حملُه على الخبرِ أشبهُ بسياق الكلامِ لأنَّه مردودٌ على قول الرَّجل: إنَّ لي عشرةً من الولد، أي: الَّذي يفعلُ هذا الفعل لا يُرْحم، ولو جعلت «مَن» شرطيَّة لانقطعَ الكلام عمَّا قبله بعض الانقطاع لأنَّ الشَّرط وجوابه كلام مستأنفٌ، ولأنَّ الشَّرط إذا كان بعده فعل منفيٌّ، فأكثرُ ما ورد منفيًّا بلم لا بلا، كقولهِ تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللهِ﴾ [الفتح: ١٣] ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ﴾ [الحجرات: ١١] وإن كان الآخرُ جائزًا كقول زهير: ومن لا يَظْلِم النَّاس يُظْلَم. انتهى.
وتعقَّبه صاحب «المصابيح» فقال: تعليلُه انقطاع الكلام عمَّا قبلهُ على تقديرِ كون «من» شرطيَّة بأنَّ الشَّرط وجوابه كلامٌ مستأنفٌ غير ظاهر، فإنَّ الجملة مستأنفةٌ سواء جعلت «من» موصولة أو شرطيَّة، وتقديره: الَّذي يفعلُ هذا الفعل، و (١) يتأتَّى مثله على أنَّ مَن شرطيَّة أي: من يفعلُ هذا الفعل، فلا ينقطعُ الكلام ويصيرُ مرتبطًا بما قبلَه ارتباطًا ظاهرًا. والرَّحمة من الخلق التَّعطُّف والرِّقَّة، وهذا لا يجوزُ على الله تعالى، ومن الله تعالى الرِّضا عمَّن رحمه؛ لأنَّ من رقَّ له القلبُ فقد رضي عنه، أو الإنعام أو إرادة (٢) الخير لأنَّ الملك إذا عطف على رعيَّته ورقَّ لهم أصابهم بمعروفهِ وإنعامه، والحاصل أنَّ الأُوْلَى على الحقيقة والثَّانية على المجاز. وقوله: «من لا يرحم» يشملُ جميع أصناف الخلقِ، فيرحم البرَّ والفاجرَ والنَّاطقَ والبُهم والوحش والطَّير.
وفي الحديث أنَّ تقبيل الولد وغيره من المحارمِ وغيرهم إنَّما يكون للشَّفقة والرَّحمة لا لِلَّذَّة والشَّهوة، وكذا الضَّمُّ والشَّمُّ والمعانقة.
والحديث من أفرادهِ.
٥٩٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامٍ،
стр. 10677
عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال الحافظ: يحتملُ أن يكون هو الأقرعُ بن حابس، ووقع مثل ذلك لعُيينة بن حِصْن أخرجه أبو يَعلى الموصليُّ بسندٍ رجاله (١) ثقاتٌ. وفي «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصبهانيِّ بإسناده عن أبي هريرة أنَّ قيس بن عاصمٍ دخل على النَّبيِّ ﷺ وذكر قصَّةً شبيهةً بلفظ حديث عائشة، ويحتمل التَّعدد (فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ) بحذف أداة الاستفهام، وللكُشميهنيِّ: «أتقبلون» (الصِّبْيَان؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ) وعند مسلم: فقال: «نعم» قال: لكنَّا ما نقبِّل (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَ أَمْلِكُ لَكَ) بفتح الواو، والهمزة الأولى للاستفهام، والواو للعطف على مقدَّر بعد الهمزة نحو: «أومخرجيَّ هم» [خ¦٤٩٥٣] (أَنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ) بفتح الهمزة مفعول «أملك» أي: لا أقدر أن أجعل الرَّحمة في قلبك بعد أن نزعها الله منه. وقال الأشرف -فيما نقله في «شرح المشكاة» -: يروى «أَنْ» -بفتح الهمزة- فهي مصدريَّة، ويقدَّر مضافٌ، أي: لا أملكُ لك دفعَ نزع الله من قلبك الرَّحمة. وقال الشَّيخ نور الدِّين البُحَيري: ويحتملُ أن يكون مفعول أملك محذوفًا، وأنَّ «نزع» في موضعِ نصبٍ على المفعول لأجلهِ على أنَّه تعليلٌ للنَّفي المستفادِ من الاستفهامِ الإنكاريِّ الإبطاليِّ، والتَّقدير لا أملكُ وضعَ الرَّحمة في قلبكَ لأن نزعها الله منه، أي: انتفى ملكي لذلك لنزعِ الله إيَّاها من قلبكِ. ويروى بكسر الهمزة شرطًا وجزاؤهُ محذوفٌ، وهو من جنس ما قبله، أي: إنْ نزع الله من قلبك الرَّحمة لا أملكُ ردَّها لك، لكن قال الحافظُ ابن حجرٍ: «أنَّها» بفتح الهمزة في الرِّوايات كلِّها. انتهى.
وقول صاحب «التَّنقيح»: والهمزة، أي: في «أو أملك» للاستفهام التَّوبيخيِّ، أي: لا أملكُ لك. تعقَّبه في «المصابيح» بأنَّها لو كانت للتَّوبيخ لاقتضتْ وقوع ما بعدها لا نفيه، أي: نحو: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] وإنَّما هي هنا للإنكارِ الإبطاليِّ المقتضِي أن يكون ما بعدهَا غير واقعٍ، وأنَّ مُدَّعيه كاذبٌ نحو ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء: ٤٠] ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] والمعنى هنا لا أملكُ لك جعل الرَّحمة فيك (٢) بعد أنْ نزعها اللهُ من قلبكَ.
وهذا الحديثُ من أفراده.
стр. 10678
٥٩٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بنُ محمَّد بنِ الحكمِ بنِ أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة، محمَّد بنُ مطرِّف (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أسلم مولى عمر (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ) من هوازن، وللكُشميهنيِّ: «قُدم» بضم القاف على صيغة المجهول «بسبي» بزيادةِ الجارِّ (فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ) لم يعرفِ الحافظ (١) ابن حجرٍ اسمها (تَحْلُب) بسكون الحاء المهملة وضم اللام (ثَدْيَهَا) بالإفراد والنَّصب مفعوله، وفي نسخة: «قد تحلب» ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قد تحَلَّب» بفتح الحاء واللَّام مشدَّدة «ثديُها» بالإفراد والرفع فاعل، أي: سال منه اللَّبن (٢)، ومنه سُمِّي الحليبُ لتحلُّبه. وقال في «فتح الباري» أي: تهيَّأ لأن يُحْلَبَ، قال: ولغير الكُشميهنيِّ: «ثدييها» بالتَّثنية (تَسْقِي) بفوقية مفتوحة وسكون المهملة وكسر القاف. قال الحافظ ابنُ حجرٍ: وللكُشميهنيِّ: «بِسَقْيٍ» بموحدة مكسورة بدل الفوقيَّة، وفتح المهملة وسكون القاف وتنوين التحتية. قال: وللباقين: «تسعَى» بفتح العين المهملة، من السَّعي، أي: تمشي بسرعةٍ تطلب ولدها الَّذي فقدته (إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ) أي: فأرضعتهُ ليَخِفَّ عنها اللَّبن؛ لكونها تضرَّرت باجتماعهِ فوجدتْ (٣) ابنها فأخذته (فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ) ولم يقف الحافظ ابن حجرٍ على اسم ولدها (٤). وقال العينيُّ: إذ وَجَدَتْ، كلمة إذْ ظرف، ويجوز أن تكون بدلَ اشتمالٍ من امرأة. قال: وفي بعض النُّسخ: «إذا» أي: بالألف، لكن قال الحافظ ابن حجر: قوله «إذا» أي بالألف كذا للجميع (فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ :
стр. 10679
أَتُرَوْنَ) بضم الفوقية، أي: أتظنُّون (هَذِهِ) المرأة (طَارِحَةً وَلَدَهَا) هذا (فِي النَّارِ. قُلْنَا: لَا) تطرحهُ (وَهْيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ) أي: لا تطرحهُ مكرهة أبدًا (فَقَالَ) ﷺ : (لَلَّهُ) بفتح اللَّام للتَّأكيد، وللإسماعيليِّ: «واللهِ لَلَّه» (أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ) المؤمنين (مِنْ هَذِهِ) المرأة (بِوَلَدِهَا) هذا وحكى الشَّيخ ابنُ أبي جمرة احتمال تعميمهِ حتَّى في الحيوانات.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة».
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ) ولأبي ذرٍّ: «في مئةِ جزءٍ».
