← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 10641–10680 · переход к 10646.

стр. 10641

بها الفضلُ المطلقُ، فالمرادُ من أفضلِ الأعمالِ، فحُذِفتْ من وهي مُرَادة، والمرادُ الأعمال البدنيَّة فلا تعارضَ بين ذلك وبين حديثِ أبي هُريرة «أفضلُ الأعمالِ إيمانٌ بالله» [خ¦٢٦]. وهذا الحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٧]. (٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ). ٥٩٧١ - وبه قال (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) ولأبي ذرٍّ حذف «ابن سعيد» قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ عبد الحميد (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ) بضم الشين المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء وفتح الميم، ابن أخِي عبد الله بن شُبْرمة الضَّبيِّ الكوفيِّ، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وابن شبرمة» بزيادة واو. قال في «الفتح»: والصَّواب حذفها، فإنَّ رواية ابنِ شُبْرمة قد علَّقها المصنِّف عقبَ (١) رواية عُمارة (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قيل: هو معاويةُ بن حَيْدة (إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «إلى النَّبيِّ» (٢) (¬ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟) بفتح الصاد، مصدرٌ، كالصُّحبة بمعنى المصاحبة، ولأبي ذرٍّ: «مَن أحقُّ الناسِ بحسنِ صَحَابتي» (قَالَ:) أحقُّ النَّاس بحسنِ صحابتكَ (أُمُّكَ. قَالَ) الرَّجل: يا رسولَ الله (ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: ثمَّ أمُّك». (قَالَ): يا رسولَ الله (ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: ثمَّ أمُّك» كرَّر الأمَّ ثلاثًا لمزيدِ حقِّها (قَالَ) الرَّجل: (ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ) ﷺ في الرَّابعة: (ثُمَّ أَبُوكَ) وفي تكريرِ ذكرِ الأمِّ ثلاثًا إشارة إلى أنَّ الأمَّ تَستحقُّ على ولدها النَّصيب الأوفر من البرِّ، بل مقتضاهُ -كما قال ابن بطَّال-: أن يكون لها ثلاثة أمثالِ ما للأبِ من

стр. 10642

البرِّ؛ لصعوبةِ الحملِ ثمَّ الوضع ثمَّ الرَّضاع، والَّذي ذهب إليه الشَّافعيَّةُ أنَّ برَّهما يكونُ سواءً. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأدب»، وابنُ ماجه في «الوصايا». (وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ) عبد الله قاضِي الكوفة عمُّ عمارة، فيما وصله مسلمٌ (وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) حفيدُ أبي زُرعة، ممَّا وصله المؤلِّف في «الأدب المفرد» وأحمدُ، قالا: (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) بن عَمرو بن (١) جرير (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديثِ السَّابق. (٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُجَاهَدُ) بفتح الهاء في الفرع، وفوقها علامة الأَصيليِّ، وبكسرها (٢) لأبي ذرٍّ (إِلَّا بِإِذْنِ الأَبَوَيْنِ). ٥٩٧٢ - وبه قال (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بمهملات، ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعِيدٍ -بكسر العين المهملة (٣) - (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (وَشُعْبَةَ) بن الحجَّاج (قَالَا: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ) بفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة الأولى، ابنُ أبي ثابتٍ (ح) مهملة للتَّحويل (قَالَ) المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) أبو عبدِ الله العبديُّ، لم يُصبْ مَنْ ضعَّفَه، قال (٤): (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ حَبِيبٍ) هو ابنُ أبي ثابتٍ (عَنْ أَبِي العَبَّاسِ) بالمهملتين والموحدة، السَّائب الشَّاعر المكيِّ

стр. 10643

(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاصي ﵄، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ، ويحتملُ أن يكونَ جَاهِمَة (١) بن العبَّاس (لِلنَّبِيِّ ﷺ : أُجَاهِدُ؟) بضم الهمزة. (قَالَ) ﷺ له: (ألَكَ أَبَوَانِ) لم يُسمَّيا (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) ﵊: إن كان لك أبوان (فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) أي: ارجعْ فابلغْ جهدَك في برِّهما والإحسانِ إليهما، فإنَّ ذلك يكونُ لك مَقام قتالِ الكفَّار. وهذا الحديثُ قد سبقَ في «بابِ الجهادِ بإذنِ الأبوينِ» من «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠٠٤]. (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) ولا أحدهما، أي: لا يكونُ سببًا لذلك، فالإسناد مجازيٌّ. ٥٩٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس الكوفيُّ، ونسبه لجدِّه، قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدِ بن عبد الرَّحمن بنِ عوف (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي ابن العاصي (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ) وللتِّرمذيِّ «من الكبائر» والأولى تقتضِي أنَّ الكبائر متفاوتةٌ بعضها أكبر من بعضٍ، وإليه ذهب الجمهورُ، وإنَّما كان السَّبب من أكبر الكبائر؛ لأنَّه نوعٌ من العقوقِ، وهو إساءةٌ في مقابلةِ إحسان الوالدين، وكفرانٌ لحقوقهما (أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) ترجم بلفظ السَّبِّ، وساقه بلفظ اللَّعن إشارةً إلى ما وقع في بقيَّة الحديث (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟) هو استبعادٌ من السَّائل لأنَّ الطَّبع المستقيم يأبى ذلك (قَالَ) ﵊: (يَسُبُّ الرَّجُلُ) سقط لفظ «الرَّجل» للأَصيليِّ ولأبي (٢) الوقتِ (أَبَا الرَّجُلِ (٣)،

стр. 10644

فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أَمَّهُ) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ وأبو الوقتِ: «فيسبُّ أمَّه» فبيَّن أنَّه وإن لم يتعاطَ السَّبَّ بنفسه فقد يقعُ منه التَّسبب، فإذا كان التَّسبب في لعنِ الوالدين من أكبرِ الكبائر، فالتَّصريح بلعنهما أشدُّ. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» وأبو داود في «الأدبِ» والتِّرمذيُّ في «البرِّ». (٥) (بابُ إِجَابَةِ دُعَاءِ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ).

стр. 10645

٥٩٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن الحَكَم بن محمَّد بن سالم (١) بن أبي مريم، أبو محمَّدٍ الجُمَحيُّ، مَولاهم المصريُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) الأسديُّ مَولاهم، أبو إسحاقُ المدنيُّ الثِّقة، تُكُلِّمَ فيه بلا حجَّةٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (نَافِعٌ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) ممَّن كان قبلكم (يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَمَالُوا) وللأَصيليِّ: «فأووا» (إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ) وللأَصيليِّ: «في جبلٍ» (فَانْحَطَّتْ) بالحاء والطاء المشددة المهملتين (عَلَى فَمِ غَارِهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على بابِ غارهِم» (صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ) بهمزة قطعٍ مفتوحة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فتطابقتْ» (عَلَيْهِمْ) من أَطْبَقْتُ الشَّيء إذا غطَّيتُه (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً) أي خالصةً لوجههِ لا رياءَ فيها ولا سُمْعة، كما يدلُّ عليه قوله بعدُ: ابتغاءِ وجهكَ (فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا) بفتح أوله وسكون الفاء وضم الراء، كذا في الفرع مُصَلَّحةً على كشطٍ لفتحةِ أوَّله، وقال العينيُّ: بكسر الراءِ. قال: وقال ابن التين: وكذا قرأناهُ (فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ) بكسر الصاد، جمع صبيٍّ (كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ) ضمَّن «أرعى» مَعنى الإنفاق، وعدَّاه بعلى، أي: أنفقُ عليهم راعيًا الغنيمات (فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ (٣)) أي إذا رددتُ الماشية من المرعى إلى موضع مبيتِها، فضمَّن «رُحْت» معنى رَدَدت (فَحَلَبْتُ) عطف على «رُحْت» وجواب «فإذا» قوله: (بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ) بفتح الدال على التَّثنية، حالَ كوني (أَسْقِيهِمَا) أو أسقيهما استئنافُ بيانٍ للعلَّة (قَبْلَ وَلَدِي) بكسر الدال وتخفيف التَّحتية (وَإِنَّهُ نَأَى) بتقديم النون على الهمزة، أي: بَعُد (بِيَ الشَّجَرُ) الَّتي ترعاهُ (٤) المواشي، والشَّجر: بالشين المعجمة والجيم، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «السَّحر» بالسين والحاء المهملتين. قال في «الفتح»: والأوَّل أولى، فإنَّ في الخبرِ أنَّه رجعَ بعد أن نامَا (٥) فأقامَ ينتظرُ استيقاظهما إلى

стр. 10646

الصَّباح حتَّى انتبها من قبل أنفسهمَا، وزاد المُستملي: «يومًا» (فَمَا أَتَيْتُ) من المرعى (حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ) بفتح اللام (كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ) بضم اللام (فَجِئْتُ بِالحِلَابِ) بكسر الحاء المهملة، أي: الإناء الَّذي يُحْلَبُ فيه أو باللَّبن المحلوب (فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا) بضم الهمزة (مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ) في السَّقي (قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ) بالضاد والغين المعجمتين المفتوحتين بينهما ألف وبعد الواو الساكنة نون، يضجُّون ويصيحون من الجوعِ (عِنْدَ قَدَمَيَّ) بلفظ التَّثنية، ولعلَّه (١) كان في شريعتِهم تقديمُ نفقةِ الأصول على الفروعِ (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ) أي: دأبَ الوالدين والصِّبيَّة (حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ) بضم الراء (لَنَا) في هذه الصَّخرة (فُرْجَةً) بضم الفاء وسكون الراء (نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ) ، بتخفيف الراء من ففرجَ الله (لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ) بإثبات النون لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، وبحذفها له عن الكُشميهنيِّ، وسقط للأَصيليِّ لفظ «فُرْجة» (وَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانت لِي ابْنَةُ عَمٍّ) ولأبي ذرٍّ: «بنت عمٍّ» (أُحِبُّهَا) بضم الهمزة وكسر الحاء المهملة (كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «الرجل» بالإفراد، وأشدُّ صفة مصدرٍ محذوفٍ، و «ما» مصدريَّة، أي: أحبُّها حبًّا مثل أشدِّ حبِّ الرِّجال النِّساء (فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا) قال في «النهاية»: يقال: طلب إليَّ (٢) فلانٌ فأَطْلَبتُه، أي: أسعفْتُه بما طلبَ، والطَّلِبَة (٣) الحاجةُ، والإطلابُ إنجازُها، وقال في «شرح المشكاة»: يجوز أن يضمنَ فيه مَعنى الإرسال، أي: أرسلتُ إليها طالبًا نفسها (فَأَبَتْ) أي: فامتنعَتْ (٤) (حَتَّى آتِيَهَا بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِئَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيتُهَا بِهَا) بكسر القاف، أي: فلقيتُ ابنة عمِّي بالمئة دينارٍ (فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ) كنايةً عن البكارةِ، إلَّا بحقِّه (فَقُمْتُ عَنْهَا) وهي أحبُّ النَّاس إليَّ (اللَّهُمَّ فَإِنْ) قال في «شرح المشكاة»: عطف على مقدَّر، أي: اللَّهم فعلت ذلك فإن (كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ) وسقط «قد»

