← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 10361–10400 · переход к 10366.

стр. 10361

التِّرمذيُّ: غريبٌ، وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ: في سندهِ سعيدُ بن زُرعة مختلفٌ فيه. انتهى. وعلى تقدير ثبوتهِ فهو شيءٌ خارجٌ عن قواعد الطِّبِّ داخلٌ في قسم المعجزاتِ الخارقة للعادةِ، ألا ترى كيف قال فيه: «صدِّق رسولك وبإذن اللهِ» وقد شوهد وجرِّب فوجد كما نطقَ به الصَّادقُ المصدوقُ ﷺ قالهُ في «شرح المشكاة»، ويحتملُ أن يكون لبعضِ الحُمِّيَّات دون بعضٍ. وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وابنُ ماجه في «الطِّبِّ». ٥٧٢٥ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الحافظُ قالَ: (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان قالَ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) قالَ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ ابن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) سُطوعها وفَورانها من جهنَّم حقيقةً، أو أخرجهُ مخرج التَّمثيل والتَّشبيه، أي: كأنَّها نارُ جهنَّم في حرِّها (فَابْرُدُوهَا) بهمزة وصل وسكون الموحدة وضم الراء على المشهور، وحُكي كسرها، يقال: بَرَدْت الحُمَّى أَبْرُدُها بَرْدًا، بوزن: قَتَلْتُها أَقْتُلُها قَتْلًا، أي: أَسْكِنُوا حرَّها (بِالمَاءِ). وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ. ٥٧٢٦ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سلَّام -بتشديد اللام- ابنُ سليم الحنفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ) والدُ سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ) بفتح العين والموحدة المخففة، و «رِفاعةَ»: بكسر الراء وتخفيف الفاء (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وتسكين التحتية بعدها جيم، الأنصاريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسولَ اللهِ» (¬ ﷺ يَقُولُ: الحُمَّى مِنْ فَوْحِ) بالواو الساكنة بعد الفاء المفتوحة، آخره حاء مهملة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «منْ فيحِ» (جَهَنَّمَ)

стр. 10362

بالياء بدل الواو، وهما بمعنى، كالفور بالراء بعد الواو (فَابْرُدُوهَا بِالمَاءِ) بهمزة الوصل وضم الراء، وحكى القاضي عياضُ قطع الهمزة وكسر الراء في لغة. قال الجوهريُّ: هي لغةٌ رديئةٌ. وهذا الحديثُ قد سبق في «صفة النَّار» أعاذنا اللهُ منها [خ¦٣٢٦٢] وأماتنا على الإسلامِ بمنِّه وكرمهِ آمين. (٢٩) هذا (١) (بابُ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضٍ لَا تُلَايِمُهُ) أي: لا تُوافقه. ٥٧٢٧ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) أبُو يحيى (٢) الباهليُّ مولاهُم النَّرْسيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عَرُوبة قالَ: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة، ولأبي ذرٍّ: «عن قتادةَ» (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (حَدَّثَهُمْ: أَنَّ نَاسًا أَوْ رِجَالًا) بالشَّكِّ من الرَّاوي (مِنْ عُكْلٍ) بضم العين وسكون الكاف (وَعُرَيْنَةَ) بضم العين المهملة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها نون، قبيلتان (قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في سنة ستٍّ (وَتَكَلَّمُوا بِالإِسْلَامِ، وَقَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «فقالُوا»: (يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ) أي: أهل مواشٍ (وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ) بكسر الراء، أي: أهل أرضٍ فيها زرعٌ (وَاسْتَوْخَمُوا المَدِينَةَ) يُقال: بلدةٌ وَخِمةٌ إذا لم تُوافق ساكنها (فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَوْدٍ) ما بين الثَّلاثةِ إلى العشرةِ، وعند ابنِ سعدٍ أنَّ عدد لقاحهِ ﵊ خمس عشرة (وَبِرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ) في الذَّودِ (فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا)

стр. 10363

ألبان الإبلِ (وَأَبْوَالِهَا) للتَّداوي، أو كان قبل تحريمِ استعمال النَّجسِ، فليس فيه دليلٌ على إباحة استعمالهِ في حال الضَّرورةِ (فَانْطَلَقُوا حَتَّى (١) كَانُوا نَاحِيَةَ الحَرَّةِ) أرض ذات حجارةٍ سُودٍ ظاهر المدينةِ (كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) يسارًا النُّوبيَّ، فقطَعوا يدهُ ورجلهُ وغرزُوا الشَّوك في لسانهِ وعينهِ حتَّى مات (وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) ذلك (فَبَعَثَ) ﵊ (الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ) وكان المبعوثون عشرينَ وأميرهم كرزُ بنُ جابرٍ، فأدركُوا هؤلاء (٢) القومَ فأُخِذوا (وَأَمَرَ بِهِمْ) ﷺ (فَسَمَرُوا) أي: كحَلُوا (أَعْيُنَهُمْ) بالمساميرِ المحمَّاةِ (وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ) زاد «في الطَّهارة» [خ¦٢٣٣] وغيرها [خ¦١٥٠١] «وأرجلهم» (وَتُرِكُوا) بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول (فِي نَاحِيَةِ الحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ) زاد في «الطَّهارة» (٣) «يَستسقون فلا يُسْقَونَ» [خ¦٢٣٣] وذلك لارتدادِهم، والمرتدُّ لا حرمةَ له كالكلبِ العقورِ. (٣٠) (٤) (بابُ مَا يُذْكَرُ فِي) أمرِ (٥) (الطَّاعُونِ) بوزن فاعول، من الطَّعنِ، عدلُوا به عن أصلهِ ووضعوهُ دالًّا على الموت العامِّ كالوباءِ، وفي «تهذيب النَّووي» وهو بثرٌ وورمٌ مؤلمٌ جدًا يخرجُ مع لهبٍ، ويَسْوَدُّ ما حولَهُ، أو يخضرُّ، أو يحمرُّ حمرةً شديدةً بنفسجيَّةً كدرةً، ويحصلُ معه خفقانٌ وقيءٌ، ويخرجُ (٦) غالبًا في المَرَاقِّ والآباطِ، وقد يخرجُ في الأيدي والأصابعِ وسائر الجسدِ. وقال ابنُ سينا: وسببه دمٌ رديءٌ يستحيلُ إلى جوهرٍ سُمِّيٍّ يُفسد العضو، ويؤدِّي إلى القلبِ كيفيَّةً رديئةً فيُحدِث القيءَ والغثيانَ والغشيَ، ولرداءتهِ لا يقبلُ من الأعضاءِ إلَّا ما كان أضعفَ بالطَّبع، والطَّواعين تكثرُ عند الوباءِ في البلادِ الوبيئة، ومن ثمَّ أُطلق على الطَّاعون وباءً وبالعكس، والوباءُ فسادُ جوهر الهواء الَّذي هو مادَّةُ الرُّوح ومدده. انتهى. وحاصلُ هذا: أنَّه ورمٌ ينشأُ عن هيجانِ الدَّم وانصباب الدَّم إلى عضوٍ فيفسدهُ، وأنَّ غير

стр. 10364

ذلك من الأمراض العامَّة النَّاشئة عن فساد الهواء يُسمَّى طاعونًا بطريق المجاز لاشتراكهما في عُموم المرض به، وهذا لا يعارضُ حديث «الطَّاعون وخزُ أعدائكُم من الجنِّ» إذ يجوزُ أنَّ (١) ذلك يحدُث عن (٢) الطَّعنة الباطنة فتُحدث منها المادَّة السُّميَّة، ويهيجُ الدَّمُ بسببها، وإنَّما لم تتعرَّض الأطباءُ لكونه من طعن الجنِّ؛ لأنَّه أمرٌ لا يُدرك بالعقلِ وإنَّما عُرف من جهة الشَّارع فتكلَّموا في ذلك بما (٣) اقتضتْهُ قواعدُهم، لكن في وقوع الطَّاعونِ في أعدلِ الفُصولِ وأصحِّ البلاد هواءً وأطيبها ماءً دلالة على أنَّ الطَّاعون إنَّما يكون من طعن الجنِّ، ولأنَّه لو كان بسبب فسادِ الهواء لدام في الأرضِ؛ لأنَّ الهواءَ يفسدُ تارةً ويصحُّ أخرى، والطَّاعونُ يذهبُ أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياسٍ ولا تجربةٍ، وربَّما جاء سنةً على سنةٍ، وربَّما أبطأ سنينَ، وأيضًا لو كان من فسادِ الهواء لعمَّ النَّاسَ والحيوان، وربَّما يُصيب الكثير من النَّاسِ ولا يُصيبُ مَن هو (٤) بجانبهم ممَّن هو في مثل مزاجهِم، وربَّما يُصيب بعض أهل البيتِ الواحد ويسلمُ منه الآخرون منهم (٥)، وأمَّا ما يُذكر من أنَّه وخزُ إخوانكم من الجنِّ، فقال ابنُ حجر: إنَّهُ لم يجدهُ في شيءٍ من طُرق الحديث المسندة لا في الكُتب المشهورة، ولا الأجزاء المنثورةِ (٦) بعد التَّتبُّع الطَّويل البالغِ، وعزاه في «آكام المرجان» لـ «مسند أحمد» والطَّبرانيِّ، و «كتابُ الطَّواعين» لابن أبي الدُّنيا، ولا وجودَ له في واحدٍ منها.

стр. 10365

فإن قلتَ: فإذا كان الطَّعنُ من الجنِّ فكيفَ يقعُ في رمضان والشَّياطينُ تصفَّد فيه وتسلسلُ؟ وأجيب باحتمالِ أنَّهم يطعنونَ قبل دخول رمضانَ، ولم يظهر التَّأثير إلَّا بعد دُخوله، وقيل غير ذلك. ٥٧٢٨ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارثِ بن سَخبرةَ الأزديُّ، أبو عمر الحَوْضيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هندُ ابن دينار الأسديُّ، مولاهم أبو يحيى الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن أبي وقَّاصٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) هو ابنُ حارثة بن شَرَاحيلَ الكلبيَّ (يُحَدِّثُ سَعْدًا) والد إبراهيم المذكور (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ) وقعَ (بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا) قال حبيبُ بن أبي ثابتٍ: (فَقُلْتُ) لإبراهيم بن سعدٍ: (أَنْتَ سَمِعْتَهُ) أي: سمعت أسامةَ (يُحَدِّثُ سَعْدًا) أباكَ (وَلَا يُنْكِرُهُ) أبوكَ (قَالَ: نَعَمْ) سمعتُه يحدِّثه وسعدٌ لا ينكرهُ، وسقط «قال: نعمْ» للحَمُّويي والمُستملي. وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الطِّبِّ».

