← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

واحتجابٌ، وذلك شبيهٌ بالبعدِ عن مُلابسة البول، وإنَّما رجّح المجاز وإن (١) كان الأصل الحقيقة لأنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ للبول بالنِّسبة إلى عذاب القبر خصوصيَّةً، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرِّح بهذه الخصوصيَّة أَوْلى، وأيضًا فإنَّ لفظة «مِن» لمَّا أُضيفَت إلى «البول»، وهي لابتداء الغاية حقيقةً، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية مجازًا، تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول، بمعنى أنَّ ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حُمِل على كشف العورة زال هذا المعنى، وفي رواية ابن عساكر: «لا يستبرئ» بمُوحَّدةٍ ساكنةٍ، من الاستبراء، أي: لا يستفرغ جهده بعد فراغه منه، وهو (٢) يدلُّ على وجوب الاستنجاء لأنَّه لمَّا عُذِّب على استخفافه بغسله وعدم التحرُّز منه دلَّ على أنَّ (٣) من ترك البول في مخرجه ولم يستنجِ منه أنَّه (٤) حقيقٌ بالعذاب (وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) «فَعِيلَةٌ» من: نمَّ الحديث ينمُّه (٥) إذا نقله عن

стр. 1052

المتكلِّم به إلى غيره، وهي حرامٌ بالإجماع إذا قصد بها الإفساد بين المسلمين، وسبب كونهما كبيرين (١) أنَّ عدم التَّنزُّه من البول يلزم منه بطلان الصَّلاة، وتركها كبيرةٌ بلا شكٍّ، والمشيُ بالنَّميمة من السَّعيِ بالفساد، وهو من أقبح القبائح، ويُجاب عن استشكال كون النَّميمة من الصَّغائر بأنَّ الإصرار عليها المفهومَ هنا من التَّعبير بـ «كان» المقتضيةُ له يُصيِّر حكمها حكم الكبيرة، لا سيَّما على تفسيرها بما فيه وعيدٌ شديدٌ، ووقع في حديث أبي بكرة عند الإمام أحمد والطَّبرانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ: «يُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ، وبلى (٢)، وما يُعذَّبان إلَّا في الغيبة والبول» بأداة الحصر، وهي تنفي كونهما كافرين لأنَّ الكافر وإن عُذِّب على ترك أحكام المسلمين فإنَّه يُعذَّب مع ذلك على الكفر بلا خلافٍ، وبذلك جزم العلاء بن العطَّار، وقال: لا يجوز أن يُقَال: إنَّهما كانا كافرين لأنَّهما لو كانا كافرين لم يَدْعُ لهما بتخفيف العذاب عنهما (٣)،

стр. 1053

ولا ترجَّاه لهما، وقد ذكر بعضهم السِّرَّ في تخصيص البول والنَّميمة بعذاب القبر وهو أنَّ القبر أوَّل منازل الآخرة، وفيه نموذجُ (١) ما يقع في القيامة من العقاب والثَّواب، والمعاصي التي يُعاقَب عليها يوم القيامة نوعان: حقٌّ لله وحقٌّ لعباده، وأوَّل ما يُقضَى فيه من حقوق الله الصَّلاة، ومن حقوق العباد الدِّماء، وأمَّا البرزخ فيُقضَى فيه مقدِّمات هذين الحقَّين ووسائلهما، فمُقدِّمة الصَّلاة الطَّهارة من الحدث والخَبَث، ومقدِّمة الدِّماء (٢) النميمة، فيبدأ في البرزخ بالعقاب عليهما (ثُمَّ دَعَا) ﷺ (بِجَرِيدَةٍ) من جرائد (٣) النَّخل، وهي التي ليس عليها ورق، فأُتي بها (فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ) بكسر الكاف، تثنية كِسرَةٍ، وهي القطعة من الشَّيء المَكسور، وقد تبيَّن من رواية الأعمش الآتية -إن شاء الله تعالى-[خ¦٢١٨]: أنَّها كانت نصفًا، وفي رواية جريرٍ عنه: «باثنتين» (٤) (فَوَضَعَ) النَّبيُّ ﷺ (عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا (٥) كِسْرَةً) وفي الرِّواية الآتية: «فغرز» [خ¦٢١٨] وهو يستَلزِم الوضع دون العكس (فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولابن عساكر: «فقيل: يا رسول الله» (لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟) لم يعيِّن السَّائل من الصَّحابة (قَالَ ﷺ : لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ) بضمِّ أوَّله وفتح الفاء، أي: العذاب، وهاء «لعلَّه»

стр. 1054

ضمير الشَّأن، وجاز تفسيره «بأنَّ» وصلتها لأنَّها في حكم جملةٍ؛ لاشتمالِها على مُسنَدٍ ومُسنَدٍ إليه، ويُحتَمل أن تكون زائدةً مع كونها ناصبةً، كزيادة الباء مع كونها جارَّةً، قاله ابن مالكٍ، ويقوِّي الاحتمال الثَّاني حذف «أنْ» في الرِّواية الآتية حيث قال: «لعلَّه يخفَّف» (عَنْهُمَا) أي: المعذَّبَين (مَا لَمْ تَيْبَسَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بالتَّأنيث باعتبار عود الضَّمير فيه إلى «الكسرتين»، وفتح المُوَحَّدة من «باب علم يعلم»، وقد تُكسَر وهي لغةٌ شاذَّةٌ، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا أن تيبسا (١)» بحرف الاستثناء، وللمُستملي: «إلى أن ييبسا» بـ «إلى» التي للغاية، والمُثنَّاة التَّحتيَّة بالتَّذكير باعتبار عود الضَّمير إلى العُودين؛ لأنَّ الكسرتين هما العُودان (٢)، و «ما»: مصدريَّة زمانيَّة، أي: مدَّة دوامهما إلى زمن اليبس المحتمل تأقيته بالوحي كما قاله المازريُّ (٣)، لكن تعقَّبه القرطبيُّ بأنَّه لو كان بالوحي لَمَا (٤) أتى بحرف التَّرجِّي، وأُجيب بأنَّ «لعلَّ» هنا للتَّعليل، أو أنَّه يشفع (٥) لهما في التَّخفيف هذه المدَّة، كما صرَّح به في حديث جابرٍ، على أنَّ القصَّة واحدة كما رجَّحه النَّوويُّ، وفيه نظرٌ لما في حديث أبي بكرةٍ عند الإمام أحمد والطَّبرانيِّ: أنَّه الذي أتى بالجريدة إلى النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّه الذي قطع الغصنين، فدلَّ ذلك على المُغايَرة، ويؤيِّد ذلك أنَّ قصَّة الباب كانت بالمدينة، وكان معه ﵊ جماعةٌ، وقصَّة جابرٍ كانت في السَّفر، وكان خرج لحاجته، فتبعه جابرٌ وحدَه، فظهر التَّغاير بين حديث ابن عبَّاسٍ وحديث جابرٍ، بل في حديث أبي هريرة ﵁ المرويِّ في «صحيح ابن حبَّان» ما يدلُّ على الثَّالثة، ولفظه: أنَّه ﷺ مرَّ بقبرٍ (٦)، فوقف، فقال: «ائتوني بجريدتين»، فجعل

стр. 1055

إحداهما عند رأسِه، والأخرى عند رجليه، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «باب وضع الجريدة على القبر» من «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٦١]. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ ودارميٍّ ومكِّيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف هنا عن جريرٍ عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ ﵄، وفي الآتية: عن الأعمش -كمسلمٍ- عن مجاهدٍ عن طاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ [خ¦٢١٨] فأسقط المؤلِّف طاوسًا (١) الثَّابت في الثَّانية من الأولى، فانتقد عليه الدَّارقُطنيُّ ذلك، كما سيأتي مع الجواب عنه في الباب اللَّاحق إن شاء الله تعالى، وقد أخرج المؤلِّف الحديث أيضًا في «الطَّهارة» في موضعين [خ¦٢١٨] وفي «الجنائز» [خ¦١٣٦١] [خ¦١٣٧٨] و (٢) في «الأدب» [خ¦٦٠٥٢] [خ¦٦٠٥٥] و «الحج» (٣)، ومسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطهارة»، وكذا النَّسائيُّ فيه (٤) أيضًا وفي «التَّفسير» و «الجنائز». (٥٦) (بابُ مَا جَاءَ) في الحديث النَّبويِّ (فِي) حكم (غَسْلِ البَوْلِ) من الإنسان، فـ «ال» فيه للعهد الخارجيِّ (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في الحديث السَّابق (لِصَاحِبِ القَبْرِ: كَانَ لَا يَسْتَتِرُ) بالمُثنَّاتين، ولابن عساكر: «لا يستبرئ» بالمُوَحَّدة بعد المُثنَّاة (مِنْ بَوْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى

стр. 1056

بَوْلِ النَّاسِ) أخذ المؤلِّف هذا من إضافة البول إليه، وحينئذٍ فتكون رواية: «لا يستتر من البول» [خ¦٢١٨] محمولةً على ذلك، من باب حمل المُطلَق على المُقيَّد، وعلى هذا فالقول بنجاسة البول خاصٌّ ببول النَّاس، وليس عامًّا في بول جميع الحيوان. نعم للقائلين بعموم النَّجاسة فيه دلائلُ أُخَر، كالقائلين بطهارة بول (١) المأكول، واللَّام في قوله: «لصاحب» للتَّعليل، أو بمعنى: «عن»، كما ذكره ابن الحاجب في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ … ﴾ الاية [الأحقاف: ١١]. ٢١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أخبرنا» (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن عُليَّة، وليس هو أخا (٢) يعقوب (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ) بفتح الرَّاء على المشهور، وعن القابسيِّ: ضمُّها، وهو شاذٌّ مَردودٌ، التَّميميُّ العنبريُّ، من ثقات البصريِّين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) أبو معاذٍ البصريُّ، مولى أنسٍ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «رسول الله» (¬ ﷺ إِذَا تَبَرَّزَ) بتشديد الرَّاء، أي: خرج إلى البَراز، بفتح المُوَحَّدة، وهو اسمٌ للفضاء الواسع، فكنّوا به عن قضاء الحاجة، كما كنّوا عنه (٣) بالخلاء (٤) لأنَّهم كانوا

стр. 1057

يتبرَّزون في الأمكنة الخالية من النَّاس (لِحَاجَتِهِ) أي: لأجلها (أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ) فـ (يَغْسِلُ بِهِ) ذَكره المُقدَّس، بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الغين المُعجَمَة وكسر السِّين، وحذف المفعول لظهوره، أو للاستحياء عن ذِكره، ولأبي ذَرٍّ: «فيغتسل» بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بين الغين والسِّين، ولابن عساكر: «فتغسل (١)» بفتح المُثنَّاة الفوقيَّةِ وفتح الغين، وتشديد السِّين المَفتُوحَة (٢) يُقَال: تغسَّل يتغسَّل تغسُّلًا من التَّكلُّف والتَّشديد في الأمر، وقد استدلَّ المؤلِّف بهذا الحديث هنا على غسل البول، وهو أعمُّ من الاستدلال به على الاستنجاء وغيره، فلا تكرار فيه، وقد ثبتتِ الرُّخصة في حقِّ المستجمر، فيستدلُّ به على وجوب غسل ما انتشر عن (٣) المحلِّ. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بغداديٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث بصيغة الإفراد والجمع، والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا هنا في «الطَّهارة» [خ¦١٥٠] و «الصَّلاة» [خ¦٥٠٠]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الطهارة»، والله أعلم. هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين، من غير ترجمةٍ.

стр. 1058

٢١٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بضمِّ الميم وفتح المُثلَّثة وتشديد النُّون، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ) بالخاء المُعجَمَة والزَّاي، أبو معاوية الضَّرير الكوفيُّ، أحفظ النَّاس لحديث الأعمش، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الكوفيُّ الأسديُّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (١) (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ) أسند العذاب إلى القبرين وهو (٢) من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) يشقُّ الاحتراز عنه وإن كان كبيرًا في المعصية (أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ) من الاستتار وهو بمعنى: التَّنزُّه منه، والمرويُّ (٣) في «مسلمٍ» و «سنن أبي داودٍ»، ولابن عساكر: «لا يستبرئ» بالمُوَحَّدة، من الاستبراء (وَأَمَّا الآخَرُ) من المقبورَين (فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) بقصد (٤) الإضرار، فأمَّا ما اقتضى فعل مصلحةٍ أو ترك مفسدةٍ فهو مطلوبٌ، وقيل: ليس ذلك بكبيرٍ (٥) بمُجرَّده، وإنَّما صار كبيرًا بالمُواظَبة عليه، ويرشد إلى ذلك السِّياق، فإنَّه وقع التَّعبير عن كلٍّ منهما بما يدلُّ على تجدُّد ذلك منه واستمراره عليه للإتيان بصيغة المضارعة بعد حرف (٦)

стр. 1059

«كان»، كما أُشير إليه فيما سبق (ثُمَّ أَخَذَ) ﷺ (جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ) وفي رواية وكيعٍ في «الأدب (١)» [خ¦٦٠٥٢]: «فغرس» بالسِّين، وهما بمعنًى واحدٍ (فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا) أي: الصَّحابة ﵃: (يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ؟) زاد أبو الوقت والأَصيليُّ وابن عساكر: «هذا» وهي ساقطةٌ عند المُستملي والسَّرخسيِّ (قَالَ) ﵊: (لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ) بفتح الفاء الأولى المُشدَّدة (عَنْهُمَا) العذاب (مَا لَمْ يَيْبَسَا) بالتَّذكير والتَّأنيث، كما مرَّ. ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومكيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، ووقع بينه وبين السَّابق [خ¦٢١٦] اختلافٌ لأنَّه هناك عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ، وهنا عن الأعمش عن مجاهدٍ عن طاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ، ومن الوجه الثَّاني أخرجه مسلمٌ وباقي الأئمَّة السِّتَّة -كالمؤلِّف- من طريقٍ (٢) أخرى [خ¦١٣٦١]، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ من الوجه الأوَّل، وانتقد الدَّارقُطنيُّ على المؤلِّف إسقاط (٣) طاوس (٤) من السَّند الأوَّل، وقال التِّرمذيُّ بعد أن أخرجه: رواه منصورٌ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ، وحديث الأعمش أصحُّ، يعني: المتضمِّن للزِّيادة (٥). انتهى. وأُجيب بأنَّ مجاهدًا غير مدلِّسٍ، وسماعه من (٦) ابن عبَّاسٍ صحيحٌ في جملة الأحاديث، ومنصورٌ عندهم أتقن من الأعمش، مع أنَّ الأعمش أيضًا من الحفَّاظ، فالحديث

стр. 1060

كيفما دَارَ دَارَ على ثقةٍ، والإسناد كيفما دار كان متَّصلًا، والحاصل أنَّ إخراج المؤلِّف له من هذين (١) الطَّريقين صحيحٌ؛ لأنَّه يحتمل أنَّ مجاهدًا سمعه تارةً عن ابن عبَّاسٍ، وتارةً عن طاوسٍ. (قَالَ ابْنُ المُثَنَّى) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «وقال محمَّد بن المُّثنَّى»: (وَحَدَّثَنَا) بواو العطف على قوله: حدَّثنا (٢) محمَّد بن خازمٍ (وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا مِثْلَهُ) صرَّح بسماع الأعمش عن (٣) مجاهدٍ، ومن ثمَّ ذكر المؤلِّف هذا الإسناد لأنَّ الأوَّل مُعنعنٌ والأعمش مدلِّسٌ، وعنعنة المدلِّس غير مُعتبَرةٍ إلَّا إن عُلِمَ سماعه، وقد وصل أبو نُعيمٍ هذا في «مُستخرَجه» من طريق محمَّد بن المُثنَّى عن وكيعٍ وأبي معاوية، جميعًا عن الأعمش، وعبَّر هنا بـ «قال» رعايةً للفرق بينه وبين «حدَّثني»، فإنَّ «قال» أحطُّ رتبةً (٤). (٥٧) (بابُ تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسِ) بالجرِّ عطفًا على المُضاف إليه (٥)، أي: وتركِ النَّاسِ (الأَعْرَابِيَّ) الذي قدم المدينة ودخل المسجد النَّبويَّ وبَالَ فيه، فلم يتعرَّض له أحدٌ بإشارته ﷺ (حَتَّى فَرَغَ (٦) مِنْ بَوْلِهِ فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ، واللَّام في «الأعرابيِّ» للعهد الذِّهنيِّ، «والأعرابيُّ»:

стр. 1061

واحد الأعراب، وهم من سكن البادية، عربًا كانوا أو عجمًا. ٢١٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ البصريُّ، ولابن عساكر بإسقاط لفظ (١): «ابن إسماعيل» (قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى بن دينارٍ العَوْذِيُّ، بفتح العين المُهمَلة وسكون الواو وبالذَّال المُعجَمَة، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وستِّين ومئةٍ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (إِسْحَاقُ) بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريُّ (عَنْ أَنَسِ) هو ابن مالكٍ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى) أي: أبصر (أَعْرَابِيًّا يَبُولُ) أي: بائلًا (فِي المَسْجِدِ) فزجره النَّاس (فَقَالَ) ﵊: (دَعُوهُ) أي: اتركوا الأعرابيَّ، وهو الأقرع بن حابسٍ فيما حكاه أبو بكرٍ التَّاريخيُّ، أو ذو الخُوَيْصِرة اليمانيُّ فيما نُقِل عن أبي الحسن بن فارسٍ، فتركوه

стр. 1062

خوفًا من مفسدة تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد، أو يقطعه فيتضرَّر به (حَتَّى إِذَا فَرَغَ) أي: «من بوله» كما للأَصيليِّ، وهذا من كلام أنسٍ، و «حتَّى» للغاية، أي: فتركوه إلى أن فرغ منه (١) فلمَّا فرغ (دَعَا) النَّبيُّ ﷺ (بِمَاءٍ) أي: طلبه (فَصَبَّهُ عَلَيْهِ) أي: أمر بصبِّه عليه، وللأَصيليِّ: «فصبَّ» بحذف ضمير المفعول، واستُدلَّ به على أنَّ الأرض إذا تنجَّست، تطهَّر بصبِّ الماء عليها، أي: قدر ما يغمرها حتَّى تستهلك فيه، وقِيلَ: إن كانت صُلْبةً -بضمِّ الصَّاد وإسكان اللَّام- يصبُّ عليها من الماء سبعة أمثاله، ونُقِل ذلك عن الإمام الشَّافعيِّ ﵁ من غير تقييدٍ بصلابةٍ، قِيلَ: ولعلَّه أخذه من نسبة بول الأعرابيِّ -في الحديث الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦٢٢٠]- إلى الذَّنوب المصبوب عليه، وإن كانت الأرض رخوةً يحفر (٢) إلى (٣) ما وصلت إليه النَّداوة، وينقل التُّراب بناءً على أنَّ الغسالة نجسةٌ لحديث أبي داود عن عبد الله بن معقلٍ (٤) ﵁: «خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ فَأَلْقُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً»، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة ﵃، وعن أبي حنيفة ﵁: لا تطهر الأرض حتَّى تُحفَر إلى الموضع الذي وصلت إليه

стр. 1063

النَّداوة ويُنقَل التُّراب، وقِيلَ: يُشتَرط في تطهير الأرض أن يُصَبَّ على بول الواحد ذنوبٌ، وعلى بول (١) الاثنين ذنوبان، وهكذا، والأظهر هو الأوَّل لحديث الباب ولاحقه إذ لم يأمر ﵊ فيهما بقلع التُّراب، وأمَّا الحديث السَّابق الدَّالُّ على قلعه، فضعيفٌ لأنَّ إسناده غير متَّصلٍ؛ لأنَّ ابن معقلٍ لم يدركِ النَّبيَّ ﷺ ، وفي الحديث أيضًا من الفقه: الرِّفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيفٍ إذا لم يكن ذلك منه عنادًا، ولا سيَّما إن كان ممَّن يُحتاج إلى استئلافه، وبقيَّة ما يُستفاد من هذا (٢) الحديث تأتي (٣) قريبًا إن شاء الله . ورواته الأربعة ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في الباب التَّالي [خ¦٢٢٠] وفي «الأدب» [خ¦٦٠٢٥]، ومسلمٌ في «الطَّهارة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود وابن ماجه، والله أعلم (٤). (٥٨) (بابُ) حكم (صَبِّ المَاءِ عَلَى البَوْلِ فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ وغيره من سائر المساجد.

стр. 1064

٢٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الابن وتكبير الأب (بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة (بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ) أي: شرع في البول (فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ، ولأبي ذَرٍّ: «في المسجد فبال» (١) (فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ) بألسنتهم لا بأيديهم، وفي رواية أنسٍ الآتية: «فزجره النَّاس» [خ¦٢٢١]، و «لمسلمٍ»: «فقال الصَّحابة: مَهْ مَهْ»، وللبيهقيِّ من طريق عبدان شيخ (٢) المؤلِّف: «فصاح النَّاس به»، وكذا للنَّسائيِّ من طريق ابن مُبارَكٍ (فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : دَعُوهُ) يبول، زادَ الدَّارقُطنيُّ في روايةٍ له: «عسى أن يكون من أهل الجنَّة» (وَهَرِيقُوا) وعنده في «الأدب»: «وأهريقوا» (عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ) بفتح المُهمَلة وسكون الجيم: الدَّلو الملأى (٣) ماءً لا فارغةٌ، أوِ الدَّلو الواسعة (أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ) بفتح الذَّال المُعجَمَة: الدَّلو الملأى لا فارغةٌ، أو العظيمة، وحينئذٍ فعلى التَّرادف، أو للشَّكِّ من الرَّاوي، وإلَّا فهي للتَّخيير (فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ) حال كونكم

стр. 1065

(مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا) حال كونكم (مُعَسِّرِينَ) أكَّد السَّابق بنفي ضدِّه تنبيهًا (١) على المُبالَغة في اليسر (٢)، وأسند البعث إلى الصَّحابة ﵃ على طريق المجاز لأنَّه ﵊ هو المبعوث حقيقةً، لكنَّهم لمَّا كانوا في مقام التَّبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، وقد كان ﵊ إذا بعث بعثًا إلى جهةٍ من الجهات يقول: «يسِّروا ولا تعسِّروا» [خ¦٦٩] وفي قوله: «إنَّما بُعِثْتم ميسِّرين» إشارةٌ إلى تضعيف وجوب حفر الأرض؛ إذ لو وجب لزال معنى التَّيسير وصاروا معسِّرين. ورواته الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإخبار به، وبالتَّوحيد والعنعنة، وأمَّا قوله: «أخبرني عبيد الله» فرواه كذلك أكثر الرُّواة عن الزُّهريِّ، ورواه سفيان بن عيينة عنه عن سعيد بن المُسَيَّب بدل «عبيد الله» وتابعه سفيان بن حسينٍ، قاله في «الفتح»، فالظَّاهر أنَّ الرِّوايتين صحيحتان. ٢٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح المُهمَلة وسكون المُوَحَّدة، هو عبد الله العتكيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أخرج البيهقيُّ هذا الحديث من طريق عبدان هذا بلفظ: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله ﷺ ، فلمَّا قضى حاجته قام إلى ناحية المسجد فبال، فصاح به النَّاس، فكفَّهم عنه (٣) رسولُ الله ﷺ ، ثمَّ قال: «صبُّوا عليه دلوًا من ماءٍ»، وفي بعض

стр. 1066

الأصول هنا: «ح» علامة التَّحويل من سندٍ إلى سندٍ (١) آخر، وفي فرع «اليونينيَّة» بدلها: «بابٌ» بالتَّنوين «يُهَرِيقُ المَاءَ عَلَى البَوْلِ» بفتح الهاء، وسقط الباب والتَّرجمة في رواية الأَصيليِّ والهرويِّ وعط (٢) وابن عساكر. (وحَدَّثَنَا) بواو العطف على قوله: «حدَّثنا عبدان»، قال في «الفتح»: وسقطت من رواية كريمة، وفي الفرع: ثبوتها للأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (خَالِدٌ) هو «ابن مَخْلَدٍ» كما للأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر، وهو بفتح الميم وسكون الخاء المُعجَمَة وفتح اللَّام (قَالَ: وحَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ وأبي الوقت (٣): «قال: حدَّثنا» (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ) أي: في قطعة من أرضه (فَزَجَرَهُ النَّاسُ) على ذلك، وهذا يدلُّ على أنَّ الاحتراز من النَّجاسة كان مُقرَّرًا عندهم (فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) عن زجره للمصلحة الرَّاجحة وهي دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (فَلَمَّا قَضَى) الأعرابيُّ (بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ) بفتح الذَّال المُعجَمَة: الدَّلو المملوءة ماءً أو العظيمة (فَأُهْرِيقَ) بزيادة همزةٍ مضمومةٍ وسكون الهاء وضمِّها (٤)،

