← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

لأنَّه خرج مبادرًا للوقت، ولم يكن له ثيابٌ يتداولها، ولابن ماجه: «وأنا أرى أثر الغَسل فيه» أي: لم يجفَّ، ولـ «مسلم»: من حديث عائشة: «كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ »، ولابني خزيمة وحبَّان بسندٍ صحيحٍ: «كانت تحكُّه وهو يصلِّي»، ويُجمَع بينهما وبين حديث الباب على القول بطهارته، كما هو مذهب الإمام الشَّافعيِّ وأحمد والمحدِّثين، بحمل الغَسل على النَّدب، أو غسله لنجاسة الممرِّ، أو لاختلاطه برطوبة الفرج على القول بنجاسة (١) الفرج، وعُورِض التَّعليل بنجاسة الممرِّ بأنَّ علماء التَّشريح قالوا: إنَّ مُستقَرَّ المنيِّ في غير مُستقَرِّ البول فكذلك مخرجهما، وأُجيب: على تقدير ثبوته، فقد يلتقي المنيُّ والبول في رأس الحشفة؛ لأنَّه ليس في رأس الإحليل إلَّا ثقبٌ واحدٌ (٢)، وحمل الحنفيَّة الغسل على الرَّطب، والفرك على اليابس، لنا: ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة: «كان (٣) يَسْلُتُ المنيَّ من ثوبه ﵊ بعرق الإذخر ثمَّ يصلِّي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا ثمَّ يصلِّي فيه» فإنَّه يتضمَّن ترك الغسل في الحالين (٤)، وأيضًا لو كان نجسًا لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه، والحنفيَّة لا يكتفون فيما لا يُعفَى عنه من الدَّم بالفرك، وأُجيب: بأنَّه لم يأتِ نصٌّ بجواز الفرك في الدَّم ونحوه، وإنَّما جاء (٥) في يابس المنيِّ على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النَّصِّ، وحاصل ما في هذه المسألة أنَّ مذهب الشَّافعيِّ وأحمد: طهارة المنيِّ، وقال أبو حنيفة ومالكٌ ﵄: نجسٌ (٦)، إلَّا أنَّ أبا حنيفة يكتفي في تطهير اليابس منه بالفرك، ومالكٌ: يوجب غسله رطبًا

стр. 1087

ويابسًا، وصحَّح النَّوويُّ: طهارة منيِّ غير الكلب والخنزير وفرع أحدهما، ولم يذكر المؤلِّف حديثًا للفرك المذكور في التَّرجمة اكتفاءً بالإشارة إليه فيها كعادته (١)، أو كان غرضه سَوْق حديثٍ يتعلَّق به فلم يتَّفق له ذلك (٢)، أو لم يجده على شرطه، وأمَّا حكم ما يصيب من رطوبة فرج المرأة فلأنَّ المنيَّ يختلط بها عند الجماع، أو اكتفى بما سيجيء إن شاء الله تعالى في أواخر «كتاب الغسل» [خ¦٢٩٢] من حديث عثمان. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مروزيٍّ ورقِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ -وقال: حسنٌ صحيحٌ- والنسائيُّ وابن ماجه، كلُّهم في «الطَّهارة». ٢٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الزَّايِ المُعجَمَة، يعني (٣): «ابن زُريعٍ» كما في رواية ابن السَّكن، أحد الرُّواة عن الفَِرَبْريِّ كما نقله الغسَّانيُّ في كتاب «تقييد المُهمَل»، وكذا أشار إليه الكلاباذيُّ وصحَّحه المزِّيُّ، أو هو: «ابن هارون» كما رواه الإسماعيليُّ من طريق الدَّوْرَقِيِّ وأحمد بن منيعٍ، ورجَّحه القطب

стр. 1088

الحلبيُّ والعينيُّ، وليس هذا الاختلاف مؤثِّرًا في الحديث لأنَّ كلًّا من ابن هارون وابن زريعٍ ثقةٌ على شرط المؤلِّف (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين «يعني: ابن ميمونٍ» كما في رواية أبي ذَرٍّ عن المُستملي (١)، ابن مهران (عَنْ سُلَيْمَانَ) هو: «ابن يسارٍ» كما لأبَوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﵂. (ح) إشارةٌ إلى التَّحويل: (وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) هو ابن زِيادٍ، بكسر الزَّايِ ثمَّ مُثنَّاةٍ (٢) تحتيَّةٍ، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) بفتح العينِ، أي: ابن مهران السَّابق [خ¦٢٢٩] (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) السَّابق (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) ﵂، وفي السَّابق: «سمعت» وكذا هو في «مسلمٍ»، والسَّماع لا يستلزم السُّؤال، ولا السُّؤال السَّماع، ومن ثمَّ ذكرهما ليدلَّ على صحَّتهما، وتصريحه بالسَّماع هنا يردُّ على البزَّار حيث قال: إنَّ سليمان بن يسارٍ لم يسمع من (٣) عائشة (عَنِ) الحكم في (المَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ) هل يُشرَع غسله أو فركه؟ (فَقَالَتْ) عائشة (٤) ﵂: (كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَخْرُجُ) من الحجرة (إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ) هو (بُقَعُ المَاءِ) بالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، كأنَّه قِيلَ: ما الأثر الذي في ثوبه؟ فقالت (٥): هو بقع الماء، ويجوز النَّصب على الاختصاص، والوجه الأوَّل هو الذي في فرع «اليونينيَّة»، ولفظة: «كنت» وإن اقتضت تكرار الغسل

стр. 1089

هنا (١) فلا دلالة فيها على الوجوب لحديث الفرك المرويِّ في «مسلمٍ»، فالغسل محمولٌ على النَّدب جمعًا بين الحديثين كما سبق. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع والسُّؤال. (٦٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا غَسَلَ الجَنَابَةَ أَوْ غَيْرَهَا) نحو دم الحيض وغيره (٢) من النَّجاسة العينيَّة (فَلَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ) أي: أثر ذلك الشَّيء المغسول مع المُبالَغة بالحتِّ والقرص لا يضرُّ، فأعاد الضَّمير مُذكَّرًا على المعنى، فأمَّا إذا كان سهل الزَّوال فإنَّه يضرُّ، والحتُّ والقرص سنَّةٌ، وقِيلَ: شرطٌ، لكن إن أمكن إزالته بهما وجبا كما يجب الأشنان ونحوه، والأظهر أنَّه (٣) يضرُّ (٤) إذا كان سهل الزَّوال، أمَّا إذا عسر إزالة لونٍ وحده (٥) أو ريحٍ وحده لا يضرُّ (٦)، فيطهر كما صحَّحه في «الرَّوضة»، والأظهر أنَّه يضرُّ اجتماعهما لقوَّة دلالتهما على بقاء عين النَّجاسة، ولا خلاف كما في «المجموع» أنَّ بقاء الطَّعم وحده يضرُّ لسهولة إزالته غالبًا، ولأنَّ بقاءه يدلُّ على بقاء العين، وقِيلَ: المُراد بـ «الأثر» أثر الماء لا المنيِّ لقوله في حديث الباب [خ¦٢٣٠]: «وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء» (٧)، والفاء في: «فلم يذهب» للعطف.

стр. 1090

٢٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «ابن إسماعيل» ولأبي ذَرٍّ: «المِنْقَرِيُّ» أي: بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف، نسبةً إلى بني مِنْقَر، بطنٌ من تميمٍ التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) بفتح العين (قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ) بالمُثنَّاة والمُهمَلة المخفَّفة (١)، أي: قلت له: ما تقول (فِي الثَّوْبِ) الذي (تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ) أو «في» بمعنى «عن» أي: سألته عن الثَّوب، وللكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر: «سمعت سليمان بن يسارٍ» أي: يقول في حكم الثَّوب الذي تصيبه الجنابة (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (كُنْتُ أَغْسِلُهُ) أي: أثر الجنابة أو المنيُّ (مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) فتذكير الضَّمير على التَّفسير بالمنيِّ أو أثر الجنابة (ثُمَّ يَخْرُجُ) ﵊ من الحجرة (إِلَى الصَّلَاةِ) في المسجد (وَأَثَرُ الغَسْلِ فِيهِ) أي: في ثوبه (بُقَعُ المَاءِ) بدلٌ من قوله: «أثر الغسل» أوِ الضَّمير راجعٌ إلى أثر الماء، أو المعنى أثر الجنابة المفسِّر له بالماء فيه بقعُ الماء المذكور (٢)، ولم يذكر في الباب حديثًا يدلُّ على غير الجنابة، ويحتمل أن يكون قاس ذلك على سابقه، أو أشار بذلك إلى حديث أبي داود وغيره أنَّ خولة قالت: يا رسول الله ليس لي إلَّا ثوبٌ واحدٌ وأنا أحيض كيف أصنع؟ قال: «إذا طهرت فاغسليه، ثمَّ صلِّي فيه»، قالت: فإن لم يخرج الدَّم؟ قال: «يكفيك الماء ولا يضرُّك أثره» وفي إسناده ضعفٌ، ولمَّا لم يكن على شرط المؤلِّف استَنْبَط منه ما يدلُّ على المعنى كعادته، قاله ابن حجر، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم يذكر مسألةً ثمَّ يقيس عليها غيرها، ولم يُعرَف مراده من هذا القياس، هل هو لغويٌّ أو اصطلاحيٌّ، شرعيٌّ أو منطقيٌّ؟ فهو قياسٌ فاسدٌ، ومن أين عرفنا أنَّه أشار بهذا إلى حديث أبي داود هذا (٣).

