قراءةُ طاوسٍ (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ أَصْلِحْ لَهُمْ خَيْرٌ) [البقرة: ٢٢٠] أي: فهو خيرٌ، قال: وهذا وإن لم يُصرِّح فيه بأداةِ الشَّرط فإنَّ الأمر مضمَّنٌ (١) معنى الشَّرطِ، فكان ذلك بمنزلةِ التَّصريحِ بها في استحقاقِ الجوابِ واستحقاقِ اقترانِه بالفاءِ؛ لكونهِ جملة اسميَّة، ومن خصَّ هذا الحذف بالشِّعر حادَ عن التَّحقيق، وضيَّق حيثُ لا تضييق، وقوله: «عالَةً» بتخفيف اللام، جمع عائلٍ، وهو الفقير، أي: أن تتركَهم أغنياءَ خيرٌ من أن تتركهُم فقراء، حال كونِهم (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يبسطُون إليهم أكُفَّهم بالسُّؤال (وَلَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي) تطلبُ (بِهَا وَجْهَ اللهِ) ثوابَه، و «نفقةً» هنا بمعنى مُنفَقًا (٢)، والمنْفَقُ اسم مفعولٍ، كالخلقُ بمعنى المخلوق (إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا) بضم الهمزة، مبنيًّا لما لم يسمَّ فاعله، أي: أعطاك الله بها أجرًا (حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ) أي: فمها، ففي الأولى حرف، والثَّانيةُ اسمٌ، وحتَّى للغاية، وهي هنا داخلةٌ على الاسمِ، وهو ما الموصولةُ وصلتها، والتَّقديرُ: حتَّى الَّذي تجعلهُ، ويجوزُ أن تكون حرف ابتداءٍ فتكون الصِّلةُ والموصولُ في موضعِ رفعٍ بالابتداء والخبر محذوفٌ، والتَّقديرُ: حتَّى الَّذي تجعله في في امرأتكَ تؤجرُ عليه، وخصَّ الزَّوجةَ بالذِّكر لعود منفعتِها الَّتي هي سببُ الإنفاقِ عليه، والمعنى أَنَّ المباحَ يصيرُ طاعةً مثابة إذا قصدَ به وجه الله تعالى.
وهذا الحديثُ سبقَ في «كتاب الوصايَا» [خ¦٢٧٤٤].
(١٧) (بابُ قَوْلِ المَرِيضِ) لمن عنده: (قُومُوا عَنِّي) إذا وقعَ منهم مَا يقتضِي ذلك.
стр. 10292
٥٦٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الرَّازيُّ الفرَّاءُ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ. قال المؤلِّفُ: (حَ وحدَّثَنِي) بالواو الثابتة، لأبي ذرٍّ وبالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام بن نافع الحافظُ أبو بكرٍ الصَّنعانيُّ، أحدُ الأعلام، قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ المذكور (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مُسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعودٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا حُضِرَ) بضم الحاء المهملة وكسر الضاد المعجمة (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: جاءَهُ أجلُه (وَفِي البَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «منهُم» «بالميم والنون» بدل: «الفاء والياء»، (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلُمَّ) استُشكل بأنَّ المُناسب أن يقول: هلمُّوا بالجمع. وأُجيب: بأنَّها وقعتْ على لغة الحجازيينَ يَستوي فيها الجمعُ والمفردُ، قال تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨] أي: تعالوا (أَكْتُبْ) بالجزمِ جوابُ الأمرِ، ويجوز الرَّفعُ على الاستئناف، أي: آمرُ من يكتب (لَكُمْ كِتَابًا) فيه استخلافُ أبي بكرٍ بعدِي، أو فيه مهمَّاتُ الأحكام (لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ (١)) ولا (٢) تَرتابوا لحصولِ الاتِّفاق على المنصوصِ عليه، و «لا تضلُّوا» نفيٌ حُذفت نونهُ لأنَّه بدلٌ من جواب الأمرِ، وقد جوَّز بعضُهم تعدُّد جوابِ الأمرِ من غير حرف العطفِ (فَقَالَ عُمَرُ) ﵁: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ) فلا تشقُّوا عليه بإملاءِ الكتابِ (٣) المقتضِي للتَّطويلِ مع شدَّة الوجعِ (وَعِنْدَكُمُ القُرْآنُ) فيه تبيانُ كلِّ شيءٍ (حَسْبُنَا) يكفينَا (كِتَابُ اللهِ) المنزل فيهِ ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] و ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فلا تقعُ واقعةٌ إلى يوم القيامةِ إلَّا وفي القرآن والسُّنَّة بيانها نصًّا أو دلالةً، وهذا من دقيق نظرِ عُمر، فانظُر كيف اقتصرَ ﵁ على ما سبق بيانُه تخفيفًا عليه ﷺ ولئلَّا ينسدَّ بابُ الاجتهادِ والاستنباطِ، وفي تركه ﷺ الإنكارَ على عُمر دليلٌ على استصوابِ رأيهِ (فَاخْتَلَفَ أَهْلُ البَيْتِ) النَّبويِّ (فَاخْتَصَمُوا؛
стр. 10293
مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ) امتثالًا لأمرهِ ولما فيهِ من زيادةِ الإيضاحِ: (قَرِّبُوا) أدوات الكتابةِ (يَكْتُبْ لَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بجزم يكتبُ جواب الأمرِ (كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) قال الجوهريُّ: الضَّلالةُ ضدُّ الرَّشاد (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ): إنَّه ﷺ قد غلبَ عليهِ الوجعُ وعندكم القرآنُ، حسبُنا كتابُ الله، وكأنَّهم فهموا من قرينةٍ قامَت عندهم أن أمره (١) ﷺ بذلكَ لم يكن للوجوبِ، بل هو إلى اختيارهم، فلذا اختلفُوا بحسبِ اجتهادِهم (فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالاِخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قُومُوا) زاد في «العلمِ» عنِّي [خ¦١١٤]. وبها تحصلُ المطابقةُ.
(قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد اللهِ، السَّابقُ في السَّند: (وكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) عند تحديثه بهذا الحديث (يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ) إنَّ المصيبَة كلَّ المصيبة (مَا حَالَ) أي: الَّذي حجز (بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ) بفتح اللام والمعجمة، واللَّغط الصَّوتُ والجلبَة، أي: إنَّ الاختلافَ كان سببًا لترك كتابةِ الكتاب، ووقع في «كتابِ العلمِ» «فخرجَ ابنُ عبَّاس يقول: إنَّ الرَّزيَّة كُلَّ الرَّزِيَّةِ» (٢) [خ¦١١٤]. وظاهرهُ: أنَّ ابن عبَّاس كان معهم وأنَّه في تلك الحالةِ خرج قائلًا (٣) هذه المقالةَ وليس كذلك، بل المرادُ أنَّه خرجَ من المكانِ الَّذي كان به وهو يقولُ ذلك، ويؤيِّد ذلك روايةُ أبي نُعَيمٍ في «المستخرج». قال عبيدُ الله: فسمعتُ ابن عبَّاسٍ يقول … إلى آخره، وعبيد اللهِ تابعيٌّ من الطَّبقةِ الثَّانية لم يدركِ القصَّة في وقتها لأنَّه ولد بعد النَّبيِّ ﷺ بمدَّةٍ طويلةٍ، ثمَّ سمعها من ابن عبَّاسٍ بعد ذلك بمدَّةٍ أُخرى، وكان الأولى ذكر هذا في محلِّه من «كتاب العلم»، لكن منع منه حصولُ ذهولٍ عنه، وقد وقع في الإشارةِ المفهمة ثَمَّ (٤)، والله الموفِّق.
(١٨) (بابُ مَنْ ذَهَبَ بِالصَّبِيِّ المَرِيضِ) إلى الصَّالحين (لِيُدْعَى) بكسر اللام وضم التحتية
стр. 10294
وسكون الدال وفتح العين، وللكُشمِيهنيِّ: «ليَدْعُوَ» (لَهُ) بفتح التحتية وضم العين (١) بعدها واو مفتوحة.
٥٦٧٠ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي المعجمة، أبو إسحاقَ الزُّبيريُّ الأسديُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة (-هُوَ: ابْنُ إِسْمَاعِيلَ-) الكوفيُّ، سكن المدينة (عَنِ الجُعَيْدِ) بضم الجيم وفتح العين مصغَّرًا، ابن عبد الرَّحمن الكنديِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ) بن يزيد الصَّحابيَّ ابن الصَّحابيِّ (يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي (٢) خَالَتِي) لم تُسَمَّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي) عُلْبَةَ -بضم العين المهملة وسكون اللام بعدها موحدة مفتوحة- بنتَ شُريحٍ (وَجِعٌ) بفتح الواو وكسر الجيم. قال السَّائبُ: (فَمَسَحَ) ﷺ (رَأْسِي) بيدهِ المباركةِ (وَدَعَا لِي بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ) بفتح الواو، الماءُ الَّذي توضَّأ به تبرُّكًا (وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) ﵊ (فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «النُّبوَّة» (مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ) بيتٌ كالقُبَّة يزيَّن للعروس ذات عُرا وأوتادٍ (٣) ويُعرفُ بالبَشخانةِ.
والمطابقةُ واضحةٌ (٤). ومرَّ الحديثُ في «الطَّهارةِ» [خ¦١٩٠] وفي «المناقبِ النَّبويَّةِ» عند ذكرِ «خاتَم النُّبوَّة» [خ¦٣٥٤١] ويأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الدَّعواتِ» بعون الله وقوَّته [خ¦٦٣٥٢].
стр. 10295
(١٩) (بابُ) منعِ (تَمَنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بابُ نهي تمنِّي» (المَرِيضِ المَوْتَ) لشدَّةِ مرضهِ.
٥٦٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ البُنَانِيُّ) بضم الموحدة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) يخاطبُ الصَّحابةَ، والمرادُ: هم ومن بعدهم من المسلمين عمومًا (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ) مرضٍ أو غيرهِ (أَصَابَهُ) وفي رواية أبي هريرةَ: «لا يتمنَّى» بياء ثابتةٍ خطًّا في كتبِ الحديث، فلعلَّه نهيٌ ورد على صيغة الخبرِ، والمرادُ منه: لا يتمنَّ، فأُجريَ مجرى الصَّحيح. وقال البيضاويُّ: هو نهيٌ أخرج في صُورة النَّفي (١) للتَّأكيد. انتهى.
قال في «شرح المشكاةِ»: وهذا أولى لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] قال في «الكشَّاف» عن عَمرو بن عُبيد: (لا يَنكح) بالجزم على النَّهي والمرفوعُ أيضًا فيه معنى النَّهي ولكن أبلغ وآكدُ، كما أنَّ رحمكَ الله ويرحمكَ الله أبلغُ من ليرحمكَ الله. قال الطِّيبيُّ: وإنَّما كان أبلغ لأنَّه قدَّر أنَّ المنهيَّ حين ورد النَّهي عليه انتهى عن المنهيِّ عنه، وهو يخبرُ عن انتهائِه، ولو تركَ على النَّهي المحضِ ما كان (٢) أبلغَ، كأنَّه يقول: لا ينبغِي للمؤمنِ المتزوِّد للآخرة والسَّاعي في ازديادِ ما يثابُ عليه من العملِ الصَّالح أن يتمنَّى ما يمنعُه عن السُّلوك بطريقِ الله، وعليه قوله: «خياركُم من طالَ عمرهُ، وحسُنَ عملهُ» لأنَّ مَن شأنُه الازدياد والتَّرقِّي من حالٍ إلى حالٍ ومن مقامٍ إلى مقامٍ حتَّى ينتهيَ إلى (٣) مقامِ القربِ كيف يطلبُ القطعَ عن محبوبهِ. انتهى.
