← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

كنَّا خمس عشرة مئةٍ، ولغيره: زُهاء ثلاثِ مئةٍ، فهي وقائعُ متعدِّدةٌ في أماكنَ مختلفةٍ وأحوالٍ مُتغايرَةٍ، وتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في «باب علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٢]. ورواة هذا الحديث الأربعة كلُّهم أجلَّاء بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الفضائل النَّبويَّة»، ووجه مُطابقَته لِمَا ترجم له المؤلِّف من جهة إطلاق اسم التَّور (١) على القَدَح، فاعلمه. (٤٧) (بابُ الوُضُوءِ بِالمُدِّ) بضمِّ الميم وتشديد الدَّال.

стр. 1017

٢٠١ - وبالسَّند (١) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضمِّ النُّون، الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العَيْن المُهمَلتين، ابن كِدامٍ، بكسر الكاف وبالدَّال المُهمَلة، المُتوفَّى سنة خمس وخمسين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ جَبْرٍ) بفتح الجيم وسكون المُوَحَّدة، أي: عبد الله بن عبد الله بن جبر بن عتيكٍ الأنصاريُّ، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به، وليس هو ابن جُبيرٍ -سعيدًا (٢) - بالتَّصغير لأنَّه لا رواية له عن أنسٍ في هذا «الصَّحيح» (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) -بالتَّنوين- حال كونه (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ يَغْسِلُ) جسده المُقدَّس (أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ) كـ «يَفْتَعِل» (بِالصَّاعِ) إناءٌ يَسَعُ خمسة أرطالٍ وثلث رطلٍ بالبغداديِّ، وربَّما زاد ﷺ على ما ذكر (إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَ) كان النَّبيُّ ﷺ (يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ) الذي هو ربع الصَّاع، وعلى هذا فالسُّنَّة ألَّا ينقص ماء الوضوء عن مدٍّ، والغسل عن صاعٍ. نعم، يختلف باختلاف الأشخاص، فضئيل الخلقة يُستحَبُّ له أن يستعمل من الماء قدرًا يكون نسبته إلى جسده كنسبة المدِّ والصَّاع إلى جسد الرَّسول ﷺ ، ومتفاحشها في الطُّول والعرض وعِظَم البطن وغيرها يُستحَبُّ ألَّا ينقص عن مقدار يكون بالنِّسبة إلى بدنه كنسبة المدِّ والصَّاع إلى بدن الرَّسول ﷺ ، وفي حديث أمِّ عُمَارة عند أبي داودٍ: «أنَّه ﵊ توضَّأ، فأُتي بإناءٍ فيه قدر (٣) ثلثيِ المدِّ»، وعنده أيضًا من حديث أنسٍ ﵁: «وكان (٤) ﵊ يتوضَّأ بإناءٍ يَسَعُ رطلين ويغتسل بالصَّاع» ولابني خزيمة وحِبَّان في «صحيحيهما» والحاكم في «مُستدرَكه» من حديث عبد الله بن زيدٍ ﵁: «أنَّه ﵊ أُتِيَ بثلثي مدٍّ من ماءٍ فتوضَّأ، فجعل يدلك ذراعيه»، ولـ «مسلمٍ» من حديث عائشة ﵂: أنَّها كانت تغتسل هي والنَّبيُّ ﷺ من (٥) إناءٍ واحدٍ يَسَعُ ثلاثة أمدادٍ، وفي أخرى: كان يغتسل بخمس مكاكيك

стр. 1018

ويتوضَّأ بمكُّوكٍ، وهو إناءٌ يَسَعُ المدَّ، وفي لفظٍ للبخاريِّ [خ¦٢٥٠]: «من قدحٍ يُقال له: الفَرَق» بفتح الفاء والرَّاء، يَسَعُ ستَّة عشر رطلًا -وهي (١) ثلاثة أصوعٍ- وبسكون الرَّاء: مئةٌ وعشرون رطلًا، قاله ابن الأثير، والجمع بين هذه الرِّوايات -كما نقله النَّوويُّ عنِ الشَّافعيِّ رحمهما الله ورضي عنهما- أنَّها كانت اغتسالاتٌ في أحوالٍ وجد فيها أكثر ما استعمله (٢) وأقلّه، وهو يدلُّ على أنَّه لا حدَّ في قدر ماء الطَّهارة يجب استيفاؤه، بل القلَّة والكثرة، باعتبار الأشخاص والأحوال، كما مرَّ، ثمَّ إنَّ الصَّاع أربعة أمدادٍ كما أُشير إليه، والمدُّ رطلٌ وثلثٌ بالبغداديِّ وهو مئةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهمًا وأربعة أسباعِ درهمٍ، وحينئذٍ فيكون الصَّاع ستَّ مئةِ درهمٍ وخمسةٍ وثمانين وخمسة أسباع درهمٍ، كما صحَّحه النَّوويُّ ﵀ ورضي عنه، والشَّكُّ في قوله: «أو كان يغتسل» مِنَ الرَّاوي، وهل هو من البخاريِّ، أو من أبي نُعَيْمٍ، أو من ابن جبرٍ، أو من مِسْعَرٍ؟ احتمالاتٌ. ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والسَّماع. (٤٨) (بابُ) حكم (المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ) في الوضوء بدلًا عن غسل الرجلين.

стр. 1019

٢٠٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بفتح الهمزة وسكون المُهمَلة وفتح المُوَحَّدة آخره مُعجَمة، أبو عبد الله (بْنُ الفَرَجِ) بالجيم، القرشيُّ الفقيه (المِصْرِيُّ) المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) القرشيِّ المصريِّ، وكان «أصبغُ» ورَّاقًا له (١) أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) وفي رواية: «أخبرني» بالإفراد فيهما (عَمْرٌو) بفتح العَيْن «ابن الحارث» كما في رواية ابن عساكر، أبو أميَّة المؤدِّب (٢) الأنصاريُّ المصريُّ الفقيه، المُتوفَّى بمصر (٣) سنة ثمانٍ وأربعين ومئةٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (أَبُو النَّضْرِ) بالضَّاد المُعجَمَة السَّاكنة، سالم بن أبي أميَّة القرشيُّ المدنيُّ، مولى عمر بن عُبَيْد الله، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ القرشيِّ الفقيه المدنيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ) القويَّين الطَّاهرين الملبوسين بعد كمال الطُّهر، السَّاترين لمحلِّ الفرض، وهو القدم بكعبيه من كلِّ الجوانب غير الأعلى، فلو كان واسعًا

стр. 1020

تُرى (١) منه لم يضرَّ (٢) (وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) هو عطفٌ على قوله: «عن عبد الله بن عمر» فيكون موصولًا إن حملناه على أنَّ أبا سلمةَ سمع ذلك من عبد الله، وإلَّا فأبو سلمة لم يدركِ القضيَّة (٣) (سَأَلَ) أباه (عُمَرَ) أي: «ابن الخطَّاب» كما للأَصيليِّ (عَنْ ذَلِكَ) أي: عن مسح النَّبيِّ ﷺ على الخفَّين (فَقَالَ) عمر ﵁: (نَعَمْ) مسح ﵊ على الخفَّين (إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ) لثقته بنقله، وقد أخرج الحديث الإمام أحمد من طريقٍ أخرى عن أبي النَّضر عن أبي سلمة عن ابن عمر قال: «رأيت سعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁ يمسح على (٤) خفَّيه بالعراق حين توضَّأ، فأنكرت ذلك عليه، فلمَّا اجتمعنا عند عمر ﵁ قال لي سعدٌ: سل أباك … » وذكر القصَّة، ورواه ابن خزيمة من طريق أيُّوب عن نافعٍ عن ابن عمر نحوَه، وفيه: أنَّ عمر ﵁ قال: «كنَّا ونحن مع نبيِّنا ﷺ نمسح على خِفافنا لا نرى بذلك بأسًا»، وإنَّما أنكر ابن عمر المسح على الخفَّين مع قِدَمِ صحبته وكثرة (٥) روايته لأنَّه خفيَ عليه ما اطَّلع عليه غيره، أو أنكر عليه مسحه في الحَضَر كما هو ظاهر رواية «المُوطَّأ» من حديث نافعٍ وعبد الله بن دينارٍ: أنَّهما أخبراه: أنَّ ابن عمر قدم الكوفة على سعدٍ وهو أميرها، فرآه يمسح على الخفَّين، فأنكر ذلك (٦) عليه، فقال له سعدٌ: سل أباك … فذكر القصَّة، وأمَّا في السَّفر فقد كان (٧) ابن عمر يعمله، ورواه عن النَّبيِّ ﷺ كما رواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه الكبير»، وابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» من رواية عاصمٍ عن سالمٍ عنه: «رأيت النَّبيَّ ﷺ يمسح على الخفَّين بالماء في السَّفر»، وقد تكاثرتِ الرِّوايات بالطُّرق المتعدِّدة عن الصَّحابة ﵃ الذين كانوا لا يفارقونه ﵊ سفرًا ولا حضرًا، وقد صرَّح جمعٌ

