← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 10781–10820 · переход к 10786.

стр. 10781

تعجبًا (١) من حالِ الرَّجل؛ لكونه جاء أوَّلًا هالكًا، ثمَّ انتقلَ لطلب الطَّعام لنفسهِ وعيالهِ، أو من رحمةِ الله به وسعتهِ عليه، والضَّحِك غير التَّبسُّم. وأمَّا قوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ [النمل: ١٩] فقال في «الكشاف»: فتبسَّم شارعًا في الضَّحك. وقال أبو البقاء: ﴿ضَاحِكًا﴾ حالٌ مؤكِّدة. وقال صاحب «الكشف»: هي (٢) حالٌ مقدَّرة، أي: فتبسَّم مقدرًا الضَّحك، ولا يكون محمولًا على الحال المطلق؛ لأنَّ التَّبسُّم غير الضَّحك فإنَّه ابتداء الضَّحك، وإنَّما يصير التَّبسُّم ضحكًا إذا اتَّصل ودام فلا بدَّ فيه من هذا التَّقدير، وأكثرُ ضحِكِ الأنبياء التَّبسُّم، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «النَّبيُّ … » إلى آخره (٣) (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالجيم والذال المعجمة، وهي من الأسنان الضَّواحك، وهي الَّتي تبدو عند الضَّحك، والأكثرُ (٤) الأشهر أنَّها أقصى الأسنان، والمراد الأوَّل؛ لأنَّه ما كان يبلغ به الضَّحك حتى يبدوَ آخر أضراسهِ، ولو أريد الثَّاني لكان مبالغةً في الضَّحك من غير أن يرادَ ظهور نواجذِهِ في الضَّحك، وهو أقيسُ لاشتهارِ النَّواجذ بأواخرِ الأسنان، وإليه الإشارةُ بقول الزَّمخشريِّ، والغرضُ المبالغة في وصفِ ما وُجِدَ من الضَّحك النَّبويِّ، قاله الطِّيبيُّ (قَالَ) ﷺ للرَّجل: (فَأَنْتُمْ إِذًا (٥)) جواب وجزاء، أي: إن لم يكن أفقر منكُم فكلُوا أنتم حينئذٍ، وهذا على سبيلِ الإنفاقِ على العيالِ؛ إذ الكفَّارة إنَّما هي على سبيلِ التَّراخي، أو هو على سبيلِ التَّكفير فهو خصوصيَّةٌ له. والحديثُ سبقَ في «باب المجامع في رمضان» من «كتاب الصَّوم» [خ¦١٩٣٧].

стр. 10782

٦٠٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ) سقط «الأويسيُّ» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ) عمِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «مع النَّبيِّ» (¬ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ) بضم الموحدة وسكون الراء، نوع من الثِّياب، ولمسلم من طريق الأوزاعيِّ: «وعليه رداء» (نَجْرَانِيٌّ) بفتح النون وسكون الجيم بعدها راء فألف فنون، منسوبٌ إلى بلدٍ بين الحجاز واليمن (غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ) من أهلِ البادية (فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ) بجيم فموحدة فمعجمة مفتوحات (جَبْذَةً شَدِيدَةً. قَالَ أَنَسٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فيها» (حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ) ولمسلم من طريق همَّام: «حتَّى انشقَّ البردُ وذهبت حاشيته» (مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي) بضم الميم وسكون الراء، وفي رواية الأوزاعيِّ: أعطنَا (مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالتَفَتَ إِلَيْهِ) صلوات الله وسلامه عليه (فَضَحِكَ) زادهُ الله شرفًا لديه (ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ) وفيه بيانُ حِلْمهِ وصبرهِ على الأذى في النَّفس والمالِ ﷺ . والحديث مضى في «الخمس» [خ¦٣١٤٩] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٠٩]. ٦٠٨٩ - ٦٠٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (ابْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون وفتح الميم وسكون التحتية بعدها راء، هو محمَّد بن عبد الله بن نُمير قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ) عبد الله الأوديُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالد (عَنْ قَيْسٍ) هو: ابنُ أبي حازم (عَنْ جَرِيرٍ) هو: ابنُ

стр. 10783

عبد الله البَجْليِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ ¬) من دخولي على مجلسهِ المختصِّ بالرِّجال (مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي) وفي «المناقب»: إلَّا ضحكَ [خ¦٣٨٢٢]. (وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ) لفظٌ شاملٌ للثَّبات على الخيلِ وعلى غيرها (١) (وَاجْعَلْهُ هَادِيًا) لغيره (مَهْدِيًّا) في نفسهِ، بفتح الميم وسكون الهاء (٢). والحديثُ سبقَ في «الجهاد» [خ¦٣٠٢٠] [خ¦٣٠٣٦] وفي «فضل (٣) جرير» [خ¦٣٨٢٣]. ٦٠٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ) هند (عَنْ) أمِّها (أُمِّ سَلَمَةَ) زوج النَّبيِّ ﷺ (أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ) بضم السين وفتح اللام، الرُّميصَاء -بالصاد المهملة-، مصغَّرًا، وهي أمُّ أنسٍ وزوج أبي طلحة الأنصاريِّ (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ) بسكون الحاء، بوزن: يستفعل، وماضيه استحيا، ولم يستعملْ مجرَّدًا عن السين والتاء. وقال الزَّمخشريُّ: يقال: منه حيي، فعلى هذا يكون استفعلَ فيه موافقًا للفعل المجرَّد، وقد جاء استفعلَ لاثني عشر معنًى: للطَّلب نحو: نستعينُ، وللإيجاد كاستبعده، وللتَّحويل كاستأنسَ. والجمهور في يستحْيِي بياءين، وعليه أكثرُ القرَّاء، وقرأ ابن مُحيصن بياءٍ واحدةٍ من استحى يستحِي فهو مستحٍ (٤)، مثل: استَقَى يستقِي، وهي: لغةُ تميمٍ

стр. 10784

وبكرِ بنِ وائلٍ، أصله: يستحيي بياءين (١) نقلتْ حركة الأولى إلى الحاءِ فسكنتْ، ثمَّ استثقلتِ الضَّمة على الثَّانية فسكنتْ، فحذفتْ إحداهما للالتقاءِ، والجمع: مُستحون ومُسْتحين، قاله الجوهريُّ. ونقلَ بعضُهم أنَّ المحذوفَ هنا مختلفٌ فيه، فقيل: عينُ الكلمةِ، فوزنه يستفلُّ، وقيل: لامها فوزنهُ يستفع، ثمَّ نقلت حركة اللَّام على القول الأوَّل، وحركةُ العينِ على القول الثَّاني إلى الفاء وهي الحاء، ومن الحذف قوله: أَلَا يَسْتَحِي مِنَّا المَلِيْكُ وَيَتَّقِي … مَحَارِمَنَا لَا يَبُوْءُ (٢) الدَّمُ بِالدَّمِ والمعنى إنَّ الله لا يمتنع من أجل بيان الحقِّ، أي: وأنا أيضًا لا أمتنعُ من السُّؤال عمَّا أنا محتاجةٌ إليه ممَّا يستحي (٣) النِّساء في العادة من (٤) السُّؤال عنه، وذكره بحضرة الرِّجال والمستحِي يمتنعُ من فعل ما استحيا منه، فالامتناعُ من لوازم الحياءِ، فيطلقُ الحياء على الامتناعِ إطلاقًا لاسم الملزومُ على اللَّازم، والحياءُ هو خجلُ النَّفس وأصله الانقباض عن الشَّيء والامتناعُ منه خوفًا من مواقعةِ القبيح، ولا ريب أنَّ هذا محالٌ على الله تعالى (هَلْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فهَل» (عَلَى المَرْأَةِ غَسْلٌ) بفتح الغين المعجمة، مصدر غَسل يَغْسل، وبالضَّم الاغتسال، فيقرأُ بالوجهين في كلِّ موضعٍ يقال فيه: وجبَ أو يستحبُّ، أو من سنَّة الغسلِ، والفتحُ أشهر، لكن قال النَّوويُّ: سألت ابن مالكَ فقال: إذا أريد الاغتسال فالمختار ضمُّه، ويجوز فتحه على إرادةِ أنَّه يغسل يديه غسلًا، وقد يطلق الغُسلُ -بالضمِّ- على الماء، كما في حديث قيس بن سعدٍ: أتانا رسولُ الله ﷺ فوضعنَا له غُسلًا. فإنَّه بالضَّم بإجماعِ أهل الحديثِ والفقه وغيرهم، لا بالكسرِ، كما وقع لابنِ باطيش في «كتاب ألفاظ التهذيب» وهو غلطٌ كما نبَّه عليه النَّوويُّ لأنَّ الغِسْل -بالكسر- ما يُغسل به الرَّأس من خِطْميٍّ وسدرٍ ونحوهما، و «على المرأة» يتعلَّق بغسل، أي: فهل غسل على المرأة (إِذَا احْتَلَمَتْ؟) وفي «باب الغسل» [خ¦٢٨٢] إذا هي احتلمَت (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) إذا احتلمتْ فعليها الغسلُ، والاحتلامُ افتعالٌ من الحُلْم -بضم الحاء وسكون اللام-

стр. 10785

وهو ما يراه النَّائم في نومهِ (إِذَا رَأَتِ المَاءَ) أي: المني بعد استيقاظهَا من النَّوم (فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) وهذا موضعُ التَّرجمة إذ وقعَ ذلك بحضرتهِ ﷺ ولم ينكرهُ (فَقَالَتْ: أَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَبِمَ شَبَهُ الوَلَدِ) بفتح المعجمة والموحدة مضافًا لتاليهِ، أي: فبأيِّ شيءٍ وصل شبهُ الولدِ بالأمِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فبم يشبَّه الولد». والحديثُ سبقَ في «باب إذا احتلمت المرأةُ» في «أبواب الغسل» من «الطَّهارة» [خ¦٢٨٢]. ٦٠٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيدٍ الجعفيُّ الكوفيُّ نزيلُ مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث (أَنَّ أَبَا النَّضْرِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، سالمَ بن أبي أميَّة المدنيَّ (حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) مولى ميمونةَ أمِّ المؤمنين (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَجْمِعًا) أي: مجتمعًا (قَطُّ ضَاحِكًا) وهو: منصوبٌ على التَّمييز، وإن كان مشتقًّا مثل: للهِ درُّه فارسًا، أي: ما رأيتهُ مستجمعًا من جهة (١) الضَّحك بحيثُ يضحكُ ضحكًا تامًّا مقبلًا بكُلِّيَّته على الضَّحك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ضحكًا» أي: مبالغًا في الضَّحك لم (٢) يترك منه شيئًا (حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ) بفتح اللام والهاء، جمعُ لَهَاة، وهي اللَّحمة الَّتي بأعلى الحنجرةِ من أقصى الفمِ (إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ) ولا تضادَّ بين هذا وحديث أبي هريرة من خبرِ الأعرابيِّ [خ¦٦٠٨٧] أنَّه ﷺ ضحك حتَّى بدتْ نواجذُه. لأنَّ أبا هريرة أخبرَ بما شاهده (٣)، ولا يلزمُ من قول عائشة: ما رأيتُ، أن لا يكون غيرها رأى، والمثبتُ مقدَّمٌ على النَّافي. والحديثُ سبق في «سورة الأحقاف» [خ¦٤٨٢٨].

