فقال ابن عبَّاس: إنَّا كنَّا مرَّةً إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسولُ الله ﷺ ابتدرتهُ أبصارُنا وأصغينَا إليه بآذاننَا، فلما ركب النَّاسُ الصَّعب (١) والذَّلول لم نأخذْ من النَّاس إلَّا ما نعرفُ. وقوله: فجعلَ لا يأذَن لحديثه -بفتح الذال المعجمة-، أي: لا يسمعُ ولا يُصغي. وقولهِ: مرَّة، أي: وقتًا؛ ويعني به قبل ظهور الكذبِ. والصَّعب والذَّلول في الإبلِ، فالصَّعب العسرُ المرغوبُ عنه، والذَّلول السَّهل الطَّيِّب المرغوبُ فيه، أي: سلكَ النَّاس كلَّ مسلكٍ ممَّا (٢) يُحمَد ويذمُّ وهيهات، أي: بَعُدت استقامتُكم، أو بَعُدَ أن يُوثق بحديثكُم.
٦١١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بنِ يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، الماجشون قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ) زاد في «الإيمان» من الأنصارِ [خ¦٢٤]. ولم يعرف اسمهُ، ولا اسمَ أخيه الحافظُ ابن حجرٍ (وَهْوَ يُعَاتَبُ (٣) أخَاهُ) في النَّسب، أو في الإسلام (فِي) شأن (الحَيَاءِ) حالَ كونه (يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحِي) بكسر الحاء وتحتية واحدة، والَّذي في «اليونينية» بسكون الحاء وتحتيَّتين (٤)، وللحَمُّويي والمُستملي: «تستحْيي» بإسقاط اللام وسكون الحاء وتحتيَّتين (حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ) الحياءُ وكأنَّه كان كثيرَ الحياء، فكان ذلك يمنعُه عن استيفاءِ حقوقهِ، فعاتبهُ أخوه على ذلك (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دَعْهُ) أي: اتركهُ على هذا الخُلق السَّني، ثمَّ زاده في ذلك ترغيبًا بقولهِ: (فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبةً منه، فمِن للتَّبعيض.
стр. 10817
٦١١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، الجوهريُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا (١) شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيِّ (عَنْ مَوْلَى أَنَسٍ) هو ابنُ مالكٍ الأنصاريِّ (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ) بضم العين وسكون الفوقية، وقيل: عبيد الله بالتَّصغير، وقيل: عبد الرَّحمن قال: (سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) الخدريَّ ﵁ (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ) بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة، البِكر (فِي خِدْرِهَا) بكسر الخاء المعجمة وسكون المهملة، في سترها المعدِّ لها في جانبِ البيت.
والحديثُ مضى في «باب من لم يواجه النَّاس بالعِتاب» [خ¦٦١٠٢] قريبًا وفي «باب صفتهِ ﷺ » [خ¦٣٥٦٢].
(٧٨) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا لَمْ تَسْتَحِي) بكسر الحاء (فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ).
٦١٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) اليربوعيُّ، واسم أبيه عبدُ الله، ونسبه لجدِّه لشهرته به، قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) أبو خيثمة بنُ معاوية الحافظ، الجُعفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو: ابنُ المعتمر (عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ) بكسر الراء والعين المهملة بينهما موحدة ساكنة آخره تحتيَّة مشدَّدة، و «حِرَاش» بكسر الحاء المهملة وفتح الراء وبعد الألف معجمة، أبي مريم العبسيِّ الكوفيِّ، العابد المخضرم قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ) عقبةُ بن عَمرو (٣) البدريُّ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ) بالرَّفع والعائد إلى ما محذوفٌ، أي: ما أدركَه النَّاس (مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى) بسكون الواو بعد الهمزة المضمومة، أي: من شرائعِ الأنبياء السَّابقين ممَّا
стр. 10818
اتَّفقوا عليه ولم ينسخْ ولم يبدَّل؛ للعلمِ بصوابهِ واتِّفاق العقولِ على حُسنه، فالأوَّلون والآخرون من الأنبياء على منهاجٍ واحد في استحسانه (إِذَا لَمْ تَسْتَحِي) بكسر الحاء، أي: إذا لم يكن معك حياءٌ يمنعكَ من القبيحِ (فَاصْنَعْ) وفي حديث بني إسرائيل: «فافعل» [خ¦٣٤٨٣] (مَا شِئْتَ) ما تأمرك به النَّفس من الهوى، وإذا أردتَ فعلًا ولم يكن ممَّا تستحي من فعلهِ شرعًا فافعلْ ما شئت فالأمرُ للإباحةِ، وعلى الأوَّل للتَّهديد كقولهِ تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] أو بمعنى الخبر، أي: إذا لم يكنْ لك حياءٌ يمنعكَ من القبيحِ صنعتَ ما شئتَ.
والحديثُ سبقَ في «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٨٣].
(٧٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه بيان (مَا لَا يُسْتَحْيَا (١) مِنَ الحَقِّ، لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ) وهذا يخصِّص قوله في الحديث السَّابق: «الحياءُ خيرٌ كلُّه» إذ الحياء في السُّؤال عن الدِّين لا يجوزُ، فهو مذمومٌ كما لا يخفى، وقوله (٢): يُسْتَحيا مبنيٌّ للمفعول.
٦١٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنتِ» (أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هندِ بنت أبي أميَّة زوج النَّبيِّ ﷺ (¬﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) بضم السين وفتح اللام، أمُّ أنس بن مالكٍ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِي) بكسر الحاء (مِنَ الحَقِّ) أي: لا يمتنعُ منه ولا يتركهُ ترك الحييِّ منَّا، قالته اعتذارًا عن تصريحهَا بما تنقبضُ عنه النُّفوس البشريَّة لا سيَّما بحضرة الرِّسالة (٣)، أي: إنَّ الله تعالى بيَّن لنا أنَّ الحقَّ ليس ممَّا يُسْتَحيا منه، وسؤالها هذا كان من الحقِّ الَّذي ألجأتِ الضَّرورة إليه
стр. 10819
(فَهَلْ) يجبُ (عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ) بغير زيادة من (إِذَا احْتَلَمَتْ؟) بغير زيادة هي، أي: وُطِئت في منامها (فَقَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) يجب عليها الغسل (إِذَا رَأَتِ المَاءَ) أي: المنيَّ موجودًا، فالرُّؤية علميَّة تتعدَّى إلى مفعولين الثَّاني مقدَّرٌ كما مرَّ [خ¦٢٨٢] أو غير ذلك. قال أبو حيَّان: وحذف أحد (١) مَفْعولي رأى وأخواتها عزيزٌ، وقد قيل في قولهِ تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] أي: البخلُ خيرًا، والظَّاهر أنَّ الرُّؤية هنا بصريَّة فتتعدَّى إلى واحدٍ، وينبني على ذلك أنَّ المرأةَ إذا علمتْ أنَّها أنزلت ولم ترَ ماءً (٢) لا غُسل عليها.
والحديثُ سبق في «الغسلِ» [خ¦٢٨٢].
٦١٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) بكسر الدال المهملة وتخفيف المثلثة، السَّدوسيُّ قاضي الكوفة، من جلَّة العلماء والزُّهَّاد (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، لَا يَسقطُ وَرَقُهَا، وَلَا يَتَحَاتُّ) بتشديد المثناة الفوقية الأخيرة مرفوعًا، لا يتناثرُ ولا يحتكُّ بعضُ أوراقها ببعضٍ فتسقطَ (فَقَالَ القَوْمُ) وفيهم العُمَران: (هِيَ شَجَرَةُ كَذَا، هِيَ شَجَرَةُ كَذَا) قال ابن عمر: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ) وفي رواية مجاهد «فأردتُ أن أقولَ: هي النَّخلة، فإذا أنا أصغرُ القوم» [خ¦٧٢] وله في «الأطعمة» فإذا أنا عاشر عشرةٍ أنا أحدثُهم [خ¦٥٤٤٤] (فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالَ) النبي ﷺ : (هِيَ النَّخْلَةُ) وعند البزَّار من طريق سفيان بنِ حسين، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عمر بإسنادٍ صحيح، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «مثلُ
стр. 10820
المؤمنِ كمثل النَّخلة ما أتاكَ منها نفعَكَ» ففيه الإفصاح (١) بالمقصود بأوجز عبارةٍ، وأحسنِ إشارةٍ، وأمَّا من زعم أنَّ موقع التَّشبيه بين المسلم والنَّخلة من جهة كونِ النَّخلة إذا قُطعَ رأسها ماتت، وأنَّها لا تحملُ حتَّى تُلقَّح، وأنَّ لِطَلعها رائحة كرائحةِ منيِّ الآدميِّ، أو لأنَّها تعشَقُ، أو لأنَّها تشربُ من أعلاها، فكلُّها -كما قال في «الفتح» - ضعيفةٌ.
وسبق الحديث في «كتاب العلم» [خ¦٦١] [خ¦٧٢].
(وَعَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج -بالإسناد السَّابق- أنَّه قال: (حَدَّثَنَا خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى، الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) أي: ابن عمر بنِ الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) عمِّه (مِثْلَهُ) أي: مثلَ الحديث السَّابق (وَزَادَ) فيه قال ابنُ عمر: (فَحَدَّثْتُ بِهِ) أبي (عُمَرَ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) أي: «من حُمُر النَّعم» كما في الرِّواية الأخرى، ووجه تمنِّي عُمر ما طُبع الإنسان عليه من محبَّة الخيرِ لنسلهِ (٢)، ولتظهرَ فضيلة الولد في الفهمِ من صغرهِ ليزدادَ من النَّبيِّ ﷺ حَظْوةً.
٦١٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا مَرْحُومٌ) بالحاء المهملة، ابن عبد العزيز البصريُّ العطَّار قال: (سَمِعْتُ ثَابِتًا) البُنانيُّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) لم أعرف اسمها (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا) ليتزوَّجها (فَقَالَتْ): يا رسول الله (هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِي) أن تتزوَّجني؟ (فَقَالَتِ ابْنَتُهُ) أي: ابنةُ أنس أُمَيْنة -بضم الهمزة وفتح الميم وبعد التَّحتيَّة الساكنة نون-، مصغَّرًا (مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا. فَقَالَ) أنسٌ: (هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، عَرَضَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ نَفْسَهَا) ليتزوَّجها وتصير من أمَّهات المؤمنين.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من هنا؛ إذ المرأةُ لم تستحِ فيما سألتْه لِمَا ذُكر من إرادتِها قُرْبها من الرَّسول ﷺ على ما لا يخفَى.
стр. 10821
(٨٠) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَكَانَ) النَّبيُّ (١) ﷺ (يُحِبُّ التَّخْفِيفَ وَاليُسْرَ عَلَى النَّاسِ) ذكره في «الموطأ» من طريق الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة في حديث «صلاة الضُّحى» ولفظه: وكان يحبُّ ما خفَّ على النَّاس.
٦١٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابنُ إبراهيم بنِ رَاهُوْيَه، كما جزم به أبو نُعَيمٍ، وهو رواية ابنُ السَّكن، أو ابنُ منصور، وتردَّد الكلاباذيُّ بينه وبين ابنِ (٢) رَاهُوْيَه، وتبعَه أبو عليٍّ الجيَّانيُّ قال: (حَدَّثَنَا النَّضْرُ) بالنون والضاد المعجمة الساكنة، ابنُ شميلٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بُردة عامر بن أبي موسى (عَنْ جَدِّهِ) أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ، أنَّه (قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) إلى اليمن قبل حجَّة الوداع (قَالَ لَهُمَا: يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا) النَّاس بجزيلِ عطاء الله وسعةِ رحمتهِ (وَلَا تُنَفِّرَا) هُم بذكر التَّخويف وأنواعِ الوعيدِ، وفائدة قولهِ: «ولا تعسِّرا» التَّصريح باللَّازم تأكيدًا، ولأنَّ المقام مقامُ إطنابٍ لا إيجازٍ، وقولهِ: «وبشِّرا» بعد قولهِ: «ويسِّرا» فيه الجناس الخطيُّ (وَتَطَاوَعَا) أي: توافقا في الأمور (قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريُّ: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا بِأَرْضٍ) أي: أرض اليمنِ (يُصْنَعُ فِيهَا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٣): «بها» (شَرَابٌ مِنَ العَسَلِ، يُقَالُ لَهُ: البِتْعُ) بكسر الموحدة وسكون الفوقية وبالعين المهملة (وَشَرَابٌ مِنَ الشَّعِيرِ، يُقَالُ لَهُ: المِزْرُ) بكسر الميم وسكون الزاي (فَقَالَ (٤) رَسُولُ اللهِ ﷺ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).
