الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الأَنْصَارِ) لما بلغه أنَّهم قالوا لمَّا أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن، وأنَّه طفقَ يُعطي رجالًا المئة من الإبل: «يغفر الله لرسولهِ يُعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنَا تقطرُ من دمائهم» [خ¦٤٣٣١] (و (١) جَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ) ولم يَدْعُ معهم غيرهم، الحديث السَّابق في «باب غزوة الطَّائف» من غير هذا الوجه [خ¦٤٣٣١] وهو في «الخُمُس» بإسناد حديث الباب بعينه [خ¦٣١٤٧] وفيه: أنَّه ﷺ قال لهم: «أما ترضونَ أن يذهبَ النَّاس بالأموالِ، وتذهبون بالنَّبيِّ ﷺ إلى رحالكمْ» وفيه أنَّهم قالوا: «قد رضينا»، والمراد منه هنا قوله (٢): «فجمعَهم في قبَّةٍ من أَدَم» لكنَّه لا يدلُّ على أنَّ القبَّة حمراء فهو -كما قال في «الكواكب» - إنَّما يدلُّ لبعض التَّرجمة، وكثيرًا ما يفعل المصنِّف ذلك. قال في «فتح الباري»: ويمكن أن يُقال: لعلَّه حملَ المطلق على المقيَّد، وذلك لقرب العهدِ، فإنَّ القصَّة الَّتي ذكرها أنسٌ كانت (٣) في غزوةِ حنين، والَّتي ذكرها أبو جُحَيفة كانت في حجَّة الوداع، وبينهما نحو سنتين، فالظَّاهر أنَّها هي تلك القُبَّة؛ لأنَّه ﷺ ما كان يتأنَّق في مثلِ ذلك حتَّى يستبدل، وإذا وصفها أبو جُحيفة (٤) بأنَّها حمراء (٥) في الوقت الثَّاني فلأن تكون حمرتها موجودة في الوقت الأوَّل أولى. انتهى.
(٤٣) (بابُ الجُلُوسِ عَلَى الحُصُر) بضم الحاء والصاد المهملتين في الفرع، وفي غيره: «على الحصِيْر» بكسر الصاد ثمَّ تحتية، على الإفراد، وهو ما اتُّخذ من سُعُفٍ وشبههِ (وَنَحْوِهِ) ونحو الحصير ممَّا يبسطُ، وقدْرُه غيرُ رفيع.
стр. 10537
٥٨٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) المُقَدَّميُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابنُ سليمان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر العمريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا) بالحاء المهملة والجيم، بينهما فوقية، آخره راء، أي: يتَّخذه كالحُجرةِ، وللكُشميهنيِّ: «يحتجزُ» بزاي، أي: يجعله حاجزًا بينه وبين غيرهِ (بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عليه» (وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ) بمثلَّثة وموحدة بينهما واو، يرجعون (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ حَتَّى كَثُرُوا فَأَقْبَلَ) ﷺ على النَّاس (فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) بفتح الميم وسابقها في الفعلين، أي: لا يقطع عنكُم فضله حتَّى تتركوا سؤاله، وأطلق على سبيلِ المشاكلة (وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ مَا دَامَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ما داوم» بزيادة واو بين الألف والميم. زاد في «الإيمان»: «عليه صاحبه» [خ¦٤٣] أي: ما استمرَّ في حياةِ العامل، وزاد هنا على رواية «الإيمان» (وَإِنْ قَلَّ) لأنَّه يستمر بخلاف الكثير الشَّاقِّ.
(٤٤) (بابُ المُزَرَّرِ بِالذَّهَبِ) من الثِّياب.
стр. 10538
٥٨٦٢ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، فيما وصلَه الإمام أحمد: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنِ المِسْوَرِ) بكسر الميم وسكون السين المهملة (ابْنِ مَخْرَمَةَ) بفتح الميمين بينهما خاء معجمة ساكنة فراء مفتوحة (أَنَّ أَبَاهُ مَخْرَمَةَ قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَتْ عَلَيْهِ أَقْبِيَةٌ) جمع قَباء، جنس من الثِّياب ضيِّقٌ (١) من لباس العجم (فَهْوَ يَقْسِمُهَا) على أصحابه (فَاذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ) زاد في «الشَّهادات»: «عسى أن يعطينا منها شيئًا» [خ¦٢٦٥٧]. قال المسور: (فَذَهَبْنَا فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ لِي) أبي: (يَا بُنَيَّ ادْعُ لِي النَّبِيَّ ﷺ ¬) قال المسور: (فَأَعْظَمْتُ ذَلِكَ) أي قوله: ادعُ لي النَّبيَّ ﷺ ؛ لأنَّ رفيع مقامه وشريفَ منزلتهِ لا يقتضِي ذلك (فَقُلْتُ) لأبي: (أَدْعُو لَكَ رَسُولَ اللهِ؟) استفهامٌ إنكاريٌّ (فَقَالَ) مَخْرمة مجيبًا له: (يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ) ﵊ (لَيْسَ بِجَبَّارٍ) قال المسور: (فَدَعَوْتُهُ) ﷺ (فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرٌ بِالذَّهَبِ) وهذا يحتملُ أن يكون قبل تحريم الحرير، ويحتملُ أن يكون بعدَه، وحينئذٍ فيكون إعطاؤه له لينتفعَ به بأن يبيعَه أو يكسوهُ للنِّساء، ويكون معنى قوله: «فخرجَ وعليه قَبَاء» أي: على يده، فيكون من إطلاق الكلِّ على البعض (فَقَالَ: يَا مَخْرَمَةُ، هَذَا خَبَأْنَاهُ (٢) لَكَ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ).
وهذا الحديثُ سبق في «الهبة» [خ¦٢٥٩٩] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٠٠].
(٤٥) (بابُ) حكم لبس (خَوَاتِيْمِ الذَّهَبِ) بتحتية ساكنة بعد الفوقية، جمع خاتم، ويجمعُ على خواتم بإسقاط التحتية، وخياتم بتحتية بدل الواو، وبإسقاط التحتية أيضًا، وفي الخاتم لغات ثمانية، تأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 10539
٥٨٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ) أبي الشَّعثاء (سُلَيْمٍ) بضم المهملة وفتح اللام، المحاربيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ) المُزَنيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ يَقُولُ: نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ سَبْعٍ) أي: سبع خصالٍ (نَهَى) ولأبي ذرٍّ: «نهانا» (عَنْ) لُبْس (خَاتَمِ الذَّهَبِ، أَوْ قَالَ: حَلْقَةِ الذَّهَبِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (وَعَنِ) استعمال (الحَرِيرِ، وَ) استعمال (الإِسْتَبْرَقِ) بكسر الهمزة، غليظُ الدِّيباج، فارسيٌّ معرَّب، قاله الجواليقيُّ، ويصغَّر على أُبَيْرق، ويكسَّر على أَبَارق (١) بحذف السين والتاء معًا (وَالدِّيبَاجِ) بكسر الدال المهملة. قال ابن الأثير: ثيابٌ تتَّخذُ (٢) من إِبْريسم، فارسيٌّ معرَّبٌ، وقد تُفْتح دالُه، ويجمعُ على دَبَابيج ودَيَابيج بموحدة وتحتية (٣) (وَالمِيثَرَةِ الحَمْرَاءِ) بالمثلَّثة، مفرد مياثر، والأصلُ في الميثرة الواو فقُلِبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها؛ لأنَّها (٤) من الوَثَار، وهو الفراشُ الوطِيءُ (٥) (وَالقَسِّيِّ) بفتح (٦) القاف وتشديد السين المهملة المكسورة، ونقل الفاكهانيُّ عن بعضِ شيوخهِ أنَّ السين مبدلةٌ من الزاي، أي: القزي نسبةً إلى القزِّ (وَآنِيَةِ الفِضَّةِ، وَأَمَرَنَا بِسَبْعٍ) أي: بسبع خصالٍ (بِعِيَادَةِ المَرِيضِ) مصدرٌ مضافٌ إلى مفعوله، وأصل عِيادة عوادة لأنَّه من عادَ يعودُ فقلبتِ الواو ياء لكسرةِ العين (وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) بالجمع مصدرٌ مضافٌ إلى مفعوله كالسَّابق واللَّاحق (وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ) بأن يقولَ للعاطسِ إذا حمد الله تعالى: يرحمُك الله (وَرَدِّ السَّلَامِ) اسم مصدر سلَّم تسليمًا، مثل كلَّم تكليمًا أو كلامًا (وَإِجَابَةِ الدَّاعِي) إلى الوليمة، وتكون واجبة كوليمةِ العرس بالشُّروط المعروفة، ومندوبة في غيرها (وَإِبْرَارِ) يمين (المُقْسِمِ) بضم الميم وكسر السين، اسم فاعلٍ من أقسم، والأمر للنَّدب إن حُمِلَ على إبرارِ قسمِ الغير (وَنَصْرِ المَظْلُومِ) إغاثتُه (٧) ومنعُه من الظَّالم، وهو فرضُ كفايةٍ مع القدرةِ عليه.
стр. 10540
وهذا الحديثُ مرَّ في «الجنائز» عن أبي (١) الوليد، عن شعبة [خ¦١٢٣٩] لكنْ بتقديم الأوامرِ على النَّواهي، وسقوط المياثر من النَّواهي، وقال فيه: «خاتم الذَّهب» من غير شكٍّ، وذكرهُ في «المظالم» عن سعيد بن الرَّبيع، عن شعبة. ولم يذكر فيه المنهيَّات جملة [خ¦٢٤٤٥] وفي «الطِّبِّ» عن حفص بن عمر، عن شعبة [خ¦٥٦٥٠] وأسقط من النَّواهي آنية الفضَّة. وذكر من (٢) الأوامر ثلاثة فقط: اتِّباع الجنائز، وعيادة المريض، وإفشاء السَّلام، واختصر الباقي، وقال فيه أيضًا: خاتم الذَّهب.
٥٨٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة، بُندار العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن جعفر» بدل قوله: غُنْدر، فصرَّح باسمه قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيِّ (عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ) بسكون الضاد المعجمة، ابن مالكٍ الأنصاريِّ (عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ) بفتح الموحدة في الأول، والنون في الثاني وكسر ثانيهما، السَّدوسيِّ البصريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى) أي: الرِّجال نهي تحريمٍ (عَنْ) لُبْس (خَاتَمِ الذَّهَبِ).
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «اللِّباس» والنَّسائيُّ في «الزِّينة». (وَقَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ مرزوق الباهليُّ، فيما وصلَه أبو عَوَانة في «صحيحه» عن أبي قِلابة الرَّقاشيِّ، عن عَمرو بن مَرْزوق: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) أنَّه (سَمِعَ النَّضْرَ) بن أنس، أنَّه (سَمِعَ بَشِيرًا) عن أبي هُريرة (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق، وإنَّما ذكر هذا لما فيه من بيان سماعِ قتادةَ من النَّضر، وسماع النَّضر من بشير.