стр. 10786

٦٠٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ) أبو عبد الله البُنانيُّ البصريُّ، وليس هو محمَّد بن الحسن الملقَّب بمحبوب قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاحُ اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁. وقال البخاريُّ: (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بن خيَّاطٍ العصفريُّ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الخيَّاط أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) أي: ابنُ أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا) أعرابيًا (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهْوَ يَخْطُبُ) على المنبرِ في مسجده الشَّريف (بِالمَدِينَةِ فَقَالَ): يا رسول الله (قَحِطَ المَطَرُ) بفتح القاف وكسر الحاء، أي: احتبسَ (فَاسْتَسْقِ رَبَّكَ) وفي «الاستسقاء» فادعُ الله أن يسقينا [خ¦١٠١٥] (فَنَظَرَ) ﷺ (إِلَى السَّمَاءِ وَمَا نَرَى مِنْ سَحَابٍ) مجتمعٍ (١) فيها (فَاسْتَسْقَى) قال: (اللَّهُمَّ اسْقِنَا، فَنَشَأَ السَّحَابُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ مُطِرُوا (٢) حَتَّى سَالَتْ مَثَاعِبُ المَدِينَةِ) بفتح الميم والمثلثة بعد الألف عين مهملة مكسورة فموحدة، جمع: مَثْعَب، أي: مسايلُ الماء الَّتي بالمدينة (فَمَا زَالَتْ) تمطرُ (إِلَى الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ مَا تُقْلِعُ) بضم الفوقية وسكون القاف وكسر اللام، ما تكفُّ (ثُمَّ قَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ) الَّذي قال: قَحِطَ المطر (-أَوْ) رجلٌ (غَيْرُهُ-) بالشَّكِّ (وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ) في يوم الجمعةِ الأخرى (فَقَالَ): يا رسول الله (غَرِقْنَا) من كثرةِ المطرِ (فَادْعُ رَبَّكَ يَحْبِسْهَا عَنَّا) بالجزم جوابُ الأمر (فَضَحِكَ) ﷺ (ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا) منصوبٌ على الظَّرفيَّة وهو من

стр. 10787

الظُّروف المكانيَّة المبهمة؛ لأنَّه بمعنى النَّاحية، ولا يخرجهُ عن الإبهامِ اختصاصُه بالإضافةِ، كما تقول: جلستُ مكان زيدٍ، أي: قعدتُ موضعهُ، وهو مكان عبد الله وموضعه، وهذا بخلاف الدَّار والمسجد فإنَّهما مختصَّان؛ لأنَّ ذلك لا يطلقُ على كلِّ موضعٍ بل هو بأصلِ وضعهِ لمعنى مخصوص، والنَّاصبُ لحوالينَا فعلٌ مقدَّرٌ، أي: اللَّهم اجعلْها حَوَالينا (وَلَا) تجعلْها (عَلَيْنَا) قال ذلك (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) فعلينَا يتعلَّق (١) بالمقدَّر كالظَّرف، والمرادُ بحوالي المدينة مواضع النَّباتِ والزَّرع لا في نفسِ المدينةِ وبيوتِها، ولا فيما حَوالي المدينةِ من الطُّرق، وإلَّا لم يزلْ بذلك شكواهُم جميعًا (فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَصَدَّعُ) بوزن يتفعَّل، أي: يتفرَّقُ، وفي «الاستسقاء» [خ¦١٠١٥] بلفظ يتقطَّعُ (عَنِ المَدِينَةِ) حال كونهِ (يَمِينًا وَشِمَالًا، يُمْطَرُ مَا حَوَالَيْنَا) من أهل اليمين والشِّمال (وَلَا يُمْطِرُ مِنْهَا (٢) شَيْءٌ) في المدينة (يُرِيهِمُ اللهُ) (كَرَامَةَ نَبِيِّهِ ﷺ ¬) عنده (وَإِجَابَةَ دَعْوَتِهِ) وكم له ﷺ من دعوةٍ مُستجابة. والحديث سبق في «باب الاستسقاء على المنبر» [خ¦١٠١٥]. (٦٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]) في إيمانهم دون المنافقين، أو مع الَّذين لم يتخلَّفوا، أو مع الَّذين صَدَقوا في دينِ الله نيّةً وقولًا (٣) وعملًا، والآية تدلُّ على أنَّ الإجماع (٤) حجَّةٌ؛ لأنَّه أمر بالكون مع الصَّادقين فيلزم قبولُ قولهِم (وَ) بيان (٥) (مَا يُنْهَى عَنِ الكَذِبِ).

стр. 10788

٦٠٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكرِ ابن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ عبد الحميدِ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابن مسعودٍ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ) بكسر الموحدة وتشديد الراء، أي: يوصلُ إلى الخيراتِ كلِّها، والصِّدق يطلقُ على صدق اللِّسان وهو نقيضُ الكذبِ، والصِّدقُ في النِّيَّة وهو الإخلاص، فيراعي معنى الصِّدق في مُنَاجاته ولا يكنْ ممَّن قال: وجَّهت وجهي لله، وهو غافلٌ كاذبٌ، والصِّدق في العزم على خيرٍ نواه، أي: يقوِّي عزمه أنَّه إذا ولي مثلًا لا يظلم، والصِّدق في الوفاء بالعزمِ، أي: حال وقوعِ الولايةِ مثلًا، والصِّدق في الأعمالِ وأقلُّه استواءُ سريرتهِ وعلانيَّتهُ، والصِّدق في المقاماتِ كالصِّدق في الخوفِ والرَّجاء وغيرهما، فمن اتَّصف بالستَّة كان صدِّيقًا أو ببعضِها كان صِادقًا. وقال الرَّاغب: الصِّدق مطابقةُ القول الضَّمير والمخبرَ عنه، فإن انخرمَ شرط لم يكن صدقًا بل يكون كذبًا أو متردِّدًا بينهما على اعتبارين كقولِ المنافق: محمَّدٌ رسولُ الله، فإنَّه يصحُّ أن يقال: صدقٌ لكون المخبر عنه كذلك، ويصحُّ أن يقال: كذب؛ لمخالفةِ قوله لضميرهِ (وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي) يوصلُ (إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ) في السِّرِّ والعلانيَّة، ويتكرَّر ذلك منه (حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا) بكسر الصاد والدال المشددة، وهو من أبنيَةِ المبالغةِ ونظيرُهُ الضِّحيك، والمراد فرطُ صدقهِ حتَّى يصدِّق قوله العملُ، فالتَّنكير للتَّعظيم والتَّفخيم، أي: بلغَ في الصِّدق إلى غايتهِ ونهايتهِ حتَّى دخلَ في زمرتهم واستحقَّ ثوابهم (وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي) يوصلُ (إِلَى الفُجُورِ) الَّذي هو ضدُّ البرِّ (وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي) يوصلُ (إِلَى النَّارِ) قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ) ويتكرَّر ذلك منه (حَتَّى يُكْتَبَ) بضم أوله، مبنيًّا للمفعول (عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا) أي: يحكمُ له بذلك ويظهره للمخلوقين من الملأ الأعلى، ويلقي ذلك في قلوبِ أهل الأرضِ وألسنتهم (١)، فيستحقُّ بذلك صفة الكذَّابين وعقابهم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «حتَّى يكون» بدل: يكتب، وعن ابنِ مسعودٍ -ممَّا ذكرهُ الإمام مالكٍ بلاغًا-: لا يزالُ العبد يكذب ويتحرَّى الكذب، فينكتْ في قلبه نكتةً سوداء حتَّى يسودَّ قلبه، فيكتب عند الله من الكذَّابين.

стр. 10789

وحديثُ الباب أخرجه مسلمٌ في «الأدبِ» أيضًا. ٦٠٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّدِ بن (١) سلام» قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ) بضم السين المهملة (نَافِعِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ أَبِي عَامِرٍ) الأصبحيِّ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: آيَةُ المُنَافِقِ) والنَّفق: سَرَبٌ في الأرض له مخلصٌ إلى مكان [آخر] (٢)، والنَّافقاء إحدى جِحَرَةِ اليربوعِ، فإذا أتي من قبل القاصِعَاء -وهو جحره الَّذي يَقْصع فيه، أي: يدخلُ- ضرب النَّافقاء برأسهِ فانتفقَ، أي: خرجَ، تقول (٣): نافق اليَرْبوع، أي: أخذ في نافقائه، ومنه اشتقاقُ المنافق وهو الَّذي يدخلُ في الشَّرع من بابٍ ويخرجُ من باب، أيضًا يكتُم الكفرَ، ويظهرُ الإسلام (٤)، كما أنَّ اليربوع يكتُم النَّافقاء ويُظهرُ القاصعاء، والآية: العلامة، أي: علامةُ المنافق (ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) فأخبرَ عن الشَّيء على خلافِ ما هو به (وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ) فلم يفِ بما وعدَ به (وَإِذَا اؤْتُمِنَ) أمانةً (خَانَ) فلم يؤدِّها إلى أهلها. قال التُوْربِشتي: من اجتمعتْ فيه هذه الخصال واستمرَّت أحواله عليها فبالحريِّ أن يسمَّى منافقًا، وأمَّا المؤمن المفتون بها فإنَّه إن فعلها مرًّة تركها أُخرى، وإن أصرَّ عليها زمانًا أقلعَ عنها زمانًا آخر، وإن وجدتْ فيه خلًّة عدمتْ منه (٥) أخرى. وقال الخطَّابيُّ: هذا القولُ إنَّما خرجَ على سبيلِ الإنذارِ للمرءِ المسلم والتَّحذيرِ

стр. 10790

له أن يعتادَ هذه الخصالَ، فتفضِي به إلى النِّفاق، لا أنَّه منافقٌ إن ندرت منه هذه الخصال، أو فعلَ شيئًا منها من غير اعتيادٍ (١). والحديثُ سبق في «باب علامةِ المنافق» من «كتاب الإيمان» [خ¦٣٣]. ٦٠٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ حازمٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بفتح الراء والجيم والهمز، عمران العطارديُّ (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَُبٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : رَأَيْتُ) في المنام مَلَكين على صورة (رَجُلَيْنِ) ولأبي ذرٍّ: «رأيتُ اللَّيلة رجلين» (أَتَيَانِي قَالا: الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ) بضم أوَّله وفتح المعجمة، كذا أوردهُ هنا مختصرًا، ومطوَّلًا في «الجنائز» [خ¦١٣٨٦] فقال: «رأيتُ اللَّيلة رجلينِ أتياني فأخذا بيدِي وأخرجَاني إلى أرضٍ مقدَّسة، فإذا رجلٌ جالس ورجل (٢) قائمٌ بيدِهِ كَلُّوبٌ من حديدٍ يُدخله في شِدقهِ حتَّى يبلغَ قفاهُ، ثمَّ يفعلُ بشدقهِ الآخر مثل ذلك، ويلتئمُ شدقهُ هذا، فيعود فيصنعُ مثله، فقلت: «ما هذا؟» قالا: انطلق … » الحديث. وفيه: «فقلتُ لهما: طوَّفتماني اللَّيلة فأخبِراني عمَّا رأيتُ قالا: نعم، أمَّا الَّذي رأيتَه يُشَقُّ شِدقهُ» (فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ بِالكَِذْبَةِ (٣)) بفتح الكاف وتكسر وسكون المعجمة (تُحْمَلُ عَنْهُ) بضم الفوقية وفتح الميم (حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ) بمدِّ الهمزة (فَيُصْنَعُ بِهِ) ما رأيت من شقِّ شدقهِ (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) لِمَا ينشأُ عن تلك الكَذْبة من المفاسدِ، وإنَّما جعل عذابه في الفمِ؛ لأنَّه موضعُ المعصية، وقوله: فكذَّاب، بالفاء. استُشكل بأنَّ الموصول الَّذي يدخلُ خبرَه الفاءُ يشترطُ أن يكون مبهمًا عامًّا. وأجاب ابن مالكٍ: بأنَّه نزَّل المعيَّن (٤) المبهم منزلةَ العامِّ إشارةً إلى اشتراكِ من يتَّصف بذلك في العقابِ المذكور.