стр. 10647

للأَصيليِّ وأبي ذرٍّ (١) (فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا) من الصَّخرة فُرْجة (فَفَرَجَ) الله (لَهُمْ فُرْجَةً). ويجوز أن تكون «اللَّهم» مُقحمة بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه؛ لتأكيدِ الابتهال والتَّضرُّع إلى الله تعالى، فلا يُقدَّر معطوفٌ عليه، ويدلُّ عليه القرينةُ السَّابقة واللَّاحقة، وإنَّما كرَّر «اللَّهم» في هذهِ القرينةِ دون أختيهَا لأنَّ هذا المقام أصعبُ المقاماتِ وأشقُّها، فإنَّه ردعٌ لهوى النَّفس خوفًا من الله تعالى ومقامه. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] قال (٢) الشَّيخ أبو حامد: شهوة الفرجِ أغلبُ الشَّهوات على الإنسانِ وأَعْصاها عند الهيجانِ على العقلِ، فمن تركَ الزِّنا خوفًا من الله مع القدرةِ، وارتفاعِ الموانعِ، وتيسُّر الأسبابِ لا سيَّما عند صدقِ الشَّهوة نالَ درجةَ الصِّديقين (وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا) واحدًا (بِفَرَقِ أَرُزٍّ) بفتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي، والفرَق -بفتح الراء- مكيالٌ يسعُ تسعة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مدًّا وثلاثة آصُع عندَ أهل الحجازِ (فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ، قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي) بقطع الهمزة (فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي، وَأَعْطِنِي حَقِّي) بفتح الهمزة (فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ البَقَرِ) بالتَّذكير، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «إلى تلك البقر» اسمُ جمع (٣) يجوزُ تذكيرهُ وتأنيثُه (وَرَاعِيهَا. فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي) بهمزةٍ ساكنةٍ، مجزومًا (٤) على النَّهي (فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْ ذَلِكَ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «تلك» (البَقَرَ وَرَاعِيَهَا، فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا (٥)، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ) لنا (مَا بَقِيَ) من هذه الصَّخرة (فَفَرَجَ اللهُ) (عَنْهُمْ) وسقط من قولهِ: «وقال الثَّاني … » إلى آخره لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي، وقال بعد قولهِ: يرون منها السَّماء: «وقصَّ الحديثَ بطولهِ». وهذا الحديثُ سبقَ في «باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٢١٥].

стр. 10648

(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: يذكرُ فيه (عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) وهو إيذاؤهما بأيِّ نوعٍ كان من أنواعِ الأذى قَلَّ أو كَثُرَ نهيا عنه، أو لم ينهيا عنهُ، أو مُخَالفتهما فيما يأمرانِ، أو ينهيانِ، بشرط انتفاءِ المعصية في الكلِّ (مِنَ الكَبَائِرِ، قَالَهُ) عبدُ الله (١) (ابْنُ عَمْرٍو) بفتح العين في الفرع، وعزاهُ في «الفتح» للأَصيليِّ، أي: عبد الله بن عَمرو بن العاصي، ولأبي ذرٍّ كما قال الحافظ ابن حجرٍ: «عُمر» بضم العين. قال: وبالفتح لأبي ذرٍّ (٢)، وفي بعضِ النُّسخ وهو المحفوظُ، ووصلَه المؤلِّف في «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٧٥] من روايةِ الشَّعبيِّ عن عبدِ الله بن عَمرو بن العاصي (عن النَّبيِّ ﷺ ¬) بلفظ: «الكبائرُ الإشراكُ باللهِ، وعقوقُ الوالدين، وقتلُ النَّفس، واليمينُ الغَمُوس». ٥٩٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) أبو محمَّدٍ الطَّلحيُّ، من ولدِ طلحةَ بن عُبيد الله القرشيِّ التَّيميِّ، وقيل: هو مَولى آل طلحةَ بن عُبيد الله، هو الكوفيُّ الضَّخم، و «سَعْد» بسكون العين، وفي الفرع بكسرها بعدها تحتية، ولعلَّه سبقُ قلمٍ من ناسخهِ إذ ليس في مشايخ المؤلِّف من اسمه سعيد بن حفص بالتَّحتية بعد الكسر. نعم، سعيدُ بن حفص -بالتحتية- النُّفَيلي -بالنون والفاء، مصغَّرًا- أبو عَمرو الحرانيُّ يَروي عن زُهير، ومعقل بن عبيد الله، وروى عنه بقيُّ بن مخلدٍ والحسن بن سفيان، وهو صدوقٌ، ولكن (٣) اختلطَ في آخر عمره ولم (٤) يرو عنه أحدٌ من أصحابِ الكتب السِّتَّة إلَّا النَّسائيُّ فيما أعلمُ، قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية بعدها موحدة فألف فنون، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ المؤدِّب التَّيميُّ،

стр. 10649

مَولاهم البصريُّ، أبو معاوية، ولم يرو سعد بنُ حفص في «البخاريِّ» عن غيره (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنِ المُسَيَّبِ) بفتح التحتية المشددة، ابن رافعٍ الكاهليِّ (عَنْ وَرَّاد) بفتح الواو والراء المشددة، كاتبِ المغيرة ومولاه (عَنِ المُغِيرَةِ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن شعبة» ﵁ (عَنِ النَّبيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ اللهَ) (حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ) بضم العين المهملة، من العقِّ، وهو القطعُ والشَّقُّ، فهو شقُّ عصا الطَّاعة للوالدين، وذكر الأمهات اكتفاءً بذكرهنَّ عن الآباءِ، أو لأنَّ عقوقهنَّ فيه مزيَّةٌ (١) في القبحِ، أو لعجزهنَّ غالبًا (وَمَنْعَ) ما عليكم إعطاؤهُ، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «ومنعًا» -وفي بعضها بدون ألف (٢) - بالتَّنوين على اللُّغة الرَّبيعيَّة (وَهَاتِ) بكسر آخره، فعل أمرٍ من الإيتاء، والأصل آت، فقلبت الهمزة هاء، أي: وحرَّم عليكم طلبَ ما ليس لكم أخذهُ (وَ) حرَّم عليكم (وَأْدَ البَنَاتِ) بفتح الواو وسكون الهمزة، دفنهنَّ في القبر أحياء لِمَا فيه من قطعِ النَّسل الَّذي هو موجبُ خراب العالم. قيل: وأوَّل من فعل ذلك قيسُ بن عاصمٍ التَّميميُّ (وَكَرِهَ) تعالى (لَكُمْ (٣) قِيلَ وَقَالَ) وهو ما يكون من فضول المجالسِ ممَّا يتحدَّث به فيها، كقيل كذا وكذا ممَّا لا يصحُّ ولا تعلم (٤) حقيقتهُ وربَّما جرَّ إلى غيبةٍ أو نميمةٍ، أمَّا من قال ما يصحُّ وعرفَ حقيقتهُ وأسندَه إلى ثقةٍ صدوقٍ ولم (٥) يجرَّ إلى منهيٍّ عنه فلا وجه لذمِّه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قيلًا وقالًا» بالتَّنوين فيهما، والأشهرُ عدمه فيهما، وقول الجوهريِّ: إنَّهما اسمان مستدلًّا بأنَّه يقال: كثير (٦) القيلِ والقالِ بدخول الألفِ واللَّام عليهما، متعقَّبٌ بقولِ ابنِ دقيق العيد: لو كانا اسمين بمعنى واحدٍ كالقولِ لم يكن لعطف أحدِهما على الآخر فائدةٌ. وقال في «التنقيح»: المشهورُ عندَ أهلِ اللُّغة فيهما أنَّهما اسمان مُعربان ويدخلهما الألفُ واللَّام، والمشهورُ في هذا الحديثِ بناؤهما على الفتحِ على أنَّهما فعلان ماضيان، فعلى هذا يكون التَّقدير: ونهى عن قول: قيل وقال، وفيهما ضميرٌ فاعل مُستتر، ولو روي بالتَّنوين

стр. 10650

لجازَ. قال في «المصابيح»: لا حاجةَ إلى ادعاءِ استتارِ ضميرٍ فيهما، بل هما فعلانِ ماضيان على رأي ابنِ مالكٍ في جوازِ جريان الإسنادِ إلى الكلمةِ في أنواعها الثَّلاثة نحو زيد ثلاثي، وضربَ فعلٌ ماض، ومِن حرف جرٍّ، ولا شكَّ أنَّهما مسندٌ إليهما في التَّقدير؛ إذ المعنى: قيل وقال كرههمَا ﵊، أو اسمان عند الجمهورِ والفتح على الحكايةِ، وينكرونَ أن يكون غير الاسمِ مسندًا إليه، كما هو مقرّر في محلِّه. انتهى. (وَ) كره تعالى لكم (كَثْرَةَ السُّؤَالِ) له ﷺ عن المسائل الَّتي لا حاجةَ إليها، كما قال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] أو المراد لا تسألوا في العلمِ سؤالَ امتحانٍ ومِرَاءٍ وجِدَالٍ، أو لا تسألوا عن أحوالِ النَّاس (وَ) كرهَ لكم أيضًا (إِضَاعَةَ المَالِ) بإنفاقهِ في غيرِ ما أذن فيه شرعًا لأنَّ الله تعالى جعلَ المالَ قيامًا لمصالحِ العباد، وفي تبذيرهِ (١) تفويت لذلك، والَّذي صحَّحه النَّووي أن صرفه في الصَّدقة ووجوهِ الخير والمطاعمِ والملابس الَّتي لا تليقُ بحاله ليس بتبذيرٍ؛ لأنَّ المال يتَّخذُ لينتفع به ويلتذَّ (٢). وهذا الحديث سبقَ في «باب قولهِ تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٧٧] وفي «الاستقراض» [خ¦٢٤٠٨] أيضًا. ٥٩٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٣)، ولأبي ذرٍّ بالجمع (إِسْحَاقُ) بن شاهين بنِ الحارث الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابنُ عبد الله الطَّحَّان (الوَاسِطِيُّ، عَنِ الجُرَيْرِيِّ) بضم الجيم

