← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 10326–10365 · переход к 10331.

стр. 10326

٥٦٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبدُ الله بن عَمرو المُقْعَد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) ابنُ سعيد بنِ ذكوان التَّيميُّ، مولاهمُ البصريُّ التَّنُّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ صَائِمٌ) ومقتضاهُ أنَّه احتجم نهارًا، والحاصلُ من هذا الحديثِ وسابقه المعلَّقِ أنَّ الحجامةَ لا تتعيَّنُ في وقتٍ بل تكون عندَ الاحتياجِ. نعم، وردت أحاديثُ فيها التَّعيينُ، ففي حديثِ أبي هُريرة مرفوعًا: «من احتجمَ لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرينَ، كان شفاءً من كلِّ داءٍ» رواهُ أبو داود، لكنَّه من روايةِ سعيد بن عبدِ الرَّحمن الجُمَحِيِّ، وقد وثَّقه الأكثر، وليَّنهُ بعضهم من قبل حفظهِ، وله شاهدٌ من حديث ابن عبَّاس عند أحمدَ والتِّرمذيِّ، ورجالُه ثقاتٌ لكنَّه معلولٌ، وشاهدٌ آخر من حديث أنسٍ عند ابن ماجه وسندهُ ضعيفٌ، وعند ابن ماجه من حديثِ ابن عُمر رفعه في أثنائه «فاحتجِمُوا على بركةِ الله يومَ الخميس، واحتجِمُوا يوم الاثنينِ والثُّلاثاء، واجتنبُوا (١) يوم الأربعاءِ والجمعةِ والسَّبتِ والأحدِ» ورواهُ الدَّارقطنيُّ في «الأفراد» من وجه آخر ضعيف. وحكي أنَّ رجلًا احتجم يومَ الأربعاءِ فأصابهُ مرضٌ لكونه تهاون بالحديثِ، وفي حديث أبي بَكْرةَ (٢) عندَ أبي داود أنَّه (٣) كان يكرهُ الحجامة يوم الثُّلاثاء، وقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «يوم الثُّلاثاء يوم الدَّم، وفيه ساعةٌ لا يرقأ فيها (٤)». وعند الأطبَّاء أنَّ أنفعَ الحجامةِ ما يقعُ في السَّاعة الثَّانية أو الثَّالثة، وأن لا يقع عقبَ استفراغٍ من حمَّام أو جماعٍ (٥)، ولا (٦) عقبَ شبعٍ ولا جوعٍ، وأنَّها تُفْعَلُ في النِّصف الثَّاني من الشَّهر، ثمَّ في الرُّبع الثَّالث من أرباعه أنفعُ من أوَّله وآخره؛ لأنَّ الأخلاط في أوَّل الشَّهر تهيج، وفي آخره تسكنُ، فأولى ما يكونُ الاستفراغُ في أثنائهِ.

стр. 10327

(١٢) (بابُ الحَجْمِ فِي السَّفَرِ وَالإِحْرَامِ) عند الاحتياج إليه (قَالَهُ) أي: الحجمُ في حالة السَّفرِ وحالة الإحرام (ابْنُ بُحَيْنَةَ) بضم الموحدة وفتح المهملة وبعد التحتية الساكنة نون مفتوحة فهاء، اسمُ أمِّ عبد الله بن مالك الأزديِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) كما سيأتي موصولًا إن شاء الله تعالى قريبًا بعون الله [خ¦٥٦٩٨]. ٥٦٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عيينة الهلاليُّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارَ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابنُ كيسان (وَعَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباحٍ، كلاهما (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ) ومقتضَى الحجم في حالةِ الإحرامِ أن يكون في السَّفرِ، فطابقَ الحديثُ التَّرجمة. وهذا الحديث قد سبق في «بابِ الحجامةِ للمُحرم»، من «الحجِّ» [خ¦١٨٣٥]. (١٣) (بابُ الحِجَامَةِ مِنَ الدَّاءِ) الحادثِ بالبدنِ. ٥٦٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ) أبو عبيدةَ (١) البصريُّ، مولى طلحة الطَّلحات (عَنْ أَنَسٍ ﵁:

стр. 10328

أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَجْرِ الحَجَّامِ) ولأحمد، عن يحيى القطَّان، عن حُميدٍ «عن كسبِ الحجَّام» (فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ) بفتح الطاء المهملة وسكون التحتية وبعد الموحدة تاء، اسمهُ نافعٌ على الصَّحيح، وحكايةُ ابن عبد البرِّ أنَّه دينارٌ، وَهَّمُوه فيها (١) بأنَّ دينارًا الحجَّامَ تابعيٌّ روى عن أبي طيبةَ، وحديثهُ عند ابن مندَه، لا أنَّه أبو طيبةَ نفسهُ، وعند البغويِّ بإسنادٍ ضعيفٍ أنَّ اسمهُ ميسرة. وقال العسكريُّ: الصَّحيح أنَّه لا يعرفُ اسمهُ (وأَعْطَاهُ صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ) أي: تَمر، زاد في «البيوعِ»: «ولو كانَ حرامًا لم يُعْطِه» [خ¦٢١٠٣] (وَكَلَّمَ) ﷺ (مَوَالِيَهِ) هم بنو حارثة على الصَّحيح أو (٢) مولاهُ منهم محيصة بن مسعودٍ، وإنَّما جمعَ الموالي مجازًا، كما يُقال: بنو فلان قتلوا رجلًا ويكون الفاعلُ (٣) منهم واحدًا، وحديثُ جابرٍ أنَّه مولى بني بياضة وهمٌ، فإنَّ مولى بني بياضةَ آخر، يقال له: أبو هندٍ، أن يُخفِّفوا عنه من خراجه (فَخَفَّفُوا عَنْهُ، وَقَالَ) ﷺ بالسَّند المتقدِّم يخاطبُ أهل الحجازِ ومن بلادهِم حارة أو عامًّا (إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ) من هيجان الدَّم (الحِجَامَةُ) لأنَّ دماء أهلِ الحجازِ ومن في معناهم (٤) رقيقةٌ تميلُ إلى ظاهر أجسادهم لجذبِ الحرارة الخارجةِ لها إلى سطحِ البدنِ، وهي تُنقِّي سطحَ البدن أكثرَ من الفصدِ، وقد تغني عن كثيرٍ من الأدويةِ، قال في «زاد المعاد»: الحجامةُ في الأزمان الحارَّة، والأمكنة الحارَّة، والأبدانِ الحارَّة الَّتي دمُ أصحابها في غايةِ النُّضج أنفعُ، والفصد بالعكسِ، ولذا كانت الحجامةُ أنفعُ للصِّبيان ولمن لا يقوى على الفصدِ. انتهى. وقد أخرج أبو نعيمٍ من حديث عليٍّ رفعه: «خيرُ الدَّواءِ الحجامةُ والفصدُ» لكن في سندهِ حسين بن عبد الله بن ضميرة، كذَّبهُ مالك وغيره، وعن ابن سيرين -فيما أخرجهُ الطَّبرانيُّ (٥) بسندٍ صحيحٍ- «إذا بلغَ الرَّجلُ أربعينَ سنةً لم يحتجِم». قال الطَّبريُّ: وذلك أنَّه يصيرُ من حينئذٍ في انتقاص من عمره، وانحلالٍ من قوى جسدهِ، فلا ينبغِي أن يزيدهُ وهنًا بإخراجِ الدَّم. قال في «الفتح» بعد أن ذكر ذلك: وهو محمولٌ على من لم تتعيَّن حاجتُه إليه، وعلى من لم يعتدَّ به.

стр. 10329

(و) أمثل ما تداويتُم به (القُسْطُ البَحْرِيُّ، وَقَالَ) ﵊ بالإسنادِ السَّابق: (لَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالغَمْزِ) بالعصر باليدِ (مِنَ العُذْرَةِ) الَّتي هي قرحةٌ تخرجُ بين الأنفِ والحلقِ، كما مرَّ مع غيرهِ قريبًا [خ¦٥٦٩٢] وكانت المرأةُ تأخذُ خرقةً فتفتلها فتلًا شديدًا، وتدخلُها في حلق الصَّبيِّ وتعصرُ عليه فينفجرُ منه دمٌ أسودُ، وربَّما أقرحته فحذَّرهم النَّبيُّ (١) ﷺ من ذلك وأرشدهُم إلى استعمالِ ما فيه دواءُ ذلك من غيرِ ألم، فقال: (وَعَلَيْكُمْ بِالقُسْطِ) فإنَّه دواءٌ للعذرةِ لا مشقَّة فيه، وفي حديث جابرٍ: دخل رسولُ الله ﷺ على عائشة وعندها صبيٌّ يسيلُ منخراهُ دمًا، فقال: «ما هذا؟» قالوا: به العذرةُ، أو (٢) وجعٌ في رأسه. قال: «ويلكنَّ لا تقتلنَ أولادكنَّ، أيَّما امرأةٍ أصابَ ولدهَا عذرةٌ، أو وجعٌ في رأسهِ، فلتأخُذ قسطًا هنديًّا، فتحكُّه بماءٍ، ثمَّ تُسْعِطُهُ (٣) إيَّاه» فأمرتْ عائشة، وصُنِعَ ذلك بالصَّبيِّ فَبَرَأ. رواه أحمدُ وغيرهُ. ٥٦٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ تَلِيدٍ) هو سعيدُ بن عيسى بنِ تَلِيْدٍ -بفوقية مفتوحة وتحتية ساكنة بينهما لام مكسورة- الرُّعينيُّ القِتْبانيُّ -بكسر القاف وسكون الفوقية وبعد الموحدة ألف فنون- قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ الحارث المصريُّ (وَغَيْرُهُ) قال في «الفتح»: يغلب على ظنِّي أنَّه ابن لهيعة (أَنَّ بُكَيْرًا) بضم الموحدة، ابنَ عبد الله بنِ الأشجِّ (حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) بن النُّعمان الظَّفَريَّ (حَدَّثَهُ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ عَادَ المُقَنَّعَ) بضم الميم وفتح القاف والنون المشددة بعدها عين مهملة، ابن سنان التَّابعيَّ. قال الحافظُ ابن حجر: لا أعرفهُ إلَّا في هذا الحديث (ثُمَّ قَالَ) له: (لَا أَبْرَحُ) لا أخرجُ من عندك (حَتَّى تَحْتَجِمَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فِيهِ) في الحجم (شِفَاءً) من هيجانِ الدَّم.

стр. 10330

وهذا الحديث أخرجهُ البخاريُّ أيضًا في «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٨٣]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ. (١٤) (بابُ الحِجَامَةِ عَلَى الرَّأْسِ). ٥٦٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ أبي علقمةَ بلال المدنيِّ مولى عائشة (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن هرمزٍ (الأَعْرَجَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ) هو عبدُ الله بن مالكِ بن القِشْبِ -بكسر القاف وسكون المعجمة بعدها موحدة- الأزديُّ حليفُ بني طالبٍ، وبُحينة أمُّه مطَّلبيَّة من السَّابقين (يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ بِلَحْيِ جَمَلٍ) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة وكسر التحتية بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «بلحيي» بالتَّثنيةِ، و «جَمَل» -بالجيم والميم المفتوحتين- اسمُ موضعٍ أو بقعةٍ معروفةٍ، وهي عَقَبَةُ الجحفةِ على سبعة أميالٍ من السُّقيا (مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ) وليس آلة للحجمِ (وَهْوَ مُحْرِمٌ) الجملةُ حاليَّة (فِي وَسَطِ رَأْسِهِ) بفتح السين وتسكن. ٥٦٩٩ - (وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ) محمَّدُ بن عبد الله بنِ المثنَّى بنِ عبد الله بنِ أنس بنِ مالكٍ، فيما وصلهُ البيهقيُّ: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديُّ مولاهمُ الحافظُ، قالَ (١): (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ) زادَ البيهقيُّ «وهو محرمٌ من صُداعٍ كان به أو داءٍ». وحديثُ الباب سبقَ في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٥].

