال المعجمة والموحدة، بصيغة الفعل الماضي، والخمر مفعولٌ مقدَّم على الفاعلِ لأنَّ (٤) التَّنازعَ والكلام كان فيها، والعربُ تقدِّم الأهمَّ فالأهمَّ، والنِّينَان والشَّمس فاعلان له، والنِّينان: بكسر النون الأولى، جمع: نون، كعُود وعيدان، وهو الحوتُ. وقال القاضيان البيضاويُّ وعِياض: ويروى «ذبْح الخمرِ» بسكون الموحدة والرفع مبتدأ وإضافته لتاليه فيجر. قال في «النهاية»: استعار
стр. 10069
الذَّبح للإحلال؛ كأنَّه يقول: كما أنَّ الذَّبح يحلُّ المذبوح فكذلك هذه الأشياء إذا وضعتْ في الخمرِ قامت مقام الذَّبح فأحلَّتها.
وقال البيضاويُّ: يريد أنَّها حلَّت بالحوتِ المطروح فيها وطبخها (١) بالشَّمس (٢) فكان ذلك كالذَّكاة للحيوان، وقال غيرُه: معنى ذبحتها: أبطلت فعلها.
وأخرج الحافظ أبو موسى في جزء أفرده لهذه المسألة بسندهِ عن عطية بن قيس قال: مرَّ رجلٌ من أصحاب أبي الدَّرداء ﵁ ورجلٌ يتغذَّى فدعاهُ إلى طعامهِ فقال: وما طعامك؟ قال: خبزٌ ومري وزيت. قال: المري الَّذي يصنعُ من الخمرِ؟ قال: نعم، قال: هو خمرٌ، فتواعدا إلى أبي الدَّرداء ﵁ فسألاه، فقال (٣): ذبحتْ خمرَها الشَّمسُ والملحُ والحيتانُ. يقول (٤): لا بأس به.
وعن ابنِ وهب سمعتُ مالكًا يقول: سمعتُ ابن شهابٍ سئل عن خمرٍ جعلتْ في قُلَّة وجعلَ فيها ملح وأخلاطٌ كثيرةٌ، ثمَّ جعلتْ في الشَّمس حتَّى عاد مُرْيًا يصطبغُ به. قال ابنُ شهابٍ: شهدتُ قبيصةَ بن ذُؤيب ينهى أن يجعلَ الخمر مُرْيًا إذا أُخذ، وهو خمرٌ.
وعن رُجْلَة (٥) مولاة معاوية قالتْ: حججنَا مع عبد الله بنِ أبي زكريا فأهدَى عبدُ الله بن أبي زكريا لعمر بن عبد العزيز المُريَ الَّذي يصنعُ بالخمر فأكلَ منه. وعن أبي هريرة ﵁ أنَّه كان يقول في المري الَّذي يعمله المشركون من الخمرِ: لا بأس به، ذبحَه الملحُ.
فإن قلت: ما وجه إيراد المؤلِّف لهذا الأثر هنا في طهارة صيدِ البحر؟ أُجيب بأنَّه يريد أنَّ السَّمك طاهرٌ حلالٌ، وأنَّ طهارته وحلَّه يتعدَّى إلى غيرهِ كالملح حتَّى يصيرَ الحرام النَّجس بإضافتها إليه طاهرًا حلالًا، وهذا إنَّما يتأتَّى على القول بجوازِ تخليل الخمرِ.
وقال (٦) الحافظ أبو ذرٍّ -ممَّا رأيته بهامش «اليونينيَّة» -: إذا طرحت النِّينان في الخمرِ ذبحتَه
стр. 10070
وحرَّكته فصارَ مُريًا، وكذلك إذا تُرك للشَّمس. وهذا خلاف مذهب الشَّافعيِّ، والبخاريُّ رحمه الله تعالى لم يتحرَّ (١) مذهبَ إمامٍ بعينه، بل اعتمد على ما صحَّ عنده من الحديث ثم أكَّده بالآثار (٢).
٥٤٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنِ عبد العزيز أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينار (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) الأنصاريَّ (¬﵁ يَقُولُ: غَزَوْنَا جَيْشَ الخَبَطِ) بفتح الخاء المعجمة والموحدة بعدها مهملة: ورق السَّلَم، سمِّي به لأنَّهم أكلوهُ من الجوعِ وذلك سنة ثمان (وَأُمِّرَ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولابنِ عساكرَ: «وأميرنا» (أَبُو عُبَيْدَةَ) عامر بنُ عبد الله بن الجرَّاح، ولأبي ذرٍّ: «وأُمِّر» مبنيًّا للمفعول أيضًا «علينا أبو عبيدة» بزيادة: علينا (فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى البَحْرُ) لنا (حُوتًا مَيِّتًا لَمْ يُرَ) بتحتية مضمومة (مِثْلُهُ) بالرفع، ولأبي ذرٍّ: «لم نر» بنون مفتوحة مثله بالنَّصب، أي: لم نرَ مثله في الكبرِ (يُقَالُ لَهُ: العَنْبَرُ) وهو سمكةٌ بحريَّةٌ يتَّخذ من جلدهَا الأتراسُ، ويقال للتِّرس: عنبرٌ، وسمِّي هذا الحوتُ بالعنبرِ لوجودهِ في جوفهِ.
