← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 10256–10295 · переход к 10261.

стр. 10256

من المجموعِ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ المؤمن ينبغِي له أن يَرى نفسه في الدُّنيا عارية معزولة عن استيفاءِ اللَّذات والشَّهوات مَعروضة للحوادثِ والمصيبات مخلوقة للآخرة؛ لأنَّها جنَّته ودار خلودهِ (وَمَثَلُ المُنَافِقِ كَالأَرْزَةِ) بفتح الهمزة والزاي بينهما راء ساكنة، نباتٌ ليس في أرضِ العرب، ولا ينبتُ في السِّباخ، بل يطولُ طولًا شديدًا، ويغلظ حتَّى لو أنَّ عشرين نفسًا أمسكَ بعضُهم بيد بعضٍ لم يقدروا على أن يحضنُوها، وقيل: هو ذكر الصَّنوبر وأنَّه لا يحمل شيئًا، وإنَّما يستخرجُ من أغصانهِ الزِّفت، ولا يحرِّكه هبوب الرِّيح (لَا تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا) بسكون النون وكسر الجيم وفتح العين المهملة وبعد الألف فاء، انقلاعُها أو (١) انكسارُها من وسطهَا (مَرَّةً وَاحِدَةً) وجه (٢) التَّشبيه أنَّ المنافق لا يتفقَّده الله باختبارهِ، بل يجعل له التَّيسير في الدُّنيا ليتعسَّر عليه الحال في المعاد حتَّى إذا أرادَ الله إهلاكَه قصمَه (٣)، فيكون موته أشد عذابًا عليه، وأكثر ألمًا في خروج نفسه. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة» والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ». (وَقَالَ زَكَرِيَّا) بن أبي زائدة، فيما وصلَه مسلم (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعْدٌ) هو ابنُ إبراهيم ابنِ عبد الرَّحمن بن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ كَعْبٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ كَعْبٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفائدةُ هذا: التَّصريح بالتَّحديث عن سعدٍ، وفي (٤) رواية سفيان الأولى تسميةُ ابن كعب المبهم في هذا التَّعليق، لكن في «مسلم» عن سفيان تسميتُه عبد الرَّحمن بن كعبٍ، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في إبهامهِ في رواية زكريَّا، قاله في «الفتح».

стр. 10257

٥٦٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) أبو إسحاق الحِزَاميُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (مُحَمَّدُ ابْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) فُلَيحُ بن سليمان (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ) بالولاء (١)، وليس من أنفسِهم، مدنيٌّ، تابعيٌّ صغيرٌ، موثَّقٌ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَثَلُ المُؤْمِنِ) في الرِّضا بالقضاءِ وشُكره على السَّرَّاء والضَّرَّاء (كَمَثَلِ الخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ) صفة لخامة، وهي أوَّل ما ينبت (٢) على ساقٍ واحد (مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ كَفَأَتْهَا) بفتح الكاف والفاء والهمزة وسكون الفوقية، أمالتها (فَإِذَا اعْتَدَلَتْ تَكَفَّأُ) بفتح الفوقية والكاف والفاء المشددة بعدها همزة، أي: تقلب (بِالبَلَاءِ). قال الكِرمانيُّ: فإن قلتَ: البلاءُ إنَّما يستعملُ بالمؤمن، فالمناسب أنْ يقال: بالرِّيح، أي: إذا اعتدلتْ تكفَّأ بالرِّيح، كما يتكفَّأ المؤمن بالبلاء. وأَجاب: بأنَّ الرِّيح أيضًا بلاء بالنِّسبة إلى الخامةِ أو أنَّه لما شبَّه المؤمن بالخامةِ أثبت للمشبَّه به ما هو من خواصِّ المشبَّه. انتهى. وقال في «الفتح»: ويحتملُ أن يكون جوابُ إذا محذوفًا، أي: فإذا اعتدلتِ الرِّيح استقامتْ الخامة، ويكون قوله بعد ذلك: «تكفَّأ بالبلاء» رجوعًا إلى وصفِ المسلم. قال: ويؤيِّده ما في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٤٦٦] عن محمد بن سنان بلفظ: «فإذا سكنتْ اعتدلتْ، وكذا المؤمنُ يُكَفَّأ بالبلاءِ». (وَالفَاجِرُ كَالأَرْزَةِ) بفتح الهمزة وسكون الراء (٣) وفتحها (صَمَّاءَ) أي: صلبة شديدة من غير تجويفٍ (مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللهُ) تعالى بالقاف، أي: يكسرها (إِذَا شَاءَ) فيكون موتُه أشدَّ عذابًا عليه وأكثر ألمًا في خروجِ نفسه من المؤمنِ المبتلَى بالبلاءِ المثاب عليه. ٥٦٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ

стр. 10258

عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) المازنيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ أَبَا الحُبَابِ) بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة، من علماءِ المدينة (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ) بضم التحتية وكسر الصاد المهملة، وعليه عامة المحدِّثين. وقال أبو الفرج ابنُ الجوزيِّ: يجعلونَ الفعلَ لله، أي: يبتليهِ بالمصائبِ ليثيبَه (١) عليها. وقال ابنُ الجوزيِّ: وسمعتُ ابن الخشَّاب يقرؤه بفتحها، وهو أحسنُ وأليقُ. قال الطِّيبيُّ: إنَّه أليقُ بالأدبِ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] ويشهدُ للأول ما أخرجه أحمدُ عن محمود بن لبيدٍ رفعَه بسندٍ رواتُه (٢) ثقاتٌ إلَّا أنَّه اختُلِفَ في سماعِ محمود بن لبيدٍ من النَّبيِّ ﷺ ولفظه: «إذا أحبَّ الله قومًا ابتلاهُم، فمَن صبرَ فلهُ الصَّبر (٣)، ومَن جَزِعَ فله الجزعُ» ومعنى حديث الباب -كما قال المظهريُّ- من يردِ الله به خيرًا أوصلَ إليه مصيبةً ليطهِّره بها (٤) من الذُّنوب وليرفع درجتَه. وفي هذه الأحاديث بُشرى عظيمة لكلِّ مؤمنٍ؛ لأنَّ الأذى لا ينفكُّ (٥) غالبًا من ألمٍ بسببِ مرضٍ، أو همٍّ، أو نحو ذلك. وحديث الباب أخرجهُ النَّسائيُّ في «الطِّبِّ». (٢) (بابُ) ما جاء في (شِدَّةِ المَرَضِ) من الفضل. ٥٦٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحدة، ابنُ عقبة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ)

стр. 10259

الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان. قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو محمد السَّخْتيانيُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) (١) قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بنِ سلمة (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الوَجَعُ) أي: المرض، والعربُ تسمِّي كلَّ وجعٍ مرضًا (٢)، ولأبي ذرٍّ: «الوجعُ عليه أشد» (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) و «الوجعُ» على الرِّواية الثَّانية رفع مبتدأ، وخبره «أشدُّ … » إلى آخره، والجملة بمنزلة المفعول الثَّاني لـ «رأيت» لأنَّها من داخل (٣) المبتدأ، والخبر قد يكون جملة و «من» زائدة، والمعنى: ما رأيتُ أحدًا أشد وجعًا من رسولِ الله ﷺ . وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الأدب» (٤) والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ»، وأبو داود (٥) وابنُ ماجه في «الجنائز». ٥٦٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِرْيابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران الكوفيِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ) الكوفيِّ (عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (¬﵁¬) أنَّه (قالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَرَضِهِ (٦) وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يُوعَكُ) بفتح

стр. 10260

العين المهملة (وَعَْكًا شَدِيدًا) بسكونها وفتحها، الحمَّى، أو ألمهَا أو إرعادها (١) (وَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فقلتُ: يا رسول الله» (إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قُلْتُ: إِنَّ ذَاكَ) أي: تضاعف الحمى (بِأَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ. قَالَ ﷺ : أَجَلْ) بفتح الهمزة والجيم وتسكين اللام مخفَّفة، نعم (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلَّا حَاتَّ اللهُ) بالحاء المهملة المفتوحة بعدها ألف ففوقية مشددة، وأصله بتاءين فأدغمت الأولى في الثانية، إلَّا نثرَ (٢) الله (عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ) وهو كنايةٌ عن إذهابِ الخطايا، شبَّه حالةَ المريضِ، وإصابةَ المرض جسدَه، ثمَّ محوَ السَّيئات عنه سريعًا بحالةِ الشَّجر وهبوبِ الرِّياح الخريفيَّة وتناثرِ الأوراقِ منها وتجرُّدِها عنها، فهو تشبيه تمثيلٍ لانتزاعِ الأمورِ المتوهَّمة في المشبَّه من المشبَّه به، فوجهُ التَّشبيه الإزالة الكلِّية (٣) على سبيل السُّرعة لا الكمال والنُّقصان؛ لأنَّ إزالةَ الذُّنوب عن الإنسانِ سببُ كماله، وإزالةُ الأوراق عن (٤) الشَّجر سببُ نقصانها، قاله في «شرح المشكاة». وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الطِّبِّ». (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ) صلواتُ الله وسلامه عليهم لِمَا خُصُّوا به من قوَّة اليقين ليكملَ لهم الثَّواب ويعمهم الخير (ثُمَّ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ) في الفضلِ، وللمُستملي: «ثمَّ الأمثل فالأمثلُ» فالأمثل (٥) يعبَّر به عن الأشبَه بالفضلِ والأقربِ إلى الخير، وأماثلُ القوم خيارهُم، و «ثُمَّ» فيه للتَّراخي في الرُّتبة، والفاء للتَّعاقب على سبيلِ التَّوالي تنزلًا من الأعلى إلى الأسفلِ، وفي «الفتح» إن «الأمثلَ فالأمثل» رواية الأكثرِ، و «الأول فالأول» رواية النَّسفيِّ. قال: وجمعهما المُستملي.