стр. 10651

وفتح الراء الأولى بعدها تحتية ساكنة، سعيدِ بن إياسِ بنِ مسعودٍ البصريِّ، والجُرَيريِّ نسبةً إلى جريرِ بنِ عباد (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرةَ نُفَيع (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَا) بالتَّخفيف حرف استفتاح وضعَ لتنبيهِ المخاطبِ على ما يتكلَّم به من بعدهِ (أُنَبِّئُكُمْ) أخبرُكم (بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟) جمع كبيرةٍ، وأصله وصف مؤنَّث، أي: الفعلةُ الكبيرةُ ونحوها، وكبرهَا باعتبار شدَّة مَفْسدتها وعِظَمِ إثمها (قُلْنَا) ولأبي ذرٍّ: «فقلنا»: (بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) أَخْبرنا (قَالَ) ﷺ : أحدُها (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) غيره في العبادةِ والألوهيَّة، أو المراد مطلقُ الكفر على أيِّ نوعٍ كان وهو المرادُ هنا، وحينئذٍ فالتَّعبير بالإشراكِ لغلبتهِ في الوجودِ لا سيَّما في بلاد العرب، ولو أريدَ الأوَّل لكان محكومًا بأنَّه أعظمُ أنواع الكفْرِ، ولا ريبَ أنَّ التَّعطيل أقبحُ منه وأشدُّ لأنَّه نفيٌ مطلقٌ والإشراكُ إثباتٌ (وَ) ثانيهما (١) (عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) معطوفٌ على سابقهِ، وهو مصدر عقَّ والدَه يعقُّه عُقُوقًا فهو عاقٌّ إذا آذاهُ وعصاهُ، وهو ضدُّ البرِّ، وأمَّا العقوق المحرَّم شرعًا فقال ابن عبد السَّلام: لم أقفْ له على ضابطٍ أعتمدُ عليه، فإنَّه لا يجبُ طاعتهما في كلِّ ما يأمران به وينهيان عنه اتِّفاقًا، وقالوا: يحرمُ على الولدِ الجهاد بغيرِ إذنهما لِمَا يشقُّ عليهما من توقُّع قتلهِ، أو قطع شيءٍ منه. نعم، في «فتاوى ابن الصلاح» العقوقُ المحرَّم كلُّ فعلٍ يتأذَّى به الوالد تأذِّيًا ليس بالهيِّن مع كونهِ ليس من الأفعالِ الواجبةِ. قال: وربَّما قيل: طاعة الوالدين واجبةٌ في كلِّ ما ليس بمعصيةٍ، ومخالفة ذلك عقوق (وَكَانَ) ﵊ (مُتَّكِئًا فَجَلَسَ) جملةٌ مِن كان واسمها وخبرِها (فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ) من عطف التَّفسير لأنَّ قول الزُّور أعمُّ من أن يكون كُفرًا، ومِن أن يكون شهادةً أو كذبًا آخر من الكذبات، أو من عطفِ الخاصِّ على العامِّ تعظيمًا لهذا النَّوع لِمَا يترتَّب عليه من المفاسد. قال (٢) الشَّيخ ابنُ دقيق العيد: ينبغي أن يحملَ قول الزُّور على شهادة الزُّور (٣)، فإنَّا لو حملناهُ على الإطلاق لزم أن تكون الكِذْبة الواحدة مطلقًا كبيرةً، وليس كذلك، وإن كانت مراتب الكذبِ متفاوتةً بحسب تفاوتِ مفاسده (أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ) ذكرها مرَّتين، لكن في الفرع شطب على الثَّاني وهو: «ألا … » إلى آخرهِ،

стр. 10652

وعليه علامة السُّقوط لأبوي الوقتِ وذرٍّ والأَصيليِّ. قال أبو بكرةَ: (فَمَا زَالَ) ﵊ (يَقولهَا) ألا وقول الزُّور ألا وشهادة الزُّور، فيعود الضَّمير عليها لا غير (حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ) وكرَّر «ألَا» تنبيهًا على استقباح الزُّور وكرَّره دون الأوَّلين لأنَّ النَّاس يهونُ عليهم أمرهُ فيظنون أنَّه دون سابقهِ، فهوَّل ﷺ أمرهُ ونفَّر عنه حين كرَّره، فحصلَ في مبالغة النَّهي عنه ثلاثة أشياء: الجلوس وكان متَّكئًا، واستفتاحه بألا الَّتي تفيدُ تنبيه المخاطبِ وإقباله على سماعهِ، وتكرير ذكرهِ مرَّتين بل في رواية ثلاثًا، ثم أكَّد تأكيدًا رابعًا بقوله: قول الزُّور وشهادة الزُّور، وهما في المعنى واحد، كما مرَّ ذكر ما فيه. وقد قيل: إنَّه يؤخذ من قولهِ: «ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر» انقسام الذُّنوب إلى كبائر وصغائر وهو قول عامَّة الفقهاء. وقال أبو إسحاق الإسفرايينيُّ: ليس في الذُّنوب صغيرةٌ بل كلُّ ما نهى عنه كبيرة، وهو منقولٌ عن ابن عبَّاس، وحكاه عياض عن المحقِّقين. وقال إمام الحرمين في «الإرشاد»: المرضي (١) عندنا أنَّ كلَّ ذنبٍ يُعصى الله به كبيرةٌ، فربَّ شيءٍ يعدُّ صغيرةً بالإضافة إلى الأقران (٢)، ولو كان في حقِّ الملك لكان كبيرةً، والربُّ أعظمُ من عُصِي، فكلُّ ذنبٍ بالإضافة إلى مخالفتهِ عظيمٌ، ولكن الذُّنوب وإن عظُمَت فهي متفاوتةٌ في رُتَبها، وظنَّ بعض النَّاس أنَّ الخلاف لفظيٌّ فقال: التَّحقيق أنَّ للكبيرةِ اعتبارين فبالنِّسبة إلى مُقايسة بعضها ببعضٍ فهي تختلفُ قطعًا، وبالنِّسبة إلى الآمر والنَّاهي فكلُّها كبائر. انتهى. فحقَّق ﵀ المنقول عن الأشاعرةِ، وبيَّن أنَّه لا يخالفُ ما قاله الجمهور. وقال النَّوويُّ: اختلفوا في ضَبْطِ الكبيرةِ اختلافًا كبيرًا (٣) منتشرًا، فعن ابن عبَّاس: «كلُّ ذنبٍ ختمَه اللهُ بنارٍ، أو غضبٍ، أو لعنةٍ، أو عذابٍ، وقيل: ما أوعدَ الله عليه بنارٍ في الآخرةِ، أو أوجبَ فيه حدًّا في الدُّنيا». انتهى. وليس قوله: «أكبر الكبائر» على ظاهره من الحصرِ بل «مِنْ» فيه مقدَّرة، فقد ثبتَ في أشياء أُخر أنَّها مِن أكبرِ الكبائر، كقتلِ النَّفس، والزِّنا بحليلة الجارِ، واليمين الغموس، وسوءُ الظَّنِّ بالله.

стр. 10653

والحديث مضى في «الشَّهادات» في «باب ما قيل في شهادةِ الزُّور» [خ¦٢٦٥٤]. ٥٩٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ) بن عبد الحميد البُسْريُّ -بضم الموحدة وسكون المهملة- القرشيُّ البصريُّ، من ولد بُسْر بن أبي أَرْطأة، الملقَّب بحمدان قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدر (قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (ابْنُ أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن أنس بنِ مالكٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ) بضم السين وكسر الهمزة (عَنِ الكَبَائِرِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (فَقَالَ) ﵊: هي (١) (الشِّرْكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ) الَّتي حرَّم الله قتلها إلَّا بالحقِّ كالقصاصِ والقتل على الرِّدَّة والرَّجم (وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) فَقَالَ: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟) «أكبر» أفعلُ تفضيلٍ، استُعمل هنا بالإضافة، والتَّقدير ألا أنبِّئكم بخصالِ أكبرِ الكبائر، زاد في الرِّواية السَّابقة فقلنا: بلى [خ¦٥٩٧٦] (قَالَ) ﵊: هو (قَوْلُ الزُّورِ -أَوْ قَالَ (٢): شَهَادَةُ الزُّورِ-) وضابط الزُّور وصفُّ الشَّيء على خلاف ما هو به، وقد يُضاف إلى القول فيشملُ الكذب والباطلَ، وقد يضاف إلى الشَّهادة فيختصُّ بها، وقد يُضاف إلى الفعل ومنه لابس ثوبَيْ زورٍ (قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج -بالسَّند المذكور-: (وَأَكْثَرُ ظَنِّي) بالمثلثة، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «وأكبرُ» بالموحدة (أَنَّهُ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ) وقد وقع الجزمُ بذلك في روايةِ وهب بن جريرٍ، وعبد الملك ابنِ إبراهيم، في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٣] قال فيه: «وشهادة الزُّور» ولم يشكَّ، ولمسلم من رواية ابنِ الحارث، عن شُعبة: «وقول الزُّور» ولم يشكَّ أيضًا، وظاهر الحديث أنَّه خصَّ أكبر الكبائر بقول الزُّور، ولكن الرِّواية السَّابقة مؤذنةٌ باشتراكِ الأربعة في ذلك. والحديث سبق في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٣].

стр. 10654

(٧) (باب) مشروعيَّة (صِلَةِ الوَالِدِ المُشْرِكِ) من جهةِ ولدهِ المؤمن. ٥٩٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير بن عيسى القرشيُّ المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروةُ بن الزُّبير قال: (أَخْبَرَتْنِي) بتاء التأنيث والإفراد (أَسْمَاءُ ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «بنت» (أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄¬) أنَّها (١) (قَالَتْ: أَتَتْنِي أُمِّي) قُتَيْلَة (٢) -على الأصحِّ- بنت عبد العزَّى، في مدَّة صلحِ الحديبيَة، زاد الإمامُ أحمدُ وهي مشركةٌ في عهدِ قريش، حالَ كونها (رَاغِبَةً) في برِّي وصلتِي، أو راغبةً عن الإسلام كارهةً له، ولأبي ذرٍّ: «وهي راغبةٌ» (فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ آصِلُهَا؟) بمد الهمزة على الاستفهام (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) صليها (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سُفيان: (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨]) وتمام الآية ﴿وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] وهي رخصةٌ من الله تعالى في صلة الَّذين لم يُعادوا المؤمنين ولم يُقاتلوهم، وقيل: إنَّ هذا كان في أوَّل الإسلام عند المُوادعة وترك الأمر بالقتالِ، ثمَّ نسخ بآية ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقيل: المراد بذلك النِّساء والصِّبيان لأنَّهم ممَّن لا يقاتلُ فأذنَ الله في برِّهم، وقال أكثرُ أهل التَّأويل: هي محكمةٌ، واحتجَّوا بحديث أسماء، بل قيل: إنَّها نزلتْ كما ذكر هنا عن سفيان، وفي «مسند أبي داود الطَّيالسيِّ» عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيهِ: أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق طلَّق امرأتهُ قيلةَ في الجاهليَّة، وهي أمُّ أسماء بنت أبي بكر، فقدمتْ عليهم في المدَّة الَّتي كانت فيها المهادنةُ بين رسول الله ﷺ وبين كفَّار قريش، فأهدتْ إلى أسماء بنت أبي بكر الصِّديق قُرْطًا وأشياءَ، فكرهتْ أن تقبلَ منها حتَّى أتتِ النَّبيَّ ﷺ وذكرت (٣) ذلك

стр. 10655

له، فأنزلَ الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ الاية [الممتحنة: ٨]. وحديث الباب قد سبقَ في «باب الهدية للمشركين» من «كتاب الهبة» [خ¦٢٦٢٠] والله الموفِّق والمعين. (٨) (بابُ صِلَةِ المَرْأَةِ أُمَّهَا وَلَهَا) أي: وللمرأةِ الَّتي تصلُ أمَّها (زَوْجٌ). ٥٩٧٩ - وبه قال: (وَقَالَ اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام -فيما وصلَه أبو نُعيم في «مستخرجه» -: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (هِشَامٌ، عَنْ) أبيهِ (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر ﵂، أنَّها (قَالَتْ: قَدِمَتْ) أي: عليَّ (أُمِّي وَهْيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَمُدَّتِهِمْ إِذْ عَاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ ¬) على الصُّلح وتركِ المقاتلة (مَعَ أَبِيهَا) أي: مع (١) أبي أمِّ أسماء، وللأَصيليِّ: «مع ابنها» أي: ولدِها. قالت أسماء: (فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فاستفتتِ النَّبيَّ ﷺ فقالت»: (إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ) عليَّ (وَهْيَ رَاغِبَةٌ) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليِّ: «أفأصلُها» (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ) ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ إذا قلنا (٢): إنَّ الضَّمير في ولها راجعٌ إلى المرأةِ إذ أسماء كانت زوجةً للزُّبير وقتَ قدومها، وإن قُلنا: إنَّه راجعٌ إلى الأمِّ فذلك باعتبارِ أنْ يرادَ بلفظ أبيها زوجُ أمِّ أسماء، ومثلُ هذا المجاز شائعٌ وكونه كالأبِ لأسماء ظاهر قاله في «الكواكب». وقال ابنُ بطَّال: في الحديثِ من الفقهِ أنَّه ﷺ أباحَ لأسماء أن تصلَ أمَّها ولم يشترطْ في ذلك مشاورة زوجِها، وأنَّ للمرأةِ أن تتصرَّف في مالها بدونِ إذن زوجها.