قال إمامُنَا الشَّافعيُّ ﵀: حَدَّثني بعضُهم: أنَّه ركبَ البحر فوقعَ إلى جزيرة، فنظرَ إلى شجرة مثل عنق الشَّاةِ وإذا ثمرها عنبرٌ قال: فتركناهُ حتَّى يكبرَ ثمَّ نأخذه فهبَّت ريح فألقته في البحر.
قال الشَّافعيُّ: والسَّمك ودوابُّ البحر تبتلعه أوَّل ما يقع لأنَّه لينٌ، فإذا ابتلعته قلَّما تسلم إلَّا قتلها لفرط الحرارة الَّتي فيه، فإذا أخذ الصَّياد السَّمكة وجدَه في بطنها، فيقدِّر (٣) أنَّه منها، وإنَّما هو ثمر نبت (فَأَكَلْنَا مِنْهُ) من الحوت (نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ) ابن الجرَّاح (عَظْمًا
стр. 10071
مِنْ عِظَامِهِ، فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ).
٥٤٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَديُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينار (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا) ﵁ (يَقُولُ: بَعَثَنَا النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ مِئَةِ رَاكِبٍ) فيهم عمرُ بن الخطاب ﵁ (وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ) ابن الجرَّاح (نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ) بكسر العين المهملة، إبلًا تحمل طعامًا لهم. وعند ابنِ سعدٍ أنَّه ﷺ بعثهم إلى حيٍّ من جُهينة بالقَبَلية -بفتح القاف والموحدة- ممَّا (١) يلي ساحلَ البحر بينهم وبين المدينة خمس ليالٍ، وأنَّهم انصرفوا ولم يلقوا كيدًا.
واستُشْكل هذا بما في حديث الباب؛ إذ ظاهرهُ (٢) المُغايرةُ. وأُجيب بأنَّه يمكن الجمع بين كونهم يتلقَّون عيرًا لقريش، ويقصدون حيًّا من جُهينة، وحينئذٍ فلا مُغايرة بينهما.
(فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الخَبَطَ) بفتحتين، ورق السَّلَم، وفي رواية أبي الزُّبير عند مسلم: «وكنا نضرب بعصينا الخَبَط ثمَّ نبلُّه بالماء فنأكله» (فَسُمِّيَ جَيْشَ الخَبَطِ وَأَلْقَى) إلينا (البَحْرُ) لما انتهينا إلى ساحلهِ (حُوْتًا يُقَالُ لَهُ: العَنْبَرُ) طوله خمسون ذراعًا يقال له: بالة، وفي رواية ابنِ جُريج (٣) السَّابقة في هذا الباب: حُوتًا ميتًا (فَأَكَلْنَا) منه (نِصْفَ شَهْرٍ) وفي رواية وهب ابنِ كيسان، عن جابر في «المغازي» ثماني عشرة ليلة [خ¦٤٣٦٠]. وفي رواية أبي الزُّبير عند مسلم: «فأقمنا عليه شهرًا». ويجمعُ بين ذلك بأنَّ الَّذي قال: ثماني عشرة ضبطَ ما لم يضبطْه غيره، ومن قال: نصف شهرٍ ألغى الكسرَ وهو ثلاثة أيام، ومن قال: شهرًا جبر الكسر وضم بقية المدَّة
стр. 10072
الَّتي كانت قبلَ وجدانهم الحوت إليها، ورجَّح النَّوويُّ رواية أبي الزبير لما فيها من الزِّيادة (وَادَّهَنَّا بِوَدَكِهِ) بفتح الواو والدال المهملة، أي: شَحمه (حَتَّى صَلَحَتْ) بفتح الصاد واللام (أَجْسَامُنَا) ولأبي الزُّبير: «فلقد رأيتُنَا نغترفُ من وقب عينيهِ بالقلالِ الدُّهن، ونقتطعُ منه الفِدْرَ كالثَّور»، والوَقْب -بفتح الواو وسكون القاف بعدها موحدة-: النُّقرة الَّتي فيها الحدقة، والفِدْر -بكسر الفاء وسكون الدال- جمع: فَدْرة -بفتح ثمَّ سكون-: القطعة من اللَّحم وغيره.
وفي رواية الخولانيِّ عن جابرٍ، عند ابن (١) أبي عاصم، في الأطعمة: «وحملنَا ما شئنَا من قَدِيد ووَدَكٍ في الأسقيَةِ والغَرَائر». وفي رواية أبي الزُّبير عند المؤلِّف في «المغازي» أنَّهم ذكروا ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: «كلُوا رزقًا أخرجَهُ اللهُ، أطعمونَا إن كان معكمْ، فأتاهُ بعضُهم بعضوٍ منه، فأكله» [خ¦٤٣٦٢] وبهذا تتمُّ الدَّلالة لجوازِ أكلِ ميتة البحرِ من هذا الحديث، وإلَّا فمجرَّد أكل الصَّحابة منه وهم في حال المجاعةِ قد يقال: إنَّه للاضطرار، وقد تبيَّن بهذه الزِّيادة أنَّ جهة كونها حلالًا ليست بسببِ الاضطرار بل لكونها من صيدِ البحر، ويُستفاد منه إباحة ميتةِ البحر سواء مات بنفسهِ أو بالاصطيادِ.