стр. 10261

٥٦٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) عبد الله بنُ عثمان (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، محمد ابن ميمون السُّكَّريِّ -بضم السين المهملة وتشديد الكاف- (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود، أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبوي (١) الوقتِ وذرٍّ: «على النَّبيِّ» (¬ ﷺ وَهْوَ يُوعَكُ) الواو للحال (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تُوعَكُ) ولأبي ذرٍّ: «لتوعك» (وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ: أَجَلْ) نعم (إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ) أُحَمُّ كما يُحَمُّ (رَجُلَانِ مِنْكُمْ) قال ابنُ مسعود: (قُلْتُ: ذَلِكَ) التَّضاعف (أَنَّ) ولأبي ذرٍّ: «بأن» (لَكَ أَجْرَيْنِ. قَالَ) ﵊: (أَجَلْ) نعم (ذَلِكَ) التَّضاعف (كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ) بالتَّنكير للتَّقليل لا للجنسِ ليصحَّ ترتب قوله: (فَمَا فَوْقَهَا) ودونها في العِظَم والحقارةِ عليه بالفاء، وهو يحتملُ وجهين فوقها في العِظم، ودونها في الحقارةِ وعكس ذلك، قاله في «الفتح» كـ «الكواكب» (إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا) وفي حديث سعد بنِ أبي وقاص عند الدَّارميِّ والنَّسائيِّ في «الكبير» وصحَّحه التِّرمذيُّ وابن حبَّان: «حتَّى يمشِي على الأرضِ وما عليه خطيئة». فإن قلتَ: ما المطابقةُ بين الحديثِ والتَّرجمة؟ أُجيب: بأنْ (٢) يُقاس سائر الأنبياءِ على نبينا ﷺ ويلحقُ الأولياء بهم لقربهم منهم، وإن كانت درجتهم منحطةً عنهم، وأما العلَّة فيه فهي أنَّ البلاءَ في مقابلةِ النِّعمة، فمن كانتْ نعمةُ الله عليه أكثر كان بلاؤهُ أشدَّ، ولذا ضُوعف حدُّ الحرِّ على العبد، وقيل لأمهات المؤمنين: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، قاله في «الفتح» كالكِرمانيِّ.

стр. 10262

(٤) (بابُ وُجُوبِ عِيَادَةِ المَرِيضِ) أصل عيادة: عوادة -بالواو فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها-، ويقال: عدتُ المريضَ أعودُه عيادةً، إذا زرتَه وسألتَ عن حاله. ٥٦٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بنِ سلمة (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس (الأَشْعَرِيِّ) رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ) في كلِّ مرضٍ، وفي (١) كلِّ زمنٍ، من غير تقييدٍ بوقت. وعند أبي داود وصحَّحه الحاكمُ من حديث زيد بن أرقم قال: «عادني رسولُ الله ﷺ من وجعٍ كان بعيني» وحينئذٍ فاستثناء بعضِهم من العمومِ عيادة الأرمد معلِّلًا بأن العائدَ يرى ما لا يراهُ الأرمدُ متعقَّب بأنَّه قد يتأتَّى (٢) مثلُ ذلك في بقيَّة الأمراضِ كالمغمَى عليه، والاستدلالُ للمنعِ بحديثِ البيهقيِّ والطَّبرانيِّ مرفوعًا: «ثلاثةٌ ليس لهم عيادةٌ: العينُ والدُّمَّل (٣) والضِّرس» ضعيفٌ لأنَّ البيهقيَّ صحَّح أنَّه موقوفٌ على يحيى بن أبي كثير، وجزمُ الغزاليُّ في «الإحياء» بأنَّ المريض لا يُعاد إلَّا بعد ثلاث مستندًا لحديث أنس عند ابن ماجه «كان النَّبيُّ ﷺ لا يعود مريضًا إلَّا بعد ثلاث». تُعُقِّبَ بأنَّ الحديثَ ضعيفٌ جدًّا لأنَّه تفرَّد به مسلمة (٤) بن عليٍّ، وهو متروكٌ، وسئل عنه أبو حاتم فقال: حديثٌ باطل، لكن للحديثِ شاهد من حديث أبي هريرة عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط» وفيه راوٍ متروك أيضًا، قاله في «الفتح» وقال شيخُنا الشَّمس السَّخاويُّ: وللحديث أيضًا طرقٌ أُخرى بمجموعها يقوى، ولهذا أخذَ به النُّعمان بنُ أبي عيَّاش (٥) الزُّرقيُّ أحد التَّابعين من فُضلاء أبناء الصَّحابة، فقال: عيادةُ

стр. 10263

المريض بعد ثلاث. والأعمش (١) ولفظه: كنَّا نقعد في المجلس، فإذا فقدنَا الرَّجل ثلاثة أيَّامٍ سألنا عنه، فإن كان مريضًا عدناهُ. وهذا يشعرُ بعدم انفرادهِ، وليس في صريحِ الأحاديث ما يخالفُه، ومن آداب العيادة عدمُ تطويل الجلوس، فربَّما يشقُّ على المريض، أو على أهله. (وَفُكُّوا العَانِيَ) بالعين المهملة والنون المكسورة المخففة، أي: خلِّصوا الأسير ولو (٢) بالفداء، وإطلاقُ المؤلِّف وجوبَ العيادةِ عملًا بظاهرِ الأمر في الحديث، ونقلَ النَّوويُّ الإجماع على عدمِ الوجوب؛ يعني على الأعيانِ، فقد يجبُ على الكفايةِ كإطعامِ الجائعِ، وفكِّ الأسير. وسيكون لنا عودة إن شاء الله تعالى بعونه وقوَّته إلى زيادة المبحث في ذلك. ٥٦٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحَوْضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ) بالشين المعجمة والعين المهملة بعدها مثلثة في الأول، وضم السين المهملة في الثاني مصغَّرًا (قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة بعدها (٣) نون (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ) بحذف مميِّز العددِ في الموضعين، أي: خصال (نَهَانَا عَنْ) لبس (خَاتَمِ الذَّهَبِ) للرِّجال (وَ) عن (لُبْسِ الحَرِيرِ) للرِّجال (وَالدِّيبَاجِ) بكسر الدال وتفتح، أعجميٌّ معرَّبٌ، جمعه: ديابيج (٤)، وهو ما غلُظ وثخُن من ثيابِ الحرير (وَالإِسْتَبْرَقِ)

стр. 10264

بهمزة قطع مكسورة، غليظُ الدِّيباج (وَعَنِ القَسِّيِّ) بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة، ثيابٌ تنسبُ إلى القَسِّ (١) قريةٌ بساحلِ بحر مصر، وقيل: الأصل ثياب القزِّ، والأصل (٢) القزي، فأبدلت الزاي سينًا، وفي أبي داود «أنَّها ثيابٌ من الشَّام، أو من مصر مصبغة (٣) فيها أمثال الأُتْرُج» (وَ) نهى ﵊ عن استعمال (المِيثَرَةِ) بكسر الميم وسكون التحتية وفتح المثلثة بلا همز. وقال النَّوويُّ: بالهمزة (٤)، وفي رواية: «المياثر الحُمر» وهي وطاءٌ كانت النِّساء تصنعُه لأزواجهنَّ في السُّروج يكون من الحريرِ والدِّيباج وغيرهما، والنَّهي واقعٌ على ما هو من الحرير (وَأَمَرَنَا) ﷺ (أَنْ نَتْبَعَ الجَنَائِزَ) بنون وموحدة مفتوحتين بينهما فوقية ساكنة (وَنَعُودَ المَرِيضَ) يقال: عاد المريض، إذا زاره، وهذا على الأكثرِ في الاستعمالِ أن يقال في المريضِ: عادَ، وفي الصَّحيح زار (وَنُفْشِيَ السَّلَامَ) بضم النون وسكون الفاء وكسر المعجمة أي: ننشرَه ونظهرَه، ونعمَّ به من عرفنا ومن لم نعرفْ (٥) والأمر للنَّدب (٦). (٥) (بابُ عِيَادَةِ المُغْمَى عَلَيْهِ) أي: الَّذي يصيبُه غشْيٌ يتعطَّلُ معه جلُّ قوَّته (٧) الحسَّاسة؛ لضعفِ القلبِ، واجتماعِ الرُّوح كلِّه إليه. ٥٦٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَديُّ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ ابْنِ

стр. 10265

المُنْكَدِرِ) هو محمد بنُ المنكدر بنِ عبد الله المدنيُّ، أنَّه (١) (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: مَرِضْتُ مَرَضًا فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ في عام حجَّة الوداع (وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَوَجَدَانِي أُغْمِيَ عَلَيَّ) وفي سورة النِّساء «لا أعقلُ شيئًا» [خ¦٤٥٧٧] (فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ) أي: الماءَ الَّذي توضَّأ به (عَلَيَّ فَأَفَقْتُ) من ذلك الإغماء (فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي (٢)؟ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ (٣)) وسبق في «التَّفسير» من طريق ابن جُريج أنَّها: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] [خ¦٤٥٧٧] وأنَّ الدِّمياطيَّ قال: إنَّه وهم، وإن الَّذي نزل في جابر آية الكَلالة (٤) كما رواه شعبة [خ¦١٩٤] والثَّوريُّ (٥) وما في ذلك من البحثِ، وقول ابنِ المنيِّر: إنَّ فائدةَ التَّرجمة أنَّ لا يعتقد أنَّ عيادةَ المريض المغمَى عليه ساقطةُ الفائدة؛ لكونه لا يعلم بعائدهِ، لكن ليس في حديثِ جابر التَّصريح بأنَّهما علما أنَّه مُغمى عليه قبل عيادتهِ، فلعلَّه وافقَ حضورهما، تعقَّبه في «الفتح» بأنَّ الظَّاهر من السِّياق وقوعُ ذلك حالَ مجيئهما وقبلَ دُخولهما عليه، ومجرَّد (٦) علم المريضِ بعائدهِ (٧) لا تتوقَّف مشروعيَّة العيادة عليه؛ لأنَّ وراء ذلك جبرُ خاطر أهلهِ، وما يُرجى من بركةِ دُعاء العائدِ، ووضع يدهِ على المريضِ، والمسح على جسدِهِ، والنَّفث عليه عند التَّعويذ (٨). (٦) (بابُ فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ مِنَ الرِّيحِ) بسبب انحباسهَا من سُدَّةٍ تعرِض في بُطون الدِّماغ ومَجاري الأعصاب المتحرِّكة، فتمنعُ الأعضاء النفسية (٩) عن انفعالها منعًا غير تامٍّ، أو بخار رديءٍ يرتفع إليه من بعض الأعضاء، وربَّما يكون معه تشنُّجٌ في الأعضاء فلا يبقى الشَّخص معه

стр. 10266

مُنتصبًا بل يسقط ويقذفُ بالزَّبد لغلظ الرُّطوبة، وقد يكونُ الصَّرع من النُّفوس الخبيثةِ الجنِّيَّة (١) لاستحسانِ تلك الصُّورة الإنسيَّة، أو لمجرَّدِ إيقاع الأذيَّة. ٥٦٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ عِمْرَانَ) بن مسلم (أَبِي بَكْرٍ) البصريِّ التَّابعيِّ الصَّغير، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (٢) (عَطَاءُ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَلَا (٣) أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى (٤)، قَالَ: هَذِهِ المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ) اسمُها سُعَيرة (٥) -بالمهملات- الأسديَّة، كما في «تفسير ابن مردويه» وبالكاف (٦) عند المستغفريِّ في «كتاب الصَّحابة» وأخرجهُ أبو موسى في «الذَّيل» (أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قالتْ (٧) المرأةُ»: (إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ) بفتح الفوقية والشين المعجمة المشدَّدة، ولأبي ذرٍّ: «أنْكشِفُ» بالنُّون السَّاكنة بدل الفوقية وكسر المعجمة مُخفَّفة (فَادْعُ اللهَ لِي) أن يشفينِي من ذلك الصَّرع (قَالَ) ﷺ مخيِّرًا لها: (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ) على ذلك (وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ) يا رسول الله (فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ) بالفوقيَّة وتشديد المعجمة المفتوحة، ولأبي ذرٍّ: «أنْكشِف»

