← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 10116–10155 · переход к 10121.

стр. 10116

٥٥٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهد بنِ مُسَرْبل الأسديُّ البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيد القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بنِ عمر العُمَريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) ولأبي ذرٍّ: «عن نافع» (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ عمر ﵄ أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ) أكلِ (لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ) وهذا هو الَّذي عليه أكثرُ أهل العلم، وإنَّما رويتِ الرُّخصة فيه عن ابن عبَّاس ﵄ رواه أبو داود في «سننه»، وقد قال الإمامُ أحمد: كرهَ أكله (١) خمسة عشر صحابيًّا، وحكى ابنُ عبد البرِّ الإجماعَ الآن على تحريمها (تَابَعَهُ) أي: تابعَ يحيى القطَّان (ابْنُ المُبَارَكِ) عبد الله فيما وصلَه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٢١٧] (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، العُمَريِّ (عَنْ سَالِمٍ) أي: ابنِ عبد الله (٢) بن عمر ﵄ ممَّا وصلَه أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٢١٥] وفصَّل في روايتهِ بين أكل الثُّوم والحمر، فبيَّن أنَّ النَّهي عن الثُّوم من رواية نافعٍ فقط، وأنَّ النَّهي عن الحمر عن سالمٍ فقط، لكن يحيى القطَّان حافظ فلعلَّ عبيدَ الله لم يفصِّله إلَّا لأبي أسامة، وكان (٣) يحدِّث به (٤) عن سالمٍ ونافعٍ معًا مدمجًا (٥)، فاقتصر بعض الرُّواة عنه على أحدِ شيخيه تمسُّكًا بظاهر الإطلاق، قاله في «فتح الباري». ٥٥٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) أبو محمَّد الدِّمشقيُّ ثمَّ التِّنِّيسيُّ الكُلاعيُّ الحافظُ

стр. 10117

قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا) محمَّد (عَنْ عَلِيٍّ ﵃¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُتْعَةِ) وهي النِّكاح المؤقَّت كأن ينكح إلى شهرٍ، أو إلى قدومِ زيدٍ، وسمِّي به لأنَّ الغرضَ منه مجرَّد التَّمتُّع دون التَّوالد وغيره (عَامَ خَيْبَرَ وَلُحُومِ حُمُرِ الإِنْسِيَّةِ) ولأبي ذرٍّ: «وعن لحوم حمر الإنسيَّة» وقد أفادَ الحافظُ عبد العظيم المنذريُّ أنَّ لحوم الحمر الإنسيَّة (١) نسخ مرَّتين، ونكاحَ المتعة نسخ مرَّتين، ونسخت القبلة مرَّتين. ٥٥٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دينار (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أبي جعفر الباقر (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵄ أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ) أكل (لُحُومِ الحُمُرِ) الأهليَّة، واختلف أصحابنا في علَّة تحريمها، فقيل: لاستخباث العربِ لها، وقيل: للنَّصِّ (وَرَخَّصَ فِي) أكل (لُحُومِ الخَيْلِ) واستدلَّ المانعون أيضًا بما روي عن عكرمة (٢) بن عمَّار، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن أبي (٣) سلمة، عن جابرٍ قال: «نَهى رسولُ الله ﷺ عن لحومِ الحمرِ والخيلِ والبغالِ». وتعقِّب بأنَّ أهل الحديثِ يضعِّفون عكرمة بن عمَّار لا سيَّما في يحيى بنِ أبي كثير، ولئن سلَّمنا صحَّة هذه الطَّريق فقد اختُلف على عكرمةَ فيها، فإنَّ الحديث عند أحمد والتِّرمذي من طريقهِ ليس فيه للخيلِ ذكرٌ، وعلى تقدير أن يكون الَّذي زادَه (٤) حفظه، فالرِّوايات المتنوِّعة عن جابر المفصِّلة بين لحوم الخيل والحمر في الحكمِ أظهرُ اتِّصالًا، وأتقنُ رجالًا، وأكثرُ عددًا.

стр. 10118

٥٥٢٥ - ٥٥٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالمهملات والثانية مشددة، الأسديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَدِيٌّ) هو ابنُ ثابت (عَنِ البَرَاءِ) بنِ عازب (وَابْنِ أَبِي أَوْفَى) عبد الله، واسمُ أبي أوفى علقمةُ (¬﵃¬) أنَّهما (قَالَا: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ) أي: الأهليَّة. وهذا الحديث سبق بأطولَ من هذا في «المغازي» [خ¦٤٢٢٠]. ٥٥٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بنُ رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ بن سعد بنِ إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوف القرشيُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلم الزُّهريِّ (أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ) عائذ الله -بالذال المعجمة- الخولانيَّ بالمعجمة (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ) جرثوم، وقيل: جُرْهم الخُشَني الصَّحابي ﵁ (قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ) ولأبي ذرٍّ: «حمر الأهليَّة» وللنَّسائيِّ من وجهٍ آخر عن أبي ثعلبةَ: غزونا مع النَّبيِّ ﷺ خيبرَ والنَّاس جياعٌ، فوجدوا حمرًا إنسيَّة فذبحوا منها فأمرَ النَّبيُّ ﷺ عبد الرَّحمن بن عوفٍ فنادى: «أَلا إنَّ لحومَ الحمرِ الإنسيَّة لا تحلُّ» (تَابَعَهُ) أي: تابعَ صالحَ بن كَيسان (الزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة، ابن (١) الوليد القاضِي الحمصِي، فيما وصله النَّسائيُّ من طريق بقيَّة قال: حدَّثَني الزُّبيدي (وَ) تابعه أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد، فيما وصلَه أحمدُ في «مسنده» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن الزُّهري» بدل قوله: عن ابنِ شهاب. ولفظ الأوَّل: «نهى عن أكلِ كلِّ (٢) ذِي نابٍ من السِّباع، وعن لحومِ الحمر الأهليَّة»، والثَّاني بلفظِ روايةِ الباب، وزاد: «ولحمِ كلِّ ذِي نابٍ من السِّباعِ».

стр. 10119

(وَقَالَ مَالِكٌ) الإمامُ الأعظمُ، فيما وصلَه في الباب اللَّاحق (وَ) قال (مَعْمَرٌ) بسكون العين بين فتحتين، ابنُ راشد، فيما (١) وصلَه الحسنُ بن سفيان (وَالمَاجِشُونُ) بكسر الجيم وبالشين المعجمة (٢) المضمومة ورفع النون، يوسفُ بن يعقوبَ بنِ عبد الله، فيما وصلَه مسلم (وَيُونُسُ) بن يزيدَ الأَيْليُّ ممَّا وصله الحسنُ بن سفيان (وَابْنُ إِسْحَاقَ) هو محمَّد بنُ إسحاق ابنِ يسار (٣) ممَّا وصله إسحاقُ بن رَاهُوْيَه (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهابٍ أنَّه قال: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ) أكلِ (٤) (كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) ولم يذكرِ الحمر، ويأتي إن شاء الله تعالى مبحثُ ذلك قريبًا. ٥٥٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) البِيْكَنديُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبد المجيد (الثَّقَفِي) بالمثلثة ثمَّ (٥) القاف ثمَّ الفاء (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) أي: ابن سيرين (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَهُ جَاءٍ) بالمدِّ، قال ابن حجر الحافظ: لم أعرفْ اسمه (فَقَالَ): يا رسول الله (أُكِلَتِ الحُمُرُ) بضم الهمزة وكسر تاليها (ثُمَّ جَاءَهُ) ﷺ (جَاءٍ) لم يُعْرَف اسمه أيضًا (فَقَالَ): يا رسول الله (أُكِلَتِ الحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ) لم يُعْرَف اسمه أيضًا (فَقَالَ: أُفْنِيَتِ الحُمُرُ) بضم الهمزة وسكون الفاء لكثرة ما ذبح منها، ويحتملُ -كما في «الفتح» - أن يكون الجائي في الثَّلاثة واحدًا فإنَّه قال أوَّلًا: أُكِلَتُ، فإما أنَّه (٦) ﷺ لم يكن سمعه، أو لم يُؤمر في ذلك بشيءٍ، وكذا في الثانية، فلمَّا قال في

стр. 10120

الثَّالثة: أُفْنِيَت جاء الوحي بالتَّحريم (فَأَمَرَ) ﷺ (مُنَادِيًا) ينادي به (فَنَادَى فِي النَّاسِ: إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ) نجس فالتَّحريم لعينها لا لسببٍ خارجي، والمنادي أبو طلحة كما في مسلم، أو عبد الرَّحمن بن عوف كما سبق في رواية النَّسائيِّ، ويحتملُ أن يكون الأوَّل نادى بالنَّهي مطلقًا، والثَّاني زاد عليه أنَّها رجس. (فَأُكْفِئَتِ) بهمزة مضمومة فكاف ساكنة ففاء مكسورة فهمزة مفتوحة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فكفئت» (القُدُورُ) بإسقاط الهمزة، قُلِبَتْ (وَإِنَّهَا لَتَفُورُ) لتغلِي (بِاللَّحْمِ). وهذا الحديث سبق في «غزوة خيبر» [خ¦٤١٩٩]. ٥٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بنِ جعفر بن المدينيِّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينة قال: (قَالَ عَمْرٌو) هو ابنُ دينار (قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) أبي (١) الشَّعثاء البصريِّ: (يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أي: يقولون (نَهَى عَنْ) أكل (حُمُرِ الأَهْلِيَّةِ) من إضافةِ الموصوف إلى صفتهِ (فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح الحاء المهملة والكاف، وعَمرو بفتح العين (الغِفَارِيُّ) الصَّحابيُّ (عِنْدَنَا بِالبَصْرَةِ وَلَكِنْ أَبَى) منع (ذَاكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ذلك» باللام (البَحْرُ) في العلم (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَقَرَأَ) مستدلًا للحلِّ قوله تعالى: (﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ﴾) طعامًا (﴿مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]) الآية. مقتصرًا على ما ذكر فيها، والأكثرونُ على عدمِ التَّخصيص بما ذكرَ فيها فالمحرم بنصِّ الكتابِ ما فيها، وقد حرمت السُّنَّة أشياء غيرها، كما تواردت الأخبارُ بذلك، والتَّنصيص على التَّحريم مقدَّم على عمومِ التَّحليل وعلى القياس، وما لم يأتْ فيه نصٌ يرجع فيه إلى الأغلبِ من عادة العرب، فما يأكله الأغلب منهم فهو حلالٌ وما لا فهو حرامٌ لأنَّ الله تعالى خاطبَهم بقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] فما استطابوهُ (٢) فهو (٣) حلالٌ،

