← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.

стр. 10431

يكون كمَن تناوله أوَّل النَّهار حتَّى يندفع (١) عنه ضرر السُّمِّ والسِّحر إلى الصَّباح؟ قال: والَّذي يظهرُ خصوصيَّة ذلك بالتَّناول أوَّل النَّهار؛ لأنَّه حينئذٍ يكون الغالب أنَّ تناوله يقع على الرِّيق، فيحتمل أن يلتحقَ به (٢) من تناولَه أوَّل اللَّيل على الرِّيق كالصَّائم. انتهى. قال تلميذُه شيخنا الحافظ السَّخاويُّ: وقع في حديث الباب من طريقِ رواية فُليح، عن عامرٍ. فإنَّه قال: وأظنُّه: «وإن أكلَها حين يمسي لم يضرُّه شيءٌ حتَّى يصبحَ» رواه أحمد في «مسنده»، بل (٣) وقعَ عند الطَّبراني في «الأوسط» من حديثِ أبي طُوَالة، عن أنسٍ، عن عائشة مرفوعًا: «مَن أكلَ سبعَ تمراتٍ من عجوةِ المدينةِ في كلِّ (٤) يوم … » الحديث. قال: «ومَن أكلهنَّ ليلًا (٥) لم يضرُّه». (وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير عليٍّ شيخ المؤلِّف (٦)، وكأنَّه أراد جمعة [خ¦٥٤٤٥]: (سَبْعَ تَمَرَاتٍ) والمطلقُ في الأوَّل يحملُ على المقيَّد. ٥٧٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ) أي: ابن عتبة بن أبي وقَّاص (قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ) يقول: (سَمِعْتُ سَعْدًا ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (٧) ﷺ يَقُولُ: مَنْ تَصَبَّحَ) بفوقية مفتوحة وبعد الصاد المهملة موحَّدة مشدَّدة، وأصل الصَّبوح والاصطباح: تناولُ الشَّراب صبحًا، ثمَّ استُعْمِلَ في الأكل، أي: من أكل في الصَّباح، زاد في الأولى: «كلَّ يوم» [خ¦٥٧٦٨]

стр. 10432

(سَبْعَ تَمَرَاتٍ) بالتَّنوين (عَجْوَةً) عطف بيان أو صفة، ولأبي ذرٍّ: بإضافة تمراتٍ لتاليها، وهو منصوبٌ على ما لا يخفى، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بسبعِ تمرات» بزيادة الموحَّدة الجارَّة في سبع «عجوةٍ» جرٌّ، عطف بيانٍ أو صفة كما هو واضح، وزاد في رواية أبي ضمرة: «من تمر العالية» والعالية القرى الَّتي في الجهة العالية (١) من المدينة، وهي جهةُ نجد (لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ) ولمسلمٍ عن عائشة: «في عجوة العالية شفاءٌ من أوَّل البُكْرة» وفي النَّسائيِّ من حديث جابرٍ رفعه: «العجوةُ من الجنَّة، وهي شفاءٌ من السُّمِّ» ببركة دعوته ﷺ لتمر المدينةِ لا لخاصيَّةٍ في التَّمر. قال الخطَّابيُّ: ووصف عائشة ذلك بعده ﷺ يردُّ قول من قال: إنَّ ذلك خاصٌّ بزمانه ﷺ . نعم، من جرَّبه وصحَّ معه، عَرَفَ استمرارَه، وإلَا فهو مخصوصٌ بذلك الزَّمان، وأمَّا التَّخصيص بالسَّبع، فقال النَّوويُّ (٢): لا يُعقلُ معناه، كأَعْدَاد الصَّلوات ونصب الزَّكاة، وقال القرطبيُّ: إنَّ الشِّفاء بالعجوةِ من باب الخواص الَّتي لا تُدرك بقياس ظنِّي. قال: ومن أئمتنا من تكلَّف لذلك فقال: إنَّ السُّموم إنَّما تقتلُ لإفراط برودتها، فإذا دام (٣) على التَّصبُّح بالعجوة تحكَّمت (٤) فيه الحرارة وأعانتها الحرارة الغريزية، فقاومَ ذلك برودة السُّم ما لم يستحكمْ، لكن هذا يلزم منه رفع (٥) خصوصيَّة عجوة المدينة بل خصوصيَّة العجوة مطلقًا بل خصوصيَّة التَّمر، فإنَّ في الأدوية الحارَّة ما هو أولى من التَّمر، وتخصيص السَّبع لا يعلمه إلَّا الله، ومن أطلعه الله عليه، وقول ابن القيِّم: إنَّه إذا أُديم أكلُ العجوة على الرِّيق يخفِّف (٦) مادَّة الدُّود ويُضعفه أو يقتله. فيه (٧) إشارةٌ إلى أنَّ المراد نوعٌ خاصٌّ من السُّمِّ، لكن سياق الحديث يقتضِي التَّعميم؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي، ويبقى القولُ في السِّحر، فالمصير إلى أنَّ ذلك من سرِّ دعائه ﷺ لتمرِ المدينةِ ولكونه غرسَه بيده الشَّريفة أولى.

стр. 10433

(٥٣) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا هَامَةَ) بتخفيف الميم على المشهور. ٥٧٧٠ - ٥٧٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا عَدْوَى) أي: لا تجاوز العلَّة من صاحبها إلى غيره (وَلَا صَفَرَ) داءٌ يأخذ في البطنِ يزعمون أنَّه يُعدي، وقيل غير ذلك ممَّا سبق (٢) [خ¦٥٧١٧] (وَلَا هَامَةَ) بتخفيف الميم، لا تشاؤمَ بالبومة، ولا حياة لهامة الموتى إذ كانوا يزعمون أنَّ عظم الميتة يصيرُ هامة ويحيا ويطيرُ (فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ) لم أعرفْ اسمه: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا (٣) بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ) بكسر المعجمة وبعدها موحدة فهمزة ممدودًا، جمع ظبي، أي: في النَّشاط والقوَّة والسَّلامة وصفاء بدنها، وكأنَّها حالٌ من الضَّمير المستتر في خبرِ كان (فَيُخَالِطُهَا البَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا) بضم أوَّله، أي: يكون سببًا لوقوع الجرب بها، كانوا يعتقدون أنَّ المريض إذا دخل في (٤) الأصحَّاء أمرضَهُم فنفى ﷺ ذلك وأبطلَه، فلمَّا أورد الأعرابيُّ الشُّبهة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) له: (فَمَنْ (٥) أَعْدَى) البعير

стр. 10434

(الأَوَّلَ) أي: ممَّن سرى (١) إليه الجرب، فإن (٢) قالوا: من بعيرٍ آخرَ لزم التَّسلسل، أو قالوا: بسببٍ آخر، فعليهم أن يبيِّنوه، وإن قالوا: الفاعلُ في الأوَّل هو الفاعلُ في الثَّاني ثبتَ المدَّعى، وهو أنَّ الَّذي فعل ذلك بالجميع هو الله، فالجواب في غاية الرَّشاقة والبلاغةِ. (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، بالسَّند السَّابق أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (بَعْدُ) أي: بعدَ أنَّ سمع منه «لا عدوى … » إلى آخره، (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «قال (٣) رسول الله» (¬ ﷺ : لَا يُورِدَنَّ) بكسر الراء ونون التَّأكيد الثَّقيلة (مُمْرِضٌ) بضم الميم الأولى وسكون الثَّانية وكسر الراء، بعدها ضاد معجمة، الَّذي له إبلٌ مرضى (عَلَى مُصِحٍّ) بضم الميم وكسر الصَّاد المهملة، بعدها حاء مهملة أيضًا، مَن له إبلٌ صحاحٌ؛ لا يوردنَّ إبله المريضة على إبل غيره الصَّحيحة، وجمع ابن بطَّال بين هذا والسَّابق فقال: «لا عدوى» إعلامٌ بأنَّها لا حقيقة لها، وأمَّا النَّهي فلئلَّا يتوهَّم المصحُّ أنَّ مرضها حدثَ من أجل (٤) ورودِ المريض عليها، فيكون داخلًا بتوهُّمه ذلك في تصحيحِ ما أبطله النَّبيُّ ﷺ ، وقيل غير ذلك (وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الأَوَّلِ) قال في «الفتح»: بالإضافة كمسجد الجامع، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «الحديث الأوَّل» ولمسلمٍ من رواية يونس، عن الزُّهريِّ عن أبي سلمة: كان أبو هريرة يحدِّثهما كليهما عن رسولِ الله ﷺ ، ثمَّ صمتَ أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: «لا عدوى» (قُلْنَا) ولأبي ذرٍّ: «وقلنا» (أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لَا عَدْوَى) وفي رواية يونس بنِ أبي ذُباب -بضم المعجمة، بعدها موحدتان بينهما ألف- وهو ابن عمِّ أبي هريرة: قد كنتُ أسمعك يا أبا هريرة تحدِّثنا مع هذا (٥) الحديث «لا عدوى» فأبى أن يعرفَ ذلك، وعند الإسماعيلي من رواية شعيب فقال الحارث: إنَّك حدَّثتنا فذكره، قال: فأنكر أبو هريرة وغضب وقال: لم أحدِّثك ما تقول (فَرَطَنَ) تكلَّم (بِـ) اللغة (الحَبَشِيَّةِ) بما لا يُفهم، وقال العينيُّ: لا رطانة بالحبشيَّة هنا حقيقةً، وإنَّما هو غضب فتكلَّم بما لا يُفهم (قَالَ (٦) أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن:

стр. 10435

(فَمَا رَأَيْتُهُ) أي: أبا هريرة، وللكُشميهنيِّ: «رأيناه» (نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ) وفي رواية يونس قال أبو سلمة: لقد كان يحدِّثنا به، فما أدري أنسيَ أبو هريرة أمْ نَسَخ أحدُ القولين الآخر. وقال السَّفاقسيُّ: لعلَّ هذا من الأحاديث الَّتي سمعها قبل بسطِ ردائهِ ثمَّ ضمِّه إليه عند (١) فراغ النَّبيِّ ﷺ من مقالتهِ في الحديث المشهور. (٥٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا عَدْوَى). ٥٧٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) الأنصاريُّ الحافظ (٢) نسبه لجدِّه عُفَير -بضم العين المهملة وفتح الفاء- واسم أبيه: كثير -بالمثلثة- ابن عُفَير (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَ) أخوه (حَمْزَةُ أَنَّ) أباهما (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ (٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا عَدْوَى) لا سراية (وَلَا طِيَرَةَ) ولا تشاؤم، نفى أولًا بطريقِ العموم، ثمَّ أثبتَ فقال: (إِنَّمَا الشُّؤْمُ) بضم المعجمة وسكون الهمزة وقد تبدل واوًا (فِي ثَلَاثٍ) متعلِّق بمحذوف تقديره كائن، وفي نسخة: «في الثَّلاث» (فِي الفَرَسِ، وَالمَرْأَةِ، وَالدَّارِ) قال ابن العربيِّ: الحصر هنا بالنِّسبة إلى العادة لا بالنِّسبة إلى الخلقة. انتهى. وقد رواه مالك وسفيان وسائر الرُّواة بحذف أداة الحصر. نعم في رواية عثمان بن عمر (٤) «لا عدوى، ولا طيرة، وإنَّما الشُّؤم في ثلاث» قال مسلم: لم يذكر أحدٌ في حديث ابنِ عمر «لا عدوى» إلَّا عثمان بن عُمير. قال الحافظُ ابن حجر: ومثله في حديث سعد بنِ أبي وقَّاص