стр. 10267

بالنون الساكنة وكسر المعجمة (فَادْعُ اللهَ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لِي» (أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ) ولأبي ذرٍّ: «أن لا (١) أنكشِف» (فَدَعَا لَهَا) ﷺ . قال ابنُ القيِّم في «الهدي النَّبوي»: من حدَث له الصَّرع وله خَمس (٢) وعشرون سنةً، وخُصوصًا بسببٍ دِماغيٍّ أيس من برئه، وكذلك إذا استمرَّ به إلى هذا السِّنِّ. قال: فهذهِ المرأة الَّتي جاء في الحديثِ أنَّها كانت تُصرع وتنكشفُ يجوزُ أن يكون صَرعها من هذا النَّوع، فوعدَها ﷺ بصبرها على هذا (٣) المرض بالجنَّة. وهذا الحديث أخرجهُ مسلمٌ في «الأدب» والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ». وبه قال: (حَدَّثَنَا (٤) مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللَّام، ابنُ يزيد (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدُ الملك، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (أَنَّهُ رَأَى أُمَّ زُفَرَ) بضم الزاي وفتح الفاء بعدها راء (تِلْكَ امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ سَوْدَاءُ (٥) عَلَى سِتْرِ الكَعْبَةِ) بكسر السين، أي: جالسةٌ عليه مُعتمدة. وفي حديث ابن عبَّاس عند البزَّار أنَّها قالت: «إنِّي أخافُ الخبيث أن يجرِّدني (٦) فدَعا لها، فكانتْ إذا خشيتْ أن يأتيها (٧) تأتي أستارَ الكعبةِ فتتعلَّقُ بها». وذكر ابنُ سعدٍ وعبدُ الغنيِّ في «المبهمات» من طريق الزُّبير أنَّ هذه المرأة هي ماشِطة خديجة الَّتي كانت تتعاهدُ النَّبيَّ ﷺ بالزِّيارة. قال الكِرمانيُّ: وأمُّ زفر كنية تلك المرأة المصروعة. انتهى.

стр. 10268

لكن الَّذي يُفهم من كلامِ الذَّهبيِّ في «تجريده» أنَّ أمَّ زُفر غير السَّوداء المذكورة لأنَّه ذكر كلَّ واحدةٍ منهما في باب. (٧) (بابُ فَضْلِ مَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ). ٥٦٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) أبو محمَّد الدِّمشقيُّ، ثمَّ التِّنِّيسيُّ، الكلاعيُّ الحافِظ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الهَادِ) هو يزيدُ بن عبد الله بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين (مَوْلَى المُطَّلِبِ) بن عبد الله بن حَنطب (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ) تعالى (قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي) المؤمن (بِحَبِيبَتَيْهِ) بالتَّثنية، أي: مَحبوبتيه إذ هما أحبُّ أعضاء الإنسان إليه لما يحصلُ (١) له بفقدهما من الأسف على فواتِ رُؤية ما يريد رُؤيته من خيرٍ فيسرُّ به، أو شرٍّ فيجتنبه (فَصَبَرَ (٢)) مستحضِرًا ما وعدَ الله به الصَّابرين من الثَّواب لا أن يصبرَ مجرَّدًا عن ذلك؛ لأنَّ الأعمال بالنِّيَّات. زاد التِّرمذيُّ: «واحتسَبَ» (عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا (٣) الجَنَّةَ) وهي أعظمُ العوض؛ لأنَّ الالتِذاذ بالصَّبر يفنى بفناءِ الدُّنيا، والالتذاذ بالجنَّة باقٍ ببقائِها. وفي حديثِ أبي أُمامة في «الأدب المفرد» للمؤلِّف: «إذا أخذتُ كريمتيك فصَبرت عند الصَّدمة واحتَسبتَ». قال (٤) في «الفتح»: فأشارَ إلى أنَّ الصَّبر النَّافع هو ما يكونُ في أوَّل وقوع البلاء فيفوِّض ويسلِّم،

стр. 10269

وإلَّا فمتى ضجرَ (١) وقلق في أوَّل وهلةٍ، ثمَّ يئس فصبر لا يحصل له الغرضُ المذكور. قال أنسٌ: (يُرِيدُ) بقوله: «حبيبَتَيه» (عَيْنَيْهِ. تَابَعَهُ) أي: تابع عمرًا مولى المُطَّلب (أَشْعَثُ ابْنُ جَابِرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبدُ الله، البصريُّ الحُدَّانِيُّ -بضم الحاء وتشديد الدال المهملتين وبعد الألف نون مكسورة- تُكُلِّمَ فيه. وقال الدَّارقُطنيُّ: (٢) يُعتبر به. وليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الموضع ممَّا وصله أحمدُ (وَ) تابعه أيضًا (أَبُو ظِلَالٍ) بكسر المعجمة وتخفيف الَّلام، ولأبي ذرٍّ: «وأبو ظلال بن هِلال» كذا في الأصل، والصَّواب حذف «ابن» فأبو (٣) ظِلال اسمه هِلال. قاله في «الفتح». وهذا وصلَه عبدُ بن حُميد (عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظُ الأوَّل: «قال ربُّكم: من أذهبتُ كريمتيه، ثمَّ صبرَ واحتسبَ كان ثَوابه الجنَّة» والثَّاني: «ما لمنْ أخذتُ كريمتيهِ عندِي (٤) جزاءٌ إلَّا الجنَّة». (٨) (بابُ عِيَادَةِ النِّسَاءِ الرِّجَالَ) ولو كانوا أجانب بالشَّرط المعتبر (وَعَادَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ) زوجةُ أبي الدَّرداء الصُّغرى، واسمُها: هُجيمة (رَجُلًا مِنْ أَهْلِ المَسْجِدِ مِنَ الأَنْصَارِ) وقول الكِرمانيِّ: الظَّاهر أنَّها أمُّ الدَّرداء الكُبرى، تعقَّبه في «الفتح» بأنَّ الأثر المذكور أخرجه المؤلِّف في «الأدب المفرد» من طريق الحارث بن عُبيد الله (٥)، وهو شاميٌّ تابعيٌّ صغير لم يلحق أمَّ الدَّرداء الكُبرى واسمها خَيرة (٦)، فإنَّها ماتتْ في خلافة عثمان قبل موتِ أبي الدَّرداء، ولفظُه قال: «رأيتُ أمَّ الدَّرداء على راحلة أعواد ليس لها غشاءٌ (٧) تعودُ رجلًا من الأنصار في المسجدِ» وأمَّا الصُّغرى

стр. 10270

فماتت سنة إحدى وثمانين (١) بعدَ الكُبرى بنحو خمسين سنة. ٥٦٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ) مُهاجرًا (وُعِكَ) بضم الواو، أي: أصابه الوَعك، والمرادُ به الحُمَّى (٢) (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَبِلَالٌ) المؤذِّن (¬﵄، قَالَتْ) عائشة: (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ) لأبِي بكر (يَا أَبَتِ، كَيْفَ تَجِدُكَ؟) أي: تجد نَفسك (وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ) بفتح الموحدة (٣)، مَقول (٤) له (فِي أَهْلِهِ): أنعم صباحًا (وَالمَوْتُ أَدْنَى) أَقرب (مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ) بكسر الشين المعجمة وتخفيف الراء، سَير النَّعل على وجهها، وزاد ابنُ إسحاق في روايته عن هشام وعمر بن عبد الله بن عروة جميعًا عن عروة، عن عائشة عَقب قول أبيها: واللهِ ما يَدري أبي ما يقولُ. قالتْ: ثمَّ دنوتُ إلى عامرِ بن فُهَيْرَة وذلك قبلَ أن يُضْرَبَ علينا الحجاب، فقلت: كيفَ تجدك يا عَامر؟ فقال:

стр. 10271

قَد (١) وَجدْتُ الموْتَ قبْلَ ذَوْقِه كُلُّ امرِئٍ مُجاهِدٌ بَطَوْقِهِ (٢) كالثَّورِ يَحْمِي جِسْمَه (٣) برَوقِهِ (وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعْت) أي (٤): زَالَت (عَنْهُ) الحُمَّى (يَقُولُ: أَلَا) بالتَّخفيف (لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بَوَادٍ) بوادِي مكَّة (وَحَوْلِي إِذْخِرٌ) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين آخره راء، النَّبتُ الطَّيِّبُ الرَّائحة المعروف (وَجَلِيلُ) بالجيم، وهو نبتٌ ضَعيف (وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ) بالهاء المفتوحة (مِجَنَّةٍ) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون، ولأبي ذرٍّ بفتح الميم وكسر الجيم، موضعٌ على أميالٍ من مكَّة (٥) به سوقٌ في الجاهليَّة (وَهَلْ تَبْدُوَنْ) تَظْهرن (٦) (لِي شَامَةٌ) بشين معجمة وتخفيف الميم (وَطَفِيلُ) بالطاء المهملة المفتوحة والفاء المكسورة، جَبَلان بقربِ مكَّة. وصوَّب الخطَّابيُّ أنَّهما عينان. وفي «صحاح الجوهريِّ» ما يَقتضي أنَّ الشِّعرَ المذكور ليس لبلالٍ فإنَّه قال: كان بلالٌ يتمثَّل. ومُطابقة الحديث للتَّرجمة في قولِ عائشةَ: «فدخلتُ عليهما» لأنَّ دُخولها عليهما كان لعيادتِهما وهما مُتوعِّكان. قال في «الفتح»: واعتُرِضَ عليه بأنَّ ذلك قبلَ الحِجاب قطعًا، وزادَ في بعضِ طُرُقه «وذلك قبلَ الحجابِ». وأُجيب: بأنَّ ذلكَ لا يضرُّهُ فيما ترجم له في عِيادة المرأة الرَّجل، فإنَّه يجوزُ بشرطِ التَّستُّر، والَّذي يجمع الأمرينِ ما قبلَ الحِجاب وما بعدَه (٧) الأمنُ منَ الفتنةِ (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ) بخبرِ أبي بكرٍ وبلالٍ