стр. 1091

٢٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ) بفتح العين وكسر ميم «مِهران» مع عدم صرفه (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) السَّابق [خ¦٢٣١] (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ) ولابن عساكر: «من ثوب رسول الله ﷺ »، قالت عائشة: (ثُمَّ أَرَاهُ) بفتح الهمزة، أي: أبصر الثَّوب (فِيهِ) أي: الأثر الدَّالَّ عليه قوله: «تغسل المنيَّ» أي: أرى أثر الغسل في الثَّوب (بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا) وفي بعض النُّسخ: «ثمَّ أرى» بدون الضَّمير المنصوب (٢)، فعلى هذا يكون الضَّمير المجرور في قوله: «فيه» للثَّوب، أي: أرى (٣) في الثَّوب بقعةً، فالنَّصب على المفعوليَّة، وقوله: «بقعة أو بقعًا» من قول عائشة، أو شكٌّ من سليمان أو غيره من رواته. (٦٦) (بابُ) حكم (أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابِّ) جمع دابَّة، وهي لغة: اسمٌ لما يدبُّ على الأرض، وعرفًا لذي الأربع (٤) فقط (وَ) حكم أبوال (الغَنَمِ وَ) حكم (مَرَابِضِهَا) بفتح الميم وكسر

стр. 1092

المُوَحَّدة وبالضَّاد المُعجَمَة، من ربَض بالمكان يربِض، من باب «ضَرب يضرِب» إذا أقام به، وهي للغنم كالمعاطن للإبل، وربُوض الغنم كبُروك الإبل، وعطف «الدَّوابِّ» على «الإبل» من عطف العامِّ على الخاصِّ، و «الغنم» على «الدَّوابِّ» من عطف الخاصِّ على العامِّ. (وَصَلَّى أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريُّ ممَّا وصله أبو نُعيم شيخ المؤلف في كتاب «الصَّلاة» له (فِي دَارِ البَرِيدِ) بفتح المُوَحَّدة، منزل بالكوفة تنزلُه (١) الرُّسل إذا حضروا من عند الخلفاء إلى الأمراء، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة من قِبل عمر وعثمان، ويُطلَق «البريد» على الرَّسول، وعلى مسافة اثني عشر ميلًا (وَالسِّرْقِينِ) معطوفٌ على المجرور السَّابق، وهو بكسر المُهمَلة وفتحها وسكون الرَّاء وبالقاف، ويُقال: السِّرجين، بالجيم: روث الدَّوابِّ، مُعرَّبٌ لأنَّه ليس في الكلام «فَعلِيل» بالفتح (وَالبَرِّيَّةُ) بفتح المُوَحَّدة وتشديد الرَّاء، أي: الصَّحراء (إِلَى جَنْبِهِ) الضَّمير لأبي موسى، والجملة حاليَّةٌ (فَقَالَ) أبو موسى: (هَهُنَا وَثَمَّ) بفتح المُثَلَّثَة، أي: ذلك والبَرِّيَّة (سَوَاءٌ) في جواز الصَّلاة فيه لأنَّ ما فيها من الأرواث والأبوال (٢) طاهرٌ، فلا فرق بينها وبين البَرِّيَّة، ولفظ رواية أبي نُعيم الموصولة: صلَّى بنا أبو موسى في دار البريد، وهناك سرقين الدَّوابِّ والبَرِّيَّة على الباب، فقالوا: لو صلَّيت على الباب … فَذَكَرَهُ، وأخرجه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» بلفظ: فصلَّى بنا على روثٍ وتِبْنٍ، فقلنا: تصلِّي ههنا والبَرِّيَّة إلى جنبك، فقال: البرِّيَّة وههنا سواءٌ، وأراد المؤلِّف من هذا التَّعليق

стр. 1093

الاستدلال على طهارة بول ما يُؤكَل لحمه (١)، لكنَّه لا حجَّة فيه لاحتمال أنَّه صلَّى على حائلٍ بينه وبين ذلك، وأُجيب بأنَّ الأصل عدمه، فالأَوْلَى أن يُقال: إنَّ هذا من فعل أبي موسى، وقد خالفه (٢) غيره من الصَّحابة كابن عمر وغيره، فلا يكون حجَّةً. ٢٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديُّ الواشحيُّ، بمُعجَمَةٍ ثمَّ مُهمَلةٍ، البصريُّ، قاضي مكَّة، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين، وله ثمانون سنة (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهم الأزديُّ الجهضميُّ (٣) البصري (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ البصريِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «ابن مالكٍ» (قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ) بهمزةٍ مضمومةٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والسَّرخسيِّ والأَصيليِّ: «ناسٌ» بغير همزٍ (٤)، على رسول الله ﷺ (مِنْ عُكْلٍ) بضمِّ العين وسكون الكاف، قبيلةٌ من تَيْم الرَّباب (أَوْ) من (عُرَيْنَةَ)

стр. 1094

بالعين (١) والرَّاء المُهمَلتَين، مصغَّرًا، حيٌّ من بجيلة لا من قضاعة، وليس عرينة عكلًا لأنَّهما قبيلتان مُتغايرتَان لأنَّ عُكْلًا من عدنانٍ، وعرينةَ من قحطانٍ، والشَّكُّ من حمَّادٍ، وقال الكِرمانيُّ: ترديدٌ من أنسٍ، وقال الدَّاوديُّ: شكٌّ من الرَّاوي، وللمؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٣٠١٨]: عن وُهيبٍ (٢) عن أيُّوب: «أنَّ رهطًا من عكل»، ولم يشكَّ، وله في «الزكاة» [خ¦١٥٠١] عن شعبةَ عن قَتَادة عن أنسٍ (٣): «أنَّ أُناسًا (٤) من (٥) عُرَيْنَة … » ولم يشكَّ أيضًا، وكذا لـ «مسلمٍ»، وفي «المغازي» [خ¦٤١٩٢]: عن سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة: «أنَّ ناسًا (٦) من عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ … » بالواو العاطفة أيضًا (٧)، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو الصَّوابُ، ويؤيِّده ما رواه أبو عَوانة والطَّبريُّ (٨) من طريق سعيد بن بشيرٍ عن قتادة عن أنسٍ قال: كانوا أربعةً من عُرَيْنَةَ، وثلاثةً من عُكْلٍ، فإن قلت: هذا مخالفٌ لما عند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٣٠١٨] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩]: «أنَّ رهطًا من عكلٍ ثمانيةً» أُجيب باحتمال أن يكون الثَّامن من غير القبيلتين، وإنَّما كان من أتباعهم، وقد (٩) كان قدومهم على رسول الله ﷺ -فيما قاله ابن إسحاق- بعد قَرَد، وكانت في جمادى الآخرة (١٠) سنة ستٍّ، وذكرها

стр. 1095

المؤلِّف بعد «الحديبية» وكانت في ذي القعدة منها، وذكر الواقديُّ: أنَّها كانت في شوَّال منها، وتبعه ابن حبَّان وابن سعدٍ وغيرهما، وللمؤلِّف في «المحاربين» [خ¦٦٨٠٤]: أنَّهم كانوا في الصُّفَّة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل (فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ) بالجيم وواوين، أي: أصابهُم الجوى، وهو: داء الجوف إذا تطاول أو (١) كرهوا الإقامة بها لِمَا أصابهم (٢) فيها من الوخم، أو لم (٣) يوافقهم طعامها، وللمؤلِّف [خ¦٤١٩٢] من رواية سعيد عن قتادة في هذه القصَّة: «فقالوا: يا نبيَّ الله إنَّا كنَّا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف» وله في «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٨٥] من رواية ثابتٍ عن أنسٍ: «أنَّ ناسًا كان بهم سقمٌ، قالوا: يا رسول الله، آوِنا وأطعمنا، فلَمَّا صحُّوا قالوا: إنَّ المدينة وَخِمَةٌ» والظَّاهر أنَّهم قدموا سقامًا من الهزال الشَّديد والجهد من الجوع مصفرةً ألوانُهم، فلَمَّا صحُّوا من السُّقم أصابهم من حمَّى المدينة، فكرهوا الإقامة بها، ولـ «مسلمٍ» عن أنسٍ: وقع بالمدينة المُوْم، بضمِّ الميم وسكون الواو، وهو: ورم الصَّدر، فعظُمَت بطونهم، فقالوا: يا رسول الله إن المدينة وَخِمَةٌ (٤) (فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ) بلامٍ مكسورةٍ، جمع: لَقُوْح وهي (٥): النَّاقة الحَلُوْب كقَلُوْصٍ وقِلَاْصٍ، أي: أمرهم أن يلحقوا بها، وعند المُصنِّف [خ¦٥٦٨٦] في رواية همَّامٍ عن قتادة: «فأمرهم أن يلحقوا براعيه». وعند أبي عَوَانة: أنَّهم بدؤوا بطلب الخروج إلى اللِّقاح، فقالوا: يا رسول الله، قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل، وللمؤلِّف من رواية وُهَيْب [خ¦٣٠١٨]: أنَّهم قالوا: يا رسول الله،