стр. 10296
ولابن حبَّان «لا يتمنَّى أحدُكم الموتَ لضرٍّ نزلَ به في الدُّنيا (١)» الحديث، فلو كانَ الضَّرر (٢) للأخرى بأن خشيَ فتنةً في دينهِ لم يدخلْ في النَّهي، وقد قال عُمر بنُ الخطَّاب كما في «الموطَّأ» اللَّهمَّ كبرتْ سنِّي وضعُفتْ قوَّتي وانتشرتْ رعيَّتي، فاقبضنِي إليكَ غيرَ مضيِّعٍ ولا مُفرِّط، وعند أبي داود من حديث معاذٍ مرفوعًا: «فإذا (٣) أردت بقومٍ فتنةً فتوفَّني إليك غير مفتونٍ».
(فَإِنْ (٤) كَانَ) المريضُ (لَا بُدَّ فَاعِلًا) ما ذكر من تمنِّي الموت (فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي) بهمزة قطعٍ (مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ما» (كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي) وهذا نوع تفويضٍ وتسليمٍ للقضاء، بخلافِ الأوَّل المطلق فإنَّ فيه نوعَ اعتراضٍ ومُرَاغمة للقدرِ المحتومِ، والأمرُ في قوله: «فليقلْ» لمطلقِ الإذنِ لا للوجوبِ أو الاستحبابِ لأنَّ الأمرَ بعد الحظرِ لا يبقَى على حقيقتِهِ.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الدَّعوات».
٥٦٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ (قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) اسمه: سعيدٌ (٥)، وقيل: هرمُز الأحمسيُّ (٦) مولاهُم العجليُّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) البجليِّ الكوفيِّ المخضرَم، أنَّه (قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ) بفتح الخاء المعجمة والموحدة
стр. 10297
الأولى المشددة (١)، ابنِ الأرتِّ (نَعُودُهُ وَقَدِ اكْتَوَى) في بطنهِ (سَبْعَ كَيَّاتٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا) أي: ماتوا في حياتهِ ﷺ (مَضَوْا) ماتُوا (وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا) من أجورهِمْ شيئًا فلم يستعجلُوا ما فيها بل صارتْ مدَّخرة لهم في الآخرة. وقال الكِرمانيُّ: أي: لم تجعلْهم (٢) الدُّنيا من أصحابِ (٣) النُّقصان بسببِ اشتغالِهم بها، أي: لم يطلبوا الدُّنيا ولم يحصلوها حتَّى يلزم بسببهِ فيهم نقصانٌ إذ الاشتغالُ بها اشتغال عن الآخرةِ. قال الشَّاعر:
مَا اسْتَكمَلَ المَرْءُ مِن أَطْرَافِهِ طَرَفًا … إِلَّا تَخَرَّمَه النُّقْصَانُ مِنْ طَرَفِ
(وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا) نصرفه فيه (إِلَّا التُّرَابَ) يعني البنيان. وعند أحمدَ في هذا الحديث بعد قوله: إلَّا التُّراب، وكان يبني حائطًا له (وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ) أي: على نفسِي قال ذلك لأنَّه ابتُلي في جسدهِ ابتلاءً شديدًا، وهو أخصُّ من تمنِّيه، فكلُّ دعاءٍ تمنٍّ من غير عكسٍ، ومن (٤) ثمَّ أدخلهُ في التَّرجمة. قال قيس: (ثُمَّ أَتَيْنَاهُ) أي: أتينا خبَّابًا (مَرَّةً أُخْرَى وَهْوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ، فَقَالَ: إِنَّ المُسْلِمَ يُوجَرُ) ولأبي ذرٍّ: «ليؤجر» (فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إِلَّا فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ فِي هَذَا التُّرَابِ) أي: في البنيانِ الزَّائد على الحاجة، وتكرارُ المجيءِ ثبتَ في روايةِ شعبة وهو أحفظُ، فزيادتُه مقبولةٌ، والظَّاهر أنَّ قصَّة بناءِ الحائطِ كانت سببًا لقوله: وإنَّا أصبنَا من الدُّنيا … إلى آخره.
وهذا الحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٤٩] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٣٠]، ومسلم في «الدَّعوات»، والنَّسائيُّ في «الجنائزِ».
стр. 10298
٥٦٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو عُبَيْدٍ) بضم العين وفتح الموحدة من غير إضافة لشيءٍ، اسمه: سعدُ بن عبيدٍ الزُّهريُّ (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن أزهر (بْنِ عَوْفٍ) ابن أخي عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ) واستُشْكلَ بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] وأُجيب: بأنَّ محملَ (١) الآية على أنَّ الجنَّة تُنَالُ المنازلُ فيها بالأعمالِ؛ لأنَّ درجات الجنَّة متفاوتةٌ بحسبِ تفاوتِ (٢) الأعمالِ، وأنَّ محمل (٣) الحديث على أصل دخول الجنَّة.
فإن قلت: إنَّ قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] صريحٌ بأنَّ دخول الجنَّة أيضًا بالأعمال. وأُجيب: بأنَّه لفظ مجملٌ بيَّنه الحديث، والتَّقدير ادخلوا منازلَ الجنَّة وقُصورَها بما كنتُم تعملون، فليس المرادُ أصل الدُّخول، أو المرادُ ادخلوهَا بما كنتُم تعملون مع رحمة الله لكم وتفضُّله عليكم؛ لأنَّ اقتسام منازل الجنَّةِ برحمته، وكذا أصل دخولها حيثُ ألهمَ العاملينَ ما نالوا به بذلك (٤)، ولا يخلُو شيء من مجازاتهِ لعبادِه من رحمته وفضله لا إله إلَّا هو له الحمدُ (قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) لا ينجِّيك عملُكَ مع عظم قدرهِ (قَالَ) ﵊: (وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ) منه (٥) (وَرَحْمَةٍ) وللمُستملي: «بفضل رحمتهِ» بإضافة بفضلِ للاحقها، أي: يلبسنيها ويسترني بها مأخوذٌ من غمد السَّيف، وأغمدتُه ألبستُه غمدهُ وغشَّيتُه به. وفي رواية سهيلٍ «إلَّا أنْ يتدَاركني الله برحمتهِ» وفي رواية ابن عونٍ عند مسلمٍ «بمغفرةٍ ورحمةٍ» وقال ابنُ عون بيدهِ هكذا، وأشار على رأسهِ. قال في «الفتح»: وكأنَّه أراد تفسيرَ معنى «يتغمَّدني» (٦). وعند مسلمٍ من حديث جابرٍ: «لا يُدْخِل أحدًا منكم
стр. 10299
عملُه الجنَّة، ولا يجيرهُ من النَّار، ولا أنا إلَّا برحمةٍ من اللهِ» (فَسَدِّدُوا) بالسين المهملة، أي: اقصدوا السَّداد، أي: الصَّواب (وَقَارِبُوا) أي: لا تفرطُوا فتجهدوا أنفسكُم في العبادةِ؛ لئلَّا يُفضي بكم ذلكَ إلى الملالةِ فتتركوا العملَ فتفرطوا، وفي رواية بُسْرِ بن سعيدٍ، عن أبي هريرة -عند مسلمٍ-: «ولكن سدِّدوا»، معنى الاستدراك أنَّه قد يُفهم من نفي المذكور نفيُ فائدة العملِ، فكأنَّه قيل: بل له فائدةٌ وهي أنَّ العملَ علامةٌ على وجود الرَّحمة الَّتي تدخلُ العاملَ، فاعملوا واقصدوا بعملكم الصَّواب، أي: اتِّباع السُّنَّة من الإخلاصِ وغيره؛ ليقبل عملكُم فينزِّل عليكم الرَّحمة، وللحَمُّويي والمُستملي: «وقرِّبوا» بتشديد الراء من غير ألف (وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ) بتحتية بعد النون آخره نون توكيد لفظ نفي بمعنى النَّهي، وللكُشمِيهنيِّ: «ولا يتمنَّ» بحذف التحتية والنون بلفظ النَّهي (أَحَدُكُمُ المَوْتَ) زاد في رواية همَّام، عن أبي هُريرة «ولَا يدعُ بهِ من قبل أن يأتيه» وهو قيدٌ في الصُّورتين، ومفهومه: أنَّه إذا دخلَ به لا يمنع من تمنِّيه رضًا بقضاءِ الله ولَا من طلبهِ لذلك (١) (إِمَّا) أن يكون (مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا) أن يكون (مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ) أي: يطلب العُتبى وهو الإرضَاء، أي: يطلب رضَا الله بالتَّوبةِ، وردِّ المظالمِ، وتداركِ الفائت، و «لعلَّ» في الموضعين للرَّجاءِ المجرَّدِ من التَّعليل، وأكثرُ مجيئها في الرَّجاء إذا كان معه تعليلٌ نحو: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩].
وهذا الحديثُ أخرجه مسلم إلى قولهِ: «فسدِّدوا» بطرقٍ مختلفةٍ، ومقصودُ البخاريِّ منه هنا قوله: «ولَا يتمنَّينَّ … » إلى آخره، وما قبله ذكرهُ استطرادًا لا قصدًا.
٥٦٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبدُ الله بن محمَّد بن أبي شيبةَ الحافظُ أبو بكرٍ العبسيُّ (٢)، مولاهُم الكوفيُّ، صاحبُ التَّصانيف، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ عروة (عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بفتح العين الموحدة المشددة (بْنِ الزُّبَيْرِ) بن
стр. 10300
العوَّام، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) في مرضِ موته (وَهْوَ مُسْتَنِدٌ إِلَيَّ) بتشديد التَّحتية، والجملة حاليَّة (يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي) بهمزتي (١) وصل فيهما (وَأَلْحِقْنِي) بهمزة قطعٍ (بِالرَّفِيقِ) زاد في رواية «الأعلَى» والمرادُ الملائكة أصحابُ الملإ الأعلى، وهذا قالهُ ﷺ بعد أن تحقَّق الوفاة حينئذٍ، لما رأى من (٢) الملائكة المبشِّرة له بكمالِ الدَّرجة الرَّفيعة وغير ذلك، وليس نبيٌّ يقبضُ حتَّى يخيَّر، والنَّهي مختصٌّ بالحالة الَّتي قبل الموتِ، كما سبق في رواية همَّام، عن أبي هريرة [خ¦٥٦٧٣]. قال في «الفتح»: ولهذه النُّكتة عقَّب البخاريُّ حديث أبي هُريرة بحديثِ عائشةَ ﵂: «اللَّهمَّ اغفِرْ لي وارحَمنِي … » إلى آخره، قال (٣): فللَّه درُّ البُخاريِّ ما أكثرَ استحضارهِ وإيثارهِ الأخفَى على الأجلى تشحيذًا للأذهانِ. قال: وقد خفي صَنيعه هذا على من جعلَ حديث عائشةَ في (٤) البابِ معارضًا لأحاديثِ الباب أو ناسخًا لها. والله الموفِّق والمعينُ على ما بقيَ في عافيةٍ بلا محنةٍ.
وهذا الحديث مضى في «المغازي» في «باب مرضِ النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٤٤٤٠].
(٢٠) (بابُ دُعَاءِ العَائِدِ لِلْمَرِيضِ) بالشِّفاء ونحوه عندَ دخولهِ عليه (وَقَالَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ سَعْدٍ) بسكون العين، ممَّا سبق موصولًا في باب وضعِ اليد على المريضِ [خ¦٥٦٥٩] (عَنْ أَبِيهَا) سعد ابنِ أبي وقَّاصٍ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا) ثبت لأبي ذرٍّ قوله: «قالَ النَّبيُّ ﷺ » وسقطَ لغيرِه، لكنَّه قال بعد قولهِ: اللَّهمَّ اشفِ سَعدًا: «قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ ».
