(عَنْ يُونُسَ) بنِ عبيد البصريِّ (عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ) بضم الموحدة، نسبةً إلى بنانة زوجةِ سعدِ بنِ لؤيِّ بنِ غالب (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ وَمَا نَجِدُ -يَعْنِي: بِالمَدِينَةِ- خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا، وَعَامَّةُ) أصل (خَمْرِنَا) أي: النَّبيذ الَّذي سيصير خمرًا (البُسْرُ) بضم الموحدة وسكون المهملة (وَالتَّمْرُ) وسقط قوله: «يعني: بالمدينة» لابنِ عساكرَ.
٥٥٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيد القطَّان (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية آخره نون، يحيى بن سعيدٍ التَّيميِّ الكوفيِّ قال: (حَدَّثَنَا عَامِرٌ) الشَّعبيُّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَامَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب ﵁ (عَلَى المِنْبَرِ) النَّبويِّ (فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ) تستعملُ في الخطبِ وأوائل الكتبِ، وقيل: إنَّها فصلُ الخطابِ المذكور في القرآن (نَزَلَ) القياسُ أن يكون جوابُ أمَّا بعد بالفاء، ولا تحذف بعدها في غير قولٍ حذفَ معها (١) نحو: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم﴾ [آل عمران: ١٠٦] أي: فيقال لهم: أكفرتم. إلَّا في ضرورة الشِّعر أو ندورٍ، كقولهِ ﵊: «أمَّا بعد ما بالُ رجالٍ» (تَحْرِيمُ الخَمْرِ) تاسع شوَّال سنة ثلاث أو أربع، وتحريم (٢) مصدرٌ مضاف إلى مفعوله (وَهْيَ) أي: والحال أنَّها (مِنْ خَمْسَةٍ: العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ) العنب وما عطفَ عليه بدل من قولهِ: خمسة، وكان نزولُ تحريم الخمرِ ممَّا وافق عمرُ فيه حكم ربِّه جلَّ وعلا، كما رواه أبو داود والنَّسائي عنه (وَالخَمْرُ: مَا خَامَرَ العَقْلَ) أي: غطَّاه، وهو مجازٌ من باب تشبيهِ المعنويِّ بالمحسوسِ، والعقلُ هو آلةُ التَّمييز، فلذلك يحرمُ ما يغطِّيه ويستره؛ إذ بذاك يزولُ الإدراكُ المطلوبُ من العبادِ ليقوموا بحقوقهِ تعالى.
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهِيَ) أي: والحال أنَّ الخمرَ كان يُصنع (مِنَ البُسْرِ
стр. 10187
وَالتَّمْرِ) وإطلاقُ الخمر على غيرِ ما اتخذَ من العنب مجازٌ، وقيل: هو حقيقة لظاهرِ الأحاديث، وفي مسلم من حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا: «كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ»، وفي رواية: «كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرامٌ».
٥٥٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) وكنيةُ عبد الله أبو أويس بنُ عبدِ الله بنِ أبي أويس ابن أبي عامر الأصبحيُّ، حليفُ عثمان بنِ عبيد الله أخي طلحةَ بنِ عبيد الله التَّيميِّ القرشيِّ، وهو ابنُ أخت مالك بنِ أنسٍ الإمام، وصهرُه على ابنتهِ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ) عمِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ) عامر ابنَ الجرَّاح، أحد العشرة (وَأَبَا طَلْحَةَ) زيد بنَ سهل الأنصاريَّ، زوج أمِّ أنس (وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) سيد القرَّاء، وكبير الأنصار وعالمهم (مِنْ) خمر متَّخذ من (فَضِيخِ زَهْوٍ) بفتح الفاء وكسر الضاد المعجمة وبعد التحتية الساكنة خاء معجمة، من الفضخِ، وهو الشَّدْخ، وزَهْو بفتح الزاي وسكون الهاء بعدها واو، أي: مشدوخ بسرٍ صبَّ عليه ماء، وترك حتَّى يغلِي (١)، يؤخذُ من بسر (وَتَمْرٍ) كليهما، وظاهرُ هذا يؤيِّد هذا القول الأخير، وعند مسلمٍ من طريق قتادةَ، عن أنسٍ: «أسقيهم من مزادة فيها خليطُ بسرٍ وتمرٍ». وزاد حميدٌ عن أنس عند الإمام أحمد -بعد قولهِ: «أسقيهم» -: «حتَّى كاد الشَّراب يأخذُ فيهم». ولابن أبي عاصمٍ: «حتَّى مالتْ رؤوسهم» (فَجَاءَهُمْ آتٍ) لم أعرفْ اسمه (فَقَالَ: إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ) زوج أمِّ أنس: (قُمْ يَا أَنَسُ فَأَهْرِقْهَا، فَأَهْرَقْتُهَا) أي: فصبَّها فصببتُها، ولأبي ذرٍّ: «فهَرِقَها فهَرَقتُها» بإسقاط الهمزةِ فيهما وفتح الهاء وكسر الراء في الأول، وفتحها في الثَّاني، والأصل: أرقها، فأبدلت الهمزة هاء، وتستعملُ بالهمزة والهاء معًا، وهو نادرٌ.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «خبر الواحدِ» [خ¦٧٢٥٣]، ومسلمٌ في «الأشربةِ».
стр. 10188
٥٥٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد بنِ مسربل الأسديُّ البصريُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ) سليمان بنِ طَرْخان البصريِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) ﵁ (قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عَلَى الحَيِّ) واحد أحياءِ العرب (أَسْقِيهِمْ عُمُومَتِي) جمع عَمٍّ، ولمسلم: «إنِّي لقائم على الحيِّ على عُمومتي أسقيهم» (وَأَنَا أَصْغَرُهُمُ الفَضِيخَ) (١) الخمر المتَّخذ من البُسر المشدوخِ (فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ. فَقَالُوا: أَكْفِئْهَا) بفتح الهمزة في الفرع وأصله، وفي غيرهما بكسرها وسكون الكاف وكسر الفاء بعدها همزة ساكنة (فَكَفَأْنَا) بحذف ضمير المفعول، ولأبي ذرٍّ: «فكفأتها» بفوقية بعد الهمزة، أي: أرقها فأرقتها. قال سليمان بن طَرْخان: (قُلْتُ لأَنَسٍ: مَا) كان (شَرَابُهُمْ؟ قَالَ: رُطَبٌ وَبُسْرٌ) أي: خمرٌ متَّخذ منهما (فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ: وَكَانَتْ) أي: الفضيخ (خَمْرَهُمْ) زاد مسلم من هذا الوجه: «يومئذ» (فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسٌ) مقالةَ ابنه أبي بكرٍ، وكأنَّ أنسًا حينئذٍ لم يحدِّثهم بهذه الزِّيادة نسيانًا أو اختصارًا فذكَّرهُ ابنه أبو بكر بها فلم ينكرْها.
قال سليمان أيضًا بالسَّند السَّابق: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (بَعْضُ أَصْحَابِي أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا) ولأبي ذرٍّ: «أنس بن مالك» (يَقُولُ: كَانَتْ) خمرة الفضيخِ (٢) (خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ) وأمَّا المبهم في قولهِ بعض أصحابي، قال (٣) الحافظُ ابن حجر: يحتملُ أن يكون بكر بن عبد الله المزنيَّ، فإنَّ روايته آخر الباب [خ¦٥٥٨٤] تُومئ إلى ذلك، وأن يكون قتادةَ كما هو بعد أبوابٍ [خ¦٥٦٠٠] من طريقه عن أنس بلفظ: «وإنا (٤) نعدُّها يومئذٍ الخمر»، وفيه: أَنَّ الخمرَ اسمُ جنسٍ لكلِّ ما يُسكر سواء كانت من العنبِ أو غيره.
стр. 10189
٥٥٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بفتح الدال المهملة المشدّدة، قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ أَبُو مَعْشَرٍ) هو ابنُ يزيد (البَرَّاءُ) بفتح الموحدة والراء المشدَّدة ممدودًا، كان يبري السِّهام، بصري ليس له في البُخاري سوى هذا الحديث، وآخر في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣٧] (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن جُبَير -بضم الجيم وفتح الموحدة- ابن حَيَّة؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بسكون الكاف، المزنيُّ البصريُّ: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّ الخَمْرَ حُرِّمَتْ) بضم الحاء مبنيًّا للمفعول (وَالخَمْرُ يَوْمَئِذٍ) الواو للحال، أي: والحال أنَّ الخمرَ يوم التَّحريم (البُسْرُ وَالتَّمْرُ) أي: متَّخذة منهما، كذا أطلقَ الجمهور على جميع الأنبذة خمرًا، وهو حقيقة في الجميع سواء كان من عنبٍ أو غيره، ومن قال إنَّه حقيقة في ماءِ العنبِ مجاز في غيره يلزمُه جوازُ استعمالِ اللَّفظ الواحدِ في حقيقتهِ ومجازهِ، والكوفيون لا يقولون بذلك من حيث الشَّرع.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف في «الطِّبِّ» [خ¦٢٤٦٤].
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (الخَمْرُ) يتَّخذ (مِنَ العَسَلِ وَهْوَ البَِتَْعُ) بكسر الموحدة وتفتح وسكون الفوقية وقد تحرَّك، آخره عين مهملة، لغة يمانية.
(وَقَالَ مَعْنٌ) بفتح الميم وسكون العين، ابن عيسى القزَّاز -بالقاف وتشديد الزاي الأولى- ممَّا ذكره في «الموطَّأ» عن مالك (سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ) الإمام (عَنِ الفُقَّاعِ) بضم الفاء وتشديد القاف آخره عين مهملة، الشَّراب المعروف المتَّخذ من الزَّبيب ما حكم شربه؟ (فَقَالَ) مجيبًا له: (إِذَا لَمْ يُسْكِرْ فَلَا بَأْسَ بِهِ) ومفهومه: إذا أسكرَ حرم (وَقَالَ ابْنُ الدَّرَاوَرْدِيِّ) عبد العزيز بن محمَّد: (سَأَلْنَا عَنْهُ) أي: عن الفقَّاع أيجوزُ شربه أم لا؟ قال الحافظُ ابن حجرٍ: ولم أعرف الَّذين سألهم ابن الدَّراوردي، لكن الظَّاهر أنَّهم فقهاءُ المدينة في زمنه، وهو قد شارك مالكًا في
стр. 10190
لقاءِ أكثر مشايخه المدَنيين (فَقَالُوا): إذا كان (لَا يُسْكِرُ لَا بَأْسَ بِهِ).
