(١٥) هذا (١) (بابُ شَرَابِ (٢) الحَلْوَاءِ) بالمدِّ للمُستملي، وبالقصر لغيرهِ لغتان (وَ) شراب (العَسَلِ) وليس المراد بقولهِ: شراب الحلواء، الحلواءُ المعهودةُ المعقودةُ بالنَّار بل كلُّ حلواءَ تُشرَبُ من نقيع حلو وغيره ممَّا يشبهه، وقوله: الحلواء شاملٌ للعسل، فذكرهُ بعدها من التَّخصيصِ بعد التَّعميم.
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمد بنُ مسلم فيما وصلَه عبد الرَّزَّاق: (لَا يَحِلُّ شُرْبُ بَوْلِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ) أي: لضرورةِ عطشٍ ونحوه (تَنْزِلُ لأَنَّهُ) أي: البول (رِجْسٌ) نجس (قَالَ اللهُ تَعَالَى: (﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]) وقال : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والرِّجس من جملةِ الخبائثِ، وأُوْرِدَ عليه جوازُ أكلِ الميتة عند الشِّدَّة وهي رجسٌ، وقد جُوِّزَ شربُ البولِ للتداوِي. وأُجيب باحتمال أن يكون الزُّهري يرى أنَّ القياس لا يدخل الرُّخص، فإن الرُّخصة قد وردتْ في الميتة لا في البولِ، وفي «شعب البيهقي»: أنَّ الزُّهريَّ كان يصومُ يوم عاشوراء في السَّفر، فقيل له: أنت تفطرُ في رمضان في السَّفر؟ فقال: إنَّ الله قال في رمضان: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وليس ذلك لعاشوراء.
(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله: (فِي السَّكَرِ) بفتح السين المهملة والكاف بعدها راء، الخمرُ بلغة العجمِ. وفي «فوائد» عليِّ بن حرب الطَّائي، عن سفيان بن عُيينة، عن منصور. وأخرجه ابنُ أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخين عن جريرٍ، عن منصورٍ، عن أبي وائل قال: اشتكَى رجلٌ منَّا يقال له: خثيمُ (٣) بنُ العدَّاء داءً ببطنهِ، يقال له: الصُّفْر، فنُعِتَ له السَّكَر، فأرسلَ إلى ابن مسعودٍ يسأله، فقال: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا) ولأبي ذرٍّ: «ممَّا» (حَرَّمَ عَلَيْكُمْ).
стр. 10222
فإن قلتَ: قد جوزوا إساغةَ اللُّقمة بالجرعةِ من الخمر فلِمَ لم يجوِّزوا التَّداوي به، وأيُّ فرقٍ بينهما؟ أُجيب بأنَّ الإساغةَ يتحقَّق بها المرادُ بخلاف الشِّفاء فإنَّه غير محقَّقٍ كما لا يخفَى، وقد قال بعضُهم: إنَّ المنافعَ في الخمرِ قبل التَّحريم سُلِبَتْ بعده، فتحريمها مجزومٌ به وكونها دواء مشكوكٌ فيه، بل الرَّاجح أنَّها ليست بدواء بإطلاقِ الحديث. نعم، يجوزُ تناولها (١) في صورةٍ واحدةٍ وهي ما إذا اضطر إلى إزالةِ عقله لقطعِ عضوٍ من الأَكَلة، والعياذ بالله تعالى، فقد خرَّجه الرَّافعي على الخلاف في جوازِ التَّداوي بالخمرِ، وصحَّح النَّوويُّ هنا الجواز وهو المنصوصُ. قال في «الفتح»: ينبغِي أن يكون محله فيما إذا تعيَّن ذاك (٢) طريقًا إلى سلامةِ بقيَّة الأعضاء ولم يجد مرقدًا غيرها.
فإن قلتَ: ما وجهُ المطابقةِ بين التَّرجمة والأثرين؟ أَجاب ابن المنيِّر بأنَّه ترجمَ على شيءٍ وأعقبَه بضدِّه قال: وبضدِّها تتبين الأشياء، ثمَّ عادَ إلى ما يُطابق التَّرجمة نصًّا، ويحتمل أن يكون مراده بقول الزُّهري الإشارة بقولهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى أنَّ الحلواء والعسلَ من الطَّيِّبات فهما (٣) حلالٌ، وبقولِ ابن مسعودٍ الإشارة إلى قولهِ تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] فدلَّ (٤) الامتنانُ به على حلِّه، فلم يجعل الله الشِّفاء فيما حرَّم.
٥٦١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمادُ بنُ أسامة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ الحَلْوَاءُ) بالمدِّ ويجوزُ القصر (وَالعَسَلُ) قال النَّوويُّ: المراد بالحلواءِ في هذا الحديث: كلُّ شيءٍ حلو، وذِكْرُ العسل بعدها للتَّنبيه على شرفهِ ومزيَّته. وفي «شعب
стр. 10223
البيهقي» عن أبي سُليمان الدَّارانيِّ قال (١): قول عائشة: كان يحبُّ الحلواءَ ليس على معنى كثرةِ التَّشهي لها وشدَّة نزاع النَّفس إليها، وتأنق الصَّنعة في اتِّخاذها كفعلِ أهل التَّرف والشَّره، وإنَّما كان إذا قُدِّمَتْ إليه نال (٢) منها نيلًا جيدًا، فيعلم بذلك أنَّها تعجبُه. قاله في «الفتح».
وهذا الحديث قد مرَّ في «كتاب الأطعمةِ» [خ¦٥٤٣١].
(١٦) (بابُ) حكمِ (الشُّرْبِ) حال كون الشَّارب (قَائِمًا).
٥٦١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين آخره راء، ابن كِدام الكوفيُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، الزَّرَّاد (عَنِ النَّزَّالِ) بالنون والزاي المشددة المفتوحتين، ابن سبرة (٣) أنَّه (قَالَ: أَتَى عَلِيٌّ ﵁¬) بفتح الهمزة، ولأبي ذرٍّ: «أُتِي» بضمها وكسر تاليها (عَلَى بَابِ الرَّحَبَةِ) بفتح الراء والحاء المهملة والموحدة، أي: رحبة المسجد، والمراد: مسجدُ الكوفة، ولأبي ذرٍّ زيادة: «بماء» (فَشَرِبَ) منه حالَ كونه (قَائِمًا، فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ) أي: بأن، وأن مصدريَّة، أي: يكره الشُّرب (وَهْوَ قَائِمٌ) أي: في حالة القيام (وَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ (٤) ﷺ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي (٥) فَعَلْتُ) من الشُّرب قائمًا.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الأشربةِ»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة».
стр. 10224
٥٦١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ) قال: (سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ) بفتح السين المهملة وسكون الموحدة بعدها راء فهاء (يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ) جمع: حاجة على غير قياسٍ. قال في «القاموس»: الجمع: حاجٌ وحاجاتٌ وحِوَجٌ وحَوَائجُ غيرُ قِياسيٍّ، أو مُوَلَّدَةٌ أو كأنهمْ جمعُوا حائجةً (فِي رَحَبَةِ الكُوفَةِ) قال في «القاموس»: ورَحَبَةُ المكانِ، وتُسَكَّنُ: ساحَتُه ومُتَّسَعُه (حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ) بضم الهمزة (١) (بِمَاءٍ فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ) زاد النَّسائيُّ من طرقٍ عن شعبة: «وهذا وضوءُ من لم يُحْدِثْ» وهي على شرطِ الصَّحيح (ثُمَّ (٢) قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ) أي: فضل الماء الَّذي توضأ منه (وَهْوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا (٣) يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا) أي: يكرهون أن يشرب كلٌّ منهم قائمًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قيامًا» وهي واضحة (وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ) من شرب فضلِ الوضوء قائمًا.
٥٦١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ، أو ابن عُيينة ورجَّح الأول في «الفتح» وجزمَ به المزِّي لأنَّه أشهر بصحبته، وأكثرُ رواية عنه من ابن عُيينة (عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بنِ شَرَاحيل (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: شَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) حال كونهِ (قَائِمًا مِنْ زَمْزَمَ) وقد كان ﷺ طافَ على بعيرهِ ثمَّ أناخَهُ بعد طوافهِ فصلَّى ركعتين
стр. 10225
ثمَّ شربَ إذ ذاك من زمزمَ قبل أن يعودَ إلى بعيرهِ، واسْتُدِلَّ بهذه الأحاديث على جوازِ الشُّرب قائمًا وهو مذهبُ الجمهور، وكرههُ قومٌ لحديث أنسٍ عند مسلم: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ زجرَ عن الشُّرب قائمًا». وحديث أبي هريرة في مسلمٍ أيضًا: «لا يشربَنَّ أحدُكم قائمًا فمَن نسيَ فليستقئْ».
وعند أحمد من حديثه: أنَّه ﷺ رأى رجلًا يشرب قائمًا فقال: «قه» قال: لمه؟ قال: «أيسرُّك أن يشربَ معك الهرُّ؟» قال: لا، قال: «قد شربَ معكَ مَن هو شرٌّ منه الشَّيطان» لكنَّهم حملوا النَّهي على الاستحباب، والحث على ما هو أولى وأكمل، وذلك لأنَّ في الشُّرب قائمًا ضررًا ما، فَكُرِهَ (١) من أجلهِ لأنَّه يحرِّك خلطًا يكون القيءُ دواءه (٢)، وقولهُ في الحديث: «فمَن نسيَ» لا مفهوم له، بل يستحبُّ ذلك للعامد أيضًا بطريق الأولى، وقد سلكَ الأئمةُ في هذه الأحاديث مسالك؛ أحسنُها حملُ أحاديث النَّهي على كراهةِ التَّنزيه، وأحاديث الجوازِ على بيانه، وقيل: النَّهي إنَّما هو من جهةِ الطِّبِّ مخافةَ وقوعِ ضررٍ به، فإن الشُّرب قاعدًا أمكنُ وأبعدُ من السَّرف، وحصولِ وجع الكبدِ والحلق، وقد لا يأمن منه من شربَ (٣) قائمًا على ما لا يخفَى.