стр. 1021

من الحفَّاظ بتواتره، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثَّمانين (١)، منهم: العشرة المُبشَّرة، وعن ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصريِّ: حدَّثني سبعون من الصَّحابة بالمسح على الخفَّين، واتَّفق العلماء على جوازه، خلافًا للخوارج كبتهم الله لأنَّ القرآن (٢) لم يرد به، وللشِّيعة قاتلهم الله تعالى لأنَّ عليًّا ﵁ امتنع منه، ويُرَدُّ عليهم صحَّتُه عنِ النَّبيِّ ﷺ وتواتره على قول بعضهم كما تقدَّم، وأمَّا ما ورد عن عليٍّ ﵁ فلم يَرِدْ عنه بإسنادٍ موصولٍ يثبت بمثله، كما قاله البيهقيُّ، وقد قال الكرخيُّ: أخاف الكفر على من لم (٣) يرَ المسح على الخفَّين، وليس بمنسوخٍ لحديث (٤) المغيرة في غزوة تبوك، وهي آخر غزواته ﷺ ، و «المائدة» نزلت قبلها في غزوة المريسيع، فأُمِنَ (٥) النَّسخ للمسح، ويؤيِّده حديث جريرٍ ﵁: أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ بعد «المائدة» يمسح (٦). ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين مصريٍّ (٧) ومدنيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، ولم يخرجه المؤلِّف في غير هذا الموضع، ولم يخرج مسلمٌ في المسح إلَّا لعمر بن الخطَّاب (٨) ﵁، فهذا الحديث من أفراد المؤلِّف، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّهارة» أيضًا.

стр. 1022

(وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقُبَةَ) ﵁، بضمِّ العَيْن وسكون القاف وفتح المُوَحَّدة، التَّابعيُّ صاحب «المغازي»، المُتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ، مما وصله الإسماعيليُّ وغيره بهذا الإسناد: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو النَّضْرِ) التَّابعيُّ (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ) التَّابعيَّ أيضًا (أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدًا) هو ابن أبي وقَّاصٍ ﵁ (حَدَّثَهُ) أي: حدَّث أبا سلمة: أنَّ رسول الله ﷺ مسح على الخفَّين (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (لِعَبْدِ اللهِ) ولدِه (نَحْوَهُ) بالنَّصب لأنَّه مقول القول، أي: نحو قوله في الرِّواية السَّابقة: إذا حدَّثك (١) شيئًا (٢) سعدٌ عن النَّبيِّ ﷺ فلا تسأل عنه غيره، فقول عمر ﵁ في هذه الرِّواية المُعلَّقة بمعنى الموصولة السَّابقة لا بلفظها، والفاء في «فقال»: عطفٌ على قوله: «حدَّث» المحذوف عند المصنِّف، كما قدَّرناه … (٣) إلى آخره، وإنَّما حذفه لدلالة السِّياق عليه. ٢٠٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، ابن فرُّوخ، بالفاء المفتوحة وضمِّ الرَّاء المُشدَّدة وفي آخره مُعجَمة (الحَرَّانِيُّ) بفتح الحاء المُهمَلة وتشديد الراء وبعد الألف نون، نسبةً إلى حرَّان، مدينةٌ قديمةٌ بين دجلة والفرات (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، الإمام المصريُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة، الأنصاريِّ (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن

стр. 1023

عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ) أي: ابن مطعمٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ المُغِيرَةِ) بن شعبة (عَنْ أَبِيهِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ) في غزوة تبوك عند صلاة الفجر كما في «المُوطَّأ» و «مُسنَد الإمام أحمد» و «سنن أبي داود» من طريق عبَّاد بن زيادٍ عن عروة بن المغيرة (فَاتَّبَعَهُ المُغِيرَةُ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة (بِإِدَاوَةٍ) بكسر الهمزة، أي: مِطْهَرةٌ (فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ) المغيرة (عَلَيْهِ) زاده الله شرفًا لديه (حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ) فغسل وجهه ويديه، كذا عند المؤلِّف في «باب الرَّجل يُوضِّئ (١) صاحبه» [خ¦١٨٢] وله في «الجهاد» [خ¦٢٩١٨]: «أنَّه تمضمض واستنشق وغسل وجهه»، زاد الإمام أحمد: «ثلاث مرَّاتٍ، فذهب يخرج يديه (٢) من كمَّيه، فكانا ضيقين (٣) فأخرجهما من تحت الجُبَّة»، ولـ «مسلم» من وجهٍ آخر: «وألقى الجبَّة على منكبيه»، وللإمام أحمد: «فغسل يده اليمنى ثلاث مرَّاتٍ، ويده اليسرى ثلاث مرَّاتٍ» (٤)، وللمصنِّف: «ومسح برأسه» [خ¦١٨٢] (وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ) والسُّنَّة: أن يمسح على أعلاهما السَّاتر لمشط الرِّجل وأسفلهما (٥) خطوطًا بالأصابع (٦)، وكيفيَّة ذلك: أن يضع يده اليسرى تحت العقب واليمنى على ظهر الأصابع، ثمُّ يُمِرُّ اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف الأصابع من تحتٍ، مفرِّجًا بين أصابع يده، ولا يُسنُّ استيعابه بالمسح، ويُكرَه تكراره، وكذا غسل الخفِّ، ولو وضع يده المبتلَّة عليه ولم يُمِرَّها أو قطر

стр. 1024

عليه أجزأه، ويكفي مُسمَّى مسحٍ يحاذي الفرض من ظاهر الخفِّ دون باطنه الملاقي للبشرة، فلا يكفي -كما قال في «شرح المُهذَّب» - اتِّفاقًا، ولا يكفي مسح أسفل الرِّجل وعقبها على المذهب لأنَّه لم يردِ الاقتصار على ذلك كما ورد الاقتصار على الأعلى، فيقتصر عليه وقوفًا على محلِّ الرُّخصة، وحرفه كأسفله فلا يكفي الاقتصار عليه لقربه منه، وهلِ المسح على الخفِّ أفضل أم غسل الرِّجل أفضل (١)؟ قال في آخر «صلاة المسافر» مِنَ «الرَّوضة» بالثَّاني، ولا يجوز المسح عليه في الغُسل، واجبًا كان أو مندوبًا، كما نقله في «شرح المُهذَّب» لما (٢) في حديث صفوان عند التِّرمذيِّ وصحَّحه قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنَّا مسافرين أو سفرًا ألَّا ننزع خفافنا ثلاثة أيَّامٍ ولياليهنَّ إلَّا من جنابةٍ»، فدلَّ الأمر بالنَّزع على عدم جواز المسح في الغُسل والوضوء لأجل الجنابة، فهي مانعةٌ من المسح. ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين حرَّانيٍّ ومصريٍّ (٣) ومدنيٍّ، وفيه: أربعةٌ مِنَ التَّابعين على الولاء: يحيى وسعدٌ ونافعٌ وعروة، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في مواضع مِنَ «الطَّهارة» [خ¦٢٠٦] وفي «المغازي» [خ¦٤٤٢١] وفي «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٨]، ومسلمٌ في «الطَّهارة» و «الصَّلاة»، وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الطَّهارة». ٢٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ

стр. 1025

(عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ التَّابعيِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ) بالضَّاد المُعجَمَة المفتوحة، و «عَمرٌو» بفتح العَين، التَّابعيِّ الكبير، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين (أَنَّ أَبَاهُ) عمرو بن أميَّة، المُتوفَّى بالمدينة سنة ستِّين (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ) وفي روايةٍ: «رسول الله» (¬ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ). ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه ثلاثةٌ مِنَ التَّابعين: يحيى وأبو سلمة وجعفرٌ، والتَّحديث والعنعنة والإخبار، وأخرجه النَّسائيُّ وابن ماجه في «الطَّهارة». (وَتَابَعَهُ) وفي رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ، وفي رواية الأَصيليِّ: «تابعه» بغير واوٍ، أي: تابع شيبان المذكور (حَرْبُ) أي: «ابن شدَّادٍ» كما في رواية غير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ، وهذا وصله النَّسائيُّ والطَّبرانيُّ (وَ) تابعه أيضًا (أَبَانُ) بفتح الهمزة والمُوَحَّدة، وبالصَّرف على أنَّ ألفه أصليَّةٌ، ووزنه «فَعَالٌ»، وبعدمه على أنَّ الهمزة زائدةٌ، والألف بدلٌ من الياء، وأصله: «بين»، وهو ابن يزيد العطَّار، وهذا وصله الإمام أحمد، والطَّبرانيُّ في «الكبير» كلاهما (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ عن أبي سلمة.