(قَالَ) جابر: (فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ) ابن الجرَّاح (ضِلَعًا) بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام (مِنْ أَضْلَاعِهِ) من أضلاع الحوتِ (فَنَصَبَهُ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ) وفي «المغازي» «ثمَّ أمر أبو عُبيدة بضلعين من أضلاعهِ فنصبا، ثمَّ أمر براحلةٍ فرحلتْ، ثمَّ مرَّت تحتهما فلم تصبهما» [خ¦٤٣٦٠]. وفي أخرى فيها: «فعمدَ إلى أطولِ رجلٍ معه فمرَّ تحته» [خ¦٤٣٦١] (وَكَانَ فِينَا رَجُلٌ) هو قيسُ بن سعد بنِ عبادة (فَلَمَّا اشْتَدَّ) بنا (الجُوعُ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ) جمع جزور. قال في «الفتح»: وفيه نظر، فإن جزائر جمع: جزيرة، والجَزور (٢) إنَّما يجمعُ على جُزُر -بضمتين- فلعلَّه جمع الجمع. انتهى. وقال في «القاموس»: والجَزور: النَّاقة المجزورة، الجمع: جَزَائر وجُزُر وجَزُورات (٣)
стр. 10073
(ثُمَّ) جاعوا بعد أكلها فنحرَ (ثَلَاثَ جَزَائِرَ) وكان قيسٌ اشترى الجُزُر من أعرابيٍّ جُهنيٍّ كلُّ جَزُور بوسقٍ من تمرٍ يوفيه إيَّاه بالمدينة (ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ) عن النَّحر بسؤال عمر لأبي عبيدة في ذلك. وبقيَّة قصَّة قيس مع أبيهِ لمَّا قدم المدينة أشرتُ إليها في «المغازي» مختصرةً من حديث رويتُه في «الغيلانيات».
(١٣) (بابُ) جواز (أَكْلِ الجَرَادِ) قال (١) أهل اللُّغة فيما نقله الدَّمِيريُّ: مشتقٌّ من الجردِ، قالوا: والاشتقاقُ في أسماءِ الأجناسِ قليلٌ جدًّا، وهو برِّيٌّ وبحريٌّ، وبعضه أصفرُ، وبعضه أبيضُ، وبعضه أحمرُ، وبعضه كبير الجثَّة، وبعضه صغيرها، وإذا أراد أن يبيض التمسَ لبيضه المواضع الصَّلدة والصُّخور الصَّلبة الَّتي لا يعمل فيه المعول، فيضربها بذنبهِ فتنفرج له ثمَّ يُلقي بيضَه في ذلك الصَّدع، فيكون له كالأُفْحُوص، ويكون حاضنًا له ومربِّيًا، وللجرادة ستَّة أرجلٍ يدان في صدرهَا، وقائمتان في وسطهَا، ورجلان في مؤخَّرها، وطرفا رجليهَا منشاران، قال: وفي الجرادِ خلقة عَشَرةٍ من جبابرةِ الحيوان: وجه فرسٍ، وعينا فيلٍ، وعنق ثورٍ، وقرنا أيلٍ، وصدر أسدٍ، وبطن عقربٍ، وجناحا نسرٍ، وفخذا جملٍ، ورجلا نعامةٍ، وذنب حيَّةٍ، وليس في الحيوان أكثر إفسادًا لما يقتاته الإنسانُ من الجراد، وقد أحسن القاضي محيي الدِّين الشَّهرزوريُّ في وصف الجرادِ بذلك (٢) حيث قال:
لَهَا فَخِذَا بَكْرٍ وَسَاقَا نَعَامةٍ … وَقَادِمَتَا نَسْرٍ وَجُؤجُؤُ ضَيْغَمِ (٣)
حَبَتْهَا أَفَاعِي الرَّمْلِ بَطْنًا وَأَنْعَمَتْ … عَلَيْهَا جِيَادُ الخَيْلِ بالرَّأسِ وَالفَمِ
قال الأصمعيُّ: أتيت الباديةَ فإذا أعرابيٌّ زرع برًّا له (٤)، فلمَّا قامَ على سوقِهِ وجادَ بسنبلهِ أتاه رِجْلُ جَرادٍ (٥)، فجعل الرِّجل ينظرُ إليه ولا يعرف كيف (٦) الحيلة، فأنشد يقول (٧):
стр. 10074
مَرَّ الجَرَادُ عَلَى زَرْعِي فَقُلْتُ لَهُ … لَا تَأْكُلَنَّ وَلَا تُشْغَلْ بإِفْسَادِ
فَقَامَ مِنهُمْ (١) خَطِيبٌ فَوْقَ سُنبُلَةٍ … إنَّا عَلَى سَفَرٍ لَا بُدَّ مِنْ زَادِ
ولعابه سمٌّ على الأشجارِ لا يقعُ على شيءٍ إلَّا أحرقَه.
