فَأَخْبَرْتُهُ) بما قاله (فَتَمَعَّرَ) بالعين المهملة المشددة (وَجْهُهُ) أي: تغيَّر لونه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فتمغَّر» بالغين المعجمة بدل المهملة، أي: صار بلون (١) المَغْرة من شدَّة الغضبِ المجبولِ عليه البشر، لكنَّه صلوات الله وسلامه عليه صبرَ وحَلُم اقتداءً بالأنبياء قبلهُ امتثالًا لقولهِ تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] (وَ) لذا (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (رَحِمَ اللهُ مُوسَى) الكليم (لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا) الَّذي أوذيتُ به (فَصَبَرَ) كقول قومه: هو آدرُ ونحوه، ومرادُ البخاريِّ جوازُ النَّقل على وجهِ النَّصيحة؛ لأنَّه ﷺ لم يُنكِرْ على ابنِ مسعود نقل ما نقلَه، بل غضبَ من قولِ المنقولِ (٢) عنه، ولم يُنقلْ أنَّه عاقبه؛ لأنَّه لم يَطعن في النُّبُّوة، وأيضًا فلا يثبتُ حكمٌ بشهادةِ واحدٍ، ويفهم منه أنَّ الكبراء من الخواصِّ قد يَعِزُّ عليهم ما يقال فيهم من الباطلِ لِمَا في فطرِ البشر، إلَّا أنَّ أهل الفضلِ يتلقَّون ذلك بالصَّبر الجميلِ اقتداء بالسَّلف ليتأسَّى بهم الخلفُ (٣).
والحديثُ سبقَ في «باب ما كان النَّبيُّ ﷺ يعطي المؤلَّفة» من «الجهاد» [خ¦٣١٥٠].
(٥٤) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَادُحِ) بين النَّاس مما فيه إطراء (٤)، ومجاوزة الحدِّ.
٦٠٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ) بفتح الصاد المهملة وتشديد الموحدة وبعد الألف حاء مهملة، البزَّار -بزاي وبعد الألف راء-، وفي مسلم أبو جعفر محمَّد بن الصَّبَّاح (٥) قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) الخُلْقَانيُّ -بضم الخاء المعجمة
стр. 10747
وسكون اللام بعدها قاف فألف فنون-، قال: (حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضم الموحدة وفتح الراء (ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء (١) (عَنْ) جدِّه (٢) (أَبِي بُرْدَةَ) عامر، ولأبي ذرٍّ: «عن ابن (٣) أبي موسى» بدل قولهِ: عن أبي بُرْدة (عَنْ) أبيهِ (أَبِي مُوسَى) عبدِ الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ) بضم التحتية وسكون الطاء، ويبالغُ (فِي المِدْحَةِ (٤)) بكسر الميم، وزيادة الضَّمير (فَقَالَ) ﷺ : (أَهْلَكْتُمْ -أَوْ قَطَعْتُمْ- ظَهْرَ الرَّجُلِ) حين وصفتموهُ بما ليس فيه، فربَّما حمله ذلك على العُجْب والكِبْرِ، وتضييعِ العملِ وتركِ الازديادِ من الفضلِ (٥)، والشَّكُّ من الرَّاوي. والرَّجلان قال في «الفتح»: لم أقف على اسمهما صريحًا، ولكن أخرج أحمد والبخاريُّ في «الأدب المفرد» من حديث مِحْجَنِ بن الأَدْرع الأسلميِّ (٦)، قال: أخذَ رسولُ الله ﷺ بيدِي فذكر حديثًا فقال (٧) فيه: فدخلَ المسجدَ فإذا رجلٌ يصلِّي، فقال لي: مَن هذا؟ فأثنيتُ عليه خيرًا، فقال: «اسكتْ لا تُسمِعْهُ فتُهْلكْهُ». قال: والَّذي أثنى عليه مِحْجنٌ يشبهُ أن يكونَ هو عبدَ الله ذا البِجَادين المزنيَّ، فقد ذكرتُ في ترجمتهِ في الصَّحابة ما يقربُ من ذلك.
٦٠٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ خَالِدٍ) هو ابنُ
стр. 10748
مهران الحذَّاء (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرةَ نُفَيع (أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ) بضم المعجمة (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَيْحَكَ) كلمةُ ترحُّم وتوجُّع تقالُ لمن وقعَ في هلكةٍ لا يستحقُّها (قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ) أي: أهلكتَهُ استعارة من قطع العنقِ الَّذي هو القتلُ لاشتراكهمَا في الهلاكِ (يَقُوْلُهِ) أي: يقول ﷺ هذا القول (مِرَارًا، إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا) أحدًا (لَا مَحَالَةَ) بفتح الميم، أي: لا بدَّ (فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يُرَى) بضم أوَّله، أي: يظنُّ (أَنَّهُ) أي: الممدوح (كَذَلِكَ، وَحَسِيبُهُ اللهُ) بفتح الحاء وكسر السين المهملتين، أي: يحاسبهُ على عملِه الَّذي يعلمُ حقيقته والجملة اعتراضٌ. وقال شارح «المشكاة»: هي من تتمَّة القولِ، والجملة الشَّرطية حالٌ من فاعل «فليقلْ» والمعنى: فليقلْ: أحسب أنَّ فلانًا كذا إن كان يحسبُ ذلك منه، والله يعلم سرَّه؛ لأنَّه هو الَّذي يُجازيه إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًّا، ولا يقل: أتيقَّنُ -ولا أتحقَّقُ- أنَّه مُحْسِنٌ جازمًا به (وَلَا يُزَكِّي) أحدٌ (عَلَى اللهِ أَحَدًا) مَنْعٌ له عن الجزمِ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا يزكَّى» بفتح الكاف مبنيًّا للمفعول «على الله أحدٌ» بالرفع نائب الفاعل، والمعنى: لا يقطعُ على عاقبةِ أحدٍ، ولا على ما في ضميرهِ؛ لأنَّ ذلك مغيبٌ، وقوله: «ولا يزكِّي» خبر معناه النَّهي، أي: لا تُزَكوا أحدًا على الله؛ لأنَّه أعلم بكم منكُم (قَالَ وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ البصريُّ -بالسَّند السَّابق- (عَنْ خَالِدٍ (١): وَيْلَكَ) بدل ويَحك، في الرِّواية السَّابقة، وويلكَ كلمةُ حزنٍ وهلاكٍ، ولأبي ذرٍّ: «فقال: ويلك».
والحديث ذكر في «الشَّهاداتِ» [خ¦٢٦٦٢] فيما سبق، والله الموفِّق وبه المستعان.
(٥٥) (بابُ مَنْ أَثْنَى عَلَى أَخِيهِ) المسلم (بِمَا يَعْلَمُ) من الخير من غيرِ إطراءٍ ولا مبالغةٍ مع الأمن من إعجاب الممدوح وعدمِ فتنته بذلك (وَقَالَ سَعْدٌ) هو ابنُ أبي وقَّاص، ممَّا سبق موصولًا في «مناقبِ عبد الله بن سلام» [خ¦٣٨١٢] (مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى
стр. 10749
الأَرْضِ: إنَّه مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) بالتَّخفيف. واستُشكل الحصرُ بما ثبت من أنَّه ﷺ بشَّر العشرة بذلك، كما هو معروفٌ. وأُجيب بأنَّ سعدًا لم يسمعْ ذلك منه ﷺ .
٦٠٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) صاحب «المغازي» (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ فِي الإِزَارِ مَا ذَكَرَ) حيث قال: «من جرَّ ثوبَهُ خيلاءَ لم ينظرِ الله إليهِ» [خ¦٣٦٦٥] (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ إِزَارِي يَسقطُ) أي: يسترخِي (مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ) بكسر الشين المعجمة وفتح القاف مشددة (قَالَ) ﷺ : (إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ) أي: لست ممَّن يصنعْه خُيلاء، فمدحهُ ﷺ بما فيه، والصِّدِّيق بلا ريب يُؤمن منه الإعجابُ والكِبْر، ولا يدخل ذلك في المنع كما لا يخفى، فيجوز الثَّناء على الإنسانِ بما فيه من الفضل على وجهِ الإعلام ليُقتدى به (١) فيه.
والحديث مرَّ في «اللِّباس» [خ¦٥٧٨٤].
(٥٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾) بالتَّسوية في الحقوقِ فيما بينكم وترك الظُّلم وإيصالِ كلِّ ذي حقٍّ إلى (٢) حقِّه (﴿وَالإِحْسَانِ﴾) إلى من أساء إليكم، أو الفرضُ والنَّدب؛ لأن الفرض لا بدَّ من أن يقع فيه تفريطٌ فيجبره النَّدب (٣) (﴿وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾) وإعطاء ذي
стр. 10750
القرابةِ، وهو صلة الرَّحم (﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء﴾) عن الذُّنوب المفرطة في القُبح (﴿وَالْمُنكَرِ﴾) ما تُنكره العقول (﴿وَالْبَغْيِ﴾) طلب التَّطوُّل بالظُّلم والكبر (﴿يَعِظُكُمْ﴾) حال أو مستأنفٌ (﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]) أي (١): تتَّعظون بمواعظِ الله، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾ … » إلى آخره، وقال بعد ﴿وَالإِحْسَانِ﴾: «الآية» (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ [يونس: ٢٣]) أي: ظُلمكم يرجعُ عليكم، كقولهِ تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] وقولهِ في الحج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ (٢) (﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ﴾ [الحج: ٦٠]) عطفٌ على سابقه، أي: من جَازى بمثل ما فُعل به من الظُّلم ثمَّ ظلمَ بعد ذلك، فحقٌّ على اللهِ أن ينصرَهُ، ولأبي ذرٍّ: «ومن بغي» بالواو بدل ثمَّ، والأولى هي الموافقة للتنزيلِ، فيحتملُ أن تكون الواو سبق قلم من المصنِّف أو ممَّن بعده، وزاد أبو ذرٍّ لفظ: «الآية» (وَتَرْكِ إِثَارَةِ الشَّرِّ) أي: وباب تهييج الشَّرِّ (عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ).