стр. 10822
والحديثُ سبق في آخر «المغازي» [خ¦٤٣٤١].
٦١٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح الفوقية وتشديد التحتية وبعد الألف حاء مهملة، يزيدَ بن حميدٍ الضُّبَعيِّ البصريِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَسِّرُوا) أمرَ بالتَّيسير لينشطوا، والمراد به فيما كان من النَّوافل ممَّا كان (١) شاقًّا؛ لئلَّا يُفضي بصاحبِهِ إلى الملل فيتركهُ أصلًا، وفيما رخَّص فيه من الفرائض كصلاة (٢) المكتوبةِ قاعدًا للعاجز، والفطرِ في الفرض لمن سافرَ فشقَّ عليه (وَلَا تُعَسِّرُوا) في الأمور (وَسَكِّنُوا) أمر بالتَّسكين (وَلَا تُنَفِّرُوا) هو كالتَّفسير لسابقه، والسُّكون ضدُّ النُّفور، كما أنَّ ضدَّ البشارةِ النِّذارة، والمراد تأليفُ من قرُبَ إسلامُه وتركُ التَّشديد عليهِ في الابتداءِ، وكذلك الزَّجر عن المعاصِي ينبغِي أن يكون بتلطُّفٍ ليقبل، وكذا تعليمُ العلمِ ينبغِي أن يكون بالتَّدريج؛ لأنَّ الشَّيءَ إذا كان في ابتدائهِ سهلًا حُبِّب إلى من يدخلُ فيه وتلقَّاه (٣) بانبساطٍ، وكانت عاقبتُه في الغالبِ الازدياد بخلافِ ضدِّه.
والحديثُ مضى في «العلمِ» في «باب ما كان النَّبيُّ ﷺ يتخوَّلنا (٤) بالموعظة» [خ¦٦٩].
٦١٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ الحارثيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمامِ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضم الخاء المعجمة وتشديد التحتية المكسورة (بَيْنَ أَمْرَيْنِ) من أمور الدُّنيا (قَطُّ (٥)
стр. 10823
إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ) أيسرُهما (إِثْمًا) أي: يفضي إلى الإثمِ (فَإِنْ كَانَ) الأيسرُ (إِثْمًا كَانَ) ﷺ (أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ) كالتَّخييرِ بين المجاهدةِ في العبادةِ والاقتصاد فيها، فإنَّ المجاهدةَ إن كانت بحيث تجرُّ إلى الهلاكِ لا تجوز (وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ) خاصَّةً (فِي شَيْءٍ قَطُّ) كعفوهِ عن الَّذي جبذَه (١) بردائهِ حتَّى أثَّر في كتفهِ (إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ) بضم الفوقية وسكون النون وفتح الفوقية والهاء، لكن إذا انتهكتْ (حُرْمَةُ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ) ممَّن ارتكبَ ذلك (بِهَا) أي: بسببِها (لِلَّهِ) لا لنفسهِ.
والحديثُ سبق في «صفة النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٥٦٠].
٦١٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الأزديُّ الأزرقُ، أحدُ الأعلام (عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ) الحازميِّ البصريِّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ بِالأَهْوَازِ) موضع بخورستان (٢) بين العراق وفارس (قَدْ نَضَبَ) بفتح النون والضاد المعجمة بعدها موحدة، ذهبَ (عَنْهُ المَاءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ) نضلةُ بن عُبيدٍ (الأَسْلَمِيُّ) الصَّحابيُّ (عَلَى فَرَسٍ، فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ) تركها (فَانْطَلَقَتِ الفَرَسُ، فَتَرَكَ صَلَاتَهُ وَتَبِعَهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فخلَّى صلاتَه واتَّبعها» (حَتَّى أَدْرَكَهَا، فَأَخَذَهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَضَى صَلَاتَهُ) أي: أدَّاها (وَفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ) فاسدٌ، بالتَّنوين للتَّحقير، وكان يرى رأي الخوارجِ لا يَرى ما يَرى المسلمون من الدِّين (فَأَقْبَلَ يَقُولُ) وفي أواخر «الصَّلاة» [خ¦١٢١١]: فجعل رجلٌ من الخوارجِ يقول: (انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ تَرَكَ صَلَاتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ، فَأَقْبَلَ
стр. 10824
فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ) بالخاء المعجمة، متباعدٍ (فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُ) الفرسَ، بحذف المفعول، ولأبي ذرٍّ: «وتركتُه» (لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ. وَذَكَرَ أنَّه صَحِبَ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أنَّه قد صحبَ» (النَّبِيَّ ﷺ فَرَأَى) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والحَمُّويي: «ورأى» (مِنْ تَيْسِيرِهِ (١)) ﷺ كثيرًا ما حمله على فعلهِ ذلك؛ إذ لا يجوزُ له أن يفعله من تلقاءِ نفسهِ دون أن يشاهدَ مثله منه ﷺ .
والحديثُ سبق في «باب إذا انفلتَت الدَّابَّة في الصَّلاة» من أواخر «الصَّلاة» [خ¦١٢١١].
٦١٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمِ ابن شهاب (٢) (ح) لتحويل السَّند (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، فيما (٣) وصله الذُّهليُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيدَ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا) اسمه ذو الخويصرة اليمانيُّ (بَالَ فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ (فَثَارَ) بالمثلثة، فهاجَ (إِلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ) ليؤذوهُ (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ (٤) ﷺ : دَعُوهُ) اتركوهُ يبولُ في موضعهِ لأنَّه لو قطعَ عليه بوله لتضرَّر، ولو أقاموه في أثنائهِ؛ لتنجَّست ثيابهُ وبدنه ومواضع كثيرةٌ من المسجد (وَأَهْرِيقُوا) بهمزة قطعٍ مفتوحة وسكون الهاء، ولأبي ذرٍّ: «وهَريقوا (٥)» بحذف الهمزة وفتح الهاء، أي: صُبُّوا (عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ) بفتح الذال المعجمة، الدَّلو الملآن (أَوْ: سَجْلًا مِنْ مَاءٍ) بفتح السين المهملة وسكون الجيم، دلوًا فيه الماء
стр. 10825
قلَّ أو كثر (فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ) حالَ كونكم (مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا) حالَ كونكم (مُعَسِّرِينَ) أسندَ البعثَ إلى الصَّحابة على طريقِ المجازِ؛ لأنَّه ﷺ هو المبعوثُ حقيقةً، لكنَّهم لمَّا كانوا مبلِّغين عنه أطلقَ عليهم ذلك، وأكَّد السَّابق وهو قوله: «ميسِّرين» بنفِي ضدِّه في قولهِ: «ولم تبعثُوا معسِّرين» تنبيهًا على المبالغةِ في التَّيسير (١).
والحديثُ سبقَ في «باب صبِّ الماء على البول في المسجدِ» من «الطَّهارة» [خ¦٢٢٠].
(٨١) (بابُ) جوازِ (الاِنْبِسَاطِ إِلَى) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «مع» (النَّاسِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبدُ الله ﵁: (خَالِطِ النَّاسَ وَدِينَكَ لَا تَكْلِمَنَّهُ) بكسر اللام وفتح الميم والنون المشددة، من الكَلْم: بفتح الكاف وسكون اللام، وهو الجرح، «ودينك» بالنَّصب في الفرع (٢) أي: لا تكلمنَّ دينَك، ويجوز الرَّفع مبتدأ خبرُه لا تكلمنَّه، أي: خالط النَّاس لكن بشرط أن لا يحصلَ في دينك خللٌ، وهذا الأثرُ وصله الطَّبرانيُّ في «الكبير» بلفظ: خالطوا النَّاس وصافوهم بما يَشتهون، ودينَكم فلا تكلِمُنَّه -بضم الميم- وزايلوهم (وَ) جوازُ (الدُّعَابَةِ) بضم الدال المهملة وتخفيف العين المهملة وبعد الألف موحدة، الملاطفةُ في القولِ بالمزاح وغيره (مَعَ الأَهْلِ) من غير إفراطٍ ولا مداومةٍ إذ ربَّما يؤولُ ذلك إلى القسوةِ والإيذاءِ والحقدِ وسقوط المهابةِ والوقارِ. نعم، قد تكون الدُّعابة مستحبَّة، كأنْ تكون (٣) لمصلحةٍ كتطييبِ نفسِ المخاطبِ ومؤانستهِ.
٦١٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ) يزيدُ بن حميدٍ الضُّبَعيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: إِنْ (٤) كَانَ النَّبِيُّ ﷺ
стр. 10826
لَيُخَالِطُنَا (١)) بالملاطفةِ وطلاقةِ الوجه والمزاح (٢) (حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي) من أمِّي (صَغِيرٍ) وهو ابنُ أبي طلحة زيدُ بن سهلٍ الأنصاريُّ: (يَا أَبَا عُمَيْرٍ) بضم العين مصغَّرًا (مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ) بضم النون وفتح الغين المعجمة، مصغَّر نُغَر -بضم ثمَّ فتح- طيرٌ كالعصفورِ محمرُّ المنقار، وأهل المدينة يسمُّونه البلبل، أي: ما شأنهُ وحاله. وقال (٣) النَّوويُّ: وفي الحديث جوازُ تكنيةِ من لم يُوْلَدْ له وتكنيةِ الطِّفل وأنَّه ليس كذبًا، وجوازُ المزحِ فيما ليس بإثمٍ، وجواز (٤) السَّجع في الكلام الحسنِ بلا كلفةٍ، وملاطفةِ الصِّبيان وتأنيسِهم، وبيان ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ من حُسن الخُلق وكرم الشَّمائل والتَّواضع.
والحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة» و «الاستئذانِ» و «فضائل النَّبيِّ ﷺ »، وأخرجه التِّرمذيُّ في «الصَّلاة» وفي «البرِّ»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة»، وابن ماجه في «الأدب».