٥٤٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بنُ عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) بفتح التحتية وسكون المهملة وضم الفاء وبعد الواو راء منصرفًا، اسمه: وَفْدَان -بفتح الواو وسكون الفاء بعدها دال مهملة فألف فنون- وقيل: وافد، وهو الأكبرُ لا الأصغر عبد الرَّحمن بن عبيد لأنَّ الأصغر -كما قال ابنُ أبي حاتم- لم يسمعْ من ابنِ أبي أوفى بخلاف الأكبرِ كما (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى) عبد الله (¬﵄ (٢) قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ -أَوْ: سِتًّا-) بالشَّكِّ، قال في «الفتح»: من شعبة (كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ) ﷺ (الجَرَادَ) وزاد أبو نُعيم في «الطب»: «ويأكله (٣) معنا»، وقد نقل النَّوويُّ الإجماع على حلِّ أكل الجرادِ، وخصَّه ابن العربيِّ بغير جرادِ الأندلس لما فيه من الضَّرر المحضِ.
وفي حديث سلمان عندِ أبي داود: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سئل عن الجرادِ فقال: «لا آكلُهُ ولا أحرِّمه» لكن الصَّواب أنَّه مرسل.
وعن (٤) أحمد: إذا قتلَه البردُ لم يؤكل. وملخَّص مذهب مالك: إن قطعت رأسه حلَّ وإلَّا فلا. وعند البيهقيِّ من حديث أبي أمامة الباهليِّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ مريمَ ابنة عمران سألتْ ربَّها أن يُطْعمها لحمًا لا دمَ له فأطعمَهَا الجرادَ». وفي «الحلية» في ترجمة يزيد بن ميسرة:
стр. 10075
كان (١) طعامُ يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام الجرادَ وقلوب الشَّجر؛ يعني (٢): الَّذي ينبت في وسطها غضًّا طريًّا قبل أن يَقوى، وكان يقول: من أنْعَمُ منك يا يحيى، وطعامُك الجرادُ وقلوبُ الشَّجر.
(قَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ ممَّا وصله الدَّارميُّ عن محمَّد بن يوسف (وَأَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ فيما وصله مسلم، ولأبي ذرٍّ: «وقال أبو عوانة» (وَإِسْرَائِيلُ) فيما وصله الطَّبرانيُّ (٣) (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) وفدان (عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى) عبد الله: (سَبْعَ غَزَوَاتٍ) وحمله الحافظ ابنُ حَجر على أنَّ أبا يعفور كان جزمَ مرَّةً بالسَّبع ثمَّ شكَّ، فجزم بالسِّتِّ إذ هي (٤) المتيقَّن.
(١٤) (بابُ) حكمِ (آنِيَةِ المَجُوسِ) في الاستعمال أكلًا وشربًا (وَ) حكمُ (المَيْتَةِ).
٥٤٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك النَّبيل بن مخلد (عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ) بالشين المعجمة أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة (الدِّمَشْقِيُّ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو إِدْرِيسَ) عائذ الله (الخَوْلَانِيُّ) بالخاء المعجمة، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد كذلك (أَبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ) بالخاء والشين المعجمتين، ﵁ (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ أَهْلِ الكِتَابِ، فَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ).
стр. 10076
استُشكل مطابقةُ الحديث للتَّرجمة، إذ ليس فيه ذكر ما ترجمَ به (١) وهو المجوسُ. وأَجاب ابنُ التِّين باحتمال أنَّه كان يرى أنَّ المجوسَ أهلُ كتابٍ. وابنُ المنيِّر بأنَّهُ بناءٌ على أنَّ المحذور منهما واحدٌ، وهو عدم توقِّي النَّجاسات. وابن حَجر بأنَّه أشار إلى ما عند التِّرمذيِّ من طريق أُخرى عن ثعلبةَ: سئل رسولُ الله ﷺ عن قدورِ المجوسِ فقال: «أنقوهَا غسلًا، واطبخُوا فيها» وفي لفظٍ من وجهٍ آخر عن أبي ثعلبةَ: قلت: إنَّا نمرُّ باليهود والنَّصارى والمجوس، فلا نجدُ غير آنيتهِمْ … الحديث.
وهذه طريقةٌ أكثرَ منها البخاريُّ فيما كان سندُه (٢) فيه مقالٌ يترجمُ به، ثمَّ يورد في الباب ما يُؤخذ (٣) الحكم منه بطريقِ الإلحاق. انتهى.
قال أبو ثعلبة: (وَ) إنَّا (بِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ) فيها (بِقَوْسِي) بسهمي (وَأَصِيدُ) فيها (بِكَلْبِي المُعَلَّمِ) بفتح اللام المشددة (وَ) أصيد (بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ) بفتح اللام المشددة أيضًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «أنَّكم» (بِأَرْضِ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلَا تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ) لكونها مُسْتقذرة (إِلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا بُدًّا) بضم الموحدة وتشديد المهملة منوَّنة، فِرَاقًا أو عوضًا منها (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا بُدًّا) منها (٤) (فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «فاغسلوا وكلوا» (٥).
والحكم في آنيةِ المجوس كذلك لا يختلفُ مع الحكم في آنية أهلِ الكتاب لأنَّ العلَّة إن كانت لكونهم تحلُّ ذبائحهم كأهلِ الكتاب فلا إشكالَ، أو لا تحلُّ فتكون الآنية الَّتي يطبخونَ فيها ذبائحهم ويغرفون قد تنجَّست بملاقاة الميتة، فأهلُ الكتاب كذلك، باعتبارِ أنَّهم لا يتديَّنون باجتنابِ النَّجاسة، وبأنَّهم يطبخونَ فيها الخنزير ويضعونَ فيها الخمر.
(وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ) ولابنِ عساكرَ (٦): «أنَّك» (بِأَرْضِ صَيْدٍ، فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ
стр. 10077
اسْمَ اللهِ) عليه ندبًا (وَكُلْ) فإنَّه ذكاة (١) له (وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ) عليه ندبًا (وَكُلْ) فإنَّ أخْذَ الكلب له ذكاةٌ (٢) (وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ) ذَبحه (فَكُلْهُ) ولابنِ عساكرَ: «فكلْ فإنْ لم تدركْه فلا تأكلْ فإنَّه وقيذ».
٥٤٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (٣) المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميُّ مولى سلمة ابن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ ابْنِ الأَكْوَعِ) هو ابنُ عمرو بن الأكوع، أنَّه (قَالَ: لَمَّا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَرَ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى مَا) بألف بعد الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «علام» (أَوْقَدْتُمْ هَذِهِ النِّيرَانَ؟ قَالُوا: لُحُومِ) بالجر، أي: على لحومِ (الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ) بفتح الهمزة والنون وبكسر الهمزة وسكون النون، وسقط لفظ «الحمر» لأبي ذرٍّ (قَالَ) ﷺ : (أَهْرِيقُوا) بهمزة مفتوحة، ولأبي ذرٍّ: «هريقوا» (مَا فِيهَا، وَاكْسِرُوا قُدُورَهَا) مبالغة في الزَّجر، وسقط قوله: «واكسروا قدورها» لابنِ عساكرَ (فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقَالَ): يا رسول الله (نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا؟) استفهامٌ محذوفُ الأداةِ (فَقَالَ النَّبِيُّ (٤) ﷺ : أَوْ ذَاكَ) بسكون الواو، إشارة إلى التَّخيير بين الكسرِ والغسل، وغلَّظ أوَّلًا حسمًا للمادَّة، فلمَّا سلَّموا (٥) الحكمَ وضعَ عنهم الإصر. والأمرُ بغسلها حكمٌ بالتَّنجيس
стр. 10078
فيستفادُ منه تحريمُ أكلِها، وهو دالٌّ (١) على تحريمها لعينهَا (٢) لا لمعنى خارج، وسقط لغير أبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ «فقال النَّبيُّ ﷺ ».
(١٥) (بابُ) حكمِ (التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَ) حكم (مَنْ تَرَكَ) التَّسمية، حال كونه (مُتَعَمِّدًا) وتقييدُه بالعمدية مشعرٌ بالتَّفرقة بين العمد والنِّسيان، ويدلُّ لذلك قولهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (مَنْ نَسِيَ) التَّسمية عند الذَّبح (فَلَا بَأْسَ) يأكل ما ذبح. ومفهومه: عدم الحلِّ مع العمديَّة وهذا وصله الدَّارقطنيُّ، وأخرجه سعيد بن منصور، عن ابن عبَّاس فيمن ذبحَ ونسي التَّسمية فقال: «المسلمُ فيه اسم الله، وإن لم يذكر التَّسمية» وسندهُ صحيحٌ، وهو موقوفٌ، وأخرجهُ الدَّارقطنيُّ من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا.
(وَقَالَ (٣) اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾) عند الذَّبح (﴿وَإِنَّهُ﴾) وإنَّ أكلَه (﴿لَفِسْقٌ﴾) وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾» (٤) (وَالنَّاسِي لَا يُسَمَّى فَاسِقًا) كما هو ظاهرٌ من (٥) الآية؛ لأنَّ ذكر الفسقِ عقبه إنْ كان عن فعلِ المكلَّف وهو إهمالُ التَّسمية، فلا يدخلُ النَّاسي لأنَّه غيرُ مكلَّفٍ، فلا يكون فعله فسقًا، وإن كان عن نفسِ الذَّبيحة الَّتي لم يسمَّ عليها، وليستْ مصدرًا فهو منقولٌ من المصدرِ، والذَّبيحة المتروك التَّسمية عليها نسيانًا لا يصحُّ تسميتها فسقًا؛ إذ الفعل الَّذي نقل منه هذا الاسم ليس بفسقٍ، فإمَّا أن نقولَ (٦): لا دليلَ في الآيةِ على تحريم المنسيِّ (٧) فبقِي على الأصلِ الإباحة، أو نقول: فيها دليل من حيث مفهومُ تخصيص
стр. 10079
النَّهي بما هو فسقٌ، فما ليس بفسقٍ ليس بحرامٍ، قاله صاحب «الانتصاف» من المالكيَّة.
وقال في «المدارك»: وظاهرُ الآية تحريمُ متروك التَّسمية، وخصَّت حالة النِّسيان بالحديثِ، أو يجعل النَّاسي ذاكرًا تقديرًا، ومن أوَّل الآية بالميتة، أو بما ذُكِر غيرُ اسم الله عليه، فقد عدلَ عن ظاهر اللَّفظ، ولعلَّ المؤلِّف أشار إلى الزَّجر عن الاحتجاج لجواز (١) ترك التَّسمية بتأويلِ الآية، وحملها على غيرِ ظاهرها (٢) حيث قال:
(وَقوْلِهِ) تعالى: (﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ﴾) قال في «اللباب»: إبليس وجنوده (﴿لَيُوحُونَ﴾) ليوسوسونَ (﴿أَوْلِيَآئِهِمْ﴾) من المشركين (﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾) ليخاصموا محمَّدًا ﷺ وأصحابه بقولهم: ما ذُكِر اسم الله عليه فلا تأكلوهُ، وما لم يذكرِ اسمُ الله عليه فكلوهُ. رواه (٣) أبو داود وابن ماجه والطَّبريُّ بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس (﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾) في استحلالِ ما حرَّمه الله (﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]) لأنَّ مَن اتَّبع غير الله في دينهِ فقد أشركَ به، ومن حقِّ المتديِّن أن لا يأكلَ ممَّا لم يذكرِ اسم الله عليه؛ لِمَا في الآية من التَّشديد العظيمِ.
