← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 10396–10435 · переход к 10401.

стр. 10396

لَا يُغَادِرُ) لا يترك (سَقَمًا) تكميلٌ لقوله: «اشْفِ» والجملتان معترضتان بين الفعلِ والمفعول المطلقِ. قال سفيان: (فَذَكَرْتُهُ) أي: الحديث (لِمَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمر (فَحَدَّثَنِي) بالإفراد (عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ بِنَحْوِهِ) بنحو الحديث. (٤١) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (فِي) حُكم (المَرْأَةِ تَرْقِي الرَّجُلَ) بفتح التاء وكسر القاف. ٥٧٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِي) بضم الجيم وسكون العين المهملة وكسر الفاء، المسنديُّ قالَ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابنُ راشدٍ الأزديُّ، مولاهم، عالم اليمنِ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ بِالمُعَوِّذَاتِ) الإخلاص وتالييها، وكان الأصل أنْ يقول: بالمُعوِّذتين، لكنَّه يحتملُ أن يكون من باب التَّغليب، أو أَجرى التَّثنية مجرَى الجمع (فَلَمَّا ثَقُلَ) عليه الوجع (كُنْتُ أَنَا أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ، فَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ) عليه (لِبَرَكَتِهَا). قال معمرٌ: (فَسَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ كَيْفَ كَانَ) رسولُ الله ﷺ (يَنْفِثُ؟ قَالَ): كان (يَنْفِثُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ). وهذا الحديثُ سبق في «باب الرُّقى بالقرآن والمعوذات» [خ¦٥٧٣٥] ومطابقتُه لما تُرجم به واضحةٌ. (٤٢) (بابُ مَنْ لَمْ يَرْقِ) بفتح أوله وكسر القاف.

стр. 10397

٥٧٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، وضم النون وفتح الميم مصغَّرًا، الواسطيُّ الضَّرير (عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الحاء وفتح الصاد مصغَّرًا أيضًا، الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الموحدة، الوالِبيِّ، مولاهم، أبي محمَّدٍ، أحدِ الأعلام (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: عُرِضَتْ) بضم العين وكسر الراء (عَلَيَّ الأُمَمُ) في منامي (فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «ومعَه» (الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ) وهو ما دون العشَرة من الرِّجال، أو إلى الأربعين (وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا) أشخاصًا كثيرةً من بُعْد (سَدَّ) السَّواد (الأُفُقَ) وفي «باب من اكتوى» «حتَّى رُفع لي سوادٌ عظيمٌ (١)» [خ¦٥٧٠٥] (فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا) فنظرتُ (٢) (فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ) لي: (هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ) الَّذين آمنوا بك (وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ) ﵊ الدَّاخلين

стр. 10398

بغير حسابٍ (فَتَذَاكَرَ (١) أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ هُمْ (٢) أَبْنَاؤُنَا) الَّذين وُلِدوا في الإسلام (فَبَلَغَ) قولُهم (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ): الدَّاخلون الجنَّة بغير حسابٍ (هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ) لا يتشاءمون بالطُّيور كالجاهلية (وَلَا يَكْتَوُونَ) مُعتقدي الشِّفاء في الكيِّ كالجاهليَّة (وَلَا يَسْتَرْقُونَ) مطلقًا حسمًا للمادة لأنَّ فاعلها لا يأمنُ أن يَكِل نفسَهُ إليها، وإلَّا فالرُّقية في ذاتها ليست ممنوعةً، وإنَّما مُنع منها ما كان شركًا أو احتمَله (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي: يُفوضون إليه تعالى في ترتيب الأسبابِ على المسببات، أو: يتركون ذلك مطلقًا على ظاهر اللَّفظ، قال ابنُ الأثير: وهذا من صفةِ الأولياء المعرضين عن الدُّنيا وأسبابها وعلائقهَا وهم خواصُّ الأولياء، ولا يَرِدُ على هذا وقوع ذلك من النَّبيِّ ﷺ فعلًا وأمرًا لأنَّه كان في أعلى مَقامات العرفان ودرجات التَّوكُّل، وكان ذلك منه للتَّشريع وبيانِ الجوازِ، ولا ينقصُ ذلك من توكُّله لأنَّه كان كاملَ التَّوكُّل يقينًا، فلا يؤثِّر فيه تعاطي الأسباب شيئًا (٣) بخلاف غيره (فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره نون، و «عُكَّاشَة» بضم العين المهملة وتشديد الكاف وتخفف وبعد الألف شين معجمة مفتوحة مخففة، البدريّ (فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) أنت منهم (فَقَامَ آخَرُ) قيل: هو سعد بن عُبادة (فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا) يا رسول الله؟ (فَقَالَ) ﷺ : (سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ) قال ذلك ﵊ حسمًا للمادَّة، وقول الزَّركشيِّ: قيلَ: كانت ساعة إجابةٍ وهو الأشبَه لئلا يَتَسَلْسَلَ الأمر. تعقَّبه في «المصابيح» في قوله: إنَّها ساعة إجابةٍ، فقال: إنَّما يحسنُ في الحديث الَّذي فيه «فادعُ الله أن يجعلني منهم» [خ¦٥٨١١] وأمَّا (٤) هنا فلا يحسن ذلك إذ الَّذي هنا إنَّما هو استفهامٌ وجوابٌ عنه وليس هنا ذكرٌ للدُّعاء، وفي حديث رِفاعة الجُهنيِّ عند أحمد وصحَّحه ابنُ حبَّان: «وعدَني أنْ يُدْخِل الجنَّة من أمَّتي سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ، وإنِّي لأرجُو أن لا يدخلُوها حتَّى تَبَوَّؤُوا أنتم، ومن صلحَ من أزواجكُم وذريَّاتكُم مساكنَ الجنَّةِ» وهو يدلُّ على أنَّ مزية (٥) السَّبعين بالدُّخول بغير

стр. 10399

حسابٍ لا تستلزمُ أفضليَّتهم على غيرهم، بل فيمن يُحاسب في الجملةِ من هو أفضل منهم، ومن يتأخَّر عن الدُّخول ممَّن تحقَّقت نجاته وعُرف مقامه من الجنَّة؛ ليشفعَ في غيره من هو أفضل منهم. (٤٣) (بابُ الطِّيَرَةِ) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتية، التَّشاؤم بالشَّيء، وأصل ذلك أنَّهم كانوا في الجاهليَّة إذا خرج أحدهم لحاجةٍ، فإن رأى الطَّير طارَ عن يمينه تيمَّن به واستمرَّ، وإن طارَ عن يساره تشاءم به ورجعَ، وربَّما كانوا يهيِّجون الطَّيرَ ليطيرَ (١) فيعتمدون (٢) ذلك، ويصحُّ معهم في الغالب ليُزيِّن الشَّيطان لهم ذلك. وبقيتْ بقايا من ذلك في كثيرٍ من المسلمين فنهى الشَّرع عن ذلك، وفي حديث إسماعيلَ بن أميَّة، عن عبد الرَّزَّاق، عن النَّبيِّ ﷺ : «ثلاثةٌ لا يَسلم منهنَّ أحدٌ الطِّيرةُ والظَّنُ والحسدُ، فإذا تطَّيرت فلا ترجِعْ، وإذا حسدتَ فلا تبغِ، وإذا ظننْتَ فلا تحقِّق». وهذا -كما في «الفتح» - مرسلٌ أو معضلٌ، لكنْ له شاهدٌ من حديث أبي هُريرة أخرجه البيهقيُّ في «الشُّعب». وفي حديثِ أبي هريرة بسند لينٍ عند ابن عديٍّ مرفوعًا: «إذا تطَّيرتُم فامضُوا وعلى اللهِ فتوكَّلُوا». وفي حديث ابنِ عمر موقوفًا: «من عرضَ له من هذهِ الطِّيرةِ شيءٌ (٣)، فليقُل: اللَّهمَّ لا طيرَ إلَّا طيرُكَ، ولا خيرَ إلَّا خيرُكَ، ولا إلهَ غيرُكَ». رواه البيهقيُّ في «شعبه» (٤). ٥٧٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) ابن فارسٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ سَالِمٍ)

стр. 10400

أي: ابن عُمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا عَدْوَى) هي هنا مُجاوزة العلَّة من صاحبها إلى غيره. يقال: أعدى فلانٌ فلانًا من علَّةٍ به، وذلك على (١) ما يذهبُ إليه المتطببة في الجُذام والبرص والجُدريِّ والحصبةِ (٢) والبَخر (٣) والرَّمد والأمراضِ الوبائيَّة، والأكثرون على أنَّ المراد نفي ذلك وإبطاله على ما يدلُّ عليه ظاهرِ الحديث (وَلَا طِيَرَةَ) في «القاموس»: والطِّيَرَة والطِّيْرَة (٤) والطُّورةُ: ما يُتَشاءم به من الفألِ الرَّديءِ. انتهى. ولمّا نفى الطِّيرة بطريق العُموم كما نفى العدوَى أثبت الشُّؤم في ثلاثةٍ فقال: (وَالشُّؤْمُ) بالهمزة الساكنة، ضدُّ اليُمن (فِي ثَلَاثٍ) وعند أبي داود من حديث سعدِ بن أبي وقَّاصٍ: «وإن كانت الطِّيرة في شيءٍ». وقال الخطَّابيُّ وكثيرون: هو في معنى الاستثناءِ من الطِّيرةِ، أي: الطِّيرة منهيٌّ عنها إلَّا في هذه الأشياء. قال الطِّيبيُّ: يحتملُ أن يكون الاستثناءُ على حقيقتهِ، وتكون (٥) هذه الأشياءُ خارجةً عن حُكم المستَثنى منه، أي: الشُّؤم ليس إلَّا في هذه الأشياء، كما في مسلم «إنَّما الشُّؤم في ثلاثةٍ» (فِي المَرْأَةِ) بأن لا تلدَ، وأن تكون لسنَاء (٦) (وَالدَّارِ) بأن تكون ضيِّقةً سيِّئة الجيران (وَالدَّابَّةِ) بأن لا يُغزى عليها. وقال القاضِي: تعقيبُ قوله: «ولا طيرة»، بهذه الشَّرطيَّة، أي: في رواية: «وإن كانت الطِّيرة» تدلُّ على أنَّ الشُّؤم أيضًا منفيٌّ عنها، والمعنى أنَّ الشُّؤم لو كان له وجودٌ في شيءٍ لكان في هذه الأشياء، فإنَّها (٧) أقبلُ الأشياء لها، لكن لا وجودَ لها فيها، فلا وجودَ لها أصلًا. انتهى. قال في «شرح المشكاة»: فعلى هذا فالشُّؤم في الأحاديث المستشهد بها محمولٌ على الكراهيَّة (٨) الَّتي سببها ما في هذه الأشياء من مخالفة الشَّرع. انتهى.

стр. 10401

ويُحتمل أن يكون المراد عدم موافقتهَا له طبعًا، ويؤيِّده ما في «شرح السُّنَّة» كأنَّه يقول: إنْ كان لأحدكم دارٌ يكره سُكناها، أو امرأةٌ يكره صُحبتها، أو فرسٌ لا تُعجبه، فليُفارقها بأن يَنْتَقلَ من الدَّار، ويُطلِّق المرأة، ويبيع الفرس حتَّى يزول عنه ما يجدُ في نفسه من الكَراهةِ، كما قال ﷺ في جواب من قال: يا رسول الله إنَّا كنَّا في دارٍ كثيرٌ فيها عددنا … إلى آخره، «ذرُوهَا فإنَّها ذميمةٌ» فأمرهم (١) بالتَّحوُّل عنها؛ لأنَّهم كانوا فيها (٢) على استثقالٍ واسْتِيحاشٍ، فأمرهم ﷺ بالانتقالِ عنها ليزولَ عنهم ما يجدونَ من الكراهة لأنَّه (٣) سببٌ في ذلك. انتهى. وحديث الباب أخرجه النَّسائيُّ في «عِشْرة النِّساء». ٥٧٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) ابن مسعودٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا) أي: خيرُ الطِّيرة (الفَأْلُ) بالهمز الساكن بعد الفاء. قال في «القاموس»: الفَأل ضدُّ الطِّيرة، ويُستعمل (٤) في الخير والشَّرِّ (قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ) كالمريضِ يسمعُ يا سالم، وطالب الحاجة يا واجد، وفي حديث عروة بن عامرٍ (٥) عند أبي داود قال: ذُكِرَت الطِّيرةُ عند رسولِ الله ﷺ فقال: «خيرُهَا الفألُ ولا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فإذا رأى أحدُكُم ما يكرهُ فليقلْ: اللَّهُمَّ لا يأتِي بالحسَناتِ إلَّا أنت، ولا يدفعُ السَّيِّئات إلَّا أنت ولا حولَ ولا قوَّة إلَّا بالله». وبقيَّة مباحث الحديث تأتي في الباب التَّالي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته.