стр. 1096

أبغنا رِسْلًا، أي: اطلب لنا لبنًا، قال: «ما أجد لكم إلَّا أنْ تلحقوا بالذَّود»، وعند ابن سعد (١): أنَّ عدد لقاحه ﷺ كان خمس عشرة، وعند أبي عَوانة: كانت ترعى بذي الجَدْر، بالجيم وسكون الدَّال المُهمَلة: ناحية قباء قريبًا من عين على ستَّة أميال من المدينة (وَ) أمرهم ﵊ (أَنْ يَشْرَبُوا) أي: بالشُّرب (مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَانْطَلَقُوا) فشربوا منهما (٢) (فَلَمَّا صَحُّوا) من ذلك الداء وسمنوا ورجعت إليهم ألوانهم (قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «راعي (٣) رسول الله» (¬ ﷺ ¬) يسارًا النُّوبيَّ، وذلك أنَّهم لمَّا عدوا على اللِّقاح أدركهم ومعه نفرٌ، فقاتلهم، فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشَّوك في لسانه وعينيه (٤) حتَّى مات، كذا في «طبقات ابن سعد» (وَاسْتَاقُوا) من الاستياق، أي: ساقوا النَّعم سوقًا عنيفًا، و (النَّعَمَ) بفتح النُّون والعين، واحد: الأنعام، وهي: الأموال الرَّاعية، وأكثر ما يقع على الإبل، وفي بعض النُّسخ: «واستاقوا إبلهم» (فَجَاءَ الخَبَرُ) عنهم (فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ) رسول الله ﷺ (فِي آثَارِهِمْ) أي: وراءهم الطَّلب، وهم سريَّةٌ وكانوا عشرين، وأميرهم: كُرْز (٥) بن جابرٍ، وعند ابن عقبة: سعيد بن زيدٍ، فأُدرِكوا في (٦) ذلك اليوم فأُخِذوا

стр. 1097

(فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ) إلى النَّبيِّ ﷺ وهم أسارى (فَقَطَعَ) ﵊ (أَيْدِيَهُمْ) جمع: يدٍ، فإمَّا أن يُراد بها أقلّ الجمع، وهو: اثنان كما هو (١) عند بعضهم لأنَّ لكلٍّ منهم يدين، وإمَّا أن يراد التَّوزيع عليهم بأن يقطع من كلِّ واحدٍ منهم يدًا (٢) واحدةً، والجمع في مُقابَلة الجمع يفيد التَّوزيع، وإسناد الفعل فيه إلى النَّبيِّ (٣) ﷺ مجاز، ويشهد له ما ثبت في رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت والحَمُّويي والمُستملي والسَّرخسيِّ: «فأمر بقطع (٤)» وفي فرع «اليونينيَّة»: «فأمر فقطع» أي: أمر بالقطع فقطع أيديهم (وَأَرْجُلَهُمْ) أي: من خلافٍ، كما في آية «المائدة» المُنزَلة في «القضيَّة» كما رواه ابنا جريرٍ وحاتمٍ وغيرهما (وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ) (٥) بضمِّ السِّين، قال المنذريُّ: وتخفيف (٦) الميم، أي: كُحِلَتْ بالمسامير المُحمَّاة (٧)، قال: وشدَّدها بعضهم، والأوَّل أشهر وأوجه، وقيل: سمرت، أي: فقئت، أي: كرواية مسلم: «سُمِل» (٨) باللَّام مبنيًّا للمفعول، أي: فُقِئَت أعينهم فيكونان بمعنًى لقرب مخرج الرَّاء واللَّام. وعند المؤلِّف من رواية وهيب عن أيُّوب، ومن رواية الأوزاعيِّ عن يحيى، كلاهما عن أبي قِلابة: «ثمَّ أمر بمسامير فأُحمِيت فكحَّلهم بها» [خ¦٣٠١٨] وإنَّما فعل ذلك بهم قصاصًا

стр. 1098

لأنَّهم سملوا (١) عَيْنَيّ (٢) الرَّاعي، وليس هو (٣) من المُثلة المنهيِّ عنها (وَأُلْقُوا) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فِي الحَرَّةِ) بفتح الحاء المُهمَلة وتشديد الرَّاء: في (٤) أرضٍ ذات حجارةٍ سودٍ بظاهر المدينة النَّبويَّة، كأنَّها أُحرِقت (٥) بالنَّار، وكان بها الواقعة (٦) المشهورة أيَّام يزيد بن معاوية (يَسْتَسْقُونَ) بفتح أوَّله، أي: يطلبون السَّقي (فَلَا يُسْقَوْنَ) بضمِّ المُثنَّاة وفتح القاف، زاد وهيبٌ والأوزاعيُّ: حتَّى ماتوا، وفي «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٨٥] من رواية أنسٍ: فرأيت رجلًا منهم يكدم الأرض بلسانه حتَّى يموت، ولأبي عَوانة: يكدم الأرض ليجد بردها ممَّا يجد من الحرِّ والشِّدَّة، والمنع من السَّقي مع كون الإجماع على سقيِ من وجب قتله إذا استسقى: إمَّا لأنَّه (٧) ليس بأمره ﷺ ، وإمَّا لأنَّه نهى عن سقيهم لارتدادهم، ففي «مسلمٍ» و «التِّرمذيِّ»: أنَّهم ارتدُّوا عن الإسلام، وحينئذٍ فلا حرمة لهم كالكلب العقور، واحتجَّ بشربهم البول مَنْ قال بطهارته نصًّا في بول الإبل، وقياسًا (٨) في سائر مأكول اللَّحم، وهو قول مالكٍ وأحمد ومحمَّد بن الحسن من (٩) الحنفيَّة وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبَّان والإصطخريِّ والرُّوْيَانيِّ من الشَّافعيَّة، وهو قول الشَّعبيِّ وعطاءٍ والنَّخعيِّ

стр. 1099

والزُّهريِّ وابن سيرين والثَّوريِّ، واحتجَّ له ابن المنذر بأنَّ ترك أهل العلم بيع النَّاس أبعار الغنم في أسواقهم، واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديمًا وحديثًا من غير نكيرٍ، دليلٌ على طهارتهما، وأُجيب بأنَّ المُختلَف فيه لا يجب إنكاره، فلا يدلُّ ترك إنكاره على جوازه فضلًا عن طهارته، وذهب الشَّافعيُّ وأبو حنيفة والجمهور إلى أنَّ الأبوال كلَّها نجسةٌ إلَّا ما عُفِيَ عنه، وحملوا ما في الحديث على التَّداوي، فليس فيه دليلٌ على الإباحة في غير حال الضَّرورة، وحديث أمِّ سُليمٍ المرويُّ عند أبي داود: «إنَّ الله لم يجعل شفاء أمَّتي فيما حُرِّم عليها» محمولٌ على حالة الاختيار، وأمَّا حالة الاضطرار فلا حرمة كالميتة للمضطرِّ، لا يُقال يردُّ عليه قوله ﷺ في الخمر: «إنَّها ليست بدواءٍ، إنَّها داءٌ» في جواب من سأله (١) عن التَّداوي بها كما رواه مسلمٌ لأنَّا نقول: ذلك خاصٌّ بالخمر، ويلتحق به غيره من المسكر، والفرق بين الخمر وغيره من النَّجاسات أنَّ الحدَّ ثبت باستعماله في حالة الاختيار دون غيره، ولأنَّ شربه يجرُّ إلى مفاسدَ كثيرةٍ، وأمَّا أبوالِ الإبل فقد روى ابن المنذر عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «إنَّ في أبوال الإبل شفاءً للذَّرِبة بطونهم»، والذَّرب: فساد المعدة، فلا يُقاس ما ثبت أنَّ فيه دواءً على ما ثبت نفيُ الدَّواء عنه، وظاهرُ قول المؤلِّف في التَّرجمة: «أبوال الإبل والدَّوابِّ» جعل الحديث حجَّةً لطهارة الأرواث والأبوال مُطلَقًا كالظَّاهريَّة (٢)، إلَّا أنَّهم استثنَوا بول الآدميِّ وروثه (٣)، وتُعقِّب بأنَّ القصَّة في أبوال المأكول، ولا يسوغ قياس غير المأكول على المأكول لظهور الفرق، وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى. ورواته الخمسة بصريُّون، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه

стр. 1100

المؤلِّف هنا وفي «المحاربين» [خ¦٦٨٠٤] و «الجهاد» [خ¦٣٠١٨] و «التَّفسير» [خ¦٤٦١٠] و «المغازي» [خ¦٤١٩٢] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩]، ومسلمٌ في «الحدود»، وأبو داود في «الطَّهارة»، والنَّسائيُّ في «المُحارَبة». (قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله: (فَهَؤُلَاءِ) العُرَنيُّون والعكليُّون (سَرَقُوا) لأنَّهم أخذوا اللِّقاح من حِرْز مثلها، ولفظ: «السَّرقة» قاله (١) أبو قلابة استنباطًا (وَقَتَلُوا) الرَّاعي (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) أطلق عليهم: «محاربين» لما ثبت عند أحمد من رواية حُميدٍ عن أنسٍ في أصل الحديث: «وهربوا محاربين»، وقوله: «وكفروا» هو من روايته (٢) عن قتادة (٣) عن أنسٍ في «المغازي» [خ¦٤١٩٢]، وكذا في رواية وهيب (٤) عن أيُّوب في «الجهاد» [خ¦٣٠١٨] في أصل الحديث، فليس قوله: «وكفروا وحاربوا» موقوفًا على (٥) أبي قِلابة، ثمَّ إنَّ قول أبي قِلابة (٦) هذا إن كان من (٧) مقول أيُّوب فهو مُسنَدٌ، وإن كان من مقول المؤلِّف فهو من تعاليقه. ٢٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة آخره مُهمَلةٌ «يزيد بن حُميدٍ» كما في رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ

стр. 1101

يُبْنَى المَسْجِدُ) المدنيُّ (١) (فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ) واستُدِلَّ به على طهارة أبوالها وأبعارها لأنَّ المرابض لا تخلو عنهما (٢)، فدلَّ على أنَّهم كانوا يباشرونها في صلاتهم فلا تكون نجسةً، وأُجيب باحتمال الصَّلاة على حائلٍ، وأُجيب بأنَّهم لم يكونوا يصلُّون على حائلٍ (٣) دون الأرض، وعُورِض بأنَّها شهادة نفيٍ، لكن قد يُقال: إنَّها مستندةٌ إلى الأصل، وأُجيب بأنَّه ﵊ صلَّى في دار أنسٍ على حصيرٍ، كما في «الصَّحيحين» [خ¦٣٨٠]، ولحديث (٤) عائشة الصَّحيح: أنَّه كان يصلِّي على الخُمْرة. ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين خراسانيٍّ وكوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة»، [خ¦٤٢٩] وكذا مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «العلم». (٦٧) (بابُ) حكم (مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ) أي: وقوع النَّجاسات (فِي السَّمْنِ وَالمَاءِ). (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ ممَّا وصله ابن وهبٍ في «جامعه» عن يونس عنه: (لَا بَأْسَ بِالمَاءِ) أي: لا حرج في استعماله في كلِّ حالةٍ، فهو محكومٌ بطهارته (مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ) بكسر الياء، فعلٌ ومفعولٌ، والفاعل قوله (٥): (طَعْمٌ) أي: من شيءٍ نجسٍ (أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ) منه، فإن

стр. 1102

قلت: كيف ساغ جعل (١) أحد الأوصاف الثَّلاثة مُغيِّرًا، على صيغة الفاعل، والمُغيِّر (٢) إنَّما هو الشَّيء النَّجس المخالط للماء، أجيب بأنَّ المُغيَّر في الحقيقة هو الماء، ولكن تغييره لمَّا كان لم يُعلَم إلَّا من جهة أحد أوصافه الثَّلاثة صار هو المُغيِّر (٣)، فهو من باب ذكر السَّبب وإرادة المُسبَّب، ومُقتضى قول الزُّهريِّ: أنَّه لا فرق بين القليل والكثير، وإليه ذهب جماعةٌ من العلماء، وتعقَّبه أبو عُبَيْدٍ في كتاب «الطَّهور» له بأنَّه يلزم منه أنَّ من بال في إبريقٍ ولم يغيِّر للماء وصفًا أنَّه يجوز له التَّطهير به، وهو مُستبشَعٌ (٤)، ومذهب الشَّافعيِّ وأحمد التَّفريق (٥) بالقلَّتين، فما (٦) كان دونهما تنجَّس بملاقاة النَّجاسة، وإن لم يظهر فيه (٧) تغيُّرٌ لمفهوم حديث القلَّتين «إذا بلغ الماء قلَّتين لم يحمل الخبث» صحَّحه ابن حبَّان وغيره، وفي روايةٍ لأبي داود (٨) وغيره بإسنادٍ صحيحٍ: «فإنَّه لا ينجس» وهو المُراد بقوله: «لم يحمل الخبث» أي: يدفع النَّجس ولا يقبله، وهو مُخصِّصٌ لمنطوق حديث (٩): «الماء لا ينجِّسه شيءٌ»، وإنَّما لم يخرِّج المؤلِّف حديث القلَّتين للاختلاف الواقع في إسناده، لكن رواته ثقاتٌ، وصحَّحه جماعةٌ من الأئمَّة إلَّا أنَّ مقدار القلَّتين من الحديث لم يثبت، وحينئذٍ فيكون مُجمَلًا، لكنَّ الظَّاهر أنَّ الشارع إنَّما ترك تحديدهما توسُّعًا، وإلَّا فليس بخافٍ أنَّه (١٠) ﵊ ما خاطب أصحابه إلَّا بما يفهمون، وحينئذٍ فينتفي الإجمال لكن لعدم التَّحديد وقع بين (١١) السَّلف في مقدارهما خلفٌ، واعتبره

стр. 1103

الشَّافعيُّ ﵀ بخمس قِرَبٍ من قرب الحجاز احتياطًا، وقالت (١) الحنفيَّة: إذا اختلطت النَّجاسة بالماء تنجَّس إلَّا أن يكون كثيرًا، وهو الذي إذا حرّك أحد (٢) جانبيه لم يتحرَّك الآخر، وقال المالكيَّة: ليس للماء الذي تحلُّه النَّجاسة قدرٌ معلومٌ، ولكنَّه متى تغيَّر أحد أوصافه الثَّلاثة تنجَّس، قليلًا كان أو كثيرًا، فلو تغيَّر الماء كثيرًا بحيث يسلبه الاسم بطاهرٍ يُستغنى عنه ضرَّ، وإلَّا فلا. (وَقَالَ حَمَّادٌ) بتشديد الميم، ابن أبي سليمان الكوفيُّ شيخ أبي حنيفة ممَّا (٣) وصله عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه»: (لَا بَأْسَ) أي: لا حرج (بِرِيشِ المَيْتَةِ) من مأكولٍ وغيره إذا لاقى الماء لأنَّه لا يغيِّره، أو أنَّه طاهرٌ مُطلَقًا، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة، وقال الشَّافعيَّة (٤): نجسٌ. (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (فِي عِظَامِ المَوْتَى نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ) مما (٥) لم يُؤكَل: (أَدْرَكْتُ نَاسًا) كثيرين (مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ (٦) بِهَا) أي: بعظام الموتى بأن يصنعوا منها مشطًا ويستعملوها (وَيَدَّهِنُونَ) بتشديد الدَّال (فِيهَا) أي: في عظام الموتى بأن يصنعوا

стр. 1104

منها آنية (١) يجعلون فيها الدُّهن (لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا) أي: حرجًا، فلو كان عندهم نجسًا ما استعملوه امتشاطًا وادِّهانًا، وحينئذٍ فإذا وقع عظم الفيل في الماء لا ينجِّسه بناءً على عدم القول بنجاسته، وهو مذهب أبي حنيفة لأنَّه لا تَحلُّه الحياة عنده، ومذهب الشَّافعيِّ أنَّه نجسٌ لأنَّه تحلُّه الحياة، قال تعالى: ﴿قَالَ (٢) مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]، وعند مالكٍ: أنَّه يطهر إذا ذُكِّي، كغيره ممَّا لا (٣) يُؤكَل إذا ذُكِّي، فإنَّه يطهر. (وَقَالَ) محمَّد (بْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ: (لَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ) نَابِ الفيل أو عظمه مُطلَقًا، وأسقط السَّرخسيُّ ذكر «إبراهيم النَّخعيّ» كأكثر الرُّواة عن الفَِرَبْريِّ (٤)، ثمَّ إنَّ أثر ابن سيرين هذا وصله عبد الرَّزَّاق بلفظ: أنَّه كان لا يرى بالتِّجارة في العاج (٥) بأسًا، وهو يدلُّ

стр. 1105

على أنَّه كان يراه طاهرًا لأنَّه كان لا يجيز بيع النَّجس ولا المتنجِّس الذي لا يمكن تطهيره، كما يدلُّ له قصَّته المشهورة في الزَّيت، وإيراد المؤلِّف لهذا كلِّه يدلُّ على أنَّ عنده أنَّ الماء قليلًا كان أو كثيرًا لا ينجس إلَّا بالتَّغيُّر، كما هو مذهب مالكٍ. ٢٣٥ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) زاد الأَصيليُّ: «الزُّهريِّ» (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) زاد ابن عساكر: «ابن عتبة بن مسعودٍ» (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنْ مَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ) بضمِّ السِّين مبنيًّا للمفعول، ويحتمل أن يكون السَّائل ميمونة (عَنْ فَأْرَةٍ) بهمزةٍ ساكنةٍ (سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ) أي: «جامدٍ» كما عند عبد الرَّحمن بن مهديٍّ وأبي داود الطَّيالسيِّ والنَّسائيِّ، «فماتت» كما عند المؤلِّف في «الذَّبائح» [خ¦٥٥٣٨] (فَقَالَ) ﵊: (أَلْقُوهَا) أي: ارموا (١) الفأرة (وَمَا حَوْلَهَا) من السَّمن (فَاطْرَحُوهُ) الجميع (وَكُلُوا سَمْنَكُمْ) الباقي، ويُقاس عليه نحو العسل والدِّبس الجامدين، وسقط للأربعة قوله «فاطرحوه»، وخرج بالجامد الذَّائب، فإنَّه ينجس كلُّه بملاقاة (٢) النَّجاسة ويتعذَّر تطهيره، ويحرم أكله ولا يصحُّ بيعه. نعم يجوز (٣) الاستصباح به والانتفاع به في غير الأكل والبيع، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة لقوله في الرِّواية الأخرى: «فإن كان مائعًا فاستصبحوا به» وحرَّم الحنفيَّة أكله فقط لقوله ﵊: «وانتفعوا به» والبيع من باب