стр. 10301
٥٦٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا) يعوده (أَوْ أُتِيَ بِهِ) بالمريضِ (إليه) ﷺ والشَّكُّ من الرَّاوي (قَالَ) ﵊: (أَذْهِبِ البَاسَ) الشِّدَّة (١) (رَبَّ النَّاسِ) منادى حذفت منه الأداةُ (٢)، والبأسُ -بالهمزِ- حذفت منه للمناسبةِ (اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي) بالواو لأبي ذرٍّ (٣) (لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ) قال في «شرح المشكاة»: خرج مخرج الحصر تأكيدًا لقولهِ: «أنتَ الشَّافِي» لأنَّ خبر المبتدأ إذا كان معرَّفًا باللَّام أفادَ الحصر؛ لأنَّ تدبيرَ الطَّبيبِ ونفع الدَّواءِ لا ينجعُ (٤) في المريضِ إذا لم يقدِّر الله تعالى الشِّفاء (شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا) بفتح السين والقاف، أو بضم السين وسكون القاف، وهو تكميل (٥) لقولهِ: «اشفِ» والجملتان معترضتانِ بين الفعلِ والمفعول المطلقِ، والتَّنكير في «سقمًا» للتَّقليل (٦)، وفائدة قوله: «لا يُغادر» أنَّه قد يحصلُ الشِّفاء من ذلك المرضِ فيخلفهُ مرضٌ آخر يتولَّد منه مثلًا، فكان ﵊ يدعو للمريضِ بالشِّفاء المطلق لا بمطلقِ الشِّفاء.
стр. 10302
وهذا الحديث أخرجهُ البخاريُّ أيضًا [خ¦٥٧٥٠]، ومسلم في «الطِّبِّ»، والنَّسائيُّ فيه وفي «اليوم واللَّيلة».
(وقَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ) بفتح العين، الرَّازيُّ الكوفيُّ الأصل، ولا يُعرفُ (١) اسم أبيهِ، ممَّا وصلهُ أبو بكر محمد بن العبَّاس بن نَجيحٍ (٢) في «فوائده» من رواية محمَّد بن سعيد بن سابقٍ القزوينيِّ، عنه (وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء، ممَّا وصلهُ الإسماعيليُّ من رواية محمَّد بن سابق التَّميميِّ (٣) الكوفيِّ، نزيلُ بغداد كلاهما (عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَأَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبَيْحٍ (إِذَا أُتِيَ بِالمَرِيضِ) بضم همزة أُتي، مبنيًّا للمجهول، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إذا أَتى المريضُ» بفتح الهمزة والفوقية وإسقاط الجار (وَقَالَ جَرِيرٌ) هو ابنُ عبدِ الحميد، ممَّا وصلهُ ابن ماجه (عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى وَحْدَهُ، وَقَالَ: إِذَا أَتَى) بفتح الهمزة (مَرِيضًا).
(٢١) (بابُ وُضُوءِ العَائِدِ لِلْمَرِيضِ) إذا كان ممَّن يُتَبرَّكُ به.
٥٦٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (٤) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المشهور ببُنْدَار، قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بنُ جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄، قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا) والحال أنِّي (مَرِيضٌ فَتَوَضَّأَ) الوضوءَ الشَّرعيَّ (فَصَبَّ (٥) عَلَيَّ) ما تقاطرَ من ماءِ وضوئهِ (أَوْ قَالَ: صُبُّوا
стр. 10303
عَلَيْهِ) ذلك الماءَ (فَعَقَلْتُ) بفتح العين والقاف، فأفقتُ (١) من إغمَائي (فَقُلْتُ): يا رسول الله (لَا يَرِثُنِي إِلَّا كَلَالَةٌ) أي: ما عدا الولد والوالد (فَكَيْفَ المِيرَاثُ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ) ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١].
وفيه: أنَّ وضوء العائدِ للمريضِ إذا كان إمامًا في الخيرِ يتبرَّكُ به، وأنَّ صبَّه ممَّا يرجى نفعه، وقيل: كان مرضُ جابر الحمَّى المأمورَ بإبرادِها بالماء، وصفة ذلك أن يتوضَّأ الرَّجل المرجوُّ خيره وبركته ويصبَّ فضل وضوئه عليه، قاله ابنُ بطَّال وغيره.
وهذا الحديث سبق قريبًا في «عيادة المُغمى عليه» [خ¦٥٦٥١].
(٢٢) (بابُ مَنْ دَعَا بِرَفْعِ الوَبَاءِ) بالمد ويقصر، هو الطَّاعون والمرض العامُّ (وَالحُمَّى) بالقصر، المرض المعروفُ.
٥٦٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أُويسٍ، قال (٢): (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ
стр. 10304
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) المدينة مُهاجرًا (وُعِكَ) أي: حُمَّ (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَبِلَالٌ) المؤذِّن (قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا) أعودهما (فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ) أي: تجد نفسك (وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ) ﵂: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ) مقول لهُ (فِي أَهْلِهِ): أنعِمْ صباحًا (وَالمَوْتُ أَدْنَى) أي: أقربُ إليه (مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ) السَّير الَّذي عليها (وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ) بضم الهمزة وكسر اللام، أُزيل (عَنْهُ) ألمُ الحُمَّى (يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ) بالقاف المكسورة بعد العين المهملة المفتوحة، صوتهُ (فَيَقُولُ: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي) بفتح همزة «ألا» وتخفيف لامهَا (هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ) يعني: وادي مكَّة (وَحَوْلِي إِذْخِرٌ) النَّبت المعروف الطَّيِّب العرف، وهو بالمعجمتين الساكنة ثمَّ المكسورة (وَجَلِيلُ) نبتٌ ضعيفٌ، وهو بالجيم (وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ) بكسر الميم وفتح الجيم، موضعٌ كان به سوقٌ للجاهليَّة (وَهَلْ يَبْدُوَنْ) يظهرن (لِي شَامَةٌ) بالمعجمة وتخفيف الميم (وَطَفِيلُ) بالمهملة بعدها فاء، عينانِ أو جبلانِ بقربِ مكَّة (قَالَ) عروةُ: (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ) بخبرهما (فَقَالَ) ﷺ : (اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالجُحْفَةِ) وهي مَهْيَعة، وكان أهلها يهود شديدي (١) الإيذاءِ للمؤمنين، فلذلك دَعا عليهم بظهورِ الحمَّى فيهم، وإعدامها من أهل المدينةِ.
ولم يذكر في هذا الحديث لفظ الوباءِ الَّذي ترجمَ بهِ. وأجيبُ: بأنَّه أشارَ إلى ما وقع في بعضِ طُرقهِ كما سبقَ في أواخر «الحجِّ» [خ¦١٨٨٩] بلفظ: قالت عائشةُ ﵂: «فقدمنَا المدينةَ وهي أوبأُ أرضِ الله». واستُشكل أيضًا الدُّعاءُ برفع الوباءِ لأنَّه يتضمَّن الدُّعاء برفع الموتِ، والموت حتمٌ مقضيٌّ فيكون ذلك عبثًا. وأجيبُ بأنَّه لا ينافي التَّعبُّد بالدُّعاء لأنَّه قد يكون من جملةِ الأسبابِ في طول العُمر، أو رفع المرضِ.
стр. 10305
((٧٦)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لأبي ذرٍّ (١) (كِتَابُ الطِّبِّ) بتثليث الطاء المهملة. قال في «القاموس»: علاجُ الجسمِ والنَّفس، يَطُبُّ ويَطِبُّ، والرِّفق، والسِّحر، وبالكسر: الشَّهوة، والإرادةُ، والشَّأن، والعادةُ، وبالفتح: الماهرُ الحاذقُ بعملِهِ كالطَّبيب. وقال الزَّمخشريُّ في «الأساس»: جاء فلانٌ يستطبُّ لوجعهِ، أي: يستوصفُ الطَّبيب، قال (٢):
لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ يُسْتَطَبُّ بِهِ … إِلَّا الحَمَاقَةَ أَعْيَتْ مَنْ يُدَاوِيْهَا
وهذا طبابُ هذه العلَّة، أي: ما تطبُّ به، ومن المجاز أنا طبٌّ بهذا الأمرِ عالم به، وفلانٌ مطبوبٌ مسحورٌ. انتهى. وقال آخر: يقال: فلانٌ استطبَّ يعاني الطِّبَّ، ونقل أهلُ اللُّغة أنَّه بالكسر، يقال: بالاشتراك للمدَاوي وللتَّداوي وللدَّاء فهو من الأضْداد، والطَّبيب: الحاذقُ في كلِّ شيءٍ، وخصَّ به المعالج به في العرفِ، لكن كُرِهَ تسميتهُ بذلك لقوله ﷺ «أنتَ رفيقُ، الله الطَّبيب» أي: أنت ترفقُ بالمريضِ والله الَّذي يبرئه ويعافيه، وترجم له أبو نُعيم: كراهيةَ أن يُسمَّى الطَّبيب الله.
والطِّبُّ نوعانِ، طبُّ القلوب ومعالجتها (٣) بما جاء به (٤) النَّبيُّ ﷺ عن الله. وطبُّ الأبدان وهو المرادُ به (٥) هنا، ومنه ما جاء عن الشَّارع صلوات الله وسلامه عليه، ومنه ما جاءَ عن غيرهِ وأكثرُه عن التَّجربة، وهو قسمان: ما لا يحتاج إلى فكرٍ ونظر كدفع الجوعِ والعطشِ، وما يحتاجُ
стр. 10306
إليهما كدفعِ ما يحدثُ في البدنِ ممَّا يخرجه عن الاعتدال ممَّا تفصيلهُ في كتبِ القومِ فلا أطيلُ (١) بذكرهِ، وفي كتابي (٢) «المواهب اللَّدنِّيَّة» جملة منه، وقد زادَ (٣) الصَّغانيُّ في نسختِه -كما نبَّه عليه في «الفتح» - بعد قوله: «كتابُ الطِّبِّ»: «والأدوية».
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وسقط لفظُ «بابٌ» لأبي ذرٍّ، وقال الحافظ ابنُ حجر ﵀: لم أر لفظَ «باب» في نسخ «الصَّحيح» إلَّا للنَّسفيِّ (مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً) أي: مرضًا وجمعُه أدواء (إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً) أي: دواء، وجمعهُ أَشْفِية، وجمعُ الجمعِ: أشاف، وشفاهُ يَشْفيه، أبرأهُ (٤) وطلبَ له الشِّفاء كأشفاهُ.
٥٦٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بن عُبيد، أبو موسى العَنَزيُّ الزَّمِنُ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ) محمَّد بنُ عبد الله (الزُّبَيْرِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة، نسبةً لجدِّه، أسدي من بني أسدِ بن خزيمةَ، وقد يشتبهُ بمن يُنْسَبُ إلى الزُّبير بن العوَّام لكونهم من بني أسد بن عبد العزَّى قالَ: (حَدَّثَنَا عُمَرُ (٥) بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضم الحاء وفتح السين، و «عُمر» بضم العين (٦) و «سعِيد» بكسرها، النَّوفليُّ القرشيُّ المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) بالراء والموحدة المفتوحتين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً) وللإسماعيليِّ: «من داءٍ» فالجار زائد (إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً) قال في «الكواكب»: ما أصابَ الله أحدًا بداءٍ إلَّا قدَّر له دواء، أو المراد بإنزالهِ إنزالَ الملائكةَ الموكَّلين بمباشرة مخلوقاتِ الأرضِ من الدَّواء والدَّاء. انتهى.