стр. 10656

٥٩٨٠ - به قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن عبد الله بن بُكير قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بنِ مسعود (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف بعدها لام، قيصر ملكَ الرُّوم (أَرْسَلَ إِلَيْهِ) أي: في ركبٍ من قريشٍ وكانوا تجَّارًا في المدَّة الَّتي كانَ رسولُ الله ﷺ مادَّ (١) فيها أبا سفيان وكفَّار قريش. الحديث [خ¦٧] وفيه: (فَقَالَ) أي: هرقلُ: (فَمَا يَأْمُرُكُمْ؟ -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ فقال) أبو سفيان: (يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ) المعهودةِ (وَالصَّدَقَةِ، وَالعَفَافِ) بفتح العين، الكفِّ عن المحارم، وخوارمِ المروءة (وَالصِّلَةِ). وهذا الحديث سبقَ في «أوائلِ البخاريِّ» [خ¦٧] وذكره هنا مختصرًا، وغرضُه هنا ذكر الصِّلة، فيؤخذُ منه التَّرجمة من عُمومها وإطلاقها، والله أعلم. (٩) (باب صِلَةِ الأَخِ المُشْرِكِ) بالإضافة إلى المفعولِ وطيِّ ذكر الفاعل، أي: صلة المسلم لأخيهِ المشرك. ٥٩٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القسمليُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) المدنيُّ، مولى ابنِ عمر (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُول: رَأَى عُمَرُ) بن الخطَّاب (حُلَّةَ سِيَرَاءَ) بإضافة «حلَّة» لتاليها، ولأبي ذرٍّ: «حلةً» بالتَّنوين، والسِّيراء نوعٌ من البرودِ فيه خطوطٌ وكان من حريرٍ (تُبَاعُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ابْتَعْ هَذِهِ) الحلَّة (وَالبَسْهَا) بهمزة الوصلِ وفتح الموحدة (يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَإِذَا جَاءَكَ الوُفُودُ. قَالَ)

стр. 10657

ولأبي ذرٍّ: «الوفد فقال» (إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ) من الرِّجال (مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ) أي: من لا نصيبَ له من الدِّين، أو في الآخرة، وهذا إذا كان مستحلًّا لذلك، أو هو على سبيلِ التَّغليظ (فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضم الهمزة وكسر الفوقية (مِنْهَا بِحُلَلٍ، فَأَرْسَلَ) ﵊ (إِلَى عُمَرَ بِحُلَّةٍ، فَقَال: كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟) من أنَّه إنَّما يلبسها من لا خلاقَ له (قَالَ) ﵊: (إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنْ تَبِيعُهَا أَوْ تَكْسُوهَا) أي: تُعطيها غيرَك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لتبيعَها أو تكسوَها» (فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ) من أمِّه اسمهُ عثمانُ بن حكيم، أو هو أخو أخيهِ زيد بن الخطَّاب أمهما أسماء بنتُ وهب فهو من المجاز، أو هو أخو عُمر من الرَّضاعة؛ ليبيعَها أو يكسوَها لامرأته، وإلَّا فالكفَّار مخاطبون بالفروعِ، وكان عثمان المذكور (مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) والإرسال إليه (قَبْلَ أَنْ يُسْلِم). والحديث سبق (١) في «الهبة» [خ¦٢٦١٢]. (١٠) (بابُ فَضْلِ صِلَةِ الرَّحِمِ) بفتح الراء وكسر الحاء المهملة، أي: الأقارب، وهم مَن بينه وبين الآخر نسبٌ سواء كان يرثهُ أم لا، ذا مَحْرمٍ أم لا. ٥٩٨٢ - ٥٩٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج الحافظ أبو بسطام العتكيُّ أميرُ المؤمنين في الحديث (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ

стр. 10658

عُثْمَانَ) هو محمَّد بنُ عثمان بنِ عبد الله بنِ مَوهب التَّيميُّ مَولاهم (قَالَ: سَمِعت مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ) بن عُبيد الله التَّيميُّ (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالدِ بن زيدٍ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي) بالإفراد (بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ) برحمةِ الله. قال البخاريُّ (ح حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «وحَدَّثني» بواو العطف (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) ولأبي ذرٍّ: «عبد الرحمن بن بِشْر» بكسر الموحدة وسكون المعجمة، النَّيسابوريُّ قال: (حَدَّثَنَا (١) بَهْزٌ) ولأبي ذرٍّ: «بهز بنُ أسد البصريُّ» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ) بفتح الميم وسكون الواو وفتح الهاء. قال القطَّان وغيره اسمه عَمرو (وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) التَّيميُّ (أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ) بن عُبيد الله (٢) التَّيميُّ (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَاريِّ ﵁: أَنَّ رَجُلًا) قيل: هو أبو أيُّوب، وقيل غيرُه، كما سبقَ أوَّل «الزَّكاة» [خ¦١٣٩٦] (قَال: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ. فَقَالَ القَوْم: مَالَهُ مَالَهُ؟) استفهامٌ كرَّره مرَّتين للتَّأكيد (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (٣) ﷺ : أَرَبٌ مَالَهُ) بفتح الهمزة والراء بعدها موحدة منونة بالرفع، أي: له حاجةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أَرِبَ» (٤) بفتح الهمزة وكسر الراء وفتح (٥) الموحدة، من أَرِب في الشَّيءِ إذا صار ماهرًا فيه، فيكون معناه التَّعجُّب من حُسن فطنتهِ والتَّهدِّي إلى موضعِ حاجته (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) له: (تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ) المكتوبةَ (وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ) المفروضةَ (وَتَصِلُ الرَّحِمَ) قال النَّوويُّ: أي: تحسنُ إلى أقاربكَ بما تيسَّر على حسبِ حالك وحالهم من إنفاقٍ وسلام، أو زيارةٍ، أو طاعةٍ، أو غير ذلك، وكأن السَّائل كان لا يصلُ رحمه فأمرهُ بذلك (ذَرْهَا) بفتح

стр. 10659

المعجمة (١) وسكون الرَّاء؛ أي: دعِ الرَّاحلة تمشِي إلى منزلك إذ لم تبقْ لك حاجةٌ فيما قصدتَه (قَالَ: كَأَنَّهُ) أي: الرَّجل (كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) أو كانَ النَّبيُّ ﷺ راكبًا على راحلتهِ، والرَّجل آخذٌ بزِمامِها، فقال له النَّبيُّ ﷺ بعد الجواب: دع زِمامَ الرَّاحلة. وهذا الحديث سبقَ في أوَّل «الزَّكاة» [خ¦١٣٩٦]. (١١) (بابُ إِثْمِ القَاطِعِ) للرَّحم. ٥٩٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد الله بنِ بُكير الحافظ المخزوميُّ، مَولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ: (أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: إِنَّ) ولأبي ذرٍّ: «أخبرَه أنَّ» (جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ) لم يذكر المفعول، فيحتملُ العموم، وفي «الأدب المفرد» عن عبد الله بن صالح: «قاطعُ رحمٍ» فالمراد المستحلُّ للقطيعةِ بلا سببٍ ولا شبهةٍ مع علمِه بتحريمها، أو لا يدخلها مع السَّابقين. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأدب»، وأبو داود في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ». (١٢) (بابُ مَنْ بُسِطَ) بضم الموحدة وكسر المهملة (لَهُ فِي الرِّزْقِ بِصِلَةِ الرَّحِمِ) أي: بسببِ صلة الرَّحم، ولأبي ذرٍّ: «لصلةِ الرَّحم» باللَّام بدل الموحدة، أي: لأجلِ صلتها.

стр. 10660

٥٩٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ المدنيُّ، أحدُ الأعلام قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها نون، الغِفاريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) معنُ بن محمد بن معنِ بن نَضْلة الغِفاريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) كَيسان المقبريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ) بضم التحتية وسكون الموحدة وفتح السين المهملة (وَأَنْ يُنْسَأَ) بضم أوله وسكون ثانيه آخره همزة، من النَّسَأ، وهو التَّأخير، أي: يؤخَّر (لَهُ فِي أَثَرِهِ) أي: أجلهِ، وسمِّي به؛ لأنَّه يتبَعُ العُمُر، وأصله: مِن أَثَر مَشْيه في الأرضِ، فإنَّ من (١) ماتَ لا يبقَى له حركة فلا يبقى لأقدامهِ في الأرض أثرٌ (فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) يقال: وصلَ رحمهُ يصلُها وَصْلًا وصِلَةً، كأنَّه بالإحسان إليهم وصلَ ما بينه وبينهم من علاقةِ القَرَابة. والزِّيادة في العمرِ بالبركةِ فيه بسبب التَّوفيق في الطَّاعات، وعِمَارة أوقاتهِ بما ينفعَه في الآخرةِ، وصيانتِهَا عن الضَّيَاع في غيرِ ذلك، أو المراد: بقاءُ ذكرهِ الجميل بعدَه كالعلمِ النَّافع ينتفعُ به، والصَّدقة الجارية، والولد الصَّالح، فكأنَّه بسببِ ذلك لم يمتْ، ومنه قول الخليلِ ﵊: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. وفي «المعجم الصغير» للطَّبرانيِّ عن أبي الدَّرداء قال: ذُكِر عند رسولِ الله (٢) ﷺ مَن وصلَ رحمَه أُنْسِئَ له في أجلهِ فقال: «ليس زيادةً في عمرهِ قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ﴾ الاية [النحل: ٦١] ولكنَّ الرَّجل يكون له الذُّرِّيَّة الصَّالحةُ يدعون له من بعدِه» أو المراد بالنِّسبة إلى ما يظهرُ للملائكة في اللَّوح المحفوظ أنَّ عمره ستُّون سنة إلَّا أن يصلَ رحمهُ فإنْ وصلَها زيدَ له أربعين سنة (٣)، وقد علم الله بما سيقعُ من ذلك، وهو من معنى (٤) قوله تعالى:

стр. 10661

﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] فبالنِّسبة (١) إلى علمِ الله وما سبقَ به قدرتُه لا زيادةَ بل هي مستحيلةٌ، وبالنِّسبة إلى ما ظهَر للمخلُوقين تُتَصَوَّر الزِّيادةُ وهو مرادُ الحديث. وقال الكلبيُّ والضَّحَّاك في الآية: إنَّ الَّذي يمحوهُ ويثبته ما يصعدُ به الحفظة مكتوبًا على بني آدمَ، فيأمرُ الله فيه أن يثبتَ ما فيه ثواب وعقابٌ، ويُمحى ما لا ثوابَ فيه ولا عقاب، كقولهِ: أكلتُ وشربتُ ودخلتُ ونحوها من الكلام. وهذا بابٌ واسعُ المجال لأنَّ علم الله تعالى لا نفادَ له ومعلوماتُه سبحانه لا نهايةَ لها وكلُّ يومٍ هو في شأنٍ، ومن ثَمَّ كادتْ أقوال المفسِّرين فيه لا تحصرُ. قال الإمام: يزيلُ ما يشاء، ويثبتُ ما يشاء من حكمته (٢)، ولا يُطلع على غيبهِ أحدًا، فهو المنفردُ بالحكم والمستقلُّ بالإيجادِ والإعدام، والإحياءِ والإماتةِ، والإغناءِ والإفقارِ، وغير ذلك، سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظَّالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا. ٥٩٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المخزوميُّ المصريُّ (٣)، اسم أبيهِ عبد الله، ونسبه إلى جدِّه قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَ) أن (٤) (يُنْسَأَ) أي: يُؤخَّر (لَهُ فِي أَثَرِهِ) أي: في أجلهِ (فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ). وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأدب»، والله أعلم. (١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (مَنْ وَصَلَ) رحمَه (وَصَلَهُ اللهُ) بأن يتعطَّف عليه بفضلهِ.