стр. 10272

وقولهما، وزادَ ابنُ إسحاقَ في روايتهِ المذكورة أنَّها قالت: «يا رسولَ اللهِ، إنَّهُم ليهذُونَ (١) وما يعقلُونَ من شدِّةِ الحمَّى». (فَقَالَ) ﷺ : (اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ) وقد أُجيبت دعوتُه ﷺ حتَّى كان يحرِّكُ دابَّته إذا رآها من حُبِّها (اللَّهُمَّ وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالجُحْفَةِ) بالجيم المضمومة والحاء المهملة الساكنة بعدها فاء، مِيقاتُ أهلِ الشَّامِ وكان اسمها مُهيعَة. وهذا الحديثُ قد سبق في: «باب مقدمِ النَّبيِّ ﷺ المدينةَ» [خ¦٣٩٢٦]. (٩) (بابُ عِيَادَةِ الصِّبْيَانِ) مصدرٌ مضافٌ لمفعُولِه، أي: عِيادةُ الرِّجال الصِّبيان. ٥٦٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) الأنماطِيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَاصِمٌ) هو ابنُ سليمان (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بنَ مُلٍّ النَّهديَّ -بفتح النون- (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّ ابْنَةً) وللكُشمِيهنيِّ: «أنَّ بنْتًا» (لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) هي زَينب (أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، وَهْوَ) أي: والحال أنَّ أسامة (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَسَعْدٍ) بسكون العين، ابنُ عُبادة (وَأُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية، ابن كعبٍ (نَحْسِبُ) أي: نظنُّ أنَّ أبيًّا كان معه، وفي «كتاب النُّذُور» [خ¦٦٦٥٥] «ومع رسول الله ﷺ أُسامة وسعد أو أبي» على الشَّكِّ (أَنَّ ابْنَتِي) وفي نُسخة: «أنَّ بنتِي» (قَدْ حُضِرَتْ) بضم الحاء المهملة وكسر الضاد المعجمة، أي: حضَرَها الموت (فَاشْهَدْنَا) بهمزة وصل وفتح الهاء، أي: احضرْ إلينا (فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا السَّلَامَ، وَيَقُولُ) لها: (إِنَّ لِلهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى) أي: إلى أجلٍ

стр. 10273

(فَلْتَحْتَسِبْ) أي: فلتطلبْ الأَجر من عندِ الله (١) تعالى (وَلْتَصْبِرْ، فَأَرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ) أن يحضُر (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْنَا) معه (فَرُفِعَ الصَّبِيُّ) بضم الراء مبنيًّا للمفعول (فِي حَجْرِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بفتح الحاء المهملة وتكسر (وَنَفْسُهُ) بسكون الفاء (تَقَعْقَعُ) تضطربُ وتتحرَّكُ ويسمعُ لها صوتٌ (فَفَاضَتْ عَيْنَا النَّبِيِّ ﷺ ¬) بالدُّموع (فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ) مُستغربًا منه صُدوره لأنَّه خِلاف ما يعهدُه منه مِن مُقاومة (٢) المُصيبة بالصَّبر: (مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ مُجيبًا له: (هَذِهِ) الحالُ الَّتي شاهدتها منِّي يا سعدُ (رَحْمَةٌ) ورقَّةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «هذه الرَّحمة» أي: أثرُ الرَّحمةِ الَّتي (وَضَعَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ) لا ما توهَّمت من الجزعِ وقلَّةِ الصَّبر (وَلَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا الرُّحَمَاءَ) يعني: هذا تخلُّقٌ بخُلُقِ اللهِ، ولا يرحم اللهُ من عِباده إلَّا من اتَّصفَ بأخلاقِهِ، ويرحمُ عبادَه، ومِن في قولهِ: «من عبادِهِ» بيانيَّة. وقد مرَّ هذا الحديثُ في «الجنائزِ» [خ¦١٢٨٤]. (١٠) (بابُ عِيَادَةِ الأَعْرَابِ) بفتح الهمزة، وهم سكَّانُ البادِية. ٥٦٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَميُّ أبو الهيثم، أخو بهز بن أسدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ) البصريُّ الدَّباغُ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ) اسمهُ قيسُ بنُ أبي حازم، حالَ كونه (يَعُودُهُ قَالَ) ابنُ عبَّاس: (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ) حال كونه (يَعُودُهُ،

стр. 10274

فَقَالَ (١) لَهُ: لَا بَأْسَ) عليه هو (طَهُورٌ) لكَ من ذُنُوبك، أي: مُطهِّرٌ لك (إِنْ شَاءَ اللهُ) تعالى، دعاءٌ لا خبرٌ (قَالَ) الأعرابيُّ: (قُلْتَ) أي: أقلتَ، يخاطبُ النَّبيَّ ﷺ : (طَهُورٌ؟ كَلَّا) أي: ليس بطهُورٍ (بَلْ هِيَ حُمَّى) ولأبي ذرٍّ: «هو» أي: المرضُ حمَّى (تَفُورُ) أي: يظهرُ حرُّها وغَليانها ووهْجها (-أَوْ: تَثُورُ-) بالفوقيَّة والمثلَّثة، والشَّكُّ من الرَّاوي (عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ) بضم الفوقية (القُبُورَ) نصب مفعول ثانٍ، والهاء في «تُزِيرُهُ» أوَّل، والمعنى: تبعثُه إلى القُبور (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَنَعَمْ إِذًا) الفاء مرتَّبة على محذوفٍ، و «إذا» جوابٌ وجزاءٌ، ونعم تقريرٌ لما (٢) قال، أي: إذا أبيتَ كانَ كما ظننتَ. وقال في «شرح المشكاة»: يعني أرشدتُكَ بقولي: «لا بأسَ عليكَ» إلى (٣) أنَّ الحُمَّى تُطهِّرك وتُنقِّي ذُنوبَك (٤)، فاصبِر واشكُرِ الله عليها، فأبيت إلَّا اليأسَ والكُفرَان، فكان كما زعمتَ، وما اكتفيتَ بذلك بلْ رددتَ نعمةَ الله عليه، قاله غَضبًا عليه. وقال ابنُ التِّين: يحتملُ أن يكون دُعاء عليهِ، وأن يكونَ خبرًا عمَّا يؤولُ إليه أَمره. وقال غيره (٥): يُحتملُ أن يكون ﷺ عَلم أنَّه سيموت من ذلك المرض، فدَعا له بأن تكونَ الحمَّى له (٦) طُهرة لذُنوبِه فأصبحَ ميِّتًا. وهذا الحديثُ سبق في «علاماتِ النُّبوَّة» بالإسنادِ والمتن [خ¦٣٦١٦]. (١١) (بابُ عِيَادَةِ المُشْرِكِ) إذا رُجِيَ أن يُجيبَ إلى الإسلامِ، أو لمصلحة غير ذلك.

стр. 10275

٥٦٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الإمام، أبو أيُّوب الواشحيُّ البصريُّ قاضي مكَّة قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) اسمُ جدِّه درهم (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ غُلَامًا لِيَهُودَ) لم يقف الحافظُ ابنُ حَجر على اسمه. نعم، نقل عن ابن بشكوال أنَّ صاحب «العتبيَّة» حكى عن ابن (١) زياد أنَّ اسمه عَبدوس، قال: وهو غريبٌ مَا وجدتُه عن (٢) غيره (كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَالَ) له ﵊: (أَسْلِمْ) بكسر اللام (فَأَسْلَمَ) بفتحها، زاد النَّسائيُّ، فقال: «أشهدُ أنَّ لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله». وحديثُ الباب سبق في «الجنائِز» في «باب إذا أسلم الصَّبيُّ فماتَ» [خ¦١٣٥٦]. (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) ممَّا وصله المؤلِّف في «تَفسير سُورة القَصص» [خ¦٤٧٧٢] (عَنْ أَبِيهِ) المسيَّب بن حَزنٍ الصَّحابيِّ، ممَّن بايع تحتَ الشَّجرة (لَمَّا حُضِرَ أَبُو طَالِبٍ) عبد منافٍ، أي: حضرتُه علامةُ الموتِ، وحُضِرَ بضم الحاء المهملة وكسر المعجمة (جَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬). والمطابقةُ ظاهرةٌ، وسبق «ببرَاءة» [خ¦٤٦٧٥]. (١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا عَادَ) النَّاسُ (مَرِيضًا فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى) المريضُ (بِهِمْ) بمن عادَه (جَمَاعَةً).

стр. 10276

٥٦٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمعِ، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو موسى العنزيُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (أَبِي) عُروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ (٢)) مِن أصحابه (يَعُودُونَهُ فِي مَرَضِهِ، فَصَلَّى بِهِمْ) حالَ كَونه (جَالِسًا) في مَشربته (٣)، وكان ﷺ قد سقطَ عن فَرسه فانفكَّت قدمُه فعجزَ عن الصَّلاة بالنَّاس في المسجدِ، وعند ابنِ حبَّان أنَّ هذه القصَّة كانت في ذي الحِجَّة سنةَ خمسٍ، وقد سُمِّي في الأحاديث ممَّن صلَّى خلفَه حينئذٍ أنسٌ، عندَ الإسماعيليِّ، وأبو بكرٍ، كما في حديث جابرٍ، وعمرُ، كما في روايةِ الحسنِ مُرسلًا عند عبدِ الرَّزَّاق (فَجَعَلُوا يُصَلُّونَ) حالَ كونِهم (قِيَامًا فَأَشَارَ) صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه (إِلَيْهِمِ (٤) اجْلِسُوا فَلَمَّا فَرَغَ) من الصَّلاةِ (قَالَ) ﷺ لهم: (إِنَّ الإِمَامَ لَيُؤْتَمُّ بِهِ) بفتح اللام في الفرع، وهي لامُ التَّوكيد، ويؤتمُّ رفع (فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ) رأسه (فَارْفَعُوا) رُؤوسكم (وَإِنْ صَلَّى) حال كونهِ (جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا) أي: جَالسين (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف: (قَالَ الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير: (هَذَا الحَدِيثُ مَنْسُوخٌ) منه قُعودهم معهُ فقط (لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخِرَ مَا صَلَّى صَلَّى قَاعِدًا وَالنَّاسُ) يُصلُّون (٥) (خَلْفَهُ قِيَامٌ). وهذا الحديثُ سبق في «الصَّلاةِ» [خ¦٦٨٨]. (١٣) (بابُ وَضْعِ اليَدِ) أي: يد العائدِ (عَلَى المَرِيضِ) تأنيسًا له (٦) وتعرُّفًا لشدَّةِ مرضه ليدعُوَ له