٦٠٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتحتين، ولأبي ذرٍّ: «أبو اليمان الحكم» (بْنُ نَافِعٍ البَهْرَانِيُّ) بفتح الموحدة وسكون الهاء، نسبة إلى قبيلةٍ من قُضاعة ينتهي نسبُهم إلى بهر بنِ عَمرو بن الحَافِ بن قُضَاعة، وهذه اللَّفظة ثابتة في رواية أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ قال: (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بفتح التحتية المشدَّدة، ابن حَزْنٍ الإمام، أبو محمَّدٍ المخزوميُّ، أحدُ الأعلام وسيِّد التَّابعين (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِئَةَ جُزْءٍ) وفي حديث سلمان -عند مسلم-: «إنَّ الله خلقَ مئةَ رحمةٍ يومَ خلقَ السَّموات والأرضَ كلُّ رحمةٍ طِباقُ ما بين السَّماء والأرض … » الحديث. وخلق، أي: اخترع وأوجد، والمراد بقوله: «كلُّ رحمةٍ طباق … » إلى آخره التَّعظيم والتَّكثير، ولأبي ذرٍّ: «في مئةِ جزء» بزيادة: «في». قال في «الكواكب»: هي ظرفيَّة يتمُّ المعنى بدونها، أو متعلِّقة بمحذوفٍ، وفيه نوعُ مبالغةٍ حيث جعلها مظروفًا لها؛ يعني بحيث لا يفوتُ منها شيءٌ، ورحمةُ الله غيرُ متناهيةٍ لا مئة ولا مئتان، لكنَّها عبارة عن القدرةِ المتعلِّقة بإيصالِ
стр. 10680
الخير، والقدرةُ صفةٌ واحدة، والتَّعلُّق غير متناهٍ، فحصره في مئة على سبيل التَّمثيل تسهيلًا للفَهم، وتقليلًا لِمَا عندنا، وتكثيرًا لِمَا عنده ، وهل المراد بالمئة التَّكثير والمبالغة أو الحقيقة، فيحتملُ أن تكون (١) مناسبةً لعَدَدِ دَرَجِ الجنَّة، والجنَّة هي محلُّ الرَّحمة فكانت كلُّ رحمةٍ بإزاء درجةٍ، وقد ثبت أنَّه لا يدخل أحدٌ الجنَّة إلَّا برحمةِ الله، فمن نالته منها رحمةٌ واحدةٌ كان أدنى (٢) أهل الجنَّةِ منزلةً، وأعلاهم من حصلتْ له جميعُ الأنواع من الرَّحمة (فَأَمْسَكَ) تعالى (عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا) ولمسلمٍ من رواية عطاء، عن أبي هريرة: «وأخَّر عندهُ تسعةً وتسعين رحمةً» (وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا) القياس وأنزلَ إلى الأرض، لكنَّ حروف الجرِّ يقوم بعضُها مقامَ بعضٍ، أو فيه تضمين فعل، والغرضُ منه المبالغة؛ يعني أنزل رحمةً واحدةً منتشرةً في جميع الأرض، وفي رواية عطاء: «أنزلَ منها رحمةً واحدةً بين الجنَّ والإنسِ والبهائم» (فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ تَتَرَاحَمُ (٣) الخَلْقُ) بالراء والحاء المهملة (حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا) هو كالظِّلف للشَّاة (عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) أي: خشيةَ الإصابة، وفي رواية عطاء: «فيها يتعاطفونَ، وبها يتراحمونَ، وبها يعطفُ الوحشُ على ولدِهِ»، وفي حديث سلمان: «فبها (٤) تعطفُ الوالدةُ على ولدِها، والوحشُ والطَّير بعضها على بعضٍ»، وزاد أنَّه يكمِّلها يوم القيامة مئة رحمة بالرَّحمة الَّتي في الدُّنيا.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.
(٢٠) (بابُ قَتْلِ الوَلَدِ) أي: قتل الرَّجل ولده (خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «بابٌ» بالتَّنوين «أيُّ الذَّنب أعظم».
стр. 10681
٦٠٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة، العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بنِ سلمة (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ) بفتح العين، و «شُرَحْبِيْل» بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الموحدة وبعد التحتية الساكنة لام، بالصَّرف وعدمهِ في «اليونينيَّة» (١)، الهمدانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ) ﷺ : (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا) بكسر النون وتشديد الدال المهملة منونة، أي: شريكًا، والنِّدُّ المثل، ولا يقال إلَّا للمثل المخالفِ المنادد (٢) (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (خَلَقَكَ. ثُمَّ قَالَ) أي: ابنُ مسعودٍ، ولأبي ذرٍّ: «قلت: ثم (٣)» (أَيُّ؟ قَالَ) ﵊: (أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنْ يَطْعَمَ» (مَعَكَ. قَالَ) ابنُ مسعود: (ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ) بالحاء المهملة، أي: زوجةَ (جَارِكَ) لأنَّ فيه إساءةً على من يستحقُّ الإحسان (وَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في سورة الفرقان: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) أي: لا يشركون، زاد أبو ذرٍّ: «الآية».
وهذا الحديث سبقَ في «تفسير سورةِ الفرقان» من «كتاب التَّفسير» [خ¦٤٧٦١].
(٢١) (بابُ وَضْعِ الصَّبِيِّ فِي الحِجْرِ) شفقةً وتعطُّفًا عليه، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب» فالتَّالي رفع.
стр. 10682
٦٠٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو موسى العنزيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ هِشَامٍ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بنُ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ صَبِيًّا) هو عبدُ الله بنُ الزُّبير، كما عند الدَّارقطنيِّ، أو الحسين بن علي، كما عند الحاكم (فِي حَِجْرِهِ) بفتح الحاء المهملة وكسرها وسكون الجيم، حال كونه (يُحَنِّكُهُ) بأنَّ دلَّك حنكه بتمرةٍ بعد أن مَضغها (فَبَالَ) الصَّبيُّ (عَلَيْهِ) أي على ثوبهِ (فَدَعَا) ﷺ (بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ) أي أتبعَ البول بالماء.
وهذا الحديث قد سبق في «باب بول الصِّبيان»، من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٢٢].
(٢٢) (بابُ وَضْعِ الصَّبِيِّ عَلَى الفَخِذِ).
٦٠٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد لأبي ذرٍّ، ولغيره بالجمع (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَارِمٌ) بالعين المهملة وبعد الألف راء مكسورة فميم، محمَّدُ بنُ الفضل السَّدوسيُّ، وهو من مشايخ المؤلِّف، روى عنه هنا بالواسطة، قال: (حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) سليمان بنِ طرخان التَّيميِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ) بفتح الفوقية طَرِيف -بفتح المهملة وكسر الراء آخره فاء- ابنَ مجالدٍ -بالجيم- الهُجَيميّ -بضم الهاء وفتح الجيم- (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمنِ بنِ ملٍّ (النَّهْدِيِّ) بفتح النون وسكون الهاء (يُحَدِّثُهُ) أي: يحدِّث أبا تميمة (أَبُو عُثْمَانَ) النَّهديُّ (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄¬) أنَّه قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ) بالمعجمتين (وَيُقْعِدُ الحَسَنَ) بنَ عليٍّ (عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى)
стр. 10683
بالتَّأنيث، ولأبي ذرٍّ: «الآخر» بالتَّذكير. واستُشكل بأنَّ أسامة أسنُّ من الحسنِ بكثير لأنَّه ﷺ أمَّره على جيشٍ عند وفاتهِ الشَّريفة، وكان عمره فيما قيل عشرين سنة حينئذٍ، وكان سنُّ الحسن إذ ذاك ثمان سنين.
وأُجيب باحتمال أن يكون أقعدَ أسامةَ (١) على فخذهِ لنحو مرضٍ أصابهُ فمرَّضه بنفسهِ الشَّريفة لمزيد محبَّته له، وجاءَ الحسنُ فأقعدَه على الآخر، أو أنَّ إقعادهما ليس في وقتٍ واحدٍ، أو عبَّر عن إقعاده بحذاء فَخِذِه لينظر في مرضه بقولهِ: فيُقعدني على فخِذهِ مبالغةً في شدَّة قربهِ منه (ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا) بسكون الميم على الجزمِ، أي: صل خيركَ إليهما (فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا) بضم الميم، أي: أَرِقُّ لهما وأتعطَّفُ عليهما.
والحديثُ سبق في «فضائل أسامة» [خ¦٣٧٣٥] و «فضائل الحسن» [خ¦٣٧٤٧].
(وَ) به قال البخاريُّ (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابنُ عبد الله (٢) المدينيِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بنُ طَرْخان (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبدِ الرَّحمن بنِ ملٍّ (قَالَ التَّيْمِيُّ) سليمانُ بنُ طَرْخان أبو المعتمر -بالسَّند السَّابق-: (فَوَقَعَ) أي لَمَّا حدَّثني به أبو تميمةَ وقع (فِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ) من شكٍّ هل سمعتُه من أبي تميمةَ، عن أبي عثمان النَّهديِّ، أو سمعتُه من أبي عثمان بغير واسطةٍ؟ (قُلْتُ) في نفسي: (حَدَّثْتُ) بفتح الحاء والدال (٣)، كذا في الفرع وأصله (٤)، وفي نسخة: «حُدِّثتُ» بضم أوله وكسر ثانيه (بِهِ) بهذا الحديث (كَذَا وَكَذَا) أي: كثيرًا (فَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي عُثْمَانَ) النَّهديِّ (فَنَظَرْتُ) في كتابي (فَوَجَدْتُهُ) أي: الحديث (عِنْدِي مَكْتُوبًا) فيه (فِيمَا سَمِعْتُ) منه، فزال الشَّكُّ عندِي، أي: اعتمادًا على خطِّه وإن لم يتذكَّر (٥)، وهذا هو الرَّاجح في الرِّواية. قال في «فتح الباري»: فكأنَّه سمعَه من أبي تميمةَ، عن أبي عُثمان، ثمَّ لقيَ أبا عثمان فسمعَه منه، أو كان سمعهُ من أبي عُثمان فثبَّته فيه أبو تميمةَ.
стр. 10684
(٢٣) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (٢): (حُسْنُ العَهْدِ) وهو كما قال في «النِّهاية» الحفاظ ورعاية الحُرْمة. أو حفظ الشَّيءِ ومراعاتهُ حالًا بعد حالٍ، كما قال الرَّاغب (مِنَ الإِيمَانِ) أي من كمالهِ.
٦٠٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الهباريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بنُ أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا غِرْتُ) «ما» نافية (عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ) «ما» (٣) موصولةٌ، أي: الَّذي غرت (عَلَى) أي من (خَدِيجَةَ) ﵂ (وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي) ﷺ (بِثَلَاثِ سِنِينَ، لِمَا) أي لأجلِ ما (كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا) ومن أحبَّ شيئًا أكثرَ من (٤) ذكره (وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ) (أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ) من لؤلؤٍ مجوَّفٍ (وَإِنْ كَانَ) مخفَّفة من الثَّقيلة، أي: وإنَّه كان (رَسُوْلُ اللَهِ ﷺ ¬) وسقط ما بعد «كان» لأبي ذرٍّ (لَيَذْبَحُ الشَّاةَ) بلام التَّأكيد (ثُمَّ يُهْدِي) بضم التحتية (فِي خُلَّتِهَا مِنْهَا) أي: من الشَّاة المذبوحة، وزاد في «فضل خديجة» «ما يسعهنَّ» [خ¦٣٨١٦]، ولمسلم: «ثمَّ يهديها إلى خَلائلها». وفي «الصِّحاح»: الخُلَّة الخليلُ يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث؛ لأنَّه في الأصل مصدرُ قولك: فلانٌ خليلٌ بيِّن الخُلَّة، والحاصل أنَّ ما كان من المصادر اسمًا يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث والمفرد وغيره، وجوَّز بعضُهم أن يكون هذا من حذفِ المضاف وإقامة المضاف إليه مقامَه، أي: ثمَّ يهدي إلى أهل خلَّتها.