стр. 10662

٥٩٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) بضم الميم وفتح الزاي وتشديد الراء المكسورة بعدها دال مهملة، عبد الرَّحمن مَولى هاشمٍ المدنيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَمِّي سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ) بالتحتية والمهملة المخففة، أبا (١) الحُبَاب -بضم الحاء المهملة وموحدتين بينهما ألف- المدنيُّ، واختُلف في ولائهِ لمن هو (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللهَ) (خَلَقَ الخَلْقَ) جميعهم أو المكلَّفين، ويحتملُ أن يكون بعد خلقِ السموات والأرض وإبرازها في الوجودِ، أو بعد خلقِها كَتْبًا في اللَّوح المحفوظ، أو بعدَ انتهاءِ خلقِ أرواحِ بني آدم عند قولهِ تعالى: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] لمَّا أخرجَهُم من صُلب آدم مثلَ الذَّرِّ (حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ) أي: قضاهُ وأتمَّه، ونحو ذلك ممَّا يشهدُ بأنَّه مجازٌ. قال الزَّجاج: الفراغ في اللُّغة على ضربين: أحدُهما الفراغُ من شغلٍ، والآخر القصدُ لشيءٍ (٢) تقول: قد (٣) فرغت ممَّا كنتُ فيه، أي: قد زالَ شُغلي به، وتقول: سأتفرَّغ لفلانٍ، أي: سأجعلُه قصدِي. قال الطِّيبيُّ في «حاشيته على الكشاف»: فهو محمولٌ على مجرَّد القصدِ، فهو كنايةٌ عن التَّوفُّر على النِّكايةِ، ثمَّ استُعيرتْ (٤) هذه العبارة للخالقِ ﷻ وعزَّ شأنُه لذلك المعنى، وإليه الإشارة بقولهِ تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: ٣١] مستعارٌ من قول الرَّجل لمن

стр. 10663

يتهدَّده: سأفرغُ لك. والوجه الآخر منزَّلٌ على الفراغِ من الشُّغل، لكن على سبيل التَّمثيل شبَّه تدبيرهُ تعالى أمرَ الآخرةِ من الأخذ في الجزاءِ وإيصالِ الثَّواب والعقابِ إلى المكلَّفين بعد تدبيرهِ تعالى لأمر الدُّنيا بالأمرِ والنَّهي، والإماتةِ والإحياءِ، والمنعِ والعطاءِ، وأنَّه لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ بحال من إذا كان في شغلٍ يشغلهُ عن شغلٍ آخر إذا فرغَ من ذلك الشُّغل شرع في آخر، وقد ألمَّ به صاحب «المفتاح» حيثُ قال: الفراغُ الخلاص من المهام، والله تعالى لا يشغلُه شأنٌ عن شأنٍ وقع مستعارًا للأخذِ في الجزاءِ وحدَه. وهو المرادُ من قولهِ (١): وقعَ ذلك فراغًا إلى طريقِ المثل (قَالَتِ الرَّحِمُ) بلسانِ الحال، أو بلسانِ المقال (٢)، وعلى الثَّاني هل يخلقُ (٣) الله فيها حياةً وعقلًا؟ وحملَه القاضِي عياض على المجازِ، وأنَّه من ضربِ المثلِ، لكن في حديثِ عبد الله بن عَمرو عند أحمد أنَّها تكلَّمتْ بلسانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ. وزاد في «سورةِ القتال»: «قامتِ الرَّحم فأخذتْ بِحَقْوِ الرَّحمن» [خ¦٤٨٣٠] وهو استعارةٌ أيضًا سبقَ ذكرها في السُّورة المذكورة، وزاد أيضًا في السُّورة: «فقال: مَهْ، فقالت» [خ¦٤٨٣٠]: (هَذَا مَقَامُ العَائِذِ) أي: قيامِي هذا قيامَ المستجيرِ (بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ. قَالَ) الله تعالى: (نَعَمْ أَمَا) بتخفيف الميم (تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ) بأن أتعطَّف عليه وأرحمَه (وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ) فلا أرحمَه (قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ) رضيتُ، ولأبي ذرٍّ: «بلى وربِّ» (قَالَ) تعالى: (فَهْوَ) أي: قوله: «أصلَ من وصلك … » إلى آخره، (لَكِ) بكسر الكاف. قال أبو هريرة: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]) وهذا الحديثٌ مرَّ في تفسير «سورةِ القتال» [خ¦٤٨٣٠]. ٥٩٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة آخره دال

стр. 10664

مهملة، أبو الهيثم البجليُّ الكوفيُّ القَطَوانيُّ -بفتح القاف والطاء المهملة- قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلال، أبو محمد مولى الصِّدِّيق قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) المدنيُّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ الرَّحِمَ شَُِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) بكسر الشين المعجمة مصحَّحًا (١) عليها في الفرع، وسكون الجيم بعدها نون، ويجوز فتح الأول وضمه. قال في «الفتح»: روايةً ولغةً، وأصله عروقُ الشَّجر المشتبكةِ، والشَّجَن -بالتَّحريك- واحدُ الشُّجون وهي طرقُ الأوديةِ، ويقال: الحديث شجون، أي: يدخلُ بعضُه في بعضٍ، وسقط قوله: «إنَّ» لأبي ذرٍّ فالرَّحم رفع، وقوله: «من الرَّحمن» أي: اشتقَّ اسمُها من اسم الرَّحمن، فلها به عُلْقَة. وعند النَّسائيِّ من حديث عبد الرَّحمن بن عوف مرفوعًا: «أنَا الرَّحمن خلقْتُ الرَّحم بيدَيَّ وشققْتُ لها اسمًا مِن اسمِي» والمعنى: أنَّها أثرٌ من آثارِ الرَّحمة مشتبكةٌ بها، فالقاطعُ لها منقطعٌ من رحمةِ الله، وليس المعنى أنَّها من ذاتِ الله، تعالى الله عن ذلكَ علوًّا كبيرًا (فَقَالَ اللهُ) تعالى، زاد الإسماعيلي: «لها»، والفاء عطفٌ على محذوفٍ، أي: فقالتْ: هذا مقامُ العائذِ بك من القطيعةِ، فقال الله تعالى: (مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ). قال ابنُ أبي جمرة: الوصلُ من الله كنايةٌ عن عظيمِ إحسانهِ، وإنَّما خاطبَ النَّاس بما يفهمونَه (٢)، ولمَّا كان أعظم ما يُعطيه المحبوب لمحبوبه (٣) الوصال، وهو القربُ منه وإسعافُه بما يريدُ، وكانت (٤) حقيقةُ ذلك مستحيلةً في حقِّ الله تعالى، عُرِف أنَّ ذلك كنايةً عن عظيمِ إحسانهِ لعبدهِ. قال: وكذا القولُ في القطعِ، وهو (٥) كنايةٌ عن حرمانهِ الإحسان. وهذا الحديثُ من أفرادهِ.

стр. 10665

٥٩٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ (١) بن الحكم بن محمَّد بن سالم (٢) بن أبي مريم الجمحيُّ، مولاهم المصري (٣) قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) مولى الصِّدِّيق (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) عبد الرَّحمن السَّابق في هذا الباب [خ¦٥٩٨٧] (عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ) مولى الزُّبير، المدنيُّ القاريُّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) سقط قولهُ: «زوج النَّبيِّ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ): (الرَّحِمُ شُِجْنَةٌ) بكسر الشين، ولأبي ذرٍّ ضمها مصحَّحًا عليهما في الفرع، ولم يقل هنا: «من الرَّحمن» لأنَّ ذلك معلومٌ من الرِّواية السَّابقة (فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ) وفي ذلك تعظيمُ أمر الرَّحم، وأنَّ صلتَها مندوبٌ إليها (٤) وأن قطعَها من الكبائرِ لورودِ الوعيدِ الشَّديد فيه. (١٤) (بابٌ) بالتَّنوين: (يَبُلُّ) الشَّخص المكلَّف (الرَّحِمَ) ولأبي ذرٍّ: «تُبَل» بضم الفوقية وفتح الموحدة «الرَّحمُ» (بِبَِلَالِهَا) بكسر الموحدة الأولى وفتح الثانية وكسرها، والبَلالُ بمعنى البللِ، وهو النَّداوةُ، وأُطلِقَ ذلك على الصِّلة، كما أُطلِقَ اليُبْس على القطيعةِ. ٥٩٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين وسكون

стр. 10666

الميم، و «عبَّاس»: بالموحدة والمهملة، أبو عثمان الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدر البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) سعد البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) عوف البجليِّ (أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جِهَارًا) يتعلَّق بالمفعول، أي: كان المسموع في حال الجهرِ، أو بالفاعلِ، أي: أقولُ ذلك جهارًا (غَيْرَ سِرٍّ) تأكيدٌ لرفعِ توهم أنَّه جهرَ به مرَّةً وأخفاهُ أُخرى (يَقُولُ: إِنَّ آلَ أَبِي) بحذفِ ما يضافُ إلى أداةِ الكنية، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أبي فلان» كناية عن اسمِ علمٍ، وجزمَ الدِّمياطيُّ في «حواشيه» بأنَّ المراد آل أبي العاص بن أميَّة. وفي «سراج المريدين» لابن العربيِّ آل أبي طالبٍ. وأيَّده في «الفتح» بأنَّه في «مستخرج أبي نُعيم» من طريق الفضلِ ابن الموفق، عن عنبسةَ بن عبد الواحدِ -بسند البخاريِّ- عن بيانِ بن بشرٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ، عن عَمرو بن العاص، رفعه «إنَّ لبنِي أبي (١) طالبٍ رحمًا» الحديث (قَالَ عَمْرٌو) هو ابن عبَّاسٍ شيخ البخاريِّ فيه (فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ) يعني غُنْدرًا شيخ عَمرو فيه (بَيَاضٌ) بالرَّفع على الصَّواب، أي: موضعٌ أبيضُ بغيرِ كتابة، وضعِّف الجرُّ؛ إذ يكون المعنى: في كتاب محمَّد بن جعفرٍ أنَّ آل أبي بياضٍ لأنَّه لا يُعرف في العربِ قبيلةٌ يقال لها: آلُ أبي بياضٍ (٢) فضلًا عن قريش، وسياق الحديث يشعرُ بأنَّهم من قبيلتهِ ﷺ وهي قريشٌ (لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِي) قال في «الفتح»: وفي نسخة من رواية أبي ذرٍّ: «بأولياء» والمرادُ -كما قال السَّفاقِسيُّ-: مَن لم يُسْلم منهم فهو مِن إطلاقِ الكلِّ وإرادةِ البعض. وحملَه الخطَّابيُّ على ولايةِ القُرْب والاختصاصِ لا ولايةَ الدِّين (إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ) بتشديد الياء، مضافًا لياء المتكلم المفتوحة (وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ) مَن صلُح منهم، أي: مَن أحسنَ وعملَ صالحًا، وقيل: من برئ من النِّفاق، وقيل: الصَّحابة، وهو واحدٌ أريدَ به الجمعُ، كقولك: لا يفعل (٣) هذا الصَّالح من النَّاس، تريد الجنس، وقيل: أصله صالحو،