٥٥٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمامُ دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوف (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ: «عن عائشةَ أنَّ رسول الله ﷺ سئل» (عَنِ البِتْعِ) عن حكم جنسِهِ لا عن مقدارِهِ، وكان أهلُ المدينة يشربونَهُ. قال في «الفتح»: ولم أقفْ على اسم السَّائل صريحًا، لكنِّي أظنُّه أبا موسى الأشعريَّ لما في «المغازي» عن أبي موسى أنَّه ﷺ بعثه إلى اليمنِ فسألَ عن أشربةٍ تُصنع بها؟ فقال: ما هي؟ قال: البِتْعُ والمِزْر [خ¦٤٣٤٣] (فَقَالَ) ﷺ : (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهْوَ حَرَامٌ) ولو لم يسكرِ المتناول بالقدر الَّذي تناوله منه، وعند أبي داود والنَّسائيِّ وصحَّحه ابنُ حبَّان عن جابرٍ قال ﷺ : «ما أسكرَ كثيرهُ فقليلُه حرامٌ». وفي ذلك جوازُ القياسِ باطِّراد العلَّة (١)، وعلى هذا فيحرمُ جميع الأنبذةِ المسكرةِ، وبذلك قال الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة والجمهور، وقال أبو المظفَّر السَّمعانيُّ: وقياسُ النَّبيذ على الخمرِ بعلَّة الإسكارِ والاضطراب من أجلى الأقيسةِ وأوضحها، والمفاسدُ الَّتي في الخمرِ توجدُ في النَّبيذ. وقال الحنفيَّة: نقيعُ التَّمر والزَّبيب وغيرهما من الأنبذةِ إذا غلى واشتدَّ حرم، ولا يحدُّ شاربُه حتَّى يسكرَ، ولا يكفَّر مستحلُّه، وأمَّا الَّذي من ماء العنبِ فحرامٌ ويكفَّر مستحلُّه (٢) لثبوتِ حرمتها (٣) بدليلٍ قطعيٍّ ويحدُّ شاربه، وقد ثبتتِ الأخبار عن النَّبيِّ ﷺ في تحريمِ المسكرِ، وقد قال عبدُ الله بنُ المبارك: لا يصحُّ في حلِّ (٤) النَّبيذ الَّذي يسكرُ كثيرُه عن الصَّحابة ولا عن التَّابعين شيء إلَّا عن إبراهيم النَّخعيِّ، ويدخل في قولهِ: «كلُّ مسكرٍ حرامٌ» حشيشة الفقراءِ وغيرها،
стр. 10191
وقد جزم النَّوويُّ وغيره بأنَّها مسكرةٌ، وفي معنى شرب الخمرِ أكله بأن كان ثخينًا، أو أكله بخبزٍ، أو طَبَخَ به لحمًا، أو أكلَ مرقَه (١)، فخرجَ به أكل اللَّحم المطبوخ به لذهابِ العين منه، وكذا الاحتقانُ به والاستعاطُ (٢).
٥٥٨٦ - ٥٥٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم ابنِ شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ (٣) ﷺ عَنِ البِتْعِ وَهْوَ نَبِيذُ العَسَلِ) بالذال المعجمة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وهو شراب العسل» (وَكَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَشْرَبُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهْوَ حَرَامٌ) وقد وردَ لفظ هذا ومعناه من طرقٍ عن أكثر من ثلاثين من الصَّحابة مضمونها: أنَّ المسكر لا يحلُّ تناوله ويكفي ذلك في الرَّدِّ على المخالفِ، وأمَّا ما احتجُّوا به من حديث ابن عبَّاس عند النَّسائيِّ برجالٍ ثقاتٍ مرفوعًا: «حرِّمت الخمرُ قليلُها وكثيرُها، والسُّكرُ (٤) من كلِّ شرابٍ» فاختلف في وصلهِ وانقطاعهِ، وفي رفعهِ ووقفهِ، وعلى تقدير صحَّته فقد رجَّح الإمام أحمد وغيره أنَّ الرِّواية فيه بلفظ: «والمُسْكر» بلفظ (٥) الميم وسكون السين، لا السُّكر -بضم السين (٦) أو بفتحتين- وعلى تقدير ثبوتها فهو حديثٌ فردٌ ولفظه محتملٌ، فكيف يعارض عمومَ تلك الأحاديثِ مع صحَّتِها وكثرَتِها.
стр. 10192
(وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم ابنِ شهابٍ، بالإسناد السَّابق، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁، وسقط «ابن مالك» لأبي ذرٍّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا فِي المُزَفَّتِ) قال الزُّهريُّ: (وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهُمَا الحَنْتَمَ) بالحاء المهملة والمثناة الفوقية (وَالنَّقِيرَ) وعند مسلمٍ من طريق زاذان قال: سألتُ ابنَ عمر عن الأوعيةِ، فقلتُ: أخبرناهُ بلغتكُم، وفسِّره لنا بلغتنَا فقال: «نهى رسولُ الله ﷺ عن الحنتمةِ، وهي الجرَّة، وعن الدُّبَّاء وهي القرعة، وعن النَّقِير وهي (١) أصل النَّخْلة تنقر، وعن المزفَّتِ وهو المقيَّر»، وليس المراد أنَّ أبا هريرة يلحق الحنتَمَ والنَّقير من قبل نفسهِ وأنَّه رأيٌ رآه، بل المراد أنَّه يلحقهما في روايته عن النَّبيِّ ﷺ فهو مرفوعٌ.
(٥) (بابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ الخَمْرَ مَا خَامَرَ العَقْلَ مِنَ الشَّرَابِ).
٥٥٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدّثني» (٢) (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) بالجيم (٣)، عبد الله بن أيُّوب، أبو الوليد الحنفيُّ الهرويُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية، يحيى بنُ سعيد (التَّيْمِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بنِ شَرَاحيل (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بحضرةِ أكابر الصَّحابة (فَقَالَ) في خطبتهِ: (إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ) في قولهِ في آية المائدةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
стр. 10193
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الاية [المائدة: ٩٠] (وَهْيَ) أي: نزلَ تحريمُ الخمر، والحال أنَّها تُصْنَعُ (مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالعَسَلِ) ولم ينكرْ أحدٌ عليه فله حكم الرَّفع لأنَّه خبر صحابيٍّ شهد التَّنزيل، وقد أخرج أصحاب «السنن الأربعة» وصحَّحه ابن حبَّان من وجهين عن الشَّعبيِّ: أنَّ النُّعمان بن بشير قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الخمرَ من العصيرِ والزَّبيب والتَّمر والحنطة والشَّعير والذُّرة» فهذا صريحٌ في الرفع، وقوله: (وَالخَمْرُ) الَّذي حرَّمه الشَّارع هو (مَا خَامَرَ العَقْلَ) أي: سترهُ، وكلُّ ما يستره حرمَ تناولُه لما يلزم عليه من فسادِ العبادةِ المطلوبةِ من العبدِ، والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها، وما موصولةٌ مرفوعةٌ على الخبر (وَثَلَاثٌ) من المسائل (وَدِدْتُ) بكسر المهملة (١) الأولى وسكون الثانية، تمنَّيت (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُفَارِقْنَا) من الدُّنيا (حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا) يبيِّن لنا حكمها لأنَّه أبعدُ من محذورِ الاجتهاد ولو كان مأجورًا عليه (الجَدُّ) هل يحجب الأخ، أو (٢) يحجب به أو يُقاسمه، فاختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا، وقد روي أنَّ عمر قضى فيه بقضايا مختلفة، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «الفرائض» بعون الله تعالى (وَالكَلَالَةُ) بفتح الكاف واللام المخففة، مَن لا ولدَ له، ولا والدَ (٣) أو بنو العم الأباعد أو غير ذلك (وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا) أي: ربا الفضلِ، إنَّ ربا النَّسيئة متَّفق عليه بينهم ﵃، ورفع الجدِّ وتالييهِ بتقدير مبتدأ، أي: هي الجد.
(قَالَ) أبو حيَّان التَّيميُّ: (قُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو) بفتح العين؛ يعني: عامر الشَّعبي، ناداه بكنيتهِ (فَشَيْءٌ يُصْنَعُ بِالسِّنْدِ) بكسر السين المهملة وسكون النون، بلادٌ قرب الهند (مِنَ الرُّزِّ) ولأبي ذرٍّ: «من الأُرْز» بهمزة مضمومة وسكون الراء، وقوله: «فشيءٌ» مبتدأ لأنَّه تخصَّص (٤) بالصِّفة وهي قوله: يُصنع، وخبره محذوفٌ تقديره: ما حكمه، وثلاثٌ فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ، أي: همني (٥) ثلاث خصالٍ، وسقطَتْ العلامة في العددِ لأنَّه عدد مؤنَّث، ويجوز النَّصب على المفعولِ، أي: اذكر ثلاثًا (قَالَ) الشَّعبي: (ذَاكَ) الخمر المتَّخذ من الأرز (لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ
стр. 10194
النَّبِيِّ ﷺ -أَوْ قَالَ: عَلَى عَهْدِ عُمَرَ-) بضم العين، أي: زمنهما، ولو كان لنهى عنه لأنَّه قد عمَّ الأشربة كلَّها فقال: الخمرُ ما خامرَ العقلَ، والشَّكُّ من الرَّاوي.
(وَقَالَ حَجَّاجُ) بن منهالٍ شيخُ المؤلِّف، ممَّا وصلَه (١) عبد العزيز البغويُّ في «مسنده» (عَنْ حَمَّادٍ) أي: ابن أبي (٢) سلمة (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) المذكور بهذا السَّند والمتن فذكر (مَكَانَ العِنَبِ) المذكور في الرِّواية السَّابقة (الزَّبِيبَ) وليس فيه سؤال أبي حيَّان الأخير وجواب الشَّعبي.
٥٥٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحَوْضِيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ) سعيد الهمْدانيِّ الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بنِ شَرَاحيل (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ) ﵄ أنَّه (قَالَ: الخَمْرُ تُصْنَعُ) بالفوقية المضمومة، وفي «اليونينيَّة» بالتحتية (مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالعَسَلِ) قال الخطَّابي: وإنما عَدَّ عمرُ هذه الخمسة المذكورة لاشتهار أسمائها في زمانهِ، ولم تكن كلُّها توجدُ بالمدينةِ الوجود العام، فإنَّ الحنطةَ كانت بها عزيزة، وكذا العسلُ بل كان أعزَّ، فعدَّ عمرُ ما عرف منها، وجعلَ ما في معناها ما (٣) يتَّخذ من الأرز وغيره خمرًا؛ إذ ربَّما (٤) يخامرُ العقلَ.
(٦) (بابُ مَا جَاءَ) من الوعيد (فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الخَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ) ذكَّر الخمر باعتبار الشَّراب (٥) وإلَّا فالخمر مؤنَّث سماعي.
стр. 10195
٥٥٩٠ - (وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) أبو الوليد السُّلميُّ الدِّمشقيُّ، المقرئ، راوي قراءةِ ابن عامر، من شيوخ البخاريِّ، وعبَّر بالقولِ دون التَّحديث وغيره لأنَّه وقعَ له مذاكرةً: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ) القرشيُّ (١) الأمويُّ أبو العبَّاس الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ) الشَّاميُّ (الكِلَابِيُّ) بكسر الكاف والموحدة، التَّابعي قال: (حَدَّثَنَي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ) بفتح الغين المعجمة وسكون النون، ابن كُريب بن هانئ (الأَشْعَرِيُّ) مختلفٌ في صحبتهِ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو عَامِرٍ -أَوْ: أَبُو مَالِكٍ- الأَشْعَرِيُّ) بالشَّكِّ، وعند أبي داود: حدَّثني أبو مالك بغير شكٍّ، والشَّكُّ في اسم الصَّحابيِّ لا يضرُّ، وقال البخاريُّ في «تاريخه» بعد أنْ رواهُ على الشَّكِّ أيضًا: وإنَّما يعرف هذا عن أبي مالكٍ الأشعريِّ. انتهى.