стр. 10121

وقوله: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ﴾ أي: في ذلك الوقتِ، أو في وحي القرآن، وفيه: أن التَّحريم إنَّما ثبتَ (١) بوحي الله وشرعهِ لا بهوى النَّفس. (٢٩) (بابُ) تحريم (أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) يعدو ويتقوَّى، كأسدٍ ونمرٍ وذئبٍ ودبٍّ وفيلٍ وقردٍ، ومخلب من الطَّير كبازٍ وشاهين وصقرٍ ونسرٍ. ٥٥٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) الدِّمشقيُّ ثمَّ التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) عائذ الله (الخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ) جرثوم الخشنيِّ (¬﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى) نهي تحريم (عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) يتقوَّى به ويصول على غيره ويصطاد ويعدو بطبعه غالبًا (تَابَعَهُ) أي: تابع مالكًا (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (وَمَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (وَابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (وَالمَاجِشُونُ) أربعتهم (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهاب، ومتابعة ابنِ عيينة وصلها المؤلِّف في آخر «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٨٠] والثَّلاثة سبق ذكرهم في الباب السَّابق، والنَّهي للتَّحريم، ولمسلم: «كلُّ ذي نابٍ من السِّباع أكله (٢) حرامٌ» وله أيضًا عن ابن عبَّاس: «نهى رسولُ الله ﷺ عن كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وكلِّ ذي مِخلبٍ من الطَّير». والمِخْلَب بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام بعدها موحدة، وهو (٣) للطَّير كالظُّفر لغيره لكنَّه أشدُّ منه وأغلظُ وأحدُّ، فهو له كالنَّاب للسَّبع. (٣٠) (بابُ) حكمِ (جُلُودِ المَيْتَةِ) قبل أن تدبغ.

стр. 10122

٥٥٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النَّسائيُّ، والد أبي بكر بن أبي خيثمةَ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بنُ سعد بنِ إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بضم عين الأوَّل، ابن عتبة (١) بن مسعود (أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄¬) وسقط لابنِ عساكرَ لفظ «عبد الله» (أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ) بتشديد الياء وتخفف (فَقَالَ) ﵊ لمن كانت لهم: (هَلَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا) بكسر الهمزة وتخفيف الهاء. قال في «القاموس»: ككِتَاب، الجلدُ دبغ أو لم يدبغْ، الجمعُ: آهِبَة وأَهَب وأُهُب. ولمسلم من طريقِ ابن عيينة: «هلَّا أخذتُم إهابَهَا فدبغتُمُوه فانتفعْتُم به» (قَالُوا): يا رسول الله (إِنَّهَا مَيِّتَةٌ) بتشديد التحتية (قَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ) بفتح الحاء المهملة وضم الراء، ولأبي ذرٍّ: «حُرِّم» بضم ثمَّ كسر مشددًا (أَكْلُهَا) بفتح الهمزة، وفيه (٢) تخصيصُ (٣) الكتاب بالسُّنَّة لأنَّ لفظَ القرآن الكريم: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وهو شاملٌ لجميعِ أجزائها في كلِّ حال، فخصَّت السُّنَّة ذلك بالأكلِ، واستثنَى الشَّافعيَّة من الميتاتِ جلد الكلب والخنزيرِ وما تولَّد منهما لنجاسةِ عينهما، وأخذَ أبو يوسف بعمومِ الحديث فلم يستثنِ شيئًا، واستدلَّ الزُّهريُّ برواية الباب على جوازِ الانتفاع به مطلقًا دُبغ أو لم يدبغْ، لكن صحَّ التَّقييد بالدَّبغ من طريقٍ أُخرى كما مرَّ، وبعضُهم أخذ بخصوص هذا السَّبب فقصرَ الجواز على المأكول لورود الحديث في الشَّاة، ويتقوَّى ذلك من حيث النَّظر لأنَّ الدِّباغ لا يزيدُ في التَّطهير (٤) على الذَّكاة، وغير المأكولِ لو ذُكِّيَ لم يطهرْ بالذَّكاة عند الأكثرِ فكذلك الدِّباغ، وأجابَ من عمَّم بالتَّمسُّك بعموم اللَّفظ،

стр. 10123

وهو أولى من خصوصِ السَّبب وبعموم الإذن بالمنفعةِ، ولأنَّ (١) الحيوان الطَّاهر يُنْتَفعُ به قبل الموت، فكان الدِّباغ بعد الموتِ قائمًا مقام الحياةِ. قاله في «فتح الباري». وحكى في «التَّتمة» فيما ذكره ابن الرِّفعة في «كفايته» وجهًا عن رواية ابنِ القطَّان: إنَّ جلد الميتة لا ينجُس بالموت، وإنَّما الزُّهومة الَّتي في الجلدِ تصيِّره نجسًا فيؤمر بالدَّبغ لإزالتهَا كما يغسلُ الثَّوب من النَّجاسة، ومنع قوم الانتفاعَ من الميتة بشيءٍ سواء دُبغ الجلد أو لم يُدْبغ لحديث عبدِ الله بن عُكَيْمٍ قال: أتانَا كتاب رسولُ الله ﷺ قبل موتهِ: «أن لا تنتفعُوا من الميتة بإهابٍ ولا عصبٍ» رواه النَّسائيُّ وأحمدُ والأربعةُ، وصحَّحه ابن حبَّان وحسَّنه التِّرمذيُّ، وللشَّافعي وأحمد وأبي داود: «بشهرٍ». قال (٢) التِّرمذيُّ: كان أحمدُ يذهبُ إليه ويقول: هو آخرُ الأمر، وهذا يدلُّ على أنَّ الانتفاعَ به منسوخٌ. وأجابَ ابنُ الرِّفعة في «الكفاية شرح التَّنبيه» بأنَّ كلَّ حديثٍ نسبَ إلى كتابٍ ولم يذكر حامله فهو مرسلٌ ولا حجَّة عندنا في المرسل. قال ابنُ حجر: وأعلَّه بعضهم بكونه كتابًا وليس بعلَّةٍ قادحةٍ، وقيل: إنَّ في إسناده اضطرابًا ولذا تركهُ أحمد بعد أن قالَ: إنَّه آخر الأمر، وردَّه ابن حبَّان بأنَّ ابن عُكَيم سمعَ الكتاب يُقْرأُ وسمعه من مشايخ من جهينة (٣) عن رسولِ الله ﷺ فلا اضطرابَ، وقال في «الكفاية»: يحملُ على الانتفاعِ به قبل الدِّباغ، فإنَّ لفظ الإهاب مُنْطبق عليه، وبعد الدِّباغ يطلقُ عليه أديم وسِخْتيان، والدِّباغ المحصل للطَّهارة بالشَّبِّ (٤) والقَرْظ والأشياء الحِرِّيفة (٥) المنشِّفة للفضلاتِ المعفِّنة المانعة من الفسادِ إذا أصابَه (٦) الماءُ والمطيِّبة لريحهِ كقشورِ الرُّمان والعُصْفر. وهذا الحديث مضى في «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٢].

стр. 10124

٥٥٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَطَّابُ بْنُ عُثْمَانَ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة وبعد الألف موحدة، الفَوْزِي -بفتح الفاء وسكون الواو وكسر الزاي- نسبةً لقريةٍ من قرى حمص، قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرٍ) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وبعد التحتية المفتوحة راء، الحمصيُّ (عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ) بفتح العين وسكون الجيم، الأنصاريِّ التَّابعيِّ الحمصيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِعَنْزٍ) بالنون والزاي -كما في «القاموس» - الأنثى من المعز (مَيِّتَةٍ) بتشديد التحتية (١) (فَقَالَ: مَا عَلَى أَهْلِهَا) حرج (لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا) أي: بعد الدَّبغ كما مرَّ. قال (٢) الزَّمخشريُّ في «الفائق»: سمي (٣) إهابًا؛ لأنَّه أُهْبَةٌ للحيِّ وبناءٌ للحِمَاية على جسدهِ، كما قيل له: مَسْك لإمساكِهِ ما وراءهُ، وفيه: دليلٌ على أنَّه يطْهُر ظاهرُه وباطنُه بالدِّباغ حتَّى يجوز استعماله في الأشياء الرَّطبة، وتجوز الصَّلاة فيه، ولا فرق بين مأكول اللَّحم وغيره، وإذا طهرَ بالدَّبغ (٤) هل يجوز أكلُه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحُّها لا يجوز بحال، والثَّاني يجوز، والثَّالث يجوزُ أكلُ جلد مأكول اللَّحم لا غيره (٥)، وهل يطهرُ الشَّعر الَّذي عليه تبعًا للجلدِ؟ فيه قولان: أصحُّهما لا يطهرُ لأنَّ الدِّباغ لا يؤثِّر فيه بخلافِ الجلد. ورواة (٦) هذا الحديث: خطَّاب ومحمد بن حِمْيَر وثابت، الثَّلاثة ليس لهم في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث إلَّا محمَّد بن حِمْيَر فله حديثٌ آخر مرَّ في «الهجرةِ إلى المدينة» [خ¦٣٩١٩] وفي كلٍّ من الثَّلاثة مقال لكنَّهم وثِّقوا، فحديثُهم من المتابعاتِ لا من الأصولِ، والأصلُ فيه الحديث الَّذي قبلَه، ويُستفاد منه خروجُ الحديث عن الغرابةِ، قاله في «الفتح».

стр. 10125

(٣١) (بابُ) حكمِ (المِسْكِ) بكسر الميم، الطِّيب المعروف، القطعةُ منه مِسْكة، والجمع كعنب، وحقيقة المسك دمٌ يجتمعُ في سرَّة الغزال في وقت معلومٍ من السَّنة بمنزلة المواد الَّتي تنصبُّ (١) إلى الأعضاءِ، وهذه السُّرة (٢) جعلها الله تعالى معدنًا للمسكِ، فإذا حصلَ ذلك الورمُ مرضتْ له الظِّباء إلى أن يتكاملَ، ويقال: إنَّ أهل النبتِ يضربون لها أوتادًا في البريَّة تحتكُّ بها لتسقطَ عندها، وفي «مشكل الوسيط» لابن الصَّلاح عن ابن عقيل البغداديِّ: أنَّ النَّافِجةَ في جوف الظَّبيةِ كالإنْفَحَة في الجدْي، وأنَّه سافر إلى بلاد المشرق حتَّى حمل هذه الدَّابة إلى بلاد المغربِ لِخُلْفٍ جرى فيها، وعن عليِّ بن مهديٍّ الطَّبريِّ أحد أئمة أصحابنا أنَّها تُلقيها من جوفها كما تُلقي البيضةَ الدَّجاجةُ، والمشهورُ أنَّها ليست مودعة في جوف (٣) الظَّبية بل هي خارجةٌ ملتحمةٌ في سُرَّتها، ونقل عن القفَّال الشَّاشيِّ أنَّها تندبغُ (٤) بما فيها من المسكِ فتطهر كطهارةِ المدبوغاتِ، وقد ذكر (٥) القزوينيُّ: أنَّ دابَّة المسك تخرجُ من الماء كالظِّباء في وقت معلومٍ، والنَّاس يصيدون منها شيئًا كثيرًا (٦)، فتذبحُ فيوجد في سُرَّتها دم وهو المسكُ لا يوجدُ له هناك رائحة حتَّى يحملَ إلى غير ذلك الموضع من البلادِ. وقال في «القاموس»: المسك: مقوٍّ للقلبِ، مشجِّع للسَّوداويِّين (٧)، نافعٌ للخفقانِ والرِّياح الغليظةِ في الأمعاء والسُّموم والسُّدَد، وفي مسلم من حديثِ أبي سعيد مرفوعًا: «المسكُ أطيبُ الطِّيب» (٨).