стр. 10685
فإن قلتَ: ما وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ لفظ التَّرجمة ورد في حديث عائشة عند الحاكمِ والبيهقيِّ في «الشُّعب» من طريقِ صالح بنِ رُستم، عن ابنِ أبي مُليكة، عن عائشة قالت: جاءتْ عجوزٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: «كيف أنتم، كيف حالُكم، كيف كنتُم بعدنا؟» قالت: بخيرٍ بأبي أنتَ وأمِّي يا رسول الله. فلمَّا خرجتْ قلتُ: يا رسول الله تقبلُ على هذه العجوزِ هذا الإقبال؟ فقال (١): «يا عائشةُ إنَّها كانت تأتينَا زمان خديجةَ، وإنَّ (٢) حُسْن العهدِ من الإيمان». فاكتفى البخاريُّ بالإشارة على عادتهِ تشحيذًا للأذهان، تغمَّده الله تعالى بالرَّحمة والرُّضوان.
(٢٤) (بابُ فَضْلِ مَنْ يَعُولُ يَتِيمًا) أي: يربِّيه ويقومُ بمصالحهِ من قوتٍ وكسوةٍ وغيرهما.
٦٠٠٥ - به قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبِي) أبو حازم سلمة بنُ دينارٍ (قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) السَّاعديِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ) القائم بمصالحهِ (فِي الجَنَّةِ هَكَذَا. وَقَالَ) أي: أشارَ (بِإِصْبَعَيْهِ) بالتَّثنية (٣) (السَّبَّابَةِ) بالموحدتين بينهما ألف والأولى مشددة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «السَّبَّاحة» بالحاء بدل الموحدة الثَّانية الَّتي يشار بها في تشهُّد الصَّلاة، وسُمِّيت بالسَّبابة أيضًا لأنَّه يسبُّ بها الشَّيطان حينئذٍ (وَالوُسْطَى) زاد في «اللِّعان» «وفرَّج بينهما» [خ¦٥٣٠٤] أي: بين السَّبَّابة والوسطى. قال ابن حجرٍ: وفيه إشارةٌ إلى أنَّ بين درجة النَّبيِّ ﷺ وكافلِ اليتيم قدر تفاوتِ ما بين السَّبَّابة والوسطى، وهو نظير قولهِ: «بعثتُ أنا والسَّاعة كهاتين» [خ¦٦٥٠٤].
стр. 10686
والحديث سبق في «الطَّلاق» [خ¦٥٣٠٤]، وأخرجه أيضًا أبو داود والتِّرمذيُّ.
(٢٥) (بابُ) فضل (السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ) بفتح الميم.
٦٠٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بنِ أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) بضم السين وفتح اللام، مولى حميد بنِ عبد الرَّحمن المدنيِّ التَّابعيِّ (يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال في «الكواكب»: هذا مرسلٌ لأنَّ صفوان تابعيٌّ لكن لمَّا قال: يرفعه إلى النَّبيِّ ﷺ صار مسندًا مجهولًا؛ لأنَّه لم يذكر شيخَه فيه إمَّا للنِّسيان (١) أو لغرضٍ آخر، ولا قدحَ بسببه (قَالَ: السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ) الَّتي لا زوجَ لها سواء تزوَّجت قبلَ ذلك أم لا، أو هي الَّتي فارقهَا زوجها غنيَّةً كانت أو فقيرةً. وقال ابنُ قتيبة: سمِّيت بذلك لِمَا يحصلُ لها من الإرمالِ وهو الفقرُ وذهاب الزَّاد بفقد الزَّوج (٢) (وَالمِسْكِينِ) والسَّاعي هو الكاسبُ لهما العاملُ لمؤنتهمَا، قاله النَّوويُّ. قال في «شرح المشكاة»: وإنَّما كان مَعنى السَّاعي على الأرملةِ ما قاله (٣) لأنَّه ﷺ عدَّاه بعلى مضمِّنًا فيه مَعنى الإنفاق. وقولهُ: (كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: في الأجر (أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ) متهجِّدًا والشَّكُّ من الرَّاوي، وتعيينهِ يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦٦٠٠٧].
وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ عبدِ الله الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) بالمثلثة، وزيد من الزِّيادة (الدِّيلِيِّ) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية
стр. 10687
بغير همز وكسر اللام، المدنيِّ (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) بالمعجمة والمثلثة، سالم (مَوْلَى) عبد الله (ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِثْلَهُ) أي: مثلَ الحديث السَّابق.
(٢٦) (بابُ) فضل (السَّاعِي عَلَى المِسْكِينِ) أي لأجلِ المسكين، وهو الكاسبُ (١).
٦٠٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا (٢) مَالِكٌ) إمام الأئمَّة، ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) الدِّيليِّ (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) سالم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : السَّاعِي) الَّذي يذهب ويجيءُ في تحصيلِ ما ينفقه (عَلَى) المرأة (الأَرْمَلَةِ) بفتح الميم، الَّتي لا زوجَ لها (وَالمِسْكِينِ) في الثَّواب (كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ) تعالى، قال عبد الله القعنبيُّ: (-وَأَحْسِبُهُ) أي: أحسبُ مالكًا (قَالَ: يَشُكُّ القَعْنَبِيُّ-) جملة مُعترضة بين القولِ ومقولهِ، وهو قوله: (كَالقَائِمِ) اللَّيل متهجدًا (لَا يَفْتُرُ) أي لا يضعف عن التَّهجُّد (وَكَالصَّائِمِ) النَّهار (لَا يُفْطِرُ) كقولهم: نهارُه صائمٌ، وليلهُ قائمٌ، يريدون الدَّيمومةَ، والألف واللام في قولهِ: كالقائمِ وكالصَّائم، غير معرِّفين، ولذا وُصِفَ كلُّ واحدٍ بجملةٍ فعليَّةٍ بعده، كقولهِ:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ..........................
(٢٧) (بابُ رَحْمَةِ النَّاسِ بالبَهَائِمِ) كذا في الفرع، وفي أصله و (٣) غيرهِ وعليه الشُّراح بالواو بدل الموحدة، وهو ظاهرٌ من الأحاديث المسوقةِ في الباب، وليس فيها ما يدلُّ للأوَّل.
стр. 10688
٦٠٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بنُ مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ إبراهيم، يعرف بأمِّه عُلَيَّة قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) بنُ أبي (١) تميمة السَّخْتِيانِيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبدِ الله بنِ زيد الجرميِّ (عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) اللَّيثيِّ، نزيل البصرة، أنَّه (قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ) جمع شاب، مثل كَتَبة وكاتب (٢) (مُتَقَارِبُونَ) في السِّنِّ (فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَظَنَّ) ﵊ (أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا) ولأبي ذرٍّ: «إلى أهلينا» (٣) بزيادة حرف الجرِّ والتَّحتية السَّاكنة بعد اللَّام (٤) (وَسَأَلَنَا) بفتح اللَّام (عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا) ولأبي ذرٍّ: «في أهلينا» (فَأَخْبَرْنَاهُ) بذلك (وَكَانَ رَفِيقًا) بالفاء ثمَّ القاف، من الرِّفق، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «رقيقًا» بقافين، من الرِّقَّة (رَحِيمًا فَقَالَ) لهم: (ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ) من الجموعِ النَّادرة حيثُ يجمعُ على الأهلين والأهلات والأهالي (فَعَلِّمُوهُمْ) أي الشَّرع (وَمُرُوهُمْ) بالمأموراتِ، أو علِّموهم الصَّلاة وأمُرُوهم بها (وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فإذا» (حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «وليؤمكم» بالواو بدل ثمَّ (أَكْبَرُكُمْ) سنًا.
والحديث قد مرَّ في «باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعةً» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٦٣١].
стр. 10689
٦٠٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمامُ دار الهجرة (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين وفتح الميم وتشديد التحتية (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) أي: ابنُ عبد الرَّحمن المخزوميِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوانَ (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (رَجُلٌ) لم يسمَّ (يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ) ولأبي ذرٍّ: «واشتدَّ» (عَلَيْهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ) منها (فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ) بالمثلَّثة، يخرج لسانهُ من العَطَشِ (يَأْكُلُ الثَّرَى) بالمثلَّثة، التُّراب النَّديَّ (مِنَ العَطَشِ) الشَّديد الَّذي أصابه (فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ) بالنَّصب على المفعوليَّة (مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ) أي: بفمهِ (فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ) (لَهُ) ذلك، أي: جازاهُ عليه (فَغَفَرَ لَهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنَّ لَنَا فِي) سقي (البَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ) ﷺ : (فِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «نَعم في» (كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ) أي: في سقي كلِّ حيوانٍ (أَجْرٌ) والرُّطوبة (١) كنايةٌ عن الحياة.
وهذا الحديثُ سبق في «باب فضل سقي الماءِ» من «الشُّرب» [خ¦٢٣٦٣].
٦٠١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحَكَمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي (٢)) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ) قيل: هو ذو
стр. 10690
الخُويصرة، وقيل: الأقرعُ بن حابس (وَهْوَ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من الصَّلاة (قَالَ لِلَاعْرَابِيِّ: لَقَدْ حَجَّرْتَ) بفتح المهملة وتشديد الجيم وسكون الراء، ضيَّقت (وَاسِعًا) وخصَّصت ما هو عامٌّ (يُرِيدُ) ﵊ (رَحْمَةَ اللهِ) الَّتي وسعت كلَّ شيءٍ.
والحديثُ من أفراده.
٦٠١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكَين قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) بنُ أبي زائدة (عَنْ عَامِرٍ) هو الشَّعبيُّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ) الأنصاريَّ ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ) بأن يرحمَ بعضُهم بعضًا بأخوَّة الإسلام لا بسببٍ آخر (وَتَوَادِّهِمْ) بتشديد الدال، وأصله بدالين فأدغمت الأولى في الثَّانية، أي: تواصلهم الجالب للمحبَّة كالتَّزاور والتَّهادي (وَتَعَاطُفِهِمْ) بأن يعينَ بعضهم بعضًا، كما يعطف طرف الثَّوب عليه ليقوِّيه (كَمَثَلِ الجَسَدِ) بالنِّسبة إلى جميع أعضائه، ومَثَل بفتحتين (إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا) منه (تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ) دعا بعضه بعضًا إلى المشاركة (بِالسَّهَرِ) لأنَّ الألمَ يمنع النَّوم (وَالحُمَّى) لأنَّ فقد النَّوم يُثِيرها، والحاصلُ أنَّ مثل الجسدِ في كونهِ إذا اشتكى بعضُه اشتكى كلُّه، كالشَّجرة إذا ضُرب غصنٌ من أغصانها اهتزَّت الأغصانُ كلُّها بالتَّحرُّك والاضطراب، وفيه جواز التَّشبيهَ وضرب الأمثالِ لتقريبِ المعاني للأفهام.
وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الأدبِ» أيضًا.
٦٠١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بنُ عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، سقط لأبي ذرٍّ «ابنِ مالك» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬)
стр. 10691
أنَّه (قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا فَأَكَلَ) بلفظ الماضي كغرس، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يأكُل» (مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ) من عطف العامِّ على الخاصِّ إن كان المراد ما دبَّ على الأرض، أو من عطف الجنسِ على الجنس إن كان المراد الدَّابَّةَ المعروفةَ (إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً) ولأبي ذرٍّ: «له به صدقةٌ» وإن لم يقصدْ ذلك عينًا.
والحديثُ سبق في «المزارعة» [خ¦٢٣٢٠].
٦٠١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياث قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) أبو سليمان الهَمْدانيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) البَجَليُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُْ) الخلقَ من مؤمنٍ وكافرٍ وبهائم مملوكة وغيرها كأن يتعاهدَهم بالإطعام والسَّقي، والتَّخفيف في الحمل، وترك التَّعدِّي بالضَّرب في الدُّنيا (لَا يُرْحَمُ) في الآخرة، ويَرْحم الأولى مبني للفاعل، والثَّانية للمفعول. وعند الطَّبرانيِّ: «من لا يَرحم مَن في الأرضِ لا يرحمهُ من في السَّماء». وقال ابنُ أبي جمرة: يحتملُ أن يكون المعنى: من لا يرحم نفسَه بامتثالِ أوامرِ الله واجتنابِ نواهيه لا يرحمهُ الله؛ لأنَّه ليس له عندهُ عهدٌ، فتكون الرَّحمة الأولى بمعنى: الأعمال، والثَّانية بمعنى: الجزاء، أي: لا يُثاب إلَّا من عملَ صالحًا، وفي إطلاقِ رحمةِ العباد في مقابلةِ رحمة الله نوع مشاكلةٍ، و «يرحمُ» مرفوعٌ على أنَّ «مَن» موصولةٌ، والجزم على تضمُّنها معنى الشَّرط.
وهذا الحديث أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٧٦]، ومسلمٌ في «فضائلهِ ﷺ ».
стр. 10692
(٢٨) (بابُ) وفي نسخة: «كِتاب» (الوَصَاءَةِ بِالجَارِ) بفتح الواو والصاد المهملة المخففة بعدها همزة ممدودًا، لغة في الوصيَّة، وكذا الوصاية بإبدال الهمزة ياء، وفي نسخة: «كتاب البرِّ والصِّلة» (١) (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾) وأحسنوا بهما إحسانًا (إِلَى قولهِ: ﴿مُخْتَالاً﴾) تيَّاهًا جهولًا يتكبَّر عن إكرامِ أقاربهِ وأصحابهِ ومماليكهِ، فلا يَلتفت إليهم (﴿فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]) يفخرُ على عبادِ الله بما أعطاهُ من أنواع نعمه، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «إلى قولهِ: ﴿مُخْتَالاً فَخُورًا﴾» وقال بعد قولهِ: ﴿إِحْسَانًا﴾: «الآية» والمراد من الآية ما فيها من الإحسان بالجار، والجار ذِي القُربى الَّذي قَرُب جواره، والجار الجُنب الَّذي بَعُد جواره، أو الجار الأوَّل (٢) القريب النَّسب، والآخر الأجنبيُّ.
٦٠١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابنُ عمرو بن حزم (عَنْ عَمْرَةَ) بنتِ عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا زَالَ جِبْرِيلُ (٣)) ﵇ (يُوصِينِي بِالجَارِ) مسلمًا كان أو كافرًا (٤)، عابدًا (٥) أو فاسقًا، صديقًا أو عدوًّا، غريبًا أو بلديًّا، ضارًّا أو نافعًا، قريبًا أو أجنبيًّا، قريب الدَّار أو بعيدها (حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ
стр. 10693
سَيُوَرِّثُهُ) أي أنَّه يأمرني عن الله بتوريثِ الجار من جاره، بأن يجعلَه مشاركًا في المال مع الأقارب بسهمٍ يُعطاه. وفي «البخاريِّ» من حديث جابر بلفظ: «حتَّى ظننتُ أنَّه يجعل له ميراثًا». وفي حديث جابر عند الطَّبرانيِّ رفعه: «الجيران ثلاثة: جارٌ له حقٌّ وهو المشركُ له حقُّ الجوار، وجارٌ له حقَّان وهو المسلم له حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام، وجارٌ له ثلاثة حقوق جارٌ مسلمٌ له رَحِمٌ، له حقُّ الجوارِ والإسلام والرَّحم».
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ، وأبو داود، وابن ماجه في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ».
٦٠١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ) التَّميميُّ البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ) أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بضم العين (عَنْ أَبِيهِ) محمَّد بنِ زيد بنِ عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) جدِّه (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) ويحصل امتثال الوصيَّة به (١) بإيصالِ ضروب الإحسانِ إليه بحسب الطَّاقة، كالهديَّة والسَّلام وطلاقة الوجه عند لقائهِ وتفقُّدِ حالهِ ومعاونتهِ فيما يحتاج إليه، وكفِّ أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسيَّةً كانت أو معنويَّة.
(٢٩) (بابُ إِثْمِ مَنْ لَا (٢) يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايقَهُ) بموحدة فواو مفتوحتين وبعد الألف تحتية مكسورة فقاف فهاء، جمع بايقة، وهي الغائلةُ، أي: لا يأمنُ جارُه غوائلَه (٣) وشرَّه (﴿يُوبِقْهُنَّ﴾) من قولهِ تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤] قال أبو عُبيدة (٤): (يُهْلِكْهُنَّ، ﴿مَّوْبِقًا﴾) من قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] (مَهْلِكًا) أخرجه ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عبَّاس.
стр. 10694
٦٠١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّدُ بنُ عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ) المقبُريِّ (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بضم المعجمة وفتح الراء آخره حاء مهملة، خُوَيلد الخزاعيِّ الصَّحابيِّ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ) بالتِّكرار ثلاثًا، أي: إيمانًا كاملًا، أو هو في حقِّ المستحلِّ، أو أنَّه لا يجازى مجازاة المؤمنِ فيدخل الجنَّة من أوَّل وهلةٍ مثلًا، أو أنَّه خرج مخرج الزَّجر والتَّغليظ (قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: ومن الَّذي لا يؤمن (١)، والواو في «ومن» عطفٌ على مقدَّر، أي: سمعنَا قولكَ وما سمعنا مَن هو، أو الواو زائدة، أو استئنافية. قال في «الفتح»: ولأحمد من حديث ابن مسعودٍ أنَّه السَّائل عن ذلك، قال: وذكره المنذريُّ في «ترغيبه» بلفظ: قالوا: يا رسول الله لقد خابَ وخسرَ من هو؟ وعزاهُ للبخاريِّ وحدَه وما رأيتُه فيه بهذه الزِّيادة، ولا ذكرها الحُميديُّ في «الجمع» (قَالَ) ﷺ : (الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ) بفتح التحتية من يَأمن، وفيه مع قولهِ: لا يُؤمن -بالضم- جناس التَّحريف، والأوَّل (٢) من الإيمان، والثَّاني من الأمان، وفي تكرير القسم ثلاثًا تأكيد حقِّ الجار.
والحديثُ من أفراده.
(تَابَعَهُ) أي: تابع عاصمَ بن عليٍّ (شَبَابَةُ) بفتح المعجمة وبموحدتين بينهما ألف مخفَّفًا، ابن سَوَّار -بفتح المهملة والواو وبعد الألف راء- الفزاريُّ في روايته عن ابنِ أبي ذئبٍ ممَّا
стр. 10695
وصله الإسماعيليُّ الأمويُّ أسد السُّنَّة في روايته عن ابنِ أبي ذئبٍ أيضًا (وَ) تابعه أيضًا (أَسَدُ ابْنُ مُوسَى) ممَّا أخرجه الطَّبرانيُّ في «مكارم الأخلاق».
(وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ) بضم الحاء المهملة مصغَّرًا الكرابيسيُّ، وهذه الرِّواية قال في «المقدمة»: لم أرَها (وَ) قال (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين، ابن فارسٍ البصريُّ، ممَّا وصله أحمدُ في «مسنده» عنه (وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ) بالتحتية والمعجمة، القاري راوي عاصم (وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) الدِّمشقيُّ. قال الحافظ ابنُ حجرٍ: لم أرها (١)، الأربعة (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وقد اختلف أصحاب ابن أبي ذئبٍ في صحابيِّ (٢) هذا الحديث، فقال سعيدٌ المقبريُّ وشبَابة وأسدُ بن موسى: عن أبي شريح. وقال الأربعةُ حُمَيد وعثمان وابن عيَّاش وشعيب: عن أبي هريرة. فقال أحمدُ -فيما روي عنه-: من سمعَ من ابن أبي ذئب ببغداد يقول: عن أبي شُريح، ومن سمعَ منه بالمدينة يقول: أبو هُريرة. وصنيعُ البخاريِّ يقتضِي تصحيح الوجهين.
(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لَا تَحْقِرَنَّ) بكسر القاف (جَارَةٌ لِجَارَتِهَا).