واختلفَ في اسمهِ فقيل: عبدُ الله بن هانئ، وقيل: عبدُ الله بن وهبٍ، وقيل: عبيدُ بن وهب، سكنَ الشَّام، وليس بعمِّ أبي موسى الأشعريِّ؛ إذ (٢) ذاك قتل أيَّام حنين في الزَّمن النَّبويِّ، وهذا بقيَ إلى زمن عبد الملك بنِ مروان (وَاللهِ مَا كَذَبَنِي) بتخفيف المعجمة، وهو مبالغةٌ في كمالِ صدقه أنَّه (سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء المفتوحة، الفرج، أي: يستحلُّون الزِّنا، وحكى القاضِي عياض تشديد الراء، وهو كذلك في الفرع أيضًا، والصَّواب -كما في «الفتح» -: التخفيف (وَ) يستحلُّون
стр. 10196
(الحَرِيرَ وَ) يستحلُّون (الخَمْرَ) شربًا، أي: يعتقدون حلَّها أو هو مجازٌ عن الاسترسالِ في شُربها كالاسترسالِ في الحلالِ (وَ) يستحلُّون (المَعَازِفَ) بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف زاي مكسورة ففاء، جمع: معزفة، آلات الملاهِي، أو هي الغناء. وفي «الصحاح»: هي آلات اللَّهو، وقيل: أصواتُ الملاهِي. وقال في «القاموس»: والمعازفُ: الملاهِي، كالعودِ والطُّنبور، الواحد عُزْفٌ أو مِعْزَف كمِنْبَر ومِكْنَسة، والعازفُ: اللَّاعب بها والمغنِّي. وفي «حواشي الدِّمياطي»: إنَّها الدُّفوف وغيرها ممَّا يُضرب به. وعند الإمام أحمد وابنِ أبي شيبة والبُخاري في «تاريخه» من طريقِ مالك بن أبي مريم، عن عبد الرَّحمن بن غنم، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، عن رسولِ الله ﷺ : «ليشربَنَّ أُنَاسٌ من أمَّتي الخمرَ يسمُّونها بغيرِ اسمها تغدُو عليهم القيانُ وتروحُ عليهم المعازفُ» (وَلَيَنْزِلَنَّ) بفتح اللام والتَّحتية وكسر الزاي (أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ) بفتح الجيم وسكون النون، وعَلَم -بفتحتين-: جبلٌ عالٍ أو رأسُ جبلٍ (يَرُوحُ عَلَيْهِمْ) أي: الرَّاعي (بِسَارِحَةٍ لَهُمْ) بمهملتين، بغنمٍ تسرحُ بالغداةِ إلى رعيها وتروحُ، أي: ترجعُ بالعشيِّ إلى مألفها (يَأْتِيهِمْ لِحَاجَةٍ) قال الحافظُ ابن حجرٍ: كذا فيه بحذفِ الفاعل. قال الكِرمانيُّ: التَّقدير: الآتي، أو الرَّاعي، أو المحتاج (١). قال الحافظُ ابن حجر: وقع عندَ الإسماعيليِّ: «يأتيهِمْ طالب حاجةٍ» قال: فتعين بعضُ المقدَّرات. انتهى.
قلتُ: وفي الفرع كأصله: «يعني: الفقير لحاجة» لكن على قولهِ: «يعني: الفقير» علامة السُّقوط لأبي ذرٍّ.
(فَيَقُولُوا) ولأبي ذرٍّ: «فيقولون (٢)»: (ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمُ اللهُ) من التَّبييتِ، وهو هجومُ العدوِّ ليلًا، والمراد: يُهْلكهم (٣) الله ليلًا (وَيَضَعُ العَلَمَ) أي: يوقع الجبلَ عليهم فيهلكَهم (وَيَمْسَخُ آخَرِينَ) أي: يجعل (٤) صورَ آخرين ممن لم يهلك من البيات المذكور (قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) أي: إلى مثل صورها حقيقةً، كما وقع لبعضِ الأمم السَّابقة، أو هو كنايةٌ عن تبدُّل أخلاقِهِم، والأوَّل أليقُ بالسِّياق، وفيه -كما قال الخطَّابي-: بيان أنَّ المسخَ يكون في
стр. 10197
هذهِ الأمة، لكن قال بعضُهم: إنَّما (١) المرادُ مسخُ القلوب.
ومطابقةُ الجزءِ الأوَّل من التَّرجمة للحديثِ ظاهرة، وأما الجزءُ الثَّاني ففي حديثِ مالك ابنِ أبي مريمَ المذكور: «لَيَشْرَبنَّ أناسٌ من أُمَّتي الخمرَ يُسَمُّونها بغيرِ اسمهَا» كما هو عادةُ المؤلِّف ﵀ في الإشارةِ بالتَّرجمة إلى حديث لم يكن على شرطهِ، وقال في «الكواكب»: أو لعلَّ نظر المؤلِّف إلى لفظ: «من أمَّتي» إذ فيه دليلٌ على أنَّهم استحلُّوها بالتَّأويل؛ إذ لو لم يكن بالتَّأويل لكان كفرًا وخروجًا (٢) عن أمَّته لأنَّ تحريمَ الخمر معلومٌ من الدِّين بالضَّرورة، وقيل: يحتملُ أن يقال: إنَّ الاستحلالَ لم يقعْ بعد وسيقعُ، وأن يقال: إنَّه مثل استحلالِ نكاحِ المتعةِ، واستحلالُ بعضِ الأنبذةِ، أي: المسكرة. انتهى.
ورجالُ حديث الباب كلُّهم شاميُّون.
(٧) (بابُ) حكم (الاِنْتِبَاذِ) أي: اتِّخاذ النَّبيذ (فِي الأَوْعِيَةِ وَالتَّوْرِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة، إناءٌ من حجارةٍ أو نحاسٍ أو خشبٍ، أو قدحٍ كبيرٍ كالقدرِ أو الطَّست، وعطفه على سابقه من عطفِ الخاص على العام.
٥٥٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البَغْلانيُّ، وسقط «ابن سعيد» لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الفارسيُّ المدنيُّ نزيل الإسكندريَّة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بنِ دينارٍ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلًا) هو ابنُ سعد الأنصاريُّ المدنيُّ، آخرُ من مات بالمدينة من الصَّحابة (يَقُولُ: أَتَى) بفتح الهمزة والفوقية (أَبُو أُسَيْدٍ) بضم الهمزة وفتح المهملة، مالك بن ربيعة (السَّاعِدِيُّ) ﵁ (فَدَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي عُرُسِهِ) بضم العين والراء في الفرع وأصله (٣)
стр. 10198
(فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ) أمُّ أسيدٍ سلامة بنتُ وهب بن سلامة (١)، وقوله: فكانت بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وكانت امرأته» (خَادِمَهُمْ) والخادمُ بغيرِ فوقيَّة يُطلق على الذَّكر والأنثى (وَهْيَ العَرُوسُ. قَالَ) أي: سهلٌ: (أَتَدْرُونَ مَا سَقَتْ) بسكون المثناة الفوقية من غير تحتية، أي: المرأةُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قالت» أي: المرأة: «أتدرونَ ما سقيتُ» (رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ أَنْقَعْتُ) بسكون العين وضم الفوقية، ولغير الكُشميهنيِّ: «أَنْقَعَتْ» أي: قال سهل: أنقعتْ المرأة (لَهُ) ﷺ (تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ) زاد في «الوليمة» [خ¦٥١٨٢] من حجارةٍ، أي: لا من غيرها. وعند ابنِ أبي شيبة في رواية أشعث، عن أبي الزُّبير، عن جابر: «كان النَّبيُّ ﷺ ينبذ له في سقاءٍ، فإذا لم يكن سقاء ينبذُ له في تورٍ». قال أشعثُ: والتَّور من لحاءِ الشَّجر. وعند مسلمٍ عن عائشة: «كنَّا ننبذُ لرسولِ الله ﷺ في سقاءٍ نوكئ أعلاه فيشربه عشاءً، وننبذُه عشاء فيشربُه غدوةً». ولأبي داود من وجهٍ آخر عن عائشة: «أنَّها كانت تنبذُ للنَّبيِّ ﷺ غدوةً فإذا كان من العشيِّ تعشَّى فشرب (٢) على عشائهِ، فإن فضلَ شيءٌ صَبَّتُه ثمَّ يُنْبَذُ له باللَّيل، فإذا أصبحَ وتغدَّى شربَ على غدائهِ قالتْ: نغسلُ السِّقاء غدوةً وعشيَّةً».
وحديث الباب سبق في «باب قيام المرأةِ على الرِّجال» من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥١٨٢].
(٨) (بابُ تَرْخِيصِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في الانتباذِ (فِي الأَوْعِيَةِ وَالظُّرُوفِ بَعْدَ النَّهْيِ) عن الانتباذِ فيها، وعطف الظُّروف على سابقها من عطفِ الخاصِّ على العامِّ.
стр. 10199
٥٥٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطَّان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) بضم الزاي، نسبةً إلى زبير أحد أجدادهِ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ أبي الجعد (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ عَنِ) الانتباذِ في (الظُّرُوفِ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: إِنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا مِنْهَا) من الظُّروف (قَالَ) ﷺ : إذا كان لا بدَّ لكم منها (فَلَا) ينهى (٢) عن الانتباذِ فيها (إِذًا) فالنَّهيُ كان قد وردَ على تقدير عدم الاحتياج، ويحتمل أن يكون الحكمُ في هذه المسألة مفوَّضًا لرأيه ﷺ أو أوحيَ إليه في الحال بسرعة، وعند أبي يعلى وصحَّحه ابن حبَّان من حديث الأشجِّ العصريِّ (٣) أنَّه ﷺ قال لهم: «ما لي أرى وجوهَكُم قد تغيَّرت؟» قالوا: نحن بأرض وخمةٍ، وكنَّا نتَّخذ من هذه الأنبذةِ ما يقطع اللُّحمان في بُطوننا، فلما نهيتنا عن الظُّروف فذلك الَّذي ترى في وجوهنَا، فقال ﷺ : «إنَّ الظُّروف لا تحلُّ ولا تحرِّم، ولكن كلُّ مسكرٍ حرامٌ».
(وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بن خيَّاط شيخ المؤلِّف، ممَّا رواه عنه مذاكرةً: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، رافع الأشجعيِّ الكوفيِّ (عَنْ جَابِرٍ) أي: الأنصاريِّ ﵁ (بِهَذَا) الحديث المذكور، وقوله: «عن جابر» ثابتٌ لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ.
وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (بِهَذَا) الحديث السَّابق (وَقَالَ) أي: سفيان (فِيهِ: لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ) الانتباذ في (الأَوْعِيَةِ).
стр. 10200
٥٥٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن عبد الله» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ مُجَاهِدٍ) هو: ابنُ جبر (عَنْ أَبي عِيَاضٍ) بكسر العين وتخفيف التحتية، عَمرو بن الأسود، أو قيس بن ثعلبة، وقيل غير ذلك، ورجَّح الأول ابن عبد البرِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاصي (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ) الانتباذِ في (الأَسْقِيَةِ) كذا وقعَ في هذه الرِّواية، والرِّواية الرَّاجحة بلفظ: «الأوعية» وهي رواية (١) عبد الله بن محمد عن سفيان السَّابقة، وهي مؤخرة في رواية غير أبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ عن هذا الحديث، وهو الأليقُ لما فيه من الإشارة إلى ترجيحِ الأوعيةِ، وهو الَّذي رواه أكثرُ أصحاب ابن عُيينة عنه، وحمل بعضُهم رواية: «الأسقية» على سقوطِ أداة الاستثناء من الرَّاوي، والتَّقدير: نهى عن الانتباذِ إلَّا في الأسقيةِ، ولم ينه ﷺ عن الأسقيةِ وإنَّما نهى عن الظُّروف وأباحَ الانتباذ في الأسقيةِ؛ لأنَّ الأسقيةَ يتخلَّلها الهواء من مسامها فلا يُسرع إليها الفسادُ كإسراعه إلى غيرها من الجرارِ ونحوها ممَّا نهى عن الانتباذِ فيه، وأيضًا فالسِّقاء إذا نبذ فيه ثمَّ ربطَ أُمِنت شدة الإسكارِ بما يشرب منه لأنَّه متى تغيَّر وصار مسكرًا شق الجلد، فما لم يشقه فهو غير مُسكرٍ بخلاف الأوعية لأنَّها قد يصير النَّبيذ فيها مسكرًا ولا يعلم به، ويجوزُ أن يكون قوله: نهى عن الأسقيةِ، أي: عن الأوعيةِ، واختصاص اسم الأسقيةِ بما يُتَّخذ من الأُدُْم إنَّما هو بالعرفِ، فإطلاق السِّقاء على كلِّ ما يستقى منه جائزٌ، وحينئذٍ فلا غلطَ في الرِّواية ولا سقطَ (قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ سِقَاءً) أي: وعاء، وفي رواية زياد بنِ فياض أنَّ قائلَ ذلك أعرابي (فَرَخَّصَ لَهُمْ) ﷺ في الانتباذِ (فِي الجَرِّ) بفتح الجيم وتشديد الراء، جمع جرَّةٍ، إناء يُتَّخذ من فخار (غَيْرِ المُزَفَّتِ) لأنَّه أسرعُ في التَّخمير.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربةِ»، وكذا أبو داود، والنَّسائي، وزاد في «الوليمةِ».