٦١٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو: ابنُ سلامٍ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد ابن خَازِمٍ -بالخاء والزاي المعجمتين بينهما ألف آخره ميم- قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: بالتَّماثيل المسمَّاة بلعبِ البنات، وعند أبي عَوَانة من روايةِ جريرٍ، عن هشام كنتُ ألعبُ بالبنات وهنَّ اللُّعب. وعند أبي داود والنَّسائيِّ من وجهٍ آخر، عن عائشة ﵂ قالتْ: قدمَ رسول الله ﷺ من غزوةِ تبوكَ أو خيبر (٥). فذكر الحديثَ في هتْكهِ السِّتر الَّذي نصبَه (٦) على
стр. 10827
بابها، قالت: فكشف السِّتر على بناتٍ لعائشة لُعَبْ. فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قالت: بناتي. قالت: ورأى فرسًا مربوطًا له جناحان. فقال: «ما هذا؟» قلت: فرسٌ. قال: «فرسٌ (١) له جناحان» قلت: ألم تسمعْ أنَّه كان لسليمان خيلٌ لها أجنحةٌ فضحكَ. فهذا صريحٌ في أنَّ المراد باللُّعب غير الآدميَّات، خلافًا لمن زعم أنَّ معنى الحديث: اللَّعب مع البنات، أي: الجوارِي، والباء هنا (٢) بمعنى مع، واستدلَّ بالحديث على جواز اتِّخاذ اللُّعب من أجل لعبِ البنات بهنَّ، وخُصَّ ذلك من عموم النَّهي عن اتِّخاذ الصُّور، وبه جزم القاضي عياضٌ، ونقله عن الجمهورِ وأنَّهم أجازوا بيع اللُّعب للبناتِ لتدريبهنَّ من صغرهنَّ على أمرِ بيوتهنَّ وأولادهنَّ. قالت عائشة ﵂: (وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ) أي: جوارٍ من أقراني (يَلْعَبْنَ مَعِي) بهنَّ (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ) على الحجرةِ (يَتَقَمَّعْنَ) بتحتية وفوقية وقاف وميم مشددة وعين مهملة ساكنة، بوزن: يتفعَّلنَّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي بإسقاط التحتية، وللكُشميهنيِّ -كما في «الفتح» -: «ينْقمِعنَ» بنون ساكنة بعد التحتية وكسر الميم، أي: يتغيَّبن (مِنْهُ) ﷺ يدخلنَ وراء السِّتر، وأصلُه من قمعِ الثَّمرة، أي: يدخلنَ في السِّتر، كما تدخل الثَّمرة في قَمعها (فَيُسَرِّبُهُنَّ) بسين مهملة مفتوحة وراء مشددة مكسورة بعدها موحدة، أي: يبعثهنَّ ويرسلهنَّ (إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي).
والحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الفضائل».
(٨٢) (بابُ) استح بابِ (المُدَارَاةِ مَعَ النَّاسِ) وهي لينُ الكلامِ وترك الإغلاظِ في القولِ، وهي من أخلاقِ المؤمنين، والفرقُ بينهما وبين المداهنةِ المحرَّمة أنَّ المداراة الرِّفق بالجاهل في التَّعليم، والفاسق في النَّهي عن فعلهِ، وترك الإغلاظ عليهِ حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكارُ عليه باللُّطف حتَّى يرد عمَّا هو مرتكبهُ. والمدَاهنة معاشرةُ المعلنِ بالفسقِ، وإظهارُ الرِّضا بما هو فيه من غيرِ إنكارٍ عليه باللِّسان ولا بالقلبِ.
стр. 10828
(وَيُذْكَرُ) بضم التحتية وفتح الكاف (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن مالكٍ، ممَّا وصله ابنُ أبي الدُّنيا، وإبراهيمُ الحربيُّ في «غريب الحديث» والدِّينوريُّ في «المجالسة» من طريق أبي الزَّاهريَّة عن جُبير بن نُفير عن أبي الدَّرداء (إِنَّا لَنَكْشِرُ) بفتح النون وسكون الكاف وكسر الشين المعجمة بعدها راء، أي: نضحكُ ونتبسَّم (١) (فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ، وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ) بلام التَّأكيد وبالعين، من اللَّعن، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لتقْلِيْهم» بقاف ساكنة بعد الفوقية ثمَّ لام مكسورة فتحتية ساكنة، من القِلَى، وهو البغضُ.
٦١٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ) محمَّد، أنَّه (حَدَّثَهُ) أي: أنَّ ابنَ المنكدرِ حدَّث سفيانَ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) ولغير أبي ذرٍّ: «عن ابنِ المنكدرِ حدَّثه عروة بن الزُّبير» (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ) في الدُّخول (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) بيتهُ (رَجُلٌ) هو عُيينة بن حصن بنِ حذيفة بنِ بدرٍ الفزاريُّ، وكان يقال له: الأحمقُ المُطاع، أو هو مخرمةُ بن نوفل (فَقَالَ) ﷺ : (ائْذَنُوا لَهُ) في الدُّخول (فَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ -أَوْ بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ-) بفتح العين المهملة وكسر الشين المعجمة فيهما، والشَّكُّ من الرَّاوي، والعشيرةُ الجماعةُ، أو القبيلة، أو الأدنى إلى الرَّجل من أهلهِ وهم ولدُ أبيه وجدِّه (فَلَمَّا دَخَلَ) الرَّجل (أَلَانَ) ﷺ ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لانَ» (لَهُ الكَلَامَ) ولأبي ذرٍّ: «في الكلامِ». قالت عائشة: (فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ مَا قُلْتَ) في هذا الرَّجل (ثُمَّ) لمَّا دخل (أَلَنْتَ لَهُ فِي القَوْلِ؟ فَقَالَ: أَيْ عَائِشَةُ) أي: يا عائشةُ (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ) يوم القيامة (مَنْ تَرَكَهُ -أَوْ) قال: (وَدَعَهُ- النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) بضم الفاء وسكون الحاء المهملة، وقد كان الرَّجل من جُفاةِ الأعراب، وقوله: ودَعه -بتخفيف الدال-. قال المازريُّ: ذكر بعض النُّحاة: أنَّ العرب أماتوا مصدر يدعُ وماضيه، والنَّبيُّ ﷺ أفصحُ
стр. 10829
العربِ وقد نطقَ بالمصدرِ في قولهِ: «لينتهينَّ أقوامٌ عن وَدْعهم الجُمُعات» وبماضيه (١) في هذا الحديثِ، وأجاب القاضِي عياضٌ: بأنَّ المرادَ بقولهم: أماتوا، أي: تركوا استعمالَه إلَّا نادرًا، قال: ولفظ: أماتوا، يدلُّ عليه، ويؤيِّد ذلك، أنَّه لم يُنقلْ في الحديث إلَّا هذين الحديثين مع شكِّ الرَّاوي في حديث البابِ مع كثرةِ استعمالِ تركه، ولم ينقلْ عن أحدٍ من النُّحاة أنَّه لا يجوز. قال في «فتح الباري»: والنُّكتةُ في إيراد هذا الحديث هنا التَّلميحُ إلى ما وقعَ في بعضِ الطُّرق بلفظ المداراةِ، وهو عندَ الحارثِ بن أبي أُسامة من حديث صفوان بنِ عسَّال (٢) نحو حديثِ عائشة ﵂ وفيه فقال: «إنَّه منافقٌ أُدَاريه عن نفاقهِ، وأخشَى أن يُفسد عليَّ غيره». وعند ابن عديٍّ من حديث جابرٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مداراةُ النَّاس صدقةٌ» وكذا أخرجَه الطَّبرانيُّ في «الأوسط» وفي سندهِ يوسف بن محمَّد بن المنكدر ضعَّفوه. وقال ابنُ عديٍّ: أرجو أنَّه لا بأس به. وأخرجه ابنُ أبي عاصمٍ في «آداب الحكماء» بسندٍ أحسن (٣) منه.
وفي حديث أبي هريرة «رأسُ العقلِ بعد الإيمانِ بالله مُدَاراة النَّاس» أخرجه البزَّار بسندٍ ضعيفٍ، لكن قال شيخُنا الحافظ السَّخاويُّ: لفظ رواية البزَّار: «التَّودد إلى النَّاس»، وهو باللَّفظ الَّذي نقلَهُ في «فتح الباري» في روايةٍ مرسلةٍ، وعند العسكريِّ وغيره بل وفي روايةٍ متَّصلةٍ عند البيهقيِّ في «الشعب» وبيَّن أنَّها منكرةٌ.
٦١٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضم العين المهملة وفتح اللام، قال: (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) (٤)
стр. 10830
اسمه: زهير، وعبد الله هذا تابعيٌّ، فحديثه مرسلٌ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُهْدِيَتْ لَهُ) بضم الهمزة وسكون الهاء (أَقْبِيَةٌ) جمع قَبَاء (مِنْ دِيبَاجٍ) فارسيٌّ معرَّب، أي: ثوب يتَّخذ (١) من إبريسم (مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا) أي: الأقبية (فِي) أي: بين (أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَزَلَ مِنْهَا) ثوبًا (وَاحِدًا لِمَخْرَمَةَ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، أي: لأجل مخرمةَ والد المسور، وكان مخرمةُ غائبًا (فَلَمَّا جَاءَ قَالَ) له ﷺ : (خَبَأْتُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قد خَبَأت» (هَذَا) القباءَ (لَكَ. قَالَ) أي: أشار (أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ -بالسَّند السَّابق- (بِثَوْبِهِ) يستحضرُ فعلَه (٢) ﷺ عند كلامهِ مع (٣) مخرمةَ (أَنَّهُ) ولأبي ذرٍّ: «وأنَّه» (يُرِيهِ) أي: يري مخرمةَ (إِيَّاهُ) أي: الثَّوب الَّذي خبأهُ له؛ ليطيبَ قلبه به (وَكَانَ فِي خُلُقِهِ) أي: مخرمةَ (شَيْءٌ) من الشِّدَّة، فلذا كان في لسانهِ بذاءة.
(رَوَاهُ) أي: الحديث (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) فيما وصله المؤلِّف في «باب قسمةِ الإمام ما يقدَمُ عليه» [خ¦٣١٢٧] (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ، عن عبدِ الله ابنِ أبي مُلَيكة أنَّ النَّبيَّ ﷺ … الحديث.
(وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ) البصريُّ، ممَّا وصلَه البخاريُّ في «شهادة الأعمى، وأمره ونكاحه»، من «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٧] (حَدَّثَنَا (٤) أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنِ المِسْوَرِ) بن مخرمةَ: (قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ) الحديث. ومرادُ المؤلِّف بسياق هذا التَّعليق الأخير الإعلام بوصلهِ، وأنَّ روايتَي ابن عليَّة وحمَّاد بن زيد (٥) وإن كانت صورتهما الإرسال لكنَّ الحديث في الأصل موصولٌ، والله الموفِّق والمعين.
(٨٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان صخر بن حربٍ (لَا حَكِيمَ) بالكاف المكسورة، بوزن عَظِيم، في الفرع (إِلَّا ذُو) أي:
стр. 10831
صاحب (تَجْرِبَةٍ) وهذا لفظ أبي سعيدٍ مرفوعًا أخرجهُ أحمد وصحَّحه ابن حبَّان، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا حِلْم» بكسر الحاء المهملة وسكون اللام «إلَّا بتجربةٍ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلَّا لذِي تجربةٍ» والحلمُ التَّأني في الأمورِ المقلقةِ، والمعنى أنَّ المرءَ لا يوصفُ بالحلمِ حتَّى يجرِّب الأمورَ، وقيل: المعنى لا يكون حليمًا كاملًا إلَّا مَن وقع في زلَّةٍ وحصل منه خطأٌ، فحينئذٍ يخجلُ.
وقال ابنُ الأثير: معناه لا يحصلُ الحلم حتَّى يركبَ الأمورَ ويعثرَ فيها، فيعتبرَ بها ويستبينَ مواضعَ الخطأ ويجتنبَها، وقيل: المراد: أنَّ من جرَّب الأمورَ وعرفَ عواقبَها آثرَ الحلمَ، وصبرَ على قليلِ الأذى؛ ليدفعَ به ما هو أكبر منه.
وقال الطِّيبيُّ: ويمكن أن يكون تخصيصُ الحليم بذي التَّجربة؛ للإشارة إلى أنَّ غيرَ الحليم بخلافهِ، فإنَّ الحليم الَّذي ليس له تجربةٌ قد يعثرُ في مواضع لا ينبغِي له فيها الحلم بخلافِ الحليم المجرِّب، وهذا الأثرُ وصله ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» عن عيسى بنِ يونس، عن هشامِ بن عروة، عن أبيهِ، قال معاوية: لا حلمَ إلَّا بالتَّجارب. وأخرجه البخاريُّ في «الأدب المفرد» من طريق عليِّ بن مُسْهر، عن هشامٍ، عن أبيهِ قال: كنتُ جالسًا عند معاويةَ فقال: لا حليمَ إلَّا ذو تجربةٍ. قالها ثلاثًا. وأخرج من حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا: «لا حليمَ إلَّا ذو عثرةٍ، ولا حكيمَ إلَّا ذو تجربةٍ» وأخرجه أحمدُ وصحَّحه ابن حبَّان، ومرَّ.
