فهو حرام أيضًا، وإن كان فثلاثة أوجه أصحُّها إن فعلَتْه بإذن الزَّوج أو السَّيِّد جاز. وقال مالكٌ والطَّبريُّ والأكثرون: الوصلُ ممنوع بكلِّ شيءٍ شعرٍ، أو صوفٍ، أو خِرَق (١)، أو غيرها، واحتجُّوا بالأحاديث. وعند مسلم من روايةِ قتادة عن سعيد ينهى عن الزُّور. قال قتادة: يعني ما يُكثِّر (٢) به النِّساء أشعارهنَّ من الخِرَق. ويؤيِّدُه حديث جابر (٣) عند مسلم: «زجرَ رسول الله ﷺ أن تصلَ المرأةُ بشعرها شيئًا». وذهب اللَّيث ونقله أبو عُبيد عن كثير من الفقهاء أنَّ الممتنع من ذلك وصل الشَّعر بالشَّعر، أمَّا إذا وصلت بغيره من خِرقة وغيرها، فلا يدخلُ في النَّهي. وعن سعيد بن جبير ممَّا روي في «سنن أبي داود» قال: لا بأس به بالقَرَامل، وبه قال أحمد وكثيرٌ من العلماء، وهي (٤) جمع قَرْمل -بفتح القاف وسكون الراء- نبات طويل الفروع ليِّن، والمراد به هنا خيوط الشَّعر من حريرٍ أو صوفٍ تعمل ضفائر تصلُ بها المرأة شعرها، وذلك لما (٥) لا يخفَى أنَّها مستعارةٌ فلا يظنُّ بها تغيير الصُّورة، وكما يحرم على المرأة الزِّيادة في شعرِ رأسها يحرم عليها حلقه لغيرِ ضرورة.
وهذا الحديث عليه رقم علامة السُّقوط لأبي ذرٍّ في الفرع.
(٨٤) (بابُ) ذمِّ النِّساء (المُتَنَمِّصَاتِ) بالصاد المهملة، جمع متنمِّصة. قال القاضي عياضٌ: النَّامصة الَّتي تنتف الشَّعر من وجههَا ووجه غيرها، والمتنمِّصة الَّتي تطلبُ أن يفعلَ بها ذلك، والنِّماص إزالةُ شعرِ الوجه بالمِنقاش ويسمَّى المِنقاش مِنْماصًا.
стр. 10607
٥٩٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) هو النَّخعيُّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس النَّخعيِّ، أنَّه (قَالَ: لَعَنَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ﵁ النِّساء (الوَاشِمَاتِ) اللَّاتي يشمْنَ أنفسهنَّ أو غيرهنَّ (وَ) النِّساء (المُتَنَمِّصَاتِ) اللَّاتي يطلبنَ ذلك ويفعل بهنَّ، وقيل: إنَّ النِّماص مختصٌّ بإزالةِ شعرِ الحاجبين ليرقِّقَهما (١) أو ليسويهما. قال أبو داود في «السنن»: النَّامصة الَّتي تنمصُ (٢) الحاجب حتَّى تُرِقَّه. فلو كانت مقرونةَ الحواجبِ فأزالتْ ما بينهما تُوهِمُ البَلَجَ أو عكْسَه. قال الطَّبريُّ: لا يجوز. وقال النَّوويُّ: يُستثنى من النِّماص ما إذا نبت للمرأةِ لحيةٌ أو شاربٌ أو عنفقةٌ فلا يحرم إزالتُها بل يستحبُّ. انتهى. لكن قيَّده بعضُهم بما (٣) إذا كان بعلم الزَّوج وإذنهِ، فمتى خلا عن ذلك مُنِع للتَّدليس. وقال بعضُ الحنابلةِ: يجوز الحفُّ والتَّحمير والنَّقش والتَّطريف إذا كان بعلم (٤) الزَّوج؛ لأنَّه من الزِّينة.
(وَ) لعن ابنُ مسعودٍ أيضًا النساء (المُتَفَلِّجَاتِ) اللَّاتي يطلبنَ تفريقَ (٥) ما بين الأسنان من الثَّنايا والرَّباعيَّات يفعل ذلك بهنَّ (لِلْحُسْنِ) أي: لأجل الحسن (المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ. فَقَالَتْ أُمُّ يَعْقُوبَ) وهي من بني أسد بن خُزيمة ولا يعرف اسمها (مَا هَذَا؟) ولمسلم «فبلغ ذلك امرأةً من بني أسدٍ يقال لها: أمُّ يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديثٌ بلغني أنَّك لعنت الواشمات … » إلى آخره، (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود: (وَمَا لِيَ لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ) ﷺ (وَفِي كِتَابِ اللهِ) تعالى لعنه (قَالَتْ) أمُّ يعقوب: (وَاللهِ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ (٦)) تريد
стр. 10608
الدَّفَّتين، وفي «مسلم» عن عثمان «ما بين لوحَي المصحف»، وكانوا يكتبون المصحفَ في رَقٍّ (١)، ويجعلون له دفَّتين من خشب (فَمَا وَجَدْتُهُ) أي: ما وجدتُ لعن المذكورات (قَالَ) عبد الله: (وَاللهِ لَئِنْ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ) اللام في «لئن» موطئة للقسم، والثَّانية لجواب القسم الَّذي سدَّ مسدَّ جواب الشَّرط، والياء التحتية في «قرأتيهِ» و «وجدتيهٍ» (٢) تولدتْ من إشباعِ كسرة التاء الفوقية، أي: لو قرأتيه بالتدبُّر والتَّأمُّل عرفتيه من (٣) قوله : (﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾) إذ فيه أنَّ من لعنهُ النَّبيُّ ﷺ فالعنوه (﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]) وقد نهى ﷺ عن ذلك ففاعلُه ظالمٌ، وقد قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
وهذا الحديثُ سبق في «باب (٤) المتفلِّجات للحُسن» [خ¦٥٩٣١].
(٨٥) (بابُ) ذمِّ المرأة (المَوْصُولَةِ).
٥٩٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلام قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة، ابن سليمان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر العمريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الوَاصِلَةَ) الَّتي تصلُ شعرها بشعرِ غيرها (٥) (وَالمُسْتَوْصِلَةَ) الَّتي يفعلُ بها ذلك بطلبها (وَالوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ).
وسبق مباحث ذلك [خ¦٥٩٣٨] ويأتي مزيد له (٦) إن شاء الله تعالى.
стр. 10609
٥٩٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ عروة بن الزُّبير (أَنَّهُ سَمِعَ فَاطِمَةَ بِنْتَ المُنْذِرِ) بن الزُّبير (تَقُولُ: سَمِعْتُ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصِّدِّيق ﵄ (قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَتِي أَصَابَتْهَا الحَصْبَةُ) بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين، بعدها موحدة، بثراتٌ حُمْر تخرجُ في الجسد متفرِّقة، وهي نوعٌ من الجُدْري، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أصابها» بإسقاط المثناة الفوقية بالتَّذكير على إرادة الحَبِّ (فَامَّرَقَ) بهمزة وصلٍ وميم مشدَّدة وراء مفتوحة فقاف، أصله انمرق، فقلبت النون ميمًا وأدغمت في لاحقتها، من المروق، أي: خرج شعرها من موضعه، وللحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ: «فامَّزق» كذلك لكن بالزاي بدل الراء، أي: تمزَّق وتقطَّع (شَعَرُهَا، وَإِنِّي زَوَّجْتُهَا) وإنَّ (١) زوجَها يستحِثُّني (٢) على الدُّخول بها (أَفَأَصِلُ فِيهِ) غيره (فَقَالَ) ﷺ : (لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ وَالمَوْصُولَةَ (٣)).
وقد سبق الحديثُ قريبًا [خ¦٥٩٣٥] وقال الحافظ ابن حَجر في «المقدمة»: لم أعرف أسماء الثَّلاثة المذكورين في هذا الحديث.
٥٩٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطَّان (٤) الكوفيُّ، نزيلُ الرَّي ثمَّ بغداد قال: (حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) بدال مهملة مضمومة وكاف مفتوحة
стр. 10610
وياء التَّصغير، بعدها نون، أبو نُعيم شيخ البخاريِّ حدَّث عنه كثيرًا بغير واسطة، وفي مواضع كثيرة بواسطةٍ كما هنا. قال في «فتح الباري»: وفي رواية المُستملي: «الفضل بن زهير» أي: بدل ابن دُكين، وكذا لبعض رواة الفَِرَبْريِّ أيضًا لكن شكَّ فقال: أو ابن دكين، وجزم مرَّةً أخرى بالفضل بنِ زهير. انتهى. ورأيتُ بهامش الفرع معزوًّا إلى أصل «اليونينيَّة» وقال أبو إسحاق -يعني إبراهيم المُستملي-: رأيت في أصلٍ عتيقٍ سمع من الإمام محمد بن إسماعيل يعني -البخاري- حدَّثني يوسف بن موسى عن الفضل بن دُكين وكان في أصل محمد بن إسماعيل (١) شيءٌ، فشكَّ (٢) محمَّد بن يوسف -يعني الفَِرَبْريِّ- في دُكين أو زهير ثمَّ قال: زهير. قال الكلاباذيُّ: وهو (٣) الفضل بن دُكين بن حماد بن زهير المُلائيُّ، واسم دكين عَمرو. انتهى. قال الغسانيُّ: فنسب مرَّةً إلى جدِّ أبيه، قال: (حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ) بفتح الصاد المهملة وسكون الخاء المعجمة بعدها راء، و «جُويرية» بضم الجيم مصغَّرًا، أبو نافع البصريُّ مولى بني تميمٍ، أو بني هلالٍ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ -أَوْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ) بالشَّكِّ من الرَّاوي: (الوَاشِمَةُ وَالمُوتَشِمَةُ) بضم الميم فواو ساكنة ففوقية مفتوحة فشين معجمة مكسورة (وَالوَاصِلَةُ وَالمُسْتَوْصِلَةُ) بالسين بوزن المستفعلة، وللنَّسائيِّ من طريق محمَّد بن بشر، عن عُبيد الله «المُوْتَصِلة» وهي بمعناها. قال ابنُ عمر: (يَعْنِي لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) هذه الأربعة، وفي رواية أبي ذرٍّ قبل الواشمة: «لعنَ الله (٤)» ومقتضاهُ نصبُ الأربعة على المفعوليَّة كما لا يخفَى، لكن استشكلَ في «فتح الباري» تفسير ابن عمر حيث قال: يعنِي لعن النَّبيُّ ﷺ ، بعد قوله: «لعنَ الله» فقال: لم يتَّجه لي هذا التَّفسير إلَّا إن (٥) كان المراد لعنَ الله على لسانِ نبيِّه، أو لعن النَّبيُّ ﷺ للعنِ الله، واعترضَه بما خفيَ، ولعلَّه تحريفٌ من ناسخ، وقد (٦) سقط قوله: «يعني … » إلى آخره في بعض النُّسخ، وبإسقاط الأوَّل لا إشكال، والله أعلم.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «اللِّباس».