стр. 10541
٥٨٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالمهملات، ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر العمريِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللهِ) بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ) أي: أمر بصياغتهِ فصيغ له أو وجدَه مَصُوغًا فاتَّخذه ولبسه (وَجَعَلَ فَصَّهُ) بفتح الفاء على الأفصح (مِمَّا يَلِي كَفَّهُ) مؤنَّثة، وإنَّما سمِّيت بذلك لأنَّها تَكُف، أي: تدفع عن البدن، وإنَّما جعله ممَّا يلي كفَّه؛ لأنَّه أبعد من الزَّهو والإعجاب ليُقتدى به، لكن لما لم يأمرْ بذلك جاز جعله في ظاهر الكفِّ، وقد عمل السَّلف بالوجهين (فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ) أي: صاغوا خواتم مثل خاتمهِ ﵊ (فَرَمَى بِهِ) أي: بخاتمه الشَّريف فرمى النَّاس خواتيمهم (وَاتَّخَذَ) ﵊ (خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ) بكسر الراء (أَوْ) من (فِضَّةٍ) وهما بمعنى واحد، والشَّكُّ من الرَّاوي، وقد جاء عن جماعة من الصَّحابة لُبْس خاتم الذَّهب لكن الَّذي استقرَّ عليه الإجماع بعدُ التَّحريم، وقد قال ﷺ في الذَّهب والحرير: «هذان حرامان على رجالِ أمَّتي حِلٌّ لإناثها». وفي حديث الباب حلُّ استعمال الورِقِ، وعليه الإجماع.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «اللِّباس».
(٤٦) (بابُ) جواز لبس (خَاتَمِ الفِضَّةِ).
٥٨٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشد القطَّان الكوفيُّ ثمَّ البغداديُّ، وهو من أفراده، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) العمريُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ -أَوْ من فِضَّةٍ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (وَجَعَلَ فَصَّهُ) لما لبسه (مِمَّا يَلِي كَفَّهُ) بالنَّصب، وللكُشمِيهنيِّ: «باطن كفِّه» بألف قبل الطاء، وللحَمُّويي
стр. 10542
والمُستملي: «بطن» (١) بإسقاطها «وكفِّه» بالخفض على الرِّوايتين (وَنَقَشَ فِيهِ) أي: وأمر أن ينقش في فَصِّه (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) بالرَّفع على الحكاية (فَاتَّخَذَ النَّاسُ) خاتمًا (مِثْلَهُ) من ذهبٍ أو من فضَّة على صورة نقشه، أو المراد مطلق الاتِّخاذ، ورجَّح العينيُّ كونه من ذهب (فَلَمَّا رَآهُمْ) ﵊ (قَدِ اتَّخَذُوهَا) أي: الخواتم الَّتي اتَّخذوها من ذهب (رَمَى بِهِ) أي: بخاتمه الشَّريف الذَّهب (وَقَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا) كراهةً للمشاركة، أو لما رأى من زَهْوهم بلبسه، أو لكونه من ذهبٍ، وكان حينئذٍ وقت تحريم لبس الذَّهب على الرِّجال (ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الفِضَّةِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَبِسَ الخَاتَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ) ولأبي ذرٍّ: بالواو بدل: ثم، فيهما (حَتَّى وَقَعَ مِنْ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ أَرِيسَ) بفتح الهمزة وكسر الراء فتحتية ساكنة فسين مهملة، لا ينصرف على الأصح، حديقة بالقرب من مسجدِ قباء.
(٤٧) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ فهو كالفصل لسابقه، وسقط لأبي ذرٍّ.
٥٨٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنَبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمَّة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المدنيِّ (عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَنَبَذَهُ) أي: فطرحهُ (فَقَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا) لكونه حُرِّمَ بعدُ (فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ) تبعًا له.
وهذا الحديثُ رواه سفيان الثَّوريُّ عن عبد الله بن دينار بأتمَّ (٣) من هذا.
стр. 10543
٥٨٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة مصغَّرًا، الحافظ المخزوميُّ مولاهم المصريُّ، ونسبه لجدِّه لشهرته به، واسم أبيه عبد الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرني» بالإفراد فيهما (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ) من فضَّة (يَوْمًا وَاحِدًا، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اصْطَنَعُوا الخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ وَلَبِسُوهَا، فَطَرَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَاتَمَهُ) لمَّا رآهم اتخذوا خواتيم للزِّينة، أو لكونهم شاركوه في ذلك (١)، لكنَّ المعروف أنَّ الخاتم الَّذي طرحَه إنَّما كان خاتم الذَّهب، فقال عياضٌ وتبعه النَّوويُّ: إنَّ جميعَ أهل الحديث قالوا: إنَّ قوله: «من ورقٍ» وهمٌ من ابن شهاب. وقال الكِرمانيُّ: لا يجوز توهيم الرَّاوي إذا أمكن الجمعُ، وليس في الحديث أنَّ الخاتم المطروح كان من ورِق بل هو مطلقٌ، فيحملُ على خاتم الذَّهب، أو على ما نُقِشَ عليه نَقْشُ خاتمه الَّذي اتَّخذه ليختمَ به كُتبَه إلى الملوك؛ لئلَّا تفوتَ مصلحةُ نقشِ اسمهِ بوقوعِ الاشتراك ويحصلُ الخللُ، فيكون طَرْحُه له غضبًا ممَّن تشبَّه به في ذلك النَّقش (فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ) الَّتي نقشوها على نقشهِ، وحينئذٍ عاد ﷺ فلبس خاتم الفضَّة واستمرَّ إلى أن ماتَ، فَلَبِسَه سنة. قال في «الروضة» كأصلها: ولو اتَّخذ خواتم كثيرة ليلبس الواحد منها بعد الواحد، جازَ على المذهبِ، وفيه -كما قال الأذرعيُّ وغيره- رمزٌ إلى منع لبسه أكثر من خاتم جملةً، وهو ما ذكره المحبُّ الطبريُّ تفقُّهًا، وعلَّله بأنَّ استعمال الفضَّة حرامٌ إلَّا ما وردت الرُّخصة به، ولم ترد إلَّا في خاتمٍ واحد. قال الأذرعيُّ: وهذا ينافيه قول الدَّارميِّ: ويكرهُ للرَّجل لُبْس فوق خاتمين. وقولُ الخوارزميِّ: يجوز للرَّجل لبس زوج خاتم في يده، وفرد في كلِّ يدٍ، وزوج في يدٍ وفردٍ في أخرى، وأن يلبس زوجين في كلِّ يد، قال الصَّيدلانيُّ: لا يجوزُ إلَّا للنِّساء. قال: وعلى قياسهِ لو تختَّم في غيرِ الخنصر ففي حُكمه وجهان. قلتُ: أصحُّهما التَّحريم للنَّهي الصَّحيح عنه، ولما فيه من التَّشبُّه بالنِّساء. انتهى.
стр. 10544
والَّذي في «شرح مسلم»: عدم التَّحريم، وفيه: والسُّنَّة للرَّجل جعل خاتمهِ في الخنصرِ.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «اللِّباس».
(تَابَعَهُ) أي: تابع يونس (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بن عوفٍ، فيما وصله مسلمٌ وأحمد وأبو داود (وَ) كذا تابعه (زِيَادٌ) هو ابنُ سعد بنِ عبد الرَّحمن الخراسانيُّ، نزيل مكَّة ثمَّ اليمن، فيما وصله مسلمٌ أيضًا (وَ) كذا (شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة، ممَّا وصله الإسماعيليُّ في روايتهم (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهاب، وألفاظُهم متقاربةٌ.
(وَقَالَ ابْنُ مُسَافِرٍ) عبد الرَّحمن بن خالد بنِ مسافر، الفهميُّ المصريُّ، واليها، مولى اللَّيث ابن (١) سعدٍ الإمام، فيما وصلَه الإسماعيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَرَى خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ) بكسر الراء، أي: فضَّة، وليس في رواية الإسماعيليِّ لفظ «أرى». قال في «الفتح»: فكأنَّها من البخاريِّ، وهذا التَّعليق ساقطٌ من رواية أبي ذرٍّ، ثابت لغيره. قال الحافظ ابن حَجر إلَّا النَّسفيَّ.
(٤٨) (بابُ فَصِّ الخَاتَمِ) بفتح الفاء. قال في «الصحاح»: والعامَّة تكسرها. نعم، أثبتها غيره لغةً، وزاد آخر ضمها. وقال به ابن مالك في مثلَّثته (٢).
٥٨٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بنِ جَبلة قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي مصغَّرًا، قال: (أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ) ﵁: (هَلِ اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا؟ قَالَ: أَخَّرَ) ﵊ (لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) أي: إلى نصفه (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الكريم (فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ) بفتح الواو وكسر الموحدة وبعد التحتية
стр. 10545
الساكنة صاد مهملة، بريقه ولمعانه (قَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ) بالميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لن» بالنون (١) (تَزَالُوا فِي) ثواب (صَلَاةٍ مَا) ولأَبَوَي ذرٍّ والوقت: «منذ» (انْتَظَرْتُمُوهَا).
وهذا الحديثُ سبق في «باب وقت العشاء إلى نصف اللَّيل» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٧٢].
٥٨٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ إبراهيم، المعروف بابن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابنُ سليمان التَّيميُّ (قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدًا) الطَّويل (يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ فِضَّةٍ) ولأبي داود من طريق زهير بن معاوية، عن حُمَيد زيادة «كله». وأمَّا حديث أبي داود والنَّسائيِّ من طريق إياس بنِ الحارث بن مُعَيْقيب، عن جدِّه قال: «كان خاتم النَّبيِّ ﷺ من حديدٍ ملويًّا عليه فضة (٢)». فيحملُ على التَّعدد جمعًا بين الرِّوايتين (وَكَانَ فَصُّهُ مِنْهُ) وفي «مسلم» و «السنن» من طريق ابن (٣) وهبٍ، عن يونس، عن ابن شهابٍ، عن أنس: «أنَّه كان من ورِق وكان فصُّه حبشيًا» حجرًا من الحبشةِ جَزْعًا أو عقيقًا، وحينئذٍ فيحملُ على التَّعدد جمعًا بينه وبين روايةِ الباب، أو فصُّه منه، لكن صياغتُه أو نقشُه صياغة (٤) الحبشةِ.
(وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيُّ المصريُّ، ممَّا ورد في «مسند حميد عن أنسٍ» للقاسمِ (٥) ابن زكريَّا المُطَرز: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل، أنَّه (٦) (سَمِعَ أَنَسًا) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ومُراده بسياق هذا التَّعليق الإعلامُ بسماع حُميدٍ للحديثِ من أنسٍ، والله أعلم.
стр. 10546
(٤٩) (بابُ خَاتَمِ الحَدِيدِ).