стр. 10126

٥٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدِ الوَاحِدِ) بنُ زياد، ولغير أبي الوقتِ وابنِ عساكرَ (١): «عن عبد الواحد» قال: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ) بضم العين وتخفيف الميم (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمِ (بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ) بفتح الجيم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ) بضم أوله وفتح اللام، أي: مجروحٍ يجرح (فِي اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (٢): «في سبيل الله» (إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ) بفتح الكاف وسكون اللام، وجرحه (يَدْمَى) بفتح أوله وثالثه من باب علم يعلم، أي: يسيلُ منه الدَّم (اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ) تشبيهٌ بليغٌ بحذف أداةِ التَّشبيه، أي: كريح مسك وليس مسكًا حقيقة بخلاف: «اللَّون لون دم»، فإنَّه لا حاجة فيه لتقدير (٣) كاف التَّشبيه لأنَّه دم حقيقة. والحاصلُ: أنَّه يُراد إظهار شرف الشَّهيد بدَلالة جرحه على شهادتهِ مع تغيُّر وصف دمهِ، فإنَّ الدَّم وضع (٤) ريحُه أن يكون كريهًا، وتغيره أيضًا من النَّجاسة إلى الطَّهارة، وفي قوله: «في الله» إشارة إلى أنَّه لا يدخل من قاتل دون ماله؛ لأنَّه يقصد صونَ ماله بداعيةِ طبعهِ. وأُجيب بأنَّه يمكن الإخلاص مع إرادةِ صون المال بأن لا يُمَحِّضَ القصدَ بالصَّون، بل يقاتلُه على ارتكاب المعصيةِ ممتثلًا أمر الشَّارع بالدَّفع. وموضعُ التَّرجمة منه قوله: «ريحُ مسك». وقال ابن المنيِّر: وجه استدلال البخاري بهذا الحديث على طهارة المسك وقوعُ تشبيه (٥) دم الشَّهيد لأنه في سياق التَّكريم والتَّعظيم، فلو كان نجسًا لكان من الخبائثِ ولم يَحْسُنِ التَّمثيلُ به في هذا المقام. وقال الكِرمانيُّ: وجه مناسبةِ الباب بالكتابِ كون المسكِ فضلةَ الظَّبي، وهو ممَّا يصاد. وهذا الحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٣].

стр. 10127

٥٥٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بفتح العين والمد، ابن كريب الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حماد بنُ أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضم الموحدة وفتح الراء، مصغَّرًا، ابن عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضم الباء (١) الموحدة وسكون الراء (عَنْ) أبيه (أَبِي (٢) مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَثَلُ جَلِيسِ الصَّالِحِ) بإضافة الموصوف إلى صفتهِ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «الجليس الصَّالح» (وَ) الجليس (السَّوْءِ) بفتح السِّين المهملة (كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الكِيرِ) بكسر الكاف وسكون التحتية. قال في «القاموس»: زقٌّ ينفخُ فيه الحداد (فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ) بضم التحتية وسكون الحاء المهملة وكسر الذال المعجمة وبعد التحتية المفتوحة كاف، يعطيك ويتحفَكَ منه بشيءٍ هبة (وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ) بضمِّ أوَّله مِنْ أَحْرَقَ (ثِيَابَكَ (٣)) بنارهِ (وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ) منه (رِيحًا خَبِيثَةً). وهذا الحديث مضى في «باب العطار» من «البيوع» [خ¦٢١٠١]. (٣٢) (بابُ) حِلِّ أكلِ (الأَرْنَبِ) بفتح الهمزة. قال في «القاموس»: معروفٌ، يكون للمذكَّر والأنثى، أوْ لها (٤)، والخُزَز -أي: بمعجمات بوزن عُمَر- للذَّكر، الجمع: أرانبُ وأرانٍ.

стр. 10128

٥٥٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَنْفَجْنَا) بفتح الهمزة وسكون النون والجيم بينهما فاء مفتوحة وبعد الجيم نون فألف، أي: أثرنَا وأزعجنَا (أَرْنَبًا) لنصطاده (وَنَحْنُ (١) بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) بفتح الميم وتشديد الراء، والظَّهران بالظاء المعجمة، بلفظ التَّثنية، وهو من العلم المضاف والمضاف إليه، فيتوجَّه الإعراب إلى الأوَّل وهو «مرِّ» والثَّاني مجرور دائمًا بالإضافة، وكونه بالألف أنَّه (٢) على صورةِ المثنى، وليس مثنى (٣) حقيقةً، أو أنَّه جاء على لزومِ المثنَّى الألف (٤) دائمًا، وربَّما سمِّي باللَّفظ الأوَّل فقط وهو «مرِّ»، وربَّما سمِّي بالثَّاني وهو الظَّهران فقط؛ لأنَّ «مرَّ» قرية ذات مياه ونخل وزروع (٥) وثمار، و «الظَّهران»: اسمٌ للوادي. قال الدَّمِيريُّ: هو (٦) حيوانٌ يشبه العَنَاق قصير اليدين طويل الرِّجلين عكس الزَّرافة، يطأُ على مؤخَّر قدميه يكون عامًا ذكرًا وعامًا أنثى (٧) (فَسَعَى القَوْمُ) خلفه ليصطادوه (فَلَغَِبُوا) بفتح اللام وكسر الغين المعجمة (٨) وبفتحها أيضًا مصحَّحًا عليه في «اليونينيَّة» وضم الموحدة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فتعبوا» بالمثناة الفوقية و «العين المهملة» بدل: «اللام والمعجمة»، وهو معنى (٩) الأوَّل (فَأَخَذْتُهَا) وفي «الهبة»: «فأدركتُها فأخذتها» [خ¦٢٥٧٢]، ولمسلم: «فسعيتُ حتَّى أدركتُها» (فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ) هو زوج أمِّ أنس ﵃ (فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكَيْهَا -أَوْ قَالَ: بِفَخِذَيْهَا-) بالتَّثنية فيهما، والشَّكُّ (١٠) من الرَّاوي (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفي رواية أبي

стр. 10129

داود: أنَّ المبعوث معه ذلك هو أنسٌ (فَقَبِلَهَا) أي: الهدية، زاد في «الهبة»: «وأكلَ منه». وهو مذهب الأئمَّة الأربعة. وحكي عن عبدِ الله بن عَمرو بن العاص، وابن أبي ليلى الكراهة. وحديث الباب حجَّةٌ للجمهورِ في الإباحة، والحديث مرَّ في «الهبة» [خ¦٢٥٧٢]. (٣٣) (بابُ) حِلِّ أكلِ (١) (الضَّبِّ) بفتح الضاد المعجمة وتشديد الموحدة، حيوانٌ برِّيٌّ يشبه الورل (٢)، ولحمه فيما قيل يذهبُ العطشَ. ٥٥٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمَليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) المدنيُّ مولى ابن عمر (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) وقد سئل عن حكمِ أكلِ الضَّبِّ: (الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ) وعند ابن ماجه من حديث خُزَيمة بن جزء: قلتُ: يا رسول الله، ما تقول في الضَّبِّ؟ فقال: «لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» قال: فقلت: فإنِّي آكل ما لم تحرِّمه. وسنده ضعيفٌ، وعند مسلم والنَّسائيِّ من حديث أبي سعيدٍ قال رجلٌ: يا رسول الله، إنَّا بأرض مضبَّةٍ فما تأمرنا؟ قال: «ذُكِر لي أنَّ أمَّةً من بني إسرائيل مُسِخَتْ» فلم يأمرْ ولم ينه، وفي مسلم: «كلوهُ فإنَّه حلالٌ، ولكنَّه ليس من طعامِي» فكلُّ هذه الرِّوايات صريحةٌ في الإباحةِ، فيحلُّ أكلُه بالإجماعِ ولا يكرهُ

стр. 10130

عندنَا خلافًا لبعضِ أصحابِ أبي حنيفة، وحكى القاضي عياض تحريمَهُ عن (١) قومٍ، قال النَّوويُّ: ما أظنُّه يصحُّ عن أحدٍ (٢). ٥٥٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنَبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ) الأنصاريِّ. قال في «الفتح»: له رؤية ولأبيه صحبةٌ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ) خالته أمِّ المؤمنين ﵂ (فَأُتِيَ) بضم الهمزة، ﷺ (بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ) بحاء مهملة ساكنة بعد فتحة ثمَّ نون مضمومة آخره ذال معجمة، مشوي بالحجارةِ المحمَّاة (فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ) أي: أمالَ يدَه إليه ليأخذَهُ فيأكله (فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ) هي ميمونة، كما عند الطَّبرانيِّ، وبقيَّة النِّسوة لم يسمَّين (أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ) منه (فَقَالُوا) وفي رواية: «فقلنَ» (هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَرَفَعَ يَدَهُ) الكريمة. قال خالدٌ: (فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ (٣) يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ) موجودًا (بِأَرْضِ قَوْمِي) مكَّة أصلًا، أو لم (٤) يكن مشهورًا كثيرًا فيها فلم يأكلوهُ، وفي رواية يزيد بن الأصمِّ عند مسلم: «هذا لحمٌ لم آكله قطُّ» (فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) أكرهه، والفاء للسَّببيَّة (قَالَ خَالِدٌ) المذكور ﵁ (فَاجْتَرَرْتُهُ) بالجيم الساكنة والراء المكررة، أي: جررتُه (فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللهِ) أي: والحالُ أنَّ رسول الله (¬ ﷺ يَنْظُرُ) إليَّ وهو يدلُّ على حلِّه، وأصرح منه رواية: «كلوهُ فإنَّه حلالٌ».