стр. 10611
٥٩٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (¬﵁¬) أنَّه (١) (قَالَ: لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُسْتَوْشِمَاتِ) بالسين المهملة الساكنة بعد الميم المضمومة وبعد الفوقية واو ساكنة، ولأبي ذرٍّ: «المتوَشِّمات» بإسقاط السين المهملة وفتح الواو وتشديد المعجمة المكسورة (وَالمُتَنَمِّصَاتِ، وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ) بكسر الياء التحتية (مَا لِي) بغير واو قبل «ما» الاستفهامية (لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ) ملعونٌ (فِي كِتَابِ اللهِ) في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] إذ معناه العنوا من لعنَه النَّبيُّ ﷺ ، ولم يقع في هذه الرِّواية ذكر (٢) ما ترجمَ له، فيحتملُ أنَّه أشار إلى ما وردَ في بعض طرقهِ من ذكر ذلك، والله أعلم.
(٨٦) (بابُ) ذمِّ المرأة (الوَاشِمَةِ) الَّتي تشمُ.
٥٩٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام بن نافعٍ الحافظ، أبو بكر الصَّنعانيُّ. قال العينيُّ -كالكِرمانيِّ-: ويحيى، إمَّا ابن موسى، أي: البلخيُّ السَّختيانيُّ المعروف بخَتٍّ، وإمَّا ابن جعفر يعني الأزديَّ البِيْكَنديَّ الحافظ. وقال الحافظ ابن حَجر في
стр. 10612
«المقدمة»: نسبه ابنُ السَّكن (١): «يحيى بن موسى» قال: وقد روى البخاريُّ أيضًا عن يحيى بنِ جعفر، عن عبد الرَّزَّاق ولكنَّه ينسبه (٢)، و (٣) وجدتُه كذلك في موضعين في أوَّل «كتاب الاستئذان» [خ¦٦٢٢٧] وفي «قوله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٠٦٦] والأول يروي عنه ولا ينسبه (٤) (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشد (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم، ابن منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : العَيْنُ حَقٌّ) أي: الإصابة بالعين حقٌّ لها تأثيرٌ (وَنَهَى) ﷺ (عَنِ الوَشْمِ) بفتح الواو وسكون المعجمة وهو -كما مرَّ- أن يَغْرِزَ في العضوِ نحو إبرةٍ، فإذا سال الدَّم حَشَاهُ بنحو نوْرة فيخضر، وقد يكون في اليد وغيرها، وقد يُفعل نقشًا، وقد يجعل دوائرَ، وقد يُكتب اسم المحبوب.
والحديثُ سبق في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٤٠].
وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، محمَّد قال: (حَدَّثَنَا (٥) ابْنُ مَهْدِيٍّ) عبد الرَّحمن الحافظ، أبو سعيدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (قَالَ): لقد (٦) (ذَكَرْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ) بالموحدة المكسورة والسين المهملة، ابن ربيعة النَّخعيِّ (حَدِيثَ مَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ أُمِّ يَعْقُوبَ) الأسديَّة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (مِثْلَ حَدِيثِ مَنْصُورٍ) أي: ابن المعتمر.
стр. 10613
٥٩٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) أبو أيُّوب الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة، السُّوائيِّ -بضم المهملة- الكوفيِّ (قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي) أبا جُحَيفةَ وهب بن عبد الله (فَقَالَ) وفي «باب ثمن الكلب» من «كتاب البيع» (١) «قال: رأيتُ أبي اشترى حجَّامًا فأمر بمحاجمهِ فكُسرتْ فسألته عن ذلك فقال» [خ¦٢٢٣٨]. (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ) أي: عن أجرةِ الحجَّام فأطلق عليه الثَّمن تجوُّزًا (وَ) عن (ثَمَنِ الكَلْبِ) مطلقًا لنجاستهِ (وَ) لعن ﵇ (آكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ) لأنَّه يعينُ على أكل الحرامِ فهو شريكٌ في الإثم، كما أنَّه شريكٌ في الفعلِ (وَ) لعن (الوَاشِمَةِ وَالمُسْتَوْشِمَةِ) لما فيه من تغييرِ خلقِ الله مع الفحش (٢).
(٨٧) (بابُ) ذمِّ المرأة (المُسْتَوْشِمَةِ) الطَّالبة للوشمِ المفعول بها.
٥٩٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النَّسائيُّ الحافظ، نزل (٣) بغداد، روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عَنْ عُمَارَةَ) بن القعقاع (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِم، أو عَمرو، أو عبد (٤) الله، أو عبد الرَّحمن بن عَمرو بن جرير بن عبد الله البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ الدَّوسيِّ، أنَّه (قَالَ: أُتِيَ) بضم الهمزة (عُمَرُ) ﵁ (بِامْرَأَةٍ تَشِمُ، فَقَامَ فَقَالَ) لمن حضرهُ من الصَّحابة: (أَنْشُدُكُمْ) بفتح الهمزة وضم المعجمة، أي: سألتُكم (بِاللهِ، مَنْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) شيئًا (فِي الوَشْمِ) فليخبرني به (فَقَالَ
стр. 10614
أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَنَا سَمِعْتُ) النَّبيَّ ﷺ يقول فيه (قَالَ) عمر: (مَا سَمِعْتَ؟ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَشِمَنَّ) بفتح الفوقية وكسر المعجمة وفتح الميم وتشديد النون خطابًا لجمع المؤنث بالنَّهي عن فعل الوشم (وَلَا تَسْتَوْشِمْنَ) أي: لا تطلبنَ ذلك.
والحديثُ أخرجهُ النَّسائيُّ في «الزِّينة».
٥٩٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمر العمريِّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أنَّه (١) (قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ (٢) ﷺ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ، وَالوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ).
٥٩٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزيُّ (٣) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهدي (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَعَنَ اللهُ) النِّساء (الوَاشِمَاتِ وَالمُسْتَوْشِمَاتِ) بالسين بعد الميم، ولأبي ذرٍّ: «و (٤) المتوشِّمَات» (وَ) النِّساء (المُتَنَمِّصَاتِ) اللَّاتي يطلبنَ النِّماص، أي: إزالةَ شعرِ الوجه بالمنقاش (وَ) النِّساء (المُتَفَلِّجَاتِ) بكسر اللام المشددة، أسنانهنَّ (لِلْحُسْنِ)
стр. 10615
أي: لأجلِ الحسن، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بالحسن» بالموحدة بدل اللام، أي: بسبب الحسن (المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ) (مَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي كِتَابِ اللهِ) : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وسببُ لعن المذكوراتِ أنَّ فعلهنَّ تغيير لخلقِ الله وتزويرٌ وتدليسٌ وخداعٌ، ولو رخَّص فيه لاتَّخذه النَّاس وسيلةً إلى أنواعِ الفساد، ولعلَّه قد يدخل في معناه صنعة الكيمياء، فإنَّ من تعاطاها إنَّما يروم أن يُلْحِقَ الصَّنعة بالخلقة، وكذلك كلُّ مصنوعٍ يُشَبَّهُ بمطبوعٍ، وهو بابٌ عظيمٌ من الفسادِ، حكاه في «الكواكب».
(٨٨) (بابُ) حكمِ (التَّصَاوِيرِ) من جهة مباشرةِ صنعتِهَا واستعمالِهَا أو (١) اتخاذهَا.
٥٩٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ (¬﵃¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ) الحفظة وغيرهم (بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ) أو المراد ملائكةُ الوحي كجبريل وإسرافيل لكن يلزمُ منه اقتصار النَّفي على عهدهِ ﷺ ؛ لأنَّ الوحي انقطعَ بعده وبانقطاعهِ ينقطعُ نزولهم،
стр. 10616
فالمرادُ بالملائكة الَّذين ينزلون بالرَّحمة والمستغفرون (١) للعبد، أمَّا الحفظة فإنَّهم لا يفارقون المكلَّف في كلِّ حالٍ، كما جزم به الخطابيُّ وغيره، وأجابَ عن الأوَّل بجواز أن لا يدخلوا بأن يكونوا على بابِ البيت مثلًا، ويطلعُهم الله تعالى على عملِ العبد ويسمعُهم قوله، والمرادُ بالبيت المكان الَّذي يستقرُّ فيه الإنسان سواء كان بيتًا أو خيمة أو غيرهما، وظاهر قوله: «كلب» العموم لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي فيعمُّ وإليه ذهب النَّوويُّ والقرطبيُّ، واستثنى الخطابيُّ وغيره الكلاب الَّتي أذن الشَّارع في اتِّخاذها وهي الَّتي للصَّيد والزَّرع والماشية، وسببُ عدم الدُّخول قيل: لنجاسةِ عين الكلبِ. وعورض بأنَّ الخنزيرَ أشدُّ نجاسةً منه للنصِّ الوارد فيه، وقيل: لكونهِ يُكثِر أكلَ النَّجاسات، وعورضَ بأنَّ السِّنَّور أيضًا يُكثِرُ أكلها، وقيل: لكونه من الشَّياطين. وعورض بأنَّه لا يخلو بيتٌ من الشَّياطين، ومع هذا لم يردِ امتناع الملائكةِ من الدُّخول في بيتٍ فيه هرَّة ولا خنزير ولا غيرهما (وَلَا) تدخلُ الملائكة بيتًا فيه (تَصَاوِيرُ) ممَّا يشبه الحيوان ما لم تقطعْ رأسه، أو يُمتهن أو عام في كلِّ الصُّور، وسبب الامتناعِ كونها معصيةً فاحشة إذ فيها مضاهاة لخلق الله، وبعضُها في صورة ما يُعبدُ من دون الله، وفي «بدء الخلق» [خ¦٣٢٢٥] «ولا صورة» بالإفراد، وكان الأصلُ أن يقول: لا تدخل (٢) بيتًا فيه كلبٌ وتصاوير، بغير إعادة حرف النَّفي؛ لكنَّه أعاده للاحتراز من توهُّم القصر في عدم الدُّخول على اجتماع الكلب والصُّورة نحو قولك: ما كلَّمت زيدًا ولا عمرًا إذ لو حذفت لأجاز أن يكون كلَّم أحدهما؛ لأنَّ الواو للجمع فلمَّا أعيد حرف النَّفي صار التَّقدير ولا تدخل الملائكة بيتًا فيه تصاوير، كما سبق.