стр. 10307
فعلى الأوَّل المراد بالإنزالِ التَّقدير، وعلى الثَّاني إنزالُ علم ذلك على لسان الملكِ للنَّبيِّ مثلًا أو إلهامٌ بغيرهِ. ولأحمد والبخاريِّ في «الأدب المفرد» وصحَّحهُ التِّرمذيُّ، وابن خزيمة، والحاكمُ من حديث أسامةَ بن شريكٍ: «تداووا يا عبادَ الله، فإنَّ الله لم يضع داءً إلَّا وضعَ له شفاءً، إلَّا داءً واحدًا الهرَم» وفي لفظٍ: «إلَّا السَّام» بمهملة مخفَّفًا (١)؛ يعني الموت، وزادَ النَّسائيُّ من حديث ابنِ مسعودٍ: «فتداوَوا» ولمسلمٍ من حديثِ جابر رفعه: «لكلِّ داءٍ دواء، فإذا أُصيبَ دواءُ الدَّاءِ برأ بإذنِ الله». ومفهومه: أنَّ الدَّواء إذا جاوز الحدَّ في الكيفيَّة أو الكميَّة لا ينجعُ، بل ربَّما أحدث داءً آخرَ، ولأبي داود عن البراءِ رفعهُ: «ولا تتداووا بحرامٍ» الحديثُ، فلا يجوزُ التَّداوي بالحرام، وزادَ في روايةِ أبي (٢) عبد الرَّحمن السُّلميِّ عن ابن مسعودٍ عند النَّسائيِّ، وصحَّحه ابنُ حبَّان والحاكمُ في آخرهِ: «عَلِمَه من عَلِمَه، وجَهِلَه من جَهِلَه». وفيه أنَّ بعضَ الأدويةِ لا يعلمُها كلُّ أحدٍ، وفيه أنَّ التَّداوي لا ينافي التَّوكُّل لمن (٣) اعتقد أنَّها تبرئُ بإذن الله تعالى، وبتقديرهِ لا بذاتها، وأنَّ الدَّواء قد ينقلبُ داءً إذا أرادَ الله ذلك، كما أشارَ إليه في حديثِ جابر بقولِهِ: «بإذن الله».
والحديثُ أخرجه النَّسائيُّ في «الطِّبِّ» وابنُ ماجه فيه أيضًا.
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يُدَاوِي الرَّجُلُ المَرْأَةَ، والمَرْأَةُ الرَّجُلَ؟).
٥٦٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط «ابنُ سعيدٍ» لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، و «المفضَّل» بفتح الضاد المعجمة المشددة (عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ) بفتح المعجمة، المدنيِّ (٤) (عَنْ رُبَيِّعَ) بضم الراء وفتح الموحدة وكسر التحتية المشددة
стр. 10308
(بِنْتِ مُعَوِّذٍ) بكسر الواو المشددة بعدها معجمة (ابْنِ عَفْرَاءَ) بفتح العين المهملة وسكون الفاء بعدها راء، ممدودًا، أنَّها (قَالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَسْقِي القَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ القَتْلَى وَالجَرْحَى إِلَى المَدِينَةِ) سبق في «باب مداواةِ النِّساء الجَرحى في الغزو» من «كتاب الجهادِ» هذا الحديث بلفظ: «ونُداوِي الجرحَى ونردُّ القتلَى» [خ¦٢٨٨٢]. وبه تحصل المطابقة لأنَّ حديث الباب ليس فيه ذكرُ المداواةِ. نعم، يحتملُ أن يدخلَ في عمومِ قوله: «ونخدمُهم» وأمَّا مداواةُ الرَّجل المرأة فبالقياسِ (١)، واستُشكل مباشرة المرأةِ الرَّجل (٢) بالمداواةِ. وأُجيب باحتمالِ أن تكونَ المداواةُ لمحرم أو زوجٍ، وأمَّا الأجانبُ فتجوزُ عند الضَّرورة بقدرِ ما يحتاجُ إليه من المسِّ (٣) والنَّظر.
وهذا الحديث سبقَ في «بابِ مداواةِ النِّساء الجرحى في الغزوِ» من «الجهاد» [خ¦٢٨٨٢].
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الشِّفَاءُ) من الدَّاء كائنٌ (فِي ثَلَاثٍ) ولفظُ «باب» وتاليهِ ثابتٌ للحَمُّويي، وقال الحافظُ ابنُ حجر: سقطت التَّرجمة للنَّسفيِّ، ولفظ «باب» للسَّرخسيِّ.
٥٦٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الحُسَيْنُ) هو ابنُ محمَّد بن زياد النَّيسابوريُّ القبَّانيُّ، بقيَ بعد البُخاريِّ ثلاثًا وثلاثين سنةً، وجزم الحاكمُ أنَّه الحسينُ بن يحيى بن جعفر البِيكَنْديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ) بفتح الميم وكسر النون بعدها تحتية ساكنة فعين مهملة، ابن عبد الرَّحمن الحافظُ أبو جعفر الأصم البغويُّ، صاحبُ «المسند» قالَ: (حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ) الجزريُّ قال: (حَدَّثَنَا
стр. 10309
سَالِمٌ الأَفْطَسُ) ابن عجلان الحرَّانيُّ الأمويُّ، مولاهم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) موقوفًا، أنَّه (قَالَ: الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ) يُسهلُ الأخلاطَ البلغميَّة، وقوله: «شربةِ» بالخفضِ بدل من سابقِه، (وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ) يتفرَّغُ بها الدَّمُ الَّذي هو أعظم الأخلاطِ عند هيجانِه لتبريدِ المزاجِ، والمِحْجَم بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم، الآلةُ الَّتي يُجمع فيها دمُ الحجامةِ عند المصِّ، ويرادُ به هنا الحديدة الَّتي يشرطُ بها موضعُ الحجامةِ، يقال: شَرَطَ الحاجم، إذا ضرب موضعَ الحجامة لإخراجِ الدَّم وقد يتناولُ الفصد، وأيضًا الحجامةُ في البلاد الحارَّة أنفعُ من الفصدِ، والفصدُ في البلاد الَّتي ليست بحارَّة أنجحُ من الحجم (وَكَيَّةِ نَارٍ) تستعملُ في الخلطِ الباغي الَّذي لا تنحسمُ مادَّته إلَّا به، وآخرُ الدَّواء الكيُّ، وكيَّة مضافةٌ لتاليها (وَأَنْهَى أُمَّتِي) نهي تنزيهٍ (عَنِ الكَيِّ) لما فيه من الألمِ الشَّديد والخطرِ العظيمِ، ولأنَّهم كانوا يرون أنَّه يحسمُ الدَّاء بطبعهِ، فيبادرونَ إليه قبل حصول الاضطرارِ إليه، يستعجلونَ (١) بتعذيب الكيِّ لأمرٍ مظنونٍ، فنهى ﷺ أمَّته عنه لذلك، وأباحَ استعمالَهُ على جهة طلبِ الشِّفاء من الله تعالى والتَّرجِّي للبرء (رَفَعَ) ابن عبَّاس (الحَدِيثَ) إلى النَّبيِّ ﷺ وهذا مع قوله: «وأنهى أمَّتي» يدلُّ على أنَّ الحديث غيرُ موقوف على ابن عبَّاس، وقد صرَّح برفعه في الحديثِ اللَّاحق [خ¦٥٦٨١] (٢)، ولم يكتف به عن السَّابق لتصريحهِ فيه بقول مروان: حدَّثني سالمٌ إذ هو في اللَّاحقة بالعنعنةِ.
وهذا الحديثُ أخرجهُ ابن ماجه.
(وَرَوَاهُ القُمِّيُّ) بضم القاف وتشديد الميم مكسورة، يعقوب بنُ عبد اللهِ بن سعدِ بن مالكِ بن هانئ بنِ عامر بنِ أبي عامر الأشعريُّ، من أهل قمٍّ، مدينةٌ عظيمةٌ حصينةٌ، وفيها قال حاكمها لقاضيها: أيُّها القاضي بقُم قد عَزَلْنَاكَ فقُم، وقال القاضِي: قد عَزلتني لسجعةٍ. راجع ما كتب على (٣) «التَّلخيص»، وهي مدينةٌ (٤) في عراق العجمِ، وأهلها شيعةٌ، ممَّا وصلهُ البزَّار (عَنْ لَيْثٍ) هو (٥) ابنُ سعدٍ الإمامُ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي (٦) العَسَلِ
стр. 10310
وَالحَجْمِ) بفتح الحاء وسكون الجيم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «والحجامَة» ولم يذكر الكيَّ.
٥٦٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقة قالَ: (أَخْبَرَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بالسين المهملة المضمومة والراء المفتوحة بعدها تحتية ساكنة فجيم (أَبُو الحَارِثِ) البغداديُّ قالَ: (حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ) الجزريُّ (عَنْ سَالِمٍ الأَفْطَسِ) الأمويِّ مولاهم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ) أي (١) في ثلاثةِ أشياء (في شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ) قيل: ليس المراد الشُّرب على الخصوصِ، بل استعمالهُ في الجملةِ فيما يصلحُ استعمالُه فيه، فإنَّه يدخلُ في المعجوناتِ المسهِّلة ليحفظ على تلك الأدويةِ فعلها (٢)، فيسهِّلُ الأخلاطَ الَّتي في البدنِ (أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ (٣)) وليس المراد حصرَ الشِّفاء في الثَّلاثة فقد يكونُ الشِّفاء في غيرها، وإنَّما نبَّه بها (٤) على أصول العلاجِ؛ لأنَّ الأمراض تكون دمويَّة وصفراويَّة وبلغميَّة (٥) وسوداويَّة، شفاء (٦) الدَّمويَّة بإخراجِ الدَّم، وخصَّ الحجمَ بالذِّكر لكثرةِ استعمال العرب له وبقيَّتها بالمسهِّل الملائم لكلِّ خلطٍ منها، وأمَّا الكيُّ (٧) فيكون أخيرًا لما ذكرنا (وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ).
قال الشَّيخ عبدُ الله بن أبي جمرة ما حاصله: عُلِم من مجموعِ كلامهِ في الكيِّ أنَّ فيه نفعًا ومضرَّةً، فلمَّا نهى عنه عُلِم أنَّ جانبَ المضرَّة فيه أغلب. قال: وقريبٌ منه إخبارُ الله تعالى (٨)
стр. 10311
أنَّ في الخمر منافعَ ثمَّ حرَّمها لأنَّ المضارَّ الَّتي فيها أعظمُ من المنافع، وقد أبدى في «المصابيح» سؤالًا وهو فإن قلت: المبدل منه هو ثلاثة من قولهِ: الشِّفاء في ثلاثةٍ، والبدلُ أحدُ ثلاثةٍ لوجودِ العطف بـ «أو» فما وجهه؟ وأجاب: بأنَّه على حذف مضاف، أي: الشِّفاء في أحدِ ثلاثة، فليس المبدلُ منه والبدلُ مختلفين بالتَّعدد والوحدة، بل هما متَّفقانِ بهذا التَّقدير، كما قالوهُ في قول الشَّاعر:
وقَالُوا لَنَا ثِنْتَانِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا … صُدُورُ رِمَاحٍ أُشْرِعَتْ أَو سَلاسِلُ
أي: لنا إحدى (١) خصلتينِ مبهمتينِ (٢).