стр. 1026

٢٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العَيْن المُهمَلة وسكون المُوَحَّدة، لقب عبد الله بن عثمان العَتَكيّ الحافظ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين (١)، زاد الأَصيليُّ وأبوي الوقت وذَرٍّ وابن عساكر: «ابن أميَّة» (عَنْ أَبِيهِ) عمرٍو المذكور ﵁، وأسقط بعض الرُّواة عنه «جعفرًا» من الإسناد، قال أبو حاتمٍ الرَّازي: وهو خطأٌ (قَالَ) عمرو بن أميَّة: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ) بعد مسح النَّاصية أو بعضها كما في رواية مسلمٍ السَّابقة، أو على عمامته فقط مقتصرًا عليها (وَ) كذا رأيته يمسح على (خُفَّيْهِ) أي: في الوضوء، والاقتصار على (٢) المسح على العمامة هو مذهب الإمام أحمد، لكن بشرط أن يعتمَّ بعد كمال الطَّهارة، ومشقَّةِ نزعها بأن تكون مُحنَّكةً كعمائم العرب لأنَّه عضوٌ يسقط فرضه في التَّيمُّم فجاز المسح على حائله كالقدمين، ووافق الإمامَ أحمدَ على ذلك الأوزاعيُّ والثَّوريُّ وأبو ثورٍ وابن خزيمة، وقال ابن المنذر: إنَّه ثبت عن أبي بكرٍ وعمر ﵄، وقد صحَّ أنَّه ﵊ قال: «إن يطعِ النَّاسُ أبا بكرٍ وعمر يرشدوا» واحتجَّ المانعون بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ومن مسح على العمامة لم يمسح على رأسه، وأجمعوا على أنَّه لا يجوز مسح الوجه في التَّيمُّم على حائلٍ دونه، فكذلك الرَّأس، وقال الخطَّابيُّ: فرض الله مسح الرَّأس، والحديث في مسح العمامة محتملٌ للتَّأويل، فلا يُترَك المُتيقَّن للمحتمل، قال (٣): وقياسه على

стр. 1027

مسح الخفِّ بعيدٌ لأنَّه يشقُّ نزعه بخلافها. انتهى. وأُجيب بأنَّ الآية لا تنفي الاقتصار على المسح عليها، لا سيَّما عند من يحمل المُشتَرك على حقيقته ومجازه؛ لأنَّ من قال: قبَّلت رأس فلانٍ، يصدق ولو كان على حائلٍ، وبأنَّ الذين أجازوا الاقتصار (١) على مسحها شرطوا فيه المشقَّة في نزعها كما في الخفِّ، وقد مرَّ، والتَّقييد «بالعمامة» مُخْرِجٌ للقَلَنْسوة ونحوها، فلا يجوز الاقتصار في المسح عليها، نعم، رويَ عن أنسٍ ﵁: «أنَّه مسح على القَلَنْسوة»، وتحصل سُنَّة مسح جميع الرَّأس عندنا بتكميله على العمامة عند عسر رفعها، أو عند (٢) عدم إرادة نزعها، وقال الأَصيليُّ -فيما حكاه عنه ابن بطَّالٍ-: ذكر «العمامة» في هذا الحديث من خطأ الأوزاعيِّ لأنَّ شيبان وغيره روَوه عن يحيى بدونها، فوجب تغليب رواية الجماعة على الواحد. انتهى. وأُجيب بأنَّ تفرُّد الأوزاعيِّ بذكر «العمامة» على تقدير تسليمه لا يستلزم تخطئته لأنَّه زيادةٌ من ثقةٍ غير منافيةٍ لغيره، فتُقبَل. ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين مروزيٍّ وشاميٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة. (وَتَابَعَهُ) بواو العطف، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «تابعه» بإسقاطها، أي: تابع الأوزاعيَّ على رواية هذا المتن (مَعْمَرٌ) أي: ابن راشدٍ (عَنْ يَحْيَى) ابن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَمْرٍو) بالواو بإسقاط «جعفرٍ» الثَّابت في السَّابقة، وهذا هو السَّبب في سياق المؤلِّف الإسناد ثانيًا ليبيِّن (٣) أنَّه ليس في رواية مَعْمَرٍ ذكر جعفرٍ بين أبي (٤) سلمة وعمرٍو (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) لم يُذكَرِ (٥) المتن في هذه الرِّواية، وهذه المُتابَعَة رواها عبد الرَّزاق في «مُصنَّفه» عن مَعْمَرٍ بدون ذكر «العمامة»، وهي مُرسَلةٌ، لكن أخرجها ابن منده في «كتاب الطَّهارة» له من طريق مَعْمَرٍ بإثباتها، وأبو سلمة لم يسمع من عمرٍو، بل من ابنه (٦) جعفرٍ، فالمُتابَعة مُرسَلةٌ.

стр. 1028

(٤٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ) في الخفَّين (١) (وَهُمَا طَاهِرَتَانِ) عن (٢) الحدث. ٢٠٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ (٣)) ابن أبي زائدة الكوفيُّ (عَنْ عَامِرٍ) هو ابن شراحيل الشَّعبيُّ التَّابعيُّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وزكريَّا مدلِّسٌ، ولم أرَه من حديثه إلَّا بالعنعنة، لكن أخرجه الإمام أحمد عن يحيى (٤) القطَّان عن زكريَّا، والقطَّان لا يحمل عن شيوخه (٥) المدلِّسين إلَّا ما كان مسموعًا لهم، صرَّح بذلك الإسماعيليُّ. انتهى. (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ المُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ) المغيرة بن شعبة ﵃ (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) في رجب سنة تسعٍ في غزوة تبوك (فَأَهْوَيْتُ) أي: مددت يدي، أو قصدت، أو أشرت، أو أومأت (لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ) ﷺ (فَقَالَ: دَعْهُمَا) أي: الخفَّين (فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا) أي: الرِّجلين حال كونهما (طَاهِرَتَيْنِ) من الحدثين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وهما طاهرتان» جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ، ولأبي داود: «فإنِّي أدخلت

стр. 1029

القدمين الخفَّين وهما طاهرتان (١) … » الحديثَ، ثمَّ أحدث ﵊ (فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) ولابنَي خزيمة وحبَّان: «أنَّه ﷺ أرخص (٢) للمسافر ثلاثة أيَّامٍ ولياليهنَّ، وللمقيم يومًا وليلةً إذا تطهَّر فلبس خفَّيه أن يمسح عليهما» أي: من الحدث بعد اللُّبس لأنَّ وقت المسح يدخل بانتهاء (٣) الحدث على الرَّاجح (٤) فاعتبرت مدَّته منه (٥)، واختار في «المجموع» قول أبي ثورٍ وابن المنذر أنَّ (٦) ابتداء المدَّة من المسح لأنَّ قوَّة الأحاديث تعطيه، وحديث ابني خزيمة وحبَّان هذا (٧) موافقٌ لحديث الباب في الدَّلالة على اشتراط الطَّهارة الكاملة عند اللُّبس، فلو لبس قبل غسل (٨) رجليه وغسلهما فيه لم يجز المسح إلَّا أن ينزعهما من مقرِّهما ثمَّ يدخلهما فيه، ولو أدخل إحداهما بعد غسلها ثمَّ غسل الأخرى وأدخلها لم يجز المسح (٩) إلَّا أن ينزع الأولى من (١٠) مقرِّها ثمَّ يدخلها (١١) فيه؛ لأنَّ الحكم المُترتِّب (١٢) على التَّثنية غير الحكم المُترتِّب (١٣) على الوحدة، واستضعفه ابن

стр. 1030

دقيق العيد لأنَّ الاحتمال باقٍ، قال: لكن إن ضُمَّ إليه دليلٌ يدلُّ على أنَّ الطَّهارة لا تتبعَّض اتَّجه، ولوِ ابتدأ اللُّبس بعد غسلهما ثمَّ أحدث قبل وصولهما إلى موضع القدم لم يجزِ المسح، ولو غسلهما بنيَّة الوضوء ثمَّ لبسهما ثمَّ أكمل باقي أعضاء الوضوء لم يجزْ له المسح عند الشَّافعيِّ ومن وافقه على إيجاب التَّرتيب وجاز (١) عند أبي حنيفة ﵁ ومن وافقه على عدم وجوب التَّرتيب، بناءً على أنَّ الطَّهارة لا تتبعَّض، ولم يخرج المصنِّف في هذا الكتاب ما يدلُّ على توقيت المسح، وقد قال به الجمهور للحديث الذي قدَّمتُه (٢) وحديث مسلمٍ وغيره، وخالف المالكيَّة في المشهور عندهم، فلم يجعلوا للمسح تأقيتًا بأيَّامٍ مُطلقًا، بل يمسح عليه ما لم يخلعه أو يجب على الماسح غُسْلٌ، نعم، روى أشهبُ: أنَّ المسافر يمسح ثلاثة أيَّامٍ، ولم يذكر للمقيم وقتًا، وروى ابن نافعٍ: أنَّ المقيم يمسح من الجمعة إلى الجمعة، قال القاضي أبو محمَّدٍ: هذا يحتمل الاستحباب، ثمَّ قال: بل هو مقصودٌ، ووجهه: أنَّه يغتسل للجمعة، وعُزِيَ إلى مالكٍ في «الرِّسالة» المنسوبة إليه: أنَّه حدَّ للمسافر ثلاثة أيَّامٍ، وللمقيم يومًا وليلة، وأُنكِرتِ الرِّسالة المنسوبة لمالكٍ. ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وفيه: رواية التَّابعيِّ الكبير عن التَّابعيِّ، والعنعنة والتَّحديث. (٥٠) هذا (٣) (بابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ) أكل (لَحْمِ الشَّاةِ) ونحوها ممَّا هو مثلها وما دونها (وَ) من أكل (السَّوِيقِ) وهو ما اتُّخِذَ من شعيرٍ أو قمحٍ مقلوٍّ، يُدَقُّ فيكون (٤) كالدَّقيق، إذا احتيج