стр. 10201
٥٥٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أو ابن عُيينة، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمش (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) ابن يزيد (١) (التَّيْمِيِّ) العابد (عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) التَّيميِّ أيضًا (عَنْ عَلِيٍّ ﵁¬) أنَّه (قال: نَهَى النَّبِيُّ (٢) ﷺ عَنِ) الانتباذِ في (الدُّبَّاءِ) القرع (وَ) عن الانتباذِ في (المُزَفَّتِ) من الجرارِ.
وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عُثْمَانُ) ابنُ أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران، عن (٣) عليِّ بن أبي طالبٍ (بِهَذَا) الحديثِ السَّابق.
٥٥٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُثْمَانُ) ابنُ أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (٤) (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ أنَّه قال: (قُلْتُ لِلأَسْوَدِ) ابن يزيد: (هَلْ سَأَلْتَ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (عَمَّا يُكْرَهُ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ) من الأوعية؟ (فَقَالَ) الأسودُ: (نَعَمْ) سألتُها (قُلْتُ) لها: (يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ عَمَّا) بألف بعد الميم المشددة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «عَمَّ» بإسقاطها (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ) من الأوعيةِ (قَالَتْ: نَهَانَا) ﷺ (فِي ذَلِكَ أَهْلَ البَيْتِ) بنصب أهلَ على الاختصاصِ، أو على البدلِ من الضَّمير، وثبتَ قولهُ: «في ذلك»
стр. 10202
لغيرِ أبي ذرٍّ (١)، ولابنِ عساكر: «نُهِينَا (٢)» بضم النون وكسر الهاء وتحتية ساكنة بدل الألف (أَنْ نَنْتَبِذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالمُزَفَّتِ) قال إبراهيمُ النَّخعيُّ: (قُلْتُ: أَمَا) بالتَّخفيف (ذَكَرَتِ الجَرَّ) بفتح الراء وكسر المثناة الفوقية في «اليونينيَّة»، وفي الفرع بسكون الراء، ولعلَّه سبقُ قلمٍ (وَالحَنْتَمَ) بفتح الحاء المهملة وسكون النون (قَالَ) الأسود لإبراهيم: (إِنَّمَا أُحَدِّثُكَ مَا سَمِعْتُ) أي: من عائشة (أُحَدِّثُ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟) استفهام إنكاري سقطَتْ منه الأداة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أفأحدث»، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «أفنحدِّث» بنون الجمع بدل الهمزة، وعند الإسماعيليِّ (٣): «أفأحدِّثك ما لم أسمع؟».
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربةِ»، وكذا النَّسائيُّ فيه وفي «الوليمةِ».
٥٥٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) بفتح الشين المعجمة، سليمان بن أبي سليمان فيروز (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) علقمة الأسلميَّ (¬﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ) الانتباذ في (الجَرِّ الأَخْضَرِ) وعند ابنِ أبي شيبة عن أنسٍ: «أنَّها جرارٌ مُقَيَّرة الأجوافِ يُؤتى بها من مصرَ». وزاد بعضُهم عن عائشةَ: «أعناقُها في جُنُوبها». وعن عطاء: متَّخَذة من طينٍ ودمٍ وشعرٍ. قال الشَّيبانيُّ: (قُلْتُ) لعبد الله بنِ أبي أوفى: (أَنَشْرَبُ فِي) الجرِّ (الأَبْيَضِ؟ قَالَ) ابنُ أبي أوفى: (لَا) تشربوا فيها لأنَّ الحكمَ فيها كالأخضرِ، وحينئذٍ فالوصفُ بالخضرةِ لا مفهومَ له، فذكرها (٤) لبيانِ الواقعِ لا للاحترازِ، والحكمُ منوطٌ بالإسكارِ، والآنيةُ لا تحرِّم ولا تحلِّل.
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «الأشربةِ» أيضًا.
стр. 10203
(٩) (بابُ) جواز شرب (نَقِيعِ التَّمْرِ مَا) وفي نسخة: «إذا» (لَمْ يُسْكِرْ) فإن أسكرَ حرم.
٥٥٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد الله بنِ بكير الحافظ، أبو زكريا المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَارِيُّ) بالقاف والراء والتحتية المشددة، نسبة إلى القارةِ قبيلة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ) ثبت لفظ: «السَّاعدي» لأبي ذرٍّ (أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ) بضم الهمزة وفتح السين المهملة، مالكَ بنَ ربيعة (السَّاعِدِيَّ دَعَا النَّبِيَّ ﷺ لِعُرْسِهِ) بضم العين، وبالراء المهملتين (فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ) أم أسيد، سلامةُ (خَادِمَهُمْ) بغير فوقية بعد الميم (يَوْمَئِذٍ وَهْيَ العَرُوسُ، فَقَالَتْ) أمُّ أسيد: (مَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «هل» (تَدْرُونَ مَا أَنْقَعْتُ) بسكون العين (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ أَنْقَعْتُ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ) قال في «الفتح»: وتقييدُه (١) في التَّرجمة بما لم يُسكر مع أنَّ الحديثَ لا تعرضَ فيه للسُّكر لا إثباتًا ولا نفيًا من جهةِ أنَّ المدَّة الَّتي ذكرهَا سهلٌ وهي من اللَّيل إلى النَّهار لا يحصلُ فيها التَّغير جملة. وفي حديثِ ابن عبَّاس عند مسلمٍ: «كان رسولُ الله ﷺ ينبذُ له أوَّل اللَّيل، فيشربه إذا أصبحَ يومه ذلك، واللَّيلة الَّتي تجيءُ والغد واللَّيلة الأُخرى والغد إلى العصرِ، فإن بقيَ شيء منها سقاهُ الخادم، أو أمرَ به فَصُبَّ».
قال المُظَهَّريُّ: وإنَّما لم يشربه لأنَّه كان رديئًا ولم يبلغ حدَّ الإسكارِ، فإذا بلغَ صبَّه، وهو يدلُّ على جوازِ شربِ المنبوذ ما لم يكن مسكرًا، وعلى جوازِ أن يُطعم السَّيِّد مملوكَه طعامًا أسفل ويَطْعَم هو أعلى، ولا يخالفُ هذا حديث عائشة: «ننبذُهُ غدوةً فيشربه عشيًّا» لأنَّ
стр. 10204
الشُّرب في يومٍ لا يمنعُ من الزِّيادة، أو لعلَّ (١) حديث عائشة كان في زمان الحرِّ (٢) حيث يخشى فسادُه، وحديث ابن عبَّاس في زمان يؤمن فيه التَّغير (٣) قبل الثَّلاث، وقال النَّوويُّ: هو على اختلافِ حالين إن ظهرَ فيه شدَّةٌ صَبَّه، وإن لم يظهرْ شدَّة سقاهُ الخدمَ (٤) لئلا يكون فيه إضاعة مالٍ، وإنَّما تركَه هو تنزهًا.
وهذا الحديث قد مرَّ قريبًا في «باب الانتباذ» [خ¦٥٥٩١].
(١٠) (باب البَاذَِقِ) بفتح الباء والمعجمة بينهما ألف وآخره قاف. وقال في «القاموس»: بكسر الذال وفتحها، ما طُبِخَ من عصيرِ العنب أدنى طبخةٍ فصار شديدًا. وقال الجواليقيُّ: أصله: باذه (٥)، وهو أن يُطبَخَ العصيرُ حتَّى يصيرَ مثل طلاءِ الإبلِ. وقال ابن قُرْقُول: المطبوخُ من عصيرِ العنب إذا أسكرَ أو إذا طبخَ بعد أن اشتدَّ. وقال في «المحكم»: هو من أسماءِ الخمر (وَ) ذِكْرِ (مَنْ نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ مِنَ الأَشْرِبَةِ) لحديث: «كلُّ مسكرٍ حرامٌ».
(وَرَأَى عُمَرُ) بن الخطَّاب، مما أخرجه مالك في «الموطأ» (وَأَبُو عُبَيْدَةَ) ابن الجرَّاح (وَمُعَاذٌ) هو ابن جبل، ممَّا وصله عنهما أبو مسلم الكجيُّ وسعيد بن منصورٍ وابن أبي شيبة (شُرْبَ الطِّلَاءِ) أي: رأوا جواز شربهِ إذا طُبِخَ فصار (عَلَى الثُّلُثِ (٦)) وذهبَ ثلثاه، وقد صرَّح (٧)
стр. 10205
بعضُهم بأنَّ المحذور منه السُّكر (١) فمتى أسكرَ حرمَ.
(وَشَرِبَ البَرَاءُ) بن عازبٍ ممَّا أخرجه ابنُ أبي شيبة (وَأَبُو جُحَيْفَةَ) وهبُ بنُ عبد الله ممَّا أخرجه ابنُ أبي شيبة أيضًا، الطِّلاءَ إذا طُبِخَ فصار (عَلَى النِّصْفِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله النَّسائي لرجل سأله عن العصير: (اشْرَبِ العَصِيرَ مَا دَامَ طَرِيًّا) زاد النَّسائيُّ: قال: «إنِّي طبختُ شرابًا، وفي نفسي منه شيءٌ. قال: كنت شاربَه قبل أن تطبخَه؟ قال: لا، قال: فإنَّ النَّار لا تحلُّ شيئًا قد حرم». وهذا تقييدٌ لما أُطْلِقَ في الآثارِ الماضية، وهو أنَّ الَّذي يطبخُ إنَّما هو العصيرُ الطَّريُّ قبل أن يتخمَّرَ، أما لو صار خمرًا فطبخَ فإنَّ الطَّبخ لا يطهِّره ولا يحلُّه إلَّا على رأي من يجيزُ تخليلَ الخمرِ، والجمهورُ على خلافهِ (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطاب ﵁ ممَّا وصلَه مالك: (وَجَدْتُ مِنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر بنِ الخطَّاب (رِيحَ شَرَابٍ) فزعمَ أنَّه شرب الطِّلاء (وَأَنَا سَائِلٌ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ) فسأل عنه فوجدَه مسكرًا (٢) فجلدَه بعد أن أقرَّ أو بالبيِّنة.