وهذا الحديثُ سبق في «بدء الخلق» (٣) [خ¦٣٢٢٥] وفي «المغازي» [خ¦٤٠٠٢]، وأخرجهُ مسلمٌ في «اللِّباس».
(وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعد بنِ عبد الرَّحمن الفهميُّ، أبو الحارث المصريُّ الإمام المشهور، فيما وصله أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (٤)، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد الله بنِ عتبة بن مسعودٍ، أنَّه (سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ) يقول: (سَمِعْتُ أَبَا طَلْحَةَ) يقول: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) ووجه
стр. 10617
ذكر هذا التَّعليق تصريح ابن شهابٍ وشيخه عبيد الله ومَن فوقهما بالتَّحديث في جميع الإسناد، ووقع في رواية الأوزاعيِّ، عن الزُّهريِّ، عن عبيدِ الله، عن أبي طلحة لم يذكرِ ابن عبَّاس بينهما، ورجَّح الدَّارقطنيُّ رواية من أثبتَه، قاله في «الفتح» (١).
(٨٩) (بابُ عَذَابِ المُصَوِّرِينَ) الَّذين يصنعون الصُّور (يَوْمَ القِيَامَةِ).
٥٩٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران (عَنْ مُسْلِمٍ) أبي الضُّحى بن صُبَيح -بضم الصاد المهملة مصغَّرًا- الهمدانيِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (فِي دَارِ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ) بالتحتية والمهملة المخففة، و «نُمَير» بضم النون وفتح الميم، المدنيِّ الكوفيِّ (فَرَأَى) مسروق (فِي صُفَّتِهِ) بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء (تَمَاثِيلَ) جمع تِمْثَال، بكسر الفوقية وبعد الميم الساكنة مثلثة، وهو الصُّورة، والمراد بها صورة الحيوان، وفي «مسلم» «قال لي مسروقٌ: هذه تماثيلُ كسرى؟ فقلت: لا، هذه تماثيلُ مريم» (فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) يعني: ابنَ مسعود (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) حال كونه (يَقُولُ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ) أي: في حكمِ الله تعالى (يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ) الَّذين يصوِّرون أشكالَ الحيوانات الَّتي تُعْبَدُ من دون الله، فيحُكُّونَها (٢) بتخطيطٍ أو تشكيلٍ، عالمين بالحرمةِ قاصدين ذلك لأنَّهم يكفرون به فلا يبعدُ دخولهم مدخلَ آل فرعون، أمَّا من لا يقصدُ ذلك فإنَّه يكون عاصيًا بتصويرهِ (٣) فقط كذا في الفرع، وفي عدَّة أصول مُعتمدة، والَّذي في «فتح الباري» «إنَّ أشدَّ النَّاس عذابًا عند الله المصورون» بإسقاط «يوم القيامة» قال: ووقع في رواية الحميديِّ في «مسنده» عن سفيان «يوم القيامة» بدل قوله: «عند الله» قال:
стр. 10618
فلعلَّ الحميديَّ حدَّث به على الوجهين بدليل ما وقع في التَّرجمة، أو لما حدَّث به البخاريَّ حدَّث به بلفظ عند الله. والتَّرجمة مطابقة للَّفظ الَّذي في حديث ابن عمر، ثاني حديثي (١) الباب. انتهى.
وفي «عمدة القاري» للعلامة العينيِّ: «إن أشدَّ النَّاس عذابًا يوم القيامة المصورون» بإسقاط «عند الله» وهو مطابقٌ للتَّرجمة. وقال النَّوويُّ: قال العلماء: تصوير الحيوان حرامٌ شديد التَّحريم وهو من الكبائر لأنَّه متوعَّدٌ عليه بهذا الوعيد الشَّديد، وسواء صنعَه لما يمتهنُ أم لغيره، وسواء كان في ثوبٍ، أو بساطٍ، أو درهمٍ، أو دينار، أو فلسٍ، أو إناءٍ، أو حائطٍ، أو غيرها، وأمَّا تصوير ما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرامٍ.
وهذا الحديثُ أخرجهُ في «اللِّباس» [خ¦٥٩٥٤]، والنَّسائيُّ في «الزِّينة».
٥٩٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الأسديُّ الحزاميُّ -بالزاي- قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) أي: ابنُ ضَمْرَةَ، أو عبد الرَّحمن اللَّيثيُّ، أبو ضَمْرةَ المدنيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ (٢) ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ) الحيوانيَّة قاصدين مُضَاهاة خلق الله (يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا) بفتح الهمزة وضم التحتية، أي: تعذيبهم أن يقالَ لهم: أحيوا (مَا خَلَقْتُمْ) أمر تعجيز، أي: انفخوا الرُّوح في الصُّورة الَّتي صوَّرتموها، وهم لا يقدرونَ على ذلك، فيستمرُّ تعذيبهم.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ.
(٩٠) (بابُ نَقْضِ الصُّوَرِ) بفتح النون وسكون القاف بعدها ضاد معجمة، والصُّوَر بضم الصاد المهملة وفتح الواو، وتغيير هيئتها بنحو كسرها.
стр. 10619
٥٩٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضاد المعجمة، الزَّهرانيُّ أبو زيدٍ البصريُّ (قال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ عبد الله الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ) بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملتين وبعد الألف نون، السَّدوسيِّ (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ) أي: تصاوير كصليب النَّصارى. وقال في «الفتح»: التَّصاليب، جمع صليب كأنَّهم سموا ما كانت فيه صورة الصَّليب تصليبًا تسميةً بالمصدر (١). قال العينيُّ: على ما ذكرهُ تكون التَّصاليب، جمع تصليب لا جمعُ صليب (٢). ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «تصاوير» (إِلَّا نَقَضَهُ) أي: كسره وغيَّر صورته.
وهذا الحديثُ أخرجهُ أبو داود في «اللِّباس» والنَّسائيُّ في «الزِّينة».
٥٩٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل المِنْقَريُّ -بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف- أبو سلَمة التَّبُوذَكيُّ -بفتح التاء وضم الموحدة وسكون الواو وفتح المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد قال: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) بضم العين، ابن القعقاع قال: (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمُ ابنُ عَمرو (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (دَارًا بِالمَدِينَةِ) لمروان بن الحكم كما في «مسلم» (فَرَأَى في أَعْلَاهَا) أي: في سقف الدَّار رجلًا (مُصَوِّرًا) بكسر الواو المشددة (يُصَوِّرُ) بلفظ المضارع (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ) أي: قال الله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ) أي: قصد (يَخْلُقُ كَخَلْقِي) أي: فعل الصُّورة وحدها لا من كلِّ الوجوه؛ إذ لا قدرةَ لأحدٍ على خلقٍ مثلَ خلقه تعالى، فالتَّشبيه في الصُّورة وحدها، وظاهرهُ يتناول ما له ظلٌّ وما ليس له ظلٌّ،
стр. 10620
فلذا أنكرَ أبو هريرة ﵁ ما نُقِش في سقف الدَّار (فَلْيَخْلُقُوا) فليوجدوا (حَبَّةً) من قمحٍ، زاد ابنُ فضل (١): «وليخلقوا شعيرة» [خ¦٧٥٥٩] وهو قرينة تدلُّ على أنَّ المراد هنا حبَّةٌ من قمح (وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً) بفتح المعجمة وتشديد الراء، نملة، والمراد تعجيزهم تارةً بتكليفهم خلق حيوان وهو أشدُّ، وتارةً بتكليفِهم خلق جمادٍ وهو أهون، ومع ذلك لا قدرةَ لهم عليه (ثُمَّ دَعَا) أي: طلب أبو هريرة (بِتَوْرٍ) بموحدة مكسورة فمثناة فوقية مفتوحة وبعد الواو الساكنة راء، إناءٌ كطَسْتٍ (مِنْ مَاءٍ) فيه ماء فتوضَّأ منه (فَغَسَلَ يَدَيْهِ) بالتَّثنية (حَتَّى بَلَغَ إِبْطَهُ) بالإفراد، زاد الإسماعيليُّ: «وغسل رجليهِ حتَّى بلغ ركبتيه» قال أبو زرعة: (فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أ) تبليغ (٢) الماء إلى الإبط (شَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ) أبو هريرة: التَّبليغ إلى الإبط (مُنْتَهَى الحِلْيَةِ) في الجنَّة، والحلية التَّحجيل من أثر الوضوء، أو من التَّحلية المذكورة في قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١].
(٩١) (باب مَا وُطِئَ) بضم الواو وكسر الطاء المهملة، بالقدم (مِنَ التَّصَاوِيرِ) امتهانًا له.
٥٩٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ، وَمَا بِالمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ أَفْضَلُ مِنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) القاسم بن محمد ابنِ أبي بكر الصِّدِّيق (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂¬) تقول: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ) هو (٣) غزوة تبوك، كما في «البيهقي»، ولأبي داود والنَّسائيِّ «غزوة تبوك أو خيبر» على الشَّكِّ (وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ) بكسر الموحدة والقاف بعدها راء فألف فميم، سترٌ فيه رَقْم ونقش (لِي عَلَى)
стр. 10621
باب (سَهْوَةٍ لِي (١)) بفتح السين المهملة وسكون الهاء وفتح الواو، صفةٌ في جانب البيت، أو كوَّة، أو بيت صغير منحدرٌ في الأرض كالخزانة الصَّغيرة يكون فيها المتاع (فِيهَا) قطعة (تَمَاثِيلُ) أي: تصاوير (فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَتَكَهُ) أي: نزعه (وَقَالَ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ) يشابهون (بِخَلْقِ اللهِ. قَالَتْ) عائشة: (فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ) أي: مخدَّة أو مخدَّتين، وسبق في «المظالم»: «فاتَّخذت منه نمرقتين، فكانتا في البيتِ نجلسُ عليهما» [خ¦٢٤٧٩] ولمسلمٍ من طريق بُكير ابن الأشجِّ: «فقطعتُه وسادتين، فقال رجلٌ في المجلس يُقال له ربيعةُ بن عطاء: أنا سمعت أبا محمد -يريد القاسم بن محمد- يذكرُ أنَّ عائشة قالت: فكان رسول الله ﷺ يرتفقُ عليهما. قال ابنُ القاسم -يعني: عبد الرَّحمن-: لا، قال: لكنِّي سمعته» (٢).