٥٨٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنَبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي حَازِم -بالحاء المهملة والزاي- سلَمة بن دينار الأعرج، القاصِّ (١) الزَّاهد (أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلًا) هو ابنُ عبد الله (٢) الأنصاريُّ (يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) قيل: هي خولةُ بنت حكيم، وقيل: أمُّ شريك (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ): يا رسول الله (جِئْتُ أَهَبُ نَفْسِي) لك، أي: أكونُ لك زوجة بلا مهرٍ (فَقَامَتْ) قيامًا أو زمنًا (طَوِيلًا) فالموصوف محذوفٌ، وهو المفعول المطلق، أو المفعول فيه (فَنَظَرَ) إليها (٣) ﷺ (وَصَوَّبَ) أي: خفض رأسه (فَلَمَّا طَالَ مُقَامُهَا) بضم الميم في الفرع، وقال العينيُّ: بفتحها، أي: قيامها (فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ: يا رسول الله (زَوِّجْنِيهَا) ولم يقل: هبنيها لأنَّ من خصائص النَّبيِّ ﷺ انعقاد نكاحهِ من غير صداق حالًا ولا مآلًا لا بدخول ولا بموت، وليس المرادُ حقيقةَ الهبة إذ الحرُّ لا يملكُ نفسه وليس له فيها تصرُّفٌ ببيعٍ ولا هبةٍ، ولكونهِ من الخصائصِ عدل (٤) عن لفظةِ الهبة إلى قوله: زوِّجنيها (إِنْ لَمْ
стр. 10547
يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ) أي: إذا لم يكن (١) لأنَّه لا يُظنُّ بالصَّحابيِّ أن يسألَ في مثل هذا إلَّا بعد أن يكون علمَ بقرينةِ الحال أنَّه لا حاجةَ له ﷺ بها (قَالَ) ﷺ : (عِنْدَكَ شَيْءٌ تُصْدِقُهَا؟) بسكون الصاد المهملة، أي: تمهرها (قَالَ: لَا) شيءَ عندي (قَالَ) ﵊ له: (انْظُرْ) شيئًا تُصْدِقها إيَّاه (فَذَهَبَ) الرَّجل (ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: وَاللهِ) يا رسول الله (إِنْ (٢)) أي: ما (وَجَدْتُ شَيْئًا. قَالَ) ﵊: (اذْهَبْ فَالتَمِسْ) أي: اطلبْ وحصِّل (وَلَوْ) كان الملتَمسُ (خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) فأصْدِقْها إيَّاه، أو فإنَّه حسنٌ أو جائزٌ، بحذف كان واسمها وجواب لو أيضًا. قيل: وفي ذكر الحديد دَلالةٌ على جواز التَّختُّم به. وتُعُقِّبَ بأنَّه لا يلزم من جوازِ الاتِّخاذ جواز اللُّبس، فيحتملُ أنَّه أرادَ وجوده لتنتفعَ المرأة بقيمتهِ (فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ قَالَ (٣): لَا وَاللهِ (٤) وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ) قال الزَّركشيُّ: بنصب «خاتمًا» عطفًا على قوله: «التمسْ ولو خاتمًا» أي: ما وجدتُ شيئًا ولا خاتمًا، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ فقال: هذا كلامٌ عجيبٌ لا يحتاج ردُّه إلى إيضاحٍ، وإنَّما «خاتمًا» معطوف على منصوبٍ مقدَّر، أي: ما وجدتُ غير خاتمٍ ولا خاتمًا (وَعَلَيْهِ إِزَارٌ مَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ. فَقَالَ): يا رسولَ الله (أُصْدِقُهَا) بضم الهمزة والقاف بينهما صاد ساكنة فدال مكسورةٌ (إِزَارِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِزَارُكَ) رفعٌ على الابتداء، وخبره جملةُ قوله: (إِنْ لَبِسَتْهُ) أي: المرأة (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسْتَهُ) أنت (لَمَ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ. فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَلَسَ فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَقَالَ: مَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ. قَالَ: سُورَةُ كَذَا وَكَذَا لِسُوَرٍ عَدَّدَهَا) ولأبي ذرٍّ: «عدَّها» بإسقاط الدال الثَّانية، وفي النَّسائيِّ وأبي داود من حديثِ عطاء، عن أبي هريرة: «البقرةُ أو (٥) الَّتي تليها». وفي الدَّارقطنيِّ عن ابنِ مسعود: «البقرة وسور من المفصَّل». ولتمَّام الرَّازيِّ عن أبي أمامة (٦) قال: «زوَّج النَّبيُّ ﷺ رجلًا من الأنصارِ على سبعِ سور». وفي رواية أبي عَمرو بن حيوةَ عن ابن عبَّاس قال: «معي أربع سور أو خمس
стр. 10548
سور» (قَالَ) ﵊: (قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) بفتح الميم وكافين. قال الدَّراقطنيُّ: إنَّها وهمٌ، والصَّواب: «زوَّجتكها» كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٥٠٢٩] وجمع النَّوويُّ باحتمال صحَّة اللَّفظين ويكون جرى لفظ التَّزويج أولًا ثمَّ لفظ التَّمليك ثانيًا، أي: لأنَّه ملك عصمتَها بالتَّزويج السَّابق.
ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة في قوله: «ولو خاتمًا من حديدٍ» لكن لا دَلالة فيه كما سبق، وكأنَّه لم يثبتْ عنده شيءٌ من ذلك على شرطهِ. قال النَّوويُّ: ولا يُكره لبس خاتم الرَّصاص والنُّحاس والحديدِ على الأصحِّ (١)؛ لخبر «الصَّحيحين» «التمسْ ولو خاتمًا من حديدٍ». وأمَّا حديث عبدِ الله بن بُرَيدة عن أبيه: أنَّ رجلًا جاء إلى النَّبيِّ ﷺ وعليه خاتمٌ من شَبَهٍ، فقال: «ما لي أجدُ منك ريحَ الأصنامِ» فطرحَهُ، ثمَّ جاء وعليه خاتمٌ من حديد، فقال: «ما لي أرى عليك حِلْية أهل النَّار» فطرحَه. الحديث. ففي سندهِ أبو طَيبة -بالمهملة المفتوحة والموحدة- تَكَلَّم فيه وضعَّفه النَّوويُّ في «شرحي المهذب ومسلم» وفي «كتاب الأحجار» للشَّاشيِّ (٢): خاتم الفولاذُ مطردةٌ للشَّيطان إذا لُوي عليه فضَّة.
وحديثُ الباب (٣) سبق في «النِّكاح» [خ¦٥٠٨٧] والله الموفِّق.
(٥٠) (بابُ نَقْشِ الخَاتَمِ) وكيفيَّته.
٥٨٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن حمَّاد قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء، مصغَّرًا قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ
стр. 10549
نَبِيَّ اللهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى رَهْطٍ) هو جمعٌ لا واحد له، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلى الرَّهط» بالتَّعريف (أَوْ) قال: إلى (أُنَاسٍ مِنَ الأَعَاجِمِ) والشَّكُّ من الرَّاوي (فَقِيلَ لَهُ) ﵊، وعند ابن سعدٍ: «قالت قريش»: (إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ) ولأبي ذرٍّ: «لا يقرؤون» (كِتَابًا إِلَّا عَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ) بسكون القاف: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) وعند ابن سعدٍ من مرسل ابن سيرين: «بسم الله محمد رسول الله». قال الحافظ ابن حَجر: ولم يتابَع على هذه الزِّيادة، فكان يطبع به على الكتب (١) حفظًا للأسرارِ أن تنتشرَ (٢)، وسياسة للتَّدبير أن لا ينخرمَ. قال أنس: (فَكَأَنِّي بِوَبِيصِ) بفتح الواو بعدها موحدة مكسورة فتحتية ساكنة فصاد مهملة (أَوْ بِبَصِيصِ) بفتح الموحدة الثانية بعدها صادان مهملتان (٣) بينهما تحتية ساكنة، أي: ببريق (الخَاتَمِ) وتلألئهِ (فِي إِصْبَعِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ فِي كَفِّهِ) بالشَّكِّ فيهما من الرَّاوي، وقد ذكر عبد الرَّزَّاق آثارًا بجوازِ (٤) اتِّخاذ تماثيل (٥) في الخواتمِ أضربنَا عنها؛ لأنَّها ليستْ بصحيحةٍ، ولا فائدةَ في ذكرها تامَّة، والله الموفِّق.
والحديثُ (٦) أخرجهُ أبو داود في «الخاتمِ».
٥٨٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) البِيْكَنديُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا (٧) عَبْدُ اللهِ
стр. 10550
ابْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون وفتح الميم مصغَّرًا، الهمْدانيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ) من (٢) فضَّة (وَكَانَ فِي يَدِهِ) ﷺ (ثُمَّ كَانَ بَعْدُ) أي: بعد الوفاة النَّبويَّة (٣) (فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ) ﵁ زمن خلافته (ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ عُمَرَ) زمن خلافتهِ (ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ عُثْمَانَ) في خلافته (حَتَّى وَقَعَ بَعْدُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ) بالمدينة (نَقْشُهُ) بسكون القاف (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ).
والحديثُ سبق في «باب خاتم الفضَّة» [خ¦٥٨٦٦].
(٥١) (بابُ) لُبْس (الخَاتَمِ فِي الخِنْصَرِ) دون غيرها من الأصابع، والخِنْصَرُ بكسر المعجمة وفتح المهملة، وهذا الباب مؤخَّرٌ بعد لاحقه في «اليونينيَّة».
٥٨٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عَمرو المِنْقَريُّ المقعد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) ابن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) البُنَانيُّ الأعمى (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ: «اصْطَنعَ» بطاء مهملة مفتوحة بعد الصاد الساكنة، افتعل من الصُّنع، أي: اتَّخذ فأبدل (٤) من تاء الافتعال طاءً لتقاربهمَا في المخرج (خَاتَمًا، قَالَ: إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا) أي: من فضة (وَنَقَشْنَا) بفتح القاف وسكون المعجمة (فِيهِ نَقْشًا) وهو محمَّد رسولُ الله (فَلَا يَنْقُشْ) بالجزم على النَّهي، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فلا ينقشنَّ» بنون التَّوكيد الثَّقيلة (عَلَيْهِ أَحَدٌ) وفي رواية ابنِ عمر «لا ينقشْ أحدٌ على نقشِ خَاتمي هذا» وهو صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: نقشًا كائنًا على نقش خاتمي ومماثلًا له. قال النَّوويُّ: وسبب النَّهي أنَّه إنَّما نقشَ على
стр. 10551
خاتمه محمد رسول الله؛ ليختم به كتبَه إلى الملوكِ، فلو نقش غيرُه مثلَه لدخلتِ المفسدة وحصلَ الخللُ وفاتَ المقصود (قَالَ) أنسٌ: (فَإِنِّي لأَرَى) بفتح الهمزة (بَرِيقَهُ) بفتح الموحدة وكسر الراء، لَمَعانَهُ (فِي خِنْصَرِهِ) قال النَّوويُّ في «شرح مسلم»: السُّنَّة للرَّجل جعل خاتمه في الخِنْصَرِ؛ لأنَّه أبعد من الامتهان فيما يتعاطَى باليد لكونه طرفًا، ولأنَّه (١) لا يشغل اليد عمَّا تتناوله (٢) من أشغالها (٣) بخلافِ غير الخِنْصَر، ويكرهُ له جعله في الوسطى والسَّبابة للحديث، وهي كراهةُ تنزيهٍ.