٥٥٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة، العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي الجُوَيْرِيَةِ) بضم الجيم مصغَّرًا، حِطَّان -بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملتين وبعد الألف نون- ابن خُفَاف -بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء الأولى- الجَرْميِّ؛ بالجيم والراء (قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ البَاذَِقِ) قيل: وكان أوَّل من صنعَه (٣) وسمَّاه بنو أميَّة لينقلوهُ عن اسم الخمر (فَقَالَ: سَبَقَ مُحَمَّدٌ) ﷺ (البَاذَقَ، فَمَا أَسْكَرَ فَهْوَ حَرَامٌ) والباذَق: بالنَّصب على المفعوليَّة، أي: سبقَ حكمه ﷺ بتحريم الخمرِ تسميتهم إيَّاها بالباذَِقِ حيث قال: «ما أسكَرَ فهو حرامٌ» فليس التَّحريم منوطًا بمجرَّد الاسم حتَّى يكون تغييرهُ مغيِّرًا
стр. 10206
للحكمِ، وإنَّما الاعتبارُ بالإسكارِ، فإن وجد فالتَّحريم ثابت سواء سمِّي المسكر باسمه الَّذي كان أو غيِّر إلى اسمٍ آخر. وقال الحافظ أبو ذرٍّ -ممَّا رأيته في هامش «اليونينيَّة» -: إنَّ الاسمَ حدثَ بعد الإسلامِ، ونقلَ في «الفتح» عن أبي اللَّيث السَّمَرْقنديِّ أنَّه قال: شاربُ المطبوخِ إذا كان يُسكر أعظمُ ذنبًا من شارب الخمرِ؛ لأنَّ شارب الخمرِ يشربها وهو يعلمُ أنَّه عاصٍ بشربها، وشاربُ المطبوخ يشربُ المسكر ويراه حلالًا، وقد قام الإجماعُ على أنَّ قليلَ الخمر وكثيرَه حرام، ومن استحلَّ ما هو حرامٌ بالإجماعِ كفرَ (قَالَ) أبو الجويرية: الباذَق: هو (الشَّرَابُ الحَلَالُ الطَّيِّبُ) لأنَّه عصير العنبِ الحلال الطَّيِّب (قَالَ) ابن عبَّاس: اشربِ (١) الحلالَ الطَّيِّب فإنَّه (لَيْسَ بَعْدَ الحَلَالِ الطَّيِّبِ إِلَّا الحَرَامُ الخَبِيثُ) حيث تغير عن حالتهِ الأولى إلى الخمريَّة.
٥٥٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ولأبي ذرٍّ: «عبد الله بنُ محمد بنِ أبي شيبة» قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حماد بنُ أسامة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ ابْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ الحَلْوَاءَ) بفتح الحاء المهملة وبالمدِّ، ما دخلته الصَّنعة جامعًا بين الحلاوةِ والدُّسومة (وَالعَسَلَ) قال الخطَّابيُّ: وليس حبه ﷺ لهما على مَعنى كثرةِ التَّشهي لهما، وإنَّما إنَّه إذا (٢) قُدِّما نالَ منهما نيلًا صالحًا. وقال في «الكواكب»: ومناسبة الحديثِ للبابِ بيان أنَّ العصيرَ المطبوخ إذا لم يكن مُسكرًا فهو حلالٌ، كما أنَّ الحلواءَ تُطْبَخُ وتَنْعَقدُ، والعسلُ يُمْزَجُ بالماءِ (٣) فيُشرَبُ في ساعتهِ، ولا شكَّ في طيبهِ وحلِّه.
وهذا الحديث سبق في «باب الحلواء والعسل»، من «الأطعمةِ» [خ¦٥٦١٤].
стр. 10207
(١١) (باب مَنْ رَأَى أَنْ لَا يَخْلِطَ) بفتح التحتية وكسر اللام (البُسْرَ وَالتَّمْرَ) بالنصب على المفعولية (إِذَا كَانَ) خلْطُهُما (مُسْكِرًا) قال ابنُ بطَّال: قولهُ: إذا كان (١) مُسكرًا خطأ لأنَّ (٢) النَّهي عن الخليطين عامٌّ وإن لم يُسكر كثيرهما لسرعةِ سريان الإسكارِ إليهما من حيث لا يشعر صاحبه به، فليس النَّهي عن الخليطين لأنَّهما يسكران حالًا، بل لأنَّهما يُسكران مآلًا، فإنَّهما إذا كانا مُسكرين في الحالِ لا خلاف في النَّهي عنهما. قال الكِرمانيُّ: فعلى هذا فليس هو خطأ، بل يكون أُطْلِقَ على سبيلِ المجازِ وهو استعمالٌ مشهورٌ، وأجاب ابن المنيِّر بأنَّ ذلك لا يَرِدُ على البخاريِّ، إمَّا لأنَّه (٣) كان يرى جوازَ الخليطين (٤) قبل الإسكار، وإما لأنَّه (٥) ترجمَ على ما يُطابق الحديث الأوَّل وهو حديث أنسٍ المذكور في البابِ (٦)، فإنَّه لا شكَّ (٧) أنَّ الَّذي كان يسقيه للقوم حينئذٍ كان مسكرًا، ولهذا دخلَ عندهُم في عمومِ تحريمِ (٨) الخمر حتَّى قال أنسٌ: «وإنَّا لنعدُّها يومئذٍ الخمر» فدلَّ على أنَّه كان مسكرًا. قال: وأما قولهُ: وأن لا يجعل إدامين في إدامٍ، فيطابقُ حديث جابرٍ وأبي قتادةَ، ويكون النَّهي معلَّلًا بعلل مستقلَّة، إمَّا تحقق إسكارِ الخمر الكثيرِ، وإمَّا توقع الإسكارِ بالخلطِ سريعًا، وإمَّا الإسراف والشَّره، والتَّعليل بالإسرافِ مبيَّن في حديث النَّهي عن قرانِ التَّمر.
وقال ابنُ حجر: والَّذي يظهرُ لي أنَّ مرادَ البخاريِّ بهذه التَّرجمة الردُّ على مَن أَوَّلَ النَّهيَ عن الخليطِ بأحد تأويلين:
أحدهما: حملُ الخليطِ على المخلوطِ وهو أن يكونَ نبيذ تمرٍ وحدَه مثلًا قد اشتدَّ، ونبيذُ
стр. 10208
زبيبٍ وحدَه مثلًا قد اشتدَّ، فيُخْلَطان ليصيرا خلًّا فيكون النَّهي من أجلِ تعمد التَّخليل، وهذا مطابقٌ للتَّرجمة من غير كُلْفة.
ثانيهما: أن تكون علَّة النَّهي عن الخلطِ الإسراف، فيكون كالنَّهي عن الجمعِ بين الأُدْمَيْن (١).
وأما قولهُ: (وَأَنْ لَا يَجْعَلَ إِدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ) بكسر الهمزة فيهما، فيوافقُ (٢) حديث جابرٍ: «نهى النَّبيُّ ﷺ عن الزَّبيب والتَّمر والبسر والرُّطب»، وقولَ أبي قتادة: «نهى أنْ يجمعَ … » إلى آخره، فيكون النَّهي معللًا بعللٍ مستقلَّة، إمَّا تحقُّق (٣) إسكارِ الخمرِ الكثير، وإمَّا توقُّع الإسكارِ بالاختلاطِ سريعًا، وإمَّا الإسراف. والتَّعليلُ بالإسرافِ مبيَّن في حديث النَّهي عن قران (٤) التَّمر، هذا والتَّمر كان من نوعٍ واحدٍ فكيف بالتَّعدد، وقد تحرَّج عمر ﵁ من الجمع بين إدامين، فروي: «أنَّه كان كثيرًا ما يسألُ حذيفة، هل عدَّه رسول الله ﷺ في المنافقين؟ فيقول: لا، فيقول: هل رأيتَ فيَّ شيئًا من خلال النِّفاق؟ فيقول: لا، إلَّا واحدة قال: وما هيَ؟ قال: رأيتُك جمعتَ بين إدامين على مائدة ملحٍ وزيتٍ، وكنَّا نعدُّ هذا نفاقًا، فقال عمرُ: لله عليَّ أن لا أجمعَ بينهما، فكان لا يأكلُ إلَّا بزيتٍ خاصة أو بملحٍ خاصة»، وهذا إنَّما هو طلب للمعالي من الزُّهد والتَّقلل، وإلَّا فلا خلاف أنَّ الجمع بينهما مباحٌ بشرطه.
٥٦٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيم الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: إِنِّي لأَسْقِي) بفتح الهمزة وكسر القاف (أَبَا طَلْحَةَ) زوج أمِّ أنسٍ (وَأَبَا دُجَانَةَ) بضم الدال وتخفيف الجيم، سماكًا الأنصاريَّ السَّاعديَّ (وَسُهَيْلَ ابْنَ البَيْضَاءِ) بضم السين مصغَّرًا (خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ) أي: خمرًا متَّخذًا من خليطهمَا (إِذْ حُرِّمَتِ
стр. 10209
الخَمْرُ) حرَّمها الله تعالى بما أنزلَ على رسولهِ ﷺ (فَقَذَفْتُهَا) بالذال المعجمة (وَأَنَا سَاقِيهِمْ وَأَصْغَرُهُمْ، وَإِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (نَعُدُّهَا يَوْمَئِذٍ الخَمْرَ).
وهذا الحديثُ سبق قريبًا.
(وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ) بفتح العين المهملة: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة أنَّه (سَمِعَ أَنَسًا) ﵁، وهذا وصله مسلمٌ والبيهقيُّ، وفائدته: بيانُ سماع (١) قتادةَ لأنَّ الرِّواية المتقدِّمة بالعنعنةِ.
٥٦٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) الأنصاريَّ (¬﵁ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) نهي تنزيهٍ، وعن بعضِ المالكيَّة: نهيَ تحريم (عَنِ) الجمع بين (الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَ) عن الجمع بين (البُسْرِ وَالرُّطَبِ) تنبيذًا لأنَّ الإسكارَ يسرعُ إليه بسبب الخلطِ قبل أن يشتدَّ، فيظن الشَّارب أنَّه لم يبلغْ حدَّ الإسكارِ ويكون قد بلغَه.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربةِ»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الوليمة».
٥٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيم قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارثِ بنِ رِبْعيِّ الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ) بالفوقية وسكون الميم (وَالزَّهْوِ) وهو البُسْرُ الملون (وَ) بين (التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) لأنَّ أحدهما يشتد به الآخر فيُسرع الإسكار (وَلْيُنْبَذْ) بسكون اللام وفتح الموحدة مبنيًّا للمفعول (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي: من كلِّ اثنين منهما، فيكون الجمعُ بين الأكثر بطريقِ الأولى (عَلَى حِدَةٍ) بكسر الحاء وفتح الدال المخففة المهملتين بعدها
стр. 10210
هاء، أي: وحدَه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على حدته»، وفي حديث أبي سعيدٍ عند مسلم: «مَن شربَ منكمْ النَّبيذ فليشربْه زبيبًا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسرًا فردًا» وهل إذا خلط نبيذ البسر الَّذي لم يشتدَّ مع نبيذ التَّمر الَّذي لم يشتد يمتنعُ، أو يختصُّ النَّهي عن الخلطِ عند الانتباذ (١)؟ فقال الجمهورُ: لا فرقَ ولو لم يسكرْ، وقال الكوفيون بالحلِّ، ولا خلاف أنَّ العسلَ باللَّبن ليس بخليطين لأنَّ اللَّبن لا ينبذ. واختُلف في الخليطينِ للتَّخليل.
وهذا الحديث أخرجهُ مسلمٌ في «الأشربةِ»، وكذا أبو داود، وأخرجَه النَّسائيُّ في «الوليمةِ»، وابن ماجه في «الأشربةِ».