стр. 10131

وحديث الباب مرَّ في «الأطعمة» [خ¦٥٤٠٠]. (٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا وَقَعَتِ الفَأْرَةُ) بالهمز السَّاكن، واحد الفأر (فِي السَّمْنِ الجَامِدِ أَوِ الذَّائِبِ) أو غيره من الأدهانِ والأعسالِ ونحوهما (١)، هل يفترق الحكم أم لا؟ وفأرةُ البيوت: حيوانٌ مؤذٍ زائد في الفسادِ، وهي (٢) الفُويسِقةُ الَّتي أمر النَّبيُّ ﷺ بقتلها في الحلِّ والحرمِ، وسمِّيت بذلك لخروجِهَا من جُحْرهَا على النَّاس، وأصل الفسقِ الجورُ والخروجُ عن الاستقامة، وسُمِّيت بعض الحيواناتِ فواسقُ على الاستعارةِ لخبثهنَّ، وقيل: لخروجهنَّ عن الحرمةِ في الحلِّ والحرم، ولأنَّ الفأرةَ أبدتْ جورها الخبيث في قطعِ حبالِ سفينةِ نوح، والفأرُ عظيمُ الحيل، كثيرُ الأذى، يقرضُ الثِّياب والكتب، ويأكلُ الحبوب والزَّرع والمائعات، ويرمِي فيها بعره ليفسدهَا وهي تعادِي العقرب، فإذا جعلت فأرةً وعقرباء في قارورةٍ، فإنَّه يقعُ بينهما قتالٌ عجيبٌ لأنَّ العقربَ تلدغُ الفأرةَ، والفأرةُ تحتالُ على أن تقبضَ إبرتها، والعقربُ لا تمكِّنها من ذلك وتضربها، فإن (٣) قبضتِ الفأرةُ على إبرتها غلبتْها وإن (٤) ضربتْها العقرب كثيرًا أهلكتها، ومن الفأر صنفٌ يحبُّ الدَّراهم والدَّنانير يسرقها ويلعبُ بها وكثيرًا ما يخرجها من بيتهِ ويلعبُ بها ويرقص عليها، ثمَّ يردُّها إلى بيتهِ واحدًا واحدًا، فإذا (٥) أقفر البيت من الأُدْم لم يألفْه الفأر، وقال أنسُ بن أبي إياس: وقفت عجوزٌ على قيس فقالت: أشكو إليك قلَّة الفأرِ، فقال: ما ألطفَ ما سألتِ! تذكر (٦) أنَّ بيتَها أقفر من الأُدْم فأكثرْ لها يا غلام. نقله الزَّين عبد الرَّحمن بن داود القادريُّ الحنبليُّ في كتابه «نزهة الأفكار في خواص الحيوان والنَّبات والأحجار».

стр. 10132

٥٥٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهاب (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يُحَدِّثُهُ) بإثبات هاء الضَّمير في الفرع كأصله وغيرهما (عَنْ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث أمِّ المؤمنين ﵂ (أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ) فيه (فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا) أنجست السَّمن فيمتنع أكله أم لا؟ (فَقَالَ: أَلْقُوهَا) بعد استخراجها من السَّمن (وَمَا حَوْلَهَا) منه (وَكُلُوهُ) أي: السَّمن الباقي. وهذا يدلُّ على أنَّ السَّمن كان جامدًا لأنَّه لا يمكنُ طرح ما حولها من المائع الذَّائب؛ إذ إنَّه عند الحركة يختلطُ. وفي «مسند» إسحاق بن رَاهُوْيَه، ومن طريقه ابن حبَّان: «إنْ كان جامدًا فألقوهَا وما حولهَا وكلوهُ، وإنْ كانَ ذائبًا فلا تقربوه». وهذه الزِّيادة في روايةِ ابن عُيينة غريبة، كما قاله الحافظُ ابن حجرٍ. قال عليُّ بن المدينيِّ شيخ المؤلف في «علله»: (قِيلَ لِسُفْيَانَ) بن عُيينة (١): (فَإِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّثُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ) سفيان بن عُيينة: (مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ إِلَّا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عبد الله المذكور قبل (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ) أي: الحديث (مِنْهُ) من الزُّهريِّ (مِرَارًا) من طريق ميمونةَ فقط. وهذا وصله أبو داود، عن الحسن بنِ عليٍّ الحلوانيِّ، وأحمد بن صالح كلاهما، عن عبد الرَّزَّاق، عن معمرٍ المذكور بإسناده. وعند الإسماعيليِّ عن جعفر الفريابيِّ، عن عليِّ بن المدينيِّ قال سفيان: كما سمعناهُ من الزُّهريِّ يعيدُه ويبديهِ.

стр. 10133

وهذا الحديث قد (١) سبقَ في: «باب ما يقعُ من النَّجاسات في السَّمن والماء» من «كتاب الطَّهارة» (٢) [خ¦٢٣٥]. ٥٥٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بنِ عثمان بنِ جبلة المروزيِّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأَيْليِّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهاب (عَنِ الدَّابَّةِ) أي: عن حكم الدَّابَّة (تَمُوتُ فِي الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَهْوَ جَامِدٌ أَوْ غَيْرُ جَامِدٍ) من غير فرقٍ بين السَّمن وغيره، ولا بين الجامد منه والذَّائب (الفَأْرَةِ) بدل من الدَّابَّة، أو عطف بيانٍ لها (أَوْ غَيْرِهَا) عطفٌ على المجرورِ، هل ينجسُ الكلُّ أم لا؟ (قَالَ) الزُّهريُّ: (بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا) من الفأرةِ (فَطُرِحَ ثُمَّ أُكِلَ) ما بقي من السَّمن (عَنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ، والجار والمجرور يتعلَّق (٣) بقوله: بلغنا، أي: بلغنا عن حديثِ عُبيد الله. وهذا بلاغٌ صورتُه صورةُ المرسل أو الموقوف؛ لكنَّه مذكورٌ بالإسناد المرفوعِ أوَّلًا وآخرًا. قال في «الفتح»: ولم يظهرْ لنا هل فيه ميمونة أو (٤) لا؟ واستُدِلَّ بهذا الحديث لإحدى الرِّوايتين عن أحمد أنَّ المائعَ إذا حلَّت فيه النَّجاسة لا ينجس إلَّا بالتَّغيُّر وهو اختيارُ البخاريِّ وقول ابن نافعٍ من المالكيَّة، وفرَّق الجمهورُ بين الجامد والمائع عملًا بالتَّفصيل السَّابق ولم يردْ في طريقٍ صحيحةٍ (٥) تحديد ما يلقى. نعم، أخرج ابنُ أبي شيبة من مرسل عطاء بن يسار بسندٍ جيِّدٍ أنَّه (٦) يكون قدر الكفِّ، واستدلَّ بقوله في الرِّواية المفصَّلة: «وإن كان مائعًا فلا تقربوهُ» على أنَّه لا يجوزُ

стр. 10134

الانتفاع به في شيءٍ، فيحتاجُ من أجاز الانتفاع به في غيرِ الأكل كالشَّافعية أو بيعه (١) كالحنفيَّة إلى الجوابِ عن الحديث، واحتجَّ المجوِّزون بحديث ابنِ عمر عند البيهقيِّ: «إن كان السَّمن مائعًا انتفعوا بهِ ولا تأكلوهُ»، وحديث ابن عمر في فأرةٍ وقعت في زيتٍ: «استصبحوا به، وادَّهنوا به». ٥٥٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ ﵃¬) أنَّها (قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ) حكم (٢) (فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ) وماتت فيه هل ينجسُ فلا يؤكل؟ (فَقَالَ) ﷺ : (أَلْقُوهَا) أي: الفأرة (٣) (وَمَا حَوْلَهَا) من السَّمن (وَكُلُوهُ) أي: سائر السَّمن، والمشهورُ: جوازُ الاستصباحِ بما حولها لكن يُكره، وقيل: لا يجوزُ لقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]. وكلُّ هذا في غير المساجدِ، أمَّا المساجد فلا يستصبحُ به فيها جزمًا، ويجوزُ أن يتَّخذ صابونًا يغسل (٤) به ولا يباع، وقال الظَّاهريَّة: لا يجوزُ بيع السَّمن ولا الانتفاع به، ويجوزُ بيع الزَّيت والخلِّ والعسلِ وجميعِ المائعات لأنَّ النَّهي إنَّما ورد في السَّمن دون غيره، ويحرُم أكلُ جميع أنواعِ الفأرِ ويكره أكل سؤره، وكان الزُّهريُّ يقول: إنَّ أكل سؤرهِ يُورث النِّسيان. (٣٥) (بابُ) النَّهي عن (الوَسْمِ) بفتح الواو وسكون السين (وَالعَلَمِ) بفتح العين واللام (فِي الصُّورَةِ) أي: في وجهِ الحيوان ليتميَّز عن غيره، وفي بعض النُّسخ: «الوشم» بالمعجمة، وهو بمعنى الَّذي بالمهملة، أو بالمهملة في الوجه، وبالمعجمة في سائرِ الجسد.

стр. 10135

٥٥٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ مُوسَى) بنِ باذام الكوفيُّ (عَنْ حَنْظَلَةَ) بن سفيان الجمحيِّ (عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعْلَمَ الصُّورَةُ) بضم المثناة الفوقية وسكون العين المهملة وفتح اللام، أي: تجعلَ فيها علامة، وللكُشميهنيِّ: «الصُّوَر» بفتح الواو بلا هاء بصيغةِ الجمع، وفي مسلم: مرَّ النَّبيُّ ﷺ بحمارٍ قد (١) وسم في وجههِ، فقال: «لعنَ الله مَن فعلَ هذا لا يسم أحدٌ الوجه، ولا يضربنَّ أحدٌ الوجه» (٢) وإنَّما كُرِهَ لشرفِ الوجه ولحصولِ الشَّين فيه وتغييرِ خلق الله، فلو كان في غيره للتَّمييز فلا بأس به. (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ بالسَّند السَّابق: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) نهي تحريمٍ (أَنْ تُضْرَبَ) بضم أوله وفتح ثالثه، أي: الصُّورة. فإن قلت: ما الحكمةُ في تقديم (٣) الموقوف على المرفوعِ؟ أُجيب: استدلالًا على الكراهةِ الَّتي ذكرها لأنَّه إذا ثبتَ عن الضَّرب يكون المنعُ من الوسم أولى لما (٤) لا يخفى (تَابَعَهُ) أي: تابعَ عبيدَ الله بن موسى (قُتَيْبَةُ) بن سعيد في روايته عن حنظلةَ، عن سالمٍ، فقال: (حَدَّثَنَا العَنْقَزِيُّ) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح القاف بعدها (٥) زاي مكسورة، نسبةً إلى بيع العَنْقَز وهو المَرْزَنْجُوش نبتٌ طيِّبُ الرِّيح، عَمرو بن محمد الكوفيُّ (عَنْ حَنْظَلَةَ) الجُمَحِيُّ، أي: عن سالم، عن أبيه (وَقَالَ) منبِّهًا على ما حذف في الأولى (تُضْرَبُ الصُّورَةُ) وللمُستملي: «الصُّور» (٦).