стр. 10277

بالعافيةِ ويرقيهُ (١)، أو يصف له ما يناسبُ (٢) إن كان عارفًا بالطِّبِّ. ٥٦٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليُّ البَلخيُّ قال: (أَخْبَرَنَا الجُعَيْدُ) بضم الجيم وفتح العين المهملة مصغَّرًا، ابنُ عبد الرَّحمن الكنديُّ (عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ) بسكون العين (أَنَّ أَبَاهَا) سعدَ بن أبي وقَّاصٍ (قَالَ: تشَكَّيْتُ) من باب التَّفعُّل (٣) الدَّال على المبالغة (بِمَكَّةَ شَكْوًا (٤)) بالتَّنوين (شَدِيدًا) بالتَّذكير على إرادة المرض، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «شَكْوَى» بلا تنوين «شَدِيدَةٍ» بتاء التأنيث. قال عياض: شَكوى، مقصورٌ، والشَّكْوُ المرضُ، يعني بسكون الكاف وضم الواو. يُقال منه: شَكَا يَشكُو واشتَكَى شِكَايةً وشَكَاوةً وشَكوَى. قال أبو عليٍّ: والتَّنوين رديءٌ جدًّا (فَجَاءَنِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي) عامَ حجَّةِ الوَداعِ بمكَّة (فَقُلْتُ) له: (يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي) إذا متُّ (أَتْرُكُ مَالًا، وَإِنِّي لَمْ أَتْرُكْ إِلَّا ابْنَةً وَاحِدَةً) هي أمُّ الحكَم الكُبرى، والمرادُ بالحصر حصرٌ خاصٌّ، فإنَّه كان له ورثةٌ بالتَّعصيبِ من بني عمِّه، فالتَّقديرُ: ولا يرثُني من الأولاد إلَّا ابنةٌ لي (فَأُوصِي) وللكُشميهنيِّ: «أفأُوصِي» (بِثُلُثَيْ مَالِي) بالتَّثنية (وَأَتْرُكُ الثُّلُثَ؟ فَقَالَ) ﵊: (لَا) تُوصِ بكلِّ الثُّلُثين (فقُلْتُ): يا رسولَ الله (فَأُوصِي بِالنِّصْفِ وَأَتْرُكُ النِّصْفَ؟ قَالَ) ﵊: (لَا. قُلْتُ: فَأُوصِي (٥) بِالثُّلُثِ وَأَتْرُكُ لَهَا الثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ) ﵊: (الثُّلُثُ) أوصِ به (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) وقد كان سعدٌ له حينئذٍ عصبات وزوجَات، وحينئذٍ

стр. 10278

فيتعيَّنُ (١) تأويلُ ذلك فيكون فيه حذفٌ، تقديرُه: وأتركُ لها الثُّلُثين، أي: ولغيرِها من الورثة، وخصَّها بالذِّكر لتقدُّمها عنده (ثُمَّ وَضَعَ) ﷺ (يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ) أي: جبهة سعدٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «على جبهتِي» (ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي وَبَطْنِي، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ) فلا تُمِتهُ في الموضعِ الَّذي هاجرَ منه وتَرَكَه للهِ تعالى (فَمَا زِلْتُ أَجِدُ بَرْدَهُ) برد (٢) يدهِ الكريمة (عَلَى كَبِدِي) وذُكِّر باعتبارِ العضو أو المسح (فِيمَا يُخَالُ إِلَيَّ) بضم التَّحتية بعدها خاء معجمة. قال في «المحكم» (٣): خالَ الشَّيءَ يخالُه ظنَّه (٤)، وتخيَّله ظنَّه (حَتَّى السَّاعَةِ) جر بحتَّى أي: إلى السَّاعة. والمطابقةُ ظاهرةٌ، والحديثُ يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى في «باب قول المريض: إنِّي وجعٌ» [خ¦٥٦٦٨]. ٥٦٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميدِ (عَنِ الأَعْمَشِ) سُليمان (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) ﵁: (دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهْوَ) أي: والحالُ أنَّه (يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا) بسكون العين، أي: يُحَمُّ حمَّى شديدةً، وثبت قوله: «وعكًا شديدًا» لأبي ذرٍّ (فَمَسِسْتُهُ) بكسر السين المهملة الأولى وسكون الثانية (بِيَدِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تُوعَكُ) ولأبي ذرٍّ: «لتُوعكُ» (وَعْكًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَجَلْ) أي: نعم (إِنِّي أُوعَكُ) بضم الهمزة وفتح العين (كَمَا

стр. 10279

يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ. فَقُلْتُ: ذَلِكَ) الوعكُ الشَّديد (أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَجَلْ) بمعنى (١) نعم زنةً ومعنًى (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مَرَضٌ) ولأبي ذرٍّ: «من مرضٍ» (فَمَا سِوَاهُ) كالحزن والهمِّ (إِلَّا حَطَّ اللهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا) أي: تلقيه. وفي حديث أبي هُريرة عندَ الإمامِ أحمد وابن أبي شيبة: «لا يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ حتَّى يَلقى اللهَ وليس عليهِ خطيئة». وحديثُ الباب سبق قريبًا [خ¦٥٦٤٧]. (١٤) (بابُ مَا يُقَالُ لِلْمَرِيضِ) عند العيادةِ (وَمَا يُجِيبُ) المريضُ. ٥٦٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف، ابن عُقبة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانُ بن مهران الكوفيُّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد (التَّيْمِيِّ) العابد (عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) التَّيميِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَرَضِهِ فَمَسِسْتُهُ وَهْوَ) أي: والحالُ أنَّه (يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَقُلْتُ): يا رسول اللهِ (إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، وَذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ) ﵊: (أَجَلْ) بسكون اللام مخفَّفة، نعم (وَمَا مِنْ) شخصٍ (مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى) بالذال المعجمة، منونًا (٢) (إِلَّا حَاتَّتْ) بمثنَّاتين، وفي رواية بإدغامِ الأُولى في الثَّانية، والمعنى فُتَّتْ (عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَاتَّ) بتشديد الفوقية مفتوحة مع المد (٣) (وَرَقُ

стр. 10280

الشَّجَرِ) والمرادُ إذهابُ (١) الخطايا. وظاهرهُ التَّعميم، لكنَّ الجمهور خصُّوا ذلك بالصَّغائر لحديثِ «الصَّلواتُ الخمس (٢)، والجمعةُ إلى الجُمعةِ، ورمضانُ إلى رمضان، كفَّارةٌ لما بينهُنَّ ما اجتُنبتِ الكبائرُ» فحملُوا المطلقات الواردة في التَّكفير على هذا المقيَّد. ٥٦٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبِي ذرٍّ: «حَدَّثني» (إِسْحَاقُ) بنُ شاهين الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّانُ (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ (٣) ﷺ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ) من الأعرابِ (يَعُودُهُ) قال في «المقدِّمة»: وقعَ في «ربيع الأبرار» أنَّ اسم هذا الأعرابيِّ: قيسُ بنُ أبي حازمٍ، فإن صحَّ فهو متَّفق مع التَّابعيِّ الكبير المخضرم، وإلَّا فهو وهمٌ (فَقَالَ ﷺ ¬) له: (لَا بَأْسَ) عليك (طَهُورٌ) مُطهِّرٌ لك من ذُنوبك (إِنْ شَاءَ اللهُ) فيه استحبابُ مُخاطبة العائدِ للعليل بما يسلِّيهِ من ألمه، ويذكِّرهُ بالكفَّارةِ لذنوبه والتَّطهير لآثامه. وفي حديث أبي سعيد (٤) عند التِّرمذيِّ وابن ماجه رفعه: «إذا دخلتُم على المريضِ فنفِّسُوا لهُ في الأجلِ، فإنَّ ذلكَ لا يردُّ شيئًا، وهو يطيِّبُ نفسَ المريضِ» وفي سندهِ لين، والمعنى أطمعوهُ في الحياة إذ فيه تنفيسٌ لما فيهِ من الكربِ وطمأنينة القلبِ (فَقَالَ) الرَّجلُ: (كَلَّا) ليسَ بطهُور (بَلْ (٥) حُمَّى تَفُورُ) تَغلي ويظهَرُ حرُّها (عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ كَيْمَا) بفتح الكاف وسكون التحتية بعدها ميم فألف، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «حتَّى» (تُزِيرَهُ القُبُورَ) أي: تبعثُه إلى المقبرة بالموتِ (٦) (قَالَ (٧) النَّبِيُّ ﷺ ¬) له: (فَنَعَمْ إِذًا) بالتَّنوين، أي: إذا أبيتَ كان كما زعمتَ.

стр. 10281

وهذا الحديثُ سبقَ قريبًا في «باب عيادةِ الأعرابِ» [خ¦٥٦٥٦]. (١٥) (بابُ عِيَادَةِ المَرِيضِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَرِدْفًا) بكسر الراء وسكون الدال، أي: مرتدفًا لغيرهِ (عَلَى الحِمَارِ). ٥٦٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابنُ خالدٍ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ) بكسر الهمزة وتخفيف الكاف، كالبَرْذَعة ونحوها لذواتِ الحوافِر (١)

стр. 10282

(عَلَى قَطِيفَةٍ) بالقاف المفتوحة والطاء المكسورة وبعد التحتية الساكنة فاء، كِسَاء (فَدَكِيَّةٍ) بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف المكسورة، نسبةً إلى فدك القَرية المشهورة لأنَّها صُنعت فيها، والحاصلُ أنَّ الإِكَاف على الحمار، والقطيفة فوقَ الإِكاف، والنَّبيُّ ﷺ فوقَ القطيفةِ (وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ) بن زيدٍ (وَرَاءَهُ) على الحمار، حالَ كونه (يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) الأنصاريَّ. زاد في «سُورة آل عِمران» [خ¦٤٥٦٦]: «في بني الحارثِ بن الخزرج» (قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فَسَارَ) ﵊ (حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) رُفِعَ صِفةً لعبدِ الله لا لأُبي؛ لأنَّ سلول اسمُ (١) أمِّ عبدِ اللهِ غير مُنصرفٍ، فالألفُ (٢) في «ابن» ثابت على ما لا يَخفى (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ) بضم التحتية وسكون المهملة، أي: يُظْهِرَ الإسلامَ (عَبْدُ اللهِ) بن أُبي، ولم يُسلم قطُّ (وَفِي المَجْلِسِ أَخْلَاطٌ) بالخاء المعجمة الساكنة، أنواعٌ (مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) بالمثلثة والجرِّ، بدلًا من المشركين (وَاليَهُودِ) عطفٌ على المشركين، أو على عبدَةِ الأوثانِ لأنَّهم قد قالوا: عزيرٌ ابن الله (وَفِي المَجْلِسِ) من المسلمين بل من السَّابِقين إلى الإسلام (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) الأنصاريُّ (فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) أي: غبارُ الدَّابَّة الَّتي عليها رسول الله ﷺ (خَمَّرَ) بالخاء المعجمة والميم المشددة المفتوحتين آخره راء، أي: غطَّى (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ قَالَ) وفي «آل عمران» ثمَّ قال [خ¦٤٥٦٦]: (لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا) بالباء الموحدة، في «تُغبِّروا» (فَسَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَوَقَفَ وَنَزَلَ) عن الحمارِ (فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: يَا أَيُّهَا المَرْءُ، إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ) أي: إنَّ ما تقولُ حسنٌ، قاله استهزاءً قاتلهُ اللهُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لا أُحسِنُ ما تقولُ» بضم الهمزة وكسر السين، بصيغة فعل المتكلِّم، والتَّالي مفعوله (٣) (إِنْ كَانَ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِنَا بِهِ) بحذف حرف العلَّة للجَزم (٤) بلا (فِي مَجْلِسِنَا) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «في مجالسِنَا» (وَارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة؛ أي (٥): إلى مَنزلك (فَمَنْ جَاءَكَ مَنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ،