(٤) (بابُ الدَّوَاءِ بِالعَسَلِ) هو لعابُ النَّحل أو طلٌّ خفيٌّ يقع على الزَّهر وغيره فتلقطهُ (٣) النَّحلُ، وقيل: بخارٌ يصعدُ فينضج في الجوِّ فيستحيلُ ويغلظُ في اللَّيل ويقعُ عسلًا فتجتنيه النَّحل وتتغذَّى به، فإذا شبعت جنتْ منه مرَّة أُخرى، ثمَّ تذهبُ به إلى بيوتها وتضعه هناك؛ لأنَّها تدَّخر لنفسِها غذاءها فهو العسلُ، وقيل: إنَّها تأكلُ من الأزهارِ الطَّيِّبة والأوراقِ العطرة، فيقلب الله تعالى تلكَ الأجسام في داخلِ أبدانها عسلًا، ثمَّ إنَّها تقيءُ ذلك فهو العسلُ، وجمعُه أَعْسال وعُسُل وعُسُول وعُسْلان، والعاسِلُ والعَسَّال مُشْتَاره (٤) من موضعه. وللعسلِ أسماءٌ ذَكَرَها ومنافِعَها المجدُ الشِّيرازيُّ مؤلِّف «القاموس» في مؤلَّف، في استقصائِها طول يخرجنا عن الاختصارِ، وأصلَحُه: الرَّبيعيُّ، ثمَّ الصَّيفيُّ، وأمَّا الشِّتائيُّ فرديءٌ، وما يؤخذ من الجبالِ والشَّجر أجودُ ممَّا يؤخذُ من الخلايا وهو بحسبِ مرعاه، ومن العجبِ (٥) أنَّ النَّحلة تأكلُ من جميع الأزهار ولا يخرجُ منها إلَّا حلوًا مع أنَّ أكثر ما تجتنيه مرٌّ، وطبعُ العسلِ حارٌّ يابسٌ في
стр. 10312
الدَّرجة الثَّانية، جلاء للأوساخِ الَّتي في العروقِ والمَعي وغيرها، محللٌّ للرُّطوبات أكلًا وطلاءً، نافعٌ للمشايخِ وأصحابِ (١) البلغمِ ولمن كان مزاجُه باردًا رطبًا، فالمبرودُ يستعمله وحده لدفعِ البردِ، والمحرور مع غيره لدفع الحرارةِ، وهو جيِّد للحفظ، يقوِّي البدن، ويحفظ صحَّته ويسمِّنه، ويقوِّي الإنعاظ، ويزيدُ في الباءة للمبرودين، والتَّغرغر به ينقِّي الخوانيق، وينفعُ من الفالجِ واللَّقوة والأوجاعِ الباردةِ الحادثة في جميعِ البدنِ من (٢) الرُّطوباتِ، واستعماله على الرِّيق يذيبُ (٣) البلغمَ، ويغسل خملَ المعدة ويقوِّيها ويسخِّنها إسخانًا معتدلًا، ويبيِّض الأسنانَ استنانًا، ويحفظُ صحَّتها، والتَّلطُّخ (٤) به يقتلُ القملَ ويطوِّل الشَّعر، وينفعُ للبواسير، ويحفظُ اللَّحم ثلاثة أشهر، وخواصُّه كثيرةٌ.
(وَ) يكفيه فضلًا (قَوْلِ (٥) اللهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ﴾) أي: في العسلِ (﴿شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]) من أدواءٍ تعرضُ لهم، قيل: ولو قال: فيه الشِّفاءُ للنَّاس لكان دواءً لكلِّ داءٍ، لكنَّه قال: ﴿فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ أي: يصلُح لكلِّ أحدٍ من أدواءٍ باردةٍ، فإنَّه حارٌّ والشَّيء يداوى بضدِّه، وقول مجاهد ابن جبر ﴿فِيهِ﴾ أي: في القرآن، قولٌ صحيح في نفسه، لكن ليس هو الظَّاهر من سياق الآية؛ لأنَّها إنَّما ذكر فيها العسل، ولم يتابَعْ مجاهدٌ على قوله هذا. وقال الحافظُ ابنُ كثيرٍ: وروِّينا عن عليِّ بن أبي طالبٍ أنَّه قال: إذا أرادَ أحدكم الشِّفاء فليكتب آيةً من كتاب الله في صحفةٍ وليغسلها بماءِ السَّماء، وليأخذ من امرأتهِ درهمًا عن طيبِ نفسٍ منها فليشتر به عسلًا فليشربهُ لذلك فإنَّه شفاءٌ. رواه ابنُ أبي حاتم في «تفسيره» بسندٍ حسن بلفظ: «إذا اشتكى أحدكم فليستوهب من امرأتهِ من صَداقها، فليشتر به عسلًا ثمَّ يأخذ ماء السَّماء فيُجْمَع هنيئًا مريئًا شفاء مباركًا».
٥٦٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة قال:
стр. 10313
(أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ الحَلْوَاءُ) بالمدِّ (وَالعَسَلُ) وقد دخل في قولها: «الحلواء» العسل، وإنَّما ثنَّت به على انفرادهِ لشرفِهِ، كقوله تعالى: ﴿وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فما خلق الله تعالى لنا في معناه أفضل منه، ولا مثله ولا قريبًا منه لأنَّه غذاءٌ من الأغذيةِ، وشرابٌ من الأشربةِ، ودواءٌ من الأدويةِ، وحلو من الحلوى، وطلاءٌ من الأطليةِ، ومفرِّح من المفرِّحات.
فإن قلت: ما مناسبةُ الحديثِ للتَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ الإعجاب أعمُّ من أن يكون على سبيلِ الدَّواءِ أو الغذاءِ، فتؤخذُ المناسبةُ بذلك.
٥٦٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دكين قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الغَسِيلِ) حنظلةُ ابن أبي عامرٍ الأويسيُّ الأنصاريُّ (عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) بضم العين، التَّابعيِّ الصَّغير، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ -أَوْ: يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ- خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ) والشَّكُّ من الرَّاوي، قال السَّفاقسيُّ: قوله: «أو يكونُ» صوابه أو يكن لأنَّه معطوفٌ على مجزوم فيكون مجزومًا. قال الحافظُ ابن حجر: وقعَ في رواية أحمد: «إن كان أو إن (١) يكن»، فلعلَّ الرَّاوي أشبع الضَّمَّة فظنَّ السَّامع أنَّ فيها واوًا فأثبتها، ويحتملُ أن يكون التَّقدير: إذا كان في شيءٍ أو إن كان يكونُ في شيءٍ، فيكون التَّردُّد لإثباتِ لفظ: يكون وعدمها (أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ) وعند أبي نعيمٍ في «الطِّبِّ» من حديثِ أبي هُريرة وابن ماجه من حديث جابر (٢) بسندٍ ضعيفٍ عندهما رفعاه: «من لعِقَ العسلَ ثلاثَ غدواتٍ في كلِّ شهرٍ لم يصبهُ عظيمُ بلاءٍ» (أَوْ لَذْعَةٍ) بذال معجمة ساكنة فعين
стр. 10314
مهملة مفتوحة (١)، حَرْقٍ (بِنَارٍ) حال كونه يتحقَّق أنَّها (تُوَافِقُ الدَّاءَ) فتزيله، فلا يُشْرَعُ (٢) الكيُّ عند ظنِّ ذلك لما فيه من الخطر (وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ) هو مثلُ تَرْكِ أكْلِه (٣) الضَّبَّ مع تقريره أكله على مائدتِه واعتذَاره بأنَّه يعافُه.
٥٦٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ بالإفراد (عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بالمثناة التحتية وشين معجمة، النَّرْسيُّ -بنون مفتوحة وراء ساكنة وسين مهملة- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بنُ عبد الأعلى السَّاميُّ -بالمهملة- قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دعامة (عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ) النَّاجيِّ -بالنون والجيم- (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد الخدريِّ (أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ): يا رسولَ الله (أَخِي) قال الحافظُ ابن حَجر: لم أقفْ على اسم واحد منهما (يَشْتَكِي بَطْنَهُ) من إسهالٍ حصل لهُ من تخمةٍ أصابتهُ، ولمسلمٍ: «قد عَرِبَ بطنه» بعين مهملة وراء مكسورة فموحدة، أي: فسد هضمهُ واعتلَّت معدته، وفي باب العُذرة «فاستطلق بطنهُ» [خ¦٥٧١٦] أي: كثُرَ خروجُ ما فيه، يريد الإسهال (فَقَالَ) ﷺ : (اسْقِهِ عَسَلًا) صرفًا أو ممزوجًا، فسقاهُ فلم يبرأْ (ثُمَّ أَتَى) الرَّجل إلى (٤) النَّبيِّ ﷺ ، ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ أَتاهُ» (الثَّانِيَةَ) فقال: إنِّي سقيته فلم يزدد إلَّا استطلاقًا (فَقَالَ) ﷺ : (اسْقِهِ عَسَلًا) ليدفع الفضولَ المجتمعَة (٥) من نواحِي معدتِه ومعاهُ بما فيه من الجلاءِ ودفع الفضولِ، فسقاهُ فلم يبرأْ لكونه غير مقاومٍ للدَّاء في الكميَّة (ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ) فقال: إنِّي سقيتُه فلم يبرأ (فَقَالَ) ﷺ : (اسْقِهِ عَسَلًا) وقولهُ: «ثمَّ أتَاهُ الثَّالثة … » إلى آخره ثابتٌ لأبي ذرٍّ (ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: فَعَلْتُ) فلم يبرأ
стр. 10315
(فَقَالَ) ﷺ : (صَدَقَ اللهُ) حيثُ قال: ﴿فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] (وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ) إذ لم يصلُح لقبولِ الشِّفاء بل زلَّ عنهُ (١). قال بعضهم: فيه أنَّ الكذبَ قد يطلقُ على عدم المطابقةِ في غير الخبرِ. قال في «المصابيح»: وهو على سبيلِ الاستعارة التَّبعيَّة. وفيه إشارةٌ إلى تحقيق نفعِ هذا الدَّواء (اسْقِهِ عَسَلًا. فَسَقَاهُ) في الرَّابعة (فَبَرَأَ) بفتح الراء لأنَّه لمَّا تكرَّر استعمالُ الدَّواء قاوم الدَّاء فأذهبهُ، فاعتبار مقاديرِ الأدوية وكيفيَّاتها ومقدار قوَّة المرضِ والمريض من أكبر (٢) قواعد الطِّبِّ. قال في «زاد المعاد» وليس طبُّه ﷺ كطبِّ الأطبَّاء، فإنَّ طبَّه ﵊ متيقَّنٌ قطعيٌّ إلهيٌّ صادرٌ عن الوحي ومشكاة النُّبوَّة وكمال العقل، وطبُّ غيره حدسٌ وظنونٌ وتجارب.
وهذا الحديثُ أخرجه البخاريُّ [خ¦٥٧١٦]، ومسلم في «الطِّبِّ»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٥) (بابُ الدَّوَاءِ بِأَلْبَانِ الإِبِلِ) في المرض الَّذي تصلح له.