стр. 10791

(٧٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي) بيان (الهَدْيِ الصَّالِحِ) بفتح الهاء وسكون المهملة، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «في» فباب مضاف إلى الهدْي، وفي حديث ابن عبَّاس المرويِّ في «الأدب المفرد» للمؤلِّف مرفوعًا: «الهديُ الصَّالح، والسَّمت الصَّالحُ، والاقتصاد جزءٌ من خمسةٍ وعشرينَ جزءًا من النُّبوَّة» وكذا أخرجهُ الإمام أحمد وأبو داود بسندٍ حسنٍ. ٦٠٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال في «الفتح»: هو: ابنُ رَاهُوْيَه (قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة: (حَدَّثَكُمُ الأَعْمَشُ) سليمانُ بن مِهران الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقًا) أبا وائل (قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ) بن اليمانِ (يَقُولُ: إِنَّ أَشْبَهَ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ناسٍ (١)» (دَلًّا) بفتح الدال المهملة وتشديد اللام، حُسن الحركة في المشي والحديث وغيرهما (وَسَمْتًا) بفتح السين المهملة وسكون الميم، حسن النَّظر في أمر الدِّينِ (وَهَدْيًا) بفتح الهاء وسكون المهملة، وهو قريبٌ من معنى الدَّلِّ. قال الكِرْمانيُّ: وهما من السَّكينة والوقار في الهيئةِ والمنظرِ والشَّمائل (بِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ) عبدِ الله بن مسعودٍ، واللَّام في لابن مفتوحة تأكيدًا بعد التَّأكيد بإنَّ المكسورة الَّتي في أوَّل الحديث (مِنْ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ) أي: إلى بيتهِ فإذا رجع (لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا خَلَا) بهم إذ يجوزُ أن يكون انبساطهُ يزيدُ أو ينقصُ عن (٢) هيئة رسول الله ﷺ في أهله، ولم يذكر جواب أبي أسامة في آخر الحديث. وأُجيب بأنَّ السُّكوت عن الجواب قائمٌ مقام التَّصديق عند القرائنِ، وفي «مسند» إسحاق بن رَاهُوْيَه أنَّه قال في آخره: فأقرَّ به أبو أسامة، وقال: نعم. وحديثُ البابِ من أفراده.

стр. 10792

٦٠٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بن عبد الملكِ الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُخَارِقٍ) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف راء فقاف، هو: ابنُ عبد الله، ويقال: ابنُ خليفة الأحمسيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ طَارِقًا) هو ابنُ شهابٍ الأحمسيُّ (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) هو ابنُ مسعودٍ لا عبد الله بن عُمر: (إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) بفتح الهاء وسكون الدال المهملة فيهما، ويروى: بضم الهاء وفتح الدال ضد الضَّلال. زاد أبو نُعيم في «مستخرجه» من طريق [أبي] خليفة (١)، عن أبي الوليد هشام ابن عبد الملك، وشرَّ الأُمور محدثاتُهَا، وإنَّ ما توعدونَ لآتٍ وما أنتم بمعجزين. والحديثُ ورد موقوفًا في كثيرٍ من الطُّرق، وفي بعضها مرفوعًا من حديثِ جابر عند مسلمٍ وأبي داود وغيرهما بألفاظٍ مختلفةٍ. وحديثُ البابِ من أفراده. (٧١) (بابُ) فضيلةِ (الصَّبْرِ) أي: حبسُ النَّفس عن المجازاة (على الأَذَى) قولًا وفعلًا، ولأبي ذرٍّ: «في الأذَى» (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق: (﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾) على تحمُّل المشاق من تجرُّع الغُصص، واحتمالِ البلايا في طاعةِ الله، وازدياد الخير (﴿أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]) قال ابن عبَّاسٍ ﵄: لا يهتدي إليه حسابُ الحُسَّابِ ولا يُعرف. وقال مالكُ بن أنسٍ: هو الصَّبر على فجائع الدُّنيا وأحزانِها. وقد ذكرَ الله تعالى الصَّبر في خمسةٍ وتسعين موضعًا من القرآن. وفي «الصحيحين» حديث «ما أُعطي أحدٌ عطاءً (٢) خيرًا وأوسعَ من الصَّبر» [خ¦١٤٦٩] وهو عبارةٌ عن ثباتِ باعث الدِّين في مقاومةِ باعثِ الهوى، قاله (٣) في «قوت الأحياء» وفي البلاء كتم الشَّكوى لغيره تعالى، والصَّبي

стр. 10793

والمجنون فيه مثابان إذ كسبهما التَّوجُّع ولا صبرَ عليهما، فتأثيرُ البلاءِ بلا صبرٍ في التَّفكير غالبًا، ومع الصَّبر فمزيد (١) الأجرِ، ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢]. ٦٠٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيب (السُّلَمِيِّ) بضم السين المهملة وفتح اللام وكسر الميم (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ -أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (أَصْبَرَ) أفعل تفضيل، أي: أَحلَم (عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ) . قال الكِرْمانيُّ: صلةً لقولهِ: أصبر، وأصبر بمعنى أحلَم كما مرَّ، يعني حبسَ العقوبةِ عن مستحقِّها إلى زمانٍ آخر؛ يعني: تأخيرها (إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ) تعالى (وَلَدًا) بيان لسابقه، واللام في ليدعون للتَّأكيد، وداله ساكنةٌ، أي: ينسبون إليهِ ما هو منزَّهٌ عنه (وَإِنَّهُ) تعالى (لَيُعَافِيهِمْ) في أنفسهم (وَيَرْزُقُهُمْ) صفة فعلٍ من أفعالهِ تعالى، فهو من صفاتِ فعله لأنَّ (٢) رازقًا يقتضي مرزوقًا، والله كان ولا مرزوق، وكلُّ ما لم يكن ثمَّ كان فهو محدَثٌ، والله تعالى موصوفٌ بأنَّه الرَّزَّاقُ ووصفَ نفسه بذلك قبل خلقِ الخلقِ، يعني (٣) أنَّه تعالى سيرزقُ (٤) إذا خلق المرزوقين. وهذا الحديثُ أخرجه البخاريُّ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٧٨]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والنَّسائيُّ في «النُّعوت».

стр. 10794

٦١٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهرانَ (قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقًا) أبا وائل بن سلمةَ (يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) يوم حُنين (قِسْمَةً كَبَعْضِ مَا كَانَ يَقْسِمُ) في غيرها من المغازي من تنفيل (١) المؤلَّفة (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) اسمه: مُعَتِّبُ بن قُشيرٍ المنافق، كما قاله الواقديُّ: (وَاللهِ إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ) قال ابنُ مسعود: (قُلْتُ: أَمَّا أَنَا) بفتح الهمزة وتشديد الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أم» بتخفيف الميم وحذف الألف بعدها (لأَقُولَنَّ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أما» بتخفيف الميم وإثبات الألف بعدها حرف تنبيه لأقولنَّ (لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) مقالتهُ (فَأَتَيْتُهُ وَهْوَ فِي أَصْحَابِهِ فَسَارَرْتُهُ) بذلك (فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَغَضِبَ حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَخْبَرْتُهُ) بذلك (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (قَدْ أُوذِيَ مُوسَى) ﵇ (بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) الَّذي قالهُ الرَّجل الأنصاريُّ (فَصَبَرَ) أشارَ (٢) إلى قولهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] والمرادُ براءتهُ عن مضمون القولِ ومؤدَّاه (٣) وهو الأمر المعيبُ، وأذى موسى ﵇ هو حديث المومسة الَّتي أَمرها قارونُ أن تزعُمَ أنَّ موسى ﵇ راودهَا حتَّى كان ذلك سببَ هلاكِ قارون، أو لاتهامِهِم (٤) إيَّاه بقتل هارون فأحياهُ الله تعالى فأخبرهُم ببراءة موسى، أو قولهِم: آدر. وهذا الحديثُ سبق في «أحاديثِ الأنبياء» [خ¦٣٤٠٥] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٦]، وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة». (٧٢) (بابُ مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بِالعِتَابِ) حياءً منهم.

стр. 10795

٦١٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: هو: ابنُ صُبَيحٍ أبو الضُّحى، وَوَهِمَ من زعم أنَّه ابن (١) عمران البَطين (عَنْ مَسْرُوقٍ) أبي عائشة بنِ الأجدعِ، أحد الأعلام، أنَّه قال: (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا) لم أقف على معرفتهِ (فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ) فاحترزوا عنه، ولم يعرف الحافظ ابنُ حجر (٢) أعيانَ القوم المذكورينَ (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ) ولم يقل: ما بالكَ يا فلان على المواجهةِ (فَوَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِاللهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً) فجمع بين القوَّة العلميَّة والعمليَّة. والحديثُ أخرجهُ في «الاعتصام» [خ¦٧٣٠١]، ومسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ ﷺ »، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة». ٦١٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبدِ الله بن عثمان المروزيُّ، قال (٣): (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن

стр. 10796

المباركِ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيِّ الحافظ المفسِّر، أنَّه قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ -هو ابنُ أَبِي عُتْبَةَ) بضم العين وسكون الفوقية (مَوْلَى أَنَسٍ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً) الحياء تغيُّرٌ وانكسارٌ عند خوف ما يعابُ أو يُذمُّ (مِنَ العَذْرَاءِ) بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة، البكر لأنَّ عذرتها وهي جلدةُ البكارةِ باقيةٌ إذا دُخِلَ عليها (فِي خِدْرِهَا) بكسر الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة، أي: في سِترها، وهو من باب التَّفهيم لأنَّ البكرَ في الخلوة يشتدُّ حياؤها؛ لأنَّ الخلوة مظنَّةُ وقوع الفعل بها (فَإِذَا رَأَى) ﷺ (شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ) لتغيُّره بسبب ذلك. والحديث سبق في «صفة النبي ﷺ » [خ¦٣٥٦٢]. (٧٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (مَنْ كَفَّرَ) بتشديد الفاء، ولأبي ذرٍّ: «من أكفر» (أَخَاهُ) المسلم دعاهُ كافرًا، أو نسبهُ إلى الكفر (بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ) في تكفيرهِ (فَهْوَ) أي: الَّذي أكفرهُ (كَمَا قَالَ) لأخيهِ، جواب الشَّرط في قولهِ: من كفر، أي: رجعَ عليه. ٦١٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابنُ يحيى الذُّهليُّ (وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ) أي: ابن صخرِ الدَّارِمِيُّ. قال في «الفتح»: جزم بذلك أبو نصرٍ الكلاباذيُّ. وقال في «الكواكب»: قال الغسَّانيُّ: محمَّد هو