٦٠٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بفتح الكاف وضمها (كَذَا وَكَذَا) قال العينيُّ: أيَّامًا. وقال في «المصابيح»: فسِّر
стр. 10751
هذا في النَّسائيِّ بشهرين، وللإسماعيليِّ ممَّا سبق في «الطِّبِّ»: أربعين ليلة. وعند أحمد: ستَّة أشهرٍ، وفي «موطأ مالك» بإسنادٍ صحيحٍ: سنة. وهو المعتمد، وهذا في حديث السِّحر الَّذي صنعه لَبيد بن الأعصم (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنَّه يَأْتِي) أي: يباشرُ (أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِي) ولا يباشر (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقَالَ) ﷺ : (لِي ذَاتَ يَوْمٍ) من إضافة المسمَّى إلى اسمه: (يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ) (أَفْتَانِي فِي أَمْرٍ) أي: في أمر التَّخييل (اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أَتَانِي رَجُلَانِ) هما جبريل وميكائيل -كما عند ابن سعدٍ في روايةٍ منقطعة- (فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة على التَّثنية (وَالآخَرُ) هو جبريلُ (عِنْدَ رَأْسِي، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ) بالتَّثنية، وهو ميكائيلُ (لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟) يريد النَّبيَّ ﷺ ، وفي «الطبِّ» «ما وجعُ الرَّجل؟» [خ¦٥٧٦٣] (قَالَ: مَطْبُوبٌ) قال الرَّاوي ممَّا أدرجه: (يَعْنِي مَسْحُورًا قَالَ) ميكائيلُ (١) لجبريل: (وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ) وكان ساحرًا منافقًا، وفي مسلم أنَّه كان كافرًا (٢) (قَالَ) أي: ميكائيلُ: (وَفِيمَ) سحرهُ؟ (قَالَ) أي: جبريلُ (فِي جُفِّ طَلْعَةٍ) بضم الجيم وتشديد الفاء، مضافًا لطلعةٍ وتنوينها (ذَكَرٍ) صفة لجفٍّ، وهو وعاءُ الطَّلع (فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ (٣) تَحْتَ رَعُوفَةٍ) براء مفتوحة فعين مهملة مضمومة وبعد الواو الساكنة فاء، وهو حجرٌ يكون (٤) في قعر البئرِ يقعدُ عليه المايحُ -بالتَّحتية (٥) - ليملأ دلوَ الماتح، كذا نقل عن الحافظ أبي ذرٍّ، وقيل غير ذلك كما مرَّ [خ¦٥٧٦٥] (فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ) بفتح الذال المعجمة وسكون الراء (فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في جماعةٍ من أصحابه (فَقَالَ: هَذِهِ البِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا) بهمزة مضمومة فراء مكسورة (كَأَنَّ رُؤُوسَ نَخْلِهَا) أي: نخلِ البستان الَّتي هي فيه (رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ) في قبحِ منظرِها (وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ) في حُمرة لونهِ، و «نُقاعة» بضم النون بعدها قاف، و «الحِنَّاء» ممدودٌ، أي: أنَّه تغيَّر لرداءتهِ أو لِمَا خالطَهُ ممَّا ألقي فيه (فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: بصورةِ ما في الجُفِّ من المشطِ
стр. 10752
والمشاطة (١) وما ربط فيه (٢) (فَأُخْرِجَ) من البئرِ (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَهَلَّا -تَعْنِي-) عائشة: (تَنَشَّرْتَ؟) بتشديد الشين المعجمة، والنُّشرة: الرُّقيَّة الَّتي بها يحل عقد الرَّجل عن مباشرةِ امرأتهِ، ولغير أبي ذرٍّ: «يعني» «بالتحتية» بدل: «الفوقية» (٣)، (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَّا اللهُ) بتشديد الميم (فَقَدْ شَفَانِي) منه (وَأَمَّا أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ) بضم الهمزة بعدها مثلثة (عَلَى النَّاسِ شَرًّا) باستخراجه من الجفِّ لئلَّا يروه فيتعلَّموه إن أرادوا السِّحر (قَالَتْ) عائشةُ ﵂: (وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام، معاهدٌ (لِيَهُودَ) (٤) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لليهود» بزيادة لامٍ. ومطابقةُ الآيات المذكورةِ، وترجمة الباب مع الحديث، كما هو ملخَّصٌ من قولِ ابن بطال (٥): إنَّ الله تعالى لمَّا نهى عن البغي، وأَعلم أنَّ ضررَ البغي إنَّما هو راجعٌ إلى الباغِي وضَمِنَ النَّصر لمن بُغِيَ عليه، كان حقُّ من بُغِيَ عليه أن يشكرَ الله على إحسانهِ إليه بأن يعفوَ عمَّن بَغَى عليه، وقد امتثلَ النَّبيُّ ﷺ ذلك فلم يُعاقب الَّذي كاده بالسِّحر مع قدرتهِ على ذلك. وقال في «الفتح»: ويحتملُ أن تكون المطابقةُ من جهةِ أنَّه ﷺ تركَ استخراجَ السِّحرِ خشيةَ أن يثورَ على النَّاس منه شرٌّ، فسلكَ مسلكَ العدلِ في أن لا يحصلَ لمن لم يتعاطَ السِّحر شيء (٦) من أثرِ الضَّرر النَّاشئ عن السِّحر، وسلكَ مسلكَ الإحسانِ في ترك عقوبةِ الجاني.
والحديثُ سبقَ في «باب السِّحر» من «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٣] والله الموفِّق والمعين.
(٥٧) (بابُ مَا يُنْهَى عَنِ التَّحَاسُدِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من التَّحاسد المذموم» وهو تمنِّي زوال النِّعمة عن المحسود، وتكون للحاسد دونهُ (وَ) عن (التَّدَابُرِ) بضم الموحدة بأن يُدْبِر كلُّ
стр. 10753
واحدٍ عن صاحبهِ بأن يُعطيه دُبُرهُ وقفاهُ، فيَعْرضُ عنه ويَهْجُرهُ (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ (١): «وقولِ اللهِ تعالى»: (﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]) أي: إذا أظهرَ حسدهُ وعمل بمقتضاه؛ لأنَّه إذا لم يظهرْ فلا ضرر (٢) يعودُ منه على من حسدَه، بل هو الضَّارُّ لنفسهِ لاغتمامهِ بسرورِ غيره وهو الأسفُ على الخيرِ عند الغيرِ، و (٣) الاستعاذةُ من هذه مع سابقها بعد الاستعاذة من شرِّ ما خلقَ إشعارٌ بأنَّ شرَّ هؤلاء أشدُّ، وختمَ بالحسدِ ليُعلم أنَّه شرُّها، وهو أوَّل ذنبٍ عُصِيَ الله به في السَّماء من إبليس، وفي الأرضِ من قَابيل، وأقوى أسباب الحسدِ العداوة، ومنها خوفه من تكبُّر غيره عليه بنعمةٍ، فيتمنَّى زوالها عنه ليقعَ التَّساوي بينه وبينهُ، ومنها حبُّ الرِّياسة، فمتى تفرَّد بفنٍّ وأحبَّ الرِّياسة صارتْ حالتُه إذا سمعَ في أقصى العالمِ بنظيرهِ أحبَّ موتَه أو زوالَ تلك النِّعمة عنه، وآفاته كثيرةٌ، وربَّما حسدَ عالمًا فأحبَّ خطأهُ في دينِ الله وانكشافهِ أو بُطلانَ علمهِ بخرسٍ أو مرضٍ، فليتأمَّل ما فيهِ من مشاركةِ أعداءِ الله بسخطِ قضائهِ وكراهةِ ما قسمَهُ لعبادهِ ومحبَّة زوالها عن أخيهِ المؤمن ونزولِ البلاءِ به، قال بعضُهم: الحاسدُ جاحدٌ؛ لأنَّه لا يرضَى بقضاءِ الواحدِ (٤)، فالعجب (٥) من عاقلٍ يُسْخِطُ ربَّه بحسدٍ يضرُّه في دينهِ ودُنياه بلا فائدةٍ، بل ربَّما يريدُ الحاسدُ زوالَ نعمةِ المحسودِ فتزولُ عن الحاسدِ، فيزدادَ المحسودُ نعمةً إلى نعمتهِ، والحاسدُ شقاوةً على شقاوتهِ، نسألُ الله العفوَ والعافية.
٦٠٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، أبو محمد السَّخْتِيانِيُّ
стр. 10754
المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين المهملة، ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحدة المشددة، وتشديد ميم همَّام بعد فتح (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ) أي: اجتنبوهُ، فلا تتَّهموا أحدًا بالفاحشةِ (١) من غيرِ أن يظهرَ عليه ما يقتضيها (فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ) فلا تحكُموا بما يقعُ منه، كما يحكم بنفس العلمِ لأنَّ أوائلَ الظُّنون خواطر لا يملكُ دفعَها، والمرءُ إنَّما يكلَّف بما يقدرُ عليه دونَ ما لا يملكُه. واستُشكل تسمية الظَّنِّ كذبًا، فإنَّ الكذب من صفات الأقوالِ. وأُجيب بأنَّ المراد عدمُ مطابقةِ الواقع سواءٌ كان قولًا أو فعلًا، أو المراد ما ينشأُ عن الظَّنِّ، فوصف الظَّنَّ به مجازًا (وَلَا تَحَسَّسُوا) بالحاء المهملة (وَلَا تَجَسَّسُوا) بالجيم، وفي بعض النسخ -وهو (٢) رواية أبي ذرٍّ- بتقديم الجيم على الحاء، وأصلهما بالتاءين الفوقيتين، فحذف من كلٍّ منهما إحداهما تخفيفًا. قال الحربيُّ -فيما نقله عن السَّفاقِسيِّ-: معناهما واحدٌ وهو تطلُّب الأخبار، فالثَّاني للتَّأكيد، كما قاله ابن الأنباريِّ. وقال الحافظ أبو ذرٍّ: بالحاء الطَّالب لنفسه، وبالجيم لغيرهِ، وقيل: بالجيم البحث عن عورات النَّاس، وبالحاء استماعُ حديثهم، وقيل: بالجيم البحثُ عن بواطن الأمور، وبالحاء البحث عمَّا يدرك بحاسَّة العين أو (٣) الأذن، وقيل: بالجيم الَّذي يعرف الخبر بتلطُّف ومنه الجاسوس، وبالحاء الَّذي يطلب الشَّيء بحاستهِ كاستراقِ السَّمع وإبصار الشَّيءِ خفيةً.
نعم، لو تعيَّن التَّجسُّس طريقًا إلى إنقاذِ نفسٍ من الهلاك، أو منعٍ من زنا ونحوهما شُرِعَ، كما لا يخفى (وَلَا تَحَاسَدُوا) بإسقاط إحدى التائين، والتَّحاسدُ هو أعمُّ من أن يَسعى في إزالةِ تلك النِّعمة عن مستحقِّها أم لا، فإنْ سعى كان باغيًا، وإن لم يسعَ في ذلك ولا أظهرهُ، ولا تسبَّب فيه، فإن كان المانعُ عجزهُ بحيث لو تمكَّن فعل فهو آثمٌ، وإن كان المانعُ التَّقوى فقد يُعذر؛ لأنَّه لا يملك دفعَ الخواطر النَّفسانيَّة، فيكفيهِ في مجاهدةِ نفسه عدم العملِ والعزم عليه،
стр. 10755
وفي حديث إسماعيل بن أميَّة عند (١) عبد الرَّزَّاق مرفوعًا: «ثلاثٌ لا يسلمُ منها أحدٌ: الطِّيرةُ، والظَّنُّ والحسدُ» قيل: فما المخرجُ منهنَّ يا رسول الله؟ قال: «إذا تطيَّرت فلا ترجعْ، وإذا ظننتَ فلا تحقِّق، وإذا حسدتَ فلا تبغِ».
(وَلَا تَدَابَرُوا) بحذف إحدى التاءين للتَّخفيف، أي: لا تهاجروا فيُولِّي كلَّ واحدٍ منكما دُبرَهُ لصاحبهِ حين يراه؛ لأنَّ من أبغضَ أعرضَ، ومن أعرض ولَّى دُبره بخلاف من أحبَّ (وَلَا تَبَاغَضُوا) بحذف إحدى التاءين، أي: لا تتعاطوا أسبابَ البغض. نعم، إذا كان البغض لله وجب (وَكُونُوا) يا (عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا) باكتساب ما تصيرون به كإخوان النَّسب في الشَّفقة والرَّحمة والمحبَّة والمواساة والنَّصيحة.