стр. 10366

٥٧٢٩ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) أبو محمَّدٍ الدِّمشقيُّ ثمَّ التِّنِّيسيُّ الكُلَاعِيُّ الحافظُ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابنُ أنس إمامُ الأئمةِ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الخَطَّابِ) بن نفيلِ بنِ عبد العزَّى القرشيِّ العَدويِّ المدنيِّ، عاملِ الكوفةِ لعمر بن عبد العزيزِ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ) أبي (١) يحيى الهاشميِّ المدنيِّ الملقَّب ببَّة -بموحدتين الثانية (٢) مشددة- ومعناهُ: الممتلئ البدنِ (٣) من النِّعمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ) في ربيع الآخر سنةَ ثمان (٤) عشْرَة، كما في «الفتوح» لسيف بن عُمر يتفقَّد فيها أحوال الرَّعيَّة، وكان الطَّاعونُ المسمَّى بطاعونِ عَمَوَاس -بفتح العين المهملة والميم بعدها سين مهملة- وسُمِّي به لأنَّه عمَّ وآسى، وقعَ (٥) بها أوَّلًا في المحرم (٦)، وفي صفر ثمَّ ارتفع، فكتبُوا إلى عُمر فخرج (حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ) بفتح

стр. 10367

السين المهملة وسكون الراء، بعدها غين معجمة، قريةٌ بوادي تبوك قريبة من الشَّام يجوزُ فيها الصَّرف وعدمهُ، وقيل: هي مدينةٌ افتتحها أبو عبيدة، وهي واليرموكُ والجابيةُ متَّصلاتٌ، وبينها وبين المدينةِ ثلاثَ عشرة مرحلة (لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ) عامرُ بن عبد اللهِ، وقيل: عبد الله بنُ عامر (بْنُ الجَرَّاحِ) أحدُ العشرة (وَأَصْحَابُهُ) خالدُ بن الوليدِ، ويزيدُ (١) بنُ أبي سفيان، وشرحبيلُ ابن حسنةَ، وعمرو بنُ العاصي، وكان عمرُ قسَّم الشَّام أجنادًا: الأردن جندٌ، وحمص جندٌ، ودمشق جندٌ، وفلسطين جندٌ، وقِنَّسرين جندٌ، وجعل على كلِّ جندٍ أميرًا (فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الوَبَاءَ) أي: الطَّاعون (قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ) وعند سيفٍ أنَّه أشدُّ ما كان (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (فَقَالَ) لي (عُمَرُ) ﵁: (ادْعُ لِي المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ) الَّذين صلوا إلى القبلتين (فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ) في القُدوم أو الرُّجوع (وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الوَبَاءَ) أي: الطَّاعون (قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ (٢) لأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ) أي: بقيَّة الصَّحابة، قالوا ذلك تعظيمًا للصَّحابة كقولهِ: هُمُ القَومُ كلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدٍ (وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) عطفٌ تفسيريٌّ (وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ) بضم الفوقية وسكون القاف وكسر الدال المهملة، أي: لا نَرى أن تجعلَهم قادمينَ (عَلَى هَذَا الوَبَاءِ) أي: الطَّاعون (فَقَالَ) عمرُ ﵁ لهم: (ارْتَفِعُوا عَنِّي) وفي رواية يونُس: «فأمرهُم فخرجُوا عنه» (ثُمَّ قَالَ) عمرُ لي: (ادْعُوا لِي الأَنْصَارَ) قال ابن عبَّاسٍ: (فَدَعَوْتُهُمْ) فحضرُوا عندهُ (فَاسْتَشَارَهُمْ) في ذلك (فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهَاجِرِينَ) فيما قالوا (وَاخْتَلَفُوا) في ذلك (كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقَالَ) لهم: (ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ) لي: (ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ) قال في «القاموس»: الشَّيخُ والشَّيْخُون: منِ استبانَتْ فيه السِّنُّ، أو من خمسينَ، أو إحدَى وخمسينَ إلى آخر عُمُره، أو إلى الثَّمانين. الجمعُ: شُيُوخٌ وشِيوخٌ وأَشْياخٌ وشِيَخَةٌ وشِيْخَةٌ (٣) وشِيْخانٌ ومَشْيَخَةٌ ومَشِيْخةٌ

стр. 10368

-يعني: بفتح الميم وكسر المعجمة-، ومَشْيُوخاءٌ ومَشْيُخاءٌ ومَشايخ، وتصغيرُه: شُيَيْخٌ وشِيَيْخٌ (١) وشُوَيْخٌ قليلةٌ، ولم يعرفها الجوهريُّ. (مِنْ مُهَاجِرَةِ الفَتْحِ) بضم الميم وكسر الجيم، الَّذين هاجرُوا إلى المدينةِ عام الفتح، أو مسلمة الفتحِ، أو أطلقَ على من تحوَّلَ إلى المدينةِ بعد الفتحِ مُهاجرًا صورةً، وإن كان حكمُها بعد الفتح قد انقطع احترازًا عن غيرهم ممَّن أقام بمكَّة ولم يهاجر أصلًا. قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: (فَدَعَوْتُهُمْ) فحضروا عنده (فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ، فَقَالُوا) لهُ: (نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ) بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة مشددة، أي: مُسافرٌ في الصَّباح راكبًا (عَلَى ظَهْرٍ) أي: على (٢) ظهرِ الرَّاحلة راجعًا إلى المدينةِ (فَأَصْبِحُوا) راكبين مُتأهِّبين للرُّجوعِ إليها (عَلَيْهِ) أي: على الظَّهر (قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ) لعمر ﵄: (أَ) ترجعُ (فِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ فَقَالَ) له (عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ) لأدَّبتهُ لاعتراضه عليَّ في مسألةٍ اجتهاديَّةٍ اتَّفق عليها أكثرُ النَّاس من أهل الحَلِّ والعَقْد، أو لكانَ أولى منك بذلك أو لم أتعجَّبُ منه، ولكنِّي أتعجَّبُ منك مع علمكَ وفضلكَ كيف تقولُ هذا، أو هي للتَّمني فلا تحتاجُ لجوابٍ، والمعنى أنَّ غيرك ممَّن لا فهمَ له إذا قال ذلك يُعذرُ، وقال الزَّركشيُّ: قوله: لو غيرك قالها، هو خلافُ الجادَّة، فإنَّ «لو» خاصَّةٌ بالفعلِ وقد يليها اسمٌ مرفوعٌ معمولٌ لمحذوفٍ يفسِّره ما بعدهُ كقولهم: لو ذات سوارٍ لطمتني، ومنه هذا. انتهى. وهذا لفظ ابن هشامٍ في «مغنيه» واعترضهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين الشُّمنيُّ بأنَّه لو قال: كقوله بلفظِ الإفرادِ لكان أولى؛ لأنَّ الَّذي قاله حاتمُ الطَّائيُّ حيث لطمتهُ جاريةٌ وهو مأسور في بعضِ أحياءِ العرب ثمَّ صار مثلًا، وذاتُ السِّوارِ الحرَّة لأنَّ الإماءَ عند العربِ لا تلبسُ السِّوار. انتهى. وقال في «المصابيح»: قولُ الزَّركشيِّ: إنَّ «لو» خاصَّةٌ بالفعل لا ينتُج له مدَّعاهُ من كون

стр. 10369

التَّركيبِ على خلاف الجادَّةِ، فإنَّا إذا قدَّرنا ما (١) بعدَ «لو» معمولًا لمحذوفٍ كانت «لو» باقيةً على اختصاصها بالفعل، ثمَّ قال: فإن قلت: إنَّ الزَّركشيَّ عنى خاصَّة بدخولها على الفعل الملفوظِ به لا المقدَّر. قلتُ: يردُ عليه حينئذٍ نحو قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠] إلى غير ذلك (نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ (٢) اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ) أطلق عليه فرارًا لشبهه به في الصُّورةِ وإن كان ليس فرارًا شرعيًّا، والمرادُ أنَّ هجوم المرءِ على ما يهلكُه منهيٌّ عنه ولو فعل لكان من قدرِ الله، وتجنُّبه ما يؤذِّيه مشروعٌ، وقد يُقدِّر الله وقوعه فيما فرَّ منه، فلو فعلهُ أو تركهُ لكان من قدرِ الله (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُِدْوَتَانِ) بضم العين وكسرها وسكون الدال المهملتين، أي: شاطئانِ وحافَّتانِ (إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ) بالخاء المعجمة المفتوحة والصاد المهملة المكسورة بعدها موحدة (وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ) بفتح الجيم وسكون الدال المهملة (أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟). (قَالَ) ابنُ عبَّاسٍ ﵄ بالسَّند السَّابق: (فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ) لم يشهدْ معهم المشاورةَ المذكورة (فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا) الَّذي اختلفتُم فيه (عِلْمًا. سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ) أي: بالطَّاعون (بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ) ليكون أسكن لأنفسكُم وأقطع لوساوسِ الشَّيطان (وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ) لئلَّا يكون معارضة للقدرِ، فلو خرج لقصدٍ آخر غير الفِرار جازَ (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (فَحَمِدَ اللهَ) تعالى (عُمَرُ) على مُوافقة اجتهادهِ واجتهادِ معظمِ الصَّحابةِ حديث رسولِ الله ﷺ (ثُمَّ انْصَرَفَ) راجعًا إلى المدينةِ لأنَّه أحوطُ، ولرجحانِه بكثرَة القائلينَ به، مع موافقةِ اجتهادهِ للنَّصِّ المرويِّ عن الشَّارعِ ﷺ . وفي إسناد هذا الحديث ثلاثةٌ من التَّابعين في نسقٍ واحدٍ وصحابيَّان وكلُّهم مدنيُّون، وأخرجهُ مسلمٌ في «الطِّبِّ» وأبو داود في «الجنائزِ» والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ».

стр. 10370

٥٧٣٠ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الحافظُ قال: (أَخْبَرَنَا (١) مَالِكٌ) الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ) أي: ابن (٢) ربيعة الأصغر، ولد في زمنه ﷺ سنة ستٍّ من الهجرةِ، وحفظ عنه وهو صغيرٌ، وتوفِّي ﷺ وهو ابن أربع سنينَ (أَنَّ عُمَرَ) ﵁ (خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ) لينظر في أحوال رعيَّته الَّذين بها (فَلَمَّا كَانَ بِسَرْغَ) بفتح السين المهملة وسكون الراء بعدها معجمة، بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلةٍ (بَلَغَهُ أَنَّ الوَبَاءَ) أي: الطَّاعون (قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ) فعزم على الرُّجوعِ بعد أن اجتهدَ ووافقهُ بعض الصَّحابة ممَّن معه (٣) على ذلك (فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) وكان متغيِّبًا في بعض حاجته (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ) أي: بالطَّاعون، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنَّه» (بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ) لأنَّه تهوُّرٌ وإقدامٌ على خطرٍ (وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ) فإنَّه فرارٌ من القدرِ، ولئلا تضيع المرضى لعدمِ من يتعهَّدهم والموتى ممَّن يجهِّزهم، فالأوَّل تأديبٌ وتعليم والآخرُ تفويضٌ وتسليمٌ، وفي الحديث جوازُ رجوعِ من أراد دخول بلدٍ (٤) فعَلِمَ أنَّ فيها الطَّاعونَ، وأنَّ ذلك ليس من الطِّيرَةِ، وإنَّما هو من منع الإلقاءِ إلى التَّهلكة، أو سَدٌّ للذَّريعة لئلَّا يعتقد من يدخلُ إلى الأرضِ الَّتي وقع بها أن لو دَخلها وطعن العَدوى المنهيَّ عنها، وقد زُعِمَ أنَّ النَّهي عن ذلك إنَّما هو للتَّنزيه وأنَّه يجوز الإقدامُ عليه لمن قويَ توكُّله وصحَّ يقينُه، ونقل القاضي عياض وغيرهُ: جواز الخروجِ من الأرضِ الَّتي بها الطَّاعون عن (٥) جماعةٍ من الصَّحابة منهم: أبو موسى الأشعريُّ، والمغيرةُ بن شعبةَ، ومن التَّابعين: الأسودُ بن