(١٢) (بابُ) جوازِ (شُرْبِ اللَّبَنِ) وهو بمفردهِ غير مسكر. نعم، قد يقع نادرًا بصفة تحدث فيه وحينئذٍ فيحرم شربه إن علمَ ذهابَ عقلهِ به. وفي حديثِ ابنِ سيرين عند سعيدِ بن منصورٍ «أنَّه سمعَ ابن عمر يسألُ عن الأشربةِ، فقال: إنَّ أهلَ كذا يتخذونَ من كذا وكذا خمرًا حتى عدَّ خمسةَ أشربةٍ لم أحفظْ منها إلَّا العسلَ والشَّعير واللَّبن. قال: فكنت أهابُ أن أحدِّث باللَّبن حتَّى أنبئت أنَّه بأرمينيَّة يُصْنَعُ شرابٌ من اللَّبن لا يلبثُ صاحبُه أن يُصرَع»، قاله في «الفتح».
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: « » (٢): (﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا﴾) أي: يخلق اللَّبن وسطًا بين الفرثِ والدَّم يكتنفانهِ وبينه وبينهما برزخٌ لا يَبْغِي أحدهما عليه بلونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ، بل هو خالصٌ من ذلك كلِّه. قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقرَّ في كرشِهَا طبخته فكان أسفلُه فرثًا وأوسطُه لبنًا وأعلاهُ دمًا، والكبدُ مُسلَّطة على هذه الأصنافِ الثَّلاثة تقسمها فتجرِي الدَّم في العروقِ واللَّبن في الضُّروع ويبقى الفرثُ في الكرشِ ثمَّ ينحدرُ، وفي ذلك عبرةٌ لمن اعتبرَ. وسئل شقيقٌ عن الإخلاصِ فقال: الإخلاصُ: تمييز العملِ من العيوبِ كتمييزِ اللَّبن من بينِ فرثٍ ودمٍ (﴿سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]) سهل المرور في الحلقِ، ويقال: لم يغص
стр. 10211
أحدٌ باللَّبن قط، ومِن الأولى للتبعيضِ لأنَّ اللَّبن بعض ما في بُطونها، والثَّانية لابتداءِ الغايةِ، وسقط قولُه: «﴿لَّبَنًا خَالِصًا﴾» لأبي ذرٍّ.
٥٦٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) اسمه عبدُ الله بن عثمان المَرْوزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المَرْوزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أُتِيَ) بضم الهمزة وكسر الفوقية (رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) إلى بيت المقدس (بِقَدَحِ لَبَنٍ وَقَدَحِ خَمْرٍ) زاد في أوَّل «كتاب الأشربةِ»: «فنظرَ إليهما ثمَّ أخذ اللَّبن، فقال جبريلُ: الحمدُ لله الَّذي هداكَ للفطرةِ، ولو أخذتَ الخمرَ غوتْ أمَّتك» [خ¦٥٥٧٦]. وبذلك تتمُّ المطابقةُ بين التَّرجمة والحديث على ما لا يخفَى.
٥٦٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بنُ الزُّبير أنَّه (سَمِعَ سُفْيَانَ) بن عُيينة يقول: (أَخْبَرَنَا سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَيْرًا) بضم العين وفتح الميم (مَوْلَى أُمِّ الفَضْلِ) زوج العبَّاس بن عبد المطَّلب (يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ الفَضْلِ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: شَكَّ النَّاسُ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ) بعرفة (١) (فَأَرْسَلْتُ) بسكون اللام وضم الفوقية (إِلَيْهِ) ﷺ (بِإِنَاءٍ) ولأبي ذرٍّ: «فأرسلتْ إليه أمُّ الفضل بإناءٍ» (فِيهِ لَبَنٌ فَشَرِبَ) منه ﷺ . قال الحميديُّ: (فَكَانَ (٢)) ولغير أبي ذرٍّ: «و (٣) كان» (سُفْيَانُ) بن عيينة (رُبَّمَا قَالَ: شَكَّ النَّاسُ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ) سقط لأبي ذرٍّ «يوم عرفة» (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ)
стр. 10212
صلوات الله وسلامه عليه (أُمُّ الفَضْلِ) أي: بإناءٍ فيه لبن (فَإِذَا وُقِّفَ) بضم الواو وبعدها قاف مشددة، ولأبي ذرٍّ: «ووقف» (عَلَيْهِ) بزيادة واو ساكنة بعد الواو المضمومة، أي: كان إذا أرسلَ الحديث، فلم يقلْ في إسناده: عن أمِّ الفضل، فإذا سئل عنه هل هو موصولٌ أو مرسلٌ (قَالَ: هُوَ عَنْ أُمِّ الفَضْلِ) فهو في قوَّة قولهِ هو موصولٌ.
والحديث تقدَّم في «الحج» [خ¦١٦٥٨] و «الصَّوم» [خ¦١٩٨٨].
٥٦٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ (١) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران الكوفيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (وَأَبِي سُفْيَانَ) طلحة بنِ نافع القرشيِّ كلاهما (عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد اللهِ) الأنصاريِّ ﵄ أنَّه (قَالَ: جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ) بضم الحاء مصغَّرًا، عبد الرَّحمن السَّاعديُّ (بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ) ليس مخمرًا (مِنَ النَّقِيعِ) بفتح النون وكسر القاف وبعد التحتية الساكنة عين مهملة، موضعٌ بوادِي العقيق حماه ﷺ لرعي الغنمِ كان يستنقعُ فيه الماء، أي: يجتمعُ، وقيل: هو غيره (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَّا) بفتح الهمزة وتشديد اللَّام، أي: هلَّا (خَمَّرْتَهُ) بخاء معجمة وميم مشددة مفتوحتين، غطَّيته (وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ) بفتح الفوقية وضم الراء، أي: ولو أن تنصبَ (عَلَيْهِ عُودًا) عرضًا. قيل: والحكمةُ في الاكتفاءِ بذلك اقترانه بالتَّسمية، فيكون العرضُ علامة على التَّسمية، فلا يقربه الشَّيطان.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في «الأشربة» أيضًا.
стр. 10213
٥٦٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضم العين، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بنُ غياث قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان (يَذْكُرُ -أُرَاهُ) بضم الهمزة (عَنْ جَابِرٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ -رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ- مِنَ النَّقِيعِ بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) غير مخمَّر (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) له: (أَلَّا) أي: هلَّا (خَمَّرْتَهُ) غطَّيته صيانةً من الشَّيطان؛ إذ إنَّه لا يكشف غطاء، ومن الوباء الَّذي قيل: إنَّه ينزلُ في ليلةٍ من السَّماء، ومن النَّجاسة والقاذوراتِ والحشرات ونحوها (وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ) تمدَّ (عَلَيْهِ عُودًا) عرضًا لا طولًا. قال الأعمش: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) طلحةُ بن نافع (عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا) الحديث، وأخرجه الإسماعيليُّ عن حفص بنِ غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر. وعن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة. والمحفوظُ عن جابر، ويأتي إن شاء الله تعالى بقوة الله الكلام على حكمِ تغطية الإناءِ قريبًا.
٥٦٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلان قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بالنون المفتوحة والمعجمة الساكنة، ابنُ شميل قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازب (¬﵁ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ) لما هاجرَ منها إلى المدينة (وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (مَعَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَرَرْنَا) في طريقنَا (بِرَاعٍ وَقَدْ) أي: والحال أنَّه قد (عَطِشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: فَحَلَبْتُ كُثْبَةً) بضم الكاف وسكون المثلثة بعدها موحدة مفتوحة، قطعةً من اللَّبن، أو ملءَ القدحِ، أو قدر حلبة ناقة (مِنْ لَبَنٍ فِي قَدَحٍ) وفي «الهجرةِ» أنَّه أمر الرَّاعي فحلبَ، فنسبَ الحلبَ لنفسه هنا على طريقِ المجاز (فَشَرِبَ) ﷺ منه (حَتَّى رَضِيتُ) أي: علمت أنَّه شبع (وَأَتَانَا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكر: «وأتاه» أي: النَّبيَّ ﷺ (سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ) بضم الجيم وسكون العين المهملة وضم الشين المعجمة، الكناني -بنونين- المُدْلِجيُّ أسلم آخرًا (عَلَى فَرَسٍ فَدَعَا عَلَيْهِ) النَّبيُّ ﷺ
стр. 10214
(فَطَلَبَ إِلَيْهِ) صلوات الله وسلامه عليه (سُرَاقَةُ أَنْ لَا يَدْعُوَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَرْجِعَ، فَفَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: فلم يدع عليه.
وهذا الحديث سبق في «الهجرة» [خ¦٣٩٠٨].
٥٦٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذكوان (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هُرمز الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللِّقْحَةُ) بكسر اللام وتفتح وسكون القاف وبالحاء المهملة، الناقةُ الحلوب (الصَّفِيُّ) بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد التحتية، الكثيرة اللَّبن، أي: مصطفاةٌ (١) مختارةٌ، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول يَستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث (مِنْحَةً) بكسر الميم وسكون النون وفتح الحاء المهملة نَصبٌ على التَّمييز، عطيَّة تعطيها غيرك ليحتلبَها ثمَّ يردَّها إليك (وَ) نعم الصَّدقة (الشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً) تعطيهَا غيرك فيحتلبَهَا (تَغْدُو) أوَّل النَّهار (بِإِنَاءٍ) من اللَّبن (وَتَرُوحُ) آخره (بِآخَرَ) بالمدِّ.
وفيه: إشارةٌ إلى أنَّ المستعير لا يستأصلُ لبنها. قاله في «الفتح».
والحديث سبق في «باب فضل المنيحةِ» من «العاريةِ» [خ¦٢٦٢٩].
٥٦٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك النَّبيل بنُ مخلدٍ (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بنِ مسعود (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ) منه (وَقَالَ: إِنَّ لَهُ) أي: اللَّبن (دَسَمًا) بفتحتين، بيان لعلَّة المضمضةِ منه.
