قال في «اللباب»: وقد تبجَّح الرَّازي بهذا الوجه على الحنفيَّة حيث قلبَ دليلهم عليهم بهذا الوجه، وذلك لأنَّهم يمنعونَ مِنْ أكْلِ متروك التَّسمية، والشَّافعيَّة لا يمنعون منه، استدلَّ الحنفيَّة بظاهر الآية، فقال الرَّازيُّ: هذه الجملة حاليَّة ولا يجوز أن تكون معطوفة لتخالفهما طلبًا وخبرًا، فتعيَّن أن تكون حاليَّة، وإذا كانت حاليَّة كان المعنى: لا تأكلوه حال كونه فسقًا، ثمَّ هذا الفسق (١) مجملٌ فسَّره الله تعالى في موضعٍ آخر، فقال: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾ يعني: أنَّه إذا ذكر غير اسم الله على الذَّبيحة فإنَّه لا يجوزُ أكلها لأنَّه فسق. وقد يجابُ بأن يقال: سلمنا أنَّ ما أهلَّ لغير الله به يكون فسقًا، ونحن نقول به، ولا يلزم من ذلك أنَّه إذا لم يذكر اسم الله عليه ولا اسم غيره أن يكون حرامًا، وللنِّزاع فيه مجالٌ من وجوه منها:
أنَّا لا نسلِّم امتناع عطف الخبر على الطَّلب والعكس، كما مرَّ عن (٢) سيبويه، وإن سُلِّم فالواو للاستئناف وما (٣) بعدها مستأنفٌ، وإن سلِّم أيضًا فلا نسلِّم أنَّ ﴿فِسْقًا﴾ في الآية الأُخرى
стр. 10082
مبيِّن (١) للفسقِ في هذه (٢) الآية، فإنَّ هذا ليس من باب المجملِ والمبيَّن لأنَّ له شروطًا ليست موجودة هنا، وسقط قوله: «﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.
٥٤٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) والد سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ) بفتح العين والموحدة المخففة بعدها تحتية، ورِفَاعة؛ بكسر الراء وتخفيف الفاء وبعد الألف عين مهملة: الأنصاريِّ (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد التحتية جيم. وقال أبو الأحوص، عن سعيدٍ، عن عباية، عن أبيه، عن جدِّه. وتابع أبا الأحوص على زيادتهِ في الإسناد عن أبيه حسانُ بن إبراهيم الكِرْمانيُّ، عن سعيد (٣) بنِ مسروق. أخرجه البيهقيُّ من طريقه (٤). وكذا رواه ليث بنُ أبي سليم عن عباية، عن أبيه (٥)، عن جدِّه أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ) من الأسماء المركَّبة تركيبَ إضافة، فيعرب الأوَّل بوجوه الإعراب، والثَّاني مجرورٌ على الإضافة كأبي هريرة. وزاد سفيان الثَّوريُّ، عن أبيه: «من تهامة» وهو مكانٌ بالقرب من ذات عرق بين
стр. 10083
الطَّائف ومكَّة، كما جزم به أبو بكرٍ الحازميُّ وياقوت، ووقع للقابسيِّ أنَّها الميقات المشهورُ، وكذا ذكره النَّوويُّ (فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا) من المغانم (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) كائنًا (فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ) آخرهم ليصونهُم ويحفظهُم؛ إذ لو تقدَّمهم لخيفَ أن يقتطعَ الضَّعيف منهم وكان بالمؤمنين رحيمًا (فَعَجِلُوا) من الجوعِ الَّذي كان بهمْ وذبحوا ما غنموهُ قبل القسمةِ (فَنَصَبُوا القُدُورَ) ووضعوا ما ذَبحوه فيها، وفي رواية الثَّوريِّ: «فأغلوا القدورَ» أي: أوقدوا النَّار تحتها حتَّى غلتْ (فَدُفِعَ) بضم الدال مبنيًّا للمفعول، أي: وصل (إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ هنا: «إليهم» ومقتضاهُ (١) سقوطُ إليهم الأولى (٢) (فَأَمَرَ) ﷺ (بِالقُدُورِ) أن تكفأ (فَأُكْفِئَتْ) بضم الهمزة وسكون الكاف.
قال ابنُ فرحون: أي: فأمرَ رجلًا بكفءِ القدورِ لأنَّ أَمَرَ يتعدَّى إلى مفعول به، وإلى الثاني بالباء، ويكون الثَّاني مصدرًا أو (٣) مقدرًا بمصدر، تقول: أمرتُك الخير، وأمرتك بالخير، وتقول: أمرتُك بزيد، ولا تقول: أمرتُك زيدًا لأنَّ التَّقدير: أمرتُك بإكرام (٤) زيدٍ أو بضربِ زيدٍ، فيُحذف المصدر ويُقام المضاف إليه مقامه، وكذلك جاء هنا فلا يجوزُ فأمرَ القدور إلَّا بتقدير مضاف، أي: بكفءِ القدور، فالباء الدَّاخلة على المصدرِ بعد حذفه دخلتْ على القائم مقامه، قال: وهذا الَّذي ظهر لي من التَّقدير ما وقفتُ عليه، لكن وجدتُ القواعد تسوق إليه. انتهى.
وقوله: فأكفئتْ، أي: فقلبتْ وأفرغ ما فيها، أي: من المرق -كما قاله النَّوويُّ- عقوبةً لهم. قال: وأمَّا اللَّحم فلم يتلفوهُ بل يحمل على أنَّه جُمع وردَّ إلى المغنم، ولا يظنُّ أنَّه أمرَ بإتلافه مع نهيهِ ﷺ عن إضاعةِ المال، وهذا من مالِ الغانمين. وأيضًا فالجنايةُ بطبخهِ لم تقع من جميع مستحقِّي الغنيمة، فإنَّ منهم من لم يطبخْ ومنهم المستحقون للخمس. فإن قيل: إنَّه لم ينقل أنَّهم حملوا اللَّحم إلى المغنمِ، قلنا: ولم ينقلْ أنَّهم أحرقوهُ أو أتلفوهُ، فيجب تأويله على وَفقِ القواعد. انتهى.
стр. 10084
لكن في حديث عاصم بن كُليب، عن أبيه -وله صحبة- عن رجلٍ من الأنصار قال: أصاب النَّاس حاجةٌ شديدةٌ وجهدٌ، فأصابوا غنمًا فانتهبوهَا، فإنَّ قدورَنَا لتغلِي بها إذْ جاءَ رسولُ الله ﷺ على فرسِهِ، فأكفأَ قدورَنَا بقوسِهِ ثمَّ جعلَ يُرمِّل اللَّحم بالتُّراب، ثمَّ قال: «إنَّ النُّهبة ليستْ بأحلَّ من الميتةِ» رواه أبو داود بإسنادٍ جيِّدٍ على شرطِ مسلمٍ، وترك تسميةِ الصَّحابيِّ لا يضرُّ.
ولا يقال: لا يلزمُ من تتريبِ اللَّحم إتلافُه لإمكان تداركِهِ بالغسلِ لأنَّ سياقَ الحديثِ يشعرُ بإرادةِ المبالغةِ في الزَّجر عن ذلك، وهو كونهم انتهبوا ولم يأخذوا باعتدالٍ، فلو كان بصددِ أن ينتفعَ به بعد ذلك لم يكنْ فيه كبير زجر لأنَّ الَّذي يخصُّ الواحدَ منهم نزرٌ يسيرٌ، فكان (١) إفسادُها عليهم مع تعلُّق قلوبهم بها وحاجتِهِم إليها وشهوتِهِم لها أبلغُ في الزَّجر، قاله في «الفتح» وغيره.
(ثُمَّ قَسَمَ) ﷺ (فَعَدَلَ) أي: قابل (عَشَرَةً) ولأبي ذرٍّ: «عشرًا» (مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ) لنفاسةِ الإبل إذ ذاك، أو قلَّتها وكثرةِ الغنم، أو كانت هزيلةً بحيث كان (٢) قيمةُ البعير عشر شياهٍ، وحينئذٍ فلا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي في (٣) أنَّ البعيرَ يجزئ عن سبع شياهٍ لأنَّ ذلك هو الغالبُ في قيمة الشَّاة والبعير المعتدلين، فالأصلُ أنَّ البعيرَ لسبعة ما لم يعرضْ عارضٌ من نفاسةٍ ونحوها فيتغيَّر (٤) الحكمُ بحسبِ (٥) ذلك، وبهذا تجتمعُ الأخبارُ الواردةُ في ذلك.
(فَنَدَّ) بفتح الفاء والنون وتشديد الدال، فنفرَ وذهبَ على وجههِ شاردًا (مِنْهَا) من الإبلِ
стр. 10085
المقسومةِ (١) (بَعِيرٌ) والفاء عاطفة على السَّابق (وَكَانَ فِي القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ) قال ذلك تمهيدًا لعذرهم في كون البعير الَّذي ندَّ أتعبَهم ولم يقدروا على تحصيلهِ (فَطَلَبُوهُ) بفاء العطف والسَّبب (فَأَعْيَاهُمْ) فأتعبَهم، والفاء للعطف على محذوفٍ، أي: طلبوهُ ففاتهم ولم يقدروا على تحصيلهِ (فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ) لم يقفِ الحافظُ ابن حَجر على اسمهِ، أي: قصدَ نحوه ورماهُ (بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللهُ (٢)) بالسَّهم، أي: جعل إصابة السَّهم له سببًا في وقوفه، فهو خالقُ الأسباب والمسبَّبات (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ) جمع بهيمة. قال في «القاموس»: كلُّ ذات أربع قوائم. وفي رواية الثَّوريِّ وشعبة: «إنَّ لهذه الإبل» (أَوَابِدَ) بفتح الهمزة والواو وكسر الموحدة بعدها دال مهملة، أي: توحشًا ونفرةً من الإنس (كَأَوَابِدِ الوَحْشِ) وأوابد لا ينصرف لأنَّه على صيغة منتهى الجموع، والكاف يجوز أن تكون اسمًا صفة لأوابد، ويكون ما بعد الكاف مضافًا إليه، أو الكاف حرف جرٍّ وتاليه مجرورٌ به، أي: إن (٣) لهذهِ البهائم أوابد كائنة كأوابد الوحش، وإنَّما انصرف أوابد الثَّاني لأنَّه أُضيف (فَمَا نَدَّ) نفر واستصعب (عَلَيْكُمْ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «منها» (فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) أي: وكلوه، كما عند الطَّبرانيِّ، وقوله: هكذا: الهاء للتَّنبيه، وكذا: كلمتان؛ الكاف بمعنى مثل (٤) في موضع المفعول، وذا مضاف إليه، أو الكاف نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: فاصنعوا به صنعًا كذا، أي: مثل ذلك.