стр. 1067

كذا في «اليونينيَّة» (١)، ولأبي ذَرٍّ: «فهُريق» بضمِّ الهاء (عَلَيْهِ) أي: على البول، وهذا يدلُّ على أنَّ الأرض المتنجِّسة لا يطهِّرها إلَّا الماء، لا الجفاف بالرِّيح أو الشَّمس (٢) لأنَّه لو كان يكفي ذلك لَمَا حصل التَّكليف بطلب الدَّلو، ولأنَّه لم يوجد المُزيل، ولهذا لا يجوز التَّيمُّم بها، وقال الحنفيَّة غير زفر منهم: إذا أصابت (٣) الأرض نجاسةٌ فجفَّت بالشَّمس وذهب أثرها جازت (٤) الصَّلاة على مكانها لقوله ﵊: «زكاة (٥) الأرض يبسها» أي: طهارتها، ولا دلالة هنا على نفي غير الماء لأنَّ الواجب هو الإزالة، والماء مزيلٌ بطبعه، فيُقَاس عليه كلُّ ما كان مزيلًا؛ لوجود الجامع، قالوا: وإنَّما لا يجوز التيمم به لأنَّ طهارة الصَّعيد ثبتت شرطًا بنصِّ الكتاب، فلا تتأدَّى بما ثبت بالحديث. انتهى. وفي الحديث: أنَّ غسالة النَّجاسة الواقعة على الأرض طاهرةٌ لأنَّ الماء المصبوب لا بدَّ أن يتدافع عند وقوعه على الأرض ويصل إلى محلٍّ لم يصبه البول ممَّا يجاوره (٦)، فلولا أنَّ الغسالة طاهرة لكان الصَّبُّ ناشرًا للنَّجاسة، وذلك خلاف مقصود التَّطهير، وسواء كانت النَّجاسة على الأرض أو غيرها، لكنَّ الحنابلة فرَّقوا بين الأرض وغيرها، والله أعلم. (٥٩) (بابُ) حكم (بَوْلِ الصِّبْيَانِ) بكسر الصَّاد ويجوز ضمُّها، جمع صبيٍّ، قاله البرماويُّ

стр. 1068

والحافظ ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا يُقَال في الضَّمِّ إلَّا «صبوان» بالواو، وقد وهم هذا القائل حيث لم يعلم الفرق بين المادَّة الواويَّة والمادَّة اليائيَّة، قال: وأصل «صِبيان» بالكسر «صبوان» لأنَّ المادَّة واويَّةٌ، فقُلبِت الواو ياءً لانكسار ما قبلها. انتهى. قلت: وفيما قاله نظرٌ؛ فإنَّ الذي قاله ابن حجر موافقٌ لما قاله (١) إمام عصره في لسان العرب المجد الشِّيرازيُّ في «قاموسه»، وعبارته: الصَّبيُّ: من (٢) لم يُفطَم، وجمعه أصبيةٌ وأصبٍ وصبوةٌ وصبيةٌ وصبوانٌ وصبيانٌ، وتضمُّ (٣) هذه الثَّلاثة. انتهى. وهو يردُّ على العينيِّ كما ترى. ٢٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ إمام دار الهجرة (٤) (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوُّام ﵄ (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: أُتِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر المُثنَّاة الفوقيَّة، ولابن عساكر: «عن عائشة أمِّ المؤمنين قالت (٥)»: أُتي (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَبِيٍّ) وهو الذي لم يأكل ولم يشرب غير اللَّبن للتَّغذي، وهو ابن أمِّ قيسٍ المذكورة بَعْدُ [خ¦٢٢٣] أو الحسن بن عليٍّ ﵄، أو أخوه الحُسَين ﵁ كما في «الأوسط» للطَّبرانيِّ (فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ) أي: ثوب رسول الله ﷺ (فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ)

стр. 1069

بفتح همزة «فأَتْبَعه» وإسكان المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوَحَّدة، أي: أتبع النَّبيُّ ﷺ البولَ الذي على الثَّوب الماءَ بصبِّه عليه حتَّى غمره من غير سيلانٍ، كما يدلُّ عليه قوله الآتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-: «ولم يغسله» [خ¦٢٢٣] واكتفى بذلك لأنَّ النَّجاسة مُخفَّفةٌ، وشمل قولي كأئمَّتنا: «لم يأكل غير اللَّبن» لبن الآدميِّ وغيره، وهو متَّجه كما في «المُهمَّات»، وظاهره أنَّه لا فرق بين النَّجس وغيره، وأمَّا قول الزَّركشيِّ: لو شرب لبنًا نجسًا أو متنجِّسًا ينبغي وجوب غسل بوله، كما لو شربت السَّخلة لبنًا نجسًا يُحكَم بنجاسة أنفحتها، وكذا الجلَّالة، فإنَّه مَردُودٌ بأنَّ استحالة ما في الجوف تغيّر (١) حكمه الذي كان، بدليل قول الجمهور بطهارة لحم جديٍ ارتضع كلبة أو نحوها، فنبت لحمه على لبنها، وبعدم تسبيع المخرج فيما لو أكل لحم كلبٍ وإن وجب تسبيع الفم، وما قاس (٢) عليه لم يذكره (٣) الأئمّة كما اعترف هو به في أثناء كلامه، وهو ممنوعٌ لأنَّ «الإنفحة» لبنٌ جامدٌ لم يخرج من الجوف، كما ذكره الإمام والرُّوْيَانيِّ وغيرهما، فهي مستحيلةٌ في الجوف، وقد عُرِف أنَّ الحكم يتغيَّر بالاستحالة، و «الجَلَّالة» لحمها ولبنها طاهران، كما صحَّحه النَّوويُّ كالجمهور ﵏ ورضي عنهم، ونقله الرَّافعيُّ عنهم، وإن صحَّح في «المُحرَّر» خلافه. قاله (٤) في «شرح التَّنقيح».

стр. 1070

وهذا الحديث من الخماسيَّات، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّهارة». ٢٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل (ابْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود ﵁ (عَنْ أُمِّ قَيْسٍ) بفتح القاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وذكرها الذَّهبيُّ في «تجريده» في «الكنى»، ولم يذكر لها اسمًا، وعند ابن عبد البر: اسمها: جُذامة، بالجيم وبالذَّال المُعجَمَة، وعند السُّهيليِّ: آمنة (بِنْتِ) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «ابنة» (مِحْصَنٍ) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصَّاد المُهمَلتين آخره نون، وهي أخت عكاشة بن مِحْصَنٍ، وهي من السَّابقات المُعمِّرات، ولها في «البخاريِّ» حديثان (أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا) ذكرٍ (صَغِيرٍ) بالجرِّ صفة «ابن» لقوله: (لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ) لعدم قدرته على مضغه ودفعه لمعدته (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَِجْرِهِ) بكسر الحاء وفتحها وسكون الجيم (فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ) أي: ثوب النبيِّ ﷺ (فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ) أي: رشَّه بماء عمَّه وغلبه من غير سيلانٍ، كما يدلُّ عليه قوله: (وَلَمْ يَغْسِلْهُ) لأنَّه لم يبلغ الإسالة، وقد ادَّعى الأَصيليُّ أنَّ قوله: «ولم يغسله» من كلام ابن شهابٍ، وليس من المرفوع، والفاءات الأربعة في قوله: «فأجلسه» «فبال» «فدعا بماءٍ» «فنضحه» للعطف بين الكلام (١) بمعنى