٥٩٥٥ - ٥٩٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ) الجَرْمِيُّ الهمدانيُّ الكوفيُّ ثمَّ البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، وَعَلَّقْتُ دُرْنُوكًا) بضم الدال المهملة وسكون الراء وضم النون وبعد الواو كاف، سترًا له خَمْلٌ (فِيهِ تَمَاثِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْزِعَهُ) لأنَّ الملائكةَ لا تدخل بيتًا فيه صورة (فَنَزَعْتُهُ) قال النَّوويُّ: تصوير صورةِ الحيوان حرامٌ شديد التَّحريم، وأمَّا اتِّخاذه فإن كان معلَّقًا على حائطٍ سواء كان له ظلٌّ أم لا، أو ثوبًا (٣) ملبوسًا، أو عمامة، أو نحو ذلك فهو حرامٌ، وأمَّا الوسادة ونحوها ممَّا يمتهنُ فليس بحرامٍ، لكن هل يمنعُ دخول الملائكة أم لا؟ وقد سبقَ
стр. 10622
قريبًا [خ¦٥٩٤٩] أنَّ المنعَ عام في كلِّ صورة وأنَّهم يمتنعونَ من الجميع؛ لإطلاق الأحاديث.
قالت عائشة: (وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) وليس للتَّرجمة تعلُّقٌ بقولها: وكنت أغتسل … إلى آخره، وقد ساقه المؤلِّف «في الطَّهارة» مفردًا [خ¦٢٥٠] والظَّاهر أنَّه تحمله على هذه الصِّفة فساقه هنا كذلك.
(٩٢) (بابُ مَنْ كَرِهَ القُعُودَ عَلَى الصُّوَرِ) بفتح الواو بلفظ الجمع، ولأبي ذرٍّ: «الصُّوْرة» (١) بإسكانها على الإفرادِ.
٥٩٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) الأنماطيُّ، أبو محمَّدٍ السُّلميُّ، مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا (٢) جُوَيْرِيَةُ) بالجيم المضمومة، ابن أسماء (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكر (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً) بضم النون والراء وكسرهما، وبضم النون وفتح الراء ثلاث لغات، بينهما ميم ساكنة وبالقاف المفتوحة، وسادة صغيرة (فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ) فعرفت الكراهيةَ في وجههِ (فَقُلْتُ: أَتُوبُ إِلَى اللهِ) (مِمَّا أَذْنَبْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فما أذنبتُ» بالفاء والميم المخففة، بدل «مما» بالميمين الأخيرةُ مشددةٌ على الاستفهام (قَالَ) ﵊: (مَا هَذِهِ النُّمْرُقَةُ؟ قُلْتُ): اشتريتها (لِتَجْلِسَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا) أصلها وتتوسدها، بمثناتين فوقيتين حذفت إحداهما للتخفيف (قَالَ) لي ﵇: (إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ) الَّذين يصنعونها ليُضاهوا بها خلقَ الله (يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ) بفتح ذال يعذَّبون (يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا) بفتح الهمزة (مَا خَلَقْتُمْ) ما صنعتُم (وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ الصُّور)
стр. 10623
بالجمع، ولغير أبي ذرٍّ: «الصورة» بالإفراد، ولم يذكرْ في هذه الطَّريق استعماله ﷺ النُّمرُقة كما ذكر فيما سبق [خ¦٥٩٥٤] ووقع التَّصريح به في «مسلم». قال في «الفتح»: فظاهره التَّعارض، وقد يجاب بأنَّه لَمَّا قطعت السِّتر وقع القطعُ (١) في وسطِ الصُّور (٢) مثلًا، فخرجتْ عن هيئتها فلذا صار يرتفقُ بها. وقال العينيُّ: لا تعارضَ بينهما أصلًا؛ لأنَّ حديثَ الباب وحديثَ مسلم المذكور فيه «فجعلتُه مِرْفقتين، فكان يرتفقُ بهما في البيت». حديثٌ واحدٌ لكن البخاريَّ لم يذكر هذه الزِّيادة، والله أعلم بالصَّواب (٣).
٥٩٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة وفتح الكاف، ابن عبدِ الله بنِ الأشجِّ -بالمعجمة والجيم- (عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) بضم الموحدة وسكون المهملة، و «سعِيد» بكسر العين، المدنيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ الصَّحابيِّ (عَنْ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بنِ سهل الأنصاريِّ (صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وصحبته مشهورة، لكنَّ الرَّاوي ذكر ذلك تعظيمًا له وإجلالًا واستلذاذًا وتبركًا، أنَّه (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ المَلَائِكَةَ) الَّذين ينزلون بالرَّحمة (لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ الصُّورَةُ) بالتَّعريف والإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «صورة» بلفظ النَّكرة والإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «صور» بلفظ النَّكرة والجمع.
стр. 10624
(قَالَ بُسْرٌ) أي: ابنُ سعيد الرَّاوي (١) بالسَّند المذكور: (ثُمَّ اشْتَكَى) أي: مرضَ (زَيْدٌ) أي: ابنُ خالد المذكور (فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ) بالإفراد، وللكُشمِيهنيِّ: «صور» بالجمع. قال بسرٌ: (فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن الأسودِ الخَوْلاني -بفتح المعجمة وسكون الواو وبالنون- (رَبِيبِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) لأنَّها كانت ربَّتْه، وكان من مواليهَا، ولم يكن ابن زوجها: (أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ) بالجمع (يَوْمَ الأَوَّلِ؟) من باب إضافة الموصوفِ إلى صفتهِ، والمراد به: الوقت الماضي، وللكُشمِيهنيِّ: «يوم أول» بإسقاط ال (فَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن الأسود: (أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ: إِلَّا رَقْمًا) أي: نقشًا (فِي ثَوْبٍ) زاد في رواية عَمرو بن الحارث «قلت: لا. قال: بلى». قال النَّوويُّ: يجمع بين الأحاديث بأنَّ المراد استثناء الرَّقم في الثَّوب ما كانت الصُّورة فيه من غير ذوات الأرواحِ كصورةِ الشَّجر ونحوها. وقال ابنُ العربيِّ: حاصل ما في اتِّخاذ الصُّورة أنَّها إن كانت ذات أجسامٍ حرم بالإجماع، وإن كانت رَقْمًا فأربعة أقوال: الجوازُ مطلقًا لظاهر حديث الباب، والمنع مطلقًا حتَّى الرَّقم، والتَّفصيل فإن كانت الصُّورة باقية الهيئة قائمة الشَّكل حرُم، وإن قُطعت الرَّأسُ وتفرَّقت الأجزاء جازَ. قال: وهذا هو الأصحُّ، والرَّابع إن كان ممَّا يُمتهن جازَ وإن كان معلَّقًا فلا. انتهى. وهذا الإجماعُ محلُّهُ في غير لُعَبِ البناتِ.
وهذا الحديثُ سبق في «بدء الخلقِ» [خ¦٣٢٢٥]، وأخرجهُ مسلمٌ وأبو داود وأخرجهُ النَّسائيُّ في «الزِّينة».
(وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، ممَّا سبق موصولًا في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٢٦] (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) بفتح العين (هُوَ ابْنُ الحَارِثِ) أنَّه (حَدَّثَهُ بُكَيْرٌ) هو: ابنُ عبد الله بن الأشج، أنَّه (حَدَّثَهُ بُسْرٌ) أي: ابنُ سعيدٍ (حَدَّثَهُ زَيْدٌ) هو ابنُ خالد، أنَّه قال: (حَدَّثَهُ أَبُو طَلْحَةَ) هو زيد بن سهلٍ الأنصاريُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
(٩٣) (بابُ كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي التَّصَاوِيرِ).
стр. 10625
٥٩٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، البصريُّ. يقال له: صاحبُ الأديم قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بنُ سعيد بنِ ذكوان التَّنُّوريُّ -بفتح الفوقية وتشديد النون المضمومة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) بضم الصاد المهملة وفتح الهاء آخره موحدة، البُنَانيُّ -بضم الموحدة ونونين بينهما ألف- البصريُّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ قِرَاَمٌ) بكسر القاف، ستر به نقوشٌ فيها تصاوير (لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا) وفي حديث عائشة عند مسلم: «أنَّها كان لها ثوبٌ فيه تصاويرُ ممدودٌ إلى سهوةٍ، فكان النَّبيُّ ﷺ يصلِّي إليها» (فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : أَمِيطِي) بهمزة مفتوحة فميم وطاء مهملة مكسورتين بينهما تحتية ساكنة، أزيلِي (عَنِّي) قِرامَك (فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ) المرقومة فيه (تَعْرِضُ لِي) بفتح الفوقية وكسر الراء، أي: أنظر إليها وأنا (فِي صَلَاتِي) فتشغلنِي وهذا تشريعٌ، وإذا كانت الصُّور تلهي المصلِّي وهي مقابله، فأولى إذا كان لابسها. واستُشكل هذا بحديث عائشة المذكور فيه: أنَّه ﷺ لم يدخل البيت الَّذي فيه السِّتر المصوَّر أصلًا. وأُجيب باحتمال أن يكون حديث عائشة كانت التَّصاوير فيه ذات أرواحٍ، وحديث الباب من غيرها.
(٩٤) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ) المرسلون بالرَّحمة المستغفرون للمؤمنين (بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ) كصورة الحيوانِ من آدمي وغيره ما لم تُقْطَعْ رأسُه أو يُمْتَهَنَ، والمعنى فيه: أنَّ متَّخذها قد تشبَّه بالكفَّار لأنَّهم يتَّخذون الصُّور في بيوتهم يعظِّمونها، فكرهتِ الملائكة ذلك فلم تدخل بيته هجرًا له لذلك، قاله القرطبيُّ.