стр. 10136

٥٥٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بنُ عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَخٍ لِي) من أمِّي اسمه: عبدُ الله بنُ أبي طلحة (يُحَنِّكُهُ وَهْوَ) ﷺ (فِي مِرْبَدٍ لَهُ) بكسر الميم وفتح الموحدة بينهما راء ساكنة، موضعُ الإبل، فإطلاقُه على موضعِ الغنم مجازٌ، أو أدخلها عند الإبلِ (فَرَأَيْتُهُ يَسِمُ) بالسين المهملة، يكوي (شَاةً) من الغنم، ولابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «شاء» بالهمزة من غير تاء (١) تأنيث. قال شعبة: (حَسِبْتُهُ) أي: حسبتُ هشامًا (قَالَ): يسِمُها (فِي آذَانِهَا) والتَّصريح بأنَّ القائل: «حسبتُه» شعبة، والضَّمير فيه لهشام وقع في مسلم، وفي الحديث: حجَّةٌ للجمهورِ في جواز وسمِ البهائم بالكيِّ، خلافًا للحنفيَّة لتمسُّكهم بعمومِ النَّهي عن التَّعذيب بالنَّار، وقال بعضُهم بالنَّسخ. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وابن ماجه في «اللِّباس»، وأبو داود في «الجهاد». (٣٦) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ) ولابنِ عساكرَ: «القوم» (غَنِيمَةً) بفتح المعجمة، من الكفَّار (فَذَبَحَ بَعْضُهُمْ) قبل القسمةِ (غَنَمًا أَوْ إِبِلًا بِغَيْرِ أَمْرِ أَصْحَابِهِمْ (٣)، لَمْ تُؤْكَلْ لِحَدِيثِ رَافِعٍ) هو ابن خديجٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) المذكور موصولًا في «باب التَّسمية على الذَّبيحةِ» المتضمِّن لذبحهم (٤)

стр. 10137

من غنمِ الغنيمة قبل القسمةِ، و (١) أنَّهم أغلوهُ في القُدور وأنَّه ﷺ أمرَ بالقدورِ فأُكفئتْ عقوبة لهم [خ¦٥٤٩٨]. (وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ابنُ كيسان اليمانيُّ (وَعِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاس ممَّا وصله عنهما عبد الرَّزَّاق (فِي ذَبِيحَة السَّارِقِ: اطْرَحُوهُ) أي: مذبوحَهُ، فلا تأكلوهُ لأنَّه (٢) حرامٌ، وظاهره أنَّ مذهبهما عدمُ جوازِ ذبحِ من ليس له ولايةُ الذَّبح بملكٍ أو وكالةٍ ونحوهما. ٥٥٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) بهمزة مفتوحة فحاء مهملة ساكنة فواو مفتوحة، بعدها صاد مهملة، سلام الحنفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ) والد سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ) بفتح العين وتخفيف الموحدة (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّنَا) بنونين، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «إنَّا» (نَلْقَى العَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى) بضم الميم وتنوين الدَّال المهملة مخفَّفة، جمع مدية، سكِّينٌ ننحرُ بها ما نغنمه، وكأنَّه استشعرَ النَّصر والظَّفر والغنيمةَ الَّتي (٣) يذبحون منها، إمَّا بإخبارهِ ﷺ إيَّاهم بذلك، أو بما (٤) وقع في نفوسهم من نصرة المسلمين على

стр. 10138

عادتهم (فَقَالَ) ﷺ : (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) أَسَالَه (وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ) عليه (فَكُلُوا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فكلوهُ» (مَا لَمْ يَكُنْ) أي: المذبوحُ به (سِنٌّ (١) وَلَا ظُفُرٌ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ) علَّة (ذَلِكَ) وحكمتهِ لتتفقَّهوا (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) وهو ينجسُ (٢) بدم المذبوحِ، وقد نُهِيتُم عن تنجيسِ العظام في الاستنجاءِ لكونها زادَ إخوانكُم من الجنِّ (وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ) وهم كفَّارٌ، وقد نُهِيتُم عن التَّشبُّه (٣) بهم، والألف واللام في الظُّفر للجنسِ، فلذا وصفها بالجمعِ (٤) كقول العرب: أهلك النَّاس الدِّرهم البيض، والدِّينار الصُّفر، والحبشة جنسٌ من السُّودان معروفٌ. وقوله: «وسأحدِّثكم عن ذلك … » إلى آخره اختُلف فيه هل هو مدرجٌ أو مرفوعٌ؟ جزمَ النَّوويُّ بأنَّه (٥) مرفوعٌ. وقال ابن القطَّان: مدرجٌ من قول رافعِ بن خديجٍ، ورجَّح الحافظُ ابن حجر الأوَّل. (وَتَقَدَّمَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَأَصَابُوا مِنَ الغَنَائِمِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «المغانم» (وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي آخِرِ النَّاسِ) سيرًا (فَنَصَبُوا قُدُورًا) فيها لحم ممَّا ذبحوهُ من الغنيمة (فَأَمَرَ بِهَا) ﷺ لمَّا رآها أن تُكْفَأ (فَأُكْفِئَتْ) أي: قُلِبَتْ وأُفْرِغَ ما فيها عقوبةً لهم (وَقَسَمَ) ﵊ (بَيْنَهُمْ) ما غنموهُ (وَعَدَلَ بَعِيرًا) قابله (بِعَشْرِ شِيَاهٍ) لنفاسةِ الإبلِ حينئذٍ أو عزَّتها وكثرة الغنم، أو كانت هزيلةً بحيث كانت (٦) قيمةُ البعير عشر شياهٍ (ثُمَّ نَدَّ) نفرٌ (مِنْهَا) من الإبل الَّتي قسمت (بَعِيرٌ مِنْ أَوَائِلِ القَوْمِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ) مع الَّذين في الأوائلِ (خَيْلٌ) ومع الآخرين قليلةٌ، زاد في الرِّواية السَّابقة في: «باب التَّسمية»: «فطلبوهُ فأعياهم» [خ¦٥٤٩٨] (فَرَمَاهُ رَجُلٌ) لم أقفْ على اسمه (بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللهُ) بسببِ رميه بأن أصابهُ فوقف (فَقَالَ) ﷺ : (إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ) من الإبلِ

стр. 10139

(أَوَابِدَ) بالهمزة المفتوحة والواو، وبعد الألف موحدة فدال مهملة (كَأَوَابِدِ الوَحْشِ) أي: نفارًا كنِفارِ الوحش (فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا) الفعل، وهو النِّفار ولم تقدروا عليه (فَافْعَلُوا) به (مِثْلَ هَذَا) وكلوهُ، فإنَّه له ذَكاة. (٣٧) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا نَدَّ) أي: نفر هاربًا (بَعِيرٌ) كائن (لِقَوْمٍ، فَرَمَاهُ بَعْضُهُمْ بِسَهْمٍ) ليحبسه (٢) (فَقَتَلَهُ، فَأَرَادَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «وأراد» (صَلَاحَهُمْ) أي: صلاحَ القوم أصحاب البعير لا إفساده (٣) عليهم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «صلاحه» بالإفراد، أي: صلاحَ البعير، وكلاهما بغير همز (٤). وفي «الفتح»: «إصلاحهم» و «إصلاحهُ» بالهمزةِ فيهما، ونسب تركَها لكريمةَ، والَّذي في «اليونينيَّة»: «إصلاحهم» بالهمزة (فَهْوَ) أي: ذلك الفعل (جَائِزٌ) أكلًا ولا يلزمه بقتلهِ شيءٌ (لِخَبَرِ رَافِعٍ) الآتي (٥) (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ٥٥٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثَني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) وسقط لفظ «محمَّد» لغير أبي ذرٍّ قال: (أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ) بضم العين فيهما من غير إضافة الثَّاني (٦) (الطُّنَافِسِيُّ)

стр. 10140

بضم الطاء المهملة، وبفتحها في «اليونينيَّة» وكسر الفاء، نسبةً إلى بيع الطَّنافس، أو (١) اتِّخاذها، بُسُطٌ لها خملٌ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) والد سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ) ولابن عساكرَ: «ابن رافع» فنسبُه إلى جدِّه (٢) (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁¬) سقط «بن خديج» لأبي ذرٍّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) بذي الحليفة من تهامة بالقرب من ذات عرق بين الطَّائف ومكَّة، كما مرَّ في «باب التَّسمية» [خ¦٥٤٩٨] (فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنَ الإِبِلِ) لقوم (قَالَ: فَرَمَاهُ رَجُلٌ) لم أعرف اسمه (بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (إِنَّ لَهَا) أي: للإبل (٣) (أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ) نفراتٍ كنفراتها (فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) فإنَّه له ذكاة (قَالَ) رافع: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَكُونُ فِي المَغَازِي وَالأَسْفَارِ فَنُرِيدُ أَنْ نَذْبَحَ فَلَا يكُونُ) معنا (مُدًى) جمع مُدية، سكِّين نذبح (٤) بها (قَالَ) ﷺ : (أَرِنْ) بهمزة مفتوحة فراء مكسورة فنون ساكنة، أي: أهلك الَّذي تذبحه، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «أرِني» بكسر الراء وإسكانها (٥) وبعد النون تحتية، أي: انظر (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) بالهمزة (٦) (-أَوْ) قال: (نَهَرَ-) بغير همزٍ، والصَّواب بالهمز، والشَّكُّ من الرَّاوي، ولغير أبي ذرٍّ: «ما نهرَ أو ما أنهر الدَّم» (٧) (وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ) عليه (فَكُلْ، غَيْرَ السِّنِّ وَالظُّفُرِ، فَإِنَّ السِّنَّ عَظْمٌ، وَالظُّفُرَ مُدَى الحَبَشَةِ) فيه: أنَّ ذبحَ غير المالك إذا وقعَ بطريقِ الإصلاح للمالكِ خشيةَ أن تفوتَ عليه المنفعة ليس بفاسدٍ، قاله ابنُ المنيِّر. والحديث قد مرَّ في «باب ما ندَّ من البهائم» [خ¦٥٥٠٩].