стр. 1071

التَّعقيب (١)، ومراده بـ «الصَّغير» هنا: الرَّضيع بدليل قوله: «لم يأكل»، وعبّر بـ «الابن» دون الولد لأنَّ الابن لا يُطلَق إلَّا على الذَّكر، بخلاف الولد فإنه يطلق عليهما، والحكم المذكور إنَّما هو للذَّكر لا لها، ولا بدَّ في بولها من الغسل على الأصل، وقد روى ابن خزيمة والحاكم وصحَّحاه: «يغسل من بول الجارية، ويرشُّ من بول الغلام»، وفرَّق بينهما بأنَّ الائتلاف بحمل الصَّبي أكثر فخفَّف في بوله، وبأنَّه (٢) أرقُّ من بولها، فلا يلصق بالمحلِّ لصوقَ (٣) بولها به (٤)، ولأنَّ بولها بسبب استيلاء الرُّطوبة والبرودة على مزاجها أغلظ وأنتن، ومثلها الخنثى، كما جزم به في «المجموع»، ونقله في «الرَّوضة» عن البغويِّ، وأفهم قوله: «لم يأكل الطعام» أنَّه لا يمنع النَّضح تحنيكه بتمر ونحوه، ولا تناوله (٥) السَّفُوف ونحوه للإصلاح، وممَّن قال بالفرق: عليُّ بن أبي طالبٍ، وعطاءُ بن أبي رباحٍ، والحسن، وأحمد ابن حنبل، وابن رَاهُوْيَه، وابن وهب من المالكيَّة (٦)، وذهب أبو حنيفة ومالكٌ رحمهما الله إلى عدم الفرق بين الذَّكر والأنثى، بل قالا بالغسل فيهما مطلقًا، سواء أكلا الطَّعام أم لا، واستدلَّ لهما بأنَّه ﵊ نضح، والنَّضح هو الغسل؛ لقوله ﵊ في المذي: «فلينضح فرجه» رواه أبو داود وغيره من حديث المقداد، والمُرَاد به: الغسل، كما وقع التَّصريح به في «مسلمٍ»، والقصَّة واحدةٌ كالرِّاوية، ولحديث أسماء في غسل الدَّم: «وانضحيه»، وقد ورد الرَّشُّ وأُريد به: الغسل، كما في حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ في «الصَّحيح» [خ¦١٤٠] لمَّا حكى الوضوء النَّبويَّ: أخذ غرفة من ماءٍ ورشَّ (٧) على رجله اليمنى حتَّى غسلها، وأراد بـ «الرِّشِّ» هنا: الصَّبَّ قليلًا قليلًا، وتأوَّلوا قوله: «ولم يغسله» أي: غسلًا مبالغًا فيه

стр. 1072

بالعرك (١)، كما تُغسَل الثِّياب إذا أصابتها النَّجاسة، وأُجيب بأنَّ النَّضح ليس هو الغسل، كما دلَّ عليه كلام أهل اللُّغة، ففي «الصِّحاح» و «المُجمَل» لابن فارس و «ديوان الأدب» للفارابيِّ و «المنتخب» لكُراعٍ، و «الأفعال» لابن طريفٍ (٢)، و «القاموس» للفَيْرُوزَابادي: النَّضح: الرشُّ، ولا نسلِّم أنَّه في حديث المقداد وأسماء بمعنى: «الغسل»، ولئن سلَّمناه فبدليلٍ خارجيٍّ، واستدلَّ بعضهم بقوله: «ولم يغسله» على طهارة بول الصَّبيِّ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثورٍ، وحُكِي عن مالكٍ والأوزاعيِّ، وأمَّا حكايته عن الشَّافعيِّ فجزم النَّوويُّ بأنَّها باطلة قطعًا، فأيَّده (٣) مجموع الصِّغار الذين حصل منهم بولٌ عليه ﷺ : الحسن والحسين وعبد الله بن الزبير وابن أمِّ محصنٍ وسليمان (٤) بن هشام ﵃، قاله الذَّهبيُّ رحمة الله عليه (٥). ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين تِنِّيسيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة. (٦٠) (بابُ) بيان حكم (البَوْلِ) حال كون البائل (قَائِمًا وَ) حال كونه (قَاعِدًا). ٢٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقٍ الكوفيِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان، واسم «اليمان»: حُسَيْلٌ،

стр. 1073

بمُهمَلتين، مُصغَّرٌ، أو يُقال (١): حِسْلٌ -بكسرٍ ثمَّ سكونٍ- العبسيِّ، بالمُوَحَّدة (٢)، حليف الأنصار، صحابيٌّ جليلٌ من السَّابقين، صحَّ في «مسلمٍ» عنه أنَّ رسول الله (٣) ﷺ أعلمه بما كان وما (٤) يكون إلى أن تقوم السَّاعة، وأبوه صحابيٌّ أيضًا استُشهِد بأُحُدٍ، ومات حذيفة ﵁ في أوَّل خلافة عليٍّ سنة ستٍّ وثلاثين، له في «البخاريِّ» اثنان وعشرون حديثًا. (قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ) بضمِّ المُهمَلة وتخفيف المُوَحَّدة: مرمى ترابٍ وكناسة (٥) (قَوْمٍ) من الأنصار، تكون بفناء الدُّور مرتفقًا لأهلها، أو «السُّباطة» الكناسة نفسها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتدُّ فيها (٦) البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاصٍ لا (٧) ملك؛ لأنَّها لا تخلو عن النَّجاسة، وفي رواية أحمد: «أتى سباطة قومٍ (٨) فتباعدتُ منه، فأدناني حتَّى صرت قريبًا من عقبيه» (فَبَالَ) ﷺ في الكناسة لدَمَثها (٩) حال كونه (قَائِمًا) بيانًا للجواز، أو لأنَّه لم يجد للقعود مكانًا، فاضطرَّ للقيام، أو كان بمأبضه -بالهمزة

стр. 1074

السَّاكنة والمُوَحَّدة المكسورة والضَّاد المُعجَمَة: وهو باطن ركبته الشَّريفة- جرحٌ، أو استشفاءٌ من وجع صلبه على عادة العرب في ذلك، أو أنَّ (١) البول قائمًا أَحصن للفرج، فلعلَّه خشي من البول قاعدًا مع قربه من الناس خروج صوت منه، فإن قلت: لِمَ بال ﵊ في السُّباطة من غير أن يبعد عن النَّاس أو يبعدهم عنه؟ أُجيب بأنَّه لعلَّه كان مشغولًا بأمور المسلمين والنَّظر في مصالحهم، وطال عليه المجلس حتَّى لم يمكنه التباعد خشية التَّضرُّر (٢)، وقد أباح البول قائمًا جماعة، كعمر وابنه وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيَّب وابن سيرين والنَّخعي والشَّعبي وأحمد، وقال مالكٌ: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به، وإِلَّا فمكروهٌ، وكرهه للتَّنزيه عامَّة العلماء، فإن قلت: في التَّرجمة: البول قائمًا وقاعدًا، وليس في الحديث إلَّا القيام؟ أُجيب بأنَّ وجه أخذه من الحديث أنَّه إذا جاز قائمًا فقاعدًا أجوز؛ لأنَّه أمكن (ثُمَّ دَعَا) ﷺ (بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ) به، وزاد عيسى بن يونس فيه عن الأعمش ما (٣) أخرجه ابن عبد البرِّ في «التَّمهيد» بسندٍ صحيحٍ: أنَّ ذلك كان بالمدينة. واستُنبِط من الحديث: جواز البول بالقرب من الدِّيار، وأنَّ مدافعة البول مكروهةٌ. ورواته الخمسة ما بين خراسانيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطَّهارة» [خ¦٢٢٦]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٦١) (بابُ البَوْلِ) أي: حكم بول الرَّجل (عِنْدَ صَاحِبِهِ وَالتَّسَتُّرِ) أي: وبيان (٤) حكم تستُّره (بِالحَائِطِ) فـ «ال» في «البول» بدلٌ من المضاف إليه (٥)، وهو كما قدَّرنا، والضَّمير في «صاحبه» يرجع إلى المضاف إليه المقدَّر وهو الرَّجل البائل.

