← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 10711–10750 · переход к 10716.

стр. 10711

٦٠٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى) بفتح العين وسكون الميم، أبو عثمان الضُّبَعيُّ البصريُّ، ثقةٌ مستقيمُ الحديث وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا، وآخرُ في «الصَّلاة» [خ¦١٢٠٢] قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ) بفتح المهملة وتخفيف الواو مهموزٌ ممدودٌ، أبو الخطَّاب السَّدوسيُّ المكفوف (١) البصريُّ ثقة، له في «البخاريِّ» (٢) هذا الحديث وآخرُ في «المناقب» [خ¦٣٦٨٦] قال: (حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ) بفتح الراء وسكون الواو، أبو غياث التَّميميُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله التَّيميِّ المدنيِّ الحافظ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَجُلًا) قال عبد الغنيِّ بن سعيد في «المبهمات»: هو مَخْرَمةُ بن نَوْفَل والدُ المسور، وقيل: عُيينة بن حصنٍ الفزاريِّ، وكان يقال له: الأحمقُ المطاع، وفي حواشي نسخة الدِّمياطي من «البخاريِّ» بخطِّه الجزم بأنَّه مخرمة (اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ) الجماعة أو القبيلة (وَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ) وكان يُظهرُ الإسلامَ ويُخفي الكفر، فأراد ﷺ أن يبيِّن حالهُ، وهذا من أعلام النُّبوَّة؛ لأنَّه ارتدَّ بعده ﷺ وجيء به أسيرًا إلى أبي بكرٍ ﵁ (فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ) بفتح الفوقية والطاء المهملة واللام المشددة بعدها قاف، أي: انشرح وهشَّ (النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ) لِمَا جُبِلَ عليه من حسنِ الخلق، ورجا بذلك تأليفه ليسلم قومُه؛ لأنَّه كان رئيسهم، ولم يواجهه بذلك لتقتدِي أمَّته به في اتِّقاء شرِّ من هو بهذه الصِّفة ليسلم من شرِّه (فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا) تعني: قوله: «بئسَ أخو العشيرة … » إلى آخره، (ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا) بالتشديد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فاحشًا» بالتَّخفيف بدل التَّشديد (٣) (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) أي: قبيح (٤) كلامهِ لأنَّ المذكور كان من جُفَاة

стр. 10712

الأعراب، وفيه أنَّ من اطَّلع من حال شخصٍ على شيءٍ، وخشي أنَّ غيره يغترُّ بجميلِ ظاهرهِ فيقعُ (١) في محذورٍ ما، فعليه أن يُطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدًا نصيحتَه. وقد استُشكل فعله ﷺ مع الرَّجل بعد ذلك القول. وأُجيب بأنَّه ﷺ لم يمدحْه ولا أثنى عليه في وجههِ فلا مخالفةَ بينهما، وقد قال الخطَّابيُّ ﵀: ليس قوله ﷺ في أمَّته بالأمور الَّتي يضيفها إليهم من المكروهِ غيبة، وإنَّما يكون ذلك من بعضِهم في بعض. انتهى. وهذا ينبغي تقييدُه بما إذا لم يكن لغرضٍ شرعيٍّ وإلَّا فلا يكون غيبةً، بل ينبغِي ذكره على ما سبق. والحديث أخرجه البخاريُّ [خ¦٦٠٥٤] [خ¦٦١٣١] أيضًا، ومسلمٌ وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ». (٣٩) (بابُ حُسْنِ الخُلُقِ) بضم الخاء المعجمة واللام وتسكن مع فتح المعجمة (٢) وهما بمعنًى في الأصل، لكن خُصَّ الَّذي بالفتح بالهيئات والصُّور المُدرَكة بالبصرِ، وخُصَّ الَّذي بالضم بالقوى والسَّجايا المُدرَكة بالبصيرةِ (وَالسَّخَاءِ) وهو إعطاءُ ما ينبغي لمن ينبغي، وبذلُ ما يقتنى بغير عوضٍ، وعطفه على سابقهِ من عطفِ الخاصِّ على العامِّ (وَمَا يُكْرَهُ مِنَ البُخْلِ) وهو منعُ ما يُطلب ممَّا يقتنى وشرُّه ما كان طالبُه مستحقًّا، ولا (٣) سيَّما إن كان من غيرِ مالِ المسؤول، وقوله: وما يُكره من البخلِ يشيرُ إلى أنَّ بعضَ ما يطلقُ عليه اسمُ البخلِ قد لا يكون مَذْمومًا (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، ممَّا وصله المؤلِّف في «الإيمان» [خ¦٦] (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 10713

أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ) أي: أجودُ أكوانه ﷺ حاصل (فِي رَمَضَانَ) لمجموعِ ما في بقيَّة الحديث من نزولِ القرآنِ، والنَّازل به وهو جبريلُ، والمذاكرةُ وهي مدارسةُ القرآن مع الوقت وهو شهرُ رمضان (وَقَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وكان» (أَبُو ذرٍّ) جندب الغفاريُّ، ممَّا وصله المؤلِّف بطوله في «المبعث النَّبويِّ» [خ¦٣٨٦١]: (لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لأَخِيهِ) أُنَيس: (ارْكَبْ إِلَى هَذَا الوَادِي) وادي مكَّة (فَاسْمَعْ مِنْ قولهِ) ﷺ ، فأتى أنيسٌ النَّبيَّ ﷺ وسمع منه (فَرَجَعَ) أي: ثمَّ رجع، فالفاء فصيحة (فَقَالَ) لأخيه أبي ذرٍّ: (رَأَيْتُهُ) صلوات الله وسلامه عليه (يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ) جمع: مكرُمة -بضم الراء- وهي (١) الكرم، أي: الفضائل والمحاسن. ٦٠٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُو: ابنُ زَيْدٍ-) أي: ابنُ درهم، الإمام، أبو إسماعيل الأزديُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ) خَلْقًا وخُلُقًا (وَأَجْوَدَ النَّاسِ) أي: أكثرهُم إعطاء (٢) لِمَا يقدرُ عليه (وَأَشْجَعَ النَّاسِ) أي: أكثرهم إقدامًا إلى العدوِّ في الجهادِ مع عدم الفرارِ، وحسن الصُّورة تابع لاعتدالِ المزاج، وهو مُستتبعٌ لصفاءِ النَّفس الَّذي به جودةُ القَرِيحة ونحوها، وهذه الثَّلاث هي أمَّهات الأخلاق (وَلَقَدْ فَزِعَ) بكسر الزاي؛ أي (٣): خاف (أَهْلُ المَدِينَةِ) لمَّا سمعوا صوتًا في اللَّيل أن يَهْجِم عليهم عدوٌّ (ذَاتَ لَيْلَةٍ) لفظ «ذات» مقحمة (فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ) أي: جهتهِ (فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ) واستكشفَ الخبرَ فلم يجدْ ما يخاف منه فرجعَ (وَهْوَ يَقُولُ) لهم تأنيسًا وتسكينًا لروعهم: (لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تُرَاعُوا) مرَّتين،

стр. 10714

ولأبي ذرٍّ (١): «لم تراعوا» بالميم فيهما. قال الكِرْمانيُّ وغيره (٢): أي لا تُراعوا، جحدٌ بمعنى النَّهي، أي: لا تَفزعوا. وقال صاحب «المصابيح» -في قول «التَّنقيح»: «لم» بمعنى لا، ومعناهُ لا تَفزعوا-: لا أعلم (٣) أحدًا من النُّحَّاة قال بأن (٤) «لم» تردْ بمعنى لا النَّاهية فحرِّره (وَهْوَ) أي: والحالُ أنَّه ﷺ (عَلَى فَرَسٍ) اسمه: مندوبٌ (لأَبِي طَلْحَةَ) زيدِ بن سهلٍ الأنصاريِّ (عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ) تفسيرٌ لسابقه (فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ (٥)، فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُهُ) أي: الفرس (بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ (٦)) أي: كالبحرِ في سعة جريهِ. والحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٢٩٠٨]. ٦٠٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ) محمَّد، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ يَقُولُ: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ) أي: ما طُلبَ منه شيءٌ. قال الكِرْمانيُّ: من أموال الدُّنيا (فَقَالَ: لَا) قال الفرزدق: مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ … لَوْلَا التَّشَهُّدُ كَانَتْ لَاءُهُ نَعَمْ (٧) وعند ابنِ سعدٍ من مرسلِ ابن الحنفيَّة (٨) إذا سُئل فأرادَ أن يفعلَ (٩) قال: نعم، وإذا لم يُردْ أن يفعلَ سكتَ، ففيه أنَّه لا ينطقُ بالردِّ، بل إن كان عندَه وكان الإعطاءُ سائغًا أعطى وإلَّا سكتَ.

стр. 10715

وحديث الباب أخرجه مسلم في «فضائلِ النَّبيِّ ﷺ »، والتِّرمذيُّ في «الشَّمائل». ٦٠٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياث النَّخعيُّ الكوفيُّ قاضيها قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهران الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) هو ابنُ سلمة (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع، أنَّه (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاص ﵁ حال كونه (يُحَدِّثُنَا إِذْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاحِشًا) بالطَّبع (وَلَا مُتَفَحِّشًا) بالتَّكلُّف (وَإِنَّهُ) ﵊ (كَانَ (١) يَقُولُ: إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أحسنكم» (أَخْلَاقًا) وفي الرِّواية السَّابقة: «إنَّ من خياركم» [خ¦٣٥٥٩] بإثبات من التَّبعيضيَّة وهي مرادةٌ هنا، وفي حُسن الخُلق أحاديث كثيرةٌ يطولُ إيرادها، واختُلف هل حُسن الخُلق غريزةٌ أو مكتسبٌ؟ واستُدلَّ للأوَّل بحديث ابنِ مسعود: «إنَّ الله قسَّم أخلاقَكُم كما قسَّم أرزاقَكُم». رواه البخاريُّ في «الأدب المفرد»، وسيكون لنا عودةٌ إلى الإلمام بشيءٍ من مبحثِ ذلك إن شاء الله تعالى في «كتاب القدَرِ» بعون الله تعالى وقوَّته. ٦٠٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن الحكم (٢) بن محمَّد بن أبي مريم، أبو