стр. 10402

(٤٤) (بابُ الفَأْلِ) بالهمز -كما مرَّ- وقد يسهل، والجمع: فؤول، بالهمز أيضًا. ٥٧٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعودٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الفَأْلُ) قال في «شرح المشكاة»: فالضَّمير المؤنث راجعٌ إلى الطِّيرة، وقد علم أنَّه لا خير فيها، فهو كقولهِ تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] فهذا مبنيٌّ على زعمهم وهو من إرخاءِ العنان في المُخادعةِ بأن يجري الكلام على زعمِ الخصمِ حتَّى لا يشمئزَّ عن التَّفكُّر فيه، فإذا تفكَّر أنصفَ وقبل الحقَّ، أو هو من باب قولهم: الصَّيف أحرُّ من الشِّتاء، أي: الفأل في بابه أبلغُ من الطِّيرة في بابها. انتهى. والإضافة في قوله: «وخيرُها الفَأل» مُشعرةٌ بأنَّ الفأل من جملة الطِّيرة على ما لا يخفَى، وقول صاحب «الكواكب»: إنَّه ليس كذلك بل هي إضافةُ توضيحٍ، مردودٌ بحديث حابسٍ التَّميميِّ عند الترمذيِّ أنَّه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: «العينُ حقٌّ، وأصدقُ الطِّيرة الفألُ» ففيه (١) التَّصريح بأنَّ الفألَ من جملة الطِّيرة، لكنَّه يُستثنى. وقد قال أهل اللُّغة: الطِّيرة تُستعمل في الخير والشَّرِّ. نعم، المشهور استعمال الطِّيرة في المكروهِ قال تعالى: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] أي: تشاءَمنا، وقال: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩] أي: سبب شؤمِكم معكم، والفألُ في المحبوب وربَّما يكون في مكروهٍ (قَالَ: وَمَا الفَأْلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ) وفي حديث أنسٍ عند التِّرمذيِّ وصحَّحه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا خرجَ لحاجةٍ يعجبهُ أن

стр. 10403

يسمعَ: يا نجيحُ يا راشدُ». وفي حديث بُريدة عند أبي داودَ بسندٍ حسنٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا يتطيَّرُ من شيءٍ، وكان إذا بعث غلامًا يسألهُ عن اسمهِ، فإذا أعجبَه فَرِحَ بهِ (١)، وإنْ كره اسمه (٢) رُئِي كراهة (٣) ذلك في وجههِ». وحديثُ الباب أخرجه مسلمٌ في «الطِّبِّ». ٥٧٥٦ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا قتادة» (عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ) مشتقَّةٌ من الطَّير إذ كان أكثرُ تطيُّر الجاهليَّة ناشئًا عنها (٤)، كما مرَّ (وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ) لأنَّه حسنُ ظن بالله تعالى (الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ) بيانٌ لقوله: «الفأل الصَّالح». قال في «الكواكب»: وقد جعلَ الله تعالى في الفطرةِ محبَّة ذلك، كما جعلَ فيها الارتياح بالمنظر الأنيق والماءِ الصَّافي وإِن لم يَشرب منه ويستعمله. وهذا الحديث أخرجهُ أبو داود، وأخرجه التِّرمذيُّ في «السِّير». (٤٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا هَامَةَ) بتخفيف الميم على الأفصحِ، وحكى أبو زيد تشديدها. ٥٧٥٧ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ) بفتحتين، المروزي، وقيل: هو محمَّد بن عبدة بن الحَكَم، أبو عبد الله الأحول المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (النَّضْرُ) بالضاد

стр. 10404

المعجمة، ابن شُمَيل قال: (أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بنِ أبي إسحاق السَّبيعيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمان بن عاصم الأسديُّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ) طائر. قيل: هي البُومة يتشاءمونَ به، وقيل: كانوا يزعمون أنَّ عظامَ الميِّت تصير هامةً تطيرُ، وقيل: إنَّ روحه تنقلِبُ هامَة، وهذا تفسير أكثر العلماء (وَلَا صَفَرَ) وهو فيما قيل: دابَّةٌ تهيجُ عند الجوع، وربَّما قتلَتْ عنده صاحبَها، وكانوا يعتقدون (١) أنَّها أعدى من الجربِ، وهذا ذكره مسلم (٢) عن جابر بنِ عبد الله في حديثهِ المرويِّ عنده فتعيَّن المصيرُ إليه. وقال البيضاويُّ: هو نفيٌ لما يُتوهَّم أنَّ شهر صفر تكثرُ فيه الدَّواهي. وهذا الحديثُ من أفرادهِ. (٤٦) (بابُ الكَِهَانَةِ) بفتح الكاف وكسرها، مصدر كَهَن، والكاهنُ الَّذي يتعاطَى الخبر في مُستقبل الزَّمن ويدَّعي معرفةَ الأسرارِ، وقد كان في العرب كهنةٌ كَشِقٍّ وسَطَيح ونحوهما، فمنهم من كان يزعُم أنَّ له تابعًا من الجن يُلقي إليه الأخبار، ومنهم من يزعُم أنَّه يعرفُ الأمور بمقدِّمات وأسباب يستدلُّ بها على مُوافقتها من كلامِ من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخُصُّونَّه باسمِ العرَّاف، كالَّذي يدَّعي معرفة الشَّيء المسروق ومكان الضَّالَّة ونحوهما، وقال الخطَّابيُّ: الكهنةُ قومٌ لهم أذهانٌ حادَّةٌ ونفوسٌ شرِّيرةٌ وطباعٌ ناريَّةٌ، فألفَتْهُم الشَّياطين لما بينهم من التَّناسب في هذه الأمور، وساعدتْهُم بكلِّ ما تصل قدرتُهم إليه.

стр. 10405

٥٧٥٨ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء، آخره راء مصغَّرًا، وهو سعيدُ بن كثير بنِ عُفير قالَ: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قالَ: (حَدَّثَنَي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) أميرُ مصرَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِي امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة، ابن مُدْرِكة بن إلياس (اقْتَتَلَتَا، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا) وهي أمُّ عفيفٍ بنت مَسروح (الأُخْرَى) وهي مُلَيكة بنت عُويم (١) (بِحَجَرٍ فَأَصَابَ) الحجرُ (بَطْنَهَا وَهْيَ حَامِلٌ، فَقَتَلَتْ وَلَدَهَا الَّذِي فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) بلفظ الجمعِ كقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] (فَقَضَى) ﵊ (أَنَّ دِيَةَ مَا فِي بَطْنِهَا) ولو أُنثى، أو خُنثى، أو ناقص الأعضاءِ إذا عَلمنا بوجودهِ في بطنِ أمِّه (غُرَّةٌ) بضم الغين المعجمة (٢) وتشديد الراء منوَّنًا، بياضٌ في الوجه، عبَّر (٣) به عن الجسد كلِّه إطلاقًا للجُزء على الكُلِّ (عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ) بدلٌ من «غرَّةٍ»، ورواه بعضُهُم بالإضافة البيانيَّة، والأوَّلُ أقيسُ وأصوب لأنَّهُ حينئذٍ يكونُ من إضافة الشَّيء إلى نفسهِ، ولا يجوزُ (٤) إلَّا بتأويل كما ورد قليلًا (٥)، و «أو» للتَّقسيم لا للشَّكِّ (فَقَالَ وَلِيُّ المَرْأَةِ الَّتِي غَرِمَتْ) بفتح المعجمة وكسر الراء، أي: الَّتي قضى عليها بالغُّرَّة، ووليُّها هو زوجها حَمَل -بفتح الحاء المهملة والميم المخففة- ابن مالك بن النَّابغة الهُذليُّ الصَّحابيُّ، والغُّرةُ متى وجبَتْ فهي على العاقلةِ، ولأبي ذرٍّ: «الَّتي غُرِّمت» بضم المعجمة وكسر الراء مشددة (كَيْفَ أَغْرَمُ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ) قال أبو الفتح عُثمان ابن جنِّي، أي: لم يأكُلْ، أقامَ الماضي مقام المضارعِ (وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ) ولا صاحَ عند الولادةِ (فَمِثْلُ ذَلِكَ بَطَل) بموحدة وطاء مهملة مفتوحتين وتخفيف اللام من البُطلان، ولابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يُطَلّ» بتحتية بدل الموحدة وتشديد اللام، أي:

стр. 10406

يُهدر. يُقال: دمُ فلانٍ هدر، إذا تركَ الطَّلب بثأرهِ، وطُلَّ الدَّمُ -بضم الطاء وبفتحها- (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّمَا هَذَا) حَمَلٌ (مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ) لمشابهةِ كلامهِ كلامَهُم، زاد مُسلم: «من أجل سجعِهِ الَّذي سجع». ففيه: ذمُّ الكهَّان، ومن تشبَّه بهم في ألفاظهم حيثُ كانوا يستعملونهُ في الباطلِ كسَجْعَة (١) حَمَلٍ، يريد به إبطالَ حُكم الشَّرعِ، ولم يُعاقبْه النَّبيُّ ﷺ لأنَّه كان مأمورًا بالصَّفح عن الجاهلين. وهذا الحديثُ من أفراده. ٥٧٥٩ - ٥٧٦٠ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ البلخيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمنِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ) وعند أحمد من طريقِ عَمرو بن تميم بن عُويم (٢)، عن أبيه، عن جدِّهِ قال: «كانت أُختي مُلَيكة وامرأةٌ منَّا يقال لها: أمُّ عفيفٍ بنتُ مَسروح تحت حَمَل بن مالك بنِ النَّابغة، فضربَتْ أمُّ عفيفٍ مُلَيْكة» وسقطَ لابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ «بحجَرٍ» (فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِغُرَّةٍ) بالتَّنوين (عَبْدٍ أو وَلِيدَةٍ) بالجَّر فيهما بدلًا (٣) من «بغُرَّة» والمرادُ العبد والأمةُ ولو كانا أسودين، وإن كان الأصلُ في الغرَّة البياضُ في الوجهِ كما توسَّعوا في إطلاقهَا على الجسد كُلِّه، كما قالوا: أعتقَ رقبة، لكن قال أبو عَمرو بن العلاء القارئ: المراد