стр. 1075

٢٢٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبه (١) لجدِّه (٢) الأعلى لشهرته به، وإلَّا فاسم أبيه محمَّد بن إبراهيم الكوفيُّ، المُتوَفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق الكوفيِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵁ أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُنِي) بضمِّ المُثنَّاة الفَوقيَّة، فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ، وجاز كون الفاعل والمفعول واحدًا لأنَّ أفعال القلوب يجوز فيها ذلك (أَنَا وَالنَّبِيَّ) بالنَّصب عطفًا على الضَّمير المنصوب على المفعوليَّة، أي: رأيت نفسي ورأيت النَّبيَّ، و «أنا» للتَّأكيد، ولصحَّة عطف لفظ (٣): «النبيّ» على الضَّمير المُذكور، ويجوز رفع «النبيّ» عطفًا على «أنا»، وكلاهما بفرع «اليونينيَّة» (¬ ﷺ ¬) حال كوننا (نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ) أي: جدارٍ (فَقَامَ) ﷺ (كَمَا

стр. 1076

يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ) بنونٍ فمُثنَّاةٍ فوقيَّة (١) فمُوحَّدةٍ فمُعجَمة، أي: ذهبت ناحية (مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ) ﵊ بيده أو برأسه (فَجِئْتُهُ) فقال: «يا حذيفة، استرني» كما عند «الطَّبرانيِّ» من حديث عصمة بن مالكٍ (فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ) بالإفراد (٢)، وللأَصيليِّ: «عقبيه» (حَتَّى فَرَغَ) وفي إشارته ﵊ لحذيفة دليلٌ على أنَّه لم يبعد منه بحيث لا يراه، والمعنى في إدنائه إيَّاه مع استحباب الإبعاد في الحاجة: أن يكون سترًا بينه وبين الناس؛ إذ السُّباطة إنَّما تكون في الأفنية المسكونة أو قريبًا منها، ولا تكاد تخلو عن مارٍّ، وإنَّما انتبذ حذيفة لئلا يسمع شيئًا ممَّا يقع في الحدث، فلمَّا بال ﵊ قائمًا وأمن منه ذلك أمرهَ بالقرب منه. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ ورازيٍّ. (٦٢) (بابُ) حكم (البَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ). ٢٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بعينَين وراءَين مُهمَلاتٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقٍ أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيُّ) ﵁ (يُشَدِّدُ فِي) الاحتراز من (البَوْلِ) حتَّى كان يبول في قارورةٍ خوفًا من أن يصيبه شيءٌ من رشاشه (وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) بني يعقوب، وإسرائيل لقبه لأنَّه لمَّا فاز بدعوة أبيه إسحاق دون أخيه عَيْصُو توعَّده بالقتل فلحق بخاله ببابل أو

стр. 1077

بحرَّان (١) فكان يسير باللَّيل ويكمن (٢) بالنَّهار، فسُمِّي لذلك «إسرائيل» (كَانَ) شأنهم (إِذَا أَصَابَ) البول (ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ) أي: قطعه، وللإسماعيليِّ: «قرضه بالمقراض»، ولـ «مسلم»: «إذا أصاب جلد أحدهم» أي: الذي يلبسه (٣) أو جلد نفسه على ظاهره، ويؤيِّده رواية أبي داود: «إذا أصاب جسد (٤) أحدهم»، لكن رواية المؤلِّف صريحةٌ في الثِّياب، فيحتمل أنَّ بعضهم رواه بالمعنى (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان: (لَيْتَهُ) أي: أبا موسى الأشعريَّ (أَمْسَكَ) نفسه عن هذا التَّشديد؛ فإنَّه خلاف السُّنَّة، فقد (أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا) فلم يتكلَّفِ البول في القارورة، واستدلَّ به مالكٌ على الرُّخصة في مثل رؤوس الإبر من البول، نعم يقول بغسلها استحبابًا، وأبو حنيفة يسهِّل فيها كيسير كلِّ النَّجاسات، وعند الشَّافعيِّ يغسلها وجوبًا، وفي الاستدلال على الرُّخصة المذكورة ببوله ﵊ قائمًا نظرٌ لأنَّه ﵊ في تلك الحالة لم يصل إليه منه شيءٌ، قال ابن حبَّان: إنَّما بال قائمًا لأنَّه لم يجد مكانًا يصلح للقعود فقام لكون الطَّرف الذي يليه من السُّباطة عاليًا، فأمن من (٥) أن يرتدَّ إليه (٦) شيءٌ من بوله، أو كانتِ السُّباطة رخوةً لا يرتدُّ إلى البائل شيءٌ من بوله. ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين شاميٍّ وبصريٍّ (٧) وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة.

стр. 1078

(٦٣) (بابُ) حكم (غَسْلِ الدَّمِ) بفتح الغين، أي: دم الحيض. ٢٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بفتح النُّون، المعروف بالزَّمِن (قَالَ: حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى) ابن سعيد القطَّان (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزُّبير (قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ) أي: زوجته بنت المنذر بن الزُّبير (عَنْ) ذات النِّطاقين (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق، أمِّ عبد الله بن الزُّبير (٢) من المهاجرات، وكانت تُسمَّى: ذات النِّطاقين لِمَا ذُكِرَ في حديث «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥] أسلمت بعد سبعة عشر إنسانًا -فيما (٣) قاله ابن إسحاق- وهاجرت بابنها عبد الله، وكانت عارفةً بتعبير الرُّؤيا حتَّى قِيلَ: أخذ ابن سيرين التَّعبير عن ابن المُسَيَّب، وأخذه ابن المُسَيَّب عن أسماء، وأخذته أسماء عن أبيها، وهي آخر المهاجرات وفاةً، تُوفِّيت في جمادى الأولى سنة ثلاثٍ وسبعين بمكَّة بعد ابنها عبد الله بأيَّامٍ، بلغت مئة سنةٍ لم يسقط لها سنٌّ ولم يُنكَر لها عقلٌ، لها في «البخاريِّ» ستَّة عشر حديثًا ﵂ أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ (٤)) وللأربعة: «إلى النَّبيِّ (٥)» (¬ ﷺ ¬) والمرأة هي أسماء كما وقع في رواية الإمام الشَّافعيِّ بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخين، عن سفيان بن عيينة عن هشامٍ، ولا يبعد أن يبهم الرَّاوي اسم نفسه

стр. 1079

(فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ) يا رسول الله (إِحْدَانَا تَحِيضُ) حال كونها (فِي الثَّوْبِ) ومن ضرورة ذلك غالبًا وصول الدَّم إليه، وللمؤلِّف من طريق مالكٍ عن هشامٍ [خ¦٣٠٧]: «إذا أصاب ثوبها الدَّم من الحيضة»، وأطلقت الرُّؤية وأرادت الإخبار لأنَّها سببه، أي: أخبِرني، والاستفهام بمعنى

стр. 1080

الأمر بجامع الطَّلب (كَيْفَ تَصْنَعُ) به؟ (قَالَ) ﵊، وللأَصيليِّ: «فقال»: (تَحُتُّهُ) بضمِّ الحاء، أي: تفركه (ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة (١) وإسكان القاف وضمِّ الرَّاء والصَّاد المُهمَلتين، أي: تفرك الثَّوب وتقلعه بدلكه بأطراف أصابعها أو بظفرها، مع صبِّ الماء عليه، وفي روايةٍ: «تقرِّصه» بتشديد الرَّاء المكسورة، قال أبو عبيدٍ: معنى التَّشديد: تقطعه (وَتَنْضَحُهُ) بفتح الأوَّل والثَّالث لا بكسره، وقال الكِرمانيُّ بكسرها، وكذا قال مغلطاي، قال العينيُّ: وهو غلطٌ، وقال في «المصابيح» بكسرها، وحكى فتحها، ويُقال: إنَّ أبا حيَّان قرأ في بعض المجالس الحديثيَّة: «وانضَحْ فرجك» بفتح الضَّاد، فردَّ عليه السِّراج الدَّمنهوريُّ وقال: نصَّ النَّوويُّ على أنَّه بالكسر، فقال أبو حيَّان: حقُّ النَّوويِّ أن يستفيد هذا منِّي، والذي قلت هو القياس، وكلام الجوهريِّ يشهد للنَّوويِّ، لكن نُقِلَ عن صاحب «الجامع» أنَّ الكسر لغةٌ، وأنَّ الأفصح الفتح (٢)، أي: تغسله بأن تصبَّ عليه الماء قليلًا قليلًا، قال الخطَّابيُّ: تَحُتُّ المتجسِّد من الدَّم لتزول عينه، ثمَّ تقرصه بأن تقبض عليه بأصابعها (٣) ثمَّ تغمزه غمزًا (٤) جيِّدًا، وتدلكه حتَّى ينحلَّ ما تشرَّبه من الدَّم، ثمَّ تنضحه، أي: تصبُّ عليه، و «النَّضح» هنا: الغسل حتَّى يزول الأثر، وفي نسخةٍ: «ثمَّ تنضحه» (وَتُصَلِّي فِيهِ) ولابن عساكر: «ثمَّ تصلِّي فيه»، وفي الحديث: تعيين الماء لإزالة جميع النَّجاسات دون غيره من المائعات؛ إذ لا فرق بين الدَّم وغيره، وهذا قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف حيث قالا: يجوز (٥) تطهير النَّجاسة بكلِّ مائعٍ طاهرٍ لحديث عائشة: «ما كان لإحدانا إلَّا ثوبٌ واحدٌ تحيض فيه، فإذا أصابه شيءٌ من دم الحيض