(قَالَ) عباية: (وَقَالَ جَدِّي) رافع بن خديج، وزاد عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ في روايته: «يا رسول الله» وهذا صورتُه صورةُ الإرسال لأنَّ عباية لم يدركْ زمان القول (إِنَّا لَنَرْجُو -أَوْ) قال: (نَخَافُ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (أَنْ نَلْقَى العَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى) بضم الميم وبالدال المهملة مقصورًا مخففًا، جمع: مُدْية -بسكون الدال-: سكين نذبح (٥) بها ما نغنمُه منهم، أو نذبحُ بها ما نأكله لنتقوَّى به على العدوِّ إذا لقيناه.
وسمِّيت المديةُ فيما قيل لأنَّها تقطع مدَى حياةِ الحيوان (٦).
стр. 10086
(أَفَنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟) الفاء عاطفةٌ على ما قبل همزة الاستفهام، ومنهم من قدَّر المعطوف عليه بعد الهمزة، كما مرَّ في قولهِ أوَّل هذا المجموع: «أَوَمخرجيَّ هم؟»، والتَّقدير هنا: أي: أتأذن فنذبحُ بالقصب.
وقال الكِرْمانيُّ: فإن قلت: ما الغرضُ من ذكر لقاء العدوِّ عند السُّؤال عن الذَّبح (١) بالقصب. قلتُ: غرضه أنَّا لو استعملنا السُّيوف في المذابح لكلَّت، وعند اللِّقاء نعجزُ عن المقاتلة بها (فَقَالَ) ﷺ مجيبًا بجواب جامع: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) بسكون النون وبعد الهاء المفتوحة راء مهملة، أي: أسَالَه وصبَّه بكثرة، وهو مشبَّه بجري الماء في النَّهر، وما شرطيَّة رفع بالابتداء (وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) بضم الذال فعل ومفعول لم يسمَّ فاعله، وعليه متعلق بـ «ذُكر»، وجواب الشرط قوله: (فَكُلْ) أو «ما» موصولة رفعٌ بالابتداء، وخبرها: فكلوا، والتَّقدير: ما أنهرَ الدَّم فحلالٌ فكلوا، واللَّام في الدَّم بدل من المضافِ إليه، أي: دمَ صيدٍ (٢)، والضَّمير في «فكلوا» على الوجهين لا يصحُّ عوده على «ما»، فلابدَّ من رابطٍ يعود على «ما» من الجملةِ أو ملابستها (٣)، فيُقَدَّرُ محذوفٌ ملابِسٌ (٤)، أي: فكلوا مذبوحَه، أو يقدَّر مضاف إلى ما، أي: مذبوحَ ما أنهرَ الدَّم وذكر اسم الله عليه.
وبه يتمسَّك من اشترط التَّسمية لأنَّه علَّق الإذن بمجموع الأمرين: الإنهار والتَّسمية، والمعلَّق على شيئين لا يكتفى فيه إلَّا باجتماعهما، وينتفِي بانتفاءِ أحدهما، ومبحثُ ذلك قد مرَّ مرارًا.
(لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ) نصبٌ على الخبريَّة لليس، وقيل: على الاستثناء، واسمُها على الخلافِ هل هو ضميرٌ مستترٌ عائدٌ على البعضِ المفهوم من الكلِّ السَّابق، أو لفظ بعض محذوف، تقول: جاءَ القومُ ليس زيدًا، بمعنى: إلَّا زيدًا، وتقديره: ليس بعضهم زيدًا، ولا يكون بعضُهم زيدًا (٥)، ومؤدَّاه مؤدى إلَّا (وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وسأحدِّثكم عنه (٦)»
стр. 10087
(أَمَّا السِّنُّ) فإنَّه (عَظْمٌ) وكلُّ عظمٍ لا يحلُّ الذَّبح به، فالنَّتيجة مَطْويَّةٌ لدَلالة الاستثناء عليها كما قاله البيضاويُّ، أو كان ﷺ قد قرَّر عندهم أنَّ الذَّكاة لا تحلُّ بالعظمِ، فلذا اقتصرَ على قولهِ: عظم، قاله ابنُ الصَّلاح. وللكُشميهنيِّ: «فعظم» بزيادة الفاء.
(وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ) وهم كفَّار وقد نهيتُم (١) عن التَّشبه بهم، أو لأنَّ الذَّبح به تعذيبٌ للحيوان ولا يقع به غالبًا إلَّا الخنق الَّذي ليس على صورة الذَّبح.
وفي الحديث: منع الذَّبح بالسِّنِّ والظُّفر متَّصلًا كان أو منفصلًا، طاهرًا كان أو متنجسًا.
وفرَّق الحنفية بين السِّنِّ والظُّفر المتَّصلين فخصُّوا المنعَ بهما، وأجازوهُ بالمنفصلين.
وفي «المعرفة» للبيهقيِّ من روايةِ حرملة عن الشَّافعيِّ ﵀ أنَّه حملَ الظُّفر في هذا الحديثِ على النَّوع الَّذي يدخل في البخورِ والطِّيب.
(١٦) (بابُ مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) بضم النون والصاد، حجارةٌ كانت لهم، منصوبةٌ حولَ الكعبةِ يذبحون عليها للأصنام يُعظِّمونها بذلك، ويتقرَّبون به إليها. وقيل: هي ما يعبدُ من دونِ الله، وحينئذٍ فقوله: (وَالأَصْنَامِ) عطف تفسيريٌّ، وهي (٢) جمع صنمٍ، وهو ما اتُّخذ إلهًا من دون الله.
٥٤٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العمِّيُّ أبو الهيثم قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ -يَعْنِي: ابْنَ المُخْتَارِ-) بالخاء المعجمة، البصريُّ الدَّباغ قال: (أَخْبَرَنَا (٣) مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) مولى آل الزُّبير،
стр. 10088
ويقال: مولى أمِّ خالد زوج الزُّبير، الإمام في المغازي (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ أَنَّهُ سَمِعَ) أباه (عَبْدَ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) بضم النون وفتح الفاء، وعَمرو: بفتح العين، وزيدٌ هذا والدُ سعيد بن زيد العدويِّ، أحدِ العشرة المبشَّرة بالجنَّة (بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ) بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الدال آخره حاء مهملتين، منصرفٌ، ولأبي ذرٍّ (١) غير منصرفٍ، اسمُ موضعٍ بالحجاز قريب من مكَّة (وَذَاكَ (٢) قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الوَحْيُ) وكان زيدٌ في الجاهليَّة يتعبَّد على دينِ إبراهيم ﷺ (فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ) بفتح قاف فقَدَّم، والضَّمير في إليه لزيد، ورسول الله رفع فاعل، وسفرة مفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فقُدِّم» بضم القاف مبنيًّا للمفعول، «إلى رسولِ الله ﷺ سفرة»، وجمع بينهما بأنَّ القومَ الَّذين كانوا هناك قدموا السُّفرة للنَّبيِّ ﷺ فقدمها النَّبيُّ ﷺ لزيد (فَأَبَى) فامتنعَ زيد (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ (٣)) مخاطبًا للقوم الَّذين قدموا السُّفرة للنَّبيِّ ﷺ : (إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مِمَّا) ولابنِ عساكرَ: «إلا ما» (ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) عندَ ذبحه. قال السُّهيليُّ (٤): إنَّما قال زيد ذلك برأي منه لا بشرعٍ بلغَه، فإنَّ الَّذي في شرعِ إبراهيم تحريمُ الميتةِ لا ما ذُبح لغيرِ الله. وتعقِّب بأنَّ الَّذي في شرعِ إبراهيم ﵊ تحريم ما ذُبح لغيرِ الله تعالى، وقد كان عدوَّ الأصنام، وفي حديث زيد بنِ حارثة عندَ أبي يعلى والبزَّار وغيرهما قال: «خرجنَا مع رسولِ الله ﷺ يومًا من مكَّة وهو مُرْدفي، فذبحنا شاةً على بعضِ الأنصابِ فأنضجناهَا (٥)، فلقينا زيد بن عَمرو … » فذكر الحديث مطوَّلًا، وفيه: «فقال زيد: إنِّي لا آكلُ ممَّا لم يذكرِ اسم الله عليه». وقوله: ذبحنَا شاة على بعض الأنصابِ، يعني: الحجارةَ الَّتي ليست بأصنامٍ ولا معبودة، وإنَّما هي من آلاتِ الحجارة الَّتي يذبح عليها. فإن قلتَ: هل أكل النَّبيُّ ﷺ من ذلك؟ أُجيب بأنَّ (٦) جعلَه في سفرة رسولِ الله ﷺ
стр. 10089
لا يدلُّ على أنَّه أكلَ منه، وكم من شيءٍ يُوضع في سفرة المسافرِ ممَّا لم يأكلْ هو منه، وإنَّما لم يَنْهَ ﷺ من معه عن أكلهِ لأنَّه لم يوحَ إليه بعد ولم يؤمر بتبليغِ شيءٍ تحريمًا ولا تحليلًا، وقد كانَ ﷺ لا يأكلُ من ذَبائحهم الَّتي يذبحونهَا لأصنامهِم، فأمَّا ذَبائحهم الَّتي يذبحونَهَا لمآكلهِمْ فلم نجدْ في الحديث أنَّه كان يتنزَّه عنها، وقد كان بين ظَهْرانَيْهم مقيمًا، ولم يذكرْ أنَّه كان يتميَّز عنهم إلَّا في أكلِ الميتةِ، وقد أباحَ الله تعالى لنا (١) طعامَ أهل الكتابِ والنَّصارى، والمشركون يذبحونَ ويشركون في ذلك (٢) بالله تعالى، قاله الخطَّابيُّ.
وهذا الحديث قد سبق مطوَّلًا في آخر «المناقبِ» في «باب حديث زيد بن عَمرو بن نُفَيل» [خ¦٣٨٢٦].
(١٧) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : فَلْيَذْبَحْ) أضحيتَهُ (عَلَى اسْمِ اللهِ) تعالى.
٥٥٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيد قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنِ الأَسْوَدِ ابْنِ قَيْسٍ) العبديِّ الكوفيِّ (عَنْ جُنْدَبِ ابْنِ سُفْيَانَ) هو جندبُ بنُ عبد الله بنِ سفيان (البَجَلِيِّ) بفتح (٣) الموحدة والجيم، أنَّه (قَالَ: ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أُضْحِيَّةً) بضم الهمزة وتشديد التحتية، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «أضحاة» مفرد الأضحَى، كالأَرْطاة والأَرْطى (ذَاتَ يَوْمٍ) من باب إضافة المسمَّى إلى اسمه (فَإِذَا أُنَاسٌ) بهمزة مضمومة، ولأبي ذر عن الكُشميهنيِّ: «فإذا ناسٌ» (قَدْ ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ (٤) قَبْلَ الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد (فَلَمَّا انْصَرَفَ) من الصَّلاة (رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدْ ذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ) ﷺ : (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ
стр. 10090
فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ) يحتملُ أن يكون المراد: الإذن في الذَّبح، أو الأمر بالتَّسمية عليه، ويؤخذُ من الحديث أنَّ وقتَ الأضحيةِ من مُضِيِّ قدر ركعتين وخطبتين خفيفات (١) من طلوع الشَّمس، والأفضلُ تأخيرها إلى مضيِّ ذلك من ارتفاعهَا كرمحٍ، خروجًا من الخلاف.