стр. 1031

إلى أكله خُلِطَ بماءٍ أو لبنٍ أو رُبٍّ ونحوه (وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَعُمَرُ) الفاروق (وَعُثْمَانُ) ذو النُّورين (¬﵃ فَلَمْ يَتَوَضَّؤُوا) كذا في رواية أبي ذَرٍّ إلَّا (١) عن الكُشْمِيْهَنِيِّ بحذف المفعول، وهو يعمُّ كلَّ ما مسَّته (٢) النَّار وغيره، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي والأَصيليِّ: «وأكل أبو بكرٍ وعمر (٣) وعثمان لحمًا (٤)» بإثباته، وعند ابن أبي شيبة عن محمَّد بن المنكدر قال: أكلت مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكرٍ وعمر وعثمان ﵃ خبزًا ولحمًا، فصلَّوا ولم يتوضَّؤوا، وكذا رواه التِّرمذيُّ، وفي «الطَّبرانيِّ» في «مُسنَد الشَّاميِّين» بإسنادٍ حسنٍ من طريق سُلَيم بن عامرٍ قال: رأيت أبا بكرٍ وعمر وعثمان أكلوا ممَّا (٥) مسَّتِ النَّار ولم يتوضَّؤوا.

стр. 1032

٢٠٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ، مولى عمر المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ فمُهمَلةٍ مُخفَّفةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ) أي: أكل لحمه في بيت ضُباعة بنت الزُّبير بن عبد المطَّلب، وهي بنت عمِّه ﷺ ، أو (١) في بيت ميمونة ﵂ (ثُمَّ صَلَّى) ﷺ (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) وهذا مذهب الأستاذ الثَّوريِّ ﵀ ورضي عنه والأوزاعيِّ وأبي حنيفة ومالكٍ والشَّافعيِّ واللَّيث وإسحاق وأبي ثورٍ ﵃، وأمَّا حديث زيد بن ثابتٍ عند الطَّحاويِّ والطَّبرانيِّ في «الكبير»: أنَّه ﷺ قال: «توضَّؤوا (٢) ممَّا غيَّرت النَّار»، وهو مذهب عائشة وأبي هريرة وأنسٍ والحسن البصريِّ وعمر بن عبد العزيز ﵃، وحديثُ جابر بن سَمُرة (٣) عند «مسلمٍ»: أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ أأتوضَّأ من لحوم (٤) الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضَّأ، وإن شئت فلا تتوضأ»، قال: أتوضَّأ (٥) من لحم (٦) الإبل؟ قال: «نعم، توضَّأ (٧) من لحوم الإبل»، وحديث البراء المُصحَّح في «المجموع» قال: سُئِل النَّبيُّ ﷺ عنِ الوضوء من لحم الإبل فأمر به، وبه استدلَّ الإمام أحمد على وجوب (٨) الوضوء من لحم الجزور، وأُجيب عن

стр. 1033

ذلك بحمل الوضوء على غسل اليد والمضمضة لزيادة دسومة اللَّحم (١) وزهومة لحم الإبل، وقد نهى النَّبيُّ ﷺ أن يبيت وفي يده أو فمه دسمٌ خوفًا من عقربٍ ونحوها، وبأنَّهما منسوخان بخبر أبي داود والنَّسائيِّ وغيرهما، وصحَّحه ابنا خزيمة وحبَّان عن جابرٍ قال: كان آخِرَ الأمرين من رسول الله ﷺ تَرْكُ الوضوء مما مسَّت النَّار، ولكن ضعَّف الجوابين في «المجموع» بأنَّ الحمل على الوضوء الشَّرعيِّ مُقدَّمٌ على اللُّغويِّ، كما هو معروفٌ في محلِّه، وترك الوضوء ممَّا مسَّتِ النَّار عامٌّ، وخبر الوضوء من لحم الإبل خاصٌّ، والخاصُّ مُقدَّمٌ على العامِّ، سواءٌ وقع قبله أو بعده، لكن حكى البيهقيُّ عن عثمان الدَّارميِّ أنَّه قال: لمَّا اختلفت (٢) أحاديث الباب ولم يتبيَّنِ الرَّاجح منها نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الرَّاشدون ﵃ أجمعين بعد النَّبيِّ ﷺ ، فرجَّحنا به أحد الجانبين، وارتضى الأستاذ

стр. 1034

النَّوويُّ هذا في «شرح المُهذَّب»، وعبارته: وأقرب ما يُستروَح إليه قول الخلفاء الرَّاشدين وجماهير الصَّحابة ﵃، وما دلَّ عليه الخبر هو القول القديم، وهو وإن كان شاذًّا في المذهب فهو قويٌّ في الدَّليل، وقد اختاره جماعةٌ من محقِّقي أصحابنا المحدِّثين، وأنا ممَّنِ اعتقد رجحانه. انتهى. وقد فرَّق الإمام أحمد بين لحم الجزور وغيره (١). وهذا الحديث من الخماسيَّات، وفيه: التحديث (٢) والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأطعمة» [خ¦٥٤٠٤] [خ¦٥٤٠٥]، ومسلمٌ (٣) وأبو داود في «الطَّهارة». ٢٠٨ - وبه قال: (حدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ، نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، وأبوه عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ المصريِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ) بفتح العين (أَنَّ أَبَاهُ) عمرًا (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ) وفي رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت: «النَّبيَّ (٤)» (¬ ﷺ يَحْتَزُّ) بالحاء المُهمَلة وبالزَّايِ المُشدَّدة، أي: يقطع (مِنْ كَِتِْفِ شَاةٍ) بفتح الكاف وكسر التَّاء (٥)، وبكسر الكاف وسكون التَّاء، زاد المؤلِّف في «الأطعمة» [خ¦٥٤٢٢] من طريق مَعْمَرٍ عنِ

стр. 1035

الزَّهريِّ: «يأكل منها» (فَدُعِيَ) بضمِّ الدَّال (إِلَى الصَّلَاةِ) وفي حديث النَّسائيِّ عن أُمِّ سلمة ﵂: أنَّ الذي دعاه إلى الصَّلاة (١) بلالٌ ﵁ (فَأَلْقَى) النَّبيُّ ﷺ (السِّكِّينَ) زاد في «الأطعمة» عن أبي اليمان عن شعيبٍ عنِ الزُّهريِّ: «فألقاها والسِّكِّين» [خ¦٥٤٢٢] (فَصَلَّى) ولابن عساكر (٢): «وصلَّى» (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) زاد البيهقيُّ من طريق عبد الكريم بن الهيثم عن أبي اليمان في آخر الحديث: قال الزُّهريُّ: فذهبت تلك -أي: القصَّة- في النَّاس، ثمَّ أُخبِر رجالٌ من أصحابه ﷺ ونساءٌ من أزواجه: أنَّه ﷺ قال: «توضَّؤوا (٣) ممَّا مسَّتِ النَّار»، قال: فكان الزَّهريُّ يرى أنَّ الأمر بالوضوء ممَّا مسَّتِ النَّار ناسخٌ لأحاديث الإباحة لأنَّ الإباحة سابقةٌ، واعتُرِض عليه بحديث جابرٍ السَّابق قريبًا قال: كان آخِرَ الأمرين من رسول الله ﷺ تَرْكُ الوضوء ممَّا مسَّتِ النَّار، لكن قال أبو داود وغيره: إنَّ المراد بالأمر هنا الشَّأن والقصَّة، لا ما قابل (٤) النَّهيَ، وإنَّ (٥) هذا اللَّفظ مُختصَرٌ من حديث جابرٍ المشهور: في قصَّة المرأة التي صنعت للنَّبيِّ ﷺ شاةً فأكل منها، ثمَّ توضَّأ وصلَّى الظُّهر، ثمَّ أكل منها وصلَّى العصر ولم يتوضَّأ، فيحتمل أن تكون هذه القصَّة وقعت قبل الأمر بالوضوء ممَّا مسَّتِ النَّار، وأنَّ وضوءه لصلاة الظُّهر كان عن حدثٍ، لا بسبب الأكل مِنَ الشَّاة، قال الأستاذ النَّوويُّ: كان الخلاف فيه معروفًا بين الصَّحابة والتَّابعين، ثمَّ استقرَّ الإجماع على (٦) أنَّه لا وضوء ممَّا مسَّتِ النَّار إلَّا ما ذُكِرَ من لحم الإبل، قاله في «الفتح»، وقال (٧) المُهلَّب: كانوا في الجاهليَّة قد ألِفوا قلَّة التَّنظيف، فأُمِروا بالوضوء ممَّا مسَّتِ النَّار، فلمَّا تقرَّرتِ النَّظافة في الإسلام وشاعت نُسِخَ الوضوء تيسيرًا على المسلمين. واستُنبِط من هذا الحديث: جواز قطع اللَّحم بالسِّكِّين، ورواته السِّتَّة: ثلاثةٌ مصريُّون،