стр. 10436

عند أبي داود، لكن قال فيه: «وإن تكن الطِّيرة في شيءٍ … » الحديث. والطِّيرة والشُّؤم بمعنى واحد، وقال عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عن مَعمر: سمعتُ من فسَّر (١) هذا الحديث يقول: شؤمُ المرأة إذا كانت غير ولودٍ، وشؤمُ الفرس إذا (٢) لم يُغزَ عليها، وشؤمُ الدَّار جارُ السُّوء، وفيما اختارهُ الحافظ أبو الطَّاهر أحمد السِّلفي من «الطيوريات» من حديث ابن عمر: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذا كان الفرسُ حرونًا (٣) فهو مشؤومٌ، وإذا كانت المرأة قد عرفت زوجًا قبل زوجها فحنَّت إلى الزَّوج الأوَّل فهي مشؤومة، وإذا كانت الدَّار بعيدةً عن المسجد لا يسمعُ فيها الأذان والإقامة فهي مشؤومةٌ، وإذا كنَّ بغير هذا الوصفِ فهنَّ (٤) مباركات» وأخرجه الدِّمياطيُّ في «كتاب الخيل» وإسنادُه ضعيفٌ، وفي حديث حكيمِ بن معاوية عند التِّرمذيِّ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لا شؤمَ وقد يكون اليُمنُ في المرأة والدَّار والفرس» وهذا -كما قال في «الفتح» - في إسناده ضعفٌ مع مخالفتهِ للأحاديث الصَّحيحة. وهذا الحديث قد مرَّ في «باب لا طيرة» [خ¦٥٧٥٣]. ٥٧٧٣ - ٥٧٧٤ - ٥٧٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (٥) (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «يقول»: (لَا عَدْوَى).

стр. 10437

(قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالسَّند السَّابق: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا تُورِدُوا) بالفوقيَّة وصيغة الجمع (المُمْرِضَ) بكسر الراء في الفرع، وفي غيره: «المُمْرَضَ» بفتحها، أي: من الإبل (عَلَى المُصِحِّ) منها فربما يُصاب بذلك المرض، فيقول الَّذي أورده: لو أنِّي ما أوردتُه عليه لم يصبْه من هذا المرض شيءٌ، والواقع أنَّه لو لم يورده لأصابه لأنَّ الله تعالى قدَّره، فنهى عن إيرادهِ لهذه العلَّة الَّتي لا يؤمن غالبًا من وقوعها في قلبِ المرء وهو كنحو قوله ﷺ : «فِرَّ من المجذومِ فِرَارك من الأسدِ» [خ¦٥٧٠٧] وإن كنَّا نعتقدُ أنَّ الجُذامَ لا يُعدي لكنَّا نجد في أنفسنَا نفرة وكراهيةً لمخالطتهِ، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «لا يورِد» بالمثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الرَّاء في الفرع، وفي غيره: «لا يُورَدُ» بفتحها مبنيًّا للمفعول، «الممرِضُ»: رفعٌ، نائبٌ عن الفاعل. (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) بالسَّند السَّابق، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وتخفيف النُّون فيهما، واسم أبي سنان يزيد بن أميَّة (١) (الدُّؤَلِيُّ) بضم الدال المهملة بعدها همزة مفتوحة، نسبةً إلى الدُّؤل بن بكر بنِ عبد مناة بنِ كنانة (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا عَدْوَى) يعني: إنَّ المرضَ لا يتعدَّى من صاحبه إلى من يقاربُه من الأصحَّاء فيمرض لذلك، ودخول النَّسخ في هذا كما تخيَّله بعضُهم لا معنى له، فإنَّ قوله: «لا عدوى» خبرٌ محضٌ لا يمكن نسخه إلَّا بأن يُقال: هو نهيٌ عن اعتقاد العدوى لا نفي لها (فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ) لم أعرف اسمَه (فَقَالَ): يا رسول الله (أَرَأَيْتَ) أخبرني (الإِبِلَ تَكُونُ فِي الرِّمَالِ أَمْثَالَ الظِّبَاءِ) في الصِّحَّة والحسن (٢) والقوَّة (فَيَأْتِيهِ (٣)) بضميرِ المذكر (٤)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فيأتيها» (البَعِيرُ الأَجْرَبُ) فيخالطها (فَتَجْرَبُ) لذلك (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَمَنْ أَعْدَى) البعير (الأَوَّلَ) مراده ﷺ أنَّ الأوَّل لم يَجْرَب بالعدوى بل بقضاءِ الله وقدرهِ فكذلك الثَّاني (٥) وما بعده، وزاد في حديث ابن مسعود عند الإمام أحمد بعد قوله: «فمن أجربَ

стр. 10438

الأوَّل؟» «إنَّ الله خلقَ كلَّ نفسٍ وكتب حالها ومُصابها ورزقها … » الحديث. فأخبر ﷺ أنَّ ذلك كلَّه بقضاء الله وقدره، كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ الاية [الحديد: ٢٢] وأمَّا النَّهي عن إيراد الممرضِ فمن باب اجتناب الأسباب الَّتي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك أو الأذى، والعبد مأمورٌ باتِّقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، وفي حديثٍ مرسل عند أبي داود (١): أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ بحائطٍ مائلٍ فقال: «أخافُ موتَ الفَوات». ٥٧٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُنْدار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدَر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا عَدْوَى) نهيٌ لما (٢) يعتقده أهلُ الجاهلية من أنَّ هذه الأمراض تُعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك (وَلَا طِيَرَةَ) وهي من أعمال أهل الشِّرك والكفر، فقد حكاهُ الله تعالى عن قوم فرعون، وقوم صالح، وأصحاب القرية الَّتي جاءها المرسلون، وورد: «مَن ردَّته الطِّيرة عن أمرٍ يريدُه فقد قارفَ الشِّرك» وفي حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا «الطِّيرة من الشِّرك وما منَّا إلَّا من تطيَّر (٣) ولكنَّ الله يذهبُه بالتَّوكل» والمشروعُ اجتناب ما ظهرَ منها واتِّقاؤه بقدر ما وردتْ به الشَّريعة كاتِّقاء المجذوم، وأمَّا ما خفيَ منها فلا يشرعُ اتِّقاؤه واجتنابه، فإنَّه من الطِّيرة المنهيِّ عنها. وفي حديثٍ مرسل عند أبي داود أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ليسَ عبد إلا سيدخل (٤) قلبَه طِيرة، فإذا أحسَّ بذلك فليقلْ: أنا عبدُ الله، ما شاءَ الله، لا قوَّة إلَّا

стр. 10439

بالله، لا يأتي بالحسناتِ إلَّا الله، ولا يذهبُ بالسَّيئات إلَّا الله، أشهدُ أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير ثمَّ يمضي لوجههِ». (وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ) بهمزةٍ ساكنة كاللَّاحقة (قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ) يا رسول الله؟ (قَالَ: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) يسمعُها أحدُكم إذا خرجَ لحاجته كـ «يا نَجيح» وما أشبه ذلك. وهذا الحديث قد سبق قريبًا في «باب الفأل» [خ¦٥٧٥٦]. (٥٥) (باب مَا يُذْكَرُ فِي سَمِّ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال في «القاموس»: السُّمُّ القاتلُ المعروفُ ويثلَّث، الجمع: سُمُوم وسِمَام. انتهى. وهو هنا من إضافةِ المصدرِ لمفعوله (١)، وقولُ الكِرمانيِّ: سم -بالحركات الثَّلاث- تعقَّبه العينيُّ بأنَّه مصدرٌ فلا تكون فيه السين (٢) إلَّا (٣) مفتوحة جزمًا، والحركات الثَّلاث إنَّما تكون في كونهِ اسمًا (رَوَاهُ) أي: سَمُّ النَّبيِّ ﷺ (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وصله البزَّار وغيره، وساقه المؤلِّف معلَّقًا أيضًا في «الوفاة النَّبويَّة» بلفظ قال عروةُ: قالت عائشة: كان النَّبيُّ ﷺ يقول في مرضهِ الَّذي مات فيه: «يا عائشة (٤) ما أزالُ أجدُ ألم الطَّعام الَّذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوانُ انقطاعِ أبهرِي من ذلك السُّمِّ» [خ¦٤٤٢٨].

стр. 10440

٥٧٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الإمام (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ (١): لَمَّا) بتشديد الميم (فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، كفُتحت (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سَمٌّ) برفع «شاة» نائب فاعل، أهدتها زينب بنت الحارث امرأة سَلَّام بن مَُِشْكم، وأكثرتِ السُّمَّ في الكتف والذِّراع لما بلغها أنَّ ذلك أحبُّ أعضاء الشَّاة إليه ﷺ ، فتناول ﵊ الكتف فنهس (٢) منها، فلمَّا ازدرد قال: «إنَّ الشَّاة تخبرني أنَّها مسمومةٌ» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (٣) ﷺ : اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَهُنَا مِنَ اليَهُودِ) قال الحافظُ ابن حجر: لم أقفْ على تعيينِ المأمورين بذلك (فَجُمِعُوا لَهُ) بضم الجيم (فَقَالَ) لهم (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لمَّا اجتمعوا عنده: (إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْه (٤)) بكسر الدال والقاف وتشديد المثناة التحتية على القاعدة في مثله؛ لأنَّ أصله (٥): صادِقُونني، فأضيف لياء المتكلِّم فحذفت النُّون للإضافة فالتقى ساكنان واو الجمع وياء المتكلِّم، فقلبت الواو ياءً وأدغمت الياء في تاليتهَا، فصار صَادِقُيّ -بضم القاف وتشديد الياء، ثم أبدلت ضمَّة القاف كسرة للياء- فصار: صَادِقِيّ بكسر القاف وتشديد الياء، ولأَبَوَي الوقت وذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرَ: «صَادِقُونِي» بقاف مضمومة بعدها واو ساكنة فنون مكسورة وهي نون الوقاية، وهي قد تلحقُ اسم الفاعل وأفعل التَّفضيل والأسماء المعربة المضافة إلى ياء المتكلِّم لتقيها خفاء الإعراب، فلمَّا منعَتْ ذلك كانت كأصل مرفوضٍ، فنبَّهوا عليه في بعض الأسماء المعربة المشابهة للفعلِ،