стр. 10716

محمَّدٍ الجمحيُّ مولاهم، المصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة وبعد الألف نون، محمَّد بنُ مطرِّف (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلَمةُ بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ، أنَّه (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) قال الحافظ (٢) ابن حجرٍ: لم أعرف اسمها (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِبُرْدَةٍ. فَقَالَ سَهْلٌ) ﵁ (لِلْقَوْمِ) الحاضرين عنده: (أَتَدْرُونَ) بهمزة الاستفهام (مَا البُرْدَةُ؟ فَقَالَ القَوْمُ: هِيَ شَمْلَةٌ. فَقَالَ سَهْلٌ: هِيَ شَمْلَةٌ مَنْسُوجَةٌ فِيهَا حَاشِيَتُهَا) أي: لم تقطع من ثوب (٣) فتكون بلا حاشيةٍ، أو أنَّها جديدةٌ لم يقطع هُدْبُها. وفي تفسير البردة بالشَّملة تجوُّز؛ لأنَّ البُردةَ كساء، والشَّملة: ما يشتملُ (٤) به، لكنَّ لَمَّا كثر استعمالهم لها أطلقوا عليها اسمها (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَكْسُوكَ هَذِهِ؟) البردة (فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) منها حال كونه (مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَلَبِسَهَا، فَرَآهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ) قال في «المقدمة»: هو عبد الرَّحمن بن عوفٍ، رواه الطَّبرانيُّ فيما أفاده المحبُّ الطَّبريُّ، لكن لم يقفْ على ذلك في «معجم الطَّبراني» بل فيه من مسند سهل بن سعد نقلًا عن قتيبة أنَّه سعد بن أبي وقَّاص (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَحْسَنَ هَذِهِ) البردة بنصبِ أحسن على التَّعجُّب (فَاكْسُنِيهَا. فَقَالَ) ﷺ : (نَعَمْ. فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ لَامَهُ أَصْحَابُهُ، فقَالُوا: مَا أَحْسَنْتَ) نفيٌ للإحسان، و (٥) الَّذي خاطبه بذلك منهم سهلُ بن سعدٍ، راوي الحديث، كما بيَّنه الطَّبرانيُّ من وجهٍ آخر عنه. قال سهلٌ: فقلتُ له: ما أحسنتَ (حِينَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا) فيه استعمالُ ثاني الضَّميرين منفصلًا على ما قرِّر في محلِّه من الموضوعاتِ النَّحويَّة (وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ) ﵊ (لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ. فَقَالَ) الرَّجل: (رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ لَعَلِّي أُكَفَّنُ فِيهَا) والحديث سبقَ في «الجنائز» في «باب من استعدَّ الكفن» (٦) [خ¦١٢٧٧].

стр. 10717

٦٠٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد فيهما (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الحاء مصغَّرًا، الحِمْيريُّ البصريُّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ) نفسه في الشَّرِّ حتَّى يشبه أوَّله آخره، أو أحوال النَّاس في غلبةِ الفساد عليهم، أو المراد قِصَرُ أعمار أهلهِ، أو تَسَارُع الدُّول في الانقضاءِ، والقرون إلى الانقراض، فيتقاربُ زمانهم (١) (وَيَنْقُصُ العَمَلُ) بالطَّاعات لاشتغالِ النَّاس بالدُّنيا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وينقص العلم» (وَيُلْقَى) مبني (٢) للمفعول، ويُطرح (الشُّحُّ) وهو البخلُ مع الحرص بين النَّاس، أو في قلوبهم (وَيَكْثُرُ الهَرْجُ) بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم (قَالُوا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قال»: (وَمَا الهَرْجُ؟ قَالَ): هو (القَتْلُ) هو (القَتْلُ) (٣) بالتَّكرير مرَّتين. قال الخطَّابيُّ: هو بلسانِ الحبشةِ (٤). وقال ابن فارس: هو الفتنةُ والاختلاطُ. والحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٦١]، ومسلمٌ في «القدر»، وأبو داود في «الفتنِ». ٦٠٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ، أنَّه (سَمِعَ سَلَّامَ بْنَ مِسْكِينٍ) بتشديد اللام، النَّمَريُّ -بالنون- (قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا) البُنانيُّ (يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ) استُشكل بما في مسلمٍ من طريقِ إسحاق بنِ أبي طلحة، عن أنس

стр. 10718

والله لقد خدمتُه تسعَ سنين. وأُجيب بأنَّه خدمه تسع سنين وأشهر، و (١) حينئذٍ ففي رواية عشر سنين جبر الكسر، وفي رواية تسع ألغاهُ (فَمَا قَالَ لِي: أُفِّ) بضم الهمزة وكسر الفاء مشددة من غير تنوين، ولأبي ذرٍّ (٢) بفتحها، وفيها أربعون لغة ذكرتُها في كتابي الكبير في القراءات الأربعة عشر، وهو صوتٌ يدلُّ على التَّضجُّر (وَلَا لِمَ صَنَعْتَ؟) كذا وكذا (وَلَا أَلَّا) بفتح الهمزة وتشديد اللام، أي: هلَّا (صَنَعْتَ) كذا وكذا، وفيه تنزيهُ اللِّسان عن (٣) الزَّجر، واستئلافِ خاطر الخادمِ بترك معاتبتهِ، وهذا (٤) في الأمور المتعلِّقة بحظِّ الإنسان، أمَّا الأمورُ الشَّرعيَّة فلا يتسامحُ فيها على ما لا يخفَى. والحديث أخرجه مسلمٌ. (٤٠) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (كَيْفَ يَكُونُ) حال (الرَّجُلُ) إذا كان (فِي أَهْلِهِ؟). ٦٠٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، ابن عُتيبة -بضم العين- (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ) إذا كان (فِي أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مَِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ (٦)) بكسر الميم وفتحها، وصحَّح عليه في الفرع (٧)، وأنكرَ

стр. 10719

الأصمعيُّ الكسر، أي: في خدمةِ أهله ليُقتدى به في التَّواضع وامتهانِ النَّفس. والحديث سبق في «أبواب صلاة الجمعة»، من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٦٧٦]. (٤١) (بابُ المِقَةِ) بكسر الميم وفتح القاف المخففة، أي: المحبَّة الثَّابتة (مِنَ اللهِ تَعَالَى). ٦٠٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ابن بحرٍ الباهليُّ البصريُّ الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) شيخ البخاريِّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملك بنِ عبد العزيز، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضم العين المهملة وإسكان القاف، الأسديُّ مولى آل الزُّبير الفقيه الإمام في المغازي (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا) ولأبي ذرٍّ: «العبد» (نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبَُّهُ) بفتح الهمزة وكسر المهملة بعدها موحدة مشددة مفتوحة وتُضَم، وهو مذهب سيبويه والمحقِّقين على الاتِّباع للهاء (١)، ولأبي ذرٍّ: «فأحْبِبْه» بسكون المهملة فموحدة مكسورة فأخرى ساكنة بالفَكِّ. وفي حديث ثوبان عند أحمد والطَّبرانيِّ في «الأوسط»: «فيقول جبريلُ: رحمة الله على فلان، وتقوله حملة العرش» (فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي) قلوب (أَهْلِ الأَرْضِ) فيحبُّونه (٢) ويميلون إليه ويَرْضونَ عنه، فمحبة النَّاس علامةُ محبَّة الله لعبدِهِ (٣)، ومحبَّة الله لعبدهِ إرادةُ الخير له، ومحبَّة الملائكة استغفارُهم له وإرادتهم الخيرَ له؛ لكونه مطيعًا، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «أهل». وفي حديث ثوبان: «فيُنادِي جبريلُ في أهلِ السموات السَّبع، ثمَّ

стр. 10720

يوضع له القبولُ في الأرض». زاد الطَّبرانيُّ في حديث ثوبان: «ثمَّ يهبطُ إلى الأرضِ، ثمَّ قرأَ رسولُ الله ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]». وحديث الباب سبقَ في «باب ذكر الملائكة» من «بدء الخلق» [خ¦٣٢٠٩]. (٤٢) (بابُ الحُبِّ فِي) ذات (اللهِ) من غيرِ أن يشوبهُ رِياءٌ أو هوًى. ٦٠٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ المَرْءَ) بالنَّصب (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ) قال الكِرْمانيُّ: فإنَّ قلت: الحلاوةُ إنَّما هي في المطعوماتِ، وأجابَ: بأنَّه شبَّه الإيمان بالعسلِ بجامعِ ميلِ القلوبِ إليهما، وأسندَ إليه ما هو من خواصِّ العسلِ، فهو استعارةٌ بالكناية (وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ) ، أي: منه، وفصل بين الأحبِّ وكلمة «مِن» لأن في الظَّرف توسعة (وَحَتَّى يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) قال البيضاويُّ: إنَّما جعل هذه الأمور الثَّلاثة عنوانًا لكمالِ الإيمان المحصِّل لتلك اللَّذَّة؛ لأنَّه لا يتمُّ إيمانُ المرءِ (١) حتَّى يتمكَّن في نفسهِ أنَّ المنعم والقادر على الإطلاق هو الله تعالى، ولا مانحَ ولا مانعَ سواه، وما عداهُ وسائط لها، فإنَّ الرَّسول هو العَطوفُ الحقيقيُّ السَّاعي في إصلاح شأنهِ وإعلاءِ مكانه، وذلك يقتضِي أن يتوجَّه بشراشرهِ نحوه، ولا يحبُّ ما يحبُّه إلَّا لكونه وسطًا بينه وبينه، فإن تيقَّن أنَّ جملةَ ما وعدَ به وأوعد حقٌّ لا يحوم الرَّيب حولَه، فيتيقَّن أنَّ الموعودَ كالواقع وأنَّ الاستقلالَ بما يؤول إليهِ الشَّيء كملابستهِ، فيحسبُ مجالسَ الذِّكر رياض الجنَّة، وأكلَ مال اليتيمِ أكل النَّار، والعودَ إلى الكفرِ الإلقاءَ في النَّار، فيكره الإلقاءَ في النَّار، وثنَّى الضَّمير هنا في قولهِ: «سواهما»

стр. 10721

وردَّ على الخطيب: «ومن عصاهما فقد غوى». وأمره بالإفرادِ إيماء إلى أنَّ المعتبر هنا هو المجموع المركَّب من المحبَّتين لا كلُّ واحدةٍ فإنَّها وحدَها ضائعةٌ لاغيةٌ، وأمرَ الخطيبَ بالإفرادِ إشعارًا بأن كلَّ واحدٍ من العصيانين يستقلُّ باستلزامِ الغِواية، فإن قولَه: ومَن عَصى الله ورسولَه، من حيث إِنَّ العطفَ في تقدير التَّكرير، والأصلُ فيه استقلال كلٍّ من المعطوفِ والمعطوف عليه في الحكمِ في قوَّة قولنَا: ومَن عصَى الله فقد غَوى، ومَن عصى الرَّسول فقد غَوى. وقد سبق شيءٌ من ذلك عند ذكر الحديث في «باب الإيمان» [خ¦١٦] والله المستعان. (٤٣) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ إِلَى قولهِ: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]) وسقط قوله: «﴿عَسَى﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد ﴿مِّن قَوْمٍ﴾: «الآية». نهى (١) عن السُّخرية؛ وهي أن لا ينظر الإنسانُ إلى أخيه المسلمِ بعين الإجلال، ولا يلتفتَ إليه ويسقطَه عن درجتهِ، والقَوْم الرِّجال خاصَّةً؛ لأنَّهم القُوَّام بأمور النِّساء، وهو في الأصل جمع قائمٍ، كصُوَّم وزُوَّر في جمع: صَائم وزَائر، لكن فَعْلٌ ليس من أبنية التَّكسير إلَّا عند الأخفش نحو رَكْب وصَحْب، واختصاصُ القوم بالرِّجال صريحٌ في الآية؛ إذ لو كانت النِّساء داخلةً في قوم لم يقل: ولا نساءٌ، وحقَّق ذلك زهير في قولهِ: وَمَا أَدْرِي وَلَسْتُ إِخَالُ أَدْرِي … أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ فاختصاص القوم بالرِّجال في الآية من عطفِ ﴿وَلَا نِسَاء﴾ على ﴿قَوْمٍ﴾ وفي الشِّعر من جعل أحدِ المتساويين يلي الهمزة (٢) والآخر يلي أمْ، وتنكيرُ القومِ والنِّساء يحتملُ معنيين أنْ يُراد لا يسخرْ بعضُ المؤمنين والمؤمنات من بعض، وأن يقصدَ إفادة الشِّياع، وأن تصير كلُّ جماعةٍ منهم منهيَّةً عن السُّخرية.