стр. 10371

هلالٍ، ومسروقٌ. ومنهم من قال: النَّهيُ (١) للتَّنزيهِ فيكرهُ ولا يحرمُ، وخالفهم جماعةٌ فقالوا: يحرم الخروجُ منها لظاهرِ النَّهي وهو الرَّاجحُ (٢) عند الشَّافعيَّة وغيرهم لثبوتِ الوعيدِ على ذلك، فعند أحمدَ من حديث عائشة مرفوعًا بإسنادٍ حسنٍ: قلتُ: يا رسول الله، فما الطَّاعونُ؟ قال: «غُدَّةٌ كغُدَّةِ البعيرِ، المقيمُ فيها كالشَّهيدِ، والفَارُّ منها كالفَارِّ من الزَّحْفِ» وفصَّل بعضُهم في هذه المسألةِ تفصيلًا جيِّدًا، فقال: من خرجَ لقصدِ الفرارِ مَحْضًا فهذا يتناوله النَّهي لا محالةَ، ومن خرج لحاجةٍ متمحِّضةٍ لا لقصد الفرارِ أصلًا، ويُتصوَّرُ ذلك فيمن تهيَّأَ للرَّحيل من بلدٍ كان بها إلى بلدِ إقامتهِ مثلًا، ولم يكن الطَّاعون وقع فاتَّفقَ وقوعهُ في أثناء تجهيزِه، فهذا لم يقصدِ الفرارَ أصلًا، فلا يدخُل في النَّهي، والثَّالثُ من عرضتْ له حاجةٌ فأراد الخروجَ وانضمَّ لذلك أنَّه قصد الرَّاحةَ من الإقامةِ بالبلد الَّذي به (٣) الطَّاعون، فهذا محلُّ النِّزاعِ. وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ. ٥٧٣١ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو: ابنُ أنسٍ الإمام (عَنْ نُعَيْمٍ) بضم النون وفتح العين مصغَّرًا، ابن عبد اللهِ القُرشيِّ المدنيِّ (المُجْمِرِ) بضم الميم الأولى

стр. 10372

وكسر الثانية، بينهما جيم ساكنة آخره راء، كان يُجمِّر المسجد النَّبويَّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ) طيبةَ (المَسِيحُ) الدَّجَّال الأعورُ (وَلَا الطَّاعُونُ) لأنَّ كفَّار الجنِّ وشياطينهم ممنوعُون من دخولِها، ومن اتَّفق دخولهُ فيها لا يتمكَّنُ من طعن أحدٍ منهم، وقد عدَّ عدمُ دخولهِ المدينة من خصائصِها، وهو من لوازم دُعائه ﷺ لها بالصِّحَّة، وأمَّا جزمُ ابن قتيبة في «المعارف» والنَّوويِّ في «الأذكار» بأنَّ الطَّاعون لم يدخُلْ مكَّة أيضًا فمعارضٌ بما (١) نقلهُ غير واحدٍ بأنَّه دخل مكَّة في سنة سبعٍ وأربعينَ وسبع مئة، لكن وقع عن عمر بن شبَّة في «كتاب مكَّة» عن شُريح بن فُليح عن العلاء بن عبد الرَّحمنِ عن أبيه عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ : «المدينةُ ومكَّةُ محفوفتَانِ بالملائكةِ، على كلِّ نقبٍ منهمَا ملكٌ فلا يدخلهمَا الدَّجَّالُ ولا الطَّاعونُ» ورجالهُ -كما في «الفتح» - رجال الصَّحيح، وحينئذٍ فالَّذي نُقِل أنَّه وُجِد في سنة سبعٍ وأربعين وسبع مئةٍ ليس كما ظنَّ، أو يقال: إنَّه لا يدخلهما من الطَّاعون مثل الَّذي يقع في غيرهما كالجارفِ وعَمواس، ووقعَ في أواخر «كتاب الفتن» من «البُخاريِّ» حديثُ أنسٍ، وفيه: «فيجدُ الملائكةَ يحرسونَها -يعني: المدينةَ- فلا يَقربها الدَّجَّالُ ولا الطَّاعونُ إن شاء الله تعالى» [خ¦٧١٣٤] واختلفُوا في هذا الاستثناءِ، فقيل: للتَّبرُّك فيشملهما، وقيل: للتَّعليق، وإنَّه يختصُّ بالطَّاعون، وإنَّ مُقتضاه جوازُ دخول الطَّاعون المدينةَ. وهذا الحديثُ سبق في «الحجِّ» [خ¦١٨٨٠]. ٥٧٣٢ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ الحافظُ قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بنُ زياد العبديُّ مولاهمُ البصريُّ قالَ: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هو ابنُ سليمان الأحولُ قال: (حَدَّثَتْنِي) بتاء التأنيث والإفراد (حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ) أمُّ الهُذيلِ البصريَّةُ الفقيهةُ مولاة أنسٍ (قَالَتْ: قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: يَحْيَى) هو ابنُ سيرينَ أخو حفصةَ (بِمَا مَاتَ) بألف بعد ميم بما، ولأبي ذرٍّ

стр. 10373

والأَصيليِّ: «بِمَ» بحذفها، وهي اللُّغة الشَّائعة، ولمسلمٍ يحيى بن أبي عمرةَ. وهي كنيةُ سيرينَ، والمعنى بأيِّ مرضٍ مات أخوكِ يحيى؟ (قُلْتُ) له: ماتَ (مِنَ الطَّاعُونِ، قَالَ) أنسٌ: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) مات به (١) لمشاركَته للشَّهيد فيما كابدهُ من الشِّدَّة. وقد مضى هذا الحديثُ في «الجهادِ» [خ¦٢٨٣٠] وأخرجهُ مسلمٌ في «الطِّبِّ». ٥٧٣٣ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاكُ بن مخلد النَّبيل (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظمُ (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية، مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن المخزوميِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: المَبْطُونُ) الَّذي يموتُ بمرضِ البطنِ (٢) كالاستسقاءِ ونحوه (شَهِيدٌ، وَالمَطْعُونُ) الَّذي يموتُ بالطَّاعون الَّذي هو وخزُ الجنِّ (شَهِيدٌ) أي: يلحقان بالشَّهيدِ في بعضِ ما ينالُه من الكرامةِ؛ للمكابدةِ من شدَّة الألمِ لا في سائرِ الأحكامِ والفضائل. وهذا الحديثُ مضى في «الجهادِ» مطوَّلًا، فزاد فيه: «الغَرِق، وصاحب الهدمِ، والمقتول في سبيلِ الله» [خ¦٢٨٢٩]. (٣١) (بابُ) ذِكْرِ (أَجْرِ الصَّابِرِ في الطَّاعُونِ) ولو لم يصبهُ.

стр. 10374

٥٧٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا حَبَّانُ) بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ابنُ هلالٍ الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بضم الفاء وفتح الراء المخففة وبعد الألف فوقية، عَمرو -بفتح العين- الكنديُّ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء مصغَّرًا، الأسلميُّ التَّابعيُّ البصريُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بفتح التحتية والميم بينهما عين مهملة ساكنة آخره راء، المروزيِّ قاضيها (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ﵂ (أَنَّهَا أَخْبَرَتْنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبَرته» (أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) من كافرٍ أو عاصٍ، كما في قصَّةِ آل فرعونَ وقصَّةِ أصحابِ موسى مع بلعام، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على من شاءَ» بلفظ الماضِي (فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) من هذه الأمَّة، وزاد في حديثِ أبي عَسِيْبٍ عند أحمدَ «ورجسٌ على الكافرِ» وهل يكون الطَّاعونُ رحمةً وشهادةً للعاصي من هذه الأمَّة، أو يختصُّ بالمؤمن الكاملِ؟ والمرادُ بالعاصي: مُرتكب الكبيرة الَّذي يهجمُ عليه الطَّاعونُ وهو مُصِرٌّ، فإنَّه يحتملُ أن لا يلحق بدرجةِ الشُّهداءِ لشؤمِ ما كان مُتلبسًا به لقوله تعالى: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] وفي حديث ابنِ عمر عند ابن ماجه والبيهقيِّ ما يدلُّ على أنَّ الطَّاعون ينشأُ عن ظهورِ الفاحشةِ، ولفظهُ: «لم تظهرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلنوا بها إلَّا فَشا فيهم الطَّاعون والأَوجاعُ الَّتي لم تكن مضتْ في أَسلافِهم» وفي إسنادهِ خالد بن يزيد بنِ أبي مالكٍ (١)، وثَّقهُ أحمدُ بن صالح وغيره، وقال ابنُ حبَّان: كان يخطئُ كثيرًا. لكن له شاهدٌ عن ابن عبَّاس في «الموطأ» بلفظ: «ولا فشا الزِّنا في قومٍ إلَّا كثُرَ (٢) فيهم الموتُ … » الحديث. قال (٣) في «الفتح»: وفيه انقطاعٌ، فدلَّ هذا وغيرهُ ممَّا روي في معناهُ: أنَّ الطَّاعون قد يقعُ عقوبةً بسبب المعصيةِ فكيف يكون شهادةً؟ نعم، يحتملُ أن

стр. 10375

تحصلَ له درجةُ الشَّهادة لعمومِ الأحاديث في ذلك، ولا يلزمُ المساواة بين الكاملِ والنَّاقص في المنزلةِ؛ لأنَّ درجاتِ الشَّهادة متفاوتةٌ. انتهى. ملخَّصًا منَ «الفتح». (فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ) مسلمٍ (يَقَعُ الطَّاعُونُ) في مكانٍ هو فيه (فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ) ولا يخرجُ من البلدِ الَّتي وقع فيها الطَّاعون، حال كونه (صَابِرًا) وهو قادرٌ على الخروجِ غير منزعجٍ ولا قلقٍ، بل مسلمًا لأمرِ اللهِ راضيًا بقضائه، حال كونهِ (يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ (١) يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ) فلو مكثَ قلقًا مُتندِّمًا (٢) على الإقامةِ ظانًّا أنَّه لو خرج لما وقعَ به أصلًا ورأسًا، فهذا لا يحصل له أجرُ الشَّهيدِ ولو مات بالطَّاعون. قال في «الفتح»: ويدخلُ تحته ثلاث صورٍ من اتَّصفَ بذلك فوقع به الطَّاعونُ فماتَ به، أو وقع به ولم يمتْ به، أو لم يقعْ به أصلًا وماتَ بغيرهِ عاجلًا أو آجلًا، ومفهومُ الحديثِ أنَّ من لم يتَّصف بالصِّفات المذكورةِ لا يكونُ شهيدًا ولو وقع الطَّاعونُ (٣) ومات به فضلًا عن أن يموت بغيرهِ، وذلك (٤) ينشأُ عن شؤمِ الاعتراضِ الَّذي ينشأُ عنه التَّضجُّر والتَّسخُّط لقدر الله وكراهة لقائهِ، والتَّعبير بالمثليَّة في قوله: «مثل أجر الشَّهيدِ» مع ثبوت التَّصريحِ بأنَّ من مات بالطَّاعون كان شهيدًا يحتملُ أن من لم يمُت من هؤلاء بالطَّاعون يكون له مثلُ أجر الشَّهيدِ وإن لم يحصل له درجة الشَّهادةِ بعينها، فإنَّ من اتَّصف بكونه شهيدًا أعلى درجة ممَّن وعد بأنَّه يُعطى مثلُ أجر الشَّهيد. وفي «مسند أحمد» بسندٍ حسنٍ عن العرباض بنِ ساريةَ مرفوعًا: «تختصمُ الشُّهداءُ والمتوفَّون على فرشهِم إلى ربِّنا في الَّذين ماتُوا بالطَّاعون، فيقول الشُّهداءُ: إخواننا (٥) قتِلوا كما قُتلنَا، ويقولُ المتوفَّونَ على فرشِهِم: إخوانُنَا ماتُوا على فرشهِم كما متنَا، فيقولُ ربُّنا تعالى: انظرُوا إلى جراحِهِم (٦) فإن أشبهَتْ جراح (٧) المقتولينَ فإنَّهُم منهُم ومعهُم، فإذَا جراحهُم قد