стр. 10626
٥٩٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بن يحيى بنِ سعيدٍ الجُعفيُّ أبو سعيدٍ الكوفيُّ، نزيل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُمَرُ) بضم العين (-هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ-) أي: ابنُ زيد بن عبد الله بنِ عمر (عَنْ) عمِّ أبيهِ (سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بنِ عمر، أنَّه (قَالَ: وَعَدَ النَّبِيَّ ﷺ جِبْرِيلُ) رُفِع (١) على الفاعليَّة، زادتْ عائشةُ في روايتها عند مسلم «في ساعة يأتيه فيها» (فَرَاثَ) بالمثلَّثة، أي: أبطأ (عَلَيْهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد في حديث عائشة المذكور وقال: «ما يخلِفُ الله وعدَهُ ولا رسلُه» وفي حديث عائشة ثمَّ التفتَ فإذا جرو كلبٍ تحت سريرهِ فقال: «يا عائشةُ متى دخلَ هذا الكلبُ؟» فقالت: والله ما دريتُ فأمر به فأُخرج (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من بيته (فَلَقِيَهُ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا وَجَدَ) من إبطائهِ (فَقَالَ لَهُ) جبريل: (إِنَّا) يعني الملائكة (لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ) قال النَّوويُّ: الأظهرُ أنَّه عامٌّ في كلِّ صورةٍ وكلبٍ، وأنَّهم يمتنعونَ من الجميع لإطلاقِ الأحاديث، ولأنَّ الجرو الَّذي كان في بيت النَّبيِّ ﷺ تحت السَّرير كان له فيه عذرٌ ظاهرٌ (٢) لأنَّه لم يعلمْ به ومع هذا امتنعَ جبريلُ ﵊ من دخولِ البيت وعلَّله بالجرو. انتهى.
وفي «السنن» من حديث أبي هريرة وصحَّحه الحاكم و (٣) التِّرمذيُّ وابن حبَّان: «أتاني جبريلُ فقال: أتيتُك البارحة فلم يمنعنِي أن أكونَ دخلتُ إلَّا أنَّه كان على البابِ تماثيل، وكان في البيت قِرام سترٍ فيه تماثيل، وكان في البيت كلبٌ، فمُرْ برأس التِّمثال (٤) الَّذي على باب (٥) البيتِ يُقْطع (٦) فيصير كهيئة الشَّجرة، ومُر بالسِّتر فلْيُقطع فتجعلْ (٧) منه وسادتان مَنْبوذتان توطآن، ومُرْ بالكلب فليُخرج، ففعل النَّبيُّ ﷺ ». وفي رواية النَّسائيِّ: «إمَّا أن تقطعَ
стр. 10627
رؤوسها، أو تجعلَ بساطًا يوطأ». ففيه ترجيحُ القول بأنَّ الصُّورة (١) الَّتي تمتنعُ الملائكة من دخولِ البيت لأجلها هي الَّتي تكون باقيةً على هيئتهَا مرتفعةً غير ممتهنة.
وحديثُ الباب سبق في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٢٧].
(٩٥) (بابُ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ).
٥٩٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنب الحارثيُّ، أحدُ الأعلام (عَنْ مَالِكٍ) هو ابنُ أنسٍ إمام الأئمَّة (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً) بضم النون والراء وكسرهما، وسادةً صغيرة (فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى البَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفَتْ) عائشة ﵂ (فِي وَجْهِهِ) ﷺ (الكَرَاهِيَةَ، قَالَتْ (٢)) ولأَبَوَي الوقت وذرٍّ: «وقالت»: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مَاذَا أَذْنَبْتُ؟) قال في «شرح المشكاة»: فيه حسنُ أدب من الصِّدِّيقة ﵂ حيث قدَّمت التَّوبة قبل اطِّلاعها على الذَّنب، ونحوه قوله تعالى: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فقدَّمَ العفو تلطفًا برسولِ الله ﷺ ، كما قدمت التَّوبة (٣) على عرفان الذَّنب، ومن ثمَّ قالت: ماذا أذنبتُ؟ أي: ما اطَّلعت على ذنبٍ، ومن ثمَّ حسن قوله (٤) (قَالَ (٥)) ﷺ :
стр. 10628
(مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ فَقَالَتِ: اشْتَرَيْتُهَا لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا) بحذف إحدى التَّاءين (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ) الَّذين يَصْنعونها يُضَاهون بها خلقَ الله (يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ) تبكيتًا لهم: (أَحْيُوا) بقطع الهمزة المفتوحة (مَا خَلَقْتُمْ) ما صوَّرتم والأمر للتَّعجيز، وفي دخول البيت الَّذي فيه الصُّورة وجهان الأكثرون على الكراهةِ. وقال أبو محمد بالتَّحريم، فلو كانت الصُّورة في ممرِّ الدَّار لا داخلها، كما في ظاهرِ الحمَّامات و (١) دهاليزِها لا يمتنعُ الدُّخول لأنَّ الصُّورة في الممرِّ ممتهنةٌ، وفي المجلسِ مكرَّمة.
والحاصل ممَّا سبق كراهة صورةِ حيوانٍ منقوشة على سقفٍ، أو جدارٍ، أو وسادةٍ منصوبة، أو سِتْرٍ معلَّق أو ثوبٍ ملبوسٍ، وأنَّه يجوزُ ما على أرضٍ و (٢) بِساط يُدَاس، ومخدَّة يُتَّكأ عليها، ومقطوع الرَّأس، وصورة شجر، والفرق أنَّ ما يُوطأ ويُطرح مهانٌ مُبتذل، والمنصوب مرتفعٌ يشبه الأصنام، وأنَّه يحرم تصويرُ حيوان على الحيطان والسُّقوف والأرضِ ونسج الثِّياب.
(وَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (إِنَّ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ) فمن اتَّخذها عوقبَ بحرمان دخولِ الملائكةِ بيته، وصلاتها عليهِ، واستغفارهَا له.
(٩٦) (بابُ مَنْ لَعَنَ المُصَوِّرَ) بكسر الواو المشددة، الَّذي يصنعُ الصُّورة (٣) يُضاهِي بها خلقَ الله.
٥٩٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ) وثبت: «محمد بنُ جعفر» لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) السُّوائيِّ -بضم السين المهملة- الكوفيِّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي جُحَيفة وهب بنِ عبد الله (أَنَّهُ اشْتَرَى غُلَامًا حَجَّامًا) لم يسمَّ، زاد في «باب ثمنِ الكلبِ» من «كتاب البيع»: «فأمر بمحاجمِهِ فكُسِرتْ
стр. 10629
فسألته عن ذلك» [خ¦٢٢٣٨] (فَقَالَ (١): إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى) أمَّته (عَنْ) تناول (ثَمَنِ الدَّمِ، وَ) عن تناولِ (ثَمَنِ الكَلْبِ) وسمَّاه ثمنًا باعتبار الصُّورة، وهذا لا خلافَ فيه عند الشَّافعيَّة، وأمَّا حكاية القَمُوْلِي في «الجواهر» وجهًا في بيعِ الكلبِ المقتنَى فغريبٌ (وَ) عن (كَسْبِ البَغِيِّ) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتية، ووزنه فعولٌ لأنَّ أصله بَغْوي، فلما اجتمعت (٢) الواو والياء وسُبِقَتْ إحداهما بالسُّكون قُلبت الواو ياء وأُدغمت في الَّتي تليها، ولا يجوزُ عندهم على فعيلٍ؛ لأنَّ فعيلًا بمعنى فاعل، يكون بالهاء في المؤنَّث كرحيمةٍ وكريمةٍ، وإنَّما يكون بغيرها إذا كان بمعنى مفعولٍ كامرأة جريج وقتيل. يقال: بغَت المرأة تبغي بغيًا، إذا زنت، وزاد في رواية [خ¦٢٢٣٧] «وحلوان الكاهن». وقوله: نهى عن ثمنِ الكلبِ، خبرُ «إن» وما بعدَه معطوفُ عليه، وهل هو من باب عطفِ المفردات، أو من باب عطف الجملِ؟ الأكثرون على أنَّه من بابِ عطف المفردات، فيكون «كَسْب» معطوفًا على «ثمن»، و «حلوان» معطوفًا عليه، وإن كان من عطفِ الجمل، يكون التَّقدير نهى عن ثمنِ الدَّم، ونَهى عن ثمنِ الكلبِ، ونهى عن كسبِ البغيِّ، ونهى عن حلوانِ الكاهن، وعلى هذا الخلاف ينبني حكم العمل هل (٣) هو فيها كلها للعامل الأوَّل، أو لكلِّ واحدٍ من المعطوفاتِ عامل يفسِّره الأوَّل؟ والتَّقدير نهى أمَّته عن كذا، فالمفعول محذوفٌ، وحرفُ الجرِّ يتعلَّق بنهى (وَلَعَنَ) ﷺ (آكِلَ الرِّبَا) آخذه (وَمُوكِلَهُ) مُطْعِمه؛ لأنَّه يُعِين على أكل الحرام فهو شريكٌ في الإثم، كما أنَّه شريكٌ في الفعل (وَالوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ) لأنَّ ذلك من عملِ الجاهليَّة، وفيه تغيير لخلق الله (وَالمُصَوِّرَ) للحيوان.
وهذا الحديثُ سبق في «البيع» في «باب ثمن الكلبِ» [خ¦٢٢٣٨].
(٩٧) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين: (مَنْ صَوَّرَ صُورَةً) حيوانيَّة (كُلِّفَ) بضم الكاف وتشديد اللام المكسورة (يَوْمَ القِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ).