стр. 10722

قال في «الانتصاف»: لو عرَّف المؤمنين فقال: لا يسخر المؤمنون والمؤمنات بعضُهم من بعضٍ لعمَّ، ومراده أنَّ في التَّنكير يحصل أنَّ كلَّ جماعةٍ منهيَّة على التَّفصيل وهو (١) أوقعُ. وقال الطِّيبيُّ: استغراقُ الجنس أيضًا يرادُ منه التَّفصيل. والمعرَّف بتعريف العهدِ الذِّهنيِّ مفيدٌ للتَّفصيل أيضًا كالنَّكرة؛ إذ المعنى لا يسخرْ من هو مسمَّى بالقومِ من قومٍ مثله. قال ابنُ جنِّي: مفادُ نكرةِ الجنس مفادُ معرفتهِ من حيث كان في كلِّ جزءٍ منه معنى ما في جملتهِ. انتهى. وقوله: ﴿عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ وردَ مورد جواب المستخبر (٢) عن علَّة النَّهي، وإلَّا فقد كان حقُّه أن يُوصَلَ بما قبله بالفاء، والمعنى: وجب (٣) أن يعتقد كلُّ واحدٍ أنَّ المسخور منه ربَّما كان عند الله خيرًا من السَّاخر إذ لا اطِّلاع للنَّاس إلَّا على الظَّاهر (٤)، ولا علم لهم بالسَّرائر، والَّذي يزن عند الله خلوص الضَّمائر، فينبغي أن لا يجترئَ أحدٌ على الاستهزاءِ بمن تقتحمه عينهُ إذا رآه رثَّ الحال (٥)، أو ذا عاهةٍ في بدنه، أو غيرَ لَبِق (٦) -أي: غير حاذقٍ- في (٧) محادثتهِ، فلعلَّه أخلص ضميرًا وأَنْقى قلبًا ممَّن هو على ضدِّ صفتهِ، فيظلمُ نفسه بتحقيرِ من وقَّره الله تعالى. وعن ابنِ مسعودٍ ﵁ البلاء موكَّلٌ بالقولِ لو سخرتُ من كلبٍ لخشيتُ أن أحوَّل كلبًا. وقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ فيه وجهان أحدُهما: عيبُ الأخِ إلى الأخ، فإذا عابهُ فكأنَّه عاب (٨) نفسه، والثَّاني: أنَّه إذا عابهُ وهو لا يخلو عن (٩) عيبٍ فيعيبه به المعاب، فيكون هو بمعيبهِ حاملًا لغيرهِ على عيبهِ، فكأنَّه هو العائبُ نفسه، واللَّمز: الطَّعن والضَّرب باللِّسان.

стр. 10723

﴿وَلَا تَنَابَزُوا﴾ ولا تداعَوْا (١) ﴿بِالْأَلْقَابِ﴾ السَّيِّئة الَّتي يساء بها (٢) ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ أي: بئس الذِّكر المرتفع للمؤمنين بسببِ ارتكابِ هذه الجرائم أنْ يُذكَروا بالفسقِ، وقيل: أن يقولَ له: يا يهوديُّ يا فاسقُ بعدما آمن وبعد الإيمان استقباحٌ للجمع بين الإيمان وبين الفسق الَّذي يحظره الإيمان ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ﴾ عمَّا نهي عنه ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. ٦٠٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمَْعَةَ) بفتح الزاي والميم وتسكن والعين المهملة المفتوحة (٣) القرشيِّ، أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَضْحَكَ الرَّجُلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الأَنْفُسِ) من الضُّراط؛ لأنَّه قد يكون بغير الاختيار، ولأنَّه أمرٌ مشترك بين الكلِّ (وَقَالَ) ﷺ : (بِمَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لِمَ» باللام بدل الموحدة (يَضْرِبُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الفَحْلِ) أي: كضرب الفحل (٤)، ولأبي ذرٍّ (٥): «أو العبد» بالشَّكِّ من الرَّاوي (ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقُهَا. وَقَالَ الثَّوريُّ) سفيان، ممَّا وصله المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦٥٢٠٤] (وَوُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابن خالد البصريُّ، ممَّا وصله أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٩٤٢] (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم، بالمعجمتين بينهما ألف آخره ميم، ممَّا وصله أحمد، الثَّلاثة (عَنْ هِشَامٍ) بن عروة بلفظ: (جَلْدَ العَبْدِ) بدل «ضرب الفحل» من غير شكٍّ.

стр. 10724

٦٠٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنْزيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) أبو خالدٍ السُّلميُّ الواسطيُّ أحدُ الأعلام قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) محمَّدِ بنِ زيد (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) جدِّه (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى) في حجَّة الوداع: (أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) برفع أيُّ (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بذلك (١) (قَالَ: فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ) حرَّم الله فيه القتل (أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ:) هو (بَلَدٌ حَرَامٌ، أَتَدْرُونَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: أتدرون» (أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ:) هو (شَهْرٌ حَرَامٌ) وليس المراد بالحرام عينَ اليوم والبلد والشَّهر، وإنَّما المراد ما يقعُ فيها من القتالِ، ومرادهُ ﵊ أن (٢) يذكِّرهم حرمةَ ذلك وتقريرها (٣) في نفوسهِم ليبنيَ عليه ما أرادَ تقريره حيثُ (قَالَ: فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) يوم النَّحر (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ذي الحجَّة (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) مكَّة إلَّا بحقِّها. والحديث سبق في «باب الخطبة أيَّامَ منًى» [خ¦١٧٤٢]. (٤٤) (بابُ مَا يُنْهَى) عنه (منَ السِّبَابِ) بكسر السين المهملة وتخفيف الموحدة، من باب التَّفاعل أو بمعنى السَّبِّ، أي: من الشَّتم (وَاللَّعْنِ) وهو التَّبعيدُ من رحمة الله. ٦٠٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ

стр. 10725

مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ (١) أَبَا وَائِلٍ) شقيقَ بن سلمة (يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابن مسعودٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سِبَابُ المُسْلِمِ) مصدر مضاف للمفعول، أي: شتمهُ والتَّكلُّم في عرضهِ بما يعيبُه ويُؤلمه (فُسُوقٌ) فُجُور (وَقِتَالُهُ) أي: مقاتلته (كُفْرٌ) وليس المراد حقيقة الكفرِ المخرج عن الإسلامِ، وإنَّما المراد المبالغة في التَّحذير، أو المراد الكفر اللُّغويُّ الَّذي هو السِّتر كأنَّه بقتالهِ له سترَ ما له عليه من حقِّ الإعانة، وكفِّ الأذى، أو المراد من قاتل مستحلًّا. والحديث سبق في «باب خوف المؤمن من أن يَحْبَط عمله» من «كتاب الإيمان» [خ¦٤٨]. (تَابَعَهُ) أي تابعَ سليمانَ بن حرب (غُنْدَرٌ) فيما وصله أحمد، ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن جعفر» بدل قولهِ: «غندر»، (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج. ٦٠٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، عبدُ الله بنُ عمرو المِنْقريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (عَنِ الحُسَيْنِ) بنِ ذكوان المعلِّم (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء، ابن حصيبٍ الأسلميِّ، قاضي مرو قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) بفتح التحتية والميم بينهما مهملة ساكنة (أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ) ظالم بن عمرو (الدِّيلِيَّ) بكسر الدال مهملة وسكون التحتية، ولأبي ذرٍّ: «الدُّؤلي» بضم الدال بعدها همزة مفتوحة أول من تكلَّم بالنَّحو (حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذرٍّ) جُنْدَُب بن جُنادة (¬﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالفُسُوقِ) كأنَّ يقول له: يا فاسقُ (وَلَا يَرْمِيهِ بِالكُفْرِ) كأن يقول له: يا كافرُ (إلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ) الرَّمية، فيصير هو فاسقًا أو كافرًا (إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ) المرمي (كَذَلِكَ) وإنْ كان موصوفًا بذلك فلا يرتدُّ إليه شيءٌ لكونه صدقَ فيما قالهُ، فإن قصد (٢) بذلك تعييرهُ وشُهرته بذلك وأذاه حَرُم عليه؛ لأنَّه مأمورٌ بسترهِ وتعليمهِ وموعظتهِ

стр. 10726

بالحُسنى، فمهما أمكنَهُ ذلك بالرِّفق حرُم عليه فعلُه بالعنف لأنَّه قد يكون سببًا لإغوائهِ وإصرارهِ على ذلك الفعلِ، كما في طبعِ كثير من النَّاس من الأنفةِ لا سيَّما إن كان الآمرُ دون المأمور في الدَّرجة، فإن قصدَ نصحهُ أو نُصح غيره ببيان حالهِ جاز له ذلك (١). والحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان». ٦٠٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) العوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضم الفاء وفتح اللام بعدها تحتية ساكنة فمهملة، العَدَويُّ مولاهم المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ) وهو هلالُ بن أبي ميمون، وهو هلال بن أسامة نُسب إلى جدِّه (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاحِشًا) بالطَّبع (وَلَا لَعَّانًا، وَلَا سَبَّابًا) بتشديد العين والموحدة فيهما، أي: بالتَّكلُّف (كَانَ يَقُولُ عِنْدَ المَعْتَبَةِ) بفتح الميم والفوقية، عند المَوْجَدَة والسُّخط: (مَا لَهُ؟) استفهام (تَرِبَ) ولأبي ذرٍّ عن (٢) الحَمُّويي والمُستملي: «تربت» (جَبِينُهُ) أي: لا أصاب خيرًا، فهي دعاءٌ عليه، أو هي كلمة تقولها العرب لا يريدون بها ذلك. والحديث سبق قريبًا [خ¦٦٠٣١]. ٦٠٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدار البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بنِ فارس البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) الهنائيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة، الإمام أبي