٥٦٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفَراهِيديُّ قالَ: (حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ) أبو رَوْح البصريُّ (٣) قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ) البنانيُّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ نَاسًا) زاد الإسماعيليُّ في روايةِ بهز بن أسدٍ عن سلَّامٍ: «من أهلِ الحجازِ» وسبقَ في «الطَّهارة» [خ¦٢٣٣] أنَّهم من عُكْلٍ أو عُرَينةَ، بالشَّكِّ وكانوا ثمانية: أربعة من عُكلٍ، وثلاثة من عُرينة، والرَّابع تبعًا (٤) لهم،
стр. 10316
و (١) (كَانَ بِهِمْ سَقَمٌ) بفتح السين والقاف، وجعٌ في بطونِهم (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، آوِنَا) بمد الهمزة وكسر الواو، أنزلنا في مأوى (وَأَطْعِمْنَا) بفتح الهمزة وكسر العين، فآواهم ﷺ وأطعمَهم (فَلَمَّا صَحُّوا، قَالُوا: إِنَّ المَدِينَةَ وَخِمَةٌ) وكان السَّقَم الَّذي كان بهم من الجوعِ أو من التَّعب، فلمَّا زال عنهم خافوا من وخمِ المدينةِ، إمَّا لكونهم أهل ريفٍ فلم يعتادوا الحضرَ، أو لما كان في المدينةِ من الحمَّى (فَأَنْزَلَهُمُ) ﷺ (الحَرَّةَ) بفتح الحاء المهملة والراء المشددة، في (٢) أرضٍ ذات حجارةٍ سودٍ بالمدينة (فِي ذَوْدٍ لَهُ) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة، وكان خمسَ عشرةَ (فَقَالَ) لهم ﵊: (اشْرَبُوا أَلْبَانَهَا) فشربوا (فَلَمَّا صَحُّوا) من ذلك الدَّاء (قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) يسارًا النُّوبيُّ (وَاسْتَاقُوا ذَوْدَهُ، فَبَعَثَ) ﷺ (فِي آثَارِهِمْ) بمد الهمزة، عشرينَ وأمَّر عليهم كُرْزَ بن جابرٍ، أو سعيد بن زيد فأُخِذُوا (فَقَطَعَ) ﵊ (أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ) بتخفيف الميم وبالراء، أي: كحَّلها بالمساميرِ المحمَّاة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وسَمَلَ» باللام، أي: فقأها بحديدةٍ محمَّاة، وكانوا قد قطعوا يدَ الرَّاعي ورجله وغرزُوا الشَّوك في لسانهِ وعينيهِ حتَّى مات، كذا عند ابن (٣) سعدٍ، وفي مسلمٍ أنَّهم ارتدُّوا، وإسنادُ الفعل إليه ﷺ مجازٌ، قال أنس: (فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَكْدُمُ الأَرْضَ بِلِسَانِهِ) زادَ بهز في روايتهِ «ممَّا يجدُ منَ الغمِّ والوجعِ» وعند أبي عَوانة في «صحيحه» «يعضُّ الأرضَ ليجدَ بردَها ممَّا يجدُ من الحرِّ والشِّدَّة» (حَتَّى يَمُوتَ).
وبالسَّند السَّابق (قَالَ سَلَّامٌ) المذكور: (فَبَلَغَنِي أَنَّ الحَجَّاجَ) بن يوسف، الأمير المشهور (قَالَ لأَنَسٍ: حَدِّثْنِي) بكسر الدال والإفراد (بِأَشَدِّ عُقُوبَةٍ عَاقَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ذكر عاقبَه
стр. 10317
باعتبارِ العقابِ (١) (فَحَدَّثَهُ) أنس (بِهَذَا) الحديثِ (فَبَلَغَ الحَسَنَ) البصريَّ (فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ بهذا) الحديثِ (٢)؛ لأنَّه كان ظالمًا يتمسَّك في الظُّلم بأدنى شيءٍ، وفي رواية بهز «فواللهِ ما انتهى الحجَّاجُ حتَّى قام بها على المنبر، فقال: حدَّثنا أنس … » فذكره، وقال: «قطعَ النَّبيُّ ﷺ الأيديَ والأرجلَ وسَمَر الأعين في معصيةِ الله» أفلا نفعلُ نحو ذلك في معصيةِ الله، وسقط لغير الكُشميهنيِّ «بهذَا».
(٦) (بابُ الدَّوَاءِ بِأَبْوَالِ الإِبِلِ) لذَرَب البطنِ.
٥٦٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى بن دينار (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ نَاسًا) من عُرينة (اجْتَوَوْا فِي المَدِينَةِ) حصلَ لهم فيها الجوى، وفي رواية أبي قلابة عن أنسٍ: «اجتووا المدينةَ» [خ¦٢٣٣] فأسقط الجار، أي: استوخموها (فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ) يسار النُّوبيِّ (يَعْنِي الإِبِلَ) ولمسلمٍ من هذا الوجه «أنْ يلحقوا براعي الإبل» (فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا) للتَّداوي، ويحتملُ أن يكون قبلَ نزولِ التَّحريم، واستدلَّ بظاهره من قال من الأئمة ما أُكِلَ لحمْهُ فبولُه طاهرٌ، ومباحثهُ سبقت في «الطَّهارة» [خ¦٢٣٣] (فَلَحِقُوا بِرَاعِيهِ) (٣) ﵊ يسار (فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا
стр. 10318
وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَلَحَتْ أَبْدَانُهُمْ) بفتح اللام، ولأبي ذرٍّ عنِ الكُشميهنيِّ: «حتَّى صحَّت» بإسقاط اللام وتشديد الحاء (فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَسَاقُوا الإِبِلَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) ذلك (فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ) كرز بن جابر في عشرين، فأدركُوهم فأخذوهُم (١) (فَجِيءَ بِهِمْ) إلى رسولِ الله ﷺ (فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ) أي: أمر من فعل بهم ذلك.
(قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة، بالإسناد المتقدِّم: (فَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: أَنَّ ذَلِكَ) المذكور من سَمْرِ أعيُنِهم (كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الحُدُودُ) بفتح الفوقية وكسر الزاي، وهذا (٢) معارَضٌ بقولِ أنسٍ المرويِّ في مسلمٍ من طريق سليمان التَّيميِّ: «إنَّما سملهمُ النَّبيُّ ﷺ (٣) لأنَّهم سملُوا أعينَ الرُّعاة» (٤).
ومبحثُ ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩] بعون الله وقوَّته.
والحديثُ أخرجه أيضًا في «الحدودِ» [خ¦٦٨٠٢].
(٧) (بابُ) ذكر (الحَبَّةِ السَّوْدَاءِ) ومنافعها.
٥٦٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) أبو بكرٍ (ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نَسَبَهُ لجدِّه، واسمُ أبيهِ محمَّد، واسمُ أبي شيبةَ إبراهيم بن عثمان العبسيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين، ابنُ موسى الكوفيُّ، من كبار مشايخِ البخاريِّ روى عنه هنا بالواسطةِ، قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بنِ أبي
стр. 10319
إسحاق السَّبيعيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ) مولى أبي مسعودٍ البدريِّ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا وَمَعَنَا غَالِبُ بْنُ أَبْجَرَ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الجيم بعدها راء، غير منصرف، الصَّحابيُّ (فَمَرِضَ) غالبٌ (فِي الطَّرِيقِ فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهْوَ مَرِيضٌ فَعَادَهُ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ) عبدُ الله بن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وأبو عتيق كنيةُ أبيه محمَّد (فَقَالَ لَنَا) عبدُ الله بنُ محمَّد: (عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الحُبَيْبَةِ السَّوْدَاءِ) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة مصغَّرًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «السُّويداء» بضم السين مصغَّرًا (فَخُذُوا مِنْهَا خَمْسًا) من (١) حبَّاتها (أَوْ سَبْعًا، فَاسْحَقُوهَا ثُمَّ اقْطُرُوهَا فِي أَنْفِهِ بِقَطَرَاتِ زَيْتٍ فِي هَذَا الجَانِبِ، وَفِي هَذَا الجَانِبِ) من الأنفِ، وقد ذكر الأطبَّاء في علاجِ الزُّكام العارضِ معه عطاسٌ كثيرٌ أنَّه تُقْلَى الحبَّةُ السَّوداء، ثمَّ تُدَقُّ ناعمًا، ثمَّ تُنْقَعُ في زيتٍ، ثمَّ يُقْطَرُ منها في الأنفِ ثلاث قطراتٍ، فلعلَّ غالب بن أَبْجَر كان مزكومًا فلذا وصفه ابنُ أبي عتيق له، ثمَّ استدلَّ بقوله: (فَإِنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (حَدَّثَتْنِي) بالإفراد (أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إنَّ (٢) في هذهِ الحبَّة السَّوداء شفاءً» (مِنْ كُلِّ دَاءٍ) يحدثُ من الرُّطوبةِ والبرودةِ ونحوها (٣) من الأمراضِ الباردة، أمَّا الحارَّة فلا، لكن قد تدخلُ في بعض الأمراضِ الحارة اليابسةِ بالعرض، فتوصِلُ قُوى الأدويةِ الرَّطبة الباردة إليها بسرعةِ تنفيذِها، واستعمالُ الحارِّ في بعض الأمراضِ الحارَّة لخاصيَّةٍ فيه لا يُستَنْكَرُ كالعَنْزَرُوْتِ فإنَّه حارٌّ، ويستعملُ في أدوية الرَّمد المركَّبةِ، مع أنَّ الرَّمد ورمٌ حارٌّ باتفاقِ الأطباءِ، وقد قال أئمةُ الطِّبِّ كابن البيطار: إنَّ طبع الحبَّة السَّوداء حارٌّ يابسٌ، وهي مُذهِبةٌ للنَّفخِ، نافعةٌ من حمَّى الرِّبْع والبلغمِ مُفَتِّحةٌ للسُّدَد والرِّيح، مجفِّفَة لبلَّة المعدةِ، وإذا دُقَّت وعُجِنت بالعسلِ، وشُربت بالماءِ الحارِّ أذابتِ الحصى وأدرَّت البولَ والطَّمث، وفيها جلاءٌ وتقطيعٌ، وإذا نُقعَ منها سبعُ حبَّات في لبن امرأةٍ وسُعِطَ به صاحبُ اليرقانِ أفادتْ، وإذا شُرِبَ منها وزنُ مثقالٍ بماءٍ (٤) أفادَ من ضيقِ النَّفس، والضِّماد بها ينفعُ من الصُّداع الباردِ.
стр. 10320
وقال ابنُ أبي جمرة (١): تكلَّم ناسٌ في هذا الحديث وخصُّوا عمومه وردُّوه إلى قولِ أهل الطِّبِّ والتَّجربة، ولا خلافَ بغلطِ قائل ذلك لأنَّا إذا صدَّقنا أهل الطِّبِّ، ومدار علمهم غالبًا إنَّما هو على التَّجربة الَّتي بناؤها على ظنٍّ غالب، فتصديقُ من لا ينطقُ عن الهوى أولى بالقبولِ من كلامهم. انتهى.
وقال في «الكواكب»: يحتملُ إرادةُ العمومِ بأن يكون شفاء للجميعِ لكن بشرط تركيبهِ (٢) مع غيرهِ، ولا محذورَ فيه، بل يجبُ إرادةُ العموم؛ لأنَّ جواز (٣) الاستثناء معيارُ جواز (٤) العمومِ، وأمَّا وقوعُ الاستثناء فهو معيارُ وقوع العمومِ فهو أمرٌ ممكنٌ، وقد أخبرَ الصَّادقُ عنه، واللَّفظُ عامٌّ بدليل الاستثناءِ فيجبُ القولُ به، وحينئذٍ فينفعُ من جميع الأدواءِ.
(إِلَّا مِنَ السَّامِ) بالمهملة وتخفيف الميم (قُلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: المَوْتُ) قال في «الفتح»: لم أعرف اسمَ (٥) السَّائل ولا القائلِ، وأظنُّ السَّائل خالدَ بن سعدٍ، والمجيب ابنَ أبي عتيقٍ.
وهذا الحديثُ أخرجه ابنُ ماجه.