стр. 10630
٥٩٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بالتحتية المشددة والشين المعجمة آخره، الرَّقَّام قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) ابن عبد الأعلى قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عَرُوبة (قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة (بْنَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يُحَدِّثُ قَتَادَةَ) بن دِعامة. قال في «فتح الباري»: كان سعيدُ بن أبي عَروبة كثير الملازمة لقتادة، فاتَّفق أنَّ قتادة والنَّضر اجتمعا فحدَّث النَّضرُ قتادة فسمعه سعيدٌ وهو معه، ووقع في رواية المُستملي وغيره: «يحدِّثه قتادة» والضَّمير للحديث، و «قتادة» نصب على المفعوليَّة، والفاعل النَّضر (قَالَ) النَّضر: (كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَهُمْ يَسْأَلُونَهُ) أي: يستفتونَه وهو يجيبهُم عمَّا يستفتونه (١) (وَلَا يَذْكُرُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) فيما يجيبهم، أي: لا يذكرُ الدَّليل من السُّنَّة (حَتَّى سُئِلَ) لم يذكر ما سُئل عنه. نعم، في «مسلم» عن النَّضر بن أنس بنِ مالكٍ، قال: كنتُ جالسًا عند ابن عبَّاس فجعلَ يُفتي، ولا يقول: قال رسولُ الله، حتَّى سأله رجلٌ فقال: إنِّي رجلٌ أصوِّر هذه الصُّور، فقال له ابن عبَّاس: اُدْنُه فدنا الرَّجل (فَقَالَ) ابن عبَّاس ﵄: (سَمِعْتُ مُحَمَّدًا ﷺ يَقُولُ: مَنْ صَوَّرَ صُورَةً) ذات روح (فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ) أبدًا فهو معذَّب دائمًا؛ لأنَّه جعلَ غاية عذابهِ إلى أن ينفخَ في تلك الصُّورة الرُّوح وأخبر أنَّه ليس بنافخٍ فيها وهذا يقتضِي تخليدهُ في النَّار، وهذا في حقِّ الَّذي يكفر بالتَّصوير، أمَّا في غيره -وهو العاصي- يفعل ذلك غير مستحلٍّ له، ولا قاصد أن يُعبد فيعذب عذابًا يستحقِّه ثمَّ يخلص منه، وحينئذٍ يتعيَّن تأويلُ الحديث على أنَّ المراد به: الزَّجر الشَّديد بالوعيدِ بعقاب الكافر ليكون أبلغَ في الارتداعِ، وظاهره غيرُ مرادٍ إلَّا أنَّ حملَه على ما ذُكر أولى، ولا تَنافي بين قوله هنا: «كُلِّف أن ينفخَ» وبين قوله: إنَّ الآخرة ليست دارَ تكليفٍ، فإنَّ المراد بالنَّفي في الثَّاني أنَّها ليست دار تكليفِ عملٍ يترتَّب عليه ثوابٌ أو عقابٌ، فأمَّا مثل هذا التَّكليف فليس بممتنعٍ (٢) لأنَّه نفسه عذابٌ، نسأل الله العافية.
стр. 10631
(٩٨) (بابُ) جواز (الاِرْتِدَافِ) وهو أن يُرْكِبَ الرَّاكبُ شخصًا خلفه (عَلَى الدَّابَّةِ).
٥٩٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ) عبدُ الله بنُ سعيد بنِ عبد الملك بنِ مروان الأمويُّ (عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ) الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ، عَلَى إِكَافٍ) بهمزة مكسورة وتخفيف الكاف وبعد الألف فاء، بَرْذَعة (عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ) كساءٌ له خمل (فَدَكِيَّةٌ) بفتح الفاء والدال المهملة وكسر الكاف وتشديد التحتية المفتوحة، صفةُ قطيفةٍ نسبةً إلى فدك قريةٌ بخيبر (وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ) بن زيد بنِ الحارث (وَرَاءَهُ) ولم يظهرْ لي وجه دخول هذا الباب وما بعده بـ «كتاب اللِّباس» لكن قال في «الكواكب» (١): الغرضُ منه الجلوس على لباسِ الدَّابَّة وإن تعدَّد أشخاصُ الرَّاكبين عليها، والتَّصريح بلفظ القطيفةِ، مُشْعرٌ بذلك، كذا قال، فليتأمَّل.
стр. 10632
والحديثُ سبق طويلًا في «العلم» [خ¦٢٩٨٧] والله الموفِّق (١).
(٩٩) (بابُ) جواز ركوبِ الأشخاص (الثَّلَاثَةِ عَلَى الدَّابَّةِ) الواحدة.
٥٩٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء، تصغيرُ زرع، أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابنُ مهران الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ) في الفتح (اسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ) بضم الهمزة وفتح المعجمة وسكون التحتية وكسر اللام بعدها ميم مفتوحة فهاء تأنيث، جمع غلام، على غير قياس، والقياس غُلَيمة. وقال السَّفاقسيُّ: كأنَّهم صغَّروا أَغْلمة على القياس، وإن كانوا لم ينطقوا بأَغْلمة. قال: ونظيرُه أُصَيْبية (٢)، وأضافهم لعبد المطلب؛ لأنَّهم من ذرِّيَّته (فَحَمَلَ) ﷺ (وَاحِدًا) منهم (بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ) هما الفضلُ وقُثَم ابنا العبَّاس بن عبدِ المطَّلب، كما عند المؤلِّف في الباب الآتي [خ¦٥٩٦٦] لكنَّه تردَّد في أيِّهما كان قدَّامه، وكان حينئذٍ راكبًا على ناقتهِ، كما رواه الطَّبرانيُّ في روايةِ ابنِ أبي مُليكة، عن ابن عبَّاس.
وأمَّا الأحاديث المذكور فيها النَّهي عن ركوبِ الثَّلاثة على الدَّابَّة فتُكُلِّم في سندها، ولئن سلَّمْنا الاحتجاج بها، فيجمعُ بأنَّ ما ورد فيه النَّهي فهو (٣) محمولٌ على ما إذا كانت الدَّابَّة غير مُطيقة. قال النَّوويُّ: مذهبنا ومذهبُ العلماء كافة: جوازُ ركوب ثلاثةٍ على الدَّابة إذا كانت مُطيقة. وقال الدِّمِيْريُّ: وأفاد الحافظُ ابن مندهْ أن الَّذين أردفهم النَّبيُّ ﷺ ثلاثة وثلاثون نفسًا، ولم يذكرْ منهم عقبة بن عامر الجهنيَّ، ولم يذكرْ أحدٌ من علماءِ الحديث والسِّير أنَّ النَّبيَّ ﷺ أردفَهُ.
والحديثُ مضى في «الحجِّ»، في «باب استقبال الحاج القادمين» [خ¦١٧٩٨].
стр. 10633
(١٠٠) (بابُ حَمْلِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ غَيْرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو عامرٌ الشَّعبيُّ، فيما أخرجه ابنُ أبي شيبةَ، عنه: (صَاحِبُ الدَّابَّةِ أَحَقُّ بِصَدْرِ الدَّابَّةِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ) وقد رواه على شرطِ البخاريِّ، وله شاهدٌ من حديث النُّعمان بن بشيرٍ عند الطَّبرانيِّ، وهذا التَّعليق ثبتَ في رواية المُستملي -زاد في «الفتح» -: والنَّسفيِّ.
٥٩٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بموحدة ومعجمة مشددة، بُنْدَار العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيدِ الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتيانيُّ قال: (ذُكِرَ) بضم المعجمة وكسر الكاف (الأَشَرُّ الثَّلَاثَةِ) على الدَّابَّة (عِنْدَ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس ﵄، وقوله: الأشرُّ، بالتَّعريف مع الإضافة، وحكمُه حكم الحسن الوجه، والضَّارب الرَّجل، وفي الفرع التَّضبيب عليها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أشر» بإثبات الهمزة وحذف اللام، وهي لغةٌ فصيحةٌ، كما في حديث عبد الله بن سلام «أَخْيرنا وابنُ أَخْيرنا» [خ¦٣٣٢٩] وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن المُستملي: «شر» وهي المشهورة، والمراد بلفظ الأشر الشَّر لأنَّ أفعل التَّفضيل لا يستعملُ على هذه الصُّورة إلَّا نادرًا (فَقَالَ) عكرمة: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَتَى) أي: جاء (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) مكَّة في الفتح (وَقَدْ حَمَلَ قُثَمَ) بضم القاف وفتح المثلثة بعدها ميم، ابن العباس (بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ) أخاه (الفَضْلَ خَلْفَهُ، أَوْ) حمل (قُثَمَ خَلْفَهُ، وَالفَضْلَ بَيْنَ يَدَيْهِ) على ناقته. قال عكرمةُ: يردُّ على من ذكرَ شر الثَّلاثة (فَأَيُّهُمْ شَرٌّ -أَوْ أَيُّهُمْ خَيْرٌ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، ولأبي ذرٍّ: «أشرُّ أو أَخْير» بزيادةِ همزةٍ فيهما، وحاصل المعنى أنَّهم ذكروا عند عكرمة أنَّ ركوبَ الثَّلاثة على الدَّابة شرٌّ وظلمٌ، وأنَّ المقدم شرٌّ أو المؤخر، فأنكرَ عكرمةُ ذلك مستدلًّا بفعلهِ ﷺ إذ لا يجوزُ نسبة الظُّلم إلى أحدهما؛ لأنَّهما ركبا بحملهِ ﷺ إيَّاهما.
стр. 10634
والحديثُ من أفرادهِ.
(١٠١) (بابُ) جواز (إِرْدَافِ الرَّجُلِ خَلْفَ الرَّجُلِ) على الدَّابَّة، وثبت قوله: «إرداف … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.
٥٩٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وسكون المهملة وفتح الموحدة، ابن الأسود القيسيُّ البصريُّ، ويقال له: هدَّاب قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بتشديد الميم الأولى وفتح الهاء، ابن يحيى البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) الرِّدْف والرَّديف الرَّاكب خلف الرَّاكب بإذنه، ورِدْفُ كلِّ شيءٍ مؤخَّره، وأصلُه من الرُّكوب على الرِّدف وهو العجزُ، ولذا قيل للرَّاكب الأصليِّ: ركبَ صدرَ الدَّابَّة، ورَدِفْتَ الرَّجل، إذا ركبتَ وراءهُ، وأردفتَه إذا أركبتَه وراءكَ (١) (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ) بفتح الهمزة الممدودة وكسر الخاء المعجمة وفتح (٢) الراء، وهي الَّتي يستند إليها الرَّاكب، والرَّحْل -بسكون الحاء المهملة- أصغرُ من القتبِ، ومراده المبالغة في شدَّة قربه إليه؛ ليكون أوقع في نفس السَّامع فيضبط (فَقَالَ) ﷺ : (يَا مُعَاذُ) زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «ابن جبل» (قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ) وللكُشمِيهنيِّ: «يا رسول الله»
стр. 10635
(وَسَعْدَيْكَ (١)، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ) وللكُشمِيهنيِّ: «يا رسول الله» (وَسَعْدَيْكَ (٢) ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ) وللكُشمِيهنيِّ: «يا رسول الله» (وَسَعْدَيْكَ) التَّكرير لتأكيد الاهتمامِ بما يخبرهُ بهِ (قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) سقط «ابن جبل» لأبي ذرٍّ (قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ) وللكُشمِيهنيِّ: «يا رسول الله» (وَسَعْدَيْكَ. قَالَ (٣): هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟) أي: حقَّ الله تعالى، وقوله: «حقُّ العباد على الله» هو من باب المشاكلةِ، وهو نوعٌ من أنواعِ البديع الَّذي يحسنُ به الكلام، أو المراد به أنَّه حقٌّ شرعيٌّ لا واجبٌ بالعقل، كما تقول المعتزلة، وكأنَّه لما وعدَ به، ووعدُه الصِّدق، صار حقًّا من هذه الجهةِ (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ) المفسَّر بما مرَّ (أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ).