стр. 10376

أشبهَتْ جراحَهُم (١) فيلحقُونَ بهم (٢)» وروى (٣) النَّسائيُّ عن عتبةَ بن عبد مرفوعًا: «يأتي الشُّهداءُ والمتوفَّون بالطَّاعُون فيقولُ (٤) أصحابُ الطَّاعون: نحنُ شهداءُ، فيقال: انظرُوا فإن كانَتْ جراحُهُم (٥) كجراحِ الشُّهداءِ تسيلُ دمًا كريحِ المسكِ فهُمْ شهداءُ فيجدونَهُم (٦) كذلك» رواه الطَّبرانيُّ في «الكبير» بإسنادٍ لا بأس به، فيه إسماعيلُ بن عيَّاشٍ، روايتهُ عن الشَّاميِّين مقبولةٌ وهذا منها، ويشهدُ له حديثُ العرباضِ قبله، وفي ذلك استواءُ شهيد الطَّاعونِ وشهيدِ المعركةِ (تَابَعَهُ) أي: تابع حَبَّانَ بن هلالٍ (النَّضْرُ) بن شُميلٍ في روايته (عَنْ دَاوُدَ) بن أبي الفراتِ، فيما سبقَ موصولًا في «ذكر بني إسرائيلَ» (٧) [خ¦٣٤٧٤]. (٣٢) (بابُ الرُّقَى) بضم الراء وفتح القاف مقصورًا، جمعُ رُقْية، بسكون القاف، أي: التَّعويذُ (بِالقُرْآنِ وَالمُعَوِّذَاتِ) بكسر الواو المشددة، الفلق والنَّاس والإخلاص، من باب تسميةِ (٨) التَّغليب، أو المرادُ: المعوِّذتان وسائرُ العوذ (٩) كـ ﴿قُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أو جُمع اعتبارًا بأنَّ أقلَّ الجمع اثنانِ، وإنَّما اجتزأ بهما لما اشتملتَا عليه من جوامعِ الاستعاذةِ من المكروهاتِ جملةً وتفصيلًا من السِّحر، والحسدِ، وشرِّ الشَّيطان ووسوستهِ، وغير ذلك، والعطف من عطفِ الخاصِّ على العامِّ، أو المراد بالقرآن بعضهُ؛ لأنَّه اسمُ جنسٍ يصدقُ على بعضهِ، و (١٠) المرادُ ما كان فيه التجاءٌ إلى الله تعالى.

стр. 10377

٥٧٣٥ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الرَّازيُّ الصَّغيرُ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسفَ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْفُِثُ) بضم الفاء وكسرها بعدها مثلثة، أي: ينفخُ نفخًا لطيفًا أقلَّ من التَّفل (عَلَى نَفْسِهِ فِي المَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) كالمرضِ الَّذي قبلهُ، واستمرَّ ذلك فلم ينسخْ (بِالمُعَوِّذَاتِ) وهذا هو الطِّبُّ الرُّوحانيُّ، وإذا كان على لسان الأبرارِ حصل به الشِّفاء. قال القاضي عياض: فائدةُ النَّفث التَّبرُّك بتلك الرُّطوبةِ أو الهواءِ الَّذي يمسُّه الذِّكر، كما يُتبرَّك بغسالةِ ما يُكتبُ من الذِّكر. قالت عائشةُ: (فَلَمَّا ثَقُلَ) ﷺ في مرضه (كُنْتُ أَنْفِثُ) بفتح الهمزة وكسر الفاء (عَلَيْهِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «عنهُ» (بِهِنَّ) بالمعوِّذات (وَأَمْسَحُ) عليه (بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا) وللحَمُّويي والمُستملي: «بيدهِ نفسِهِ» بهاء الضَّمير بعد الدال، وجرِّ نفسه على البدل، وضبطهُ في «الفتح» أيضًا بالنَّصب على المفعوليَّة. وقال بعضُهم: لعلَّه ﷺ لمَّا علم أنَّه آخر مرضه وارتحاله عن قريبٍ ترك ذلك. قال مَعمر -بالسَّند السَّابق-: (فَسَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: كَيْفَ يَنْفِثُ؟ قَالَ: كَانَ يَنْفِثُ) بكسر الفاء فيهما (عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ) وفيه: جواز الرُّقيةِ لكن بشروط أن تكون بكلامِ الله تعالى أو بأسمائهِ وصفاتهِ، وباللِّسان العربيِّ أو بما يعرفُ معناه من غيره، وأن يعتقدَ أنَّ الرُّقية غير مؤثِّرةٍ بنفسها بل بتقديرِ الله ، وقال الرَّبيعُ: سألتُ الشَّافعيَّ عن الرُّقيةِ فقال: لا بأسَ أن يرقي بكتاب الله وبَّما يَعْرِفُ من ذكر اللهِ. قلتُ: أَيَرقي أهلُ الكتابِ المسلمينَ؟ قال: نعم إذا رقوا بما يُعْرَفُ من كتابِ الله وذكر اللهِ. وفي «الموطَّأ»: أنَّ أبا بكرٍ قال لليهوديَّة الَّتي كانت ترقي عائشةَ: ارقِيها بكتابِ اللهِ. وروى ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ كراهيةَ (١) الرُّقية بالحديدةِ، والملحِ، وعقدِ الخيطِ، والَّذي يكتبُ خاتمَ سليمان، وقال: لم يكن ذلك من أمر النَّاسِ القديمِ. وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الطِّبِّ».

стр. 10378

(٣٣) (بابُ الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ. وَيُذْكَرُ) بضم التحتية وسكون المعجمة وفتح الكاف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه أقرَّ الَّذي رقى بالفاتحة على رُقيتهِ، فنسبةُ ذلك إليه ﷺ نسبةٌ معنويةٌ لا صريحةٌ، فلذلك أورده المؤلِّفُ بصيغة التَّمريضِ. ٥٧٣٦ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المثقلة، بُنْدار قالَ: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن جعفرٍ» قالَ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفرُ بن أبي وَحشيَّةَ، واسمُه إياس (عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ) عليِّ بن داودَ (١) النَّاجيِّ -بالنون والجيم- السَّاميِّ -بالمهملة- نسبة لسام (٢) بن لؤيٍّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) كانوا في سريَّة وكانوا ثلاثين رجلًا (أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ) لم يعيَّن، فاستقْرُوهم (فَلَمْ يَقْرُوهُمْ) بفتح التحتية وسكون القاف من غير همز، فلم يُضيِّفوهُم (فَبَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ: «فبينَا» (هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ) بضم اللام وكسر الدال المهملة بعدها غين معجمة، لُسع (سَيِّدُ أُولَئِكَ) الحيِّ، أي: ضربتهُ العقربُ بذنبها، ولم يسمَّ السَّيِّد (فَقَالُوا) للصَّحابة: (هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ) ولأبي ذرٍّ: «معكُم دواءٌ» (أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا) لهم: (إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا) لم تضيِّفونا (وَلَا نَفْعَلُ) الرُّقية (حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا) بضم الجيم وسكون العين المهملة، أجرًا على ذلك (فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا) طائفةً (مِنَ الشَّاءِ (٣)) جمعُ شاةٍ،

стр. 10379

وكانت ثلاثين رأسًا (فَجَعَلَ) الرَّاقي، وهو أبو سعيدٍ الخدريُّ، أبهم نفسهُ في هذه الرِّواية (يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بالقرآنِ» (وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ) بالزَّاي، في فيه (وَيَتْفِلُ) بكسر الفاء، ولأبي ذرٍّ بضمها (فَبَرَأَ) سيِّد أولئك (فَأَتَوْا) أهل الحيِّ (١) (بِالشَّاءِ) الثَّلاثين (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة للرَّاقي: (لَا نَأْخُذُهُ) أي: القطيع (حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول اللهِ» (¬ ﷺ ¬) عن حُكمه. قال في «المصابيح»: قد يقال: إنَّهم امتنعوا عن الرُّقية إلَّا بجُعْلٍ، فلا يخلو إمَّا أن يكونُوا عالمينَ بجواز ذلك أو لا، فإن كانُوا عالمينَ بالجوازِ فما وجه وقفهِم (٢) أخذ الجُعْلِ على تعرُّف حُكمه بالسُّؤال، وإن كانوا غير عالمين فكيف أقدموا مع أنَّه لا يجوزُ الإقدامُ على فعل شيءٍ حتَّى يُعْلَمَ حكمُ الله فيه، وبعضهم ينقلُ (٣) الإجماعَ عليه. فتأمَّلهُ. انتهى. (فَسَأَلُوهُ) بضمير النَّصب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فسألُوا» بحذفه (فَضَحِكَ) ﷺ (وَقَالَ) لأبي سعيدٍ الَّذي رقى: (وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا) أي: الفَاتحة (رُقْيَةٌ؟! خُذُوهَا) أي: الشَّاء، فاقتَسِمُوها (٤) (وَاضْرِبُوا لِي) معكُم (بِسَهْمٍ). وهذا الحديثُ قد مرَّ في «باب ما يُعطى في الرُّقيةِ بفاتحة الكتابِ» في «الإجارةِ» [خ¦٢٢٧٦]. (٣٤) (بابُ الشَّرطِ) بلفظ الإفراد، ولأبي ذرٍّ: «الشُّروط» (فِي الرُّقْيَةِ بِقَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ).