стр. 10407

الأبيضُ لا الأسود، قال: ولولا أنَّه ﷺ أراد بالغُرَّة معنًى زائدًا على شخص العبد والأمةِ لما ذكرهُما (١). قال النَّوويُّ: وهو خلافُ ما اتَّفقَ عليه الفقهاءُ من إجزاء الغُرَّة السَّوداءِ والبيضاءِ. قال أهلُ اللُّغة: الغُرَّةُ عند العرب أنفس الشَّيء، وأُطلقت هنا على الإنسانِ لأنَّ الله تعالى خلقهُ في أحسن تقويمٍ، فهو من أَنْفَسِ المخلوقاتِ. (وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، بالسَّند السَّابق (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِي الجَنِينِ) حال كونهِ (يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ، فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ) بضم القاف وكسر المعجمة، وفي السَّابقة [خ¦٥٧٥٨]: «فقال وليُّ المرأة الَّتي غَرِمت» (كَيْفَ أَغْرَمُ مَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مَن» (لَا أَكَلَ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا نَطَقَ، وَلَا اسْتَهَلَّ) أي: ولا صرخَ (وَمِثْلُ ذَلِكَ بَطَلْ) بالموحدة، ولابنِ عساكرَ: «يُطَل» بتحتية (٢) مضمومة، يُهدر و (٣) لا يجبُ فيه شيءٌ، ويُطَل -بالتَّحتية- مِن الأفعال الَّتي لا تُستعمل إلَّا مبنيَّة للمفعول كجُنَّ. قال المنذريُّ: وأكثرُ الرِّوايات: «بَطَل» أي: بالموحدة، وإن كان الخطَّابيُّ رجَّح الأخرى (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا هَذَا) يعني: وليَّ المرأة (مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ) شبَّهه (٤) بالإخوان؛ لأنَّ الأخوَّة تقتضِي المشابهة، وذمَّهُ حيث أراد بسجعهِ دفع (٥) ما أوجبهُ ﷺ . وهذا الحديثُ مُرسل. ٥٧٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (٦) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سُفيان (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ

стр. 10408

عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ) بن هشام بن المُغيرة المخزوميِّ، أحد الفقهاءِ السَّبعة (عَنْ أَبِي (١) مَسْعُودٍ) عُقبة البدريِّ الأنصاريِّ الكوفيِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ) تناول (ثَمَنِ الكَلْبِ) أو عن أن يكونَ للكلبِ ثمنٌ (٢) سواءٌ كان معلَّمًا أم لا، وأمَّا حكاية القَمُولي في «الجواهر» وجهًا في بيع الكلبِ المُقتنى فغريب، وسمَّاه ثمنًا باعتبار الصُّورة (وَ) عن (مَهْرِ البَغِيِّ) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتية، الزَّانية، وهو فعول من البغاء، فأُدغمتِ الواو في الياء، ولا يجوزُ عندهم أن يكون على فَعيل؛ لأن فعيلًا بمعنى فاعل يكون بالهاء في المؤنث ككريمة، وإنَّما يكون بغير هاءٍ إذا كانَ بمعنى مفعول كامرأةٍ جريحٍ وقتيلٍ، وسمِّي ما يعطى على الزِّنا مهرًا مجازًا، كما في ثمنِ الكلبِ من مجاز التَّشبيه، أو أطلق عليه ذلك بالمعنى اللُّغوي (وَ) عن (حُلْوَانِ الكَاهِنِ) بضم الحاء المهملة وسكون اللام. قال الهرويُّ: أصلُه من الحَلاوة شُبِّه (٣) به لأنَّه يأخذُ ما يُعطاه على كهانتهِ سهلًا من غير كُلفة. قال الماورديُّ في «الأحكام السُّلطانيَّة» ويَمنعُ المُحتسبُ مَن يكتسِبُ بالكهانةِ واللَّهو، ويُؤدِّبُ عليه (٤) الآخذَ والمُعطي. وهذا الحديثُ قد سبقَ في «باب ثمن الكلبِ» من «البيعِ» [خ¦٢٢٣٧]. ٥٧٦٢ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين، ابنُ راشد، عالمُ اليَمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مُسلم (٥) (عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام، وثبت لأبي ذرٍّ: «ابنِ الزُّبير» (عَنْ) أبيه

стр. 10409

(عُرْوَةَ (١)، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَاسٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «سألَ ناسٌ رسولَ اللهِ ﷺ » (عَنِ الكُهَّانِ) وفي «مُسلم» تسميةُ من سأل عن ذلك معاوية بن الحكمِ السُّلمي، ولفظه «قلتُ: يا رسولَ اللهِ أُمورًا كنا نصنعُها في الجاهليَّةِ كنَّا نأتي الكهَّان». الحديث (فَقَالَ) ﷺ : (لَيْسَ) قولهم (بِشَيْءٍ) يعتمدُ عليه (فَقَالُوا) مستشكلين عموم قوله: «ليس بشيء» إذ مفهومُه أنَّهم لا يصدقُون أصلًا: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا) ولأبي ذرٍّ: «يحدِّثُوننا» (أَحْيَانًا بِشَيْءٍ) من الغيب (فَيَكُونُ) ما حدَّثونا (٢) بهِ (حَقًّا) أي: واقعًا ثابتًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا) بفتح الطاء لا بكسرها على المشهور، أي: يأخُذُها الكاهنُ (مِنَ الجِنِّيِّ) بسرعةٍ، وسقطَتْ (٣) لفظة «من» لابنِ عساكرَ، أي: يخطفها الجنيُّ من الملائكةِ، وفي رواية الكُشميهنيِّ -كما في «الفتح» -: «يَحفَظها» بحاء مهملة ساكنة ففاء مفتوحة فظاء معجمة من الحفظ، والأوَّلُ هو المعروف (فَيُقِرُّهَا) بضم (٤) التحتية وكسر القاف وتشديد الراء، أي يصبُّها، أو يُلقيها بصوت (فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ) الَّذي يُواليه وهو الكاهنُ وغيره ممَّن يُوالي الجن (فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا) مع الكلمة الَّتي يحفظُونها (٥) من الملائكةِ (مِئَةَ كَذْبَةٍ) بفتح الكاف وسكون المعجمة، فربَّما أصابَ نادرًا، وأخطأَ غالبًا، فلا يُغْتَر (٦) بصدقِهِم في بعض الأمورِ. وعن ابنِ عبَّاس قال: حدَّثني رجالٌ من الأنصار: أنَّهم بينا (٧) هم جلوسٌ ليلًا مع رسولِ الله ﷺ

стр. 10410

إذ رُميَ بنجم فاستنَار فقال: «ما كنتُم تقولونَ إذا رُميَ مثلُ هذا في الجاهليَّة؟» قالوا: كنَّا نقولُ: وُلِد اللَّيلة رجلٌ عظيمٌ، أو مات رجلٌ عظيمٌ، فقال: «فإنَّها لا يُرمى بها لموتِ أحدٍ ولا لحياتهِ، ولكنْ ربُّنا إذا قضى أمرًا سبَّحَ حملة العرش ثمَّ يسبِّحُ الَّذين يلونهم حتَّى يبلُغَ التَّسبيحُ إلى أهل السَّماء الدُّنيا، فيقولون: ماذا قال ربُّكم؟ فيخبرونهم حتَّى يصلَ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيسترقُ منه الجنِّيُّ، فما جاؤُوا به على وجهِهِ فهو حقٌّ، ولكنَّهم يزيدُون فيه وينقُصون» رواهُ مسلم. وفيه بيانُ توصُّل الجنِّ إلى الاختطاف، وقد انقطعت الكهانةُ بالبعثة المحمَّديَّة لكن بقي من يتشبَّه بهم، وثبت النَّهيُّ عن إتيانهم، فلا يحلُّ إتيانهم ولا تصديقهُم. وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الطِّبِّ». و (١) (قَالَ عَلِيٌّ) هو ابنُ المدينيِّ: (قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام: (مُرْسَلٌ: الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ) أي: أنَّ عبد الرَّزَّاق كان يُرسل هذا القدر من الحديثِ (ثُمَّ) قال عليُّ بن المدينيِّ: (بَلَغَنِي أَنَّهُ) أي: عبد الرَّزَّاق (أَسْنَدَهُ) إلى عائشة (بَعْدَهُ) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «بعدُ» أي: بعد ذلك، وقد أخرجه مسلمٌ عن عبد بن حُميدٍ، عن عبد الرَّزَّاق موصولًا كروايةِ (٢) هشام بن يوسفَ، عن مَعمر. والاختطافُ المذكورُ في الحديث مستعارٌ للكلام من فعل الطَّير، كما قالَ تعالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١]. (٤٧) (بابُ السِّحْرِ) بكسر السين وسكون الحاء المهملتين، وهو أمرٌ خارقٌ للعادة صادرٌ عن

стр. 10411

نفس ٍشريرةٍ لا تتعذر معارضتُهُ، واختُلف هل له حقيقةٌ أم لَا؟ والصَّحيحُ وهو الَّذي عليه الجمهورُ أنَّ له حقيقة، وعلى هذا فهل له تأثيرٌ فقط بحيث يُغيِّر المزاج فيكونُ نوعًا من الأمراضِ، أو (١) ينتهي إلى الإحالةِ (٢) بحيثُ يصيِّرُ الجمادَ حيوانًا مثلًا وعكسَه، فالَّذي عليه الجمهور هو الأوَّل، وفرَّقوا بين المعجزة والكَرَامة والسِّحر؛ بأنَّ (٣) السِّحر يكونُ بمعاناةِ أقوالٍ وأفعالٍ حتَّى يتمَّ للسَّاحر ما يريدُ، والكرامةُ لا تحتاجُ إلى ذلك بل إنَّما تقعُ غالبًا اتِّفاقًا، وأمَّا المعجزةُ فتمتازُ عن الكرامةِ بالتَّحدِّي. وقال القرطبيُّ: الحقُّ أنَّ لبعض أصناف السِّحر تأثيرًا في القلوبِ كالحبِّ والبغضِ، وإلقاءِ الخير والشَّرِّ، و (٤) في الأبدانِ بالألم (٥) والسَّقم، وإنَّما المنكرُ أنَّ الجماد ينقلبُ حيوانًا أو عكسه بسحر السَّاحر. (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق: (﴿وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ﴾) باستعمالِ السِّحر وتدوينه (﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾) أي: كفروا معلِّمين النَّاس السِّحر قاصدين به إغواءَهُم وإضلالَهم، والواو في ﴿وَلَكِنَّ﴾ عاطفةُ جملة الاستدراك على ما قبلَها (﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾) ما موصولٌ بمعنى الَّذي في موضع نصبٍ عطفًا على ﴿السِّحْرَ﴾ أي: يعلِّمون النَّاس السِّحر والمنزل على الملكَين، أو عطفًا على ﴿مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ أي: واتَّبعوا ما تتلو الشَّياطين وما أنزلَ على الملكَين، وعلى هذا فما بينهما اعتراضٌ أو ما نفي، والجملةُ معطوفةٌ على الجملةِ المنفيَّة قبلها وهي ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أي: وما أنزل على الملكَين إباحة السِّحر. قال القرطبيُّ: ﴿مَا﴾ نفي والواو للعطف على قولهِ تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ﴾ والتَّقدير: وما أنزلَ على الملكَين ولكنَّ الشَّياطين كفروا يعلِّمون الناس السِّحر (﴿بِبَابِلَ﴾) اسم أرضٍ، وهي بابل العراق، وسمِّيت بذلك لتبلبُل الألسُن بها عند سقوطِ صرح نمروذ، وقيل: إنَّ الله تعالى أمر ريحًا تحشرُهُم (٦) بهذه الأرضِ، فلم