стр. 10727

نصرٍ اليمانيِّ الطَّائيِّ، أحد الأعلام (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبدِ الله بن زيد الجرميِّ (أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ) الأنصاريَّ الأشهليَّ (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ) شجرة الرِّضوان بالحديبية (حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ) بتنوين «ملَّة» فغير صفة وعلى بمعنى الباء، ويحتملُ أن يكون التَّقدير من حلف على شيءٍ بيمين (١) فحذف المجرور وعدَّى الفعل بعلى بعد حذف الباء، والأوَّل أقلُّ في التَّعبير كأن يقول: إن فعل كذا فهو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ كاذبًا (فَهْوَ كَمَا قَالَ) الفاء جواب الشرط و «هو» مبتدأ، أو «كما قال» في محلِّ الخبر، أي: فهو كائنٌ كما قال، أو الكاف بمعنى مثل، فتكون «ما» مع ما بعدها في موضعِ جرٍّ بالإضافة، أي: فهو مثل قوله، فتكون «ما» مصدريَّة، ويحتملُ أن تكون موصولة والعائدُ محذوفٌ، أي: فهو كالَّذي قاله، والمعنى: فمِثْلُهُ (٢) مِثْل قولهِ؛ لأنَّ هذا الكلام محمولٌ على التَّعليق مثل أن يقول: هو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ إن كان فعل كذا. والحاصل أنَّه يُحكم عليه بالَّذي نسبهُ لنفسهِ، وظاهره أنَّه يكفرُ، أو هو (٣) محمولٌ على من أراد أن يكون متَّصفًا بذلك إذا وقع المحلوف عليه لأنَّ إرادة الكفر كفرٌ، فيكفر في الحال، أو المراد التَّهديد والمبالغةُ في الوعيدِ لا الحكم وإن قصد تبعيدَ نفسه وظاهرِهِ (٤) عن الفعلِ فليس بيمينٍ ولا يكفرُ به (٥). وإن قال: واللَّات والعزَّى، وقصد التَّعظيم واعتقدَ فيها من التَّعظيم ما يعتقدُه في الله كفرَ، وإلَّا فلا. قال في «الرَّوضة»: وليقل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أي: الحديثُ الصَّحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: «من حلفَ فقالَ في حلفِهِ: واللَّات والعزَّى، فليقل: لا إلهَ إلَّا الله» ففيه دليلٌ على أنَّه لا كفارةَ على من حلفَ بغير الإسلامِ، بل يأثمُ وتلزمه التَّوبة لأنَّه ﷺ جعل عقوبته في دينهِ، ولم يوجبْ في ماله شيئًا، وإنَّما أمرهُ بكلمةِ التَّوحيد لأنَّ اليمين إنَّما تكون بالمعبودِ، فإذا حلفَ باللَّات والعزَّى فقد ضَاهى الكفَّار في ذلكَ، فأمره (٦) أن يتداركه بكلمة التَّوحيد، قاله البغويُّ في «شرح السُّنَّة».

стр. 10728

(وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ) أي: ليسَ عليه وفاء نذرٍ (فِيمَا لَا يَمْلِكُ) كأن يقول: إنْ شفى الله مريضِي فعبد فلان حرٌّ، أو أتصدَّق بدار زيد، أمَّا لو قال نحو: إن شفَى الله مريضِي فعليَّ عتقُ رقبةٍ، ولا يملك شيئًا في تلك الحالة، فليس من النَّذر فيما لا يملكُ لأنَّه يقدر عليه في الجملة حالًا أو (١) مآلًا فهو يملكه بالقوَّة، وقوله: «نذرٌ» رفع اسم ليس، و «على ابنِ آدم» في موضع الخبر، و «فيما» يتعلَّق بنذر؛ لأنَّه مصدر، أو يتعلَّق بصفةٍ لنذر، أي: نذر ثابت فيما لا يملكُ، و «لا يملك» جملة في محلِّ صلة ما، وما وصلتها في محل جرٍّ بفي (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) ليكون الجزاء من جنسِ العملِ، وإن كان عذابُ الآخرة (٢) أعظم (وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهْوَ كَقَتْلِهِ) في التَّحريم، أو في العقاب، أو في الإبعاد؛ لأنَّ اللَّعن تبعيدٌ من رحمةِ الله، والقتل تبعيدٌ من الحياة، والضَّمير للمصدرِ الَّذي دلَّ عليه الفعل، أي: فلعنُه كقتله. والتَّقييد بالمؤمن للتَّشنيع أو للاحترازِ عن الكافر؛ إذ لا خلافَ في لعن الكافرِ جملة بلا تعيين، أمَّا لعنُ العاصي المعيَّن فالمشهور فيه المنع، ونقلَ ابن العربيِّ الاتِّفاق عليه (وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا) رماهُ (بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ) لأنَّ النِّسبة إلى الكفْرِ الموجبِ للقتلِ كالقتلِ في أنَّ المتسبِّبَ للشَّيء كفاعلهِ. ٦٠٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بنُ غياث الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) بالمثلَّثة الأنصاريُّ، ثقةٌ لكنَّه كان قاصَّ (٣) الشِّيعة، وإمام مسجدِهم بالكوفة (قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ) بضم

стр. 10729

المهملة وفتح الراء بعدها دال مهملة، الخُزاعيُّ الكوفيُّ (رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ) لم يعرفهما ابن حجرٍ (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ) وفي حديث معاذ بن جبل عند أحمد وأصحاب «السُّنن» حتَّى إنَّه ليُخيَّل إلَّي (١) أنَّ أنفَه ليتمزَّع (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ (٢)) من الغضب، وفي حديث معاذ: «إنِّي لأَعلمُ كلمةً لو يقولها هذا الغضبانُ لذهبَ عنه الغضبُ: اللَّهم إنِّي أعوذ بك من الشَّيطان الرَّجيم» (فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ) أي: إلى الَّذي غضب (الرَّجُلُ) الَّذي سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «إنِّي لأعلمُ … » إلى آخره. وفي مسلم: فقام إلى الرَّجل رجلٌ ممَّن سمع النَّبيَّ ﷺ . قال في «المقدمة»: لم أعرف اسمه، وقال في «الشَّرح» في الرِّواية المتقدِّمة: فقالوا له. فدلَّت هذه الرِّواية على أنَّ الَّذي خاطبه منهم واحدٌ وهو معاذ بن جبل كما بيَّنته رواية أبي داود، ولفظه قال: فجعلَ معاذٌ يأمرُه، فأبى وجعل يزدادُ غضبًا (فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: تَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ (٣). فَقَالَ: أَتُرَى) بضم الفوقية، أي: أتظنُّ (٤) (بِي بَأْسٌ) بالرفع مبتدأ خبرُه «بي» وهمزة أَترى للاستفهامِ الإنكاري، وللأَصيليِّ: «أترى (٥) بأسًا» بالنَّصب مفعولًا ثانيًا (٦) لتُرى وهو أوجَهُ (أَمَجْنُونٌ أَنَا) أي: وهل بي من جنونٍ (اذْهَبْ) خطابٌ من الرَّجل للرَّجل الَّذي أمره بالتَّعوُّذ، أي: امضِ في شُغلك، فتوهَّم لعدم معرفته أنَّ الاستعاذةَ مختصَّةٌ بالمجانين، ولم يعرف أنَّ الغضب من نزغاتِ الشَّيطان، كما في حديث عطيَّة السَّعديِّ مرفوعًا عند أبي داود بلفظ: «إنَّ الغضبَ من الشَّيطان» أو لعلَّه كان منافقًا، أو كافرًا، أو غلب عليه الغضبُ حتَّى أخرجَه عن الاعتدالِ بحيث قال للنَّاصح له ما قاله. وحديث الباب سبق في «باب صفة إبليس وجنوده» [خ¦٣٢٨٢].

стр. 10730

٦٠٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، و «المفضَّل»: بالضاد المعجمة المشددة، ابن لاحقٍ الإمام أبو إسماعيل (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل، وكان طوله في يده، أنَّه (قَالَ: قَالَ أَنَسٌ) ﵁ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) ﵁ (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُخْبِرَ النَّاسَ بِلَيْلَةِ القَدْرِ) أي: بتعيينهَا، لأبي (١) ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ليخبرَ النَّاس ليلة القدرِ» (فَتَلَاحَى) بفتح الحاء المهملة، أي: تنازعَ وتخاصمَ (رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ) عبد الله بن أبي حَدْرد، وكعب بن مالكٍ -كما عند ابن (٢) دحيةَ- في المسجد (قَالَ (٣) النَّبِيُّ ﷺ : خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ) بليلة القدر (فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَإِنَّهَا رُفِعَتْ) من قلبي، أي: نسيتُها (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ) رفعُها (خَيْرًا لَكُمْ) لاستلزامهِ مزيد الثَّواب بسبب زيادةِ الاجتهادِ في التِماسها. وفي «مسلم» من حديث أبي سعيدٍ في هذه القصَّة فجاءَ رجلان يحتَقَّان (٤). بتشديد القاف، أي: يدَّعي كلٌّ منهما أنَّه المُحِقُّ معهما الشَّيطان فنسيتُها، وقيل: رُفعت معرفتها للتَّلاحي. قال الطِّيبيُّ: لعلَّ مقدِّر المضاف ذهب إلى أنَّ رفعَ ليلة القدر مسبوقٌ بوقوعِها وحصولها، فإذا حصلتْ لم يكن لرفعها معنى، ويمكن أن يقال: إنَّ المرادَ برفعها أنَّها شَرَعَتْ أن تقع، فلمَّا تلاحيا ارتفعتْ، فنزل الشُّروع منزلة الوقوعِ، ومن ثمَّ عقبه بقوله: (فَالتَمِسُوهَا) أي (٥) اطلبُوا ليلةَ القدر (فِي) اللَّيلة (التَّاسِعَةِ) والعشرين من

стр. 10731

رمضان (وَ) في اللَّيلة (السَّابِعَةِ) بالموحدة والعشرين منه (وَ) في اللَّيلة (الخَامِسَةِ) والعشرين منه، وقدم التَّاسعة بالفوقية على السَّابعة بالموحدة على ترتيب التَّدلِّي. والمطابقة في قولهِ: «فتلاحى» وهو التَّنازع والتَّخاصم، كما مرَّ، وذلك يفضي إلى المساببة (١) غالبًا. والحديث سبق في الإيمان [خ¦٤٩] والحج [خ¦٢٠٢٣]. ٦٠٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياث قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (عَنِ المَعْرُورِ) بمهملات. زاد أبو ذرٍّ: «هو ابنُ سُويد» (عَنْ أَبِي ذرٍّ) جندبِ ابنِ جنادة ﵁ (قَالَ) أي: المعرورُ بن سويد (رَأَيْتُ عَلَيْهِ) أي: على أبي ذرٍّ (بُرْدًا) بضم الموحدة وسكون الراء (وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدًا) أيضًا. قال في «المقدمة»: لم أعرف اسمَ الغلام، وقال في «الفتح» في «كتاب الإيمان» [خ¦٣٠]: يحتمل أنَّه أبو مُرَاوِح مولى أبي ذرٍّ (فَقُلْتُ) له: (لَوْ أَخَذْتَ هَذَا) البُرْد الَّذي على غلامك (فَلَبِسْتَهُ) مع الَّذي عليك (كَانَتْ حُلَّةً) إذ الحُلَّة لا تكون إلَّا من ثوبين (وَأَعْطَيْتَهُ ثَوْبًا آخَرَ. فَقَالَ) أبو ذرٍّ: (كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ) هو بلال المؤذِّن (كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَنِلْتُ مِنْهَا) أي: تكلَّمت في عرضها، وفي رواية: «فقلت له: يا ابن السَّوداء» (فَذَكَرَنِي إِلَى النَّبِيِّ) عداه بإلى لتضمُّنه معنى الشِّكاية، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «للنَّبيِّ» (¬ ﷺ فَقَالَ) ﷺ (لِي: أَسَابَبْتَ فُلَانًا؟) بالاستفهام الإنكاري