стр. 10380

٥٧٣٧ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفرادِ، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (سِيْدَانُ بْنُ مُضَارِبٍ) بكسر السين وفتح الدال المهملتين بينهما تحتية ساكنة وبعد الألف نون، و «مُضَاربٌ» بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وبعد الألف راء فموحدة (١) (أَبُو مُحَمَّدٍ البَاهِلِيُّ) مولاهمُ البصريُّ، ويقال: الكوفيُّ، تكلَّموا فيه لكن قوَّاه أبو حاتم (٢) وغيره قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ) بفتح الميم والشين المعجمة بينهما مهملة ساكنة آخره راء (يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ البَرَّاءُ) بفتح الموحدة والراء المثقلة، نسبةً إلى بري العُود، وكان عطَّارًا، ولغير أبي ذرٍّ: «البصريُّ هو صدُوقٍ» قال ذلك لكونهِ صدوقًا عندهُ، ولذا خَرَّجَ له، وكذا مسلمٌ، وهو تعديلٌ منهما له، ووثَّقه المُقَدَّميُّ (٣)، وقال أبو حاتمٍ: يُكْتَبُ حديثُهُ، لكن ضعَّفهُ ابنُ معين قال: (حَدَّثَنِي) بالإفرادِ (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ الأَخْنَسِ) بخاء معجمة ساكنة فنون مفتوحة فسين مهملة (أَبُو مَالِكٍ) الخزَّاز -بمعجمات- النَّخعيُّ، الكوفيُّ، أبو (٤) مالكٍ. قال في «الفتح»: وثَّقهُ الأئمة، وشذَّ ابنُ حبَّان فقال في «الثِّقات»: يخطئُ كثيرًا (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبدُ الله بن عبيدِ الله بن أبي مُليكةَ (٥)، واسمهُ زُهير (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ) ولغير أبي ذرٍّ: «رسول اللهِ» (٦) (¬ ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ) أي: بقومٍ نُزُوْلٍ على ماءٍ (فِيهِمْ لَدِيغٌ) بدال مهملة وغين معجمة، رجلٌ ضربتهُ العقربُ (-أَوْ سَلِيمٌ-) شكٌّ من الرَّاوي، وهو بمعنى الأوَّل سُمِّي به تفاؤلًا من السَّلامةِ لكون غالب من يُلدغ يُعطب، أو فعيل (٧) بمعنى مَفعول؛ لأنَّه أسلمَ للعطبِ، واستعمالُ اللَّدغِ في ضرب العقرب مجازٌ؛ إذ الأصل أنَّه الَّذي يضرب بفيهِ، والَّذي يضربُ بمؤخَّره يقال له: لسَعَ، وبأسنانهِ نَهَسَ (٨)، بالمهملة والمعجمة، وبأنفهِ نَكَزَ، بنون وكاف وزاي، وبنابه نَشِطَ، وقد يُستعمل بعضها مكان بعضٍ تجوُّزًا (فَعَرَضَ لَهُمْ) للصَّحابة (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَاءِ) لم (٩) أعرف اسمهُ (فَقَالَ) لهم: (هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ إِنَّ فِي) القوم النَّازلينَ

стр. 10381

على (المَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا -أَوْ: سَلِيمًا- فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ) على اللَّديغِ (بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى شَاءٍ) أجرًا له (فَبَرَأَ) الملدوغُ. وعند أبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من طريق خارجة بن الصَّلت «أنَّ عمَّه مرَّ بقومٍ وعندهم رجلٌ مجنونٌ موثقٌ بالحديد، فقالوا: إنَّك جئتَ من عند هذا الرَّجلِ بخيرٍ، فارْق لنا هذا الرَّجل … » الحديث، فهذه قصَّةٌ غير السَّابقة؛ لأنَّ الَّذي في السَّابقة أنَّه لدغ، والرَّاقي في الأولى أبو سعيدٍ، كما وقع مصرَّحًا به في بعضِها، وفي الثَّانية عمُّ خارجة فافترقا. نعم، حديثُ ابن عبَّاس وحديثُ أبي سعيدٍ في قصَّةٍ واحدةٍ (فَجَاءَ) الَّذي رقى (بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا) أخذ (ذَلِكَ) الأجر (وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخَذَ) فلان (عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ) واستُدِلَّ به على جوازِ أخذ الأُجرةِ على تعليم القرآنِ. (٣٥) (بابُ رُقْيَةِ) الَّذي يصابُ بنظرِ (العَيْنِ). ٥٧٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ) بسكون العين وفتح الموحدة، القاضي الكوفيُّ التَّابعيُّ قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ شَدَّادٍ) بتشديد الدال المهملة الأولى، ابنُ الهادِ اللَّيثيُّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ أَوْ أَمَرَ) ﷺ (أَنْ يُسْتَرْقَى) بتحتية مضمومة وفتح القاف مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «أنْ نَسترقِيَ» بنون مفتوحة بدل: التحتية وكسر القاف، أي: نطلب الرُّقية ممَّن يعرفها (مِنَ العَيْنِ) أي: بسبب العينِ وذلك إذا نظرَ المعيانُ لشيءٍ باستحسانٍ مشوبٍ بحسدٍ يحصلُ للمنظورِ إليه (١) ضررٌ بعادةٍ أجراها الله تعالى،

стр. 10382

وهل ثمَّ جواهر خفيَّة تنبعثُ من عينه تصل إلى المعيونِ كإصابةِ السُّمِّ من نظر الأفعى أم لا؟ هو أمرٌ مُحتملٌ لا (١) يُقطعُ بإثباتهِ ولا نفيهِ، قال ابنُ العربيِّ: والحقُّ أنَّ الله تعالى يخلُق عند نظرِ العائنِ (٢) إليه، وإعجابهِ به إذا شاء ما شاء من ألمٍ أو هلكةٍ، وقد يَصرفهُ قبل وقوعه بالرُّقية. انتهى. وقد أخرج البزَّار بسندٍ حسنٍ عن جابرٍ رفعهُ «أكثرُ من يموتُ بعدَ قضاءِ اللهِ وقدرِهِ بالنَّفسِ». قال الرَّاوي: يعني: بالعينِ. ٥٧٣٩ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفرادِ، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ ابْنُ خَالِدٍ) وهو محمَّد بن يحيى ابن عبد الله بن خالدٍ الذُّهليُّ قالَ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ) بن عطيَّةَ السُّلميُّ (الدِّمَشْقِيُّ) قالَ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الأبرشُ -بالموحدة والراء والشين المعجمة- الحمصيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة، قال: (أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّدُ ابن مسلمٍ (٣) (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنتُ» (أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ (٤) ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً) لم تُسمَّ (فِي وَجْهِهَا سَُفْعَةٌ) بفتح السين المهملة وتضم وسكون الفاء بعدها عين مهملة، سوادٌ أو حمرةٌ يعلوها سوادٌ أو صفرةٌ، والمرادُ هنا أنَّ السَّفعة أدركتهَا من قِبَلِ النَّظْرةِ (فَقَالَ) ﷺ : (اسْتَرْقُوا لَهَا) بسكون الراء، أي: اطلبُوا لها (٥) من يرقيها (فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ) بفتح النون وسكون المعجمة، أي: أصابتها العينُ، أو عينُ

стр. 10383

الجنِّ، أو أنَّ الشَّيطان أصابها. قال الخطَّابيُّ: عيون الجنِّ أنفذ من الأسِنَّة (١) (وَقَالَ عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف، ابنُ خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بنُ الزُّبير (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قالَ في «المقدِّمة»: وروايةُ عُقَيْلٍ مع إرسالها وقعت لنا في «جزءٍ» من رواية أبي الفضل بن طاهرٍ الحافظ، وأخرجها الحاكم في «المستدركِ» موصولة (تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّد بن حربٍ، فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (عَبْدُ اللهِ) بفتح (٢) العين (بْنُ سَالِمٍ) الحمصيُّ (عَنِ الزُّبَيْدِيِّ) محمَّد بن الوليد المذكور، على وصل الحديثِ ومتنهِ. (٣٦) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين: (العَيْنُ حَقٌّ) أي: الإصابةُ بها من جملةِ ما تحقَّقَ من كونه لها تأثيرٌ في النُّفوسِ. ٥٧٤٠ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَي) بالإفراد، ولغير أبي ذرٍّ بالجمع (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) هو إسحاقُ بن إبراهيم بن نصرٍ السَّعديُّ (٤) قالَ: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: العَيْنُ حَقٌّ) أي: الإصابةُ بها ثابتة موجودة (٥)، وزاد مسلمٌ من حديث ابن عبَّاس «ولو كان شيءٌ سابقَ القدر لسبقتْهُ العينُ» وهي كالمؤكِّدة لقوله: «العينُ حقٌّ» وفيها تنبيهٌ على سرعةِ نفوذها وتأثيرِهَا في الذَّات، والمعنى لو فرض أنَّ شيئًا له قوَّة بحيثُ يسبق القدر كان العين، لكنَّها لا تسبقُ فكيف غيرها، وفي الحديث ردٌّ على طائفةٍ من المبتدعةِ حيثُ أنكروا إصابة العينِ، والدَّليلُ على فسادِ قولهم أنَّ كلَّ معنى لا يؤدِّي إلى قلب حقيقةٍ ولا فساد دليلٍ فإنَّه من مجوَّزات العقولِ، فإذا أخبر

стр. 10384

الشَّارع بوقوعهِ وجبَ اعتقادهُ ولا يجوزُ تكذيبه، واختلفَ في القصاصِ، فقال القرطبيُّ: لو أتلف العائنُ شيئًا ضمنه، ولو قتلَ فعليه القصاصُ أو الدِّية إذا تكرَّر ذلك منه بحيثُ يصيرُ عادةً كالسَّاحر عند من لا يقتله كفرًا. وقال الشَّافعيُّ: لا قصاص ولا دِية ولا كفَّارة لأنَّه لا يقتلُ غالبًا ولا يعدُّ مهلكًا، ولأنَّ الحُكم إنَّما يترتَّب على مُنضبط عامٍّ دون ما يختصُّ ببعض النَّاس وبعض الأحوال ممَّا لا ضبط فيه، كيف ولم يقع منه فعل أصلًا. انتهى. وفي حديث أنسٍ رفعهُ: «من رأَى شيئًا فأعجبَهُ، فقالَ: ما شاءَ اللهُ لا قوَّةَ إلَّا باللهِ لم يضرَّهُ». رواهُ البزَّارُ وابن السُّنيِّ. (ونَهَى) ﷺ نهي تحريمٍ (عَنِ الوَشْمِ) بفتح الواو وسكون المعجمة، وهو أن يغرزَ إبرةً أو نحوها في موضعٍ من البدنِ حتَّى يسيلَ الدَّمُ، ثمَّ يحشى ذلك الموضع بالكُحلِ ونحوه فيخضرُّ. وقال العينيُّ: الظَّاهر أنَّ قومًا سألوه ﷺ عن العينِ وقومًا عن الوشمِ في مجلسٍ واحدٍ، فأجابهما لذلك (١). ويأتي إن شاء اللهُ تعالى حُكم الوشمِ في أواخر «كتاب اللِّباسِ» [خ¦٥٩٤٤] بعون الله وقوَّته. وهذا الحديثُ أخرجهُ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٤٤]، ومسلمٌ في «الأدبِ» (٢)، وأبو داود في «الطِّبِّ».