стр. 1106

الانتفاع، ومنع الحنابلة من الانتفاع به مُطلَقًا لقوله في حديث عبد الرَّزَّاق: «وإن كان مائعًا فلا تقربوه». ورواة هذا الحديث السِّتَّة مدنيِّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواية صحابيٍّ عن صحابيَّةٍ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الذَّبائح» [خ¦٥٥٣٨]، وهو من أفراده عن مسلمٍ، وأخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ (١). ٢٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ) بفتح الميم وسكون العين آخره نونٌ، ابن عيسى، أبو يحيى القزَّاز، بالقاف والزَّايين المُعجَمتين أولاهما مُشدَّدةٌ، نسبةٌ لشراء القزِّ، المدنيُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين (٢) ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة (بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنْ مَيْمُونَةَ) ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ) يحتمل أنَّ السَّائل هي: ميمونة، كما يدلُّ عليه (٣) رواية يحيى القطَّان وجويرية عن مالكٍ (٤) في هذا الحديث عند الدَّارقُطنيِّ (عَنْ فَأْرَةٍ) بالهمزة السَّاكنة (سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ) ﵊: (خُذُوهَا) أي: الفأرة (وَمَا حَوْلَهَا) من السَّمن (فَاطْرَحُوهُ) أي: المأخوذ وهو الفأرة وما حولها،

стр. 1107

أي: وكلوا الباقي، كما صرَّح به في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٣٥] فهو من إطلاق اللَّازم وإرادة الملزوم، وفيه أنَّه ينجس وإن لم يتغيَّر، بخلاف الماء، والمُراد «بطرحه» ألَّا يأكلوه، أمَّا الاستصباح فلا بأس به كما مرَّ. وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة. (قَالَ مَعْنٌ) القزَّاز فيما قاله عليُّ بن (١) المدينيِّ بإسناده السَّابق: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ مَا لَا أُحْصِيهِ) بضمِّ الهمزة، أي: ما لا أضبطه (يَقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ) أي: فهو من مسانيد ميمونة برواية ابن عبَّاسٍ كما في «المُوطَّأ» من رواية يحيى بن يحيى، وهو الصَّحيح، وقال الذُّهْليُّ في «الزُّهريَّات»: إنَّه أشهر، وليس هو من مسانيد ابن عبَّاسٍ وإن رواه القعنبيُّ وغيره في «المُوطَّأ»، وأسقط أشهب: ابن عبَّاسٍ، وأسقطه وميمونَة يحيى ابنُ بكيرٍ وأبو (٢) مصعبٍ، ولهذا الاختلاف على مالكٍ في إسناده، ذكر المؤلِّف معنى هذا بعد إسناده و (٣) سياق (٤) حديثه بنزولٍ بالنِّسبة للإسناد السَّابق مع موافقته له في السِّياق. ٢٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن موسى المروزيُّ المعروف: بمَرْدُويَه، بفتح الميم وسكون الرَّاء وضمِّ المُهمَلة وسكون الواو وفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ، ابن

стр. 1108

راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر المُوَحَّدة المُشدَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: كُلُّ كَلْمٍ) بفتح الكاف وسكون اللَّام (يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، ويجوز بناؤه للفاعل، أي: كلُّ جرحٍ يُجرَحه، وأصله: يُكلَم به، فحُذِف الجارُّ وأُضيف إلى الفعل توسُّعًا، وللقابسيِّ وابن عساكر في نسخةٍ: «كلُّ كَلْمَةٍ يُكْلَمها» أي: كلُّ جراحةٍ يُجرَحها المسلم (فِي سَبِيلِ اللهِ) قيدٌ يخرج به: ما إذا وقع الكَلْم في غير سبيل الله، وزاد المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٣]: «والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله» (يَكُونُ) أي: الكَلْم (يَوْمَ القِيَامَةِ) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «تكون» بالمُثنَّاة الفوقيَّة (كَهَيْئَتِهَا) قال الحافظ ابن حجرٍ: أعاد الضَّمير مُؤنَّثًا لإرادة الجراحة. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: ليس كذلك، بل باعتبار الكلمة لأنَّ الكَلْم والكَلْمة مصدران، والجراحة اسمٌ لا يُعبَّر به عن المصدر (إِذْ) بسكون الذَّال، أي: حين (طُعِنَتْ) قال الكِرمانيُّ: المطعون: هو المسلم وهو مُذَّكرٌ، لكن لمَّا أُريد «طُعِن بها» حذف الجارّ ثمَّ أوصل الضَّمير المجرور بالفعل، وصار المنفصل متَّصلًا، وتعقَّبه البرماويُّ بأنَّ التَّاء علامةٌ لا ضميرٌ (١)، فإن أراد الضَّمير المستتر فتسميته متَّصلًا طريقةٌ، والأجود أنَّ الاتِّصال والانفصال وصفٌ للبارز، وفي بعض أصول «البخاريِّ» كـ «مسلمٍ»: «إذا طُعِنْتَ» بالألف بعد الذَّال، وهي ههنا (٢) لمُجرَّد الظَّرفيَّة، أو هي (٣) بمعنى «إذ»، وقد يتقارضان، أو لاستحضار صورة الطَّعن

стр. 1109

لأنَّ الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع نحو: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [فاطر: ٩] يكون بما في معنى المضارع كما فيما نحن فيه (تَفَجَّرُ دَمًا) بفتح الجيم المُشدَّدة، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: هو (١) بضمِّ الجيم من الثُّلاثيِّ، وبفتحها مُشدَّدةً من التَّفعُّل، قال العينيُّ: أشار بهذا إلى جواز الوجهين، لكنَّه مبنيٌّ على مجيء الرِّواية بهما، وأصله: تتفجَّر، فحُذِفت (٢) التَّاء الأولى تخفيفًا (اللَّوْنُ) ولأبي ذَرٍّ: «واللَّون» (لَوْنُ الدَّمِ) يشهد لصاحبه بفضله على بذل نفسه، وعلى ظالمه بفعله (وَالعَرْفُ عَرْفُ) بفتح العين المُهمَلة (٣) وسكون الرَّاء، أي: الرِّيح ريح (المِسْكِ) لينتشر في أهل الموقف إظهارًا لفضله، ومن ثمَّ لا يُغسَل دم الشَّهيد في المعركة ولا يُغسَّل، ولأبي ذَرٍّ: «عرف مسكٍ (٤)»، فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذه التَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ المسك طاهرٌ وأصله نجسٌ، فلمَّا تغيَّر خرج عن حكمه، وكذا الماء إذا تغيَّر خرج عن حكمه، أو أنَّ دم الشَّهيد لمَّا انتقل بطيب الرَّائحة من النَّجاسة، حتَّى حُكِمَ له في الآخرة بحكم المسك الطَّاهر، وجب أن ينتقل الماء الطَّاهر بخبث الرَّائحة إذا حلَّت (٥) فيه نجاسةٌ من حكم الطَّهارة إلى النَّجاسة، وتُعقِّب بأنَّ الحكم المذكور في دم الشَّهيد من أمور الآخرة، والحكم في الماء بالطَّهارة والنَّجاسة من أمور الدَّنيا

стр. 1110

فكيف يُقاس عليه؟ انتهى. أو (١) أنَّ مُراد المؤلِّف تأكيد مذهبه، أنَّ الماء لا ينجس بمُجرَّد المُلاقاة ما لم يتغيَّر، فاستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ تبدَّل الصِّفة يؤثِّر في الموصوف، فكما أنَّ تغيُّر صفة الدَّم بالرَّائحة الطَّيِّبة أخرجه من الذَّمِّ إلى المدح، فكذلك تغيُّر صفة الماء إذا تغيَّر بالنَّجاسة يخرجه عن صفة الطَّهارة إلى النَّجاسة، وتُعقِّب بأنَّ الغرض إثبات انحصار التَّنجُّس بالتَّغيُّر (٢)، وما ذُكِرَ يدلُّ على أنَّ التَّنجُّس (٣) يحصل بالتَّغيُّر، وهو وفاقٌ، لا أنَّه لا يحصل إلَّا به، وهو موضع (٤) النِّزاع، وبالجملة فقد وقع للنَّاس أجوبةٌ عن هذا الاستشكال (٥)، وأكثرها بل كلُّها مُتعقَّبٌ، والله أعلم. وسيأتي مزيد البحث في هذا الحديث إن شاء الله تعالى في «باب الجهاد» [خ¦٢٨٠٣]. ورواته الخمسة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ ويمانيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٣]، وكذا مسلمٌ (٦). (٦٨) (بابُ المَاءِ الدَّائِمِ) بالجرِّ صفةٌ للمُضاف إليه، أي: الرَّاكد، ولفظ: «الباب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ، ولابن عساكر: «باب البول في الماء الدَّائم» وللأَصيليِّ: «باب (٧) لا تبولوا في الماء الدائم».