وهذا الحديث قد سبق في «الضَّحايا قبل صلاة العيد» [خ¦٥٥٦٢].
(١٨) (بابُ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) أي: أسَالَه (مِنَ القَصَبِ وَالمَرْوَةِ) حجر أبيض، أو الَّذي يقدح منه النَّار (وَالحَدِيدِ) من ذوات الحدِّ يحلُّ لحديث الطَّبرانيِّ في القصبِ والمروةِ، لا مثقَّل كبُنْدقةٍ وعظمٍ كسنٍّ (٢) وظفرٍ لحديث: «اذبحوا بكلِّ شيءٍ فرى الأوداجَ ما خَلا السِّنَّ والظُّفْر» وغيره من الأحاديثِ، وألحقَ بهما باقي العظام. نعم، ما قتلتْه الجارحةُ بظُفْرها أو نابها حلالٌ.
٥٥٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذر: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بفتح الدال المشددة، ولفظ: «المقدَّمي» ثابت في رواية أبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابنُ سليمان التَّيميُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابنِ عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر أنَّه (سَمِعَ ابْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) عبد الرَّحمن، وقيل: عبد الله، وبه جزمَ المزِّيُّ في «الأطراف»، والَّذي رجَّحه الحافظ ابنُ حجر الأوَّل (يُخْبِرُ ابْنَ عُمَرَ) عبد الله (أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ جَارِيَةً لَهُمْ) لم أعرف اسمها (كَانَتْ
стр. 10091
تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ) بفتح السين المهملة وسكون اللام، جبلٌ بالمدينة (فَأَبْصَرَتْ) أي: الجارية (بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «موتها» ولغير أبي ذرٍّ -كما في «الفتح» -: «فأصيبت شاة» بدل: «فأبصرت بشاة»، (فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فذكَّتها» بتشديد الكاف، ولأبي ذرٍّ كما في «الفتح» زيادة: «به» ولم يذكرْها (١) في الفرع (فَقَالَ) أي: كعب (لأَهْلِهِ: لَا تَأْكُلُوا) شيئًا من هذه الشَّاة (حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، أَوْ) قال: (حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْأَلُهُ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (فَأَتَى) كعب (النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ بَعَثَ إِلَيْهِ) من سأله (٢) (فَأَمَرَ (٣) النَّبِيُّ ﷺ بِأَكْلِهَا) ولابنِ عساكرَ: «فأمره بأكلِها» وفيه: التَّنصيص على الذَّبح بالحجرِ.
وقد مرَّ هذا الحديث في «باب إذا أبصرَ الرَّاعي أو الوكيل شاة تموت» من «الوكالةِ» [خ¦٢٣٠٤].
٥٥٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بنُ إسماعيل المِنْقَريُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بنُ أسماء البصريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللام. قيل: هو ابنٌ لكعب (٤) بن مالك (أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ) بن عمر ﵄ (أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) كانت (تَرْعَى غَنَمًا لَهُ بِالجُبَيْلِ) بضم الجيم وفتح الموحدة مصغَّرًا (الَّذِي بِالسُّوقِ) المدني (وَهْوَ) أي: الجُبيل (بِسَلْعٍ، فَأُصِيبَتْ شَاةٌ) من الغنم، ولأبي ذر: «بشاةٍ» بالجارِّ (فَكَسَرَتْ) أي: الجارية (حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ) بالحجر، وسقط لغير أبي ذر لفظ «بهِ» (فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) ذلك (فَأَمَرَهُمْ بِأَكْلِهَا) وليس الأمرُ للوجوبِ بل للإباحةِ.
стр. 10092
٥٥٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبدِ الله بنِ عثمان بنِ جَبَلَة -بفتح الجيم والموحدة واللام- الأزديُّ العتكيُّ مولاهم المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) والد سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ ابْنِ رَافِعٍ) بفتح العين المهملة والموحدة المخففة، ورافع: بألف قبل الفاء، هو جدُّ عباية. وفي «الفتح»: عباية بن رِفاعة، يعني: بألف بعد الفاء، وهو والدُ عَبَاية، وفي الفرع وأصله سقوط: «بن رافع» لأبي ذرٍّ (عَنْ جَدِّهِ) رافع بن خديج ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ لَنَا مُدًى) نذبحُ بها (فَقَالَ) ﷺ : (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ) عليه (فَكُلْ) ولأبي ذر: «فكلوا» (لَيْسَ الظُّفُرَ وَالسِّنَّ) بنصبهمَا خبر ليس (أَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ) فلا يتشبَّه بهم للنَّهي عن التشبُّه بالكفَّار (وَأَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) وهو ينجسُ بالدَّم، وقد نهيتُم عن تنجيسه لأنَّه زاد إخوانكم من الجنِّ (وَنَدَّ بَعِيرٌ) هربَ ونفرَ بعير (١) من الإبل الَّتي كان قسمَها النَّبيُّ ﷺ (فَحَبَسَهُ) الله بسببِ رجلٍ من القومِ رماهُ بسهم (فَقَالَ) ﷺ : (إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ) نفرات كنفراتِ الوحش (فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا (٢) فَاصْنَعُوا هَكَذَا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «به هكذا».
وسبق هذا الحديث قريبًا [خ¦٥٤٩٨].
(١٩) (بابُ) حكم (ذَبِيحَةِ المَرْأَةِ وَالأَمَةِ).
стр. 10093
٥٥٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بنُ الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين (١) المهملة وسكون الموحدة، ابنُ سليمان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابنِ عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) عبد الرَّحمن، كما رجَّحه الحافظُ ابن حجر، وسقطت لام «لكعب» لأبي ذرٍّ (عَنْ أَبِيهِ) كعب: (أَنَّ امْرَأَةً) وهي جارية له (ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ) له حدٌّ بحيث أسال الدَّم (فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا) أي: أباحه (وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعد الإمام، ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (حَدَّثَنَا نَافِعٌ) مولى ابن عمر (أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) يحتملُ أن يكون ابنَ كعب وإن لم يكنْ هو فهو مجهولٌ، لكنَّ الرِّواية الأخرى دلَّت على أنَّ له أصلًا (يُخْبِرُ عَبْدَ اللهِ) بن عمر ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبٍ بِهَذَا) الحديث السَّابق.
٥٥٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين (-أَوْ: سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ-) الأنصاريِّ كذا وقع حديثه على الشَّكِّ، وذكرهُ ابن مندهْ وغيره في الصَّحابة أنَّه (أَخْبَرَهُ أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا) لكعب (بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا) ولأبي ذرٍّ: «بشاةٍ» بزيادة الجارِّ (فَأَدْرَكَتْهَا) الجارية الرَّاعية (فَذَبَحَتْهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فذكتها» (بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) عن ذلك (فَقَالَ) لهم: (كُلُوهَا) وفيه دليلٌ لما ترجمَ له وهو جوازُ أكلِ ما ذبحته المرأة سواء كانت حرَّة أو أمة، كبيرةً أو صغيرةً، طاهرة أو غير طاهرةٍ لأنَّه ﷺ أكلَ ما ذبحتْه (٢)، ولم يستفصل، نصَّ عليه الشَّافعيُّ، وهو قول الجمهورِ، ونقل محمَّد بن عبد الحكم كراهتَه عن مالكٍ، وفي «المدوَّنة» جوازه.
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: يُذكر فيه (لَا يُذَكَّى بِالسِّنِّ وَالعَظْمِ وَالظُّفُرِ).
стр. 10094
٥٥٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحدة، ابنُ عُقبة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بنِ مسروق (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ) جدِّه (رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد التحتية الساكنة جيم، ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: لي، لمَّا سألته: يا رسول الله ليسَ لنا مُدى نذبحُ بها: (كُلْ -يَعْنِي) إذا ذبحتْ بكلِّ (١) (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ-) كالقصبِ والحجرِ (إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ) زادَ في غير هذهِ ممَّا سبق: «أمَّا السِّنُّ فعظمٌ» وبذلك تحصلُ المطابقة الكلِّيَّة بين الحديثِ والتَّرجمة.
(٢١) (بابُ) حكمُ (ذَبِيحَةِ الأَعْرَابِ) وهم ساكنُو الباديةِ (وَ) حكمُ ذبيحة (نَحْوِهِمْ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ونحرهم» «بالراء» بدل: «الواو»، فالأوَّل لغير الإبلِ.
٥٥٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابنِ زيد، أبو ثابت مولى آل عثمان بن عفَّان القرشيُّ الأمويُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ المَدَنِيُّ) ضعَّفه الأزديُّ بلا حجَّة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ قَوْمًا) وللنَّسائيِّ: «إنَّ ناسًا من الأعرابِ» (يَأْتُونَا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «يأتوننَا» بزيادة نون أخرى (بِاللَّحْمِ) من الباديةِ (لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) عند الذَّبح، بضم ذال أذُكر مبنيًّا للمفعول (أَمْ لَا؟ فَقَالَ) ﷺ : (سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ) وهذا ظاهرٌ في عدم وجوب التَّسمية، وليس المراد من قوله ﷺ : «سمُّوا عليه أنتمْ» أنَّ تسميتهُم على الأكلِ قائمة مقامَ التَّسمية الفائتة على الذَّبح، بل طلبُ الإتيان بالتَّسمية الَّتي
стр. 10095
لم تفت وهي التَّسمية على الأكلِ (قَالَتْ) عائشة: (وَكَانُوا) أي: القوم السَّائلون (حَدِيثِي عَهْدٍ بِالكُفْرِ) بإسقاط النون للإضافةِ، وزاد (١) مالك في آخره: «وذلك في أولِ الإسلام»، وقد تمسَّك بهذه الزِّيادة قومٌ فزعموا أنَّ هذا الجواب كان قبلَ نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وأُجيب بأنَّ في الحديثِ نفسه ما يردُّ ذلك لأنَّه أمرهمْ فيه بالتَّسمية عند الأكل، فدلَّ على أنَّ الآيةَ كانت نزلتْ بالأمر (٢) بالتَّسمية عند الأكل، وأيضًا فقد اتَّفقوا على أنَّ الأنعامَ مكِّيَّة، وأنَّ هذه القصَّة كانت بالمدينةِ، وأنَّ القومَ كانوا من أعرابِ بادية المدينةِ. وقال الطِّيبيُّ: قوله: «اذكروا اسم الله أنتم وكلُوا» من أسلوبِ الحكيم، كأنَّه قيل لهم: لا تهتمُّوا بذلك ولا تسألوا عنه (٣)، والَّذي يهمُّكم الآن أن تذكروا اسمَ الله عليه.