٦٠٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبَاغَضُوا) حقيقتُه أن يقعَ بين اثنين وقد يكون من واحدٍ وكذا ما بعده، وهو قوله: (وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا) قيل: معناه لا يستأثر أحدُكم على الآخر لأنَّ المستأثر يولِّي دُبره حين يستأثر بشيءٍ دون الآخر. وقال إمام الأئمَّة مالك في «موطَّئِه»: لا أحسب التَّدابر إلَّا الإعراض عن السَّلام يُدْبِر عنه بوجههِ. (وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا) قال في «شرح المشكاة»: إخوانًا يجوز أن يكون خبرًا بعد خبرٍ، وأن يكون بدلًا، أو هو الخبر، وقوله: عبادَ الله، منصوبٌ على الاختصاص بالنِّداء، وهذا الوجه أوقعُ، يعني أنتُم مستوون في كونكُم عبيد الله وملَّتكم ملةٌ واحدةٌ، فالتَّباغض والتَّحاسد والتَّدابر منافٍ لحالكم، فالواجبُ عليكم أن تكونوا إخوانًا متواصلين متألِّفين (وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ) في الإسلام (فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) تخصيصُ الأخ بالذِّكر إشعارٌ بالعليَّة. ومفهومه أنَّه إن خالف هذه الشَّريعة وقطع هذه الرَّابطة جازَ هجرانهُ فوق ثلاثة، فإنَّ هجرةَ أهل الأهواءِ والبدع دائمةٌ على ممرِّ الأوقاتِ ما لم
стр. 10756
يُظهر (١) التَّوبة والرُّجوع إلى الحقِّ.
(٥٨) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ في رواية أبي ذرٍّ (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾) يقال: جنبه الشَّرَّ إذا أبعدَه عنه، وحقيقتُه جعله في جانب فيتعدَّى إلى مفعولين. قال الله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ومطاوعهُ اجتنب الشَّرَّ فنقص مفعولًا، والمأمور باجتنابهِ هو (٣) بعض الظَّنِّ، وذلك البعض موصوفٌ بالكثرةِ ألا ترى إلى قولهِ: (﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾) يستحقُّ صاحبَه العقاب. قال الفرَّاء (٤): هو ظنُّك بأهلِ الخير سُوءًا، فأمَّا أهلُ الفسق فلنا أن نظنَّ فيهم مثلَ الَّذي ظهر منهم، ويجوزُ أن يكون من مجازِ الحذف تقديرهُ: اجتنبوا كثيرًا من اتِّباع الظَّنِّ إنَّ اتِّباع بعض الظَّنِّ كذبٌ (﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ٢]) أي: لا تتَّبعوا عورات المسلمين ومعايبهم.
٦٠٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُمْ) كلمةُ تحذير (وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا) وقد فهم من الآية السَّابقة وهذا الحديث الأمر بصون عرضِ المسلم غاية الصِّيانة لتقديم (٥) النَّهي عن الخوض فيه بالظَّنِّ، فإن قال الظَّانُّ: أبحثُ لأتحقَّق قيل له: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ فإن قال: تحقَّقته من غير تجسُّسٍ، قيل له: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ (وَلَا تَنَاجَشُوا) بالنون بعد الفوقية وبعد الألف جيم فشين معجمة مضمومة، من النَّجش، وهو أن يزيدَ في
стр. 10757
السِّلعة وهو لا يريدُ شراءها بل ليوقع غيره فيها (وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا).
(٥٩) (بابُ مَا يكون) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ما يجوزُ» (مِنَ الظَّنِّ).
٦٠٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء آخره راء، هو سعيدُ بن كثير بن عُفير بن مسلم الأنصاريُّ مولاهم المصري (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقيل -بفتح العين- الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تسميتهما (يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا) دينِ الإسلام (شَيْئًا. قَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ: (كَانَا رَجُلَيْنِ مِنَ المُنَافِقِينَ) فالظَّنُّ فيهما ليس من الظَّنِّ المنهيِّ عنه لأنَّه في مقامِ التَّحذير من مثلِ من كان حالُه كحالِ الرَّجلين، والنَّهي إنَّما هو عن ظنِّ السُّوء بالمسلمِ السَّالم في دينهِ وعرضه، فالنَّفي في الحديث لظنِّ النَّفي لا لنفي الظَّنِّ، وفي التَّرجمة إثبات الظَّنِّ فلا تنافي بينه وبين التَّرجمة.
٦٠٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المخزوميُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (بِهَذَا) الحديث (٢) المذكور (وَ) فيه (قَالَتْ) عائشة ﵂: (دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (النَّبِيُّ) رفع فاعل (¬ ﷺ يَوْمًا) نصبٌ على الظَّرف (وَقَالَ: يَا عَائِشَةُ مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا) بنفي الظَّنِّ (يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ) وهو دينُ الإسلام.
стр. 10758
(٦٠) (بابُ سَتْرِ المُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ) إذا صدرَ منه ما يُعاب.
٦٠٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن عبد الله بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بنِ الخطَّاب، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ أُمَّتِي) المسلمون (مُعَافًى) بضم الميم وفتح الفاء مقصورًا، اسم مفعول من العافيةِ، أي: يُعفى عن ذَنْبهم (١) ولا يُؤاخذون به (إِلَّا المُجَاهِرونَ) بكسر الهاء، إلَّا المُعْلِنون بالفسقِ؛ لاستخفافِهم بحقِّ الله تعالى ورسولهِ وصالحِي (٢) المؤمنين، وفيه ضربٌ من العناد لهم. وقوله: «المجاهرون» بالرَّفع وصحَّح عليه بالفرع، وهو رواية النَّسفيِّ، وشرحَ عليها ابنُ بطَّال والسَّفاقِسيُّ، وأجازهُ الكوفيُّون في الاستثناءِ المنقطعِ. وقال ابنُ مالكٍ: «إلَّا» على هذَا بمعنى لكنْ المجاهرون بالمعاصي لا يُعافَون، فالمجاهرون مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ. قال في «المصابيح»: هذا الباب الَّذي فتحَه ابن مالكٍ يؤدِّي إلى جواز الرَّفع في كلِّ مُستثنى من كلامٍ تامٍّ مُوجب، مثل: قام القوم إلَّا زيد؛ إذ يكون الواقع بعد إلَّا مرفوعًا بالابتداءِ والخبر محذوفٌ، وهو مقدَّر بنفي الحكم السَّابق، وينقلبُ كلُّ استثناءٍ متَّصل منقطعًا بهذا الاعتبار، ومثلُه غيرُ مستقيمٍ على ما لا يخفى. انتهى. وفي نسخة: «إلَّا المجاهرين» بالنَّصب، وعزاها الحافظُ ابن حجرٍ لأكثر رواة البخاريِّ و «مُسْتَخرَجي الإسماعيليِّ وأبي نُعيم» ومسلمٍ، وهو الصَّواب عند البصريِّين. والمجاهر الَّذي يُظهر معصيتهُ ويكشفُ ما سترَ الله عليه فيحدِّث به.
стр. 10759
(وَإِنَّ مِنَ المَجَانَةِ) بفتح الميم والجيم وبعد الألف نون مخفَّفة، أي: عدمُ المبالاةِ بالقولِ والفعلِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من المجاهرة» بدل المجانة، وقد ضبَّب على المجانةِ في الفرع. وقال القاضي عياض: إنَّها تصحيفٌ، وإن كان معناها لا يبعدُ هنا لأنَّ الماجنَ (١) هو الَّذي يستهترُ (٢) في أمورهِ (٣)، وهو الَّذي لا يُبالي بما قال وما قيلَ له. وتعقَّبه في «فتح الباري» فقال: الَّذي يظهرُ رُجحان هذه الرواية (٤)؛ لأنَّ الكلام المذكور بعدهُ لا يرتاب أحدٌ أنَّه من المجاهرةِ، فليس في إعادةِ ذكرهِ كبيرُ فائدةٍ، وأمَّا الرِّواية بلفظ المجانة، فيفيدُ معنًى زائدًا وهو أنَّ الَّذي يجاهرُ بالمعصيةِ يكون من جملةِ المُجَّانِ (٥)، والمجانَةُ مذمومةٌ شرعًا وعرفًا، فيكون الَّذي يُظهرُ المعصية قد ارتكبَ محذورين إظهار المعصيةِ وتلبُّسه بفعل المُجَّانِ (أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا) أي: معصيةً (ثُمَّ يُصْبِحَ) يدخل في الصَّباح (وَقَدْ) أي: والحال أنَّه قد (سَتَرَهُ اللهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وقد سترهُ اللهُ عليه» (فَيَقُولَ) لغيره: (يَا فُلَانُ عَمِلْتُ) بضم التاء (البَارِحَةَ) هي أقربُ ليلةٍ مضت من وقت القولِ، وأصلها من برحَ إذا زال (كَذَا وَكَذَا) من المعصيةِ (وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ).
وفي حديث ابنِ عمر مرفوعًا عند الحاكم: «اجتنبُوا هذهِ القاذوراتِ الَّتي نهى الله عنها، فمَن ألمَّ بشيءٍ منها فليستترْ بسترِ الله».
٦٠٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليَشْكُريُّ (عَنْ
стр. 10760
قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضم الميم وسكون المهملة بعدها راء مكسورة فزاي، المازنيِّ البصريِّ (أَنَّ رَجُلًا) لم يسمَّ. نعم، في الطَّبرانيِّ أنَّ سعيدَ بن جبير قال: قلت لابنِ عمر: حَدِّثني … فذكر الحديث، فيحتملُ أن يكون هو الرَّجل المبهم (سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ) ﵁ (كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟) بالنون والجيم، وهي المُسارَّة الَّتي تقعُ بين الله وبين عبدهِ المؤمن يوم القيامةِ، وأصلُ ذلك أن يخلوَ في نجوةٍ من الأرضِ. أو مِن النَّجاة، وهو أن تنجوَ بسرِّك من أن يطَّلع عليه أحدٌ، وأصله المصدر، وقد يُوصف به، فيقال: هو نجوى، وهم نجوى (قَالَ) ﷺ : (يَدْنُو) أي: يَقْرُبُ (أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ) قربَ كرامةٍ، وعلوِّ منزلةٍ (١) (حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ) بفتح الكاف والنون والفاء، أي: سترهُ (عَلَيْهِ، فَيَقُولُ) له: (عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية هَمَّام السَّابقة في «المظالم» [خ¦٢٤٤١] «فيقول: أتعرفُ ذنب كذا وكذا؟» (فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ) له: (عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَرِّرُهُ) بذنوبهِ، وفي رواية سعيد بنِ جبير المذكور «فيلتفتُ يُمنةً ويُسرة، فيقولُ: لا بأسَ عليكَ إنَّك في سِتري، لا يطَّلعُ على ذنوبِكَ غيرِي» (ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ) سيئاتك (فِي الدُّنْيَا، فَأَنَا) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأنا» (أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ) زاد هَمَّام وسعيد وهشامٌ «فيُعطى كتابَ حسناتهِ» [خ¦٢٤٤١] والمراد هنا الذُّنوب الَّتي بين الله وبين عبدهِ دون مَظالم العباد. وسيكون لنا عودةٌ إلى مبحثِ ذلك مُستوفًى -إن شاء الله تعالى بعون الله- في موضعهِ. واستُشكل إيرادُ هذا الحديث هنا بعدمِ (٢) المطابقة لأنَّ التَّرجمة لسترِ المؤمن على نفسهِ، والَّذي في الحديث سترُ الله على المؤمنِ. وأُجيب بأنَّ سترَ الله مستلزمٌ لسترِ المؤمنِ على نفسهِ.