стр. 10667

فحذفتِ الواو من الخطِّ موافقةً للَّفظ. وقال في «شرح المشكاة»: المعنى لا أُوالي أحدًا بالقَرَابة، وإنَّما أحبُ الله لِمَا له من الحقِّ الواجبِ على العبادِ، وأحبُّ صالح المؤمنين لوجهِ الله، وأُوالي من أُوالي بالإيمانِ والصَّلاح سواءٌ كان من ذَوي رَحمي أم لا، ولكن أُراعي لذوي الرَّحم حقَّهم بصلةِ الرَّحم (زَادَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ) بفتح العين المهملة والموحدة بينهما نون ساكنة والسين مهملة مفتوحة، وهو موثَّقٌ عندهم، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث، وكان يعدُّ من الأبدالِ (عَنْ بَيَانٍ) بالموحدةِ المفتوحةِ وتخفيفِ التحتية وبعد الألف نون، ابن بشر -بالشين المعجمة- الأحمسيُّ (عَنْ قَيْسٍ) هو: ابنُ أبي (١) حازم (عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ) ﵁ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : وَلَكِنْ لَهُمْ) أي: لآل أبي (رَحِمٌ) قرابةٌ (أَبُلُّهَا) بفتح الهمزة وضم الموحدة وتشديد اللَّام المضمومة (بِبَِلَالِهَا) قال في «شرح المشكاة»: فيه مبالغةٌ فالمعنى أبلها بما (٢) عُرِف واشتُهر، شبَّه الرَّحم بأرضٍ إذا بُلَّت بالماء حقَّ بَلالها أَزْهرت وأثمرتْ، ورئي في أثمارِها أثر النَّضارةِ، وأثمرتِ المحبَّة والصَّفاء، وإذا تُرِكتْ بغيرِ سقي يبستْ وأجدبتْ فلم تثمرْ إلَّا العداوةَ والقطيعةَ (يَعْنِي أَصِلُهَا بِصِلَتِهَا) وهذا التَّفسير سقط من رواية النَّسفي، ولأبي ذرٍّ: «ببَلائها» بعد اللَّام ألف وهمزة (٣). (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي البخاريُّ: (بِبَلَاهَا) أي بغير لامٍ ثانيةٍ (كَذَا وَقَعَ، وَبِبَلَالِهَا) أي بإثبات اللَّام (أَجْوَدُ وَأَصَحُّ، وَبِبَلَاهَا لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا). قال في «الكواكب»: يحتمل أن يقال: وجهه أنَّ البلاء جاء بمعنى المعروف والنِّعمة، وحيث كان الرَّحم مَصْرفها أضيفَ إليها بهذه المُلابسة، فكأنَّه قال: أبلُّها بمعروفها اللَّائق بها، والله أعلم. وهذا الحديث أخرجه مسلم (٤) في «الإيمان».

стр. 10668

(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَيْسَ الوَاصِلُ) التَّعريف كما نبَّه عليه في «الكواكب» للجنس، أي: ليس حقيقةُ الواصل (بِالمُكَافِئ) صاحبه بمثلِ ما فعله، إذْ ذاك نوعُ مُعَاوضة. ٥٩٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة، العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (وَالحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح الحاء والعين، الفُقَيميِّ -بضم الفاء وفتح القاف- (وَفِطْرٍ) بكسر الفاء وسكون الطاء المهملة بعدها راء، ابنِ خليفة الحنَّاط -بالحاء المهملة والنون المشددة وبعد الألف طاء مهملة- المخزوميِّ مولاهم، الثَّلاثة (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، ابنِ العاص ﵁ (وَقَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ -بالسَّند السَّابق-: (لَمْ يَرْفَعْهُ) أي الحديث (الأَعْمَشُ) سليمانُ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَرَفَعَهُ حَسَنٌ (١) وَفِطْر) المذكوران (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال في «الفتح»: وهذا هو المحفوظُ عن الثَّوريِّ، أنَّه (قَالَ: لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ) أي: الَّذي يُعطي لغيره نظيرَ ما أعطاه ذلك الغير (وَلَكِنِ الوَاصِلُ) بتخفيف نون «لكن» مصحَّحًا (٢) عليه في الفرع (الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ) بفتحات، ولأبي ذرٍّ: «قُطِعَتْ» بضم أوله وكسر ثانيه مبنيًّا للمفعول (رَحِمُهُ وَصَلَهَا) أي: الَّذي إذا مُنِعَ أعطى، والحاصل ثلاثة: مواصل ومكافئ وقاطع، فالمواصل (٣) مَنْ يَتَفضَّل ولا يُتَفضَّل عليه، والمكافئُ الَّذي لا يزيدُ في الإعطاءِ على ما يأخذُ، والقاطع الَّذي يُتَفضَّل عليه ولا يَتَفضَّل. والحديث (٤) أخرجه أبو داود في «الزَّكاة» والتِّرمذيُّ في «البرِّ».

стр. 10669

(١٦) (بابُ مَنْ وَصَلَ رَحِمَه فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ) بعدُ (١) هل يثابُ عليه؟ ٥٩٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّام (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) بكسر الحاء المهملة وفتح الزاي، ابنِ خويلدٍ الأسديِّ ﵁ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ أُمُورًا) أي: أخبرني عن أمورٍ (كُنْتُ أَتَحَنَّثُ) بالحاء المهملة (٢) والنون المشددة المفتوحتين آخره مثلَّثة، أتعبَّد (بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ) الرَّحم (وَعَتَاقَةٍ) للرَّقيق (وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِي) ولأبي ذرٍّ: «هل كانَ لي» (فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟) وسقط حرف الجرِّ لأبي ذرٍّ (قَالَ حَكِيمٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَسْلَمْتَ) أي: يا حكيم (عَلَى مَا سَلَف) منك في أيَّام الجاهليَّة (مِنْ خَيْرٍ) قال المؤلِّف: (وَيُقَالُ أَيْضًا عَنْ أَبِي اليَمَانِ) الحكم بنِ نافع (أَتَحَنَّت) بالمثناة الفوقية بدل المثلثة، ولضعفِ المثناة عبَّر بصيغة التَّمريض. قال في «المقدِّمة»: وهي رواية أبي زُرعة الدِّمشقيِّ عن أبي اليمان، وعند المؤلِّف في «باب شراء المملوك من (٣) الحربيِّ»، من «كتاب الزَّكاة» عن أبي اليمان بلفظ [خ¦٢٢٢٠]: «أتحنَّثُ -أو أتحنَّت-» بالشَّكِّ. قال في «الفتح»: وكأنَّه سمعَه منه بالوجهين، لكن قال السَّفاقِسيُّ: بالمثناةِ لا أعلم له وجهًا (وَقَالَ مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ، فيما وصله المؤلِّف في «باب من تصدَّق في الشِّرك ثمَّ أسلم» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٣٦] (وَصَالِحٌ) هو (٤) ابنُ كيسان، ممَّا وصله مسلم (وَابْنُ

стр. 10670

المُسَافِرِ) بالألف واللَّام والمشهور حذفهما، وهو عبد الرَّحمن بن خالد بن مسافر الفهميُّ المصريُّ، أميرُ مصر، فيما وصله الطَّبرانيُّ في «الأوسط» من طريق اللَّيث بن سعد، عنه: (أَتَحَنَّتُ) بالمثناة الفوقية أيضًا، وهي (١) مصحَّحٌ عليها في الفرع (٢) (وقَالَ ابنُ إِسْحَاْقَ) في «السِّيرة النَّبويَّة»: (التَّحَنُّثُ) بالمثلثة (التَّبَرُّرُ) بالفوقية والموحدة والراءين أولاهما مضمومة مشددة، من البرِّ (وَتَابَعَهُمْ) أي: تابع هؤلاء المذكورين، ولأبي ذرٍّ: «وتابعه» بالإفراد، أي: تابعَ ابن إسحاق (هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ على خصوصِ تفسير التَّحنُّث بالتَّبرُّر، وحينئذٍ فروايةُ الإفراد أرجحُ، ووصلَ هذه (٣) المؤلِّف في «العتقِ» [خ¦٢٥٣٨]، من طريقِ أبي أسامة عنه. (١٧) (بابُ مَنْ تَرَكَ صَبِيَّةَ غَيْرِهِ حَتَّى) أي إلى أن (تَلْعَبَ بِهِ) أي ببعض جسدِهِ (أَوْ قَبَّلَهَا) للشَّفقة (أَوْ مَازَحَهَا) أي مزحَ معها قصدًا لتأنيسِهَا، والممازحَةُ المداعبةُ. ٥٩٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (حِبَّانُ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، ابنُ موسى أبو محمد السلميُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك المروزيُّ (عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ) بكسر العين (عَنْ أَبِيهِ) سعيدِ (٤) بنِ عَمرو بن سعيد بنِ العاص القرشيِّ الأمويِّ (عَنْ أُمِّ خَالِدٍ) واسمها أمية (بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَعَ أَبِي) هو خالدُ بن سعيد (وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سَنَهْ سَنَهْ) بالسين

стр. 10671

المهملة والنون المخففة المفتوحتين آخره هاء ساكنة، وذكرها مرَّتين (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك -بالسَّند السَّابق-: (وَهْيَ) أي: سَنَه (بـ) اللُّغة (الحَبَشِيَّةِ حَسَنَةٌ. قَالَتْ) أمُّ خالد: (فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ) الَّذي بين كتفيه ﷺ (فَزَبَرَنِي) بالزاي والموحدة المخففة والراء المفتوحات ثمَّ النون المكسورة، أي: نَهَرني وزجَرني ومَنَعني (أَبِي) من ذلك، ثمَّ (١) (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دَعْهَا) أي: اترُكها (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَبْلِي) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وكسر اللام (وَأَخْلِقِي) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وكسر اللام والقاف، أمرٌ بالإبلاء (٢) أي: البسي إلى أن يصير خلقًا باليًا. وفي رواية: «واخلُفي» بضم اللام وبالفاء بدل القاف، ونسبها في «المصابيح» لأبي ذرٍّ، أي: واكتسِي خلفه، يقال: خلفَ الله لك وأخلَفَ (ثُمَّ) قال ﵊: (أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ) قال: (أَبْلِي وَأَخْلِقِي) كرَّرها ثلاثًا. (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن المبارك -بالسَّند السَّابق-: (فَبَقِيَتْ) أمُّ خالد (حَتَّى ذَكَرَ) الرَّاوي زمنًا طويلًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فبقي» أي: القميصُ «دهرًا» (٣)، ونسبها في «الفتح» لأبي عليِّ ابن السَّكن، لكنَّه (٤) قال: «ذكر دهرًا (٥)» بدل: «فبقي». وفي «المصابيح» «ذُكِرَ» بضم الذال المعجمة وكسر الكاف بعدها راء مبنيًّا للمفعول، أي: عُمِّرت حتَّى طالَ عمرها بدعاءِ النَّبيِّ ﷺ . وقال في «الكواكب»: المعنى حتَّى صارَ القميصُ شيئًا مذكورًا عند النَّاس لخروجِ بقائهِ عن العادة. قال في «الفتح»: وكأنَّه -أي: صاحبُ «الكواكب» - قرأ «ذُكِرَ» بضم أوله، لكنَّه لم يقع عندنا في الرِّواية إلَّا بالفتح، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ المعنى على ذكر مبنيًّا للمفعول، وإلَّا فلو كان مبنيًّا للفاعل فما يكون فاعله. انتهى. وفي رواية الكُشميهنيِّ: «حتَّى دكَن دهرًا» بالدال المهملة بدل المعجمة آخره نون بدل: الراء والكاف مفتوحة في الفرع، وضبطه في «الفتح» بكسر الكاف، أي: صار أسود (يَعْنِي مِنْ بَقَائِهَا) من بقاء أمِّ خالدٍ، أو الخميصة زمانًا طويلًا.