стр. 10441

قاله ابن مالك (فَقَالُوا (١): نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أَبُوكُمْ؟ قَالُوا: أَبُونَا فُلَانٌ) قال ابنُ حجر: لم أعرفه (٢) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ) أي: إسرائيل يعقوب بن إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليهم (فَقَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ) بكسر الراء الأولى وحُكي فتحها (فَقَالَ) ﵊ لهم: (هَلْ (٣) أَنْتُمْ صَادِقِيَّ) ولأَبَوَي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابن عساكرَ: بالنون كما مرَّ (عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ) بتخفيف الذال المعجمة (عَرَفْتَ كَذِبَنَا، كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا. قَالَ (٤) لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أَهْلُ النَّارِ. فَقَالُوا: نَكُونُ فِيهَا) زمانًا (يَسِيرًا، ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا) بسكون الخاء المعجمة وضم اللام مخففة. (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اخْسَؤُوا فِيهَا) اسكنوا فيها سكون ذلَّة وهوانٍ (وَاللهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا) لا تخرجون منها ولا نقيمُ بعدكم فيها؛ لأنَّ من دَخلها من عُصاة المسلمين يخرجُ منها، وحينئذٍ فلا خلافة (٥) أصلًا. وعند الطَّبريِّ (٦) من طريق عكرمة، قال: خاصمت اليهود رسولَ الله ﷺ وأصحابه، فقالوا: لن ندخلَ النَّار إلَّا أربعين ليلةً، وسيخلفنا (٧) إليها (٨) قومٌ آخرون يعنون محمدًا وأصحابه، فقال رسولُ الله ﷺ بيده على رؤوسهم: «بل أنتم خالدون مخلَّدون لا يخلفُكُم فيها أحدٌ»

стр. 10442

فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ الاية [البقرة: ٨٠]. وقد ذكروا في الأيَّام المعدودةِ وجهين الأوَّل: إنَّ لفظة الأيَّام لا تُضاف إلَّا إلى العشرة فما دونها (١)، ولا تُضاف إلى ما فوقها (٢) فيقال: أيَّام خمسة وأيَّام عشرة، ولا يقال: أيَّام إحدى عشرة (٣)، ويشكلُ على هذا قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى أن قال: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وهي أيَّام الشَّهر كلِّه، وهي أزيدُ من العشرة. قال بعضُهم: وإذا ثبتَ أنَّ الأيَّام محمولةٌ على العشرة فما دونها فالأشبهُ أنَّه الأقلُ أو الأكثرُ؛ لأنَّ من يقول: ثلاثةٌ يقول: أحمله على أقل الحقيقة فله وجه، ومن يقول: عشرة يقول: أحمله على الأكثر وله وجه، وأمَّا حمله على أقلِّ من العشرة وأزيد من الثَّلاثة فلا وجه له؛ لأنَّه ليس عدد أولى من عددٍ، اللَّهمَّ إلَّا إذا جاءت في تقديرها رواية صحيحةً فحينئذٍ يجبُ القول بها، وقد روي من طريق ابن إسحاق، عن سيف بن سليمان، عن مجاهدٍ، عن ابن عبَّاس أنَّ اليهود كانوا يقولون: هذه الدُّنيا سبعة آلاف سنةً، وإنَّما نُعذَّب بكلِّ ألف سنةٍ يومًا في النَّار، وإنَّما هي سبعة أيَّامٍ، فنزلت. قال الحافظ ابنُ حجر: وهذا سندٌ حسنٌ. وقال الحسن وأبو العالية: قالتِ اليهود: إنَّ ربنا عتبَ علينا في أمرٍ فأقسم ليعذبنا أربعين يومًا، ولن (٤) تمسَّنا النَّار إلَّا أربعين يومًا تحلَّة القسم، فكذَّبهم الله تعالى بما أنزلَ من هذه الآية، وقالت طائفة: إنَّ (٥) اليهودَ قالت (٦): إنَّ في التَّوراة: إنَّ جهنم مسيرة أربعين سنةً، وأنَّهم يقطعون في كلِّ يومٍ سنةً حتَّى يكمِّلوها وتذهب جهنَّم. رواه الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس. (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (لَهُمْ: فَهَلْ) ولأبي ذرٍّ: «هل (٧)» (أَنْتُمْ صَادِقِيَّ) بتشديد الياء، وللأربعة: «صادقوني» كما سبق (٨) (عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «فقالوا»: (نَعَمْ، فَقَالَ:

стр. 10443

هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَذَّابًا) بتشديد الذال المعجمة، وللكُشمِيهنيِّ: «كاذبًا» بالألف (١) بعد الكاف (نَسْتَرِيحُ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «أنْ نستريحَ» (مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ) وعند ابن سعدٍ، عن الواقديِّ بأسانيدهِ المتعدِّدة أنَّها قالت: قتلتَ أبي وزوجِي وعمِّي وأخِي، ونلتَ من قومِي ما نلتَ (٢) فقلتُ: إن كان نبيًّا فستخبره الذِّراع، وإن كان ملكًا استرحنَا منه. واختُلف هل قتلها ﷺ أو تركَها؟ وقد سبقَ القول في ذلك في موضعهِ من «المغازي» [خ¦٤٢٤٩]، وعند السَّادة الحنفيَّة إنَّما تجبُ فيها الدِّية لا القصاص، وقال الشَّافعيُّ (٣): لو ضُيِّفَ بمسمومٍ بسُمٍّ يقتل (٤) غير مكلَّف -كصبيٍّ ومجنونٍ- فمات بتناوله له فإنَّه يُوجب القود على المضيف؛ لأنَّه كالإلجاءِ إلى الأكل سواء قال له هو مسمومٌ أم لا، أمَّا المكلَّف فإنْ علم حال ما تناوله فلا قودَ ولا ديةَ؛ لأنَّه القاتل لنفسه بلا تغريرٍ، وإنْ جهله فخلاف، والأظهرُ في «المنهاج» كأصلهِ وأصل «الرَّوضة» أنَّه لا قود لأنَّه مختار باشر ما هلك به بغير إلجاء، وأنَّه تجب الدِّية للتَّغرير، وحكى ذلك الرَّافعيُّ عن نقل الإمام وغيره، وحكي عن أبي إسحاق (٥) وغيره ترجيحُ وجوب القودِ، وقال البُلقينيُّ وغيره: إنَّه مذهبُ الشَّافعي فإنَّه رجَّحه، فقال في «الأم»: إنَّه أشبههما وكغير المكلَّف فيما ذُكِرَ أعجميٌّ يعتقدُ وجوبَ طاعةِ آمره. وهذا الحديث قد سبق في «الجزية» [خ¦٣١٦٩] و «المغازي» [خ¦٤٢٤٩]. (٥٦) (بابُ شُرْبِ السُّمِّ وَالدَّوَاءِ) أي: والتَّداوي (بِهِ وَبِمَا) بالموحدة، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «وما» (يُخَافُ مِنْهُ (٦)) بضم التحتية، والعطف في الرِّواية الأولى على قوله: به؛ لإعادة الجار،

стр. 10444

وفي الثَّانية على لفظ «السُّمِّ» (وَ) الدَّواء (الخَبِيْثِ) لنجاستهِ كالخمرِ، ولحمِ الحيوان المحرَّم الأكل أو لاستقذارِهِ، فتكون كراهته (١) من جهةِ إدخال المشقَّة على النَّفس، وشُطِبَ في الفرع بالحمرةِ على قوله: «والخبيثِ». وقال في «المصابيح»: إنَّها ثابتةٌ في روايةِ القابسيِّ وأبي ذرٍّ، ساقطة لغيرهما قال: وذكرها التِّرمذيُّ في الحديث بلفظ «ونهى النَّبيُّ ﷺ عن الدَّواء بالخبيثِ» (٢). قال (٣) البدرُ الدَّمامينيُّ: وهو حجَّةٌ على الشَّافعيَّة في إجازتهم التَّداوي بالنَّجس، وقول التِّرمذيِّ: يعني: السُّمَّ غيرُ مُسلَّمٍ، فاللفظ عامٌّ ولم يقمْ دليلٌ على التَّخصيص بما ذكرهُ. انتهى. قال في «فتح الباري»: حمل الحديث على ما وردَ في بعض طرقهِ أولى، وقد (٤) ورد في آخر الحديث متَّصلًا به يعني السُّم. قال: ولعلَّ البخاريَّ أشار في التَّرجمة إلى ذلك. ٥٧٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحَجَبِيُّ (٥) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) بن سليمان، أبو عثمان البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) أبا صالح السَّمَّان (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ تَرَدَّى) أي: أسقط نفسه (مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهْوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، يَتَرَدَّى فِيهِ (٦) خَالِدًا مُخَلَّدًا) بفتح اللام المشددة (فِيهَا أَبَدًا) إن (٧) جازاهُ الله، والخلودُ قد يُراد به

стр. 10445

طول المقام (وَمَنْ تَحَسَّى) بالحاء والسِّين المشدَّدة المهملتين (١)، تجرَّع (سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ) به (فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ) يتجرَّعه (فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا (٢)، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ) بفتح التَّحتيَّة والجيم المخففة وبالهمزة، وقال العينيُّ: وبعد الألف همزة. وقال في «القاموس»: وَجَأَه باليد والسِّكين (٣)، كوَضَعَه، ضربَهُ كتوجأه. وقال في «المصابيح»: هو مضارعُ وجأَ مثل وهَبَ يهَبُ. قال العينيُّ: أصله يُوجئ، حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، ثمَّ فُتحت الجيم لأجل الهمزة، وقول السَّفاقسيِّ: إنَّ رواية أبي الحسن: «يُجأ» بضمِّ أوَّله. قال العينيُّ: لا وجهَ له، وإنَّما يُبنى للمجهول بإعادةِ الواو، فيقال: يوجأ، أي: يُطْعَنُ (بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) أي: مكثًا طويلًا، أو هو في حقِّ كافرٍ بعينه، كما قاله السَّفاقسيُّ، واستبعدَهُ الحافظ ابنُ حجر. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الطِّبِّ» والنَّسائيُّ في «الجنائز». ٥٧٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) البِيْكَنديُّ الحافظ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن سلام» قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ) بفتح الموحدة وكسر المعجمة (أَبُو بَكْرٍ) الكوفيُّ، مولى عَمرو (٤) بن حُرَيث، له أوهامٌ، المخزوميُّ، وليس له عند البخاريِّ إلَّا هذا الموضع قال: (أَخْبَرَنَا (٥) هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ) هو ابنُ عتبة (٦) بن أبي وقَّاصٍ الزُّهريُّ الوَقَّاصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سعد بن أبي وقَّاص ﵁