٦٠١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) الدِّمشقيُّ، ثمَّ التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -هُوَ المَقْبُرِيُّ-) بضم الموحدة، وسقطَت (٣) لفظة «هو» لأبي ذرٍّ (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: يَا نِسَاءَ) الأنفُس (المُسْلِمَاتِ) من إضافةِ الموصوف إلى صفتهِ، أو تقديره يا فاضلات المسلمات كما يقال: هؤلاء رجالُ القوم، أي: ساداتُهم وأفاضلُهم (لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ) أن تُهدي (لِجَارَتِهَا) شيئًا (وَلَوْ)
стр. 10696
أنَّها تُهدي لها (فِرْسِنَ شَاةٍ) بكسر الفاء والسين المهملة بينهما راء، وهو ما فوقَ حافرهَا وهو كالقدم للإنسان، أي: ولو كان المهديُّ ممَّا لا يُنتفَع به غالبًا، ولتهد ما تيسَّر وإن كان قليلًا؛ إذ هو خير من العدم، وخصَّ النَّهي بالنِّساء لأنَّهنَّ مواد المودَّة والبغضاء، ولأنَّهنَّ أسرعُ انفعالًا في كلٍّ منهما.
وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة».
(٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ).
٦٠١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن سعيد» قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سلَّام -بتشديد اللام- ابن سليمٍ الكوفيُّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمان بنِ عاصمٍ الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ) الَّذي خلقه إيمانًا كاملًا (وَاليَوْمِ الآخِرِ) الَّذي إليه معادهُ وفيه مجازاته بعمله (فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ) فيه مع سابقهِ الأمرُ بحفظ الجار، وإيصالُ الخيرِ إليه، وكفُّ أسباب الضَّرر عنه. قال في «بهجة النُّفوس»: وإذا كان هذا في حقِّ الجار مع الحائل بين الشَّخص وبينه، فينبغِي له أن يُراعي حقَّ الملَكين الحافظَين اللَّذين ليس بينه وبينهما جدارٌ ولا حائلٌ، فلا يؤذيهما (١) بإيقاع المخالفاتِ في مرور السَّاعات، فقد جاء أنَّهما يُسرَّان بوقوع الحسناتِ ويحزنان بوقوع السَّيِّئات، فينبغِي مُراعاة جانبهما، وحفظ خواطرهما بالتَّكثير من عمل الطَّاعة والمواظبةِ على اجتنابِ المعصيةِ، فهما أولى برعايةِ الحقِّ من كثيرٍ من الجيران (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ).
стр. 10697
قال الدَّاوديُّ (١) -فيما نقله عنه في «المصابيح» -: يعني يزيدُ في إكرامهِ على ما كان يفعلُ في عياله. وقال في «الكواكب»: الأمرُ بالإكرامِ يختلفُ بحسب المقامات فربَّما يكون فرض عينٍ أو فرض كفايةٍ، وأقلُّه أنَّه من باب مكارمِ الأخلاق (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا) ليغنم (أَوْ لِيَصْمُِتْ) بضم الميم، وقد تكسر، أي: ليسكُت عن الشَّرِّ ليسلم؛ إذ (٢) آفات اللِّسان كثيرةٌ فاحفظْ لسانك، وَلْيَسَعْكَ بيتُك، وابْكِ على خطيئتكَ، وهل يكبُّ النَّاس في النَّار على مَناخِرهم إلَّا حصائدُ ألسنتهم. قال ابنُ مسعود: ما شيءٌ أحوجُ إلى طولِ سجنٍ من لسان. ولبعضهم (٣) اللِّسان حيَّة مسكنها الفمُ.
وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وابن ماجه في «الفتن» (٤).
٦٠١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الكلاعيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بضم المعجمة وفتح الراء آخره مهملة، خويلد (العَدَوِيِّ) الخُزاعيِّ الكعبيِّ الصَّحابيِّ ﵁ (قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) وفائدة قولهِ: سمعت وأبصرتْ التَّوكيد
стр. 10698
(فَقَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ) وفي «مسلم» من حديث أبي هريرة: «فليحسِنْ إلى جاره» (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ) نصب مفعول ثان ليُكرم (١) لأنَّه في معنى الإعطاءِ أو بنزعِ الخافض، أي: بجائزتهِ، والجائزةُ العطاء (قَالَ (٢): وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ (٣)): جائزتهُ (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) وجاز وقوع الزَّمان خبرًا عن الجثَّة إمَّا باعتبار أنَّ له حكم الظَّرف، وإمَّا مضاف مقدَّر، أي: زمان جائزتهِ يومٌ وليلة (وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) باليوم الأوَّل أو ثلاثةٌ بعده، والأوَّل أشبهُ. قال الخطَّابيُّ: أي: يتكلَّف له يومًا وليلةً فيُتْحِفُه ويزيدهُ في البرِّ على ما يخصه (٤) في سائر الأيَّام، وفي اليومين الأخيرين يقدِّم له ما حضر، فإذا مضت الثَّلاثة فقد قضى حقَّه (فَمَا كَانَ) من البرِّ (وَرَاءَ ذَلِكَ) المذكور من الثَّلاثة (فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ) وفي التَّعبير بالصَّدقة تنفيرٌ عنه؛ لأنَّ كثيرًا من النَّاس يأنفونَ غالبًا من أكلِ الصَّدقة، وفي «مسلم» «الضِّيافة ثلاثةُ أيَّامٍ وجائزتهُ يومٌ وليلة» وهو يدلُّ على المغايرة، أي: قدرَ ما يجوزُ به المسافر ما يكفيهِ يومًا وليلة، أو أنَّ قوله: «وجائزتهُ»، بيانٌ لحالةٍ أخرى، وهو أنَّ المسافر تارةً يُقيم عند من ينزلُ عليه، فهذا لا يزاد على الثَّلاثة، وتارةً لا يُقيم فهذا يُعْطى ما يجوز به قدر كفايته يومًا وليلةً، ومنه حديث: «أجيزوا الوفدَ بنحوِ ما كنتُ أجيزُهم» [خ¦٣٠٥٣]
стр. 10699
وسيكون لنا عودةٌ إن شاء الله تعالى بعونه (١) وقوَّته إلى بقيَّة مباحث هذا في «باب إكرام الضَّيف».
(وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) بضم الميم، وقال الطُّوفيُّ (٢): بكسرها سمعناه، وهو القياس كضَرَب يَضْرِب يعني: أنَّ (٣) المرءَ إذا أراد أن يتكلَّم فليتفكَّر قبل كلامهِ، فإن علم أنَّه لا يترتَّب عليه مفسدةٌ، ولا يجرُّ إلى محرمٍ ولا مكروهٍ فليتكلَّم، وإن كان مُبَاحًا فالسَّلامة في السُّكوت؛ لئلَّا يجرَّ المباحُ إلى محرَّمٍ أو مكروهٍ، وقد اشتملَ هذا الحديثُ من الطَّريقين على أمورٍ ثلاثةٍ تجمعُ مكارمَ الأخلاقِ الفعليَّة والقوليَّة، أمَّا الأولان فمن الفعليَّة وأوَّلهما يرجعُ إلى الأمر بالتَّخلِّي عن الرَّذيلة، والثَّاني يرجعُ إلى الأمر بالتَّحلِّي بالفضيلةِ. والحاصلُ: أنَّ مَن كان كاملَ الإيمان (٤) فهو متَّصف بالشَّفقة على خلقِ الله قولًا بالخيرِ أو سكوتًا (٥) عن الشَّرِّ، أو فعلًا لِمَا ينفع أو تركًا لِمَا يضرُّ.
(٣٢) (بابُ حَقِّ الجِوَارِ فِي قُرْبِ الأَبْوَابِ) فمن كان أقرب كان الحقُّ له.
٦٠٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) الأنماطيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو عِمْرَانَ) عبد الملك الجَوْنيُّ -بفتح الجيم وسكون الواو بعدها نون- البصريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ) بن عبد الله بنِ عثمانَ بنِ عبيد الله التَّيميَّ القرشيَّ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟) بضم الهمزة
стр. 10700
من الإهداءِ (قَالَ) ﷺ : (إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا) نصب على التَّمييز، أي: أشدُّهما قربًا لأنَّه يرى ما يدخل بيتَ جارهِ من هديَّة وغيرها فيتشوَّف لها بخلافِ الأبعدِ، وروي عن عليٍّ: «مَن سمعَ النِّداء فهو جارٌ» وعن عائشة: «حقُّ الجوار أربعون دارًا من كلِّ جانبٍ»، وعن كعبِ ابن مالكٍ عند الطَّبرانيِّ بسند ضعيف مرفوعًا: «ألا إنَّ أربعين دارًا جار».
وحديث الباب سبق في «الشُّفعة» [خ¦٢٢٥٩].
(٣٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (كُلُّ مَعْرُوفٍ) يفعلهُ الإنسان، أو يقوله من الخيرِ ممَّا ندبَ إليه الشَّارع، أو نهى عنهُ يكتب (١) له به (صَدَقَةٌ).
٦٠٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ) بالتحتية والمعجمة، الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة المفتوحتين وبعد الألف نون، محمَّد بنُ مطرِّف -بكسر الراء المشددة- (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ) بضم الميم وسكون النون وفتح الكاف وكسر الدال بعدها راء، ابنِ عبد الله التَّيميُّ المدنيُّ الحافظ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (¬﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) وزاد الدَّارقطنيُّ والحاكم من طريق عبدِ الحميد بنِ الحسن (٢) الهلاليِّ، عن ابنِ المنكدر: «وما أنفقَ الرَّجل على أهلهِ كُتب له به صدقة، وما وَقَى المرءُ به عرضَه فهو صدقةٌ» وأخرجه البخاريُّ في «الأدب المفرد» من طريق ابنِ المنكدر عن أبيه وزاد: «ومِن المعروفِ أن تلقَى أخاكَ بوجهٍ طَلْقٍ، وأن تُكْفِئ من دلوكَ في إناءِ أخيكَ» ذكرَهُ الحافظُ ابن حجرٍ في «فتح الباري»، لكن قال شيخُنا الحافظ السَّخاويُّ: الَّذي رأيتهُ في «الأدب المفرد» إنَّما هو من طريق أبي غسَّان الَّذي أخرجه في «الصَّحيح» من جهتهِ ولفظهما سواء. نعم، هو في «مسند أحمد» من طريقِ ابن المنكدرِ (٣) باللَّفظ المشارِ إليه.
стр. 10701
وحديثُ الباب من أفراد البخاريِّ، وأخرجه مسلمٌ من حديث حذيفة، والله أعلم.