стр. 10412

يَدْرِ أحدهُم (١) ما يقولُ الآخرُ، ثمَّ فرَّقهم الرِّيح في البلاد فتكلَّم كلُّ أحدٍ بلغتهِ، وهو متعلِّقٌ بأنزلَ والباء بمعنى في، أي: في بابل، ويجوزُ أن يكون في محلِّ نصبٍ على الحال من الملكَين، أو من الضَّمير في أنزل، فيتعلَّق بمحذوفٍ (﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾) بدلٌ من ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ وجُرَّا بالفتحةِ لأنَّهما لا ينصرفان للعجمة والعلمية، أو عطف بيان (﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾) هاروتَ وماروتَ (﴿مِنْ أَحَدٍ﴾) الظَّاهر أنَّه الملازم للنَّفي وهمزتُهُ أصلٌ بنفسها، وأجازَ أبو البقاء أن يكون بمعنى واحدٍ، فتكون همزتُه بدلًا من واو (﴿حَتَّى يَقُولَا﴾) حتَّى ينبهاهُ وينصحاهُ يقولا له: (﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾) أي: ابتلاءٌ واختيارٌ من الله تعالى ليتميَّز (٢) المطيع من العاصي، كقولك: فتنتُ الذَّهب بالنَّار إذا عرضتهُ عليها ليتميَّز الخالصُ من المشوب (﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾) عطف على ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ والضَّمير في ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ لما دلَّ عليه من أحد، أي: فيتعلَّم النَّاس (﴿مِنْهُمَا﴾) من الملكَين (﴿مَا﴾) أي: الَّذي (﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾) وهو علمُ السِّحر الَّذي يكون سببًا في التَّفريق بين الزَّوجين بأن يُحدِث اللهُ عندهُ النُّشوز والخلاف ابتلاء منه، وللسِّحر حقيقةٌ عند أهل السُّنَّة، وعند المعتزلة هو تخييلٌ وتمويهٌ، وقيل: التَّفريق إنِّما يكون بأن يعتقدَ أنَّ ذلك السِّحر مؤثِّرٌ في هذا التَّفريق، فيصيرُ كافرًا وإذا صار كافرًا بانَتْ منه زوجتُه (﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ﴾) بالسِّحر (﴿مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ﴾) ﴿مَا﴾ حجازيَّة فـ ﴿هُم﴾ اسمُها و ﴿بِضَآرِّينَ﴾ خبرُها، والباء زائدةٌ فهو في محلِّ نصب، أو تميميَّة فـ ﴿هُم﴾ مبتدأ و ﴿بِضَآرِّينَ﴾ خبرُه، والباء زائدة أيضًا، فهو في محلِّ رفعٍ، والضَّمير فيه عائدٌ على السَّحرة العائد عليهم ضمير ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ أو على اليهودِ العائد عليهم ضمير ﴿وَاتَّبَعُواْ﴾ أو يعودُ على ﴿الشَّيَاطِينُ﴾ والضَّمير في ﴿بِهِ﴾ يعودُ على ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾ وقوله: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ﴾ استثناءٌ مفرَّغٌ من (٣) الأحوالِ فهو في موضعِ نصبٍ على الحالِ وصاحبه الفاعل المُستكن في ﴿بِضَآرِّينَ﴾ أو المفعول وهو ﴿أَحَدٍ﴾ لجواز مجيء الحال (٤) من النَّكرة لاعتمادهَا على النَّفي، أو الهاء في

стр. 10413

﴿بِهِ﴾ أي: بالسِّحر، والتَّقدير وما يضرُّون أحدًا بالسِّحر إلَّا ومعهُ علمُ الله، أو مقرونًا بإذنِ الله، ونحو ذلك. فإن قلتَ: الإذن حقيقة في الأمر، والله لا يأمرُ بالسِّحر لأنَّه ذمَّهم عليه، ولو أمرهُم به لما جازَ أن يذمَّهم عليه. أجيب بأنَّ المراد منه التَّخلية، يعني إذا سُحر الإنسانُ فإن شاء الله منعهُ منه، وإن شاء خلَّى بينهُ وبين ضرر السِّحر، أو المرادُ إلَّا بعلم اللهِ، ومنه سُمِّي الأذان لأنَّه إعلامٌ بدخول الوقتِ، أو أنَّ الضَّرر الحاصل عند فعل السِّحر إنَّما يحصل بخلقِ الله (﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾) في الآخرةِ لأنَّهم يقصدون الشَّرَّ (﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ﴾) هؤلاء اليهود (﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]) من نصيبٍ، واستُعير لفظُ الشِّراء لوجهين. أحدُهما: أنَّهم لمَّا نبذوا كتابَ الله وراءَ ظُهورهم وأقبلوا على التَّمسُّك بما تتلو الشَّياطين فكأنَّهم اشتَروا السِّحر بكتابِ الله. وثانيهما: أنَّ الملكَين إنَّما قصدا بتعليم السِّحر الاحتراز عنه، وهؤلاء أبدلوا ذلك الاحترازَ بالوصولِ إلى منافع الدُّنيا، وسقط في رواية أبي ذرٍّ «﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿وَمَارُوتَ﴾ «الآيةَ». وقال في رواية ابنِ عساكرَ: «إلى قولهِ: ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾» واختُلف في المراد بالآية فقيل: إنَّ قولهُ ﴿وَاتَّبَعُواْ﴾ هم اليهود الَّذين كانوا زمن نبيِّنا ﷺ ، وقيل: هُم الَّذين كانوا في زمنِ سليمان ﵊ من السَّحرة لأنَّ أكثر اليهود ينكرون نبوَّة سليمان ﵇ ويعدُّونه من جملة ملوك الدُّنيا، وهؤلاء ربَّما اعتقدوا فيه أنَّه إنَّما وجد الملك العظيم بسبب السِّحر، وقيل: إنَّه يتناولُ الكلَّ وهو أولى، واختُلف في المرادِ بالشَّياطين فقيل: شياطين الإنس، وقيل: هم شياطينُ الإنس والجنِّ، قال السُّديُّ: إنَّ الشَّياطين كانوا يسترقون السَّمع ويضمُّون إلى ما سَمعوا أكاذيبَ يُلقونها إلى الكهنَةِ، فدوَّنوها في الكُتب وعلَّموها النَّاس وفشا ذلك في زمن سُليمان، فقالوا: إنَّ الجنَّ تعلمُ الغيبَ، وكانوا يقولون: هذا علمُ سليمان وما تمَّ ملكُهُ إلَّا بهذا العلم، وبه سخَّر الجنَّ والإنس والطَّير والرِّيح الَّتي تجري بأمره، وأمَّا القائلون بأنَّهم شياطينُ الإنس فقالوا: روي أنَّ سليمان ﵊ كان قد دفنَ كثيرًا من العلومِ الَّتي خصَّهُ الله بها تحت سريرِ مُلكه خوفًا من أنَّه إن هلك الظَّاهر منها (١) يبقى

стр. 10414

ذلك المدفون، فلمَّا مضت مدَّةٌ على ذلك توصَّل قومٌ من المنافقينَ إلى أن كتبوا في خلالِ ذلك أشياء من السِّحر تُناسب تلك الأشياء من بعضِ الوجوه، ثمَّ بعد موتهِ واطِّلاع النَّاس على تلك الكُتب أوهموا النَّاس أنَّه من عمل سليمان، وأنَّه إنَّما وصل إلى ما وصلَ بسبب هذه الأشياء، وإنَّما أضافوا السِّحر لسُليمان تفخيمًا لشأنهِ وترغيبًا للقوم في قبولِ ذلك، وقيل: إنَّه تعالى لمَّا سخَّر الجنَّ لسُليمان، وكان يُخالطهم ويستفيدُ منهم أسرارًا عجيبةً غلبَ على الظُّنون أنَّه ﵊ استفاد السِّحر منهم، فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢] تنزيه (١) له ﵇ عن الكُفر، وروي أنَّ بعض الأحبار من اليهود قال: ألا تعجبونَ من مُحمَّدٍ يزعم أنَّ سليمان كان نبيًّا، وما كان إلَّا ساحرًا، فأنزل اللهُ هذه الآية. قاله في «اللُّباب». (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق (﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ﴾) أي: هذا الجنس (﴿حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]) أينما كان. وقال الرَّاغب: حيثُ عبارة عن مكانٍ مبهمٍ يشرح بالجملةِ الَّتي بعده كقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤] ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ [البقرة: ١٤٩] (وَقَوْلِهِ) : (﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣]) أي: أنَّهم كانوا يعتقدون أنَّ الرَّسول لا يكون إلَّا ملكًا، وأنَّ كلَّ من ادَّعى الرِّسالة من البشر وجاءَ بالمعجزةِ فهو ساحرٌ ومعجزته سحرٌ، ولذا قال قائلهم منكرًا على من اتَّبعهُ: أفتأتُون السِّحر، أي: أفتتَّبعونه حتَّى تصيروا كمَن اتَّبع السِّحر وهو يعلمُ أنَّهُ سحرٌ. (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾) إلى مُوسى (﴿مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا﴾) أي: العصي (﴿تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]) لأنَّهم أودعوها من الزِّئبق ما كانت تتحرَّك بسببهِ وتضطربُ وتمتدُّ بحيث يُخيَّل للنَّاظرين أنَّها تسعى باختيارها، وإنَّما كانت حيلة وكانوا جمًّا غفيرًا وجمعًا كثيرًا، فألقى كلٌّ منهم عصًا وحبلًا حتَّى صار الوادي ملآن حيَّات يركبُ بعضها بعضًا، ولا حجَّة فيها للقائل أنَّ السِّحر تخييلٌ؛ لأنَّها وردت في هذه القصَّة وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أنَّ جميعَ أنواع السِّحر تخييلٌ. (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]) و (النَّفَّاثَاتُ) النِّساء (السَّوَاحِرُ)

стр. 10415

أو (١) النُّفوس، أو الجماعات اللَّاتي يعقدنَ عُقدًا في خيوطٍ وينفُثنَ عليها ويَرْقين، وفيه دليلٌ على بُطلان قول المُعتزلة في إنكار تحقُّق السِّحر، وقوله تعالى في سُورة المؤمنون: (﴿تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩]) أي: (تُعَمَّوْنَ) بضم أوله وفتح المهملة وتشديد (٢) الميم، وقال ابنُ عطيَّة: السِّحرُ هنا مُستعارٌ لما وقع منهم من التَّخليط ووضع الشَّيء في غير موضعهِ. ٥٧٦٣ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الرازيُّ الفرَّاء الحافظُ قال: (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ، أحدُ الأعلام في الحفظِ والعبادة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ) بضم الزاي وفتح الراء آخره قاف (يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ) بفتح اللام وكسر الموحدة، و «الأعصم»: بالعين والصاد المهملتين، بوزن الأحمر، وفي «مسلم» «أَنَّه يهوديٌّ من بني زُرَيق» (حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ)

стр. 10416

ثبت قوله: «أنَّه كانَ» في رواية أبي ذرٍّ، وفي روايةِ ابن عُيينة في الباب التَّالي «كان يرى أنَّه يأتي النِّساء ولا يأتيهنَّ» [خ¦٥٧٦٥] وحينئذٍ فلا تمسُّك لبعض المبتدعةِ بقوله: إنَّه يخيَّلُ إليه أنَّه يفعلُ الشَّيء وما فعله الزَّاعم أنَّ الحديث باطل لاحتمال أن يخيَّل إليه أنَّه يرى (١) جبريل وليس هو ثمَّة (٢)، وأنَّه يُوحى إليه بشيءٍ ولم يُوح إليه بشيءٍ. قال المازريُّ (٣): وهذا كلُّه مردودٌ، فقد قام الدَّليلُ على صدقهِ ﵊ فيما يبلِّغُه عن الله، وعلى عصمتهِ في التَّبليغ، فما حصل لهُ من ضرر السِّحر ليس نقصًا فيما يتعلَّقُ بالتَّبليغ، بل هو من جنسِ ما يجوزُ عليه من سائرِ الأمراضِ (حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ -أَوْ: ذَاتَ لَيْلَةٍ-) من إضافةِ المسمَّى إلى الاسم، أو ذات مقحمةٍ للتَّأكيد، والشَّكُّ من الرَّاوي (وَهْوَ عِنْدِي لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا) أي: لكنَّهُ لم يكُن مُشتغلًا بي بل بالدُّعاء، والمستدرك منه هو قوله: وهو عندي، أو قولهُ: كان يخيَّلُ إليه، أي: كان السِّحر أثَّر في بدنهِ لا في عقلهِ وفهمهِ بحيثُ إنَّه توجَّه إلى الله تعالى ودعا على الوضع الصَّحيح والقانون المستقيم، قاله في «الكواكب الدَّراري» (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ) أي: أَعَلِمْتِ (أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ) أي: أجابني فيما دعوته، أو المعنى أجابَني عمَّا سألتُه عنه لأنَّ دُعاءه كان أن يُطلعه على حقيقةِ ما هو فيه لمَّا اشتبه عليه من الأمرِ (أَتَانِي رَجُلَانِ) أي: ملكان، كما عند الطَّبرانيِّ، وعند ابن سعدٍ في رواية منقطعة أنَّهما جبريلُ وميكائيلُ (فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ) جزم الدِّمياطيُّ في «سيرته» بأنَّ الَّذي قعدَ عند رأسهِ جبريل (فَقَالَ أَحَدُهُمَا) وهو جبريل أو ميكائيل، قيل: وهو أصوب (لِصَاحِبِهِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟) أي: النَّبيِّ ﷺ (فَقَالَ: مَطْبُوبٌ) بالطاء المهملة الساكنة والباءين الموحدتين، أي: مَسحور، قيل: كَنُّوا عن السِّحر بالطِّبِّ تفاؤلًا كما قالوا للَّدِيغ: سَليم (قَالَ: مَنْ طَبَّهُ) من سحرَهُ؟ (قَالَ): طبَّه (لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟) طبَّه (قَالَ: فِي مُشْطٍ) بضم الميم وسكون المعجمة، الآلةُ الَّتي يسرَّح بها شعر الرَّأس واللِّحية (وَمُشَاطَةٍ) بضم الميم وفتح المعجمة، مخففة، وبعد الألف طاء مهملة، ما يخرُج من الشَّعر عند التَّسريح، وفي حديث ابن عبَّاس من شعر رأسهِ، ومن أسنان مُشْطه، ورواه البيهقيُّ (وَجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ) بضم