(تَابَعَهُ) أي: تابعَ أسامةَ بن حفص (عَلِيٌّ) هو ابنُ المدينيِّ (عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ) عبد العزيز بنِ محمَّد، عن هشامِ بنِ عروة مرفوعًا كذلك، وهذه المتابعةُ وصلها الإسماعيليُّ (وَتَابَعَهُ) أي: وتابع أسامةَ أيضًا (أَبُو خَالِدٍ) سليمان بن حيَّان الأحمر، فيما وصلَه المصنِّف في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٣٩٨] (وَ) تابعه أيضًا (الطُّفَاوِيُّ) بضم الطاء المهملة بعدها فاء، محمَّد بن عبد الرَّحمن، فيما وصلَه المؤلِّف في «البيوع» [خ¦٢٠٥٧] كلاهما مرفوعًا، لكن خالفهم مالكٌ فرواه عن هشامٍ، عن أبيه مرسلًا لم يذكرْ عائشة، ووافقَ مالكًا على إرسالهِ الحمَّادان وابنُ عيينة والقطَّانُ، عن هشام. وهو أشبهُ بالصَّواب، قاله الدَّارقطنيُّ. والحكم للواصلِ إذا زادَ عدد من وصلَ على من أرسلَ واحتفَّ (٤) بقرينةٍ تقوِّي الوصلَ كما هنا؛ إذ عروة معروفٌ بالرِّواية عن عائشةَ مشهورٌ بالأخذِ عنها، ففيه إشعارٌ بحفظِ (٥) من وصله عن هشام، دون من أرسلهُ.
стр. 10096
(٢٢) (بابُ) جوازِ أكل (ذَبَائِحِ أَهْلِ الكِتَابِ) اليهود والنَّصارى (وَ) جواز أكل (شُحُومِهَا) أي: شحوم ذبائح (١) أهل الكتاب (مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ) الَّذين لا يعطون الجزية (وَغَيْرِهِمْ) وغير أهلِ الحرب من الَّذين يعطون الجزية لأنَّ التَّذكية لا تقعُ على بعضِ أجزاءِ المذبوح دون بعض، وإذا كانت التَّذكية شائعة (٢) في جميعهَا دخلَ الشَّحم لا محالةَ، وعن مالك وأحمد: تحريمُ ما حرِّم على (٣) أهلِ الكتاب كالشُّحوم.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾) وهي ما ليس بخبيثٍ منها وهو كلُّ ما لم يأتِ تحريمه في كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ أو قياسٍ (﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾) أي: ذَبائحهم لأنَّ سائرَ الأطعمة لا يختصُّ حِلُّها بالملَّة، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿الْيَوْمَ﴾» وقوله: «﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ﴾ … » إلى آخره وبإثباتِ قوله: «﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ﴾ … » إلى آخره يتمُّ الاستدلال؛ إذ (٤) لم يخصَّ ذمِّيًّا من حربيٍّ ولا لحمًا من شحمٍ، وكون الشُّحوم (٥) محرَّمة عليهم لا يضرُّنا (٦) ذلك لأنَّها محرَّمة عليهم لا علينَا، والمرادُ بأهل الكتابِ: اليهود والنَّصارى ومن دخلَ في دينهِم قبلَ بعثةِ نبيِّنا ﷺ ، فأمَّا من دخلَ دينهُم بعد المبعثِ فلا تحلُّ ذبيحتُه (﴿وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: ٥]).
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم فيما وصلَه عبد الرَّزَّاق: (لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى العَرَبِ) والَّذي في «اليونينيَّة»: «نصارِيِّ العرب» بكسر الراء وتشديد التحتية، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاس
стр. 10097
أيضًا كما في «اللُّباب» (وَإِنْ سَمِعْتَهُ) أي: الذِّميَّ (يُسَمِّي لِغَيْرِ اللهِ) كأنْ يذبحَ باسم المسيح (فَلَا تَأْكُلْ) وبه قال ابنُ عمر، وهو قولُ ربيعة، وبه قال إمامنَا الشَّافعيُّ، وعبارتُه: إن كانَ لهم ذبح يسمُّون عليه غيرَ اسم الله مثل اسمِ المسيح فإنه لم يحل، وإن ذكرَ المسيح على معنى الصَّلاة عليه لم يحرمْ، وحكى البيهقيُّ بحثًا عن الحَلِيْمِيِّ: أنَّ أهل الكتاب إنَّما يذبحون لله تعالى، وهو (١) في أصلِ دينهم لا يقصدون بعبادتهِمْ إلَّا الله، فإذا كان قصدُهم في الأصلِ ذلك اغتفرتْ ذبيحتُهم ولم يضر قولُ من قال منهم مثلًا: باسم المسيح لا يريد بذلك إلَّا الله، وإن كان قد كفرَ بذلك الاعتقاد (وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ) يسمِّي لغير الله (فَقَدْ أَحَلَّهُ اللهُ) زاد أبو ذر: «لك» (وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ. وَيُذْكَرُ) بضم أوَّله وفتح ثالثه (عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ) أي: نحو ما (٢) روي عن الزُّهريِّ وسياقُه بصيغةِ التَّمريض يُشعر بأنَّه لم يصح عنه، بل روي عن عليٍّ أنَّه استثنَى نصارى بني تغلبٍ، وقال: ليسوا على النَّصرانيَّة ولم يأخذوا منها (٣) إلَّا شرب الخمر. قال في «اللُّباب»: وبه أخذ الشَّافعيُّ. انتهى. ورواه الشَّافعيُّ وعبد الرَّزَّاق بأسانيدَ صحيحة عن محمَّد بن سيرين، عن عَبيدة السَّلمانيِّ، عن عليٍّ.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما أخرجه عبدُ الرَّزَّاق، عن مَعْمر، عنه (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما أخرجه أبو بكر (٤) الخلَّال: (لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ الأَقْلَفِ) بالقاف ثمَّ الفاء، الَّذي لم يختن، لكن أخرج ابن المنذر عن ابن عبَّاس: الأقلفُ لا تؤكلُ ذبيحتُه ولا تُقْبل صلاتُه، ولا شهادته. وقد حكى ابنُ المنذر الإجماع على جوازِ ذبيحته؛ لأنَّه سبحانه أباحَ ذبائح أهلِ الكتاب، ومنهم من لا يختتنُ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ مفسِّرًا لقوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾: (طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ) وهذا وصلَه البيهقيُّ، وثبتَ للمُستملي وسقط لغيرهِ.
стр. 10098
٥٥٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بنُ عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويِّ أبي نصر البصريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بفتح الغين المعجمة والفاء مشددة (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَى إِنْسَانٌ) لم أعرفْه (١) (بِجِرَابٍ) بكسر الجيم (فِيهِ شَحْمٌ) من شحم يهود (٢) (فَنَزَوْتُ) بالفاء والنون والزاي المفتوحات والواو الساكنة بعدها مثناة فوقية، أي: وَثَبْتُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فبدرتُ» أي: أسرعتُ (لآخُذَهُ، فَالتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ) لكونه اطَّلع على حرصِي عليه، زاد أبو داود الطَّيالسيُّ: قال ﷺ : «هو لك» وكأنَّه عرف شدَّة حاجتهِ إليه فسوَّغ له الاستئثار به، وفيه: حجَّة لجواز الشُّحوم لأنَّه ﷺ أقرَّ ابن مغفَّل على الانتفاعِ بما في الجراب، وفيه: جوازُ أكل الشَّحم (٣) ممَّا ذبحه أهلُ الكتابِ ولو كانوا أهلَ حرب.
وهذا الحديث سبق في «الخُمُس» في «باب ما يُصيب من الطَّعام في أرضِ الحرب» [خ¦٣١٥٣] وزاد هنا الحَمُّويي والكُشميهنيُّ ما سبقَ قبل للمُستملي، وهو قوله: «وقال ابن عبَّاس: طعامهم ذبائحهم».
(٢٣) (بابُ مَا نَدَّ) أي: فرَّ وشردَ (مِنَ البَهَائِمِ) الإنسيَّة (فَهْوَ بِمَنْزِلَةِ الوَحْشِ) في عقره على أيِّ صفةٍ اتَّفقت (وَأَجَازَهُ) أي: عقر البهائم كالوحشِ (ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله، ممَّا (٤) وصله ابنُ أبي شيبة بمعناه (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (مَا أَعْجَزَكَ) ذبحه (مِنَ البَهَائِمِ) الإنسيَّة (مِمَّا فِي يَدَيْكَ) بالتَّثنية ممَّا كان لك وفي تصرُّفك (٥) فتوحَّش (فَهْوَ كَالصَّيْدِ) في أيِّ شيء منه أصبته فهو ذكاته، وهذا وصله ابنُ
стр. 10099
أبي شيبة (وَ) قال ابنُ عبَّاس أيضًا فيما وصله عبد الرَّزَّاق (فِي بَعِيرٍ تَرَدَّى) وقع (فِي بِئْرٍ: مِنْ حَيْثُ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَذَكِّهِ) بكسر الهاء (١)، ولأبي ذرٍّ: «فذكه» بكسر الهاء «من حيث قدرت» بالتَّقديم والتَّأخير، وإسقاط: «عليه» وكذلك بالتَّقديم والتَّأخير لابنِ عساكرَ لكن بإثبات لفظ: «عليه» (وَرَأَى ذَلِكَ) الحكم المذكور فيما يَنِدُّ (عَلِيٌّ) أي: ابنُ أبي طالب فيما وصله ابنُ أبي شيبة (وَابْنُ عُمَرَ) بضم العين، فيما وصله عبد الرَّزَّاق (وَعَائِشَةُ) ﵃. قال في «الفتح»: لم أقف على أثرِ عائشة موصولًا، وقال مالك واللَّيث: لا يحلُّ الإنسيُّ إذا توحَّش إلَّا بتذكيتهِ في حلقه.