(١٧) هذا (٤) (بابُ) حكمِ (مَنْ شَرِبَ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ) استُشكل قولهُ: واقفٌ على بعيرهِ (٥) لأنَّ الرَّاكب على البعيرِ قاعدٌ لا قائم. وأُجيب بأنَّ الرَّاكب من حيثُ كونه سائرًا يشبهُ القائم، ومن حيثُ كونه مستقرًّا على الدَّابة يشبهُ القاعد، فمرادُه بيان حكمِ هذه الحالةِ، هل تدخلُ تحت النَّهيِّ أم لا؟
стр. 10226
٥٦١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو غسَّان النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ) الماجشُون، واسم أبي سلمة: دينارٌ، وهو جدُّ عبد العزيز؛ لأنَّه ابن عبدِ الله بنِ أبي سلمة قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ) بالضاد المعجمة، سالم بنُ أبي أميَّة مولى عُمر بن عبدِ (١) الله (عَنْ عُمَيْرٍ) بضم العين وفتح الميم مصغَّرًا (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُمِّ الفَضْلِ) لُبابة (بِنْتِ الحَارِثِ: أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَأَخَذَ (٢)) ﷺ (بِيَدِهِ) الكريمة (٣) القدحَ (فَشَرِبَهُ) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «فأخذه وشربه» (زَادَ مَالِكٌ) الإمام في روايتهِ (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) سالم (عَلَى بَعِيرِهِ) تابع (٤) عبدَ العزيز ابنُ أبي سلمة على روايتهِ هذا الحديثَ عن أبي النَّضر، وقال: «شرب وهو واقفٌ على بعيرهِ».
وهذا الحديث قد سبق في «الحجِّ» [خ¦١٦٦١]، والله أعلم.
(١٨) (بابُ الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ فِي الشُّرْبِ) ماء وغيره، ونصبَ الأيمنَ بفعلٍ مقدَّرٍ، وهو الَّذي على يمينِ الشَّارب.
٥٦١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ) بضم الهمزة (بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ) بكسر الشين المعجمة، وأصل شيبَ: شوب -قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها- أي: مزج (بِمَاءٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ) لم أقفْ على اسمه (وَعَنْ شِمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (فَشَرِبَ) ﷺ منه (ثُمَّ أَعْطَى الأَعْرَابِيَّ) قبلَ أبي بكر (وَ (٥) قَالَ): قدِّموا (الأَيْمَنَ الأَيْمَنَ) وقد
стр. 10227
كان ﷺ يحبُّ التيامن في الأكلِ والشُّرب وجميع الأمورِ لما شرف الله به أهل اليمين، وقيل: إنَّ الأعرابيَّ كان من كُبراء قومهِ، فلذا جلس عن يمينهِ ﵊.
وهذا الحديث سبق مرارًا.
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ مَنْ) أي: هل يطلبُ الإذن من الَّذي هو جالسٌ (عَنْ يَمِينِهِ فِي الشُّرْبِ لِيُعْطِيَ الأَكْبَرَ؟).
٥٦٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابنُ أنس الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ) سلمة (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ (¬﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ) هو ابنُ عبَّاس (وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ) خالدُ بن الوليد وغيره (فَقَالَ) ﷺ (لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ) الَّذين على اليسارِ (فَقَالَ الغُلَامُ) له: (وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. قَالَ) سهل: (فَتَلَّهُ) بفتح الفوقية واللام المشددة، أي: وضعه (رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَدِهِ) في يدِ ابن عبَّاس، وفيه: بيان استحبابِ التَّيامن في كلِّ ما كان من أنواعِ الإكرام، وأنَّ الأيمنَ في الشُّرب (١) ونحوه يقدَّم وإن كان صغيرًا أو مفضولًا، وأمَّا تقديمُ الأفاضلِ والكبار فهو عندَ التَّساوي في باقي الأوصاف.
(٢٠) (بابُ الكَرْعِ فِي الحَوْضِ) بسكون (٢) الراء، أي: تناول الماء بالفمِ من الحوضِ بغير إناءٍ ولا كفٍّ.
стр. 10228
٥٦٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الحمصيُّ الحافظُ الفقيهُ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) العدويُّ مولاهم المدنيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ) قاضِي المدينة (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ) سبقَ فيما قبل أنَّه (١) أبو الهيثم بن التَّيِّهان، بستانه (وَمَعَهُ) ﵊ (صَاحِبٌ لَهُ) وهو أبو بكرٍ ﵁ (فَسَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَصَاحِبُهُ) أبو بكرٍ عليه (فَرَدَّ الرَّجُلُ) الأنصاريُّ عليهما (٢) (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) أي: مفدَّى بأبي وأمِّي (وَهْيَ) أي: السَّاعة الَّتي أتيت فيها (سَاعَةٌ حَارَّةٌ، وَهْوَ) أي: والحال أنَّ الرَّجل (يُحَوِّلُ فِي حَائِطٍ لَهُ يَعْنِي: المَاءَ) من قعر البئرِ إلى ظاهرهَا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) للرَّجل: (إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنَّةٍ) بفتح المعجمة، قربةٌ خَلِقة (وَإِلَّا كَرَعْنَا) شربنَا بِفِينَا (وَالرَّجُلُ) أي: والحال أنَّ الرَّجل (يُحَوِّلُ المَاءَ فِي حَائِطٍ (٣)) يجريهِ من جانبٍ إلى جانبٍ في بستانهِ (فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي مَاءٌ بَاتَ) وللكُشميهنيِّ: «بائت» (فِي شَنَّةٍ فَانْطَلَقَ) بفتحات، ﷺ وأبو (٤) بكر (إِلَى العَرِيشِ) موضع مظلَّلٌ عليه في البستانِ بخَشَبٍ وثُمَامٍ (فَسَكَبَ) الرَّجل (فِي قَدَحٍ مَاءً، ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ) لبنًا (مِنْ) شاةٍ (دَاجِنٍ لَهُ (٥)) وهي الَّتي تألفُ البيوت (فَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ أَعَادَ، فَشَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مَعَهُ) وهو أبو بكرٍ ﵁، ولأحمد: «وسقَى صاحبه».
стр. 10229
فإن قلتَ: ما المطابقةُ بين التَّرجمة والحديث؟ أُجيب من جهةِ أنَّ جابرًا أعادَ قوله: وهو يحوِّل الماءَ في أثناءِ مخاطبةِ النَّبيِّ ﷺ للرَّجل مرَّتين، وإن كان الظَّاهر أنَّه كان ينقلُه من أسفلِ البئر إلى أعلاها، فكأنَّه كان (١) هناك حوض يجمعه فيه ثمَّ يحوِّله من جانبٍ إلى جانبٍ (٢).
وهذا الحديث سبق قريبًا في «باب شوب اللَّبن بالماء» [خ¦٥٦١٣].
(٢١) (بابُ خِدْمَةِ الصِّغَارِ الكِبَارَ).
٥٦٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ) سليمان أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁¬) يقول (٣): (قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عَلَى الحَيِّ أَسْقِيهِمْ) بالحاء المهملة والتحتية المشددة، واحدُ أحياءِ العربِ (-عُمُومَتِي) جمع عَمٍّ (وَأَنَا أَصْغَرُهُمُ- الفَضِيخَ) بالمعجمتين، أي: الخمرَ المتَّخذ من البُسر المشدوخِ (فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ) بضم الحاء المهملة مبنيًّا للمفعول (فَقَالوا: إِكْفِئْهَا) بكسر الهمزة هنا في الفرع كأصله، وكسر الفاء بعدها همزةٌ ساكنةٌ (فَكَفَأْنَا) بحذف ضميرِ المفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فكفأناها» قال سُليمان: (قُلْتُ (٤) لأَنَسٍ: مَا) كان (شَرَابُهُمْ؟ قَالَ: رُطَبٌ وَبُسْرٌ) أي: خمرٌ متَّخذٌ منهما (فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ: وَكَانَتْ خَمْرَهُمْ) يومئذٍ. (فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسٌ) ذلك، قال بكر (٥) بنُ عبد الله المزنيُّ أو قتادة (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (بَعْضُ أَصْحَابِي: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا) ﵁ (يَقُولُ: كَانَتْ) خمرةُ الفضيخِ (خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ).
стр. 10230
وهذا الحديث سبق في «باب نزولِ تحريم الخمرِ، وهي من البُسر والتَّمر» أوائل «كتاب الأشربة» [خ¦٥٥٨٢] وهو ظاهرٌ فيما ترجم له هناك.
(٢٢) (بابُ تَغْطِيَةِ الإِنَاءِ).
٥٦٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسجُ أبو يعقوب المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بفتح الراء في الأول وضم العين وتخفيف الموحدة في الثَّاني، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبدُ الملك بنُ عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا كَانَ جُِنْحُ اللَّيْلِ) بكسر الجيم في الفرع كأصله وتضم، طائفةٌ من اللَّيل، وأراد به ههنا: الطَّائفة الأولى منه عندَ ابتداء فحمةِ العشاء (-أَوْ أَمْسَيْتُمْ-) شكٌّ من الرَّاوي، أي: دخلتُم في المساءِ (فَكُفُّوا) بضم الكاف والفاء المشددة، امنعوا (صِبْيَانَكُمْ) من الخروجِ حينئذٍ (فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ) تذهبُ وتجيءُ (حِينَئِذٍ) فربَّما يحصلُ لهم إيذاءٌ منهم من صرعٍ أو غيره (فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُمْ) بضم الحاء المهملة واللام المشددة (وأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فخَلُّوهم» بالخاء المعجمة المفتوحة واللام المشددة، «فإنَّ الشَّياطين» بالجمع (لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا) إذا ذُكِرَ اسمُ الله عليه (وَأَوْكُوا) بضم الكاف وسكون الواو بلا همز (قِرَبَكُمْ) شدوا رؤوسها بالوكاءِ
стр. 10231
(وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ (١)) عند ذلك (وَخَمِّرُوا) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الميم مكسورة، غطُّوا (آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ) عند تغطيتِهَا (وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا) بضم الراء (عَلَيْهَا) على الآنيةِ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليه» أي: الإناء (شَيْئًا) وجواب لو محذوفٌ، أي: لو خمَّرتموها بشيءٍ نحو العودِ وذكرتُم اسم الله عليها (٢) لكانَ كافيًا، والمقصودُ ذكر اسم الله تعالى مع كلِّ فعلٍ صيانةً عن الشَّيطان والوباء والحشراتِ والهوامِّ على ما وردَ: «بسمِ اللهِ الَّذي لا يضرُّ معَ اسمِهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماء» (وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ) بكسر الفاء بعدها همزة مضمومة، فإنَّ الفأرةَ ربَّما تضرمُ عليكم البيوتَ بالنَّار.
وفي هذا الحديثِ جملةٌ من الآدابِ من جلبِ المصالحِ ودفعِ المضارِّ من كفِّ الصِّبيان وغلقِ الأبوابِ، وإيكاءِ القُرب، وغير ذلك ممَّا لا يخفى.
وهذا الحديث سبق في «صفةِ إبليس» [خ¦٣٢٨٠].