стр. 10417

الجيم وتشديد الفاء، الغشاءُ الَّذي يكون على الطَّلع، ويُطلق على الذَّكر والأنثى، فلذا قيدَّهُ بقوله: (ذَكَرٍ) (١) بالتَّنوين كنخلةٍ (٢) على أنَّ لفظ ذكرٍ صفةٌ للجُفِّ، وللمُستملي: «جُبّ» بالموحدة بدل الفاء، وهما بمعنى واحد، وقال القرطبيُّ: إنَّه بالموحدة داخل الطَّلعة إذا خرج منها الكُفْريُّ، قاله شِمْرٌ. وللكُشميهنيِّ: «وجفِّ» بالفاء «طلعة» بتاء تأنيث منوَّنة (قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ) بفتح المعجمة وسكون الراء، ولمُسلم من رواية ابن نُمير: «في بئرِ ذِيْ أَرْوَان» بالهمزة، وصوَّبهُ أبو عُبيد (٣) البكريُّ (فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) وعند ابن سعدٍ من حديث ابن عبَّاس «فبعثَ إلى عليٍّ وعمَّار فأمرهُما أن يأتيا البئرَ» وعنده أيضًا في مرسل عمر (٤) بن الحكم «فدعا جُبيرَ بن إياس الزُّرقيَّ -وهو ممَّن شهد بدرًا- فدلَّه على موضعهِ في بئر ذَرْوَانَ فاستخرجَهُ». قال: ويقال: إنَّ الَّذي استخرجَه قيسُ بنُ مُحْصَن الزُّرقيُّ. قال في «الفتح»: ويجمع بأنَّه أعان جُبيرًا على ذلك وباشرَ بنفسهِ فنسبَ إليه، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ وجَّههُم أولًا ثمَّ توجَّه فشاهدها بنفسهِ (فَجَاءَ (٥)) ﷺ بعد أنْ رجعَ إلى عائشة (فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ) بضم النون وتخفيف القاف، والحِنَّاء: بكسر الحاء المهملة والمد؛ يعني أنَّ ماء البئر أحمر كالَّذي يُنقع فيه الحنَّاء، يعني أنَّه تغير لرداءتِهِ، أو لما خالطَه ممَّا أُلقي فيه (وَكَأَنَّ رُؤُوسَ نَخْلِهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ) في التَّناهي في كراهتهَا وقُبحِ منظرها، وقيل: الشَّياطينُ حيَّاتٌ (٦) عرفاءُ قبيحةُ المنظرِ هائلةٌ جدًّا. قالت عائشة: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أَسْتَخْرِجُهُ؟ قَالَ): لا (قَدْ عَافَانِي اللهُ) منه (فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ) بضم الهمزة وفتح المثلثة وكسر الواو المشددة (عَلَى النَّاسِ فِيهِ) وللكُشميهنيِّ: «منهُ» (شَرًّا) من تذكيرِ المنافقين السِّحر وتعلُّمه ونحو ذلك فيؤذون المسلمين (٧)، وهو من باب تركِ المصلحة خوف المفسدة (فَأَمَرَ بِهَا) ﷺ بالبئر (فَدُفِنَتْ. تَابَعَهُ) أي: تابعَ عيسى بنَ يونس (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أُسامة، فيما وصلهُ المؤلِّف بعد بابين [خ¦٥٧٦٦] (وَأَبُو

стр. 10418

ضَمْرَةَ) بالضاد المعجمة المفتوحة وإسكان الميم بعدها راء، أنسُ بن عياض اللَّيثيُّ المدنيُّ، فيما وصلهُ المؤلِّف في الدَّعوات [خ¦٦٣٩١] (وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الرَّحمن بن عبدِ الله بنِ ذكوان. قال في «فتح الباري»: ولم أعرف من وصلها، الثَّلاثة (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابن عروة، وعند ابنِ عساكرَ زيادة: «وَمِشْطٍ وَمُشَاقَةٍ» أي: بالقاف. (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا سبق في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٦٨] (وَابْنُ عُيَيْنَةَ) سُفيان، ممَّا وصله بعد باب [خ¦٥٧٦٥] (عَنْ هِشَامٍ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ) «بالقاف» بدل: «الطَّاء»، (يُقَالُ) ولأبي ذرٍّ: «ويقال»: (المُشَاطَةُ) بالطَّاء (مَا يَخْرُجُ مِنَ الشَّعَرِ إِذَا مُشِطَ) بضم الميم وكسر المعجمة، أي: سُرِّحَ شعرُ الرَّأس، أو اللِّحية بالمشط (وَالمُشَاقَةُ) بالقاف (مِنْ مُشَاقَةِ الكَتَّانِ) عند تسريحهِ. (٤٨) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (الشِّرْكُ) بالله (وَالسِّحْرُ مِنَ المُوبِقَاتِ) أي: المهلكات. ٥٧٦٤ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأُويسيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (سُلَيْمَانُ) بنُ بلال (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) الدِّيْليِّ (٢) المدنيِّ (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) بالمعجمة والمثلَّثة، سالم، مولى عبد الله بن مُطيع (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: اجْتَنِبُوا المُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ) بالرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أو عكسه (٣) أي: منهنَّ الشِّركُ أو الأوَّل الشِّركُ بالله، والثَّاني السِّحر، وبالنَّصب فيهما لأبي ذرٍّ على البدلِ، قال في «المصابيح» (٤): فإن قلت: المُبدل منه جمعٌ فكيف يُبدل منه اثنان؟ قلتُ: على تقديرِ وأخواتها (٥).

стр. 10419

وقد سبق هذا الحديثُ في «كتاب الوصايا» بلفظ: «اجتنبُوا السَّبع المُوبقات: الشِّركُ بالله، والسِّحرُ، وقتلُ النَّفس الَّتي حرَّم اللهُ إلَّا بالحقِّ، وأكلُ مال اليتيمِ، وأكلُ الرِّبا، والتَّولِّي يوم الزَّحف، وقذفُ المحصَناتِ» [خ¦٢٧٦٦] فاختصرَه هنا. قيل: واقتصرَ منها على اثنينِ تأكيدًا لأمرِهما. (٤٩) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يَسْتَخْرِجُ السِّحْرَ؟) من الموضعِ الَّذي وُضِع فيه (وَقَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ) بكسر الطاء المهملة وتشديد الموحدة، سِحْرٌ (أَوْ) بإسكان الواو (يُؤَخَّذُ) بفتح الهمزة والخاء المعجمة المشددة بعدها معجمة، أي: يُحْبس (عَنِ امْرَأَتِهِ) فلا يصل إلى جماعها، والأُخذة -بضم الهمزة-: هي الكلام الَّذي يقولُه السَّاحر، وقيل: هي (٢) خَرْزَة يُرقى عليها، أو: هي الرُّقية نفسها (أَيُحَلُّ عَنْهُ) بهمزة الاستفهام وضم التحتية وفتح الحاء وتشديد اللام (أَوْ يُنْشَرُ؟) بضم التحتية وسكون النون وفتح الشين المعجمة في الفرع مصلَّحة على كشطٍ، وضُبط في غيره بفتح النون وتشديد المعجمة، من النُّشرة، وهي: ضربٌ من العلاج يُعالج به من يُظنُّ أنَّ به سحرًا أو شيئًا (٣) من الجنِّ، قيل لها ذلك؛ لأنَّه يكشِف بها عنه (٤) ما خالطهُ من الدَّاء. قال الكِرمانيُّ: وكلمةُ «أو» يُحتمل أن تكون شكًّا أو نوعًا شبيهًا باللَّف والنَّشر بأن يكون الحلُّ في مُقابلة الطِّب، والتَّنشير في مقابلة التَّأخيذ (قَالَ) ابن المسيَّب: (لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ الناسَ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ) بضم التحتية وفتح الهاء، وهذا وصلهُ أبو بكرٍ الأثرم في «كتاب السنن» من طريق أبان العطَّار، عن قتادة، مثله، ومن طريقِ هشام الدَّستوائيِّ، عن قتادة بلفظ: «يلتمسُ من يُداويه، فقال: إنَّما نهى اللهُ عما يضُرُّه، ولم ينهَ عمَّا ينفعُه». وفي حديث جابرٍ عند مُسلم مرفوعًا: «مَن استطَاعَ أنْ ينفَعَ أخَاهُ فليَفْعَلْ» وفي كتبِ وهب بن منبِّه: أن يأخذ سبعَ ورقاتٍ من سدرٍ أخضر فيدقَّها (٥)

стр. 10420

بينَ حجرين ثمَّ يضرِبَها بالماءِ ويقرأ آية الكُرسيِّ وذواتِ قُلْ (١) ثمَّ يحسو منهُ ثلاثَ حسواتٍ، ثمَّ يغتسلُ به، فإنَّه يذهب عنه ما كانَ به، وهو جيدٌ للرَّجل إذا احتبسَ عن أهلهِ. ٥٧٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ (٢)) المسنَديُّ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ) سفيان (يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (يَقُولُ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (آلُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (فَسَأَلْتُ هِشَامًا عَنْهُ) أي: عن الحديثِ (فَحَدَّثَنَا عَنْ أَبِيهِ) عروةَ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُحِرَ) مبنيٌّ (٣) للمفعول (حَتَّى كَانَ يَرَى) ولأبي ذر: «يُرَى» بضمِّ الياء، يظنُّ (أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ لَا (٤) يَأْتِيهِنَّ) أي: وطئ زوجاته ولم يكن وطئهنَّ، وفي رواية الحميديِّ «أنَّه كان يأتي أهلَهُ ولا يأتيهم». وفي روايةِ أبي ضمرةَ -عند الإسماعيليِّ- «أنَّه ﷺ أقام أربعين» (٥). وفي رواية وُهَيب، عن هشام (٦) -عند أحمدَ- «ستَّة أشهرٍ» وجمع بأنَّ ستَّة الأشهر (٧) من ابتداء تغيُّر