стр. 10797

ابنُ بشَّار بإعجام الشين، أو ابن المثنَّى، ضدُّ المفرد، وأحمد بن سعيدٍ الدَّارميُّ -بالدال المهملة والراء- (قَالا: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين، ابن فارسٍ العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) الهنائيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) أبي نصرٍ اليمانيِّ، الطَّائيِّ مولاهم، أحدِ الأعلام (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ) المسلم: (يَا كَافِرُ) ولأبي ذرٍّ: «قال الرَّجل لأخيه: كافرٌ» بإسقاط حرف النداء وبالتنوين (فَقَدْ بَاءَ) بالموحدة والمد، رجعَ (بِهِ) أي: بالكفرِ (أَحَدُهُمَا) لأنَّه إن كان القائلُ صادقًا في نفس الأمر فالمرميُّ كافرٌ، وإن كان كاذبًا فقد جعل الرَّامي الإيمان كفرًا، ومن جعل الإيمانَ كُفرًا فقد كفرَ. كذا حمله البخاريُّ على تحقُّق الكفرِ على أحدِهما بمقتضى التَّرجمة، ولذا ترجمَ عليه مقيَّدًا بغير تأويلٍ، وحملَه بعضُهم على الزَّجر والتَّغليظ، فيكون ظاهرهُ غير مرادٍ. والحديثُ من أفراده. (وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) بتشديد الميم، فيما وصله الحارثُ بن أبي أسامة وأبو نُعيمٍ في «مستخرجه» (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة، مولى الأسود المخزوميِّ، وليس له في البخاريِّ سوى هذا، وآخر موصولًا (١) في «التَّفسير» أنَّه (سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ٦١٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عبدِ الله ابن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ الأعظم (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ) المسلمِ: (يَا كَافِرُ) ولأبي ذرٍّ بإسقاط أداة النِّداء والتَّنوين (فَقَدْ بَاءَ) رجعَ (بِهَا) بالكلمة، أو بالخصلة (أَحَدُهُمَا) قيل: المرادُ بأحدهما القائلُ (٢) خاصَّةً، وهذا على مذهبهم في استعمال الكنايةِ وترك التَّصريح بالسُّوء، كقول الرَّجل لمن أراد أن يكذِّبه: والله إنَّ أحدنا لكاذبٌ، ويريد

стр. 10798

خصمَه على التَّعيين، وحمله بعضُهُم على المستحلِّ لذلك؛ إذ المسلمُ لا يكفُرُ بالمعصيةِ، أو المراد رجعَ عليه التَّكفير إذ كأنَّه كفَّر نفسه؛ لأنَّه كفَّر من هو مثله، أو المراد أنَّ ذلك يؤولُ به إلى الكفْرِ لأنَّ المعاصِي بريدُ الكفرِ، ويخافُ على المكثرِ منها أن تكون عاقبة شؤمها المصيرَ إليه. ٦١٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمةَ التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء مصغَّرًا، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ (عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) بن خليفةَ بن ثعلبةَ الأنصاريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ) ملَّة (الإِسْلَامِ) كأن يقول: إن فعلَ كذا فهو يهوديٌّ (كَاذِبًا فَهْوَ كَمَا قَالَ) كاذبٌ لا كافرٌ لأنَّه ما تعمَّد بالكذب الَّذي حلف (١) عليه التزام الملَّة الَّتي حلفَ بها، بل كان ذلك على سبيل الخديعةِ للمحلوفِ له، وأمَّا من حلفَ بها وهو فيما حلفَ عليه صادقٌ، فهو لتصحيحِ براءته من تلك الملَّة مثل أن يقولَ: هو يهوديٌّ إن أكلَ اليوم، ولم يأكلْ فيه، فلم يتوجَّه عليه إثمٌ لعقد (٢) نيَّته على نفيها لنفِي شرطها، لكنَّه لا يبرأ من الملامة لمخالفتهِ (٣) حديث «مَن كان حالفًا فليحلِفْ بالله» [خ¦٢٦٧٩] نعم يكفرُ إن أرادَ أن يكون متَّصفًا بذلك إذا وقع المحلوفُ عليه؛ لأنَّ إرادة الكُفر كفرٌ (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) فعذابُه من جنسِ عمله (وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ) لأنَّ اللَّعن تبعيدٌ من رحمة الله، والقتلُ تبعيدٌ من الحياةِ (وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ) كأن قال له: يا كافر (فَهْوَ) أي: الرَّمْيُ (كَقَتْلِهِ) في التَّحريم، أو في التَّألُّم، ووجهُ المشابهة أنَّ النِّسبة إلى الكفرِ الموجب للقتلِ كالقتلِ في (٤) أنَّ المتَّسبب للشيءِ كفاعلهِ.

стр. 10799

والحديثُ سبق في «الجنائزِ» [خ¦١٣٦٣]. (٧٤) (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ إِكْفَارَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ) القول السَّابق في التَّرجمة المتقدِّمة، حال كونهِ (مُتَأَوِّلًا) بأن ظنَّه كذا (أَوْ) قال حال كونه (جَاهِلًا) بحكم (١) ذلك القول، أو المقول فيه (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (لِحَاطِبٍ) بالحاء والطاء المهملتين بينهما ألف وآخره موحدة، ولأبي ذرٍّ بزيادة: «ابن أبي بلتعةَ» ممَّا سبق موصولًا في «سورة الممتحنة» [خ¦٤٨٩٠] لَمَّا ظنَّ نفاقه بكتابه إلى أهل مكَّة يخبرهم أنَّ النَّبيَّ ﷺ يغزوهم: (إِنَّهُ مُنَافِقٌ) وللحَمُّويي والمُستملي: «إنَّه نافقَ» بصيغة الماضي (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لعمر: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على» (أَهْلِ بَدْرٍ) الَّذين حضروا وقعتها (فَقَالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) ومعنى التَّرجِّي راجعٌ إلى عمر؛ لأنَّ وقوع هذا الأمر محقَّقٌ عند النَّبيِّ ﷺ . ٦١٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ) الواسطيُّ، بفتح العين المهملة والموحدة المخففة، كما ذكره الحافظُ (٢) الدَّارقطنيُّ، وابنُ مَاكولا، وأبو عليٍّ الغسانيُّ، والحافظ عبد الغنيِّ، روى عنه البخاريُّ هنا، وفي «كتاب الاعتصام» (٣) [خ¦٧٢٨١] قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، ابن هارون قال: (أَخْبَرَنَا سَلِيمٌ) بفتح السين المهملة وكسر اللام، ابن حبَّان الهُذليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا

стр. 10800

عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) قال: (حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ) بني سَلِمة (فَيُصَلِّي بِهِمُ الصَّلَاةَ) الَّتي صلَّاها مع النَّبيِّ ﷺ ، ولأبي ذرٍّ: «صلاة» وكانت صلاة العشاء، ولأبي داود والنَّسائيِّ: صلاة المغرب، لكن قال البيهقيُّ: رواية العشاء أصحُّ (فَقَرَأَ بِهِمُ البَقَرَةَ) ولمسلم: فافتتحَ سورة البقرة (قَالَ) جابرٌ: (فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ) هو: حزمُ بن أبي بن كعبٍ، كما عند أبي داود وابن حبَّان، وعند الخطيب: هو سَلْمُ (١) بن الحارث، ولابن الأثيرِ حرام (٢) بن ملحان، أي: فخفف (٣) (فَصَلَّى) منفردًا (صَلَاةً خَفِيفَةً) بأن يكون قطع الصَّلاة، أو قطعَ القدوة (فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ: إنَّه مُنَافِقٌ) قال ذلك متأوِّلًا ظانًّا أنَّ التَّارك للجماعة منافقٌ (فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا، وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا) جمع ناضحٍ -بالضاد المعجمة والحاء المهملة- البعير الَّذي يسقى عليه (وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا البَارِحَةَ، فَقَرَأَ البَقَرَةَ فَتَجَوَّزْتُ) في صلاتي (فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ) قال (٤) له ذلك (ثَلَاثًا) أي: منفرٌ عن الجماعة، والهمزة (٥) للاستفهام الإنكاريِّ (اقْرَأْ) إذا كنتَ إمامًا (﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] وَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَنَحْوهِمَا) من قصار المفصل. والحديثُ سبق في «الصَّلاة» في «باب إذا طوَّل الإمامُ وكان للرَّجل حاجةٌ فخرج» [خ¦٧٠٠]. ٦١٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) بن رَاهُوْيَه، كما عند ابن السَّكن وجزم به في «الفتح»،

стр. 10801

وقال الكلاباذيُّ: ابن منصور قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو المُغِيرَةِ) عبد القدُّوس بن الحجَّاج الخولانيُّ الحمصيُّ، من شيوخ البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ حُمَيْدٍ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم مصغَّرًا، ابن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ) بفتح الحاء وكسر اللام، ناسيًا أو جاهلًا (بِاللَّاتِ وَالعُزَّى. فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) لأنَّه فعل صورةَ تعظيمِ الأصنامِ حين حلف بها فأمرهُ أن يتداركَ ذلك بكلمةِ التَّوحيد (وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ) بالجزم (فَلْيَتَصَدَّقْ) بما تيسَّر. والحديثُ سبقَ في «تفسير سورة النَّجم» [خ¦٤٨٦٠]. ٦١٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابنُ سعدٍ الفَهْميُّ الإمام، ولأبي ذرٍّ: «اللَّيث» (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عُمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ أَدْرَكَ) أباه (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (فِي رَكْبٍ وَهْوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ) الواو للحال (فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَا) بتخفيف اللام للتَّنبيه (إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) لأنَّ الحلف يقتضي تعظيمَ المحلوفِ به (١)، وحقيقة العظمة مختصَّة بالله (٢) تعالى فلا يضاهي بها غيره (فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أو ليصمُت» بضم الميم فيهما، ليسكت. قال في «الفتح»: وفي بعض طرق الحديث: «من حلفَ بغيرِ الله فقد أشركَ» لكن لَمَّا كان حلفُ عمر بذلك قبل أن يسمعَ النَّهي (٣) كان معذورًا، فلذا اقتصرَ ﷺ على نهيهِ ولم يؤاخذهُ؛ لأنَّه تأوَّل أنَّ حقَّ أبيهِ عليه يقتضِي أنَّه يستحقُّ أن يحلفَ به، فبيَّن له ﵊ الحكم. وقال في «المصابيح»: وجه المطابقةِ أنَّ عُمر ﵁ لَمَّا (٤) حلفَ بأبيهِ الخطَّاب ولم يكن الخطَّاب مؤمنًا، والحلفُ فيه تعظيمٌ