٥٦٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء والميم المشددة، ابنُ يحيى (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أَطْفِئُوا المَصَابِيحَ إِذَا رَقَدْتُمْ) خوف الفُويسقة أن تضرمَ على أهل البيتِ بيتهم، وفي حديث ابن عبَّاس عند أبي داود: «جاءت فأرةٌ فأخذتْ تجرُّ الفتيلةَ، فجاءتْ بها فألقتْها
стр. 10232
بين يدي رسولِ الله ﷺ على الخُمْرَةِ الَّتي كان قاعدًا عليها فأحرقتْ منها موضعَ درهم»، وفي «الصحيح» أنَّه ﷺ قال: «لا تتركُوا النَّار في بيوتِكُم حين تنامُون» قال النَّوويُّ: هذا عامٌّ يدخلُ فيه نار السِّراج وغيرها، وأما القناديل المعلَّقة بالمساجد وغيرها فإن خيف حريقٌ بسببها دخلتْ في الأمر بالإطفاءِ، وإن أمن ذلك كما هو الغالبُ، فالظَّاهر أنَّه لا بأس بها لانتفاءِ العلَّة الَّتي علَّل بها ﷺ وإذا انتفتِ العلَّة زال المنع (وَغَلِّقُوا) بتشديد اللام المكسورة، ولأبي ذرٍّ: «وأغلقوا» (الأَبْوَابَ، وَأَوْكُوا الأَسْقِيَةَ) بلا همز بعد الكاف المضمومة (وَخَمِّرُوا) بالخاء المعجمة، غطُّوا (الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ -وَأَحْسِبُهُ) ﷺ (قَالَ: - وَلَوْ) أن تُخمِّروها (بِعُودٍ تَعْرُضُهُ (١) عَلَيْهِ) على الإناء فإنَّه كاف في ذلك مع التَّسمية. قال في «شرح المشكاة»: يقال: عرضتُ العودَ على الإناء أعرِضه -بكسر الراء- في قول عامَّة الناس إلَّا الأصمعي فإنَّه قال: أعرُضه -مضمومة الراء- في هذا (٢) خاصة، والمعنى: هلَّا تغطِّيه بغطاءٍ فإن لم تفعلْ فلا أقل من أن تعرضَ عليه شيئًا.
(٢٣) هذا (٣) (بابُ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ) المتَّخذة من الأُدمُ، والاخْتِنَاث بالخاء المعجمة الساكنة والفوقية المكسورة وبعد النون ألف فمثلثة، افتعالٌ من الخَنْثِ، وهو الانطواءُ والتَّكسر والانثناءُ.
٥٦٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرَّحمن، فقيه أهل المدينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بنِ مالك (الخُدْرِيِّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ؛ يَعْنِي: أَنْ تُكْسَرَ) أي: تثنى (أَفْوَاهُهَا فَيُشْرَبَ مِنْهَا) وليس المراد كسرها
стр. 10233
حقيقةً ولا إبانتها، وفي رواية أبي النَّضر، عن ابنِ أبي ذئب عند أحمد حذف: يعني، وحينئذٍ فالتَّفسير مدرجٌ في الحديث.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربةِ»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه.
٥٦٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم ابنِ شهاب أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين وفتح الموحدة (ابْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بنِ مسعود (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى) نهي إرشادٍ (عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن المبارك: (قَالَ مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (أَوْ غَيْرُهُ) أي: غير مَعمر (هُوَ) أي: الاختناث (الشُّرْبُ مِنْ أَفْوَاهِهَا).
قال في «القاموس»: الفَاه والفُوه -بالضم- والفِيه -بالكسر- والفم سواءٌ، الجمعُ أفواهٌ وأفمامٌ، ولا واحد لها لأنَّ فمًا أصلُه: فَوَهٌ، حُذفت الهاء كما حُذفت من سنةٍ وبقيت الواو طرفًا متحرِّكةً (١)، فوجب إبدالها ألفًا لانفتاح ما قبلها فبقي فًا (٢)، ولا يكون الاسمُ على (٣) حرفين أحدُهما التَّنوين فأُبدل مكانها حرفٌ جَلْد مُشاكلٌ لها وهو الميم لأنَّهما شَفَهيَّتان، وفي الميم هُوِيٌّ في الفمِ يُضارع امتدادَ الواو، ويقال في تثنيته: فمَان وفَمَوان وفَمَيان (٤)، والأخيران نادران. انتهى.
وعند مسلم من طريق وهب بن (٥) يونس، عن ابنِ شهاب: «نهى عن اختناثِ الأسقيةِ أن
стр. 10234
يشرب من أفواهها». وقد جزمَ الخطَّابيُّ أنَّ تفسير الاختناثِ من قول الزُّهريِّ، ويحملُ تفسير المطلقِ -وهو الشُّرب من أفواهها- على المقيَّد بكسر فمها، أو قلبِ رأسها.
(٢٤) (بابُ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ) بتخفيف الميم وقد تشدَّد، وفي نسخة: «من في السِّقاء» «بالياء» بدل: «الميم».
٥٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) بن أبي (١) تميمة السَّخْتيانيُّ (قَالَ لَنَا عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاس، وعند الحميديِّ عن سفيان: حدَّثنا أيُّوب السَّخْتيانيُّ: أخبرنا عكرمة (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (أُخْبِرُكُمْ بِأَشْيَاءَ قِصَارٍ) فقلنا: أخبرنا فقال: (حَدَّثَنَا بِهَا) أي بالأشياء (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ القِرْبَةِ أَوِ السِّقَاءِ) لأنَّ جريان الماء دفعة وانصبابه في المعدة يضرُّ بها (٢)، أو لأنَّه ربَّما يغير رائحتها بنفسهِ، وربما يكون فيها حيَّة أو شيء من الهوامِ لا يراهُ الشَّارب فيدخلُ جوفَه. وعند ابنِ ماجه والحاكمِ: «أنَّ رجلًا قامَ من اللَّيل إلى السِّقاء فاختنثَهُ فخرجتْ منه حيَّة»، وإن ذلك بعد نهيهِ ﷺ عن اختناثِ الأسقيةِ (وَ) نهى (أَنْ يَمْنَعَ) الشَّخص (جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ) بالهاء على الجمع، ولأبي ذرٍّ: «خشبة» بالفوقية على الإفراد (فِي دَارِهِ (٣)) ولأبي ذرٍّ: «في جداره (٤)»، وهو محمولٌ على الاستحباب، وقال: ألَا أُخْبركم بأشياء بصيغة الجمع، ولم يذكر إلَّا شيئين (٥)، فيحتمل أن يكون أخبرَ بالثَّالث فاختصرَهُ الرَّاوي، ويؤيدُه أنَّ الإمام أحمد زاد في الحديثِ المذكور: النَّهي عن الشُّرب قائمًا.
стр. 10235
وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه في «الأشربةِ».
٥٦٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة قال: (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُشْرَبَ) بضم أوَّله وفتح ثالثه (مِنْ فِي السِّقَاءِ) قال في «القاموس»: السِّقاء -ككساء-: جلد السَّخْلة إذا أجْذَعَ (١) يكون للماء واللَّبن، الجمع: أسقِيَةٌ وأسْقِياتٌ. والنَّهي للتَّنزيه، وما ذكر من أنَّه لا يؤمن من دخولِ شيءٍ من الهوام مع الماء في جوف الشَّارب من السِّقاء وهو لا يشعرُ، يقتضي أنَّه لو ملأ السِّقاء وهو يشاهدُ الماء الدَّاخل، وأحكمَ ربطه ثمَّ شربَ منه بعدُ أنَّه (٢) لا يتناوله (٣) النَّهي، وما روي في حديث عائشة بسندٍ قويٍّ عند الحاكم بلفظ: «نهى (٤) أن يشربَ من في السِّقاء لأنَّ ذلك ينتنُه» يقتضِي أن يكون النَّهيُّ خاصًّا بمن يشرب، فيتنفَّس (٥) داخلَه، أو باشرَ بفيهِ (٦) باطن السَّقاء، فلو صبَّ من فم (٧) السِّقاء داخلَ فمهِ من غير مماسَّة فلا.
٥٦٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء آخره عين مهملة مصغَّرًا قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ) وقد قيل في علَّة ذلك زيادةً على ما سبق: إنَّه ربَّما يغلبُه الماء فينصبُّ منه أكثر من حاجتهِ فتبتل ثيابه، وربما فسدَ الوعاء ويتقذَّره غيره لما
стр. 10236
يخالطُ الماء من ريق الشَّارب، فيؤول إلى إضاعةِ المال. قال ابنُ العربيِّ: واحدة ممَّا ذُكر تَكفي في ثبوتِ الكراهة، ومجموعها يقوِّي (١) الكراهة جدًّا. وقال ابنُ أبي جمرة (٢): الَّذي يقتضيهِ الفقه أنَّه لا يبعدُ أن يكون النَّهي بمجموعِ هذه الأمور، وفيها ما يقتضِي الكراهة وما يقتضِي التَّحريم، والقاعدةُ في مثل ذلك ترجيحُ القول بالتَّحريم. انتهى.
وقول النَّوويِّ: يؤيِّد كون النَّهي للتَّنزيه أحاديث الرُّخصة في ذلك. تعقبه في «الفتح» بأنَّه لم ير في شيءٍ من الأحاديث المرفوعةِ ما يدلُّ على الجواز إلَّا من فعله ﷺ ، وأحاديثُ النَّهي كلها من قولهِ فهي أرجح إذا نظرنَا إلى علة النَّهي عن ذلك، فإنَّ جميع ما ذكروه في ذلك يقتضِي أنَّه مأمونٌ منه ﷺ أمَّا أوَّلًا فلعصمتهِ وطيبِ نكهتهِ (٣)، وأما خوف دخول شيءٍ من الهوامِّ في الجوفِ فقد سبق ما فيهِ.
وهذا الحديث أخرجه ابنُ ماجه في «الأشربةِ».
(٢٥) (بابُ التَّنَفُّسِ) أي: حكمه، ولأبي ذرٍّ: «باب النَّهي عن التَّنفس» (فِي الإِنَاءِ).
٥٦٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بالشين المعجمة، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بنِ أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ) ماءً أو غيرَه (فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي) داخل (الإِنَاءِ) خوف ما ذكره من تقذُّرٍ (٤) في الباب السَّابق، فلو كان وحدَه
стр. 10237
أو مع من لا يتقذَّر منه فلا بأس بهِ (وَإِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ ذَكَرَهُ) ولا دُبره (بِيَمِينِهِ، وَإِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ) تشريفًا لليمين عن مماسَّة ما فيه أذى، والنَّهيُّ للتَّنزيه عند الجمهور. ومباحثُ ذلك مرَّت في «باب النَّهيِّ عن الاستنجاءِ باليمين في الطَّهارة».