وحديث الباب أخرجهُ النَّسائيُّ في «الزِّينة».
(٥٢) (بابُ اتِّخَاذُ الخَاتَمِ لِيُخْتَمَ بِهِ الشَّيْءُ، أَوْ لِيُكْتَبَ) أي: أو لأجل ختمِ الكتاب الَّذي يُكتبُ ويُرسلُ (بِهِ إِلَى أَهْلِ الكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ) وهذا الباب مقدَّم على سابقهِ في «اليونينيَّة»، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.
٥٨٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) العسقلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى) أهل (الرُّومِ قِيلَ لَهُ) سبق قريبًا [خ¦٥٨٧٢] أنَّ القائل له قريش: (إِنَّهُمْ لَنْ (٤) يَقْرَؤُوا كِتَابَكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَنَقْشُهُ) بسكون القاف، ولأبي ذرٍّ: بفتحتين (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) قال أنسٌ: (فَكَأَنَّمَا (٥) أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ) وقد تمسَّك بهذا الحديث من يقول
стр. 10552
بمنعِ لبس الخاتم إلَّا لذي سلطانٍ مع صريح (١) حديث أبي ريحانة المرويِّ في «مسند أحمد» وأبي داود والنَّسائيِّ «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الخاتم إلَّا لذي سلطان». واحتجَّ القائلون بالجواز بحديثِ أنس السَّابق. وأُجيب عن حديث أبي رَيحانة بأنَّ مالكًا ضعَّفه، وعلى تقديرِ ثُبوته فيحملُ على أنَّ لبسه لغير ذي سلطانٍ خلاف الأولى لما فيه من التَّزيُّن الَّذي لا يليق بالرِّجال، والأدلَّة (٢) الدَّالَّة على الجوازِ صارفة للنَّهي عن التَّحريم، والمراد بالسُّلطان من له سلطنة على شيءٍ ما بحيث يحتاجُ إلى الختمِ عليه لا السُّلطان الأكبر خاصَّة، أمَّا لبس خاتمٍ من فضَّة للزِّينة وكان ممَّا لا يختمُ به، فلا يدخلُ في النَّهي.
(٥٣) (بابُ مَنْ جَعَلَ فَصَّ الخَاتَمِ) إذا لبسه (فِي بَطْنِ كَفِّهِ) ليعلم أنَّه لم يلبسْه للزِّينة بل للختمِ (٣) ونحوه، وسقطَ لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.
٥٨٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) ابن أُسامة (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عُمر (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ) الأصل اصتَنع -بالمثناة الفوقية- فلما جاورت التاء الصاد، والتاء حرف مستفل والصاد حرف مستعل مطبق منافر للفوقية، أبدلوا منها حرفًا مناسبًا للصَّاد، وكانت الطاء أولى من غيرها لأنَّها من مخرجِ الفوقية، وإن كانت الدال أيضًا من ذلك المخرج لكن التاء إلى الطاء أقرب منها إلى الدال على ما هو مقرَّر عند النُّحاة (ويَجْعَلُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وجعلَ» (فَصَّهُ) بفتح الفاء (فِي بَطْنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَاصْطَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ
стр. 10553
ذَهَبٍ) ولأبي ذرٍّ: «الخواتيمُ من ذهب» (فَرَقِيَ) بكسر القاف، صَعِدَ ﷺ (المِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ) بعد ذلك: (إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ) يعني خاتم الذَّهب (وَإِنِّي لَا أَلْبَسُهُ) أبدًا لكونه حُرِّمَ حينئذٍ (فَنَبَذَهُ) أي: طرحهُ (فَنَبَذَ النَّاسُ) خواتيمهُم جملةٌ مِن فعلٍ وفاعل حُذف مفعوله للعلمِ به.
(قَالَ جُوَيْرِيَةُ) بن أسامة، المذكور بالسَّند السَّابق: (وَلَا أَحْسِبُهُ) أي: ولا أحسب نافعًا (إِلَّا قَالَ): وجعله (فِي يَدِهِ اليُمْنَى) أخرج الإسماعيليُّ عن الحسن (١) بن سفيان، عن عبدِ الله بن محمد ابنِ أسماء، وابنِ سعد عن مسلمِ بن إبراهيم كلاهما، عن جويرية «أنَّه لبسَه في يدهِ اليمنى»، ولم يشكَّا. وأخرجه مسلم كذلك أيضًا من طريقِ عقبةَ بن خالدٍ، عن عبيدِ الله بنِ عمر عن نافعٍ، عن ابن عمر. والتِّرمذيُّ وابنُ سعد من طريق موسى بنِ عقبة، عن نافعٍ بلفظ صنع النَّبيُّ ﷺ خاتمًا من ذهبٍ فتختَّم به في يمينهِ، ثمَّ جلسَ على المنبرِ، فقال: «إنِّي كنتُ اتَّخذت هذا الخاتم في يمينِي» ثمَّ نبذهُ … الحديث، وهذا صريحٌ من لفظه ﷺ دافع للَّبس، وموسى بن عقبة أحد الثِّقات الأثبات، والأفضل عند الشَّافعيَّة جعلُ الخاتم في اليمين (٢) وجعلُ فَصِّه من باطن كفِّه. ولم يعين في (٣) «البخاريِّ» موضع الخاتم من أيِّ اليدين إلَّا في رواية جويريَّة هذه -كما قاله الحافظ أبو ذرٍّ- وقد جزمَ غيره -كما مرَّ- باليمين، وأمَّا رواية محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر المرويَّة عند (٤) ابن عديٍّ، وروايةُ عبد العزيز بن أبي روَّاد، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر «كان ﷺ يتختَّم في يسارهِ». فقال الحافظ: إنَّها شاذَّة، ورواتها أقلُّ عددًا وألينُ حفظًا ممَّن روى اليمين. ووردَ عن جماعةٍ من الصَّحابة والتَّابعين من أهلِ المدينة وغيرهم التَّختُّم في اليمين، وجمع البيهقيُّ بينهما بأنَّ الَّذي لبسه في اليمين هو خاتم الذَّهب، كما صُرِّحَ به في حديثِ ابن عمر، والَّذي لبسَه في اليسار هو خاتمُ الفضَّة.
وقال البغويُّ في «شرح السُّنة»: إنَّه تختَّم أوَّلًا في يمينه، ثمَّ تختَّم في يساره، وكان ذلك آخر
стр. 10554
الأمرين، ويترجَّح جعله في اليمين مطلقًا بأنَّ اليسار آلةٌ للاستنجاءِ، فيُصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النَّجاسة، ونقل النَّوويُّ الإجماع على الجوازِ، ولا كراهة فيه عند الشَّافعيَّة، وإنَّما الخلاف عندهم في الأفضليَّة، والله أعلم.
(٥٤) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا يَنْقُشُ) بفتح أوله وضم القاف، أحدٌ (عَلَى نَقْشِ خَاتَمِهِ) وضبط في «الفتح»: «يُنْقش» بضمِّ أوَّله.
٥٨٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد بن درهم (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) البُنَانيِّ الأعمى (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. وَقَالَ: إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ) بكسر الراء، فضَّة (وَنَقَشْتُ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَلَا يَنْقُشَنَّ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة (أَحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ) قال في «شرح المشكاة»: «على نقشِ خاتمي» يجوزُ أن يكون حالًا من الفاعل لأنَّه نكرة في سياق النَّفي، أو صفة مصدر محذوفٍ، أي: نقشًا كائنًا على نقشِ خاتمي ومماثلًا له، وسببُ النَّهي -كما قاله النَّوويُّ- أنَّه ﷺ إنَّما نقشَ على خاتمهِ ذلك ليختمَ به كتبه إلى الملوكِ، فلو نقشَ غيرُه مثلَه لحَصَلَ الخَلَلُ.
(٥٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يُجْعَلُ نَقْشُ الخَاتَمِ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ؟) قال في «الفتح»: إنَّه الأولى لأنَّه إذا كان سطرًا واحدًا يكون السَّطر (١) مستطيلًا ضرورةَ (٢) كثرةِ الأحرف، بخلافِ ما إذا تعدَّدتِ الأسطرُ، فإنَّه يكون مربَّعًا أو مستديرًا، وكلٌّ منهما أولى من المستطيلِ.
стр. 10555
٥٨٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله بنُ المثنى بنِ عبد الله بنِ أنس (عَنْ ثُمَامَةَ) بضم المثلثة وتخفيف الميم بعدها ألف فميم ثانية، ابن عبد الله بنِ أنسٍ، عم عبدِ الله بن المثنى الرَّاوي عنه (عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لَمَّا اسْتُخْلِفَ كَتَبَ لَهُ) أي: لأنسٍ مقادير الزَّكاة (وَكَانَ نَقْشُ الخَاتَمِ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولُ سَطْرٌ، وَاللهِ سَطْرٌ) وفي رواية الإسماعيليِّ: «محمَّد سطر، والسَّطر الثَّاني رسول، والسَّطر الثَّالث الله» وهذا يردُّ قول بعضهم: إنَّ كتابته كانت من أسفل إلى فوق حتَّى أنَّ الجلالة في أعلى الأسطر الثَّلاثة، ومحمَّدٌ في أسفلها، وكذا قال الأسنويُّ وابنُ رجب ولفظه: وروي أنَّ أوَّل الأسطر كان اسم الله، ثمَّ في الثَّاني رسول، ثمَّ في الثَّالث محمَّد. قال الحافظ ابن حَجر: ولم أر التَّصريح بذلك في شيءٍ من الأحاديثِ، وظاهر السِّياق يدلُّ على أنَّه على (١) الكتابةِ المعتادة، لكنَّ ضرورة الاحتياج إلى أنْ يختم به يقتضِي أن تكون الأحرفُ المنقوشةُ مقلوبة (٢) ليخرجَ الختمُ (٣) مستويًا.
وهذا الحديثُ أخرجهُ التِّرمذيُّ في «اللِّباس» أيضًا.
стр. 10556
٥٨٧٩ - (قَالَ أَبُوْ عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَزَادَنِي أَحْمَدُ) هو الإمامُ ابن حنبل، كما جزم به المِزِّيُّ في «أطرافه» وهو موصولٌ بالسَّند السَّابق (حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ) محمَّد بن عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله بن المثنَّى (عَنْ ثُمَامَةَ) بن عبد الله (عَنْ أَنَسٍ) أنَّه (قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ فِي يَدِهِ، وَفِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَفِي يَدِ عُمَرَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ) في الخلافة وكان الخاتم في يده ست سنين (جَلَسَ عَلَى (١) بِئْرِ أَرِيسَ) في السَّنة السابعة من خلافته (قَالَ: فَأَخْرَجَ الخَاتَمَ، فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ) بفتح الموحدة بعدها مثلثة، يحرِّكه ويدخلُه ويخرجُه (فَسَقَطَ) من يدهِ في البئر (قَالَ) أنسٌ: (فَاخْتَلَفْنَا) في الذَّهاب والرُّجوع والنُّزول إلى البئر والطُّلوع منها (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ فَنَنْزَحُ البِئْرَ فَلَمْ نَجِدْهُ) ولأبي ذرٍّ: «فنزحَ» أي: عثمان البئر فلم يجدْه، ومن يومئذٍ انتقضَ أمر عثمان وخرجَ عليه الخارجون، وكان ذلك مبتدأَ الفتنة الَّتي أفضتْ إلى قتله واتَّصلت إلى آخر الزَّمان، فكان في هذا الخاتم النَّبويِّ من السِّرِّ شيءٌ ممَّا كانَ في خاتم سليمان ﵇ لأنَّ سليمان لمَّا فقد خاتمَهُ ذهبَ مُلْكُه.