стр. 10283

قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَاغْشَنَا بِهِ) بهمزة وصل وفتح الشين (١) المعجمة (فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ) بالمثلَّثة بعد الفوقية، قاربوا أن يثبَ بعضُهم على بعضٍ فيقتتلوا (فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسولُ الله» (¬ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا) بالمثناة الفوقية، من السُّكوت، ضدُّ (٢) الكلام، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ: «سكَنُوا» بالنُّون، من السُّكون ضدُّ الحركة (فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ دَابَّتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) ﵁ يعودُه (فَقَالَ) ﷺ (لَهُ: أَيْ سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ) لي (أَبُو حُبَابٍ) بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة الأولى (يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) إذ هي كُنيته (قَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ، فَلَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ مَا أَعْطَاكَ وَلَقَدِ اجْتَمَعَ أَهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ) بضم الموحدة وفتح الحاء المهملة وإسكان التحتية، البُليدة (أَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «على أنْ» (يُتَوِّجُوهُ) بتاجِ الملكِ (فَيُعَصِّبُوهُ) بعصابةِ السِّيادة (فَلَمَّا رُدَّ ذَلِكَ) بضم الراء وتشديد الدال (بِالحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ) الله (شَرِقَ) بفتح المعجمة وكسر الراء، غصَّ (٣) عبدُ الله بن أُبيٍّ (بِذَلِكَ) الحقِّ الَّذي أعطاكَ اللهُ (فَذَلِكَ) الحقُّ (الَّذِي) أتيتَ به (فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ) مَن فعله وقولهِ القَبيح، زادَ في آل عِمران: فعفَا عنهُ رسُول الله ﷺ [خ¦٤٥٦٦]. ٥٦٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمعِ، ولأبي ذرٍّ بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين وسكون الميم، و «عبَّاس» بالموحدة والسين المهملة، أبو عثمانَ المصريُّ (٤) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بنُ مهديٍّ العنبريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (عَنْ مُحَمَّدٍ -هُوَ: ابْنُ المُنْكَدِرِ-، عَنْ جَابِرٍ) هو ابنُ عبد اللهِ الأنصاريُّ (¬﵁¬) وعن أبيهِ، أنَّه (قَالَ: جَاءَنِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي لَيْسَ بِرَاكِبِ بَغْلٍ) بإضافة راكب (٥) لتاليهِ (وَلَا) راكبَ (بِرْذَوْنٍ) بكسر الموحدة وفتح الذال المعجمة،

стр. 10284

نوعٌ منَ الخيلِ. ومفهومُه: أنَّه كان ماشيًا، فيطابقُ بعضَ ما ترجمَ له. وهذا الحديثُ أخرجهُ أيضًا في «الفرائضِ» [خ¦٦٧٢٣]، وكذا أبو داود، والتِّرمذيُّ وزاد فأخرجه في «التَّفسير» أيضًا. (١٦) (بابُ) جوازُ (قَولِ المَرِيضِ: إِنِّي وَجِعٌ) بفتح الواو وكسر الجيم، ولأبي ذرٍّ: «بابُ ما رُخِّص للمريضِ أن يقول: إنِّي وجعٌ» (أَوْ) قوله: (وَارَأْسَاهْ) وهو تفجُّعٌ على الرَّأس من شدَّة صُداعه (أَوِ اشْتَدَّ) أي: أو قوله: اشتدَّ (بِي الوَجَعُ، وَ) باب (قَوْلِ أَيُّوبَ ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾) الضَّرُّ -بالفتح-: الضَّرر في كلِّ شيءٍ. وبالضَّمِّ: الضَّرَر في النَّفسِ من مرضٍ أو هزالٍ (﴿وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]) ألطفَ في السُّؤال حيثُ ذكرَ نفسَهُ بما يُوجب الرَّحمة، وذَكَرَ ربَّه بغايةِ (١) الرَّحمة، ولم يصرِّح بالمطلوب، فكأنَّه قال: أنتَ أهلٌ أن تَرحم، وأيُّوبُ أهلٌ أن يُرحم، فارحمهُ واكشفْ عنه الضُّرَّ الَّذي مسَّه. وقال الطِّيبيُّ: لم يقل: ارحَم ضُرِّي ليعمَّ ويشملَ ويشعرَ بالتَّعليل، ولذلك استُجيب له، وروي عن أنسٍ: أخبرَ أيُّوب عن ضَعفه حين لم يقدِر على النُّهوضِ إلى الصَّلاةِ ولم يشكُه، وكيف يشكُو من قيل له: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٤٤] وقيل: إنَّما اشتَكى إليه تلذُّذًا بالنَّجوى لا أنَّه تضرَّر (٢) بالشَّكوى، والشِّكاية إليه غايةُ القربِ، والشِّكايةُ منه غايةُ البُعدِ. وقد استُشْكل إيرادُ المؤلِّف لهذه الآية هنا إذ إنَّها لا تُناسب التَّرجمة؛ لأنَّ أيُّوب إنَّما قال ذلك داعيًا ولم يذكرهُ للمخلوقين. وأُجيب: باحتمالِ أنَّه أشارَ إلى أنَّ مُطلق الشَّكوى لا يمنعُ (٣) ردًّا على من زعم أنَّ الدُّعاء بكشفِ البلاء يقدحُ في الرِّضا، فنبَّه على أنَّ الطَّلبَ منه تعالى ليسَ ممنوعًا، بل زيادة عبادةٍ لما ثبتَ (٤) مِثل (٥) ذلك عن المعصومِ، وأثنى الله عليه بذلك وأثبتَ له

стр. 10285

اسمَ الصَّبر مع ذلك (١)، فلعلَّ مراد المؤلِّف: أنَّ الَّذي يجوزُ من الشَّكوى ما كان على طريقِ الطَّلب من الله تعالى. ٥٦٦٥ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بنُ عُقبة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله (وَأَيُّوبَ) السَّختيانِيِّ كلاهُما (عَنْ مُجَاهِدٍ) المفسِّر (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريِّ عالمِ (٢) الكوفةِ (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بضمِّ العين المهملة وسكون الجيم وفتح الرَّاء، من أصحاب الشَّجرة (¬﵁¬) أنَّه قال: (مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ القِدْرِ) زادَ في «المغازي» [خ¦٤١٩٠] والقملُ يتناثرُ على رأسِي (فَقَالَ) ﷺ : (أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟) بفتح الهاء والواو وبعد الألف ميم مشددة، جمعُ: هامَّة بتشديدها، اسمٌ للحشراتِ لأنَّها تهمُّ، أي: تدبُّ، وإذا أُضيفت إلى الرَّأسِ اختصَّت بالقَمْلِ فكأنَّه قال: أيؤذِيك قمل رأسك (قُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول اللهِ، يُؤذيني (فَدَعَا) ﷺ (الحَلَّاقَ فَحَلَقَهُ) أي: حلقَ شعرَ رأسي (ثُمَّ أَمَرَنِي بِالفِدَاءِ) وفي «الحجِّ» «فقال: احلقْ رأسكَ وصُم ثلاثةَ أيَّامٍ، أو أطعِم ستَّةَ مساكينَ، أو انسك بشاةٍ» [خ¦١٨١٤] وفي «بابِ النُّسْك (٣) شاةٌ» من «كتاب الحجِّ» «فأمرهُ أن يحلقَ وهو بالحُديبيَة، ولم يتبيَّن لهم أنَّهم يحلُّون» [خ¦١٨١٧]. ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة في قوله: «أيؤذِيكَ هوَامُّ رَأسِك؟ قلت: نعم» وليس إِخباره بإيذائها له شَكوى، بل لبيان الواقعِ والاسترشاد لما فيه نفعه.

стр. 10286

٥٦٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَبُو زَكَرِيَّا) التَّميميُّ الحنظليُّ النَّيسابوريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) أبو محمَّد، مولى الصِّدِّيق الثِّقة الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه: (قالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃، أنَّه: (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (وَارَأْسَاهْ) روى الإمام أحمدُ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه من طريق عبيدِ اللهِ بن عبد اللهِ بن عُتبة (١)، عن عائشة: «رجعَ رسول الله ﷺ من جَنازةٍ مِن البقيعِ، فوجدَني وأنا أجدُ صُداعًا في رأسي وأنا أقولُ: وارَأساه!». قال الطِّيبيُّ: نَدبَتْ نفسها، وأشارَت إلى الموت (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ذَاكِ) بكسر الكاف (لَوْ كَانَ) أي: إن حصلَ موتُك (وَأَنَا حَيٌّ، فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ، وَأَدْعُو لَكِ) بكسر الكاف فيهما أيضًا (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَاثُكْلِيَاهْ) بضم المثلثة وسكون الكاف وكسر اللام مصحَّحًا عليها في الفرع بعدها تحتية مخففة فألف فهاء ندبة، وفي بعض الأُصولِ بفتح اللام، ولم يذكُر الحافظ ابن حجر غيرها. وتعَّقبه العينيُّ فقال: ليس كذلك؛ لأنَّ «ثكليَاه» إمَّا أن يكون مصدرًا، أو صفةً للمرأةِ الَّتي فقدتْ ولَدها، فإن كانَ مصدرًا فالثَّاء مضمومةٌ واللَّام مكسورةٌ، وإن كان اسمًا فالثَّاء مفتوحة واللَّام كذلك. قال في «القاموس»: الثُّكل -بالضم- الموت والهلاك وفُقدانُ الحبيب أو الولدِ. انتهى. وليست حقيقتُه مُرادةً هنا، بل هو كلامٌ يجري على ألسنَتِهم عند حُصولِ (٢) المصيبَة أو (٣) توقُّعِها (وَاللهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ) أي: من قوله لها: «لو مُتِّ قَبلي» (تُحِبُّ مَوْتِي وَلَوْ كَانَ ذَاكَ) أي: مَوتي، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ذَلِكَ» بلام بعد المعجمة (لَظَلِلْتَ) بفتح اللام والظاء المعجمة بعدها لام مكسورة فأخرى ساكنة (آخِرَ يَوْمِكَ) من مَوتي (مُعَرِّسًا) بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الراء المشددة بعدها سين مهملة، اسمُ فاعلٍ، وبسكون العين وتخفيف الراء، مِن أَعرَس بامرأتِه إذا بَنى بها أو غَشيها (بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ (٤))