стр. 10141

(٣٨) (بابُ) جوازِ (١) (أَكْلِ المُضْطَرِّ) من الميتة (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «إذا أكل المضْطَر لقول الله تعالى»: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ﴾) أمر إباحة (﴿مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾) من مستلذَّاته، أو من حلالاتهِ (﴿وَاشْكُرُواْ لِلّهِ﴾) الَّذي رزقكموها (﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾) إن صحَّ أنَّكم تخصُّونه بالعبادة وتقرُّون أنَّه مُولي النِّعم، ثمَّ بيَّن المحرم فقال: (﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾) وهي كلُّ ما فارقه الرُّوح من غير ذكاةٍ ممَّا يذبحُ، وإنَّما لإثباتِ المذكور، ونفي (٢) ما عداه، أي: ما حرَّم عليكم إلَّا الميتة (﴿وَالدَّمَ﴾) يعني: السَّائل، وقد حلَّت (٣) الميتتانِ والدَّمان بالحديث (﴿وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾) يعني: الخنزير بجميع أجزائه، وخصَّ اللَّحم؛ لأنَّه مقصودٌ بالأكل (﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ﴾) أي: ذبح للأصنام (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾) ألجئ (﴿غَيْرَ﴾) حال، أي: فأكل غير (﴿بَاغٍ﴾) للذَّةٍ وشهوةٍ (﴿وَلَا عَادٍ﴾) متعدٍّ مقدار الحاجة (﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٢ - ١٧٣]) أي: فيباح له قدر ما يقعُ به القوام، وتبقى معه الحياة دون ما فيه حصول الشِّبع لأنَّ الإباحة للاضطرارِ فيتقدَّرُ بقدرِ ما يندفعُ به الضَّرر، والأصحُّ أنَّه يلزمه الأكل، فإن توقَّع حلالًا على (٤) قربٍ لم يجزْ غير سدِّ الرَّمق، وإن لم يتوقَّع الحلال فقيل: يجوزُ له الشِّبع والأَظهر سدُّ الرَّمق فقط إلَّا أن يخافَ تلفًا إن اقتصرَ عليه، فيجبُ عليه أن يشبعَ، وله أكل آدميٍّ ميِّت، وقتل

стр. 10142

مرتدٍّ وحربيٍّ بالغٍ وأكلهما لأنَّهما غير معصومين، وحدُّ الاضطرارِ أن يصلَ به الجوع إلى حدِّ الإهلاكِ، أو إلى مرضٍ يفضِي إليه، وهذا قولُ الجمهور. قال سيِّدي عبد الله بنُ أبي جمرة -نفعني الله ببركاته-: الحكمة في ذلك أنَّ في الميتة سُمِّية شديدة، فلو أكلها ابتداء لأهلكتْه فشرعَ له أن يجوعَ ليصير في بدنهِ بالجوعِ سُمِّية هي أشدُّ من سُمِّية الميتة (١)، فإذا أكل منها حينئذٍ لا يتضرَّر. قال في «الفتح»: وهذا إن ثبتَ حسنٌ بالغٌ في الحسن. وسقط (٢) قوله: «﴿وَاشْكُرُواْ﴾ … » إلى آخره، في رواية أبي ذرٍّ، وقال بعد: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: «إلى ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾». (وَقَالَ) تعالى: (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾) متَّصلٌ بذكر المحرَّمات المذكوراتِ قبل، أي: فمن اضْطُر إلى الميتة، أو إلى غيرها (﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾) مجاعةٍ (﴿غَيْرَ﴾) حال (﴿مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ﴾) مائل إلى إثم، أي: غير متجاوزٍ سدَّ (٣) الرَّمق (﴿فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ﴾) لا يؤاخذه (٤) بذلك (﴿رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]) بإباحة المحظور للمعذورِ. (وَقَوْلُِهُ) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، أو بالرَّفع على الاستئناف: (﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾) دون (٥) ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتكم (﴿إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ. وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ﴾) «ما» استفهاميَّة في موضع رفع بالابتداءِ ولكم الخبر، أي: وأيُّ غرضٍ لكم في أن لا تأكلوا (﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم﴾) بُيِّن لكم (﴿مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾) ممَّا لم يحرَّم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] (﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾) ممَّا حرِّم عليكم فإنَّه حلالٌ لكم في حال الضَّرورة، أي: شدَّة المجاعةِ إلى أكله (﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾) أي: يضلُّون فيحرِّمون ويحلِّلون

стр. 10143

بأهوائهم وشَهَواتهم من غير تعلُّق بشريعةٍ (﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨ - ١١٩]) بالمجاوزين من (١) الحقِّ إلى الباطلِ، وسقط من قوله: «﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾ … » إلى آخره لابنِ عساكرَ، وقال بعد قوله: ﴿تَأْكُلُواْ﴾: «الآية». وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿وَمَا لَكُمْ﴾» إلى آخر «﴿بِالْمُعْتَدِينَ﴾». (وَقَوْلُهُ (٢) جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾) أي: آكل يأكلُه، ومحرَّمًا نصبُ صفةٍ لموصوفٍ محذوفٍ، حُذِفَ لدَلالة قوله: على طاعمٍ يطعمُه، أي: لا أجدُ طعامًا محرَّمًا. وعلى طاعِمٍ متعلِّقٌ بـ «محرَّمًا»، ويطعَمُه في موضع جرٍّ صفةً لطاعمٍ (﴿إِلاَّ أَن يَكُونَ﴾) ذلك المحرَّم، وقدَّره أبو البقاء ومكِّي وغيرهما: إلَّا أن يكون المأكولُ أو ذلك (﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾) صفة لدم، والسَّفح: الصَّبُّ، وهو ما خرج من الحيوانات وهي أحياءٌ، أو من الأوداجِ عند الذَّبح، فلا يدخلُ الكبد والطحال لأنَّهما جامدان، وقد جاء الشَّرع بإباحتهمَا، ولا ما اختلطَ باللَّحم من الدَّم لأنَّه غير سائلٍ (﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾) نجسٌ حرامٌ، والهاء في ﴿فَإِنَّهُ﴾ الظَّاهر عودُها على لحم المضاف لخنزيرٍ. وقال ابنُ حزمٍ: على خنزير لأنَّه أقربُ مذكورٍ، ورُجِّحَ الأوَّل بأنَّ اللَّحم هو المحدث عنه، والخنزيرُ جاء بعرَضيَّة (٣) الإضافة إليه، ألا ترى أنَّك إذا قلت: رأيت غلامَ زيدٍ فأكرمته، أنَّ الهاء تعودُ على الغلام لأنَّه المحدث عنه المقصود بالإخبارِ عنه لا على زيدٍ لأنَّه غير مقصودٍ، ورُجِّحَ الثَّاني بأنَّ التَّحريم المضاف للخنزيرِ ليس مختصًّا بلحمهِ بل بشحمهِ (٤) وشعره وعظمه كذلك، فإذا أعدنا الضَّمير على خنزيرٍ كان وافيًا بهذا المقصود، وإذا أعدناهُ على لحمٍ لم يكنْ في الآية تعرُّضٌ لتحريمِ ما عدا اللَّحم ممَّا (٥) ذكر. وأُجيب بأنَّه إنَّما ذكر اللَّحم دون غيره -وإن كان غيره مقصودًا بالتَّحريم- لأنَّه أهمُّ ما فيه وأكثرُ ما يقصد فيه اللَّحم كغيره من الحيوانات، وعلى هذا فلا مفهوم لتخصيصِ اللَّحم

стр. 10144

بالذِّكر، ولو سلِّم فإنَّه يكون من باب مفهومِ اللَّقب وهو ضعيفٌ جدًّا، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ إمَّا على المبالغةِ بأن جعل نفس الرِّجس، أو على حذف مضاف (﴿أَوْ فِسْقًا﴾) عطفٌ على المنصوب السَّابق، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ اعتراضٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه (﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾) في موضعِ نصب صفة لفسقًا، أي: رفع الصَّوت على ذبحهِ باسم غيرِ اسم الله، وسُمِّي بالفسقِ لتوغُّله في باب الفسق (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾) فمن دعته الضَّرورة إلى أكلِ شيءٍ من هذه المحرَّمات (﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾) على مضطرٍّ مثله تاركٍ لمواساته (﴿وَلَا عَادٍ﴾) متجاوزٍ قدرَ حاجتهِ من تناوله (﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]) لا يؤاخذه، وسقط لأبي ذرٍّ وابن عساكرَ من قوله: «﴿طَاعِمٍ﴾ … » إلى آخره، وقالا (١) بعد قوله: ﴿مُحَرَّمًا﴾: «إلى ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾». (قَالَ (٢) ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله الطَّبريُّ في تفسير ﴿مَّسْفُوحًا﴾ أي: (مُهَرَاقًا. وَقَالَ) جلَّ وعلا: (﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ﴾) على يدي (٣) محمَّدٍ ﷺ (﴿حَلالاً طَيِّبًا﴾) بدلًا عمَّا (٤) كنتُم تأكلونه حرامًا خبيثًا من الأموال المأخوذةِ بالغاراتِ والغصوبِ وخبائثِ الكسوب (﴿وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾) وهي: ما فارقه الرُّوح من غير ذكاة ممَّا يذبح (﴿وَالْدَّمَ﴾) السَّائل (﴿وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ﴾) بجميعِ أجزائه (﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾) ذبح للأصنامِ فذكرَ عليه غير اسمِ الله (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٤ - ١١٥]) وسقط قوله: «﴿وَاشْكُرُواْ﴾» إلى آخر قولهِ: «﴿لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾» (٥) وهذه آية النَّحل، وثبتتْ هنا لكريمة (٦)، ولم يذكر المؤلِّف في هذا الباب حديثًا اكتفاء بالنُّصوص القرآنيَّة، أو بيَّض له ليجد حديثًا على شرطهِ فيثبته فيه فلم يجدْه، والله أعلم بالصَّواب.

стр. 10145

((٧٣)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ الأَضَاحِي) بفتح الهمزة، جمع أُضحية -بضمها وتكسر مع تخفيف الياء وتشديدها وتحذف فتفتح الضاد وتكسر- اسم لما يُذبح من النَّعم تقرُّبًا إلى الله تعالى من يوم العيد إلى آخر أيام التَّشريق. قال عياض: سمِّيت بذلك لأنَّها تفعل في الضُّحى وهو ارتفاع النَّهار (١) فسمِّيت بزمن فعلها. (١) (بابُ سُنَّةِ الأُضْحِيَّةِ) من إضافة الصِّفة إلى الموصوفِ (٢)، ولابنِ عساكرَ في نسخة: «الأضحية سنَّة» (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ فيما وصله حمَّاد بن سلمة في «مصنفه» بسند جيِّدٍ: (هِيَ سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ) بين النَّاس إذا رأوهُ لا ينكرونه، والجمهورُ أنَّها سنَّةٌ مؤكَّدة على الكفايةِ، وفي وجهٍ للشَّافعيَّة أنَّها من فروض الكفاية، وقال صاحب «الهداية» من السَّادة الحنفيَّة: واجبةٌ على كلِّ مسلمٍ مقيمٍ موسرٍ في يوم الأضحى عن نفسهِ وعن ولدهِ الصِّغار، أمَّا الوجوب فقول أبي حنيفة ومحمَّد وزفر والحسن وإحدى الرِّوايتين عن أبي يوسف، وقال الشَّيخ خليل من المالكيَّة: المشهور أنَّها سنَّة، وقال المرداويُّ من الحنابلة: وتسنُّ التَّضحية لمسلمٍ ولو مكاتبًا بإذن سيِّده إلَّا النَّبي ﷺ فكانت واجبةً عليه. قال ابنُ حجر: وأقربُ ما يتمسَّك به للوجوب حديث أبي هريرة رفعه: «من وجد سعةً فلم يضحِّ فلا يقرَبَنَّ مصلَّانا» أخرجه ابن ماجه ورجاله ثقاتٌ، لكنه اختُلف في رفعهِ ووقفه، والموقوفُ أشبهُ بالصَّواب -قاله الطَّحاويُّ وغيره- ومع ذلك فليس صريحًا في الإيجاب.