стр. 10446

(يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنِ اصْطَبَحَ بِسَبْعِ (١) تَمَرَاتٍ) بالتَّنوين (عَجْوَةٍ) بالجرِّ عطف بيان، أو نصب على الحال، أي: من أكلها في الصَّباح، زاد في «باب الدَّواء بالعجوة للسِّحر» «كلَّ يومٍ» [خ¦٥٧٦٨] (لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ) زاد في الباب المذكور: «إلى اللَّيل» وقيَّده هنا بالسَّبع، وفي رواية أبي ضمرة: «من تمر العالية» فقيَّده (٢) بالمكان أيضًا، وفي مسلم: «في عجوةِ العالية شفاء». وسبق هذا الحديث قريبًا. (٥٧) (باب أَلْبَانِ الأُتُنِ) بضم الهمزة والمثناة الفوقيَّة، الحمارةُ (٣)، والأتانةُ قليلةٌ، والجمع آتُنٌ وأُتْن وأُتُن (٤)، بمدِّ الأولى، وضمِّ الثَّانية مع سكون الفوقيَّة، وضمِّها في الثَّالثة (٥). ٥٧٨٠ - ٥٧٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا (٦) سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) عائذ الله (الخَوْلَانِيِّ) بالخاء المعجمة المفتوحة

стр. 10447

والواو السَّاكنة (عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ) بالمثلثة المفتوحة والمهملة السَّاكنة، جُرْهم: بالجيم المضمومة والراء الساكنة (الخُشَنِيِّ) بضمِّ الخاء وفتح الشين المعجمتين وكسر النون، الصَّحابيِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) نهي تحريمٍ (عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ) يتقوَّى بنابه ويصطادُ به، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من السِّباع» بلفظ الجمع، فرواية الإفراد للجنسِ. (قَالَ الزُّهْرِيُّ) بالسَّند السَّابق: (وَلَمْ أَسْمَعْهُ) أي: الحديث المذكور (حَتَّى أَتَيْتُ الشَّأْمَ). (وَزَادَ اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام، ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريات» وذكره أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» من طريق أبي ضمرةَ أنس بن عياضٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (١) (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ) ابن شهاب: (وَسَأَلْتُهُ) أي: سألت (٢) أبا إدريس، والجملة حالية (هَلْ نَتَوَضَّأُ (٣)، أَوْ نَشْرَبُ أَلْبَانَ الأُتُنِ) هو نوعٌ من تنازعِ الفعلين (أَوْ مَرَارَةَ السَّبُعِ، أَوْ أَبْوَالَ الإِبِلِ؟ قَالَ (٤)) أبو إدريس: (قَدْ كَانَ المُسْلِمُونَ يَتَدَاوَوْنَ بِهَا) أي: بأبوال الإبل (فَلَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ) التَّداوي (بَأْسًا، فَأَمَّا أَلْبَانُ الأُتُنِ فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ) أكل (لُحُومِهَا) لاستخباثها (وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَلْبَانِهَا أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ) نعم حرَّمه أكثر أهل العلم ورخَّص فيه عطاء وطاوس والزُّهريُّ، والأوَّل أصح لأنَّ حكمَ الألبان حكم اللَّحم؛ لأنَّه متولِّدٌ منه (وَأَمَّا مَرَارَةُ السَّبُعِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد في الرِّوايتين (أَبُو إِدْرِيسَ) عائذ الله (الخَوْلَانِيُّ أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ) جرهمًا (٥) (الخُشَنِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ) يتقوَّى بنابه (مِنَ السَّبُعِ) بالإفراد على إرادةِ الجنس، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «السِّباع» بالجمع، واللَّفظ عامٌّ فيعمُّ جميع أجزائه مرارته وغيرها. وقد أفادَ الحافظُ عبد العظيم المنذريُّ ﵀ أنَّ أكلَ لحوم الحمرِ الأهليَّة نسخ مرَّتين وكذا نكاحُ المتعة والقبلة، والله أعلم. وهذا الحديثُ مضى في «الذَّبائح» في «باب أكلِ كلِّ ذِي نابٍ من السِّباع» [خ¦٥٥٣٠].

стр. 10448

(٥٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي الإِنَاءِ) والذُّباب بالذَّال المعجمة، والواحدة بهاء، والجمع أذِبَّة وذِبَّان -بالكسر- وذُبُّ -بالضم- قاله في «القاموس». وروِّينا في «مسند أبي يعلى الموصلي» من حديث أنسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «عمرُ الذُّباب أربعون ليلةً، والذُّباب كلُّه في النَّار إلَّا النَّحل» قيل: كونه في النَّار ليس بعذابٍ له بل ليعذب به أهل النَّار بوقوعهِ عليهم وهو أجهلُ الخلق؛ لأنَّه يلقي نفسَه في الهلكةِ (١) ويتولَّد من العفونة، ولم يخلق له أجفان لصغرِ حدقتهِ، ومن شأنِ الجفنِ (٢) أن يصقلَ مرآة الحَدَقَةِ من (٣) الغبار، فجعلَ الله تعالى (٤) له يدين يصقلُ بهما مرآةَ حدقتهِ فلذا تراهُ أبدًا يمسحُ بيديه عينيهِ، ومن الحكمةِ في إيجادها مذلَّة الجبابرة، قيل: ولولا هي لجافتِ الدُّنيا، ورجيعها يقعُ على الأسود أبيض وبالعكس. ٥٧٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيُّ (عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ) أبي عتبة (مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ) بفتح الفوقية وسكون التحتية (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ) بتصغيرهما من غيرِ إضافةٍ لشيءٍ (مَوْلَى بَنِي زُرَيْقٍ) بتقديم الزَّاي المضمومة على الرَّاء مصغَّرًا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) وعند النَّسائيِّ وابن ماجه وصحَّحه ابن حبَّان عن أبي سعيدٍ: «إذا وقعَ في الطَّعام» وفي «بدءِ الخلق» من «البخاريِّ» بلفظ: «شراب» [خ¦٣٣٢٠] والأُوْلَى أشملُ منهما (فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ) فيما وقعَ فيه (ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ) بعد استخراجهِ من الإناء (فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً) أي: الأيمن لأنَّه (٥) يتَّقي

стр. 10449

بالأيسرِ، ولأبي ذرٍّ: «إحدى» بتأنيثه (١) باعتبار اليد، لكن جزمَ الصَّغَانيُّ بأنَّه لا يؤنَّث وصوَّب الأوَّل (وَفِي الآخَرِ دَاءً) وعند ابن حبَّان في «صحيحه» من طريق سعيدٍ المقبريِّ عن أبي هريرة «إنَّه يقدِّم السُّمَّ ويؤخِّر الشِّفاء». ففيه تفسير الدَّاء الواقع في حديث الباب، واستفيدَ من الحديث أنَّه إذا وقع في الماء لا ينجِّسهِ فإنَّه (٢) يموتُ فيه، وهذا هو المشهورُ. وهذا الحديث قد سبق في «بدء الخلق» [خ¦٣٣٢٠] والله الموفِّق.

стр. 10450

((٧٧)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ اللِّبَاسِ) بكسر اللَّام. قال في «القاموس»: اللِّباس واللَّبوس واللِّبس -بالكسر- والمَلْبَس، كمَقْعَد ومِنْبَر: ما يُلبسُ. (١) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب» وزاد قبل «قول الله» واوًا عطفًا على «اللِّباس» (﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ﴾) من الثِّياب وكلِّ ما يتجمَّل به (﴿الَّتِيَ أَخْرَجَ﴾) أصلها (﴿لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]) من الأرض كالقطن، ومن الدُّود كالقزِّ، والاستفهام للتَّوبيخ والإنكار، وإذا كان للإنكار (١) فلا جواب له إذ لا يُراد به استعلام، ولذا نُسِب مكيٌّ إلى الوهمِ في زعمه أنَّ قوله: ﴿قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [الأعراف: ٣٢] إلى آخره جوابُه. ولولا النَّصُّ الوارد في تحريم الذَّهب والإبريسم على الرِّجال لكان داخلًا تحت عمومها. (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصله أبو داود الطَّيالسيُّ والحارثُ بن أبي أسامة في «مسنديهما» من طريق همَّام بن يحيى، عن قتادة، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه به (٢). وهو من الأحاديث الَّتي لم توجد في البخاريِّ إلَّا معلَّقة: (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا) بهمزة وصلٍ وفتح الموحدة (وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ) مجاوزة حدٍّ (وَلَا مَخِيلَةٍ) بالخاء المعجمة، بوزن عَظِيمة، من غير تكبُّرٍ، ولم يقعِ الاستثناء في رواية الطَّيالسيِّ، وليس في رواية الحارث و «تصدَّقوا».

стр. 10451

وزاد في آخره: «فإنَّ الله يحبُّ أن يرى أثرَ نعمتهِ على عبدهِ» (١) ونقل في «فتح الباري» عن الموفَّق عبد اللَّطيف البغداديِّ أنَّ هذا الحديث جامعٌ لفضائلِ (٢) تدبيرِ الإنسان نفسه، وفيه تدبير مصالح (٣) النَّفس والجسد دنيا وأخرى؛ لأنَّ السَّرف يضرُّ بالجسد وبالمعيشة، فيؤدِّي إلى الإتلاف ويضرُّ بالنَّفس إذ (٤) كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال، والمخيلة تضرُّ بالنَّفس حيث تكسبها العُجب، وتضرُّ بالآخرة حيث تكسب الإثم، وبالدُّنيا حيث تكسب المقت من النَّاس. انتهى. وهذا التَّعليق ثبت للحَمُّويي والكُشميهنيِّ، كما في الفرع، وقال في «الفتح»: إنَّه ثبت للمُستملي والسَّرخسيِّ وسقط للباقين. وكذا حكم قوله: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابنُ أبي شيبة في «مصنفه»: (كُلْ مَا شِئْتَ) من المباحات (وَالبَسْ مَا شِئْتَ) من المباحات (مَا خَطِأَتْكَ) (٥) بفتح الخاء (٦) المعجمة وكسر الطاء المهملة، بعدها همزة مفتوحة فمثناة فوقية ساكنة، ما دامت تجاوزك (٧) (اثْنَتَانِ: سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ) و «أو» بمعنى الواو. ٥٧٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام ابن أنس (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (وَعَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المدنيِّ مولى ابن عمر أيضًا (وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الفقيه العمريِّ (يُخْبِرُونَهُ) أي: الثَّلاثةُ يخبرون مالكًا (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللهُ) نظر رحمة (إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ) إزارًا، أو رداءً، أو قميصًا، أو سراويل، أو غيرها ممَّا يسمَّى ثوبًا، حال كون (٨) جرِّ الثَّوب (خُيَلَاءَ) بضم المعجمة وفتح التحتية، كبرًا وعجبًا.