стр. 10287

ونسيتَني (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَنَا (١) وَارَأْسَاهْ) كذا في الفرع، وفي غيره من الأصولِ المعتمَدة الَّتي وقفتُ عليها: «بل أنَا وارأسَاهُ» بإثبات «بل» الإضرابيَّة، أي: دَعي ذكر ما تجدينَهُ من وجعِ رأسكِ واشتغِلي بي، فإنَّك لا تموتِين في هذه الأيَّامِ بل تعيشين بعدِي، عَلم ذلك بالوحيِ، ثمَّ قال ﷺ : (لَقَدْ هَمَمْتُ -أَوْ) قال: (أَرَدْتُ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ) بفتح الهمزة والنصب عطفًا على المنصوب السابق، أي: أُوصي بالخلافةِ لأبي بكرٍ كراهةَ (أَنْ يَقُولَ القَائِلُونَ) الخلافةُ لفلانٍ أو لفلان، أو يقولُ واحدٌ منهم: الخلافةُ لي، وأنْ مصدريَّة، والمقول محذوفٌ (أَوْ يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ) الخلافةَ فأعيِّنه قطعًا للنِّزاعِ، وقد أرادَ الله أنْ لا يعهد لُيؤجرَ المسلمُون على الاجتهاد، و «المتمنُّون» بضم النون، جمعُ: مُتمنٍّ، بكسرها. وقال السَّفاقسيُّ: ضبط قوله: «المتمنَّون» -بفتح النون- وإنَّما هو بضمها لأنَّ الأصل المتمنِّيون على زنةِ المتطهِّرون، فاستُثْقِلَت الضَّمةُ على الياءِ فحُذفت فاجتمعَ ساكنان الياءُ والواو فحذفت الياءُ كذلك (٢) وضُمَّت النُّون لأجلِ الواو إذ لا يصحُّ واو قبلها كَسرة. قال العينيُّ: فتحُ النون هو الصَّواب، وهو الأصل كما في قوله: المسمَّون (٣) إذ لا يقال فيه: بضم الميم، وتشبيهُ القائلِ المذكور المتمنُّون بالمتطهِّرون غير مستقيمٍ لأنَّ هذا صحيحٌ وذاك معتل اللَّام، وكلُّ هذا عجزٌ وقصورٌ عن قواعد علم الصَّرف.

стр. 10288

(ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللهُ) إلَّا خلافة أبي بكرٍ (وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ) خلافةَ غيره لاستخلافِي له في الإمامةِ الصُّغرى (أَوْ) قال ﷺ : (يَدْفَعُ اللهُ) خلافة غيرهِ (وَيَأْبَى المُؤْمِنُونَ) إلَّا خلافتهُ، فالشَّكُّ من الرَّاوي في التَّقديم والتَّأخيرِ، وفائدةُ إحضار ابنِ الصِّدِّيق معه في العهدِ بالخلافةِ، ولم يكن له فيها دخلٌ (١). قال في «الكواكب»: لأنَّ المقامَ مقام استمالةِ قلبِ عائشة (٢)، يعني كما أنَّ الأمرَ مفوَّضٌ إلى أبيك كذلك الائتمارِ (٣) في ذلكَ بحضرةِ أخيك، فأقاربك هم أهلُ مَشورتِي. وهذا الحديثُ أخرجهُ البخاريُّ أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧٢١٧]. ٥٦٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيلَ المِنْقَريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمَليُّ البصريُّ، ثقةٌ عابدٌ، يعدُّ من الأبدال، قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمشَ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد (التَّيْمِيِّ) العابدِ (عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) التَّيميِّ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ يُوعَكُ) بفتح العين، يُحَمُّ (فَمَسِسْتُهُ) بكسر المهملة الأولى وسكون الأخرى، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فَسَمِعْتُهُ» بدل قولهِ: «فَمَسِسْتُهُ»، أي: فسمعتُ (٤) أَنينهُ ففيه حذفٌ، لكن قال الحافظُ ابنُ حجر: إنَّها تحريفٌ، وزادَ الكُشمِيهنيُّ بعد فمسِسْتُه: «بيَدِي» (فَقُلْتُ): يا رسولَ اللهِ (إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ: أَجَلْ) بفتح الجيم وسكون اللام مخففة، أي: نعم (كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ) لأنَّه كالأنبياءِ مخصوصٌ بكمال الصَّبر (قَالَ) ابنُ مسعودٍ: قلتُ: ذلك التَّضاعُف (لَكَ أَجْرَانِ، قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) فالبلاءُ في مقابلةِ النِّعمة فمن كانت نعم اللهِ عليهِ أكثر كان بلاؤُه أشدَّ، ثمَّ قال ﵊:

стр. 10289

(مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مَرَضٌ) رفع بدل من سابقه (فَمَا (١) سِوَاهُ) كالهمِّ يهمُّه (٢) (إِلَّا حَطَّ اللهُ سَيِّئَاتِهِ) من الصَّغائر والكبائر، حدِّث عن الكريمِ بما شئتَ (كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا) في زمن الخريفِ لأنَّها (٣) حينئذٍ يتجرَّد عنها سريعًا لجفافها وكثرةِ هبوبِ الرِّياح. وهذا الحديثُ سبق قريبًا غير مرَّة [خ¦٥٦٤٨] [خ¦٥٦٦٠]. ٥٦٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللام، الماجشونُ التَّيميُّ، مولاهُم المدنيُّ، قال: (أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقَّاصٍ، أحدِ العشرةِ المبشَّرةِ بالجنَّة، أنَّه (قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) حالَ كونه (يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ) أي: بسببِ وجعٍ، أو لأجل وجعٍ (اشْتَدَّ بِي زَمَنَ حَجَّةِ الوَدَاعِ) بمكَّة (فَقُلْتُ): يا رسولَ الله (بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ مَا تَرَى (٤)) يصحُّ على مذهبِ ابن مالك والكوفيين أن تكون «من» زائدة في الإثباتِ، أي: بلغَ بي الوجعُ ما تَرى. وفي التَّنزيل: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠] ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ﴾ [مريم: ٨] والرُّؤيةُ بصريَّة مفعولها هو العائدُ على «ما» ومتى جَعلنا (٥) الفاعلَ ما وصلتها، كان التَّقديرُ: وقد (٦) بلغَ بي ما تراهُ، ويحتملُ أن يكون الفاعلُ محذوفًا يدلُّ عليه قوله: «من

стр. 10290

الوجعِ» والتَّقديرُ: بلغَ (١) بي جهدٌ من الوجعِ ثمَّ حذف الموصوف وأقام الصِّفة مقامَه. قال ابن مالكٍ: وهذا الحذفُ يكثرُ قبل «من» لدَلالتها على التَّبعيضِ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] أي: ولقد جاءكَ نبأٌ من نبإ المرسلين (وَأَنَا ذُو مَالٍ) في موضع الحال من ضمير النَّبيِّ في «تَرى» (٢)، والرَّابطُ واو الحال، أو من فاعلِ «اشتدَّ» والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ (وَلَا يَرِثُنِي) بالفرضِ (إِلَّا ابْنَةٌ لِي) اسمُها أُمُّ الحكمِ (٣) الكُبرى (٤) (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟) الهمزةُ للاستفهامِ والفعلُ معها مُستفهمٌ عنه والفاء عاطفةٌ، وقيل: زائدةٌ وكان حقَّها التَّقديمُ لكن عارضَها الاستفهامُ، وله صدر الكَلام (قَالَ) ﷺ : (لَا) حرفُ جوابٍ وهي بمعناها تسدُّ مسدَّ الجُملة، أي: لا تتصدَّقْ بكلِّ الثُّلثين. قال سعدُ: (قُلْتُ: بِالشَّطْرِ) بالجار، والمرادُ به النِّصف كما في الرِّوايةِ الأخرى، ولأبي ذرٍّ: «فالشَّطر» بالفاء بدل الموحدة رفعٌ على الابتداءِ والخبرُ محذوفٌ، أي: فالشَّطر أتصدَّق به (قَالَ) ﷺ : (لَا) قال سعد: (قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ) ﵊: (الثُّلُثُ كَثِيرٌ) ولأبي ذرٍّ: «قالَ: لا، الثُّلثُ والثُّلثُ كثيرٌ» فأسقطَ: «قلتُ» و «قالَ». وزادَ: «والثُّلُثُ» أي: الثُّلث تصدَّق بهِ والثُّلثُ كثير مبتدأٌ وخبر (أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إنَّك أنْ تذَر» بالذال المعجمة، وهمزة «أن» مفتوحة على الرِّوايتين، فهي مصدريَّة ناصبةٌ للفعلِ والموضعُ رفعٌ بالابتداءِ و «خير» خبره، والجملةُ خبر إنَّ من قوله (٥): «إنَّك» ويجوزُ كسر إنَّ فهي حرفُ شرط فالفعلُ بعدها مجزومٌ، وحينئذٍ فجوابُ الشَّرط محذوفٌ، أي: فهو خيرٌ فيكون قد حذف المبتدأ مقرونًا بالفاء وأبقى الخبرَ. قال ابنُ مالكٍ: وهذا فيما زعمَ النَّحويون مخصوصٌ بالضَّرورة وليسَ كذلك، بل كثُر استعماله في الشِّعر وقلَّ في غيره، فمن ورودِهِ في غير الشِّعر

стр. 10291

قراءةُ طاوسٍ (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ أَصْلِحْ لَهُمْ خَيْرٌ) [البقرة: ٢٢٠] أي: فهو خيرٌ، قال: وهذا وإن لم يُصرِّح فيه بأداةِ الشَّرط فإنَّ الأمر مضمَّنٌ (١) معنى الشَّرطِ، فكان ذلك بمنزلةِ التَّصريحِ بها في استحقاقِ الجوابِ واستحقاقِ اقترانِه بالفاءِ؛ لكونهِ جملة اسميَّة، ومن خصَّ هذا الحذف بالشِّعر حادَ عن التَّحقيق، وضيَّق حيثُ لا تضييق، وقوله: «عالَةً» بتخفيف اللام، جمع عائلٍ، وهو الفقير، أي: أن تتركَهم أغنياءَ خيرٌ من أن تتركهُم فقراء، حال كونِهم (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يبسطُون إليهم أكُفَّهم بالسُّؤال (وَلَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي) تطلبُ (بِهَا وَجْهَ اللهِ) ثوابَه، و «نفقةً» هنا بمعنى مُنفَقًا (٢)، والمنْفَقُ اسم مفعولٍ، كالخلقُ بمعنى المخلوق (إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا) بضم الهمزة، مبنيًّا لما لم يسمَّ فاعله، أي: أعطاك الله بها أجرًا (حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ) أي: فمها، ففي الأولى حرف، والثَّانيةُ اسمٌ، وحتَّى للغاية، وهي هنا داخلةٌ على الاسمِ، وهو ما الموصولةُ وصلتها، والتَّقديرُ: حتَّى الَّذي تجعلهُ، ويجوزُ أن تكون حرف ابتداءٍ فتكون الصِّلةُ والموصولُ في موضعِ رفعٍ بالابتداء والخبر محذوفٌ، والتَّقديرُ: حتَّى الَّذي تجعله في في امرأتكَ تؤجرُ عليه، وخصَّ الزَّوجةَ بالذِّكر لعود منفعتِها الَّتي هي سببُ الإنفاقِ عليه، والمعنى أَنَّ المباحَ يصيرُ طاعةً مثابة إذا قصدَ به وجه الله تعالى. وهذا الحديثُ سبقَ في «كتاب الوصايَا» [خ¦٢٧٤٤]. (١٧) (بابُ قَوْلِ المَرِيضِ) لمن عنده: (قُومُوا عَنِّي) إذا وقعَ منهم مَا يقتضِي ذلك.