стр. 1036

وثلاثةٌ مدنيُّون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وليس لعمرو بن أميَّة روايةٌ في هذا الكتاب إلَّا هذا، والحديث السَّابق في المسح [خ¦٢٠٤] وأخرج المُؤلِّف الحديث أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٦٧٥] و «الجهاد» [خ¦٢٩٢٣] و «الأطعمة» [خ¦٥٤٠٨]، والنَّسائيُّ في «الوليمة»، وابن ماجه في «الطَّهارة». (٥١) (بابُ مَنْ مَضْمَضَ مِنَ السَّوِيقِ) بعد أكله (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ). ٢٠٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) بضمِّ المُوَحَّدة وفتح المُعجَمَة في السَّابق، وبفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة في اللَّاحق (مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ) بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح الواوِ، وضمِّ نون «النُّعمان» الأوسيَّ المدنيَّ، صحابيٌّ شهد أُحُدًا وما بعدها، وليس (١) له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، ولم يروِ عنه سوى بُشَيْر بن يَسَارٍ الأوسيِّ المدنيِّ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ) غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث، وسُمِّيت باسم رجلٍ من العماليق، اسمه خيبرُ، نزلها (حَتَّى إِذَا كَانُوا) الرَّسول ﷺ وأصحابه ﵃ (بِالصَّهْبَاءِ) بالمدِّ (وَهِيَ أَدْنَى) أي: أسفل (خَيْبَرَ) وطرفها ممَّا يلي المدينة، وعند المؤلِّف في «الأطعمة» [خ¦٥٣٨٤]: وهي على روحةٍ من خيبر

стр. 1037

(فَصَلَّى) النَّبيُّ ﷺ ، وللحَمُّويي: «نزل فصلَّى» (١) (العَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ) جمع زادٍ وهو: ما يُؤكَل في السَّفر (فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ) ﵊ (بِهِ) أي: بالسَّويق (فَثُرِّيَ) بضمِّ المُثلَّثة مبنيًّا للمفعول، ويجوز تخفيف الرَّاء، أي: بُلَّ بالماء لِمَا لحقه من اليبس (فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) منه (وَأَكَلْنَا) منه، زاد في رواية سليمان الآتية [خ¦٢١٥] إن شاء الله تعالى: و «شربنا»، وفي «الجهاد» [خ¦٢٩٨١] من رواية عبد الوهَّاب: «فَلُكْنا وأكلنا وشربنا» أي: مِنَ الماء أو من مائع السَّويق (ثُمَّ قَامَ إِلَى) صلاة (المَغْرِبِ فَمَضْمَضَ) قبل الدُّخول في الصَّلاة (وَمَضْمَضْنَا) كذلك (ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) بسبب أكل السَّويق، وفائدة المضمضة منه -وإن كان لا دسم له- لأنَّه تحتبس بقاياه بين الأسنان (٢) ونواحي الفم، فيشتغل ببلعه عن أمر (٣) الصَّلاة، وهذا (٤) يدلُّ على استحباب المضمضة بعد الطَّعام. ورواة هذا الحديث الخمسة كلُّهم أجِلَّاء فقهاءُ كبارٌ مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في موضعين من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢١٥] وموضعين في «الأطعمة» [خ¦٥٣٨٤] [خ¦٥٣٩٠] وفي «المغازي» [خ¦٢٠٩] [خ¦٤١٩٥] و «الجهاد» [خ¦٢٩٨١]، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّهارة» و «الوليمة»، وابن ماجه.

стр. 1038

٢١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «وحدَّثنا» (أَصْبَغُ) بالغَيْن المُعجَمَة، ابن الفرج (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (عَمْرٌو) بفتح العين، أي: «ابن الحارث» كما في رواية ابن عساكر (عَنْ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوَحَّدة مُصغَّرًا، وهو ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف مُصغَّرًا أيضًا، ابن أبي مسلمٍ الهاشميِّ مولاهم المدنيِّ، أبي رشدين مولى (١) ابن عبَّاسٍ ﵄ (عَنْ) أمِّ المؤمنين (مَيْمُونَةَ) ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا) أي: لحم كتفٍ (ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) أي: لم يجعله ناقضًا للوضوء، وليس بين هذا الحديث وبين (٢) التَّرجمةِ مُطابَقةٌ، وقد قالوا: إنَّ وضعه هنا من قلم النَّاسخين، وأنَّ نسخة الفَِرَبْريِّ التي بخطِّه تقديمه إلى الباب السَّابق، ولم يذكر فيه المضمضة المُترجَم بها، إشارةً إلى بيان جواز تركها وإن كان المأكول دسمًا يحتاج إلى المضمضة منه. والحديث من السُّداسيَّات، وفيه: اسمان مُصغَّران، وهما تابعيَّان، وفي رجاله: ثلاثةٌ مصريُّون (٣)، وثلاثة مدنيُّون، وفيه: الإخبار بالجمع والإفراد والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة». (٥٢) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُمَضْمِضُ) بضمِّ الياء وفتح الميم الأولى وكسر الثَّانية، وللأَصيليِّ: «يتمضمض» بزيادة مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد التَّحتيَّة وفتح الميمين (مِنَ اللَّبَنِ) إذا شربه؟

стр. 1039

٢١١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوَحَّدة (وَقُتَيْبَةُ) بضمِّ القاف وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والمُوَحَّدة، ابن سعيدٍ، أبو رجاءٍ الثَّقفيُّ (قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ أوَّل السَّابق، وفتحه في اللَّاحق (بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ عينه (١) وسكون تاليه (٢) (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا) زاد مسلمٌ: «ثمَّ دعا بماءٍ» (فَمَضْمَضَ وَقَالَ: إِنَّ لَهُ) أي: اللَّبن (دَسَمًا) بفتحتين منصوبًا اسم «إنَّ»، وهو بيانٌ لعلَّة المضمضة من اللَّبن، و «الدَّسَم»: ما يظهر على اللَّبن من الدُّهن، ويُقاس عليه استحباب المضمضة من كلِّ ما له دسمٌ. ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين مصريٍّ -بالميم- وهم: يحيى بن عبد الله بن بُكَيْرٍ واللَّيث وعُقَيْلٌ، وبلخيٍّ وهو قتيبة، ومدنيٍّ وهما: ابن شهابٍ وعُبَيْد الله، وهو أحد الأحاديث التي اتَّفق الشَّيخان وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ على إخراجها عن شيخٍ واحدٍ وهو قتيبة، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الطَّهارة»، وكذا ابن ماجه. (تَابَعَهُ) أي: تابع عُقَيْلًا (يُونُسُ) بن يزيد، وحديثه موصولٌ عند مسلمٍ (وَ) كذا تابع عُقَيْلًا (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) وحديثه موصولٌ عند أبي العبَّاس السَّرَّاج في «مُسنَده» كلاهما (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ) وكذا تابعه الأوزاعيُّ، كما أخرجه المؤلِّف في «الأطعمة» [خ¦٥٦٠٩] عن أبي عاصمٍ بلفظ حديث الباب، لكن رواه ابن ماجه من طريق الوليد بن مسلمٍ بلفظ: «مضمضوا من اللَّبن»، فذكره بصيغة الأمر، وهو محمولٌ على الاستحباب لِمَا رواه الشَّافعيُّ ﵀ عن ابن عبَّاسٍ راوي الحديث: «أنَّه شرب لبنًا، فمضمض، ثمَّ قال: لو لم أتمضمض ما باليت»، وحديثِ أبي داود: «أنَّه ﵊ شرب لبنًا فلم يتمضمض ولم يتوضَّأ» وإسناده حسنٌ. (٥٣) هذا (بابُ) حكم (الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ) الكثير والقليل (وَ) باب (مَنْ لَمْ يَرَ مِنَ النَّعْسَةِ