стр. 10331

(١٥) (بابُ الحَجم) ولأبي ذرٍّ: «الحجامَةُ» (مِنَ الشَّقِيقَةِ وَ) منَ (الصُّدَاعِ) وسَببه -كما قال الأطبَّاءُ- أبخرةٌ مرتفعةٌ، أو أخلاطٌ حارَّةٌ أو باردةٌ ترتفعُ إلى الدِّماغِ، فإن لم تجد منفذًا أحدثت الصُّداع، فإن مالَ إلى أحدِ شقَّي الرَّأس أحدث الشَّقيقة، وإن ملكَ (١) قبةَ (٢) الرَّأس أحدث داء (٣) البيضةِ، وذِكْرُ الصُّداع بعد الشَّقيقة من عطف العامِّ على الخاصِّ. ٥٧٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد، واسمُ أبي عديٍّ إبراهيم البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ حسَّان (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قال: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَأْسِهِ وَهْوَ مُحْرِمٌ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ) وهو الشَّقيقة (بِمَاءٍ) أي في منزلٍ فيه ماءٌ (يُقَالُ لَهُ: لَحْيُ جَمَلٍ) بلفظِ الإفراد، ولأبي ذرٍّ بلفظ التَّثنية. وهذا الحديثُ أخرجه النَّسائيُّ في «الطِّبِّ». ٥٧٠١ - (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ) بالسين المهملة المفتوحة ممدُودًا، ابنُ عَنْبَر -بالعين المهملة والنون الساكنة والموحدة المفتوحة- السَّدوسيُّ البصريُّ، فيما وصلهُ الإسماعيليُّ (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ حسَّان (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهْوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ) ولأحمدَ من حديث بُريدة أنَّه ﷺ ربَّما أخذتهُ الشَّقيقةُ فمكث اليوم واليومين (٤) لا يخرجُ، وقد كان ﷺ يحتجمُ في مواضع مختلفة لاختلافِ أسباب

стр. 10332

الحاجةِ إليها، وفي حديث ابن عبَّاس عند ابن عديٍّ رفعهُ «الحجامَةُ في الرَّأس تنفعُ من الجنونِ والجذامِ والبرصِ والنُّعاسِ والصُّداعِ ووجعِ الضِّرسِ والعينِ» وفي سندهِ عمر بن رباحٍ، متروكٌ رماهُ الفلَّاس وغيره بالكذبِ. ٥٧٠٢ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، الورَّاقُ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ الغَسِيلِ) عبدُ الرَّحمن بن سليمان قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين، ابن قتادة الظَّفَريُّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵄، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ) يسهِّل الأخلاط البلغميَّة (أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ) يُسْتَفْرَغُ بها (١) ما فسدَ من الدَّم، وقد يتناولُ الفصد، وخصَّ الحَجْمَ بالذِّكر لكثرة استعمالِ العربِ له. وقال أهلُ الطِّبِّ: فصد البَاسِلِيق (٢) ينفعُ لحرارةِ (٣) الكبدِ والطُّحال والرِّئة ومن الشَّوْصة وذاتِ الجَنْبِ، وسائر الأمراضِ الدَّمويَّة العارضةِ من أسفلِ الرُّكبة إلى الوركِ، وفصد الأكحلِ ينفعُ من الامتلاءِ العارضِ في جميع البدنِ، وفصدُ القِيفَالِ من عللِ الرَّأسِ والرَّقبة إذا كثرَ الدَّمُ وفسدَ، وفصد الوَدَجين لوجع الطُّحالِ ووجعِ الجنبينِ، والحجامةُ على الكاهل تنفعُ من وجع المنكبِ والحلقِ، وعلى الأخدعينِ من أمراضِ الرَّأسِ والوجه والحلقومِ وتنقِّي الرَّأس، والحجامةُ على ظهرِ القدمِ من قُروح الفخذينِ والسَّاقين وانقطاعِ الطَّمثِ، والحجامةُ على أسفلِ الصَّدرِ نافعةٌ من دَماميل الفخذِ وبُثُوره والنِّقرس والبوَاسير (أَوْ لَذْعَةٍ) بذال معجمة وعين مهملة، كيٍّ (مِنْ نَارٍ) توافق الدَّاء، وتزيلهُ (وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ) لشدَّة ألمهِ، وعظمِ خطرهِ.

стр. 10333

(١٦) (بابُ الحَلْقِ) أي: حلقِ شعر الرَّأسِ أو غيره (١) (مِنَ الأَذَى). ٥٧٠٣ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) هو ابنُ جبرٍ المفسِّر (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن (عَنْ كَعْبِ (٢) بْنِ عُجْرَةَ) بضم العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء، ﵁، أنَّه (قَالَ: أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ) عمرةِ (الحُدَيْبِيَةِ وَأَنَا) أي: والحال أنِّي (أُوقِدُ تَحْتَ بُرْمَةٍ وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٣): «على» (رَأْسِي، فَقَالَ) ﷺ لي: (أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟) بتشديد الميم (قُلْتُ: نَعَمْ) تُؤذيني (قَالَ) ﷺ : (فَاحْلِقْ) بكسر اللام، رأسَك (وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ) بهمزة قطع وكسر العين (سِتَّةً) من المساكين لكلِّ واحدٍ نصف صاعٍ (أَوِ انْسُكْ) بضم (٤) السين (نَسِيكَةً) بفتح النون وكسر السين. قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ أي: فَحَلَقَ ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهذا الحديث قد سبقَ في «الحجِّ» (٥)، في «باب النُّسك شاةٌ» [خ¦١٨١٧] ووجه إدخاله هنا أنَّ كلَّ ما يتأذَّى به المؤمنُ وإن قلَّ أذاهُ يباح له إزالتهُ وإن كان مُحرمًا، فمُداواةُ أسقام الأجسام أولى، قاله الكِرمانيُّ. وقال الحافظُ ابنُ حجر: وكأنَّه أوردهُ عقب حديث الحجامة وسط الرَّأس للإشارة إلى جواز حلق الشَّعر للمُحرم لأجل الحجامة عند الحاجة إليها، فيستنبط منه جوازُ

стр. 10334

حلق (١) الرَّأس للمحرم عند الحاجةِ. انتهى. (قَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ: (لَا أَدْرِي بِأَيَّتِهِنَّ بَدَأَ). (١٧) (بابُ مَنِ اكْتَوَى) لنفسه (أَوْ كَوَى غَيْرَهُ، وَفَضْلِ مَنْ لَمْ يَكْتَوِ). ٥٧٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بن) عبد الله بن حنظلةَ (الغَسِيلِ) الأنصاريُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) بن النُّعمان، الأوسيُّ الأنصاريُّ المدنيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ شِفَاءٌ) من الدَّاء (فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ) بكسر الميم وفتح الجيم بينهما مهملة ساكنة (أَوْ لَذْعَةٍ) بالمعجمة ثمَّ المهملة، كيَّةٍ (بِنَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ) وهل اكتوى ﷺ ؟ قال الحافظُ ابن حجر: لم أرَ في أثرٍ صحيحٍ أنَّه ﷺ اكتوى إلَّا أنَّ القرطبيَّ نسب إلى «كتاب أدب النُّفوس» للطَّبريِّ (٢) «أنَّه ﷺ اكتوى» وذكره الحَلِيْمِيُّ بلفظ روي «أنَّه ﷺ اكتوى للجرحِ (٣) الَّذي أصابهُ بأُحدٍ». قال الحافظُ: الثَّابتُ في الصَّحيح كما سبق في «غزوة أحدٍ» [خ¦٤٠٧٥] أنَّ فاطمة أحرقَت حصيرًا فحشتْ به جرحهُ، وليس هذا الكيَّ المعهودَ، وجزم السَّفاقسيُّ بأنَّه اكتوى، وعَكَسَهُ (٤) ابن القيِّم في «الهدي» وفي حديثِ عمران بن حُصينٍ عند مسلمٍ أنَّه قال: «كان يسلِّم عليَّ حتَّى اكتويتُ فتركتُ الكيَّ فعاد». وعند مسلمٍ أيضًا: «إنَّ الَّذي كان انقطع عنِّي رجع إليَّ» يعني تسليم الملائكةِ. وعند أحمد وأبي داود والتِّرمذيِّ عن عمران: «نهى رسولُ الله ﷺ عن الكيِّ فاكتوينَا، فما أفلحنَا ولا أنجحنَا». والنَّهيُ محمولٌ على الكراهةِ، وعلى خلافِ الأولى لما تقتضيه الأحاديثُ السَّابقةُ

стр. 10335

وغيرها، أو أنَّه خاصٌّ بعمران لأنَّه كان به الباسورُ، وهو موضعٌ خطرٌ فنهاهُ عن كيِّه، فلمَّا اشتدَّ عليه كواهُ فلم ينجح، وقولُه في التَّرجمةِ: «وفضل من لم يكتو» أخذه من قوله: «وما أحبُّ أن أكتويَ» وحاصلُ ما في ذلك أنَّ الفعل يدلُّ على الجواز، وعدمهُ لا يدلُّ على المنع، بل يدلُّ على أنَّ التَّرك أرجح، ولذا أثنى على تاركهِ، والنَّهي عنه للتَّنزيه. ٥٧٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، أبو الحسن البصريُّ قالَ: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) محمَّدٌ الضَّبيُّ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن الواسطيُّ (عَنْ عَامِرٍ) هو: ابنُ شَرَاحيل الشَّعبيُّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) الخُزاعيِّ، من فضلاءِ الصَّحابة (¬﵄ (١)) أنَّه (قَالَ: لَا رُقْيَةَ) بضم الراء وسكون القاف، أي: لا عُوْذَةَ (إِلَّا مِنْ عَيْنٍ) يصيبُ العائنُ بها غيرَه إذا استحسنهُ عند رؤيتهِ له، فتضرَّر منه ذلك المرئيُّ (أَوْ) من (حُمَةٍ) بالحاء المهملة وفتح الميم المخففة، سمُّ عقربٍ أو الإبرةُ الَّتي تضربُ بها العقرب، أو كلُّ هامَّةٍ ذات سمٍّ من حيَّةٍ أو عقربٍ، وإطلاقُه على الإبرةِ للمجاورةِ؛ لأنَّ السُّمَّ يخرجُ منها، وأصلها حُمَوٌ أو حُمَيٌ، بوزن صُرَد (٢)، والهاء فيه عوضٌ من الواو أو الياء المحذوفةِ، وليس المرادُ نفي جوازِ الرُّقية في غيرهما، بل تجوزُ الرُّقيةُ بذكر الله تعالى في جميع الأوجاعِ، فالمعنى