стр. 1081

قالت بريقها فمصعته بظفرها»، فلو كان الرِّيق لا يطهِّر لزادت النَّجاسة، وأُجيب بأنَّها أرادت بذلك تحليل أثره، ثمَّ أزالته، أي: غسلته بعد ذلك، وفيه: أنَّ قليل (١) دم الحيض لا يُعفى عنه كسائر النَّجاسات بخلاف سائر الدِّماء، وعن مالكٍ: يُعفَى عن قليل الدَّم ويُغسَل قليل غيره من النَّجاسات، وعن الحنفيَّة: يُعفَى عن قدر الدِّرهم. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مكيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» و «البيوع»، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطَّهارة». ٢٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ولأبي الوقت وابن عساكر: «يعني: ابن سلامٍ»، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا محمَّد بن سلامٍ»، ولأبي ذَرٍّ: «محمَّد هو ابن سلامٍ» وهو بتخفيف اللَّام، البيكنديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بمُعجَمتين- الضَّرير قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (٢) (قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «بنت» (أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح المُوَحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، قيس بن المطَّلب،

стр. 1082

وهي قرشيَّةٌ أسديَّةٌ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة (١)، أي: يستمرُّ بي الدَّم بعد أيَّامي المُعتادة؛ إذِ الاستحاضة جريان الدَّم من فرج المرأة في غير أوانه (فَلَا أَطْهُرُ) لدوامه، والسِّين في «أُسْتَحاض» للتَّحوُّل (٢) لأنَّ دم الحيض تحوَّل إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة كما في: استحجر الطِّين، وبُنِي الفعل فيه للمفعول (٣)، فقيل: استُحيضت المرأة بخلاف الحيض، فيقال فيه: حاضت المرأة لأنَّ دم الحيض لمَّا كان معتادًا معروف الوقت نُسِب إليها، والآخر لمَّا كان نادرًا مجهول الوقت، وكان منسوبًا إلى الشَّيطان كما في الحديث: «أنَّها ركضةٌ من (٤) الشيطان» بُنِي للمفعول، وتأكيدها بـ «أنَّ» لتحقيق القضيَّة (٥) لندور وقوعها، لا (٦) لأنَّ (٧) النَّبيَّ ﷺ متردِّدٌ أو منكرٌ (أَفَأَدَعُ) أي: أترك، والعطف على مُقدَّرٍ بعد الهمزة؛ لأنَّ لها صدر الكلام، أي: أيكون لي حكم الحائض فأترك (الصَّلَاةَ؟) أو أنَّ الاستفهام ليس باقيًا، بل للتَّقرير، فزالت صدريَّتها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا) تدعي الصَّلاة (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر

стр. 1083

الكاف (عِرْقٌ) أي: دم عرقٍ وهو بكسر العين ويُسمَّى: العاذل، بالعين المُهمَلة والذَّال المُعجَمَة المكسورة (وَلَيْسَ بِحَيْضٍ) لأنَّه يخرج من قعر الرَّحم (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) بفتح الحاء: المرَّة، وبالكسر: اسمٌ للدَّم، والخرقة التي تستثفر (١) بها المرأة والحالة، أو (٢) الفتح خطأٌ، والصَّواب: الكسر؛ لأنَّ المُراد بها: الحالة، قاله الخطَّابيُّ، وردَّه القاضي عياضٌ وغيره، بل قالوا: الأظهر الفتح؛ لأنَّ المُراد: إذا أقبل الحيض، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» (فَدَعِي الصَّلَاةَ) أي: اتركيها (وَإِذَا أَدْبَرَتْ) أي: انقطعت (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) أي: واغتسلي لانقطاع الحيض، وهذا مُستَفادٌ من أدلَّةٍ أخرى تأتي -إن شاء الله تعالى- ومفهومه: أنَّها كانت تميِّز بين الحيض والاستحاضة فلذلك وكَّل الأمر إليها في معرفة ذلك (ثُمَّ صَلِّي) أوَّل صلاةٍ تدركينها، وقال مالكٌ في رواية (٣): تستظهر بالإمساك عن الصَّلاة ونحوها ثلاثة أيَّامٍ على عادتها. (قَالَ) هشامٌ بالإسناد المذكور، عن محمَّدٍ، عن أبي معاوية عن هشامٍ: (وَقَالَ أَبِي (٤)) عروةُ ابنُ الزُّبير: (ثُمَّ تَوَضَّئِي) بصيغة الأمر (لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ) أي: وقت إقبال الحيض، وكاف «ذلكِ» مكسورةٌ كما في فرع «اليونينيَّة»، وصُحِّح عليه. وبقيَّة مباحث الحديث تأتي في «كتاب الحيض» [خ¦٣٠٦]-إن شاء الله تعالى- وتفاصيل

стр. 1084

حكمه مستوفاةٌ في كتب الفقه أُشير لشيءٍ منها في محلِّه إن شاء الله تعالى بعون الله، ورواة هذا الحديث ستَّةٌ، وفيه: الإخبار والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود. (٦٤) (بابُ غَسْلِ) الرَّجل (المَنِيَّ وَفَرْكِهِ) من الثَّوب حتَّى يذهب أثره (وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ) الثَّوب وغيره (مِنَ) الرُّطوبة الحاصلة من فرج (المَرْأَةِ) عند مُخالَطته إيَّاها. ٢٢٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين وسكون المُوَحَّدة، المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) أي: «ابن المُبارَك» كما لأبَوي الوقت وذَرٍّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) بفتح العين، وفي نسخةٍ زيادة: «ابن مهران» بدل «ابن ميمون» (١) (الجَزَرِيُّ) بالزَّايِ المنقوطة والرَّاء، نسبةً إلى الجزيرة (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة المُخفَّفة، مولى ميمونة أمِّ المؤمنين، فقيه المدينة، المُتوفَّى سنة سبعٍ ومئةٍ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ) أي: أثرها؛ لأنَّ الجنابة معنًى فلا تُغسَل، أو عبَّرت بها عن

стр. 1085

ذلك مجازًا، والمُراد (١): المنيُّ، من باب تسمية الشَّيء باسم سببه، فإنَّ وجوده سببٌ لبعده عن الصَّلاة ونحوها، أو أطلقت (٢) على المنيِّ اسم الجنابة، وحينئذٍ فلا حاجة إلى التَّقدير بالحذف أو بالمجاز (مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ) ولابن عساكر (٣): «رسول الله» (¬ ﷺ فَيَخْرُجُ) من الحجرة (إِلَى) المسجد لأجل (الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ) بضمِّ المُوَحَّدة وفتح القاف وآخره عينٌ مُهمَلةٌ، جمع: بقعةٍ، أي: موضعٌ يخالف (٤) لونه ما يليه، أي: أثر (المَاءِ فِي ثَوْبِهِ) الشَّريف ﵊؛

стр. 1086

لأنَّه خرج مبادرًا للوقت، ولم يكن له ثيابٌ يتداولها، ولابن ماجه: «وأنا أرى أثر الغَسل فيه» أي: لم يجفَّ، ولـ «مسلم»: من حديث عائشة: «كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ »، ولابني خزيمة وحبَّان بسندٍ صحيحٍ: «كانت تحكُّه وهو يصلِّي»، ويُجمَع بينهما وبين حديث الباب على القول بطهارته، كما هو مذهب الإمام الشَّافعيِّ وأحمد والمحدِّثين، بحمل الغَسل على النَّدب، أو غسله لنجاسة الممرِّ، أو لاختلاطه برطوبة الفرج على القول بنجاسة (١) الفرج، وعُورِض التَّعليل بنجاسة الممرِّ بأنَّ علماء التَّشريح قالوا: إنَّ مُستقَرَّ المنيِّ في غير مُستقَرِّ البول فكذلك مخرجهما، وأُجيب: على تقدير ثبوته، فقد يلتقي المنيُّ والبول في رأس الحشفة؛ لأنَّه ليس في رأس الإحليل إلَّا ثقبٌ واحدٌ (٢)، وحمل الحنفيَّة الغسل على الرَّطب، والفرك على اليابس، لنا: ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة: «كان (٣) يَسْلُتُ المنيَّ من ثوبه ﵊ بعرق الإذخر ثمَّ يصلِّي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا ثمَّ يصلِّي فيه» فإنَّه يتضمَّن ترك الغسل في الحالين (٤)، وأيضًا لو كان نجسًا لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه، والحنفيَّة لا يكتفون فيما لا يُعفَى عنه من الدَّم بالفرك، وأُجيب: بأنَّه لم يأتِ نصٌّ بجواز الفرك في الدَّم ونحوه، وإنَّما جاء (٥) في يابس المنيِّ على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النَّصِّ، وحاصل ما في هذه المسألة أنَّ مذهب الشَّافعيِّ وأحمد: طهارة المنيِّ، وقال أبو حنيفة ومالكٌ ﵄: نجسٌ (٦)، إلَّا أنَّ أبا حنيفة يكتفي في تطهير اليابس منه بالفرك، ومالكٌ: يوجب غسله رطبًا