стр. 10421

مزاجه، والأربعين يومًا من استحكامهِ، لكن في «جامع معمر» عن الزُّهريِّ أنَّه لبث سنةً. وإسناده صحيحٌ. قال ابنُ حجر: فهو المعتمدُ (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينةَ، بالسَّند السَّابق: (وَهَذَا) النَّوع المذكور هنا (أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ إِذَا كَانَ كَذَا فَقَالَ) ﷺ : (يَا عَائِشَةُ، أَعَلِمْتِ أَنَّ اللهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟) وفي رواية عمرة عن عائشةَ عند البيهقي: «إنَّ اللهَ أَنْبأنِي (١) بمرضي» أي: أخبرني (أَتَانِي رَجُلَانِ) هما جبريل وميكائيل (فَقَعَدَ (٢) أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي) وهو جبريل (وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة، وهو ميكائيل (فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلآخَرِ) وللحميديِّ (٣) «فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلِي لِلذي عِنْدَ رأسي». قال ابنُ حجر: وكأنَّها أصوبُ: (مَا (٤) بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ) أي: مسحورٌ (قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ (٥)) بهمزةٍ مفتوحةٍ فعين ساكنةٍ (رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ كَانَ مُنَافِقًا) وسبقَ أنَّ في «مسلمٍ» أنَّه كان كافرًا (٦)، وجمع بينهما بأنَّ من أطلق أنَّه يهوديٌّ نظر إلى ما في نفسِ الأمر، ومن أطلقَ عليه (٧) منافقًا نظر إلى ظاهرِ أمره، وحكى عياضٌ في «الشِّفاء» أنَّه كان أسلم، وعند ابن سعدٍ عن الواقديِّ من مرسلِ عمر بن الحكم لمَّا رجع رسولُ الله ﷺ من الحديبية في ذي الحجَّة ودخل المحرَّم من سنة سبعٍ جاء رؤساءُ اليهود إلى لبيدِ بن أعصم (٨) وكان حليفًا في بني زُرَيقٍ وكان ساحرًا، فقالوا له: أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمَّدًا فلم نصنع شيئًا، ونحن نجعلُ لك جُعْلًا على أن تسحرَه لنا سحرًا يَنْكَؤُهُ (٩)، فجعلوا له ثلاثةَ دنانير (قَالَ: وَفِيمَ؟) سحرهُ (قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ) بالقاف (قَالَ: وَأَيْنَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ) بإضافة جفٍّ لطلعة وتنوينها (ذَكَرٍ) بالتَّنوين صفةٌ للجُفِّ، وهو وعاءُ الطَّلع (تَحْتَ رَعُوفَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن

стр. 10422

الكُشمِيهَنيِّ: «راعوفة» بزيادة ألف بعد الرَّاء. قال في «الفتح»: وهو كذلك لأكثر الرُّواة، وعكس ابن التِّين، وهو حجر يترك في البئرِ عند الحفر ثابتٌ لا يستطاع قلعه يقومُ عليه المستقي، وقيل: حجرٌ على رأس البئر يستقِي عليه المستقي، وقيل: حجرٌ بارزٌ من طيِّها يقفُ عليه المستقي والنَّاظر فيها، وقيل: في أسفلِ البئر يجلسُ عليه الَّذي ينظفها لا يمكن قلعه لصلابتهِ (فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ. قَالَتْ) عائشةُ ﵂: (فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ البِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ) وفي روايةِ ابن نُمير قالت (١): أفلا أخرجتَه؟ قال: «لا». وفي «باب السِّحر» من طريق عيسى بن يونس أفلا استخرجتَه؟ قال: «قد عافانِي الله» [خ¦٥٧٦٣]. قال ابن بطَّال -فيما ذكرهُ عنه في «فتح الباري» عن المهلَّب-: وقد اختلف الرُّواة على هشام في إخراجِ السِّحر المذكور، فأثبتَه سفيان وجعلَ سؤالَ عائشة عن النُّشرة، ونفاهُ عيسى بن يونس وجعل سؤالها عن الاستخراجِ، ولم يذكرِ الجواب. وصرَّح به أبو أسامة، قال: والنَّظر يقتضِي ترجيحَ رواية سفيان (٢) لتقدِّمه في الضَّبط، ويؤيِّده أنَّ النُّشرة لم تقع في رواية أبي أسامة، والزِّيادة من سفيان مقبولةٌ لأنَّه أثبتهم، ولا سيَّما أنَّه كرَّر استخراج السِّحر في روايته مرَّتين يعني بالمرَّة الأخرى في قوله: قال: فاستخرجه (٣)، فبعُدَ من الوهم، وزادَ ذكر النُّشرة وجعلَ جوابه ﷺ عنها بـ «لا» بدلًا عن الاستخراج، قال: ويحتمل وجهًا آخر فذكر ما محصله أن الاستخراجَ (٤) المنفيَّ في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان، فالمثبتُ هو استخراج الجُفِّ، والمنفيُّ استخراجُ ما حواه. قال: وكأن السِّرَّ في ذلك أنْ لا يراه النَّاس فيتعلَّمه من أراد السِّحر. انتهى. وفي حديثِ عَمرة عن عائشة من الزِّيادة أنَّه وجد في الطَّلعة تمثالًا من شمعِ، تمثال رسول الله ﷺ ، وإذا فيه إبرٌ مغروزةٌ، وإذا وَتَرٌ فيه إحدى عشرة عقدةً، فنزلَ جبريلُ بالمعوِّذتين، وكلَّما (٥) قرأ آية انحلَّت عقدة، وكلَّما نزع إبرةً وجد لها ألمًا ثمَّ يجدُ بعدها راحة.

стр. 10423

(فَقَالَ) ﷺ لعائشة: (هَذِهِ البِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا) بهمزة مضمومة فراء مكسورة، وللكُشمِيهنيِّ: «رأيتُها» براء فهمزة مفتوحتين (وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ) في حمرةِ لونه، وعند ابنِ سعدٍ وصحَّحه الحاكم من حديث زيدِ بن أرقم: «فوجدوا الماء أخضر» (وَكَأَنَّ نَخْلَهَا) أي: نخل البستان الَّتي (١) هي فيه (رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ) وفي رواية عَمرة عن عائشة: «فإذا نخلها الَّذي يَشربُ من مائها قد التوَى سعفُه كأنَّه رؤوس الشَّياطين»، أي: في (٢) قبحِ مَنظرها أو الحيَّات إذ العرب تسمِّي بعضَ الحيَّات شيطانًا، وهو ثعبانٌ قبيحُ الوجه (قَالَ) ﷺ : (فَاسْتُخْرِجَ) بضم التاء وكسر الراء، من البئرِ (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَقُلْتُ) له ﷺ : (أَفَلَا أَيْ تَنَشَّرْتَ؟) وسقطتْ لفظة «أي» في بعض النُّسخ، والنُّشرة: الرُّقية التي يحلُّ بها (٣) عقد الرَّجل عن مباشرةِ امرأته (فَقَالَ: أَمَا) بالتَّخفيف (وَاللهِ) جرٌّ بواو القسم، ولابنِ عساكرَ وأبوي الوقتِ وذرٍّ (٤): «أمَّا الله» بتشديد الميم وحذف الواو والرفع (فَقَدْ شَفَانِي) أي: من ذلك السِّحر (وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا). (٥٠) (بابُ السِّحْرِ) ولم (٥) يُذكر هذا الباب وترجمته عند بعضِهم. قال في «الفتح»: وهو الصَّواب لأنَّ التَّرجمة بعينها قد تقدَّمت قبلَ بابين، ولا يُعهد ذلك للبخاريِّ إلَّا نادرًا عند بعضهم.

стр. 10424

٥٧٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضم العين، من غير إضافةٍ لشيءٍ، الهباريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: سُحِرَ رسول الله ﷺ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ) أي: يظهرُ (١) له من نشاطهِ وسابقِ عادته (أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ) وللكُشمِيهنيِّ: «فعل الشَّيء» بلفظ الماضِي (وَمَا فَعَلَهُ) أي: جامع نساءه وما جامعهنَّ، فإذا دنا منهنَّ أخذه السِّحر فلم يتمكَّن من ذلك، وإلى هنا اختصر الحَمُّويي، وزاد الكُشميهنيُّ والمُستملي (حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ) وفي الرِّواية السَّابقة: «أو ذات ليلةٍ» [خ¦٥٧٦٣] بالشَّكِّ. قال في «الفتح»: والشَّكُّ من عيسى بن يونس راويه هناك، قال: هذا من نوادرِ ما وقع في «البخاريِّ» بأن (٢) يخرِّج الحديث تامًّا بإسنادٍ واحدٍ بلفظين (وَهْوَ عِنْدِي دَعَا اللهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: (أَشَعَرْتِ) أي: أعلمت (يَا عَائِشَةُ (٣) أَنَّ اللهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ) هما جبريل وميكائيل (فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ) بالتَّثنية (ثُمَّ قَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟) يعني النَّبيَّ ﷺ (قَالَ: مَطْبُوبٌ) أي: مسحورٌ. قال القرطبيُّ: إنَّما قيل للسِّحر: طبٌّ لأنَّ أصل الطِّبِّ الحذق بالشَّيء والتَّفطُّن له، فلمَّا كان كلٌّ من علاج المرض والسِّحر إنَّما يتأتَّى عن فطنةٍ وحذقٍ أطلق على كلِّ منهما هذا الاسم (قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، اليَهُودِيُّ، مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ (٤). قَالَ: فِيمَا ذَا؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ) بالطاء المهملة (وَجُفِّ طَلْعَةٍ) بالإضافة وتنوين طلعة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «وجبِّ طلعة» بالموحدة بدل الفاء (ذَكَرٍ) صفة لجف بالفاء أو الباء (قَالَ: فَأَيْنَ

стр. 10425

هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ) بفتح الهمزة وسكون الراء، وسقط لأبي ذرٍّ لفظة «ذي» فعلى الأول فهو من إضافةِ الشَّيء لنفسه. قيل: والأصل أروان، ثمَّ لكثرةِ الاستعمال سُهِّلت الهمزة فصارتْ ذروان بالذَّال المعجمة بدل الهمزة (قَالَ: فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى البِئْرِ) سبقَ ذكرُ من حصل (١) ذلك منهم ﵃ [خ¦٥٧٦٣] (فَنَظَرَ إِلَيْهَا) ﵊ (وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا) في بشاعةِ منظرها وخُبثها (رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَأَخْرَجْتَهُ؟) أي: صورة ما في الجبِّ من المُشطِ والمُشاطة وما رُبط به (قَالَ: لَا) فهو مستخرجٌ من البئرِ غير مستخرجٍ من الجفِّ جمعًا بين النَّفي والإثبات في الحديثين (أَمَّا) بالتَّشديد (أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللهُ) منه (وَشَفَانِي وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا) باستخراجه من الجفِّ لئلَّا يَرَوه فيتعلَّموه (٢) إن أرادوا استعمال السِّحر (وَأَمَرَ) ﵊ (بِهَا) بالبئر (فَدُفِنَتْ) وعند أبي عُبيد من مرسل عبد الرَّحمن بن أبي ليلى: «احتجم النَّبيُّ ﷺ على رأسهِ بقَرْنٍ (٣) حين طُبَّ». قال أبو عبيد: يعني سُحِر (٤). قال ابن القيِّم: بنى النَّبيُّ ﷺ الأمر أوَّلًا على أنَّه مرض، وأنَّه عن مادة سالت (٥) إلى الدِّماغ وغلبتْ على البطن المقدَّم منه فغيَّرت مزاجه، فرأى الحجامةَ لذلك مناسبة، فلمَّا أُوحِيَ إليه أنَّه سِحْرٌ عدل إلى العلاج المناسب له وهو استخراجه. قال: ويحتملُ أنَّ مادة السِّحر انتهتْ إلى إحدى قوى الرَّأس حتَّى صار يخيَّل إليه ما ذُكر، فإنَّ السِّحر قد يكون من تأثيرِ الأرواح الخبيثةِ، وقد يكون من انفعال الطَّبيعة وهو أشدُّ السِّحر، واستعمال الحجم لهذا الثَّاني نافع؛ لأنَّه إذا هيَّج الأخلاطَ وظهرَ أثرُه في عضو كان استفراغُ المادَّة الخبيثةِ نافعًا في ذلك. وقال الحافظُ ابن حجرٍ: سلكَ النَّبيُّ ﷺ في هذه القصَّة مسلكَيْ التَّفويض وتَعَاطي الأسباب، ففي أوَّل الأمر فوَّض وأسلمَ لأمر ربِّه (٦)، واحتسبَ الأجر في صبرهِ على بلائه، ثمَّ لمَّا تمادى