(٥٦) (بابُ) حكم لبسِ (الخَاتَمِ لِلنِّسَاءِ، وَكَانَ عَلَى عَائِشَةَ) ﵂ (خَوَاتِيمُ ذَهَبٍ) ولأبي ذرٍّ: «الذَّهب» أخرجهُ موصولًا ابنُ سعد من طريقِ عَمرو بن أبي عَمرو (٢) مولى المطَّلب قال: سألتُ القاسم بن محمَّد فقال: لقد رأيتُ -والله- عائشةَ تلبسُ المُعَصْفرَ، وتلبس خواتيم الذَّهب.
٥٨٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلد النَّبيل قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك ابن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنَا (٣) الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) بن يَنَّاق المكيُّ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابنُ كيسان
стр. 10557
الإمام أبو عبد الرَّحمن اليمانيُّ، وكان اسمُه فيما قيل: ذكوان فلقِّب بطاوس، قاله (١) ابنُ معين لأنَّه كان طاوس القرَّاء (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه قال: (شَهِدْتُ العِيدَ) أي: صلاةَ عيدِ الفطر (٢) (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَصَلَّى) حال كون صلاته (قَبْلَ الخُطْبَةِ) ثبت قوله: «قبل» لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٣)، وفي «باب الخطبة بعد العيد» زيادة «وأبي بكر وعمر وعثمان فكلُّهم (٤) كانوا يصلُّون قبل الخطبة» [خ¦٩٦٢].
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَزَادَ ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك، بسندهِ السَّابق (فَأَتَى) النَّبيُّ ﷺ (النِّسَاءَ) ومعه بلالٌ (فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الفَتَخَ) بفتح الفاء والفوقية بعدها خاء معجمة، الحلق من الفضَّة لا فصَّ فيها، أو الكبار، أو هي الَّتي تلبسها النِّساء في أصابع الرِّجلين (وَالخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ) ﵁.
(٥٧) (بابُ) حكم لبس (القَلَائِدِ) جمع قلادة (وَ) لبس (السِّخَابِ) بكسر السين المهملة وبعد الخاء المعجمة ألف فموحدة (لِلنِّسَاءِ؛ يَعْنِي قِلَادَةً مِنْ طِيبٍ وَسُكٍّ) بضم السين المهملة وتشديد الكاف، طيبٌ معروفٌ يُضاف إلى غيره من الطِّيب ويستعملُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ومِسْك» بميم مكسورة وسكون المهملة وتخفيف الكاف.
٥٨٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بن البِرِنْد قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ
стр. 10558
بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الوالبيِّ مولاهم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) إلى المصلَّى (يَوْمَ عِيدٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ) نفلًا (ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) لكونه رآهنَّ أكثر أهل النَّار (فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ) منهنَّ (تَصَدَّقُ) بحذف إحدى التَّاءين (بِخُرْصِهَا) بضم الخاء المعجمة وبعد الراء الساكنة صاد مهملة، حلقتها الصَّغيرة الَّتي تعلِّقها بأذنها (وَسِخَابِهَا) خيطانٌ من خرز، وفسَّره البخاريُّ هنا بأنَّه قلادةٌ من طيبٍ وسُكٍّ أو مسكٍ، وسُمِّي به لتصويتِ خرزهِ عند الحركةِ من السَّخب، وهو اختلاطُ الأصواتِ.
(٥٨) (بابُ اسْتِعَارَةِ القَلَائِدِ).
٥٨٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ (١) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون الموحدة، ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بنِ الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: هَلَكَتْ) أي: ضاعت (قِلَادَةٌ لأَسْمَاءَ) ذات النِّطاقين في غزوة بني المصطلق بالبيداءِ، أو بذاتِ الجيش (فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهَا رِجَالًا) وفي التَّيمُّم: «رجلًا» [خ¦٣٣٦] بالإفراد، وفُسِّرَ بأنَّه أُسيد بن حُضير (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً، فَصَلَّوْا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى (آيَةَ التَّيَمُّمِ) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] آية سورة المائدة إلى
стр. 10559
آخرها (زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون وفتح الميم، واسمه عبد الله: (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (اسْتَعَارَتْ) أي: القلادة المذكورة (مِنْ) أختها (أَسْمَاءَ) وسبق ذلك في التَّيمُّم [خ¦٣٣٦] وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «عن أبيه عن عائشة».
والحديثُ سبق في «باب إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا» [خ¦٣٣٦].
(٥٩) (بابُ القُرْطِ) بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة، ما تُحَلَّى به الأذن ذهبًا كان أو فضَّة معه غيره من نحو لؤلؤ أو لا، وزادُ أبو ذرٍّ: «للنِّساءِ».
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه المؤلِّف في «العيدين» وغيره [خ¦٩٧٧] [خ¦٥٢٤٩] (أَمَرَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ) بفتح التحتية، وقال العينيُّ: بضمِّها من الإهواء (إِلَى آذَانِهِنَّ) ليأخذْنَ الأقراط (وَحُلُوقِهِنَّ) ليأخذن القلائد، وتمسَّك به من جوَّز ثَقْبَ أُذن المرأة ليُجْعَلَ فيها القُرْطُ وغيره ممَّا يجوزُ لها التزيُّن به. وتُعُقِّبَ بأنَّه لم يتعيَّن وضعُه في ثُقب الأُذن بل يجوزُ أن يعلَّق في الرَّأس بسلسلةٍ لطيفة حتَّى يحاذي الأذن. سلَّمنا، ولكن إنَّما يؤخذُ من تركِ إنكارهِ عليهنَّ، ويجوزُ أن يكون الثُّقب قبلَ مجيءِ الشَّرع، فيغتفرُ في الدَّوام ما لا يغتفرُ في الابتداء.
٥٨٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم وسكون النون، الأنماطيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَدِيٌّ) هو ابنُ ثابتٍ الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا) هو ابنُ جبير (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ العِيدِ) ولأبي ذرٍّ: «يوم عيد صلاته» (رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا (١) وَلَا بَعْدَهَا (٢)) شيئًا من النَّوافل (ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي) ترمِي (قُرْطَهَا) في ثوبِ بلالٍ.
стр. 10560
(٦٠) (بابُ السِّخَابِ لِلصِّبْيَانِ).
٥٨٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (١) بالجمع (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (الحَنْظَلِيُّ) بالحاء المهملة والظاء المعجمة المفتوحتين، بينهما نون ساكنة، المروزيُّ الإمام الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ) بفتح الواو وسكون الراء بعدها قاف فهمزة، ممدودًا، و «عُمر» بضم العين، اليشكريُّ، أبو بشر الكوفيُّ المدائنيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (ابْنِ أَبِي يَزِيدَ) المكيِّ (عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الموحدة، ابن مُطعم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ المَدِينَةِ) هو سوقُ بني قَينُقاع (فَانْصَرَفَ) ﵊ (فَانْصَرَفْتُ) معه (فَقَالَ: أَيْنَ) وفي «البيع»: «أَثَمَّ» [خ¦٢١٢٢] ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أي» (لُكَعُ) بصيغة النِّداء، و «لُكَع»: بضم اللام وفتح الكاف بعدها عين مهملة من غير تنوين، ومعناه الصَّغير قالها (ثَلَاثًا) أي: (ادْعُ) لي (الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ. فَقَامَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَمْشِي) بفتح الحاء فيهما (وَفِي عُنُقِهِ السِّخَابُ) بكسر المهملة وبالخاء المعجمة الخفيفة، القلادةُ من طيبٍ ليس فيها ذهبٌ ولا فضَّة، أو هي من خرزٍ أو قرنفلٍ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ هَكَذَا) بسطها كما هو عادةُ من يريدُ المعانقة (فَقَالَ الحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا) بسطها (فَالتَزَمَهُ) النَّبيُّ ﷺ (فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي
стр. 10561
أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ) بفتح الهمزة وتشديد الموحدة، ولأبي ذرٍّ: «فأحْبِبه» بسكون الحاء وكسر الموحدة الأولى وسكون الثانية، من الإحباب، أي: اجعله محبوبًا (وَأَحِبَّ) بكسر الحاء وتشديد الموحدة (مَنْ يُحِبُّهُ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (فَمَا كَانَ (١) أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) ﵄ (بَعْدَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَالَ).
وهذا الحديثُ سبق في «باب ما ذكر في الأسواق» من «البيع» [خ¦٢١٢٢].
(٦١) (بابُ) ذمِّ الرِّجال (المُتَشَبِّهِين بِالنِّسَاءِ) في اللِّباس والزِّينة كالمقانعِ والأساور والقرطة، وكذا نغمة (٢) الكلام، والمشي كالانخناثِ والتَّأنيث والتَّثنِّي والتَّكسُّر إذا لم يكن خِلْقة (٣)، فإن كان ذلك في أصلِ خلقتهِ، فإنَّما يُؤمر بتكلُّف تركهِ والإدمان على ذلك بالتَّدريج (وَ) باب ذمِّ النِّساء (المُتَشَبِّهَاتِ بِالرِّجَالِ) في الزِّيِّ وبعض الصِّفات، ولغير أبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «المتشبِّهون والمتشبِّهاتُ» بالرَّفع فيهما بالواو والضَّمة.
٥٨٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديُّ المعروفُ ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمد بن جعفر» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «لعنَ (٤) النَّبيُّ» (¬ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ) لإخراجهِ الشَّيء عن الصِّفة الَّتي
стр. 10562
وضعها عليه أحكمُ الحاكمين، كما وردَ ذلك في لعنِ الواصلات بقوله: «المغيِّرات خلقَ الله».
وهذا الحديثُ أخرجهُ أبو داود في «اللِّباس» والتِّرمذيُّ في «الاستئذانِ» وابن ماجه في «النِّكاح» [خ¦٤٨٨٦].
(تَابَعَهُ) أي: تابع غُندرًا (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن مرزوق الباهليُّ البصريُّ، فيما وصلَه أبو نعيم في «مستخرجه»، وكذا الطَّبرانيُّ في «الدُّعاء»، كما أفادهُ شيخنا الحافظ السَّخاويُّ (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، والله أعلم.
(٦٢) (بابُ إِخْرَاجِ) الرِّجال (المُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنَ البُيُوتِ).