стр. 10452

وهذا عامٌّ يتناول الرِّجال والنِّساء، لكن زاد النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وصحَّحه متَّصلًا (١) بهذا الحديث: فقالت أمُّ سلمة: فكيف تصنع النِّساء بذيولهنَّ؟ فقال: «يرخين شبرًا». فقالت: إذنْ تنكشفُ أقدامهنَّ. قال: «فيرخينَ ذراعًا لا يزدنَ عليه» وعند أبي داود عن ابنِ عمر قال: «رخَّص رسولُ الله ﷺ لأمَّهات المؤمنين شبرًا، ثمَّ استزدنَه فزادهنَّ شبرًا، فكنَّ يرسلنَ إلينا فنذرعُ (٢) لهنَّ ذراعًا». ففيه قدر الذِّراع المأذونِ فيه، وإنَّه شبران بشبرِ اليد المعتدلةِ. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ في «اللِّباس». (٢) (بابُ مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ مِنْ غَيْرِ خُيَلَاءَ) لا بأس به. ٥٧٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) اليَرْبُوْعِيُّ، نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضم الزاي وفتح الهاء مصغَّرًا، ابن معاوية قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ) بالمدِّ تكبُّرًا (لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْه) أي: لا يرحمه (يَوْمَ القِيَامَةِ. قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ) بكسر المعجمة وفتح القاف مشدَّدة وسكون التَّحتيَّة بلفظ التَّثنية، أي: أحد جانبي (إِزَارِي يَسْتَرْخِي) إلى حقوي، وإنَّما كان يسترخي لنحافةِ بدنه ﵁، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «شق» بالإفراد (إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ) فلا يسترخي لأنَّه كلَّما كان يسترخي شدَّه. (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَسْتَ) يا أبا بكر (مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ) فلا حرج على من جرَّ إزاره بغير قصدٍ مطلقًا.

стр. 10453

وهذا الحديث مرَّ في «فضائل أبي بكر» [خ¦٣٦٦٥]. ٥٧٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلام البِيْكَنديُّ، أو هو ابن المثنَّى قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) السَّامي -بالسِّين المهملة- البصريُّ -بالموحدة- (عَنْ يُونُسَ) بن عبيد (١)، أحد أئمَّة البصرة (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث الثَّقفيِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء المعجمة والمهملة (وَنَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ) حال كونه (يَجُرُّ ثَوْبَهُ) حال كونه (مُسْتَعْجِلًا حَتَّى أَتَى المَسْجِدَ، وَثَابَ النَّاسُ) بالمثلثة والموحدة، رجعوا إلى المسجد بعد أن خرجوا منه (فَصَلَّى) بهم (رَكْعَتَيْنِ) وزاد النَّسائيُّ: «كما تصلُّون». وحمله البيهقيُّ وابن حبَّان على أنَّ المعنى كما تصلُّون في الكسوف لأنَّ أبا بكرةَ خاطب به أهل البصرة، وقد كان ابن عبَّاس علَّمهم أنَّها ركعتان في كلِّ ركعةٍ ركوعان، وفيه بحثٌ سبق في «صلاةِ الكسوف» [خ¦١٠٤٠] (فَجُلِّيَ) بضم الجيم وكسر اللام مشدَّدة، فكُشِفَ (عَنْهَا) عن الشَّمس (ثُمَّ أَقْبَلَ) ﷺ (عَلَيْنَا، وَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ) الدَّالَّة على وحدانيَّته وربوبيَّته (فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا) من الآيات (شَيْئًا) أو من الكِسْفَة، وفي رواية في «كتاب الكسوف» [خ¦١٠٤٠] «فإذا رأيتُموهما» بالتَّثنية، أي: الشَّمس والقمر (فَصَلُّوا وَادْعُوا اللهَ حَتَّى يَكْشِفَهَا) أي: الكِسْفَة. ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في قوله: «فقام يجرُّ ثوبَه مستعجلًا» فإنَّ فيه أنَّ الجرَّ إذا كان بسبب (٢) الإسراعِ لا يدخل في النَّهي، فيُشعر بأنَّ النَّهي يختصُّ بما كان للخُيلاء، فلا ذمَّ إلَّا ممَّن قصد الخُيلاء، لكنَّه لا حجَّة فيه لمن أجازَ لُبس القميص الَّذي ينجر لطوله إذا خلا عن الخيلاء. وهذا الحديث قد سبق في «كتاب الكسوف» في أوَّل أبوابه [خ¦١٠٤٠].

стр. 10454

(٣) (بابُ التَّشْمِيْرِ فِي الثِّيَابِ) بالشِّين المعجمة السَّاكنة وبعد الميم المكسورة تحتيَّة ساكنة، وهو رفع أسفل الثَّوب. ٥٧٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابنُ رَاهُوْيَه كما جزم به أبو نُعيم في «مستخرجه» وحكاه في «الفتح» وأقرَّه عليه، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ) بضم الشِّين المعجمة مصغَّرًا، النَّضر -بالضاد المعجمة-، قال: (أَخْبَرَنَا عُمَرُ) بضم العين (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) الهَمْدانيُّ -بسكون الميم- الكوفيُّ، أخو زكريا بن أبي زائدة قال: (أَخْبَرَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المهملة، واسمه وهبُ بن عبد الله ﵁ (قَالَ: فَرَأَيْتُ) معطوفٌ على محذوفٍ اختصره المؤلِّف هنا، وساقه مطوَّلًا في «أوائل الصَّلاة» أوَّله (١): «رأيتُ رسولَ الله ﷺ في قبةٍ من أَدَم» (٢)، الحديث [خ¦٣٧٦] وفيه: «ثمَّ رأيت» ولأبي ذرٍّ: «رأيت» (بِلَالًا جَاءَ بِعَنَزَةٍ) بفتح العين المهملة والنُّون والزَّاي، أطولُ من العصا، وأقصرُ من الرُّمح فيها زُجٌّ (فَرَكَزَهَا، ثُمَّ أَقَامَ الصَّلَاةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ فِي حُلَّةٍ) بضم الحاء المهملة وتشديد اللام، إزارٌ ورداءٌ (٣) أو غيره، ولا تكون حلَّة إلَّا من ثوبين أو ثوب له بطانة، والجمع حُلَلٌ وحِلال (٤) أي: خرج حال كونه (مُشَمِّرًا) أسفل الحلَّة عن ساقيه، فالنَّهي عن كفِّ الثَّوب في الصَّلاة محلُّه في غير ذيلِ الإزار (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ إِلَى العَنَزَةِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ) ﷺ (مِنْ وَرَاءِ العَنَزَةِ).

стр. 10455

(٤) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) من الإزار والقميص وغيرهما (فَهْوَ فِي النَّارِ). ٥٧٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) من الرَّجل (مِنَ الإِزَارِ فَفِي النَّارِ) و «ما» موصولةٌ في محلِّ رفع على أنَّها مبتدأ، و «في النَّار» الخبر، و «أسفلُ» خبر مبتدأ محذوفٍ وهو العائد على الموصول، أي: ما هو أسفل، وحذف العائد لطول الصِّلة، أو المحذوف كان، و «أسفلَ» نصبٌ، خبر لكان، و «من» الأولى لابتداءِ الغاية، والثَّانية لبيان الجنس، والمراد -كما قاله الخطَّابيُّ-: إنَّ الموضع الَّذي يناله الإزارُ من أسفل الكعبين في النَّار، فكنَّى بالثَّوب عن لابسه، والمعنى إنَّ الَّذي دون الكعبين من القدمِ يُعذَّب عقوبة، فهو من تسميةِ الشَّيء باسم ما جاورهُ أو حلَّ فيه، فمن (٢) بيانيَّة، أو المراد الشَّخص نفسه فتكون سببيَّة، لكن في حديث ابنِ عمر عند الطَّبراني قال: رآني النَّبيُّ ﷺ أسبلتُ إزاري، فقال: «يا ابن عمر كلُّ شيء يمسُّ (٣) الأرض من الثِّياب في النَّار» وحينئذٍ فلا مانع من حملِ حديث الباب على ظاهره، فيكون من وادي ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وهذا الإطلاقُ محمولٌ على ما ورد من قيد (٤) الخُيلاء، وقد نصَّ الشَّافعيُّ ﵀ على أنَّ التَّحريم مخصوصٌ بالخيلاء، فإن لم يكن للخُيلاء كره للتَّنزيه. وقال في «فتح الباري»: قوله: في النَّار، وقع في رواية النَّسائيِّ من طريق أبي يعقوب -وهو عبد الرَّحمن بن يعقوب- سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسولُ الله ﷺ : «ما تحتَ الكعبين من الإزار ففي النَّار» بزيادة فاء. قال: وكأنَّها دخلت لتضمين (٥) ما معنى الشرط، أي:

стр. 10456

ما دون الكعبين من قدمِ صاحب الإزارِ المسبل فهو في النَّار عقوبةً له. انتهى. قلت: في فرع «اليونينيَّة» الأصل المعتمدُ من أصول «صحيح البخاري»: «ففي» بزيادة الفاء، وفي الهامش «في» بغير فاء مرقومٌ عليها علامة أبي ذرٍّ، فالله أعلم. (٥) (بابُ مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الخُيَلَاءِ) أي: لأجلها فمِن تعليلية. ٥٧٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يَنْظُرُ اللهُ) نَظَرَ رحمةٍ (يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ) أو قميصه أو نحوهما (بَطَرًا) بموحدة وطاء مهملة مفتوحتين، مصدر، أي: تكبُّرًا، وبكسر الطَّاء فالنَّصب على الحال. ٥٧٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) القرشيُّ الجُمَحيُّ مولاهم (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله ﷺ » (أَوْ قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ ¬) قال الحافظُ ابن حجر: الشَّكُّ من آدم شيخ البخاريِّ (بَيْنَمَا) بالميم (رَجُلٌ) جزم الكَلَاباذيُّ بأنَّه قارون، وكذا قاله الجوهريُّ في «صحاحه» (١)، وذكر السُّهيليُّ في «مبهمات القرآن» في سور الصَّافَّات عن الطَّبريِّ (٢) أنَّ قائل ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ [الصافات: ٩٧] اسمه