стр. 10385

(٣٧) (بابُ) مشروعيَّةِ (رُقْيَةِ الحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ). ٥٧٤١ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمةَ التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بنُ زياد قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بنُ فيروزَ، أبو إسحاق (الشَّيْبَانِيُّ) بفتح المعجمة وسكون التحتية بعدها موحدة، الكوفيُّ الحافظُ قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ) الأسود بن يزيدَ النَّخعيِّ، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ الرُّقْيَةِ مِنَ الحُمَةِ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم المخففة، وأصلُها حُمَي أو حُمَو (١) بوزنِ صُرَد، والهاء فيها (٢) عوض عن الواو أو الياء المحذوفة، وهي السُّمُّ وتطلق على إبرةِ العقربِ للمجاورة لأنَّ السُّمَّ يخرج منها (فَقَالَتْ) (٣) ﵂: (رَخَّصَ النَّبِيُّ (٤) ﷺ الرُّقْيَةَ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في الرُّقية» (مِنْ كُلِّ ذِي حُمَةٍ) ذي سمومٍ. قال في «الفتح»: ووقع في روايةِ أبي الأحوصِ عن الشَّيبانيِّ بسندهِ: «رخَّص في الرُّقية من الحيَّةِ والعقربِ». انتهى. والرُّخصةُ إنَّما تكون بعد النَّهيِ، وكان ﷺ نهاهُم عن الرُّقى لما عسى أن يكون منها من ألفاظِ الجاهليَّةِ فانتهوا عنها، ثمَّ رخَّص لهم إذا عريت عن ذلك، وفي حديث أبي هريرة جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله ما لقيتُ من عقربٍ لدغتْنِي البارحةَ، فقالَ: «أمَّا إنَّكَ لو قلتَ حينَ أمسيتَ: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ من شرِّ ما خلقَ لم يضرَّكَ إن شاءِ الله» رواه أصحابُ «السُّننِ». وقال ابنُ عبدِ البرِّ في «التَّمهيد» عن سعيد بن المسيَّب، قال: بلغني أنَّ من قالَ حين يُمسي: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] لم يلدَغهُ عقربٌ. وذكرَ (٥) أبو القاسمِ

стр. 10386

القُشيريُّ في «تفسيره»: أنَّ في بعضِ التَّفاسير أنَّ الحيَّةَ والعقرب أتيا نُوحًا فقالتا: احملنَا. فقال نوحٌ: لا أحملكُما فإنَّكما سببُ الضَّررِ، فقالتا: احملنَا ونحنُ نضمنُ لك أن لا نضرَّ أحدًا ذكركَ. (٣٨) (بابُ رُقْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) الَّتي كان يرقي بها. ٥٧٤٢ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن صهيبٍ، أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَثَابِتٌ) البنانيُّ (عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (فَقَالَ ثَابِتٌ) لأنسٍ: (يَا أَبَا حَمْزَةَ اشْتَكَيْتُ) بضم التاء، أي: مرضتُ (فَقَالَ) له (أَنَسٌ: أَلَا) بتخفيف اللام للعرض والتَّنبيه (أَرْقِيكَ) بفتح الهمزة (بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ) ثابتٌ: (بَلَى، قَالَ) أنسٌ: (اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ مُذْهِبَ البَاسِ) بضم الميم وكسر الهاء، والباسُ بغير همز للمؤاخاةِ، وفي الفرع بالهمزةِ (١) على الأصلِ (اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي) فيه جوازُ تسمية الله تعالى بما ليسَ في القرآنِ إذا كان له أصلٌ فيه قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وأن لا يُوهم نقصًا (لَا شَافِي إِلَّا أَنْتَ) فلا ينجعُ الدَّواء إلَّا بتقديركَ (شِفَاءً) نصبٌ على أنَّه مصدر اشف، ويجوز الرَّفعُ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: الشِّفاءُ المطلوبُ (لَا يُغَادِرُ) بالغين المعجمة، لا يترك (سَقَمًا) بفتحتين ويجوز ضم ثمَّ إسكان، لغتان، والجملةُ صفةٌ لقوله: «شفاءً». وهذا الحديثُ أخرجهُ أبو داود في «الطِّبِّ» والتِّرمذيُّ في «الجنائزِ» والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».

стр. 10387

٥٧٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، الفلَّاس الصَّيرفيُّ البصريُّ أبو حفصٍ، أحدُ الأعلام، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بنُ مهران الأعمش (عَنْ مُسْلِمٍ) بن صُبَيْحٍ الهَمْدانيِّ العطَّار. قال في «الفتح»: هو أبو الضُّحى، مشهورٌ بكنيته أكثر من اسمه. قال: وجوَّز الكِرمانيُّ أن يكون مسلمَ بن عمران لكونهِ يروي عن مسروق، ويروي الأعمشُ عنه. قال ابنُ حَجر: وهو تجويزٌ عقليٌّ محضٌ يَمُجُّهُ سمع المحدِّث على أنَّني لم أرَ لمسلمِ بن عمران البَطين رواية عن مسروق وإنْ كانت مُمكنة، وهذا الحديثُ إنَّما هو من روايةِ الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، وقد أخرجَ مسلمٌ من رواية جريرٍ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، عن (١) مَسروقٍ به، ثُمَّ أخرجهُ من رواية هُشيمٍ ومن روايةِ شُعبة ومن رواية يحيى القَّطان عن الثَّوريِّ كلهم عن الأعمشِ، قال: بإسناد جريرٍ، فوضح أنَّ مسلمًا المذكور في رواية البخاريِّ هو أبو الضُّحى فإنَّه أخرجهُ من رواية يحيى القطَّان، وغايته أنَّ بعض الرُّواة عن يحيى سمَّاه وبعضهم كنَّاه. انتهى. وتعَّقبهُ العينيُّ فقال: هذا الَّذي قالهُ يَمُجُّه سمْعُ كلِّ أحدٍ، ودعْواه أنَّه لم يرَ لمسلم بن عمران روايةً عن مسروقٍ باطلةٌ لأنَّ غيرهُ أثبتها (٢)، فكيف يدَّعي هذا المدَّعي بدعواهُ الفاسدة ردًّا على من سبقهُ في شرحِ (٣) هذا الحديثِ مشنِّعًا (٤) عليه بسوءِ أدبٍ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]. انتهى. وأجاب الحافظ ابنُ حَجر (٥) في «انتقاض الاعتراض» بقوله: سبحانَ من خذلَ هذا المُعترض حتَّى يعيب ما وقع فيه، وأعجبُ ما يسمع أنَّ هذا المعترضَ قال في «باب مسحِ الرَّاقي الوَجَعَ بيده» حين أوردَ المصنِّف الحديثَ المذكور عن سفيان، عن الأعمشِ بالسَّند المذكورِ: عن

стр. 10388

سفيانَ (١): هو الثَّوريُّ، والأعمش هو سليمان، ومسلمٌ هو أبو الضُّحى، فذكر لفظ أحمد بن حجر بعينهِ، ونسيَ ما قيل عنِ الكِرمانيِّ ثمَّ، وليس بينهما سوى (٢) باب واحد يأتي إن شاء اللهُ تعالى (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ (٣) ﷺ كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ) قال في «الفتح»: لم أقفْ على تعيينه (يَمْسَحُ بِيَدِهِ اليُمْنَى) على موضعِ الوجع تفاؤلًا لزوال الوجعِ، كما قالهُ الطَّبريُّ (٤) (وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ البأسَ) بالهمز في فرع (٥) «اليُونينيَّة» والمشهورُ حذفهُ ليناسب سابقهُ (واشْفِهِ) بكسر الهاء، أي: العليل (وَأَنْتَ الشَّافِي) بإثبات الواو في الكلمتينِ للحَمُّويي والمستمليِّ، وحذفها فيهما للكُشميهنيِّ (لَا شِفَاءَ) بالمدِّ مبنيٌّ على الفتحِ، حاصلٌ لنا أو للمريضِ (إِلَّا شِفَاؤُكَ) بدلٌ من موضعِ: «لا شفاء». وقال في «المصابيح»: الكلامُ في إعرابه كالكلامِ في قولنا: لَا إلهَ إلَّا الله، ولا يخفى أنَّه بحسب صدر الكلامِ نفيٌ لكلِّ إله سواهُ تعالى، وبحسب الاستثناء إثباتٌ (٦) له ولألوهيتهِ؛ لأنَّ الاستثناءَ من النَّفي إثباتٌ لا سيَّما إذا كان بدلًا فإنَّه يكونُ هو المقصودَ بالنِّسبة، ولهذا كان البدلُ الَّذي هو المختارُ في كلِّ كلامٍ تامٍّ غير موجبٍ بمنزلةِ الواجبِ في هذهِ (٧) الكلمةِ الشَّريفة حتَّى لا يكاد يستعملُ لا إله إلَّا الله بالنَّصب ولا إله إلَّا إيَّاه. فإن قيل: كيف يصحُّ مع أنَّ البدل هو المقصودُ والنِّسبة إلى المبدلِ منه سلبيَّة؟ فالجوابُ: أنَّه إنَّما وقعت النِّسبةُ إلى البدل بعد النَّقض بإلَّا، فالبدل هو المقصودُ بالنَّفي المعتبر في المبدل منه، لكن بعد نقضهِ ونقضُ النَّفي إثباتٌ. انتهى. (شِفَاءً) أي: اشف شفاءً (لَا يُغَادِرُ) لا يتركُ (سَقَمًا) والتَّنوين للتَّقليل. (قَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ -بالسَّند السَّابق-: (حَدَّثْتُ (٨) بِهِ) بهذا الحديثِ (مَنْصُورًا (٩)) يعني:

стр. 10389

ابنَ المعتمر (فَحَدَّثَنِي) بالإفرادِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) أي: ابن الأجدعِ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (نَحْوَهُ) أي: نحو متن الحديث السَّابقِ. وهذا الحديثُ (١) الأوَّل أخرجهُ مسلمٌ في «الطِّبِّ» وكذا النَّسائيُّ في (٢) «اليوم واللَّيلة». ٥٧٤٤ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) بالجيم والمدِّ، واسمهُ عبدُ الله الحنفيُّ الهرويُّ قالَ: (حَدَّثَنَا النَّضْرُ) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة، ابنُ شُميلٍ -بالمعجمة المضمومة- (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَرْقِي) بفتح التحتية وكسر القاف حال كونه يقول: (امْسَحِ (٣)) أي: أَزِل (البَاسَ رَبَّ النَّاسِ بِيَدِكَ الشِّفَاءُ) لا بيد غيرك (لَا كَاشِفَ لَهُ) أي: للدَّاء (إِلَّا أَنْتَ). والحديثُ من أفراده. ٥٧٤٥ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ رَبِّهِ) بإضافة عبد لربِّه (بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، الأنصاريُّ (عَنْ عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، بنت عبد الرَّحمنِ التَّابعيَّة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ) ولمسلمٍ عن ابن (٤) أبي (٥) عمرَ عن سفيانَ: «كان إذا اشتكى الإنسانُ أو كانت به قرحةٌ أو جرحٌ، قال النَّبيُّ ﷺ : بإصبعه هكذا، ووضعَ سفيانُ سبَّابتهُ بالأرض ثمَّ رفعها».