стр. 1111

٢٣٨ - ٢٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) بتخفيف الميم، الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ) وللأَصيليِّ: «قال: سمعت» ولابن عساكر: «يقول: سمعت» (رَسُولَ اللهِ) ولابن عساكر: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) بكسر الخاء، أي: المُتأخِّرون في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) أي: المُتقدِّمون في الآخرة. (وَبِإِسْنَادِهِ) أي: إسناد هذا الحديث السابق (قَالَ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ)

стр. 1112

بالمُهمَلة: الرَّاكد (١) القليل الغير القلَّتين، فإنَّه يَتَنَجَّسْ وإن لم يتغيَّر، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وقال المالكيَّة: لا ينجس (٢) إلَّا بالتَّغيُّر، قليلًا كان أو كثيرًا، جاريًا كان الماء أو راكدًا لحديث: «خلق اللهُ الماءَ طهورًا (٣) لا ينجِّسه شيءٌ … » الحديثَ (٤)، وعند الحنفيَّة: ينجس إذا (٥) لم يبلغ الغدير العظيم، وهو (٦) الذي لا يتحرَّك أحد أطرافه بتحرُّك أحدها (٧)، وعن (٨) أحمد روايةٌ صحَّحوها: في غير بول الآدميِّ وعذرته المائعة، فأمَّا هما فينجِّسان الماء وإن كان قلَّتين فأكثر (٩) على المشهور ما لم يكثر، أي: بحيث لا يمكن نزحه، وقوله: (الَّذِي لَا يَجْرِي) قِيلَ: هو تفسيرٌ لـ «الدَّائم» وإيضاحٌ لمعناه، وقِيلَ: احترز به عن الماء الدَّائر لأنَّه جارٍ من حيث الصُّورة، ساكنٌ من حيث المعنى، وقال ابن الأنباريِّ: «الدَّائم» من حروف الأضداد، يقال للسَّاكن والدَّائر، ويطلق (١٠) على البحار والأنهار الكبار التي (١١) لا ينقطع ماؤها: أنَّها دائمة، بمعنى: أنَّ ماءها غير منقطع، وقد اتفق على أنَّها غير مرادة هنا، وعلى هذين القولين، فقوله: الذي لا يجري صفة مخصِّصةٌ لأحد معنيي المُشتَرك، وهذا أولى من حمله على التَّوكيد الذي الأصل عدمه، ولا يخفى

стр. 1113

أنَّه لو لم يقل: الذي لا يجري لكان مجملًا بحكم الاشتراك الدَّائر بين الدَّائر والدَّائم، وحينئذٍ (١) فلا يصحُّ الحمل على التَّأكيد، أو احترز (٢) به عن راكد يجري بعضه كالبرك (ثُمَّ) هو (يَغْتَسِلُ فِيهِ) أو يتوضَّأ وهو (٣) بضمِّ اللَّام على المَشهُور في الرِّواية، وجوَّز ابن مالكٍ في «توضيحه» صحَّة الجزم عطفًا على: «يبولن» المَجزُوم موضعًا بـ «لا» النَّاهية، ولكنَّه فُتِحَ بناءً؛ لتأكيده بالنُّون، والنَّصب على إضمار «أَنْ» إعطاءً لـ «ثم» حُكْمَ واوِ الجمع، وتعقَّبه القرطبيُّ في «المفهم»، والنَّوويُّ في «شرح مسلم» بأنَّه يقتضي أنَّ النَّهيَ للجمع بينهما (٤)، ولم يقله أحدٌ، بل البول منهيٌّ عنه أراد الغسل منه أو لا، وقال ابن هشامٍ: أجاز ابن مالكٍ الثَّلاثة، فتوهَّم تلميذه النَّوويُّ من قوله: «فأُعطِيَ حكم واو الجمع» أنَّ المراد إعطاء حكمها في معنى الجمع، فقال: لا يجوز بالنَّصب لأنَّه يقتضي أنَّ المَنهيَّ عنه الجمع بينهما دونَ إفراد أحدهما -إلى آخره- وإنَّما أراد ابن مالكٍ إعطاءها حكمها في النَّصب لا في المعيَّة (٥)، وأجاب ابن دقيق العيد بأنَّه لا يلزم أن يدلَّ على الأحكام المتعددة لفظٌ واحدٌ، فيُؤخَذ النَّهيُ عن الجمعِ بينهما من هذا الحديث، إن ثبتت رواية النَّصب، ويؤُخَذ النَّهي عن الإفراد من حديث آخر. انتهى. يعني كحديث مسلم عن جابر مرفوعًا: نهى عن البول في الماء الرَّاكد، وقال القرطبيُّ أبو العبَّاسِ: لا يحسن النَّصب (٦) لأنَّه لا يُنصَب بإضمار «أن» بعد «ثمَّ»،

стр. 1114

وقال أيضًا: إنَّ الجزم ليس بشيء إذ لو أراد ذلك لقال: ثمَّ (١) لا يغتسلنَّ لأنَّه إذ ذاك يكون عطف فعلٍ على فعلٍ، لا عطف جملةٍ على جملةٍ، وحينئذٍ يكون الأصل مساواة (٢) الفعلين في النَّهي عنهما (٣) وتأكيدهما بالنُّون المشدَّدة (٤)، فإنَّ المحلَّ الذي تواردا (٥) عليه شيءٌ واحدٌ وهو «الماء»، فعدوله عن «ثم لا يغتسلنَّ (٦)» إلى (٧) «ثمَّ يغتسل» دليل على أنَّه لم يُرِد العطفَ، وإنَّما جاء «ثمَّ يغتسل» على التَّنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنَّه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه (٨) استعمالُه لِمَا وقع فيه من البول، وتعقَّبه الزَّينُ العراقيُّ بأنَّه لا يلزم من (٩) عطف النَّهي على النَّهي ورود التَّأكيد فيهما معًا، كما (١٠) هو معروفٌ في العربيَّة، قال (١١): وفي رواية أبي داود: «لا يغتسل فيه من الجنابة» فأتى بأداة النَّهيِ ولم يؤكِّده (١٢)، وهذا كلُّه محمولٌ على القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حدِّ القليل، وقد تقدَّم قول من لا يعتبر إلَّا التَّغيُّر وعدمه، وهو قويٌّ (١٣)، لكنَّ التَّفصيل بـ «القلَّتين» أقوى لصحَّة الحديث فيه، وقد نُقِل عن مالك أنَّه حمل النَّهيَ على التَّنزيه فيما لا يتغيَّر، وهو قول الباقين في الكثير، وقد وقع في رواية ابن عُيَيْنَة عن أبي الزِّناد: «ثمَّ يغتسل منه» -بالميم- بدل: «فيه»، وكلٌّ منهما يفيد حكمًا بالنَّصِّ وحكمًا بالاستنباط، فلفظة: «فيه» -بالفاء- تدلُّ على منع الانغماس بالنَّصِّ، وعلى منع التَّناول بالاستنباط، ولفظة (١٤): «منه» -بالميم - بعكس (١٥) ذلك، وكلُّ

стр. 1115

ذلك (١) مبنيٌّ على أنَّ الماء ينجس بملاقاة النَّجاسة، فإن قلت: ما وجه دخول «نحن الآخرون» في التَّرجمة؟ وما المناسبة بين أوَّل الحديث وآخره (٢)؟ أُجيْب باحتمال أن يكون أبو هريرة سمعه من النِّبيِّ ﷺ مع ما بعده في نسقٍ واحدٍ، فحدَّث بهما جميعًا، وتبعه المؤلِّف، ويحتمل أن يكون همَّامٌ فعل ذلك وأنَّه (٣) سمعهما من أبي هريرة، وإِلَّا فليس في الحديث مناسبة للتَّرجمة، وتُعقِّب بأنَّ البخاريَّ إنَّما ساق الحديث من طريق الأعرج عن أبي هريرة لا من طريق همَّامٍ، فالاحتمال الثَّاني ساقطٌ، وقال في «فتح الباري»: والصَّواب أنَّ البخاريَّ في الغالب يذكر الشَّيء كما سمعه جملةً لتضمُّنه موضع الدَّلالة المطلوبة منه، وإن لم يكن باقيه مقصودًا. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالإفراد والجمع والإخبار والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٦٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أُلْقِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعله (عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ) بالذَّال المُعجَمَة المَفتُوحة، مرفوعٌ لكونه نائبًا عن الفاعل، أي: شيءٌ نجسٌ (أَوْ جِيفَةٌ) بالرَّفع عطفًا على السَّابق، وهي: جثَّةُ الميْتَة المريحة (٤) (لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ) جواب «إذا» (وَكَانَ)

стр. 1116

ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قال: وكان» (ابْنُ عُمَرَ) ﵄ ممَّا وصله ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» بإسنادٍ صحيحٍ (إِذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهُوَ يُصَلِّي وَضَعَهُ) أي: ألقاه عنه (وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ) ولم يذكر فيه إعادة الصَّلاة، ومذهب الشَّافعيِّ وأحمد: يعيدها، وقيَّدها مالك بالوقت، فإن خرج فلا قضاء. (وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّب) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة، واسمه: سعيدٌ (١) (وَالشَّعْبِيُّ) بفتح الشِّين، عامرٌ (٢) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة بأسانيد مُفرَّقَة (٣): (إِذَا صَلَّى) المرء (وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ) لم يعلمه (٤)، وللمُستملي والسَّرخسيِّ: «وكان ابن المُسيَّب والشَّعبيُّ إذا صلَّى» أي: كلُّ واحد منهما، وفي ثوبه دم (أَوْ جَنَابَةٌ) أي: أثرها، وهو: المنيُّ، وهو مُقيَّدٌ عند القائل بنجاسته بعدم العلم كالدَّم (أَوْ لِغَيْرِ القِبْلَةِ) إذا كان باجتهاد ثمَّ أخطأ (أَوْ تَيَمَّمَ) عند عدم الماء (وَصَلَّى) وللهرويِّ والأَصيليِّ وابن عساكرٍ: «فصلَّى» (ثُمَّ أَدْرَكَ المَاءَ فِي وَقْتِهِ) أي: بعد أن فرغ (لَا يُعِيدُ) الصَّلاة، أمَّا الدَّمُ فيُعْفَى عنه إذا كان قليلًا من أجنبيٍّ، ومُطلَقًا من نفسه، وهو مذهب الشَّافعيِّ، وأمَّا القبلة فعند الثَّلاثة والشَّافعيِّ في «القديم»: لا يُعيد، وقال في «الجديد»: تجب الإعادة، وأمَّا التَّيَمُّم فعدم وجوب الإعادة بعد الفراغ من الصَّلاة، قول الأئمَّة الأربعة وأكثر السَّلف.