(٢٦) (بابُ الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ).
٥٦٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل (وَأَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين (قَالَا: حَدَّثَنَا عَزْرَةُ) بفتح العين المهملة وسكون الزاي بعدها راء فهاء تأنيث (بْنُ ثَابِتٍ) التَّابعي الصَّغير الأنصاريُّ الأصل، المدنيُّ، نزيل البصرة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضم المثلثة وتخفيف الميم، ابن أنسٍ (قَالَ: كَانَ أَنَسٌ) أي: جدُّه ﵁ (يَتَنَفَّسُ فِي) الشُّرب من (الإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) بأن يُبِيْنَ الإناء عن فمه ثمَّ يتنفَّس خارجه ثمَّ ليعد، ولا يجعل نفسَه داخلَ الإناء لأنَّه قد يقعُ منه شيءٌ من الرِّيق فيعافُه الشَّارب، و «أو» للتَّنويع، أو للشَّك من الرَّاوي، وفي حديث ابن عبَّاس رفعه بسندٍ ضعيفٍ عند التِّرمذيِّ: «لا تشربُوا واحدةً كما يشربُ البعيرُ، ولكن اشربُوا مَثْنى وثلاث» ولم يقل: أو (وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أي: قال: (كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا) ولمسلم و «السنن» من طريقِ عاصم: «هو أَرْوى وأَمْرأ وأَبْرأ» أي: أكثر ريًّا (١)، وأمرأُ -بالميم-: صار مريئًا، وأبرأُ -بالهمز-: أي: يُبرِئ من الأذَى والعطش، فهو أقمعُ للعطش، وأقوى على الهضمِ، وأقلُّ أثرًا في برد المعدة، وضعفِ الأعصاب، وفي حديث أبي هريرة المروي في «الأوسط» للطَّبرانيِّ بسندٍ حسنٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يشربُ في ثلاثةِ أنفاسٍ إذا أدنى الإناءَ إلى فيه سمَّى الله، فإذا أخَّره حمدَ الله، يفعلُ ذلك ثلاثًا».
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الأشربةِ»، والنَّسائيُّ في «الوليمة».
стр. 10238
(٢٧) (بابُ) حكمِ (الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ).
٥٦٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحَوْضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، ابن عُتَيبة -بضم العين وفتح الفوقية- مصغَّرًا (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن أنَّه (قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان (بِالمَدَائنِ) مدينة عظيمةٌ على دجلة بينها وبين بغداد سبعة فراسخ بها إيوانُ كسرى (فَاسْتَسْقَى) طلبَ ماءً ليشربَ (فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ) بكسر الدال المهملة وسكون الهاء وفتح القاف وبعد الألف نون، كبيرُ القرية بالفارسيَّة، ولم أقفْ على اسمه (بِقَدَحِ فِضَّةٍ) بالإضافةِ (فَرَمَاهُ بِهِ) فكسره (فَقَالَ) مُعتذرًا لمن حضرَه: (إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ) أن يَسْقيني فيه (فَلَمْ يَنْتَهِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا) نهيَ تحريم (عَنِ) استعمالِ (الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ) في اللُّبس (١)، والدِّيباجُ: ثيابٌ مُتَّخذةٌ من إبريسم، فارسيٌّ معرَّب (وَ) عن (الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ) وعند أحمدَ من طريق مجاهدٍ عن ابنِ أبي ليلى: «نهى أنْ يُشرَبَ في آنيةِ الذَّهب والفضَّة، وأنْ يُؤكلَ فيها» (وَقَالَ) ﷺ : (هُنَّ) بنون مشددة، ولأبي داود: «هي»، ولمسلم: «هو» أي: ما ذكر (لَهُمْ) أي: للكفَّار كما يدلُّ عليه السِّياق (فِي الدُّنْيَا) يستعملونها مخالفة للمسلمين (وَهْيَ (٢) لَكُمْ) معاشرَ المؤمنين تستعملونها (فِي الآخِرَةِ) مكافأةً لكم على تركِهَا في الدُّنيا، ويمنعها أولئك جزاءً لهم على معصيتهِم باستعمالها، كذا قرَّره الإسماعيليُّ.
وهذا الحديث مرَّ في «باب الأكلِ في إناءٍ مفضضٍ» من «كتاب الأطعمة» [خ¦٥٤٢٦].
стр. 10239
(٢٨) (بابُ) حكمِ استعمال (آنِيَةِ الفِضَّةِ).
٥٦٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو موسى العَنَزِيُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمد، واسم أبي عديٍّ: إبراهيم البصريُّ (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) عبد الله (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبرٍ (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ حُذَيْفَةَ) بن اليمان، زاد الإسماعيليُّ: «إلى بعضِ السَّواد، فاستسقَى فأتاهُ دِهْقان بإناءٍ من فضَّةٍ فرماه به في وجههِ، قال: فقلنا: اسكتُوا فإنَّا إن سألناهُ لم يحدِّثنا، قال: فسكتنَا، فلما كان بعد ذلك، قال: أتدرونَ لم رميتُ بهذا في وجهه؟ قلنا: لا. قال: ذاك أنِّي كنتُ نهيتُه. قال»: (وَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ) ويقاس بالشُّرب والأكلِ (١) غيرهما، وإنما خُصَّا بالذِّكر لغلبتهمَا، وهل حرمَ الذَّهب والفضةُ لعينهمَا، أو للسَّرف والخُيلاء (٢) قولان. الجديد أنَّهما لعينهمَا، وقد يعللون بالثَّاني، فالوجه مُرَاعاة كلٍّ منهما في الآخر شرطًا (٣) ليصح الحكم في المموَّه والمغشىَ بنحاسٍ، وليفارق الضَّعيف المعلَّل بالثَّاني في المموَّه، وفُهِمَ من حرمتهمَا حرمة الاستئجارِ لفعلهمَا، وأخذِ الأجرةِ على صنعتهمَا، وعدم الغُرْم على كاسرِ ذلك كآلاتِ الملاهِي، ومن التَّقييد بالذَّهب والفضة حِلُّ غيرِهما ولو من جوهرٍ نفيسٍ كياقوتٍ لانتفاءِ علَّة التَّحريم (وَلَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ فَإِنَّهَا (٤)) أي: جميع ما نهى عنه (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا) يتعلَّق قوله: لهم، بخبر إنَّ والضَّمير يعود على المشركين، أو على من عصَى بها من المؤمنين، فإنَّه لا ينعم بها في الآخرةِ وإن دخلَ الجنَّة (وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ) (٥) أي: الاختصاص بها لمن اجتنبَها في الدُّنيا.
стр. 10240
٥٦٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الأصبحيُّ الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) التَّابعي الثِّقة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) ﵁ (١) (عَنْ) خالته (أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميَّة ﵂ (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (٢) ﷺ قَالَ: الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الفِضَّةِ) ولأبي ذرٍّ: «في آنية الفضةِ» ولمسلم من طريق عثمان بن مرَّة، عن عبدِ الله بن عبد الرَّحمن: «مَن شَرِب من إناءِ ذهبٍ أو فضَّةٍ»، وله أيضًا من رواية عليِّ بن مُسْهر، عن عبيدِ الله بن عمر (٣) العُمري، عن نافعٍ: «إنَّ الَّذي يأكلُ أو يشربُ في آنيةِ الذَّهب والفضَّةِ»، لكن تفرَّد عليُّ بن مسهر بقولهِ: يأكلُ (إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ) بضم التحتية وفتح الجيم الأولى وكسر الثانية بينهما راء ساكنة وآخره راء أيضًا، صوتُ تردُّد البعيرِ في حنجرتهِ إذا هاجَ، وصب الماء في الحلقِ كالتَّجرجرِ، والتَّجرجر: أنْ يجرعه جرعًا مُتَداركًا، جرجرَ الشَّراب وجَرْجره: سَقَاه على تلكَ الصِّفة، وقول النَّوويِّ اتَّفقوا على كسر الجيم الثانية من يُجرجر. تُعُقِّب بأنَّ الموفق ابن حمزة في كلامهِ على «المهذب» حكى فتحها، وحكى الوجهين ابن الفِرْكَاح وابنُ مالك في «شواهد التوضيح» وتُعُقِّب بأنَّه لا يُعرف أن (٤) أحدًا من الحفَّاظ رواه مبنيًّا للمفعول، ويبعدُ اتِّفاق الحفَّاظ قديمًا وحديثًا على تركِ روايةٍ ثابتةٍ. قال: وأيضًا فإسنادُه إلى الفاعلِ هو الأصل وإلى المفعولِ فرع، فلا يصارُ إليه بغيرِ فائدةٍ، وقوله: «نار جهنَّم» بنصبِ نارٍ في الفرع على أنَّ الجرجرةَ بمعنى: الصَّب أو التَّجرع، فالشَّارب هو الفاعل، والنَّار مفعوله، وجاء الرَّفع على الفاعليَّة على أنَّ الجرجرةَ هي الَّتي تصوِّت في البطنِ، والأشهرُ الأول.
وقال في «شرح المشكاة»: وأمَّا الرَّفع فمجاز لأنَّ جهنَّم في الحقيقةِ لا تجرجر في جوفهِ،
стр. 10241
والجرجرة: صَوت البعير عند الضَّجر، ولكنَّه جعلَ صوت تجرِّع الإنسان للماء في هذه الأوانِي المخصوصةِ لوقوعِ النَّهي عنها واستحقاقِ العقاب على استعمالها كجرجرةِ نارِ جهنَّم في بطنهِ من طريق المجازِ، وقد يُجْعَل يجرجر (١) بمعنى: يصب، ويكون نارُ جهنَّم منصوبًا على أنَّ «ما» كافَّة، أو مرفوعًا على أنَّه خبر إنَّ (٢) واسمها ما الموصولة، ولا تُجْعَل حينئذٍ كافَّة، وفي الحديث: حرمةُ استعمال الذَّهب والفضَّة في الأكلِ والشُّرب والطَّهارة والأكلِ بملعقةٍ من أحدِهما (٣) والتَّجمر بمجْمَرةٍ، والبول في الإناء، وحرمة الزِّينة به واتِّخاذه، ولا فرقَ في ذلك بين الرَّجل والمرأة، وإنما فُرِّق بينهما في التَّحلِّي لما يقصد فيها من الزِّينة للزَّوج، ولا في الإناءِ بين الكبيرِ والصَّغير ولو بقدر الضَّبَّة الجائزة كإناءِ الغالية، وخرجَ بالتَّقييد بالاستعمالِ والزِّينة والاتخاذ حِلُّ شمِّ رائحة مجمرةِ الذَّهب والفضَّة من بعد. قال في «المجموع»: أن يكون بُعدها بحيثُ لا يعدُّ متطيِّبًا (٤) بها، فإن جمَّر بها ثيابه أو بيتهُ حرمَ، وإن ابتليَ بطعام فيهما (٥) فليخرجْهُ إلى إناءٍ آخرَ من غيرهما، أو بِدُهْنٍ في إناءٍ من أحدهمَا فليصبَّهُ في يدِهِ اليُسرى ويستعمله.