стр. 10390

(بِسْمِ اللهِ) هذهِ (تُرْبَةُ أَرْضِنَا) المدينة خاصَّةً لبركتها، أو كلُّ أرضٍ (بِرِيقَةِ بَعْضِنَا) ولأبي ذرٍّ: «وَرِيقَةُ» بالواو بدل: الموحدة، (يُشْفَى سَقِيمُنَا) بضم التحتية وفتح الفاء، سقيمُنا (١): رفعُ نائب عن (٢) الفاعل، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يَشْفِي» بفتح أوَّله وكسر الفاء «سَقِيمَنا» نصبٌ على المفعوليَّة والفاعل مقدَّرٌ، وزاد في غير رواية أبي ذرٍّ: «بإذنِ ربِّنا». قال النَّوويُّ: كان ﷺ يأخذُ من ريقِ نفسه على إصبعهِ السَّبَّابة، ثمَّ يضعُها على التُّرابِ فيَعْلَقُ بها منه، فيمسحُ بها على الموضع الجريحِ والعليلِ، ويتلفَّظُ بهذه الكلمات في حال المسحِ. وقال القاضي البيضاويُّ: قد شهدت المباحثُ الطِّبيَّة على أنَّ الرِّيق له مدخلٌ في النُّضج وتعديلِ المزاجِ، ولتراب الوطنِ (٣) تأثيرٌ في حفظ المزاج الأصليِّ ودفع نكاية المضرَّات والمرض (٤)، وللرُّقى والعزائم آثارٌ عجيبةٌ تتقاعدُ (٥) العقولُ عن الوصولِ إلى كُنْهها. وقوله في حديث مسلمٍ: «بإصبعهِ» في موضعِ الحال من فاعل. قال: و «تربةُ أرضِنا»، خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هذه و (٦) الباءُ متعلِّقةٌ بمحذوفٍ هو خبرٌ ثانٍ. وقال الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»: إضافةُ «تُربةِ أرضنا وريقةِ بعضنا» تدلُّ على الاختصاص، وأنَّ تلك التُّربة والرِّيقة مختصَّتانِ (٧) بمكانٍ شريفٍ يتبرَّكُ به، بلْ بذي نفسٍ شريفةٍ قدسيَّةٍ طاهرةٍ زكيَّةٍ عن أوصاف الذُّنوبِ وأوسام الآثامِ، فلمَّا تبرَّكَ باسمِ الله الشَّافي (٨) ونطقَ به ضمَّ إليه تلك التُّربة والرِّيقة وسيلة إلى المطلوب، ويعضُده أنَّه ﷺ بزقَ في عين عليٍّ ﵁ فبرأ من الرَّمَد، وفي بئر الحُديبية فامتلأتْ ماءً.

стр. 10391

٥٧٤٦ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» بالجمع (صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قالَ: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبدِ الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ (١) ﷺ يَقُولُ فِي الرُّقْيَةِ) للمريض: (بِسْمِ اللهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا وَرِيقَةُ بَعْضِنَا، يُشْفَى) بضم أوَّله وفتح ثالثه (سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا) قالَ التُّوربشتيُّ: الَّذي يسبق إلى الفهمِ من صنيعه (٢) ذلك ومن قوله: «تربةُ أرضنا» إشارةٌ إلى فطرةِ آدمَ، «وريقةُ بعضنا» إلى النُّطفة الَّتي خُلق منها الإنسان، فكأنَّه يتضرَّعُ بلسان الحالِ، ويعرضُ بفحوى المقال: إنَّك اخترعت الأصل الأوَّل من طينٍ، ثمَّ أبدعتَ بنيه من ماءٍ مهينٍ، فهيِّنٌ عليك أنْ تشفيَ من كانت هذه نشأتهُ. (٣٩) (بابُ النَّفْثِ فِي الرُّقْيَةِ) بفتح النون وسكون الفاء، بعدها مثلثة، وهو كالنَّفخِ، وأقلُّ من التَّفل معه ريقٌ قليلٌ أو بلا ريقٍ. ٥٧٤٧ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) قالَ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بنُ بلالٍ أبو محمَّدٍ مولى الصِّدِّيق (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ) الحارث بن ربعيٍّ، وقيل: النُّعمان الأنصاريُّ فارس النَّبيِّ ﷺ (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الرُّؤْيَا) الصَّالحة الَّتي لا تخليط فيها يراها النَّائم (مِنَ اللهِ) يبشِّر بها عبدهُ (وَالحُلُْمُ) بسكون اللام وتُضَمْ، وهو ما يراهُ من الشَّرِّ وما يحصلُ لهُ من الفزعِ (مِنَ الشَّيْطَانِ) ليحزنَ الَّذين آمنوا، والأصلُ استعمالُ ذلكَ فيما (٣) يرى، لكن غلبتِ الرُّؤيا على الخيرِ، والحلم على

стр. 10392

ضدِّه، والله تعالى خالقُ كلٍّ منهما، فإضافةُ المحبوبةِ إلى الله تعالى إضافة تشريفٍ، وإضافة المكروهةِ إلى الشَّيطانِ لأنَّه يرضاها ويُسَرُّ بها أو لحضورهِ عندها، فهي إضافةٌ مجازيَّةٌ (فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ) في منامهِ (شَيْئًا يَكْرَهُهُ) فهو من الشَّيطان (فَلْيَنْفِثْ) بكسر الفاء (حِينَ يَسْتَيْقِظُ) من نومهِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) في جهة يساره (وَيَتَعَوَّذْ) بالله (مِنْ شَرِّهَا (١)، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ) لأنَّ ما فعلهُ من التَّعوُّذِ والنَّفثِ (٢) سببٌ للسَّلامة من المكروهِ المترتِّب (٣) عليهما كالصَّدقةِ تكون سببًا لرفع البلاءِ، وفي النَّفثِ إشارةٌ لطردِ الشَّيطان الَّذي حضر رؤياهُ المكروهة وتحقيرٌ له واستقذار لفعلهِ. (وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ) بالإسناد السَّابق: (وَإِنْ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فإنْ» (كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنَ الجَبَلِ) يعني لِمَا يخافُ من شرِّها (فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ فَمَا أُبَالِيهَا). والحديثُ أخرجه المؤلِّفُ أيضًا في «التَّعبير» (٤) [خ¦٧٠٠٥]، ومسلمٌ (٥) وأبو داود والنَّسائيُّ في «الرُّؤيا»، وابنُ (٦) ماجه في «الدِّيات». ٥٧٤٨ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى بن عَمرو بن أويسِ بن سعدٍ (الأُوَيْسِيُّ) أبو القاسمِ (٧) القرشيُّ المدنيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بنُ بلالٍ (عَنْ يُونُسَ) بنِ يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّامِ

стр. 10393

(عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «كانَ النَّبيُّ» (¬ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ وَبِالمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا) أي: نفثَ (١) حال قراءته لهنَّ (ثُمَّ يَمْسَحُ (٢) بِهِمَا) بكفَّيه (وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ) وفي رواية المفَضَّلِ (٣) بن فَضَالةَ، عن عقيلٍ: «يبدأُ بهما على رأسهِ ووجههِ وما أقبل من جسدهِ» [خ¦٥٠١٧]. (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ بالسَّند السَّابق: (فَلَمَّا اشْتَكَى) صلواتُ اللهِ وسلامه عليه وجعه الَّذي توفِّي فيه (كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ) النَّفثَ والقراءةَ والمسحَ (بِهِ) وفيه أنَّه كان يفعلُ ذلك في الحالتين المذكورتين. (قَالَ يُونُسُ) بنُ يزيد بالسَّند السَّابق: (كُنْتُ أَرَى ابْنَ شِهَابٍ) الزُّهريَّ (يَصْنَعُ (٤) ذَلِكَ إِذَا أَتَى (٥) إِلَى فِرَاشِهِ). وهذا الحديثُ سبقَ في «المغازي» [خ¦٤٤٣٩] وأخرجه مسلمٌ في «الطِّبِّ».

стр. 10394

٥٧٤٩ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاحُ اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشيَّة اليشكريِّ البصريِّ (عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ) عليِّ بن داود النَّاجيِّ -بالنون والجيم- (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخُدريِّ ﵁ (أَنَّ رَهْطًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا) وكانوا ثلاثين رجلًا (حَتَّى نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ) بفتح الهمزة، بطنٍ من بطونهم (فَاسْتَضَافُوهُمْ) طلبُوا منهم الضِّيافة (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ) بضم اللام وكسر الدال المهملة بعدها معجمة، فلُسِع (سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ) بعقربٍ، ولم يُسمَّ السَّيِّدُ (فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) ممَّا يُداوى به (١) (لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ) بعضُ الحيِّ: (لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدْ نَزَلُوا بِكُمْ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ) ممَّا ينفع صاحبكُم. (فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا) لهم: (يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ فَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو أبو سعيدٍ الخدريُّ (٢): (نَعَمْ وَاللهِ إِنِّي لَرَاقٍ، وَلَكِنْ وَاللهِ، لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا (٣)، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ) سيِّدكم (حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا) على ذلك (فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ) عِدَّتهُ ثلاثون شاةً (فَانْطَلَقَ) أبو سعيدٍ معهم إليه (فَجَعَلَ يَتْفِلُ) بكسر الفاء، ولأبي ذرٍّ بضمها (وَيَقْرَأُ (٤) ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) سقطَ لأبي ذرٍّ «﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» ويمسحُ عليه فبرأ (حَتَّى لَكَأَنَّمَا نُشِطَ) بضم النون وكسر المعجمة، حلَّ (مِنْ عِقَالٍ) بكسر العين، من حبلٍ كان مشدودًا به. قال في «القاموس»: نَشطَ الحبل وأَنشطهُ، حلَّه (فَانْطَلَقَ يَمْشِي) حال كونهِ (مَا بِهِ قَلَبَةٌ) بفتحاتٍ، ما به علَّةٌ يقلبُ على الفراشِ لأجلها (قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا) هذه الغنم بيننَا (فَقَالَ الَّذِي رَقَى) بفتح الراء والقاف، وهو أبو سعيدٍ: (لَا تَفْعَلُوا) ذلك (حَتَّى نَأْتِيَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٥)

стр. 10395

والمُستملي: «تأتُوا (١)» (رَسُولَ اللهِ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ) من شأنِنَا (٢) (فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا) به (فَقَدِمُوا) بكسر الدال مخفَّفةً (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ) ذلك (فَقَالَ) ﷺ لأبي سعيدٍ: (وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا) أي: الفاتحة (رُقْيَةٌ؟ أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا) ذلك بينكُم (وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ) وللكُشميهنيِّ: «معهُم» «بالهاء» بدل: «الكاف»، قاله ﷺ تطييبًا لقلوبهمْ ومبالغةً في تعريفهم حلَّه، وإلَّا فذلك ملكٌ للرَّاقي. وهذا الحديثُ سبق قريبًا [خ¦٥٧٣٧]. (٤٠) (بابُ مَسْحِ الرَّاقِي) الَّذي يرقي (الوَجَعَ بِيَدِهِ اليُمْنَى). ٥٧٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو أبو بكرٍ عبد الله ابن محمَّد بن أبي شيبةَ إبراهيم العبسيُّ الكوفيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (عَنْ مُسْلِمٍ) أبي الضُّحى (عَنْ مَسْرُوقِ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ بَعْضَهُمْ) أي: بعض أهلهِ، كما في الأخرى السَّابقة [خ¦٥٧٤٣] حال كونه (يَمْسَحُهُ بِيَمِينِهِ) يقولُ: (أَذْهِبِ البَاسَ) بالهمزة في الفرع (رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي) بياء بعد الفاء، ولأبي ذرٍّ بإسقاطِها (٣) (لَا شِفَاءَ) بالهمز لنا (إِلَّا شِفَاؤُكَ) قال الطِّيبيُّ: خرج مخرجَ الحصرِ بالمبتدأ (٤) كقوله: «أنتَ الشَّافي» لأنَّ خبر المبتدأ إذا كان معرَّفًا باللَّام أفاد الحصر؛ لأنَّ تدبير الطَّبيب ونفعَ الدَّواء لا ينجعُ في المريض إلَّا بتقديرهِ تعالى (شِفَاءً