وهذا الحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٠٠] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٦٧]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
(١٠٢) (بابُ) جواز (إِرْدَافِ المَرْأَةِ خَلْفَ الرَّجُلِ) على الدَّابَّة.
٥٩٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ) بالصاد المهملة المفتوحة والموحدة المشددة آخرها حاء مهملة، ولأبي ذرٍّ: «الصَّبَّاح» بالتَّعريف البغداديُّ، قال (٤): (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة، الضُّبَعِيُّ (قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج
стр. 10636
قال: (أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) النَّحْويُّ الحضرميُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ، وَإِنِّي لَرَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاريِّ (وَهْوَ يَسِيرُ وَبَعْضُ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وهي صفيَّة بنتُ حُييٍّ أمُّ المؤمنين (رَدِيفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ عَثَرَتِ النَّاقَةُ) الَّتي عليها النَّبيُّ ﷺ وصفيَّة (فَقُلْتُ: المَرْأَةَ) بالنَّصب، أي: احفظِ المرأة ويجوز الرفع، أي: فقلت: وقعتِ المرأة (فَنَزَلْتُ) بسكون اللام وضم الفوقية، بلفظ المتكلِّم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّهَا) أي: صفية (أُمُّكُمْ) ليذكرهم أنَّها واجبةُ التَّعظيم (فَشَدَدْتُ الرَّحْلَ) وظاهرهُ أنَّ الَّذي قال ذلك وفعلَه أنسٌ، لكن مرَّ في أواخر «الجهاد» [خ¦٣٠٨٦] من وجهٍ آخر عن يحيى بنِ أبي إسحاق أنَّ الَّذي فعلَ ذلك أبو طلحةَ وأنَّ الَّذي قال: المرأة، رسولُ الله ﷺ ، وفي روايةٍ أُخرى عن يحيى بن أبي إسحاق نحو ذلك [خ¦٣٠٨٥] [خ¦٦١٨٥]. قال في «الفتح»: وهو المعتمدُ فإنَّ القصَّة واحدة، ومخرجُ الحديث واحدٌ، واتِّفاق اثنين أولى من انفرادِ واحدٍ، لا سيَّما أنَّ أنسًا كان إذ ذاكَ يصغرُ عن تَعاطي ذلك الأمر، ولكن لا يمتنعُ أن يساعدَ أبا طلحةَ أنسٌ على ذلك فيمتنعُ الإشكالُ (وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمَّا دَنَا) أي: قرب (-أَوْ رَأَى-) بالشَّكِّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ورأى» (المَدِينَةَ، قَالَ: آيِبُونَ) أي: راجعون (تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) يحتمل أن يتعلَّق قوله: «لربِّنا» بسابقهِ ولاحقهِ.
(١٠٣) (بابُ الاِسْتِلْقَاءِ) على القفا (وَوَضْعِ الرِّجْلِ عَلَى الأُخْرَى).
٥٩٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبةً إلى جدِّه وإلَّا فاسم أبيه: عبد الله الكوفيُّ (قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوف قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) المازنيِّ الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بنِ زيدٍ الأنصاريِّ: (أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَضْطَجِعُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «مضطجعًا» (فِي المَسْجِدِ رَافِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى) زاد الإسماعيليُّ في آخر الحديث: «وإنَّ أبا بكر كان
стр. 10637
يفعلُ ذلك وعمر وعثمان» وتمسَّك بذلك جماعةٌ، وخالفهم آخرون فقالوا: بالكراهةِ محتجِّين بحديث جابرٍ عند مسلم «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن اشتمالِ الصَّمَّاء، والاحتباءِ في ثوبٍ واحدٍ، وأن يرفعَ الرَّجل إحدى رجليهِ على الأُخرى، وهو مستلقٍ على قفاه».
وأُجيب بأنَّه منسوخٌ بفعلهِ ﷺ وفعلِ الخلفاء الثَّلاثة، ولا يجوزُ أن يخفى عليهم النَّسخ، ودَلالة الاستلقاء المترجم لها (١) من الحديثِ من جهةِ أنَّ رفعَ إحدى الرِّجلين على الأُخرى لا يتأتَّى إلَّا عند الاستلقاء، وسيكون لنا عودةٌ إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته إلى مباحث هذا الحديث في «الاستئذانِ» [خ¦٦٢٨٧].
وأمَّا وجه دخول هذه التَّرجمة في «اللِّباس» فمن حيث إنَّ الَّذي يفعلُ الاستلقاءَ لا يأمنُ الانكشافَ (٢)، لا سيَّما والاستلقاءُ يستدعِي النَّوم، والنَّائمُ لا يتحفَّظ، فكأنَّه أشارَ إلى أنَّ من فعلَ ذلك ينبغِي له أن يتحفَّظ لئلا ينكشفَ، كذا (٣) قاله في «الفتح» وفي الكِرمانيِّ نحوه.
وهذا الحديثُ مرَّ في «باب الاستلقاء في المسجد» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٧٥]، وأخرجهُ مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، والله الموفِّق (٤).
وهذا آخر «كتاب اللِّباس».
стр. 10638
(١) (بسم الله الرحمن الرحيم) قال في «فتح الباري» (٢): حذف بعضُهم البسملةَ.
((٧٨)) (كِتَابُ الأَدَبِ): وهو الأخذُ بمكارم الأخلاقِ، أو استعمالُ ما يُحمد قولًا وفعلًا، أو هو تعظيمُ مَن فوقك والرِّفق بمن دونكَ، أو الوقوفُ مع المستحسنات.
(١) (بابُ البِرِّ) للوالدينِ والأقربينَ وغيرِهم (وَالصِّلَةِ) للأرحامِ (٣)، قال القرطبيُّ: الرَّحمُ اسمٌ لكافَّة الأقاربِ من غير فرقٍ بين المَحْرمِ وغيرهِ، وأجمعوا على أنَّ صلةَ الرَّحِم واجبةٌ في الجملةِ وأنَّ قطيعتَها معصيةٌ كبيرةٌ، وللصِّلة درجاتٌ بعضُها أرفعُ من بعضٍ، وأَدْناها تركُ المهاجرةِ، وصلتها بالكلامِ ولو بالسَّلام، ويختلفُ ذلك باختلافِ القُدْرة (٤) والحاجةِ، فمنها واجبٌ، ومنها مستحبٌّ، ولو لم يصلْ غايتها لا يسمَّى قاطعًا، ولو قصَّر عمَّا يقدر عليه. والبرُّ عملُ كلِّ خيرٍ يفضِي بصاحبهِ إلى الجنَّة، وحذفَ بعضُهم لفظ «البرِّ والصِّلة» وفي الفرع كشط بعد قولهِ: «باب» وكتبَ بعده: (﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت: ٨]) وزاد في بعض النُّسخ «﴿حُسْنًا﴾» والمرادُ آيةُ
стр. 10639
العنكبوت، والَّذي في «اليونينيَّة» «بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾» ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ زيادة «﴿حُسْنًا﴾» و «وصَّى» حكمُه حكمُ «أمرَ» في معناه وتصرُّفِهِ. يقال: وصَّيْت زيدًا بأن يفعلَ خيرًا، كما تقول: أمرتُه بأن يفعلَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢] أي وصَّاهم بكلمة التَّوحيد وأمرَهم بها، وكذلك معنى قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ وصَّيناه بإيتاءِ والديهِ حسنًا، أو بإيلاءِ والديه حسنًا، أي: فعلًا ذا حُسْنٍ، أو ما هو في ذاتهِ حُسْنٌ لفرطِ حُسنه، ويجوزُ أن تجعلَ ﴿حُسْنًا﴾ من باب قولك: زيدًا بإضمارِ اضرب إذا رأيتَه متهيِّأً للضَّرب، فتنصبَه بإضمار أَوْلِهما أو افعلْ بهما؛ لأنَّ التَّوصية بهما دالَّةٌ عليه، وما بعدَه مطابقٌ له، كأنَّه قال: أَوْلِهما معروفًا، ولا تُطعهما في الشِّرك إذا حملاكَ عليه.
٥٩٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بن عبدِ الملك الطَّيالسيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج الحافظُ (١)، أبو بسطام (٢) العتكيُّ (قَالَ الوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ) وللأَصيليِّ: «العَيْزَار» (٣) بفتح العين المهملة وسكون التحتية وفتح الزاي وبعد الألف راء، ابن حريثٍ العبديُّ (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وهو من تقديم اسم الرَّاوي على الصِّيغة وهو جائزٌ، وكان شعبة يستعملُه كثيرًا، وليس في نسخة الفرع لفظ «أخبرني» وهو ثابتٌ (٤) في أصله (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو) بفتح العين، سعد بن إياسٍ (الشَّيْبَانِيَّ) بفتح المعجمة بعدها تحتية ساكنة فموحدة فألف فنون فياء نسبة (يَقُولُ: أَخْبَرَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ -وَأَوْمَأَ) بهمز في «اليونينية» (٥) أي: أشار (بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ-) بن مسعودٍ ﵁ (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ ؟)
стр. 10640
مبتدأ وخبر، والموضع معمولُ القول مقدَّرًا، أي: فقلت: أيُّ العمل، وأحبُّ أفعلُ تفضيل (قَالَ) ﷺ : (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ) عبدُ الله: ثمَّ قلت: يا رسول الله (ثُمَّ أَيُّ؟) ولم يضبطْ في الفرع كأصله (١) الياء، وكتب فوقَها في الفرع (٢): كذا. قال الفاكهانيُّ: الصَّواب عدمُ تنوينه؛ لأنَّه موقوفٌ عليه في الكلامِ والسَّائل ينتظرُ الجواب، والتَّنوين لا يُوقف عليه إجماعًا، فتنوينُه ووصلُه بما بعدَه خطأٌ فيوقفُ عليه وقفةً لطيفةً، ثمَّ يُؤتى بما بعدَه (قَالَ) ﷺ : (ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ) بالإحسانِ إليهما وفعلِ الجميلِ معهمَا وفعلِ ما يَسرُّهما، ويدخلُ فيه الإحسان إلى صديقِهما كما في «الصحيحين» (٣) وقال سفيانُ بن عُيينة في قولهِ تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]: من صلَّى الصَّلوات الخمس فقد شكرَ الله، ومن دعا لوالديهِ عقبَ الصَّلوات فقد شكرَ لهما. وسقطَ قوله: «ثمَّ» لأبي ذرٍّ. (قَالَ) عبد الله: قلتُ: (ثُمَّ (٤) أَيُّ؟ قَالَ) ﷺ : (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) (قَالَ) عبدُ الله: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (بِهِنَّ) ﷺ جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، وفيه تقريرٌ وتأكيدٌ لِمَا سبقَ، وأنَّه باشرَ السُّؤال وسمعَ (٥) الجواب (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) من هذا النَّوع وهو أفضلُ مراتب الأعمال، أو من مطلقِ المسائل المحتاجِ إليها (لَزَادَنِي) ووقعَ في «باب الإيمان» أوَّل الكتاب [خ¦١٢]: أنَّ إطعام الطَّعام خيرُ الأعمال. واستُشكل مع قولهِ هنا: «الصَّلاةُ على وقتِها».