стр. 10802

للمحلوف به، فيلزم أن يكون الحلِفُ بالكافر تعظيمًا له، لكن عذره بالتَّأويل فتأمَّله، فإنَّ فيه بحثًا على ما يظهر. انتهى. والحديثُ سبق في «سورة النَّجم» [خ¦٣٨٣٦]. (٧٥) (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الغَضَبِ وَالشِّدَّةِ لأَمْرِ اللهِ) (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾) بالسَّيف (﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾) بالقولِ الغليظِ، والوعظ (١) البليغ، أو بإقامة الحدودِ عليهم (﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]) على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتالِ والمُحاجَّة باللِّسان. ٦١٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ) بفتح التحتية والمهملة والراء، اللَّخميُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلم ابن شهابٍ (عَنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (النَّبِيُّ ﷺ وَفِي البَيْتِ قِرَامٌ) بكسر القاف وتخفيف الراء، سترٌ (فِيهِ صُوَرٌ) بضم المهملة وفتح الواو، جمع: صورة، أي: صور حيوانات (فَتَلَوَّنَ) أي: تغيَّر (وَجْهُهُ) الشَّريف غضبًا لله تعالى (ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ) وهو القِرامُ المذكور (فَهَتَكَهُ) أي: جذبهُ فقطعه (وَقَالَتْ) ﵂: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مِنْ أَشَدِّ) ولأبي ذرٍّ: «إنَّ من أشدِّ» (النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ) لأنَّهم يصوِّرون الصُّور لتعبد، أو لأنَّها صور ما كانوا يعبدونه فهم كفرةٌ، والكفرةُ أشدُّ النَّاس عذابًا. والحديثُ سبق في «اللِّباس» [خ¦٥٩٥٤].

стр. 10803

٦١١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) الكوفيِّ الحافظ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) البجليُّ التَّابعيُّ الكبير (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عامر البدريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ) اسمه: حزم بن أبيِّ ابن كعب، أو سُلَيم (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ) حضور الجماعة في (صَلَاةِ الغَدَاةِ) وهي الصُّبح (مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ) معاذ، أو أُبي بن كعبٍ (مِمَّا يُطِيلُ بِنَا) الباء في: «بنا» باء التَّعدية، و «من» في: «من أجل»، لابتداء الغاية، أي: ابتداء تأخُّري لأجل إطالةِ فلان، وفلانٌ كنايةٌ عن العَلَم. قال ابنُ الحاجبِ: وفلان وفلانة كنايةٌ عن أسماء الأناسِي وهي أعلامٌ، والدَّليل على علميَّتها منع صرفِ فلانة، وليس فيه إلَّا التَّأنيث، والتَّأنيث لا يمنعُ إلَّا مع العلميَّة، ولأنَّه (١) يمتنعُ (٢) دخول الألف واللام عليه. انتهى. وفلانة -كما قال- ممتنعٌ، وفلانٌ منصرفٌ، وإن كان فيه العلميَّة لتخلُّف السَّبب الثَّاني، والألف والنون فيه ليستا زائدتين، بل هو موضوعٌ هكذا (قَالَ) أبو مسعود: (فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَطُّ) غضب غضبًا (أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ) أي: أشدَّ من غضبه ﷺ (يَوْمَئِذٍ) وأشدَّ لا ينصرف للوزن والصِّفة، و «قَطُّ» بفتح القاف وضم الطاء مشددة، ظرف زمان لاستغراق ما مضى، يختصُّ بالنَّفي، ولا يجوزُ دخولها على فعلِ الحالِ، ولَحَن من قال: لا (٣) أفعله قطُّ. وقال ابن مالكٍ في «شواهد التوضيح»: قد يستعملُ قط غير مسبوقةٍ بنفي، وهو ممَّا خَفِي على كثيرٍ من النَّحويين؛ لأنَّ المعهود استعمالها لاستغراق الزَّمان الماضي بعدَ نفي نحو: ما فعلته قطُّ، وقد جاء في حديث حارثةَ بن وهبٍ: صلَّى بنا رسول الله ﷺ ونحن أكثر ما كنَّا قط [خ¦١٦٥٦]. قال في «العمدة»: ويحتمل أن

стр. 10804

يكون الكلام بمعنى النَّفي، والتَّقدير: ونحن ما كنَّا قطُّ أكثر منا (١) يومئذٍ (قَالَ) أبو مسعود (٢): (فَقَالَ) ﷺ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) للنَّاس عن (٣) حضور الجماعة (فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ) أي: فليخفِّف، و «ما» زائدة للتَّأكيد (فَإِنَّ فِيهِمُ) في النَّاس (المَرِيضَ وَ) الشَّيخ (الكَبِيرَ، وَذَا الحَاجَةِ) أي: صاحبها الَّذي يخشى فواتها لو طوَّل (٤)، فيصيرُ ملتفتًا لحاجته (٥)، فيتضرَّر إمَّا بفواتها، أو بتركِ الخشوعِ والخضوع. والحديثُ سبقَ في «صلاة الجماعة» [خ¦٧٠٤]. ٦١١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلَمةَ التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بضم الجيم مصغَّرًا، ابنُ أسماء (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁¬) وعن أبيه، أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي رَأَى فِي) جدار (قِبْلَةِ المَسْجِدِ نُخَامَةً) بضم النون وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف ميم، ما يخرج من الصَّدر، أو النُّخاعة -بالعين- من الصَّدر، وبالميم من المعدة (فَحَكَّهَا) بالكاف، أي: النُّخامة (بِيَدِهِ، فَتَغَيَّظَ) لله تعالى (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللهَ حِيَالَ وَجْهِهِ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف التحتية، أي: مقابلَ وجهه، والله تعالى منزَّهٌ عن الجهةِ والمكان، فليس المرادُ ظاهر اللَّفظ؛ إذ هو محالٌ، فيجبُ تأويله، فقيل: هو على التَّشبيه، أي: كأنَّ الله في مقابلةِ وجهه، وقيل غير ذلك ممَّا يليق بالمقام العالي (فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ) أحدكم (حِيَالَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ). والحديثُ سبق في «حلِّ البصاق»، من «كتاب الصلاة» [خ¦١٢١٣]، والمطابقةُ هنا بينه وبين التَّرجمة في قولهِ: «فتغيَّظ».

стр. 10805

٦١١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو: ابنُ سلام قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيُّ الأنصاريُّ الزرقيُّ قال: (أَخْبَرَنَا رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فرُّوخُ مولى آل المُنكدر أبو عثمان، فقيهُ المدينة صاحب الرَّأي (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة (مَوْلَى المُنْبَعِثِ) بضم الميم وسكون النون وفتح الموحدة وكسر المهملة بعدها مثلَّثة، مدنيٌّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ) أبي عبد الرَّحمن، أو أبي زُرعة، أو أبي طلحة، شهد الحديبية ﵁ (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ (١) ﷺ ¬) الرَّجل هو: عميرٌ أبو مالكٍ، رواه الإسماعيليُّ وأبو موسى في «الذَّيل» من طريقه، وفي «الأوسط» للطبرانيِّ أنَّه زيد بن خالدٍ الجهنيِّ. وفي رواية سفيان الثَّوريِّ عن ربيعة عند المصنِّف: «جاء أعرابيٌّ» [خ¦٢٤٣٧] وعند ابن بَشْكوال أنَّه بلالٌ، وتُعقِّب بأنَّه لا يقال له: أعرابيٌّ، ولكنَّ الحديث في أبي داود، وفي رواية صحيحة: «جئتُ أنا ورجلٌ معي». فيفسَّر الأعرابي بغيرِ أبي مالك، ويحتملُ أنَّه وزيدُ بن خالد سألا عن ذلك، وكذا بلال، وفي «معجم البغوي» وغيره بسندٍ جيِّدٍ من طريق عقبة (٢) بن سويد، عن أبيه، قال: سألت رسول الله ﷺ (عَنِ اللُّقَطَةِ) قال في «المقدمة»: وهو أولى ما فسِّر به المبهم الَّذي في الصَّحيح (فَقَالَ) ﷺ : (عَرِّفْهَا سَنَةً) ظرفٌ، أي: في سنة (ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا) بكسر الواو وبالهمز ممدودًا، خيطَها الَّذي تشدُّ به، والفاعل ضمير الملتقطِ السَّائل بمعنى إذا وجدتها (وَعِفَاصَهَا) بكسر العين المهملة وبالفاء والصاد المهملة، الوعاء الَّذي تكون فيه النَّفقة جلدًا كان أو غيره (ثُمَّ اسْتَنْفِقْ) بكسر الفاء وجزم القاف، أي: استمتِع (بِهَا) وتصرَّف فيها (فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا) مالكها (فَأَدِّهَا إِلَيْهِ. قَالَ)

стр. 10806

الرَّجل: (يَا رَسُولَ اللهِ فَضَالَّةُ الغَنَمِ) ما حُكمها؟ (قَالَ) ﷺ : (خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ) إن أخذتَهَا (أَوْ لأَخِيكَ) يجدها فيأخذهَا أو مالكهَا (أَوْ لِلذِّئْبِ) إن لم تأخذْها أنت، أو غيرك، أو مالكها، والمراد التَّحريض على أخذهَا حِفظًا لحقِّ صاحبهَا (قَالَ) الرَّجل: (يَا رَسُولَ اللهِ فَضَالَّةُ الإِبِلِ) ما حُكمها؟ (قَالَ) زيد بن خالدٍ: (فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ) من شدَّة الغضبِ (أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (ثُمَّ قَالَ: مَالَكَ وَلَهَا؟) استفهامٌ إنكاريٌّ مبتدأ، والخبرُ في المجرور، أي: ما كائنٌ لك، و «لها» معطوف على «ما لك» أي: لمَ تأخذها وهي مستقلَّةٌ بمعيشتهَا (مَعَهَا حِذَاؤُهَا) بكسر الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة (وَسِقَاؤُهَا) بكسر السين المهملة ممددًا، وهذا من المجازِ عبر ﷺ للرَّجل بما يفهم منه المنعَ من أخذها؛ لأجل الحفظ والسِّقاء وهو خفُّها وكرشها مع صبرها (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) مالكها، فهي لا تحتاجُ إلى حفظٍ لأنَّها محفوظةٌ بما خلقَ الله فيها من القوَّة والمنعةِ، وما يسَّر لها من الأكل والشُّرب. والحديثُ سبق في «اللُّقطة» [خ¦٢٤٢٧]. ٦١١٣ - (وَقَالَ المَكِّيُّ) بن إبراهيمَ شيخ المؤلِّف فيما وصله الإمامُ أحمد والدَّارميُّ في «مسنديهما» و «المكيُّ» اسمٌ له لا نسبةً لمكة (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن أبي هندٍ الفزاريُّ (ح) (١) قال البخاريُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «وحَدَّثني» بالواو (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الزِّياديُّ، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث، قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف

стр. 10807

بغُنْدر قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (١)، ابن أبي هندٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (٢) (سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ) بالضاد المعجمة الساكنة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين وفتح الموحدة (عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) بضم الموحدة وسكون المهملة، وسعِيد: بكسر العين، المدنيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: احْتَجَرَ) بالحاء المهملة الساكنة وفتح الفوقية والجيم بعدها راء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «احتجز» بالزاي بدل الراء (رَسُولُ اللهِ ﷺ حُجَيْرَةً) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وسكون التحتية، مصغَّرًا، وللكُشميهنيِّ: «حَجِيرة» بفتح الحاء وكسر الجيم، أي: حوَّط مَوْضعًا من المسجدِ بحصيرٍ يسترهُ ليصلِّي فيه ولا يمرُّ عليه أحدٌ، ومعنى الَّتي بالزاي بناء (٣) حاجزًا، أي: مانعةً بينه وبين النَّاس (مُخَصَّفَةً) بضم الميم وفتح المعجمة والمهملة المشددة بعدها فاء، متَّخذة من سَعَف. قال ابن بطَّال: يقال: خصفتُ على نفسي ثوبًا، أي: جمعتُ بين طرفيهِ بعودٍ أو خيطٍ، وفي نسخة: «بِخَصْفَةٍ» بموحدةٍ بدل الميم وتخفيف الصاد (أَوْ: حَصِيرًا) بالشَّكِّ من الرَّاوي، وهما بمعنًى واحدٍ. زاد في «باب صلاة اللَّيل»: في رمضان [خ¦٧٣١] (فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٤) يُصَلِّي إِلَيْهَا، فَتَتَبَّعَ) بفتح الفوقيتين والموحدة المشددة (إِلَيْهِ رِجَالٌ) من التَّتبع وهو الطَّلب، أي: طلبوا موضعَهُ (وَجَاؤُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، ثُمَّ جَاؤُوا لَيْلَةً فَحَضَرُوا وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا) بالحاء والصاد المهملتين والموحدة، رموا (البَابَ) بالحصباء، وهي الحصاة الصَّغيرة تنبيهًا له لظنِّهم أنَّه نسيَ (فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ) ﷺ حال كونه (مُغْضَبًا) بفتح الضاد؛ لكونهم اجتمعوا بغيرِ أمرهِ ولم يكتفوا بالإشارة منه لكونه لم يخرجْ إليهم، بل بالغُوا وحصبُوا بابه، أو لكونهِ تأخَّر إشفاقًا عليهم؛ لئلَّا تفرضَ عليهم وهم يظنُّون غير ذلك (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا زَالَ بِكُمْ) أي: متلبِّسًا بكم (صَنِيعُكُمْ) أي: مصنوعكُم، وهي (٥) صلاتُكُم (حَتَّى ظَنَنْتُ) أي: خفتُ (أَنَّهُ سَيُكْتَبُ) أي: سيُفْرَضُ (عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ) المفروضةُ، وما شُرع جماعة.

стр. 10808

والحديثُ سبق في «باب صلاة اللَّيل» من «كتاب الصلاة» [خ¦٧٣١]. (٧٦) (بابُ الحَذَرِ مِنَ الغَضَبِ) وهو شعلةُ نارٍ صفة شيطانيَّة، وحقيقته غليان دمِ القلبِ بنارِ غضبهِ لإرادةِ الانتقام (لِقَوْلِ اللهِ (١) تَعَالَى) في سورة الشورى: (﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾) أي: الكبائرَ من هذا الجنسِ، والكبيرةُ ما توعد عليه، وقرأ حمزة والكسائيُّ: ﴿كَبِيرَ﴾ كقدير، ونقل الزَّمخشريُّ عن ابن عبَّاس: إنَّ الإثم هو الشِّرك. وتعقِّب بأنَّه تقدَّم ذكرُ الإيمانِ وهو يقتضِي عدم الشِّرك، ولعلَّ المراد بالكبائر: ما يتعلَّق بالبدعِ والشُّبهات، وبالفواحشِ ما يتعلَّق بالقوَّة الشَّهوانيَّة (﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا﴾) من أمورِ دنياهم (﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]) أي: هم الأخصَّاء بالغفرانِ في حال الغضب، أي: يحلمون ويكظمُون الغيظَ، وخصَّ الغضب بلفظ الغفران لأنَّ الغضبَ على طبع النَّار استيلاؤه (٢) شديدٌ ومقاومته صعبةٌ، فلهذا خصَّه الله بهذا اللَّفظ، وإذا نصب بـ ﴿يَغْفِرُونَ﴾ و ﴿يَغْفِرُونَ﴾ خبرٌ لهم، والجملة عطفٌ على الصِّلة، وهي (٣) ﴿يَجْتَنِبُونَ﴾ (وَ ﴿الَّذِينَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقولهِ : ﴿الَّذِينَ﴾» (﴿يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء﴾) في حال اليُسر والعُسر، وسواء (٤) كانوا في سرورٍ أو حزنٍ، وسواء (٥) سرَّهم ذلك الإنفاق بأنَّ كان على وفقِ طبعِهِم، أو ساءهُم بأن كان على خلافهِ، فإنَّهم لا يتركونهُ (﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾) أي: المُمْسكين الغيظَ عن الإمضاءِ. يقال: كظمَ القربةَ، إذا ملأها وشدَّ فاهَا، ومنه كظم الغيظَ، وهو أن يمسكَ على ما في نفسه منه بالصَّبر ولا يُظهِر له أثرًا. والغيظ (٦) توقُّد حرارة القلب من الغضبِ. وقال ابنُ الأثير: كَظْم الغيظِ تجرُّعه واحتمالُ سيِّئه والصَّبر عليه. وفي حديث سهلِ بن سعدٍ، عن أبيه عند أبي داود والتِّرمذيِّ وابن ماجه مرفوعًا: «مَن كظَمَ غيظًا وهو يقدرُ أن ينفذَهُ دعاهُ الله على رؤوسِ الخلائقِ يوم القيامة حتَّى

стр. 10809

يخيِّره في أيِّ الحورِ شاءِ». وروي عن عائشة ﵂ ممَّا ذكره في «الكشاف»: أنَّ خادمًا لها غاظَهَا فقالت: لله درُّ التَّقوى ما تركتْ لذي غيظٍ شفاء. قال في «فتوح الغيب»: جعلت ﵂ الانتقامَ شفاء للغيظ تنبيهًا على أنَّ الغيظَ مرضٌ؛ لأنَّه عرض نفسانيٌّ يجده الإنسان عند غليان دم قلبهِ. تريد: إنَّ المتَّقي إذا كظمَ غيظَه لا يمرض قلبه فلا يحتاج إلى التَّشفِّي، أي: لا غيظَ له حتَّى يتشفَّى بالانتقامِ (﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾) إذا جنى عليهم أحدٌ لم يؤاخذُوه، وفي «شعب البيهقي» عن عمران (١) بن الحصين مرفوعًا: «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ (٢) من بُطْنانِ العرشِ: لِيقُم الَّذين كانت أُجُورهم على اللهِ فلا يقومُ إلَّا من عفا» (﴿وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]) اللَّام للجنسِ فيتناول كلَّ محسنٍ ويدخلُ تحتَه هؤلاء المذكورون، أو للعهد فالإشارةُ (٣) إليهم، والإحسانُ أن تحسنَ إلى المسيءِ، فإنَّ الإحسان إلى المحسنِ (٤) مكافأة، والآية -كما في «اللباب» - من أقوى الدَّلائل على أنَّ الله تعالى يعفو عن العُصاة؛ لأنَّه مدحَ الفاعلين لهذهِ (٥) الخصال، وهو أكرمُ الأكرمين، والعفوُّ الغفورُ الحليم (٦)، والآمر بالإحسان، فكيف يمدحُ بهذه الخصال ويندبُ إليها ولا يفعلها إنَّ ذلك لممتنعٌ في (٧) العقول. وقد سقط في رواية أبي ذرٍّ قوله: «﴿وَالْعَافِينَ﴾ … » إلى آخرها. وقال بعد قولهِ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ «الآية». واستدلَّ البخاريُّ ﵀ بالآيتين (٨) للحذرِ من الغضب، لكن قال في «فتح الباري»: إنَّه ليس فيهما (٩) دليلٌ على ذلك إلَّا أنَّه لَمَّا ضمَّ من يكظم غيظَه إلى من يجتنبُ الفواحش كان ذلك إشارة إلى المقصود. وتعقَّبه في «عمدة القاري» بأنَّ في كلٍّ من الآيتين دَلالةٌ عليه؛ لأنَّ الأولى تمدحُ (١٠)

стр. 10810

الَّذين يجتنبون كبائرَ الإثم والفواحش، وإذا كان مدحًا يكون ضدُّه ذمًّا، ومن المذمومِ عدم التجاوز (١) عند الغضب، فدلَّ على التَّحذير من الغضب المذمومِ، وأمَّا الآية الثَّانية ففي مدحِ المتَّقين الموصوفين بهذهِ الأوصاف، فدلَّ (٢) على أنَّ ضدَّها مذمومٌ، فعدمُ كظم الغيظِ، وعدم العفو عين الغضبِ، فدلَّ على التَّحذير منه، والله الموفق. ٦١١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) الدِّمشقيُّ التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ) فلا يغضبُ، والصُّرَعة بضم المهملة وفتح الراء، وهو من أبنيةِ المبالغة، وكل ما (٣) جاء بهذا الوزن بالضَّم والفتح كهُمزة ولُمزة وحُفَظة وضُحَكة، والمراد بالصُّرَعة من يصرعُ النَّاس كثيرًا بقوَّته فنقل إلى الَّذي يملك نفسَه عند الغضبِ، فإنَّه إذا ملكها كان قد قهرَ أقوى أعدائهِ وشرَّ خصومهِ، ولذا قيل: أعدَى عدوٍّ لك (٤) نفسك الَّتي بين جنبيكَ، وهذا من الألفاظِ الَّتي نُقِلتْ عن موضوعها اللُّغوي لضربٍ (٥) من التَّوسُّع والمجاز، وهو من فصيح الكلام لأنَّه لمَّا كان الغضبان بحالةٍ شديدةٍ من الغيظِ، وقد (٦) ثارتْ عليه شهوةُ الغضبِ فقهرهَا بحِلْمهِ وصرعهَا بثَباتهِ، كان كالصُّرعة الَّذي يصرع الرِّجال ولا يصرعونَهُ. وفي حديثِ ابنِ مسعود عند مسلم مرفوعًا: «ما تعدُّون الصُّرعة فيكمْ؟ قالوا: الَّذي لا يصرعه الرِّجال» وعند البزَّار بسندٍ حسن، عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ بقومٍ يصطرعون، فقال: «ما هذا؟» قالوا: فلانٌ ما يصارعُ أحدًا

стр. 10811

إلَّا صرعَهُ. قال: «أفلا أدلُّكم على مَن هو أشدُّ منهُ رجلٌ كلَّمه رجلٌ فكظَمَ (١) غيظهُ، فغلبَهُ وغلبَ شيطانه، وغلبَ شيطانَ صاحبه». وحديثُ الباب أخرجه مسلمٌ في «الأدب»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة». ٦١١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أبو الحسن العبسيُّ مولاهم الحافظ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميدِ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران الكوفيِّ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ) بضم السين، و «صُرَد» بضم الصاد وفتح الراء، الخزاعيُّ الكوفيُّ الصَّحابيُّ ﵁، أنَّه (٢) (قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ) لم يسمَّيا، أي: تشاتما (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ) يشتمه حال كونه (مُغْضَبًا) بفتح الضاد المعجمة (قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ) من شدَّة الغضب (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُ) من الغضبِ (لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لأنَّ الشَّيطان هو الَّذي يزيدُ (٣) للإنسان الغضبَ، فالاستعاذةُ من أقوى السِّلاح على دفعِ كيدهِ (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة (لِلرَّجُلِ) وفي «سنن أبي داود» أنَّه (٤) معاذُ بن جبلٍ: (أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ) لم يعلم أنَّ الغضب نوعٌ من مسِّ الشيطان، ولعلَّه -كما قال النَّوويُّ- من المنافقين، أو من جفاةِ الأعراب. والحديث سبق في «صفة (٥) إبليس» [خ¦٣٢٨٢] وفي «باب (٦) السِّباب واللَّعن» [خ¦٦٠٤٨].