стр. 10426

ذلك وخشيَ من تماديهِ أن يضعفَه عن فنونِ عبادته (١) جنحَ إلى التَّداوي، ثمَّ إلى الدُّعاء، وكلٌّ من المقامين غايةٌ في الكمال. (٥١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِنَّ (٢) مِنَ البَيَانِ سِحْرًا) بالنَّصب، وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ، وأبوي الوقتِ وذَرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «سحرٌ» بالرَّفع، وللحَمُّويي والمُستملي: «السِّحر» بالألف واللام. ٥٧٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) الدِّمشقيُّ ثمَّ التِّنِّيسيُّ الكَلاعيُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الفقيهِ العُمري (عَنْ عَبْدِ اللهِ (٣) بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ قَدِمَ رَجُلَانِ) قيل: هما الزِّبْرقان -بكسر الزاي والراء (٤) بينهما موحدة ساكنة وبالقاف- وهو من أسماءِ القمر لقِّب به لحسنهِ، واسم أبيه بدر بن امرئ القيس بن خلف، والآخر عَمرو بن الأهتم، واسم الأهتم سِنان، يجتمعُ مع الزِّبْرقان في كعبِ بن سعد (٥) بن زيد مناةَ بن تميم، فهما تَمِيْمِيَّان قدما في وفدِ تميم على النَّبيِّ ﷺ سنة تسعٍ من الهجرة (مِنَ المَشْرِقِ) أي: من جهة المشرقِ، وكان (٦) سُكنى بني تميمٍ من جهة العراقِ، وهي في شرق المدينة (فَخَطَبَا) في «دلائل النُّبوَّة» للبيهقيِّ من طريقِ مِقْسَم، عن ابن عبَّاس: «جلسَ إلى رسولِ الله ﷺ الزِّبْرقان بن بدر، وعَمرو بن الأهتم (٧)، وقيسُ بن عاصم (٨)، ففخَرَ الزِّبرقان فقال: يا رسولَ الله، أنا سيِّد بني تميمٍ، والمطاعُ

стр. 10427

فيهم والمجابُ، أمنعُهم من الظُّلم، وآخذُ منهم بحقوقِهم وهذا يعلم ذلك يعني عَمرو بن الأهتم، فقال عَمرو: إنَّه لشديدُ العارضَةِ، مانعٌ لجانبه، مطاعٌ في أَدْنَيْه (١) فقال الزِّبْرقان: والله يا رسولَ الله لقد علم منِّي غير ما قال، وما منعَه مِن (٢) أن يتكلَّم إلَّا الحسد، فقال عَمرو: أنا أحسدُك؟! والله يا رسولَ الله، إنَّه لئيمُ الخال، خبيثُ (٣) المالِ، أحمقُ الوالد، مضيَّع في العشيرة، والله يا رسولَ الله لقد صدقتُ في الأولى، وما كذبتُ في الأُخرى، ولكنِّي رجلٌ إذا رضيتُ قلتُ أحسنَ ما علمتُ، وإن (٤) غضبتُ قلتُ أقبحَ ما وجدتُ» (فَعَجِبَ النَّاسُ) منهما (لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ مِنَ البَيَانِ) الَّذي هو إظهار المقصود بأبلغِ لفظ، وهو (٥) من الفهمِ وذَكاء القلبِ، وأصلُ البيان الكشفُ والظُّهور (لَسِحْرًا -أَوْ) قال ﵊: (إِنَّ بَعْضَ البَيَانِ- لَسِحْرٌ) شكٌّ من (٦) الرَّاوي، فمن للتَّبعيض كما صرَّح به. وقال في «شرح السُّنَّة»: اختُلف في تأويلهِ فحملَه قومٌ على الذَّمِّ لأنَّه ذمَّ الكلام في التَّصنُّع والتَّكلُّف في تحسينه ليروق للسَّامعين، وليستميلَ به قلوبهم، كما يفعل السِّحر حيث يحوِّل الشَّيء عن حقيقتهِ، ويصرفه عن جهته فيلوح للنَّاظرين (٧) في غير معرض، فكذلك المتكلِّم قد يُحِيل الشَّيء عن ظاهرهِ ببيانه، ويزيلُه عن موضعهِ بلسانه إرادة التَّلبيس على السَّامع، أو إنَّ من البيان ما يُكسِب صاحبَه من الإثم (٨) ما يكتسبُه السَّاحر بسحرهِ، أو هو الرَّجل يكون عليه الحقُّ وهو ألحنُ بحجَّته من صاحب الحقِّ، فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحقِّ، وشاهدُه قوله ﷺ : «إنَّكم تختصمُون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكون ألحنَ بحجَّته من (٩) بعضٍ، فأقضِي له على نحو ما أسمعُ منه، فمن قضيتُ له بشيءٍ من حقِّ أخيهِ فلا يأخذه … » الحديث، [خ¦٦٩٦٧] وذهب آخرون إلى أنَّ المراد منه

стр. 10428

مدحُ البيان والحثُّ على تحسينِ الكلام، وتحبيرِ (١) الألفاظ. وروي عن عمر بن عبد العزيز ﵀: أنَّ رجلًا طلب إليه حاجةً كان يتعذَّر عليه إسعافه بها، فاستمال قلبه بالكلام ثمَّ أنجزها له، ثمَّ قال: هذا هو السِّحر الحلالُ والأحسن. كما قال الخطَّابيُّ: إنَّ هذا الحديث ليس ذمًّا للبيان ولا مدحًا له لقوله: «من البيان» فأتى بلفظ «مِن» التَّبعيضيَّة وبالتَّصريح أيضًا به، وقد اتُّفِقَ على مدحِ الإيجازِ والإتيانِ بالمعاني الكثيرة بالألفاظِ اليسيرة. وقال في «شرح المشكاة»: والحقُّ أنَّ الكلامَ إذا كان ذا وجهين (٢) يختلفُ بحسب المغزى والمقاصد لأنَّ موردَ المَثَل على ما روي عنه (٣) ﷺ في قصَّة الزِّبْرقان وعَمرو كان استحسانًا، لكن تعقَّبَ في «الفتح» القولَ بأنَّ الرَّجلين المذكورين في حديث الباب هما الزِّبْرِقان وعَمرو، وقال بعد ما ذكر ما سبقَ من قولهما: وهذا لا يلزم منه أن يكونا هما المرادَ بحديث ابنِ عمر، فإنَّ المتكلم إنَّما هو عَمرو بن الأهتم وحدَه، وكان كلامه في مراجعةِ الزِّبْرِقان، فلا يصحُّ نسبة الخطبة إليهما إلَّا على طريقة التجوُّز. وفي «جامع عبد الرَّزَّاق» عن (٤) مجاهد قال: خطبَ النَّبيُّ ﷺ خطبةً في بعض الأمر، ثمَّ قام أبو بكر فخطبَ خطبة دونها، ثمَّ قام عمرُ فخطبَ خطبة دون خطبة أبي بكرٍ، ثمَّ قام شاب فاستأذنَ النَّبيَّ ﷺ في الخطبةِ فأذن له، فطوَّل الخطبة، فلم يزلْ يخطُبُ حتَّى قال له النَّبيُّ ﷺ : «هنية» (٥) أو كما قال النَّبيُّ ﷺ ، ثمَّ قال: «وإنَّ (٦) الله لم يبعثْ نبيًّا إلَّا مبلِّغًا وإنَّ تشقيقَ الكلام من الشَّيطان، وإنَّ من البيان لسحرًا» أو «من البيان سحرٌ» قال شيخنَا الحافظ أبو الخير السَّخاويُّ: فهذه خلافُ القصَّة الأخرى جزمًا.

стр. 10429

وهذا الحديث سبقَ في «النِّكاح» في «باب الخطبةِ» [خ¦٥١٤٦]، وأخرجه (١) أبو داود في «الأدب» والتِّرمذيُّ في «أبواب البرِّ» ورواه أكثرُ رواة «الموطأ» مرسلًا ليس فيه ابن عمر. (٥٢) (بابُ الدَّوَاءِ بِالعَجْوَةِ) وهي ضربٌ من أجودِ تمر المدينة، وقال القزَّاز: إنَّه ممَّا غرسه النَّبيُّ ﷺ بيده بالمدينة (٢) (لِلسِّحْرِ) أي: لأجل دفع السِّحر وتبطيلهِ. ٥٧٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبد الله المدينيُّ، كما جزم به أبو نُعيم في «المستخرج» والمِزيُّ في «الأطراف». وقال الكِرمانيُّ في «الكواكب الدَّراري»: إنَّه في بعض النُّسخ: «علي بن سلَمة» بفتح اللام، اللَّبَقي -بفتح الموحدة وبالقاف-. قال في «الفتح»: وما عرفت سلفه فيه، وقال العينيُّ: غرضه -أي: في «الفتح» - التَّشنيع على الكِرمانيِّ بغير وجهٍ لأنَّه ما ادَّعى فيه جزمًا أنَّه ابن سلَمة وإنَّما نقله عن نسخة هكذا، ولو لم تكن النُّسخة معتبرة لما نقله منها (٣). وأجاب في «انتقاض الاعتراض» بأنَّه -أي: الكِرماني- لو كانت معتمدةً عنده ما أبهمها، فإنَّه ينقل من نسخة الفَِرَبْريِّ تارةً، ومن نسخة الصَّغَاني تارةً ونحوهما، وإذا دار الأمرُ (٤) بين ما جزمَ به أبو نُعيم ومن تبعَه وبين نسخةٍ مجهولةٍ أيُّهما يعتمدُ عليه؟ انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في «تقريبه» علي بن سلَمة اللَّبَقي، يقال: إنَّ البخاريَّ روى عنه. عبد الله بن عبد الرحمن قال: حدَّث (٥) فذكره بصيغة التَّمريض، وقد ذكر في «المقدِّمة»: إنَّ في «الشُّفعة» [خ¦٢٢٥٩] و «تفسير سورة الفتح» [خ¦٤٨٤١] حدَّثنا عليٌّ: حدَّثنا شَبَّابة. وعليٌّ هذا

стр. 10430

نسبه أبو ذرٍّ عن المُستملي في روايتهِ (١) في الموضعين «علي بن سلَمة» وهو اللَّبَقي. وفي «تفسيرِ المائدة» [خ¦٤٦١٣] و «باب الدُّعاء في الصَّلاة» من «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٢٧] حدَّثنا علي: حدَّثنا مالك بن سُعَير. وعليٌّ هذا هو ابنُ سلَمة اللَّبَقي. انتهى. وذكره ابنُ خَلْفون في «مشايخ البخاري» وقال الذَّهبيُّ في «تذهيب (٢) التَّهذيب»: قال أبو الوليد الفقيه: سمعتُ أبا الحسن الزُّهريَّ يقول: حضرت محمَّد بن إسماعيل وسُئل عن عليِّ بن سلَمة فقال: ثقةٌ، وقد مضيتُ معه وسمعنا (٣) منه، قال: (حَدَّثَنَا مَرْوَانُ) بنُ معاوية الفزاريُّ قال: (أَخْبَرَنَا هَاشِمٌ) هو ابنُ هاشم (٤) بنِ عتبة بنِ أبي وقَّاص قال: (أَخْبَرَنَا عَامِرُ (٥) بْنُ سَعْدٍ) هو: ابن عمِّه (٦) عامر بن سعد والد هاشم المذكور (٧) (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقَّاص، أحد العشرة (٨) (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنِ اصْطَبَحَ) أي: من أكلَ صباحًا (كُلَّ يَوْمٍ تَمَرَاتٍ) بالتَّنوين (عَجْوَةً) بالنَّصب (٩) عطف بيانٍ أو صفة لتمراتٍ، ولأبي ذرٍّ: «تَمَراتِ عَجْوَةٍ» بإضافة تمراتٍ لعجوة، كثياب خزٍّ (لَمْ يَضُرُّهُ سَُمٌّ) بضم السين وفتحها (وَلَا سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ) مفهومه أنَّ السِّرَّ الَّذي في أكلِ العجوة من دفعِ ضرر السُّمِّ والسِّحر يرتفعُ إذا دخل اللَّيل في حقِّ من تناولَه من أوَّل النَّهار. قال في «الفتح»: ولم أقف في شيءٍ من الطُّرق على حكم من تناول ذلك أوَّل اللَّيل، هل