٦٠٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بسكون الموحدة وسكون الراء، عامر (بْنِ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيِّ) سقط لفظ «الأشعريِّ» لأبي ذرٍّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي بردة (عَنْ جَدِّهِ) أبي مُوسى، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) في مكارم الأخلاقِ (صَدَقَةٌ) وليس ذلك فرضًا إجماعًا (قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) ما يتصدَّق به؟ (قَالَ) ﷺ : (فَيَعْمَلُ بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية (فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ) بما يكسبهُ من صناعةٍ وتجارةٍ ونحوهما بإنفاقه عليهما، ومَن تلزمه نفقتهُ، ويَستغني بذلك عن ذلِّ السُّؤال لغيره (وَيَتَصَدَّقُ) فينتفعُ غيرهُ ويُؤجر، وقولهِ (١): «فيعملُ فينفع ويتصدَّق» بالرفع في الثَّلاثة خبر بمعنى الأمر، قاله ابن مالك (٢). (قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي: بأن عجز عن ذلك (أَوْ لَمْ يَفْعَلْ؟) ذلك كَسَلًا، والشَّكُّ من الرَّاوي (قَالَ) ﷺ : (فَيُعِينُ) بالقولِ أو الفعلِ، أو بهما (ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ) أي: المظلومَ المستغيثَ، يقال: لُهِفَ الرَّجل إذا ظُلِمَ، أو المحزونَ المكروب (قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟) ذلك عجزًا أو كسلًا (قَالَ) ﷺ : (فَيَأْمُرُ) ولأبي ذرٍّ: «فليأمرْ» (بِالخَيْرِ -أَوْ قَالَ: بِالمَعْرُوفِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي أيضًا. (قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ) ﵊: (فَيُمْسِكُ) ولأبي ذرٍّ: «فليمسكْ» (عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهُ) أي: الإمساكُ عنه (لَهُ صَدَقَةٌ) يثابُ عليها، وتمسَّك به من قال: إنَّ التَّركَ عملٌ وكسبٌ للعبد، خلافًا لمن قال: إنَّه ليسَ بعملٍ. وسيكون لنا عودة إن شاء الله تعالى بقوَّته وعونه إلى بقيَّة مباحث ذلك في «الرِّقاق».
وسبق الحديثُ في «الزَّكاة» [خ¦١٤٤٥].
стр. 10702
(٣٤) (بابُ طِيبِ الكَلَامِ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ) كإعطاء المال؛ لأنَّ إعطاءه يفرحُ به قلبُ من يعطاه ويذهب ما في قلبهِ، وكذلك الكلمةُ الطَّيِّبة كما قاله ابن بطَّال، وهذا التَّعليق طرف من حديث وصله المؤلِّف في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٧] و «الجهاد» [خ¦٢٩٨٩].
٦٠٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بنُ عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ مرَّة (عَنْ خَيْثَمَةَ) بفتح الخاء المعجمة وبعد التحتية الساكنة مثلثة مفتوحة، ابنِ عبد الرَّحمن (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) بالحاء المهملة، الطَّائيِّ، أنَّه (قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ النَّارَ، فَتَعَوَّذَ مِنْهَا) تعليمًا لأمَّته (وَأَشَاحَ) بهمزة مفتوحة وشين معجمة بعدها ألف، أي: أعرض (بِوَجْهِهِ) فعل الحذرِ من الشَّيء الكارهِ له، كأنَّه ﷺ كان يَراها ويحذرُ وهجَها فينحِّي وجهه الكريم عنها (ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ، فَتَعَوَّذَ مِنْهَا، وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ -قَالَ شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج بالسَّند السَّابق: (أَمَّا مَرَّتَيْنِ فَلَا أَشُكُّ-) وأمَّا ثلاثُ مرَّاتٍ فأشكُّ، و «أمَّا» بفتح الهمزة (١) (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) بكسر الشين المعجمة، نصف تَمرةٍ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) أحدُكم شقَّ تمرةٍ، والذي في «اليونينيَّة»: «تجد» بالفوقية (٢) (فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) وذكرُ المفردِ (٣) بعد الجمعِ من باب الالتفاتِ.
والحديث سبق في (٤) «صفة النَّار» [خ¦٦٥٦٣].
(٣٥) (بابُ) فضل (الرِّفْقِ) بكسر الراء، لينِ الجانبِ، والأخذِ بالأسهل (فِي الأَمْرِ كُلِّهِ).
стр. 10703
٦٠٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابنِ إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ (١) زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) سقط قوله: «زوج النَّبيِّ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، (قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ) هو من الرِّجال ما دون العشرة (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ) بالمهملة وتخفيف الميم، الموتُ (عَلَيْكُمْ. قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ) لهم: (وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ) سقطَت الواو لأبي ذرٍّ (قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : مَهْلًا) بفتح الميم وسكون الهاء، منصوبٌ على المصدريَّة يستوي فيه الواحدُ فأكثر، والمذكَّر والمؤنَّث، أي: تأنِّي وارفقِي (يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ) ولمسلمٍ من حديث أبي شُريح بن هانئ عنها: «إنَّ الرِّفق لا يكون في شيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنزعُ من شيءٍ إلَّا شانَهُ». (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟) ولأبي ذرٍّ: «أَولَم» بهمزةِ الاستفهام وواو العطف (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَدْ قُلْتُ) لهم: (وَعَلَيْكُمْ) بواو العطف السَّاقطة لأبي ذرٍّ، واستُشكل: بأنَّ العطفَ يقتضي التَّشريك، وهو غيرُ جائزٍ. وأُجيب بأنَّ المشاركة في الموتِ (٢) أي: نحن وأنتُم كلُّنا نموتُ، أو أنَّ الواو للاستئنافِ لا للعطف، أو تقديره وأقول: عليكُم ما تستحقُّونه، وإنَّما اختارَ هذه الصِّيغة لتكون أبعدَ عن الإيحاشِ وأقربَ إلى الرِّفق.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، وفي «اليوم واللَّيلة».
стр. 10704
٦٠٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أبو محمَّد الحجبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابْنُ زَيْدٍ) أي: ابن دِرهمٍ (عَنْ ثَابِتٍ) هو: ابنُ أسلم البُنانيِّ، ولأبي ذرٍّ: «قال: حَدَّثنا ثابتٌ» (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن مالكٍ» (أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَقَامُوا) أي: الصَّحابة (إِلَيْهِ) لينالوا منهُ ضربًا أو غيره (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لهُم: (لا تُزْرِمُوهُ) بضم الفوقيَّة وسكون المعجمة وكسر الراء وضم الميم، أي: لا تقطعُوا عليهِ بولَهُ (ثُمَّ دَعَا) ﷺ (بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ (١) عَلَيْهِ) بضم الصاد المهملة، أي: محلَّ البول.
وسبق الحديثُ في «باب ترك النَّبيِّ ﷺ والنَّاسِ الأعرابيَّ حتَّى فرغَ من بولهِ في المسجدِ»، في «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢١٩].
(٣٦) (بابُ) فضلِ (تَعَاوُنِ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا) بجرِّ بعضهم بدلًا من المؤمنين، بدل بعضٍ من كلٍّ، ويجوز الضم أيضًا، وقول الكِرْمانيِّ: بعضًا نُصِبَ بنزع الخافضِ، أي: للبعضِ، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ الأوجه أن يكون مفعول المصدر المضاف إلى فاعلهِ، وهو لفظ التَّعاون لأنَّ المصدر يعملُ عملَ فعلهِ.
٦٠٢٦ - ٦٠٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي بُرْدَة) بضم الموحدة وسكون الراء (بُرَيْدِ) بنِ عبد الله (بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) نسبه لجدِّه، واسمُ أبيه عبد الله، وسقط لأبي ذرٍّ «أبي بردة» الأولى (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ) عامر (عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: المُؤْمِنُ) أي بعضُ المؤمن (لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ) فالألف واللَّام في المؤمن للجنسِ (يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) بيانٌ لوجه التَّشبيه، كقولهِ: (ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) أي شدًّا مثل هذا الشَّدِّ.
стр. 10705
(وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ -أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ-) بالإضافة، ولأبي ذرٍّ: «أو طالبٌ» بالتَّنوين «حاجةً» نصب مفعولٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي، وإذ بسكون الذال المعجمة في الفرع وفيه وفي «اليونينيَّة» بغير رقمٍ: «إذا» بألف، وقال في «الفتح»: كذا -أي: بالألف- في النُّسخ من رواية محمَّد الفِريابيِّ، عن سفيانَ الثَّوريِّ، وفي تركيبهِ قلقٌ ولعلَّه كان الأصل كانَ إذا كانَ جالسًا إذا جاءهُ (١) رجلٌ، فحذف اختصارًا، أو سقط من الرَّاوي لفظ إذا كان (٢)، على أنَّني تتبَّعت ألفاظ الحديث من الطُّرق فلم أره في شيءٍ منها بلفظ جالسًا. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا قلق في التَّركيب أصلًا، قال (٣): وآفَة هذا من (٤) ظنَّ أنَّ جالسًا خبرُ كان وليس كذلك، وإنَّما خبرُ كان قوله: أقبلَ علينا، وجالسًا حال. وعند أبي نُعيم من رواية إسحاقِ بن زُريق عن الفِريابيِّ: كان رسولُ الله ﷺ إذا جاءهُ السَّائل (٥)، أو طالب الحاجة (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الشَّريف (فَقَالَ: اشْفَعُوا) في قضاء حاجةِ السَّائل أو الطَّالب (فَلْتُؤْجَرُوا) بسكون اللام في الفرع. وقال في «الكواكب»: الفاء للسَّببيَّة الَّتي يُنْصَبُ بعدها الفعل المضارع، واللَّام بالكسر بمعنى كي، وجاز اجتماعهما لأنَّهما لأمرٍ واحدٍ، أو هي زائدةٌ على مذهبِ الأخفشِ كزيادتهَا في قولهِ: «قوموا فلأصلِّي لكم» [خ¦٣٨٠] أي: اشفعُوا كي تؤجروا، ويحتملُ أن تكونَ اللَّام لام الأمر والمأمور به التَّعرُّض للأجرِ بالشَّفاعة، فكأنَّه قال: اشفعوا تتعرَّضوا بذلك للأجرِ، وتكسر هذه اللَّام على أصل لامِ الأمر، ويجوزُ تسكينها تخفيفًا لأجلِ الحركة الَّتي قبلها (٦)، ولكريمة -ممَّا في «الفتح» -: «تؤجروا» والجزم بحذف النون على جواب الأمر المتضمِّن معنى الشَّرط وهو واضحٌ، وللنَّسائيِّ: «اشفعوا تشفَّعوا» (وَلْيَقْضِ اللهُ) بسكون اللام في الفرع، قال في «الفتح»: كذا في هذه الرِّواية باللام. وقال القرطبيُّ: لا يصحُّ أن تكون لام الأمر لأنَّ اللهَ لا يُؤمر، ولا لام كي؛ لأنَّه ثبت في الرِّواية بغير ياء، ويحتملُ أن تكون بمعنى الدُّعاء، أي: اللَّهم اقضِ، أو الأمر هنا بمعنى الخبر أي: إن عرض المحتاجُ حاجةً عليَّ فاشفعوا له إليَّ، فإنَّكم إذا شفعتُم حصلَ لكم الأجرُ سواء قبلتُ شفاعتكم أو لا، ويجرِي الله
стр. 10706
(عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ (١)) من موجباتِ قضاء الحاجةِ أو عدمها.