стр. 1040

وَالنَّعْسَتَيْنِ) تثنية نَعْسَةٍ، على وزن «فَعْلَةٍ» مرَّةً من النَّعس، من نَعَس -بفتح العين- يَنْعُس، من «باب نصَر ينصُر» (أَوِ الخَفْقَةِ وُضُوءًا) من خفَق -بفتح الفاء- يخفق خفقةً إذا حرَّك رأسه وهو ناعسٌ، أوِ «الخفقة»: النَّعسة، فلو زادتِ الخفقة على الواحدة أوِ النَّعسة على الاثنتين يجب الوضوء لأنَّه حينئذٍ يكون نائمًا مستغرقًا، وآية النَّوم الرُّؤيا، وآية النُّعاس سماع كلام الحاضرين وإن لم يفهمه. ٢١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ) أي: «ابن عروة» كما للأَصيليِّ (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي) جملةٌ اسميَّةٌ في موضع الحال (فَلْيَرْقُدْ) أي: فلينمْ احتياطًا لأنَّه علَّل بأمرٍ محتملٍ، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، وللنَّسائيِّ من طريق أيُّوب عن هشامٍ: «فلينصرف» أي: بعد أن يتمَّ صلاته، لا أنَّه يقطع الصَّلاة بمُجرَّد النُّعاس خلافًا للمُهلَّب حيث حمله على ظاهره (حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ) فالنُّعاس سببٌ للنَّوم أو سببٌ للأمر بالنَّوم (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ) أي: يريد أن يستغفر (فَيَسُبَُّ نَفْسَهُ) أي: يدعو عليها، و «الفاء» عاطفةٌ على «يستغفر»، وفي بعض الأصول: «يسبُّ» بدونها، جملةٌ

стр. 1041

حاليَّةٌ، و «يسبَّ» (١) بالنَّصب: جوابًا لـ «لعلَّ» (٢)، والرَّفع: عطفًا على «يستغفر»، وجعل ابن أبي جمرة علَّة النَّهيِ خشية أن يوافق ساعة إجابةٍ، والتَّرجِّي في «لعلَّ» عائدٌ إلى المصلِّي لا إلى المتكلِّم به، أي: لا يدري أمستغفرٌ أم سابٌّ مترجِّيًا للاستغفار وهو في الواقع بضدِّ ذلك؟ وغاير بين لفظي النُّعاس فقال في الأوَّل: «نعس» بلفظ الماضي، وهنا بلفظ اسم الفاعل تنبيهًا على أنَّه لا يكفي تجدُّد أدنى نعاسٍ وتقضيه في الحال، بل لا بدَّ من ثبوته بحيث يفضي إلى عدم درايته بما يقول وعدم علمه بما يقرأ، فإن قلت: هل بين قوله: «نعس وهو يصلِّي»، و «صلَّى وهو ناعسٌ» فرقٌ؟ أُجيب: الفرق الذي بين «ضرب قائمًا»، و «قام ضاربًا»، وهو احتمال القيام بدون الضَّرب في الأوَّل، واحتمال الضَّرب بدون القيام في الثَّاني، فإن قلت: لِمَ اختار ذلك وهذا هنا؟ أُجيب (٣) بأنَّ الحال قيدٌ وفضلةٌ، والقصد (٤) في الكلام ما له القيد، ففي الأوَّل: لا شكَّ أنَّ النُّعاس هو علَّة الأمر بالرُّقاد، لا الصَّلاة، فهو المقصود الأصليُّ في التَّركيب، وفي الثَّاني: الصَّلاة علَّة الاستغفار؛ إذ (٥) تقدير الكلام: فإنَّ أحدكم إذا صلَّى وهو ناعسٌ يستغفر، والفرق بين التَّركيبين هو الفرق بين «ضرب قائمًا» و «قام ضاربًا»، فإنَّ (٦) الأوَّل يحتمل قيامًا بلا ضربٍ، والثَّاني ضربًا بلا قيامٍ، واختُلِف هلِ النَّوم في ذاته حدثٌ أو هو مظنَّة الحدث؟ فنقل ابن المنذر وغيره عن بعض الصَّحابة والتَّابعين ﵃ أجمعين -وبه قال إسحاق والحسن والمزنيُّ وغيرهم-: أنَّه في ذاته ينقض الوضوء مطلقًا، وعلى كلِّ حالٍ وهيئةٍ لعموم حديث صفوان بن عسَّالٍ ﵁ المرويِّ في «صحيح (٧) ابن خزيمة»؛ إذ فيه: «إلَّا من غائطٍ أو بولٍ أو نومٍ»

стр. 1042

فسوَّى بينهما (١) في الحكم، وقال آخرون بالثَّاني لحديث أبي داود وغيره: «العينان وكاء السَّه، فمن نام فليتوضَّأ» واختلف هؤلاء فمنهم من قال: لا ينقض القليل، وهو قول الزُّهريِّ ومالكٍ وأحمد رحمهم الله تعالى في إحدى الرِّوايتين عنه، ومنهم من قال: ينقض مُطلَقًا إلَّا نوم مُمَكِّنٍ مقعدته من مقرِّه فلا ينقض لحديث أنسٍ ﵁ المرويِّ عند (٢) «مسلمٍ»: أنَّ الصَّحابة ﵃ كانوا ينامون ثمَّ يصلُّون ولا يتوضَّؤون، وحُمِل على نوم المُمَكِّن جمعًا بين الأحاديث، ولا تمكين لمن نام على قفاه ملصقًا مقعده (٣) بمقرِّه، ولا لمن نام محتبيًا وهو هزيلٌ بحيث (٤) لا تنطبق أليتاه (٥) على مقرِّه،

стр. 1043

على ما نقله في «الشَّرح الصَّغير» عن الرُّوْيَانيِّ، وقال الأذرعيُّ: إنَّه الحقُّ، لكن نقل في «المجموع» عن الماورديِّ خلافًا، واختار أنَّه متمكِّنٌ، وصحَّحه في «الرَّوضة» و «التَّحقيق» نظرًا إلى أنَّه متمكِّنٌ بحسب قدرته، ولو نام جالسًا فزالت أليتاه (١) أو إحداهما (٢) عن الأرض: فإن زالت قبل الانتباه انتقض وضوءه، أو بعده أو معه أو لم يدرِ أيُّهما سبق (٣) فلا؛ لأنَّ الأصل بقاء الطَّهارة (٤)، وسواءٌ وقع يده أم لا، وهذا مذهب الأستاذ الشَّافعيِّ وأبي حنيفة رحمهما الله ورضي عنهما، وقال مالكٌ ﵀ ورضي عنه: إن طال نقض، وإلَّا فلا، وقال آخرون: لا ينقض النَّومُ الوضوءَ (٥) بحالٍ، وهو مَحكِيٌّ عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁ وابن عمر ومكحولٍ وغيرهم ﵃، ويُقاس على النَّوم الغَلَبة على العقل؛ جنونٍ أو إغماءٍ أو سُكْرٍ لأنَّ ذلك أبلغ في الذُّهول من النَّوم الذي هو مظنَّة الحدث على ما لا يخفى. ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود في «الصَّلاة». ٢١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرٍو المُقْعَدُ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف وتخفيف اللَّام، عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا نَعَسَ فِي الصَّلَاةِ) بحذف الفاعل للعلم به، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «إذا نعس أحدكم في

стр. 1044

الصلاة» (فَلْيَنَمْ) أي: فليتجوَّز في الصَّلاة ويتمَّها وينَمْ (حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ) أي: الذي يقرؤه، ولا يُقَال: إنَّما هذا في صلاة اللَّيل لأنَّ الفريضة ليست في أوقات النَّوم، ولا فيها من التَّطويل ما يوجب ذلك لأنَّا نقول: العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، فيعمل به أيضًا في الفرائض إن وقع ما أمن بقاء الوقت. ورواة هذا (١) الحديث الخمسة بصريُّون (٢)، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّهارة». (٥٤) (بابُ) حكم (الوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ). ٢١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ) بالواو، الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) وللأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ». (ح) إشارةٌ إلى التَّحويل، أو إلى الحائل أو إلى صحَّ أو إلى (٣)

стр. 1045

الحديث، كما مرَّ البحث فيه: (قَالَ) أي: المؤلِّف رحمه الله تعالى: (وَحَدَّثَنَا (١) مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «أنس (٢) بن مالكٍ» ﵁ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) مفروضةٍ من الأوقات الخمسة، ولفظة «كان» تدلُّ على المُداوَمة، فيكون ذلك له عادةً، لكنَّ حديث سويدٍ المذكور في الباب [خ¦٢١٥] يدلُّ على أنَّ المراد الغالب، وفعله ﷺ ذلك كان على جهة الاستحباب، وإلَّا لَمَا كان وسعه، ولا لغيره أن يخالفه، ولأنَّ الأصل عدم الوجوب، وقال الطَّحاويُّ: يحتمل أنَّه كان واجبًا عليه خاصَّةً، ثُمَّ نُسِخ يوم الفتح لحديث بريدة، أي: المرويِّ في «صحيح مسلم»: أنَّه ﵊ صلَّى يوم الفتح الصَّلواتِ الخمسَ (٣) بوضوءٍ واحدٍ، وأنَّ عمر ﵁ سأله فقال: «عمدًا فعلته»، وتُعقِّب بأنَّه على تقدير القول بالنَّسخ كان قبل الفتح بدليل حديث سويد بن النُّعمان فإنَّه (٤) كان في خيبر، وهي قبل الفتح بزمانٍ. انتهى. (قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟) القائل: «قلت»: عمرو بن عامرٍ، والخطاب للصَّحابة ﵃ (قَالَ) أنسٌ ﵁:

стр. 1046

(يُجْزِئُ) بضمِّ أوَّله من أجزأ، أي: يكفي (أَحَدَنَا الوُضُوءُ) بالرَّفع فاعلٌ، و «أحدَنا» منصوبٌ مفعول «يجزئ» (مَا لَمْ يُحْدِثْ) وعند ابن ماجه: «وكنَّا نحن نصلِّي الصَّلوات كلَّها بوضوءٍ واحدٍ»، ومذهب الجمهور أنَّ الوضوء لا يجب إلَّا من حدثٍ، وذهبت طائفةٌ إلى وجوبه لكلِّ صلاة مُطلَقًا من غير حدثٍ، وهو مُقتَضَى الآية لأنَّ الأمر فيها مُعلَّق بالقيام إلى الصَّلاة، وهو يدلُّ على تكرار الوضوء وإن لم يحدث، لكن أجاب جار الله في «كشافه» بأنَّه يحتمل أن يكون الخطاب للمُحْدِثين، أو أنَّ الأمر للنَّدب، ومنع أن يُحمَل (١) عليهما معًا على قاعدتهم في عدم حمل المُشتَرك على معنييه (٢)، لكن مذهبنا أنَّه يُحمَل عليهما (٣)، وخصَّ بعض الظَّاهريَّة والشِّيعة وجوبه لكلِّ صلاةٍ بالمقيمين دون المسافرين، وذهب إبراهيم النَّخعيُّ: إلى أنَّه لا يصلِّي بوضوءٍ واحدٍ أكثر من خمس صلواتٍ. وهذا الحديث من السُّداسيَّات، ورواته ما بين فريابيٍّ وكوفيٍّ وبصريٍّ، وللمؤلِّف فيه سندان، ففي الأوَّل: التَّحديث بالجمع والعنعنة، وفي الثَّاني بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، وفائدة إتيانه بالسَّندين -مع أنَّ الأوَّل عالٍ لأنَّ بين المؤلِّف وبين سفيان فيه رجلٌ، والثَّاني نازلٌ لأنَّ بينهما فيه اثنانٌ- أنَّ سفيان مدلِّس، وعنعنة المدلِّس لا يُحتَجُّ بها إلَّا أن يثبت سماعه بطريقٍ آخر، ففي (٤) السَّند الثَّاني أنَّ سفيان قال: حدَّثني عمرٌو، وأخرجه التِّرمذي والنَّسائيُّ وابن ماجه.

стр. 1047

٢١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (سُلَيْمَانُ) يعني: «ابن بلالٍ» كما (١) في رواية «عط» (٢) (قَالَ: حَدَّثَنِي) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ) بضمِّ المُوَحَّدة وفتح المُعجَمَة في السَّابق، وبفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة في اللَّاحق (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ) بضمِّ السِّين وفتح الواو، الأوسيُّ المدنيُّ (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ) وهي: أدنى خيبر (صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ العَصْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَكَلْنَا) منه (وَشَرِبْنَا) من الماء أو من مائع السَّويق (ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى) صلاة (المَغْرِبِ فَمَضْمَضَ) من السَّويق (ثُمَّ صَلَّى لَنَا) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «وصلَّى لنا» (٣) (المَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) والجمع بين حديثي الباب: أنَّ فعله ﷺ الأوَّل كان غالب أحواله لكونه الأفضل، وفعله الثَّاني لبيان الجواز. وهذا حديثٌ من الخماسيَّات، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، وليس للمؤلِّف حديثٌ لسُويد بن النُّعمان إلَّا هذا، وقد أخرجه في مواضع، كما مرَّ التَّنبيه عليه في «باب من مضمض من السَّويق» [خ¦٢٠٩].

стр. 1048

(٥٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين كما في الفرع (مِنَ الكَبَائِرِ) التي وعد من اجتنبها بالمغفرة (أَنْ لَا يَسْتَتِرَ مِنْ بَوْلِهِ) و «الكبائر»: جمع كبيرةٍ، وهي الفَعْلة القبيحة من الذُّنوب المنهيِّ عنها شرعًا، العظيم أمرها، كالقتل والزِّنى والفرار من الزَّحف، ويأتي تمام مباحثها (١) إن شاء الله تعالى. ٢١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) ابن أبي شيبة الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) أي (٢): ابن جَبْرٍ، بفتح الجيم وسكون المُوَحَّدة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِحَائِطٍ) أي: بستانٍ من النَّخل (٣) عليه جدارٌ (مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ) شكَّ جريرٌ، وعند المؤلِّف في «الأدب المُفرَد»: «من حيطان المدينة» بالجزم من غير شَكٍّ، ويؤيِّده رواية الدَّارقُطنيِّ في «أفراده» من حديث جابرٍ: أنَّ الحائط كان (٤) لأمِّ مبشِّرٍ الأنصاريَّة ﵂ لأنَّ حائطها كان بالمدينة، وفي رواية الأعمش: «مرَّ بقبرين» (فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ) حال كونهما (يُعَذَّبَانِ) حال كونهما (فِي قُبُورِهِمَا) عبَّر بالجمع في موضع

стр. 1049

التَّثنية لأنَّ استعمالها في مثل هذا قليلٌ وإن كانت هي الأصل؛ لأنَّ المُضاف إلى المُثنَّى إذا كان جزء ما أُضيف إليه يسوغ فيه الإفراد، نحو: أكلت رأس شاتين، والجمع أجود، نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وإن كان غير جزئه فالأكثر مجيئه بلفظ التَّثنية نحو: سلَّ (١) الزَّيدان سيفهما، وإن أُمِن اللَّبس جاز جعل المُضاف بلفظ الجمع، كما في قوله: في «قبورهما»، وقد تجتمع (٢) التَّثنية والجمع في نحو: ظَهْراهُما مثلُ ظُهورِ التُّرْسَين قاله ابن مالكٍ، ولم يُعرَف اسم المقبورين ولا أحدهما، فيحتمل أن يكون ﵊ لم يسمِّهما قصدًا للسَّتر عليهما، وخوفًا من الافتضاح، على عادة ستره وشفقته على أمَّته ﷺ ، أو سمَّاهما ليحترز (٣) غيرهما عن مُباشَرة ما باشراه، وأبهمهما الرَّواي عمدًا (٤) لما مرَّ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يُعَذَّبَانِ) أي: صاحبا القبرين (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) تَرْكُه عليهما (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (بَلَى) إنَّه كبيرٌ (٥) من جهة المعصية، ويحتمل أنَّه ﵊ ظنَّ أنَّ ذلك غير كبيرٍ، فأُوحِي إليه في الحال بأنَّه كبيرٌ فاستدرك، وقال البغويُّ وغيره -ورجَّحه ابن دقيق العيد وغيره-: إنه (٦) ليس بكبيرٍ في مشقَّة الاحتراز، أي: كان لا يشقُّ عليهما الاحتراز عن ذلك، والكبيرة: هي الموجبة للحدِّ، أو

стр. 1050

ما فيه وعيدٌ شديدٌ، وعند ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة ﵁: «يُعذَّبان عذابًا شديدًا في ذنبٍ هيِّنٍ» (كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ) بمُثنَّاتين فوقيَّتين الأولى مفتوحةٌ والثَّانية مكسورةٌ، من الاستتار، أي: لا يجعل بينه وبين بوله سترةً، أي: لا يتحفَّظ منه، وهي بمعنى (١) رواية مسلمٍ وأبي داود من حديث الأعمش: «يستنزه» بنونٍ ساكنةٍ بعدها زايٌ ثمَّ هاءٌ، من التَّنزُّه وهو الإبعاد، ولا يُقال: إنَّ معنى «لا يستتر» يكشف عورته لأنَّه يلزم منه أنَّ مُجرَّد (٢) كشف العورة (٣) سببٌ للعذاب المذكور لا اعتبار البول، فيترتَّب العذاب على مُجرَّد الكشف، وليس كذلك، بلِ الأقرب حمله على المجاز، ويكون المُرَاد بالاستتار: التَّنزُّه عن البول والتَّوقِّي منه، إمَّا بعدم (٤) مُلابسَته، وإمَّا بالاحتراز (٥) عن مفسدةٍ تتعلَّق به كانتقاض الطَّهارة، وعبَّر عن التَّوقِّي بالاستتار مجازًا، ووجه العلاقة بينهما: أنَّ التَّستُّر عن الشَّيء فيه بُعدٌ عنه