٥٥٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذر: «حَدَّثني» بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين، ابنِ بحر البصريُّ الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيد القطَّان قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) سعيدُ بنُ مسروق (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) وسقط لأبي ذرٍّ وابن عساكرَ «بن رافع» فيكون منسوبًا لجدِّه (عَنْ) جدِّه (رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَاقُو العَدُوِّ غَدًا) جملةٌ في محلِّ معمول (٢) القول، ولاقو خبر إن، وأصل لاقو: لاقيون، حذفت منه النون للإضافة فصار لاقيو، والعرب تعاف الضمة قبلها كسرة فحذفوا الكسرة وألقوا على القاف ضمة الياء فحذفت (٣) الياء لسكونها وسكون الواو (٤)، وغدًا ظرف زمان (٥) وكانوا بذِي الحُليفة وليست بالميقاتِ، كما مرَّ (وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى) نذبح بها (فَقَالَ) ﷺ
стр. 10100
لي: (أَعْجَلْ) بهمزة مفتوحة وعين مهملة ساكنة وجيم مفتوحة في الفرع كأصله، وقال العينيُّ بكسر الهمزة. وقال في «المصابيح» بهمزة وصل تكسر في الابتداء وجيم مفتوحة أمرٌ من العجلة، أي: أعجل لا تموت الذَّبيحة خنقًا (١) (أَوْ أَرِنْ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون النون، بوزن أفل (٢)، فحذفت عين الفعل في الأمر لأنَّه من أَرَان يُرِين، فالأمر أَرِن كأَطِع من أَطَاع يُطِيع، والمعنى: أهلك الَّذي تذبحه بما يُسيلُ الدَّمَ، ولأبي ذرٍّ: «أرْنِ» بسكون الراء وكسر النون من باب أفعل، والأمر منه أَرْنِ -بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر (٣) النون- والمعنى على هذا: انظرْ ما أنهرَ الدَّم أي (٤) الَّذي تذبحه، فما أنهر الدَّم في موضعِ نصب على المفعوليَّة. وقال في «المصابيح» كـ «التَّنقيح»: وعند الأَصيليِّ: «أَرِنِي» بهمزة قطع مفتوحة وراء مكسورة ونون مكسورة بعدها ياء المتكلم، وقيل: صوابُه: أيرن (٥) ومعناه: خف وأنشط وأعجل؛ لئلا تختنق الذَّبيحة؛ لأنَّه إذا كان بغير حديدٍ احتاج صاحبُه إلى خفَّة يدٍ في إمرارِ تلك الآلةِ على المريءِ والحلقوم قبلَ أن تهلكَ الذَّبيحة بما (٦) ينالها من ألم الضَّغط، وهو من قولهم: أَرِنَ يَأْرَن أَرَنًا، إذا نشطَ فهو آرن، والأمر إيرن على وزن احفظ، ورجَّح النَّوويُّ أنَّ أرن بمعنى: أعجل وأنَّه شكٌّ من الرَّاوي، وضبط أعجِل بكسر الجيم، يعني (٧) أنَّ المراد الذَّبح بما يُسرع القطعَ ويجري الدَّم (وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ) عليه (فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ) بنصبهما كما مرَّ (وَسَأُحَدِّثُكَ) عن ذلك (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) لا يذبح به (وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ) وهم كفَّار، وقد نهي عن التشبُّه بالكفَّار، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فمُدَى الحبشِ» بالتَّذكير.
قال ابن خَدِيج (٨): (وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ) بفتح النون من المغنم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ:
стр. 10101
«نُهْبَة إبل» بضم النون وبعد الموحدة هاء تأنيث (وَغَنَمٍ فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ) لم أعرفْ اسمه (بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ) نفراتٍ كنفراتها (فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ) بأن توحَّش (فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا) وكلوه.
وهذا الحديث قد سبق في «باب التَّسمية على الذَّبيحة» [خ¦٥٤٩٨].
(٢٤) (باب النَّحْرِ) للإبل في اللُّبَّة (وَالذَّبْحِ) لغيرها في الحلقِ (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنُ عبد العزيز فيما وصله عبد الرَّزَّاق، عن ابن جُريج (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح: (لَا ذَبْحَ وَلَا نَحْرَ) بلفظ المصدر فيهما، وفي (١) الفرع كأصله: «ولا منحر» بميم ونون ساكنة (إِلَّا فِي المَذْبَحِ وَالمَنْحَرِ) اسما مكان الذَّبح والنَّحر، لفٌّ ونشر مرتَّب. قال ابن جريج: (قُلْتُ) لعطاء: (أَيَجْزِي) بفتح التحتية بغير همز (مَا يُذْبَحُ) بضم أوَّله وفتح ثالثه (أَنْ أَنْحَرَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَكَرَ اللهُ) تعالى (ذَبْحَ البَقَرَةِ) في سورتها بقوله: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] (فَإِنْ ذَبَحْتَ شَيْئًا يُنْحَرُ) أو نحرت شيئًا يُذبح (جَازَ) من غيرِ كراهية لأنَّه لم يردْ فيه نهي، والخطابُ في «ذبحتَ» من عطاء لابنِ جريج (وَالنَّحْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ) هو من قولِ عطاء (وَالذَّبْحُ قَطْعُ الأَوْدَاجِ) جمع ودَج -بفتح الدال وبالجيم-، وهو العرق الَّذي في الأخدعِ، وهما عرقان مُتَقابلان.
واستُشْكل التَّعبير بالجمع لأنَّه ليس لكلِّ بهيمةٍ سوى ودجين، وأُجيب باحتمال أنَّه أضاف كلَّ ودَجين إلى الأنواعِ كلها، أو هو من بابِ تسميةِ الجزء باسم الكلِّ، ومنه قوله: عظيمُ
стр. 10102
المناكبِ وعظيمُ المشافر. وفي كتب أكثرِ الحنفيَّة (١): إذا قطعَ من الأوداجِ الأربعة ثلاثة حصلت التَّذكية، وهما (٢) الحلقُوم والمريء وعرقان (٣) من كلِّ جانبٍ.
قال ابن جريج: (قُلْتُ) لعطاء: (فَيُخَلِّفُ) بترك الذَّابح (الأَوْدَاجَ حَتَّى يَقْطَعَ النِّخَاعَ) بكسر النون مصحَّحًا عليه في الفرع كأصله، وقال في «المصابيح» بضم النون، وحكى الكسائيُّ فيه عن بعضِ العرب الكسر. وهو الخيطُ الأبيض الَّذي في فقار الظَّهر والرَّقبة (٤) (قَالَ) عطاء: (لَا إِخَالُ) بكسر (٥) الهمزة والخاء المعجمة، أي: لا أظنُّ، وفي نسخة (٦) «اليونينيَّة»: «لا أخاف» (٧). قال ابن جُريج: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «فأخبرني» بالفاء بدل الواو (نَافِعٌ) مولى ابنِ عمر (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَهَى عَنِ النَّخْعِ) بفتح النون وسكون المعجمة، وهو أن ينتهيَ بالذَّبح إلى النُّخاع، وهو عظمُ الرَّقبة (يَقُولُ: يَقْطَعُ مَا دُونَ (٨) العَظْمِ، ثُمَّ يَدَعُ) أي (٩): يترك المذبوحَ (حَتَّى يَمُوتَ. وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ وَقَالَ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ: «وقال» وقال بعد ﴿بَقَرَةٌ﴾:
стр. 10103
«إلى قوله (١): ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾» (٢) وهذا من بقيَّة التَّرجمة، وتفسير قولِ ابن جُريج ذكر الله ذبحَ البقرةِ، وفيه: إشارةٌ إلى اختصاصِ البقر بالذَّبح.
(وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصلَه سعيدُ بن منصورٍ والبيهقيُّ: (الذَّكَاةُ فِي الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ) بفتح اللام والموحدة المشدَّدة، موضعُ القلادةِ من الصَّدر.
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ فيما وصلَه أبو موسى الزَّمِن (٣) من روايةِ أبي مجلزٍ، عنه (وَابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما (٤) وصله ابنُ أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ (وَأَنَسٌ) ﵁ ممَّا (٥) وصله ابنُ أبي شيبة: (إِذَا قَطَعَ الرَّأْسَ) ممَّا يذبحه حال (٦) الذَّبح (فَلَا بَأْسَ) بأكلِها.
٥٥١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بن صفوان (٧) السُّلميُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير أنَّه (قَالَ) ولابنِ عساكرَ: «حَدَّثنا هشام بن عروة قال»: (أَخْبَرَتْنِي) بالإفراد (فَاطِمَةُ بِنْتُ المُنْذِرِ امْرَأَتِي، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄¬) أنَّها (قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في زمنهِ المعهود (فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ).
وهذا الحديث أخرجه مسلم في «الذَّبائح»، وكذا النَّسائيُّ، وابن ماجه.
стр. 10104
٥٥١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثَنِي» (إِسْحَاقُ) بن رَاهُوْيَه أنَّه (سَمِعَ عَبْدَةَ) بفتح العين وسكون الموحدة، ابن سليمان (عَنْ هِشَامٍ عَنْ) زوجته (فَاطِمَةَ) بنت المنذرِ (عَنْ أَسْمَاءَ) بنتِ أبي بكر ﵄ أنَّها (قَالَتْ: ذَبَحْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا وَنَحْنُ بِالمَدِينَةِ فَأَكَلْنَاهُ).
٥٥١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيد قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ عروة (عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ) زوجته (أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ) ﵄ (قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) أي: زمنهِ، ولابنِ عساكرَ: «النَّبيِّ» (¬ ﷺ فَرَسًا) يُطلق على الذَّكر والأنثى (فَأَكَلْنَاهُ) في الأولى والثَّالثة بلفظ النَّحر، وفي الثَّانية بلفظ الذَّبح، والاختلاف فيه على هشام فلعلَّه كان يرويه تارةً كذا وتارةً كذا، وهو يشعرُ باستواء اللَّفظين في المعنى، وأنَّ كلًّا منهما يُطلق على الآخر مجازًا، وحمله بعضُهم على التَّعدد لتغاير النَّحر والذَّبح، وإن كان الأولى أنَّ النَّحر في الإبلِ والذَّبح في غيرها (تَابَعَهُ) أي: تابع جريرًا (وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح، فيما وصلَه أحمدُ ومسلم (وَ) تابعه أيضًا (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان فيما وصلَه المؤلِّف [خ¦٥٥١٩] بعد عن الحميديِّ، عنه كلاهما (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابنِ عروة (فِي النَّحْرِ).
(٢٥) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ المُثْلَةِ) بضم الميم وسكون المثلثة، وهي قطعُ أطرافِ الحيوان أو بعضها، وهو (١) حي (وَ) باب حُكم (المَصْبُورَةِ) بفتح الميم وسكون الصاد المهملة وضم الموحدة، الدَّابة الَّتي تحبسُ حيَّة لتقتل بالرَّمي ونحوه (وَ) باب حكم (المُجَثَّمَةِ) بضم الميم وفتح الجيم والمثلثة المشددة، الَّتي تربط وتجعلُ غرضًا للرَّمي، أو خاصة بالطَّير (٢)، فإذا ماتتْ من ذلك حرُم أكلها لأنَّها موقوذةٌ.
стр. 10105
٥٥١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بنُ عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابنِ أنس بنِ مالك أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ) جدِّي (أَنَسٍ عَلَى الحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ) بنِ أبي عقيل الثَّقفي ابنِ عمِّ الحجَّاج بن يوسف ونائبه على البصرةِ، وزوج أختهِ زينب بنت يوسف، وكان يُضاهي ابن عمِّه الحجَّاج في الجور (فَرَأَى غِلْمَانًا -أَوْ: فِتْيَانًا-) بكسر الفاء. لم يعرفِ الحافظ ابن حجرٍ أسماءهم، والشَّكُّ من الرَّاوي (نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا. فَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُصْبَرَ البَهَائِمُ) بضم الفوقية وسكون الصاد المهملة وفتح الموحدة، أي: تحبس لترمَى حتَّى تموتَ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الذَّبائح»، وأبو داود في «الأضاحِي»، وابن ماجه.