٥٦٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) الحافظُ أبو زكريَّا المخزوميُّ، مولاهم المصريُّ، واسم أبيهِ عبدُ الله، ونسبهُ المؤلِّف لجدِّه لشهرته بهِ، قال (٦): (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابنُ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بن حَزن، الإمامُ أحدُ الأعلامِ، وسيِّدُ التَّابعين (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: فِي الحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ)
стр. 10321
حَدَثَ من بَرْدٍ، أو أعم على ما مرَّ (إِلَّا السَّامَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّدُ بن مسلم ابنِ شهابٍ (١) الزُّهريُّ، بالسَّند المذكورِ (وَالسَّامُ المَوْتُ) وفيه أنَّ الموتَ داءٌ من الأدواءِ. قال: وداءُ الموتِ ليسَ له دواء.
(وَالحَبَّةُ السَّوْدَاءُ) هي (الشُّونِيزُ) بالشين المعجمة المضمومة والواو الساكنة وبعد النون المكسورة تحتية ساكنة فمعجمة. قال في «القاموس»: الشِّينيز والشُّونيز والشُّونُوز والشِّهْنيز: الحبَّة السَّوداء، أو فارسيُّ الأصلِ. انتهى. ونقل إبراهيمُ الحربيُّ -فيما نقلَه عنه في «فتح الباري» - في «غريب الحديث» عن الحسن البصريِّ أنَّها الخَردلُ، وفي «الغريبين» للهرويِّ: أنَّها ثمرةُ البُطْم، والأوَّل أولى؛ إذ منافعُها أكثرُ من الخردلِ والبُطْمِ.
وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الطِّبِّ»، وكذا ابنُ ماجه.
(٨) (بابُ التَّلْبِينَةِ) وصنْعِها (٢) (لِلْمَرِيضِ) قال في «القاموس»: التَّلبينُ وبهاء: حساءٌ من نُخالةٍ ولبنٍ وعسلٍ. وقال أبو نُعيم في «الطِّبِّ»: هي دقيقٌ بحتٌ. وقال غيرُه: سمِّيت تلبينة تشبيهًا لها باللَّبن في بياضها ورِقَّتها.
٥٦٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ بالإفراد (حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، المَرْوزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّلْبِينِ) أن يُصْنَعَ (لِلْمَرِيضِ) وعندَ الإسماعيليِّ: «بالتَّلبينةِ» بزيادة الهاء (وَلِلْمَحْزُونِ عَلَى) الشَّخص (الهَالِكِ) الميِّت، وفي
стр. 10322
رواية اللَّيث عن عقيل [خ¦٥٤١٧] «أنَّ عائشةَ كانت إذا مات الميِّتُ من أهلهَا فاجتمع لذلك النِّساء ثمَّ تفرَّقنَ، أمرتْ ببُرمةِ تلبينةٍ فطُبختْ، ثمَّ قالت: كُلُوا منها» [خ¦٥٤١٧] (وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ التَّلْبِينَةَ تُجِمُّ) بضم الفوقية وكسر الجيم وتشديد الميم، ويجوز فتح الفوقية وضم الجيم، تريحُ (فُؤَادَ المَرِيضِ وَتَذْهَبُ) بفتح التاء والهاء في الفَرع (بِبَعْضِ الحُزْنِ) بضم الحاء وسكون الزاي أو بفتحهما، والمرادُ بالفُؤادِ رأسُ المعدةِ، فإنَّ فُؤادَ الحزينِ يضعفُ باستيلاءِ اليُبس على أعضائهِ وعلى معدتِه خاصَّة لتقليل الغذاء، والحساء يُرطِّبها ويغذِّيها (١) ويفعلُ مثل ذلك بفؤادِ المريضِ، لكن المريض كثيرًا ما يجتمعُ في معدتهِ خلطٌ مراريٌّ أو بلغميٌّ أو صديديٌّ، وهذا الحساءُ يجلو ذلك عن (٢) المعدة.
وسبقَ الحديثُ بـ «الأطعمةِ» [خ¦٥٤١٧].
٥٦٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بفاء وواو مفتوحتين بينهما راء ساكنة، و «المَغْرَاءُ» بفتح الميم والراء بينهما معجمة ساكنة، ممدود، الكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وكسر الهاء بينهما مهملة ساكنة، قاضي الموصل (٣) (عَنْ هِشَامٍ) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا هشامٌ» (عَنْ أَبِيهِ) عُروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّلْبِينَةِ) بزيادة هاء التأنيث، أنْ تُصْنَع للمريضِ والمحزونِ (وَتَقُولُ: هُوَ) أي: الحساءُ (البَغِيضُ) بفتح الموحدة وكسر المعجمة، المُبْغَضُ (٤) للمريضِ (النَّافِعُ) لمرضهِ كسائرِ الأدويةِ مع زيادة ليبوسة ريقهِ (٥)، وعند النَّسائيِّ عن عائشةَ: «والَّذي نفسُ محمَّد بيدهِ إنَّها لتغسلُ باطنَ أحدِكم، كما يغسلُ أحدكُم الوسخَ عن وجههِ بالماء … » الحديث.
стр. 10323
(٩) (بابُ السَّعُوطِ) بفتح السين المهملة. قال في «القاموس»: سَعَطهُ الدَّواءَ، كمَنَعه ونَصَره، وأَسْعطهُ إيَّاه سَعْطةً واحدةً، وإسْعاطةً واحدةً: أدخلَهُ في أنفهِ فاستعَطَ، والسَّعُوط (١) كصبور: ذلك الدَّواء، والمُسْعُط: بالضم، وكمِنْبَر: ما يُجعلُ فيه (٢) ويُصبُّ منه في الأنفِ.
٥٦٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العمِّيُّ أبو الهيثم الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابنُ خالدٍ الباهليُّ، مولاهم الكرابِيسيُّ الحافظ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبدِ الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بنِ كيسان، الإمامِ أبي عبد الرَّحمنِ اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (احْتَجَمَ وَأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ وَاسْتَعَطَ) استعملَ السَّعوط بأن استلقَى على ظهرهِ، وجعلَ بين كتفيهِ ما يرفعهما لينحدرَ رأسه الشَّريف، وقطرَ في أنفهِ ما تداوى به ليصلَ إلى دماغهِ؛ ليخرجَ ما فيه من الدَّاءِ بالعطاس.
وسبق هذا الحديثُ في «باب خراج الحجَّام»، من «كتاب الإجارةِ» [خ¦٢٢٧٨].
(١٠) (بابُ السُّعُوطِ) بضم السين في الفرع (بِالقُسْطِ الهِنْدِيِّ) بضم القاف (و) القُسْطِ (البَحْرِيِّ) وهو الَّذي يُجلبُ من اليمنِ، ومنه ما يجلبُ من المغربِ (٣)، وزادَ بعضُهم ثالثًا يسمَّى بالقسطِ المرِّ، وهو كثيرٌ ببلادِ الشَّام خُصوصًا بالسَّواحل. قال في «نزهة الأفكار»: وأجودُها البحريُّ، وخيارُه الأبيض الخفيف الطَّيِّب الرَّائحة، وبعدهُ الهنديُّ وهو أسود خفيفٌ، وبعدهُ الثَّالث وهو
стр. 10324
ثقيلٌ، ولونُه كالخشبِ البَقْسِ (١) ورائحتهُ ساطعةٌ، وأجودُ ذلك كله: ما كان حديثًا ممتلئًا غير متآكلٍ يلدغُ اللِّسان، وكلُّه دواءٌ مباركٌ نافعٌ (وَهُوَ الكُسْتُ) بالكاف المضمومة بدل القاف وبالفوقية بدل الطاء المهملة، لقربِ كلٍّ من المخرجينِ بالآخرِ (مِثْلُ الكَافُورِ وَالقَافُورِ) بالكاف والقاف (مِثْلُ كُشِطَتْ وَقُشِطَتْ) بالكاف والقاف أيضًا، أي: (نُزِعَتْ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ: وإذَا السَّماءُ ((قُشِطَتْ)) «بالقاف» بدل: «الكاف». قال القرطبيُّ: وهذا من التَّعاقب بين الحرفين، كقولهم: عربيٌّ قحٌّ، بالقافِ والكافِ، وثبتَ في الفرع لأبي ذرٍّ قولهُ: «وقشطت» والواو (٢) في قولهِ: «والبحريِّ».
٥٦٩٢ - ٥٦٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ أبو محمَّد الهلاليُّ، مولاهم الكوفيُّ، أحدُ الأعلام (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عبد اللهِ بن عُتبة (عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ) بكسر الميم وفتح الصاد المهملة بينهما حاء مهملة، الأسديَّة من المهاجرات، أنَّها (قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (٣) ﷺ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا العُودِ الهِنْدِيِّ) أي: استعملوهُ (فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ) أي: أدوية، جمعُ شفاءٍ، كدواءٍ وأدويةٍ، وجمعُ الجمعِ أشاف، منها أنَّه (يُسْتَعَطُ (٤) بِهِ مِنَ العُذْرَةِ) بضم العين المهملة (٥) وسكون الذال المعجمة، وجعٌ يأخذُ الطِّفل في حَلقه يهيجُ (٦) من الدَّم، أو في الخرمِ الَّذي بين الأنفِ والحلقِ وهو سقوطُ اللَّهاةِ، وقيل: قرحةٌ تخرجُ بين الأنفِ والحلقِ تعرضُ
стр. 10325
للصِّبيان غالبًا عند طُلوع العُذْرَة، وهي خمسُ كواكب تحت الشِّعرى، أي: العَبور وتطلعُ وسط الحرِّ، وإنَّما كان القسطُ نافعًا للعذرةِ لأنَّه مجفِّفٌ للرُّطوبات، والعُذرة: دمٌ يغلبُ عليه البلغمُ أو نفعُه لها بالخاصيَّة (١) (وَيُلَدُّ بِهِ) بضم التَّحتية وفتح اللام، يُسقى في أحد شقَّي الفم (مِنْ) وجع (ذَاتِ الجَنْبِ) والمراد به هنا: ألمٌ يعرضُ في نواحي الجنْبِ عن رياحٍ غليظةٍ تحتقنُ (٢) بين الصِّفَاقات والعضل التي في الصدر والأضلاع (٣) فتحدثُ وجعًا، وقد ذكر في هذا الحديث أنَّ في القسطِ سبعةَ أشفيةٍ، ولم يذكر منها سوى اثنينِ، فيحتملُ أن يكون اختصارًا من الرَّاوي.
قالت أمُّ قيسٍ: (وَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِابْنٍ لِي) صغيرٍ لم أقفْ على اسمه (لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا) ﷺ (بِمَاءٍ، فَرَشَّ عَلَيْهِ) ولم يغسلهُ.
ومرَّ البحثُ في «الطَّهارةِ» [خ¦٢٢٢].
والحديثُ أخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦٥٦٩٢]، ومسلمٌ في «الطِّبِّ»، وكذا أبو داودَ والنَّسائيُّ.
(١١) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين، في بيان (أَيَّ (٥) سَاعَةٍ) أيَّ زمانٍ (يَحْتَجِمُ) ولأبي ذرٍّ: «أيَّة ساعةٍ» بزيادة تاء التأنيث في «أيَّ» كقراءة (بأيَّةِ أرضٍ تَموت) [لقمان: ٣٤] وهي لغةٌ ضعيفةٌ، كما قالوا: أيتهنَّ فعل ذلك (وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى) عبدُ الله بنُ قيسٍ الأشعريُّ (لَيْلًا) فلا تتعيَّنُ الحجامةُ نهارًا، بل تجوزُ في أيِّ ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ.
وسبق هذا التَّعليقُ موصولًا في «الصِّيام» [خ¦١٩٣٨].