стр. 10457

الهَيْزَن، رجلٌ من أعراب فارس، قال: وهو الَّذي جاء في الحديث «بينما رجل» (يَمْشِي فِي حُلَّةٍ) إزارٍ ورداءٍ (تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ) وإعجاب المرء بنفسه كما -قال القرطبيُّ- هو ملاحظتُه لها بعين الكمال مع نسيان نعمةِ الله، فإن احتقرَ غيره مع ذلك فهو الكبرُ المذموم (مُرَجِّلٌ) بكسر الجيم المشددة، مُسَرِّحٌ (جُمَّتَهُ) بضم الجيم وتشديد الميم، مجتمع شعر رأسه المتدلِّي منها إلى المنكبين فأكثر، وهو أكبرُ من الوفرة (إِذْ خَسَفَ اللهُ بِهِ، فَهْوَ يَتَجَلْجَلُ) بجيمين مفتوحتين ولامين أولاهما ساكنة، أي: يتحرَّك أو يسوخ في الأرضِ مع اضطرابٍ شديدٍ (١) ويندفعُ من شقٍّ إلى شقٍّ (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) وعند الحارث بنِ أبي أسامة من حديثِ ابن عبَّاسٍ وأبي هريرة بسندٍ ضعيفٍ جدًّا عن النَّبيِّ ﷺ : «من لبس ثوبًا جديدًا فاختالَ فيه خُسِفَ به من شفيرِ جهنَّم فيتجلجَلُ فيها لأنَّ قارون لبس حُلَّةً فاختال فيها فخُسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة». وفي «تاريخ الطبري» عن قتادة قال: ذُكِر لنا أنَّه يخسفُ بقارون كلَّ يوم قامة، وأنَّه يتجلجل فيها لا يبلغُ قعرها إلى يوم القيامة، والحاصل أنَّ هذا حكاية عن وقوعهِ في الأمم السَّابقة. وفي «مسلم» من طريق أبي رافعٍ عن أبي هريرة زيادة «ممَّن كان قبلكُم» وكذا أخرجه المؤلِّف في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٨٥] وأمَّا ما أخرجه أبو يعلى من طريق كُرِيب قال: كنتُ أقودُ ابن عبَّاس فقال: حدَّثني العبَّاس قال: «بينما أنا مع رسولِ الله ﷺ إذ أقبل رجلٌ يتبخترُ بين ثوبين». الحديث. فهو ظاهرٌ في أنَّه وقعَ في زمنه ﷺ فسنده ضعيفٌ، ولئن (٢) سلَّمنا ثبوتَه فيحتملُ التَّعدُّد. وحكى القاضِي عياض: أنَّه روي: «يتجلَّل» بجيمٍ واحدة ولامٍ ثقيلةٍ، وهو بمعنى يتغطَّى، أي: تغطية الأرض. انتهى. والَّذي في الفرع: «يتجلَّل» كما حكاه عياضٌ، وفي هامشه: «يتجلجلُ» بجيمين ولامين، من غيرِ خطِّ الأصل، وقد ذكر في «فتح الباري» نكتة لطيفة وهي أنَّ مقتضى هذا الحديث أنَّ الأرض لا تأكلُ جسد هذا الرَّجل، فيمكن أن يُلْغزَ به فيقال: كافرٌ لا يبلى جسدُه بعد الموت. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «اللِّباس» أيضًا.

стр. 10458

٥٧٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيدُ بن كثير بنِ عُفَير -بضم العين المهملة وفتح الفاء- الحافظ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ أَبَاهُ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ) من الخيلاء (خُسِفَ) بضم الخاء المعجمة وكسر السين المهملة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إذ خسف» (بِهِ فَهْوَ يَتَجَلْجَلُ) بجيمين ولامين (فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) وحكي إنَّ في بعض الرِّوايات: «يتخلخلُ» بخاءين معجمتين. قال في «الفتح»: وهو تصحيفٌ. وسبق الحديث في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٨٥]. (تَابَعَهُ) أي: تابع عبد الرَّحمن بن خالد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، وسبق موصولًا في أواخر «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٨٥] (وَلَمْ يَرْفَعْهُ) أي: الحديث إلى النَّبيِّ ﷺ (شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة، عن الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وهذه وصلها الإسماعيليُّ من طريقِ أبي اليمان، عن ثمامةَ بلفظ: «جرَّ إزاره مسبلًا من الخيلاء» ولأبي ذرٍّ وأبي الوقتِ (١) وابن عساكرَ والأَصيليِّ: «عن الزُّهريِّ» وهي واضحةٌ. ٥٧٩٠ م# وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو جعفر الجعفيُّ، البخاريُّ المسنَديُّ، قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) هو أبو العبَّاس الأزديُّ البصريُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (أَبِي) جريرُ بن حازم بنِ زيد الأزديُّ (عَنْ عَمِّهِ جَرِيرِ بْنِ زَيْدٍ) أبي سلمة البصريِّ

стр. 10459

(قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَر (١) عَلَى بَابِ دَارِهِ فَقَالَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وقال (٢)» بالواو (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ وهو (٣) (سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ) أي: نحو الحديث السَّابق، وليس لجرير بنِ زيد في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، وقد خالف فيه الزُّهريَّ وغيره، فإنَّ الزُّهريَّ يقول: عن سالمِ بن عبد الله، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ . قال المزِّيُّ في «أطرافه»: وهو المحفوظُ. انتهى. وتعقَّبه الحافظ ابنُ حجر في «النُّكت» بأنَّ قوله: المحفوظ يقتضِي أن تكون الرِّوايةُ شاذَّةً وليس كذلك، فإنَّ البخاريَّ رَجَحَ عنده أنَّه عن سالمٍ على الوجهين، عن أبيه وعن أبي هريرة بالقرينةِ (٤) المرجِّحة لروايته عن أبيه إذ (٥) الزُّهريُّ أحفظُ وأعرف بحديث سالمٍ من جرير، والقرينة المرجِّحة لرواية جريرِ بن زيد (٦) القصَّة الَّتي وقعت في روايتهِ، وخلت عنها رواية الزُّهريِّ، فقد قالوا: إنَّ الخبرَ إذا كانت فيه لراويه قصَّة دلَّ ذلك على أنَّه ضَبَطَ. ٥٧٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا شَبَابَةُ) بتخفيف الموحدتين أوله معجمة، ابن سوار الفزاريُّ قال: (حَدَّثَنَا (٧) شُعْبَةُ) بن

стр. 10460

الحجَّاج (قَالَ: لَقِيتُ مُحَارِبَ بْنَ دِثَارٍ) بالمثلَّثة المخفَّفة بعد المهملة وبعد الألف راء، حال كونه راكبًا (عَلَى فَرَسٍ (١) وَهْوَ يَأْتِي مَكَانَهُ الَّذِي يَقْضِي) يحكم (فِيهِ) بين النَّاس بالكوفة، وكان قاضيها (فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِي) بالإفراد (فَقَالَ) بالفاء قبل القاف، وسقطت لأبي ذرٍّ (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄¬) سقط «عبد الله» لأبي ذرٍّ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مَخِيلَةً) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وسكون التَّحتية، أي: كبرًا وعُجبًا، ولأَبَوَي الوقت وذرٍّ: «من مخيلة» (لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ) أي: لا يرحمه، فالنَّظر إذا أُضيف إلى الله كان مجازًا، وإذا أُضيف إلى المخلوق كان كنايةً. وقال الحافظ الزَّين العراقيُّ: عبَّر عن المعنى الكائن عند النَّظر بالنَّظر؛ لأنَّ من نَظَرَ إلى متواضعٍ رَحِمَه، ومَن نَظَرَ إلى متكبِّرٍ مَقَتَه، فالرَّحمة والمقتُ مسبَّبَان (٢) عن النَّظر (يَوْمَ القِيَامَةِ) فيه الإشارة (٣) إلى أنَّ يوم القيامة محلّ الرَّحمة المستمرَّة، بخلاف رحمة الدُّنيا فإنَّها قد تنقطعُ بما يتجدَّد من الحوادثِ. قال شعبة: (فَقُلْتُ لِمُحَارِبٍ: أَذَكَرَ) عبد الله بنُ عمر في حديثه (إِزَارَهُ؟ قَالَ: مَا خَصَّ) عبد الله (إِزَارًا وَلَا قَمِيصًا) بل عبَّر بالثَّوب الشَّامل للإزار والقميص وغيرهما. وفي حديث عبدِ الله بن عمر، عن أبيه من طريق سالم عند أبي داود والنَّسائي، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الإسبالُ في الإزارِ والقميصِ والعمامةِ» الحديث. وقد جرتْ عادة العرب بإرخاءِ العذبات فما زاد على العادةِ في ذلك فهو من الإسبال، وكذا تطويلُ الأكمام إذا مسَّت الأرض، وقد حدثَ للنَّاس اصطلاح بتطويلها للتَّمييز، ومهما كان من ذلك للخيلاءِ أو وصل إلى جرِّ الذَّيل الممنوع فحرامٌ (تَابَعَهُ) أي: تابع محاربَ بن دِثار على التَّعبير بالإزار (٤) (جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ) بفتح الجيم والموحدة، و «سُحَيم»: بضم السين المهملة (٥) وفتح الحاء المهملتين مصغَّرًا ممَّا وصله النَّسائيُّ (وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) ممَّا وصله مسلمٌ (وَزَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب، ممَّا لم يقف عليه الحافظ ابنُ حجرٍ موصولًا (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظ النَّسائيِّ: «من جرَّ ثوبًا من ثيابه من مخيلةٍ، فإنَّ الله لا ينظرُ إليه» ولم يسق مسلمٌ لفظه.

стр. 10461

(وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعد الإمام، ممَّا وصله مسلمٌ: (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (مِثْلَهُ) مثل الحديث المذكور، ولم يذكرْ مسلم لفظهُ بل قال: مثل حديث مالك، وذكره النَّسائيُّ بلفظ: الثَّوب، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «عن ابن عمر» (وَتَابَعَهُ) أي: وتابع نافعًا في روايته بلفظ: الثَّوب (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الأسديُّ، فيما وصله في أوَّل «أبواب اللِّباس» [خ¦٥٧٨٤] (وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن زيد بنِ عبد الله بن عمر، ممَّا وصله مسلمٌ (وَقُدَامَةُ بْنُ مُوسَى) بن عمر بنِ قُدامة الجمحيُّ المدنيُّ التَّابعيُّ الصَّغير، ممَّا وصله أبو عوانة (عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ) وثبت قوله: «خيلاء» في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ. (٦) (باب) (١) حكمِ لبس (الإِزَارِ المُهَدَّبِ) بضم الميم وفتح الهاء والدال المهملة المشدَّدة بعدها موحدة، أي: الَّذي له هُدْبٌ، وهي أطرافٌ من سَدًى بغير لُحْمَة. (وَيُذْكَرُ) بضم أوله وفتح ثالثه (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (وَ) عن (أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابنِ عَمرو بن حزم الأنصاريِّ (وَ) عن (حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ) بضم الهمزة وفتح المهملة، السَّاعديِّ (وَ) عن (مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي طالبٍ (أَنَّهُمْ) أي: الأربعة (لَبِسُوا ثِيَابًا مُهَدَّبَةً) وأثر حمزةَ بن أبي أُسيد وصلَه ابن سعد، وبقيَّتها لم يقفْ عليها الحافظ ابنُ حجر موصولة.