стр. 10396

لَا يُغَادِرُ) لا يترك (سَقَمًا) تكميلٌ لقوله: «اشْفِ» والجملتان معترضتان بين الفعلِ والمفعول المطلقِ. قال سفيان: (فَذَكَرْتُهُ) أي: الحديث (لِمَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمر (فَحَدَّثَنِي) بالإفراد (عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ بِنَحْوِهِ) بنحو الحديث. (٤١) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (فِي) حُكم (المَرْأَةِ تَرْقِي الرَّجُلَ) بفتح التاء وكسر القاف. ٥٧٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِي) بضم الجيم وسكون العين المهملة وكسر الفاء، المسنديُّ قالَ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابنُ راشدٍ الأزديُّ، مولاهم، عالم اليمنِ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ بِالمُعَوِّذَاتِ) الإخلاص وتالييها، وكان الأصل أنْ يقول: بالمُعوِّذتين، لكنَّه يحتملُ أن يكون من باب التَّغليب، أو أَجرى التَّثنية مجرَى الجمع (فَلَمَّا ثَقُلَ) عليه الوجع (كُنْتُ أَنَا أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ، فَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ) عليه (لِبَرَكَتِهَا). قال معمرٌ: (فَسَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ كَيْفَ كَانَ) رسولُ الله ﷺ (يَنْفِثُ؟ قَالَ): كان (يَنْفِثُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ). وهذا الحديثُ سبق في «باب الرُّقى بالقرآن والمعوذات» [خ¦٥٧٣٥] ومطابقتُه لما تُرجم به واضحةٌ. (٤٢) (بابُ مَنْ لَمْ يَرْقِ) بفتح أوله وكسر القاف.

стр. 10397

٥٧٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، وضم النون وفتح الميم مصغَّرًا، الواسطيُّ الضَّرير (عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الحاء وفتح الصاد مصغَّرًا أيضًا، الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الموحدة، الوالِبيِّ، مولاهم، أبي محمَّدٍ، أحدِ الأعلام (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: عُرِضَتْ) بضم العين وكسر الراء (عَلَيَّ الأُمَمُ) في منامي (فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «ومعَه» (الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ) وهو ما دون العشَرة من الرِّجال، أو إلى الأربعين (وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا) أشخاصًا كثيرةً من بُعْد (سَدَّ) السَّواد (الأُفُقَ) وفي «باب من اكتوى» «حتَّى رُفع لي سوادٌ عظيمٌ (١)» [خ¦٥٧٠٥] (فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا) فنظرتُ (٢) (فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ) لي: (هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ) الَّذين آمنوا بك (وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ) ﵊ الدَّاخلين

стр. 10398

بغير حسابٍ (فَتَذَاكَرَ (١) أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ هُمْ (٢) أَبْنَاؤُنَا) الَّذين وُلِدوا في الإسلام (فَبَلَغَ) قولُهم (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ): الدَّاخلون الجنَّة بغير حسابٍ (هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ) لا يتشاءمون بالطُّيور كالجاهلية (وَلَا يَكْتَوُونَ) مُعتقدي الشِّفاء في الكيِّ كالجاهليَّة (وَلَا يَسْتَرْقُونَ) مطلقًا حسمًا للمادة لأنَّ فاعلها لا يأمنُ أن يَكِل نفسَهُ إليها، وإلَّا فالرُّقية في ذاتها ليست ممنوعةً، وإنَّما مُنع منها ما كان شركًا أو احتمَله (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي: يُفوضون إليه تعالى في ترتيب الأسبابِ على المسببات، أو: يتركون ذلك مطلقًا على ظاهر اللَّفظ، قال ابنُ الأثير: وهذا من صفةِ الأولياء المعرضين عن الدُّنيا وأسبابها وعلائقهَا وهم خواصُّ الأولياء، ولا يَرِدُ على هذا وقوع ذلك من النَّبيِّ ﷺ فعلًا وأمرًا لأنَّه كان في أعلى مَقامات العرفان ودرجات التَّوكُّل، وكان ذلك منه للتَّشريع وبيانِ الجوازِ، ولا ينقصُ ذلك من توكُّله لأنَّه كان كاملَ التَّوكُّل يقينًا، فلا يؤثِّر فيه تعاطي الأسباب شيئًا (٣) بخلاف غيره (فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره نون، و «عُكَّاشَة» بضم العين المهملة وتشديد الكاف وتخفف وبعد الألف شين معجمة مفتوحة مخففة، البدريّ (فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) أنت منهم (فَقَامَ آخَرُ) قيل: هو سعد بن عُبادة (فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا) يا رسول الله؟ (فَقَالَ) ﷺ : (سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ) قال ذلك ﵊ حسمًا للمادَّة، وقول الزَّركشيِّ: قيلَ: كانت ساعة إجابةٍ وهو الأشبَه لئلا يَتَسَلْسَلَ الأمر. تعقَّبه في «المصابيح» في قوله: إنَّها ساعة إجابةٍ، فقال: إنَّما يحسنُ في الحديث الَّذي فيه «فادعُ الله أن يجعلني منهم» [خ¦٥٨١١] وأمَّا (٤) هنا فلا يحسن ذلك إذ الَّذي هنا إنَّما هو استفهامٌ وجوابٌ عنه وليس هنا ذكرٌ للدُّعاء، وفي حديث رِفاعة الجُهنيِّ عند أحمد وصحَّحه ابنُ حبَّان: «وعدَني أنْ يُدْخِل الجنَّة من أمَّتي سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ، وإنِّي لأرجُو أن لا يدخلُوها حتَّى تَبَوَّؤُوا أنتم، ومن صلحَ من أزواجكُم وذريَّاتكُم مساكنَ الجنَّةِ» وهو يدلُّ على أنَّ مزية (٥) السَّبعين بالدُّخول بغير

стр. 10399

حسابٍ لا تستلزمُ أفضليَّتهم على غيرهم، بل فيمن يُحاسب في الجملةِ من هو أفضل منهم، ومن يتأخَّر عن الدُّخول ممَّن تحقَّقت نجاته وعُرف مقامه من الجنَّة؛ ليشفعَ في غيره من هو أفضل منهم. (٤٣) (بابُ الطِّيَرَةِ) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتية، التَّشاؤم بالشَّيء، وأصل ذلك أنَّهم كانوا في الجاهليَّة إذا خرج أحدهم لحاجةٍ، فإن رأى الطَّير طارَ عن يمينه تيمَّن به واستمرَّ، وإن طارَ عن يساره تشاءم به ورجعَ، وربَّما كانوا يهيِّجون الطَّيرَ ليطيرَ (١) فيعتمدون (٢) ذلك، ويصحُّ معهم في الغالب ليُزيِّن الشَّيطان لهم ذلك. وبقيتْ بقايا من ذلك في كثيرٍ من المسلمين فنهى الشَّرع عن ذلك، وفي حديث إسماعيلَ بن أميَّة، عن عبد الرَّزَّاق، عن النَّبيِّ ﷺ : «ثلاثةٌ لا يَسلم منهنَّ أحدٌ الطِّيرةُ والظَّنُ والحسدُ، فإذا تطَّيرت فلا ترجِعْ، وإذا حسدتَ فلا تبغِ، وإذا ظننْتَ فلا تحقِّق». وهذا -كما في «الفتح» - مرسلٌ أو معضلٌ، لكنْ له شاهدٌ من حديث أبي هُريرة أخرجه البيهقيُّ في «الشُّعب». وفي حديثِ أبي هريرة بسند لينٍ عند ابن عديٍّ مرفوعًا: «إذا تطَّيرتُم فامضُوا وعلى اللهِ فتوكَّلُوا». وفي حديث ابنِ عمر موقوفًا: «من عرضَ له من هذهِ الطِّيرةِ شيءٌ (٣)، فليقُل: اللَّهمَّ لا طيرَ إلَّا طيرُكَ، ولا خيرَ إلَّا خيرُكَ، ولا إلهَ غيرُكَ». رواه البيهقيُّ في «شعبه» (٤). ٥٧٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) ابن فارسٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ سَالِمٍ)

стр. 10400

أي: ابن عُمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا عَدْوَى) هي هنا مُجاوزة العلَّة من صاحبها إلى غيره. يقال: أعدى فلانٌ فلانًا من علَّةٍ به، وذلك على (١) ما يذهبُ إليه المتطببة في الجُذام والبرص والجُدريِّ والحصبةِ (٢) والبَخر (٣) والرَّمد والأمراضِ الوبائيَّة، والأكثرون على أنَّ المراد نفي ذلك وإبطاله على ما يدلُّ عليه ظاهرِ الحديث (وَلَا طِيَرَةَ) في «القاموس»: والطِّيَرَة والطِّيْرَة (٤) والطُّورةُ: ما يُتَشاءم به من الفألِ الرَّديءِ. انتهى. ولمّا نفى الطِّيرة بطريق العُموم كما نفى العدوَى أثبت الشُّؤم في ثلاثةٍ فقال: (وَالشُّؤْمُ) بالهمزة الساكنة، ضدُّ اليُمن (فِي ثَلَاثٍ) وعند أبي داود من حديث سعدِ بن أبي وقَّاصٍ: «وإن كانت الطِّيرة في شيءٍ». وقال الخطَّابيُّ وكثيرون: هو في معنى الاستثناءِ من الطِّيرةِ، أي: الطِّيرة منهيٌّ عنها إلَّا في هذه الأشياء. قال الطِّيبيُّ: يحتملُ أن يكون الاستثناءُ على حقيقتهِ، وتكون (٥) هذه الأشياءُ خارجةً عن حُكم المستَثنى منه، أي: الشُّؤم ليس إلَّا في هذه الأشياء، كما في مسلم «إنَّما الشُّؤم في ثلاثةٍ» (فِي المَرْأَةِ) بأن لا تلدَ، وأن تكون لسنَاء (٦) (وَالدَّارِ) بأن تكون ضيِّقةً سيِّئة الجيران (وَالدَّابَّةِ) بأن لا يُغزى عليها. وقال القاضِي: تعقيبُ قوله: «ولا طيرة»، بهذه الشَّرطيَّة، أي: في رواية: «وإن كانت الطِّيرة» تدلُّ على أنَّ الشُّؤم أيضًا منفيٌّ عنها، والمعنى أنَّ الشُّؤم لو كان له وجودٌ في شيءٍ لكان في هذه الأشياء، فإنَّها (٧) أقبلُ الأشياء لها، لكن لا وجودَ لها فيها، فلا وجودَ لها أصلًا. انتهى. قال في «شرح المشكاة»: فعلى هذا فالشُّؤم في الأحاديث المستشهد بها محمولٌ على الكراهيَّة (٨) الَّتي سببها ما في هذه الأشياء من مخالفة الشَّرع. انتهى.
следующие страницы →