٥٨٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير (عَنْ عِكْرِمَةَ (١)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ) بفتح النون المشددة في الفرع. قال الكِرمانيُّ: وهو المشهورُ، وبالكسر القياس، وبالمثلَّثة مشتقٌّ من الانخناثِ (٢)، وهو التَّثنِّي والتَّكسُّر، فالمخنَّث هنا هو الَّذي في كلامهِ لينٌ، وفي أعضائه تكسُّرٌ، وليس له جارحة تقوم، وهو في عُرْف هذا الزَّمن من يلاطُ به (وَ) لعن ﷺ (المُتَرَجِّلَاتِ) بكسر الجيم المشددة، المتكلِّفات التَّشبُّه بالرِّجال (مِنَ النِّسَاءِ) كحملِ السَّيف والرُّمح والسِّحاق (وَقَالَ) ﵊: (أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ) لئلا يفضِي الأمر بالتَّشبُّه (٣) إلى تعاطِي منكر كالسِّحاق (قَالَ) ابن عبَّاس ﵄: (فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فُلَانًا) هو أنجشةُ العبد الأسود الَّذي كان يتشبَّه بالنِّساء. أخرجهُ الإمام أحمدُ والطَّبرانيُّ، وتمَّام في
стр. 10563
«فوائده» من حديث واثلةَ، ولأَبَوَي ذرٍّ والوقتِ: «فلانة» بالتَّأنيث. قال الحافظُ ابن حَجر: فإن كان محفوظًا فيُكشف (١) عن اسمهَا، ثمَّ قال: وأمَّا المرأة فهي باديةُ بنتُ غَيْلان (وَأَخْرَجَ عُمَرُ) ابن الخطَّاب ﵁ (فُلَانًا) قال في «المقدِّمة»: هو ماتعٌ -بفوقية-، وقيل: هِدْم.
وهذا الحديثُ أخرجهُ البخاريُّ أيضًا في «المحاربين» [خ¦٦٨٣٤]، والتِّرمذيُّ في «الاستئذانِ»، والنَّسائيُّ في «عِشرَة النِّساء».
٥٨٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو غسان النَّهديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابنُ معاوية الجُعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: أَنَّ) أباهُ (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (أَخْبَرَهُ: أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسدِ (أَخْبَرَتْهُ (٢): أَنَّ) أمَّها (أُمَّ سَلَمَةَ) هند بنت أميَّة زوج النَّبيِّ ﷺ (أَخْبَرَتْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا، وَفِي البَيْتِ مُخَنَّثٌ) بفتح النون وكسرها، هو المؤنث من الرِّجال وإن لم تُعرف منه الفاحشة، فإن كان ذلك فيه خِلْقةً فلا لوم عليه، وعليه أن يتكلَّف إزالةَ ذلك، وإن كان بقصدٍ منه فهو المذمومُ، كما مرَّ قريبًا [خ¦٥٨٨٥] واسم هذا المخنَّث: هِيت، كما عند ابن حبَّان وأَبَوَي يعلى وعَوَانة وغيرهم، وفي «مغازي ابن إسحاق» أنَّ اسمه ماتع -بالفوقية- وقيل بنون (فَقَالَ) المخنَّث (لِعَبْدِ اللهِ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنْ فُتِحَ لَكُمْ غَدًا الطَّائِفُ) بضم الفاء وكسر الفوقية من «فتح» ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «إنْ فتحَ الله لكُم غدًا الطَّائف» (فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلَانَ) اسمها بادِية
стр. 10564
-بموحدة فألف فدال مهملة مكسورة فتحتية، أو بنون بدل التَّحتية-، واسم جدِّها سلمة (فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ) المخنَّثون (عَلَيْكُنَّ) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «عليكم» بالميم، وَوُجِّه: بأنَّه جمع مع النِّساء المخاطبات من يلوذُ بهنَّ من صبي ووصيفٍ فجازَ التَّغليب، وأمَّا قوله: تُقبلُ بأربعٍ وتُدبرُ بثمانٍ، فقال ابنُ حبيبٍ عن مالك: معناه أنَّ أَعْكانها ينعطفُ (١) بعضُها على بعضٍ، وهي في بطنهَا (٢) أربع طرائقَ (٣)، وتبلغُ أطرافها إلى خاصرتهَا في كلِّ جانبٍ أربع، ولإرادةِ العُكن ذكر الأربع والثَّمان، وإلَّا فلو أرادَ الأطرافَ لقال: بثمانيةٍ.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ (٤)؛ يَعْنِي أَرْبَعَ عُكَنِ بَطْنِهَا) جمع عُكْنة، وهي الطَّيُّ الَّذي في البطنِ من السِّمن (فَهْيَ تُقْبِلُ بِهِنَّ) من كلِّ ناحيةٍ ثنتان (وَقَوْلُهُ: وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ؛ يَعْنِي أَطْرَافَ هَذِهِ العُكَنِ الأَرْبَعِ لأَنَّهَا مُحِيطَةٌ بِالجَنْبَيْنِ حَتَّى لَحِقَتْ، وَإِنَّمَا قَالَ: بِثَمَانٍ) بالتَّذكير (وَلَمْ يَقُلْ: بِثَمَانِيَةٍ) بالتَّأنيث (وَوَاحِدُ الأَطْرَافِ وَهْوَ) المميز (ذَكَرٌ) أي: مذكَّر (لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ثَمَانِيَةَ أَطْرَافٍ) أي: لأنَّه إذا لم يكنْ المميز مذكورًا جازَ في العددِ التَّذكير والتَّأنيث، والحاصلُ أنَّه وصفها بأنَّها مملوءة البدن بحيث يكون لبطنهَا عُكنٌ من سِمَنها.
وهذا الحديثُ مرَّ في أواخر «كتاب النِّكاح» في «باب ما ينهى من دخولِ المتشبِّهين بالنِّساء» [خ¦٥٢٣٥].
ولما فرغَ المصنِّف من «اللِّباس» شرعَ يذكرُ ما له تعلق به من جهةِ الاشتراك في الزِّينة، وبدأَ بالتَّراجم المتعلِّقة بالشُّعورِ وما أشبههَا، فقال:
(٦٣) (بابُ) استح باب (قَصِّ الشَّارِبِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (يُحْفِي) بضم التحتية وسكون
стр. 10565
المهملة وكسر الفاء، يزيلُ (شَارِبَهُ حَتَّى يُنْظَرَ) مضارع مبنيٌّ للمفعول، من النَّظر (إِلَى بَيَاضِ الجِلْدِ) لمبالغته في استئصالِ الشَّعر، وهذا وصله الطَّحاويُّ (وَيَأْخُذُ هَذَيْنِ، يَعْنِي بَيْنَ الشَّارِبِ وَاللِّحْيَةِ) كذا وقع تفسيره في «جامعِ رزين» من طريق نافعِ عن ابن عمر، وعند البيهقيِّ نحوه. وقال الكِرمانيُّ: وهذين يعني طرفي الشَّفتين الَّذين هما بين الشَّارب واللِّحية ومُلتقاهما كما هو العادة عند قصِّ الشَّارب في أن ينظِّف الزَّاويتان أيضًا من الشَّعر. قال: ويحتملُ أن يرادَ به طرفا العنفقةِ. ولغير أبي ذرٍّ -كما في الفرع- وغير النَّسفيِّ (١) -كما في «الفتح» -: «وكان عمر» وهو خطأ لأنَّ المعروف عن عمر أنَّه كان يوفِّر شاربَه.
٥٨٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشيرٍ الحنظليُّ البلخيُّ (عَنْ حَنْظَلَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة واللام، بعدها هاء، ابن أبي (٢) سفيان، واسمه الأسودُ بن عبد الرَّحمن الجُمَحيُّ القرشيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر، عن النَّبيِّ ﷺ . قال البخاريُّ بعد تحديثهِ عن المكيِّ: (قَالَ أَصْحَابُنَا) إنَّهم رووه (عَنِ المَكِّيِّ) عن حنظلة، عن نافع (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مِنَ الفِطْرَةِ) أي: من السُّنَّة القديمة الَّتي اختارها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واتَّفقت عليها الشَّرائع، فكأنَّها أمرٌ جِبِلِّيٌّ فُطِرُوا عليه (قَصُّ الشَّارِبِ).
٥٨٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ: (حَدَّثَنَا) أي: قال سفيان: حَدَّثنا الزُّهريُّ، فهو من تقديم
стр. 10566
الرَّاوي على الصِّيغة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (رِوَايَةً) أي: عن النَّبيِّ ﷺ ، فهو كقول الرَّاوي يبلغ به النَّبيَّ ﷺ فهو كنايةٌ عن الرَّفع (الفِطْرَةُ خَمْسٌ -أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ-) بالشَّكِّ (١). قال ابن حَجر: وهو من سفيان، ورواه أحمدُ: «خمسٌ من الفطرةِ» بغير شكٍّ. وقوله: «خمس» صفةُ موصوفٍ محذوفٍ، أي: خصال خمس ثمَّ فسَّرها، أو على الإضافةِ، أي: خمسُ خصال، أو الجملة خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: الَّذي شُرِعَ لكم خمسٌ من الفطرةِ، أوَّلها: (الخِتَانُ) بكسر الخاء المعجمة بعدها فوقية، وهو قطعُ القلفةِ الَّتي تغطِّي الحشفة من الرَّجل، وقطعُ بعض الجلدةِ الَّتي في أعلى الفرج من المرأةِ كالنَّواة، أو كعرف الدِّيك، ويسمَّى ختان الرَّجل إعذارًا -بالعين المهملة والذال المعجمة-، وختانُ المرأة خفضًا -بالخاء والضاد المعجمتين بينهما فاء-.
(وَ) ثانيها (الاِسْتِحْدَادُ) وهو استعمالُ الموسى في حَلْقِ العانةِ، كما وقعَ التَّصريح به في رواية النَّسائيِّ. قال النَّوويُّ: والمراد بالعانة الشَّعر الَّذي فوق ذكر الرَّجل وحواليه، وكذا الشَّعر الَّذي حوالي فرج المرأة. ونُقِلَ عن أبي العبَّاس بن سُرَيج أنَّه الشَّعر النَّابت حوالي (٢) حلقة الدُّبر. قال أبو شامة: ويستحبُّ إماطةُ الشَّعر عن القبلِ والدُّبر، بل هو عن الدُّبر أولى خوفًا من أن يتعلَّق به شيءٌ (٣) من الغائطِ، فلا يزيلهُ المستنجي إلَّا بالماء، ولا يتمكَّن من إزالتهِ بالاستجمار.
(وَ) ثالثها (نَتْفُ الإِبْطِ) بكسر الهمزة وسكون الموحدة، يبدأ باليمين استحبابًا ويتأدَّى أصل السُّنَّة بالحلق لا سيَّما من يُؤلمه النَّتف. قال ابنُ دقيقِ العيد: من نظرَ إلى اللَّفظ وقفَ مع النَّتف، ومن نظرَ إلى المعنى أجازَه بكلِّ مزيل، لكن تبيَّن أنَّ النَّتف مقصودٌ من جهة المعنى؛ لأنَّ محلَّ الرَّائحة الكريهة النَّاشئة من الوسخِ المجتمع بالعرق فيه فيتلبَّد ويهيج، فشُرِع النَّتف الَّذي يُضعفه فتخف الرَّائحة به، بخلاف الحَلْقِ فإنَّه يقوِّي الشَّعر ويُهيِّجه فتكثرُ الرَّائحة لذلك.