стр. 10812

وفيه: أنَّ الاستعاذة تُعين على تركِ الغضب، وكذا استحضار ما في كظمِ الغيظ من الفضلِ، وما في عاقبة الغضب من الوعيدِ، وأن يستحضرَ أن لا فاعل إلَّا الله، وكلُّ فاعلٍ غيره فهو آلةٌ له، فمن توجَّه إليه مكروهٌ من غيره واستحضرَ أن لو شاء الله لم يمكن ذلك الغير منه اندفعَ غضبه؛ لأنَّه لو غضبَ والحالة هذه كان غضبُه على ربِّه وهو خلافُ العبوديَّة، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في أمر الَّذي غضب بالاستعاذة لأنَّه إذا توجَّه إلى ربِّه حينئذٍ بالاستعاذة أمكنَهُ استحضارُ ما ذكر، والله الموفِّق. ٦١١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) الزِّمِّيُّ -بكسر الزاي والميم المشددة-، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابنُ عَيَّاشٍ) بالتحتية المشددة والشين المعجمة، راوي عاصم أحد القرَّاء السَّبعة (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عُثمان بن عاصم الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا) اسمه جَارية -بالجيم- ابن قُدامة، كما عند أحمد وابن حبَّان (قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِنِي. قَالَ) ﷺ له (١): (لَا تَغْضَبْ) زاد الطَّبرانيُّ من حديث سفيان (٢) بن عبد الله الثَّقفيِّ: «ولك الجنَّة». (فَرَدَّد) ﷺ (مِرَارًا، قَالَ (٣): لَا تَغْضَبْ (٤)) زاد في رواية: «ثلاثًا». قال الخطابيُّ: أي اجتنبْ أسبابَ الغضبِ، ولا تتعرَّض لِمَا يجلبه لأنَّ نفس الغضبِ مطبوعٌ في الإنسان لا يمكن إخراجهُ من جبلَّته. وقال ابن حبَّان: أراد لا تعملْ بعد الغضبِ شيئًا ممَّا نُهيت عنه لا أنَّه نهاهُ عن شيءٍ جبلَ عليه، ولا حيلةَ له في دفعه، وقد اشتملتْ هذه الكلمة اللَّطيفة من الحكم واستجلابِ المصالح

стр. 10813

والنِّعم ودرءِ المفاسد والنِّقم على ما لا يحصَى بالعَدِّ، وقد بيَّن ذلك ما نقلَه في «الفتح» وأشارَ إليه في «قوت الأحياء» مع زيادة وهو أنَّ الله خلق الغضب من النَّار، وجعله غريزةً في الإنسان، فمهما قصدَ (١) أو نُوزع في غرضٍ ما اشتعلتْ نار الغضبِ وثارتْ حتَّى يحمرَّ الوجه والعينان من الدَّم؛ لأنَّ البشرةَ تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونهُ واستشعرَ القدرةَ عليه، وإن كان ممن (٢) فوقه تولَّد منه انقباض الدَّم من ظاهر الجلدِ إلى جوفِ القلب فيصفرُّ اللَّون حزنًا، وإن كان على النَّظير تردَّد الدَّم بين انقباضٍ وانبساطٍ فيحمرُّ ويصفرُّ، ويترتَّب على الغضبِ تغيُّر الظَّاهر والباطن كتغيُّر اللَّون والرِّعدة في الأطرافِ، وخروجِ الأفعال على غير ترتيبٍ واستحالةِ الخلقة حتَّى لو تراءى الغضبانُ نفسه في حال (٣) غضبه؛ لسكن غضبُه حياءً من قبحِ صورتهِ واستحالةِ خلقتهِ، هذا كلُّه في الظَّاهر، وأمَّا الباطن فقبحُه أشدُّ من الظَّاهر لأنَّه يولِّد الحقدَ في القلبِ، والحسدَ، وإضمارَ السُّوء، ويزيدُ (٤) الشَّماتةَ وهجرَ المسلم ومصارمتَه والإعراضَ عنه والاستهزاءَ والسُّخريةَ ومنعَ الحقوق، بل أوَّل شيءٍ يقبُحُ منه باطنُه، وتغيُّر ظاهرِهِ ثمرةُ تغيِّر باطنهِ، وهذا كلُّه أثرهُ في الجسد، وأمَّا أثرهُ في اللِّسان فانطلاقُه بالشَّتم والفُحش الَّذي يستحِي منه العاقلُ، ويندَمُ قائلُه عند سكونِ الغضب، ويظهرُ أثرُ الغضبِ أيضًا في الفعل بالضَّرب والقتلِ، وإن فاتَ بهربِ المغضوبِ عليه رجعَ إلى نفسهِ، فيمزِّق ثوبَ نفسهِ ويلْطِمُ خدَّه، وربما سقط صريعًا، وربَّما أغمِي عليه، وربَّما كسر الآنيةَ، وضربَ من ليس له في ذلك جريمةٌ، وبالاعتدالِ تتمُّ المصالح، وشفاء كلِّ علَّةٍ ضدُّها بلا إسرافٍ، فاقمعْ أسباب الغضبِ من الكِبْر والفَخْرِ والهزل والمزحِ والتَّعييرِ والمماراةِ والغدرِ والحرصِ على فضول المالِ أو (٥) الجاه، فإذا أُغْضِبتَ تثبَّتْ ثمَّ تفكَّر فضلَ كظمِ الغيظِ ونحوه، وأحسنْ تَفُزْ بما أخبرَ به تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] أو اعْفُ، ولا تقابلْ فتُقابل، وأطعِ الله فيمن

стр. 10814

أساءَ إليك، وأنلْهُ فضلك (١) يُمْنح بحسنِ خُلُقكَ حبَّك، وأرغمِ الشَّيطان بالمبالغةِ في الإحسان (٢)، فإنَّه متى علم الشَّيطان منك أنَّه كلَّما وسوس إليك بجفاءٍ بادرت الوفاءَ صار أكثر كيده، أنَّه (٣) لا يأتيكَ كي يمنعكَ مخالفتهُ، ومتى ضررت عدوَّك بما ضرَّ دينك فبنفسكَ بدأتَ، فاخترْ لنفسكَ ما يحلو، وبالله التَّوفيق والمستعان. والحديثُ أخرجهُ التِّرمذيُّ في «البِرِّ». (٧٧) (بابُ) فضلِ (الحَيَاءِ) بالمد، وهو تغيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوفِ ما يعابُ به ويُذمُّ، وفي الشَّرع خلقٌ يبعث على اجتناب القبيحِ، ويمنع من التَّقصير في حقِّ ذي الحقِّ. ٦١١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَبِي السَّوَّارِ) بفتح السين المهملة والواو المشددة بعد الألف راء، حسَّان بن حُرَيثٍ -بضم الحاء المهملة آخره مثلثة- مصغَّرًا (العَدَوِيِّ (٤) قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) الخُزاعيَّ أبا نُجَيد أسلم مع أبي هريرةَ ﵄ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ) لأنَّه يحجزُ صاحبَهُ عن ارتكابِ المحارم، ولذا كان من الإيمانِ، كما في الحديث الآخر [خ¦٦١١٨] لأنَّ الإيمان ينقسمُ إلى ائتمارٍ بما (٥) أمرَ الله به، وانتهاءٍ عمَّا نَهى عنه، وعند الطَّبرانيِّ من وجهٍ آخر

стр. 10815

عن عمرانِ بن حصين: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنَّة». فإن قيل: الحياءُ من الغرائزِ فكيف جعلَ من الإيمان. أُجيب بأنَّه قد يكون غريزةً وقد يكون تخلُّقًا، ولكنَّ استعماله على وفقِ الشَّرع يحتاجُ إلى اكتسابٍ وعلمٍ ونيَّةٍ، فهو من الإيمانِ لهذا؛ لكونهِ باعثًا على فعل الطَّاعة وحاجزًا عن المعصيةِ، ولا يقال: رُبَّ حياءٍ يمنعُ عن قولِ الحقِّ أو فعل الخير؛ لأنَّ ذلك ليس شرعيًّا (فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة مصغَّرًا، العَدَويُّ البصريُّ، التَّابعيُّ الجليل: (مَكْتُوبٌ فِي الحِكْمَةِ) قال في «الكواكب»: هي العلم الَّذي يبحثُ فيه أحوال حقائقِ الموجوداتِ، وقيل: العلم المُتْقَنُ الوافي (إِنَّ مِنَ الحَيَاءِ وَقَارًا) حلمًا ورزانةً (وَإِنَّ مِنَ الحَيَاءِ سَكِينَةً) دعةً وسكونًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «السَّكينة» بزيادة الألف واللام (فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ) وفي رواية أبي قتادة (١) العدويِّ، عن عمران «أنَّ منه سكينةً ووقارًا لله، ومنه ضَعْفٌ» وهذه الزِّيادةُ متعيِّنةٌ، ولأجلها غضبَ عمران، كما قاله في «الفتح». وقال في «الكواكب»: إنَّما غضبَ لأنَّ الحجَّة إنَّما هي في سنَّة رسول الله ﷺ لا فيما (٢) يروى عن كتب الحكمةِ؛ لأنَّه لا يدري ما في حقيقتَها ولا يعرف صدقَها. وقال القرطبيُّ: إنَّما أنكرَ عليه من حيثُ إنَّه ساقه في معرضِ من يُعارض كلام النُّبوَّة بكلام غيره، وقيل: لكونه خاف أن يَخْلِط السُّنَّة بغيرها، وإلَّا فليس في ذكر السَّكينة والوقارِ ما يُنافي كونه خيرًا، وفي رواية أبي قتادة: فغضب عمران حتَّى احمرَّت عيناهُ، وقال: ألا أراني أحدِّثك عن رسولِ الله ﷺ وتعارض فيه. قال الحافظ ابن حجرٍ: وقد ذكر مسلمٌ في «مقدِّمة صحيحه» لبُشَير بن كعبٍ هذا قصَّة مع ابن عبَّاس تشعرُ بأنَّه كان يتساهلُ في الأخذِ عن كلِّ من لقيهُ. انتهى. قلت: ولفظُ مسلمٍ عن مجاهد قال: جاء بُشَيرٌ العدويُّ إلى ابن عبَّاس فجعل يحدِّث ويقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ (٣)، فجعل لا يأذَنُ لحديثهِ ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عبَّاس ما لي لا أراك تسمعُ لحديثِي، أحدِّثك عن رسولِ الله ﷺ ولا تسمعُ.