٦١٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ) بالدال المهملة والغين المعجمة، على صيغة المجهولِ، وهو ما يكون من ذوات السُّموم، وأمَّا الَّذي بالذال المعجمة والعين المهملة (١)، فما يكون من النَّار، والمؤمن مرفوعٌ بيلدغُ (مِنْ جُحْرٍ)
стр. 10832
بضم الجيم وسكون الحاء المهملة (وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ) وقوله: «يلدغ» بالرَّفع على صيغةِ الخبر، ومعناه الأمرُ، أي: ليكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى من ناحيةِ الغفلةِ، فيُخدع مرَّة بعد أُخرى، وقد يكون ذلك في أمرِ الدِّين، كما يكون في أمر الدُّنيا وهو أَوْلَاهُما بالحذرِ، وروي بكسر الغين بلفظ النَّهي، فيتحقَّق فيه معنى النَّهي على هذه الرِّواية، قاله الخطابيُّ. قال السَّفاقِسيُّ -بعد ذكره له-: وكذا قرأناه. انتهى. أي: لا يُخْدَعَنَّ المؤمن ولا يُؤْتَيَنَّ من ناحيةِ الغفلةِ فيقعُ في مكروهٍ، لكن قال التُّوربشتيُّ: أرى أنَّ الحديثَ لم يبلغِ الخطابيَّ على ما كان عليه، وهو مشهورٌ عند أهل السِّير، وذلك أنَّه ﷺ منَّ على أبي عزَّةَ الشَّاعر الجمحيِّ، وشرط عليه أن لا يجلب عليه، فلما بلغَ مأمنه عادَ إلى ما كان، فأُسِر مرَّة أُخرى فأمر بضربِ عنقهِ، وكلَّمه بعض النَّاس في المَنِّ عليه فقال: «لا يلدغُ المؤمن … » (١) الحديث.
ونقل النَّوويُّ عن القاضِي عياض هذه القصَّة وقال: سبب هذا الحديث معروفٌ، وهو أنَّه ﷺ أَسَر أبا عزَّة الشَّاعر يومَ بدرٍ، فمَنَّ عليه وعاهدَهُ أن لا يُحَرِّضَ عليه ولا يهجوهُ، فأطلقَه فلحقَ بقومه، ثمَّ رجع إلى التَّحريض والهجاء، ثم أُسر يوم أحد فسأله المنَّ فقال ﷺ : «لا يلدغُ المؤمن» الحديث، وهذا السَّبب يضعِّف الوجه الثَّاني.
وأجاب في «شرح المشكاة»: بأنَّه يوجَّه بأن يكون ﷺ لمَّا رأى من نفسه الزَّكيَّة الكريمةِ الميل إلى الحلم والعفوِ عنه جرَّد منها مؤمنًا كاملًا حازمًا ذا شهامةٍ، ونهاه عن ذلك، يعني ليس من شيمةِ المؤمن الحازم الَّذي يغضبُ لله ويذبُّ عن دينِ الله أن ينخدعَ من مثل هذا الغادرِ المتمرِّد مرَّةً بعد أخرى، فانته عن حديثِ الحلمِ وامضِ لشأنك (٢) في الانتقامِ منه، والانتصار من عدوِّ الله، فإنَّ مقامَ الغضبِ لله يأبى الحلم والعفوَ، ومن أوصافهِ ﷺ ، أنَّه كان لا ينتقمُ لنفسه إلَّا أن تُنْتهك حرمةُ الله فينتقمَ لها، وقد ظهرَ من هذا أنَّ الحلم مطلقًا غير محمودٍ، كما أنَّ الحَِرَدَ (٣) كذلك (٤)،
стр. 10833
فمقام التَّحلُّم (١) مع المؤمنين مندوبٌ إليه مع الأولياء، والغلظة مع الأعداء. قال تعالى في وصف الصَّحابة: ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] فظهرَ من هذا أنَّ القول بالنَّهي أولى، والمقام له أَدْعى، وسلوكُ ما ذهبَ إليه أبو سليمان الخطَّابيُّ ﵀ أوضحُ وأهدَى وأحقُّ أن يتَّبعَ وأَحرى، وهذا الكلام منه ﷺ وأول (٢) ما قاله لأبي عزَّة المذكور، وأمَّا قول السَّفاقِسيُّ: وهذا مثلٌ قديم تمثَّل به ﷺ إذ كان ﷺ كثيرًا ما يتمثَّل بالأمثالِ القديمة، وأصل ذلك أنَّ رجلًا أدخلَ يده في جحرٍ لصيدٍ أو غيره (٣)، فلدغتْه حيَّةٌ في يدهِ فضربتْه العربُ مثلًا، فقالوا: لا يدخلُ الرَّجل يدَه في جحرٍ فيُلدغ منه مرَّة ثانية (٤). فتعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه إذا كان المثل العربيُّ على الصُّورة الَّتي حكاها، فالنَّبيُّ ﷺ لم يوردْه كذلك حتَّى يقال: إنَّه تمثَّل به. نعم، أورد كلامًا بمعناه، وانظرْ فرق ما بين كلامهِ ﵊ وبين لفظ المثل المذكور، فطلاوةُ البلاغةِ على لفظهِ ﵊ وحلاوةُ العبارةِ فيه باديةٌ يدركُها ذو الذَّوق السَّليم عليه أفضل صلاة (٥) الله وأزكى التَّسليم.
تنبيهٌ: قال شيخُنا في «الأحاديثِ المشتهرة» وسبقه إلى الإشارةِ لنحوه شيخه في «فتح الباري»: حديث «لا يلدغُ المؤمن من جُحر واحدٍ مرَّتين» أخرجه الشَّيخان وأبو داود وابن ماجه والعسكريُّ كلُّهم من حديث عُقيل، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة، به، مرفوعًا. لكن ليس عند ابن ماجه والعسكريِّ «واحد» (٦)، وهو عند مسلم أيضًا من طريقِ ابن أخي ابن شهابٍ الزُّهريِّ، عن عمِّه به (٧) مثله. وتابعهما سعيدُ بن عبد العزيز: أنَّ هشام بن عبد الملك
стр. 10834
قضى عن الزُّهريِّ سبعة آلاف دينار، فقال هشامٌ للزُّهريِّ: لا تعدْ لمثلها. فقال الزُّهريُّ: يا أميرَ المؤمنين حَدَّثَنِي سعيد وذكره بلفظ: «لا يلسعُ المؤمنُ من جحرٍ مرَّتين» وكذا تابعهم يونسُ، عن الزُّهريِّ، وهو الصَّواب، وخالفهم زَمْعة بنُ صالح حيث رواه عن الزُّهريِّ، فقال: عن سالمٍ، عن ابن عمر بلفظ: «لا يلدغُ المؤمنُ من جُحرٍ مرَّتين»، أخرجه القضاعيُّ، وتابعَه صالحُ بن أبي الأخضر، عن الزُّهريِّ. لكن صالح وزمعة ضعيفان. وفي الباب عن عَمرو بن عوف المزنيِّ عند الطَّبرانيِّ في «الكبير» و «الأوسط» وإليه الإشارةُ بقولِ يعقوب في قصَّة ابنه عليهما الصلاة والسلام: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤].
(٨٤) (بابُ) بيان (حَقِّ الضَّيْفِ).
٦١٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسجُ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بفتح الراء وسكون الواو بعدها حاء مهملة، و «عُبَادة» بضم العين وتخفيف الدال المهملتين، قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ) المعلم (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاص ﵁، أنَّه (قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد التحتية (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ) لي: (أَلَمْ أُخْبَرْ) بهمزة الاستفهام، و «أُخْبَر» بضم الهمزة وفتح الموحدة، مبنيًّا للمفعول (أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ) أي: في اللَّيل (وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قُلْتُ: بَلَى) يا رسول الله (قَالَ) ﵊: (فَلَا تَفْعَلْ، قُمْ وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطع مفتوحة وكسر
стр. 10835
الطاء (فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) فترفَّق به ولا تتعبه حتَّى تعجزَ (١) عن القيامِ بالفرائض (وَإِنَّ لِعَيْنِكَ) بالإفراد (عَلَيْكَ حَقًّا) من النَّوم (وَإِنَّ لِزَوْرِكَ) بفتح الزاي وسكون الواو، ولضيفكَ (عَلَيْكَ حَقًّا) وهذا موضع التَّرجمة (وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّكَ) بكسر الهمزة (عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمُرٌ) بضمتين، فتضعف فلا تستطيعُ المداومة على ذلك، وخيرُ العملِ ما داومَ عليه صاحبه وإن قلَّ (وَإِنَّ مِنْ حَسْبِكَ) بسكون السين المهملة، أي: من كفايتكَ (أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لم يعينها (فَإِنَّ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَذَلِكَ) أي: صيام الثَّلاث من كلِّ شهرٍ هو (الدَّهْرُ كُلُّهُ) في ثواب صيامهِ (قَالَ) عبد الله بن عَمرو: (فَشَدَّدْتُ) على نفسي (فَشُدِّدَ عَلَيَّ) بتشديد التحتية، وشُدِّد بضم الشين المعجمة مبنيًّا للمفعول (فَقُلْتُ:) يا رسول الله (فَإِنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذَلِكَ) أي: أكثر منه (قَالَ: فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لم يعيِّنها (قَالَ: فَشَدَّدْتُ) على نفسي (فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قُلْتُ (٢): أُطِيقُ غَيْرَ ذَلِكَ) بإسقاط الفاء قبل قاف قلت، ولفظة إنِّي (قَالَ) ﵊: (فَصُمْ صَوْمَ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ. قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ؟ قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ) بأن تصومَ يومًا وتفطر يومًا.
والحديثُ سبق في «الصَّوم» [خ¦١٩٧٩].
(٨٥) (بابُ) استحبابُ (إِكْرَامِ الضَّيْفِ) مصدرٌ مضاف لمفعولهِ والفاعل محذوفٌ، أي: إكرام المضيف الضَّيف (٣) (وَ) استحباب (خِدْمَتِهِ إِيَّاهُ بِنَفْسِهِ) من عطف الخاصِّ على العامِّ إذ الإكرام أعمُّ من أن يكون بالنَّفس أو بأحدٍ (وَقَوْلِهِ:) بالجرِّ عطفًا على السَّابق (﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤]).
стр. 10836
(قَالَ أَبُو عَبْد اللهِ) المؤلِّف: (يُقَالُ) في المفرد: (هُوَ زَوْرٌ، وَ) في الجمع (هَؤُلَاءِ زَوْرٌ) فيستوي فيه الجمع والمفرد (وَ) كذا (ضَيْفٌ، وَمَعْنَاهُ أَضْيَافُهُ وَزُوَّارُهُ؛ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ مِثْلُ قَوْمٍ رِضًا وَعَدْلٍ) يعني مرضيُّون وعُدول، فالمعنى جمع، واللَّفظ مفرد (يُقَالُ: مَاءٌ غَوْرٌ، وَبِئْرٌ غَوْرٌ، وَمَاءَانِ غَوْرٌ، وَمِيَاهٌ غَوْرٌ) فهو وصفٌ بالمصدرِ (وَيُقَالُ: الغَوْرُ: الغَائِرُ) الَّذي (لَا تَنَالُهُ الدِّلَاءُ، كُلُّ شَيْءٍ غُرْتَ فِيهِ، فَهُوَ مَغَارَةٌ، ﴿تَّزَاوَرُ﴾ [الكهف: ١٧]) أي: (تَمِيلُ مِنْ الزَّوَرِ) وهو الميلُ (١) (وَالأَزْوَرُ الأَمْيَلُ) ومنه زارهُ إذا مالَ إليه، وكان أضياف إبراهيمَ اثني عشر ملكًا، وقيل: تسعةٌ عاشرُهم جبريلُ وجعلهم ضيفًا لأنَّهم كانوا في صورةِ الضَّيف حيث أضافهم إبراهيمُ، أو لأنَّهم كانوا في حسبانهِ كذلك، وقوله (٢): ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ أي: عند الله، كقولهِ (٣): ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] وقيل: لأنَّه خدمهم بنفسهِ، وأخدمَهم امرأته، وعجَّل لهم القِرى، وثبتَ قوله: «قال أبو عبدِ الله … » إلى آخره للكُشميهنيِّ والمُستملي، وسقط لغيرهما.