стр. 10336

لا رقيةَ أولى وأنفعُ منهما، كما تقول: لا فتى إلَّا عليٌّ، ولا سيف إلَّا ذو الفقارِ. قال حصينُ بن عبد الرَّحمن: (فَذَكَرْتُهُ) أي: «لا رقيةَ … » إلى آخره (لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عُرِضَتْ) بضم العين مبنيًّا للمفعول (عَلَيَّ الأُمَمُ) والأممُ رفع نائب عن الفاعلِ، وعند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من طريق عَبْثَر بن القاسمِ -بمهملة فموحدة ثمَّ مثلثة، بوزن جعفر- في روايتهِ عن حصينِ بن عبد الرَّحمنِ أنَّ ذلك كان ليلة الإسراءِ، وهو محمولٌ على القول بتعدُّد الإسراءِ وأنَّه وقع بالمدينةِ غير الَّذي وقع بمكَّة، فعند البزَّار بسندٍ صحيحٍ، قال: أكثرنا الحديث عندَ رسول الله ﷺ ثمَّ عُدنا إليه، قال: «عُرِضتْ عليَّ الأنبياءُ اللَّيلة بأممها» (فَجَعَلَ النَّبِيُّ) بالإفراد (وَالنَّبِيَّانِ) بالتَّثنية (يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ) ما دون العشرةِ من الرِّجال أو إلى الأربعين (وَالنَّبِيُّ) يمرُّ (لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ) ممَّن أخبرهم عن الله لعدم إيمانهم (حَتَّى رُفِعَ لِي) براء مضمومة وكسر الفاء (سَوَادٌ عَظِيمٌ) ضدُّ البياضِ، الشَّخصُ يرى من بعدٍ، وفي «الرِّقاق»: «سوادٌ كثيرٌ» [خ¦٦٥٤١] بدل قوله هنا: «عظيمٌ» وأشار به إلى أنَّ المرادَ الجنس لا الواحد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حتَّى وقعَ لي سوادٌ عظيمٌ» «بواو وقاف» مفتوحتين بدل: «الراء والفاء»، والأوَّلُ هو المحفوظُ في جميع طُرقِ هذا الحديث كما قالهُ في «الفتح» (قُلْتُ: مَا هَذَا) السَّواد الَّذي أراهُ؟ (أُمَّتِي هَذِهِ. قِيلَ: هَذَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بل هذَا (١)» (مُوسَى وَقَوْمُهُ، قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ) فنظرتُ إليه (فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَهُنَا وَهَهُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ) فنظرتُ (فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ) المؤمنون (وَيَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ). فإن قلت: قد ثبتَ أنَّه ﷺ قال: إنَّه يعرفُ أمَّتهُ من بين الأُمم بأنَّهم غرٌّ محجَّلونَ، فكيف ظنَّ هنا أنَّهم أمَّةُ موسى؟ أُجيب بأنَّ الأشخاص الَّتي رآها هنا في الأُفق لا يُدْرِكُ منها إلَّا الكثرةَ من غير تمييزٍ لأعيانهم لبُعدهم، وأمَّا الأُخرى فمحمولةٌ على ما إذا قرُبوا منهُ كما لا يخفى. (ثُمَّ دَخَلَ) ﷺ حجرتهُ (وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ) لأصحابه مَن السَّبعون ألفًا الدَّاخلونُ الجنَّة بغير حسابٍ (فَأَفَاضَ القَوْمُ) في الحديث، اندفَعوا فيه، وناظرُوا عليه (وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللهِ) تعالى (وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ) ﷺ (فَنَحْنُ) معشر الصَّحابة (هُمْ أَوْ) هم (أَوْلَادُنَا الَّذِينَ

стр. 10337

وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ) ذلك القول (النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجَ) من حجرتهِ (فَقَالَ) الَّذين يدخلون الجنَّة بغيرِ (١) حسابٍ (هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ) مُطلقًا، أو لا يسترقُون برُقى الجاهليَّة (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) ولا يتشاءمونَ بالطُّيورِ ونحوها، كما هو عادتُهم قبل الإسلامِ (وَلَا يَكْتَوُونَ) يعتقدون أنَّ الشِّفاء من (٢) الكيِّ كما كان يعتقدُ أهلُ الجاهليَّة (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي: يفوِّضون إليه تعالى في ترتيب المسبَّبات على الأسبابِ، أو يتركُون الاسترقاء والطِّيَرة والاكتواء، فيكون من باب العامِّ بعد الخاصِّ لأنَّ كلَّ واحدٍ منها صفةٌ خاصَّةٌ من التَّوكل، وهو أعمُّ من ذلك، وقولُ بعضهم: لا يستحقُّ اسم التَّوكُّل إلَّا من لم يُخالط قلبَه خوفُ غيرِ الله حتَّى لو هجم عليه الأسدُ لا ينزعج، وحتَّى لا يسعى في طلب الرِّزق؛ لكون الله ضمنه له. ردَّه الجمهورُ وقالوا: يحصلُ التَّوكلُ بأن يثقَ بوعدِ الله ويوقن بأنَّ قضاءه واقعٌ، ولا يتركُ اتِّباعَ السُّنَّة في اتِّباع الرِّزق ممَّا لابدَّ له منه من مطعمٍ ومشربٍ (٣) وتحرُّزٍ من عدوٍّ بإعداد السِّلاح وإغلاق الباب، لكنَّه مع ذلك لا يطمئنُّ إلى الأسبابِ بقلبهِ بل يعتقدُ أنَّها لا تجلبُ نفعًا ولا تدفعُ ضررًا، بل السَّببُ والمسبَّب فعله، والكلُّ بمشيئته لا إله إلَّا هو، فإذا وقع من المرءِ رُكونٌ إلى السَّبب قدح في توكُّله (فَقَالَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) بضم العين المهملة وتشديد الكاف وتخفف، ومِحْصَن: بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين ثم نون، وكان من أجملِ الرِّجال وممَّن شهد بدرًا: (أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟) بهمزة الاستفهامِ الاستخباريِّ، وفي رواية «الرِّقاق» وغيرها: «ادعُ اللهَ أن يجعلَني منهُم» [خ¦٦٥٤١] وجمع بينهما بأنَّه سألَ الدُّعاء أولًا فدعا له، ثمَّ استفهمَ هل أُجيب (٤) فقال: أمنهم أنا؟ (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) أنت منهم (فَقَامَ آخَرُ) قال الخطيبُ: هو سعدُ بن عُبادة (فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا) يا رسول اللهِ؟ (قَالَ) ﷺ : (سَبَقَكَ بها عُكَّاشَةُ) قال ذلك له حسمًا للمادَّةِ لأنَّه لو قال: نعم لأوشك أن يقول ثالثٌ ورابعٌ وخامسٌ (٥) وهلمَّ جرًّا، وليس كلُّ النَّاس يصلُح لذلك.

стр. 10338

وهذا الحديثُ قد مرَّ باختصارٍ في: «باب وفاةِ موسى ﵊» من «أحاديث الأنبياءِ» [خ¦٣٤١٠] وأخرجهُ أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٤١]، ومسلمٌ في «الإيمانِ»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهدِ»، والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ». (١٨) (بابُ الإِثْمِدِ) بكسر الهمزة والميم بينهما مثلثة ساكنة، آخره دال مهملة، حجرٌ يتَّخذُ منه الكحل (وَالكُحْلِ) بضم الكاف (مِنَ الرَّمَدِ) أي: بسبب الرَّمد، وهو ورمٌ حارٌّ يَعْرِضُ في الطَّبقة الملتحمةِ من العين و (١) هو بياضُها الظَّاهرُ، وسببهُ انصبابُ أحد الأخلاطِ، أو أبخرةٌ تصعدُ من المعدة إلى الدِّماغ، وعطف الكُحل على الإثمدِ يدلُّ على أنَّه غيرُه فهو من عطفِ العامِّ على الخاصِّ. (فِيهِ) أي: في الباب حديثٌ مرفوعٌ (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بنت كعبٍ، ولفظه: «لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمنُ باللهِ واليوم الآخرِ أن تحدَّ فوقَ ثلاثٍ (٢) إلَّا على زوجٍ، فإنَّها لا تكتحلُ» [خ¦٥٣٤٢] وليس (٣) فيه ذكرُ الإثمدِ، فيحتملُ أن يكون ذكرهُ لكونِ العرب إنَّما تكتحلُ غالبًا به، وفي حديث ابن عبَّاسٍ رفعهُ عند التِّرمذيِّ وحسَّنهُ، واللَّفظ له، وابنُ ماجه وصحَّحهُ ابن حبَّان: «اكتحلُوا بالإثمدِ فإنَّه يجلُو البصرَ ويُنْبِتُ الشَّعرَ». ٥٧٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّانُ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ) بضم الحاء مصغَّرًا، الأنصاريُّ أبو أفلح (٤) المدنيُّ (عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ) أمِّها (أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ امْرَأَةً) اسمُها عَاتكة، كما عند الإسماعيليِّ من

стр. 10339

طُرقٍ كثيرةٍ (تُوُفِّي زَوْجُهَا) المغيرةُ المخزوميُّ كما عندَ الإسماعيليِّ القاضي في الأحكام (فَاشْتَكَتْ عَيْنَهَا فَذَكَرُوهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) وفي «العُدَدَ» «جاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ ابنتِي توفِّي عنها زوجُها، وقد اشتكت عَينها» [خ¦٥٣٣٦] الحديث. والمرأةُ السَّائلةُ: عاتكةُ بنت نُعيم بن النَّحام، رواهُ -أبو نُعيمٍ- في «معرفة الصَّحابة»، وروايةُ الإسماعيليِّ أرجحُ لكثرة الطُّرق وحينئذٍ فلم تُسمَّ أمُّها والله تعالى أعلم. (وَذَكَرُوا لَهُ) ﷺ (الكُحْلَ وَأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى عَيْنِهَا) بضم ياء «يخاف» (فَقَالَ) ﷺ : (لَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ) في الجاهليَّة (تَمْكُثُ فِي بَيْتِهَا فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا) بفتح الهمزة وسكون الحاء وبالسين المهملتين بينهما لام ألف، في شرِّ الثِّياب الَّتي تُلبس (أَوْ) قال: (فِي أَحْلَاسِهَا فِي شَرِّ بَيْتِهَا) سنة (فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بَعْرَةً (١)) يعني (٢) أنَّ مكثها هذه السَّنة أهونُ عندها من هذهِ البعرة ورَميها (فَلَا) تكتحلُ (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أي: لا تكتحلُ حتَّى يمضيَ أربعةُ أشهرٍ وعشر، أو: لا لنفي الجنسِ، نحو لا غلامَ رجل، وللكُشمِيهنيِّ: «فهلَّا» أي: فهلَّا تصبرُ على تركِ الاكتحالِ أربعة أشهرٍ وعشرًا، وقد كانت تمكثُ سنةً في شرِّ أحلاسهَا. وهذا الحديثُ قد سبقَ في «بابِ الاكتحالِ للحادَّة»، من «الطَّلاق» [خ¦٥٣٣٨]. (١٩) (بابُ الجُذَامِ) بضم الجيم وفتح الذال المعجمة. قال في «القاموس»: الأجذمُ المقطوعُ اليدِ، والذَّاهبُ الأنامل. والجذامُ -كغُراب-: علَّةٌ تحدثُ من انتشارِ السَّوداء في البدنِ فتفسدُ مزاجَ الأعضاءِ وهيئاتها، وربَّما انتهى إلى تآكُلِ الأعضاء وسُقوطها عن تقرُّحٍ. ٥٧٠٧ - (وَقَالَ عَفَّانُ) بنُ مسلمٍ الصَّفارُ، شيخُ المؤلِّف يروي عنه بالواسطةِ كثيرًا، ممَّا وصلهُ أبو نعيمٍ من طريق أبي داود الطَّيالسيِّ وأبي قتيبةَ مسلم بن قتيبةَ كلاهما، عن سليم بن حيَّان شيخ

стр. 10340

عفَّان، عنه، قالَ: (حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ) بفتح السين المهملة وكسر اللام، و «حَيَّان»: بالحاء المهملة المفتوحة والتحتية المشددة، الهذليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) بكسر العين، و «مِيْناءُ» بكسر الميم وسكون التحتية وبعد النون ألف، ممدودًا، مولى البختريِّ الحجازيِّ، مكيٌّ أو مدنيٌّ، أبو الوليد (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا عَدْوَى) بالعين المهملة والواو المفتوحتين بينهما دال مهملة ساكنة، أي: لا سرايةَ للمرضِ عن صاحبهِ إلى غيرهِ نفيًا لما كانت الجاهليَّةُ تعتقدهُ في بعض الأدواءِ أنَّها تعدي بطبعها، وهو خبرٌ أريد به النَّهيُ (وَلَا طِيَرَةَ) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتية من التَّطيُّر، وهو التَّشاؤمُ، كانوا يتشاءمونَ بالسَّوانح والبوارح، وكان ذلك يصدُّهم عن مقاصدِهم، فنفاهُ وأبطلهُ ونهى عنهُ، وأخبرَ أنَّه ليس له تأثيرٌ في جلبِ نفعٍ أو دفع ضُرٍّ (وَلَا هَامَةَ) بتخفيف الميم على الصَّحيحِ، وحكى أبو زيد: تشديدها، كانوا يعتقدون أنَّ عظامَ الميِّت تنقلبُ هامةً تطيرُ، وقيل: هي البُومةُ كانت إذا سقطتْ على دار أحدهم يرى أنَّها ناعيةٌ له نفسهُ أو بعض أهلهِ، وقيل: إنَّ روحَ القتيلِ الَّذي لا يؤخذُ بثأره تصيرُ هامةً فتزقو، وتقولُ: اسقُوني اسقُوني، فإذا أدركَ بثأرهِ طار (وَلَا صَفَرَ) هو تأخيرُ المحرَّم إلى صفر، وهو (١) النَّسيءُ، وفي «سنن أبي داود» عن محمَّد بن راشدٍ (٢) أنَّهم كانوا يتشاءَمون بدخول صفرَ، أي: لما يتوهَّمون أنَّ فيه تكثير (٣) الدَّواهي والفتن، وقيل: إنَّ في البطن حيَّة (٤) تهيجُ عند الجوعِ وربَّما قتلتْ صاحبَها، وكانت العربُ تراها أعدى من الجربِ فنفى (٥) ﷺ ذلك بقوله: «وَلا صَفَرَ» وزادَ مسلمٌ من طريق العلاءِ بن عبد الرَّحمنِ، عن أبيه، عن أبي هُريرة: «ولَا تِوَلَةَ (٦)»، وزاد النَّسائيُّ (٧) وابنُ حبَّان من حديث جابرٍ «ولَا غُوْلَ»، فالحاصلُ ستَّةٌ، وقد كانت العربُ تزعم أنَّ الغيلانَ في الفَلَوَاتِ، وهي جنسٌ من الشَّياطينِ تتراءى للنَّاس وتتغوَّلُ لهم تغوُّلًا، أي:

стр. 10341

تتلوَّن تلوُّنًا فتضلُّهم عن الطَّريق فتُهلكهم، فنفى النَّبيُّ ﷺ استطاعةَ الغول أن تضلَّ أحدًا. وفي حديث: «لا غُولَ ولكنْ السَّعالي» والسَّعالي سحرةُ الجنِّ، أي: ولكن في الجنِّ سحرةٌ لهم تلبيسٌ و (١) تخييلٌ، وفي الحديث: «إذا تغوَّلَتِ الغيلان فنادُوا (٢) بالأذَانِ» أي: ادفعُوا شرَّها بذكر اللهِ، فلم يرد بنفيها عدمَها إذ كانت، ثُمَّ زالت ببعثته ﷺ . قال الطِّيبيُّ: «لا» الَّتي لنفي الجنس دخلتْ على المذكوراتِ فنفت ذَواتها، وهي غيرُ منفيَّة، فيتوجَّهُ النَّفي إلى أوصافها وأحوالها الَّتي هي مخالفةٌ للشَّرعِ، فإنَّ العدوى والصَّفر والهامَة والتِّوَلةَ (٣) موجودةٌ فالمنفيُّ ما زعمت الجاهليَّة إثباته، فإنَّ نفيَ الذَّات لإرادةِ نفي الصِّفات أبلغُ؛ لأنَّه من بابِ الكناية (وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ (٤)) أي: كفرارك (٥) (مِنَ الأَسَدِ) فما مصدريَّةٌ. واستُشكلَ مع السَّابق وأكله ﷺ مع مجذومٍ، وقال: «ثقة باللهِ وتوكُّلًا عليه»، المروي في [ابن ماجه] (٦). وأُجيب بأنَّ المراد بنفي العَدوى أنَّ شيئًا لا يعدي بطبعهِ نفيًا لما كانت الجاهليَّة تعتقدُه من أنَّ الأمراض تُعدي بطبعِها من غيرِ إضافةٍ إلى الله تعالى كما سبق، فأبطلَ ﷺ اعتقادَهُم ذلك وأكل (٧) مع المجذومِ ليُبيِّن لهم أنَّ الله تعالى هو الَّذي يُمرضُ ويُشفي، ونهاهُم عن الدُّنوِّ من المجذومِ ليُبيِّن أنَّ هذا منَ الأسبابِ الَّتي أجرَى اللهُ العادة بأنَّها تُفضي إلى مُسبِّباتها، ففي نهيهِ إثباتُ الأسبابِ، وفي فعلهِ إشارةٌ إلى أنَّها لا تنتقلُ (٨)، بل الله هو الَّذي إن شاءَ سلبَها قُواها فلا تؤثِّر شيئًا، وإن شاءَ أبقاها فأثَّرتْ (٩) وعلى هذا جرى أكثرُ الشَّافعيَّة، وقيل: إنَّ إثباتَ العدوى

стр. 10342

في الجُذام ونحوه مخصوصٌ من عموم نفي العدوى، فيكونُ المعنى لا عدوى إلَّا من الجُذامِ والبرصِ والجربِ مثلًا، قالهُ القاضي أبو بكرٍ الباقلانيُّ، وقيل: الأمرُ بالفرارِ ليس من بابِ العدوى، بل لأمرٍ طبيعيٍّ، وهو انتقالُ الدَّاء من جسدٍ إلى جسدٍ بواسطة الملامسةِ والمخالطةِ وشمِّ الرَّائحةِ، فليس على طريقِ العَدوى بل بتأثيرِ الرَّائحةِ؛ لأنَّها تسقمُ مَنْ واظبَ اشتمامها ونحو ذلك، قالهُ ابنُ قُتيبة، وهو قريبٌ، وقيل: المرادُ بالفرارِ رعايةُ خاطرِ المجذومِ لأنَّه إذا رأى الصَّحيح البَدَنِ سليمًا من الآفة الَّتي (١) به عظمتْ مُصيبتهُ وحسرتُه واشتدَّ أسفهُ على ما ابتُليَ به، ونسيَ سائر ما أنعم اللهُ عليه، فيكونُ سببًا لزيادة محنةِ أخيهِ المسلمِ وبلائه، وقيل: لا عَدوى أصلًا رأسًا، والأمرُ بالفرار إنَّما هو حسمٌ للمادَّة وسدٌّ للذَّريعةِ؛ لئلَّا يحدُثَ للمُخالط شيءٌ من ذلك، فيظنُّ أنَّه بسبب المخالطة فيثبِتُ العدوى الَّتي نفاها ﷺ ، فأمرَ (٢) ﷺ بتجنُّب ذلك شفقةً منه ورحمةً، ويأتي مَزِيدٌ لذلك إن شاء اللهُ تعالى بعون اللهِ [خ¦٥٧٧٥]. (٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (المَنُّ شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ) أي: من داء العينِ، والمَنُّ بفتح الميم وتشديد النون، كُلُّ طَلٍّ (٣) ينزلُ من السَّماء على شجرٍ أو حجرٍ، ويَحلو وينعقدُ عسلًا ويجفُّ جفافَ الصَّمغِ (٤) كالشِّيرَخُشْتِ والتَّرَنْجَبِين، والمعروفُ بالمنِّ ما وقعَ على شجرِ البلُّوط معتدلٌ نافعٌ للسُّعال الرَّطب والصَّدر والرِّئة، وأطلقَ المؤلِّفُ على المنِّ شفاءً لأنَّ الحديثَ ورد أنَّ الكمأةَ منهُ وفيها شفاءٌ؛ فإذا ثبتَ الوصفُ للفرعِ كان ثبوتُه للأصلِ أولى.

стр. 10343

٥٧٠٨ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو مُوسى العَنَزيُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن جعفرٍ» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عُميرٍ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ) بفتح العين في الأوَّل، وضم الحاء المهملة وفتح الراء آخره مثلَّثة مصغَّرًا في الثاني، المخزوميَّ، له صحبةٌ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ) أي: ابن عَمرو بن نُفيلٍ العدويَّ، أحد العشرة المبشَّرة (١) ﵃ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الكَمْأَةُ) بفتح الكاف وسكون الميم بعدها همزة وتاء تأنيث. قال في «القاموس»: الكمءُ نباتٌ معروفٌ، وجمعه أَكْمُؤ وكمآت، أو هي اسمٌ للجمع أو هي للواحد، والكمءُ للجمع، أو هي تكون واحدةً وجمعًا. وقال غيرهُ: نباتٌ لا ورقَ له ولا ساق، توجدُ في الفلواتِ من غير أن تُزرع، وهي كثيرةٌ بأرضِ العربِ (٢) وتوجدُ بأرض الشَّامِ ومصرَ، وأجودُها ما كانت أرضُه رملةً قليلةَ الماءِ، وأنواعُها المشهورة ثلاثةٌ: أحدُها ما يضرب لونُه إلى الحُمرة وهي قتَّالة، والثَّاني يضربُ إلى البياض، وتُسمَّى الفَقع -بفتح الفاء وكسرها- وتسمَّى شحمةَ الأرضِ، والثَّالث (٣) إلى الغبرةِ والسَّوادِ وهي الَّتي تؤكلُ، وهي بأنواعها باردةٌ رطبةٌ في الدَّرجةِ الثَّانيةِ تؤكل نيِّئةً ومطبوخةً باللُّحومِ والأدهانِ والأفاويهِ، ولمَّا كانتِ الكمأةُ من النَّبات توجد عفوًا من غير علاجٍ ولا بذرٍ، قال ﷺ : الكمأةُ (مِنَ المَنِّ) أي: الَّذي امتنَّ الله به على عبادهِ من غير مشقَّةٍ، وفي مسلم «الكمأةُ من المنِّ الَّذي أُنزلَ على بني إسرائيل». واستُشكل: بأنَّ المنزَّلُ عليهم كان التَّرنجبينُ (٤) السَّاقط من السَّماء وهذا ينبتُ من

стр. 10344

الأرض. وأجيبَ باحتمالِ أنَّ الَّذي أُنزل عليهم كان أنواعًا منَّ اللهُ تعالى عليهم بها من النَّبات، ومن الطَّير الَّذي يسقطُ عليهم من غير اصطيادٍ، ومن الطَّلِّ السَّاقط على الشَّجرِ، والمنُّ مصدرٌ بمعنى المفعول، أي: ممنونٌ به، فلمَّا لم يكن لهم فيه شائبةُ كسبٍ كان (١) منًّا محضًا، وإن كانتْ (٢) نعمُ اللهِ على عبادهِ منًّا منه عليهم، فالكمأةُ (٣) فردٌ من أفراد المنِّ. (وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ) من دائها، أو مخلوطًا (٤) بدواءٍ كالكُحلِ والتُّوتيا، وقيل: إن كان لتبريدِ ما في العين من حرارةٍ فماؤُها مجردًا شفاء وإلَّا فمركبًا، وقال النَّوويُّ: والصَّحيحُ بل (٥) الصَّوابُ أنَّ ماءَها مُجرَّدًا (٦) شفاءٌ للعين مطلقًا، وقد جرَّبتُ أنا وغيري في زماننَا ممَّن (٧) ذهب بصرُه فكحَّل عينَه بماء الكمأةِ مجرَّدًا فشُفيَ وعاد إليه بصرُه، وهو الشَّيخُ العدلُ الكمال الدِّمشقيُّ صاحبُ رواية في الحديثِ، وكان استعماله لها اعتقادًا في الحديث وتبرُّكًا به. انتهى. وقيل: إنَّ استعمالها يكونُ بعد شيِّها واستقطارِ مائها؛ لأنَّ النَّار تلطِّفه وتُنضجه وتُذيب فضلاتهِ ورطوباتهِ الرَّديئة وتُبْقِي المنافع. وقيل (٨): المرادُ بمائها الماءُ الَّذي يحدثُ به من المطرِ، وهو أوَّلُ مطرٍ ينزلُ إلى الأرضِ، فتكون إضافة اقترانٍ لا إضافة جزءٍ. قال في «زاد المعاد»: وهذا أبعدُ الوجوهِ وأضعفُها، وفي «الطِّبِّ» لأبي نعيم عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «ضحكَتِ الجنَّةُ فأخرجَتِ الكمأةَ» ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «من العينِ». ((٩) قَالَ شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج بالإسناد السَّابق: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (الحَكَمُ) بفتح الحاء المهملة والكاف (بْنُ عُتَيْبَةَ) بضم العين مصغَّرًا، أبو محمَّد الكنديُّ الكوفيُّ (عَنِ الحَسَنِ) بفتح الحاء، ابن عبدِ الله (العُرَنِيِّ) بضم العين المهملة وفتح الراء بعدها نون، الكوفيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ)