ورجالُ هذا الحديث كلُّهم مدنيون، وأخرجه مسلمٌ في «الأطعمة»، والنَّسائيُّ في «الوليمة»، وابن ماجه في «الأشربةِ».
٥٦٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنِ الأَشْعَثِ) ولأبي ذرٍّ: «عن أشعث» (بْنِ سُلَيْمٍ) بضم السين مصغَّرًا (عَنْ مُعَاوِيَةَ ابْنِ سُوَيْدِ بْنِ
стр. 10242
مُقَرِّنٍ) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء مشددة بعدها نون (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَبْعٍ) أي: بسبع خصال أو نحوه، فمميَّز العدد محذوفٌ، ومنها ما هو للإيجاب وما هو للنَّدب، لا يقال: إنَّ ذلك من استعمال اللَّفظ في حقيقتهِ ومجازه لأنَّ ذلك إنَّما هو في صيغةِ أفعل، أمَّا لفظ الأمر فيطلقُ عليهما حقيقة على المرجَّح لأنَّه حقيقة في القول المخصوصِ (١) (وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، أَمَرَنَا) بدل من أمرنا الأوَّل (بِعِيَادَةِ المَرِيضِ) مصدرٌ مضاف إلى مفعوله، والأصل في عيادة: عوادة لأنَّه من عادهُ يعودُه، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، من مادَّة العود، وهو الرُّجوع إلى الشَّيء بعد الانصراف عنه إمَّا بالذَّات، أو بالقولِ، أو بالعزمِ، وقد يُطلق العودُ على الطَّريق القديم، فإن أُخِذَ من الأوَّل فقد يشعرُ بتكرارِ العيادةِ، وإن أُخِذَ من الثَّاني بعد نقله عُرْفًا إلى الطَّريق لم يدلَّ على ذلك، قاله في «شرح الإلمام» (وَاتِّبَاعِ الجِنَازَةِ) بتشديد المثناة الفوقية (وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ) بالشين المعجمة في الأولى بأنْ يقول له: يرحمُك الله إذا حمدَ الله (وَإِجَابَةِ الدَّاعِي) إلى الوليمةِ أو غيرها (وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ) انتشارهُ وظهورُه (وَنَصْرِ المَظْلُومِ) إعانتُه سواء كان مسلمًا أو ذميًّا، وكفُّه عن الظلم (٢) (وَإِبْرَارِ المُقْسِمِ) بكسر الهمزة في الأول وضم الميم وكسر السين بينهما قاف ساكنة آخره ميم، مصدرٌ مضاف إلى المفعول كالسَّوابق، وهي اتِّباع الجنائزِ (٣) وما بعدها، والمعنى: إبرارُ يمين المقسم (٤)، ولأبي ذرٍّ: «وإبرار (٥) القَسَم» بفتح القاف والسين بغير ميم قبل القاف، الحلف، وهو مصدرٌ محذوفُ الزَّوائد لأنَّ الأصلَ: أقسم إقسامًا، ويحتملُ أن يكون المرادُ إبرارَ الإنسان قسمَ نفسه بأنْ يفِي (٦) بمقتضَى يمينه أو إبرار قسمِ غيره بأنْ لا يحنثه (وَنَهَانَا عَنْ) لبس (خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ) جمع خاتَِم -بكسر التاء وفتحها-، وخَيْتام (٧) وخَاتَام، أربع لغاتٍ (وَعَنِ (٨) الشُّرْبِ فِي الفِضَّةِ -أَوْ قَالَ: آنِيَةِ الفِضَّةِ-) ففي آنيةِ الذَّهب أولى،
стр. 10243
والشَّكُّ من الرَّاوي، وذِكْرُ الشَّراب (١) ليس قيدًا بل خرجَ مخرجَ الغالب (وَعَنِ) استعمال (المَيَاثِرِ) بفتح الميم والتحتية وبعد الألف مثلثة مكسورة فراء، جمع: مِيْثرة -بكسر الميم وسكون التحتية من غير همز- والأصل: مؤثرة (٢)، بالواو المكسورة ما قبلها فقلبتْ ياء لسكونها بعد الكسرِ لأنَّها من الوثارِ وهو الفراشُ الوطِيءُ، وهو من مراكب العجمِ يعملُ من حريرٍ أو ديباجٍ، ويتَّخذ كالفراش الصَّغير ويحشَى بقطنٍ أو صوفٍ يجعلها فوق الرَّحْلِ والسَّرج (وَ) عن استعمالِ ثياب (القَسِّيِّ) بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة وتشديد التحتية أيضًا، نسبةً إلى قريةٍ على ساحلِ بحر مصر قريبة من تنِّيس يعملُ بها (٣) ثيابٌ من كتَّان مخلوطٍ بحرير، وفي البخاريِّ: فيها حريرٌ أمثالُ الأُتْرُجِّ [خ¦٧٧/ ٢٨ - ٨٦٨٩]. وفي أبي داود عن عليٍّ ﵁: «أنَّها ثيابٌ من الشَّام، أو من مصر يُصنع (٤) فيها أمثال الأترجِّ». قال النَّوويُّ: إن كان حريرها أكثر فالنَّهيُّ للتَّحريم وإلَّا فللتَّنزيه (٥) (وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ) بضم اللام (وَالدِّيبَاجِ) بكسر الدال وتفتح آخره جيم، ما غلظَ وثخنَ من ثيابِ الحرير (وَالإِسْتَبْرَقِ) بكسر الهمزة، غليظُ الدِّيباج فارسيٌّ معرَّب، قاله الجواليقيُّ، وذكره بعد الدِّيباج من ذكرِ الخاصِّ بعد العامِّ، أو أريدَ به ما رقَّ من الدِّيباج ليقابلَ ما غلُظَ منه، فهو من التَّعبير عن الخاصِّ بالعامِّ (٦)، واعلم أن هذه المنهيات كلها للتَّحريم بخلافِ الأوامر.
وهذا الحديث قد مرَّ في «أوائل الجنائز» في «باب الأمر باتِّباع الجنائز» [خ¦١٢٣٩].
стр. 10244
(٢٩) (بابُ) جوازِ (الشُّرْبِ فِي الأَقْدَاحِ).
٥٦٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين وسكون الميم في الأول، وبالموحدة المشددة والسين المهملة في الثاني، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهدي قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، مولى عمر بن عُبيد الله (عَنْ عُمَيْرٍ) بضم العين مصغَّرًا (مَوْلَى أُمِّ الفَضْلِ، عَنْ أُمِّ الفَضْلِ) لبابةَ أمِّ عبد الله بن عبَّاس ﵃ (أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ) وهو (١) بعرفة (فَبُعِثَ) بضم الموحدة وكسر العين مبنيًّا للمفعول، وفي «الحج» من طريق سفيان، عن الزُّهريِّ، عن سالم أبي النَّضر: «فَبُعِثْتُ» بسكون المثلثة [خ¦١٦٥٨] وفي رواية: «فَبَعَثَتْ» بسكون آخره، أي: لبابة (إِلَيْهِ) ﷺ (بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَهُ).
وهذا الحديث سبق في «الحجِّ» [خ¦١٦٥٨] و «الصَّوم» [خ¦١٩٨٨].
(٣٠) (باب الشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ النَّبِيِّ ﷺ وَ) الشُّرب من (٢) (آنِيَتِهِ) وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، للتَّبرك به (وَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ) عامر بنُ أبي موسى الأشعريُّ ممَّا وصله مطوَّلًا في «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٣٤١]: (قَالَ لِي عَبْدُ (٣) اللهِ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللام، الصَّحابيُّ المشهور ﵁: (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام، للعرض (أَسْقِيكَ فِي قَدَحٍ شَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ).
стр. 10245
٥٦٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سالم الجُمَحِيُّ مَولاهم المصريُّ (١)، ونسبه لجدِّه واسم أبيه: محمد بنُ الحكم بنِ أبي مريم (٢) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بالغين المعجمة المفتوحة والسين المهملة المشددة، محمد بن مُطَرِّف؛ بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الراء المكسورة بعدها فاء (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعدي (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: ذُكِرَ) بضم المعجمة وكسر الكاف (لِلنَّبِيِّ ﷺ امْرَأَةٌ مِنَ العَرَبِ) هي الجُوْنِيَّة -بضم الجيم وسكون الواو وكسر النون- واسمُها فيما قيل: أميمةُ، فأراد أن يتزوَّجها (فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ) بضم الهمزة وفتح المهملة، مالكَ بن ربيعة (السَّاعِدِيَّ) ﵄ (أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا) من يأتي بها (فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ) بضم الهمزة والجيم، بناء يُشبه القصرَ، وهو من حصون المدينة (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا) الأُجُمَ (فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ) بكسر الكاف المشددة (رَأْسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) وفي «كتاب الطَّلاق»: قال: «هبي نفسكِ لي» [خ¦٥٢٥٥] (قَالَتْ) لشقائها: (أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، فَقَالَ) ﷺ : (قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي) الحقِي بأهلكِ (فَقَالُوا لَهَا: أَتَدْرِينَ (٣) مَنْ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا، قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ جَاءَ لِيَخْطُبَكِ. قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا (٤) أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ) يعني: لِمَا فاتها من التَّزوج بهِ ﷺ (فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ) موضع المبايعةِ بالخلافةِ لأبي بكر الصِّدِّيق ﵁ (هُوَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (اسْقِنَا يَا سَهْلُ) قال سهل: (فَخَرَجْتُ لَهُمْ بِهَذَا القَدَحِ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فأخرجت لهم هذا القدح» (فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ) قال أبو حازم: (فَأَخْرَجَ لَنَا (٥) سَهْلٌ ذَلِكَ القَدَحَ) الَّذي شربَ منه ﷺ
стр. 10246
(فَشَرِبْنَا مِنْهُ) تبرُّكًا به ﷺ (قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ) لمَّا كان أميرًا بالمدينةِ -زادها الله شرفًا، ورزقني الوفاةَ بها في عافيةٍ بلا محنةٍ- من سهلٍ (فَوَهَبَهُ لَهُ) قال في «الفتح»: وليستِ الهبة حقيقية بل من جهةِ الاختصاصِ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربةِ».