стр. 10431

يكون كمَن تناوله أوَّل النَّهار حتَّى يندفع (١) عنه ضرر السُّمِّ والسِّحر إلى الصَّباح؟ قال: والَّذي يظهرُ خصوصيَّة ذلك بالتَّناول أوَّل النَّهار؛ لأنَّه حينئذٍ يكون الغالب أنَّ تناوله يقع على الرِّيق، فيحتمل أن يلتحقَ به (٢) من تناولَه أوَّل اللَّيل على الرِّيق كالصَّائم. انتهى. قال تلميذُه شيخنا الحافظ السَّخاويُّ: وقع في حديث الباب من طريقِ رواية فُليح، عن عامرٍ. فإنَّه قال: وأظنُّه: «وإن أكلَها حين يمسي لم يضرُّه شيءٌ حتَّى يصبحَ» رواه أحمد في «مسنده»، بل (٣) وقعَ عند الطَّبراني في «الأوسط» من حديثِ أبي طُوَالة، عن أنسٍ، عن عائشة مرفوعًا: «مَن أكلَ سبعَ تمراتٍ من عجوةِ المدينةِ في كلِّ (٤) يوم … » الحديث. قال: «ومَن أكلهنَّ ليلًا (٥) لم يضرُّه». (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير عليٍّ شيخ المؤلِّف (٦)، وكأنَّه أراد جمعة [خ¦٥٤٤٥]: (سَبْعَ تَمَرَاتٍ) والمطلقُ في الأوَّل يحملُ على المقيَّد. ٥٧٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ) أي: ابن عتبة بن أبي وقَّاص (قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ) يقول: (سَمِعْتُ سَعْدًا ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (٧) ﷺ يَقُولُ: مَنْ تَصَبَّحَ) بفوقية مفتوحة وبعد الصاد المهملة موحَّدة مشدَّدة، وأصل الصَّبوح والاصطباح: تناولُ الشَّراب صبحًا، ثمَّ استُعْمِلَ في الأكل، أي: من أكل في الصَّباح، زاد في الأولى: «كلَّ يوم» [خ¦٥٧٦٨]

стр. 10432

(سَبْعَ تَمَرَاتٍ) بالتَّنوين (عَجْوَةً) عطف بيان أو صفة، ولأبي ذرٍّ: بإضافة تمراتٍ لتاليها، وهو منصوبٌ على ما لا يخفى، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بسبعِ تمرات» بزيادة الموحَّدة الجارَّة في سبع «عجوةٍ» جرٌّ، عطف بيانٍ أو صفة كما هو واضح، وزاد في رواية أبي ضمرة: «من تمر العالية» والعالية القرى الَّتي في الجهة العالية (١) من المدينة، وهي جهةُ نجد (لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ) ولمسلمٍ عن عائشة: «في عجوة العالية شفاءٌ من أوَّل البُكْرة» وفي النَّسائيِّ من حديث جابرٍ رفعه: «العجوةُ من الجنَّة، وهي شفاءٌ من السُّمِّ» ببركة دعوته ﷺ لتمر المدينةِ لا لخاصيَّةٍ في التَّمر. قال الخطَّابيُّ: ووصف عائشة ذلك بعده ﷺ يردُّ قول من قال: إنَّ ذلك خاصٌّ بزمانه ﷺ . نعم، من جرَّبه وصحَّ معه، عَرَفَ استمرارَه، وإلَا فهو مخصوصٌ بذلك الزَّمان، وأمَّا التَّخصيص بالسَّبع، فقال النَّوويُّ (٢): لا يُعقلُ معناه، كأَعْدَاد الصَّلوات ونصب الزَّكاة، وقال القرطبيُّ: إنَّ الشِّفاء بالعجوةِ من باب الخواص الَّتي لا تُدرك بقياس ظنِّي. قال: ومن أئمتنا من تكلَّف لذلك فقال: إنَّ السُّموم إنَّما تقتلُ لإفراط برودتها، فإذا دام (٣) على التَّصبُّح بالعجوة تحكَّمت (٤) فيه الحرارة وأعانتها الحرارة الغريزية، فقاومَ ذلك برودة السُّم ما لم يستحكمْ، لكن هذا يلزم منه رفع (٥) خصوصيَّة عجوة المدينة بل خصوصيَّة العجوة مطلقًا بل خصوصيَّة التَّمر، فإنَّ في الأدوية الحارَّة ما هو أولى من التَّمر، وتخصيص السَّبع لا يعلمه إلَّا الله، ومن أطلعه الله عليه، وقول ابن القيِّم: إنَّه إذا أُديم أكلُ العجوة على الرِّيق يخفِّف (٦) مادَّة الدُّود ويُضعفه أو يقتله. فيه (٧) إشارةٌ إلى أنَّ المراد نوعٌ خاصٌّ من السُّمِّ، لكن سياق الحديث يقتضِي التَّعميم؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي، ويبقى القولُ في السِّحر، فالمصير إلى أنَّ ذلك من سرِّ دعائه ﷺ لتمرِ المدينةِ ولكونه غرسَه بيده الشَّريفة أولى.

стр. 10433

(٥٣) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا هَامَةَ) بتخفيف الميم على المشهور. ٥٧٧٠ - ٥٧٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا عَدْوَى) أي: لا تجاوز العلَّة من صاحبها إلى غيره (وَلَا صَفَرَ) داءٌ يأخذ في البطنِ يزعمون أنَّه يُعدي، وقيل غير ذلك ممَّا سبق (٢) [خ¦٥٧١٧] (وَلَا هَامَةَ) بتخفيف الميم، لا تشاؤمَ بالبومة، ولا حياة لهامة الموتى إذ كانوا يزعمون أنَّ عظم الميتة يصيرُ هامة ويحيا ويطيرُ (فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ) لم أعرفْ اسمه: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا (٣) بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ) بكسر المعجمة وبعدها موحدة فهمزة ممدودًا، جمع ظبي، أي: في النَّشاط والقوَّة والسَّلامة وصفاء بدنها، وكأنَّها حالٌ من الضَّمير المستتر في خبرِ كان (فَيُخَالِطُهَا البَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا) بضم أوَّله، أي: يكون سببًا لوقوع الجرب بها، كانوا يعتقدون أنَّ المريض إذا دخل في (٤) الأصحَّاء أمرضَهُم فنفى ﷺ ذلك وأبطلَه، فلمَّا أورد الأعرابيُّ الشُّبهة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) له: (فَمَنْ (٥) أَعْدَى) البعير

стр. 10434

(الأَوَّلَ) أي: ممَّن سرى (١) إليه الجرب، فإن (٢) قالوا: من بعيرٍ آخرَ لزم التَّسلسل، أو قالوا: بسببٍ آخر، فعليهم أن يبيِّنوه، وإن قالوا: الفاعلُ في الأوَّل هو الفاعلُ في الثَّاني ثبتَ المدَّعى، وهو أنَّ الَّذي فعل ذلك بالجميع هو الله، فالجواب في غاية الرَّشاقة والبلاغةِ. (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، بالسَّند السَّابق أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (بَعْدُ) أي: بعدَ أنَّ سمع منه «لا عدوى … » إلى آخره، (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «قال (٣) رسول الله» (¬ ﷺ : لَا يُورِدَنَّ) بكسر الراء ونون التَّأكيد الثَّقيلة (مُمْرِضٌ) بضم الميم الأولى وسكون الثَّانية وكسر الراء، بعدها ضاد معجمة، الَّذي له إبلٌ مرضى (عَلَى مُصِحٍّ) بضم الميم وكسر الصَّاد المهملة، بعدها حاء مهملة أيضًا، مَن له إبلٌ صحاحٌ؛ لا يوردنَّ إبله المريضة على إبل غيره الصَّحيحة، وجمع ابن بطَّال بين هذا والسَّابق فقال: «لا عدوى» إعلامٌ بأنَّها لا حقيقة لها، وأمَّا النَّهي فلئلَّا يتوهَّم المصحُّ أنَّ مرضها حدثَ من أجل (٤) ورودِ المريض عليها، فيكون داخلًا بتوهُّمه ذلك في تصحيحِ ما أبطله النَّبيُّ ﷺ ، وقيل غير ذلك (وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الأَوَّلِ) قال في «الفتح»: بالإضافة كمسجد الجامع، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «الحديث الأوَّل» ولمسلمٍ من رواية يونس، عن الزُّهريِّ عن أبي سلمة: كان أبو هريرة يحدِّثهما كليهما عن رسولِ الله ﷺ ، ثمَّ صمتَ أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: «لا عدوى» (قُلْنَا) ولأبي ذرٍّ: «وقلنا» (أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لَا عَدْوَى) وفي رواية يونس بنِ أبي ذُباب -بضم المعجمة، بعدها موحدتان بينهما ألف- وهو ابن عمِّ أبي هريرة: قد كنتُ أسمعك يا أبا هريرة تحدِّثنا مع هذا (٥) الحديث «لا عدوى» فأبى أن يعرفَ ذلك، وعند الإسماعيلي من رواية شعيب فقال الحارث: إنَّك حدَّثتنا فذكره، قال: فأنكر أبو هريرة وغضب وقال: لم أحدِّثك ما تقول (فَرَطَنَ) تكلَّم (بِـ) اللغة (الحَبَشِيَّةِ) بما لا يُفهم، وقال العينيُّ: لا رطانة بالحبشيَّة هنا حقيقةً، وإنَّما هو غضب فتكلَّم بما لا يُفهم (قَالَ (٦) أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن:

стр. 10435

(فَمَا رَأَيْتُهُ) أي: أبا هريرة، وللكُشميهنيِّ: «رأيناه» (نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ) وفي رواية يونس قال أبو سلمة: لقد كان يحدِّثنا به، فما أدري أنسيَ أبو هريرة أمْ نَسَخ أحدُ القولين الآخر. وقال السَّفاقسيُّ: لعلَّ هذا من الأحاديث الَّتي سمعها قبل بسطِ ردائهِ ثمَّ ضمِّه إليه عند (١) فراغ النَّبيِّ ﷺ من مقالتهِ في الحديث المشهور. (٥٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا عَدْوَى). ٥٧٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) الأنصاريُّ الحافظ (٢) نسبه لجدِّه عُفَير -بضم العين المهملة وفتح الفاء- واسم أبيه: كثير -بالمثلثة- ابن عُفَير (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَ) أخوه (حَمْزَةُ أَنَّ) أباهما (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ (٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا عَدْوَى) لا سراية (وَلَا طِيَرَةَ) ولا تشاؤم، نفى أولًا بطريقِ العموم، ثمَّ أثبتَ فقال: (إِنَّمَا الشُّؤْمُ) بضم المعجمة وسكون الهمزة وقد تبدل واوًا (فِي ثَلَاثٍ) متعلِّق بمحذوف تقديره كائن، وفي نسخة: «في الثَّلاث» (فِي الفَرَسِ، وَالمَرْأَةِ، وَالدَّارِ) قال ابن العربيِّ: الحصر هنا بالنِّسبة إلى العادة لا بالنِّسبة إلى الخلقة. انتهى. وقد رواه مالك وسفيان وسائر الرُّواة بحذف أداة الحصر. نعم في رواية عثمان بن عمر (٤) «لا عدوى، ولا طيرة، وإنَّما الشُّؤم في ثلاث» قال مسلم: لم يذكر أحدٌ في حديث ابنِ عمر «لا عدوى» إلَّا عثمان بن عُمير. قال الحافظُ ابن حجر: ومثله في حديث سعد بنِ أبي وقَّاص
следующие страницы →