٥٥١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ) المسعوديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، وكسر العين (١) من سعِيد (عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) أي: ابن العاص، وهو أخو عَمرو المعروف بالأشدقِ ابن سعيد بنِ العاص، والد سعيد بنِ عَمرو راويه عن ابنِ عمر (وَغُلَامٌ مِنْ بَنِي يَحْيَى رَابِطٌ دَجَاجَةً يَرْمِيهَا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقفْ (٢) على اسمهِ، وكان ليحيى من الأولاد الذُّكور عثمان وعنبسة (٣) وأبان وإسماعيل وسعيد ومحمَّد وهشام وعَمرو (فَمَشَى إِلَيْهَا)
стр. 10106
إلى الدَّجاجة (ابْنُ عُمَرَ حَتَّى حَلَّهَا) بتشديد اللَّام، ولابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن المُستملي: «حملها» بزيادة ميم مشددة، وليس في «اليونينيَّة» تشديد على (١) ميم حملها، والأولى أنسبُ لقوله: رابط (ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا وَبِالغُلَامِ) الرَّامي لها (مَعَهُ فَقَالَ: ازْجُرُوا غُلَامَكُمْ عَنْ أَنْ يَصْبِرَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «غِلْمانكم عن أن يَصْبروا» (هَذَا الطَّيْرَ) يحبسوه (٢) (لِلْقَتْلِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ (٣) ﷺ نَهَى) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والحَمُّويي: «ينهى» (أَنْ تُصْبَرَ) بضم الفوقية وفتح الموحدة، أن تحبسَ (بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْقَتْلِ) و «أو» للتَّنويع، فيدخل الطَّير (٤).
وهذا الحديث من أفراده.
٥٥١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بنُ الفضل قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين المهملة، الوضَّاح (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة، جعفرِ بن أبي وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (فَمَرُّوا بِفِتْيَةٍ) بكسر الفاء، جمع فتى، والفتوةُ: بذلُ النَّدى، وكفُّ الأذَى، وتركُ الشَّكوى، واجتنابُ المحارمِ، واستعمالُ المكارمِ (أَوْ) مرُّوا (بِنَفَرٍ) بالشَّكِّ من الرَّاوي، حالَ كونهِمْ (نَصَبُوا دَجَاجَةً) حالَ كونهم (يَرْمُونَهَا) ليقتلوهَا (فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ، تَفَرَّقُوا عَنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا) بهذه الدَّجاجة؟ (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا) بالحيوان، وفي مسلم: «لعنَ مَن اتَّخذ شيئًا فيه الرُّوح غرضًا» بمعجمتين، واللَّعن من دَلائل التَّحريم كما لا يخفَى.
стр. 10107
(تَابَعَهُ) أي: تابعَ أبا بشر (سُلَيْمَانُ) بنُ حرب لا أبو داود الطَّيالسيُّ، فيما وصله البيهقيُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا المِنْهَالُ) بكسر الميم، ابنُ عمرو (عَنْ سَعِيدٍ) أي: ابنِ جبير (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ أنَّه قال: (لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ مَثَّلَ بِالحَيَوَانِ) بتشديد المثلثة، أي: جعله مثلة (وَقَالَ عَدِيٌّ) هو ابنُ ثابت (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابنُ جبير (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما رواه مسلمٌ والنَّسائيُّ بلفظ: «لا تتَّخذوا شيئًا فيه الرُّوح غرضًا».
٥٥١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم وسكون النون، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ الثِّقة (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ) الخطميَّ الأنصاريَّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النُّهْبَةِ) بضم النون وسكون الهاء، أخذِ مالِ الغير قهرًا، ومنه أخذُ مال الغنيمة قبل القسمةِ اختطافًا بغير تسويةٍ، ولأبي ذرٍّ (١) وابن عساكرَ: «عن النُّهبى» بغير هاء مقصورًا (وَ) عن (المُثْلَةِ).
(٢٦) (بابُ) حكمِ أكلِ لحم (الدَّجَاجِ) بتثليث الدال المهملة -كما حكاهُ المنذريُّ في «الحاشية» وابن مالك وابنُ معين الدِّمشقي- الواحدة: دجاجة، والهاء فيه للوحدةِ كالحمام والحمامةِ، وسمِّيت بذلك -كما (٢) قال ابنُ سِيَه-: لإقبالها وإدبارهَا. يقال: دجَّ القوم يدجُّون دجًّا ودَجِيجًا، إذا مشوا مشيًا (٣) رويدًا في تقاربِ خَطْوٍ، وقيل: أن يُقبلوا ويُدبروا، ولأبي ذرٍّ: «باب لحم دجاج» (٤).
стр. 10108
٥٥١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ موسى البلخيُّ في قول ابن السَّكن، أو هو ابنُ جعفر بن أعين، أبو زكريَّا البِيْكَنديُّ فيما جزمَ به أبو نُعيم والكلاباذيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابنُ الجرَّاح أحدُ الأعلام (عَنْ سُفْيَانَ (١)، عَنْ أَيُّوبَ) بن أبي تميمةَ السَّختيانيِّ الإمام (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بنِ زيدٍ الجرميِّ (عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزاي والدال المهملة بينهما هاء ساكنة، ابنِ مُضَرِّب؛ بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها موحدة (٢) (الجَرْمِيِّ) بفتح الجيم وسكون الراء (عَنْ أَبِي مُوسَى -يَعْنِي: الأَشْعَرِيَّ ﵁) سقط لأبي ذرٍّ «يعني: الأشعري» أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ دَجَاجًا) فيه: دليل حلِّه وهو من الطَّيِّبات، وأكلُ الفتيِّ منه يزيدُ في العقلِ والمني، ويصفِّي الصَّوت.
٥٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، بينهما عين مهملة ساكنة، عبد الله المُقْعَدُ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بنُ سعيد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ)
стр. 10109
كيسان السَّختيانيُّ (عَنِ القَاسِمِ) بنِ عاصم الكُلَيبيِّ (١) (عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزاي والدال المهملة بينهما هاء ساكنة، ابن مُضَرِّب -بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها موحدة- الجَرْميِّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الحَيِّ مِنْ جَرْمٍ) بفتح الجيم (إِخَاءٌ) بكسر الهمزة والمدِّ، والحي بالخفضِ صفة لاسمِ الإشارة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بيننا وبينه هذا الحي» بالرَّفع، وقال السَّفاقسيُّ بالخفضِ بدلًا من الضَّمير في بينه. وردَّ بأنَّه يصيرُ تقدير الكلام أنَّ زهدمًا الجرميَّ، قال: كان بيننا وبين هذا الحي من جَرْمٍ إخاء، وليس المرادَ، وإنَّما المراد: أنَّ أبا موسى وقومَه الأشعريين كانوا أهل مودَّة وإخاء لقومِ زَهْدَمٍ، وهم بنو جرم، ورواية الكُشميهنيِّ السَّابقة هنا تُؤيِّد ما قاله السَّفاقسيُّ إلَّا أنَّ المعنى غير صحيحٍ، وفي آخر «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٥٥٥]: عن زَهْدَمٍ قال: «كان بين هذا الحيِّ من جَرْمٍ وبين الأشعريين ودٌّ وإخاءٌ». وهذه الرِّواية هي المعتمدةُ، كما قاله في «الفتح».
(فَأُتِيَ) بضم الهمزة، أبو موسى (بِطَعَامٍ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ أَحْمَرُ) اللَّون (فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ، قَالَ (٢): ادْنُ) فكل (فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ) وفي التِّرمذيِّ من طريق قتادة عن زَهْدَمٍ قال: «دخلتُ على أبي موسى وهو يأكلُ دجاجًا، فقال: ادْنُ فكُلْ». ففيه: أنَّ المبهم هو زَهْدَمٌ الرَّاوي أَبهَمَ نفسَه، وقد كان زهدمٌ هذا (٣) ينتسب (٤) تارةً لبني جرمٍ، وتارة لبني تيم الله (٥)، وجرمٌ قبيلةٌ في (٦) قضاعةَ ينسبون (٧) إلى جرمِ بن زبَّان -بزاي
стр. 10110
وموحدة ثقيلة- ابنِ عمران بنِ الحاف (١) بنِ قُضاعة، وتيم الله بطنٌ من بني كلبٍ، وهم (٢) قبيلةٌ من قُضاعة أيضًا ينسبون إلى تيمِ الله بن رُفَيدة -بفاء مصغَّرًا- ابن ثور بنِ كلب بنِ وبرة بنِ تغلب بنِ حلوان بنِ عمران بنِ الحاف بنِ قُضاعة، فحلوان عمُّ جرم. قال الرُّشاطيُّ في «الأنساب»: وكثيرًا ما ينسبون الرَّجل إلى أعمامهِ، قاله في «الفتح».
(قَالَ) الرَّجل لأبي موسى معتذرًا عن كونه لم يقرب للأكل (٣): (إِنِّي رَأَيْتُهُ) أي: جنس الدَّجاج (يأَكُلُ شَيْئًا) قذرًا (فَقَذِرْتُهُ) بكسر المعجمة (فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ) وكأنَّه ظنَّه (٤) أنَّه أكثر من (٥) أكلهِ بحيث صارَ من الجلَّالة، فبيَّن له أنَّه ليس كذلك (فَقَالَ: ادْنُ) أي: أقرب (أُخْبِرْكَ) بالجزمِ جواب الأمر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إذَنْ أُخْبِرَك» بكسر الهمزة وفتح الذال المعجمة وسكون النون، وأخبرَكَ نصب بإذن (أَوْ أُحَدِّثْكَ) شكٌّ من الرَّاوي (إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «رسول الله» (¬ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، فَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ، وَهْوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ) طلبنَا منه إبلًا تحملنا (فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، قَالَ: مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ) بضم الهمزة (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَهْبٍ) من غنيمة (مِنْ إِبِلٍ فَقَالَ) ﷺ : (أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ أَيْنَ الأَشْعَرِيُّونَ؟) مرَّتين (قَالَ) أبو موسى: (فَأَعْطَانَا) ﵊ (خَمْسَ ذَوْدٍ) نصبٌ على المفعول (٦) مضاف لذودٍ، وهو ما بين الثَّلاثة إلى العشرة من الإبلِ، واستنكرَ أبو البقاء في «غريبه» الإضافة فقال: والصَّواب تنوين خمس، وأن يكون ذود بدلًا من خمس، فإنَّه لو كان بغير تنوين وأضفتَ لتغير المعنى لأنَّ العددَ المضاف غير المضاف إليه، فيلزمُ أن يكون خمسَ ذودٍ خمسة عشر بعيرًا لأنَّ الإبل الذَّود ثلاثة. انتهى.