стр. 10732

التَّوبيخيِّ (قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَنِلْتَ مِنْ) عرض (أُمِّهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكَ) في نيلكَ من أمِّه (امْرُؤٌ) رفع خبر إنَّ، وعينُ كلمته تابعةً للامها في أحوالها الثَّلاثة (فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) أي: أخلاق أهلِ الجاهليَّة والتَّنوين للتَّقليل، قال أبو ذرٍّ ﵁: (قُلْتُ): يا رسولَ الله في جاهليَّة (عَلَى حِينِ سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ) وسقط لفظ «حين» لأبي ذرٍّ الهرويِّ (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) وإنَّما وبَّخه ﷺ بذلك مع عظم درجتهِ تحذيرًا له أن يفعلَ مثل ذلك مرًّة أُخرى (هُمْ) الخدم سواءٌ كانوا أرقَّاء أو لا (إِخْوَانُكُمْ) في الإسلام، أو من أولادِ آدم (جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ) بالملك أو الاستئجار (فَمَنْ جَعَلَ اللهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «يديه» (فَلْيُطْعِمْهُ) ندبًا (مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ) كذلك (مِمَّا يَلْبَسُ) فلا (١) يلزمه أن يُطعمه ولا يُلبسه من طيِّبات الأطعمةِ وفاخرِ اللِّباس (وَلَا يُكَلِّفُهُ) وجوبًا (مِنَ العَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ) أي: تعجز طاقتهُ عنه (فَإِنْ كَلَّفَهُ) من العمل (مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ). والحديث سبق في «باب الإيمان» [خ¦٣٠] و «العتق» [خ¦٢٥٤٥]. (٤٥) (بابُ مَا يَجُوزُ مِنْ ذِكْرِ) أوصافِ (النَّاسِ نَحْوَ قولهِمُ: الطَّوِيلُ وَالقَصِيرُ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟) فذكره باللَّقب للتَّعريف، وهذا التَّعليق طرفٌ من حديث وصله المؤلِّف في «باب تشبيكِ الأصابع في المسجد» بلفظ «أكما يقول» [خ¦٤٨٢]، ولمسلم «ما يقول» بلفظ التَّرجمة (وَ) في جواز (مَا لَا يُرَادُ بِهِ شَيْنُ الرَّجُلِ) كالأعرجِ والأعمش، بل تمييز (٢) عن غيرِه، وإن (٣) أرادَ تنقيصه حَرُم، وإن كان ممَّا يُعْجِبُ الملقَّبَ ولا إطراءَ فيه ممَّا يدخلُ في نهي الشَّرع فهو جائزٌ أو مستحبٌّ.

стр. 10733

٦٠٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث بنِ سَخْبرة الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التُّستَريُّ أبو سعيد قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو: ابنُ سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (١) (قَاْلَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: أمَّنَا، وفي رواية: «لنا» باللام بدل الموحدة (الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ) وكانت جذعًا من نخل (فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ، وَوَضَعَ يَدَهُ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يديه» (عَلَيْهَا، وَفِي القَوْمِ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) ﵄ (فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ) في سبب تسليمه من الرَّكعتين، وروي: «فهاباه» بإثبات المفعول وحذفه، فإنَّ «يُكلِّماه» بدل من ضميرِ المفعول في «هاباه»، و «أن» هي المصدريَّة النَّاصبة وعلامة النَّصب في يكلِّماه حذف النُّون، والجملة كلُّها في الحقيقةِ مفسِّرة لمعنى قولهِ: وفي القوم أبو بكر وعمر؛ لأنَّه لو لم يقل: فهاباه لقيل: فما منعهما، وهما أقربُ من غيرهما، وأدلَّ عليه ﷺ (وَخَرَجَ) بلفظ الماضي، وللحَمُّويي والمُستملي: «ويخرج» (سَرَعَانُ النَّاسِ) بفتح السين المهملة والراء أوائلهم، جمع: سريع، وحكى المنذريُّ: تجويز كسر السين وسكون الراء عن بعضهم، وحكى ابنُ سيدَه عن ثعلب: أنَّه إذا كان السَّرعان وصفًا في النَّاس فالتَّحريك أفصحُ من التَّسكين (فَقَالُوا: قَُصُِرَتِ الصَّلَاةُ) بفتح القاف وضم الصاد المهملة مبنيًّا للفاعل، وبضم القاف وكسر الصاد للمفعول، أي: قال بعضُهم لبعض لمَّا رأوا من فعله ﷺ ، وأداة الاستفهام مقدَّرة (وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ) اسمه الخِرْبَاق بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة فألف فقاف (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُ ذَا اليَدَيْنِ) لطولهمَا (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَنَسِيتَ) الرَّكعتين (أَمْ قَُصُِرَتْ؟) بفتح القاف وضم الصاد للفاعل وللمفعول (٢) أيضًا (فَقَالَ) ﵊:

стр. 10734

(لَمْ أَنْسَ) في ظنِّي (وَلَمْ تَُقْصَُرْ) بفتح أوله وضمِّ ثالثه، أو مبنيًّا للمفعول، وأمْ حرف عطفٍ متَّصلة؛ لأنَّها جاءت على شرطها من تقدُّم الاستفهام والسُّؤال بأي، والجواب بأحد الشَّيئين المستَفْهم عنهما أو الأشياء، وجملة «لم أنْسَ ولم تقصر» محكيَّة بالقول، وجزم «أَنْسَ» بحذف الألف وتقصر بالسكون، ولمَّا كانت «أم» هنا هي المتَّصلة لم يحسُنْ في الجواب لا أو نعم (قَالُوا: بَلْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ) لأنَّه لَمَّا نفى الأمرين وكان قد تقرَّر عندهم أنَّ السَّهو غير جائزٍ في الأمور البلاغيَّة جزموا بوقوعِ النِّسيانِ لا القصر، وقوله: بلْ، بسكون اللام (قَالَ: صَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) بانيًا على ما سبقَ بعد أن تذكَّر أنَّه لم يُتمَّها إذ لم يَطُلِ الفصل (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ) للسَّهو سجودًا (مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ) منه بالشَّكِّ من الرَّاوي (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من السُّجود (وَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ) رأسه فكبَّر، فسجدَ سجودًا (مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ) منه (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من السُّجود (وَكَبَّرَ). ومطابقةُ الحديث للترجمة في قولهِ: «يدعوه ذا اليدينِ» لأنَّه إنَّما كان يُعرفُ (١) بذلك. والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٤٨٢]. (٤٦) (بابُ) تحريمِ (الغِيبَةِ) بكسر الغين المعجمة، وهي ذكر المسلم غير المُعْلِنِ بفجورهِ في غيبتهِ بما يكرهُ ولو بغمزٍ، أو بكتابةٍ، أو إشارةٍ. قال النَّوويُّ: وممَّن يستعمل التَّعريض في ذلك كثيرٌ من الفقهاء في التَّصانيف وغيرها كقولهم: قال بعضُ من يدَّعي العلم، أو بعضُ من يُنسب إلى الصَّلاح، أو نحو ذلك ممَّا يفهم السَّامع المراد به، ومنه قولهم عند ذكره: الله يعافينا، ونحوه، إلَّا أن يكون ذلك نصحًا لطالب شيءٍ لا يعلم عيبهُ، ونحو ذلك (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق (﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾) نهيٌ عن الغيبةِ نهي تحريمٍ اتفاقًا، وهل هي

стр. 10735

من الكبائر أو الصَّغائر؟ قال النَّوويُّ في «الرَّوضة» -تبعًا للرَّافعيِّ-: من الصَّغائر، وتُعُقِّبَ بأنَّ حدَّ الكبيرةِ صادقٌ عليها فهي منها (﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾) تمثيلٌ وتصويرٌ لِمَا يناله المغتابُ من عِرْضِ المغتاب على أفحشِ وجهٍ، وفيه مبالغات منها الاستفهام التَّقريريُّ، وجعل ما هو في الغاية من الكراهةِ موصولًا بالمحبَّة، ومنها إسنادُه (١) الفعل إلى أحدِكم، والإشعار بأنَّ أحدًا من الأحدين (٢) لا يحبُّ ذلك، ومنها أنَّه لم (٣) يقتصرْ على تمثيلِ الاغتياب بأكلِ لحم الإنسانِ حتَّى جعلَ الإنسان أخًا، ومنها أنَّه لم يقتصرْ على أكل (٤) لحمِ الأخ حتَّى جعلَه ميْتًا. ووجه المناسبة أنَّ (٥) إدارةَ حَنَكِهِ بالغيبةِ كالأكل. وعن قتادة: كما تكره إن وجدْتَ جيفةً مدوِّدة أن تأكلَ منها، كذلك فاكرَهْ لحمَ أخيكَ وهو حيٌّ. وانتصب ﴿مَيْتًا﴾ على الحالِ من اللَّحم، أو من أخيه، ولمَّا قرَّر لهم (٦) بأنَّ أحدًا منهم لا يحبُّ أكلَ جيفةِ أخيه عقَّب ذلك بقولهِ: (﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾) أي: فتحقَّقت كراهتُكم له باستقامةِ العقلِ، فليتحقَّق أيضًا أن تكرهوا ما هو نظيرُهُ من الغيبةِ باستقامةِ الدِّين (﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]) التَّوَّاب البليغُ في قبول التَّوبة، والمعنى: واتَّقوا الله بتركِ ما أُمِرتم باجتنابهِ، والنَّدم على ما وجدَ منكم منه، فإنَّكم إن (٧) اتَّقيتم تقبَّل الله توبتَكُم وأنعم عليكم بثوابِ المتَّقين التَّائبين. وفي حديث أبي هريرة عند أبي يَعْلَى مرفوعًا: «مَن أكلَ لحمَ أخيهِ في الدُّنيا قُرِّب له لحمُه في الآخرةِ، فيقال له: كلْهُ ميِّتًا كما أكلْتَه حيًّا. قال: فيأكلُهُ ويَكْلَح ويصيحُ». قال الحافظ ابنُ كثير: غريبٌ جدًّا، وصحَّ: «دماءكُم وأموالكُم وأعراضكُم حرامٌ» [خ¦٦٧] وسامعُها شريكُه ما لم يُنْكرها بلسانهِ، ومع خوفهِ فبقلبهِ، وقيل: غيبةُ الخلقِ إنَّما تكون بالغِيبةِ عن الحقِّ، عافانا الله من المكارهِ بمنِّه وكرمهِ. وسقط لأبي ذرٍّ قولهِ: «﴿أَيُحِبُّ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قولهِ: ﴿بَعْضًا﴾: «الآية».