стр. 10146

وفي حديث مِخْنَف (١) بن سليم رفعه: «على كلِّ أهل بيتٍ أضحية» أخرجه أحمدُ والأربعة بسندٍ قويٍّ ولا حجَّة فيه لأنَّ الصِّيغة ليست صريحةً في الوجوب المطلق، وقد ذكر معها العتيرة وليست واجبةً عند من قال بوجوبِ الأُضْحية، وحديث ابن عباس: «كتب علي النَّحر ولم يكتب عليكم» المرويُّ عند أحمد وأبي يعلى والطَّبرانيِّ والدَّارقطنيِّ الدَّالُّ على أنَّ الوجوبَ من الخصائصِ النَّبويَّة ضعيفٌ، وتساهل الحاكم فصحَّحه. ٥٥٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بصيغة الجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديُّ الملقَّب ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بنُ جعفر البصريُّ قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ زُبَيْدٍ الإِيَامِيِّ) بهمزة قبل التحتية المخففة، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «اليامي» بإسقاط الهمزة (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) يوم عيد الأضحى: (إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ (٢) بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا نُصَلِّيَ) صلاة العيد بحذفِ «أن» قبل «نُصلِّي». قال في «الكواكب»: هو نحو تسمع بالمُعَيْدِيِّ خير من أن تراهُ في تقدير: أن، أو تنزيل

стр. 10147

الفعل منزلةَ المصدر. انتهى. وفي رواية أبي ذرٍّ: «أن نصلِّي» فلا يحتاج إلى تقدير (ثُمَّ نَرْجِعَ) من المصلَّى إلى المنزل (فَنَنْحَرَ) ما مِن شأنهِ أن ينحرَ ونذبحَ ما من شأنه أن يُذبح من الأضحية (مَنْ فَعَلَهُ) أي: تأخير النَّحرِ عن الصَّلاة (فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا) طريقتنا (وَمَنْ ذَبَحَ) أضحيته (قَبْلُ) أي: قبل الصَّلاة (فَإِنَّمَا هُوَ) أي: المذبوح (لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ) أي: ليس من العبادةِ، فلا ثواب فيها بل هي لحمٌ ينتفع به أهله (فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، هانئ (بْنُ نِيَارٍ) بكسر النون وتخفيف التحتية، البلويُّ (وَقَدْ ذَبَحَ) قبل الصَّلاة (فَقَالَ): يا رسول الله (إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً) من المعز (فَقَالَ) ﷺ : (اذْبَحْهَا وَلَنْ تَجْزِيَ) بفتح الفوقية بدون همز (عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) أي: وإنَّما يجزئ الثَّني، والثَّنيَّة من المعز وهو ما دخلَ في السَّنة الثَّالثة والطَّاعن في الثَّانية هو الجذعُ والجذعةُ، ويجزئ (١) الضَّأن منه. روى أحمد حديث: «ضحُّوا بالجذَعِ من الضَّأن فإنَّه جائزٌ»، ولابن ماجه نحوه. واختلف القائلون بإجزاء الجذعِ من الضَّأن وهم الجمهورُ في سِنِّهِ، فقيل: ما أكمل سنةً ودخل في الثَّانية وهو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، والأشهر عند أهل اللُّغة، وقيل: نصف سنةٍ، وهو قول الحنفيَّة والحنابلة، وقيل: سبعة (٢) أشهر، حكاه صاحب «الهداية» من الحنفيَّة عن الزَّعفرانيِّ، وقيل: ستَّة أو سبعة حكاه التِّرمذيُّ عن وكيعٍ، وإجزاء جذع المعز خصوصيَّة لأبي بردة. نعم، وردت الرُّخصة لغيرهِ: عقبةُ بنُ عامر، ولغيره (٣) كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا. (قَالَ مُطَرِّفٌ) هو: ابنُ طَريف -بالطاء المهملة المفتوحة آخره فاء- بوزن عَظيم الحارثيُّ -بالمثلثة- ممَّا سبق موصولًا في «العيدين» [خ¦٩٥٤] ويأتي إن شاء الله تعالى (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ ﵁ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد (تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ) طريقتهم.

стр. 10148

٥٥٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) يعني: ابنَ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) يعني: ابنَ سيرين (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ ذَبَحَ (١) قَبْلَ الصَّلَاةِ) أي: قبل مضي وقت صلاةِ العيد، وما يتعلَّق بها من الخطبةِ، وإلَّا فوقت الصَّلاة إلى الزَّوال (فَإِنَّمَا ذَبَحَ) أضحيته، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «يذبح» (لِنَفْسِهِ) لحمًا يأكله (٢) لا ثواب له فيه (وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ). وهذا الحديث قد سبق في «صلاة العيدين» [خ¦٩٥٤]. (٢) (بابُ قِسْمَةِ الإِمَامِ الأَضَاحِيَّ بَيْنَ النَّاسِ) بنفسهِ أو بأمره. ٥٥٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضاد المعجمة المخففة، أبو زيد الزَّهرانيُّ الطَّفاوي قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ الطَّائي مولاهم، أبي نصر اليمانيِّ الثبتُ لكنَّه يدلِّس ويرسلُ، لكن رواية مسلم من طريق معاويةَ بن سلام، عن يحيى: أخبرني بَعْجَة، أزالتْ ما يخشَى من تدليسهِ (عَنْ بَعْجَةَ) بفتح الموحدة والجيم بينهما عين مهملة ساكنة، ابن عبد الله (الجُهَنِيِّ) تابعيٌّ ليس له في البخاريِّ إلَّا هذا (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ضَحَايَا) وكان الَّذي باشر القسمة عقبة ابن عامرٍ المذكور، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (فَصَارَتْ) أي: حصلت (لِعُقْبَةَ) بن عامر

стр. 10149

(جَذَعَةٌ) من المعز. قال عقبة: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صَارَتْ جَذَعَةٌ) ولأبي ذرٍّ: «لي جذعة» (قَالَ) ﷺ : (ضَحِّ بِهَا) ولم يقلْ: ولن تجزيَ عن أحدٍ بعدك، كما قال لأبي بردةَ [خ¦٥٥٤٥]. (٣) (بابُ) حكم (الأُضْحِيَّةِ لِلْمُسَافِرِ وَالنِّسَاءِ). ٥٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، ولم يسمع مسددٌ من سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد بنِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا -وَحَاضَتْ بِسَرِفَ) بفتح السين المهملة وكسر الراء، موضعٌ خارج مكَّة (قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ مَكَّةَ- وَهْيَ) والحال أنَّها (تَبْكِي، فَقَالَ) لها ﷺ : (مَا لَكِ) تبكين (١) (أَنَفِسْتِ؟) بفتح النون وكسر الفاء، وضبطه الأَصيليُّ: «أَنُفِسْتِ» بضم النون، أي: حضت، وقيل: بالفتح الحيض وبالضم النِّفاس (قَالَتْ: نَعَمْ) نفست (قَالَ) ﵊ يُسَلِّيها: (إِنَّ هَذَا) الحيض (أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) فلست بمختصَّةً به (فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ) فافعلي ما يفعلُ الحاجُّ من المناسك (غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ) لأنَّه كالصَّلاة لا يصحُّ إلَّا بطهارةٍ كاملةٍ. نعم، قال بصحَّته بعد انقطاع الدَّم من غير غسل الحنفيَّة، لكن يجب عليها بدنة عندهم، ولا زائدة، أي: غير أن تطوفي. قالت عائشة: (فَلَمَّا كُنَّا بِمِنًى أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: ضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِه) ﵅ (بِالبَقَرِ) أي: بإذنهنَّ لأنَّ تضحية الإنسان عن غيرهِ لا تصحُّ إلَّا بإذنٍ. وهذا الحديث قد مرَّ في «الحيض» [خ¦٢٩٤].

стр. 10150

(٤) (بابُ مَا يُشْتَهَى) بضم أوَّله وفتح رابعه (مِنَ اللَّحْمِ يَوْمَ النَّحْرِ) و «ما» موصولةٌ أو مصدريَّة (١). ٥٥٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضلِ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) إسماعيلُ بن إبراهيم، وعُلَيَّة (٢) أمُّه (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتيانيِّ (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّد (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ) لأصحابه: (مَنْ كَانَ) منكم (ذَبَحَ) أضحيته (قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ) فإنَّها ليست نسكًا (فَقَامَ رَجُلٌ) هو أبو بُرْدة بنُ نِيَار (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ) للالتذاذِ به فيه، ولأنَّ العادة جرتْ فيه بكثرةِ الذَّبح فالنَّفس تتشوَّف له، ولا يقدحُ فيه قول عمر لجابر بن عبد الله لما رأى معه لحمًا فقال له: ما هذا؟ قال: قَرِمْنَا إلى اللَّحْم فقال له: أين تذهب هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] لأنَّ يوم النَّحر مخصوصٌ بأكله. قال الله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦] وبه استدلَّ من قال بوجوبِ الأكلِ من الأضاحِي، وهو قولٌ غريبٌ، والَّذي عليه الجمهور أنَّه من باب الرُّخصة أو الاستحبابِ. (وَذَكَرَ) أبو بردة (جِيرَانَهُ) وعند مسلمٍ عن عاصمٍ: «وإنِّي عَجَّلت فيه نسيكَتِي لأُطْعم أَهْلي وجِيراني وأهلَ دارِي» (وَعِنْدِي جَذَعَةٌ) من المعز (خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ) بالتَّثنية من المعز (فَرَخَّصَ لَهُ) ﷺ (فِي ذَلِكَ) قال أنسٌ: (فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ) من النَّاس (أَمْ لَا؟) فيكون مختصًّا بذلك، ولعلَّ أنسًا لم يبلغْه قوله ﷺ : «لن تجزِي عن أحدٍ بعدك» (ثُمَّ