وقال عكرمةُ: المرادُ بـ ﴿الشَّيَاطِينَ﴾: مردةُ المجوسِ ﴿لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ من مُشركي قريش، وذلك لأنَّه (٤) لما نزلَ تحريمُ الميتة سمعَهُ المجوس من أهل فارس، فكتبوا إلى قريشٍ وكانت بينهم مُكاتبة: إنَّ محمَّدًا وأصحابه يزعمون أنَّهم يتَّبعون أمرَ الله، ثمَّ يزعمون أنَّ ما يذبحونَه حلالٌ، وما يذبحه الله حرامٌ، فوقعَ في نفس ناس من المسلمين شيءٌ من ذلك، فأنزل اللهُ هذه الآية.
والحاصل من اختلافِ العلماء: تحريمُ تركها عمدًا ونسيانًا، وهو قولُ ابن سيرين، والشَّعبيِّ، وطائفةٍ من المتكلِّمين، ورواية عن أحمد لظاهر الآية. أو تخصيص التَّحريم بغير النِّسيان وهو مذهب الحنفيَّة ومشهور مذهب المالكيَّة والحنابلة لما سبقَ. والإباحة مطلقًا عمدًا أو نسيانًا وهو مذهب الشَّافعيَّة.
وروي عن مالك وأحمد محتجَّين بأنَّ المراد من الآية: الميتات وما ذُبح على غير اسم
стр. 10080
الله لقولهِ تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والفسقُ في ذكر غير اسم الله، كما قال في آخر السُّورة: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى قولهِ: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وأجمع المسلمون على أنَّه لا يفسق آكل ذبيحة المسلم التَّارك للتَّسمية. وأيضًا قولهُ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ فإنَّ هذه المناظرة كانت في الميتة كما مرَّ. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وهذا مخصوصٌ بما ذبح على اسم النُّصب؛ يعني: لو رضيتُم بهذه الذَّبيحة الَّتي ذبحتْ على اسم إلَهيَّة (١) الأوثان فقد (٢) رضيتُم بإلَهيَّتِها (٣) وذلك يوجب الشِّرك.
قال إمامنا الشَّافعيُّ ﵀: فأوَّل الآية وإن كان عامًّا بحسب الصِّيغة إلَّا أنَّ آخرها لمَّا حصلتْ فيه هذه القيود الثَّلاثة علمنا أنَّ المراد من العمومِ الخصوص. وقال صاحب «فتوح الغيب» رحمه الله تعالى: والمجادلةُ هي قولهم: لم لا تأكلونَ ما قتله الله، وتأكلون ما قتلتموهُ أنتم؟ وذلك إنَّما يصحُّ في الميتة، فدخل بقولهِ: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ما أهلَّ لغير الله فيه. وبقولهِ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾ الميتة، فتحقَّق قول الشَّافعيِّ ﵀: إنَّ النَّهي مخصوصٌ بما ذُبح على النُّصب، أو مات حتفَ أنفهِ. واختُلف في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فقيل: جملةٌ مستأنفةٌ، قالوا: ولا يجوزُ أن تكون منسوقة (٤) على سابقتها لأنَّ الأولى طلبيَّة وهذه خبريَّة. وقيل: إنَّها منسوقةٌ على السَّابقة، ولا يضرُّ تخالفهما (٥)، وهو مذهب سيبويه. وقيل: إنَّها حاليَّة، أي: لا تأكلوه والحال أنَّه فسقٌ.
стр. 10081
قال في «اللباب»: وقد تبجَّح الرَّازي بهذا الوجه على الحنفيَّة حيث قلبَ دليلهم عليهم بهذا الوجه، وذلك لأنَّهم يمنعونَ مِنْ أكْلِ متروك التَّسمية، والشَّافعيَّة لا يمنعون منه، استدلَّ الحنفيَّة بظاهر الآية، فقال الرَّازيُّ: هذه الجملة حاليَّة ولا يجوز أن تكون معطوفة لتخالفهما طلبًا وخبرًا، فتعيَّن أن تكون حاليَّة، وإذا كانت حاليَّة كان المعنى: لا تأكلوه حال كونه فسقًا، ثمَّ هذا الفسق (١) مجملٌ فسَّره الله تعالى في موضعٍ آخر، فقال: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾ يعني: أنَّه إذا ذكر غير اسم الله على الذَّبيحة فإنَّه لا يجوزُ أكلها لأنَّه فسق. وقد يجابُ بأن يقال: سلمنا أنَّ ما أهلَّ لغير الله به يكون فسقًا، ونحن نقول به، ولا يلزم من ذلك أنَّه إذا لم يذكر اسم الله عليه ولا اسم غيره أن يكون حرامًا، وللنِّزاع فيه مجالٌ من وجوه منها:
أنَّا لا نسلِّم امتناع عطف الخبر على الطَّلب والعكس، كما مرَّ عن (٢) سيبويه، وإن سُلِّم فالواو للاستئناف وما (٣) بعدها مستأنفٌ، وإن سلِّم أيضًا فلا نسلِّم أنَّ ﴿فِسْقًا﴾ في الآية الأُخرى
стр. 10082
مبيِّن (١) للفسقِ في هذه (٢) الآية، فإنَّ هذا ليس من باب المجملِ والمبيَّن لأنَّ له شروطًا ليست موجودة هنا، وسقط قوله: «﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.