стр. 10736

٦٠٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ موسى الحُدَّانيُّ -بضم الحاء وتشديد الدال المهملتين وبعد الألف نون-، أو هو ابن جعفر البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) هو ابنُ جَبْر (يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ) اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى) صاحِبَي (١) (قَبْرَيْنِ) عبَّر عن صاحبيهمَا (٢) بهما تسميةً للحالِّ باسم المحلِّ (فَقَالَ) معطوفٌ على «مرَّ» أو على محذوفٍ، أي: فوقف فقال: (إِنَّهُمَا) أي: صاحبي القبرين، ولم يُسمَّيا (لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) قال ابنُ مالك: «في» هنا للتعليلِ، أي: لأجل كبير، والنَّفي يحتملُ أن يكون باعتبار اعتقادِ المعذَّبين، أو أنَّه ليس بكبيرٍ على النَّفس بل هو سهلٌ والاحتراز عنه هيِّن، أو ليس بأكبرِ الكبائرِ، وإن كان كبيرًا فالكبائرُ تتفاوتُ، وحينئذٍ فيكون فيه تنبيهٌ على التَّحرُّز من ارتكابِ غيره والزَّجر عنه، أو قاله قبل أن يطَّلع على أنَّه من الكبائر، فلمَّا اطَّلع على ذلك قال: «بلى إنَّه لكبيرٌ» وقيل غير ذلك ممَّا سبق في «الجنائز» [خ¦١٣٦١] [خ¦١٣٧٨] وغيرها [خ¦٢١٦] [خ¦٢١٨] (أَمَّا هَذَا) أي صاحب أحد القبرين (فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ) بمثناتين فوقيتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، أي: يستنْزهُ -بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء- كما في مسلم وأبي داود. ووجه دَلالة «لا يستتر» على هذا المعنى أنَّ المستتر عن الشَّيء يبعدُ عنه ويحتجبُ منه، فهو مجازٌ، والحملُ عليه أولى لأنَّ البولَ (٣) بالنِّسبة إلى عذابِ القبرِ خصوصيَّة، فالحملُ على ما يقتضيهِ الحديث المصرِّح بهذه الخصوصيَّة أولى (وَأَمَّا) صاحبُ (هَذَا) القبر الآخر (فَكَانَ يَمْشِي) في النَّاس متَّصفًا (بِالنَّمِيمَةِ) بأن ينقلَ كلام بعضِهم لبعضٍ على جهةِ الإفساد، وقيل: النَّميمة كشفُ ما يُكره كشفُه، وهذا شاملٌ لِمَا يكرهُه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو غيرهما، وسواء كان بالقول أو الكتابة أو الرَّمز أو الإيماء.

стр. 10737

فإن قلتَ: ليس في الحديث ذكر ما ترجمَ به وهو الغيبة. أَجاب السَّفاقِسيُّ: بأنَّ الجامع بينهما ذكر ما يكرهه المقولُ فيه بظهرِ الغيب. انتهى. أو أشار إلى ما في بعض طرقِ الحديث بلفظ الغيبة، رواه البخاريُّ في «الأدب المفرد» من حديث جابر، وأحمد والطَّبرانيِّ بإسنادٍ صحيح، من حديث أبي بكرةَ، ولفظهما: «وما يعذَّبان إلَّا في الغيبةِ». وأحمد والطَّبرانيُّ أيضًا من حديث يَعلى بن سيابة (١) بلفظ إنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على قبر يُعذَّب صاحبُه، فقال: «إنَّ هذا كانَ يأكلُ لحومَ النَّاس». (ثُمَّ دَعَا) ﷺ (بِعَسِيبٍ رَطْبٍ) بفتح العين وكسر السين المهملتين، سَعَف لم ينبتْ عليه خُوصٌ، و «رَطْب» -بفتح الراء وسكون الطاء المهملة- (فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ) الباء زائدة في الحال، والحال هنا مقدَّرة كقولهِ تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] وعند الدُّخول لا يكونون (٢) محلِّقين، كما أنَّ العصا عند شقِّها لا تكون نصفين (فَغَرَسَ عَلَى هَذَا) القبرِ نصفًا (وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا) القبر نصفًا (وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ) ﵊ بعد أن قالوا: لم فعلتَ هذا يا رسول الله؟ (لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ) ولأبي ذرٍّ: «أن يخفَّفَ» (٣) (عَنْهُمَا) العذاب (مَا لَمْ يَيْبَسَا) و «ما» ظرفية مصدريَّة، أي: مدَّة انتفاءِ (٤) يُبْسهما، فحذف الظَّرف وخَلَفَه ما وصلتها، كما جاءَ في المصدر الصَّريح في قولهم: جئتك صلاة العصر، وأتيتك قدوم الحاجِّ. فقوله: «لم يَيْبَسا» في موضع جرٍّ؛ لأنَّ التَّقدير: مدَّة دوامِ رطوبتهما، فلو جاء الكلام لعلَّه يخفَّف عنهما ما (٥) ييبسان، لم يصحَّ المعنى؛ لأنَّ التَّأقيت يصير مقدرًا بمدَّة اليبس، وليس هو المراد لأنَّ سرَّ ذلك تسبيحهما ما دامتا رطبتين (٦). وسبق الحديث في «الطَّهارة» [خ¦٢١٦] [خ¦٢١٨] و «الجنائز» [خ¦١٣٦١] [خ¦١٣٧٨] مع مباحث غير

стр. 10738

ما ذكرته هنا فليُراجع (١). (٤٧) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ) أي: بنو النَّجَّار، فحذف الخبر. ٦٠٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبدِ الله بنِ ذكوان (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) بضم الهمزة وفتح المهملة، مالكِ بنِ ربيعة الأنصاريِّ (السَّاعِدِيِّ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ) (٢) أي: قبائل الأنصار، كما قاله ابن قُتيبة (بَنُو النَّجَّارِ) لمسارعتِهِم إلى الإسلام، كما أثنى الله تعالى عليهم بقولهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]. ومناسبةُ إيراد هذه التَّرجمة هنا ولم يذكرْ فيها شيءٌ من الغيبة من جهة أنَّ المفضَّل عليهم يكرهون ذلك، فيُستثنى ذلك من عمومِ قولهِ: «ذكرُك أخاك بما يكره» إذ محلُّ الزَّجر إذا لم يترتَّب عليه حكمٌ شرعيٌّ، فإن ترتَّب فلا يكون غيبةً، ولو كرهه المحدَّث عنه، قاله في «الفتح». والحديث سبق في «باب فضل دور الأنصار» [خ¦٣٧٨٩]. (٤٨) (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ اغْتِيَابِ أَهْلِ الفَسَادِ وَالرِّيَبِ) بكسر الراء وفتح التحتية بعدها موحدة، جمع رِيْبة، وهي التُّهمة.

стр. 10739

٦٠٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيينة) سفيان قال: (سَمِعْتُ ابْنَ المُنْكَدِرِ) محمَّدًا، وقال: أنَّه (سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ) اسمه عُيينة بن حصنٍ الفزاريُّ، أو مَخْرمة بن نوفل (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في الدُّخول عليه (فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ أَوِ ابْنُ العَشِيرَةِ) وفي رواية معمر: «بئس أخو القومِ وابن القوم» (فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ) لِمَا جُبِلَ عليه صلوات الله وسلامه عليه (الكَلَامَ) استئلافًا وليُقْتَدَى به في المداراةِ، قالت عائشة ﵂: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ) في الرَّجل من أنَّه بئس أخو العشيرةِ (ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الكَلَامَ؟ قَالَ) ﷺ : (أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ -أَوْ) قال: (وَدَعَهُ النَّاسُ- اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) بفتح الواو والدال المهملة المخفَّفة، بمعنى تركه، فاللَّفظان مترادفان. قال الجوهريُّ: وقولهم: دع ذا، أي: اتركه، وأصلهُ: وَدَع يَدَع، وقد أُمِيت ماضيهِ، لا يقال: ودعَهُ على أصلهِ (١). قال في «المصابيح»: والحديثُ يردُّ عليه، وقد قُرئ خارجَ السَّبع: (وَدَعَكَ) بالتَّخفيف. وقوله: «إنَّ شرَّ النَّاس» استئنافُ كلامٍ، كالتَّعليل لتركهِ مواجهةَ عُيَيْنَةَ بما ذكرهُ. وقال الزَّركشيُّ: قد ينازَع في تسمية هذا غِيبة بل هو نَصِيحة ليحذرَ السَّامع، وإنَّما لم يواجهِ المقولَ فيه بذلك لحُسْن خُلُقه ﷺ ، ولو واجههُ بذلك لكان حسنًا لكن حصل القولُ بدون مواجهةٍ. انتهى. وأُجيب بأنَّ المراد أنَّ صورة الغيبة مَوجودة فيه، وإن لم يتناولِ الغيبة المذمومةَ شرعًا. والحديثُ مرَّ عن قريبٍ في «باب لم يكن النَّبيُّ ﷺ فاحشًا» [خ¦٦٠٣٢]. (٤٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (النَّمِيمَةُ مِنَ) الذُّنوب (الكَبَائِرِ) وهي نقلُ مكروهٍ بقصدِ الإفساد. وضابطُها: كشفُ ما يَكره من شيءٍ بكلِّ ما يُفهم، وهي أمُّ الفتن، وقد قيل: إنَّ النَّمَّام يُفْسد في ساعة ما لا يفسدُهُ السَّاحر في شهرٍ، وعلى سامعِها إن جهلَ كونها (٢) نميمةً أو نصحًا أن يتوقَّف حتمًا، فإن تبيَّن (٣) أنَّها