وتعقَّبه في «فتح الباري» فقال: وما أدري كيف حكم بفسادِ المعنى إذا كان العددُ كذا، وليكن
стр. 10111
عددُ الإبل خمسة عشر بعيرًا فما الَّذي يضرُّ؟ وقد ثبتَ في بعض طرقهِ: «خذ هذين القرينين (١) وهذين القرينين» إلى أن عدَّ (٢) ستَّ مرَّات. والَّذي قاله إنَّما يتمُّ أنْ (٣) لو جاءتْ روايةٌ صريحةٌ أنَّه لم يعطهم سوى خمسة أبعرة. وتعقَّبه العينيُّ فقال: ردُّه مردودٌ عليه لأنَّ أبا البقاء إنَّما قال ما قاله في هذه الرِّواية، ولم يقل: إنَّ الَّذي قاله يتأتَّى في جميعِ طرقِ هذا الحديث. انتهى.
وأجابَ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ القصَّة واحدةٌ والطُّرق يفسِّر بعضها بعضًا، فلا وجه لردِّ روايةِ (٤) الإضافة مع توجيههَا بورودِ (٥) بعض طرقِ الخبر بما يصحِّحها. انتهى.
وقال في «المصابيح» ردًّا على قول أبي البقاء: هذا خيالٌ فاسدٌ يلزم عليه أن يكون المأخوذ في قولك: أخذت (٦) خمسةَ أسياف، خمسة عشر سيفًا لأنَّ أقلَّ الأسياف ثلاثةٌ، وهذا عين (٧) ما قاله، وبطلانُه مقطوعٌ به.
(غُرَِّ الذُّرَى) بضم الغين المعجمة، جمع: أغر، منصوبٌ ويجرُّ، والأغرُّ: الأبيضُ، والذُّرى -بضم الذال المعجمة- مقصورًا، جمع ذروة، وذروة كلِّ شيءٍ أعلاه، والمراد هنا: أسنمةُ الإبل (فَلَبِثْنَا) مكثنا (غَيْرَ بَعِيدٍ، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي: نَسِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمِينَهُ) الَّذي حلف لا يحملنا (فَوَاللهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا. فَرَجَعْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا اسْتَحْمَلْنَاكَ) أي: طلبنَا منك إبلًا تحملُنَا عليها (٨) (فَحَلَفْتَ
стр. 10112
أَنْ لَا تَحْمِلَنَا فَظَنَنَّا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ، فَقَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (إِنَّ اللهَ هُوَ حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي: محلوف يمين فسمَّاه يمينًا مجازًا للملابسةِ بينهما، والمراد: ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، أو على بمعنى الباء، وعند النَّسائيِّ: «إذا حلفت بيمين»، لكن قوله: (فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) يدلُّ على الأوَّل لأنَّ الضَّمير لا يصحُّ عوده على اليمينِ بمعناه الحقيقيِّ، والمراد أنْ يظهرَ له بالعلم أو غلبة الظَّنِّ أنَّ غير المحلوفِ عليه خير منه، والمراد بغيره إن كان فعلًا تركُ ذلك الفعل، وإن كان (١) تركَ شيءٍ فهو ذلك الشَّيء (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) من الَّذي حلفتُ عليه (وَتَحَلَّلْتُهَا) بالكفَّارة.
وفي الحديث: حِلُّ أكلِ الدَّجاج مطلقًا. نعم، إذا ظهرَ تغير لحم الجلَّالة من دجاج أو نعم وهي الَّتي تأكل العذرةَ؛ أي (٢): اليابسة أخذًا من الجَلة -بفتح الجيم- بالرَّائحة والنَّتن في عرقها و (٣) غيره حرمَ أكلُها، وقيل: يكره، وصحَّح النَّوويُّ الكراهةَ، فإن علفت طاهرًا فطابَ لحمها بزوال الرَّائحة حلَّ الأكلُ بالذَّبح من غير كراهةٍ، ويجري الخلاف في لبنها وبيضِها، وعلى الحرمةِ يكون اللَّحم نجسًا وهي في حياتها طاهرة، والأصلُ في ذلك حديث ابنِ عمر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن أكلِ الجلَّالة وشربِ ألبانها حتَّى تعلفَ أربعين ليلة». رواهُ الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ وقال: ليس بالقويِّ، وقال الحاكمُ: صحيحُ الإسناد، ولفظ نَهى يصدقُ بالحرمةِ والكراهةِ.
وحديث الباب سبق في «باب قدومِ الأشعريين» [خ¦٤٣٨٥].
стр. 10113
(٢٧) (بابُ) حكمِ (لُحُومِ الخَيْلِ) جماعة الأفراسِ لا واحدَ له من لفظهِ كالقومِ، أو مفرده خائل، وسمِّيتْ بذلك لاختيالهَا (١) في المشية، ويكفِي في شرفهَا أنَّ الله تعالى أقسمَ بها في كتابهِ بقوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١].
٥٥١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير (٢) المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ عروة (عَنْ) زوجتهِ (فَاطِمَةَ) بنت المنذرِ (عَنْ أَسْمَاءَ) ذات النِّطاقين بنت أبي بكر الصِّدِّيق ﵄ أنَّها (قَالَتْ: نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في زمنهِ ونحن بالمدينة (٣)، وضميرُ الفاعل يعودُ على الَّذي باشرَ النَّحر منهم، وإنَّما أتى بضميرِ الجمعِ لكونه عن رضًا منهم (فَأَكَلْنَاهُ) زاد الدَّارقطنيُّ: «نحنُ وأهل بيت النَّبيِّ ﷺ ». ففيهِ إشعار بأنَّه ﷺ اطَّلع على ذلك، والصَّحابيُّ إذا قال: كنَّا نفعلُ كذا على عهدهِ ﷺ كان له حكمُ الرَّفع على الصَّحيح لأنَّ الظَّاهر اطِّلاعه ﷺ على ذلك وتقريره، وإذا كان هذا في مطلقِ الصَّحابي فكيفَ بآل أبي بكرٍ الصِّدِّيق مع شدَّة اختلاطِهِم به ﵊ وعدمِ مُفارقتهِم له.
وهذا الحديث سبق في «باب النَّحر والذَّبح» [خ¦٥٥١٠].
٥٥٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بضم الميم وفتح السين والدال الأولى المشددة المهملات، ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم، ابنِ درهم، وسقط
стр. 10114
لأبي ذرٍّ «ابن زيد» (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) بفتح العين، المكِّيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أي: ابن الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالب، أبي جعفرٍ الباقر (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵃، كذا أدخلَ حمَّادُ ابن زيد بين عَمرو بن دينار وبين جابر في هذا الحديث: محمدَ بنَ عليٍّ، وأسقطَه النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ، ووافقَ حمَّادًا على إدخالِ الواسطة ابن جريج لكنَّه لم يسمِّه أخرجَه أبو داود، وقد قيل: إنَّ عَمرو بن دينار لم يسمعْ من جابر، فإن ثبتَ سماعه منه فتكون رواية حمَّاد من المزيدِ في متَّصل الأسانيد، وإلَّا فرواية حمَّاد بن زيد هي المتَّصلة، ولئن سلَّمنا وجود التَّعارض من كلِّ جهةٍ فللحديثِ طرقٌ أُخرى عن جابر غير هذه، فهو صحيحٌ على كلِّ حال (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) نهي تحريم (يَوْمَ) حصار (خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ) أي: الأهلية (وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الخَيْلِ) استدلَّ به من قال بالتَّحريم لأن الرُّخصة استباحةُ محظورٍ مع قيام المانع، فدلَّ على أنَّه رخَّص لهم فيها بسببِ المخمصةِ الَّتي أصابتْهم بخيبرَ فلا يدلُّ ذلك (١) على الحلِّ المطلقِ.
وأُجيب بأنَّ أكثرَ الرِّوايات جاء بلفظ الإذن وبعضها بالأمرِ، فدلَّ على أنَّ المراد بقوله: «رخَّص» أذِنَ، وأنَّ الإذنَ للإباحة العامَّة لا لخصوصِ الضَّرورة، والمشهورُ عند المالكيَّة التَّحريم وصحَّحه في «المحيط» و «الهداية» و «الذَّخيرة» عن أبي حنيفةَ وخالفَه صاحباهُ، واستدلالُ المانعين بلامِ العلَّة المفيدةِ للحصرِ في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] الدَّالة على أنَّها لم تخلقْ لغير ما ذُكر وبعطفِ (٢) البغالِ والحميرِ، وهو يقتضِي الاشتراكَ في التَّحريم وبأنَّها (٣) سيقتْ (٤) للامتنانِ، فلو كان ينتفعُ بها في الأكلِ لكان الامتنان به أعظم، وبأنَّه لو أبيح أكلها لفاتت المنفعةُ بها فيما وقع الامتنانُ به من الرُّكوب والزِّينة.
وأُجيب بأنَّ اللَّام وإن أفادت التَّعليل لكنَّها لا تفيدُ الحصر في الرُّكوب والزِّينة؛ إذ ينتفعُ بالخيلِ في غيرهما وفي غير الأكل اتِّفاقًا، وإنَّما ذكر الرُّكوب والزِّينة لكونهما أغلبَ ما تطلب له الخيل، وأمَّا دَلالة العطف فدَلالة اقتران وهي ضعيفة، وأمَّا الامتنان فإنَّما قصد به غالب ما كان يقعُ به انتفاعهم بالخيلِ فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا، ولو لزم من الإذن في أكلِها أن تفنى للزم
стр. 10115
مثله في الشِّقِّ الآخر في البقرِ وغيرها ممَّا أبيحَ أكله، ووقعَ الامتنانُ به لمنفعة له (١) أُخرى.
وهذا الحديثُ سبقَ في «غزوةِ خيبر» [خ¦٤٢١٩]، وأخرجه مسلم (٢) في «الذَّبائح»، وأبو داود في «الأطعمةِ»، والنَّسائيُّ في «الصَّيد» و «الوليمةِ».
(٢٨) (بابُ) تحريمِ أكل (لُحُومِ الحُمُرِ الأَنَسِيَّةِ (٣)) بفتحتين، والمشهور بكسر ثمَّ سكون، ضدُّ الوحشيَّة (فِيهِ) أي: في البابِ المذكور (عَنْ سَلَمَةَ) ابن الأكوعِ، وسقط لفظ «عن» لابنِ عساكرَ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فيما مرَّ (٤) موصولًا مطوَّلًا في «باب غزوة خيبرَ» من «المغازي» [خ¦٤١٩٦].
٥٥٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بنُ الفضلِ المروزيُّ (٥) قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بنُ سليمان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابنِ عمر العمريِّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ عمر (وَنَافِعٍ) مولاهُ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه قال: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ) أكلِ (لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ) نهيَ تحريم لنجاستها. وفي حديث أنسٍ في «الصَّحيحين» وغيرهما أنَّه ﷺ قال: «فإنَّها رجسٌ» [خ¦٥٥٢٨] وقيل: لأنَّها لم تخمَّس، أو لكونها جلَّالةً كما في أبي داود، ولا امتناع في تعدُّد العللِ الشَّرعيَّة على المرجَّح عند الأصوليين. نعم، التَّعليل بكونها (٦) لم تخمَّس فيه نظر؛ لأنَّ أكل الطَّعام والعلف من الغنيمةِ قبل القسمة جائز لا سيَّما في المجاعةِ.