стр. 10215
٥٦١٠ - (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء، الهرويُّ، ممَّا وصلَه أبو عَوَانة والإسماعيليُّ والطَّبرانيُّ في «معجمه الصغير» من طريقهِ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : رُفِعْتُ) بسكون العين المهملة وضم الفوقية، وللحَمُّويي والكُشميهنيِّ: «دفعت» «بالدال» المهملة بدل: «الراء»، (إِلَى السِّدْرَةِ) جار ومجرور، وقال في «الفتح»: «رُفِعَتْ» كذا للأكثر بضم الراء وكسر الفاء وفتح العين المهملة وسكون المثناة على البناءِ للمجهول، و «إليَّ» بتشديد التحتية، و «السِّدرةُ» مرفوعة، وللمُستملي: «دُفِعْتُ» بدَالٍ بدل الراء، وسكون العين وضم المثناة بنسبة الفعل إلى المتكلِّم، و «إلى» حرفُ جرٍّ، والمراد: سدرةُ المنتهَى، وسمِّيتْ بذلك لأنَّ علم الملائكة ينتهِي إليها ولم يجاوزْها أحدٌ إلَّا سيدنا محمد رسول (١) الله ﷺ وشَرَّفَ وكَرَّمَ، وعن ابنِ مسعود: وسمِّيتْ بذلك لكونها ينتهي إليها ما يهبطُ من فوقها وما يصعدُ من تحتهَا من أمرِ الله تعالى، ومعنى الرَّفع: تقريبُ الشَّيء، وكأنَّه أرادَ أنَّ سدرةَ المنتهى استبينتْ له بنعوتها كلَّ الاستبانة حتَّى اطَّلع عليها كلَّ الاطِّلاع بمثابة الشَّيء المقرب إليه (فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهَرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنَهَرَانِ بَاطِنَانِ، فَأَمَّا) النَّهران (الظَّاهِرَانِ) فهما (النِّيلِ) وهو نهرُ مصر (وَالفُرَاتِ) بضم الفاء والمثناة الفوقية المجرورة، وهو نهرُ الكوفةِ، وأصله: من أطرافِ أرمينيةَ (وَأَمَّا) النَّهران (البَاطِنَانِ فَنَهَرَانِ فِي الجَنَّةِ) وهما فيما قاله مقاتل: السَّلسبيل والكوثرُ، والظَّاهر: أنَّ النِّيل والفراتَ يخرجان من أصلهمَا ثمَّ يسيران حيثُ أرادَ الله، ثمَّ يخرجان من الأرضِ ويسيران فيها، وهذا لا يَمنَعُه شرعٌ ولا عقلٌ، وهو ظاهر الحديث فوجبَ المصيرُ إليه
стр. 10216
(فَأُتِيتُ) بفاء فهمزة مضمومة، ولأبي الوقتِ: «وأتيت» «بالواو» بدل: «الفاء»، (بِثَلَاثَةِ أَقْدَاحٍ) ومفهوم العددِ لا اعتبارَ له، فلا منافاةَ بين قولهِ هنا: بثلاثة، وقولهِ في السابق: قَدَحَانِ، وأيضًا فالقدحان قبل رفعه إلى السِّدرة، وهو في بيت المقدس، والثَّلاثة بعده وهو عند السدرة: أحدها: (قَدَحٌ فِيهِ لَبَنٌ، وَ)، الثَّاني: (قَدَحٌ فِيهِ عَسَلٌ، وَ)، الثَّالث: (قَدَحٌ فِيهِ خَمْرٌ، فَأَخَذْتُ الَّذِي فِيهِ اللَّبَنُ فَشَرِبْتُ، فَقِيلَ لِي: أَصَبْتَ الفِطْرَةَ) أي: علامةَ الإسلام والاستقامةِ (أَنْتَ) تأكيدٌ للضَّمير الَّذي في أصبتَ (وَ) لتصبْ (أُمَّتُكَ) قال ابنُ المنيِّر: ذكر السِّر في عدولهِ عن الخمرِ ولم يذكرْ في عدولهِ عن العسلِ. وظاهرهُ: تفضيلُ اللَّبن على العسلِ لأنَّه الأيسرُ والأنفعُ، وهو بمجردهِ قوت وليس من الطَّيِّبات الَّتي تدخلُ في السَّرف بوجهِ، وهو أقربُ إلى الزُّهد، فكأنَّه ترك العسلَ الَّذي هو حلال لأنَّه من اللَّذائذ الَّتي يخشى على صاحبها أنْ يندرجَ في قولهِ : ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وأما اللَّبن فلا شبهةَ فيه ولا منافاةَ بينه وبين الورعِ بوجه، وأمَّا ما وردَ من محبَّته ﷺ للعسلِ فعلى وجهِ الاقتصادِ في تناولهِ لا أنَّه جعلَه ديدنًا، والنَّبيُّ ﷺ مشرِّع يفعل ما يجوزُ للبيان.
(وَقَالَ هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (وَسَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عَرُوبة، فيما وصلَه المؤلِّف عنهما في «باب ذكر الملائكة» من «كتاب بدء الخلقِ» [خ¦٣٢٠٧] (وَهَمَّامٌ) بتشديد الميم الأولى، ابنُ يحيى، كلُّهم (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الأَنْهَارِ) أي: اتَّفقوا من متن الحديثِ على ذكر الأنهار (نَحْوَهُ) أي: نحو المذكور في الحديثِ السَّابق (١) (وَلَمْ يَذْكُرُوا) هؤلاء (٢) في روايتِهِم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ولم يذكر» أي: هشام (ثَلَاثَةَ أَقْدَاحٍ) في روايتهِ (٣).
стр. 10217
(١٣) هذا (١) (بابُ اسْتِعْذَابِ المَاءِ) أي: طلبُ الماء الحلو.
٥٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ القعنبيُّ الحارثيُّ، أحدُ الأعلام (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحةَ (أَنَّهُ سَمِعَ) عمَّه (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد الأنصاريُّ (أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ مَالًا) نصبٌ على التَّمييز (مِنْ نَخْلٍ) الجار للبيان (وَكَانَ أَحَبَّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ) برفع الراء اسمُ كان، وأحبَّ نصب خبرها، أو أحبُّ اسمها وبيرَ خبرها، وحاء بالهمز والمد، ولأبي ذرٍّ بالقصر، واختلف في فتح الموحدة وكسرها، وهل بعدها همزة ساكنة، أو تحتية، أو (٢) غير ذلك ممَّا سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] فارجع إليه إن أردتَه ففيه ما يكفي ويشفي، وفي «الفائق» أنَّها فَيْعَلا (٣) مِنَ البَرَاح، وهي الأرض الظَّاهرة (٤) (وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَ المَسْجِدِ) وفي رواية أبي ذرٍّ -كـ «الزكاة» -: «مستقبلة المسجد» (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ) بالجرِّ صفة للمجرورِ (قَالَ أَنَسٌ) ﵁: (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ) (يَقُولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ﴾) أي: لن (٥) تكونوا أبرارًا محسنين، فكأنَّه (٦) جعلَ البر شيئًا متناولًا مبالغة (﴿حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي) بالإفراد (إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ) ولأبي ذرٍّ:
стр. 10218
«بيرحا» بالقصرِ (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ أَرْجُو بِرَّهَا) خيرَها (وَذُخْرَهَا) بضم الذال وسكون الخاء المعجمتين، أي: أقدمها فأدَّخرها لأجدها (١) (عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَخٍ) فيه لغتان: إسكان الخاء، وكسرها منوَّنة، كلمة يقولها المتعجِّب من الشَّيء، وعند المدح والرِّضا بالشَّيء، وقد تكرَّر للمبالغةِ، فيقال: بخٍ بخٍ (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحدة، ذو ربح (-أَوْ) قال: (رَايِحٌ) بالتحتية بدل الموحدة مِنَ الرَّواح، نقيض الغُدُو، أي: قريب الفائدة يصل نفعه إلى صاحبهِ (شَكَّ عَبْدُ اللهِ-) بن مسلمةَ (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ) فإنَّ أفضلَ البرِّ ما أولي إلى الأقرباء (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ) برفع اللَّام ذلك (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ، وَفِي بَنِي عَمِّهِ) من باب (٢) عطف الخاصِّ على العامِّ (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس ممَّا وصله في «التَّفسير» [خ¦٤٥٥٤] (وَ (٣) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) أبو زكريا التَّميميُّ الحنظليُّ ممَّا وصلَه في «الوصايا» [خ¦٢٧٦٩] كلاهما عن مالك: (رَايِحٌ) بالمثنَّاة التَّحتية من الرَّواح.
ومطابقةُ الحديث للترجمةِ في قولهِ: «ويشربُ مِن ماءٍ فيها طيِّب». وفي حديث عائشة عندَ أبي داود: «كان رسولُ الله ﷺ يُستعذبُ له الماءُ من بيوتِ السُّقيا» -بضم السين المهملة وبالقاف والتحتية- عين بينها وبين المدينة يومان، فاستعذابُ الماءِ لا يُنافي الزُّهد، ولا يدخلُ في التَّرفه المذموم. نعم، كرهَ مالكٌ ﵀ تطييب الماء بنحو المسكِ لما فيه من السَّرف.
وهذا الحديث سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] و «الوصايا» [خ¦٢٧٦٩] و «الوكالة» [خ¦٢٣١٨] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٥٤].
(١٤) (بابُ شَوبِ اللَّبَنِ بِالمَاءِ) بفتح المعجمة وسكون الواو، أي: خلط اللَّبن بالماء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «شُرْب» بضم الشين والراء (٤) السَّاكنة، بدل: الواو، أي: شرب اللَّبن ممزوجًا بالماءِ البارد كسرًا لحرارته عقب حَلْبِه مع شدَّة حرِّ القُطْر.
стр. 10219
٥٦١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) عبدُ الله بنُ عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بنِ مسلم (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ شَرِبَ (١) لَبَنًا وَأَتَى دَارَهُ) أي: دارَ أنسٍ، والجملة حاليَّة، أي: رآه حين أتى دارهُ (فَحَلَبْتُ شَاةً فَشُبْتُ) بضم الشين المعجمة، أي: خلطت (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) اللَّبن الَّذي حلبتُه بماء (مِنَ البِئْرِ) ليبرد (فَتَنَاوَلَ) ﷺ (القَدَحَ فَشَرِبَ) منه (وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ) زاد في رواية أبي طُوَالة السَّابقة في «الهبة» «وعمر تُجَاهه» [خ¦٢٥٧١]. وفي «الشُّرب» من طريقِ شعيب عن الزُّهريِّ في هذا الحديث: «فقال عمرُ وخافَ أن يعطيَه الأعرابيَّ: أعطَ أبا بكر» [خ¦٢٣٥٢] وفي رواية أبي طُوَالة: «فقال عمرُ: هذا أبو بكر» (فَأَعْطَى) ﵊ (الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ) أي: اللَّبن الَّذي فضل منه بعد شربه (ثُمَّ قَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وقال» بالواو بدل ثمَّ، قَدِّموا (الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ) والنَّصب (٢) على الحالِ، أي: اشربوا مترتِّبين على هذا النَّمط، ويجوز الرَّفع، أي: الأيمن مقدَّم، أو أحق بالشُّرب من غيرهِ. وفي الحديث: أنَّ السُّنة تقديم الأيمن وإن كان مفضولًا، ولا يلزم من ذلك حط رتبةِ (٣) الفاضل، ولعلَّ عمر ﵁ كان احتملَ عنده أنَّه ﷺ يقدِّم أبا بكرٍ، فيكون سنَّة في تقديمِ الأفضلِ في الشُّرب على الأيمنِ، فلذا ذكرَ أبا بكر، فبيَّن له ﷺ أنَّ السُّنَّة تقديمُ الأيمن على الأفضلِ.
وهذا الحديث سبق في «الهبة» [خ¦٢٥٧١].
стр. 10220
٥٦١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبدُ الملك العَقَديُّ -بفتح العين المهملة والقاف- قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بفاء مضمومة آخره مهملة، وضم السين (١)، مصغَّرين، العدويُّ مولاهم المدنيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ) الأنصاريِّ، قاضي المدينة (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ) قيل: هو أبو الهيثم بن التَّيهان الأنصاريِّ (وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ) هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (فَقَالَ لَهُ) أي: للرجلِ الأنصاريِّ الَّذي دخلَ عليه (النَّبِيُّ ﷺ : إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَّةٍ) بفتح الشين المعجمة والنون المشدَّدة، قربة خلقة فاسقنَا منها (وَإِلَّا كَرَعْنَا) بفتح الراء وتكسر؛ أي (٢): شربنَا من غيرِ إناءٍ ولا كفٍّ بل بالفمِ (قَالَ) جابر: (وَالرَّجُلُ) الأنصاريُّ (يُحَوِّلُ المَاءَ فِي حَائِطِهِ) ينقله من عمقِ البئر إلى ظاهرهَا، أو يجرِي الماء من جانبٍ إلى جانبٍ من بستانهِ ليعمَّ أشجاره بالسَّقي (قَالَ) جابرٌ: (فَقَالَ الرَّجُلُ) الأنصاريُّ، وسقط لابنِ عساكرَ لفظ «الرَّجل»: (يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي مَاءٌ بَائِتٌ فَانْطَلِقْ) بكسر اللام وسكون القاف (إِلَى العَرِيشِ) المسقف من البستانِ بالأغصانِ وأكثر ما يكون في الكرومِ (قَالَ: فَانْطَلَقَ) الرَّجل الأنصاريُّ (بِهِمَا) بالنَّبيِّ ﷺ وبالصِّدِّيق ﵁ إلى العريشِ (فَسَكَبَ فِي قَدَحٍ) ماءً (ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ) لبنًا (مِنْ دَاجِنٍ لَهُ) بالجيم والنون، شاةٍ تألفُ البيوت (قَالَ) جابر: (فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ شَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي (٣) جَاءَ مَعَهُ) وهو أبو بكر الصِّدِّيق ﵁.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه في «الأشربةِ».