٥٦٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (الحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ) بفتح الحاء في الأول وضم الميم وكسر الراء في الثَّاني، الطَّحَّان أبو عليٍّ البصريُّ الحافظ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ مولاهم، ختنُ أبي عَوَانة قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ) بن سليمان أبي عبد الرَّحمن، البصريِّ الحافظ، أنَّه (قَالَ (١): رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، وفي «مختصر البخاري» للقرطبيِّ: أنَّ في بعض النَّسخ القديمة من البخاريِّ: «قال أبو عبدِ الله البخاريُّ: رأيتُ هذا القدح بالبصرةِ وشربتُ فيه، وكان اشتُرِي من ميراثِ النَّضر بن أنسٍ بثمان مئة ألف» (وَكَانَ قَدِ انْصَدَعَ) أي: انشقَّ (فَسَلْسَلَهُ) ﷺ أو أنس، أي: وصل بعضه ببعضٍ (بِفِضَّةٍ. قَالَ) عاصم: (وَهْوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ
стр. 10247
عَرِيضٌ) ليس بمتطاولٍ بل طوله أقصرُ من عمقه (مِنْ) خشب (نُضَارٍ) بنون مضمومة ومعجمة مخففة، والنُّضار: الخالصُ من كلِّ شيءٍ، وقد قيل: إنَّه عودٌ أصفرُ يشبه لون الذَّهب، وقيل: إنَّه من الأَثْل، وقيل: من شجرِ النَّبْع (١) (قَالَ) عاصم (٢): (قَالَ أَنَسٌ) ﵁: (لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي هَذَا القَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا) ولمسلم من طريق ثابت، عن أنسٍ: «لقد سقيتُ رسولَ الله ﷺ بقدحِي هذا الشَّراب كلَّه العسل والنَّبيذَ والماءَ واللَّبن» (قَالَ) عاصم: (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمد: (إِنَّهُ كَانَ فِيهِ) في القدح (حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ) بسكون اللام كاللَّاحقة (فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ -أَوْ: فِضَّةٍ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، أو (٣) هو تردُّد من أنسٍ عند إرادةِ ذلك (٤) (فَقَالَ لَهُ (٥) أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهلٍ الأنصاريُّ زوج أمِّ أنس: (لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَرَكَهُ) وقوله: تغيرَنَّ: بفتح الراء ونون التوكيد (٦) الثَّقيلة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لا تغير» بصيغة النَّهي من غير تأكيدٍ، وفي الحديث: جوازُ اتِّخاذ ضبَّة الفضة والسِّلسلة والحلقة أيضًا ممَّا اختلف فيه، ومنع ذلك مطلقًا جماعة من الصَّحابة والتَّابعين وهو قولُ مالك واللَّيث، وعن مالك: يجوزُ من الفضة إذا كان يسيرًا، وكرهه الشَّافعي قال: لئلا يكون شاربًا على فضَّة، وأخذ بعضُهم أنَّ الكراهة تختصُّ بما إذا كانت الفضةُ موضع الشُّرب وبذلك صرَّح الحنفيَّة، وقال به أحمد، والَّذي تقرَّر عند الشَّافعيَّة: تحريمُ ضبَّة الفضة إذا كانت كبيرةً للزينةِ، وجوازها إذا كانت صغيرةً لحاجةٍ، أو صغيرةً لزينةٍ، أو كبيرةً لحاجةٍ، وتحريمُ ضبَّة الذَّهب مطلقًا، وأصل ضبَّة الإناءُ: ما يصلح بها خلله من صفيحةٍ أو غيرها، وإطلاقُها على ما هو للزِّينة توسُّعٌ، ومرجعُ الكبيرةِ والصَّغيرة (٧) العرف على الأصح، وقيل وهو الأشهر:
стр. 10248
الكبيرةُ ما تستوعب جانبًا من الإناء كشفةٍ وأذن، والصَّغيرة دون ذلك، فإن شكَّ في الكُبْرِ فالأصل الإباحةُ، قاله في «شرح المهذب». والمراد بالحاجةِ: غرضُ الإصلاح دون التَّزيين، ولا يُعتبر العجز عن غير الذَّهب والفضَّة لأنَّ العجز عن غيرهما يبيحُ استعمالَ الإناء الَّذي كله ذهب أو فضة فضلًا عن المضبَّب.
وهذا الحديث قد سبقَ منه قطعة (١) في «باب ما جاء في درع النَّبيِّ ﷺ » مِنْ «كتاب الجهاد» [خ¦٣١٠٩].
(٣١) (بابُ شُرْبِ البَرَكَةِ وَالمَاءِ المُبَارَكِ) قال العينيُّ: أراد بالبركةِ: الماء. وقال المهلَّبُ فيما نقلَه عنه في «فتح الباري»: سُمِّي الماء بركة لأنَّ الشَّيء إذا (٢) كان مباركًا فيه يُسمَّى بركةً. وزاد الكِرمانيُّ فقال: كما قال أيُّوب: لا غِنى لي عن بركتكَ، فسمَّى الذَّهب بركة.
٥٦٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ أَبِي الجَعْدِ) الأشجعيُّ مَولاهم، الكوفيُّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ هَذَا الحَدِيثَ) قال الكِرمانيُّ: أشارَ إلى الَّذي بعدَه
стр. 10249
(قَالَ: قَدْ رَأَيْتُنِي) أي: رأيتُ نفسِي (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ) أي: والحال أن (١) قد (حَضَرَتِ العَصْرُ) أي: صَلاتها (وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ فَجُعِلَ) ما فضل (فِي إِنَاءٍ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ) بضم همزة فأُتِي وكسر الفوقية (فَأَدْخَلَ يَدَهُ) الكريمة (فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى أَهْلِ الوَضُوءِ) بفتح الواو (البَرَكَةُ مِنَ اللهِ) أي: هذا الَّذي ترونه من زيادةِ الماء إنَّما هو من فضلِ الله وبركتهِ (٢) ليسَ مني، وهو الموجدُ للأشياءِ لا غيره، وللنَّسفيِّ: «على الوضوء» بإسقاط لفظ: «أهل» قال في «الفتح» و «العمدة» و «التنقيح»: وهو أصوبُ، كما في الحديث الآخر: «حيَّ على الطَّهور المبارك». وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: كلٌّ صواب فإنَّ (٣) حيَّ بمعنى: أقبل، فإن كان المخاطبُ المأمور بالإقبالِ هو الَّذي يريدُ به الطَّهور كان سقوطُ «أهل» صوابًا، أي: أَقْبِلْ أيُّها المريد للتَّطهر (٤) على الماء الطَّهور، وإن جعلنا المخاطب هو الماء الَّذي أراد النَّبيُّ ﷺ انبعاثه وتفجره من بين أصابعهِ نزَّله (٥) منزلةَ المخاطب تجوزًا فإثبات «أهل» صوابٌ، أي: أقبل أيُّها الماء الطَّهور على أهل الوضوء (٦)، ووجه القاضِي هذه الرِّواية: بأن يكون أهل منصوبًا على النِّداء بحذف حرف النِّداء كأنَّه قال: حيَّ على الوضوءِ المبارك يا أهل الوضوء، لكن يلزمُ عليه حذف المجرور وبقاء حرفِ الجرِّ غير داخلٍ في اللَّفظ على (٧) مَعموله وهو باطلٌ، ولا أعلم أحدًا أجازه، وقيل: الصَّواب: حيَّ هلا على الوضوء المبارك، فتحرفت (٨) لفظة (٩) أهل وحوِّلت عن مكانها. وحي: اسم فعل للأمر بالإسراعِ، وتفتح لسكون ما قبلها، وهلًا: بتخفيف اللام وتنوينها، كلمة استعجالٍ. وقال الكِرمانيُّ: وفي بعضها: حيَّ عليَّ -بتشديد الياء- وأهل الوضوءِ: منادى محذوف منه حرف النِّداء.
стр. 10250
قال جابر: (فَلَقَدْ رَأَيْتُ المَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) من نفسها أو من بينها لا من نفسها (١) وكلاهما معجزةٌ عظيمةٌ، والأول أقعدُ في المعجزةِ كما لا يخفى (فَتَوَضَّأَ النَّاسُ) من ذلك الماء (وَشَرِبُوا) منه. قال جابر: (فَجَعَلْتُ لَا آلُو مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ) آلو بالمدِّ وتخفيف اللام المضمومة، أي: لا أقصر، والمعنى: إنَّه جعل يستكثر من شربهِ من ذلك الماء لأجلِ البركةِ، وشرب البركةِ يُغْتفر فيه الإكثار لا كالشُّرب (٢) المعتاد الَّذي ورد أن (٣) يجعلَ له الثُّلث، فلأجلِ ذلك أَكْثَرَ وإن كان فوق الرِّي. قال سالمُ بن أبي الجعد: (قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا) أي: كنَّا ألفًا (وَأَرْبَعَ مِئَةٍ) وللأكثرين -كما في «الفتح» وغيره-: «ألفٌ» بالرفع، أي: ونحن يومئذٍ ألف (تَابَعَهُ) أي: تابع سالمًا (عَمْرُو بْنُ دِيْنَارٍ، عَنْ جَابِرٍ) وثبت: «بنُ دينار» لأبي الوقتِ، وهذه المتابعةُ وصلها المؤلِّف في «سورة الفتح» مختصرًا بلفظ: «كنَّا يوم الحديبية ألفًا وأربع مئة» [خ¦٤٨٤٠]. قال الحافظُ ابن حجرٍ: وهذا القدر هو مقصودُه (٤) بالمتابعةِ لا جميع سياق الحديث.
(وَقَالَ حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، فيما وصلَه المؤلِّف في «المغازِي» [خ¦٤١٥٢] (وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بفتح العين، ومُرَّة -بضم الميم وتشديد الراء المفتوحة- الجهنيُّ، فيما وصلَه مسلمٌ وأحمد كلاهما (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ أبي الجعد (عَنْ جَابِرٍ: خَمْسَ عَشْرَةَ مِئَةً، وَتَابَعَهُ) أيضًا (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ جَابِرٍ) قال الكِرمانيُّ: فإن قلتَ: القياس أن يقال: ألف وخمس مئة، وأجابَ بأنَّه أرادَ الإشارة إلى عدد الفِرَقِ وأنَّ كلَّ فِرْقةٍ مئة، وفي التَّفصيل زيادةُ تقريرٍ لكثرةِ الشَّاربين، فهو أقوى في بيان كونهِ خارقًا للعادةِ، كما أنَّ خروج الماء من اللَّحم أخرق لها من (٥) خروجهِ من الحجرِ الَّذي ضربهُ موسى ﵇.