стр. 10345

القرشيِّ المخزوميِّ الصَّحابيِّ الصَّغير المذكور (عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج: (لَمَّا) بالتَّشديد (حَدَّثَنِي) بالإفراد (بِهِ) بالحديث السَّابق (الحَكَمُ) بنُ عُتيبة (لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ المَلِكِ) بن عُميرٍ. قال الحافظُ ابن حجر: كأنَّه أراد أنَّ عبد الملك كبُر وتغيَّر حفظُه، فلمَّا حدَّث به شعبةُ توقَّف فيه، فلمَّا تابعهُ الحكم بروايتهِ ثبت عند شُعبة فلم يُنكرهُ وانتفى عنه التَّوقُّف فيه. (٢١) (بابُ اللَّدُودِ) بفتح اللام وبدالين مهملتين الأولى مضمومة بينهما واو، ما يُصبُّ منَ الدَّواءِ من أحدِ جانبي فم المريضِ. ٥٧٠٩ - ٥٧١٠ - ٥٧١١ - ٥٧١٢ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الكوفيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ) بضم عين الأوَّل (١)، ابن عتبةَ بن مسعودٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ) ﵃ (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيقَ (¬﵁ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ مَيِّتٌ) بعد أن كشفَ وجههُ وأكبَّ عليه. (قال) عُبيد الله: (وَقَالَتْ عَائِشَة: لَدَدْنَاهُ) ﷺ جعلنا الدَّواءَ في جانب فمهِ بغير اختياره (فِي مَرَضِهِ) الَّذي مات فيه (فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا، أَنْ لَا تَلُدُّونِي. فَقُلْنَا): هذا الامتناعُ (كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ) فـ «كراهيةُ»: رفعٌ خبر مبتدأ محذوفٍ، ولأبي ذرٍّ: «كراهيةً» بالنَّصب مفعولًا له، أي: نهانا لكراهيةِ الدَّواءِ، ويجوزُ أن يكون مصدرًا، أي: كرههُ (٢) كراهيةَ الدَّواءِ (فَلَمَّا أَفَاقَ) ﵊ (قَالَ:

стр. 10346

أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ (١) تَلُدُّونِي؟ قُلْنَا: كَرَاهِيَةَ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ. فَقَالَ) ﵊: (لَا يَبْقَى فِي البَيْتِ أَحَدٌ) ممَّن تعاطَى ذلك وغيره (إِلَّا لُدَّ) تأديبًا لهم لئلَّا يعودُوا، وتأديبُ الَّذين لم يُباشروا ذلك لكونهم لم ينهوا الَّذين فعلُوا بعد نهيه ﷺ أن يلدُّوه (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا العَبَّاسَ) عمَّه (فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ) حالة اللَّدودِ، وإنَّما أنكرَ التَّداوي لأنَّه كان غير ملائمٍ لدائه لأنَّهم ظنَّوا أنَّ به ذات الجَنْب فدَاووه بما يُلائمها و (٢) لم يكن به ذلكَ. والحديثُ قد مرَّ في: «باب مرضِ النَّبيِّ ﷺ ووفاته» [خ¦٤٤٥٨]. ٥٧١٣ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه قالَ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبةَ، وثبتَ: «ابن عبد اللهِ» لأبي ذرٍّ (عَنْ أُمِّ قَيْسٍ) بنت مِحْصَن الأسديَّة، أنَّها (قَالَتْ: دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي) قال الحافظُ ابنُ حجر: لم أعرف اسمهُ (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ أَعْلَقْتُ) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وسكون القاف، من الإعلاق (عَلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي و (٣) الكُشميهنيِّ: «عنهُ» (مِنَ العُذْرَةِ) بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة، وجعُ الحلقِ من هيجانِ الدَّمِ، وهو سقوطُ (٤) اللَّهاة، وقيل: غير ذلك كما مرَّ [خ¦٥٦٩٢] والعِلاقُ هو أن تؤخذَ خرقةٌ فتفتلُ فتلًا شديدًا، وتدخلُ في أنف الصَّبيِّ ويطعنُ ذلك الموضعُ فينفجرُ منه دمٌ أسودُ،

стр. 10347

ويدخل الأصبع في حلقهِ ويرفع ذلك الموضع ويكبسُ (فَقَالَ) صلواتُ الله وسلامه عليه: (عَلَى مَا) بإثباتِ ألف ما الاستفهاميَّة المجرورة وهو قليلٌ، ولأبي ذرٍّ: «عَلَامَ (١)» بإسقاطها، أي: لأيِّ شيءٍ (تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ) خطابٌ للنِّسوة -بفتح المثناة الفوقية وسكون الدال المهملة وفتح الغين المعجمة وسكون الراء- ترفعنَ بأصابعكنَّ فتؤلمنَ الأولاد (بِهَذَا العِلَاقِ) بكسر العين المهملة، وضبطه في «التَّنقيح» بفتحها، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بهذَا الإِعْلَاقِ» بهمزة مكسورة (عَلَيْكُنَّ بِهَذَا العُودِ الهِنْدِيِّ) وهو الكُسْتُ السَّابق ذِكْرُه (٢) قريبًا [خ¦٧٦/ ١٠ - ٨٤٧٨] (فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ) أي: أدويةٍ (مِنْهَا ذَاتُ الجَنْبِ يُسْعَطُ) بضم أوله وفتح العين، به (مِنَ العُذْرَةِ، وَيُلَدُّ) به (مِنْ ذَاتِ الجَنْبِ) قال سفيانُ: (فَسَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: بَيَّنَ لَنَا) رسولُ الله ﷺ (اثْنَيْنِ) اللَّدود والسَّعوطَ (وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا خَمْسَةً) من السَّبعة. وقد سبقَ من كلام الأطبَّاءِ ما يؤخذُ منه الخمسة الباقيةُ. قال عليُّ بن المدينيِّ: (قُلْتُ) لسفيان: (فَإِنَّ مَعْمَرًا) أي: ابن راشدٍ (يَقُولُ: أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ. قَالَ) سفيانُ: (لَمْ يَحْفَظْ) أعلقتُ عليه (إِنَّمَا قَالَ: أَعْلَقْتُ عُنهُ، حَفِظْتُهُ مِنْ فِي الزُّهْرِيِّ) أي: من (٣) فمهِ (وَوَصَفَ سُفْيَانُ الغُلَامَ يُحَنَّكُ) بفتح النون المشددة (بِالإِصْبَعِ، وَأَدْخَلَ سُفْيَانُ فِي حَنَكِهِ إِنَّمَا يَعْنِي رَفْعَ) بفتح الراء وسكون الفاء (حَنَكِهِ بِإِصْبَعِهِ) لا تعليق شيءٍ فيه (وَلَمْ يَقُلْ: أَعْلِقُوا) بكسر اللام (عَنْهُ شَيْئًا). (٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ.

стр. 10348

٥٧١٤ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، المروزيُّ قالَ: (أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك المروزيُّ قالَ: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين بينهما، ابن راشدٍ (وَيُونُسُ) بنُ يزيدَ الأيليُّ، قالا: (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) في مرضِ موتهِ (وَاشْتَدَّ به وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي (٢)) بضم التَّحتية وفتح الميم والراء المشددة، من التَّمريض، وهو تعاهدُ (٣) المريضِ (فَأَذِنَّ له) أزواجهُ في ذلكَ (فَخَرَجَ) ﷺ (بَيْنَ رَجُلَيْنِ، تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأَرْضِ) من الوجعِ (بَيْنَ عَبَّاسٍ) عمِّه (وَ) رجلٍ (آخَرَ) قالَ عُبيد الله: (فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) بقول عائشة (فقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ الَّذي لم تُسمِّ عائشة؟) قال: عُبيد الله (٤): (قُلْتُ: لَا. قَالَ) ابنُ عبَّاسٍ: (هُوَ عَلِيٌّ) وإنَّما لم تذكره عائشة لأنَّه لم يكن مُلازمًا للنَّبيِّ ﷺ في تلك الحالة من أوَّلها إلى آخرها، ففي بعض الرِّوايات -كما مرَّ- ذِكْرُ أسامةَ أو الفضل بن العبَّاس وثوبان وبُريدة، فتعدَّد من اتَّكأ عليه بتعدُّد خُروجه (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهَا وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ: هَرِيقُوا) بهاء مفتوحة، صبُّوا (عَلَيَّ) ماءً (مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ) بضم المثناة الفوقية وسكون الحاء المهملة وفتح اللام الأولى (أَوْكِيَتُهُنَّ) جمعُ وكاءٍ، الخيطُ الَّذي تربطُ به القربةُ، وقد ذُكِرَ في حكمة السَّبع أنَّ له خاصيَّةً في دفعِ ضرر السُّمِّ، وقد ورد أنَّه ﷺ قال: «هذَا أوانُ انقطاعِ أبهَرِي من ذلك السُّمِّ» [خ¦٤٤٢٨] يريد: سَمَّ الشَّاة الَّتي أكلَ منها بخيبر (لَعَلِّي أَعْهَدُ

стр. 10349

إِلَى النَّاسِ) أي: أُوصي (قَالَتْ) عائشةُ: (فَأَجْلَسْنَاهُ) ﷺ (فِي مِخْضَبٍ) بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمتين، يعني (١) إجَّانة (لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ طَفِقْنَا) بكسر الفاء، جعلنا (نَصُبُّ عَلَيْهِ) الماء (مِنْ تِلْكَ القِرَبِ) السَّبع (حَتَّى جَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ) بنون النِّسوة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فعلْتُمْ» «بالميم» بدل: «النون»، وكلاهما صحيحٌ باعتبارِ الأنفُس والأشخاصِ أو على التَّغليب (قَالَتْ) عائشةُ: (وَخَرَجَ) ﷺ (إِلَى النَّاسِ) المسجدِ (فَصَلَّى لَهُمْ (٢) وَخَطَبَهُمْ) وفي نسخة: «فصلَّى بهمْ وخطبَهُم» (٣) فقال -كما عند الدَّارميِّ (٤) -: «إنَّ عبدًا عُرِضَتْ عليه الدُّنيا وزينتُهَا فاختارَ الآخرةَ» فلم يفطن لها غيرُ أبي بكرٍ فذرفتْ عيناهُ. الحديث. ومرَّ في «الوفاة» [خ¦٤٤٤٢] والغرضُ منه هنا -كما في «الفتح» - قوله: «هريقُوا عليَّ من سبعِ قِرَبٍ لم تُحْلَلْ أوكيتُهنَّ». (٢٣) (بابُ العُذْرَةِ) وهي -كما مرَّ [خ¦٥٦٩٢]- بضم المهملة وسكون المعجمة، وجعُ الحلقِ ويُسمَّى سقوط اللَّهاة -بفتح اللام- اللَّحمة الَّتي في أقصى الحلقِ، والمرادُ وجعُها، سُمِّي باسمها، أو هو موضعٌ قريبٌ من اللَّهاة. ٥٧١٥ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ

стр. 10350

(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعودٍ (أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين (الأَسَدِيَّةَ أَسَدَ خُزَيْمَةَ وَكَانَتْ مِنَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ اللَاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهْيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ) بن مِحْصَنٍ (أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا، قَدْ) وللكُشمِيهنيِّ: «وَقد» بالواو (أَعْلَقَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُذْرَةِ) عالجتهُ من وجع حلقهِ برفع حنكه بإصبعها (فَقَالَ) لها (النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى مَا) بألف بعد الميم، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «عَلَامَ» بحذفها، لأيِّ شيءٍ (تَدْغَرْنَ) بالدال المهملة والغين المعجمة، خطابٌ للنِّسوة لِمَ تَغْمِزْنَ حُلوقَ (أَوْلَادَكُنَّ (١) بِهَذَا العَِلَاقِ) بكسر العين وفتحها، المؤلم لهم (عَلَيْكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عليكُنَّ» بالنون بدل الميم، وهما (٢) باعتبارِ الأشخاصِ والأنفسِ كما مرَّ مثلهُ (٣) قريبًا [خ¦٥٧١٤] (بِهَذَا العُودِ الهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ) أدويةٍ (مِنْهَا ذَاتُ الجَنْبِ) الألمُ العارضُ فيه من رياحٍ غليظةٍ مؤذيةٍ بين الصِّفاقات (يُرِيدُ) ﵊ بالعودِ الهنديِّ (الكُسْتَ) بالكاف المضمومة وسكون السين المهملة (وَهْوَ العُودُ الهِنْدِيُّ. وَقَالَ يُونُسُ) بنُ يزيد الأيليُّ، فيما (٤) وصلهُ مسلمٌ (وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ) الجزريُّ، فيما يأتي -إن شاء اللهُ تعالى- في «بابِ ذات الجَنْب» [خ¦٥٧١٨] (عَنِ الزُّهْرِيِّ: عَلَّقَتْ) بتشديد اللام من غير همز (عَلَيْهِ) والصَّوابُ أعلقت بالهمز، والاسمُ العَِلاقَ. قال القاضي عياض: وقعَ في «البُخاريِّ» علَّقَتْ وأعلَقَتْ والعِلاقُ والإعلاقُ في أُخرى، والكلُّ بمعنى جاءت به الرِّوايةُ، لكنَّ أهل اللُّغة إنَّما يذكرون أعلقتْ والإعِلاقُ رباعيٌّ. (٢٤) (بابُ دَوَاءِ المَبْطُونِ) الَّذي يشتكي بطنَهُ من الإسهالِ المُفرط.