والحديث سبقَ في «المظالم» [خ¦٢٤٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٨٥] ويأتي إن شاء الله تعالى في «التَّوحيدِ» [خ¦٧٥١٤] بعون الله وقوته.
(٦١) (بابُ) ذمِّ (الكِبْرِ) بكسر الكاف وسكون الموحدة، وهو ثمرةُ العُجْب، وقد هلكَ بهما كثيرٌ
стр. 10761
من العلماء والعباد والزُّهَّاد، والكِبْر: هو أن يَرى نفسَه خيرًا من غيرهِ جهلًا بها وبقدرِ بارئها تعالى وبوعدهِ ووعيدهِ. والتَّكبُّر: منع الحقِّ كمَن ينصرُ باطلًا رياء وازدراءً لخلقِ الله، فكلُّ مُعجبٍ أو متكبِّرٍ بنعمةٍ يأنف ممَّن هو فقيرٌ منها كفرًا للنِّعمةِ والرَّحمة (١)، وأنفع شيءٍ لدفعه التَّفكُّر في كونهِ لم يكن شيئًا، وليس أخسُّ من العدمِ، وحيثُ صار شيئًا صار جمادًا لا يحسُّ، وكان إيجادهُ من ترابٍ وطينٍ منتنٍ، ونطفةٍ بمكانٍ قذرٍ، فأُوْجِدَ بسمعٍ وبصرٍ وعقلٍ؛ ليعرف به أوصافَه (٢)، وأخرجه تعالى ضعيفًا عاجزًا، فربَّاه وقوَّاه وعلَّمه إلى مُنتهاه، ويلازمُه مع ذلك مستقذراتٍ كالبولِ والغائطِ والسُّقم والعَجز، لا يملكُ ضرًّا ولا نفعًا ولا شيئًا، ومع ذلك قد لا يشكرُ نعمهُ، ولا يذكر عرضَ قبائحهِ، وتفرُّده بقبرٍ موحشٍ عن محابِّه وأحبابهِ فيصيرُ جيفةً، والأحداقُ سالتْ والألوانُ حالتْ والرُّؤوس تغيَّرت ومالتْ مع فتَّانٍ يأتيه فيقعدهُ يسأله عمَّا كان يعتقدُهُ، ثمَّ يكشفُ له من الجنَّة أو النَّار مقعدهُ، ثمَّ يُقاسي أهوالَ القيامة، ثمَّ يصيرُ إلى النَّار إنْ لم يرحمْه ربُّه ومَن هذه حالتهُ، فمِن أين يأتيهِ الكبرُ، فالكبرياءُ والعظمةُ للربِّ القادرِ لا للعبدِ العاجزِ، أشارَ إليه في «قُوت الأحياء».
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر، فيما (٣) وصله الفِريابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩]) أي: (مُسْتَكْبِرٌ فِي نَفْسِهِ، عِطْفُهُ) أي: (رَقَبَتُهُ) وقال غيرهُ: أي: لاويًا عنقَهُ عن طاعةِ الله كِبرًا وخُيَلاءً.
٦٠٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) أبو عبد الله العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ القَيْسِيُّ) الجَدَليُّ -بجيم ودال مهملة مفتوحتين- الكوفيُّ العابد (عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الخُزَاعِيِّ) بتخفيف الزاي، ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَلَا) بالتَّخفيف (أُخْبِرُكُمْ بـ) أغلبِ (أَهْلِ الجَنَّةِ؟) هم (كُلُّ ضَعِيفٍ) أي: ضعيف الحالِ، لا ضعيف البدنِ
стр. 10762
(مُتَضَاعِفٍ) بألف بعد الضاد وكسر العين، أي: متواضعٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «متضعِّف» بتشديد العين من غير ألف، ومعنى الكلِّ يستضعفهُ النَّاس ويحتقرونَهُ لضعفِ حالهِ في الدُّنيا، أو متواضعٌ متذلِّلٌ خاملُ الذِّكر (لَوْ أَقْسَمَ) ولأبي ذرٍّ: «لو يُقْسِم» (عَلَى اللهِ) يمينًا طَمعًا في كرمِ الله بإبرارهِ (لَأَبَرَّهُ) وقيل: لو دعاهُ لأجابه (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بـ) أغلبِ (أَهْلِ النَّارِ؟) هم (كُلُّ عُتُلٍّ) بضم العين المهملة والفوقية وتشديد اللام، غليظٍ جافٍّ (جَوَّاظٍ) بفتح الجيم والواو المشددة وبعد الألف معجمة، المَنُوع، أو المُخْتال في مشيتهِ (مُسْتَكْبِرٍ) بكسر الموحدةِ.
والحديثُ سبق في تفسيره «سورة ن» [خ¦٤٩١٨].
٦٠٧٢ - (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى) بن أبي نجيحٍ المعروف بابن الطَّبَّاع -بمهملة مفتوحة فموحدة مشددة فألف فعين مهملة- أبو جعفرٍ البغداديُّ نزيل أَذَنَة -بفتح الهمزة والمعجمة والنون- الثِّقة العالم. قال أبو داود: كان يحفظُ أربعين ألف حديث، ويشبه أن يكون البخاريُّ أخذ عنه مذاكرةً، قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء مصغَّرًا، ابن بشيرٍ، أبو معاوية الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ) قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: كَانَتِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أن كانت» بفتح الهمزة في «اليونينية» (١) (الأَمَةُ) غير الحرَّة (مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ) أي: أيَّ أمةٍ كانت (لَتَأْخُذُ) بلام التَّأكيد (بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ) من الأمكنةِ، ولو كانت حاجتها خارجَ المدينة، زاد أحمدُ في حاجتها. وفي أُخرى له فما ينزعُ يدهُ من يدها حتَّى تذهبَ به حيثُ شاءتْ. والمرادُ بالأخذِ باليدِ لازمهُ وهو الانقيادُ، وفيه غايةُ تواضعهِ وبراءتهِ من جميعِ أنواع الكِبْر ﷺ كثيرًا.
(٦٢) (بابُ) ذمِّ (الهِجْرَةِ) بكسر الهاء وسكون الجيم، وهي مفارقةُ كلامِ أخيهِ المؤمن مع تلاقيهمَا، وإعراض كلِّ واحدٍ منهما عن الآخرِ عند اجتماعهمَا، لا مفارقة الوطنِ (وَقَوْلِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ:
стр. 10763
«وقول النَّبيِّ» (¬ ﷺ : لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ) ولأبي ذرٍّ: «ثلاثَ ليال» وهذا وصلهُ في هذا البابِ عن أبي أيوب [خ¦٦٠٧٣] [خ¦٦٠٧٤] [خ¦٦٠٧٥].
٦٠٧٣ - ٦٠٧٤ - ٦٠٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ) بالفاء، و «الطُّفَيْل» بضم الطاء المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية بعدها لام (هو ابن الحَارِثِ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «ابن مالك» ولفظ «هو ابن الحارث» كما في الفرع. وزاد في «الفتح» والنَّسفيِّ أيضًا، وعند الإسماعيليِّ من طريق عليِّ بن المدينيِّ من رواية صالح بن كَيسان، عن الزُّهريِّ: «حَدَّثني عوفُ بن الطُّفيل بن الحارث» وفي روايةِ مَعْمَر عنده أيضًا (١): «عوف بن الحارث بن الطُّفيل»، قال ابنُ المدينيِّ: والصَّواب عندِي وهو المعروفُ: عوف بن
стр. 10764
الحارث بن الطُّفيل بن سَخْبَرة (وَهو ابن أَخِي عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ لأُمِّهَا) أمُّ رومان بنت عامرٍ الكنانيَّة (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (حُدِّثَتْ) بضم الحاء المهملة مبنيًّا للمفعول، وللأَصيليِّ كما في «الفتح»: «حَدَّثته» قال: والأوَّل أصحُّ ويؤيِّدهُ أنَّ في (١) روايةِ الأوزاعيِّ أنَّ عائشةَ بلغهَا (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (قَالَ فِي بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ) وللأوزاعيِّ عند الإسماعيليِّ: «في دار لها (٢) باعتها، فسخط عبدُ الله بن الزُّبير ببيع تلك الدَّار فقال: أما» (وَاللهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ) عن بيع رِباعها (أَوْ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا) وفي «مناقبِ قريش» [خ¦٣٥٠٥] ممَّا سبق من طريق عروةَ، قال: كانتْ عائشةُ لا تمسكُ شيئًا فمَا جاءهَا من رزقِ الله تصدَّقتْ به. قال في «الفتح»: وهذا لا يخالف الَّذي هنا؛ لأنَّه يحتمل أن تكون باعت الرِّباع لتتصدَّق بثمنهَا (فَقَالَتْ) عائشةُ: (أَهُوَ) أي: عبدُ الله (قَالَ هَذَا) القول؟ (قَالُوا: نَعَمْ) قالهُ (قَالَتْ: هُوَ) أي: الشَّأن (لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، أَنْ لَا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا) وفي رواية الأوزاعيِّ المذكورة -بدل قوله: أبدًا- حتَّى يُفرِّق الموتُ بيني وبينهُ. قال السَّفاقِسيُّ: قولها: أن لا أكلِّمه تقديره عليَّ نذرٌ إن كلَّمتُّه (فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا) بالمهاجرين، كما في رواية عبد الرَّحمن (٣) بن خالدٍ، عند البخاريِّ في «الأدب المفرد» (حِينَ طَالَتِ الهِجْرَةُ) منها له أن تعفوَ عنه وتكلِّمه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حتَّى» بدل حين، والأوَّل هو الصَّواب، كما قاله في «الفتح» (فَقَالَتْ: لَا (٤) وَاللهِ لَا أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَدًا) بكسر الفاء المشددة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أحدًا» بدل أبدًا (وَلَا أَتَحَنَّثُ) بالمثلَّثة (إِلَى نَذْرِي) أي: لا أقبل الشَّفاعة فيه، ولا أتحنَّثُ في نذرِي، أي: يميني منتهيًا إليه (فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ) من هجرانهَا (عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السين المهملة، وفتح ميم «مَخْرمة» وسكون الخاء المعجمة (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ) بفتح التحتية وضم المعجمة وبعد الواو مثلثة (وَهُمَا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، وَقَالَ لَهُمَا: أَنْشُدُكُمَا) بفتح الهمزة وضم المعجمة والمهملة، أَسألُكما (بِاللهِ (٥) لَمَّا أَدْخَلْتُمَانِي
стр. 10765