(وَ) رابعها (تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ) جمع ظُفُر -بضم الظاء والفاء وتسكن-، ويأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى في الباب اللَّاحق.
стр. 10567
(وَ) خامسها (قَصُّ الشَّارِبِ) وهو الشَّعر النَّابت على الشَّفَة، وهو عند النَّسائيِّ بلفظ «الحلق» لكنَّ أكثر الأحاديث بلفظ «القص» وعند النَّسائيِّ من طريق سعيدٍ المقبريِّ، عن أبي هريرة بلفظ: «تقصير الشَّارب» نعم، في حديث ابن عمر في الباب التَّالي: «واحْفوا الشَّوارب» [خ¦٥٨٩٢] وفي الباب الَّذي بعده: «انْهَكُوا الشَّوارب» [خ¦٥٨٩٣]، وفي مسلم: «جزُّوا الشَّوارب» وهي تدلُّ على أنَّ المطلوب المبالغة في الإزالة لأنَّ (١) الإحفاء الإزالةُ والاستقصاء، والإنهاك المبالغةُ في الإزالةِ، والجزُّ قصُّ الشَّعر إلى أن يبلغَ الجلد.
قال في «شرح المهذَّب» وهو مذهبُ الشَّافعيَّة، وكان المزنيُّ والرَّبيع يفعلانهِ (٢). قال الطَّحاويُّ: وما أظنُّهما أخذا ذلك إلَّا عنه. ونُقل عن الإمام أحمد ابن حنبل وأبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف واختاره النَّوويُّ أنَّه يقصُّه حتَّى يبدو طرف الشَّفة، ولا يُحفيه من أصلهِ، ونقل ابنُ القاسم عن مالكٍ أنَّ إحفاء الشَّارب مُثْلَةٌ، وأنَّ المراد بالحديث المبالغةُ في أخذ الشَّارب حتَّى يبدو طرف الشَّفة. وقال أشهبُ: سألت مالكًا عمَّن يُحفِي شاربَهِ، فقال: أرى أنْ يُوجع ضربًا.
وقوله: «الفطرة خمس» ظاهره الحصرُ، والحصرُ يكون حقيقيًّا ومجازيًّا، فالحقيقيُّ كقوله: العالم في البلد زيد، إذا لم يكن فيه غيره، ومن المجازي (٣) «الدِّين النَّصيحة»، قاله ابنُ دقيق العيد. ودَلالة مِنْ على التَّبعيض فيه؛ أي (٤) في قوله: «أو خمس من الفطرة» أظهرُ من دَلالة الرِّواية الأولى على الحصرِ، فليس الحصرُ مرادًا هنا بدَلالة حديث عائشةَ عند مسلم: «عشرٌ من الفطرة» فَذَكَر الخمسةَ الَّتي في حديث الباب إلَّا الختان، وزادَ «إعفاءَ اللِّحية، والسِّواك، والمضمضة والاستنشاق، وغسل البراجم، والاستنجاء». وعند أحمد وأبي داود وابن ماجه من حديث عمَّار بن ياسر مرفوعًا زيادة الانتضاح. وفي تفسير عبد الرَّزَّاق والطَبريِّ من طريقهِ بسندٍ صحيحٍ عن طاوس، عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] ذكر العشر (٥). وعند ابنِ أبي حاتمٍ من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاس «غُسْل الجمعة». ولأبي عوانة في
стр. 10568
«مستخرجه» زيادة «الاستنثار». وهذه الخصالُ منها ما هو واجبٌ كالختان، وما هو مندوبٌ، ولا مانع من اقتران الواجبِ بغيره، كما قال (١) تعالى: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فإيتاء الحقِّ واجبٌ والأكلُ مباح.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الطَّهارة»، وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٦٤) (بابُ) سُنَّة (تَقْلِيمِ الأَظْفَارِ) تفعيلٌ، من القَلْم، وهو القطعُ. قال في «الصِّحاح»: قَلَمت ظفري -بالتَّخفيف-، وقلَّمتُ أظفارِي -بالتَّشديد- للتَّكثير والمبالغة.
٥٨٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) بالجيم والمدِّ، واسمه عبدُ الله بنُ أيُّوب الحنفيُّ الهرويُّ، قال (٢): (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الرَّازيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ حَنْظَلَةَ) بن أبي سفيان الجُمَحيَّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مِنَ الفِطْرَةِ) أي: ثلاث (حَلْقُ العَانَةِ) بالموسى، وفي معناه الإزالة بالنَّتف والنُّورة، لكنَّه بالموسى أولى للرَّجل؛ لتقويته للمحلِّ، بخلاف المرأة فإنَّ الأولى لها النَّتف. واستَشْكله الفاكهانيُّ فإنَّ فيه ضررًا على الزَّوج باسترخاء المحلِّ باتِّفاق الأطباء. انتهى.
وقد يؤيِّده حديث جابر في «الصحيح»: «إذا دخلت ليلًا فلا تدخلْ على أهلكَ حتَّى تستحدَّ المُغيبَة» [خ¦٥٢٤٦] ولابنِ العربيِّ هنا تفصيلٌ جيِّدٌ، فقال: إن كانتْ شابَّة، فالنَّتفُ في حقِّها أولى لأنَّه يربو مكان النَّتف، وإن كانتْ كهلةً فالأولى الحلقُ لأنَّ النَّتف يرخِي المحلَّ، ولو قيلَ في حقِّها بالتَّنوير مطلقًا لما كان بعيدًا، وتجبُ عليها الإزالةُ إذا طلب الزَّوج منها ذلك على الأصحِّ.
стр. 10569
(وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ) وهو إزالةُ ما طالَ منها عن اللَّحم بمِقصٍّ، أو سكِّين، أو غيرهما من الآلةِ، ويُكره بالأسنان، والمعنى فيه أنَّ الوسخَ يجتمعُ تحتَه (١) فيُسْتَقْذَرُ، وقد ينتهِي إلى حدٍّ يمنعُ من وصولِ الماءَ إلى ما يجبُ غسله في الطَّهارةِ، وقد قطعَ المتولِّي فيه بعدمِ صحَّة الوضوءِ. وفي «الإحياء» العفو عنه لأنَّ غالبَ الأعراب كانوا لا يتعاهدون ذلك ولم يُرو أنَّه ﵇ أمرهم بإعادة الصَّلاة (وَقَصُّ الشَّارِبِ) واخْتُلِفَ هل السِّبَالان وهما جانبا الشَّارب منه؟ فقيل: إنَّهما منه، وأنَّه يشرع قصُّهما معه، وقيل: هما من جملةِ شعر اللِّحية.
٥٨٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو ابنُ عبد الله بنِ يونس اليربوعيُّ التَّميميُّ (٢) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، الزُّهريُّ العوفيُّ، أبو إسحاق المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) المخزوميِّ أحدِ الأعلام (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الفِطْرَةُ خَمْسٌ) قال صاحب «العدة»: مبتدأ وخبر (٣)، والمراد خصال الفطرة خمس، أو لا تقدير لأنَّه جنسٌ، والجنسُ يجري مجرَى الجمع. يقال: أعجبني الدِّينار الصُّفْر والدِّرهم البِيْض، أو يكون على النَّسب، أي: الفطرة ذات خصالٍ خمس (الخِتَانُ) وهو قطعُ القُلْفة -بالضم-، يقال: ختنَ الصَّبيَّ يختِنُه ويختُنُه -بكسر التاء وضمها- ختْنًا -بإسكانها-، والاسم الخِتَان والخِتَانة، وقد يُطْلق على موضعِ القطعِ، ومنه: «إذا التقَى الختانانِ فقد وجبَ الغُسل».
(وَ) الثَّاني من الفطرة (الاِسْتِحْدَادُ) وهو حلقُ شعر العانةِ بالحديد، وهو الموسى، كما مرَّ [خ¦٥٨٨٩].
стр. 10570
(وَ) الثَّالث (قَصُّ الشَّارِبِ) وسبقَ ما فيه من البحث [خ¦٥٨٨٩] (وَ) الرَّابع (تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ) وإنَّما جمع الأظفار ووحَّد السَّابق لأنَّها متعدِّدة في اليدين والرِّجلين، ويستحبُّ الاستقصاء في إزالتها إلى حدٍّ لا يدخل منه (١) ضررٌ على الإصبع، وجزم النَّوويُّ في «شرح مسلم» باستحبابِ البداءة بمسبِّحة اليمنى ثمَّ الوسطى ثمَّ البنصر ثمَّ الخنصر ثمَّ الإبهام، وفي اليسرى يبدأ بخنصرها ثمَّ بالبنصر إلى الإبهام، وفي الرِّجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي اليُسرى بإبهامها إلى الخنصر. قال في «الفتح»: ولم يذكروا (٢) للاستحباب مُسْتَنَدًا. قال: وتوجيه البداءة باليمنى لحديث عائشة: «كان يعجبه التَّيمُّن في شأنه كلِّه» [خ¦١٦٨]، والبداءة بالمسبِّحة منها؛ لكونها أشرف الأصابع لأنَّها آلة التَّشهُّد، وأمَّا إتباعها بالوسطى فلأنَّ غالبَ من يقلِّم أظفارَه يقلِّمها من قبل ظهر الكفِّ، فتكون الوسطى (٣) جهةَ يمينه، فيستمرُّ إلى أن يختمَ بالخنصر ثمَّ يكملُ اليد بقصِّ الإبهام، وأمَّا اليسرى فإذا بدأَ بالخنصر لزمَ أن يستمرَّ على جهة اليمنى إلى الإبهام، لكنْ يُعَكِّر على هذا التَّوجيه ما ذكره في الرِّجلين إلَّا أن يقال: غالب من يقلِّم رجليهِ يقلمها من جهة باطنِ القدمين، فيستمرُّ التَّوجيه. وذكر الدِّمياطيُّ الحافظ أنَّه تلقَّى عن بعض المشايخ أنَّ من قلَّم أظفاره مخالفًا لم يصبْه رمدٌ، وأنَّه جرَّب ذلك خمسين سنةً فلم يرمدْ. لكن قال ابنُ دقيق العيد: كلُّ ذلك لا أصلَ له، وإحداثُ استحبابٍ لا دليلَ عليه، وهو قبيحٌ عندي بالعَالِمِ، ولم يثبتْ أيضًا في استحباب قصِّها يوم الخميس (٤) حديثٌ صحيحٌ، والمختار أنَّه يختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، والضَّابط الحاجة في هذا، وفي جميع الخصال المذكورة.
(وَ) الخامس (نَتْفُ الآبَاطِ) بالجمع مقابلة الجمع من النَّاس، أو يكون أوقع الجمعَ على التَّثنية كقوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: ٢٢] ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «الإبط» بالإفراد، والأفضل النَّتف لإضعاف المنبت، فإنَّ الإبطَ إذا
стр. 10571
قويَ فيه الشَّعر وغلظَ جُرْمه كان أفوحَ للرَّائحةِ الكريهة، فناسبَ إضعافَه بالنَّتف بخلافِ العانةِ، وقد سبق مزيدٌ لذلك [خ¦٥٨٨٩].