стр. 10351

٥٧١٦ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالشين المعجمة المشددة بعد الموحدة، المعروف ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندرٍ قالَ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة الأكمه المفسِّر (عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ) عليِّ بن داودَ النَّاجيِّ -بالنون والجيم- (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) لم أعرف اسمه (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ) بفتح التاء الفوقية واللام، وبطنهُ رفعٌ، وضبطهُ في «الفتح» مبنيًّا للمفعولِ، أي: تواتر إسهال بطنه (فَقَالَ) ﵊ له: (اسْقِهِ عَسَلًا) فإنَّه دواءٌ لدفْعِه الفضول المجتمعة في نواحِي المعدةِ لما فيه من الجلاءِ، ودفع الفضول الَّتي تصيبُ المعدة من الأخلاطِ اللَّزجةِ المانعةِ من استقرارِ الغذاء (١)، وللمعدةِ خَملٌ كخَملِ المنشفةِ، فإذا عَلقت بها الأخلاط اللَّزجةُ أفسدتْها وأفسدتِ الغذاءَ الواصل إليها، فكان دواؤُها باستعمالِ ما يجلُو تلك الأخلاط، والعسلُ أقوى فعلًا في ذلك لا سيَّما إنْ مُزِجَ بالماء الحارِّ، وهذا الرَّجلُ كان استطلاقُ بطنهِ من هَيْضَةٍ حدثتْ (٢) لهُ من الامتلاءِ وسوء الهضم (فَسَقَاهُ) العسلَ فلم ينجع، فأتى النَّبيَّ ﷺ (فَقَالَ: إِنِّي سَقَيْتُهُ) العسلَ (فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا) لجذبهِ الأخلاط الفاسدة وكونه أقلَّ من كميَّة تلك الأخلاطِ، فلم يدفعها بالكُلِّية (فَقَالَ) ﷺ : (صَدَقَ اللهُ) حيثُ قال: ﴿فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] (وَكَذَبَ) أي: أخطأَ (بَطْنُ أَخِيكَ) حيثُ لم يحصل له الشِّفاءُ بالعسلِ، فبقاءُ الدَّاء إنَّما هو لكثرَة المادَّة الفاسدة، ولذا أمرهُ ﷺ بمعاودةِ شُرب العسلِ لاستفراغها، فلمَّا كرَّر ذلك برأَ، كما في الرِّواية الأُخرى أنَّه سقاهُ الثَّانية والثَّالثةَ [خ¦٥٦٨٤] وعند أحمدَ فقال في الرَّابعة: «اسقهِ عسلًا» قال: فأظنُّه قالَ: فسقاهُ فبرأ فقالَ رسولُ الله ﷺ في الرَّابعةِ: «صدقَ اللهُ وكذَبَ بطنُ أخيكَ». والحديثُ أورده المؤلِّفُ هنا مختصرًا، ففيه حذفٌ كما لا يخفى. (تَابَعَهُ) أي: تابعَ محمَّد بن جعفر (النَّضْرُ) بالنون والضاد المعجمة، ابنُ شُميل في روايتهِ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاجِ فيما وصله إسحاقُ بنُ رَاهُوْيَه في «مسنده».

стр. 10352

(٢٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا صَفَرَ) بالتَّحريك (وَهْوَ دَاءٌ يَأْخُذُ البَطْنَ) زادَ في «القاموس» يُصفِّرُ الوجهَ. ٥٧١٧ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، القُرشيُّ (عَنْ صَالِحٍ) أي: ابن كَيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه قالَ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (وَغَيْرُهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا عَدْوَى) نفيٌ لما كانوا يعتقدونهُ من سرايةِ المرض من صاحبهِ إلى غيره (وَلَا صَفَرَ) نفيٌ لما يَعتقدونه (١) من أنَّه داءٌ بالباطنِ يُعدي، أو حيَّةٌ في البطن تُصيب الماشيةَ والنَّاسَ، وهي تُعْدِي أعدى من الجربِ، ورجَّح المؤلِّفُ هذا القولَ لاقترانهِ في الحديثِ بالعَدوى، أو المرادُ (٢): الشَّهرُ المعروفُ كانُوا يتشاءمونَ بدخوله أو هو داءٌ في البطنِ من الجوعِ، أو من اجتماعِ الماءِ الَّذي يكون منه الاستسقاءُ (وَلَا هَامَةَ) بتخفيف الميم، طائرٌ، وقيل: هو البومةُ، قالوا (٣): إذا سقطت على دارِ أحدهم وقعتْ فيها مصيبةٌ، وقيل: غيرُ ذلك ممَّا مرَّ [خ¦٥٧٠٧] (فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ) لم يُسمَّ: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا بَالُ إِبِلِي تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ) في النَّشاطِ والقوَّةِ والسَّلامةِ من الدَّاء، و «الظِّباءُ» بكسر الظاء المعجمة، مهموز ممدود، و «في الرَّملِ» خبرُ كان، و «كأنَّها الظِّباءُ» حالٌ من الضَّميرِ المستترِ في الخبر، وهو تتميمٌ لمعنى النَّقاوةِ، وذلك لأنَّها (٤) إذا كانت (٥) في

стр. 10353

التَّراب ربَّما يلصقُ بها (١) شيءٌ منه (فَيَأْتِي البَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا) بضم الياء وكسر الراء (فَقَالَ) ﷺ رادًّا عليه ما يعتقدهُ من العدوى: (فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ) وهذا جوابٌ في غايةِ البلاغةِ والرَّشاقةِ، أي: من أين جاء الجربُ للَّذي (٢) أعدَى بزعمِهم، فإن أجابُوا من بعيرٍ آخرَ لزم التَّسلسلُ، أو بسببٍ (٣) آخر فليُفصِحوا بهِ، فإن أجابوا بأنَّ الَّذي فعله في الأوَّل هو الَّذي فعلهُ في الثَّاني ثبتَ المدَّعى، وهو أنَّ الَّذي فعل جميع ذلك هو القادرُ الخالقُ لا إله غيره ولا مؤثِّر سواهُ. (رَوَاهُ) أي: الحديثَ المذكورَ (الزُّهْرِيُّ) مُحمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ) يزيد بن أُميَّة كلاهما، عن أبي هُريرة، وتأتي (٤) روايةُ كلٍّ منهما إن شاء الله تعالى في «باب لا عدوى» [خ¦٥٧٧٥] بعون الله وقوَّته. (٢٦) هذا (بابُ) ذكر دواء داءِ (ذَاتِ الجَنْبِ) الحادث في نواحِي الجنبِ من رياحٍ غليظةٍ تحتقنُ (٥) بين الصِّفاقات (٦) والعَضَل الَّذي في الصُّدورِ (٧) والأضلاعِ.

стр. 10354

٥٧١٨ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (١) (مُحَمَّدٌ) بن يحيى بنِ عبد الله بنِ خالد ابنِ فارس، الذُّهليُّ النَّيسابوريُّ الحافظُ، وقال الكِرمانيُّ: هو محمَّدُ بن سلام، وجزم بالأوَّل الحافظُ ابنُ حجرٍ. قالَ: (أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ) بفتح العين المهملة والفوقية المشددة وبعد الألف موحدة، و «بشيرُ» بفتح الموحدة وكسر المعجمة، الجزريُّ (٢) (عَنْ إِسْحَاقَ) بن راشدٍ الجزريِّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعودٍ (أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ) الأسديَّةَ، ويقالُ: أنَّ اسمها آمنة (وَكَانَتْ مِنَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ اللَاتِي) وفي نسخة: «الَّتي» (بَايَعْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَهْيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا وقَدْ عَلَّقَتْ) بتشديد اللام من غير همزٍ، ولأبي ذرٍّ: «أعلقت» (عَلَيْهِ مِنَ العُذْرَةِ) أي: رفعت حنكهُ بإصبعها ففجَّرتِ الدَّم، والهمزةُ في أعلقَتْ للإزالةِ، أي: أزالتِ الآفة عنه (فَقَالَ) ﷺ : (اتَّقُوا اللهَ، عَلَى مَا) بالألف بعد الميم (تَدْغَرُونَ أَوْلَادَكُمْ) بفتح التاء والغين وبعد الراء واو، و «أولادكُم» بميمٍ بعد الكافِ، خطابٌ لجمع الذُّكورِ، وللحَمُّويي والمُستملي: «علَامَ» بغير ألفٍ «تدغَرْنَ» بسكون الراء من غير واو و «أولادَكُنَّ» بنون مثقلة بدل الميم، خطاب لجمع (٣) المؤنَّث، أي: تغمِزنَ بإصبعكم حلقَ أولادكنَّ (بِهَذِهِ الأَعْلَاقِ) بفتح الهمزة. قال ابنُ الأثيرِ: والصَّوابُ الكسر مصدرُ أعلقَتْ (عَلَيْكُمْ بِهَذَا العُودِ الهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ) من سبعة أدواء (مِنْهَا ذَاتُ الجَنْبِ) أي: صاحبةُ الجنبِ، ومعناه باليونانيَّةِ ورمُ الجَنبِ، وهو من الأمراض الخَطرةِ لأنَّه يحدثُ بين القلبِ والكبدِ، وهو من سيِّئِ الأسقامِ، وينقسم قسمينِ: حقيقيٍّ وغير حقيقيّ، فالأوَّلُ ورمٌ حارٌّ (٤) يَعْرِضُ في الغشاءِ المستبطن للأضلاعِ، ويعرضُ منه خمسةُ أشياء الحمَّى، والسُّعال، والوجعُ النَّاخِسُ، وضيقُ النَّفس، والنَّبضُ (٥) المِنْشاريُّ. والثَّاني: ألمٌ يعرضُ في نواحي الجنبِ عن رياحٍ غليظةٍ مؤذيةٍ تحتقنُ بين الصِّفاقات فتُحْدِثُ وجعًا قريبًا من ذات الجنبِ

стр. 10355

الحقيقيِّ، والعلاجُ المذكورُ في هذا الحديث إنَّما هو لهذا القسم الثَّاني لأنَّ العودَ الهنديَّ هو الَّذي يُداوى به الرِّيح الغليظ. قال المُسبِّحيُّ: العودُ حارٌّ يابسٌ قابضٌ يحبسُ البطن، ويقوِّي الأعضاء الباطنة، ويطردُ الرِّيح، ويفتحُ السُّدد، ويُذهب فضل الرُّطوبة. قال: ويجوزُ أن ينفعَ من ذاتِ الجنب الحقيقيِّ إذا كانت ناشئةً عن مادَّةٍ بلغميَّةٍ ولاسيَّما في وقت انحطاط (١) العلَّة، وخَصَّ ذات الجَنْب بالذِّكر دون البواقي لأنَّه أصعبُها؛ لأنَّه قلَّ من (٢) يسلمُ منه من ابتلي به (يُرِيدُ) بالعود الهنديِّ (الكُسْتَ) بالكاف المضمومة والمهملة الساكنة، بعدها فوقية (يَعْنِي القُسْطَ. قَالَ) الزُّهريُّ: (وَهْيَ لُغَةٌ) في القُسط بالقاف، وفيه لغةٌ ثانيةٌ: كُسدٌ، وكُسطٌ -بالدال والطاء المهملتين-. وهذا الحديثُ قد مضى قريبًا في «باب اللَّدودِ» [خ¦٥٧١٣]. ٥٧١٩ - ٥٧٢٠ - ٥٧٢١ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَارِمٌ) بالعين والراء المهملتين بينهما ألف، أبو النُّعمانِ محمَّدُ بن الفضل السَّدوسيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيدٍ (قَالَ: قُرِئَ) بضم القاف مبنيًّا للمفعول (عَلَى أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (مِنْ كُتُبِ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ الجَرْميِّ -بالجيم- (مِنْهُ) أي: من المقروءِ (مَا حَدَّثَ بِهِ) أيوبُ، عن أبي قلابةَ (وَمِنْهُ مَا قُرِئَ عَلَيْهِ، وَكَانَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ بالفاء (هَذَا فِي الكِتَابِ) المنسوب لأبي قِلابةَ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابنُ مالكٍ، وللكُشميهنيِّ: «وكانَ قرأَ الكتابَ» بدل قوله: «وكانَ هذَا في الكتَابِ». قال في «الفتح»: وهو تصحيفٌ. وعند الإسماعيليِّ بعد قوله: في الكتابِ: «غير مسمُوعٍ». قال الحافظُ ابن حَجر: ولم أرَ هذه اللَّفظةَ في