عَلَى عَائِشَةَ (١)) بتشديد الميم في الفرع وتُخفَّف، وما زائدة وهي بمعنى ألا، أي: لا أطلبُ إلَّا الإدخال عليها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلَّا» بدل «لمَّا» (فَإِنَّهَا) أي: الحال، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فإنَّه» أي: الشَّأن (لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذُِرَ) بكسر المعجمة وضمها (قَطِيعَتِي) أي: قطع صلة رحمِي لأنَّه كان ابنَ أختها، وكانت تتولَّى تربيتهُ غالبًا، وللأوزاعيِّ فسألهمَا أنْ يشتملا عليهِ بأرديتهمَا (فَأَقْبَلَ بِهِ المِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلَيْنِ بِأَرْدِيَتِهِمَا حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ) ﵂ (فَقَالَا: السَّلَامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: ادْخُلُوا. قَالُوا: كُلُّنَا؟ قَالَتْ: نَعَمِ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ. وَ) هي (٢) (لَا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الحِجَابَ، فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ وَطَفِقَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فطفقَ» (يُنَاشِدُهَا) الله والرَّحم (وَيَبْكِي) وفي رواية الأوزاعيِّ فبكَى إليها، وبكَتْ إليه وقبَّلها (وَطَفِقَ) ولأبي ذرٍّ: «فطفق» (٣) (المِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلَّا مَا كَلَّمَتْهُ، وَقَبِلَتْ مِنْهُ) بسكون الفوقية فيهما وبكسرها بعد سكون سابقها (٤) (وَيَقُولَانِ) لها: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ) بكسر اللام وسكون الميم (مِنَ الهِجْرَةِ، فَإِنَّهُ) وفي نسخة: «وإنَّه» بالواو بدل الفاء (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ) المسلمَ (فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) بأيَّامها، والاعتبار بمضي الثَّلاث ملفَّقة، فإذا ابتدأت مثلًا من الظُّهر يوم السَّبت كان آخرها الظُّهر يوم الثُّلاثاء، أو يلغى الكسر، ويكون أولها من ابتداءِ اليوم أو اللَّيلة، لكنَّ الأوَّل أحوط. وقال النَّوويُّ: قال العلماءُ: تحرمُ الهجرةُ بين المسلمين أكثر من ثلاث ليالٍ بالنَّصِّ ويباحُ في الثَّلاث بالمفهوم، وإنَّما عفي (٥) عنه في ذلك لأنَّ الآدميَّ مجبولٌ على الغضبِ، فسومحَ بذلك القدرِ (٦) ليرجعَ ويزول ذلك العارضُ عنه (فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ مِنَ التَّذْكِرَةِ) أي: من التَّذكير بما جاءَ (٧) في فضلِ صلة الرَّحم والعفو وكظمِ الغيظِ (وَالتَّحْرِيجِ) بحاء مهملة آخره جيم، أي: الوقوعُ في الحرجِ لِمَا (٨) ورد في القطيعةِ من النَّهي
стр. 10766
(طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا) بضم الفوقية وفتح المعجمة وكسر الكاف مشددة (وَتَبْكِي) ولأبي ذرٍّ: «تذكِّرهما نذرهَا وتبكِي» (وَتَقُولُ) لهما: (إِنِّي نَذَرْتُ) أن لا أكلِّمه (وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا) الَّذي يسترُ رأسَها، وهو بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الميم. واختُلف في النَّذر إذا خرجَ مخرج اليمين مثل إن قال: إن كلَّمت فلانًا فلله عليَّ عتقُ رقبة، فهذا نذرٌ خرج مخرجَ اليمينِ لأنَّه قصدَ به منعَ نفسهِ عن الفعلِ، فإذا فعلَ ذلك وجبتْ (١) عليه كفَّارة اليمين، كما ذهبَ إليه الشَّافعيُّ وأكثر السَّلف، ويسمَّى نذر اللَّجاجِ. وقال المالكيَّة: إنَّما ينعقدُ النَّذر إذا كان في طاعةٍ كللَّهِ عليَّ أن أعتق أو أصلِّي، فإن كان في حرامٍ أو مكروهٍ أو مباحٍ فلا، وحينئذٍ فنذرُ ترك الكلام الصَّادر من عائشة في حقِّ ابن الزُّبير ﵄ يُفضي إلى التَّهاجر وهو حرامٌ أو مكروهٌ. وأُجيب بأنَّ عائشةَ رأتْ أنَّ ابن الزُّبير ارتكبَ بقولهِ: «لأحجرنَّ عليها» أمرًا عظيمًا لِمَا فيه من تنقيصِها، ونسبتهُ لها إلى التَّبذير الموجبِ لمنعها من التَّصرُّف مع ما انضاف إلى ذلك من كونها أمَّ المؤمنين وخالته أخت أمِّه، فكأنَّها رأت الَّذي صدرَ منه نوع عقوقٍ، فهو في معنى نهيهِ ﷺ المسلمين عن كلامِ كعبِ ابن مالكٍ وصاحبيهِ لتخلُّفِهم عن غزوةِ تبوك بغير عذرٍ عقوبةً لهم.
٦٠٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الكلاعيُّ الدِّمشقيُّ الأصل قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ الأعظم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد (٢) بن مسلمِ الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁،
стр. 10767
سقط لأبي ذرٍّ «ابن مالك» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبَاغَضُوا) بأن تتعاطَوا أسبابَ التَّباغض، أو لا تفعلُوا الأهواءَ المُضلَّة المقتضيةِ للتَّباغض (وَلَا تَحَاسَدُوا) بأن يتمنَّى أحدُكم زوالَ النِّعمة عن أخيهِ (وَلَا تَدَابَرُوا) بإسقاطِ إحدى التَّاءين في الثَّلاثة، والتَّدابر التَّهاجر (وَكُونُوا) يا (عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا) باكتسابِ ما تصيرونَ به إخوانًا (وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ) المسلم (فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) بأيَّامها.
والحديثُ سبقَ قريبًا في «باب التَّحاسد» [خ¦٦٠٦٥].
٦٠٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ) المدنيِّ، نزيل الشَّام (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بنِ زيد (١) (الأَنْصَارِيِّ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ) في الإسلامِ (فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) بأيَّامها (٢)، وظاهره -كما مرَّ-[خ¦٦٠٧٣] إباحةُ ذلك في الثَّلاث لأنَّ الغالب أنَّ ما جُبل عليه الإنسانُ من الغضبِ وسوءِ الخلق يزولُ من المؤمن أو يقلُّ بعد الثَّلاث، والتَّعبير بأخيهِ فيه إشعارٌ بالعلِّية (يَلْتَقِيَانِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فيلتقيان» بزيادة فاء في أوَّله (فَيُعْرِضُ هَذَا) عن أخيهِ المسلم (وَيُعْرِضُ هَذَا) الآخر كذلك، و «يُعرض» بضم التحتية فيهما، والجملة استئنافيَّة بيان لكيفيَّة الهجران، ويجوزُ أن يكون حالًا من فاعلِ (٣) «يهجرُ» ومفعوله معًا (وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ (٤)) أخاهُ (بِالسَّلَامِ) عطفٌ على الجملةِ السَّابقة من حيثُ المعنى لِمَا يُفهم منها أنَّ ذلك الفعل ليس بخيرٍ، وعلى القولِ بأنَّ الأولى حالٌ، فهذه الثَّانية عطفٌ على قولهِ: لا يحلُّ. وزاد الطَّبرانيُّ من طريقٍ أُخرى عن الزُّهريِّ -بعد قولهِ: بالسَّلام- «يسبق إلى
стр. 10768
الجنَّة». ولأبي داود بسندٍ صحيحٍ عن أبي هريرة ﵁ «فإن مرَّت به ثلاث فلقيهُ فليسلِّم (١) عليه، فإن ردَّ فقد اشتركا في الأجرِ، وإن لم يرُدَّ فقد باءَ بالإثمِ، وخرج المسلِّمُ من الهجرة». وقال في «المصابيح»: حاول بعض النَّاس أن يجعلَ هذا دليلًا على فرعٍ ذكروا أنَّه مُستثنى من القاعدةِ المشهورة، وهي أنَّ الفرضَ أفضلُ من النَّفل، وهذا الفرعُ المستثنى هو الابتداء بالسَّلام فإنَّه سنَّة والردُّ واجبٌ. قال بعض النَّاس: والابتداءُ أفضل لقولهِ ﷺ : «وخيرُهما الَّذي يبدأُ بالسَّلام». واعلم أنَّه ليس في الحديث أنَّ الابتداءَ خيرٌ من الجواب، وإنَّما فيه أنَّ المبتدئ خيرٌ من المجيب، وهذا لأنَّ المبتدئ فعل حسنةً وتسبَّب إلى فعل حسنةٍ، وهي الجواب مع ما دلَّ عليه الابتداءُ من حُسِن طويَّة المبتدئ، وترك ما يكرهه الشَّارع من الهجرِ والجفاءِ، فإنَّ الحديث وردَ في المسلِمَين «يلتقيانِ فيُعرض هذا ويعرضُ هذا»، وكان المبتدئُ خيرًا من حيث إنَّه مبتدئٌ بتركِ ما كرههِ الشَّارع من التَّقاطع لا من حيث إنَّه يسلِّم. انتهى.
وقال الأكثرون: تزولُ الهجرة بمجرَّد السَّلام وردِّه، وقال الإمام أحمدُ: لا يبرأُ من الهجرة إلَّا بعودهِ إلى الحال الَّتي كان عليها أوَّلًا.
(٦٣) (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الهِجْرَانِ لِمَنْ عَصَى) (٢) لينتهيَ عن عصيانهِ (وَقَالَ كَعْبٌ) هو: ابنُ مالك الأنصاريُّ، كما سبق موصولًا في حديثه الطَّويل في أواخر «المغازي» [خ¦٤٤١٨] (حِينَ تَخَلَّفَ) في غزوة تبوك (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا) زاد في «غزوة تبوك» [خ¦٤٤١٨]: أيُّها الثَّلاثة من بين مَن تخلَّف عنه، فاجتنبَنَا النَّاسُ … الحديث، وسمَّى الاثنين فيه، وهما: مرارةُ بن الرَّبيع وهلالُ بن أميَّة (وَذَكَرَ) أنَّ زمان هجرةِ المسلمين عنهم كان (٣) (خَمْسِينَ لَيْلَةً) قال الطَّبريُّ: وهذه القصَّةُ أصلٌ في هجرانِ أهل المعاصي، أي: نحو الفاسق والمبتدع، وإنَّما لم يهجرِ الكافرَ مع كونهِ أشدَّ جرمًا؛ لأنَّ الهجرة تكون بالقلبِ واللِّسان، فالكافرُ بالقلبِ
стр. 10769
وترك التَّودد (١) والتَّعاون والتَّناصر، ولم يشرعْ هجرانهُ بالكلامِ لعدم ارتداعهِ به عن كفرهِ، بخلافِ المسلم العاصِي فإنَّه ينزجرُ بذلك غالبًا.
٦٠٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو: ابنُ سلام قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ (٢)) بفتح العين وسكون (٣) الموحدة، ابنُ سليمان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنِّي لَأَعْرِفُ غَضَبَكِ وَرِضَاكِ. قَالَتْ: قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وقلت»: (وَكَيْفَ تَعْرِفُ ذَاكَ) الغضب والرِّضا منِّي (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ : (إِنَّكِ إِذَا كُنْتِ رَاضِيَةً قُلْتِ: بَلَى) ولأبي ذرٍّ: «لا» (وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ سَاخِطَةً قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ. قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ لَسْتُ أُهَاجِرُ إِلَّا اسْمَكَ (٤)) بفتح الهمزة والجيم وتخفيف اللام، كنَعم وزنًا ومعنًى، إلَّا أنَّ نعم أحسنُ في جواب الاستفهامِ، وأجل أحسنُ في (٥) التَّصديق، قاله الأخفشُ. فإن قلتَ: الغضبُ على النَّبيِّ ﷺ معصيةٌ كبيرةٌ. أُجيب بأنَّ الحاملَ لعائشةَ على ذلك إنَّما هو الغيرة الَّتي جُبلتْ عليها النِّساء، وهي لا تنشأُ (٦) إلَّا عن فرطِ المحبَّة، فلمَّا كان غضبهَا ذلك لا يستلزمُ البغضَ اغتفر، وقد دلَّ قولها ﵂: لا أهجر إلَّا اسمكَ، على أنَّ قلبهَا مملوءٌ بمحبَّته ﷺ .
والحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الفضائل».
стр. 10770
(٦٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (هَلْ يَزُورُ) الشَّخص (صَاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ) يزورهُ (بُكْرَةً) من طلوع الشَّمس إلى زوالها (وَعَشِيًّا؟) من الزَّوال إلى العتمةِ، وقد قيل: إلى الفجرِ، وسقطَتِ الهمزة من قولهِ: «أو» لأبي ذرٍّ، فالواو مفتوحةٌ وهذا لا يعارضُ حديث: «زُرْ غبًّا تزدَدْ حبًّا» المرويُّ عند الحاكم في «تاريخ نيسابور» والخطيبِ في «تاريخ بغداد» وغيرهما من طرق لأنَّ عمومه يقبل التَّخصيص، فيحملُ على من ليستْ له خصوصيَّة ومودَّةٌ ثابتةٌ، فلا تنقص (١) كثرةُ زيارتهِ من منزلتهِ، كالصَّديق (٢) الملاطفِ، كما قال ابنُ بطَّال: لا تزيدهُ كثرةُ الزِّيارة إلَّا محبَّةً بخلافِ غيره.
٦٠٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (٣) (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوْسَى) الفرَّاء أبو إسحاق الرَّازيُّ الصَّغير، وسقط قوله: «ابن موسى» لغير أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو: ابنُ يوسف (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (ح) لتحويل السَّند (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا سبق موصولًا في «باب الهجرة إلى المدينة» [خ¦٣٩٠٥] وسقطَت «حاء» التَّحويل من الفرع (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابن خالدٍ الأيليُّ (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي (٤)) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) سقط قوله: «زوج … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، أنَّها (قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ) بكسر القاف (أَبَوَيَّ) أبا بكر وأمَّ رومان (إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ) بكسر الدال المهملة (٥)، دين الإسلام (وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِمَا) على
стр. 10771
أبوي، وفي نسخة: «علينا» (يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وعشيًّا» وهذا موضع التَّرجمة كما لا يخفى، وليس في الحديث ما يمنع أنَّ أبا بكر ﵁ كان يجيءُ إلى النَّبيِّ ﷺ في النَّهار واللَّيل أكثر ممَّا كان ﷺ يأتيهِ، ولعلَّ منزل أبي بكرٍ كان بين منزلِ النَّبيِّ ﷺ وبين المسجد، فكان يمرُّ به والمقصود (١) المسجد (فَبَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ: «فبينا» (نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) بالحاء المهملة الساكنة، أوَّل الزَّوال عند شدَّة الحرِّ (قَالَ قَائِلٌ) قيل: هو (٢) مولى أبي بكر عامر ابن فُهَيرة، وفي الطَّبرانيِّ: أسماء بنت أبي بكر (هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (مَا جَاءَ بِهِ) ﷺ (فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ) حدث (قَالَ) ﷺ بعد أن دخل: (إِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي) وسقطَ لفظ «قد» لأبي ذرٍّ (بِالخُرُوجِ) إلى المدينة، ولأبي ذرٍّ: «في الخروجِ» بدل الباء الموحدة، وفي «فتح الباري»: إنَّ هذا السِّياق كأنَّه سياق مَعمر. قال: وأمَّا رواية عُقيلٍ فلفظه في «باب الهجرةِ إلى المدينةِ» [خ¦٣٩٠٥] عن ابن شهابٍ: أخبرني عروةُ عن عائشة قالت: «لم أعقلْ … » إلى آخره.
(٦٥) (بابُ) مشروعيَّة (الزِّيَارَةِ، وَمَنْ زَارَ قَوْمًا فَطَعِمَ) بكسر العين، أي: أكل (عِنْدَهُمْ) ولو يسيرًا إذ فيه زيادة المحبَّة وثبوت المودة (وَزَارَ سَلْمَانُ) الفارسيُّ (أَبَا الدَّرْدَاءِ) عويمر الأنصاريَّ (فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَكَلَ عِنْدَهُ) وهذا طرفٌ من حديثِ أبي جُحَيفة السَّابق موصولًا في «الصِّيام» [خ¦١٩٦٨].
٦٠٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) السُّلميُّ مولى
стр. 10772
البِيْكَنْدِيُّ -بكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الكاف بعدها نون ساكنة ودال مهملة مكسورة-، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيدِ الثَّقفيُّ (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) بفتح الحاء المهملة والذال المعجمة المشددة ممدودًا (عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ) أخي محمَّد بن سيرين (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ زَارَ أَهْلَ بَيْتٍ فِي) ولأبي ذرٍّ: «من» (الأَنْصَارِ) هم أهل بيتِ عِتْبان بن مالك (فَطَعِمَ) أكلَ (عِنْدَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أراد الخُروج» (أَمَرَ) ﵊ (بِمَكَانٍ مِنَ البَيْتِ، فَنُضِحَ) بضم النون وكسر الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة، رُشَّ (لَهُ) بالماءِ (عَلَى بِسَاطٍ) أي: حصيرٍ، كما في طريقِ أخرى (فَصَلَّى) ﵊ (عَلَيْهِ، وَدَعَا لَهُمْ) أي: لأهلِ البيت، وفي التِّرمذيِّ وحسَّنه وابن حبَّان وصحَّحه حديث أبي هريرةِ رفعه: «مَن عادَ مريضًا، أو زارَ أخًا له (١) في الله (٢) ناداهُ منادٍ: طِبتَ وطابَ ممشاكَ وتبوَّأت من الجنَّة منزلًا».
والحديثُ سبق في «صلاة الضُّحى» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦١١٧٩].
(٦٦) (بابُ مَنْ تَجَمَّلَ) بالجيم والميم المشددة، أي: تحسَّن بأحسنِ الثِّياب والزِّيِّ الحسنِ المباح (لِلْوُفُودِ) بضم الواو، أي: لأجلِ الجماعةِ الواردين عليهِ.
стр. 10773
٦٠٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (١) (أَبِي) عبد الوارث (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الحضرميُّ البصريُّ (قَالَ: قَالَ لِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُمر: (مَا الإِسْتَبْرَقُ؟ قُلْتُ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيبَاجِ وَخَشُنَ مِنْهُ) بالخاء المفتوحة والشين المضمومة المعجمتين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وحَسُن» بالمهملتين، وفي الفرع بهامشهِ لعله: «وثَخُن» بالمثلثة والخاء المعجمة، فليُحرَّر (قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (عَبْدَ اللهِ) بن عمر (يَقُولُ: رَأَى عُمَرُ) ﵁ (عَلَى رَجُلٍ) هو عطاردُ بن حاجب التَّميميُّ (حُلَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ فَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْتَرِ هَذِهِ) الحلَّة (فَالبَسْهَا) بهمزةِ وصلٍ وفتح الموحدة (لِوَفْدِ النَّاسِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ. فَقَالَ) ﷺ : (إِنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ) مستحلًّا له (مَنْ لَا خَلَاقَ) أي: نصيب (لَهُ) في الآخرةِ (فَمَضَى فِي) ولأبي ذرٍّ: «من» (ذَلِكَ مَا مَضَى، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَيْهِ) إلى عمر (بِحُلَّةٍ) من إستبرقٍ (فَأَتَى) عمر (بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ) الحلَّة (وَقَدْ قُلْتَ فِي مِثْلِهَا مَا قُلْتَ؟ قَالَ) ﵊: (إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ) بها (لِتُصِيبَ بِهَا مَالًا) بنحو البيعِ، وثبت: «بها» في قولهِ: لتُصيب بها للحَمُّويي والمُستملي (فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ العَلَمَ) بفتح العين واللَّام، الحريرَ (فِي الثَّوْبِ لِهَذَا الحَدِيثِ) ورعًا منه ﵁.
والحديثُ سبق في «اللِّباس» في «باب الحرير للنِّساء» [خ¦٥٨٤١].
(٦٧) (بابُ الإِخَاءِ) بكسر الهمزة، أي: المؤاخاة (وَالحِلْفِ) بكسر الحاء المهملة وسكون اللام بعدها فاء، العهدُ يكون بين القومِ.
(وَقَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ) بتقديم الجيم المضمومة على المهملة المفتوحة، وهب بن عبد الله السُّوائيُّ، نزيل الكوفة (آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ) الفارسيِّ (وَ) بين (أَبِي الدَّرْدَاءِ) عويمر الأنصاريِّ، أي: جعلهما أخوينِ، وهذا التَّعليق طرفٌ من حديثٍ سبقَ في «باب الهجرة إلى المدينة» [خ¦١٩٦٨] (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي
стр. 10774
وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) هو طرفٌ من حديث سبقَ في «فضائل الأنصارِ» [خ¦٣٧٨٠] وذكر غير واحدٍ أنَّه ﷺ آخى بين أصحابهِ مرَّتين مرَّةً بين المهاجرين فقط، وأُخرى بين المهاجرين والأنصار.
٦٠٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ المدينة (فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) بفتح الراء وكسر الموحدة، الأنصاريِّ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لما جاءَهُ عبد الرَّحمن وعليه أثرُ صفرةٍ، وقال له النَّبيُّ ﷺ : «تزوَّجت؟» قال: نعم (أَوْلِمْ) أي: اتَّخذ وليمةً للعرس ندبًا (وَلَوْ بِشَاةٍ).
والحديثُ سبق تامًا في أوائل (١) «البيع» [خ¦٢٠٤٨].
٦٠٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ) بفتح الصاد المهملة والموحدة المشددة وبعد الألف حاء مهملة، الدُّولابيُّ أبو جعفر البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مرَّة الخُلْقَانيُّ -بضم الخاء المعجمة وسكون اللام بعدها قاف- الكوفيُّ لقبه شَقُوْصًا -بفتح الشين المعجمة وضم القاف الخفيفة وبعد الواو صاد مهملة فألف- قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هو ابنُ سليمان الأحول (قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁: (أَبَلَغَكَ) بهمزة الاستفهام (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ؟) لأنَّ الحِلْفَ للاتِّفاق، والإسلام قد جمعهم وألَّف بين قلوبهم فلا حاجةَ إليه، وكانوا في الجاهليَّة يتعاهدونَ على نصرِ الحليفِ ولو كان ظالمًا، وعلى أخذِ الثَّأر من القبيلةِ بسببِ قتل واحدٍ منها، ونحو ذلك (فَقَالَ) أنسٌ ﵁: (قَدْ حَالَفَ) أي: آخَى (النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَ) بين (الأَنْصَارِ فِي دَارِي) أن ينصروا المظلومَ، ويقيموا الدِّين، فالمنفيُّ معاهدةُ
стр. 10775
الجاهليَّة، والمثبت ما عدَاها من نصرِ المظلوم وغيره ممَّا جاء به الشَّرع فلا تعارضَ، وحديث «لا حلْفَ في الإسلام» أخرجه مسلمٌ في «صحيحه» عن جبيرِ بن مُطعم مرفوعًا بلفظ: «لا حلْفَ في الإسلامِ، وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهليَّةِ لم يزدهُ الإسلام إلَّا شدَّةً».
وحديثُ البابِ سبق في «الكفالة» [خ¦٢٢٩٤].