٥٤٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) والد سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ) بفتح العين والموحدة المخففة بعدها تحتية، ورِفَاعة؛ بكسر الراء وتخفيف الفاء وبعد الألف عين مهملة: الأنصاريِّ (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد التحتية جيم. وقال أبو الأحوص، عن سعيدٍ، عن عباية، عن أبيه، عن جدِّه. وتابع أبا الأحوص على زيادتهِ في الإسناد عن أبيه حسانُ بن إبراهيم الكِرْمانيُّ، عن سعيد (٣) بنِ مسروق. أخرجه البيهقيُّ من طريقه (٤). وكذا رواه ليث بنُ أبي سليم عن عباية، عن أبيه (٥)، عن جدِّه أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ) من الأسماء المركَّبة تركيبَ إضافة، فيعرب الأوَّل بوجوه الإعراب، والثَّاني مجرورٌ على الإضافة كأبي هريرة. وزاد سفيان الثَّوريُّ، عن أبيه: «من تهامة» وهو مكانٌ بالقرب من ذات عرق بين
стр. 10083
الطَّائف ومكَّة، كما جزم به أبو بكرٍ الحازميُّ وياقوت، ووقع للقابسيِّ أنَّها الميقات المشهورُ، وكذا ذكره النَّوويُّ (فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا) من المغانم (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) كائنًا (فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ) آخرهم ليصونهُم ويحفظهُم؛ إذ لو تقدَّمهم لخيفَ أن يقتطعَ الضَّعيف منهم وكان بالمؤمنين رحيمًا (فَعَجِلُوا) من الجوعِ الَّذي كان بهمْ وذبحوا ما غنموهُ قبل القسمةِ (فَنَصَبُوا القُدُورَ) ووضعوا ما ذَبحوه فيها، وفي رواية الثَّوريِّ: «فأغلوا القدورَ» أي: أوقدوا النَّار تحتها حتَّى غلتْ (فَدُفِعَ) بضم الدال مبنيًّا للمفعول، أي: وصل (إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ هنا: «إليهم» ومقتضاهُ (١) سقوطُ إليهم الأولى (٢) (فَأَمَرَ) ﷺ (بِالقُدُورِ) أن تكفأ (فَأُكْفِئَتْ) بضم الهمزة وسكون الكاف.
قال ابنُ فرحون: أي: فأمرَ رجلًا بكفءِ القدورِ لأنَّ أَمَرَ يتعدَّى إلى مفعول به، وإلى الثاني بالباء، ويكون الثَّاني مصدرًا أو (٣) مقدرًا بمصدر، تقول: أمرتُك الخير، وأمرتك بالخير، وتقول: أمرتُك بزيد، ولا تقول: أمرتُك زيدًا لأنَّ التَّقدير: أمرتُك بإكرام (٤) زيدٍ أو بضربِ زيدٍ، فيُحذف المصدر ويُقام المضاف إليه مقامه، وكذلك جاء هنا فلا يجوزُ فأمرَ القدور إلَّا بتقدير مضاف، أي: بكفءِ القدور، فالباء الدَّاخلة على المصدرِ بعد حذفه دخلتْ على القائم مقامه، قال: وهذا الَّذي ظهر لي من التَّقدير ما وقفتُ عليه، لكن وجدتُ القواعد تسوق إليه. انتهى.
وقوله: فأكفئتْ، أي: فقلبتْ وأفرغ ما فيها، أي: من المرق -كما قاله النَّوويُّ- عقوبةً لهم. قال: وأمَّا اللَّحم فلم يتلفوهُ بل يحمل على أنَّه جُمع وردَّ إلى المغنم، ولا يظنُّ أنَّه أمرَ بإتلافه مع نهيهِ ﷺ عن إضاعةِ المال، وهذا من مالِ الغانمين. وأيضًا فالجنايةُ بطبخهِ لم تقع من جميع مستحقِّي الغنيمة، فإنَّ منهم من لم يطبخْ ومنهم المستحقون للخمس. فإن قيل: إنَّه لم ينقل أنَّهم حملوا اللَّحم إلى المغنمِ، قلنا: ولم ينقلْ أنَّهم أحرقوهُ أو أتلفوهُ، فيجب تأويله على وَفقِ القواعد. انتهى.