стр. 1087

ويابسًا، وصحَّح النَّوويُّ: طهارة منيِّ غير الكلب والخنزير وفرع أحدهما، ولم يذكر المؤلِّف حديثًا للفرك المذكور في التَّرجمة اكتفاءً بالإشارة إليه فيها كعادته (١)، أو كان غرضه سَوْق حديثٍ يتعلَّق به فلم يتَّفق له ذلك (٢)، أو لم يجده على شرطه، وأمَّا حكم ما يصيب من رطوبة فرج المرأة فلأنَّ المنيَّ يختلط بها عند الجماع، أو اكتفى بما سيجيء إن شاء الله تعالى في أواخر «كتاب الغسل» [خ¦٢٩٢] من حديث عثمان. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مروزيٍّ ورقِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ -وقال: حسنٌ صحيحٌ- والنسائيُّ وابن ماجه، كلُّهم في «الطَّهارة». ٢٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الزَّايِ المُعجَمَة، يعني (٣): «ابن زُريعٍ» كما في رواية ابن السَّكن، أحد الرُّواة عن الفَِرَبْريِّ كما نقله الغسَّانيُّ في كتاب «تقييد المُهمَل»، وكذا أشار إليه الكلاباذيُّ وصحَّحه المزِّيُّ، أو هو: «ابن هارون» كما رواه الإسماعيليُّ من طريق الدَّوْرَقِيِّ وأحمد بن منيعٍ، ورجَّحه القطب

стр. 1088

الحلبيُّ والعينيُّ، وليس هذا الاختلاف مؤثِّرًا في الحديث لأنَّ كلًّا من ابن هارون وابن زريعٍ ثقةٌ على شرط المؤلِّف (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين «يعني: ابن ميمونٍ» كما في رواية أبي ذَرٍّ عن المُستملي (١)، ابن مهران (عَنْ سُلَيْمَانَ) هو: «ابن يسارٍ» كما لأبَوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﵂. (ح) إشارةٌ إلى التَّحويل: (وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) هو ابن زِيادٍ، بكسر الزَّايِ ثمَّ مُثنَّاةٍ (٢) تحتيَّةٍ، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) بفتح العينِ، أي: ابن مهران السَّابق [خ¦٢٢٩] (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) السَّابق (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) ﵂، وفي السَّابق: «سمعت» وكذا هو في «مسلمٍ»، والسَّماع لا يستلزم السُّؤال، ولا السُّؤال السَّماع، ومن ثمَّ ذكرهما ليدلَّ على صحَّتهما، وتصريحه بالسَّماع هنا يردُّ على البزَّار حيث قال: إنَّ سليمان بن يسارٍ لم يسمع من (٣) عائشة (عَنِ) الحكم في (المَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ) هل يُشرَع غسله أو فركه؟ (فَقَالَتْ) عائشة (٤) ﵂: (كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَخْرُجُ) من الحجرة (إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ) هو (بُقَعُ المَاءِ) بالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، كأنَّه قِيلَ: ما الأثر الذي في ثوبه؟ فقالت (٥): هو بقع الماء، ويجوز النَّصب على الاختصاص، والوجه الأوَّل هو الذي في فرع «اليونينيَّة»، ولفظة: «كنت» وإن اقتضت تكرار الغسل

стр. 1089

هنا (١) فلا دلالة فيها على الوجوب لحديث الفرك المرويِّ في «مسلمٍ»، فالغسل محمولٌ على النَّدب جمعًا بين الحديثين كما سبق. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع والسُّؤال. (٦٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا غَسَلَ الجَنَابَةَ أَوْ غَيْرَهَا) نحو دم الحيض وغيره (٢) من النَّجاسة العينيَّة (فَلَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ) أي: أثر ذلك الشَّيء المغسول مع المُبالَغة بالحتِّ والقرص لا يضرُّ، فأعاد الضَّمير مُذكَّرًا على المعنى، فأمَّا إذا كان سهل الزَّوال فإنَّه يضرُّ، والحتُّ والقرص سنَّةٌ، وقِيلَ: شرطٌ، لكن إن أمكن إزالته بهما وجبا كما يجب الأشنان ونحوه، والأظهر أنَّه (٣) يضرُّ (٤) إذا كان سهل الزَّوال، أمَّا إذا عسر إزالة لونٍ وحده (٥) أو ريحٍ وحده لا يضرُّ (٦)، فيطهر كما صحَّحه في «الرَّوضة»، والأظهر أنَّه يضرُّ اجتماعهما لقوَّة دلالتهما على بقاء عين النَّجاسة، ولا خلاف كما في «المجموع» أنَّ بقاء الطَّعم وحده يضرُّ لسهولة إزالته غالبًا، ولأنَّ بقاءه يدلُّ على بقاء العين، وقِيلَ: المُراد بـ «الأثر» أثر الماء لا المنيِّ لقوله في حديث الباب [خ¦٢٣٠]: «وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء» (٧)، والفاء في: «فلم يذهب» للعطف.

стр. 1090

٢٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «ابن إسماعيل» ولأبي ذَرٍّ: «المِنْقَرِيُّ» أي: بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف، نسبةً إلى بني مِنْقَر، بطنٌ من تميمٍ التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) بفتح العين (قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ) بالمُثنَّاة والمُهمَلة المخفَّفة (١)، أي: قلت له: ما تقول (فِي الثَّوْبِ) الذي (تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ) أو «في» بمعنى «عن» أي: سألته عن الثَّوب، وللكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر: «سمعت سليمان بن يسارٍ» أي: يقول في حكم الثَّوب الذي تصيبه الجنابة (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (كُنْتُ أَغْسِلُهُ) أي: أثر الجنابة أو المنيُّ (مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) فتذكير الضَّمير على التَّفسير بالمنيِّ أو أثر الجنابة (ثُمَّ يَخْرُجُ) ﵊ من الحجرة (إِلَى الصَّلَاةِ) في المسجد (وَأَثَرُ الغَسْلِ فِيهِ) أي: في ثوبه (بُقَعُ المَاءِ) بدلٌ من قوله: «أثر الغسل» أوِ الضَّمير راجعٌ إلى أثر الماء، أو المعنى أثر الجنابة المفسِّر له بالماء فيه بقعُ الماء المذكور (٢)، ولم يذكر في الباب حديثًا يدلُّ على غير الجنابة، ويحتمل أن يكون قاس ذلك على سابقه، أو أشار بذلك إلى حديث أبي داود وغيره أنَّ خولة قالت: يا رسول الله ليس لي إلَّا ثوبٌ واحدٌ وأنا أحيض كيف أصنع؟ قال: «إذا طهرت فاغسليه، ثمَّ صلِّي فيه»، قالت: فإن لم يخرج الدَّم؟ قال: «يكفيك الماء ولا يضرُّك أثره» وفي إسناده ضعفٌ، ولمَّا لم يكن على شرط المؤلِّف استَنْبَط منه ما يدلُّ على المعنى كعادته، قاله ابن حجر، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم يذكر مسألةً ثمَّ يقيس عليها غيرها، ولم يُعرَف مراده من هذا القياس، هل هو لغويٌّ أو اصطلاحيٌّ، شرعيٌّ أو منطقيٌّ؟ فهو قياسٌ فاسدٌ، ومن أين عرفنا أنَّه أشار بهذا إلى حديث أبي داود هذا (٣).
следующие страницы →