стр. 10356

شيءٍ من نسخ «البُخاريِّ» (أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ) زيدَ بن سهلٍ زوجَ والدة أنسٍ أمِّ سُلَيمٍ (وَأَنَسَ بْنَ النَّضْرِ) بالنون والضاد المعجمة، عمَّ أنس بن مالك بن النَّضر (كَوَيَا أَنَسًا) من ذاتِ الجَنْب (وَكَوَاهُ أَبُو طَلْحَةَ) زيدٌ (بِيَدِهِ) أسندَ الفعلَ لأبي طلحةَ وابن النَّضر لرضاهما به، ثمَّ أسندهُ لأبي طلحةَ لمباشرته له بيدهِ. (وَقَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ) بفتح العين والموحدة المشددة، النَّاجيُّ -بالنون والجيم-، ممَّا وصلهُ أبو يعلى (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد اللهِ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: أَذِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الأَنْصَارِ) هم آلُ عَمرو بن حزمٍ، رواه مسلمٌ (أَنْ يَرْقُوا) بأن يرقُوا، أي: بالرُّقيةِ، فأن مصدريَّةٌ (مِنَ الحُمَةِ) بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم، أي: من السُّمِّ (وَ) من وجعِ (الأُذُنِ) واستُشكِل هذا مع قوله السَّابق: «لا رقيةَ إلَّا من عينٍ أو حُمَةٍ» [خ¦٥٧٠٥]. وأُجيب باحتمالِ الرُّخصة بعد المنع، أو أنَّه لا رقيةَ أنفعُ من رقيةِ العينِ والحمة، ولم يرد نفيَ الرُّقى من (١) غيرهما (قَالَ أَنَسٌ: كُوِيْتُ) بضم الكاف مبنيًّا للمفعولِ (مِنْ ذَاتِ الجَنْبِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حَيٌّ) يريد: ولم ينكر عليه (٢) (وَشَهِدَنِي أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو طَلْحَةَ كَوَانِي) وفي هذا (٣) إيضاحٌ لقوله: إنَّ أبا طلحةَ وأنس بن النَّضر كَويا، والتَّصريحُ بأنَّ الكيَّ كان لذات الجَنب، وليس لعبَّاد بن منصور في «البُخاريِّ» سوى هذا الموضعِ المعلَّق، وهو من كبارِ التَّابعين لكنَّه رُميَ بالقدرِ إلَّا أنَّه لم يكنْ داعيةً. (٢٧) (بابُ حَرْقِ الحَصِيرِ لِيُسَدَّ بِهِ) أي: برمادهِ (الدَّمُ) أي: مجاري الدَّم، أو ضَمَّن يسدَّ معنى يقطعُ وهو الوجه، وقال القاضي عياض والسَّفاقسيُّ: الصَّوابُ إحراقُ -يعني بالهمزة- لأنَّ الفعلَ أحرقتُه لا حرَّقتهُ. وأجيبُ … (٤).

стр. 10357

٥٧٢٢ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين وفتح الفاء مصغَّرًا، البصريُّ، اسمُ أبيهِ كثير، ونسبهُ لجدِّهِ لشُهرته به، قالَ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَارِيُّ) بتشديد التحتية من غير همز (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) رضي الله تعالى عنه، أنَّه (قَالَ: لَمَّا كُسِرَتْ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبِيِّ» (¬ ﷺ البَيْضَةُ) وهي قلنسوة من حديدٍ (وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ) الشَّريفُ (وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ) بفتح الراء وتخفيف الموحدة، السِّنُّ الَّتي بين الثَّنيَّتينِ (١) (وَكَانَ عَلِيٌّ) ﵁ (يَخْتَلِفُ بِالمَاءِ) أي: يذهبُ ويجيءُ به (فِي المِجَنِّ) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون، التِّرس (وَجَاءَتْ (٢) فَاطِمَةُ) الزَّهراء ﵂ (تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ) المقدَّس (٣) (الدَّمَ) ليجمدَ ببرد الماءِ (فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ ﵍ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى المَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ) بفتح الميم (إِلَى حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا) أي: قطعةً منها (وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَقَأَ الدَّمُ) بفاء وراء وقاف مفتوحات فهمزة، أي: فانقطعَ لأنَّ الرَّمادَ من شأنهِ القبض لما فيه من التَّجفيفِ. والحديثُ قد سبقَ في «غزوةِ أُحدٍ»، في «بابِ ما أصابَ النَّبيَّ ﷺ من الجراحِ يوم أُحدٍ» [خ¦٤٠٧٥].

стр. 10358

(٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) من سُطوعِ حرِّ جهنَّم وفَورانها حقيقة، أُرْسِلَتْ إلى الدُّنيا نذيرًا (١) للجَاحدين وبشيرًا للمُقرِّين؛ لأنَّها كفَّارةٌ لذنوبهم، أو من باب التَّشبيه شبَّه اشتعالَ حرارة الطَّبيعة في كونها مذيبةً للبدن ومُعذِّبة له بنارِ جهنَّم، ففيه تنبيهٌ للنُّفوسِ على شدَّة حرِّ جهنَّم (٢) أعاذنَا الله منها ومن سائر المكارهِ بمنِّه وكرمهِ آمين، والأوَّلُ أولى. قال الطِّيبيُّ: «من» ليست بيانيَّة حتَّى يكون تشبيهًا، كقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فهي إمَّا ابتدائية، أي: الحمَّى نشأت وحصلتْ من فيحِ جهنَّم، أو تبعيضيَّة، أي: بعضٌ منها. قال: ويدلُّ على هذا التَّأويل ما في «الصَّحيح» [خ¦٥٣٧] «اشتكتِ النَّارُ إلى ربِّها فقالت: ربِّ أكلَ بعضي بعضًا، فأذن (٣) لها بنفسَين: نفسٍ في الشِّتاءِ ونفسٍ في الصَّيفِ»، وكما أنَّ حرارةَ الصَّيفِ أثرٌ من فيحها كذلك الحُمَّى. والحمَّى: حرارةٌ غريبةٌ تشتعلُ في القلبِ، وتنتشرُ منه بتوسُّطِ الرُّوحِ والدَّم في العُروقِ إلى جميعِ البدنِ، وهي قسمان عرضيَّةٌ وهي الحادثةُ عن ورمٍ، أو حركةٍ، أو إصابةِ حرارةِ الشَّمسِ، أو القبضِ (٤) الشَّديدِ ونحوها، ومرضيَّةٌ وهي ثلاثةُ أنواع، وتكونُ عن (٥) مادَّةٍ، ثمَّ منها ما يُسَخِّنُ جميعَ البدنِ، فإن كان مبدأ تعلُّقها بالرُّوح فهي حُمَّى يومٍ لأنَّها تُقْلِعُ (٦) غالبًا في يومٍ ونهايتُها إلى ثلاثٍ، وإن كان تعلُّقها بالأعضاء الأصليَّة فهي حُمَّى دِقٍّ وهي أخطرها، وإن كان تعلُّقها بالأخلاطِ سُمِّيت عفَنِيَّةً (٧) وهي بعددِ (٨) الأخلاطِ الأربعةِ، وتحت هذه الأنواعِ المذكورةِ أصنافٌ كثيرةٌ بسبب الإفراد والتَّركيب.

стр. 10359

٥٧٢٣ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ، سكن مصر (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (١) (ابْنُ وَهْبٍ) قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمامُ دارِ الهجرة، ابنُ أنسٍ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) عبد اللهِ (¬﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) مُرشدًا لأهلِ الحجازِ ومن والاهم، ومن به الحُمَّى الصَّفراويَّةُ، أو العرضيَّةُ (الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) بفتح الفاء وسكون التَّحتية بعدها حاء مهملة (فَأَطْفِئُوهَا) بقطع الهمزة وكسر الفاء، بعدها همزة مضمومة، أمر بإطفاءِ حرارتها (بِالمَاءِ) شُربًا، وغسل الأطرافِ (٢). زاد أبو هريرةَ في حديثه عند ابنِ ماجه «البَارد»، وفي حديث ابنِ عبَّاسٍ عند الإمام أحمد «بماء زمزمٍ» ولفظ البُخاريِّ «الحُمَّى من فيحِ جهنَّم فأبردُوْها بالماءِ -أو بماءِ زمزم-» شكَّ همَّام [خ¦٣٢٦١] وتمسَّك به من قال: إنَّ ذكرَ ماء زمزم ليس قيدًا لشَكِّ راويه (٣) فيه، وتُعُقِّبَ: بأنَّ أحمد رواهُ عن عفَّان عن همَّام بغير شكٍّ. وأجيب: على تقديرِ عدم الشَّكِّ بأنَّ الخطابَ لأهل مكَّة خاصَّةً لتيسر (٤) ماءِ زمزمَ عندهم، وبأنَّ الخطابَ بمطلق الماءِ لغيرهم. وحديثُ الباب أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ». (قَالَ نَافِعٌ) مولى ابنِ عمر بالإسناد السَّابقِ: (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بنُ عمر ﵄ (يَقُولُ) في الحُمَّى: اللَّهمَّ (اكْشِفْ عَنَّا الرِّجْزَ) أي: العذابَ، واستشكلَ طلبه كشفها مع ما فيها من الثَّوابِ. وأجيب بأنَّ طلبه ذلك لمشروعيَّة الدُّعاءِ بالعافية؛ إذ إنَّه قادرٌ على تكفير سيِّئاتِ عبدهِ وتعظيمِ ثوابهِ من غيرِ سبب شيءٍ يشقُّ (٥) عليه.