стр. 10462

٥٧٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهابٍ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ القُرَظِيِّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) بالقاف المضمومة وفتح الراء والمعجمة المشالة، وهو رفاعةُ بن سِمْوال -بكسر السين المهملة-، وقيل: رفاعة بن رفاعة خال صفيَّة أمِّ المؤمنين ﵂ واسم امرأتهِ تميمةُ بنت وهب، وقيل: غير ذلك ممَّا سبق [خ¦٢٦٣٩] (وَأَنَا جَالِسَةٌ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁، جملةٌ حاليَّة (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ تَحْتَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي) بمثناة فوقيةٍ مشدَّدة، أي: طلَّقني ثلاثًا، ويحتملُ أن يكون في دفعةٍ، وأن يكون في دفعاتٍ (١) أي: أكمل الثَّلاث، والبتُّ القطع، فهو قاطعٌ للوصلةِ بين الزَّوجين (فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ) بفتح الزاي وبعد الموحدة المكسورة ياء تحتية ساكنة آخره راء مهملة (وَإِنَّهُ وَاللهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ الهُدْبَةِ) سقطت لفظة «هذه» لأبي ذرٍّ (وَأَخَذَتْ هُدْبَةً مِنْ جِلْبَابِهَا) بكسر الجيم وسكون اللام وبموحدتين بينهما ألف. قال النَّضر: هو ثوبٌ أقصرُ من الخمار، وأعرض منه وهو المِقْنَعَة (فَسَمِعَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ) هو ابنُ العاص بن أميَّة بن عبد شمس الأمويُّ أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، واستُشهِد في آخر خلافة أبي بكر (قَوْلَهَا): ما معه يا رسول الله إلَّا مثل هذه الهدبة (وَهْوَ بِالبَابِ) الشَّريف (٢) النَّبويِّ (لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ) في الدُّخول (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَقَالَ خَالِدٌ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَنْهَى هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَا وَاللهِ مَا يَزِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التَّبَسُّمِ) وهو دون الضَّحك (فَقَالَ لَهَا (٣) رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي) أي: الرُّجوع (إِلَى) زوجك الأوَّل (رِفَاعَةَ؟) استفهام توبيخ (لَا) يجوزُ لك الرُّجوع إليه (حَتَّى يَذُوقَ) عبد الرَّحمن بن الزَّبير (عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ) كنايةٌ عن الجماع، فشبَّه لذَّته بلذَّة العسل وحلاوته، وقد روي عن عائشة مرفوعًا: «العُسيلة هي الجماع» وإنَّما صُغِّرَ إشارةً إلى أنَّ القدر القليل يحصل به الحلُّ. قال الزُّهريُّ: (فَصَارَ) ما ذكر في هذه القصَّة (سُنَّةً) أي: شريعةً (بَعْدُ) بالبناء على

стр. 10463

الضَّمِّ، فلا تحلُّ المطلَّقة ثلاثًا للَّذي طلَّقها إلَّا بعد جماع زوجٍ آخر، وقوله: فصار، قال في «الفتح»: هو من قول الزُّهريِّ فيما أحسب. ومفهومُ قول صاحب «العدَّة في شرح العمدة» أنَّه من قول عائشة حيثُ قال عقب (١) فصار سنَّةً: إذا قال الصَّحابيُّ: من السُّنَّة، حُمِل عند الجمهور من الأصوليِّين والمحدِّثين على رفعهِ إلى النَّبيِّ ﷺ ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بعده» بالضَّمير. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «مثل هذه الهُدبة». وهذا الحديث سبقَ في «باب من أجاز الطَّلاق الثَّلاث» من «كتاب الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٠]. (٧) (بابُ الأَرْدِيَةِ) جمع: رداءٍ، بالمدِّ ما يجعل من الثِّياب على العاتقِ أو بين الكتفين (وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁: (جَبَذَ أَعْرَابِيٌّ رِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا طرفٌ من حديثٍ موصولٍ يأتي إن شاء الله تعالى بمنِّه وعونه في «باب البرود والحِبَرَة» [خ¦٥٨٠٩]. ٥٧٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بنِ عثمان بنِ جبلة العَتَكِيِّ، المروزيِّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) زين العابدين الهاشميُّ (أَنَّ) أباه (حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ) سبط رسولِ الله ﷺ وريحانتهِ استُشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستِّين وله ستٌّ وخمسون سنةً ﵁ (أَخْبَرَهُ أَنَّ) أباه (عَلِيًّا ﵁¬) ولأبي ذرٍّ: «عنهم» (قَالَ: فَدَعَا) هو عطفٌ على محذوفٍ سبق ذكرهُ في «باب فرض الخُمُس» وهو قول

стр. 10464

عليٍّ: كان لي شارف من نصيبي من المغنمِ يوم بدرٍ، وكان النَّبيُّ ﷺ أعطاني شارفًا من الخُمُس … الحديث، [خ¦٣٠٩١] وفيه أنَّ حمزةَ بن عبد المطَّلب جبَّ أسنمتهمَا وبقرَ خواصرهمَا، وأنَّه أخبر النَّبيَّ ﷺ فدعا (النَّبِيُّ ﷺ بِرِدَائِهِ، فَارْتَدَى بِهِ) وسقط لغير أبي (١) ذرٍّ «فارتدى به» (ثُمَّ انْطَلَقَ) ﵊ حال كونه (يَمْشِي وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ فَاسْتَأْذَنَ) ﷺ (فَأَذِنَ لَهُمْ) حمزة، وللحَمُّويي والكشميهني (٢): «فأذنوا» حمزة ومن معه. والمراد من الحديث قوله: «فدعا النَّبيُّ ﷺ بردائه» وقد سبق مطولًا في «الخُمس» [خ¦٣٠٩١]. (٨) (بابُ لُبْسِ القَمِيصِ) ليس بحادثٍ وإن شاع في العربِ لبس الإزار والرِّداء (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى حِكَايَةً) ولأبي ذرٍّ: «وقال الله تعالى»: (عَنْ يُوسُفَ (٣) ﴿اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا﴾) وفي نسخة: «واذهبوا» بالواو والأول (٤) هو الَّذي في القرآن (﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٣]) أي: يصر (٥) بصيرًا، أو يأت إليَّ وهو بصير، وقد روي أنَّ يهوذا (٦) قال: أنا أحمل قميص الشِّفاء كما ذهبتُ بقميصِ الجفاء. وأنَّه حملَه وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كَنْعان وبينهما ثمانون فرسخًا. وأشارَ المصنِّف بذكر هذه الآية إلى أنَّ القميصَ قديمٌ، وسقط قوله: «﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾» لأبي ذرٍّ.

стр. 10465

٥٧٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا) لم يسمَّ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا يَلْبَسُ) الرَّجل (المُحْرِمُ) مبتدأ وخبر، المبتدأ اسمُ الاستفهام، والخبر في جملة «يلبس» أي: أيُّ شيءٍ يلبسُ المحرم، والألف واللام في «المحرمِ» للجنسِ، و «مِن» في: «مِن الثِّياب» لبيانِ الجنس (مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ القَمِيصَ) بكسر الميم بالإفراد. قال في «القاموس»: القميص وقد يؤنَّث، معروفٌ أو لا يكون إلَّا من قطنٍ، وأمَّا من صوفٍ فلا، الجمع قُمُصٌ وأقمِصةٌ وقُمْصَانٌ. وقد كان طريقُ الجواب يلبس كذا، لكنَّه ﷺ عدلَ عنه فصاحةً وبلاغةً لأنَّ ما لا يلبسُ المحرم ينحصرُ فيما ذكرهُ فتحصلُ الفائدةُ للسَّائل، وما يلبسه لا ينحصرُ فعدلَ لهذا المعنى، فجملةُ: «لا يلبسُ» معمولةٌ للقولِ و «لا» ناهية، والفعل مجزوم، فالسِّين مكسورة لالتقاءِ السَّاكنين، ويجوزُ أن تكون «لا» نافية، والمعنى على النَّهي والسِّين مرفوعةٌ، وهو الَّذي في الفرع، فيكون خبرًا في معنى النَّهي (وَلَا السَّرَاوِيلَ) قال سيبويهِ: سراويل واحدة وهي أعجميَّةٌ عُرِّبت، فأشبهتْ من كلامِهم ما لا ينصرف في معرفةٍ ولا نكرةٍ، وهي مصروفةٌ في النَّكرة وإن سمَّيت بها رجلًا لم تصرفْها، وكذلك إن نقلتَها (١) اسم رجلٍ لأنَّها مؤنَّث على أكثر من ثلاثة أحرف، ومن النَّحويِّين من لا يَصْرفه أيضًا في النَّكرة، ويزعم أنَّه جمعُ سِرْوال أو سِرْوالة (٢)، وينشد: عَلَيْهِ مِنَ اللُّؤْمِ سِرْوَالَةٌ … فلَيْسَ يَرِقُّ لمُسْتَعْطِفٍ ويحتجُّ (٣) مَن تركَ صَرْفه بقولهِ: فَتًى فَارِسِيٌّ فِي سَرَاويلَ رَامِحٍ

стр. 10466

قال في «الصِّحاح»: والعمل على القول الأوَّل، والثَّاني أقوى. وقال في «القاموس»: السَّراويل فارسيَّةٌ معرَّبةٌ، وقد تُذكَّر، الجمع: سَرَاويلات، أو جمع سِرْوال وسِرْوالة أو سِرويل -بكسرهنَّ- وليس في الكلام فِعْوِيل غيرها، والسَّراوين بالنُّون لغة، والشِّروال بالشين المعجمة لغة، وهو منصوبٌ عطفًا على القميص. (وَلَا البُرْنُسَ) وهو كلُّ ثوبٍ رأسه منه ملتزقٌ به من دُرَّاعةٍ أو جُبَّة (وَلَا الخُفَّيْنِ، إِلَّا (١) أَنْ لَا (٢) يَجِدَ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ) بلام ساكنة بعد الفاء، وفي رواية الكُشميهنيِّ: إسقاطها (مَا هُوَ أَسْفَلُ مِنَ الكَعْبَيْنِ) وفي «الحجِّ»: «فليلبس الخفَّين وليقطعهُما أسفل من الكعبين» [خ¦١٥٤٣] وكذا في «بابِ البرانس» [خ¦٥٨٠٣] وغيره [خ¦٥٨٥٢]. ٥٧٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينار أنَّه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (¬﵄ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) ابن سلول المنافق (بَعْدَ مَا) مات و (أُدْخِلَ قَبْرَهُ فَأَمَرَ) ﵊ (بِهِ فَأُخْرِجَ) من قبره (وَوُضِعَ) بضم الواو الثانية وكسر المعجمة (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) الشَّريفتين، ولأبي ذرٍّ عن (٣) المُستملي: «على ركبته» بالإفرادِ (وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ وَاللهُ أَعْلَمُ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: بالفاء بدله، أي: الله أعلم بسببِ إلباسه ﷺ إيَّاه قميصه. وفي «الحجِّ» [خ¦١٣٥٠] «وكان -عبد الله المذكور- كسا العبَّاس قميصًا فيَرَوْن أنَّه ﷺ ألبسَ عبد الله قميصَه مكافأةً (٤) لما صنع» أي: مع عمِّه فجازاهُ من جنس فعله.