هذا آخر الربع الثَّالث من «صحيح البخاري» فيما ضبطَه المعتنونَ بشأن البخاريِّ فيما نقلَه في «الكواكب الدَّراري».
стр. 10251
((٧٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ المَرْضَى و (١) الطِّبِّ).
(١) (بابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ المَرَضِ) ولأبي ذرٍّ -كما في الفرع- «كتاب المرضى». وقال في «الفتح»: «كتاب المرضى، باب ما جاءَ في كفَّارة المرض» كذا لهم إلَّا أنَّ البسملةَ سقطَتْ لأبي ذرٍّ، وخالفَهم النَّسفي فلم يُفرِد «كتاب المرضَى» من «كتاب الطِّب»، بل صدَّر بـ «كتاب الطِّبِّ» ثمَّ بسمل ثمَّ ذكر «باب ما جاءَ في كفَّارة المرض»، واستمرَّ على ذلك إلى آخر كتاب الطِّبِّ ولكلٍّ وجه، والمرضى: جمع: مريض، والمرض: خروجُ الجسم عن المجرى الطَّبيعي، ويعبَّر عنه بأنَّه حالةٌ تصدر بها (٢) الأفعال خارجة عن الموضوع لها غير سليمة. والكفَّارة: صيغةُ مبالغةٍ من الكَفرِ وهو التَّغطية، ومعناهُ: أنَّ ذنوبَ المؤمن تتغطَّى بما يقعُ له من ألم المرضِ، وقوله: «كفَّارة المرضِ» هو من الإضافةِ إلى الفاعلِ، وأسندَ التَّكفير للمرض لكونه سببهُ. وقال في «الكواكب»: الإضافةُ بيانيَّة كنحو: شجر الأراك أي: كفَّارة هي مرض، أو الإضافة بمعنى في كأنَّ المرض ظرفٌ للكفَّارة، بل (٣) هو من بابِ إضافةِ الصِّفة إلى الموصوفِ، وبهذا يُجاب عن استشْكَال أنَّ المرضَ ليست له كفَّارة بل هو الكفَّارة نفسها لغيرهِ.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النساء: (﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]) استدلَّ بهذه الآية المعتزلةُ على أنَّه تعالى لا يعفو عن شيءٍ من السَّيِّئات. وأُجيب بأنَّه يجوز أن يكون المرادُ من
стр. 10252
هذا ما يصلُ للإنسان (١) في الدُّنيا من الهمومِ والآلامِ والأسقامِ، ويدلُّ له آية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقد رُوي: أنَّه لما نزلت هذه الآيةُ قال أبو بكر الصِّدِّيق: كيف الفلاحُ (٢) بعد هذه الآية؟ فقال ﷺ : «غفرَ الله لكَ يا أبا بكرٍ، ألسْتَ تمرضُ؟ ألستَ تنصبُ؟ ألستَ تحزنُ؟ ألستَ تصيبكَ اللأواء» قال: بلى. قال: «فهو ما تُجزون به». رواه أحمدُ وعبدُ بن حُميد وصحَّحه الحاكم، ورواهُ غيرهم أيضًا، وعند أحمدَ والبيهقيِّ وحسَّنه التِّرمذيُّ عن آمنة (٣) بنت عبد الله قالتْ: سألتُ عائشة عن هذه الآية: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فقالتْ: سألتُ عنها رسولَ الله ﷺ فقال: «يا عائشةُ، هذه مبايعةُ (٤) الله العبدَ بما يصيبُهُ من الحمى والحَزَنِ والنَّكْبة حتَّى البِضَاعَةِ يضعُهَا في كفِّه فيفقِدُها فيفزَعُ لها، فيجِدُها تحت ضِبْنِه (٥) حتَّى إنَّ العبدَ ليخرجُ من ذنوبهِ، كما يخرجُ التِّبر الأحمرُ من الكِيْرِ (٦)».
٥٦٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ (٧) عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ) واحدةُ المصائبِ، وهي كلُّ ما يؤذي المؤمن (٨)، ويصيبه (٩). يقال: إِصَابة
стр. 10253
ومُصَابة ومُصَابًا والمَصُوبة -بضم الصاد- مثل المصيبة، وأجمعتِ العرب على همزِ المصائب، وأصله الواو، وكأنَّهم شبَّهوا الأصليَّ بالزَّائد، ويُجمعُ على مصاوِب وهو الأصل، وقوله: «مصيبة تصيب» (١) من التَّجانس المغاير (٢)؛ إذ (٣) إحدى كلمتَي المادة اسم والأُخرى فعلٌ، ومثلُه ﴿أَزِفَتْ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] (إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا عَنْهُ) من سيئاتهِ (حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا) جوَّز أبو البقاء فيه أوجه الإعراب فالجرُّ على أنَّ «حتَّى» جارَّة بمعنى إلى، والنَّصبُ بفعل محذوفٍ، أي: حتَّى يجد الشَّوكة، والرفعُ عطفًا على الضَّمير في «تصيب» وقوله: «يُشَاكها» بضم أوَّله، أي: يشوكُه غيرُه بها. ففيه: وصلُ الفعل لأنَّ الأصلَ يُشاك بها.
وهذا الحديث أخرجه مسلم.
٥٦٤١ - ٥٦٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا (٤) عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) بكسر اللام وفتح العين، أبو عامر العَقَدِيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو المنذر التَّميميُّ تُكُلِّمَ في حفظهِ، لكن رواية البصريين عنه صحيحة بخلاف روايةِ الشَّاميين، ولم يُخرِّج له المؤلِّف إلَّا هذا الحديث وآخر [خ¦٦٢٢٩] وتابعَه على الأوَّل الوليد بن كثير، كما في مسلم (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) بحاءين مهملتين مفتوحتين ولامين الأولى ساكنة (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالسين المهملة المخففة بعد التحتية (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بنِ مالك (الخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ) تعب (وَلَا وَصَبٍ) مرض، أو مرض دائم ملازم (وَلَا هَمٍّ) بفتح الهاء وتشديد الميم (وَلَا حَزَنٍ) بفتحتين، ولغير أبي ذرٍّ: «ولا حُزْن» بضم فسكون. قال في «الفتح»: هما من
стр. 10254
أمراضِ الباطنِ، ولذلك ساغ عطفهما على الوصبِ. انتهى. وقيل: الهمُّ يختصُّ بما هو آتٍ، والحَزَنُ بما مضى (وَلَا أَذًى) يلحقُه من تعدِّي الغير عليه (وَلَا غَمٍّ) بالغين المعجمة وهو ما يُضيِّقُ على القلب، وقيل: إنَّ الهمَّ ينشأ عن الفكرِ فيما يُتوقَّع حصولُه ممَّا يُتأذى به، والحزن يحدث لفقدِ ما يشقُّ على المرءِ فقدُه، والغمُّ كربٌ يحدثُ للقلبِ بسببِ ما حصل. وقال المُظَهَّريُّ: الغمُّ الحَزَنُ الَّذي يغم الرجل، أي: يصيِّره بحيث يقربُ أن يُغمى عليه، والحَزَنُ أسهلُ منه (حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا) قال السَّفاقِسيُّ: حقيقة قوله: «يُشَاكها» أن يدخلَها غيرُه في جسدهِ. يُقال: شُكْته أَشُوكه (١). قال الأصمعيُّ: ويقال: شاكتْنِي تَشُوكني إذا دخلتْ هي، ولو كان المرادُ هذا لقيل تَشُوكه، ولكن جعلها هي مفعولة، وهذا يردُّه ما في «مسلم» من روايةِ هشام بنِ عروةَ «ولا يصيْبُ المؤمنَ شوكةٌ» فأضاف الفعلَ إليها وهو الحقيقة، ولكنَّه لا يمنع إرادةَ المعنى الأعم، وهو أن تدخلَ هي بغير إدخالِ أحدٍ، أو بفعلِ أحدٍ (إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) ولابن حبَّان: «إلَّا رفعَه الله بها درجةً وحطَّ عنه بهَا خطيئةً» وفيه حصولُ الثَّواب ورفع العقاب.
وفي حديث عائشة عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط» بسندٍ جيدٍ من وجهٍ آخر «ما ضَربَ على مؤمنٍ عرق إلَّا حطَّ الله به عنهُ خطيئةً (٢)، وكتبَ له به حسنةً، ورفعَ له درجةً». وفي حديثِ عائشة عند الإمام أحمد وصحَّحه أبو عَوَانة والحاكمُ: أنَّ رسولَ الله ﷺ طرقَه وجعٌ، فجعلَ يتقلَّبُ على فراشهِ ويشتكِي، فقالت له (٣) عائشةُ: لو صنعَ هذا بعضُنَا لوَجِدْتَ عليه، فقال: «إنَّ الصَّالحين يُشدَّدُ عليهم، وإنَّه لا يصيبُ المؤمنَ نَكْبَةٌ تَشُوكه» الحديث. وفيه ردٌّ على قول القائل: إنَّ الثَّواب والعقاب إنَّما هو على الكسْبِ، والمصائبُ ليستْ منه بل الأجرُ على الصَّبر عليها والرِّضا بها، فإنَّ الأحاديثَ الصَّحيحة صريحة في ثبوتِ الثَّواب بمجرَّد حصولها، وأمَّا الصَّبر والرِّضا فقدرٌ زائدٌ لكن (٤) الثَّواب عليه زيادة على ثوابِ المصيبة.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ (٥) في «الأدبِ»، والتِّرمذيُّ (٦) في «الجنائز».