стр. 1051

واحتجابٌ، وذلك شبيهٌ بالبعدِ عن مُلابسة البول، وإنَّما رجّح المجاز وإن (١) كان الأصل الحقيقة لأنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ للبول بالنِّسبة إلى عذاب القبر خصوصيَّةً، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرِّح بهذه الخصوصيَّة أَوْلى، وأيضًا فإنَّ لفظة «مِن» لمَّا أُضيفَت إلى «البول»، وهي لابتداء الغاية حقيقةً، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية مجازًا، تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول، بمعنى أنَّ ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حُمِل على كشف العورة زال هذا المعنى، وفي رواية ابن عساكر: «لا يستبرئ» بمُوحَّدةٍ ساكنةٍ، من الاستبراء، أي: لا يستفرغ جهده بعد فراغه منه، وهو (٢) يدلُّ على وجوب الاستنجاء لأنَّه لمَّا عُذِّب على استخفافه بغسله وعدم التحرُّز منه دلَّ على أنَّ (٣) من ترك البول في مخرجه ولم يستنجِ منه أنَّه (٤) حقيقٌ بالعذاب (وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) «فَعِيلَةٌ» من: نمَّ الحديث ينمُّه (٥) إذا نقله عن

стр. 1052

المتكلِّم به إلى غيره، وهي حرامٌ بالإجماع إذا قصد بها الإفساد بين المسلمين، وسبب كونهما كبيرين (١) أنَّ عدم التَّنزُّه من البول يلزم منه بطلان الصَّلاة، وتركها كبيرةٌ بلا شكٍّ، والمشيُ بالنَّميمة من السَّعيِ بالفساد، وهو من أقبح القبائح، ويُجاب عن استشكال كون النَّميمة من الصَّغائر بأنَّ الإصرار عليها المفهومَ هنا من التَّعبير بـ «كان» المقتضيةُ له يُصيِّر حكمها حكم الكبيرة، لا سيَّما على تفسيرها بما فيه وعيدٌ شديدٌ، ووقع في حديث أبي بكرة عند الإمام أحمد والطَّبرانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ: «يُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ، وبلى (٢)، وما يُعذَّبان إلَّا في الغيبة والبول» بأداة الحصر، وهي تنفي كونهما كافرين لأنَّ الكافر وإن عُذِّب على ترك أحكام المسلمين فإنَّه يُعذَّب مع ذلك على الكفر بلا خلافٍ، وبذلك جزم العلاء بن العطَّار، وقال: لا يجوز أن يُقَال: إنَّهما كانا كافرين لأنَّهما لو كانا كافرين لم يَدْعُ لهما بتخفيف العذاب عنهما (٣)،

стр. 1053

ولا ترجَّاه لهما، وقد ذكر بعضهم السِّرَّ في تخصيص البول والنَّميمة بعذاب القبر وهو أنَّ القبر أوَّل منازل الآخرة، وفيه نموذجُ (١) ما يقع في القيامة من العقاب والثَّواب، والمعاصي التي يُعاقَب عليها يوم القيامة نوعان: حقٌّ لله وحقٌّ لعباده، وأوَّل ما يُقضَى فيه من حقوق الله الصَّلاة، ومن حقوق العباد الدِّماء، وأمَّا البرزخ فيُقضَى فيه مقدِّمات هذين الحقَّين ووسائلهما، فمُقدِّمة الصَّلاة الطَّهارة من الحدث والخَبَث، ومقدِّمة الدِّماء (٢) النميمة، فيبدأ في البرزخ بالعقاب عليهما (ثُمَّ دَعَا) ﷺ (بِجَرِيدَةٍ) من جرائد (٣) النَّخل، وهي التي ليس عليها ورق، فأُتي بها (فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ) بكسر الكاف، تثنية كِسرَةٍ، وهي القطعة من الشَّيء المَكسور، وقد تبيَّن من رواية الأعمش الآتية -إن شاء الله تعالى-[خ¦٢١٨]: أنَّها كانت نصفًا، وفي رواية جريرٍ عنه: «باثنتين» (٤) (فَوَضَعَ) النَّبيُّ ﷺ (عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا (٥) كِسْرَةً) وفي الرِّواية الآتية: «فغرز» [خ¦٢١٨] وهو يستَلزِم الوضع دون العكس (فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولابن عساكر: «فقيل: يا رسول الله» (لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟) لم يعيِّن السَّائل من الصَّحابة (قَالَ ﷺ : لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ) بضمِّ أوَّله وفتح الفاء، أي: العذاب، وهاء «لعلَّه»

стр. 1054

ضمير الشَّأن، وجاز تفسيره «بأنَّ» وصلتها لأنَّها في حكم جملةٍ؛ لاشتمالِها على مُسنَدٍ ومُسنَدٍ إليه، ويُحتَمل أن تكون زائدةً مع كونها ناصبةً، كزيادة الباء مع كونها جارَّةً، قاله ابن مالكٍ، ويقوِّي الاحتمال الثَّاني حذف «أنْ» في الرِّواية الآتية حيث قال: «لعلَّه يخفَّف» (عَنْهُمَا) أي: المعذَّبَين (مَا لَمْ تَيْبَسَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بالتَّأنيث باعتبار عود الضَّمير فيه إلى «الكسرتين»، وفتح المُوَحَّدة من «باب علم يعلم»، وقد تُكسَر وهي لغةٌ شاذَّةٌ، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا أن تيبسا (١)» بحرف الاستثناء، وللمُستملي: «إلى أن ييبسا» بـ «إلى» التي للغاية، والمُثنَّاة التَّحتيَّة بالتَّذكير باعتبار عود الضَّمير إلى العُودين؛ لأنَّ الكسرتين هما العُودان (٢)، و «ما»: مصدريَّة زمانيَّة، أي: مدَّة دوامهما إلى زمن اليبس المحتمل تأقيته بالوحي كما قاله المازريُّ (٣)، لكن تعقَّبه القرطبيُّ بأنَّه لو كان بالوحي لَمَا (٤) أتى بحرف التَّرجِّي، وأُجيب بأنَّ «لعلَّ» هنا للتَّعليل، أو أنَّه يشفع (٥) لهما في التَّخفيف هذه المدَّة، كما صرَّح به في حديث جابرٍ، على أنَّ القصَّة واحدة كما رجَّحه النَّوويُّ، وفيه نظرٌ لما في حديث أبي بكرةٍ عند الإمام أحمد والطَّبرانيِّ: أنَّه الذي أتى بالجريدة إلى النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّه الذي قطع الغصنين، فدلَّ ذلك على المُغايَرة، ويؤيِّد ذلك أنَّ قصَّة الباب كانت بالمدينة، وكان معه ﵊ جماعةٌ، وقصَّة جابرٍ كانت في السَّفر، وكان خرج لحاجته، فتبعه جابرٌ وحدَه، فظهر التَّغاير بين حديث ابن عبَّاسٍ وحديث جابرٍ، بل في حديث أبي هريرة ﵁ المرويِّ في «صحيح ابن حبَّان» ما يدلُّ على الثَّالثة، ولفظه: أنَّه ﷺ مرَّ بقبرٍ (٦)، فوقف، فقال: «ائتوني بجريدتين»، فجعل

стр. 1055

إحداهما عند رأسِه، والأخرى عند رجليه، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «باب وضع الجريدة على القبر» من «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٦١]. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ ودارميٍّ ومكِّيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف هنا عن جريرٍ عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ ﵄، وفي الآتية: عن الأعمش -كمسلمٍ- عن مجاهدٍ عن طاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ [خ¦٢١٨] فأسقط المؤلِّف طاوسًا (١) الثَّابت في الثَّانية من الأولى، فانتقد عليه الدَّارقُطنيُّ ذلك، كما سيأتي مع الجواب عنه في الباب اللَّاحق إن شاء الله تعالى، وقد أخرج المؤلِّف الحديث أيضًا في «الطَّهارة» في موضعين [خ¦٢١٨] وفي «الجنائز» [خ¦١٣٦١] [خ¦١٣٧٨] و (٢) في «الأدب» [خ¦٦٠٥٢] [خ¦٦٠٥٥] و «الحج» (٣)، ومسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطهارة»، وكذا النَّسائيُّ فيه (٤) أيضًا وفي «التَّفسير» و «الجنائز». (٥٦) (بابُ مَا جَاءَ) في الحديث النَّبويِّ (فِي) حكم (غَسْلِ البَوْلِ) من الإنسان، فـ «ال» فيه للعهد الخارجيِّ (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في الحديث السَّابق (لِصَاحِبِ القَبْرِ: كَانَ لَا يَسْتَتِرُ) بالمُثنَّاتين، ولابن عساكر: «لا يستبرئ» بالمُوَحَّدة بعد المُثنَّاة (مِنْ بَوْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى
следующие страницы →