والحديث أخرجه النَّسائيُّ.
(٣٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾) وهي الَّتي رُوعي بها حقُّ المسلم، ودُفِع بها عنه شرٌّ (٢)، أو جُلِب إليه خيرٌ، وابتغى بها وجه الله، ولم يُؤخذ عليها رشوةٌ، وكانت في أمرٍ جائزٍ لا في حدٍّ من حدودِ الله، ولا في حقٍّ من الحقوقِ (﴿يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾) من ثوابِ الشَّفاعة (﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾) هي خلاف الشَّفاعة الحسنةِ (﴿يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾) نصيبٌ. قال في «اللُّباب»: الظَّاهر أنُّ مِن في قولهِ هنا: ﴿مِّنْهَا﴾، سببيَّة، أي: كِفْل بسببها ونصيبٌ بسببها، ويجوزُ أن تكون ابتدائيَّة (﴿وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥]) مقتدرًا، من أقات (٣) على الشَّيء، اقتدرَ عليه، أو حفيظًا من القوت؛ لأنَّه يمسك النَّفس ويحفظها، وسقط قوله: «﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.
(﴿كِفْلٌ﴾) أي (نَصِيبٌ) قاله أبو عُبيدة، زاد غيره: إلَّا أنَّ استعماله في الشَّرِّ أكثر عكس النَّصيب، وإن كان قد استعمل الكفل في الخير (قَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ، ممَّا وصلهُ ابن أبي حاتمٍ: (كِفْلَيْنِ) من قولهِ تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] أي (أَجْرَيْنِ بـ) اللُّغة (الحَبَشِيَّةِ) الموافقة للعربيَّة، وأراد البخاريُّ أنَّ الكِفْل يطلق على النَّصيب وعلى الأجر. قال ابنُ عادل: ولغلبةِ استعمال الكفلِ في الشَّرِّ، واستعمال النَّصيب في الأجرِ غايرَ بينهما في هذه الآيةِ الكريمةِ؛ إذ أتى بالكِفْل مع السَّيِّئة والنَّصيب مع الحسنة.
٦٠٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بن كُرَيْبٍ الهَمْدانيُّ
стр. 10707
الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) أبي بُردة بنِ عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) عامر (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبدِ الله الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الحَاجَةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أو صاحب حاجةٍ» (قَالَ) لمن حضره من أصحابه: (اشْفَعُوا) في حاجته إلي (فَلْتُؤْجَرُوا) بسبب شفاعتِكم (وَلْيَقْضِ اللهُ) ، وللحَمُّويي والمُستملي: «ويقضي الله» بغير لام وإثبات الياء التحتية (عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ) ﷺ (مَا شَاءَ) وفيه الحثُّ على الشَّفاعة إلى الكبير في كشفِ كُرْبة، ومَعونة ضعيف على مقصدٍ مأذون فيه من الشَّرع.
(٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشًا) بالطَّبع (وَلَا مُتَفَحِّشًا) بالتَّكلُّف، أي: لا ذاتيًّا ولا عرضيًّا.
٦٠٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) ابنِ مهران الأعمش، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيقَ بن سلمة، يقول: (سَمِعْتُ مَسْرُوقًا) أي: ابن الأجدع (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاص (ح) قال المؤلِّف (١): (وحَدَّثَنَا) بالواو لأبي ذرٍّ (قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ) أبي وائل (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو: ابنُ الأجدع، أنَّه (قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) هو: ابنُ العاص ﵄ (حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان ﵁ (إِلَى الكُوفَةِ) سنة إحدى وأربعين (فَذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا) بتشديد الحاء المهملة، والفحش: كلُّ ما خرج عن مقدارهِ حتَّى يُستقبحَ، ويكون في القولِ
стр. 10708
والفعلِ والصِّفة. يقال: طويلٌ فاحشٌ، إذا أفرط في الطُّول، لكنَّ استعماله في القولِ أكثر (وَقَالَ) عبد الله بن عَمرو: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ) بإثبات الهمزة، بوزن أفضلِكُم على الأصلِ إلَّا أنَّهم تركوهُ غالبًا فيها وفي شرٍّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من خيركُم» (أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا) بضمتين، والرِّوايتان بمعنًى. يقال: فلانٌ خيرٌ من فلانٍ، أي: أفضل منه. وقال في «الفتح»: ووقع في بعضِها بلفظ: «متفاحشًا» (١). والخُلُق ملكةً تصدرُ بها الأفعال بسهولةٍ من غير تفكُّرٍ.
والحديث مضى في «باب صفة النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٥٥٩].
٦٠٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبد الحميدِ الثَّقفيُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ يَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «أتوا رسولَ الله» (¬ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ) أي: الموتُ (عَلَيْكُمْ) وكان قتادة يرويه بالمدِّ من السَّآمة وهي الملل، أي: تسأمون دينكُم، وقيل: كانوا يعنون أماتكم الله السَّاعة (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (عَلَيْكُمْ) السَّام (وَلَعَنَكُمُ اللهُ، وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْكُمْ. قَالَ) ﷺ : (مَهْلًا) بفتح الميم وسكون الهاء (يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالعَُِنْفَ) بتثليث العين والضم أكثر وسكون النون، وهو ضدُّ الرِّفق (وَالفُحْشَ) التَّكلُّم بالقبيحِ
стр. 10709
(قَالَتْ): يا رسولَ الله (أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ) ﷺ : (أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ) لهم؟ قال في «المصابيح»: وفي بعض النُّسخ: «أو لم تسمعين» بإثبات النُّون على لغةِ من لم يجزمْ بها (رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ) دعاءهم (فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ) لأنَّه دعاء بحقٍّ (وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ) لأنَّه دعاء بالباطلِ والظُّلم (١)، وقوله: «فِيَّ» بكسر الفاء وتشديد التحتية.
والحديث سبق في «باب الرِّفق في الأمر كلِّه» [خ¦٦٠٢٤].
٦٠٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بنُ الفرجِ المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو يَحْيَى فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) ولأبي ذرٍّ: «هو فليحُ بن سليمان» (عَنْ هِلَالِ ابْنِ أُسَامَةَ) هو هلالُ بن عليٍّ، وهلال بن أبي ميمون، وهو هلالُ بن أسامة نسبَ إلى جدِّه (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ سَبَّابًا) بتشديد الموحدة (وَلَا فَحَّاشًا) بتشديد الحاء المهملة (وَلَا لَعَّانًا) بتشديد العين، ولأبي ذرٍّ: «ولا فاحشًا» بدل فحَّاشًا المشددة (٢). وفي «الكواكب» احتمال أن يكون السَّب يتعلَّق بالنَّسب كالقذفِ، والفُحش بالحَسَبِ، واللَّعن بالآخرة؛ لأنَّه (٣) البعد (٤) عن رحمةِ الله.
واستُشكل التَّعبير بصيغةِ فعَّال المشدَّدة، وهي تقتضِي التَّكثير، فهي أخصُّ من فاعل، ولا يلزمُ من نفِي الأخصِّ نفيُ الأعمِّ. فإذا قلتَ: زيد ليس بفحَّاش، أي: ليس بكثيرِ الفُحْش مع جواز أن يكون فاحشًا، وإذا قلتَ: ليس بفاحشٍ انتفَى الفُحشُ من أصلهِ، فكيف قال: ولا فحَّاشًا، والنَّبيُّ ﷺ لم يتَّصف بشيءٍ ممَّا ذكر أصلًا لا بقليلٍ ولا كثيرٍ؟ أُجيب بأنَّ فعَّالًا
стр. 10710
قد لا يُراد بها التَّكثير (١) كقول طرفة:
وَلَسْتُ بِحَلَّالِ التِّلَاعِ مَخَافَةً … وَلَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أَرْفِدُ
لا يريد أنَّه قد يَحِلُّ التِّلاع قليلًا؛ لأنَّ ذلك يدفعه آخر البيت الَّذي يدلُّ على نفي الحل (٢) على كلِّ حالٍ. أو على النَّسب (٣) أي: ليس بذِي فُحْشٍ البتَّة، وكذا باقيها، كقولِ امرئ القيس:
وَلَيْسَ بذِي رُمْحٍ فَيَطْعَنُنِي بهِ … وَلَيْسَ بِذِي سَيْفٍ ولَيْسَ بِنَبَّالِ
أي بذي نبلٍ، فينتفِي أصلُ الفحشِ، كما يدلُّ عليه رواية: «ولا فاحشًا» (كَانَ يَقُولُ لأَحَدِنَا عِنْدَ المَعْتَِبَةِ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح المثناة الفوقية وكسرها بعدها موحدة، مصدرُ عَتَبَ عليه يَعْتِب عَتَبًا وعِتَابًا ومَعْتَبةً ومُعَاتَبةً. قال الخليلُ: العتابُ مخاطبة الإدلالِ، ومذاكرةُ المَوْجَدَةِ (مَا لَهُ؟) استفهام (تَرِبَ (٤) جَبِينُهُ) كلمةٌ جرتْ على لسانِ العرب لا يريدون حقيقتَها، أو دعاء له بالطَّاعة أي: يصلِّي فيتترَّب جبينُه، أو عليه بأن يسقطَ (٥) على رأسهِ على الأرض من جهةِ جبينهِ، وهذه الأخيرةُ أوجهُ.