وأُجيب بأنَّ الجواب اختلف باختلافِ أحوال السَّائلين، فأعلم كلَّ قومٍ بما يحتاجونَ إليه، أو بما لهم فيهِ رغبةٌ، أو بما هو لائقٌ بهمْ، أو كان الاختلافُ باختلافِ الأوقاتِ بأن يكون العملُ في ذلك الوقتِ أفضل منه في غيرهِ، فقد كان الجهادُ في ابتداءِ الإسلامِ أفضلَ الأعمال لأنَّه (٦) وسيلةٌ إلى القيامِ بها والتمكُّن من أدائهَا، وقد تظافرتِ النُّصوص على أنَّ الصَّلاة أفضلُ من الصَّدقة، ومع ذلك ففِي وقت مُواساة المضطرِّ تكون الصَّدقة أفضلَ، أو أنَّ أفضلَ ليست على بابها، بل المرادُ
стр. 10641
بها الفضلُ المطلقُ، فالمرادُ من أفضلِ الأعمالِ، فحُذِفتْ من وهي مُرَادة، والمرادُ الأعمال البدنيَّة فلا تعارضَ بين ذلك وبين حديثِ أبي هُريرة «أفضلُ الأعمالِ إيمانٌ بالله» [خ¦٢٦].
وهذا الحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٧].
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ).
٥٩٧١ - وبه قال (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) ولأبي ذرٍّ حذف «ابن سعيد» قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ عبد الحميد (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ) بضم الشين المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء وفتح الميم، ابن أخِي عبد الله بن شُبْرمة الضَّبيِّ الكوفيِّ، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وابن شبرمة» بزيادة واو. قال في «الفتح»: والصَّواب حذفها، فإنَّ رواية ابنِ شُبْرمة قد علَّقها المصنِّف عقبَ (١) رواية عُمارة (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قيل: هو معاويةُ بن حَيْدة (إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «إلى النَّبيِّ» (٢) (¬ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟) بفتح الصاد، مصدرٌ، كالصُّحبة بمعنى المصاحبة، ولأبي ذرٍّ: «مَن أحقُّ الناسِ بحسنِ صَحَابتي» (قَالَ:) أحقُّ النَّاس بحسنِ صحابتكَ (أُمُّكَ. قَالَ) الرَّجل: يا رسولَ الله (ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: ثمَّ أمُّك». (قَالَ): يا رسولَ الله (ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: ثمَّ أمُّك» كرَّر الأمَّ ثلاثًا لمزيدِ حقِّها (قَالَ) الرَّجل: (ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ) ﷺ في الرَّابعة: (ثُمَّ أَبُوكَ) وفي تكريرِ ذكرِ الأمِّ ثلاثًا إشارة إلى أنَّ الأمَّ تَستحقُّ على ولدها النَّصيب الأوفر من البرِّ، بل مقتضاهُ -كما قال ابن بطَّال-: أن يكون لها ثلاثة أمثالِ ما للأبِ من
стр. 10642
البرِّ؛ لصعوبةِ الحملِ ثمَّ الوضع ثمَّ الرَّضاع، والَّذي ذهب إليه الشَّافعيَّةُ أنَّ برَّهما يكونُ سواءً.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأدب»، وابنُ ماجه في «الوصايا».
(وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ) عبد الله قاضِي الكوفة عمُّ عمارة، فيما وصله مسلمٌ (وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) حفيدُ أبي زُرعة، ممَّا وصله المؤلِّف في «الأدب المفرد» وأحمدُ، قالا: (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) بن عَمرو بن (١) جرير (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديثِ السَّابق.
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُجَاهَدُ) بفتح الهاء في الفرع، وفوقها علامة الأَصيليِّ، وبكسرها (٢) لأبي ذرٍّ (إِلَّا بِإِذْنِ الأَبَوَيْنِ).
٥٩٧٢ - وبه قال (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بمهملات، ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعِيدٍ -بكسر العين المهملة (٣) - (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (وَشُعْبَةَ) بن الحجَّاج (قَالَا: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ) بفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة الأولى، ابنُ أبي ثابتٍ (ح) مهملة للتَّحويل (قَالَ) المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) أبو عبدِ الله العبديُّ، لم يُصبْ مَنْ ضعَّفَه، قال (٤): (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ حَبِيبٍ) هو ابنُ أبي ثابتٍ (عَنْ أَبِي العَبَّاسِ) بالمهملتين والموحدة، السَّائب الشَّاعر المكيِّ
стр. 10643
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاصي ﵄، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ، ويحتملُ أن يكونَ جَاهِمَة (١) بن العبَّاس (لِلنَّبِيِّ ﷺ : أُجَاهِدُ؟) بضم الهمزة. (قَالَ) ﷺ له: (ألَكَ أَبَوَانِ) لم يُسمَّيا (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) ﵊: إن كان لك أبوان (فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) أي: ارجعْ فابلغْ جهدَك في برِّهما والإحسانِ إليهما، فإنَّ ذلك يكونُ لك مَقام قتالِ الكفَّار.
وهذا الحديثُ قد سبقَ في «بابِ الجهادِ بإذنِ الأبوينِ» من «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠٠٤].
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) ولا أحدهما، أي: لا يكونُ سببًا لذلك، فالإسناد مجازيٌّ.
٥٩٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس الكوفيُّ، ونسبه لجدِّه، قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدِ بن عبد الرَّحمن بنِ عوف (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي ابن العاصي (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ) وللتِّرمذيِّ «من الكبائر» والأولى تقتضِي أنَّ الكبائر متفاوتةٌ بعضها أكبر من بعضٍ، وإليه ذهب الجمهورُ، وإنَّما كان السَّبب من أكبر الكبائر؛ لأنَّه نوعٌ من العقوقِ، وهو إساءةٌ في مقابلةِ إحسان الوالدين، وكفرانٌ لحقوقهما (أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) ترجم بلفظ السَّبِّ، وساقه بلفظ اللَّعن إشارةً إلى ما وقع في بقيَّة الحديث (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟) هو استبعادٌ من السَّائل لأنَّ الطَّبع المستقيم يأبى ذلك (قَالَ) ﵊: (يَسُبُّ الرَّجُلُ) سقط لفظ «الرَّجل» للأَصيليِّ ولأبي (٢) الوقتِ (أَبَا الرَّجُلِ (٣)،
стр. 10644
فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أَمَّهُ) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ وأبو الوقتِ: «فيسبُّ أمَّه» فبيَّن أنَّه وإن لم يتعاطَ السَّبَّ بنفسه فقد يقعُ منه التَّسبب، فإذا كان التَّسبب في لعنِ الوالدين من أكبرِ الكبائر، فالتَّصريح بلعنهما أشدُّ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» وأبو داود في «الأدبِ» والتِّرمذيُّ في «البرِّ».
(٥) (بابُ إِجَابَةِ دُعَاءِ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ).
стр. 10645
٥٩٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن الحَكَم بن محمَّد بن سالم (١) بن أبي مريم، أبو محمَّدٍ الجُمَحيُّ، مَولاهم المصريُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) الأسديُّ مَولاهم، أبو إسحاقُ المدنيُّ الثِّقة، تُكُلِّمَ فيه بلا حجَّةٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (نَافِعٌ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) ممَّن كان قبلكم (يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَمَالُوا) وللأَصيليِّ: «فأووا» (إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ) وللأَصيليِّ: «في جبلٍ» (فَانْحَطَّتْ) بالحاء والطاء المشددة المهملتين (عَلَى فَمِ غَارِهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على بابِ غارهِم» (صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ) بهمزة قطعٍ مفتوحة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فتطابقتْ» (عَلَيْهِمْ) من أَطْبَقْتُ الشَّيء إذا غطَّيتُه (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً) أي خالصةً لوجههِ لا رياءَ فيها ولا سُمْعة، كما يدلُّ عليه قوله بعدُ: ابتغاءِ وجهكَ (فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا) بفتح أوله وسكون الفاء وضم الراء، كذا في الفرع مُصَلَّحةً على كشطٍ لفتحةِ أوَّله، وقال العينيُّ: بكسر الراءِ. قال: وقال ابن التين: وكذا قرأناهُ (فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ) بكسر الصاد، جمع صبيٍّ (كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ) ضمَّن «أرعى» مَعنى الإنفاق، وعدَّاه بعلى، أي: أنفقُ عليهم راعيًا الغنيمات (فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ (٣)) أي إذا رددتُ الماشية من المرعى إلى موضع مبيتِها، فضمَّن «رُحْت» معنى رَدَدت (فَحَلَبْتُ) عطف على «رُحْت» وجواب «فإذا» قوله: (بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ) بفتح الدال على التَّثنية، حالَ كوني (أَسْقِيهِمَا) أو أسقيهما استئنافُ بيانٍ للعلَّة (قَبْلَ وَلَدِي) بكسر الدال وتخفيف التَّحتية (وَإِنَّهُ نَأَى) بتقديم النون على الهمزة، أي: بَعُد (بِيَ الشَّجَرُ) الَّتي ترعاهُ (٤) المواشي، والشَّجر: بالشين المعجمة والجيم، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «السَّحر» بالسين والحاء المهملتين. قال في «الفتح»: والأوَّل أولى، فإنَّ في الخبرِ أنَّه رجعَ بعد أن نامَا (٥) فأقامَ ينتظرُ استيقاظهما إلى