٦١٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الكلاعيُّ، قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ الأعظم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، واسم أبي سعيدٍ كَيسان (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء آخره حاء مهملة، خويلدُ بن عَمرو بنِ صخر (الكَعْبِيِّ) بفتح الكاف وكسر الموحدة، الخزاعيُّ أسلمَ قبل الفتحِ، وتوفِّي بالمدينة ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ) الَّذي خلقه إيمانًا كاملًا (وَاليَوْمِ الآخِرِ) الَّذي إليه معادُه وفيه مجازاته (فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ) بالرَّفع في الفرع، مبتدأ خبرُه (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ،
стр. 10837
وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) أي: تكلُّف يومٍ وليلة، أو إتحافُ (١) يومٍ وليلة، هذا إن قلنا: إنَّ اليوم واللَّيلة من جملة أيام الضِّيافة الثَّلاثة، وإن قلنا: بأنَّهما خارجان عنها فيقدَّر زيادة يوم وليلة بعد الضِّيافة، وبالنَّصب على أنَّه بدلُ الاشتمال، أي: فليكرمْ جائزةَ ضيفه يومًا وليلةً، بنصبِ يومًا على الظَّرفيَّة، قاله السُّهيليُّ فيما حكاهُ الزَّركشيُّ، وعند مسلم في رواية عبد الحميد بن جعفرٍ، عن سعيدٍ المقبريِّ، عن أبي شُريح: «الضِّيافة ثلاثة أيَّام، وجائزته يومٌ وليلة». انتهى.
قال في «المصابيح»: ويشبه اختلافهم في أنَّ يوم الجائزة وليلتها داخلان (٢) في أيام الضِّيافة الثَّلاثة أو خارجان عنها، ما وقعَ لهم من التَّردُّد في قولهِ ﷺ : «مَن شهدَ الجنازةَ حتَّى يصلِّي عليها فلهُ قيراطٌ، ومن شهدهَا حتَّى تُدفن فله قيراطان … » الحديث، [خ¦١٣٢٥] وفي لفظ: «من صلَّى على جنازةٍ فله قيراطٌ، ومن اتَّبعها حتى توضعَ في القبرِ فله قيراطان» فلو اتَّبعها حتَّى توضع في القبر ولكن لم يصلِّ عليها احتملَ أن لا يحصلَ له شيءٌ من القيراطين؛ إذ يحتملُ أن يكون القيراطُ الثَّاني المزيد مرتَّبًا على وجود الصَّلاة قبله، ويحتملُ أن يحصل له القيراط المزيد، وأمَّا احتمال أنَّ القيراطين يحصلان بالاتِّباع حتَّى توضعَ في القبر، وإن لم يصلِّ فهو هنا بعيد (٣)، وأمَّا احتمال أنَّ من صلَّى واتَّبع حتَّى تدفن يحصل له ثلاثةُ قراريط، فمرتَّبٌ على هذا الاحتمال. ونقل القاضِي تاج الدِّين السُّبكيُّ (٤) أنَّ الشَّيخ أبا الحسن بن (٥) القزوينيَّ، سأل أبا نصر بن الصَّبَّاغ عن هذا؟ فقال: لا يحصل لمن صلَّى واتَّبع إلَّا قيراطان (٦)، واستدلَّ (٧) بقولهِ تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ٩ - ١٠] قال: فاليومان من جملةِ الأربعة بلا شكٍّ. انتهى.
стр. 10838
وعند مسلمٍ في رواية عبدِ الحميد بن جعفر، عن سعيدِ المقبريِّ، عن أبي شريح: «الضِّيافة ثلاثةُ أيامٍ وجائزتُه يومٌ وليلة». وهو يدلُّ على المغايرةِ (فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ) ممَّا يحضرُه له بعد ثلاثةِ أيَّام (١) (فَهْوَ صَدَقَةٌ) استدلَّ به على أنَّ الَّذي قبلها واجبٌ؛ لأنَّ المرادَ بتسميتهِ صدقةٌ التَّنفير (٢) عنه؛ لأنَّ كثيرًا (٣) من النَّاس خصوصًا الأغنياء يأنفون غالبًا من أكل الصَّدقة، واستدلَّ ابنُ بطَّال لعدم الوجوب بقولهِ: «جائزته» والجائزةُ تفضُّلٌ وإحسانٌ ليست واجبة وعليه عامَّةُ الفقهاء، وتأوَّلوا الأحاديثَ أنَّها كانت في أوَّلِ الإسلامِ إذ كانت المواساةُ واجبةً (وَلَا يَحِلُّ لَهُ) أي: للضَّيف (أَنْ يَثْوِيَ) بفتح التحتية وسكون المثلثة وكسر الواو، أنْ يقيمَ (عِنْدَهُ) عند من أضافهُ (حَتَّى يُحْرِجَهُ) بضم التحتية وسكون الحاء المهملة وبعد الراء المكسورة جيم، من الحرجِ، وهو الضِّيق، ولمُسلم: «حتَّى يؤثِّمه» أي: يوقعهُ في الإثم لأنَّه قد يغتابه لطولِ إقامته، أو يعرضُ له بما يؤذيهِ، أو يظنُّ به ظنًّا سيِّئًا، ويستفاد من قولهِ: «حتى (٤) يحرِجه» أنَّه إذا ارتفع الحرجُ جازتِ الإقامة بعد بأن يختارَ المضيف إقامةَ الضَّيف، أو يغلبَ على ظنِّ الضَّيف أنَّ المضيفَ لا يكره ذلك.
والحديثُ سبق في «باب مَن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخرِ فلا يؤذِ جارهُ» من «كتاب الأدب» [خ¦٦٠١٩].
وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام بسنده السَّابق (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق (وَزَادَ) أي: ابنُ أبي أويسٍ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) إيمانًا كاملًا (فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) بضم الميم، من باب نَصَر يَنْصُر، أو بكسرها من باب ضَرَب يَضْرِبُ، أي: ليسكت.
стр. 10839
٦١٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثَنِي» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ الجُعْفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ) عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمان الأسديِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخر (١) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) إيمانًا كاملًا (فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ) وفي «مسلم» في حديثِ أبي هُريرة من طريقِ الأعمشِ، عن أبي صالحٍ: «فليحسنْ إلى جارهِ»، وقد جاء تفسيرُ الإكرام والإحسان إلى الجار، وتركِ أذاهُ في عدَّة أحاديث رواها الطَّبرانيُّ من حديث بهزِ بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه. والخرائطيُّ في «مكارم الأخلاق» من حديث عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه. وأبو الشَّيخ في «الثَّواب» من حديث معاذ بنِ جبلٍ، قالوا: يا رسولَ الله ما حقُّ الجار؟ قال: «إن استقرضَك أقرضتَهُ، وإن استعانَك أعنتَه، وإن مرضَ عدته، وإن احتاجَ أعطيتَه، وإن افتقرَ عدتَ عليه، وإذا أصابَه خيرٌ هنَّيته، وإذا أصابتْه مصيبةٌ عزَّيته، وإذا مات اتَّبعتَ جنازتَه، ولا تستطيلُ عليه بالبناءِ فتحجب عنه الرِّيح إلَّا بإذنهِ، ولا تؤذيهِ بريحِ قدرك إلَّا أن تغرفَ له منها، وإن اشتريتَ فاكهةً فَأَهد له، وإنْ لم تفعلْ فأدخلها سرًّا، ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده». قال في «الفتح»: ألفاظُهم مُتَقاربة، والسِّياق أكثره لعَمرو بن شُعيب. وفي حديث بهزِ بن حكيمٍ: «وإن أعوز سترتَهُ» وأسانيدُهم واهيةٌ، لكنَّ اختلافَ مخارجها يُشعر بأنَّ للحديثِ أصلًا.
(وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) إيمانًا تامًّا (فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) بأن يزيدَ في قِرَاه على ما كان يفعل في عيالهِ (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) إيمانًا كاملًا (فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) وفي حديث أبي أُمامة عند الطَّبرانيِّ والبيهقيِّ في «الزهد» «فليقلْ خيرًا ليغنمْ أو ليسكتْ عن (٢) شرٍّ ليسلم». وفي مَعنى الأمر بالصَّمت أحاديث كثيرةٌ، كحديثِ ابن مسعود عند الطَّبرانيِّ قلت: يا رسول الله، أيُّ الإيمان أفضل؟ … الحديث. وفيه «أن يسلمَ المسلمون من لسانكَ». وفي حديث البراءِ عند أحمدَ وصحَّحه ابن حبَّان مرفوعًا «فكفَّ لسانَكَ إلَّا من خيرِ». وحديث ابنِ عمر عند التِّرمذيِّ «من صمتَ نجا» وعندهُ من حديث ابنِ عمر «كثرةُ الكلامِ بغيرِ ذكر الله تُقسِّي القلب». أسألُ الله العافية.
стр. 10840
٦١٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) المصريِّ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثدٍ -بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة آخره دال مهملة- اليزنيِّ (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الجهنيِّ (¬﵁، أنَّه قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا) بنونين وفتح أوله، أي: لا يُضيِّفونا (فَمَا تَرَى) فيه؟ (فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا) ذلك منهم (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ) بضميرِ الجمعِ، فهو على حدِّ قوله: ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] كما مرَّ، الضَّيف (١) مصدرٌ يستوي فيهِ الجمعُ والواحد، وقد حملَ اللَّيث الحديثَ على الوجوبِ عملًا بظاهر الأمر، وأن يُؤخذ ذلك منهم إن امتنعوا قهرًا، وقال أحمد بالوجوبِ على أهل الباديةِ دون القُرى، وتأوَّله الجمهورُ على المضطرين فإنَّ ضيافتَهم واجبةٌ، أو المراد خذوا من أعراضِهم، أو هو محمولٌ على من مرَّ بأهل الذِّمَّة الَّذين شرطَ عليهم ضيافة من مرَّ (٢) بهم من المسلمين، وضعِّف هذا.
وسبق مزيدٌ لهذا في «كتاب المظالم» في «باب قصاص المظلومِ إذا وجد مال ظالمه» [خ¦٢٤٦١].