стр. 10711
٦٠٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى) بفتح العين وسكون الميم، أبو عثمان الضُّبَعيُّ البصريُّ، ثقةٌ مستقيمُ الحديث وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا، وآخرُ في «الصَّلاة» [خ¦١٢٠٢] قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ) بفتح المهملة وتخفيف الواو مهموزٌ ممدودٌ، أبو الخطَّاب السَّدوسيُّ المكفوف (١) البصريُّ ثقة، له في «البخاريِّ» (٢) هذا الحديث وآخرُ في «المناقب» [خ¦٣٦٨٦] قال: (حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ) بفتح الراء وسكون الواو، أبو غياث التَّميميُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله التَّيميِّ المدنيِّ الحافظ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَجُلًا) قال عبد الغنيِّ بن سعيد في «المبهمات»: هو مَخْرَمةُ بن نَوْفَل والدُ المسور، وقيل: عُيينة بن حصنٍ الفزاريِّ، وكان يقال له: الأحمقُ المطاع، وفي حواشي نسخة الدِّمياطي من «البخاريِّ» بخطِّه الجزم بأنَّه مخرمة (اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ) الجماعة أو القبيلة (وَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ) وكان يُظهرُ الإسلامَ ويُخفي الكفر، فأراد ﷺ أن يبيِّن حالهُ، وهذا من أعلام النُّبوَّة؛ لأنَّه ارتدَّ بعده ﷺ وجيء به أسيرًا إلى أبي بكرٍ ﵁ (فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ) بفتح الفوقية والطاء المهملة واللام المشددة بعدها قاف، أي: انشرح وهشَّ (النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ) لِمَا جُبِلَ عليه من حسنِ الخلق، ورجا بذلك تأليفه ليسلم قومُه؛ لأنَّه كان رئيسهم، ولم يواجهه بذلك لتقتدِي أمَّته به في اتِّقاء شرِّ من هو بهذه الصِّفة ليسلم من شرِّه (فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا) تعني: قوله: «بئسَ أخو العشيرة … » إلى آخره، (ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا) بالتشديد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فاحشًا» بالتَّخفيف بدل التَّشديد (٣) (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) أي: قبيح (٤) كلامهِ لأنَّ المذكور كان من جُفَاة
стр. 10712
الأعراب، وفيه أنَّ من اطَّلع من حال شخصٍ على شيءٍ، وخشي أنَّ غيره يغترُّ بجميلِ ظاهرهِ فيقعُ (١) في محذورٍ ما، فعليه أن يُطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدًا نصيحتَه. وقد استُشكل فعله ﷺ مع الرَّجل بعد ذلك القول. وأُجيب بأنَّه ﷺ لم يمدحْه ولا أثنى عليه في وجههِ فلا مخالفةَ بينهما، وقد قال الخطَّابيُّ ﵀: ليس قوله ﷺ في أمَّته بالأمور الَّتي يضيفها إليهم من المكروهِ غيبة، وإنَّما يكون ذلك من بعضِهم في بعض. انتهى.
وهذا ينبغي تقييدُه بما إذا لم يكن لغرضٍ شرعيٍّ وإلَّا فلا يكون غيبةً، بل ينبغِي ذكره على ما سبق.
والحديث أخرجه البخاريُّ [خ¦٦٠٥٤] [خ¦٦١٣١] أيضًا، ومسلمٌ وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ».
(٣٩) (بابُ حُسْنِ الخُلُقِ) بضم الخاء المعجمة واللام وتسكن مع فتح المعجمة (٢) وهما بمعنًى في الأصل، لكن خُصَّ الَّذي بالفتح بالهيئات والصُّور المُدرَكة بالبصرِ، وخُصَّ الَّذي بالضم بالقوى والسَّجايا المُدرَكة بالبصيرةِ (وَالسَّخَاءِ) وهو إعطاءُ ما ينبغي لمن ينبغي، وبذلُ ما يقتنى بغير عوضٍ، وعطفه على سابقهِ من عطفِ الخاصِّ على العامِّ (وَمَا يُكْرَهُ مِنَ البُخْلِ) وهو منعُ ما يُطلب ممَّا يقتنى وشرُّه ما كان طالبُه مستحقًّا، ولا (٣) سيَّما إن كان من غيرِ مالِ المسؤول، وقوله: وما يُكره من البخلِ يشيرُ إلى أنَّ بعضَ ما يطلقُ عليه اسمُ البخلِ قد لا يكون مَذْمومًا (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، ممَّا وصله المؤلِّف في «الإيمان» [خ¦٦] (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ
стр. 10713
أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ) أي: أجودُ أكوانه ﷺ حاصل (فِي رَمَضَانَ) لمجموعِ ما في بقيَّة الحديث من نزولِ القرآنِ، والنَّازل به وهو جبريلُ، والمذاكرةُ وهي مدارسةُ القرآن مع الوقت وهو شهرُ رمضان (وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وكان» (أَبُو ذرٍّ) جندب الغفاريُّ، ممَّا وصله المؤلِّف بطوله في «المبعث النَّبويِّ» [خ¦٣٨٦١]: (لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لأَخِيهِ) أُنَيس: (ارْكَبْ إِلَى هَذَا الوَادِي) وادي مكَّة (فَاسْمَعْ مِنْ قولهِ) ﷺ ، فأتى أنيسٌ النَّبيَّ ﷺ وسمع منه (فَرَجَعَ) أي: ثمَّ رجع، فالفاء فصيحة (فَقَالَ) لأخيه أبي ذرٍّ: (رَأَيْتُهُ) صلوات الله وسلامه عليه (يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ) جمع: مكرُمة -بضم الراء- وهي (١) الكرم، أي: الفضائل والمحاسن.
٦٠٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُو: ابنُ زَيْدٍ-) أي: ابنُ درهم، الإمام، أبو إسماعيل الأزديُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ) خَلْقًا وخُلُقًا (وَأَجْوَدَ النَّاسِ) أي: أكثرهُم إعطاء (٢) لِمَا يقدرُ عليه (وَأَشْجَعَ النَّاسِ) أي: أكثرهم إقدامًا إلى العدوِّ في الجهادِ مع عدم الفرارِ، وحسن الصُّورة تابع لاعتدالِ المزاج، وهو مُستتبعٌ لصفاءِ النَّفس الَّذي به جودةُ القَرِيحة ونحوها، وهذه الثَّلاث هي أمَّهات الأخلاق (وَلَقَدْ فَزِعَ) بكسر الزاي؛ أي (٣): خاف (أَهْلُ المَدِينَةِ) لمَّا سمعوا صوتًا في اللَّيل أن يَهْجِم عليهم عدوٌّ (ذَاتَ لَيْلَةٍ) لفظ «ذات» مقحمة (فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ) أي: جهتهِ (فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ) واستكشفَ الخبرَ فلم يجدْ ما يخاف منه فرجعَ (وَهْوَ يَقُولُ) لهم تأنيسًا وتسكينًا لروعهم: (لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تُرَاعُوا) مرَّتين،
стр. 10714
ولأبي ذرٍّ (١): «لم تراعوا» بالميم فيهما. قال الكِرْمانيُّ وغيره (٢): أي لا تُراعوا، جحدٌ بمعنى النَّهي، أي: لا تَفزعوا. وقال صاحب «المصابيح» -في قول «التَّنقيح»: «لم» بمعنى لا، ومعناهُ لا تَفزعوا-: لا أعلم (٣) أحدًا من النُّحَّاة قال بأن (٤) «لم» تردْ بمعنى لا النَّاهية فحرِّره (وَهْوَ) أي: والحالُ أنَّه ﷺ (عَلَى فَرَسٍ) اسمه: مندوبٌ (لأَبِي طَلْحَةَ) زيدِ بن سهلٍ الأنصاريِّ (عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ) تفسيرٌ لسابقه (فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ (٥)، فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُهُ) أي: الفرس (بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ (٦)) أي: كالبحرِ في سعة جريهِ.
والحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٢٩٠٨].
٦٠٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ) محمَّد، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ يَقُولُ: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ) أي: ما طُلبَ منه شيءٌ. قال الكِرْمانيُّ: من أموال الدُّنيا (فَقَالَ: لَا) قال الفرزدق:
مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ … لَوْلَا التَّشَهُّدُ كَانَتْ لَاءُهُ نَعَمْ (٧)
وعند ابنِ سعدٍ من مرسلِ ابن الحنفيَّة (٨) إذا سُئل فأرادَ أن يفعلَ (٩) قال: نعم، وإذا لم يُردْ أن يفعلَ سكتَ، ففيه أنَّه لا ينطقُ بالردِّ، بل إن كان عندَه وكان الإعطاءُ سائغًا أعطى وإلَّا سكتَ.
стр. 10715
وحديث الباب أخرجه مسلم في «فضائلِ النَّبيِّ ﷺ »، والتِّرمذيُّ في «الشَّمائل».
٦٠٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياث النَّخعيُّ الكوفيُّ قاضيها قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهران الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) هو ابنُ سلمة (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع، أنَّه (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاص ﵁ حال كونه (يُحَدِّثُنَا إِذْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاحِشًا) بالطَّبع (وَلَا مُتَفَحِّشًا) بالتَّكلُّف (وَإِنَّهُ) ﵊ (كَانَ (١) يَقُولُ: إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أحسنكم» (أَخْلَاقًا) وفي الرِّواية السَّابقة: «إنَّ من خياركم» [خ¦٣٥٥٩] بإثبات من التَّبعيضيَّة وهي مرادةٌ هنا، وفي حُسن الخُلق أحاديث كثيرةٌ يطولُ إيرادها، واختُلف هل حُسن الخُلق غريزةٌ أو مكتسبٌ؟ واستُدلَّ للأوَّل بحديث ابنِ مسعود: «إنَّ الله قسَّم أخلاقَكُم كما قسَّم أرزاقَكُم». رواه البخاريُّ في «الأدب المفرد»، وسيكون لنا عودةٌ إلى الإلمام بشيءٍ من مبحثِ ذلك إن شاء الله تعالى في «كتاب القدَرِ» بعون الله تعالى وقوَّته.
٦٠٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن الحكم (٢) بن محمَّد بن أبي مريم، أبو