стр. 1117

٢٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بن عثمانَ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفرادِ (أَبِي) عثمان بن جَبَلة، بفتح الجيم والمُوَحَّدة (عَن شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيِّ، بفتح المُهمَلة وكسر المُوَحَّدة، الكوفيِّ التَّابعيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الكوفيِّ الأوديِّ، بفتح الهمزة وبالدَّال المُهمَلة، أدرك النَّبيَّ ﷺ ولم يرَه، وحجَّ مئة حجَّةٍ وعمرةٍ، وتُوفِّي سنة خمسٍ وسبعين (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ، وفي روايةٍ: «قال عبد الله»: (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ، وأصله: «بين» أُشبِعت فتحة النُّون فصارت ألفًا، وعاملُه «قال» في قوله بعد ذلك: «إذ قال بعضهم لبعضٍ» (رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ) بقيَّته من رواية عبدان المذكورة [خ¦٣١٨٥]: «وحوله ناسٌ من قريشٍ من المشركين»، ثمَّ ساق الحديث مُختصَرًا. (ح) مُهمَلةٌ لتحويل الإسناد -

стр. 1118

كما مرَّ- ولابن عساكر: «قال» أي: البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «وحدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) بن حَكِيمٍ، بفتح الحاء وكسر الكاف، الأوديُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ستِّين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بضمِّ الشِّين المُعجَمَة (١) وفتح الرَّاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُهمَلةٌ، وابن مَسْلَمة، بفتح الميم واللَّام وسكون المُهمَلة، التَّنُّوخيُّ، بالمُثنَّاة الفوقيَّة والنُّون المُشدَّدة والخاء المُعجَمَة، كذا ضبطه الكِرمانيُّ -فالله أعلم- المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) السَّبيعيُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين ومئةٍ (٢) (عَنْ أَبِيهِ) يوسف بن إسحاق (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّابق قريبًا (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عن عبد الله بن مسعود» أنَّه (٣) (حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ) العتيق (وَأَبُو جَهْلٍ) عمرو بن هشامٍ المخزوميُّ، عدوُّ الله (وَأَصْحَابٌ) كائنون (لَهُ) أي: لأبي جهلٍ، وهم السَّبعة المدعوُّ عليهم بعدُ (٤) كما بيَّنه البزَّار (جُلُوسٌ) خبر المُبتدَأ الذي هو: «أبو جهلٍ» وما عُطِف عليه، والجملة في موضع نصبٍ على الحال (إِذْ قَالَ) ولابن عساكر: «جلوسٌ قال» (بَعْضُهُمْ) أي: أبو جهلٍ كما في «مسلمٍ» (لِبَعْضٍ) زاد مسلمٌ في روايته: «وقد نُحِرت جزورٌ بالأمس»: (أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ) بفتح السِّين المُهمَلة مقصورًا وهو الجلدة التي يكون فيها ولد البهائم كالمشيمة للآدميَّات، أو يُقال فيهنَّ أيضًا، و «جَزُورٌ» بفتح الجيم وضمِّ الزَّاي، يقع على الذَّكر والأُنثى، وجمعه:

стр. 1119

جُزُرٌ، وهو (١) بمعنى: المجزور من الإبل، أي: المنحور، وزاد في رواية إسرائيل هنا [خ¦٥٢٠]: فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها (فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ) عُقبة بن أبي مُعَيطٍ -بمُهمَلتين مُصغَّرًا- أي: بعثته نفسه الخبيثة من دونهم فأسرع السَّير، وإنَّما كان أشقاهم مع أنَّ فيهم أبا جهلٍ (٢)، وهو أشدُّ كفرًا منه وإيذاءً للرَّسول ﵊ لأنَّهم اشتركوا في الكفر والرِّضا، وانفرد عقبة بالمُباشَرة فكان أشقاهم، ولذا قُتِلوا في الحرب وقُتِل هو صبرًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والسَّرخسيِّ: «فانبعث أشقى قومٍ» بالتَّنكير، وفيه مُبالَغةٌ، يعني: أشقى كلِّ قومٍ من أقوام الدُّنيا، ففيه مُبالَغةٌ ليست في المعرفة، لكنَّ المقام يقتضي التَّعريف لأنَّ الشَّقاء هنا بالنِّسبة إلى أولئك القوم فقط، قاله ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ التَّنكير أَوْلى لِمَا فيه من المُبالَغة لأنَّه يدخل بها (٣) هنا دخولًا ثانيًا بعد الأوَّل، قال: وهذا القائل -يعني ابن حجرٍ- ما أدرك هذه النُّكتة (فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ) المُقدَّس (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) قال عبد الله بن مسعودٍ: (وَأَنَا أَنْظُرُ) أي: أشاهد تلك الحالة (لَا أُغْنِي) في كفِّ شرِّهم، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «لا أغيِّر» أي: لا أغيِّر من فعلهم (شَيْئًا، لَوْ كَانَ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «لو كانت» (لِي مَنَْعَةٌ) بفتح النُّون وسكونها، أي: لو كانت لي قوَّةٌ أو جمعٌ مانعٌ لطرحته عن رسول الله ﷺ ، وإنَّما قال ذلك لأنَّه لم يكن له بمكَّة عشيرةٌ لكونه هذليًّا حليفًا، وكان حلفاؤه إذ ذاك كفَّارًا (قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ) استهزاءً -قاتلهم الله- (وَيُحِيلُ) بالحاء المُهمَلة (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: ينسب بعضهم فعل ذلك إلى بعضٍ بالإشارة تهكُّمًا، ولـ «مسلم»: ويميل بعضهم على بعضٍ، بالميم (٤)، أي:

стр. 1120

من كثرة الضَّحك (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْهُ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «جاءت» (فَاطِمَةُ) ابنته ﵇ ورضي الله عنها، سيِّدة نساء هذه الأمَّة، ومناقبها جمَّةٌ، وتُوفِّيت -فيما حكاه ابن عبد البرِّ- بعده ﷺ بستَّة أشهرٍ إلَّا ليلتين، وذلك يوم الثُّلاثاء لثلاث ليالٍ (١) خلت من شهر رمضان، وغسَّلها عليٌّ على الصَّحيح ودفنها ليلًا بوصِّيتها له في ذلك، لها في «البخاريِّ» حديثٌ واحدٌ، زاد إسرائيل [خ¦٥٢٠]: «وهي جويريَّة، فأقبلت تسعى، وثبت النَّبيُّ ﷺ ساجدًا» (فَطَرَحَتْ) ما وضعه أشقى القوم (عَنْ ظَهْرِهِ) المقدَّس (٢)، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فطرحته» بالضَّمير المنصوب، زاد إسرائيل: «فأقبلت عليهم تسبُّهم»، وزاد البزَّار: «فلم يردُّوا عليها شيئًا» (فَرَفَعَ) ﵊ (رَأْسَهُ) من السُّجود، واستُدِلَّ به على أنَّ من حدث له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداءً لا تبطل صلاته ولو تمادى، وعلى هذا ينزل كلام المؤلِّف: فلو كانت نجاسةٌ وأزالها في الحال ولا أثر لها صحَّت اتِّفاقًا، وأجاب الخطَّابيُّ بأنَّه لم يكن إذ ذاك حكمٌ بنجاسة ما أُلقِي عليه كالخمر فإنَّهم كانوا يلاقون بثيابهم وأبدانهم الخمر قبل نزول التَّحريم. انتهى. ودلالته على طهارة فرث ما أُكِلَ لحمه ضعيفةٌ لأنَّه لا ينفكُّ عن دمٍ، بل صرَّح به في رواية إسرائيل، ولأنَّه ذبيحة عبدة الأوثان، وأجاب النَّوويُّ بأنَّه ﵊ لم يعلم ما وُضِع على ظهره فاستمرَّ مستصحبًا للطَّهارة، وما ندري (٣) هل كانت الصَّلاة (٤) واجبةً حتَّى تُعاد على الصَّحيح، أو لا فلا تُعاد؟ ولو وجبت الإعادة (٥) فالوقت مُوسَّعٌ، وتُعقِّب بأنَّه ﵊ أحسَّ بما أُلقِي على ظهره من كون فاطمة ذهبت به قبل أن يرفع رأسه، وأُجيب بأنَّه لا يلزم من إزالة فاطمة إيَّاه عن ظهره إحساسه ﵊ به (٦) لأنَّه كان إذا دخل في الصَّلاة استغرق باشتغاله بالله ، ولئن سلَّمنا (٧) إحساسه به فقد يحتمل أنَّه لم يتحقَّق نجاسته لأنَّ شأنه أعظم من أن يمضيَ في صلاته وبه نجاسةٌ. انتهى. ولابن عساكر: «فرفع رسول الله ﷺ رأسه» (ثُمَّ قَالَ)