٦١٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو جعفرٍ الجعفيُّ الحافظ المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلم ابنِ شهابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
стр. 10841
قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) اختُلف في حدِّ الرَّحم الَّتي يجب صلتُها، فقيل: كلُّ رحمٍ محرَّمٌ، بحيث لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حرُمت مناكحتها، فعلى هذا لا يدخلُ أولادُ الأعمامِ وأولاد الأخوالِ، واحتجَّ هذا القائل بتحريم الجمعِ بين المرأةِ وعمَّتها وخالتها في النِّكاح ونحوه، وجوَّز ذلك في بنات الأعمامِ والأخوال، وقيل: هو عامٌّ في كلِّ رَحِمٍ من ذوي الأرحامِ في الميراث يَستوي فيه المحرَّمُ وغيره، ويدلُّ له قوله ﷺ : «أدناكَ أدناكَ» (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا) ليغنَم (أَوْ لِيَصْمُتْ) أي: يسكت (١) عن سوءٍ ليسلم، وهذا من جوامعِ الكَلِم، وجواهرِ الحكم الَّتي لا يعرف أحدٌ ما في بحارِ معانيها إلَّا من أمدَّه بفيضِ مددهِ، وذلك أنَّ القول كلَّه إمَّا خيرٌ أو شرٌّ أو آيلٌ إلى أحدِهما، فيدخل في الخير كلُّ مطلوبٍ من الأحوال (٢) فرضها وندبها، فأذنَ فيه على اختلافِ أنواعهِ، ودخل فيه ما يؤولُ إليه، وما عدَا ذلك ممَّا هو شرٌّ أو يؤولُ إليه، فأمرَ عند إرادةِ الخوضِ فيه بالصَّمت، ولا ريبَ أنَّ خطرَ اللِّسان عظيم، وآفاتُه كثيرةٌ من الكذبِ والغيبةِ، وتزكية النَّفس، والخوض في الباطلِ، ولذلك حلاوة في القلبِ، وعليه (٣) بواعث من الطَّبع ومن الشَّيطان، فالخائضُ في ذلك قلَّما يقدرُ على أن يزمَّ لسانه، ففي الخوضِ خطرٌ، وفي الصَّمت سلامةٌ مع ما فيه من جمع الهمَّة ودوام الوقارِ والفراغِ للعبادةِ، والسَّلامةِ من تبعاتِ القول في الدُّنيا، ومن الحسابِ في الآخرة، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقال ﵊: «املكْ عليك لسانكَ» أي: اجعلْه مملوكًا لكَ فيما عليكَ وَبَالُهُ وتبعتُه، وأمسكْه عمَّا (٤) يضرُّك، وأطلقْه فيما ينفعُك.
(٨٦) (بابُ صُنْعِ الطَّعَامِ، وَالتَّكَلُّفِ) لمن قدر عليه (لِلضَّيْفِ).
стр. 10842
٦١٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا جَعْفَرُ ابْنُ عَوْنٍ) بالنُّون، ابن (١) جعفر بنِ عَمرو بن حُريثٍ المخزوميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضم العين المهملة وفتح الميم آخره مهملة مصغَّرًا، عتبة بن عبد الله المسعوديُّ الكوفيُّ (عَنْ عَوْنِ ابْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بالجيم المضمومة ثمَّ الحاء المهملة والفاء مصغَّرًا، وهب (عَنْ أَبِيهِ) أنَّه (قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ) الفارسيِّ (وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) عُويمر (فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ) زوجة أبي الدَّرداء، واسمها خَيْرة -بفتح الخاء وسكون التحتية- بنت أبي حدردٍ الأسلميَّة صحابيَّة بنت صحابيٍّ، وليستْ هي زوجتُه أمَّ الدَّرداء هُجَيمةَ التَّابعيَّة (مُتَبَذِّلَةً) بفتح الفوقية والموحدة وكسر المعجمة المشددة، أي: لابسةً ثياب البِذْلة -بكسر الموحدة وسكون المعجمة- المهنة وزنًا ومعنًى، أي: أنَّها تاركة للباسِ الزِّينة (فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟) متبذِّلةً يا أمَّ الدَّرداء (قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي) نساءِ (الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا) وقرَّبه إليه ليأكلَ (فَقَالَ (٢)) أبو الدَّرداء لسلمان: (كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ) سلمانُ لأبي الدَّرداء: (مَا أَنَا بِآكِلٍ) من طعامكَ شيئًا (حَتَّى تَأْكُلَ مِنْهُ) وغرضُه بذلك صرفُ أبي الدَّرداء عمَّا (٣) يصنعُه من الجهدِ في العبادةِ وغير ذلك ممَّا تضرَّرت منه أمُّ الدَّرداء زوجته (فَأَكَلَ) أبو الدَّرداء معه (فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ) أي: في أوَّله (ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ) يتهجَّدُ (٤) (فَقَالَ) له سلمان: (نَمْ. فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ) أبو الدَّرداء (يَقُومُ، فَقَالَ) له سلمان: (نَمْ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ) وعند
стр. 10843
التِّرمذيِّ فلما كان عند الصُّبح. وللدارقطنيِّ فلمَّا كان في وجهِ الصُّبح. ولأبي ذرٍّ: «من آخرِ اللَّيل» (قَالَ سَلْمَانُ) له: (قُمِ الآنَ. قَالَ) وللطَّبرانيِّ: فقاما فتوضَّآ: (فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وإنَّ لنفسك» (عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا (١)، فَأَعْطِ) بهمزةِ قطعٍ (كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى) أبو الدَّرداء (النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ) الَّذي قالهُ سلمان (لَهُ) ﷺ (فَقَالَ) له (٢) (النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ سَلْمَانُ) وعندَ الدَّارقطنيِّ ثمَّ خرجا إلى المصلَّى فدنا أبو الدَّرداء ليخبرَ النَّبيَّ ﷺ بالَّذي قال له سلمانُ فقال له: «يا أبا الدَّرداء إنَّ لجسدِكَ عليكَ حقًّا» مثل ما قال سلمانُ، ففي هذه الرِّواية: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أشارَ إليهما بأنَّه علمَ بطريقِ الوحي ما دارَ بينهما وليسَ ذلك في روايةِ محمَّد بن بشَّار، فيحتملُ أنَّه كاشفهما بذلك أوَّلًا، ثمَّ أطلعه أبو الدَّرداء على صورةِ الحال فقال له: «صدقَ سلمان». وعند الطَّبرانيِّ من وجهٍ آخر، عن محمَّد بن سيرين مرسلًا قال: كان أبو الدَّرداء يُحيي ليلةَ الجمعة، ويصومُ يومها، فأتاهُ سلمان … فذكرَ القصَّة مختصرةً، فقال النَّبيُّ ﷺ : «عُويمر سلمانُ أفقَه منكَ»، وفيه تعيينُ اللَّيلة الَّتي باتَ سلمان فيها عند أبي الدَّرداء.
(أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبٌ السُّوَائِيُّ) بضم السين المهملة وتخفيف الواو والمد (يُقَالُ) له (وَهْبُ الخَيْرِ) وقوله: «أبو جُحَيفة … » إلى آخره سقط لأبي ذرٍّ. قال في «فتح الباري»: ووقع في التَّكلُّف للضَّيف حديث سلمان نهانا رسولُ الله ﷺ أن نتكلَّف للضَّيف. أخرجه أحمدُ والحاكم، وفيه قصَّة سلمان مع ضيفهِ حيثُ طلب منه زيادةً على ما قدَّم له، فرهنَ مِطْهرتهُ بسببِ ذلك، ثمَّ قال الرَّجل لمَّا فرغ: الحمد لله الَّذي قنَّعنا بما رزقنَا، فقال له سلمان: لو قنعتَ ما كانتْ مِطْهَرتي مَرْهونة. انتهى.
وقد كان (٣) سلمانُ إذا دخلَ عليه رجلٌ دعا بما حضرَ خُبزًا ومِلْحًا، وقال: لولا أنَّا نُهينا أن يتكلَّف بعضُنا لتكلَّفتُ لك.
стр. 10844
(٨٧) (بابُ) بيان (مَا يُكْرَهُ مِنَ الغَضَبِ) الَّذي هو غليانُ دمِ القلبِ للانتقام (وَ) ما يُكره من (الجَزَعِ) الَّذي هو نقيضُ الصَّبر (عِنْدَ الضَّيْفِ).
٦١٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بالتحتية والشين المعجمة، الرَّقام البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بنُ عبد الأعلى السَّاميُّ -بالمهملة-، قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي إياسٍ (الجُرَيْرِيُّ) بضم الجيم مصغَّرًا (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهدي -بفتح النون- (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطًا) ثلاثةً، أي: جعلَهم أضيافًا له (فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابنه: (دُونَكَ) أي: الزمْ (أَضْيَافَكَ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَافْرُغْ) بهمزةِ وصلٍ (مِنْ قِرَاهُمْ) بكسر القاف، من ضيافتِهِم (قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ) من عند النَّبيِّ ﷺ (فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ) من الطَّعام (فَقَالَ) لهم: (اطْعَمُوا) بهمزةِ وصل وفتح العين (فَقَالُوا: أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟) أي: صاحبهُ يعنون أبا بكرٍ ﵁ (قَالَ) لهم عبد الرحمن: (اطْعَمُوا. قَالُوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا. قَالَ) لهم: (اقْبَلُوا) بهمزة وصل وفتح الموحدة (عَنَّا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عني» (قِرَاكُمْ، فَإِنَّهُ) أي: أبا بكر (إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا) بفتح الأوَّل والثَّالث (لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ) الأذَى
стр. 10845
وما نَكره (١) (فَأَبَوْا) فامتَنعوا أن يأكلوا (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ) أي: يغضبُ (عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ) أبو بكرٍ ﵁ (تَنَحَّيْتُ عَنْهُ) أي: جعلتُ نفسي من ناحيةٍ بعيدةٍ عنه (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (مَا صَنَعْتُمْ) بالأضيافِ؟ (فَأَخْبَرُوهُ) أنَّهم أَبَوا أنْ يأكلوا إلَّا إن حضرَ (فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ) قال عبد الرحمن: (فَسَكَتُّ) فرقًا منه (ثُمَّ قَالَ) ثانيًا: (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ) قال عبد الرحمن: (فَسَكَتُّ) فرقًا منه (فَقَالَ) في الثَّالثة: (يَا غُنْثَرُ) بضم الغين المعجمة وسكون النون بعدها مثلثة مفتوحة فراء، أي: يا جَاهل، أو يا لئيمُ (أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَّا) بتشديد الميم، أي: إلَّا (جِئْتَ) كما عند سيبويه، أي: لا أطلبُ منك إلَّا مجيئكَ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أجبتَ» (فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ) له: (سَلْ أَضْيَافَكَ) فسألهم (فَقَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «قالوا»: (صَدَقَ أَتَانَا بِهِ) أي: بالقِرى فلن (٢) نقبلَ (قَالَ) أبو بكر: (فَإِنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِي، وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ) لأنَّه اشتدَّ عليه تأخيرُ عشائهم (فَقَالَ الآخَرُونَ) بفتح الخاء المعجمة: (وَاللهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ. قَالَ) أبو بكرٍ ﵁: (لَمْ أَرَ فِي الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ) أي: لم أر ليلةً (٣) مثل هذهِ اللَّيلة في الشَّرِّ (وَيْلَكُمْ) لم يقصدْ بها الدُّعاء عليهم (مَا أَنْتُمْ) استفهام (لِمَ لَا) ولأبي ذرٍّ: «ألا» (تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ هَاتِ) يا عبد الرَّحمن (طَعَامَكَ. فَجَاءَهُ) به، ولأبي ذرٍّ: «فجاء به» (٤) (فَوَضَعَ) أبو بكرٍ ﵁ (يَدَهُ) فيه (فَقَالَ: بِاسْمِ اللهِ) الحالة (الأُولَى) وهي حالةُ غضبهِ وحلفه أن لا يطعمَ في تلك اللَّيلة (لِلشَّيْطَانِ) أو اللُّقمة (٥) الَّتي أحنثَ نفسه بها وأكلَ. وقال في «المصابيح»: لا شكَّ أنَّ إحناثهُ وأكلَه مع الضَّيف خيرٌ من المحافظةِ على برِّه المفضي إلى ضيقِ صدر الضَّيف، وحصولِ الوحشةِ له والقلق، فكيف يكون ما هو خيرٌ منسوبًا للشَّيطان، فالظَّاهر هو القول الأوَّل (فَأَكَلَ) أبو بكرٍ ﵁ استمالةً لقلوبهم (وَأَكَلُوا) أي: الأضياف. وقال ابن بطَّال: الأولى يعني اللُّقمة الأُولى ترغيم للشَّيطان لأنَّه الَّذي حملهُ على الحلفِ، وباللُّقمة الأولى وقع الحنثُ فيها.