وهذا الحديث قد مرَّ في «غزوة خيبر» [خ¦٤٢١٥].
стр. 10116
٥٥٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهد بنِ مُسَرْبل الأسديُّ البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيد القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بنِ عمر العُمَريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) ولأبي ذرٍّ: «عن نافع» (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ عمر ﵄ أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ) أكلِ (لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ) وهذا هو الَّذي عليه أكثرُ أهل العلم، وإنَّما رويتِ الرُّخصة فيه عن ابن عبَّاس ﵄ رواه أبو داود في «سننه»، وقد قال الإمامُ أحمد: كرهَ أكله (١) خمسة عشر صحابيًّا، وحكى ابنُ عبد البرِّ الإجماعَ الآن على تحريمها (تَابَعَهُ) أي: تابعَ يحيى القطَّان (ابْنُ المُبَارَكِ) عبد الله فيما وصلَه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٢١٧] (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، العُمَريِّ (عَنْ سَالِمٍ) أي: ابنِ عبد الله (٢) بن عمر ﵄ ممَّا وصلَه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢١٥] وفصَّل في روايتهِ بين أكل الثُّوم والحمر، فبيَّن أنَّ النَّهي عن الثُّوم من رواية نافعٍ فقط، وأنَّ النَّهي عن الحمر عن سالمٍ فقط، لكن يحيى القطَّان حافظ فلعلَّ عبيدَ الله لم يفصِّله إلَّا لأبي أسامة، وكان (٣) يحدِّث به (٤) عن سالمٍ ونافعٍ معًا مدمجًا (٥)، فاقتصر بعض الرُّواة عنه على أحدِ شيخيه تمسُّكًا بظاهر الإطلاق، قاله في «فتح الباري».
٥٥٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) أبو محمَّد الدِّمشقيُّ ثمَّ التِّنِّيسيُّ الكُلاعيُّ الحافظُ
стр. 10117
قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا) محمَّد (عَنْ عَلِيٍّ ﵃¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُتْعَةِ) وهي النِّكاح المؤقَّت كأن ينكح إلى شهرٍ، أو إلى قدومِ زيدٍ، وسمِّي به لأنَّ الغرضَ منه مجرَّد التَّمتُّع دون التَّوالد وغيره (عَامَ خَيْبَرَ وَلُحُومِ حُمُرِ الإِنْسِيَّةِ) ولأبي ذرٍّ: «وعن لحوم حمر الإنسيَّة» وقد أفادَ الحافظُ عبد العظيم المنذريُّ أنَّ لحوم الحمر الإنسيَّة (١) نسخ مرَّتين، ونكاحَ المتعة نسخ مرَّتين، ونسخت القبلة مرَّتين.
٥٥٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينار (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أبي جعفر الباقر (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵄ أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ) أكل (لُحُومِ الحُمُرِ) الأهليَّة، واختلف أصحابنا في علَّة تحريمها، فقيل: لاستخباث العربِ لها، وقيل: للنَّصِّ (وَرَخَّصَ فِي) أكل (لُحُومِ الخَيْلِ) واستدلَّ المانعون أيضًا بما روي عن عكرمة (٢) بن عمَّار، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن أبي (٣) سلمة، عن جابرٍ قال: «نَهى رسولُ الله ﷺ عن لحومِ الحمرِ والخيلِ والبغالِ». وتعقِّب بأنَّ أهل الحديثِ يضعِّفون عكرمة بن عمَّار لا سيَّما في يحيى بنِ أبي كثير، ولئن سلَّمنا صحَّة هذه الطَّريق فقد اختُلف على عكرمةَ فيها، فإنَّ الحديث عند أحمد والتِّرمذي من طريقهِ ليس فيه للخيلِ ذكرٌ، وعلى تقدير أن يكون الَّذي زادَه (٤) حفظه، فالرِّوايات المتنوِّعة عن جابر المفصِّلة بين لحوم الخيل والحمر في الحكمِ أظهرُ اتِّصالًا، وأتقنُ رجالًا، وأكثرُ عددًا.
стр. 10118
٥٥٢٥ - ٥٥٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالمهملات والثانية مشددة، الأسديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَدِيٌّ) هو ابنُ ثابت (عَنِ البَرَاءِ) بنِ عازب (وَابْنِ أَبِي أَوْفَى) عبد الله، واسمُ أبي أوفى علقمةُ (¬﵃¬) أنَّهما (قَالَا: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ) أي: الأهليَّة.
وهذا الحديث سبق بأطولَ من هذا في «المغازي» [خ¦٤٢٢٠].
٥٥٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بنُ رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ بن سعد بنِ إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوف القرشيُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلم الزُّهريِّ (أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ) عائذ الله -بالذال المعجمة- الخولانيَّ بالمعجمة (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ) جرثوم، وقيل: جُرْهم الخُشَني الصَّحابي ﵁ (قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ) ولأبي ذرٍّ: «حمر الأهليَّة» وللنَّسائيِّ من وجهٍ آخر عن أبي ثعلبةَ: غزونا مع النَّبيِّ ﷺ خيبرَ والنَّاس جياعٌ، فوجدوا حمرًا إنسيَّة فذبحوا منها فأمرَ النَّبيُّ ﷺ عبد الرَّحمن بن عوفٍ فنادى: «أَلا إنَّ لحومَ الحمرِ الإنسيَّة لا تحلُّ» (تَابَعَهُ) أي: تابعَ صالحَ بن كَيسان (الزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة، ابن (١) الوليد القاضِي الحمصِي، فيما وصله النَّسائيُّ من طريق بقيَّة قال: حدَّثَني الزُّبيدي (وَ) تابعه أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد، فيما وصلَه أحمدُ في «مسنده» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن الزُّهري» بدل قوله: عن ابنِ شهاب. ولفظ الأوَّل: «نهى عن أكلِ كلِّ (٢) ذِي نابٍ من السِّباع، وعن لحومِ الحمر الأهليَّة»، والثَّاني بلفظِ روايةِ الباب، وزاد: «ولحمِ كلِّ ذِي نابٍ من السِّباعِ».
стр. 10119
(وَقَالَ مَالِكٌ) الإمامُ الأعظمُ، فيما وصلَه في الباب اللَّاحق (وَ) قال (مَعْمَرٌ) بسكون العين بين فتحتين، ابنُ راشد، فيما (١) وصلَه الحسنُ بن سفيان (وَالمَاجِشُونُ) بكسر الجيم وبالشين المعجمة (٢) المضمومة ورفع النون، يوسفُ بن يعقوبَ بنِ عبد الله، فيما وصلَه مسلم (وَيُونُسُ) بن يزيدَ الأَيْليُّ ممَّا وصله الحسنُ بن سفيان (وَابْنُ إِسْحَاقَ) هو محمَّد بنُ إسحاق ابنِ يسار (٣) ممَّا وصله إسحاقُ بن رَاهُوْيَه (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهابٍ أنَّه قال: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ) أكلِ (٤) (كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) ولم يذكرِ الحمر، ويأتي إن شاء الله تعالى مبحثُ ذلك قريبًا.
٥٥٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) البِيْكَنديُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبد المجيد (الثَّقَفِي) بالمثلثة ثمَّ (٥) القاف ثمَّ الفاء (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) أي: ابن سيرين (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَهُ جَاءٍ) بالمدِّ، قال ابن حجر الحافظ: لم أعرفْ اسمه (فَقَالَ): يا رسول الله (أُكِلَتِ الحُمُرُ) بضم الهمزة وكسر تاليها (ثُمَّ جَاءَهُ) ﷺ (جَاءٍ) لم يُعْرَف اسمه أيضًا (فَقَالَ): يا رسول الله (أُكِلَتِ الحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ) لم يُعْرَف اسمه أيضًا (فَقَالَ: أُفْنِيَتِ الحُمُرُ) بضم الهمزة وسكون الفاء لكثرة ما ذبح منها، ويحتملُ -كما في «الفتح» - أن يكون الجائي في الثَّلاثة واحدًا فإنَّه قال أوَّلًا: أُكِلَتُ، فإما أنَّه (٦) ﷺ لم يكن سمعه، أو لم يُؤمر في ذلك بشيءٍ، وكذا في الثانية، فلمَّا قال في
стр. 10120
الثَّالثة: أُفْنِيَت جاء الوحي بالتَّحريم (فَأَمَرَ) ﷺ (مُنَادِيًا) ينادي به (فَنَادَى فِي النَّاسِ: إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ) نجس فالتَّحريم لعينها لا لسببٍ خارجي، والمنادي أبو طلحة كما في مسلم، أو عبد الرَّحمن بن عوف كما سبق في رواية النَّسائيِّ، ويحتملُ أن يكون الأوَّل نادى بالنَّهي مطلقًا، والثَّاني زاد عليه أنَّها رجس.
(فَأُكْفِئَتِ) بهمزة مضمومة فكاف ساكنة ففاء مكسورة فهمزة مفتوحة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فكفئت» (القُدُورُ) بإسقاط الهمزة، قُلِبَتْ (وَإِنَّهَا لَتَفُورُ) لتغلِي (بِاللَّحْمِ).
وهذا الحديث سبق في «غزوة خيبر» [خ¦٤١٩٩].
٥٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بنِ جعفر بن المدينيِّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينة قال: (قَالَ عَمْرٌو) هو ابنُ دينار (قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) أبي (١) الشَّعثاء البصريِّ: (يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أي: يقولون (نَهَى عَنْ) أكل (حُمُرِ الأَهْلِيَّةِ) من إضافةِ الموصوف إلى صفتهِ (فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح الحاء المهملة والكاف، وعَمرو بفتح العين (الغِفَارِيُّ) الصَّحابيُّ (عِنْدَنَا بِالبَصْرَةِ وَلَكِنْ أَبَى) منع (ذَاكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ذلك» باللام (البَحْرُ) في العلم (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَقَرَأَ) مستدلًا للحلِّ قوله تعالى: (﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ﴾) طعامًا (﴿مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]) الآية. مقتصرًا على ما ذكر فيها، والأكثرونُ على عدمِ التَّخصيص بما ذكرَ فيها فالمحرم بنصِّ الكتابِ ما فيها، وقد حرمت السُّنَّة أشياء غيرها، كما تواردت الأخبارُ بذلك، والتَّنصيص على التَّحريم مقدَّم على عمومِ التَّحليل وعلى القياس، وما لم يأتْ فيه نصٌ يرجع فيه إلى الأغلبِ من عادة العرب، فما يأكله الأغلب منهم فهو حلالٌ وما لا فهو حرامٌ لأنَّ الله تعالى خاطبَهم بقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] فما استطابوهُ (٢) فهو (٣) حلالٌ،