стр. 10221
(١٥) هذا (١) (بابُ شَرَابِ (٢) الحَلْوَاءِ) بالمدِّ للمُستملي، وبالقصر لغيرهِ لغتان (وَ) شراب (العَسَلِ) وليس المراد بقولهِ: شراب الحلواء، الحلواءُ المعهودةُ المعقودةُ بالنَّار بل كلُّ حلواءَ تُشرَبُ من نقيع حلو وغيره ممَّا يشبهه، وقوله: الحلواء شاملٌ للعسل، فذكرهُ بعدها من التَّخصيصِ بعد التَّعميم.
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمد بنُ مسلم فيما وصلَه عبد الرَّزَّاق: (لَا يَحِلُّ شُرْبُ بَوْلِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ) أي: لضرورةِ عطشٍ ونحوه (تَنْزِلُ لأَنَّهُ) أي: البول (رِجْسٌ) نجس (قَالَ اللهُ تَعَالَى: (﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]) وقال : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والرِّجس من جملةِ الخبائثِ، وأُوْرِدَ عليه جوازُ أكلِ الميتة عند الشِّدَّة وهي رجسٌ، وقد جُوِّزَ شربُ البولِ للتداوِي. وأُجيب باحتمال أن يكون الزُّهري يرى أنَّ القياس لا يدخل الرُّخص، فإن الرُّخصة قد وردتْ في الميتة لا في البولِ، وفي «شعب البيهقي»: أنَّ الزُّهريَّ كان يصومُ يوم عاشوراء في السَّفر، فقيل له: أنت تفطرُ في رمضان في السَّفر؟ فقال: إنَّ الله قال في رمضان: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وليس ذلك لعاشوراء.
(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله: (فِي السَّكَرِ) بفتح السين المهملة والكاف بعدها راء، الخمرُ بلغة العجمِ. وفي «فوائد» عليِّ بن حرب الطَّائي، عن سفيان بن عُيينة، عن منصور. وأخرجه ابنُ أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخين عن جريرٍ، عن منصورٍ، عن أبي وائل قال: اشتكَى رجلٌ منَّا يقال له: خثيمُ (٣) بنُ العدَّاء داءً ببطنهِ، يقال له: الصُّفْر، فنُعِتَ له السَّكَر، فأرسلَ إلى ابن مسعودٍ يسأله، فقال: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا) ولأبي ذرٍّ: «ممَّا» (حَرَّمَ عَلَيْكُمْ).
стр. 10222
فإن قلتَ: قد جوزوا إساغةَ اللُّقمة بالجرعةِ من الخمر فلِمَ لم يجوِّزوا التَّداوي به، وأيُّ فرقٍ بينهما؟ أُجيب بأنَّ الإساغةَ يتحقَّق بها المرادُ بخلاف الشِّفاء فإنَّه غير محقَّقٍ كما لا يخفَى، وقد قال بعضُهم: إنَّ المنافعَ في الخمرِ قبل التَّحريم سُلِبَتْ بعده، فتحريمها مجزومٌ به وكونها دواء مشكوكٌ فيه، بل الرَّاجح أنَّها ليست بدواء بإطلاقِ الحديث. نعم، يجوزُ تناولها (١) في صورةٍ واحدةٍ وهي ما إذا اضطر إلى إزالةِ عقله لقطعِ عضوٍ من الأَكَلة، والعياذ بالله تعالى، فقد خرَّجه الرَّافعي على الخلاف في جوازِ التَّداوي بالخمرِ، وصحَّح النَّوويُّ هنا الجواز وهو المنصوصُ. قال في «الفتح»: ينبغِي أن يكون محله فيما إذا تعيَّن ذاك (٢) طريقًا إلى سلامةِ بقيَّة الأعضاء ولم يجد مرقدًا غيرها.
فإن قلتَ: ما وجهُ المطابقةِ بين التَّرجمة والأثرين؟ أَجاب ابن المنيِّر بأنَّه ترجمَ على شيءٍ وأعقبَه بضدِّه قال: وبضدِّها تتبين الأشياء، ثمَّ عادَ إلى ما يُطابق التَّرجمة نصًّا، ويحتمل أن يكون مراده بقول الزُّهري الإشارة بقولهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى أنَّ الحلواء والعسلَ من الطَّيِّبات فهما (٣) حلالٌ، وبقولِ ابن مسعودٍ الإشارة إلى قولهِ تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] فدلَّ (٤) الامتنانُ به على حلِّه، فلم يجعل الله الشِّفاء فيما حرَّم.
٥٦١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمادُ بنُ أسامة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ الحَلْوَاءُ) بالمدِّ ويجوزُ القصر (وَالعَسَلُ) قال النَّوويُّ: المراد بالحلواءِ في هذا الحديث: كلُّ شيءٍ حلو، وذِكْرُ العسل بعدها للتَّنبيه على شرفهِ ومزيَّته. وفي «شعب
стр. 10223
البيهقي» عن أبي سُليمان الدَّارانيِّ قال (١): قول عائشة: كان يحبُّ الحلواءَ ليس على معنى كثرةِ التَّشهي لها وشدَّة نزاع النَّفس إليها، وتأنق الصَّنعة في اتِّخاذها كفعلِ أهل التَّرف والشَّره، وإنَّما كان إذا قُدِّمَتْ إليه نال (٢) منها نيلًا جيدًا، فيعلم بذلك أنَّها تعجبُه. قاله في «الفتح».
وهذا الحديث قد مرَّ في «كتاب الأطعمةِ» [خ¦٥٤٣١].
(١٦) (بابُ) حكمِ (الشُّرْبِ) حال كون الشَّارب (قَائِمًا).
٥٦١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين آخره راء، ابن كِدام الكوفيُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، الزَّرَّاد (عَنِ النَّزَّالِ) بالنون والزاي المشددة المفتوحتين، ابن سبرة (٣) أنَّه (قَالَ: أَتَى عَلِيٌّ ﵁¬) بفتح الهمزة، ولأبي ذرٍّ: «أُتِي» بضمها وكسر تاليها (عَلَى بَابِ الرَّحَبَةِ) بفتح الراء والحاء المهملة والموحدة، أي: رحبة المسجد، والمراد: مسجدُ الكوفة، ولأبي ذرٍّ زيادة: «بماء» (فَشَرِبَ) منه حالَ كونه (قَائِمًا، فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ) أي: بأن، وأن مصدريَّة، أي: يكره الشُّرب (وَهْوَ قَائِمٌ) أي: في حالة القيام (وَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ (٤) ﷺ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي (٥) فَعَلْتُ) من الشُّرب قائمًا.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الأشربةِ»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة».
стр. 10224
٥٦١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ) قال: (سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ) بفتح السين المهملة وسكون الموحدة بعدها راء فهاء (يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ) جمع: حاجة على غير قياسٍ. قال في «القاموس»: الجمع: حاجٌ وحاجاتٌ وحِوَجٌ وحَوَائجُ غيرُ قِياسيٍّ، أو مُوَلَّدَةٌ أو كأنهمْ جمعُوا حائجةً (فِي رَحَبَةِ الكُوفَةِ) قال في «القاموس»: ورَحَبَةُ المكانِ، وتُسَكَّنُ: ساحَتُه ومُتَّسَعُه (حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ) بضم الهمزة (١) (بِمَاءٍ فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ) زاد النَّسائيُّ من طرقٍ عن شعبة: «وهذا وضوءُ من لم يُحْدِثْ» وهي على شرطِ الصَّحيح (ثُمَّ (٢) قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ) أي: فضل الماء الَّذي توضأ منه (وَهْوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا (٣) يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا) أي: يكرهون أن يشرب كلٌّ منهم قائمًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قيامًا» وهي واضحة (وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ) من شرب فضلِ الوضوء قائمًا.
٥٦١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ، أو ابن عُيينة ورجَّح الأول في «الفتح» وجزمَ به المزِّي لأنَّه أشهر بصحبته، وأكثرُ رواية عنه من ابن عُيينة (عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بنِ شَرَاحيل (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: شَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونهِ (قَائِمًا مِنْ زَمْزَمَ) وقد كان ﷺ طافَ على بعيرهِ ثمَّ أناخَهُ بعد طوافهِ فصلَّى ركعتين
стр. 10225
ثمَّ شربَ إذ ذاك من زمزمَ قبل أن يعودَ إلى بعيرهِ، واسْتُدِلَّ بهذه الأحاديث على جوازِ الشُّرب قائمًا وهو مذهبُ الجمهور، وكرههُ قومٌ لحديث أنسٍ عند مسلم: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ زجرَ عن الشُّرب قائمًا». وحديث أبي هريرة في مسلمٍ أيضًا: «لا يشربَنَّ أحدُكم قائمًا فمَن نسيَ فليستقئْ».
وعند أحمد من حديثه: أنَّه ﷺ رأى رجلًا يشرب قائمًا فقال: «قه» قال: لمه؟ قال: «أيسرُّك أن يشربَ معك الهرُّ؟» قال: لا، قال: «قد شربَ معكَ مَن هو شرٌّ منه الشَّيطان» لكنَّهم حملوا النَّهي على الاستحباب، والحث على ما هو أولى وأكمل، وذلك لأنَّ في الشُّرب قائمًا ضررًا ما، فَكُرِهَ (١) من أجلهِ لأنَّه يحرِّك خلطًا يكون القيءُ دواءه (٢)، وقولهُ في الحديث: «فمَن نسيَ» لا مفهوم له، بل يستحبُّ ذلك للعامد أيضًا بطريق الأولى، وقد سلكَ الأئمةُ في هذه الأحاديث مسالك؛ أحسنُها حملُ أحاديث النَّهي على كراهةِ التَّنزيه، وأحاديث الجوازِ على بيانه، وقيل: النَّهي إنَّما هو من جهةِ الطِّبِّ مخافةَ وقوعِ ضررٍ به، فإن الشُّرب قاعدًا أمكنُ وأبعدُ من السَّرف، وحصولِ وجع الكبدِ والحلق، وقد لا يأمن منه من شربَ (٣) قائمًا على ما لا يخفَى.
(١٧) هذا (٤) (بابُ) حكمِ (مَنْ شَرِبَ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ) استُشكل قولهُ: واقفٌ على بعيرهِ (٥) لأنَّ الرَّاكب على البعيرِ قاعدٌ لا قائم. وأُجيب بأنَّ الرَّاكب من حيثُ كونه سائرًا يشبهُ القائم، ومن حيثُ كونه مستقرًّا على الدَّابة يشبهُ القاعد، فمرادُه بيان حكمِ هذه الحالةِ، هل تدخلُ تحت النَّهيِّ أم لا؟