стр. 10326
٥٦٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبدُ الله بن عَمرو المُقْعَد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) ابنُ سعيد بنِ ذكوان التَّيميُّ، مولاهمُ البصريُّ التَّنُّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ صَائِمٌ) ومقتضاهُ أنَّه احتجم نهارًا، والحاصلُ من هذا الحديثِ وسابقه المعلَّقِ أنَّ الحجامةَ لا تتعيَّنُ في وقتٍ بل تكون عندَ الاحتياجِ. نعم، وردت أحاديثُ فيها التَّعيينُ، ففي حديثِ أبي هُريرة مرفوعًا: «من احتجمَ لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرينَ، كان شفاءً من كلِّ داءٍ» رواهُ أبو داود، لكنَّه من روايةِ سعيد بن عبدِ الرَّحمن الجُمَحِيِّ، وقد وثَّقه الأكثر، وليَّنهُ بعضهم من قبل حفظهِ، وله شاهدٌ من حديث ابن عبَّاس عند أحمدَ والتِّرمذيِّ، ورجالُه ثقاتٌ لكنَّه معلولٌ، وشاهدٌ آخر من حديث أنسٍ عند ابن ماجه وسندهُ ضعيفٌ، وعند ابن ماجه من حديثِ ابن عُمر رفعه في أثنائه «فاحتجِمُوا على بركةِ الله يومَ الخميس، واحتجِمُوا يوم الاثنينِ والثُّلاثاء، واجتنبُوا (١) يوم الأربعاءِ والجمعةِ والسَّبتِ والأحدِ» ورواهُ الدَّارقطنيُّ في «الأفراد» من وجه آخر ضعيف.
وحكي أنَّ رجلًا احتجم يومَ الأربعاءِ فأصابهُ مرضٌ لكونه تهاون بالحديثِ، وفي حديث أبي بَكْرةَ (٢) عندَ أبي داود أنَّه (٣) كان يكرهُ الحجامة يوم الثُّلاثاء، وقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «يوم الثُّلاثاء يوم الدَّم، وفيه ساعةٌ لا يرقأ فيها (٤)». وعند الأطبَّاء أنَّ أنفعَ الحجامةِ ما يقعُ في السَّاعة الثَّانية أو الثَّالثة، وأن لا يقع عقبَ استفراغٍ من حمَّام أو جماعٍ (٥)، ولا (٦) عقبَ شبعٍ ولا جوعٍ، وأنَّها تُفْعَلُ في النِّصف الثَّاني من الشَّهر، ثمَّ في الرُّبع الثَّالث من أرباعه أنفعُ من أوَّله وآخره؛ لأنَّ الأخلاط في أوَّل الشَّهر تهيج، وفي آخره تسكنُ، فأولى ما يكونُ الاستفراغُ في أثنائهِ.
стр. 10327
(١٢) (بابُ الحَجْمِ فِي السَّفَرِ وَالإِحْرَامِ) عند الاحتياج إليه (قَالَهُ) أي: الحجمُ في حالة السَّفرِ وحالة الإحرام (ابْنُ بُحَيْنَةَ) بضم الموحدة وفتح المهملة وبعد التحتية الساكنة نون مفتوحة فهاء، اسمُ أمِّ عبد الله بن مالك الأزديِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) كما سيأتي موصولًا إن شاء الله تعالى قريبًا بعون الله [خ¦٥٦٩٨].
٥٦٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينة الهلاليُّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارَ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابنُ كيسان (وَعَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباحٍ، كلاهما (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ) ومقتضَى الحجم في حالةِ الإحرامِ أن يكون في السَّفرِ، فطابقَ الحديثُ التَّرجمة.
وهذا الحديث قد سبق في «بابِ الحجامةِ للمُحرم»، من «الحجِّ» [خ¦١٨٣٥].
(١٣) (بابُ الحِجَامَةِ مِنَ الدَّاءِ) الحادثِ بالبدنِ.
٥٦٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ) أبو عبيدةَ (١) البصريُّ، مولى طلحة الطَّلحات (عَنْ أَنَسٍ ﵁:
стр. 10328
أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَجْرِ الحَجَّامِ) ولأحمد، عن يحيى القطَّان، عن حُميدٍ «عن كسبِ الحجَّام» (فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ) بفتح الطاء المهملة وسكون التحتية وبعد الموحدة تاء، اسمهُ نافعٌ على الصَّحيح، وحكايةُ ابن عبد البرِّ أنَّه دينارٌ، وَهَّمُوه فيها (١) بأنَّ دينارًا الحجَّامَ تابعيٌّ روى عن أبي طيبةَ، وحديثهُ عند ابن مندَه، لا أنَّه أبو طيبةَ نفسهُ، وعند البغويِّ بإسنادٍ ضعيفٍ أنَّ اسمهُ ميسرة. وقال العسكريُّ: الصَّحيح أنَّه لا يعرفُ اسمهُ (وأَعْطَاهُ صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ) أي: تَمر، زاد في «البيوعِ»: «ولو كانَ حرامًا لم يُعْطِه» [خ¦٢١٠٣] (وَكَلَّمَ) ﷺ (مَوَالِيَهِ) هم بنو حارثة على الصَّحيح أو (٢) مولاهُ منهم محيصة بن مسعودٍ، وإنَّما جمعَ الموالي مجازًا، كما يُقال: بنو فلان قتلوا رجلًا ويكون الفاعلُ (٣) منهم واحدًا، وحديثُ جابرٍ أنَّه مولى بني بياضة وهمٌ، فإنَّ مولى بني بياضةَ آخر، يقال له: أبو هندٍ، أن يُخفِّفوا عنه من خراجه (فَخَفَّفُوا عَنْهُ، وَقَالَ) ﷺ بالسَّند المتقدِّم يخاطبُ أهل الحجازِ ومن بلادهِم حارة أو عامًّا (إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ) من هيجان الدَّم (الحِجَامَةُ) لأنَّ دماء أهلِ الحجازِ ومن في معناهم (٤) رقيقةٌ تميلُ إلى ظاهر أجسادهم لجذبِ الحرارة الخارجةِ لها إلى سطحِ البدنِ، وهي تُنقِّي سطحَ البدن أكثرَ من الفصدِ، وقد تغني عن كثيرٍ من الأدويةِ، قال في «زاد المعاد»: الحجامةُ في الأزمان الحارَّة، والأمكنة الحارَّة، والأبدانِ الحارَّة الَّتي دمُ أصحابها في غايةِ النُّضج أنفعُ، والفصد بالعكسِ، ولذا كانت الحجامةُ أنفعُ للصِّبيان ولمن لا يقوى على الفصدِ. انتهى.
وقد أخرج أبو نعيمٍ من حديث عليٍّ رفعه: «خيرُ الدَّواءِ الحجامةُ والفصدُ» لكن في سندهِ حسين بن عبد الله بن ضميرة، كذَّبهُ مالك وغيره، وعن ابن سيرين -فيما أخرجهُ الطَّبرانيُّ (٥) بسندٍ صحيحٍ- «إذا بلغَ الرَّجلُ أربعينَ سنةً لم يحتجِم». قال الطَّبريُّ: وذلك أنَّه يصيرُ من حينئذٍ في انتقاص من عمره، وانحلالٍ من قوى جسدهِ، فلا ينبغِي أن يزيدهُ وهنًا بإخراجِ الدَّم. قال في «الفتح» بعد أن ذكر ذلك: وهو محمولٌ على من لم تتعيَّن حاجتُه إليه، وعلى من لم يعتدَّ به.
стр. 10329
(و) أمثل ما تداويتُم به (القُسْطُ البَحْرِيُّ، وَقَالَ) ﵊ بالإسنادِ السَّابق: (لَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالغَمْزِ) بالعصر باليدِ (مِنَ العُذْرَةِ) الَّتي هي قرحةٌ تخرجُ بين الأنفِ والحلقِ، كما مرَّ مع غيرهِ قريبًا [خ¦٥٦٩٢] وكانت المرأةُ تأخذُ خرقةً فتفتلها فتلًا شديدًا، وتدخلُها في حلق الصَّبيِّ وتعصرُ عليه فينفجرُ منه دمٌ أسودُ، وربَّما أقرحته فحذَّرهم النَّبيُّ (١) ﷺ من ذلك وأرشدهُم إلى استعمالِ ما فيه دواءُ ذلك من غيرِ ألم، فقال: (وَعَلَيْكُمْ بِالقُسْطِ) فإنَّه دواءٌ للعذرةِ لا مشقَّة فيه، وفي حديث جابرٍ: دخل رسولُ الله ﷺ على عائشة وعندها صبيٌّ يسيلُ منخراهُ دمًا، فقال: «ما هذا؟» قالوا: به العذرةُ، أو (٢) وجعٌ في رأسه. قال: «ويلكنَّ لا تقتلنَ أولادكنَّ، أيَّما امرأةٍ أصابَ ولدهَا عذرةٌ، أو وجعٌ في رأسهِ، فلتأخُذ قسطًا هنديًّا، فتحكُّه بماءٍ، ثمَّ تُسْعِطُهُ (٣) إيَّاه» فأمرتْ عائشة، وصُنِعَ ذلك بالصَّبيِّ فَبَرَأ. رواه أحمدُ وغيرهُ.
٥٦٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ تَلِيدٍ) هو سعيدُ بن عيسى بنِ تَلِيْدٍ -بفوقية مفتوحة وتحتية ساكنة بينهما لام مكسورة- الرُّعينيُّ القِتْبانيُّ -بكسر القاف وسكون الفوقية وبعد الموحدة ألف فنون- قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ الحارث المصريُّ (وَغَيْرُهُ) قال في «الفتح»: يغلب على ظنِّي أنَّه ابن لهيعة (أَنَّ بُكَيْرًا) بضم الموحدة، ابنَ عبد الله بنِ الأشجِّ (حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) بن النُّعمان الظَّفَريَّ (حَدَّثَهُ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ عَادَ المُقَنَّعَ) بضم الميم وفتح القاف والنون المشددة بعدها عين مهملة، ابن سنان التَّابعيَّ. قال الحافظُ ابن حجر: لا أعرفهُ إلَّا في هذا الحديث (ثُمَّ قَالَ) له: (لَا أَبْرَحُ) لا أخرجُ من عندك (حَتَّى تَحْتَجِمَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فِيهِ) في الحجم (شِفَاءً) من هيجانِ الدَّم.
стр. 10330
وهذا الحديث أخرجهُ البخاريُّ أيضًا في «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٨٣]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ.
(١٤) (بابُ الحِجَامَةِ عَلَى الرَّأْسِ).
٥٦٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ أبي علقمةَ بلال المدنيِّ مولى عائشة (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن هرمزٍ (الأَعْرَجَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ) هو عبدُ الله بن مالكِ بن القِشْبِ -بكسر القاف وسكون المعجمة بعدها موحدة- الأزديُّ حليفُ بني طالبٍ، وبُحينة أمُّه مطَّلبيَّة من السَّابقين (يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ بِلَحْيِ جَمَلٍ) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة وكسر التحتية بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «بلحيي» بالتَّثنيةِ، و «جَمَل» -بالجيم والميم المفتوحتين- اسمُ موضعٍ أو بقعةٍ معروفةٍ، وهي عَقَبَةُ الجحفةِ على سبعة أميالٍ من السُّقيا (مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ) وليس آلة للحجمِ (وَهْوَ مُحْرِمٌ) الجملةُ حاليَّة (فِي وَسَطِ رَأْسِهِ) بفتح السين وتسكن.
٥٦٩٩ - (وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ) محمَّدُ بن عبد الله بنِ المثنَّى بنِ عبد الله بنِ أنس بنِ مالكٍ، فيما وصلهُ البيهقيُّ: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديُّ مولاهمُ الحافظُ، قالَ (١): (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ) زادَ البيهقيُّ «وهو محرمٌ من صُداعٍ كان به أو داءٍ».
وحديثُ الباب سبقَ في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٥].