٥٨٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم وسكون النون، البصريُّ الضَّرير الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء مصغَّرًا، الخيَّاط، أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ) بضم العين، وزيد بن عبد الله بنِ عمر بنِ الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: خَالِفُوا المُشْرِكِينَ) أي: المجوس، كما صُرِّحَ به عند مسلمٍ من حديثِ أبي هريرة (و (١) وَفِّرُوا اللِّحَى) بتشديد الفاء، أي: اتركوهَا مُوَفَّرةً، و «اللِّحى» بكسر اللام وتُضَم، جمع لِحية، بالكسر فقط، اسمٌ لما ينبتُ على العارضين والذَّقن (وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ) بالحاء المهملة وقطع الهمزة المفتوحة من الرُّباعي، وحكَى ابن دُرَيد: حفَا شاربَهُ يحفوهُ من الثُّلاثيِّ، فعلى هذا فهي همزةُ وصلٍ، أي: استقصوا قصَّها.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) هو موصولٌ بالسَّند إلى نافع (إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ) بفتح الفاء والضاد المعجمة، كما في الفرع، ويجوز كسرها، أي: زاد على القبضةِ (أَخَذَهُ) بالمقصِّ أو نحوه، وروي مثل ذلك عن أبي هريرة وفعله عمر ﵁ برجلٍ، وعن الحسن البصريِّ: يؤخذ من طولها وعرضِهَا ما لم يفحشْ. وحملوا النَّهيَ على منع ما كانت الأعاجم تفعلُه من قصِّها وتخفيفها، وقال عطاء: إنَّ الرَّجل لو تركَ لحيتَه لا يتعرَّض لها حتَّى أفحشَ طولها وعرضها لعرَّض نفسه لمن يستخفُّ به. وقال النَّوويُّ: المختارُ عدم التَّعرُّض لها (٢) بتقصيرٍ ولا غيره.
وهذا الحديثُ لا تعلُّق له بما ترجم له، كما لا يخفى، ويمكن توجيههُ بتعسُّفٍ.
стр. 10572
(٦٥) (بابُ إِعْفَاءِ اللِّحَى) أي: تركها من غير حلقٍ ولا نتفٍ ولا قصِّ الكثير منها، وإعفاء من مزيد الثُّلاثيِّ (﴿عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥]) في قوله تعالى في الأعراف: ﴿حَتَّى عَفَواْ﴾ معناه: (كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ) وقوله: «﴿عَفَواْ﴾ … » إلى آخره ثابتٌ لأبي ذرٍّ فقط.
٥٨٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلام قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بن سليمان قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عُمَرَ) العمريُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : انْهَكُوا الشَّوَارِبَ) أي: بالغوا في قصِّها (وَأَعْفُوا اللِّحَى) بفتح الهمزة والمصدر الإعفاء، وهو توفير اللِّحية وتكبيرُها، وهو من إقامة السَّبب مقام المسبَّب؛ لأنَّ حقيقة الإعفاء التَّرك، وترك التَّعرض للِّحية يستلزمُ تكبيرها (١)، قاله ابنُ دقيق العيد.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ بلفظ: «أحفوا الشَّوارب، وأعفُوا اللِّحى» وفيه أنواعٌ من البديعِ الجناس، والمطابقةِ، والموازنةِ.
(٦٦) (بابُ مَا يُذْكَرُ فِي الشَّيْبِ) هل يُخْضَبُ أو يُتْرَك على حاله؟
٥٨٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشدَّدة، العميُّ (٢)
стр. 10573
البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالد (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا) ﵁ (أَخَضَبَ النَّبِيُّ ﷺ ؟) بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ، أي: أصبغَ شعر لحيته الشَّريفة (قَالَ: لَمْ يَبْلُغِ) النَّبيُّ ﷺ (الشَّيْبَ إِلَّا قَلِيلًا) قيل: تسع عشرة شعرة بيضاء، وقيل: عشرون، وقيل: خمس عشرة شعرة، وقيل: سبع عشرة، أو ثمان عشرة.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ ﷺ ».
٥٨٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ الإمام، أبو أيُّوب البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابنُ درهم الإمام، أبو إسماعيل الأزديُّ أحدُ الأعلام (عَنْ ثَابِتٍ) البُنَانيِّ، أنَّه (١) (قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ) السَّائل له محمَّد بن سيرين، كما في الحديثِ السَّابق [خ¦٥٨٩٤] (عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) شعر لحيتهِ (فَقَالَ) أنس: (إِنَّهُ) ﷺ (لَمْ يَبْلُغْ مَا يَخْضِبُ) بفتح التحتية وكسر الضاد المعجمة، ولمسلم فقال: «لم يبلغِ الخضاب» (لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ) بفتحات، أي: الشَّعرات البيض الَّتي كانتْ يجاورها غيرها من الشَّعر الأسود (فِي لِحْيَتِهِ) لفعلتُ.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «فضائله ﷺ ».
٥٨٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو غسان النَّهديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونسَ بنِ أبي إسحاق السَّبيعيُّ (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ) بفتح الميم والهاء بينهما
стр. 10574
واو ساكنة، آخره موحدة، التَّيميِّ، مولى آل طلحة، أنَّه (قَالَ: أَرْسَلَنِي أَهْلِي) آل طلحة، أو امرأتي (إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زوجِ النَّبيِّ ﷺ ¬) سقط قوله: «زوج النَّبيِّ (١) … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ، (بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ وَقَبَضَ إِسْرَائِيلُ) بن يونس (ثَلَاثَ أَصَابِعَ) إشارة إلى صغر القدحِ كما في «الفتح»، أو إلى عددِ إرسال عثمان إلى أمِّ سلمة قاله الكِرمانيُّ، واستبعدَه الحافظُ ابن حَجر، ورجَّحه العينيُّ بأنَّ القدح إذا كان قدر ثلاث أصابع يكون صغيرًا جدًّا، فما يسع فيه من الماء حتَّى يرسلَ به، وبأنَّ التَّصرُّف بالأصابع غالبًا يكون بالعدد (مِنْ قُصَّة) بضم القاف وبالصاد المهملة المشدَّدة (فِيهِ) أي: في القدح (شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وللكُشمِيهنيِّ -كما في «الفرع» -: «فيها» بالتَّأنيث يعني القدح؛ لأنَّه إذا كان فيه ماءٌ يسمَّى كأسًا، والكأسُ مؤنَّثة، وعزا في «الفتح» التَّذكيرَ لرواية الكُشمِيهنيِّ، وعند أبي زيد: «من فِضَّة» -بالفاء المكسورة والضاد المعجمة- بيان لجنس القدح، ويحتمل -كما قال الكِرمانيُّ-: أنَّه كان مموَّهًا بفضة لا أنَّه كان كله فضة، أو أنَّه كان فضَّةً (٢) خالصةً، وكانت أمُّ سلمة تجيزُ استعمال الإناء الصَّغير في الأكلِ والشُّرب كجماعةٍ من العلماء قاله في «الفتح»، وأمَّا رواية القاف والمهملة فصفةٌ للشَّعر على ما في التَّركيب من القلاقة (٣)، ومن ثمَّ قال في «الكواكب»: عليك بتوجيهه. انتهى.
وقال عثمانُ بن عبد الله بنِ مَوْهَبٍ: (وَكَانَ) النَّاس (إِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ) منهم (عَيْنٌ) أي: أصيب بعين (أَوْ) أصابه (شَيْءٌ) من أيِّ مرضٍ كان (بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ) بكسر الميم وإسكان المعجمة الأولى، الإجانة (٤) (فَاطَّلَعْتُ) بسكون العين (فِي الحَجْلِ) كذا في «الفرع»: بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم مضبَّبًا (٥) عليها، وذكره في «فتح الباري» بلفظ وقيل: إنَّ في بعض الرِّوايات بفتح الجيم وسكون المهملة، ففيه تقديم الجيم على الحاء المهملة، عكس ما في الفرع، وفسِّر بالسِّقاء الضَّخم، ولأبي ذرٍّ -ممَّا في الفرع وغيره، ونسبه في «الفتح» للأكثر-: «في الجُلْجُل» بجيمين مضمومتين بينهما لام ساكنة وآخره أخرى، يشبهُ الجرس، يوضع فيه ما يُراد
стр. 10575
صيانته، وهذه الرِّواية هي المناسبةُ هنا لأنَّه إذا كان لصيانة الشَّعرات، كما جزم به وكيعٌ في «مصنفه» بعد ما رواهُ عن إسرائيل حيث قال: كان جُلْجُلًا من فضَّة صيغَ (١) صونًا لشعراتٍ كانت عند أمِّ سلمة من شعرِ النَّبيِّ ﷺ ، كان المناسب لهنَّ الظَّرف الصَّغير لا الضَّخم، فالظَّاهر -كما في «الفتح» - أنَّ الرِّواية الأولى تصحيفٌ، فقد (٢) وضح أنَّ رواية: «من فضَّة» أشبه وأولى من قوله: «من قصة» -بالقاف-، وإن رواها الأكثر فيما قاله ابنُ دحية لقوله بعد: فاطَّلعت في الجُلْجُل (فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا) وهذا موضع التَّرجمة لأنَّه يدلُّ على الشَّيب، والحاصل من معنى الحديث أنَّه كان عند أمِّ سلمة شعراتٌ من شعر النَّبيِّ ﷺ حمرٌ في شيءٍ يشبه الجُلْجُل، وكان النَّاس يستشفونَ بها من المرض، فتارةً يجعلونها في قدحٍ من ماءٍ ويشربونه، وتارةً في إجَّانةٍ من الماء فيجلسونَ في الماء الَّذي فيه الجُلْجل الَّذي فيه شعره الشَّريف (٣).
وهذا الحديثُ أخرجهُ ابن ماجه في «اللِّباس» أيضًا.
٥٨٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَلَّامٌ) بتشديد اللام اتفاقًا، ابن أبي مطيعٍ الخُزاعيُّ البصريُّ، كما عليه الجمهور، وصرَّح به ابن ماجه في هذا الحديثِ من رواية يونس بنِ محمَّد، عن سلَّام بن أبي مُطيع (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ) بفتح الميم والهاء، التَّيميِّ، أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂ (فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعَرًا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «شعرات» (مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ مَخْضُوبًا) زاد يونس «بالحنَّاء والكَتَم». ولأحمد من طريقِ أبي معاوية «شعرًا أحمر مخضوبًا بالحنَّاء والكَتَم»، وهذا يجمع بينه وبين ما في «مسلم» من طريق حمَّاد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ «أنَّه ﷺ لم يخضبْ ولكن خضبَ أبو بكر وعمر» بأنَّ شعرهُ الشَّريف إنَّما احمرَّ لما خالطَه من طيبٍ فيه صفرة، كما سبق