стр. 10292

٥٦٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الرَّازيُّ الفرَّاءُ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ. قال المؤلِّفُ: (حَ وحدَّثَنِي) بالواو الثابتة، لأبي ذرٍّ وبالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام بن نافع الحافظُ أبو بكرٍ الصَّنعانيُّ، أحدُ الأعلام، قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ المذكور (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مُسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعودٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا حُضِرَ) بضم الحاء المهملة وكسر الضاد المعجمة (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: جاءَهُ أجلُه (وَفِي البَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «منهُم» «بالميم والنون» بدل: «الفاء والياء»، (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلُمَّ) استُشكل بأنَّ المُناسب أن يقول: هلمُّوا بالجمع. وأُجيب: بأنَّها وقعتْ على لغة الحجازيينَ يَستوي فيها الجمعُ والمفردُ، قال تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨] أي: تعالوا (أَكْتُبْ) بالجزمِ جوابُ الأمرِ، ويجوز الرَّفعُ على الاستئناف، أي: آمرُ من يكتب (لَكُمْ كِتَابًا) فيه استخلافُ أبي بكرٍ بعدِي، أو فيه مهمَّاتُ الأحكام (لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ (١)) ولا (٢) تَرتابوا لحصولِ الاتِّفاق على المنصوصِ عليه، و «لا تضلُّوا» نفيٌ حُذفت نونهُ لأنَّه بدلٌ من جواب الأمرِ، وقد جوَّز بعضُهم تعدُّد جوابِ الأمرِ من غير حرف العطفِ (فَقَالَ عُمَرُ) ﵁: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ) فلا تشقُّوا عليه بإملاءِ الكتابِ (٣) المقتضِي للتَّطويلِ مع شدَّة الوجعِ (وَعِنْدَكُمُ القُرْآنُ) فيه تبيانُ كلِّ شيءٍ (حَسْبُنَا) يكفينَا (كِتَابُ اللهِ) المنزل فيهِ ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] و ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فلا تقعُ واقعةٌ إلى يوم القيامةِ إلَّا وفي القرآن والسُّنَّة بيانها نصًّا أو دلالةً، وهذا من دقيق نظرِ عُمر، فانظُر كيف اقتصرَ ﵁ على ما سبق بيانُه تخفيفًا عليه ﷺ ولئلَّا ينسدَّ بابُ الاجتهادِ والاستنباطِ، وفي تركه ﷺ الإنكارَ على عُمر دليلٌ على استصوابِ رأيهِ (فَاخْتَلَفَ أَهْلُ البَيْتِ) النَّبويِّ (فَاخْتَصَمُوا؛

стр. 10293

مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ) امتثالًا لأمرهِ ولما فيهِ من زيادةِ الإيضاحِ: (قَرِّبُوا) أدوات الكتابةِ (يَكْتُبْ لَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بجزم يكتبُ جواب الأمرِ (كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) قال الجوهريُّ: الضَّلالةُ ضدُّ الرَّشاد (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ): إنَّه ﷺ قد غلبَ عليهِ الوجعُ وعندكم القرآنُ، حسبُنا كتابُ الله، وكأنَّهم فهموا من قرينةٍ قامَت عندهم أن أمره (١) ﷺ بذلكَ لم يكن للوجوبِ، بل هو إلى اختيارهم، فلذا اختلفُوا بحسبِ اجتهادِهم (فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالاِخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قُومُوا) زاد في «العلمِ» عنِّي [خ¦١١٤]. وبها تحصلُ المطابقةُ. (قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد اللهِ، السَّابقُ في السَّند: (وكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) عند تحديثه بهذا الحديث (يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ) إنَّ المصيبَة كلَّ المصيبة (مَا حَالَ) أي: الَّذي حجز (بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ) بفتح اللام والمعجمة، واللَّغط الصَّوتُ والجلبَة، أي: إنَّ الاختلافَ كان سببًا لترك كتابةِ الكتاب، ووقع في «كتابِ العلمِ» «فخرجَ ابنُ عبَّاس يقول: إنَّ الرَّزيَّة كُلَّ الرَّزِيَّةِ» (٢) [خ¦١١٤]. وظاهرهُ: أنَّ ابن عبَّاس كان معهم وأنَّه في تلك الحالةِ خرج قائلًا (٣) هذه المقالةَ وليس كذلك، بل المرادُ أنَّه خرجَ من المكانِ الَّذي كان به وهو يقولُ ذلك، ويؤيِّد ذلك روايةُ أبي نُعَيمٍ في «المستخرج». قال عبيدُ الله: فسمعتُ ابن عبَّاسٍ يقول … إلى آخره، وعبيد اللهِ تابعيٌّ من الطَّبقةِ الثَّانية لم يدركِ القصَّة في وقتها لأنَّه ولد بعد النَّبيِّ ﷺ بمدَّةٍ طويلةٍ، ثمَّ سمعها من ابن عبَّاسٍ بعد ذلك بمدَّةٍ أُخرى، وكان الأولى ذكر هذا في محلِّه من «كتاب العلم»، لكن منع منه حصولُ ذهولٍ عنه، وقد وقع في الإشارةِ المفهمة ثَمَّ (٤)، والله الموفِّق. (١٨) (بابُ مَنْ ذَهَبَ بِالصَّبِيِّ المَرِيضِ) إلى الصَّالحين (لِيُدْعَى) بكسر اللام وضم التحتية

стр. 10294

وسكون الدال وفتح العين، وللكُشمِيهنيِّ: «ليَدْعُوَ» (لَهُ) بفتح التحتية وضم العين (١) بعدها واو مفتوحة. ٥٦٧٠ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي المعجمة، أبو إسحاقَ الزُّبيريُّ الأسديُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة (-هُوَ: ابْنُ إِسْمَاعِيلَ-) الكوفيُّ، سكن المدينة (عَنِ الجُعَيْدِ) بضم الجيم وفتح العين مصغَّرًا، ابن عبد الرَّحمن الكنديِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ) بن يزيد الصَّحابيَّ ابن الصَّحابيِّ (يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي (٢) خَالَتِي) لم تُسَمَّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي) عُلْبَةَ -بضم العين المهملة وسكون اللام بعدها موحدة مفتوحة- بنتَ شُريحٍ (وَجِعٌ) بفتح الواو وكسر الجيم. قال السَّائبُ: (فَمَسَحَ) ﷺ (رَأْسِي) بيدهِ المباركةِ (وَدَعَا لِي بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ) بفتح الواو، الماءُ الَّذي توضَّأ به تبرُّكًا (وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) ﵊ (فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «النُّبوَّة» (مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ) بيتٌ كالقُبَّة يزيَّن للعروس ذات عُرا وأوتادٍ (٣) ويُعرفُ بالبَشخانةِ. والمطابقةُ واضحةٌ (٤). ومرَّ الحديثُ في «الطَّهارةِ» [خ¦١٩٠] وفي «المناقبِ النَّبويَّةِ» عند ذكرِ «خاتَم النُّبوَّة» [خ¦٣٥٤١] ويأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الدَّعواتِ» بعون الله وقوَّته [خ¦٦٣٥٢].

стр. 10295

(١٩) (بابُ) منعِ (تَمَنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بابُ نهي تمنِّي» (المَرِيضِ المَوْتَ) لشدَّةِ مرضهِ. ٥٦٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ البُنَانِيُّ) بضم الموحدة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) يخاطبُ الصَّحابةَ، والمرادُ: هم ومن بعدهم من المسلمين عمومًا (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ) مرضٍ أو غيرهِ (أَصَابَهُ) وفي رواية أبي هريرةَ: «لا يتمنَّى» بياء ثابتةٍ خطًّا في كتبِ الحديث، فلعلَّه نهيٌ ورد على صيغة الخبرِ، والمرادُ منه: لا يتمنَّ، فأُجريَ مجرى الصَّحيح. وقال البيضاويُّ: هو نهيٌ أخرج في صُورة النَّفي (١) للتَّأكيد. انتهى. قال في «شرح المشكاةِ»: وهذا أولى لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] قال في «الكشَّاف» عن عَمرو بن عُبيد: (لا يَنكح) بالجزم على النَّهي والمرفوعُ أيضًا فيه معنى النَّهي ولكن أبلغ وآكدُ، كما أنَّ رحمكَ الله ويرحمكَ الله أبلغُ من ليرحمكَ الله. قال الطِّيبيُّ: وإنَّما كان أبلغ لأنَّه قدَّر أنَّ المنهيَّ حين ورد النَّهي عليه انتهى عن المنهيِّ عنه، وهو يخبرُ عن انتهائِه، ولو تركَ على النَّهي المحضِ ما كان (٢) أبلغَ، كأنَّه يقول: لا ينبغِي للمؤمنِ المتزوِّد للآخرة والسَّاعي في ازديادِ ما يثابُ عليه من العملِ الصَّالح أن يتمنَّى ما يمنعُه عن السُّلوك بطريقِ الله، وعليه قوله: «خياركُم من طالَ عمرهُ، وحسُنَ عملهُ» لأنَّ مَن شأنُه الازدياد والتَّرقِّي من حالٍ إلى حالٍ ومن مقامٍ إلى مقامٍ حتَّى ينتهيَ إلى (٣) مقامِ القربِ كيف يطلبُ القطعَ عن محبوبهِ. انتهى.
следующие страницы →