стр. 10740

نميمةٌ فعليه أن لا يصدِّقه (١) لفسقهِ بها، ثمَّ ينهاهُ عنها وينصحُه ثمَّ يُبغضُه في الله ما لم يتبْ، ولا يظنُّ بأخيهِ الغائب سوءًا، ويحرم بحثُه عنها وحكاية ما نُقِل إليه كي لا (٢) ينتشرَ التَّباغض ولا ينُمُّ على النَّمام فيصير نمَّامًا. قال النَّوويُّ: وهذا إذا لم يكنْ في النَّقل مصلحةٌ شرعيَّةٌ، وإلَّا فهو مستحبٌّ أو واجبٌ، كمن اطَّلع من شخصٍ أنَّه يريد أن يُؤذي شخصًا ظُلْمًا فحذَّره منه. ٦٠٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني (٣)» بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) محمَّد قال: (أَخْبَرَنَا عَبِيْدَةُ ابْنُ حُمَيْدٍ) بفتح العين وكسر الموحدة، وحُميد -بالتصغير- ابن صهيب (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الكوفيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ المَدِينَةِ) أي: بساتينها (فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا) على حدِّ قولهِ تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] (فَقَالَ) ﷺ : (يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرَةٍ) بالتَّأنيث، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «في كبيرٍ» بالتَّذكير، أي: لا يعذَّبان في أمرٍ يكبر ويشقُّ عليهما الاحتراز عنه (٤)، ولم يرد أنَّ الأمر فيهما هيِّن في أمر الدِّين، ولذا قال: (وَإِنَّه لَكَبِيرٌ). قال في «النِّهاية»: وكيف لا يكون كبيرًا وهما يعذَّبان فيه (كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ) أي لا يتنزَّه (٥) منه، أو من الاستتارِ على ظاهره، أي: لا يحترزُ من كشفِ عورته، والأوَّل أوجهُ، وإن كان مجازًا، كما مرَّ [خ¦٦٠٥٢] (وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) ليفسدَ بين النَّاس (ثُمَّ دَعَا) ﷺ (بِجَرِيدَةٍ) من جرائدِ (٦) النَّخل وهي السَّعفة الَّتي جُرِّد عنها الخُوص،

стр. 10741

أي: قُشِر (فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ) بكسر الكاف في الثَّانية (أَوْ ثِنْتَيْنِ (١)، فَجَعَلَ كِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، وَكِسْرَةً) بكسر الكاف فيهما (فِي قَبْرِ هَذَا، فَقَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا) قال النَّوويُّ رحمه الله تعالى: قال العلماءُ: هو محمولٌ على أنَّه ﷺ سأل الشَّفاعة لهما. فأُجيب بالتَّخفيف عنهما إلى أن يَيْبَسا، أو لكونِ الجريدِ يسبِّح ما دامَ رطبًا وليس لليابس تسبيحٌ. قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] قالوا: معناه وإن من شيءٍ حيٍّ إلَّا (٢) يسبِّح، وحياةُ كلِّ شيءٍ بحسبه، فحياةُ الخشبِ ما لم ييبسْ، والحجرِ ما لم يقطعْ، وذهب المحقِّقون إلى أنَّه على عمومهِ، ثمَّ اختلفوا هل يسبِّح حقيقةً أم فيه دَلالةٌ على الصَّانع فيكون مسبِّحًا منزِّهًا بلسان حالهِ (٣)؟ والمحقِّقون على أنَّه يسبِّح حقيقةً. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وإذا (٤) كان العقلُ لا يحيلُ التَّمييز فيها (٥) وجاء النَّصُّ به، وجب المصيرُ إليه. والحديث سبق قريبًا [خ¦٦٠٥٢]. (٥٠) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ) قال في «فتح الباري»: كأنَّه أشار إلى أنَّ بعضَ القول المنقولِ على جهةِ الإفساد يجوزُ إذا كان المقولُ فيه كافرًا مثلًا، كما يجوز التَّجسُّس في بلادِ الكفَّار، ونقل ما يضرُّهم (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] و) قولهِ تعالى: (﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]) قال البخاريُّ رحمه الله تعالى: (يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ) أي: (يَعِيبُ) بالعين المهملة، فجعل معناهما واحدًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ويغتاب» بالغين المعجمة والفوقية بعدها ألف. قال في «الفتح»: وأظنُّه تصحيفًا. ولأبي الوقتِ: «يهمزُ ويلمزُ ويعيبُ واحدٌ». وقال ابن عبَّاس: ﴿هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ طعَّان مُغتاب. وقال الرَّبيع بنُ أنس: الهُمَزة يهمزه (٦) في وجهه، واللُّمزة من خلفهِ. وقال قتادةُ: يهمزهُ

стр. 10742

ويَلْمِزهُ بلسانهِ وعينهِ، ويأكلُ لحوم النَّاس. وقال مجاهدٌ: الهُمزة باليد والعين (١)، واللُّمزة (٢) باللِّسان. ٦٠٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ الحارث النَّخعيِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵁ (فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمه (يَرْفَعُ الحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ) بن عفَّان ﵁ (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) (٣) ولأبي ذرٍّ والمُستملي: «فقال له حذيفة»: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ) دخولَ الفائزين (قَتَّاتٌ) بقاف مفتوحة فمثناتين فوقيتين أولاهما مشدَّدة بينهما ألف، من قتَّ الحديثَ يقتُّه قتًّا، والرَّجل قتَّات، أي: نمَّام. قال ابن الأعرابيِّ: هو الَّذي يسمعُ الحديثَ وينقلُهُ. ووقع في روايةِ أبي وائلٍ عن حُذيفة -عند مسلم- بلفظ نمَّام. وقال القاضي عياضٌ: القتَّات والنَّمام واحدٌ، وفرَّق بعضُهم بأنَّ النَّمَّام: الَّذي يحضرُ القصَّة (٤) وينقلها، والقتَّات: الَّذي يتسمَّعُ من حديث من لا يعلم به ثمَّ ينقلُ ما سمعه، وهل الغِيبةُ والنَّميمة مُتَغايران أو لا؟ والرَّاجح التَّغاير وأنَّ بينهما عمومًا وخصوصًا من وجهٍ؛ لأنَّ النَّميمة: نقلُ حال الشَّخص لغيرهِ على جهةِ الإفسادِ بغير رضاه سواءٌ كان بعلمهِ أو بغيرِ علمه، والغيبةُ: ذكرهُ في غيبتهِ بما يكرهُ فامتازتِ النَّميمة بقصدِ الإفسادِ، ولا يشترطُ ذلك في الغِيبة، وامتازت الغيبةُ بكونها في غيبةِ المقولِ فيه، واشتركتا فيما عدَا ذلك. والحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

стр. 10743

(٥١) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]) أي: الكذبِ، أو البهتان، أو شهادة الزُّور لأنَّه من أعظمِ الحرماتِ، وفي «الصَّحيحين» من حديث أبي بكرةَ قوله ﷺ : «أَلا وقول الزُّور ألا وشهادة الزُّور» فما زال يكرِّرها حتَّى قلنا: ليتَه سكتَ [خ¦٥٩٧٦]. وعند الإمام أحمدَ قوله ﵊: «يا أيُّها النَّاس عدلَتْ شهادةُ الزُّور إشراكًا بالله ثلاثًا، ثمَّ قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]». ومناسبة هذا لسابقه من جهةِ أنَّ القولَ المنقولَ بالنَّميمة يكون أعمَّ من الصِّدق والكذب، والكذبُ فيه أقبحُ، كذا قاله في «الفتح». ٦٠٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن القرشيُّ المدنيُّ (عَنِ المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، سعيدِ بنِ أبي سعيد كَيسان (عَنْ أَبِيهِ) كذا في الفرع كأصله (١) عن أبي ذرٍّ، وسقط من غيرهما ممَّا رأيتُه من الأصول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ لَمْ يَدَعْ) أي: من لم يتركْ (قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ) أي: بمقتضاه من الفواحشِ، وما نهى الله عنه (وَالجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ). قال التُّوربشتيُّ: أي لا يبالي بعمله ذلك لأنَّه أمسك عمَّا (٢) أبيحَ له في غير حين الصَّوم، ولم يمسكْ عمَّا حرم عليه في سائرِ الأحايين. وقال الطِّيبيُّ: لمَّا دلَّ قوله: «الصَّوم لي وأَنا أجزِي به» [خ¦٧٤٩٢] على شدَّة اختصاصِ الصَّوم به من بينِ (٣) سائر العباداتِ، وأنَّه ممَّا يُبالي ويحتفلُ به، فرع (٤) عليه قوله: «فليس للهِ حاجةٌ في أن يتركَ

стр. 10744

صاحبُه الطَّعام والشَّراب» وهو من الاستعارةِ التَّمثيليَّة، شبَّه حالتَه مع تلك المبالاة والاحتفال بالصَّوم بحالةِ (١) من افتقرَ إلى أمرٍ لا غنى له عنهُ (٢) ولا يتقوَّم إلَّا به، ثمَّ أدخل المشبَّه به واستعملَ في المشبَّه ما كان مستعملًا في المشبَّه به من لفظ الحاجةِ مبالغةً لكمالِ الاعتناء والاهتمام. (قَالَ أَحْمَدُ) ابنُ يونس المذكور: لمَّا حدَّثني ابنُ أبي ذئب لم أتيقَّن إسنادهُ من لفظه حتَّى (أَفْهَمَنِي رَجُلٌ) كان معِي في المجلس (إِسْنَادَهُ) وعند أبي داود: قال أحمدُ: فهمتُ إسنادَه من ابنِ أبي ذئب، فأفهمنِي الحديثَ رجلٌ إلى جنبهِ أُراه ابنَ أخيه، فمقتضى رواية البخاريِّ أنَّ المتن فهمَهُ أحمدُ من شيخهِ ولم يفهمِ الإسناد منه، بخلافِ رواية أبي داود فمقتضاها أنَّه فهمَ متن الحديثِ من ابن أبي ذئبٍ وإسناده من الرَّجل. والحديث سبق في «الصَّوم» [خ¦١٩٠٣]. (٥٢) (بابُ مَا قِيلَ فِي ذِي الوَجْهَيْنِ). ٦٠٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٣): «من أشرِّ» بزيادة الهمزة، بلفظ أفعل، وهي لغةٌ فصيحةٌ، وله عن الكُشميهنيِّ (٤): «من شرارِ» بالجمع من غير همزٍ، وحملُ النَّاس على العموم أبلغُ في الذَّمِّ من حملهِ على من ذكر من الطَّائفتين

стр. 10745

المتضادَّتين خاصَّةً، وللإسماعيليِّ من طريق أبي (١) شهابٍ، عن الأعمش بلفظ: «من شرِّ خلقِ الله» (يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ (٢) ذَا الوَجْهَيْنِ) بنصب «ذا» مفعول «تجد» (الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ) القوم (بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ) القوم (بِوَجْهٍ) ويُظْهر عند كلٍّ أنَّه منهم ومخالفٌ للآخرين مُبغضٌ لهم. وعند الإسماعيليِّ من طريق ابنِ نُمير عن الأعمش: «الَّذي يأتي هؤلاءِ بحديثِ هؤلاءِ، وهؤلاء بحديثِ هؤلاء» وإنَّما كان شرَّ النَّاس لأنَّ حاله حالُ المنافق (٣)؛ إذ هو يتملَّق بالباطلِ ويُدخِلُ الفسادَ بين النَّاس. نعم، لو أتى كلَّ قومٍ بكلامٍ فيه صلاحٌ واعتذرَ عن كلِّ قومٍ للآخرين، ونقل ما أمكنَه من الجميلِ وستر القبيحِ كان محمودًا. والحديثُ أخرجهُ في «الأحكام» [خ¦٧١٧٩]. (٥٣) (بابُ مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبَهُ بِمَا يُقَالُ فِيهِ) للنَّصيحة مع تحرِّي الصِّدق، وتجنُّب الأذى. ٦٠٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمة (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبدِ الله (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) يوم حُنين (قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) اسمهُ -كما قال الواقديُّ- مُعَتِّب بن قُشَير المنافق: (وَاللهِ مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِهَذَا) القسم الَّذي قسمهُ (وَجْهَ اللهِ) وكان قد أَعطى الأقرعَ بن حابس مئةً من الإبل، وأعطى عُيينة بن حصن مثلَ ذلك، وأَعطى أُنَاسًا من أشرافِ العرب، فآثرهم يومئذٍ في القسمة. قال ابنُ مسعود: (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ

стр. 10746

فَأَخْبَرْتُهُ) بما قاله (فَتَمَعَّرَ) بالعين المهملة المشددة (وَجْهُهُ) أي: تغيَّر لونه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فتمغَّر» بالغين المعجمة بدل المهملة، أي: صار بلون (١) المَغْرة من شدَّة الغضبِ المجبولِ عليه البشر، لكنَّه صلوات الله وسلامه عليه صبرَ وحَلُم اقتداءً بالأنبياء قبلهُ امتثالًا لقولهِ تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] (وَ) لذا (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (رَحِمَ اللهُ مُوسَى) الكليم (لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا) الَّذي أوذيتُ به (فَصَبَرَ) كقول قومه: هو آدرُ ونحوه، ومرادُ البخاريِّ جوازُ النَّقل على وجهِ النَّصيحة؛ لأنَّه ﷺ لم يُنكِرْ على ابنِ مسعود نقل ما نقلَه، بل غضبَ من قولِ المنقولِ (٢) عنه، ولم يُنقلْ أنَّه عاقبه؛ لأنَّه لم يَطعن في النُّبُّوة، وأيضًا فلا يثبتُ حكمٌ بشهادةِ واحدٍ، ويفهم منه أنَّ الكبراء من الخواصِّ قد يَعِزُّ عليهم ما يقال فيهم من الباطلِ لِمَا في فطرِ البشر، إلَّا أنَّ أهل الفضلِ يتلقَّون ذلك بالصَّبر الجميلِ اقتداء بالسَّلف ليتأسَّى بهم الخلفُ (٣). والحديثُ سبقَ في «باب ما كان النَّبيُّ ﷺ يعطي المؤلَّفة» من «الجهاد» [خ¦٣١٥٠]. (٥٤) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَادُحِ) بين النَّاس مما فيه إطراء (٤)، ومجاوزة الحدِّ. ٦٠٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ) بفتح الصاد المهملة وتشديد الموحدة وبعد الألف حاء مهملة، البزَّار -بزاي وبعد الألف راء-، وفي مسلم أبو جعفر محمَّد بن الصَّبَّاح (٥) قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) الخُلْقَانيُّ -بضم الخاء المعجمة

стр. 10747

وسكون اللام بعدها قاف فألف فنون-، قال: (حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضم الموحدة وفتح الراء (ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء (١) (عَنْ) جدِّه (٢) (أَبِي بُرْدَةَ) عامر، ولأبي ذرٍّ: «عن ابن (٣) أبي موسى» بدل قولهِ: عن أبي بُرْدة (عَنْ) أبيهِ (أَبِي مُوسَى) عبدِ الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ) بضم التحتية وسكون الطاء، ويبالغُ (فِي المِدْحَةِ (٤)) بكسر الميم، وزيادة الضَّمير (فَقَالَ) ﷺ : (أَهْلَكْتُمْ -أَوْ قَطَعْتُمْ- ظَهْرَ الرَّجُلِ) حين وصفتموهُ بما ليس فيه، فربَّما حمله ذلك على العُجْب والكِبْرِ، وتضييعِ العملِ وتركِ الازديادِ من الفضلِ (٥)، والشَّكُّ من الرَّاوي. والرَّجلان قال في «الفتح»: لم أقف على اسمهما صريحًا، ولكن أخرج أحمد والبخاريُّ في «الأدب المفرد» من حديث مِحْجَنِ بن الأَدْرع الأسلميِّ (٦)، قال: أخذَ رسولُ الله ﷺ بيدِي فذكر حديثًا فقال (٧) فيه: فدخلَ المسجدَ فإذا رجلٌ يصلِّي، فقال لي: مَن هذا؟ فأثنيتُ عليه خيرًا، فقال: «اسكتْ لا تُسمِعْهُ فتُهْلكْهُ». قال: والَّذي أثنى عليه مِحْجنٌ يشبهُ أن يكونَ هو عبدَ الله ذا البِجَادين المزنيَّ، فقد ذكرتُ في ترجمتهِ في الصَّحابة ما يقربُ من ذلك. ٦٠٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ خَالِدٍ) هو ابنُ

стр. 10748

مهران الحذَّاء (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرةَ نُفَيع (أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ) بضم المعجمة (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَيْحَكَ) كلمةُ ترحُّم وتوجُّع تقالُ لمن وقعَ في هلكةٍ لا يستحقُّها (قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ) أي: أهلكتَهُ استعارة من قطع العنقِ الَّذي هو القتلُ لاشتراكهمَا في الهلاكِ (يَقُوْلُهِ) أي: يقول ﷺ هذا القول (مِرَارًا، إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا) أحدًا (لَا مَحَالَةَ) بفتح الميم، أي: لا بدَّ (فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يُرَى) بضم أوَّله، أي: يظنُّ (أَنَّهُ) أي: الممدوح (كَذَلِكَ، وَحَسِيبُهُ اللهُ) بفتح الحاء وكسر السين المهملتين، أي: يحاسبهُ على عملِه الَّذي يعلمُ حقيقته والجملة اعتراضٌ. وقال شارح «المشكاة»: هي من تتمَّة القولِ، والجملة الشَّرطية حالٌ من فاعل «فليقلْ» والمعنى: فليقلْ: أحسب أنَّ فلانًا كذا إن كان يحسبُ ذلك منه، والله يعلم سرَّه؛ لأنَّه هو الَّذي يُجازيه إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًّا، ولا يقل: أتيقَّنُ -ولا أتحقَّقُ- أنَّه مُحْسِنٌ جازمًا به (وَلَا يُزَكِّي) أحدٌ (عَلَى اللهِ أَحَدًا) مَنْعٌ له عن الجزمِ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا يزكَّى» بفتح الكاف مبنيًّا للمفعول «على الله أحدٌ» بالرفع نائب الفاعل، والمعنى: لا يقطعُ على عاقبةِ أحدٍ، ولا على ما في ضميرهِ؛ لأنَّ ذلك مغيبٌ، وقوله: «ولا يزكِّي» خبر معناه النَّهي، أي: لا تُزَكوا أحدًا على الله؛ لأنَّه أعلم بكم منكُم (قَالَ وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ البصريُّ -بالسَّند السَّابق- (عَنْ خَالِدٍ (١): وَيْلَكَ) بدل ويَحك، في الرِّواية السَّابقة، وويلكَ كلمةُ حزنٍ وهلاكٍ، ولأبي ذرٍّ: «فقال: ويلك». والحديث ذكر في «الشَّهاداتِ» [خ¦٢٦٦٢] فيما سبق، والله الموفِّق وبه المستعان. (٥٥) (بابُ مَنْ أَثْنَى عَلَى أَخِيهِ) المسلم (بِمَا يَعْلَمُ) من الخير من غيرِ إطراءٍ ولا مبالغةٍ مع الأمن من إعجاب الممدوح وعدمِ فتنته بذلك (وَقَالَ سَعْدٌ) هو ابنُ أبي وقَّاص، ممَّا سبق موصولًا في «مناقبِ عبد الله بن سلام» [خ¦٣٨١٢] (مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى

стр. 10749

الأَرْضِ: إنَّه مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) بالتَّخفيف. واستُشكل الحصرُ بما ثبت من أنَّه ﷺ بشَّر العشرة بذلك، كما هو معروفٌ. وأُجيب بأنَّ سعدًا لم يسمعْ ذلك منه ﷺ . ٦٠٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) صاحب «المغازي» (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ فِي الإِزَارِ مَا ذَكَرَ) حيث قال: «من جرَّ ثوبَهُ خيلاءَ لم ينظرِ الله إليهِ» [خ¦٣٦٦٥] (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ إِزَارِي يَسقطُ) أي: يسترخِي (مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ) بكسر الشين المعجمة وفتح القاف مشددة (قَالَ) ﷺ : (إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ) أي: لست ممَّن يصنعْه خُيلاء، فمدحهُ ﷺ بما فيه، والصِّدِّيق بلا ريب يُؤمن منه الإعجابُ والكِبْر، ولا يدخل ذلك في المنع كما لا يخفى، فيجوز الثَّناء على الإنسانِ بما فيه من الفضل على وجهِ الإعلام ليُقتدى به (١) فيه. والحديث مرَّ في «اللِّباس» [خ¦٥٧٨٤]. (٥٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾) بالتَّسوية في الحقوقِ فيما بينكم وترك الظُّلم وإيصالِ كلِّ ذي حقٍّ إلى (٢) حقِّه (﴿وَالإِحْسَانِ﴾) إلى من أساء إليكم، أو الفرضُ والنَّدب؛ لأن الفرض لا بدَّ من أن يقع فيه تفريطٌ فيجبره النَّدب (٣) (﴿وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾) وإعطاء ذي

стр. 10750

القرابةِ، وهو صلة الرَّحم (﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء﴾) عن الذُّنوب المفرطة في القُبح (﴿وَالْمُنكَرِ﴾) ما تُنكره العقول (﴿وَالْبَغْيِ﴾) طلب التَّطوُّل بالظُّلم والكبر (﴿يَعِظُكُمْ﴾) حال أو مستأنفٌ (﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]) أي (١): تتَّعظون بمواعظِ الله، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾ … » إلى آخره، وقال بعد ﴿وَالإِحْسَانِ﴾: «الآية» (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ [يونس: ٢٣]) أي: ظُلمكم يرجعُ عليكم، كقولهِ تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] وقولهِ في الحج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ (٢) (﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ﴾ [الحج: ٦٠]) عطفٌ على سابقه، أي: من جَازى بمثل ما فُعل به من الظُّلم ثمَّ ظلمَ بعد ذلك، فحقٌّ على اللهِ أن ينصرَهُ، ولأبي ذرٍّ: «ومن بغي» بالواو بدل ثمَّ، والأولى هي الموافقة للتنزيلِ، فيحتملُ أن تكون الواو سبق قلم من المصنِّف أو ممَّن بعده، وزاد أبو ذرٍّ لفظ: «الآية» (وَتَرْكِ إِثَارَةِ الشَّرِّ) أي: وباب تهييج الشَّرِّ (عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ). ٦٠٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بفتح الكاف وضمها (كَذَا وَكَذَا) قال العينيُّ: أيَّامًا. وقال في «المصابيح»: فسِّر
следующие страницы →