стр. 10360

٥٧٢٤ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ) هو: ابنُ عُروةَ (عَنْ) ابنة عمِّه وزوجتهِ (فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ) بن الزُّبير (أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ) ولأبي ذرٍّ: «ابْنَةَ» (أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄ كَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بِالمَرْأَةِ قَدْ حُمَّتْ) بضم الحاء وفتح الميم المشددة، حال كونها (تَدْعُو لَهَا، أَخَذَتِ المَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا) بين المحمومة (وَبَيْنَ جَيْبِهَا) بفتح الجيم وكسر الموحدة بينهما تحتية ساكنة، وهو ما يكون مُفْرَجًا من الثَّوب كالطَّوقِ والكمِّ (قَالَتْ) أسماءُ: (وَكَانَ) ولأبي ذرٍّ: «وقالَتْ: كانَ» (رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَبْرُدَهَا بِالمَاءِ) بفتح النون وضم الراء بينهما موحدة ساكنة، ولأبي ذرٍّ -كما في «الفتح» -: «أنْ نُبَرِّدهَا» بضم ففتح فكسر مع تشديد، وفيه كيفيَّةُ التَّبريدِ المطلق في الحديث السَّابقِ والصَّحابيُّ، ولاسيَّما أسماءُ بنت أبي بكرٍ الَّتي كانت ممَّن يلزمُ بيته ﷺ وهي (١) أعلمُ بمرادهِ ﷺ من غيره (٢)، ولعلَّ هذا هو الحكمةُ في سياق المؤلِّف حديثها عقبَ حديثِ ابن عمرَ المذكور، فللَّه درُّه ما أدَّقَ نظره، وأبدعَ ترتيبهُ ﵀ وإيَّانا، وقد تبيَّن أنَّ المراد استعمالُ الماء على وجهٍ مخصوصٍ لا اغتسال جميع البَدن، وحينئذٍ فلم يبق للمُعترضِ بأنَّ المحمومَ إذا انغمسَ في الماء أصابته الحمَّى، فاحتقنتِ الحرارةُ في باطن بدنهِ وربَّما أحدثتْ له مرضًا مهلكًا إلَّا مرض الدِّعة (٣). وأمَّا حديثُ ثوبان رفعه: «إذا أصابَ أحدكُم الحمَّى وهي قطعةٌ من النَّار، فليطفئْهَا عنه بالماءِ، يستنقعُ في نهرٍ جارٍ ويستقبلُ جريتهُ، وليقل: بسم اللهِ، اللَّهمَّ اشفِ عبدَك، وصدِّق رسولكَ بعد صلاةِ الصُّبح قبل طلوع الشَّمس، ولينغَمِس فيه ثلاثَ غمساتٍ ثلاثة أيَّامٍ، فإن لم يبرَأ فخمسٌ، وإلَّا فسبعٌ، وإلَّا فتسعٌ (٤)، فإنَّها لا تكادُ تجاوِزُ تسعًا بإذنِ اللهِ تعالى»، فقال

стр. 10361

التِّرمذيُّ: غريبٌ، وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ: في سندهِ سعيدُ بن زُرعة مختلفٌ فيه. انتهى. وعلى تقدير ثبوتهِ فهو شيءٌ خارجٌ عن قواعد الطِّبِّ داخلٌ في قسم المعجزاتِ الخارقة للعادةِ، ألا ترى كيف قال فيه: «صدِّق رسولك وبإذن اللهِ» وقد شوهد وجرِّب فوجد كما نطقَ به الصَّادقُ المصدوقُ ﷺ قالهُ في «شرح المشكاة»، ويحتملُ أن يكون لبعضِ الحُمِّيَّات دون بعضٍ. وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وابنُ ماجه في «الطِّبِّ». ٥٧٢٥ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الحافظُ قالَ: (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان قالَ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) قالَ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ ابن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) سُطوعها وفَورانها من جهنَّم حقيقةً، أو أخرجهُ مخرج التَّمثيل والتَّشبيه، أي: كأنَّها نارُ جهنَّم في حرِّها (فَابْرُدُوهَا) بهمزة وصل وسكون الموحدة وضم الراء على المشهور، وحُكي كسرها، يقال: بَرَدْت الحُمَّى أَبْرُدُها بَرْدًا، بوزن: قَتَلْتُها أَقْتُلُها قَتْلًا، أي: أَسْكِنُوا حرَّها (بِالمَاءِ). وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ. ٥٧٢٦ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سلَّام -بتشديد اللام- ابنُ سليم الحنفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ) والدُ سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ) بفتح العين والموحدة المخففة، و «رِفاعةَ»: بكسر الراء وتخفيف الفاء (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وتسكين التحتية بعدها جيم، الأنصاريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسولَ اللهِ» (¬ ﷺ يَقُولُ: الحُمَّى مِنْ فَوْحِ) بالواو الساكنة بعد الفاء المفتوحة، آخره حاء مهملة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «منْ فيحِ» (جَهَنَّمَ)

стр. 10362

بالياء بدل الواو، وهما بمعنى، كالفور بالراء بعد الواو (فَابْرُدُوهَا بِالمَاءِ) بهمزة الوصل وضم الراء، وحكى القاضي عياضُ قطع الهمزة وكسر الراء في لغة. قال الجوهريُّ: هي لغةٌ رديئةٌ. وهذا الحديثُ قد سبق في «صفة النَّار» أعاذنا اللهُ منها [خ¦٣٢٦٢] وأماتنا على الإسلامِ بمنِّه وكرمهِ آمين. (٢٩) هذا (١) (بابُ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضٍ لَا تُلَايِمُهُ) أي: لا تُوافقه. ٥٧٢٧ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) أبُو يحيى (٢) الباهليُّ مولاهُم النَّرْسيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عَرُوبة قالَ: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة، ولأبي ذرٍّ: «عن قتادةَ» (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (حَدَّثَهُمْ: أَنَّ نَاسًا أَوْ رِجَالًا) بالشَّكِّ من الرَّاوي (مِنْ عُكْلٍ) بضم العين وسكون الكاف (وَعُرَيْنَةَ) بضم العين المهملة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها نون، قبيلتان (قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في سنة ستٍّ (وَتَكَلَّمُوا بِالإِسْلَامِ، وَقَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «فقالُوا»: (يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ) أي: أهل مواشٍ (وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ) بكسر الراء، أي: أهل أرضٍ فيها زرعٌ (وَاسْتَوْخَمُوا المَدِينَةَ) يُقال: بلدةٌ وَخِمةٌ إذا لم تُوافق ساكنها (فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَوْدٍ) ما بين الثَّلاثةِ إلى العشرةِ، وعند ابنِ سعدٍ أنَّ عدد لقاحهِ ﵊ خمس عشرة (وَبِرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ) في الذَّودِ (فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا)

стр. 10363

ألبان الإبلِ (وَأَبْوَالِهَا) للتَّداوي، أو كان قبل تحريمِ استعمال النَّجسِ، فليس فيه دليلٌ على إباحة استعمالهِ في حال الضَّرورةِ (فَانْطَلَقُوا حَتَّى (١) كَانُوا نَاحِيَةَ الحَرَّةِ) أرض ذات حجارةٍ سُودٍ ظاهر المدينةِ (كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) يسارًا النُّوبيَّ، فقطَعوا يدهُ ورجلهُ وغرزُوا الشَّوك في لسانهِ وعينهِ حتَّى مات (وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) ذلك (فَبَعَثَ) ﵊ (الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ) وكان المبعوثون عشرينَ وأميرهم كرزُ بنُ جابرٍ، فأدركُوا هؤلاء (٢) القومَ فأُخِذوا (وَأَمَرَ بِهِمْ) ﷺ (فَسَمَرُوا) أي: كحَلُوا (أَعْيُنَهُمْ) بالمساميرِ المحمَّاةِ (وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ) زاد «في الطَّهارة» [خ¦٢٣٣] وغيرها [خ¦١٥٠١] «وأرجلهم» (وَتُرِكُوا) بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول (فِي نَاحِيَةِ الحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ) زاد في «الطَّهارة» (٣) «يَستسقون فلا يُسْقَونَ» [خ¦٢٣٣] وذلك لارتدادِهم، والمرتدُّ لا حرمةَ له كالكلبِ العقورِ. (٣٠) (٤) (بابُ مَا يُذْكَرُ فِي) أمرِ (٥) (الطَّاعُونِ) بوزن فاعول، من الطَّعنِ، عدلُوا به عن أصلهِ ووضعوهُ دالًّا على الموت العامِّ كالوباءِ، وفي «تهذيب النَّووي» وهو بثرٌ وورمٌ مؤلمٌ جدًا يخرجُ مع لهبٍ، ويَسْوَدُّ ما حولَهُ، أو يخضرُّ، أو يحمرُّ حمرةً شديدةً بنفسجيَّةً كدرةً، ويحصلُ معه خفقانٌ وقيءٌ، ويخرجُ (٦) غالبًا في المَرَاقِّ والآباطِ، وقد يخرجُ في الأيدي والأصابعِ وسائر الجسدِ. وقال ابنُ سينا: وسببه دمٌ رديءٌ يستحيلُ إلى جوهرٍ سُمِّيٍّ يُفسد العضو، ويؤدِّي إلى القلبِ كيفيَّةً رديئةً فيُحدِث القيءَ والغثيانَ والغشيَ، ولرداءتهِ لا يقبلُ من الأعضاءِ إلَّا ما كان أضعفَ بالطَّبع، والطَّواعين تكثرُ عند الوباءِ في البلادِ الوبيئة، ومن ثمَّ أُطلق على الطَّاعون وباءً وبالعكس، والوباءُ فسادُ جوهر الهواء الَّذي هو مادَّةُ الرُّوح ومدده. انتهى. وحاصلُ هذا: أنَّه ورمٌ ينشأُ عن هيجانِ الدَّم وانصباب الدَّم إلى عضوٍ فيفسدهُ، وأنَّ غير

стр. 10364

ذلك من الأمراض العامَّة النَّاشئة عن فساد الهواء يُسمَّى طاعونًا بطريق المجاز لاشتراكهما في عُموم المرض به، وهذا لا يعارضُ حديث «الطَّاعون وخزُ أعدائكُم من الجنِّ» إذ يجوزُ أنَّ (١) ذلك يحدُث عن (٢) الطَّعنة الباطنة فتُحدث منها المادَّة السُّميَّة، ويهيجُ الدَّمُ بسببها، وإنَّما لم تتعرَّض الأطباءُ لكونه من طعن الجنِّ؛ لأنَّه أمرٌ لا يُدرك بالعقلِ وإنَّما عُرف من جهة الشَّارع فتكلَّموا في ذلك بما (٣) اقتضتْهُ قواعدُهم، لكن في وقوع الطَّاعونِ في أعدلِ الفُصولِ وأصحِّ البلاد هواءً وأطيبها ماءً دلالة على أنَّ الطَّاعون إنَّما يكون من طعن الجنِّ، ولأنَّه لو كان بسبب فسادِ الهواء لدام في الأرضِ؛ لأنَّ الهواءَ يفسدُ تارةً ويصحُّ أخرى، والطَّاعونُ يذهبُ أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياسٍ ولا تجربةٍ، وربَّما جاء سنةً على سنةٍ، وربَّما أبطأ سنينَ، وأيضًا لو كان من فسادِ الهواء لعمَّ النَّاسَ والحيوان، وربَّما يُصيب الكثير من النَّاسِ ولا يُصيبُ مَن هو (٤) بجانبهم ممَّن هو في مثل مزاجهِم، وربَّما يُصيب بعض أهل البيتِ الواحد ويسلمُ منه الآخرون منهم (٥)، وأمَّا ما يُذكر من أنَّه وخزُ إخوانكم من الجنِّ، فقال ابنُ حجر: إنَّهُ لم يجدهُ في شيءٍ من طُرق الحديث المسندة لا في الكُتب المشهورة، ولا الأجزاء المنثورةِ (٦) بعد التَّتبُّع الطَّويل البالغِ، وعزاه في «آكام المرجان» لـ «مسند أحمد» والطَّبرانيِّ، و «كتابُ الطَّواعين» لابن أبي الدُّنيا، ولا وجودَ له في واحدٍ منها.

стр. 10365

فإن قلتَ: فإذا كان الطَّعنُ من الجنِّ فكيفَ يقعُ في رمضان والشَّياطينُ تصفَّد فيه وتسلسلُ؟ وأجيب باحتمالِ أنَّهم يطعنونَ قبل دخول رمضانَ، ولم يظهر التَّأثير إلَّا بعد دُخوله، وقيل غير ذلك. ٥٧٢٨ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارثِ بن سَخبرةَ الأزديُّ، أبو عمر الحَوْضيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هندُ ابن دينار الأسديُّ، مولاهم أبو يحيى الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن أبي وقَّاصٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) هو ابنُ حارثة بن شَرَاحيلَ الكلبيَّ (يُحَدِّثُ سَعْدًا) والد إبراهيم المذكور (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ) وقعَ (بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا) قال حبيبُ بن أبي ثابتٍ: (فَقُلْتُ) لإبراهيم بن سعدٍ: (أَنْتَ سَمِعْتَهُ) أي: سمعت أسامةَ (يُحَدِّثُ سَعْدًا) أباكَ (وَلَا يُنْكِرُهُ) أبوكَ (قَالَ: نَعَمْ) سمعتُه يحدِّثه وسعدٌ لا ينكرهُ، وسقط «قال: نعمْ» للحَمُّويي والمُستملي. وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الطِّبِّ».
следующие страницы →