стр. 10084
لكن في حديث عاصم بن كُليب، عن أبيه -وله صحبة- عن رجلٍ من الأنصار قال: أصاب النَّاس حاجةٌ شديدةٌ وجهدٌ، فأصابوا غنمًا فانتهبوهَا، فإنَّ قدورَنَا لتغلِي بها إذْ جاءَ رسولُ الله ﷺ على فرسِهِ، فأكفأَ قدورَنَا بقوسِهِ ثمَّ جعلَ يُرمِّل اللَّحم بالتُّراب، ثمَّ قال: «إنَّ النُّهبة ليستْ بأحلَّ من الميتةِ» رواه أبو داود بإسنادٍ جيِّدٍ على شرطِ مسلمٍ، وترك تسميةِ الصَّحابيِّ لا يضرُّ.
ولا يقال: لا يلزمُ من تتريبِ اللَّحم إتلافُه لإمكان تداركِهِ بالغسلِ لأنَّ سياقَ الحديثِ يشعرُ بإرادةِ المبالغةِ في الزَّجر عن ذلك، وهو كونهم انتهبوا ولم يأخذوا باعتدالٍ، فلو كان بصددِ أن ينتفعَ به بعد ذلك لم يكنْ فيه كبير زجر لأنَّ الَّذي يخصُّ الواحدَ منهم نزرٌ يسيرٌ، فكان (١) إفسادُها عليهم مع تعلُّق قلوبهم بها وحاجتِهِم إليها وشهوتِهِم لها أبلغُ في الزَّجر، قاله في «الفتح» وغيره.
(ثُمَّ قَسَمَ) ﷺ (فَعَدَلَ) أي: قابل (عَشَرَةً) ولأبي ذرٍّ: «عشرًا» (مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ) لنفاسةِ الإبل إذ ذاك، أو قلَّتها وكثرةِ الغنم، أو كانت هزيلةً بحيث كان (٢) قيمةُ البعير عشر شياهٍ، وحينئذٍ فلا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي في (٣) أنَّ البعيرَ يجزئ عن سبع شياهٍ لأنَّ ذلك هو الغالبُ في قيمة الشَّاة والبعير المعتدلين، فالأصلُ أنَّ البعيرَ لسبعة ما لم يعرضْ عارضٌ من نفاسةٍ ونحوها فيتغيَّر (٤) الحكمُ بحسبِ (٥) ذلك، وبهذا تجتمعُ الأخبارُ الواردةُ في ذلك.
(فَنَدَّ) بفتح الفاء والنون وتشديد الدال، فنفرَ وذهبَ على وجههِ شاردًا (مِنْهَا) من الإبلِ
стр. 10085
المقسومةِ (١) (بَعِيرٌ) والفاء عاطفة على السَّابق (وَكَانَ فِي القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ) قال ذلك تمهيدًا لعذرهم في كون البعير الَّذي ندَّ أتعبَهم ولم يقدروا على تحصيلهِ (فَطَلَبُوهُ) بفاء العطف والسَّبب (فَأَعْيَاهُمْ) فأتعبَهم، والفاء للعطف على محذوفٍ، أي: طلبوهُ ففاتهم ولم يقدروا على تحصيلهِ (فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ) لم يقفِ الحافظُ ابن حَجر على اسمهِ، أي: قصدَ نحوه ورماهُ (بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللهُ (٢)) بالسَّهم، أي: جعل إصابة السَّهم له سببًا في وقوفه، فهو خالقُ الأسباب والمسبَّبات (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ) جمع بهيمة. قال في «القاموس»: كلُّ ذات أربع قوائم. وفي رواية الثَّوريِّ وشعبة: «إنَّ لهذه الإبل» (أَوَابِدَ) بفتح الهمزة والواو وكسر الموحدة بعدها دال مهملة، أي: توحشًا ونفرةً من الإنس (كَأَوَابِدِ الوَحْشِ) وأوابد لا ينصرف لأنَّه على صيغة منتهى الجموع، والكاف يجوز أن تكون اسمًا صفة لأوابد، ويكون ما بعد الكاف مضافًا إليه، أو الكاف حرف جرٍّ وتاليه مجرورٌ به، أي: إن (٣) لهذهِ البهائم أوابد كائنة كأوابد الوحش، وإنَّما انصرف أوابد الثَّاني لأنَّه أُضيف (فَمَا نَدَّ) نفر واستصعب (عَلَيْكُمْ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «منها» (فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) أي: وكلوه، كما عند الطَّبرانيِّ، وقوله: هكذا: الهاء للتَّنبيه، وكذا: كلمتان؛ الكاف بمعنى مثل (٤) في موضع المفعول، وذا مضاف إليه، أو الكاف نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: فاصنعوا به صنعًا كذا، أي: مثل ذلك.
(قَالَ) عباية: (وَقَالَ جَدِّي) رافع بن خديج، وزاد عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ في روايته: «يا رسول الله» وهذا صورتُه صورةُ الإرسال لأنَّ عباية لم يدركْ زمان القول (إِنَّا لَنَرْجُو -أَوْ) قال: (نَخَافُ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (أَنْ نَلْقَى العَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى) بضم الميم وبالدال المهملة مقصورًا مخففًا، جمع: مُدْية -بسكون الدال-: سكين نذبح (٥) بها ما نغنمُه منهم، أو نذبحُ بها ما نأكله لنتقوَّى به على العدوِّ إذا لقيناه.
وسمِّيت المديةُ فيما قيل لأنَّها تقطع مدَى حياةِ الحيوان (٦).