стр. 10846
(٨٨) (بابُ قَوْلِ الضَّيْفِ لِصَاحِبِهِ: وَاللهِ (١) لَا آكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ. فِيهِ) أي: في الباب (حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ) وهب السُّوائيُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
٦١٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بن عُبيد (٢) العنَزَيُّ -بفتح النون وبالزاي (٣) - المعروف بالزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمَّد بنُ أبي عدي، واسمه إبراهيمُ البصريُّ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن طَرْخان (٤) التَّيميِّ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵄: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِضَيْفٍ لَهُ -أَوْ بِأَضْيَافٍ لَهُ-) ثلاثةٌ، بالشَّكِّ من الرَّاوي، وفي رواية: «أو أضياف» بإسقاط الجارِّ (فَأَمْسَى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حتَّى صلَّى العشاء (فَلَمَّا جَاءَ) أبو بكرٍ (قَالَتْ أُمِّي) أمُّ رومان، ولأبي ذرٍّ: «قالت له أمِّي»: (احْتَبَسْتَ عَنْ ضَيْفِكَ -أَوْ أَضْيَافِكَ-) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أو عن أضيافك» (اللَّيْلَةَ. قَالَ) أبو بكرٍ لأمِّ رومان: (مَا عَشَّيْتِهِمْ؟) استفهام (فَقَالَتْ) له: (عَرَضْنَا عَلَيْهِ) على
стр. 10847
الضَّيف الطَّعام (أَوْ عَلَيْهِمْ) على الأضيافِ (فَأَبَوْا) امتنعوا من الأكل (أَوْ: فَأَبَى) فامتنع الضَّيف (فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ) لذلك (فَسَبَّ) أي: شتم لظنِّه أنَّهم فرَّطوا في حقِّ ضيفهِ (وَجَدَّعَ) بالجيم المفتوحة والدال المهملة المشددة وبعدها عين مهملة، دَعا بقطع الأنفِ، أو الأذُن، أو الشَّفة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وجزع» (١) (وَحَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ) أي: لا يأكلُه. قال عبد الرحمن: (فَاخْتَبَأْتُ أَنَا) فرقًا منه (فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ) يا لئيم، أو يا ثقيلُ (فَحَلَفَتِ المَرْأَةُ) أمُّ عبد الرحمن (لَا تَطْعَمُهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ) أبو بكر (فَحَلَفَ الضَّيْفُ -أَوِ الأَضْيَافُ- أَنْ لَا يَطْعَمَهُ -أَوْ يَطْعَمُوهُ- حَتَّى يَطْعَمَهُ) أبو بكرٍ، ولأبي ذرٍّ: «حتَّى تطعموه» بالفوقية والجمع، أي: أبو بكرٍ وزوجته وابنه (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَأَنَّ هَذِهِ) الحالة، أو اليمين (مِنَ الشَّيْطَانِ فَدَعَا بِالطَّعَامِ (٢)، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا (٣) لَا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلَّا رَبَا) زاد الطَّعام، ولأبي ذرٍّ: «إلَّا ربت» أي: اللُّقمة (مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا) من اللُّقمة المرفوعة (فَقَالَ) أبو بكرٍ لأمِّ رومان: (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة، وهو غَنْم بنُ مالك بنِ كنانة، وأمُّ رومان من ذريَّة الحارث بنِ غَنْم، وهو أخو فراس، فنسبها إلى بني فراسٍ لكونهم أشهر من بني الحارثِ، فالمعنى يا أخت القومِ المنتسبينَ إلى بني فراس (مَا هَذَا؟) استفهامٌ عن الزِّيادة الحاصلةِ في الطَّعام (فَقَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِي) محمَّد ﷺ ، ولعلَّه كان قبل النَّهي عن الحلفِ بغير الله (إِنَّهَا الآنَ لأَكْثَرُ) منها (قَبْلَ أَنْ نَأْكُلَ) بالنون (٤) منها (فَأَكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا) بالجَفْنة (٥) (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَ أنَّه أَكَلَ مِنْهَا) وهذه كرامةٌ من آياتهِ ﷺ ظهرتْ على يدِ أبي بكرٍ ﵁.
(٨٩) (بابُ إِكْرَامِ الكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الأَكْبَرُ) في السِّنِّ (بِالكَلَامِ وَالسُّؤَالِ) إذا تساويا في الفضلِ، وإلَّا فيقدَّم الفاضلُ.
стр. 10848
٦١٤٢ - ٦١٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديُّ الواشِحِيُّ -بشين معجمة فحاء مهملة- قاضي مكَّة ثقةٌ حافظٌ، قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هو ابْنُ زَيْدٍ-) أي: ابن درهمٍ الإمام، أبو إسماعيل الأزديُّ الأزرقُ، وسقط لفظ «هو» لأبي ذرٍّ (١) (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة في الأول، وفتح التحتية والسين المهملة المخففة في الثَّاني، الحارثيِّ (مَوْلَى الأَنْصَارِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد التحتية الساكنة جيم، الأنصاريِّ الحارثيِّ الأوسيِّ المدنيِّ (وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح السين المهملة وسكون الهاء، وأبو حَثْمة بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة، واسمه عامرُ بن ساعدةَ الأنصاريُّ الحارثيُّ ﵄ (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ) ولأبي الوقتِ: «أو حَدَّثا (٢)» (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ) الأنصاريَّ، أخا عبد الرَّحمن بن سهلٍ (وَمُحَيِّصَةَ) بضم الميم وفتح الحاء والصاد المهملتين بينهما تحتية مكسورة مشددة (بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ) في أصحابٍ لهما يمتارون تمرًا (فَتَفَرَّقَا) أي: عبد الله بن سهلٍ ومحيِّصة (فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ) فوجده محيِّصة في عينٍ مطروحًا قد كُسرت عنقهُ، وهو يتشحَّط في دمه (فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
стр. 10849
سَهْلٍ) أخو عبد الله المقتول (وَحُوَيِّصَةُ) بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد التحتية المكسورة بعدها صاد مهملة (وَ) أخوه (مُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَكَلَّمُوا) أي: الثَّلاثة (فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ) عبد الله المقتول (فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) أخوهُ بالكلام (وَكَانَ أَصْغَرَ القَوْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «فقال له النَّبيُّ» (¬ ﷺ : كَبِّرِ الكُبْرَ) بهمزة وصل وضم الكاف وتسكين الموحدة، جمع الأكبر، أي: قدِّم الأكبر سنًّا للتَّكلُّم لتحقُّق صورةِ القصَّة وكيفيَّتها لا أنَّه يدَّعيها؛ إذ حقيقةُ الدَّعوى إنَّما هي لأخيه عبد الرَّحمن (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاري: (لِيَلِيَ الكَلَامَ) ولأبي ذرٍّ: «يعني: لِيَلِيَ الكلام» (الأَكْبَرُ) سنًّا (فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ) وفي «الجهاد» فسكتَ -يعني عبد الرَّحمن- فتكلَّما -يعني حويِّصة ومحيِّصة-[خ¦٣١٧٣] (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَتَسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ) أي: ديتَهُ (أَوْ قَالَ: صَاحِبَكُمْ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ) رجلًا (مِنْكُمْ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ) فكيف نحلفُ عليه (قَالَ) ﷺ : (فَتُبَرِّئُكُمْ) بتشديد الراء المكسورة، أي: تخلِّصكم، والذي في «اليونينية»: «فتبْرئكم» بسكون الباء الموحدة (١) (يَهُودُ) من اليمينِ (فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ) وتبرأ إليكم من دعواكم (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ) كيف نأخذُ أيمانهُم؟ والحاصلُ أنَّه ﷺ بدأَ بالمدَّعين (٢) في الأيمان، فلما نكَلُوا ردَّها على المدَّعى عليهم فلم يرضوا بأَيمانهم (فَوَدَاهُمْ) بواو ودال مهملة مخففة مفتوحتين، أعطاهم ديَته، ولأبي ذرٍّ: «ففداهم» (رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ) بكسر القاف وفتح الموحدة، من عندهِ، أو من بيت المال، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «من قَتْله» بفتح القاف وفوقية ساكنة بدل الموحدة.
(قَالَ سَهْلٌ) هو ابنُ أبي حَثْمة المذكور: (فَأَدْرَكْتُ نَاقَةً مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ) الَّتي وداها النَّبيُّ ﷺ في ديته (فَدَخَلَتْ) بفتح اللام وسكون الفوقية، أي: النَّاقة (مَرْبَدًا لَهُمْ) بفتح الميم في «اليونينية» وفي غيرها بكسرها وفتح الموحدة، أي: الموضع الَّذي تجتمعُ فيه الإبل (فَرَكَضَتْنِي) أي: رفستْني (بِرِجْلِهَا) قال ذلك ليبيِّن ضبطَه للحديثِ ضبطًا شافيًا بليغًا.
стр. 10850
(قَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا وصله مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى) بن سعيد الأنصاريُّ (عَنْ بُشَيْرٍ) هو ابنُ يسارٍ المذكور (عَنْ سَهْلٍ) هو: ابنُ أبي حَثْمة (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ: (حَسِبْتُ أَنَّهُ) أي: بُشَيرًا (قَالَ): عن سهلٍ (مَعَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ممَّا وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ (عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ) لم يقل: ورافع بن خَدِيج.
٦١٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرني» بالإفراد فيهما (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لمن عندهُ من أصحابهِ: (أَخْبِرُونِي) وعند الإسماعيليِّ: «أَنْبؤوني» (بِشَجَرَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «شجرةً» بإسقاط الجارِّ والنَّصب (مَثَلُهَا) بفتح الميم والمثلثة، كقوله: (مَثَلُ المُسْلِمِ) في النَّفع العامِّ في جميع الأحوالِ (تُؤْتِي أُكُلَهَا) تُعطي ثمرها (كُلَّ حِينٍ) أقَّته الله لإثمارها (بِإِذْنِ رَبِّهَا) بتيسيرِ خالقهَا وتكوينهِ (وَلَا تَُحَُتُّ) بالبناء للفاعل، والمفعول (١) (وَرَقَُهَا؟) برفع (٢) القاف ونصبها في «اليونينيَّة» والظَّاهر النَّصب (٣) قال ابن عُمر: (فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّها النَّخلة» (فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ) بفتح المثلثة، وهناكَ (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) ﵄، هيبةً منهما وتوقيرًا (فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هِيَ النَّخْلَةُ. فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ: يَا أَبَتَاهْ) بسكون الهاء في الفرع كأصله (٤)، وفي غيرهما (٥) بالضَّم (وَقَعَ فِي
стр. 10851
نَفْسِي النَّخْلَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنَّها النَّخلة» (قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) في الرِّواية الأخرى: «من حُمُر النَّعم» (قَالَ) ابن عُمر: قلتُ: يا أبتاه (مَا مَنَعَنِي إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ) ذلك لذلك. قال في «الفتح»: وكأنَّ البخاريَّ أشارَ بإيرادِ هذا الحديث هنا إلى تقديمِ (١) الكبير حيث يقعُ التَّساوي، أمَّا لو كان عند الصَّغير ما ليس عند الكبيرِ فلا يُمنعُ من الكلامِ بحضرة الكبيرِ؛ لأنَّ عمرَ تأسَّف حيثُ لم يتكلَّم ولدهُ مع أنَّه اعتذرَ له بكونهِ بحضورهِ وحضورِ أبي بكرٍ، ومع ذلك تأسَّف على كونهِ لم يتكلَّم. انتهى.
والحاصل أنَّ الصَّغير إذا تخصَّصَ بعلمٍ جازَ له أن يتقدَّم به، ولا يعَدُّ ذلك سوءَ أدبٍ، ولا تنقيصًا لحقِّ الكبيرِ، ولذا قال عمرُ: لو كنتَ قلتَها كان أحبَّ إليَّ.