стр. 10672

ومطابقة التَّرجمة في قولها: «فذهبتُ ألعبُ». قال السَّفاقِسيُّ: ليس في حديثِ الباب للتَّقبيل ذكرٌ، فيحتملُ أن يكون لمَّا لم يَنْهَها عن مسِّ جسدهِ صارَ كالتَّقبيل، كذا قال فليتأمَّل. وهذا الحديثُ سبق في «الجهادِ» [خ¦٣٠٧١] و «هجرة الحبشةِ» [خ¦٣٨٧٤] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٢٣] [خ¦٥٨٤٥]. (١٨) (بابُ) ذكر (رَحْمَةِ الوَلَدِ) أي: رحمة الوالد ولدَهُ (وَ) ذكر (تَقْبِيلِهِ وَمُعَانَقَتِهِ، وَقَالَ ثَابِتٌ) هو ابنُ أسلم (١) البُنانيُّ، فيما وصلَه المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٣٠٣] (عَنْ أَنَسٍ) ﵁: (أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ولده (إِبْرَاهِيمَ) ﵁ (فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ) وهذا التَّعليق ساقطٌ للمُستملي، كما في الفرع. وقال في «الفتح»: ساقط لأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ. ٥٩٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمةَ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ) بفتح الميم وسكون الهاء، ابنُ ميمون الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي يَعْقُوبَ) هو محمَّد بنُ عبد الله ابنِ أبي يعقوب الضَّبيُّ البصريُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ) بضم النون وسكون العين المهملة، عبد الرَّحمن، ولا يعرف اسم أبيه، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ شَاهِدًا لاِبْنِ عُمَرَ) ﵁ أي: حاضرًا عنده (وَسَأَلَهُ رَجُلٌ) قال الحافظ ابنُ حجرٍ: لم أعرفه (عَنْ دَمِ البَعُوضِ) زاد جرير بنُ حازم عن محمَّد ابن أبي يعقوب -عند التِّرمذيِّ-: «يُصيب الجسدَ» وفي «المناقب» من «البخاريِّ» [خ¦٣٧٥٣]: «سمعت عبد الله بن عُمر وسأله عن المحرم؟ قال شعبة: أحسبه يقتل الذُّباب». قال الكِرْمانيُّ: فلعلَّه سألَ عنهما معًا. وقال في «الفتح»: وأطلقَ الرَّاوي الذُّباب على البعوضِ لقربِ شبههِ منه، وإن كانَ في البعوضِ

стр. 10673

معنى زائد، أي: ما يلزمُ المحرم إذا قتله (فَقَالَ) له ابنُ عمر: (مِمَّنْ) أي: من أيِّ البلاد (أَنْتَ؟ فَقَالَ) الرَّجل: (مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ. قَالَ) ابن عُمر لمن حضرَه: (انْظُرُوا إِلَى هَذَا، يَسْأَلُنِي عَنْ دَمِ البَعُوضِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ) ابنة (النَّبِيِّ ﷺ ¬) الحسين بنَ عليٍّ ﵄ (وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: هُمَا) أي: الحسنُ والحسين ﵄ (رَيْحَانَتَايَ) بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ريحانِي» ولأبي ذرٍّ أيضًا عن الكُشميهنيِّ: «ريحانتي» بزيادة تاء التَّأنيث، أي: هُما من رزقِ الله الَّذي رَزَقنيه (مِنَ الدُّنْيَا) أو أرادَ بالرَّيحان المشموم، أي: إنَّهما ممَّا أَكْرمني الله وحَبَاني به؛ لأنَّ الأولادَ يُشمَّون ويقبَّلون فكأنَّهم من جملة الرَّياحين. ٥٩٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحافظ أبو بشر الحمصيُّ مولى بني أميَّة (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن محمَّد بن عَمرو بن حزم (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّام (أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا) ولأبي ذرٍّ: «ومعها» (ابْنَتَانِ) لها. قال الحافظُ ابن حجرٍ: لم أقفْ على أسمائهنَّ (تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا) إيَّاها (فَقَسَمَتْهَا) بسكون المثناة الفوقية (بَيْنَ ابْنَتَيْهَا) وفي رواية مسلم من طريق عراكِ بن مالكٍ، عن عائشة: فأطعمتْها ثلاثَ تمراتٍ فأعطتْ كلَّ واحدةٍ منهما تمرةً، ورفعتْ تمرةً إلى فِيْها لتأكلها فاستطعمتْها ابنتاها، فشقَّت التَّمرة الَّتي كانتْ تريدُ أن تأكلَها. فيحتملُ في طريقِ الجمع أنَّ قولها في حديثِ عروة: فلم تجدْ عندِي غيرها، أي: في أوَّل الحال سوى واحدة فأعطتْها (١)، ثمَّ وجدتْ اثنتين، أو لم تجدْ عندي غيرَ واحدةٍ أخصُّها بها، أو يحملُ على التَّعدُّد (ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ) من عندي (فَدَخَلَ) عليَّ (النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ) بخبرها (فَقَالَ) ﵊: (مَنْ يَلِي) بالتَّحتية المفتوحة من الولايةِ (مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ شَيْئًا)

стр. 10674

ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من بُلي» بموحدة مضمومة من الابتلاء من هذه البناتِ بشيءٍ. قال في «شرح المشكاة»: وهذه إشارةٌ إلى جنسهنَّ. وقال في «فتح الباري»: واختلف في المراد بالابتلاءِ هل هو نفس وجودهنَّ، أو ابتُلي بما يصدر منهنَّ؟ وهل هو على العمومِ في البنات؟ أو المرادُ من اتَّصف منهنَّ (١) بالحاجة إلى ما يُفعل به. وقال النَّوويُّ: إنَّما سمَّاهنَّ ابتلاء لأنَّ النَّاس يكرهونهنَّ في العادةِ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] (فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ) فيه إشعارٌ بأنَّ المراد من قولهِ: «من هذه» أكثرُ من واحدةٍ، فالإشارةُ للجنسِ كما مرَّ، وفي حديث ابن عبَّاس عند الطَّبرانيِّ فقال رجلٌ من الأعرابِ: واثنتين (٢)؟ فقال: «واثنتين». وفي حديث أبي هريرة قلنا: وواحدة؟ قال: «وواحدة». وزاد ابن ماجه «وأطعمهنَّ وسقاهنَّ وكساهنَّ». وفي الطَّبرانيِّ من حديث ابن عبَّاس «فأنفق عليهنَّ وزوجهنَّ (٣) وأحسنَ أدبهنَّ». وفي رواية عبد الحميد (٤) «فصبر عليهنَّ» (كُنَّ لَهُ سِتْرًا) أي: حجابًا (مِنَ النَّارِ) وفيه تأكيدُ حقوقِ البنات لِمَا فيهنَّ من الضَّعف غالبًا عن القيامِ بمصالح أنفسهنَّ بخلاف الذُّكور. والحديث أخرجهُ مسلمٌ في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ». ٥٩٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بنُ عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي سعيدٍ كيسان (المَقْبُرِيُّ) بضم الموحدة، قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ) بفتح العين وضم السين، الأنصاريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو قَتَادَةَ) الحارثُ بن رِبعيٍّ الأنصاريُّ (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَأُمَامَةُ) بضم الهمزة وتخفيف الميم (بِنْتُ أَبِي العَاصِ) بنِ الرَّبيع الأمويُّ، وهي ابنةُ زينبَ بنت النَّبيِّ ﷺ (عَلَى عَاتِقِهِ، فَصَلَّى) فرضًا،

стр. 10675

وفي «سنن أبي داود» الظُّهر أو العصرَ. وفي «المعجم الكبير» للطبرانيِّ صلاة الصُّبح (فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَ) بحذف المفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وضعها» أي: بالأرض خشية أن تسقطَ (وَإِذَا رَفَعَ) رأسه من الرُّكوع (رَفَعَهَا) من الأرض، وفي «أبواب سترة المصلِّي» من أوائل «الصَّلاة» [خ¦٥١٦]: «فإذا سجدَ وضعَهَا»، ولا منافاةَ بينه وبين رواية الباب، بل يحملُ على أنَّه كان يفعلُ ذلك في الرُّكوع والسُّجود، ولأبي داود من طريق المقبريِّ عن عَمرو بن سُلَيم «حتَّى إذا أراد أن يركعَ أخذَها فوضعَها، ثمَّ ركعَ وسجدَ، حتَّى إذا فرغَ من سجودهِ وقام أخذَها فردَّها في مكانهَا»، وهذا صريحٌ في أنَّ فعل الحملِ والوضع كان منه لا منها. ومناسبةُ الحديث لما ترجمَ به من فعلهِ ﷺ مع أمامةَ من الحملِ المقتضِي للشَّفقة والرَّحمة لابنةِ ابنته. والحديث سبقَ في «باب من حملَ جاريةً صغيرةً» من «كتاب الصلاة» [خ¦٥١٦]. ٥٩٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ) بفتح الحاء، ابن ابنتهِ فاطمة ﵃ (وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ) حال كونه (جَالِسًا) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «جالس» بالرَّفع، وكان الأقرعُ من المؤلَّفة وحسنَ إسلامهِ، والواو في «وَعِنْدَه» للحالِ (فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُْ لَا يُرْحَمُْ) بفتح التحتية في الأول وضمِّها في الثَّاني، والرَّفع والجزمُ في اللَّفظين، فالرَّفع (١) على الخبر. قال القاضي عياضٌ: وعليه أكثر الرُّواة. والجزمُ على أنَّ «مَنْ» شرطيَّة، ولكن (٢) قال السُّهيليُّ:

стр. 10676

حملُه على الخبرِ أشبهُ بسياق الكلامِ لأنَّه مردودٌ على قول الرَّجل: إنَّ لي عشرةً من الولد، أي: الَّذي يفعلُ هذا الفعل لا يُرْحم، ولو جعلت «مَن» شرطيَّة لانقطعَ الكلام عمَّا قبله بعض الانقطاع لأنَّ الشَّرط وجوابه كلام مستأنفٌ، ولأنَّ الشَّرط إذا كان بعده فعل منفيٌّ، فأكثرُ ما ورد منفيًّا بلم لا بلا، كقولهِ تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللهِ﴾ [الفتح: ١٣] ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ﴾ [الحجرات: ١١] وإن كان الآخرُ جائزًا كقول زهير: ومن لا يَظْلِم النَّاس يُظْلَم. انتهى. وتعقَّبه صاحب «المصابيح» فقال: تعليلُه انقطاع الكلام عمَّا قبلهُ على تقديرِ كون «من» شرطيَّة بأنَّ الشَّرط وجوابه كلامٌ مستأنفٌ غير ظاهر، فإنَّ الجملة مستأنفةٌ سواء جعلت «من» موصولة أو شرطيَّة، وتقديره: الَّذي يفعلُ هذا الفعل، و (١) يتأتَّى مثله على أنَّ مَن شرطيَّة أي: من يفعلُ هذا الفعل، فلا ينقطعُ الكلام ويصيرُ مرتبطًا بما قبلَه ارتباطًا ظاهرًا. والرَّحمة من الخلق التَّعطُّف والرِّقَّة، وهذا لا يجوزُ على الله تعالى، ومن الله تعالى الرِّضا عمَّن رحمه؛ لأنَّ من رقَّ له القلبُ فقد رضي عنه، أو الإنعام أو إرادة (٢) الخير لأنَّ الملك إذا عطف على رعيَّته ورقَّ لهم أصابهم بمعروفهِ وإنعامه، والحاصل أنَّ الأُوْلَى على الحقيقة والثَّانية على المجاز. وقوله: «من لا يرحم» يشملُ جميع أصناف الخلقِ، فيرحم البرَّ والفاجرَ والنَّاطقَ والبُهم والوحش والطَّير. وفي الحديث أنَّ تقبيل الولد وغيره من المحارمِ وغيرهم إنَّما يكون للشَّفقة والرَّحمة لا لِلَّذَّة والشَّهوة، وكذا الضَّمُّ والشَّمُّ والمعانقة. والحديث من أفرادهِ. ٥٩٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامٍ،

стр. 10677

عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال الحافظ: يحتملُ أن يكون هو الأقرعُ بن حابس، ووقع مثل ذلك لعُيينة بن حِصْن أخرجه أبو يَعلى الموصليُّ بسندٍ رجاله (١) ثقاتٌ. وفي «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصبهانيِّ بإسناده عن أبي هريرة أنَّ قيس بن عاصمٍ دخل على النَّبيِّ ﷺ وذكر قصَّةً شبيهةً بلفظ حديث عائشة، ويحتمل التَّعدد (فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ) بحذف أداة الاستفهام، وللكُشميهنيِّ: «أتقبلون» (الصِّبْيَان؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ) وعند مسلم: فقال: «نعم» قال: لكنَّا ما نقبِّل (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَ أَمْلِكُ لَكَ) بفتح الواو، والهمزة الأولى للاستفهام، والواو للعطف على مقدَّر بعد الهمزة نحو: «أومخرجيَّ هم» [خ¦٤٩٥٣] (أَنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ) بفتح الهمزة مفعول «أملك» أي: لا أقدر أن أجعل الرَّحمة في قلبك بعد أن نزعها الله منه. وقال الأشرف -فيما نقله في «شرح المشكاة» -: يروى «أَنْ» -بفتح الهمزة- فهي مصدريَّة، ويقدَّر مضافٌ، أي: لا أملكُ لك دفعَ نزع الله من قلبك الرَّحمة. وقال الشَّيخ نور الدِّين البُحَيري: ويحتملُ أن يكون مفعول أملك محذوفًا، وأنَّ «نزع» في موضعِ نصبٍ على المفعول لأجلهِ على أنَّه تعليلٌ للنَّفي المستفادِ من الاستفهامِ الإنكاريِّ الإبطاليِّ، والتَّقدير لا أملكُ وضعَ الرَّحمة في قلبكَ لأن نزعها الله منه، أي: انتفى ملكي لذلك لنزعِ الله إيَّاها من قلبكِ. ويروى بكسر الهمزة شرطًا وجزاؤهُ محذوفٌ، وهو من جنس ما قبله، أي: إنْ نزع الله من قلبك الرَّحمة لا أملكُ ردَّها لك، لكن قال الحافظُ ابن حجرٍ: «أنَّها» بفتح الهمزة في الرِّوايات كلِّها. انتهى. وقول صاحب «التَّنقيح»: والهمزة، أي: في «أو أملك» للاستفهام التَّوبيخيِّ، أي: لا أملكُ لك. تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّها لو كانت للتَّوبيخ لاقتضتْ وقوع ما بعدها لا نفيه، أي: نحو: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] وإنَّما هي هنا للإنكارِ الإبطاليِّ المقتضِي أن يكون ما بعدهَا غير واقعٍ، وأنَّ مُدَّعيه كاذبٌ نحو ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء: ٤٠] ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] والمعنى هنا لا أملكُ لك جعل الرَّحمة فيك (٢) بعد أنْ نزعها اللهُ من قلبكَ. وهذا الحديثُ من أفراده.

стр. 10678

٥٩٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بنُ محمَّد بنِ الحكمِ بنِ أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة، محمَّد بنُ مطرِّف (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أسلم مولى عمر (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ) من هوازن، وللكُشميهنيِّ: «قُدم» بضم القاف على صيغة المجهول «بسبي» بزيادةِ الجارِّ (فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ) لم يعرفِ الحافظ (١) ابن حجرٍ اسمها (تَحْلُب) بسكون الحاء المهملة وضم اللام (ثَدْيَهَا) بالإفراد والنَّصب مفعوله، وفي نسخة: «قد تحلب» ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قد تحَلَّب» بفتح الحاء واللَّام مشدَّدة «ثديُها» بالإفراد والرفع فاعل، أي: سال منه اللَّبن (٢)، ومنه سُمِّي الحليبُ لتحلُّبه. وقال في «فتح الباري» أي: تهيَّأ لأن يُحْلَبَ، قال: ولغير الكُشميهنيِّ: «ثدييها» بالتَّثنية (تَسْقِي) بفوقية مفتوحة وسكون المهملة وكسر القاف. قال الحافظ ابنُ حجرٍ: وللكُشميهنيِّ: «بِسَقْيٍ» بموحدة مكسورة بدل الفوقيَّة، وفتح المهملة وسكون القاف وتنوين التحتية. قال: وللباقين: «تسعَى» بفتح العين المهملة، من السَّعي، أي: تمشي بسرعةٍ تطلب ولدها الَّذي فقدته (إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ) أي: فأرضعتهُ ليَخِفَّ عنها اللَّبن؛ لكونها تضرَّرت باجتماعهِ فوجدتْ (٣) ابنها فأخذته (فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ) ولم يقف الحافظ ابن حجرٍ على اسم ولدها (٤). وقال العينيُّ: إذ وَجَدَتْ، كلمة إذْ ظرف، ويجوز أن تكون بدلَ اشتمالٍ من امرأة. قال: وفي بعض النُّسخ: «إذا» أي: بالألف، لكن قال الحافظ ابن حجر: قوله «إذا» أي بالألف كذا للجميع (فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ :

стр. 10679

أَتُرَوْنَ) بضم الفوقية، أي: أتظنُّون (هَذِهِ) المرأة (طَارِحَةً وَلَدَهَا) هذا (فِي النَّارِ. قُلْنَا: لَا) تطرحهُ (وَهْيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ) أي: لا تطرحهُ مكرهة أبدًا (فَقَالَ) ﷺ : (لَلَّهُ) بفتح اللَّام للتَّأكيد، وللإسماعيليِّ: «واللهِ لَلَّه» (أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ) المؤمنين (مِنْ هَذِهِ) المرأة (بِوَلَدِهَا) هذا وحكى الشَّيخ ابنُ أبي جمرة احتمال تعميمهِ حتَّى في الحيوانات. والحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة». (١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ) ولأبي ذرٍّ: «في مئةِ جزءٍ». ٦٠٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتحتين، ولأبي ذرٍّ: «أبو اليمان الحكم» (بْنُ نَافِعٍ البَهْرَانِيُّ) بفتح الموحدة وسكون الهاء، نسبة إلى قبيلةٍ من قُضاعة ينتهي نسبُهم إلى بهر بنِ عَمرو بن الحَافِ بن قُضَاعة، وهذه اللَّفظة ثابتة في رواية أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ قال: (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بفتح التحتية المشدَّدة، ابن حَزْنٍ الإمام، أبو محمَّدٍ المخزوميُّ، أحدُ الأعلام وسيِّد التَّابعين (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ) وفي حديث سلمان -عند مسلم-: «إنَّ الله خلقَ مئةَ رحمةٍ يومَ خلقَ السَّموات والأرضَ كلُّ رحمةٍ طِباقُ ما بين السَّماء والأرض … » الحديث. وخلق، أي: اخترع وأوجد، والمراد بقوله: «كلُّ رحمةٍ طباق … » إلى آخره التَّعظيم والتَّكثير، ولأبي ذرٍّ: «في مئةِ جزء» بزيادة: «في». قال في «الكواكب»: هي ظرفيَّة يتمُّ المعنى بدونها، أو متعلِّقة بمحذوفٍ، وفيه نوعُ مبالغةٍ حيث جعلها مظروفًا لها؛ يعني بحيث لا يفوتُ منها شيءٌ، ورحمةُ الله غيرُ متناهيةٍ لا مئة ولا مئتان، لكنَّها عبارة عن القدرةِ المتعلِّقة بإيصالِ

стр. 10680

الخير، والقدرةُ صفةٌ واحدة، والتَّعلُّق غير متناهٍ، فحصره في مئة على سبيل التَّمثيل تسهيلًا للفَهم، وتقليلًا لِمَا عندنا، وتكثيرًا لِمَا عنده ، وهل المراد بالمئة التَّكثير والمبالغة أو الحقيقة، فيحتملُ أن تكون (١) مناسبةً لعَدَدِ دَرَجِ الجنَّة، والجنَّة هي محلُّ الرَّحمة فكانت كلُّ رحمةٍ بإزاء درجةٍ، وقد ثبت أنَّه لا يدخل أحدٌ الجنَّة إلَّا برحمةِ الله، فمن نالته منها رحمةٌ واحدةٌ كان أدنى (٢) أهل الجنَّةِ منزلةً، وأعلاهم من حصلتْ له جميعُ الأنواع من الرَّحمة (فَأَمْسَكَ) تعالى (عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا) ولمسلمٍ من رواية عطاء، عن أبي هريرة: «وأخَّر عندهُ تسعةً وتسعين رحمةً» (وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا) القياس وأنزلَ إلى الأرض، لكنَّ حروف الجرِّ يقوم بعضُها مقامَ بعضٍ، أو فيه تضمين فعل، والغرضُ منه المبالغة؛ يعني أنزل رحمةً واحدةً منتشرةً في جميع الأرض، وفي رواية عطاء: «أنزلَ منها رحمةً واحدةً بين الجنَّ والإنسِ والبهائم» (فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ تَتَرَاحَمُ (٣) الخَلْقُ) بالراء والحاء المهملة (حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا) هو كالظِّلف للشَّاة (عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) أي: خشيةَ الإصابة، وفي رواية عطاء: «فيها يتعاطفونَ، وبها يتراحمونَ، وبها يعطفُ الوحشُ على ولدِهِ»، وفي حديث سلمان: «فبها (٤) تعطفُ الوالدةُ على ولدِها، والوحشُ والطَّير بعضها على بعضٍ»، وزاد أنَّه يكمِّلها يوم القيامة مئة رحمة بالرَّحمة الَّتي في الدُّنيا. وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ. (٢٠) (بابُ قَتْلِ الوَلَدِ) أي: قتل الرَّجل ولده (خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «بابٌ» بالتَّنوين «أيُّ الذَّنب أعظم».
следующие страницы →