стр. 10816

فقال ابن عبَّاس: إنَّا كنَّا مرَّةً إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسولُ الله ﷺ ابتدرتهُ أبصارُنا وأصغينَا إليه بآذاننَا، فلما ركب النَّاسُ الصَّعب (١) والذَّلول لم نأخذْ من النَّاس إلَّا ما نعرفُ. وقوله: فجعلَ لا يأذَن لحديثه -بفتح الذال المعجمة-، أي: لا يسمعُ ولا يُصغي. وقولهِ: مرَّة، أي: وقتًا؛ ويعني به قبل ظهور الكذبِ. والصَّعب والذَّلول في الإبلِ، فالصَّعب العسرُ المرغوبُ عنه، والذَّلول السَّهل الطَّيِّب المرغوبُ فيه، أي: سلكَ النَّاس كلَّ مسلكٍ ممَّا (٢) يُحمَد ويذمُّ وهيهات، أي: بَعُدت استقامتُكم، أو بَعُدَ أن يُوثق بحديثكُم. ٦١١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بنِ يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، الماجشون قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ) زاد في «الإيمان» من الأنصارِ [خ¦٢٤]. ولم يعرف اسمهُ، ولا اسمَ أخيه الحافظُ ابن حجرٍ (وَهْوَ يُعَاتَبُ (٣) أخَاهُ) في النَّسب، أو في الإسلام (فِي) شأن (الحَيَاءِ) حالَ كونه (يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحِي) بكسر الحاء وتحتية واحدة، والَّذي في «اليونينية» بسكون الحاء وتحتيَّتين (٤)، وللحَمُّويي والمُستملي: «تستحْيي» بإسقاط اللام وسكون الحاء وتحتيَّتين (حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ) الحياءُ وكأنَّه كان كثيرَ الحياء، فكان ذلك يمنعُه عن استيفاءِ حقوقهِ، فعاتبهُ أخوه على ذلك (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دَعْهُ) أي: اتركهُ على هذا الخُلق السَّني، ثمَّ زاده في ذلك ترغيبًا بقولهِ: (فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبةً منه، فمِن للتَّبعيض.

стр. 10817

٦١١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، الجوهريُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا (١) شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيِّ (عَنْ مَوْلَى أَنَسٍ) هو ابنُ مالكٍ الأنصاريِّ (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ) بضم العين وسكون الفوقية، وقيل: عبيد الله بالتَّصغير، وقيل: عبد الرَّحمن قال: (سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) الخدريَّ ﵁ (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ) بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة، البِكر (فِي خِدْرِهَا) بكسر الخاء المعجمة وسكون المهملة، في سترها المعدِّ لها في جانبِ البيت. والحديثُ مضى في «باب من لم يواجه النَّاس بالعِتاب» [خ¦٦١٠٢] قريبًا وفي «باب صفتهِ ﷺ » [خ¦٣٥٦٢]. (٧٨) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا لَمْ تَسْتَحِي) بكسر الحاء (فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ). ٦١٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) اليربوعيُّ، واسم أبيه عبدُ الله، ونسبه لجدِّه لشهرته به، قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) أبو خيثمة بنُ معاوية الحافظ، الجُعفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو: ابنُ المعتمر (عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ) بكسر الراء والعين المهملة بينهما موحدة ساكنة آخره تحتيَّة مشدَّدة، و «حِرَاش» بكسر الحاء المهملة وفتح الراء وبعد الألف معجمة، أبي مريم العبسيِّ الكوفيِّ، العابد المخضرم قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ) عقبةُ بن عَمرو (٣) البدريُّ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ) بالرَّفع والعائد إلى ما محذوفٌ، أي: ما أدركَه النَّاس (مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى) بسكون الواو بعد الهمزة المضمومة، أي: من شرائعِ الأنبياء السَّابقين ممَّا

стр. 10818

اتَّفقوا عليه ولم ينسخْ ولم يبدَّل؛ للعلمِ بصوابهِ واتِّفاق العقولِ على حُسنه، فالأوَّلون والآخرون من الأنبياء على منهاجٍ واحد في استحسانه (إِذَا لَمْ تَسْتَحِي) بكسر الحاء، أي: إذا لم يكن معك حياءٌ يمنعكَ من القبيحِ (فَاصْنَعْ) وفي حديث بني إسرائيل: «فافعل» [خ¦٣٤٨٣] (مَا شِئْتَ) ما تأمرك به النَّفس من الهوى، وإذا أردتَ فعلًا ولم يكن ممَّا تستحي من فعلهِ شرعًا فافعلْ ما شئت فالأمرُ للإباحةِ، وعلى الأوَّل للتَّهديد كقولهِ تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] أو بمعنى الخبر، أي: إذا لم يكنْ لك حياءٌ يمنعكَ من القبيحِ صنعتَ ما شئتَ. والحديثُ سبقَ في «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٨٣]. (٧٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه بيان (مَا لَا يُسْتَحْيَا (١) مِنَ الحَقِّ، لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ) وهذا يخصِّص قوله في الحديث السَّابق: «الحياءُ خيرٌ كلُّه» إذ الحياء في السُّؤال عن الدِّين لا يجوزُ، فهو مذمومٌ كما لا يخفى، وقوله (٢): يُسْتَحيا مبنيٌّ للمفعول. ٦١٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنتِ» (أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هندِ بنت أبي أميَّة زوج النَّبيِّ ﷺ (¬﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) بضم السين وفتح اللام، أمُّ أنس بن مالكٍ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِي) بكسر الحاء (مِنَ الحَقِّ) أي: لا يمتنعُ منه ولا يتركهُ ترك الحييِّ منَّا، قالته اعتذارًا عن تصريحهَا بما تنقبضُ عنه النُّفوس البشريَّة لا سيَّما بحضرة الرِّسالة (٣)، أي: إنَّ الله تعالى بيَّن لنا أنَّ الحقَّ ليس ممَّا يُسْتَحيا منه، وسؤالها هذا كان من الحقِّ الَّذي ألجأتِ الضَّرورة إليه

стр. 10819

(فَهَلْ) يجبُ (عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ) بغير زيادة من (إِذَا احْتَلَمَتْ؟) بغير زيادة هي، أي: وُطِئت في منامها (فَقَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) يجب عليها الغسل (إِذَا رَأَتِ المَاءَ) أي: المنيَّ موجودًا، فالرُّؤية علميَّة تتعدَّى إلى مفعولين الثَّاني مقدَّرٌ كما مرَّ [خ¦٢٨٢] أو غير ذلك. قال أبو حيَّان: وحذف أحد (١) مَفْعولي رأى وأخواتها عزيزٌ، وقد قيل في قولهِ تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] أي: البخلُ خيرًا، والظَّاهر أنَّ الرُّؤية هنا بصريَّة فتتعدَّى إلى واحدٍ، وينبني على ذلك أنَّ المرأةَ إذا علمتْ أنَّها أنزلت ولم ترَ ماءً (٢) لا غُسل عليها. والحديثُ سبق في «الغسلِ» [خ¦٢٨٢]. ٦١٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) بكسر الدال المهملة وتخفيف المثلثة، السَّدوسيُّ قاضي الكوفة، من جلَّة العلماء والزُّهَّاد (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، لَا يَسقطُ وَرَقُهَا، وَلَا يَتَحَاتُّ) بتشديد المثناة الفوقية الأخيرة مرفوعًا، لا يتناثرُ ولا يحتكُّ بعضُ أوراقها ببعضٍ فتسقطَ (فَقَالَ القَوْمُ) وفيهم العُمَران: (هِيَ شَجَرَةُ كَذَا، هِيَ شَجَرَةُ كَذَا) قال ابن عمر: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ) وفي رواية مجاهد «فأردتُ أن أقولَ: هي النَّخلة، فإذا أنا أصغرُ القوم» [خ¦٧٢] وله في «الأطعمة» فإذا أنا عاشر عشرةٍ أنا أحدثُهم [خ¦٥٤٤٤] (فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالَ) النبي ﷺ : (هِيَ النَّخْلَةُ) وعند البزَّار من طريق سفيان بنِ حسين، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عمر بإسنادٍ صحيح، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «مثلُ

стр. 10820

المؤمنِ كمثل النَّخلة ما أتاكَ منها نفعَكَ» ففيه الإفصاح (١) بالمقصود بأوجز عبارةٍ، وأحسنِ إشارةٍ، وأمَّا من زعم أنَّ موقع التَّشبيه بين المسلم والنَّخلة من جهة كونِ النَّخلة إذا قُطعَ رأسها ماتت، وأنَّها لا تحملُ حتَّى تُلقَّح، وأنَّ لِطَلعها رائحة كرائحةِ منيِّ الآدميِّ، أو لأنَّها تعشَقُ، أو لأنَّها تشربُ من أعلاها، فكلُّها -كما قال في «الفتح» - ضعيفةٌ. وسبق الحديث في «كتاب العلم» [خ¦٦١] [خ¦٧٢]. (وَعَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج -بالإسناد السَّابق- أنَّه قال: (حَدَّثَنَا خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى، الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) أي: ابن عمر بنِ الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) عمِّه (مِثْلَهُ) أي: مثلَ الحديث السَّابق (وَزَادَ) فيه قال ابنُ عمر: (فَحَدَّثْتُ بِهِ) أبي (عُمَرَ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) أي: «من حُمُر النَّعم» كما في الرِّواية الأخرى، ووجه تمنِّي عُمر ما طُبع الإنسان عليه من محبَّة الخيرِ لنسلهِ (٢)، ولتظهرَ فضيلة الولد في الفهمِ من صغرهِ ليزدادَ من النَّبيِّ ﷺ حَظْوةً. ٦١٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا مَرْحُومٌ) بالحاء المهملة، ابن عبد العزيز البصريُّ العطَّار قال: (سَمِعْتُ ثَابِتًا) البُنانيُّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) لم أعرف اسمها (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا) ليتزوَّجها (فَقَالَتْ): يا رسول الله (هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي) أن تتزوَّجني؟ (فَقَالَتِ ابْنَتُهُ) أي: ابنةُ أنس أُمَيْنة -بضم الهمزة وفتح الميم وبعد التَّحتيَّة الساكنة نون-، مصغَّرًا (مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا. فَقَالَ) أنسٌ: (هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، عَرَضَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ نَفْسَهَا) ليتزوَّجها وتصير من أمَّهات المؤمنين. ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من هنا؛ إذ المرأةُ لم تستحِ فيما سألتْه لِمَا ذُكر من إرادتِها قُرْبها من الرَّسول ﷺ على ما لا يخفَى.
следующие страницы →