وهذا الحديثُ سبقَ في مواضع [خ¦٦١] [خ¦٦٢] [خ¦١٣١] [خ¦٤٦٩٨] [خ¦٥٤٤٨].
(٩٠) (بابُ مَا يَجُوزُ) أن يُنشدَ (مِنَ الشِّعْرِ) وهو الكلام المقفَّى الموزون قصدًا، والتَّقييد بالقصدِ مُخْرِج ما وقع موزونًا اتفاقًا فلا يسمَّى شعرًا (وَ) ما يجوز من (الرَّجَزِ) بفتح الراء والجيم بعدها زاي، وهو نوعٌ من الشِّعر عند الأكثرِ، فعلى هذا يكون عطفهُ على الشِّعر من عطفِ الخاصِّ على العامِّ، واحتجَّ القائل بأنَّه ليس بشعرٍ، بأنَّه (٢) يقال فيه: راجزٌ لا شاعرٌ، وسمِّي رجزًا لتقارب أجزائهِ واضطراب اللِّسان به، يقال: رَجَزَ البعيرُ، إذا تقاربَ خَطْوهُ واضطربَ لضعفٍ فيه (وَ) ما يجوزُ من (الحُدَاءِ) بضم الحاء وتخفيف الدال المفتوحة المهملتين يمدُّ ويُقصر، سَوقِ الإبلِ بضربٍ مخصوصٍ من الغناء (٣)، ويكون بالرَّجَز غالبًا، وأوَّل من حَدا الإبل عبدٌ لمُضَرَ بنِ نزارِ بن معدِّ بن
стр. 10852
عدنان، كان في إبلٍ لمضر فقصَّر، فضربَه مُضر على يدهِ فأوجعهُ، فقال: يا يداهُ يا يداهُ، وكان حسنَ الصَّوت، فأسرعتِ الإبلُ لَمَّا سمعته في السَّير، فكان ذلك مبدأ الحُدَاء، رواه ابنُ سعدٍ بسندٍ صحيحٍ عن طاوس مرسلًا، وأورده البزَّار موصولًا عن ابن عبَّاس. دخلَ حديثُ بعضهم في بعضٍ، ويلحقُ به غناءُ الحجيجِ المشوِّق للحجِّ بذكر الكعبةِ البيت الحرام وغيرها من المشاعرِ العظام، وما يحرِّضُ أهل الجهادِ على القتال (١)، ومنه غناءُ المرأة لتسكيت الولد في المهد (وَ) بيان (مَا يُكْرَهُ) إنشادُه (مِنْهُ) من الشِّعرِ، والجائز من الشِّعر ما لم يكثر منه في المسجدِ، وخلا عن الهجو، وعن الإغراقِ في المدحِ، والكذب المحضِ، فالتَّغزُّل بمعيَّنٍ لا يسوغُ.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿وَالشُّعَرَاء﴾) مبتدأ خبرُه (﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾) أي: لا يتبعُهم على باطلهِم وكذبهِم، وتمزيقِ الأعراضِ، والقَدح في الأنسابِ، ومدح من لا يستحقُّ المدح والهجاء، ولا يستحسنُ ذلك منهم إلَّا الغاوون، أي: السُّفهاء، أو الرَّاوون، أو الشَّياطين، أو المشركون، وسمَّى الثَّعلبيُّ من شعراء المشركين: عبدَ الله بن الزِّبَعْري (٢)، وهُبيرةَ بن أبي وَهْبٍ، ومُسَافعَ بن عبد مناف وأبا عزة (٣) عَمرو، وأميَّة بنَ أبي الصَّلت. قال الزَّجَّاج: إذا مدحَ أو هجا شاعرٌ بما لا يكون، وأحبَّ ذلك قومٌ وتابعوه، فهم الغاوون (﴿أَلَمْ تَرَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقولهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾» (٤) (﴿أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ﴾) من الكلام (﴿يَهِيمُونَ﴾) خبر ﴿أَنَّ﴾ أي: في كلِّ فنٍّ من الكذبِ يتحدَّثون، أو في كلِّ لغوٍ وباطلٍ يخوضون، كما يأتي قريبًا عن ابن عبَّاس إن شاء الله تعالى، والهائم الذَّاهب على وجههِ لا مقصدَ له، وهو تمثيلٌ لذهابهم في كلِّ شعبٍ من القولِ، واعتسافِهم حتَّى يفضِّلوا أجبنَ النَّاس على عنترةَ، وأبخلهم على حاتمٍ. وعن الفرزدق أنَّ سليمانَ بنَ عبد الملك سمعَ قوله:
فَبِتْنَ بِجَانبَيَّ مُصَرَّعَاتٍ … وَبِتُّ أَفُضُّ أَغْلَاقَ الخِتَامِ
стр. 10853
فقال: قد وجبَ عليك الحدُّ، فقال: قد درأَ الله الحدَّ عنِّي بقولهِ: (﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾) حيث وصفَهم بالكذبِ، والخلف في الوعد، ثمَّ استثنى الشُّعراء المؤمنين الصَّالحين بقولهِ: (﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾) كعبد الله بنِ رواحة، وحسَّان بن ثابتٍ، وكعبِ بن زهير، وكعبِ بن مالك (﴿وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾) يعني كان ذكرُ الله وتلاوةُ القرآن أغلب عليهم من الشِّعر، وإذا قالوا شعرًا قالوه في توحيدِ الله، والثَّناء عليه، والحكمة والموعظة والزُّهد والأدب، ومدح رسول الله ﷺ والصَّحابة وصلحاء الأمَّة ونحو ذلك ممَّا ليس فيه ذنبٌ (﴿وَانتَصَرُوا﴾) وهجوا (﴿مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾) هجوًا، أي: ردُّوا هجاء من هجا رسولَ الله ﷺ والمسلمين، وأحقُّ الخلق بالهجاءِ من كذَّب رسول الله ﷺ وهجاهُ. وعن كعب بن مالكٍ: أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «اهجُهم فوالَّذي نفسِي بيده لهو أشدُّ عليهم من النَّبل» وكان يقول لحسَّان: «قلْ وروحُ القُدس معك» وختم (١) السُّورة بما يقطع أكبادَ المتدبِّرين، وهو قوله: (﴿وَسَيَعْلَمُ﴾) لِمَا (٢) فيه من الوعيدِ البليغ، وقوله: (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾) وإطلاقه (٣)، وقوله: (﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]) وإبهامهُ. قال ابنُ عطاء: سيعلمُ المُعْرض عنَّا ما الَّذي فاته منَّا، وقوله: ﴿أَيَّ﴾ نصب بـ ﴿يَنقَلِبُونَ﴾ على المصدرِ لا بـ ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ لأنَّ أسماء الاستفهامِ لا يعملُ فيها ما قبلها، أي: ينقلبون أيَّ انقلابٍ، وسياق الآية إلى آخر السُّورة ثابتٌ في رواية كريمةَ والأَصيليِّ، ووقع في رواية أبي ذرٍّ بعد قولهِ: ﴿الْغَاوُونَ﴾ أن قال: «إلى آخر السُّورة». ثمَّ قال: «وقولهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ﴾» وذكر: «إلى آخر السُّورة» كذا في الفرع وأصله (٤)، وفيه أيضًا على قولهِ: «﴿وَأَنَّهُمْ﴾ … إلى آخر السُّورة» علامة السُّقوط لأبي ذرٍّ أيضًا. وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ: ووقع في رواية أبي ذرٍّ بين قوله: ﴿يَهِيمُونَ﴾ وبين قولهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾ لفظ: «وقوله» وهي (٥) زيادةٌ لا يحتاجُ إليها (٦).
стр. 10854
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في تفسير قولهِ: ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ فيما وصله ابنُ أبي حاتمٍ والطَّبريُّ: (فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ).
٦١٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أخي حمزة الحافظ أبو بشرٍ الحمصيُّ مولى بني أميَّة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلم ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشامٍ المخزوميُّ (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) بن أبي العاص بن أميَّة، أبا عبد الملك الأمويَّ، المدنيَّ، ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستِّين، ومات سنة خمس في رمضان وله ثلاث أو إحدى وستُّون، لا تثبتُ له صحبةٌ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ) بن وهب بنِ عبد منافِ بنِ زُهرة الزُّهريَّ، وُلد على عهده ﷺ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) سيِّد القرَّاء الأنصاريَّ الخزرجيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً) أي: قولًا صادقًا مطابقًا للحقِّ، وقيل: كلامًا نافعًا يمنعُ من الجهل والسَّفه، وإذا كان في الشِّعر حكمة كالمواعظ والأمثال الَّتي تنفعُ الناس، فيجوز إنشادهُ بلا ريبٍ.
والحديثُ أخرجه أبو داود وابنُ ماجه في «الأدب».
٦١٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) العبديِّ، ويقال: العجليِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ (١): سَمِعْتُ جُنْدَبًا) بضم الجيم وسكون النون، ابن عبد الله بن سفيان البجليَّ الصَّحابيَّ (يَقُولُ: بَيْنَمَا) بالميم (النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي)
стр. 10855
وفي رواية ابن عُيينة عن الأسودِ، عن جُنَدب: كنتُ مع النَّبي ﷺ في غارٍ. وفي روايةِ شعبة (١)، عن الأسود -عند الطَّيالسيِّ وأحمد-: خرج إلى الصَّلاة (إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ) بفتح العين المهملة والمثلثة، أي: سقطَ (فَدَمِيَتْ) بفتح الدال المهملة وكسر الميم وفتح التحتية (إِصْبَعُهُ، فَقَالَ) ﷺ متمثِّلًا بقول عبد الله بن رواحة: (هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ) بكسر التاء الفوقية في آخر القسمين (٢) على وفق الشِّعر. وقال الكِرْمانيُّ: والتاء في الرَّجز مكسورةٌ وفي الحديث ساكنةٌ. وقال غيره: إنَّ النَّبيَّ ﷺ تعمَّد إسكانهما ليخرج القسمين عن الشِّعر، وردَّ بأنَّه يصيرُ من ضربٍ آخرَ من الشِّعر، وهو من ضروبِ البحر الملقَّب بالكاملِ، وفي الثَّاني زحاف جائز. قال القاضي عياض: وقد غفلَ بعض النَّاس فروى دَمِيت ولَقِيت بغير مدٍّ، فخالف الرِّواية؛ ليسلم من الإشكال، فلم يُصِب.
وقال في «شرح المشكاة»: قوله: «دميت» صفةُ «إصبع»، أي: ما أنت يا إصبعُ موصوفةٌ بشيءٍ من الأشياء إلَّا بأن دميتِ، كأنَّها لَمَّا توجَّعت خاطبها على سبيلِ الاستعارة، أو الحقيقة معجزة مسلِّيًا لها، أي: تثبَّتي على نفسك، فإنَّكِ ما ابتُليتِ بشيءٍ من الهلاكِ والقطعِ سوى أنَّك دُميتِ، ولم يكن ذلك هدرًا بل كان في سبيل الله ورضاه، وقد ذكر ابنُ أبي الدُّنيا في «محاسبة النفس»: أنَّ جعفرَ بن أبي طالبٍ لَمَّا قُتل في غزوةِ مُؤْتَةَ بعد أن قُتل زيدُ بن حارثة، وأخذ اللِّواء عبدُ الله بن رواحة فقاتلَ فأصيبتْ إصبعه فارتجزَ، وجعل يقول: هل أنت إلَّا إصبعٌ … إلى آخره، وزاد:
يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوْتِي … هَذَا (٣) حِيَاضُ المَوْتِ قَدْ صَلِيْتِ
وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ لَقِيْتِ … إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيْتِ
والصَّحيح أنَّه يجوز له ﷺ أن يتمثَّل بالشِّعر وينشدهُ حاكيًا له عن غيرهِ.
والحديثُ مضى في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٢].