(٦٨) (بابُ) إباحة (التَّبَسُّمِ) وهو ظهورُ الأسنانِ بلا صوتٍ (وَالضَّحِكِ) وهو ظهورُها مع صوتٍ لا يسمعَ من بعد، فإن سمعَ من بَعُد فقهقهةٌ (وَقَالَتْ فَاطِمَةُ) الزَّهراء ﵍: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: في مرضِ موته أنِّي أوَّل أهلهِ لُحُوقًا به (فَضَحِكْتُ) وهذا طرفٌ من حديثٍ سبقَ في «الوفاة النَّبويَّة» [خ¦٤٤٣٣] (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما (١) وصله في «الجنائز» [خ¦١٢٨٨] (إِنَّ اللهَ) (هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىَ) لأنَّه المؤثِّر في الوجودِ لا غيره.
٦٠٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو: ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رِفَاعَةَ القُرَظِيَّ) بكسر الراء وتخفيف الفاء، و «القُرَظِيُّ»: بضم القاف وفتح الراء وكسر الظاء المعجمة، نسبةً
стр. 10776
إلى قُريظة بن الخزرج (طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) تميمةَ بنت وهب (١)، وقيل: سهيمة (٢) -بالسِّين-، وقيل: أُميمة بنت الحارث، وقيل: عائشة بنت عبد الرَّحمن بن عتيك (فَبَتَّ) بالموحدة والفوقية المشددة، أي: قطعَ (طَلَاقَهَا) أي: قطع عصمتَها بأن طلَّقها ثلاثًا (فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الزَّبِيرِ) بفتح الزاي وكسر الموحدة بعدها تحتية ساكنة فراء، ابن بَاطَيَا (٣) القُرَظيُّ (فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ) القرظيَّ (فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، وَإِنَّهُ وَاللهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللهِ) من الفرجِ (إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ الهُدْبَةِ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة (لِهُدْبَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ) طرف (٤) (جِلْبَابِهَا) الَّذي لم يُنسج، شُبِّه بهُدْبِ العين وهو شعرُ جفنهَا، والتَّشبيه به لصغرهِ، أو لاسترخائهِ وعدمِ انتشارهِ، وهو الظَّاهر (قَالَ: وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ (٥) ﷺ ، وَابْنُ سَعِيدِ ابْنِ العَاصِ) خالد القرشيُّ الأمويُّ (جَالِسٌ بِبَابِ الحُجْرَةِ لِيُؤْذَنَ لَهُ) مبنيٌّ للمفعول في الدُّخول (فَطَفِقَ خَالِدٌ) بن سعيدٍ المذكور (يُنَادِي أَبَا بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التَّبَسُّمِ) وهذا موضعُ التَّرجمة (ثُمَّ قَالَ) ﷺ لها: (لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى) عصمةِ (رِفَاعَةَ، لَا) رجوعُ لك إليه (حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ) أي: عسيلةَ عبد الرَّحمن بن الزَّبير (وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ) إذا قدرَ، والعسيلةُ الجماعُ، شبَّه لذَّتهُ بلذَّة العسلِ وحلاوتهِ، وليس الإنزالُ بشرطٍ، كما قُرِّر في محلِّه [خ¦٢٦٣٩].
стр. 10777
٦٠٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) بن سعد بن إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، مؤدِّب ولد عُمر بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الخَطَّابِ) كان واليًا على الكوفة لعمر بنِ عبد العزيز (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدِ بن أبي وقَّاصٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ) من أزواجهِ (مِنْ قُرَيْشٍ) عائشة وحفصة وأمُّ سلمة وزينب بنت جحش وغيرهنَّ، حال كونهنَّ (يَسْأَلْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ) أي: يطلبْنَ منه أكثرَ ممَّا يُعْطيهنَّ، حال كونهنَّ (عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ) ولأبي ذرٍّ: «عاليةٌ» بالرَّفع على الصِّفة، أو خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هنَّ رافعةٌ (١) أصواتهنَّ (عَلَى صَوْتِهِ) يحتملُ أن يكون ذلك قبل النَّهي عن رفع الصَّوت على صوتهِ، أو كان ذلك من طبعهنَّ (فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ) ﵁ في الدُّخول (تَبَادَرْنَ الحِجَابَ) أي: أسرعنَ إليه (فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَدَخَلَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَضْحَكُ) من فعلهنَّ، والواو للحال (فَقَالَ) له عمرُ: (أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ) هو دعاءٌ بالسُّرور الَّذي هو لازم الضَّحك لا دعاءَ بالضَّحك (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) أفديكَ (فَقَالَ) ﷺ : (عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ) النِّسوة (اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي) يرفعنَ أصواتهنَّ (لَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ تَبَادَرْنَ) ولأبي ذرٍّ: «فتبادرن» (الحِجَابَ، فَقَالَ: أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ) عمر (عَلَيْهِنَّ، فَقَالَ: يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي) بفتح الهمزة والفوقية والهاء وسكون الموحدة وفتح النون الأولى وكسر الثانية (وَلَمْ تَهَبْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْنَ) له: (إِنَّكَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بالظاء المعجمة فيهما، وصيغةُ أفعل ليست على بابها لحديث: «ليس بفظٍّ ولا غليظٍ» [خ¦٢١٢٥]
стр. 10778
وحينئذٍ فلا تعارضَ بين الحديث وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولا يشكل بقوله: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] فالنَّفي بالنِّسبة لما جبلَ عليه، والأمر محمولٌ على المعالجةِ، أو النَّفي بالنِّسبة إلى المؤمنينِ والأمر بالنِّسبة إلى الكفَّار والمنافقين (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِيهٍ) بكسر الهمزة وسكون التحتية وتنوين الهاء، حَدِّثنا ما شئتَ وأعرضْ عن الإنكارِ عليهنَّ (يَا ابْنَ الخَطَّابِ) وقال الطِّيبيُّ: «إيهٍ»، استزادةٌ منه في طلبِ توقيرهِ ﷺ وتعظيمِ حاله (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا) بالجيم المشددة، طريقًا واسعًا (إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ) الَّذي تسلكهُ فرقًا (١) منك.
والحديثُ سبق في «باب صفة إبليس وجنوده» [خ¦٣٢٩٤] وفي «مناقب عمر» [خ¦٣٦٨٣].
٦٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ أبو رجاءٍ البَغْلانيُّ -بالموحدة وسكون الغين المعجمة-، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينار (عَنْ أَبِي العَبَّاسِ) السَّائب الشَّاعر المكيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص، وللمُستملي والكُشميهنيِّ في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقتِ وابنِ عساكرَ: «عن عبد الله بن عُمر» -بضم العين (٢) - ابن الخطَّاب، وهو الصَّواب، أنَّه (قَالَ: لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالطَّائِفِ) في غزوتها (قَالَ: إِنَّا قَافِلُونَ) أي: راجعونَ (غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «معًا» (فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «من أصحابِ النَّبيِّ» (¬ ﷺ : لَا نَبْرَحُ أَوْ نَفْتَحَهَا) بنصب (٣) حاء «نفتحَها» بالفرع، أي: لا نفارقُ إلى أن نفتحَها. قال السَّفاقِسيُّ:
стр. 10779
بالرَّفع ضبطناهُ والصَّواب النَّصب؛ لأنَّ «أو» إذا كانت بمعنى حتَّى أو إلى نصبَتْ، وهي هنا كذلك (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَاغْدُوا عَلَى القِتَالِ) بهمزة وصل وغين معجمة (قَالَ: فَغَدَوْا فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا وَكَثُرَ فِيهِمُ) أي: في المسلمين (الجِرَاحَاتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ. قَالَ: فَسَكَتُوا فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) تعجُّبًا من قولهِم الأوَّل وسكوتهم في الثَّاني (قَالَ الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير المكيُّ شيخ المؤلِّف: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة، الحديث (كُلَّهُ بِالخَبَرِ) أي: بلفظِ الإخبار في جميع السَّندِ لا بلفظ العنعنةِ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بالخبر كلِّه» بتقديم الخبر على كلِّه، أي: حَدَّثنا بجميعهِ مُستوفى، وهذا وصله الحميديُّ في مسند عبدِ الله بن عُمر من (١) «مسنده».
٦٠٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبُوذَكيُّ -بفتح الفوقية وضم الموحدة وسكون الواو وفتح المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بنُ سعد بنِ إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرحمن: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ) أعرابيٌّ (النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ) أي: فعلتُ ما هو سببٌ لهلاكي، وذلك أنِّي (وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي) أي: وطئتُ امرأتي (فِي رَمَضَانَ) وأنا صائمٌ (قَالَ) ﷺ : (أَعْتِقْ) بفتح الهمزة وكسر الفوقية (رَقَبَةً. قَالَ: لَيْسَ لِي) ما أعتقُ به رقبةً (قَالَ) له ﷺ : (فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) ظرف زمانٍ، مفعول على السِّعة بتقديرِ زمن شهرين، ومتتابعين صفتهُ (قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ) ذلك (قَالَ) ﵊: (فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قَالَ: لَا أَجِدُ) ما أطعمهم (فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ (٢)) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بِعَرَقٍ) بفتح العين
стр. 10780
المهملة والراء، وتسكَّن (فِيهِ تَمْرٌ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ) بن سعد -بالسَّند السَّابق-: (العَرَقُ) هو (المِكْتَلُ) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الفوقية، من الخُوص وهو يجمعُ (١) خمسة عشر صاعًا، وأخذ من ذلك أنَّ إطعام كلِّ مسكينٍ مدٌّ؛ لأنَّ الصَّاع أربعةُ أمدادٍ، وقد أمرَ بصرف هذه الخمسة عشر صاعًا إلى ستِّين، وقسمة خمسة عشر على ستِّين كلُّ واحدٍ ربع صاعٍ وهو مدٌّ (فَقَالَ) ﷺ : (أَيْنَ السَّائِلُ؟) قال: أنا. قال: (تَصَدَّقْ بِهَا) أي: الصِّيعان (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بهذا» أي: التَّمر على المساكين. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي) متعلِّقٌ بفعلٍ محذوفٍ يدلُّ عليه الكلام، أي: أتصدَّقُ به على أفقر منِّي، أي: على أحدٍ أفقرَ منِّي، فهو قائمٌ مقامَ موصوفهِ، وحذف همزةِ الاستفهام كثيرٌ، والفعل لدَلالة «تصدَّق بها» عليه (وَاللهِ) ولأبي ذرٍّ: «فوالله» (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) تثنية: لابةٍ، بتخفيف الموحدة من غير همزةٍ، يريد: الحرَّتين، وهما أرضٌ ذات حجارةٍ سود، وللمدينةِ حرَّتان هي بينهما (أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا) «أهل بيتٍ» مبتدأ، والخبرُ في «بين» (٣)، والعاملُ [فيها] (٤) و «أفقرُ» صفة للمبتدأ، أو خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي (٥): هم أفقرُ أهلِ بيتٍ هذا على أنَّ «ما» تميميَّةٌ، وإن جعلتَهَا حجازيَّة، فأهل بيتٍ اسمها، وأفقرَ خبرُها، والظَّرف متعلِّقٌ بالخبرِ وهو أفعلُ، وذلك جائزٌ في أفعل، نحو قولك: زيدٌ عندكَ (٦) أفضلُ من عَمرو، ولا يبطلُ عملُ ما بالفصلِ بمعمولِ (٧) الخبرِ نحو قولك: ما عندِي زيدٌ قائمًا، قاله ابنُ مالكِ وغيره، كما في «العدة» لابن فرحون (فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ¬)
стр. 10781
تعجبًا (١) من حالِ الرَّجل؛ لكونه جاء أوَّلًا هالكًا، ثمَّ انتقلَ لطلب الطَّعام لنفسهِ وعيالهِ، أو من رحمةِ الله به وسعتهِ عليه، والضَّحِك غير التَّبسُّم. وأمَّا قوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ [النمل: ١٩] فقال في «الكشاف»: فتبسَّم شارعًا في الضَّحك. وقال أبو البقاء: ﴿ضَاحِكًا﴾ حالٌ مؤكِّدة. وقال صاحب «الكشف»: هي (٢) حالٌ مقدَّرة، أي: فتبسَّم مقدرًا الضَّحك، ولا يكون محمولًا على الحال المطلق؛ لأنَّ التَّبسُّم غير الضَّحك فإنَّه ابتداء الضَّحك، وإنَّما يصير التَّبسُّم ضحكًا إذا اتَّصل ودام فلا بدَّ فيه من هذا التَّقدير، وأكثرُ ضحِكِ الأنبياء التَّبسُّم، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «النَّبيُّ … » إلى آخره (٣) (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالجيم والذال المعجمة، وهي من الأسنان الضَّواحك، وهي الَّتي تبدو عند الضَّحك، والأكثرُ (٤) الأشهر أنَّها أقصى الأسنان، والمراد الأوَّل؛ لأنَّه ما كان يبلغ به الضَّحك حتى يبدوَ آخر أضراسهِ، ولو أريد الثَّاني لكان مبالغةً في الضَّحك من غير أن يرادَ ظهور نواجذِهِ في الضَّحك، وهو أقيسُ لاشتهارِ النَّواجذ بأواخرِ الأسنان، وإليه الإشارةُ بقول الزَّمخشريِّ، والغرضُ المبالغة في وصفِ ما وُجِدَ من الضَّحك النَّبويِّ، قاله الطِّيبيُّ (قَالَ) ﷺ للرَّجل: (فَأَنْتُمْ إِذًا (٥)) جواب وجزاء، أي: إن لم يكن أفقر منكُم فكلُوا أنتم حينئذٍ، وهذا على سبيلِ الإنفاقِ على العيالِ؛ إذ الكفَّارة إنَّما هي على سبيلِ التَّراخي، أو هو على سبيلِ التَّكفير فهو خصوصيَّةٌ له.