стр. 10255
٥٦٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني (١)» (مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) كعب بنِ مالك الأنصاريِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَثَلُ المُؤْمِنِ كَالخَامَةِ) بالخاء المعجمة والميم المخففة، الطَّاقة (٢) الغضَّة الطَّريَّة اللَّينة (مِنَ الزَّرْعِ) والألف في «الخامةِ» منقلبةٌ عن واو (تُفَيِّئُهَا) تميلُها (الرِّيحُ مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا) بفتح (٣) الفوقية وسكون العين المهملة (مَرَّةً) ووجه التَّشبيه أنَّ المؤمن من حيثُ إنَّه إن جاءهُ أمرُ الله انطاعَ له ورضي به، فإن جاءهُ خير فرحَ به وشكر، وإنْ وقع له (٤) مكروه صبر ورجا فيه الأجرَ، فإذا اندفعَ عنه اعتدَلَ شاكرًا، قاله المهلَّب. والنَّاس في ذلك على أقسامٍ: منهم من ينظرُ إلى أجر (٥) البلاءِ فيهون عليه البلاء، ومنهم من يرى أنَّ هذا من تصرُّف المالك في مُلكه فيُسَلِّمُ ولا يَعْتَرض، ومنهم من تشغلُه المحبَّة عن طلبِ رفعِ البلاء، وهذا أرفعُ من سابقه، ومنهم من يتلذَّذ به، وهذا أرفعُ الأقسام، قاله أبو الفرج ابنُ الجوزيِّ. وقال الزَّمخشريُّ في «الفائق»: قوله: «من الزَّرع» صفة للخامةِ لأنَّ التَّعريف في «الخامةِ» للجنسِ، و «تفيئها» يجوزُ أن يكون صفة أُخرى للخامةِ، وأن يكون حالًا من الضَّمير المتحوِّل إلى الجار والمجرور، وهذا التَّشبيه يجوزُ أن يكون تمثيليًّا فيتوهَّم للمشبه (٦) ما للمشبَّه به، وأن يكون معقولًا بأن (٧) تؤخذ الزبدة
стр. 10256
من المجموعِ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ المؤمن ينبغِي له أن يَرى نفسه في الدُّنيا عارية معزولة عن استيفاءِ اللَّذات والشَّهوات مَعروضة للحوادثِ والمصيبات مخلوقة للآخرة؛ لأنَّها جنَّته ودار خلودهِ (وَمَثَلُ المُنَافِقِ كَالأَرْزَةِ) بفتح الهمزة والزاي بينهما راء ساكنة، نباتٌ ليس في أرضِ العرب، ولا ينبتُ في السِّباخ، بل يطولُ طولًا شديدًا، ويغلظ حتَّى لو أنَّ عشرين نفسًا أمسكَ بعضُهم بيد بعضٍ لم يقدروا على أن يحضنُوها، وقيل: هو ذكر الصَّنوبر وأنَّه لا يحمل شيئًا، وإنَّما يستخرجُ من أغصانهِ الزِّفت، ولا يحرِّكه هبوب الرِّيح (لَا تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا) بسكون النون وكسر الجيم وفتح العين المهملة وبعد الألف فاء، انقلاعُها أو (١) انكسارُها من وسطهَا (مَرَّةً وَاحِدَةً) وجه (٢) التَّشبيه أنَّ المنافق لا يتفقَّده الله باختبارهِ، بل يجعل له التَّيسير في الدُّنيا ليتعسَّر عليه الحال في المعاد حتَّى إذا أرادَ الله إهلاكَه قصمَه (٣)، فيكون موته أشد عذابًا عليه، وأكثر ألمًا في خروج نفسه.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة» والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ».
(وَقَالَ زَكَرِيَّا) بن أبي زائدة، فيما وصلَه مسلم (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعْدٌ) هو ابنُ إبراهيم ابنِ عبد الرَّحمن بن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ كَعْبٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ كَعْبٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفائدةُ هذا: التَّصريح بالتَّحديث عن سعدٍ، وفي (٤) رواية سفيان الأولى تسميةُ ابن كعب المبهم في هذا التَّعليق، لكن في «مسلم» عن سفيان تسميتُه عبد الرَّحمن بن كعبٍ، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في إبهامهِ في رواية زكريَّا، قاله في «الفتح».
стр. 10257
٥٦٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) أبو إسحاق الحِزَاميُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (مُحَمَّدُ ابْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) فُلَيحُ بن سليمان (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ) بالولاء (١)، وليس من أنفسِهم، مدنيٌّ، تابعيٌّ صغيرٌ، موثَّقٌ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَثَلُ المُؤْمِنِ) في الرِّضا بالقضاءِ وشُكره على السَّرَّاء والضَّرَّاء (كَمَثَلِ الخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ) صفة لخامة، وهي أوَّل ما ينبت (٢) على ساقٍ واحد (مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ كَفَأَتْهَا) بفتح الكاف والفاء والهمزة وسكون الفوقية، أمالتها (فَإِذَا اعْتَدَلَتْ تَكَفَّأُ) بفتح الفوقية والكاف والفاء المشددة بعدها همزة، أي: تقلب (بِالبَلَاءِ).
قال الكِرمانيُّ: فإن قلتَ: البلاءُ إنَّما يستعملُ بالمؤمن، فالمناسب أنْ يقال: بالرِّيح، أي: إذا اعتدلتْ تكفَّأ بالرِّيح، كما يتكفَّأ المؤمن بالبلاء. وأَجاب: بأنَّ الرِّيح أيضًا بلاء بالنِّسبة إلى الخامةِ أو أنَّه لما شبَّه المؤمن بالخامةِ أثبت للمشبَّه به ما هو من خواصِّ المشبَّه. انتهى.
وقال في «الفتح»: ويحتملُ أن يكون جوابُ إذا محذوفًا، أي: فإذا اعتدلتِ الرِّيح استقامتْ الخامة، ويكون قوله بعد ذلك: «تكفَّأ بالبلاء» رجوعًا إلى وصفِ المسلم. قال: ويؤيِّده ما في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٤٦٦] عن محمد بن سنان بلفظ: «فإذا سكنتْ اعتدلتْ، وكذا المؤمنُ يُكَفَّأ بالبلاءِ».
(وَالفَاجِرُ كَالأَرْزَةِ) بفتح الهمزة وسكون الراء (٣) وفتحها (صَمَّاءَ) أي: صلبة شديدة من غير تجويفٍ (مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللهُ) تعالى بالقاف، أي: يكسرها (إِذَا شَاءَ) فيكون موتُه أشدَّ عذابًا عليه وأكثر ألمًا في خروجِ نفسه من المؤمنِ المبتلَى بالبلاءِ المثاب عليه.
٥٦٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
стр. 10258
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) المازنيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ أَبَا الحُبَابِ) بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة، من علماءِ المدينة (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ) بضم التحتية وكسر الصاد المهملة، وعليه عامة المحدِّثين. وقال أبو الفرج ابنُ الجوزيِّ: يجعلونَ الفعلَ لله، أي: يبتليهِ بالمصائبِ ليثيبَه (١) عليها. وقال ابنُ الجوزيِّ: وسمعتُ ابن الخشَّاب يقرؤه بفتحها، وهو أحسنُ وأليقُ. قال الطِّيبيُّ: إنَّه أليقُ بالأدبِ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] ويشهدُ للأول ما أخرجه أحمدُ عن محمود بن لبيدٍ رفعَه بسندٍ رواتُه (٢) ثقاتٌ إلَّا أنَّه اختُلِفَ في سماعِ محمود بن لبيدٍ من النَّبيِّ ﷺ ولفظه: «إذا أحبَّ الله قومًا ابتلاهُم، فمَن صبرَ فلهُ الصَّبر (٣)، ومَن جَزِعَ فله الجزعُ» ومعنى حديث الباب -كما قال المظهريُّ- من يردِ الله به خيرًا أوصلَ إليه مصيبةً ليطهِّره بها (٤) من الذُّنوب وليرفع درجتَه.
وفي هذه الأحاديث بُشرى عظيمة لكلِّ مؤمنٍ؛ لأنَّ الأذى لا ينفكُّ (٥) غالبًا من ألمٍ بسببِ مرضٍ، أو همٍّ، أو نحو ذلك.
وحديث الباب أخرجهُ النَّسائيُّ في «الطِّبِّ».
(٢) (بابُ) ما جاء في (شِدَّةِ المَرَضِ) من الفضل.
٥٦٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحدة، ابنُ عقبة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ)
стр. 10259
الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان. قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو محمد السَّخْتيانيُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) (١) قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بنِ سلمة (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الوَجَعُ) أي: المرض، والعربُ تسمِّي كلَّ وجعٍ مرضًا (٢)، ولأبي ذرٍّ: «الوجعُ عليه أشد» (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) و «الوجعُ» على الرِّواية الثَّانية رفع مبتدأ، وخبره «أشدُّ … » إلى آخره، والجملة بمنزلة المفعول الثَّاني لـ «رأيت» لأنَّها من داخل (٣) المبتدأ، والخبر قد يكون جملة و «من» زائدة، والمعنى: ما رأيتُ أحدًا أشد وجعًا من رسولِ الله ﷺ .
وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الأدب» (٤) والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ»، وأبو داود (٥) وابنُ ماجه في «الجنائز».
٥٦٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِرْيابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران الكوفيِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ) الكوفيِّ (عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (¬﵁¬) أنَّه (قالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَرَضِهِ (٦) وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يُوعَكُ) بفتح
стр. 10260
العين المهملة (وَعَْكًا شَدِيدًا) بسكونها وفتحها، الحمَّى، أو ألمهَا أو إرعادها (١) (وَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فقلتُ: يا رسول الله» (إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قُلْتُ: إِنَّ ذَاكَ) أي: تضاعف الحمى (بِأَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ. قَالَ ﷺ : أَجَلْ) بفتح الهمزة والجيم وتسكين اللام مخفَّفة، نعم (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلَّا حَاتَّ اللهُ) بالحاء المهملة المفتوحة بعدها ألف ففوقية مشددة، وأصله بتاءين فأدغمت الأولى في الثانية، إلَّا نثرَ (٢) الله (عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ) وهو كنايةٌ عن إذهابِ الخطايا، شبَّه حالةَ المريضِ، وإصابةَ المرض جسدَه، ثمَّ محوَ السَّيئات عنه سريعًا بحالةِ الشَّجر وهبوبِ الرِّياح الخريفيَّة وتناثرِ الأوراقِ منها وتجرُّدِها عنها، فهو تشبيه تمثيلٍ لانتزاعِ الأمورِ المتوهَّمة في المشبَّه من المشبَّه به، فوجهُ التَّشبيه الإزالة الكلِّية (٣) على سبيل السُّرعة لا الكمال والنُّقصان؛ لأنَّ إزالةَ الذُّنوب عن الإنسانِ سببُ كماله، وإزالةُ الأوراق عن (٤) الشَّجر سببُ نقصانها، قاله في «شرح المشكاة».
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الطِّبِّ».
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ) صلواتُ الله وسلامه عليهم لِمَا خُصُّوا به من قوَّة اليقين ليكملَ لهم الثَّواب ويعمهم الخير (ثُمَّ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ) في الفضلِ، وللمُستملي: «ثمَّ الأمثل فالأمثلُ» فالأمثل (٥) يعبَّر به عن الأشبَه بالفضلِ والأقربِ إلى الخير، وأماثلُ القوم خيارهُم، و «ثُمَّ» فيه للتَّراخي في الرُّتبة، والفاء للتَّعاقب على سبيلِ التَّوالي تنزلًا من الأعلى إلى الأسفلِ، وفي «الفتح» إن «الأمثلَ فالأمثل» رواية الأكثرِ، و «الأول فالأول» رواية النَّسفيِّ. قال: وجمعهما المُستملي.