стр. 10467

٥٧٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بن الفضل قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر العمريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابن عمر ﵄، أنَّه (قَالَ: لَمَّا تُوُفِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) ابن سلول المنافق (جَاءَ ابْنُهُ) عبد الله، وكان من فضلاء الصَّحابة ومخلصيهم (١) ﵁ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ) بالجزم على الجواب، أي: أكفِّن أبي (فِيهِ وَصَلِّ عَلَيْهِ) صلاتك على الميِّت (وَاسْتَغْفِرْ لَهُ. فَأَعْطَاهُ) ﷺ (قَمِيصَهُ، وَقَالَ له: إِذَا فَرَغْتَ) وزاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «منه» أي: من جهازه (فَآذِنَّا) بمدِّ الهمزة وكسر المعجمة وتشديد النون، أَعْلِمْنَا (فَلَمَّا فَرَغَ) عبد الله من جهازهِ (آذَنَهُ به) وسقط «به» لغير أبي ذرٍّ (فَجَاءَ) صلوات الله وسلامه عليه (لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَجَذَبَهُ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ لِيَكُفَّه عن الصَّلاة عليه (فَقَالَ): يا رسول الله (أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكَ اللهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى المُنَافِقِينَ، فَقَالَ) جلَّ وعلا: (﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]) فَهِمَ ﵁ النَّهي من التَّسوية بين الاستغفار وعدمهِ في النَّفع، والصَّلاة على الميِّت المشركِ استغفارٌ له وهو منهيٌّ عنه، فتكون الصَّلاة عليه منهيًّا عنها، وفي «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٠] فقال رسول الله ﷺ : «إنَّما خيَّرني الله تعالى فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيد على السَّبعين» فقال (٢): إنَّه منافقٌ، فصلَّى عليه رسول الله ﷺ . وإنَّما فعل ذلك إجراء له على ظاهرِ حكم الإسلام، واستئلافًا لقومهِ مع أنَّه لم يقعْ نهيٌ صريحٌ، وروي: أنَّه أسلم ألفٌ من الخزرجِ لمَّا رأَوْه يطلبُ التَّبرُّك بثوب النَّبيِّ ﷺ . رواه الطَّبريُّ. (فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم﴾) من المنافقين صلاة الجنازة (﴿مَّاتَ﴾) صفة لأحد (﴿أَبَدًا﴾) ظرف لتُصلِّ، وكان ﷺ إذا دفن الميِّت وقف على قبرهِ ودعا له فقيل: (﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]

стр. 10468

فَتَرَكَ) ﷺ (الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ) على المنافقين، وثبت: «﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾» لأبي ذرٍّ. وسبق الحديث بـ «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٠] ومطابقته لما ترجم له هنا في قوله: أعطني قميصك. (٩) (بابُ جَيْبِ القَمِيصِ) الَّذي يقوَّر (مِنْ عِنْدِ الصَّدْرِ) ليخرج منه الرَّأس (وَغَيْرِهِ) بالجرِّ عطفًا على القميص. ٥٧٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع (١)، ولأبي ذرٍّ بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك العقديُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ) المخزوميُّ (عَنِ الحَسَنِ) بن مسلم ابن يَنَّاق المكيُّ (عَنْ طَاوُسٍ) اليمانيِّ ابن كيسان، أبي عبد الرَّحمن الحِمْيريِّ، مولاهم، الفارسيِّ. قيل: اسمه ذكوان، ولقبه طاوس (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَثَلَ البَخِيلِ) الَّذي هو ضدُّ الكريم (وَ) مثل (المُتَصَدِّقِ) الَّذي يعطي الفقير من ماله في ذات الله (كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ) بضم الجيم وتشديد الموحدة، تثنية جبَّة، اللِّباس المعروف (مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطَرَّتْ أَيْدِيَهُمَا) بفتح الطاء ونصب التحتية الثانية من أيديَهما عند أبي ذرٍّ على المفعوليَّة، ولغيره بضم الطاء وسكون التحتية، مرفوعٌ نائب عن الفاعل (إِلَى ثُدِيِّهِمَا) بضم المثلثة وكسر المهملة وتشديد التحتية، جمع ثدي (وَتَرَاقِيهِمَا) بالقاف، جمع تَرْقوة، وهو العظمُ الَّذي بين ثُغْرة النَّحر والعاتق (فَجَعَلَ) أي: طفق (المُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ

стр. 10469

انْبَسَطَتْ عَنْهُ) أي: انتشرتْ عنه الجبة (حَتَّى تُغَشِّيَ) بضم الفوقية وفتح الغين وكسر الشين المشددة المعجمتين، كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره بفتح الفوقية وسكون الغين وفتح الشين، تغطِّي (أَنَامِلَهُ) رؤوس أصابع رجليهِ (وَتَعْفُوَ (١) أَثَرَهُ) بفتح الهمزة والمثلثة، أي: أثر مشيهِ لسبوغها (وَجَعَلَ البَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ) بالقاف واللام المخففة والصاد المهملة المفتوحات، أي: تأخَّرت وانضمَّتْ وارتفعتْ (وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ) بسكون اللام، من الجُبَّة (بِمَكَانِهَا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ بِإِصْبَعِهِ) ولأبي ذرٍّ بالتَّثنية (هَكَذَا فِي جَيْبِهِ) بفتح الجيم، بعدها تحتية ساكنة فموحدة، وهو موافقٌ لما ترجمَ به، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «جُبَّته» بضم الجيم بعدها موحدة مشددة فمثنَّاة فوقية فضمير، والأولى أوجه، وفيه التَّعبير بالقول عن الفعلِ (فَلَوْ رَأَيْتَهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَوَسَّعُ (٢)) لتعجبت، وسقطتْ (٣) إحدى تاءي «تتوسع» لأبي ذرٍّ. (تَابَعَهُ) أي: تابع الحسن بن مسلم (ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) يعني عن أبي هريرة، فيما سبق موصولًا في «باب مثل المتصدِّق والبخيل من الزَّكاة» [خ¦١٤٤٣] (وَ) تابعه أيضًا (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذكوان، فيما وصلَه في البابِ المذكور [خ¦١٤٤٣] (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز، عن أبي هريرة (فِي الجُبَّتَيْنِ) بالباء الموحدة وصحَّح عليها في الفرع. (وَقَالَ حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان المكِّيُّ، فيما سبق في «الزَّكاة» أيضًا [خ¦١٤٤٤] (سَمِعْتُ طَاوُسًا) يقول: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: جُبَّتَانِ) بالموحدة أيضًا، وفي «اليونينيَّة» بالنون عند أبي ذرٍّ (وَقَالَ جَعْفَرٌ) أي: ابن ربيعة، ولأبي ذرٍّ: «جعفر بن حَيَّان» بالحاء المهملة المفتوحة والتحتية المشددة، العطارديُّ. قال ابنُ حجر الحافظ -كالغسَّاني-: وهو خطأٌ، والصَّواب ابن ربيعة (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (جُنَّتَان) بضم الجيم بعدها نون تثنية جُنَّة، وهي الوقايةُ. قال الطِّيبيُّ: وهو أنسبُ لأنَّ الدِّرع لا يسمَّى جُبَّة بالموحدةِ بل بالنون، وأوقعَ المتصدِّق مقابلًا للبخيل، والمقابل الحقيقيُّ السَّخيُّ إيذانًا بأنَّ السَّخاء ما أمر به الشَّرع، وندبَ إليه من الإنفاق

стр. 10470

لا ما يتعاناهُ المبذِّرون، وخصَّ المشبَّه بهما بلبسِ الجُبَّتين من الحديدِ إعلامًا بأنَّ القبضَ والشُّح من جبلَّة الإنسان وخلقتهِ، وأنَّ السَّخاء من عطاءِ الله وتوفيقهِ، يمنحُه من يشاء من عبادهِ المفلحين، وخصَّ اليد بالذِّكر لأنَّ السَّخيَّ والبخيلَ يوصفان ببسط اليدِ وقبضها، فإذا أريدَ المبالغة في البخلِ قيل: مَغْلولة يده إلى عنقهِ وثديه وتراقيه، وإنَّما عدل عن الغَلِّ إلى الدِّرع لتصوير معنى الانبساط والتَّقلُّص، والأسلوبُ من التَّشبيه المُفَرَّق، شبَّه السَّخي الموفَّق إذا قصد التَّصدُّقَ يَسهُل عليه ويطاوعه قلبُه بمن عليه الدِّرع ويده تحتَ الدِّرع، فإذا أرادَ أن يخرجَها منها وينزعها يسهلُ عليه، والبخيلُ على عكسهِ. والحديث سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٤٣]. (١٠) (بابُ مَنْ لَبِسَ جُبَّةً ضَيِّقَةَ الكُمَّيْنِ فِي السَّفَرِ) لاحتياج المسافر إلى ذلك. ٥٧٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) الدَّارميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَسرُوقٌ) هو ابنُ الأجدع بنِ مالك الهمدانيُّ الوادعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَثَّنِي) بالتَّوحيد أيضًا (المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن أبي عامر بنِ مسعود الثَّقفيُّ، أسلم عام الخندقِ وشهدَ الحديبية، وتوفِّي بالكوفة سنة خمسين ﵁، و «ال» في «المغيرة» للمح الصِّفة وبها صارَ المغيرة منصرفًا، وشعبةُ لا ينصرف للعلميَّة والتَّأنيث (قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَاجَتِهِ) وكان في غزوة تبوك (ثُمَّ أَقْبَلَ) بعد فراغه (فَتَلَقَّيْتُهُ) وللحَمُّويي
следующие страницы →