والحديثُ سبقَ في «باب المجامع في رمضان» من «كتاب الصَّوم» [خ¦١٩٣٧].
стр. 10782
٦٠٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ) سقط «الأويسيُّ» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ) عمِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «مع النَّبيِّ» (¬ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ) بضم الموحدة وسكون الراء، نوع من الثِّياب، ولمسلم من طريق الأوزاعيِّ: «وعليه رداء» (نَجْرَانِيٌّ) بفتح النون وسكون الجيم بعدها راء فألف فنون، منسوبٌ إلى بلدٍ بين الحجاز واليمن (غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ) من أهلِ البادية (فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ) بجيم فموحدة فمعجمة مفتوحات (جَبْذَةً شَدِيدَةً. قَالَ أَنَسٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فيها» (حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ) ولمسلم من طريق همَّام: «حتَّى انشقَّ البردُ وذهبت حاشيته» (مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي) بضم الميم وسكون الراء، وفي رواية الأوزاعيِّ: أعطنَا (مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالتَفَتَ إِلَيْهِ) صلوات الله وسلامه عليه (فَضَحِكَ) زادهُ الله شرفًا لديه (ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ) وفيه بيانُ حِلْمهِ وصبرهِ على الأذى في النَّفس والمالِ ﷺ .
والحديث مضى في «الخمس» [خ¦٣١٤٩] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٠٩].
٦٠٨٩ - ٦٠٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (ابْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون وفتح الميم وسكون التحتية بعدها راء، هو محمَّد بن عبد الله بن نُمير قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ) عبد الله الأوديُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالد (عَنْ قَيْسٍ) هو: ابنُ أبي حازم (عَنْ جَرِيرٍ) هو: ابنُ
стр. 10783
عبد الله البَجْليِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ ¬) من دخولي على مجلسهِ المختصِّ بالرِّجال (مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي) وفي «المناقب»: إلَّا ضحكَ [خ¦٣٨٢٢].
(وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ) لفظٌ شاملٌ للثَّبات على الخيلِ وعلى غيرها (١) (وَاجْعَلْهُ هَادِيًا) لغيره (مَهْدِيًّا) في نفسهِ، بفتح الميم وسكون الهاء (٢).
والحديثُ سبقَ في «الجهاد» [خ¦٣٠٢٠] [خ¦٣٠٣٦] وفي «فضل (٣) جرير» [خ¦٣٨٢٣].
٦٠٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ) هند (عَنْ) أمِّها (أُمِّ سَلَمَةَ) زوج النَّبيِّ ﷺ (أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ) بضم السين وفتح اللام، الرُّميصَاء -بالصاد المهملة-، مصغَّرًا، وهي أمُّ أنسٍ وزوج أبي طلحة الأنصاريِّ (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ) بسكون الحاء، بوزن: يستفعل، وماضيه استحيا، ولم يستعملْ مجرَّدًا عن السين والتاء. وقال الزَّمخشريُّ: يقال: منه حيي، فعلى هذا يكون استفعلَ فيه موافقًا للفعل المجرَّد، وقد جاء استفعلَ لاثني عشر معنًى: للطَّلب نحو: نستعينُ، وللإيجاد كاستبعده، وللتَّحويل كاستأنسَ. والجمهور في يستحْيِي بياءين، وعليه أكثرُ القرَّاء، وقرأ ابن مُحيصن بياءٍ واحدةٍ من استحى يستحِي فهو مستحٍ (٤)، مثل: استَقَى يستقِي، وهي: لغةُ تميمٍ
стр. 10784
وبكرِ بنِ وائلٍ، أصله: يستحيي بياءين (١) نقلتْ حركة الأولى إلى الحاءِ فسكنتْ، ثمَّ استثقلتِ الضَّمة على الثَّانية فسكنتْ، فحذفتْ إحداهما للالتقاءِ، والجمع: مُستحون ومُسْتحين، قاله الجوهريُّ. ونقلَ بعضُهم أنَّ المحذوفَ هنا مختلفٌ فيه، فقيل: عينُ الكلمةِ، فوزنه يستفلُّ، وقيل: لامها فوزنهُ يستفع، ثمَّ نقلت حركة اللَّام على القول الأوَّل، وحركةُ العينِ على القول الثَّاني إلى الفاء وهي الحاء، ومن الحذف قوله:
أَلَا يَسْتَحِي مِنَّا المَلِيْكُ وَيَتَّقِي … مَحَارِمَنَا لَا يَبُوْءُ (٢) الدَّمُ بِالدَّمِ
والمعنى إنَّ الله لا يمتنع من أجل بيان الحقِّ، أي: وأنا أيضًا لا أمتنعُ من السُّؤال عمَّا أنا محتاجةٌ إليه ممَّا يستحي (٣) النِّساء في العادة من (٤) السُّؤال عنه، وذكره بحضرة الرِّجال والمستحِي يمتنعُ من فعل ما استحيا منه، فالامتناعُ من لوازم الحياءِ، فيطلقُ الحياء على الامتناعِ إطلاقًا لاسم الملزومُ على اللَّازم، والحياءُ هو خجلُ النَّفس وأصله الانقباض عن الشَّيء والامتناعُ منه خوفًا من مواقعةِ القبيح، ولا ريب أنَّ هذا محالٌ على الله تعالى (هَلْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فهَل» (عَلَى المَرْأَةِ غَسْلٌ) بفتح الغين المعجمة، مصدر غَسل يَغْسل، وبالضَّم الاغتسال، فيقرأُ بالوجهين في كلِّ موضعٍ يقال فيه: وجبَ أو يستحبُّ، أو من سنَّة الغسلِ، والفتحُ أشهر، لكن قال النَّوويُّ: سألت ابن مالكَ فقال: إذا أريد الاغتسال فالمختار ضمُّه، ويجوز فتحه على إرادةِ أنَّه يغسل يديه غسلًا، وقد يطلق الغُسلُ -بالضمِّ- على الماء، كما في حديث قيس بن سعدٍ: أتانا رسولُ الله ﷺ فوضعنَا له غُسلًا. فإنَّه بالضَّم بإجماعِ أهل الحديثِ والفقه وغيرهم، لا بالكسرِ، كما وقع لابنِ باطيش في «كتاب ألفاظ التهذيب» وهو غلطٌ كما نبَّه عليه النَّوويُّ لأنَّ الغِسْل -بالكسر- ما يُغسل به الرَّأس من خِطْميٍّ وسدرٍ ونحوهما، و «على المرأة» يتعلَّق بغسل، أي: فهل غسل على المرأة (إِذَا احْتَلَمَتْ؟) وفي «باب الغسل» [خ¦٢٨٢] إذا هي احتلمَت (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) إذا احتلمتْ فعليها الغسلُ، والاحتلامُ افتعالٌ من الحُلْم -بضم الحاء وسكون اللام-
стр. 10785
وهو ما يراه النَّائم في نومهِ (إِذَا رَأَتِ المَاءَ) أي: المني بعد استيقاظهَا من النَّوم (فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) وهذا موضعُ التَّرجمة إذ وقعَ ذلك بحضرتهِ ﷺ ولم ينكرهُ (فَقَالَتْ: أَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَبِمَ شَبَهُ الوَلَدِ) بفتح المعجمة والموحدة مضافًا لتاليهِ، أي: فبأيِّ شيءٍ وصل شبهُ الولدِ بالأمِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فبم يشبَّه الولد».
والحديثُ سبقَ في «باب إذا احتلمت المرأةُ» في «أبواب الغسل» من «الطَّهارة» [خ¦٢٨٢].
٦٠٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيدٍ الجعفيُّ الكوفيُّ نزيلُ مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث (أَنَّ أَبَا النَّضْرِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، سالمَ بن أبي أميَّة المدنيَّ (حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) مولى ميمونةَ أمِّ المؤمنين (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَجْمِعًا) أي: مجتمعًا (قَطُّ ضَاحِكًا) وهو: منصوبٌ على التَّمييز، وإن كان مشتقًّا مثل: للهِ درُّه فارسًا، أي: ما رأيتهُ مستجمعًا من جهة (١) الضَّحك بحيثُ يضحكُ ضحكًا تامًّا مقبلًا بكُلِّيَّته على الضَّحك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ضحكًا» أي: مبالغًا في الضَّحك لم (٢) يترك منه شيئًا (حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ) بفتح اللام والهاء، جمعُ لَهَاة، وهي اللَّحمة الَّتي بأعلى الحنجرةِ من أقصى الفمِ (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ) ولا تضادَّ بين هذا وحديث أبي هريرة من خبرِ الأعرابيِّ [خ¦٦٠٨٧] أنَّه ﷺ ضحك حتَّى بدتْ نواجذُه. لأنَّ أبا هريرة أخبرَ بما شاهده (٣)، ولا يلزمُ من قول عائشة: ما رأيتُ، أن لا يكون غيرها رأى، والمثبتُ مقدَّمٌ على النَّافي.
والحديثُ سبق في «سورة الأحقاف» [خ¦٤٨٢٨].