стр. 1121

ولابن عساكر: «وقال» ووقع عند البزَّار من حديث الأجلح: فرفع رسول الله ﷺ (١) رأسه كما كان يرفعه (٢) عند تمام سجوده، فلمَّا قضى صلاته قال: (اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) أي: بإهلاك كفَّارهم، أو من سمَّى منهم بَعْد، فهو عامٌّ أُرِيد به الخصوص (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) كرَّره إسرائيل في روايته لفظًا لا عددًا، وزاد مسلمٌ في رواية زكريَّا: «وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا» (فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ) في «مسلمٍ»: «فلمَّا سمعوا صوته ﷺ ذهب عنهم الضَّحك وخافوا دعوته» (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ: (وَكَانُوا يُرَوْنَ) بضمِّ أوَّله على المشهور، وبفتحه قاله البرماويُّ، وقال الحافظ ابن حجرٍ بالفتح في روايتنا من الرَّأي، أي: يعتقدون، وفي غيرها بالضَّمِّ، أي: يظنُّون (أَنَّ الدَّعْوَةَ) ولابن عساكر: «يرون الدَّعوة» (فِي ذَلِكَ البَلَدِ) الحرام (مُسْتَجَابَةٌ) أي: مُجابةٌ، يُقال: «استجاب» و «أجاب» بمعنًى واحدٍ، وما كان اعتقادهم إجابة الدَّعوة إلَّا من جهة المكان، لا من خصوص دعوة النَّبيِّ ﷺ ، ولعلَّ ذلك يكون ممَّا بقي عندهم من شريعة الخليل ﵊ (ثُمَّ سَمَّى) النَّبيُّ ﷺ ، أي: عيَّن في دعائه، وفصَّل ما أجملَ قَبْلُ، فقال: (اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ) اسمه: عمرو بن هشامٍ، ويُعرَف بابن الحنظليَّة، فرعون هذه الأمَّة، وكان أحول مأبونًا

стр. 1122

(وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) بفتح الرَّاء في الثَّاني، وضمِّ العين المُهمَلة وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة في الأوَّل (وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) أخي عتبة (وَالوَلِيدِ) هو ولد المذكور بعد أبي جهلٍ (١) (بْنِ عُتْبَةَ) بفتح الواو وكسر اللَّام، و «عُتْبة» بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وفي «مسلمٍ»: عقبة (٢) بالقاف، واتَّفقوا على أنَّه وهمٌ من ابن سفيان راوي مسلمٍ (وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ) في رواية شعبة: «أو أُبيَّ بن خلفٍ» شكَّ شعبة (وَعُقْبَةَ) بالقاف (بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ) بضمِّ الميم وفتح المُهمَلة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة (وَعَدَّ) النَّبيُّ ﷺ أو عبد الله بن مسعودٍ أو عمرو بن ميمونٍ (السَّابِعَ فَلَمْ نحْفَظْهُ (٣)) بنونٍ، أي: نحن، أو بياءٍ، فاعله: بن مسعودٍ أو عمرو بن ميمونٍ. نعم ذكره المؤلِّف في موضعٍ آخر [خ¦٥٢٠]: عمارة بن الوليد بن المغيرة، وذكره البرقانيُّ وغيره، ووقع في رواية الطَّيالسيِّ عن شعبة في هذا الحديث: أنَّ ابن مسعودٍ قال: ولم أرَه دعا عليهم إلَّا يومئذٍ، وإنَّما استحقُّوا الدُّعاء حينئذٍ لِمَا أقدموا (٤) عليه من التَّهكُّم حال عبادته لربِّه تعالى، وإلَّا فحلمه عمَّن آذاه لا يخفى (قَالَ) ابن مسعودٍ: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) ولابن عساكر: «في يده» أي: قدرته (لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «الذي» (عَدَّ) بحذف المفعول، أي: عدَّهم (رَسُولُ اللهِ ﷺ

стр. 1123

صَرْعَى) جمع: صريعٍ، بمعنى: مصروعٍ، مفعولٌ ثانٍ لـ «رأيت» (فِي القَلِيبِ) بفتح القاف وكسر اللَّام: البئر قبل أن تُطوَى، أوِ العادية القديمة (قَلِيبِ بَدْرٍ) بالجرِّ، بدلٌ من قوله: «في القليب» ويجوز الرَّفع بتقدير «هو»، والنَّصب بـ «أعني»، لكنَّ الرِّواية بالجرِّ، وإنَّما أُلقوا في القليب تحقيرًا لشأنهم، ولئلَّا يتأذَّى النَّاس برائحتهم، لا أنَّه دَفْنٌ لأنَّ الحربيَّ لا يجب دفنه، وكان القاتل لأبي جهلٍ: «معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء» كما في «الصَّحيحين» [خ¦٣١٤١] ومرَّ عليه ابن مسعودٍ وهو صريعٌ، فاحتزَّ رأسه وأتى به رسول الله ﷺ ، وأمَّا عتبة بن ربيعة فقتله حمزة أو عليٌّ، وأمَّا شيبة بن ربيعة فقتله حمزة أيضًا، وأمَّا الوليد بن (١) عتبة -بالتَّاء- فقتله عُبيدة -بضمِّ العين- ابن الحارث، أو عليٌّ، أو حمزة، أو اشتركا، وأمَّا أميَّة بن خلفٍ فعند ابن عقبة: قتله رجلٌ من الأنصار من بني مازنٍ، وعند ابن إسحاق: معاذ بن عفراء وخارجة بن زيدٍ وخُبَيْب بن إسافٍ اشتركوا في قتله، وفي «السِّيَر» من حديث عبد الرَّحمن بن عوفٍ: أنَّ بلالًا خرج إليه ومعه نفرٌ من الأنصار فقتلوه، وكان بدينًا فانتفخ، فألقوا عليه التُّراب حتَّى غيَّبه، وأمَّا عقبة بن أبي معيطٍ فقتله عليٌّ أو عاصم بن ثابتٍ، والصَّحيح: أنَّ رسول الله ﷺ قتله بعرق الظَّبية، وأمَّا عمارة بن الوليد فتعرَّض لامرأة النَّجاشيِّ، فأمر ساحرًا فنفخ في إحليله عقوبةً له

стр. 1124

فتوحَّش وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر بأرض الحبشة. ورواة هذا الحديث العشرة كوفيُّون سوى عبدان وأبيه، فإنَّهما مروزيَّان، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالإفراد والعنعنة، وقرن رواية عبدان برواية أحمد بن عثمان -مع أنَّ اللَّفظ لرواية أحمد- تقوية لروايته (١) برواية (٢) عبدان؛ لأنَّ في رواية إبراهيم بن يوسف مقالًا، وفي رواية أحمد التَّصريح بالتَّحديث لأبي إسحاق من (٣) عمرو بن ميمونٍ، ولعمرٍو من (٤) عبد الله بن مسعودٍ، وأخرجه المؤلِّف في «الجزية» [خ¦٣١٨٥] أيضًا وفي «الشُّعب» [خ¦٣٨٥٤] وفي «الصَّلاة» [خ¦٥٢٠] وفي «الجهاد» [خ¦٢٩٣٤] و «المغازي» [خ¦٣٩٦٠]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و «السِّير». (٧٠) (بابُ البُزَاقِ) بالزَّايِ للأكثر، وبالصَّاد قال ابن حجرٍ: وهي روايتنا، وبالسِّين وضُعِّفت، والباء مضمومةٌ في الثَّلاث (٥) وهو ما يسيل (٦) من الفم (وَالمُخَاطِ) بضمِّ الميم، والجرُّ عطفًا على المُضاف إليه وهو ما يسيل من الأنف (وَنَحْوِهِ) بالجرِّ -أيضًا- عطفًا على سابقه، أي: ونحو كلٍّ

стр. 1125

منهما، كالعرق الكائن (فِي الثَّوْبِ) أي: والبدن ونحوه، هل يضرُّ أم لا؟ (وقَالَ عُرْوَةُ) ابن الزُّبير، التَّابعيُّ، فقيه المدينة ممَّا وصله المؤلِّف في قصَّة «الحديبية» في الحديث الآتي -إن شاء الله تعالى- في «الشُّروط» [خ¦٢٧٣٢] (عَنِ المِسْوَرِ) بكسر الميم وسكون السِّين المُهمَلة وفتح الواو آخره راءٌ، ابن مَخْرمة، بفتح الميم وسكون المُعجَمَة، الصَّحابيّ (وَمَرْوَانَ) بن الحكم، بفتح الحاء والكاف، الأمويِّ، وُلِدَ في حياته ﷺ ولم يسمع منه لأنَّه خرج طفلًا مع أبيه الحكم إلى الطَّائف لمَّا نفاه ﷺ إليها لأنَّه كان يفشي سرَّه، فكان فيه (١) حتَّى استُخِلف عثمان، فردَّه إلى المدينة، وكان إسلام الحكم يوم «الفتح»، وحينئذٍ فيكون حديث مروان مُرسَل صحابيٍّ، وهو حجَّةٌ -لا سيَّما- وهو (٢) مع رواية المِسْوَر تقويةً لها وتأكيدًا (خَرَجَ النَّبِيُّ) ولأبَوي ذَرٍّ والوقت: «رسول الله» (¬ ﷺ زَمَنَ) وللأَصيليِّ: «في زمن» (حُدَيْبِيَةَ) وللهرويِّ (٣) والأَصيليِّ وابن عساكر: «الحديبيَة» وهي بتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة الثَّانية، عند الشَّافعيِّ مُشدَّدةٌ عند أكثر المحدِّثين: قريةٌ على مرحلةٍ من مكَّة، سُمِّيت ببئرٍ هناك، أو شجرةٌ حدباء كانت (٤) تحتها بيعة الرِّضوان (فَذَكَرَ) عروة (٥) (الحَدِيثَ) الآتي -إن شاء الله تعالى- مسندًا في قصَّة «الحديبية» [خ¦٢٧٣٢] وفيه: (وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً) أي: ما رمى بنخامةٍ (٦) زمن الحديبية أو مُطلَقًا (إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ) أي:
следующие страницы →