стр. 10151

انْكَفَأَ) بالهمز، أي: مال ورجع (النَّبِيُّ ﷺ ¬) عن مكانِ الخطبة إلى مكان الذَّبح (إِلَى كَبْشَيْنِ) تثنية كبشٍ وهو ذكر الضَّأن (فَذَبَحَهُمَا، وَقَامَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ) بضم الغين المعجمة (١) وفتح النون مصغرًا (فَتَوَزَّعُوهَا) بالزاي المعجمة مِنَ التَّوزيع، أي: تفرَّقوها (أَوْ قَالَ: فَتَجَزَّعُوهَا) بالجيم والزاي من الجزع، أي: اقتسموها حصصًا كل واحدٍ حصَّة من الغنم (٢) بغير ذبحٍ، وليس المرادُ أنَّ كلَّ واحدٍ أخذَ قطعةً من اللَّحم، والشَّكُّ من الرَّاوي. والحديث سبق في «باب الأكل يوم النَّحر» من «كتاب العيدين» [خ¦٩٥٤]. (٥) (بابُ مَنْ قَالَ: الأَضْحَى يَوْمَ النَّحْرِ) فقط دون أيَّام التَّشريق، و «يوم» نصبٌ على الظَّرفية، ولأبي ذرٍّ رفعٌ، واختصاصُ النَّحر باليوم العاشر قولُ حميدِ بن عبد الرَّحمن ومحمَّدِ بن سيرين وداود الظَّاهريِّ. ٥٥٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (عَبْدُ الوَهَّابِ) بن

стр. 10152

عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرَّحمن (عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع بن الحارث (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الزَّمَانُ) ولأبي ذرٍّ: «إنَّ الزَّمان» (قَدِ اسْتَدَارَ) استدارة (كَهَيْئَتِهِ) مثل حالته (يَوْمَ خَلَقَ اللهُ (١) السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) روي أنَّهم كانوا ينسؤون الحجَّ في كلِّ عامين من شهرٍ إلى شهرٍ آخر، ويجعلون (٢) الشَّهر الَّذي أنسؤوا فيه ملغى، فتكون تلك السَّنة ثلاثة عشر شهرًا ويتركون العام الثَّاني على ما كان عليه الأوَّل، فلا يزالون كذلك إلى خمسٍ وعشرين سنة، ثمَّ يستديرُ حينئذٍ الشَّهر الَّذي بُدِئ منه، وكانت السَّنة الَّتي حجَّ فيها رسولُ الله ﷺ حجَّة الوداع، هي (٣) السَّنة الَّتي وصل ذو الحجَّة إلى موضعهِ، فقال ﷺ في خطبتهِ: «إنَّ الزَّمان قد استدارَ كهيئتهِ يوم خلق الله السَّموات والأرض» أي: إنَّ الله تعالى قد أدحضَ أمر النَّسيء فإنَّ حساب السَّنة قد استقام ورجعَ إلى الأصل الموضوع له. (السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) تأكيدٌ في إبطال أمر النَّسيء، وأنَّ أحكام الشَّرع تبنى على الشُّهور القمريَّة المحسوبةِ بالأهلَّة دون الشَّمسيَّة (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) لعظمِ حرمتها (ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ) حذف التَّاء من العددِ باعتبار أنَّ الشَّهر الَّذي هو واحد الأشهر بمعنى: اللَّيالي، فاعتبر لذلك تأنيثُه، ولابنِ عساكرَ: «ثلاثةٌ متواليات» (ذُو القَعْدَةِ) للقعودِ فيه عن القتال (وَذُو الحِجَّةِ) للحجِّ (وَالمُحَرَّمُ) لتحريمِ القتال فيه (وَ) واحدٌ فردٌ وهو (رَجَبُ مُضَرَ) أضيف إليها لأنَّها كانت تحافظ على تحريمه أشدَّ من محافظة سائر العرب، ولم يكن يستحلُّه أحدٌ من العرب، وسمِّي رجبًا لترجيب العرب إيَّاه (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى) بضم الجيم وفتح الدال المهملة (وَشَعْبَانَ) ذكره تأكيدًا وإزاحة للرَّيب الحادثِ فيه من النَّسيء (أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟) قال القاضِي البيضاويُّ: يريد تذكارهُم حرمة الشَّهر، وتقريرها في نفوسهم ليبنيَ عليها ما أرادَ تقريرهُ، وقولهم: (قُلْنَا: اللهُ

стр. 10153

وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) مراعاةً للأدب، وتحرُّزًا عن التَّقدُّم بين يدي الله ورسوله، وتوقفًا فيما لا يعلم الغرض من السُّؤال عنه (فَسَكَتَ) ﷺ (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ ذَا الحِجَّةِ؟) ولابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ذو الحجة» (قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟) بسكون اللام، مكة الَّتي جعلها الله تعالى حرمًا (١). قال التُّوربشتيُّ: وجه تسميتهَا بالبلدةِ وهي تقعُ على سائرِ البلدان أنَّها الجامعة للخير المستحقَّة أن تسمَّى بهذا الاسم لتفوُّقها سائر مسمَّيات أجناسها تفوَّق الكعبة في تسميتِها بالبيت سائر مسمَّيات أجناسها حتَّى كأنَّها هي المحلُّ المستحقُّ للإقامة به (٢) (قُلْنَا: بَلَى) يا رسول الله (قَالَ) ﵊: (فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ) ﷺ (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟) الَّذي تُنْحَر فيه الأضاحي في سائر الأقطار، والهدايا بمنى (قُلْنَا: بَلَى) وتمسَّك به من خصَّ النَّحر بيوم العيد، ووجهه أنَّه ﵊ أضافَ هذا اليوم إلى جنس النَّحر لأنَّ اللام هنا جنسيَّة فتعمُّ، فلا يبقَى نحرٌ إلَّا في ذلك اليوم، لكن قال القرطبيُّ: التَّمسُّك بإضافة النَّحر إلى اليوم الأوَّل ضعيفٌ مع قوله تعالى: (ليَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) [الحج: ٢٨]. انتهى. وأَجاب الجمهورُ بأنَّ المراد النَّحر الكامل الفضل، والألف واللَّام كثيرًا ما تستعملُ للكمال، نحو: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] و «إنَّما الشَّديد الَّذي يملك نفسه». ولذا قيل: اليوم الأوَّل أفضل الأيام. وقال المالكيَّة: أيَّام النَّحر ثلاثة مبدؤها يوم النَّحر بعد صلاةِ الإمام وذبحه في المصلَّى، وعند الشَّافعية: آخر وقتها غروب الشَّمس من آخر أيَّام التَّشريق لحديث: «في كلِّ أيَّام التَّشريق ذبحٌ» رواه ابن حبَّان، وقال أبو حنيفة وأحمد: يومان بعد النَّحر كقول المالكيَّة. (قَالَ) ﷺ : (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سيرين: (وَأَحْسِبُهُ) أي: وأحسب ابن أبي بكرة (قَالَ) في حديثه: (وَأَعْرَاضَكُمْ) قال التُّوربشتيُّ: أنفسكم وأحسابكم،

стр. 10154

فإنَّ العرضَ يقال للنَّسب والحسب (١). يقال: فلانٌ نقيُّ العرض، أي: بريء أن يُعاب. وتُعُقِّبَ بأنَّه لو كان المراد من الأعراض النُّفوس لكان تكرارًا لأنَّ ذكر الدِّماء كافٍ؛ إذ المراد بها النُّفوس. وقال الطِّيبيُّ (٢): الظَّاهر أنَّ المراد الأخلاق النَّفسانيَّة، فالمراد هنا: الأخلاق، ثمَّ قال: والتَّحقيق ما في «النِّهاية» أنَّ العِرضَ موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان (٣)، ولذا قيل: العرض النَّفس إطلاقًا للمحلِّ على الحال (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) يوم النَّحر (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) مكَّة (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ذي الحجَّة، وسقط لفظ «هذا» لأبي ذرٍّ وابن عساكرَ (وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ) يوم القيامة (فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ) فيجازيكُم عليها (أَلَا) بالتَّخفيف (فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا) بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام الأولى، جمع: ضالٍّ (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا) بالتَّخفيف (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ) ما ذكر (فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ) بفتح التحتية وسكون الموحدة (أَنْ يَكُونَ أَوْعَى) بالواو الساكنة بعد الهمزة المفتوحة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أرعى» بالراء بدل الواو (لَهُ) للَّذي ذكر (مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ) منِّي (وَكَانَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «فكان» (مُحَمَّدٌ) أي: ابن سيرين (إِذَا ذَكَرَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ذكر» بحذف الضَّمير المنصوب (قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (أَلَا) بتخفيف اللام (هَلْ بَلَّغْتُ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ) زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «مرَّتين» وهو من الحديث فصل بينه الرَّاوي وبين ما قبله بقوله: وكان محمَّد إذا ذكرهُ قال: صدق النَّبيُّ ﷺ . وهذا الحديث تقدَّم في «العلم» [خ¦١٠٥] و «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] وتفسيره «براءة» مفرقًا [خ¦٤٦٦٢]. (٦) (بابُ) بيانِ كون (الأَضْحَى وَالمَنْحَرِ بِالمُصَلَّى) موضع صلاةِ العيد لئلا يذبحَ أحدٌ قبل الإمام فيذبحوا بعدَه بيقين، مع ما فيه من تعليمِهِم صفةَ الذَّبح، وفي بعض النُّسخ: «والنَّحر» بغير ميم.

стр. 10155

٥٥٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بتشديد الدال المهملة المفتوحة بعد القاف، قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهُجَيميُّ -بالجيم والميم- مصغرًا، قال (١): (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين، ابن عمر العمريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (يَنْحَرُ فِي المَنْحَرِ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) العمريُّ: (يَعْنِي: مَنْحَرَ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ٥٥٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة وفتح الكاف، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الإمام (عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ) بالمثلثة، وفَرْقَد بفتح الفاء وسكون الراء وفتح القاف بعدها دال مهملة (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالمُصَلَّى) بعد أن يصلِّي العيد وهو مذهبُ مالكٍ؛ أنَّ الإمام يبرز أضحيتَه للمصلَّى فيذبحُ به، كما قاله السَّفاقسيُّ، والحديث الأوَّل موقوفٌ والثَّاني مرفوعٌ، وهو اختلافٌ على نافع. قاله ابنُ حجر. (٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (فِي أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ) من الضَّأن (أَقْرَنَيْنِ) لكلِّ واحدٍ منهما قرنان معتدلان، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «باب ضحيَّة النَّبيِّ ﷺ … » إلى آخره، (وَيُذْكَرُ) بضم أوله وفتح الكاف في صفةِ الكبشين (سَمِينَيْنِ) أخرجه أبو عَوَانة من طريق الحجَّاج بن محمَّد (٢)، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس. (وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ ممَّا
следующие страницы →